صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

صلى الله على سيدنا محمد و آله و سلم تسليما
قال أبو الحاتم محمد بن حبان بن أحمد التميمي :
الحمد لله الذي ليس له حد محدود فيتوى و لا له أجل معدود فيفنى و لا يحيط به جوامع المكان و لا يشتمل عليه تواتر الزمان و لا يدرك نعمته بالشواهد و الحواس و لا يقاس صفات ذاته بالناس تعاظم قدره عن مبالغ نعت الواصفين و جل وصفه عن إدراك غاية الناطقين و كل دون وصف صفاته تحبير اللغات و ضل عن بلوغ قصده تصريف الصفات و جاز في ملكوته غامضات أنواع التدبير و انقطع عن دون بلوغه عميقات جوامع التفكير و انعقدت دون استبقاء حمده ألسن المجتهدين و انقطعت إليه جوامع أفكار آمال المنكرين إذ لا شريك له في الملك و لا نظير و لا مشير له في الحكم و لا وزير و أشهد أن لا إله إلا الله أحصى كل شيء عددا و ضرب لكل امرئ { ليهلك من هلك عن بينة و يحيى من حي عن بينة } و أشهد أن محمدا عبده المجتبى و رسوله المرتضى بعثه بالنور الساطع و الضياء اللامع فبلغ عن الله عز و جل الرسالة و أوضح فيما دعا إليه الدلالة فكان في اتباع سنته لزوم الهدى و في قبول ما أتى به وجود السنا فصلى الله عليه و على آله الطيبين
أما بعد فإن الله اختار محمدا صلى الله عليه و سلم من عباده و استخلصه لنفسه من بلاده فبعثه إلى خلقه بالحق بشيرا و من النار لمن زاغ عن سبيله نذيرا ليدعو الخلق من عباده إلى عبادته و من اتباع السبيل إلى لزوم طاعته ثم لم يجعل الفزع عند وقوع حادثة و لا الهرب عند وجود كل نازلة إلا إلى الذي أنزل عليه التنزيل و تفضل على عباده بولايته التأويل فسنته الفاصلة بين المتنازعين و آثاره القاطعة بين الخصمين
فلما رأيت معرفة السنن من أعظم أركان الدين و أن حفظها يجب على أكثر المسلمين و أنه لا سبيل إلى معرفة السقيم من الصحيح و لا صحة إخراج الدليل من الصريح إلا بمعرفة ضعفاء المحدثين و كيفية ما كانوا عليه من الحالات أردت أن أملي أسامي أكثر المحدثين و من الفقهاء من أهل الفضل والصالحين و من سلك سبيلهم من الماضين بحذف الأسانيد و الاكثار و لزوم سلوك الاختصار ليسهل على الفقهاء حفظها و لا يصعب على الحفاظ وعيها و الله أسأل التوفيق لما أوصانا و العون على ما له قصدنا و أسأله أن يبني دار المقامة من نعمته و منتهى الغاية من كرامته في أعلى درجة الأبرار المنتخبين الأخيار إنه جواد كريم رؤوف رحيم

(1/21)


[ أخبرنا أحمد بن مكرم بن خالد البرتي ثنا علي بن المديني ثنا الوليد بن مسلم ثنا ابن يزيد ثنا خالد بن معدان حدثني عبد الرحمن بن عمرو السلمي و حجر ابن حجر الكلاعي قالا : أتينا العرباض بن سارية و هو ممن نزل فيه { و لا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه } فسلمنا و قلنا : أتيناك زائرين و عائدين و مقتبسين فقال العرباض : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه و سلم الصبح ذات يوم ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون و وجلت منها القلوب فقال قائل : يا رسول الله ! كان هذا موعظة مودع فماذا تعهد إلينا ؟ قال : أوصيكم بتقوى الله و السمع و الطاعة و إن عبدا حبشيا مجدعا فإنه من يعيش منكم فسيرى اختلافا ! فعليكم بسنتي و سنة الخلفاء الراشدين المهديين فتمسكوا بها و عضوا عليها بالنواجذ و إياكم و محدثات الأمور ! فإن كل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة ] قال الوليد : فذكرت هذا الحديث لعبد الله بن العلاء بن زبر ؟ فقال : نعم حدثني بنحو من هذا الحديث
قال أبو حاتم : إن الله جل و علا اصطفى محمدا صلى الله عليه و سلم من بين خلقه و بعثه بالحق بشيرا و نذيرا و افترض على خلقه طاعته و مذكوره و حدثنا فقال { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله و رسوله و أولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله و رسوله } و قال { و ما كان لمؤمن و لا مؤمنة إذا قضى الله و رسوله أمرا } الآية فأمر الله بطاعة رسوله مع طاعته و عند التنازع بالرجوع إلى سنته إذ هو المفزع الذي لا منازعة لأحد من الخلق فيه فمن تنازع في شيء بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم وجب رد أمره إلى قضاء الله ثم إلى قضاء رسوله صلى الله عليه و سلم لأن طاعة رسوله طاعته قال الله تعالى { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث } الآية و قال { من يطع الرسول فقد أطاع الله } فقد أعلمهم جل و علا أن اتباعهم رسوله اتباعه وأن طاعتهم له طاعته ثم ضمن الجنة لمن أطاع رسوله و اتبع ما أجابه فقال : { و من يطع الله و الرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم } الآية ثم أعلمنا جل و علا أنه لم يجعل الحكم بينه وبين خلقه إلا رسوله و نفى الإيمان عن من لم يحكمه فيما شجر بينهم قال { فلا و ربك لا يؤمنون } الآية ثم أعلمنا جل و علا أن دعاهم إلى رسوله ليحكم بينهم إنما دعاهم إلى حكم الله لا أن الحاكم بينهم و رسول الله صلى الله عليه و سلم و أنهم متى ما سلموا الحكم لرسول الله صلى الله عليه و سلم فقد سلموه بفرض الله قال الله عز و جل { إذا دعوا إلى الله و رسوله ليحكم بينهم } إلى قوله { فأولئك هم الفائزون } ذا حكم الله فرضه بإلزام خلقه طاعة رسوله و إعلامهم أنها طاعته ثم أعلمنا أن الفرض على رسوله اتباع أمره فقال { اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو و أعرض عن المشركين } و قال جل و علا { ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها و لا تتبع } الآية و قال { يأيها النبي اتق الله و لا تطع الكفرين } إلى قوله { خبيرا } ثم شهد الله جل و علا لرسوله باتباع أمره و استمساك بأمره لما سبق في علمه من إسعاده بعصمته و توفيقه للهدى مع هداية من اتبعه فقال { و لولا فضل الله عليك و رحمته لهمت طائفة منهم } الآية ثم أمره الله جل و علا بتبليغ ما أنزل إليه مع الشهادة له بالعصمة من بين الناس
فقال { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك و إن لم تفعل فما بلغت رسالته و الله يعصمك من الناس } ثم أعلمنا أن الذي يهدي إليه رسوله هو الصراط المستقيم الذي أمرنا باتباعه فقال { و كذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتب و لا الإيمان } إلى قوله { و ما في الأرض } ففي هذه الآية التي طولناها ما أقام بها الحجة على خلقه بالتسليم لحكم رسول الله صلى الله عليه و سلم و اتباع أمره فكل ما بين رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما ليس لله فيه حكم فبحكم الله سنه و وجب علينا اتباعه و في العنود عن اتباعه معصية إذ لا حكم بين الله و بين خلقه إلا الذي و صفه الله جل و علا موضع الإبانة لخلقه عنه
فالواجب على كل من انتحل العلم أو نسب إليه حفظ سنن المصطفى صلى الله عليه و سلم و التفقه فيها و لا حيلة لأحد في السبيل إلى حفظها إلا بمعرفة تاريخ المحدثين و معرفة الضعفاء منهم من الثقات لأنه متى لم يعرف ذاك لم يحسن تمييز الصحيح من السقيم و لا عرف المسند من المرسل و لا الموقوف من المنقطع فإذا وقف على أسمائهم و أنسابهم و عرف ـ أعني بعضهم بعضا ـ و ميز العدول من الضعفاء وجب عليه حينئذ التفقه فيها و العمل بها ثم إصلاح النية في نشرها إلى من بعده رجاء استكمال الثواب في العقبى بفعله ذلك إذ العلم من أفضل ما يخلف المرء بعده نسأل الله الفوز على ما يقربنا إليه ويزلفنا لديه

(1/23)


إذ هو من خير ما يخلف المرء بعده
[ أخبرنا الفضل بن الحباب ثنا موسى بن إسماعيل ثنا إسماعيل بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له ]

(1/27)


أخبرنا محمد بن محمد الهمداني ثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني ثنا بشر ابن المفضل ثنا ابن عون [ عن محمد بن سيرين عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبي بكرة ذكر النبي صلى الله عليه و سلم قال : وقف على بعيره و أمسك إنسان بخطامه ـ أو قال : بزمامه ـ فقال : أي يوم هذا ؟ فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه فقال : أليس بيوم النحر ؟ قلنا بلى قال : فأي شهر هذا ؟ فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه فقال : أليس بذي الحجة ؟ قلنا : بلى قال : فأي بلد هذا ؟ فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه فقال : أليس البلد الحرام ؟ قلنا : بلى فقال : إن دماءكم و أموالكم و أعراضكم بينكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ألا ! ليبلغ الشاهد منكم الغائب فإن الشاهد عسى أن يبلغ من أوعى له منه ]
قال أبو حاتم في قوله صلى الله عليه و سلم : [ ليبلغ الشاهد منكم الغائب ] كالدليل على استحباب حفظ تاريخ المحدثين الوقوف على معرفة الثقات منهم من الضعفاء إذ لا يتهيأ للمرء أن يبلغ الغائب ما شهد إلا بعد المعرفة بصحة ما يؤدي إلى من بعده و أنه إذا أدى إلى من بعده ما لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فكأنه لم يؤد عنه صلى الله عليه و سلم شيئا و لا سبب له إلى معرفة صحة الأخبار و سقيمها إلا بمعرفة تاريخ من ذكر اسمه من المحدثين و كتابا أبين فيه الضعفاء و المتروكين و أبدأ منهما بالثقات فنذكر ما كانوا عليه في الحالات فأول ما أبدأ في كتابنا هذا ذكر المصطفى صلى الله عليه و سلم و مولده و مبعثه و هجرته إلى أن قبضه الله تعالى إلى جنته ثم نذكر بعده الخلفاء الراشدين المهديين بأيامهم إلىأن قتل علي رحمة الله عليه ثم نذكر صحب رسول الله صلى الله عليه و سلم واحدا واحدا على المعجم إذ هم خير الناس قرنا بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم نذكر بعدهم التابعين الذين شافهوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم في الأقاليم كلها على المعجم إذ هم خير الناس بعد الصحابة قرنا ثم نذكر القرن الثالث الذين رأوا التابعين فأذكرهم على نحو ما ذكرنا الطبقتين الأوليين ثم نذكر القرن الرابع الذين هم أتباع التابعين على سبيل من قبلهم و هذا القرن ينتهي إلى زماننا هذا
و لا أذكر في هذا الكتاب الأول إلا الثقات الذين يجوز الاحتجاج بخبرهم و أقنع بهذين الكتابين المختصرين عن كتاب التاريخ الكبير الذي خرجناه لعلمنا بصعوبة حفظ كل ما فيه من الأسانيد و الطرق و الحكايات و لأن ما نمليه في هذين الكتابين أن يسر الله ذلك و سهله من توصيف الأسماء بقصد ما يحتاج إليه يكون أسهل على المتعلم إذا قصد الحفظ و أنشط له في وعيه إذا أراد العلم من التكلف بحفظ ما لو أغضى عنه في البداية لم يخرج في فعله من التكلف لحفظ ذلك فكل من أذكره في هذا الكتاب الأول فهو صدوق يجوز الاحتجاج بخبره إذا تعرى خبره عن خصال خمس فإذا وجد خبر منكر عن واحد ممن أذكره في كتابي هذا فإن ذلك الخبر لاينفك من إحدى خمس خصال : إما أن يكون فوق الشيخ الذي ذكرت اسمه في كتابي هذا في الإسناد رجل ضعيف لا يحتج بخبره أو يكون دونه رجل واه لا يجوز الاحتجاج بروايته والخبر يكون مرسلا لا يلزمنا به الحجة أو يكون منقطعا لا يقوم بمثله الحجة او يكون في الإسناد رجل مدلس لم يبين سماعه في الخبر من الذي سمعه منه فإن المدلس ما لم يبين سماع خبره عمن كتب عنه لا يجوز الاحتجاج بذلك الخبر لأنه لا يدري لعله سمعه من إنسان ضعيف يبطل الخبر بذكره إذا وقف عليه و عرف الخبر به فما لم يقل المدلس في خبره و إن كان ثقة : سمعت أو : حدثني فلايجوز الاحتجاج بخبره فذكرت هذه المسألة بكمالها بالعلل و الشواهد و الحكايات في كتاب شرائط الأخبار فأغنى ذلك عن تكرارها في هذا الكتاب و إنما أذكر في هذا الكتاب الشيخ بعد الشيخ و قد ضعفه بعض أئمتنا و وثقه بعضهم فمن صح عندي منهم أنه ثقة بالدلائل النيرة التي بينتها في كتاب الفصل بين النقلة أدخلته في هذا الكتاب لأنه يجوز الاحتجاج بخيره و من صح عندي منهم أنه ضعيف بالبراهين الواضحة التي ذكرتها في كتاب الفصل بين النقلة لم أذكره في هذا الكتاب لكني أدخلته في كتاب الضغفاء بالعلل لأنه لا يجوز الاحتجاج بخبره فكل من ذكرته في كتابي هذا إذا تعرى خبره عن الخصال الخمس التي ذكرتها فهو عدل يجوز الاحتجاج بخبره لأن العدل من لم يعرف منه الجرح ضد التعديل فمن لم يعلم بجرح فهو عدل إذا لم يبين ضده إذ لم يكلف الناس من الناس معرفة ما غاب عنهم ! و إنما كلفوا الحكم بالظاهر من الأشياء غير المغيب عنهم جعلنا الله ممن أسبل عليه جلاليب الستر في الدنيا و اتصل ذلك بالعفو عن جناياته في العقبى ! إنه الفعال لما يريد

(1/28)


أخبرنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي ببغداد ثنا يحيى بن معين ثنا حجاج بن محمد عن يونس بن أبي إسحاق عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس قال : ولد رسول الله صلى الله عليه و سلم عام الفيل
قال أبو حاتم : ولد النبي صلى الله عليه و سلم عام الفيل يوم الإثنين لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول في اليوم الذي بعث الله طيرا أبابيل على أصحاب الفيل و كان من شأن الفيل أن ملكا كان باليمن غلب عليها و كان أصله من الحبشة يقال له أبرهة بنى كنيسة بصنعاء فسماها القليس و زعم أنه يصرف إليها حج العرب و حلف أنه يسير إلى الكعبة فيهدمها فخرج ملك من ملوك حمير فيمن أطاعه من قومه يقال له [ ذو نفر ] فقاتله فهزمه أبرهة و أخذه فلما أتى به قال له ذو نفر : أيها الملك ! لا تقتلني فإن استبقائي خير لك من قتلي فاستبقاه و أوثقه ثم خرج ثائرا يريد الكعبة حتى إذا دنا من بلاد خثعم خرج إليه النفيل بن حبيب الخثعمي و من اجتمع إليه من قبائل اليمن فقاتلوه فهزمهم و أخذ النفيل فقال النفيل : أيها الملك ! إني عالم بأرض العرب فلا تقتلني و هاتان يداي على قومي بالسمع و الطاعة فاستبقاه و خرج معه يدله حتى إذا بلغ الطائف خرج معه مسعود بن معتب في رجال من ثقيف فقال : أيها الملك ! نحن عبيد لك ليس لك عندنا خلاف و ليس بيتنا و بيتك الذي تريد ـ يعنون ـ اللات إنما تريد البيت الذي بمكة نحن نبعث معك من يدلك عليه فبعثوا معه مولى لهم يقال له [ أبو رغال ] فخرج معهم حتى إذا كان بالمغمس مات [ أبو رغال ] وهو الذي رجم قبره و بعث أبرهة من المغمس رجلا يقال له الأسود بن مقصود على مقدمة خيله
فجمع إليه أهل الحرم و أصاب لعبد المطلب مائتي بعير بالأراك ثم بعث أبرهة حناطة الحميري إلى أهل مكة فقال : سل عن شريفها ثم أبلغه أني لم آت لقتال إنما جئت لأهدم هذا البيت فانطلق حناطة حتى دخل مكة فلقي عبد المطلب بن هاشم فقال : إن الملك أرسلني إليك ليخبرك أنه لم يأتي لقتال إلا أن تقاتلوه إنما جاء لهدم هذا البيت ثم الانصراف عنكم فقال عبد المطلب ما عندنا له قتال فقال : سنخلي بينه و بين البيت فإن خلى الله بينه و بينه فو الله ما لنا به قوة ! قال : فانطلق معي إليه قال : فخرج معه حتى قدم المعسكر و كان [ ذو نفر ] صديقا لعبد المطلب فأتاه فقال : يا ذا نفر ! هل غندكم من غناء فيما نزل بنا ؟ فقال : ما غناء رجل أسير لا يأمن أن يقتل بكرة و عشية و لكن سأبعث لك إلى أنيس سائس الفيل فأمره أن يضع لك عند الملك ما استطاع من خير و يعظم خطرك و منزلتك عنده قال : فأرسل إلى أنيس فأتاه فقال : إن هذا سيد قريش صاحب عين مكة الذي يطعم الناس في السهل و الوحوش في الجبال و قد أصاب له الملك مائتي بعير فإن استطعت أن تنفعه عنده فانفعه فإنه صديق لي فدخل أنيس على أبرهة فقال : أيها الملك ! هذا سيد قريش و صاحب عين الكعبة الذي يطعم الناس في السهل و الوحوش في الجبال يستأذن عليك و أنا أحب أن تأذن له فقد جاءك غير ناصب لك و لا مخالف عليك فأذن له و كان عبد المطلب رجلا عظيما جسيما وسيما فلما رآه أبرهة عظمه و أكرمه و كره أن يجلس معه على سريره و أن يجلس تحته فهبط إلى البساط فجلس عليه معه فقال له عبد المطلب : أيها الملك إنك قد أصبت لي مالا عظيما فأردده علي فقال له : لقد كنت أعجبتني حين رأيتك و لقد زهدت فيك قال : و لم ؟ قال : جئت إلى بيت هو دينك و دين آبائك و عصمتكم و منعتكم لأهدمه فلم تكلمني فيه و تكلمني في مائتي بعير أصبتها لك ! قال : أنا رب هذه الإبل و لهذا البيت رب سيمنعه ! قال : ما كان ليمنعه مني ! قال : فأنت و ذاك ! قال : فأمر بإبله فردت عليه ثم خرج عبد المطلب و أخبر قريشا الخبر و أمرهم أن يتفرقوا في الشعاب و أصبح أبرهة بالمغمس قد تهيأ للدخول و عبى جيشه و قرب فيله و حمل عليه ما أراد أن يحمل و هو قائم فلما حركه وقف و كاد أن يرزم إلى الأرض فيبرك فضربوه بالمعول في رأسه فأبى فأدخلوا محاجنهم تحت أقرانه و مرافقه فأبى فوجهوه إلى اليمن فهرول فصرفوه إلى الحرم فوقف و لحق الفيل بجبل من تلك الجبال فأرسل الله الطير من البحر كالبلسان مع كل طير ثلاثة أحجار : حجران في رجليه و حجر في منقاره و يحملن أمثال الحمص و العدس من الحجارة فإذا غشين القوم أرسلنها عليهم فلم تصب تلك الحجارة أحد إلا هلك و ليس كل القوم أصاب فذلك قول الله تعالى { ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل } السورة كلها و بعث الله على أبرهة داء في جسده و رجعوا سراعا يتساقطون في كل بلد و جعل أبرهة تتساقط أنامله كلما سقطت أنملة اتبعها مدة من قيح و دم فانتهى إلى اليمن و هو مثل فرخ الطير فيمن بقي من أصحابه ثم مات فلما هلك استخلف ابنه يكسوم بن أبرهة فهذا ما كان من شأن الفيل و سميت هذه السنة [ سنة الفيل ]

(1/33)


أخبرنا عبد الله بن محمد بن سالم ببيت المقدس ثنا عبد الرحمن بن إبراهيم ثنا الوليد بن مسلم ثنا الأوزاعي حدثنا شداد أبو عمار [ عن واثلة بن الأسقع قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل و اصطفى قريشا من كنانة و اصطفى بني هاشم من قريش و اصطفاني من بني هاشم فأنا سيد ولد آدم و لا فخر و أنا أول من تنشق عنه الأرض و أنا أول شافع و أول مشفع ] قال أبو حاتم : نسبة رسول الله صلى الله عليه و سلم تصح إلى عدنان و ما وراء عدنان فليس عندي فيه شيء صحيح أعتمد عليه غير أني أذكر اختلافهم فيه بعضهم لبعض من ليس ذلك من صناعته : فهو صلى الله عليه و سلم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ـ و اسم عبد المطلب شيبة ـ بن هاشم ـ و اسم هاشم عمرو ـ بن عبد مناف ـ و اسم عبد مناف المغيرة ـ بن قصي ـ و اسم قصي زيد ـ بن كلاب ـ و هو المهذب ـ بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر ـ و هو قريش ـ بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن مهد بن عدنان إلى هنا ليس بين النسابة خلاف فيه و من عدنان هم مختلفون فيه إلى إبراهيم :
فمنهم من قال : عدنان بن أدد بن مقوم بن ناحور بن تريح بن يعقوب بن نبت بن نابت بن أنوش بن إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن بن آزر
و منهم من قال : عدنان بن أدد بن الهميسع بن نابت بن إسماعيل بن إبراهيم بن آزر
و منهم من قال : عدنان بن أدد بن سحب بن أيوب بن قيدر بن إسماعيل بن إبراهيم بن آزر
و منهم من قال : عدنان بن أدد بن أمين بن شاجب بن ثعلبة بن عتر بن يربح بن محلم بن العوام بن المحتمل بن دائمة بن العيقان بن علة بن شحدود بن الظريف بن عبق بن إسماعيل بن إبراهيم بن آزر
و منهم من قال : عدنان بن أدد بن عوج بن المعطم بن الطمح ابن القسود بن العبور بن دعدع بن محمود بن الزائد بن بدان بن الدرس بن حصن بن النزال بن القاسم بن المجشر بن معدد بن صيفي بن النبت بن قيدر بن إسماعيل بن إبراهيم بن آزر
ثم اختلفوا أيضا فيما فوق إبراهيم :
فمنهم من قال : إبراهيم بن آزر بن ناحور بن شارغ بن الراغ بن القاسم الذي قسم الأرض بين أهلها ابن معن بن السايح بن الرافد ابن السايح و هو سام بن نوح نبي الله عليه الصلاة و السلام
و منهم من قال : إبراهيم بن آزر بن ناحور بن صاروح بن أرغو بن فالغ بن عابر بن أرفخشذ بن سام بن نوح
و منهم من قال : إبراهيم بن آزر بن تارخ بن ناحور بن ساروح بن أرغو بن فالج بن عيبر بن أرفخشد بن سام بن نوح ثم اختلفوا فيما بعد نوح عليه السلام فمنهم من قال : نوح بن ملكان بن متوشلخ بن إدريس نبي الله صلى الله عليه و سلم بن الرائد بن مهلهل بن قنان بن الطاهر ابن هبة الله بن شيث بن آدم
و منهم من قال : نوح بن لامك بن متوشلخ بن خنوخ و هو إدريس النبي عليه السلام بن يارز بن مهابيل بن قبش بن أنش بن شيث بن آدم
و منهم من قال : نوح بن لامك بن متوشلح بن خنوخ بن يارزا بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم
و منهم من قال : نوح بن لامك بن متوشلح بن مهليل بن قينين بن يافش ابن شيث بن آدم و أم رسول الله صلى الله عليه و سلم آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب و لم يكن لها أخ ـ فيكون خالا للنبي صلى الله عليه و سلم ـ إلا عبد يغوث بن وهب و لكن بنو زهرة يقولون : إنهم أخوال رسول الله صلى الله عليه و سلم لأن آمنة أم رسول الله صلى الله عليه و سلم كانت منهم و أم آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة اسمها مرة بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي و أمها أم حبيب بنت أسد بن عبد العزى بن قصي و أمها برة بنت عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب بن لؤي هؤلاء جدات رسول الله صلى الله عليه و سلم من قبل أم أمه و أما جداته صلى الله عليه و سلم من قبل أبي أمه فإن أم وهب بن عبد مناف بن زهرة اسمها قيلة بنت أبي قيلة و اسم أبي قيلة فهر بن غالب بن الحارث و هو غبشان و كان يعير بأبي كبشة الذي نسبت قريش رسول الله صلى الله عليه و سلم إليه إذ كان مشركا فتنصر لما سافر إلى الشام و رجع إلى قريش بدين غير دينها فعيرت قريش رسول الله صلى الله عليه و سلم به و أما أم قيلة خالدة بنت عابس بن كرب بن الحارث بن الفهر و أم عبد مناف و أم زهرة جدة أم رسول الله صلى الله عليه و سلم اسمها جمل بنت مالك بن سعد بن مليح و أمها سلمى بنت حيان بن غنم و أم زهرة بن كلاب جدة رسول الله صلى الله عليه و سلم اسمها فاطمة بنت سعد بن سيل بن حرب و أمها طريفة بنت قيس بن ذي الرأسين بن عمرو بن قيس بن عيلان و أما أمهات آبائه صلى الله عليه و سلم فإن أم عبد الله بن عبد المطلب اسمها عاتكة بنت أرقص بن مالك ابن زهرة وهي أول العواتك اللاتي و لدن رسول الله صلى الله عليه و سلم و أما أم عبد المطلب بن هاشم فهي سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار لذلك و أم هاشم بن عبد مناف عاتكة بنت مرة بن هلال بن فالج بن ذكوان بن ثعلبة و هي الثانية من العواتك وهي أم هاشم بن عبد مناف و المطلب بن عبد مناف و عبد شمس بن عبد مناف و إنما سمى هاشم هاشما لأنه هشم الثريد لقوله :
( عمرو العلى هشم الثريد لقومه ... و رجال مكة مستنون عجاف )
و كان اسمه عمرو العلاء و أم عبد مناف بن قصي اسمها حبى بنت حليل بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو بن خزاعة فهي والدة عبد الدار و عبد العزى أولاد قصي بن كلاب و أم قصي فاطمة بنت سعيد بن سيل بن حرب بن حمالة ابن عوف بن الأزد و كان قصي يسمى مجمعا لأن الله به جمع القبائل من فهر و أم كلاب بن مرة هند بنت سرير بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة و هي والدة بن مرة و يقظة ابني مرة و أم مرة بن كعب مخشية بنت شيبان بن محارب بن فهر و قد قيل وحشية بنت محارب بن فهر و أم كعب بن لؤي ماوية بنت كعب بن القين بن أسد بن وبرة و أم لؤي بن غالب سلمى بنت عمرو بن عامر بن حارثة بن خزاعة و أم غالب بن فهر عاتكة بنت يخلد بن النضر بن كنانة و هي إحدى العواتك اللاتي ولدن النبي صلى الله عليه و سلم ما قال النبي صلى الله عليه و سلم يوم حنين : [ أنا ابن العواتك ] و أم فهر بن مالك جندلة بنت الحارث بن عامر بن الحارث الجرهمي
و أم مالك بن النضر عكرشة بنت عدوان و هو الحارث بن عمرو بن قيس بن عيلان
و أم النضر بن كنانة برة بنت مر أخت تميم بن مر و قيل : إنها فكهة بنت هنى بن بلي و النضر هو قيس و إنما قيل للنضر : قريش لتجمعها من تفرق من بيتها لأن التقرش هو التجمع
و أما أم كنانة فهي عوانة و قد قيل : هند بنت سعد بن قيس عيلان
و أما أم خزيمة بن مدركة فهي سلمى بنت سعد بن قيس بن الحاف بن قضاعة
و أما أم مدركة بن إلياس فهي خندف و هي ليلى بنت حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة و كان لإلياس بن مضر ثلاثة من البنين : عمرو و هو مدركة و عامر و هو طابخة و عمير فهو قمعة و أمهم خندف و إنما سمي هؤلاء بهذه الأسماء لأن الناس خرجوا في نجعة لهم فنفرت إبلهم من أرنب فخرج في أثرها عمرو فادركها فسمي مدركة و أخذها عامر فنحر منها و طبخها فسمي طابخة و انقمع عمير في الخباء و لم يخرج معها فسمي قمعة و خرجت أمهم تمشي في طلب الإبل فقيل لها : أين تخندفين و قدرت الإبل فسميت خندف و الخندفة ضرب من المشي
و أم إلياس بن مضر الربابة بنت إياس بن معد
و أم مضر بن نزار سودة بنت عك بن عدنان بن أدد
و أم نزار بن معد معانة بنت جوش بن جلهمة بن عمرو بن حليمة بن حرميه
و أم معد بن عدنان مهددة بنت جلحب بن جديس
و أم عدنان بن أدد بلها بنت ماعز بن قحطان
فهذه جوامع ما يحتاج إليه معرفة نسبة أمهات آباء رسول الله صلى الله عليه و سلم
و أما أولاد عبد المطلب فهم عشرة : عبد الله بن عبد المطلب والد رسول الله صلى الله عليه و سلم و الزبير بن عبد المطلب و العباس بن عبد المطلب و حمزة بن عبد المطلب و المقوم بن عبد المطلب و اسمه عبد العزى و الحارث بن عبد المطلب و الغيداق بن عبد المطلب و أبو لهب بن عبد المطلب و أبو طالب ابن عبد المطلب اسمه عبد مناف
فأما عبد الله والد رسول الله صلى الله عليه و سلم فإنه لم يكن له ولد غير رسول الله صلى الله عليه و سلم لا ذكر و لا أنثى و توفي قبل أن يولد رسول الله صلى الله عليه و سلم و كان عبد الله والد رسول الله صلى الله عليه و سلم و أبو طالب من أم واحد
و أما الزبير بن عبد المطلب فكنيته أبو طاهر و كان من أجلة قريش و فرسانها و كان من المبارزين و كان يقول الشعر فيجيز
و أما العباس بن عبد المطلب فإن كنيته أبو الفضل و كان إليه السقاية و زمزم في الجاهلية فلما فتح رسول الله صلى الله عليه و سلم دفعها إلى يوم فتح مكة و مات العباس سنة اثنتين و ثلاثين في خلافة عثمان بن عفان و هو ابن ثمان وثمانين سنة بالمدينة و صلى عليه عثمان ابن عفان
و أما ضرار بن عبد المطلب فإنه كان يتعاطى بقول الشعر و مات قبل الإسلام من غير أن أعقب
و أما حمزة بن عبد المطلب فإن كنيته أبو عمارة و كان أسد الله وأسد رسول الله صلى الله عليه و سلم وقد قيل إن كنيته أبو يعلى استشهد يوم أحد قتله وحشي بن حرب مولى جبير بن مطعم في شهر شوال سنة ثلاث من الهجرة و كان حمزة أكبر من النبي صلى الله عليه و سلم بسنتين
و أما المقوم بن عبد المطلب فكان من رجالات قريش هلك قبل الإسلام و لا عقب له
و أما أبو لهب بن عبد المطلب فكنيته أبو عقبة و إنما سمي أبو لهب لجماله و كان أحول ممن يعادي رسول الله صلى الله عليه و سلم من بين عمومته و يظهر له حسدا إلى أن مات عليه من العدسة في عقب يوم بدر لما بلغه ما كان في ذلك اليوم من المشركين من النكاية من المسلمين كمد منه حتى مات
و أما الحارث بن عبد المطلب فهو أكبر ولد عبد المطلب و اسمه كنيته و هو ممن حفر بئر زمزم مع عبد المطلب
و أما الغيداق بن عبد المطلب فإنه مات و لم يعقب و كان من رجالات قريش
و أما أبو طالب بن عبد المطلب فكان هو و عبد الله بن عبد المطلب لأم واحدة و كان وصي عبد المطلب أوصى إليه عبد المطلب في ماله بعده و في حفظ رسول الله صلى الله عليه و سلم و تعهده على ما كان تعهده عبد المطلب في حياته و مات أبو طالب قبل أن يهاجر رسول الله صلى الله عليه و سلم بثلاث سنين و أربعة عشر
و أما عمات رسول الله صلى الله عليه و سلم فهن ست بنات عبد المطلب بن هاشم لصلبه أولهن عاتكة بنت عبد المطلب و أميمة بنت عبد المطلب و أروى بنت عبد المطلب و البيضاء بنت عبد المطلب و هي أم حكيم و برة بنت عبد المطلب و صفية بنت عبد المطلب
فأما عاتكة بنت عبد المطلب فكانت عند أبي أمية بن المغيرة المخزومي
و أما أميمة بنت عبد المطلب فكانت عند جحش بن رئاب الأسدي
و أما البيضاء بنت عبد المطلب فكانت عند كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس
و أما برة بنت عبد المطلب فكانت عند عبد الأسد بن بلال المخزومي
و أما صفية بنت عبد المطلب فكانت عند العوام بن خويلد بن أسد
و أما أروى بنت عبد المطلب فكانت عند عمير بن قصي بن كلاب و لم يسلم من عمات النبي صلى الله عليه و سلم إلا صفية و هي والدة الزبير بن العوام و توفيت صفية في خلافة عمر بن الخطاب
فهذه جوامع ما يجب أن يحفظ من ذكر عمومة رسول الله صلى الله عليه و سلم و عماته
و أما أم رسول الله صلى الله عليه و سلم آمنة بنت وهب بن عبد مناف فإنها لما وضعته جاءت به إلى جده عبد المطلب و أخبرته أنها رأت حين حملت به في النوم أنه قيل لها :
حملت سيد هذه الأمة ! فإذا وضعته فسميه محمدا فأخذه عبد المطلب فدخل به على هبل في جوف الكعبة و قام عنده يدعو الله و يشكر ما أعطاه ثم خرج به إلى أمه فدفعه إليها فقالت أمه : رأيت في المنام كأنه خرج مني نور أضاء لي قصور الشام
ثم التمس له الرضاعة فاسترضع رسول الله صلى الله عليه و سلم من امرأة من بني سعد ابن بكر يقال لها : حليمة بنت أبي ذؤيب وأبو ذؤيب اسمه عبد الله بن الحارث بن شجنة بن جابر بن رزام بن ناصرة بن سعد بن بكر بن هوزان بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر و زوج حليمة اسمه الحارث بن عبد العزى بن رفاعة من بني سعد بن بكر و أخو رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي أرضعته حليمة مع رسول الله صلى الله عليه و سلم اسمه عبد الله بن الحارث بن عبد العزى و لعبد الله هذا أختان من حليمة : إحداهما أنيسة و الأخرى جذامة بنت الحارث بن عبد العزى قالت حليمة : خرجت في نسوة من بني سعد بن بكر نلتمس الرضعاء بمكة فخرجت على أتان لي قمراء في سنة شهباء و معي زوجي و معنا شارف لنا و الله إن تبض بقطرة من لبن و معي صبي لي لا ننام ليلتنا من بكائه ما في ثديي ما يغنيه فلما قدمنا مكة لم تبق منا امرأة إلا عرض عليها رسول الله صلى الله عليه و سلم فتأباه و إنما نرجو الكرامة في رضاع من يرضع له من والد المولود و كان يتيما فكنا نقول : ما عسى أن تصنع به أمه فكنا نأباه حتى لم يبق من صواحبي امرأة إلا أخذت رضيعة غيري فكرهت أن أرجع و لم آخذ شيئا و قد أخذ صواحبي ما أردن فقلت لزوجي : و الله لأرجع على ذلك اليتيم و لآخذنه ! قالت : فأتيته فأخذته ثم رجعت إلى رحلي قال زوجي : أصبت و الله يا حليمة ! عسى أن يجعل فيه خيرا قالت : فو الله ما هو إلا أن وضعته في حجري أقبل عليه ثدياي بما شاء الله من لبن فشرب حتى روي و شرب أخوه حتى روي ثم قام زوجي إلى شارفنا من الليل فإذا بها حافل فحلب لبنا فشربت حتى رويت و شرب حتى روي فبتنا بخير وقد نام صبينا و روي فقال زوجي : و الله يا حليمة ! ما أراك إلا أصبت نسمة مباركة قالت : ثم خرجنا فو الله ! لخرجت أتاني أمام الركب حتى أنهم ليقولون لي : يا ويحك كفا علينا أليست هذه بأتانك التي خرجت عليها ؟ فأقول : و الله بلى حتى قدمنا أرضنا من حاضر بني سعد بن بكر قالت : قدمنا على أجدب أرض فو الذي نفس حليمة بيده ! إن كانوا ليسرحون بأغنامهم إذا أصبحوا و يسرح راعي غنمي فتروح غنمي حفلا بطانا لبنا و تروح أغنامهم جياعا هالكة ما بها من لبن فنشرب ما شئنا من اللبن و ما من الحاضر أحد يحلب قطرة و لا يجدها قالت : فيقولون لرعاتهم : و يلكم ! ألا تسرحون حيث راعي حليمة ؟ فيسرحون في الشعب الذي يسرح فيه فتروح أغنامهم جياعا هالكة و تروح غنمي حفلا لبنا قالت : و كان يشب في اليوم شاب الصبي في الشهر و يشب في الشهر شباب الصبي في السنة
فلما بلغ سنتين قدمنا به على أمه فقالت : إن لابني هذا شأنا إني حملت به فو الله ما حملت حملا قط كان أخف علي منه ! و لقد رأيت حين حملت به أنه خرج مني نور أضاء منه أعناق الإبل ببصرى ـ أو قالت : قصور بصرى ـ ثم وضعته فو الله ! ما وقع كما يقع الصبيان ! لقد وقع معتمدا على يديه إلى الأرض رافعا رأسه إلى السماء فدعاه عنكما فقبضته و انطلقا
قال أبو حاتم : فتوفيت أمه صلى الله عليه و سلم بالأبواء و رسول الله صلى الله عليه و سلم ابن أربع سنين و كان عبد المطلب من أشفق الناس عليه أبر الآباء به إلى أن توفي عبد المطلب و رسول الله صلى الله عليه و سلم ابن ثمان سنين و أوصى به إلى أبي طالب و اسم أبي طالب عبد مناف ابن عبد المطلب و ذلك أن عبد الله و أبا طالب كانا لأم فكان أبو طالب الذي يلي أمور رسول الله صلى الله عليه و سلم بعد عبد المطلب إلى أن راهقه و بلغ مبلغ الرجال و كان أبو طالب إذا رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم قال :
( فشق له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمود و هذا محمد )
ذكر في الاستيعاب لابن عبد البر بإسناده إلى ابن عباس أن عبد المطلب ختن النبي صلى الله عليه و سلم يوم سابعه و جعل له مأدبة سماه محمدا قال ابن عبد البر بعد هذا : قال يحيى بن أيوب : ما وجدنا هذا الحديث عند أحد إلا عند ابن أبي السري العسقلاني قال : و قد روي أن رسول الله صلى الله عليه و سلم ولد مختونا مسرورا يعني : مقطوع السرة

(1/39)


حدثنا الحسن بن سفيان ثنا أبو بكرأبي شيبة ثنا قراد أبو نوح ثنا يونس بن أبي إسحاق عن أبي بكر بن أبي موسى عن أبي موسى قال : خرج أبو طالب إلى الشام و خرج معه رسول الله صلى الله عليه و سلم و أشياخ من قريش فلما أشرفوا على الراهب هبطوا فحلوا رحالهم فخرج إليهم الراهب و كانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج إليهم و لا يلتفت فأتاهم و هم يحلون رواحلهم و أحلاسهم فجعل يتخللهم حتى جاء فأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال هذا سيد العالمين ! هذا رسول رب العالمين ! هذا يبعثه الله رحمة للعالمين ! فقال له أشياخ من قريش : ما علمك ؟ قال : إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر و لا حجر إلا خر ساجدا و لا يسجدون إلا لنبي و إني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة ثم رجع فصنع لهم طعاما فلما أتاهم به و كان هو صلى الله عليه و سلم في رعية الإبل قال : أرسلوا إليه فأقبل و عليه غمامة تظله فقال : انظروا إليه عليه غمامة تظله ! فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة فلما جلس مال عليه قال : فبينما هو قائم عليهم و هو يناشدهم أن لا يذهبوا إلى الروم فإن الروم لو رأوه عرفوه بالصفة فقتلوه فالتفت فإذا هو بسبعة نفر قد أقبلوا من الروم فاستقبلهم فقال : ما جاء بكم ؟ قالوا : جئنا إلى هذا النبي خارج في هذا الشهر فلم يبق طريق إلا و قد بعث إليه ناس و إنا أخبرنا بخبره فبعثنا إلى طريقك هذا فقال لهم : [ أفرئيتم أمرا إذ أراد الله أن يقضيه هل يستطيع أحد من الناس رده ؟ ] قالوا : لا فتابعوه و أقاموا معه قال : فأتاهم فقال لهم :
[ أنشدكم بالله ! أيكم وليه ؟ ] قال أبو طالب : أنا فلم يزل يناشده حتى رده أبو طالب و بعث معه أبو بكر بلالا و زوده الراهب من الكعك و الزيت
قال أبو حاتم : فقدم رسول الله صلى الله عليه و سلم بمكة و كانت سفرته الثانية بعدها مع ميسرة غلام خديجة ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه و سلم خديجة بنت خويلد بن أسد و هو ابن خمس وعشرين سنة و خويلد هو ابن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب و أمها فاطمة بنت زائدة بن الأصم بن رواحة بن حجر بن معيص بن عامر بن لؤي بن غالب و كانت قبل أن يتزوج بها رسول الله صلى الله عليه و سلم تحت أبي هالة أخي بني تميم ثم كانت تحت عتيق ابن عائذ بن عبد الله بن عمر بن مخزوم و كان السبب في ذلك أن خديجة كانت امرأة تاجرة ذات شرف ومال تستأجر الرجال في مالها و تضار بهم إياه بشيء تجعله لهم منه و كانت قريش قوما تجارا فلما بلغها عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ما بلغها من صدق حديثه و عظيم أمانته و كريم أخلاقه بعثت إليه و عرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشام تاجرا و تعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار مع غلام لها يقال له [ ميسرة ] فقبله منها رسول الله صلى الله عليه و سلم و خرج في مالها معه غلامها ميسرة حتى قدم الشام نزل رسول الله صلى الله عليه و سلم في ظل شجرة قريبا من صومعة راهب من الرهبان فأطلع الراهب إلى ميسرة فقال : من هذا الرجل الذي نزل تحت هذه الشجرة ؟ فقال ميسرة : هذا رجل من قريش من أهل الحرم فقال له الراهب : ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي ثم باع رسول الله صلى الله عليه و سلم سلعته التي خرج بها و اشترى ما أراد أن يشتري ثم أقبل قافلا إلى مكة و معه ميسرة فكان ميسرة إذا كانت الهاجرة و اشتد الحر يرى ظلا على رأس رسول الله صلى الله عليه و سلم من الشمس وهو يسير على بعيره فلما قدم مكة على خديجة بمالها باعت ما جاء به و أخبرها ميسرة عن قول الراهب و عن ما كان من أمر الإظلال و كانت خديجة امرأة حازمة شريفة لبيبة فلما أخبرها ميسرة بما أخبرها بعثت إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم و قالت : إني قد رغبت فيك و في قرابتك و في أمانتك و حسن خلقك و صدق حديثك ثم عرضت عليه نفسها و كانت خديجة يومئذ أوسط نساء قريش نسبا و أعظمهن شرفا و أكثرهن مالا فلما قالت ذلك لرسول الله صلى الله عليه و سلم ذكر ذلك صلى الله عليه و سلم لأعمامه فخرج معه حمزة بن عبد المطلب عمه حتى دخل على خويلد ابن أسد فخطبها إليه فزوجها من رسول الله صلى الله عليه و سلم فولد له منها زينب و رقية و أم كلثوم و فاطمة و القاسم [ وكان به يكنى و الطاهر ] و الطيب فهلكوا قبل الوحي
و أما البنات فكلهن أسلمن و هاجرن إلى المدينة و كانت خديجة قد ذكرت لورقة بن نوفل بن أسد ـ و كان ابن عمها وكان نصرانيا قد قرأ الكتب و علم من علم الناس ـ ما ذكر لها غلامها ميسرة من قول الراهب و ما كان من الإظلال عليه فقال ورقة : إن كان هذا حقا يا خديجة إن محمدا لنبي هذه الأمة قد عرفت أنه كائن بهذه الأمة سيظهر في هذا الوقت

(1/58)


[ أخبرنا عمر بن سعيد بن سنان الطائي بمنبج ثنا العباس بن عثمان البجلي ثنا الوليد بن مسلم ثنا الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال : سئل رسول الله صلى الله عليه و سلم : متى وجبت لك النبوة ؟ قال : بين خلق آدم و نفخ الروح فيه ـ عليه الصلاة و السلام ]

(1/63)


[ أخبرنا محمد بن الحسن بن قتيبة بعسقلان ثنا ابن أبي السري ثنا عبد الرزاق أنا معمر عن الزهري أخبرني عروة بن الزبير عن عائشة قالت : أول ما ابتدئ به رسول الله صلى الله عليه و سلم من الوحي الرؤيا الصادقة يراها في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء فكان يأتي حراء فيتحنث فيه ـ و هو التعبد الليالي ذوات العدد ـ و يتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فتزوده لمثلها حتى فجئه الحق و هو في غار حراء فجاءه الملك فيه فقال : { إقرأ } قال رسول الله صلى الله عليه و سلم فقلت : ما أنا بقارئ قال فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال لي { إقرأ } فقلت : ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال : { إقرأ } فقلت : ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال : { إقرأ باسم ربك الذي خلق } حتى بلغ { ما لم يعلم } قال فرجع بها ترجف فؤاده حتى دخل على خديجة فقال : زملوني زملوني ! فزملوه حتى ذهب عنه الروع ثم قال : يا خديجة ! ما لي ؟ و أخبرها الخبر و قال : خشيت علي فقالت : كلا ! أبشر فو الله لا يخشيك الله أبدا ! إنك لتصل الرحم و تصدق الحديث و تمل الكل و تقري الضعيف و تعين على نوائب الحق ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به إلى ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن قصي و هو عم خديجة أخو أبيها و كان امرأ تنصر في الجاهلية و كان يكتب الكتاب العربي يكتبه بالعربية من الإنجيل ما شاء أن يكتب و كان شيخا كبيرا قد عمر فقالت له خديجة : أي عم ! اسمع من أخيك فقال ورقة : يا ابن أخي : ما ترى ؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه و سلم بما رأى فقال ورقة : هذا الناموس الذي أنزل على موسى ! يا ليتني أكون فيها جذعا ! يا ليتني أكون حيا حين يخرجك قومك ! فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم أمخرجي هم ؟ قال : نعم لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي و أوذي و إن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا ثم لم ينشب ورقة أن توفي و فتر الوحي فترة حتى حزن رسول الله صلى الله عليه و سلم حزنا غدا منه مرارا لكي يتردى من روؤس شواهق الجبال فكلما أوفى بذروة جبل كي يلقي نفسه منها فيرى له جبريل فقال له يا محمد ! إنك رسول الله حقا ! فيسكن لذلك جأشه و تقر نفسه فيرجع فإذا طال عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك فإذا أوفى بذروة الجبل تبدى له جبريل فيقول له مثل ذلك ]
قال أبو حاتم : روي في بدء الوحي عن النبي صلى الله عليه و سلم خبران : خبر عن عائشة و خبر عن جابر فأما خبر عائشة فقد ذكرناه و أما خبر جابر [ فحدثناه عبد الله بن محمد بن سالم ببيت المقدس ثنا عبد الرحمن بن إبراهيم ثنا الوليد عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير قال سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن : أي القرآن أنزل أول ؟ قال : { يأيها المدثر } فقلت أو { إقرأ } ؟ قال : أحدثكم ما حدثنا رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : جاورت بحراء شهرا فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت الوادي فنوديت فنظرت أمامي و خلفي و عن يميني و عن شمالي فلم أر أحدا ثم نوديت فنظرت إلى السماء فإذا هو فوقي على العرش في السماء فأخذتني رجفة شديدة فأتيت خديجة فأمرتهم فدثروني ثم صبوا علي الماء و أنزل الله عز و جل علي { يأيها المدثر } إلى قوله { فطهر } ]
قال أبو حاتم : هذان خبران أوهما من لم يكن الحديث صناعته أنهما متضادان و ليس كذلك إن الله عز و جل بعث رسوله صلى الله عليه و سلم يوم الإثنين و هو ابن أربعين سنة و نزل عليه جبريل و هو في الغار بحراء بـ { اقرأ باسم ربك الذي خلق } فلما رجع رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى بيت خديجة و دثروه أنزل الله عليه في بيت خديجة { ياأيها المدثر قم فأنذر و ربك فكبر } من غير أن يكون بين الخبرين تضاد و لا تهاثر فكان أول من آمن برسول الله زوجته خديجة بنت خويلد ثم آمن علي بن أبي طالب و صدقه بما جاء به و هو ابن عشر سنين ثم أسلم أبو بكر الصديق فكان علي بن أبي طالب يخفي إسلامه من أبي طالب و أبو بكر لما أسلم أظهر إسلامه فلذلك اشتبه على الناس أول من أسلم منهما ثم أسلم زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه و سلم فكان أبو بكر أعلم قريش بأنسابها و بما كان فيها من خير وشر و كان رجلا سهلا بليغا أظهر الإسلام و دعا إلى الله وإلى رسوله فأجابه عثمان بن عفان و الزبير بن العوام و عبد الرحمن بن عوف و سعد بن أبي و قاص و طلحة بن عبيد الله فجاء بهم أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم حين استجابوا له فأسلموا و صلوا ثم أسلم أبو عبيدة بن الجراح و أبو سلمة ابن عبد الأسد المخزومي و الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي و عثمان بن مظعون الجمحي و عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف و سعيد بن زيد ابن عمرو بن نفيل و امرأته فاطمة بنت الخطاب و أسماء بنت أبي بكر و عبد الله و قدامة ابنا مظعون الجمحيان و خباب بن الأرت و مسعود بن الربيع القاري و عبد الله بن مسعود و عمير بن أبي و قاص و سليط بن عمرو و عياش بن أبي ربيعة المخزومي و امرأته أسماء بنت سلامة التميمية و عامر بن ربيعة أبو عبد الله و عبد الله بن جحش و أبو أحمد بن جحش الأسدي و جعفر ابن أبي طالب و امرأته أسماء بنت عميس الخثعمية و حاطب بن الحارث الجمحي و امرأته فاطمة بنت المجال و حطاب بن الحارث و امرأته فكيهة و صهيب بن سنان و معمر بن الحارث الجمحي و سعيد ابن الحارث السهمي و المطلب بن أزهر بن عبد عوف و امرأته رملة بنت أبي عوف و النحام و اسمه نعيم بن عبد الله بن أسيد و بلال بن رباح مولى أبي بكر وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر و خالد بن سعيد بن العاص و امرأته أميمة بنت خلف بن أسعد و حاطب بن عمرو بن عبد شمس و أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة و واقد بن عبد الله بن عبد مناف بن عرين بن ثعلبة التميمي و خالد بن البكير وإياس بن البكير و عامر بن البكير و عبد ياليل بن ناشب غيرة بن سعد بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة و عمار بن ياسر حليف بني مخزوم

(1/63)


و دخل في الإسلام الرجال و النساء إرسالا و أنزل الله عز و جل { و انذر عشيرتك الأقربين } فخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى أتى الصفا ثم صعد عليه ثم نادى : [ يا صباحاه ] ! فاجتمع إليه الناس فمن رجل يجيء و من رجل يبعث رسوله فقال : [ يا بني عبد المطلب ! يا بني عبد مناف ! يا بني يا بني ! أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم أصدقتموني ؟ ] قالوا : نعم قال : [ فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ] ثم قال : [ يا معشر قريش ! اشتروا أنفسكم من النار يا بني عبد مناف ! لا أغني عنكم من الله من شيء يا عباس بن عبد المطلب ! يا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه و سلم ! يا بني كعب بن لؤي ! يا بني هاشم ! يا بني عبد المطلب ! اشتروا أنفسكم من النار ] فقال أبو لهب : تبا لك سائر اليوم ! أما دعوتنا إلا لهذا ؟ ثم قام فنزلت { تبت يدا أبي لهب و تب } ثم نزل النبي صلى الله عليه و سلم و جعل يدعو الناس في الشعاب و الأودية و الأسواق إلى الله و أبو لهب خلفه و الحجارة تنكبه يقول : يا قوم ! لا تقبلوا منه فإنه كذاب
ثم تزوج النبي رسول الله صلى الله عليه و سلم بعد خديجة سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ود بن النضر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي وأمها الشموس بنت قيس بن زيد بن عمرو بن لبيد بن خراش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار خطبها رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى وقدان بن حلبس عمها و كانت قبل رسول الله صلى الله عليه و سلم تحت السكران بن عمرو أخي سهيل بن عمرو من بني عامر بن لؤي وكانت سودة امرأة ثقيلة ثبطة و هي التي و هبت يومها لعائشة و قالت : لا أريد ما تريد النساء و قد قيل أن النبي صلى الله عليه و سلم لم يتزوج على خديجة حتى ماتت
و زوج رسول الله صلى الله عليه و سلم ابنته رقية من عتبة بن أبي لهب و أم كلثوم ابنته الأخرى من عتيبة بن أبي لهب فلما نزلت { تبت يدا أبي لهب } أمرهما أبوهما أن يفارقهما ففارقهما ثم زوج رسول الله صلى الله عليه و سلم عثمان بن عفان ابنته رقية بعد عتبة بن أبي لهب ثم مرض أبو طالب فدخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل فقالوا : ابن أخيك يشتم آلهتنا و يفعل و يفعل و يقول و يقول و لو بعثت إليه فنهيته ! فبعث إليه فجاء النبي صلى الله عليه و سلم و دخل البيت و بين أبي جهل و بين أبي طالب مجلس رجل فخشي أبو جهل أنه إذا جلس إلى جنب أبي طالب يكون أرق عليه فوثب فجلس في ذلك المجلس و لم يجد النبي صلى الله عليه و سلم مجلسا قرب عمه فجلس عند الباب قال أبو طالب : أي ابن أخي ! ما بال قومك يشكونك و يزعمون أنك تشتم آلهتهم و تقول و تقول ؟ فقال النبي صلى الله عليه و سلم : [ أي عم ! إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها تدين لهم العرب و تؤدي إليهم بها العجم الجزية ] فقال أبو طالب : و أي كلمة هي يا ابن أخي ؟ قال : [ لا إله إلا الله ] فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم و يقولون { أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب } ثم توفي أبو طالب عبد مناف بن عبد المطلب فلقي المسلمون أذى من المشركين بعد موت أبي طالب فقال لهم النبي صلى الله عليه و سلم حين ابتلوا و شطت بهم عشائرهم بمكة : [ تفرقوا ] ـ و أشار قبل أرض الحبشة و كانت أرضا دفئة ترحل إليها قريش رحلة الشتاء أول هجرة في الإسلام فأول من خرج من المسلمين إلى الحبشة عثمان بن عفان و معه امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس و معه امرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو و الزبير بن العوام و مصعب بن عمير و عبد الرحمن بن عوف وأبو سلمة بن عبد الأسد معه امرأته أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة و عثمان بن مظعون وعامر بن ربيعة معه امرأته ليلى بنت أبي حثمة بن غانم وأبو سبرة بن أبي رهم بن عبد العزى و أبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود و سهيل ابن وهب بن ربيعة و هو سهيل بن بيضاء أمه ثم خرج بعدهم جعفر ابن أبي طالب معه امرأته أسماء بنت عميس و عمرو بن سعيد بن العاص ومعه امرأته فاطمة بنت صفوان بن أمية وأخوه خالد بن سعيد بن العاص و معه امرأته أمينة بنت خلف بن أسعد و عبد الله بن جحش بن رياب و أخوه عبد بن جحش معه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب و قيس بن عبد الله من بني أسد بن خزيمة معه امرأته بركة بنت يسار و معيقيب بن أبي فاطمة الدوسي و عتبة بن غزوان وأسد بن نوفل بن خويلد و يزيد بن زمعة بن الأسود بن المطلب و عمرو بن أمية بن الحارث بن أسد و طليب بن عمير بن وهب و سويط بن سعد بن حريملة و جهم بن قيس بن عبد شرحبيل و ابناه عمرو بن جهم و خزيمة بن جهم وعامر بن أبي وقاص و المطلب بن أزهر معه امرأته رملة بنت أبي عوف بن صبيرة و عبد الله بن مسعود و أخوه عتبة بن مسعود و المقداد بن عمرو و الحارث بن خالد بن صخر معه امرأته ريطة بنت الحارث بن جبلة وعمرو بن عثمان بن عمرو بن كعب و شماس عثمان بن عبد بن الشريد بن سويد و هشام بن أبي حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم و سلمة بن هشام بن المغيرة و عياش بن أبي ربيعة بن المغيرة و معتب بن عوف بن عامر بن الفضل و السائب بن عثمان بن مظعون و عماه قدامة و عبد الله ابنا مظعون و حاطب بن الحارث بن معمر معه امرأته فاطمة بنت المجلل و ابناه محمد بن حاطب و الحارث بن حاطب و أخوه حطاب بن الحارث معه امرأته فكيهة بنت يسار و سفيان بن معمر بن حبيب معه ابناه جابر بن سفيان و جنادة بن سفيان و معه امرأته حسنة و هي أمهما و عثمان بن ربيعة بن أهبان و خنيس بن حذافة بن قيس و عبد الله بن الحارث بن قيس و هشام ابن العاص بن وائل و قيس بن حذافة بن قيس و الحجاج بن الحارث بن قيس و معمر بن الحارث بن قيس و بشر بن الحارث بن قيس و سعيد بن الحارث ابن قيس و السائب بن الحارث بن قيس و عمير بن رئاب بن حذيفة و محمية بن جزء حليف لهم و معمر بن عبد الله بن نضلة و عدي بن نضلة ابن عبد العزى معه ابنه النعمان وأبو عبيدة بن الجراح بعدهم و عامر بن ربيعة معه امرأته ليلى و السكران بن عمرو بن عبد شمس معه امرأته سودة بنت زمعة و مالك بن ربيعة بن قيس بن عبد شمس و عبد الله بن مخرمة بن عبد العزى بن أبي قيس و عبد الله بن سهيل بن عمرو و عمرو بن الحارث بن زهير و عياض بن زهير بن أبي شداد و ربيعة بن هلال بن مالك و عثمان بن عبد غنم بن زهير و سعد بن عبد قيس بن لقيط و عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة جد الزهري فخرجوا حتى قدموا أرض الحبشة و أقاموا بها على الطمأنينة ثم إن قريشا اجتمعت في أن يبعث إلى النجاشي حتى يرد من ثم من المسلمين عليها فبعثوا عمرو بن العاص و عمارة بن الوليد بن ربيعة و بعثوا معهما بهدايا كثيرة إليه وإلى بطارقته فلما قدما عليه ما بقي بطريق من بطارقته إلا قدما إليه بهديته و سألاه أن يكلم الملك حتى يسلمهم إليهما قبل أن يكلمهم و يسمع منهم فلما فرغا من بطارقته قدما إلى النجاشي هداياه فقبلها منهما ثم قالا له : أيها الملك ! إن قومنا بعثوا إليك في فتيان منهم خرجوا إلى بلادك فارقوا أديان قومهم و لم يدخلوا في دينك و لا دينهم و قومهم أعلاهم عينا قالت بطارقته : صدقا أيها الملك ! فغضب النجاشي و قال لأيم الله إذا لا أدفعهم إليهما قوم جاءوني لجئوا إلى بلادي حتى أنظر فيما يقولون و أنظر فيما يقول هؤلاء فإن كانوا صادقين و كانوا كما قال هؤلاء أسلمناهم إليهما و إن كانوا على غير ذلك لم ندفعهم إليهما و منعتهم منهما فقال عمارة بن الوليد : لم نصنع شيئا لو كان دفعهم إلينا من وراء وراء كان ذلك أحب إلينا قبل أن يكلمهم ثم إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم اجتمعوا فقال بعضهم لبعض : ما الذي نكلم به الرجل ؟ ثم قالوا : نكلمهم و الله بالذي نحن عليه و عليه نبينا ! كائنا ما كان فيه فدخلوا عليه فقالوا لهم : اسجدوا للملك فقال جعفر بن أبي طالب : لا نسجد إلا لله ! فقال لهم ما يقول هذان ؟ يزعمان أنهن فارقتم دين قومكم و لن تدخلوا في ديني و أنكم جئتم بدين مقتضب لا يعرف ! فقال جعفر بن أبي طالب : كنا مع قومنا في أمر جاهلية نعبد الأوثان فبعث الله إلينا رسولا منا رجلا نعرف نسبه و صدقه و وفاءه فدعا إلى أن نعبد الله وحده لا نشرك به و أمرنا بالصلاة و الزكاة و صلة الرحم و حسن الجوار و نهانا عن الفواحش و الخبائث فقال : هل معك شيء مما جاء به ؟ قال : نعم فدعا النجاشي أساقفته فنشروا المصاحف حوله فقرأ عليهم جعفر بن أبي طالب { كهيعص } فبكى النجاشي حتى اخضل لحيته و بكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم ثم قال : إن هذا و الذي جاء به عيسى يخرج من مشكاة واحدة انطلقا ! فلعمر الله لا أرسلهم معكما و لا هم و كان أتقى الرجلين عمارة بن الوليد فقال عمرو بن العاص : و الله ! لأجيبنه بما أبيد به خضراءهم لأخبرنه أنهم يزعمون أن إلهك الذي تعبد عبد فقال له عمارة بن الوليد : لا تفعل فإن لهم رحما و إن كانوا قد خالفونا قال : أحلف بالله لأفعلن فرجع إليه الغد فقال أيها الملك ! إنهم يقولون في عيسى قولا عظيما فابعث إليهم فاسألهم عنه فأرسل إليهم فقال : ماذا تقولون في عيسى ؟ قالوا : نقول فيه ما قال الله عز و علا و ما قال لنا نبينا فقال له جعفر : هو عبد الله و روحه و كلمته ألقاها الله إلى العذراء البتول فأدلى النجاشي يده فأخذ من الأرض عودا و قال : ما عدا عيسى ابن مريم ما قلتم هذا العود فنخرت بطارقته فقال : و إن نخرتم و الله ثم قال : اذهبوا فأنتم شيوم في أرضي ـ يقول : آمنون من شتمكم غرم ما أحب أن لي دبرا ذهبا ـ و دبر هو جبل بالحبشة ـ و أني آذيت رجلا منكم و قال : ردوا عليهما هداياهما التي جاءا بها لا حاجة لنا بها و اخرجوهما من أرضي فأخرجا و أقام المسلمون عند النجاشي بخير دار و خير جار لا يصل إليهم شيء يكرهونه فولد بالحبشة عبد الله بن جفعر بن أبي طالب و محمد بن أبي حذيفة و سعيد ابن خالد بن سعيد و أخته أمة بنت خالد و عبد الله بن المطلب بن أزهر و موسى ابن الحارث بن خالد و إخواته : عائشة و زينب و فاطمة بنات الحارث فلم يزل المسلمون بأرض الحبشة إلى أن ذكر رسول الله صلى الله عليه و سلم الخروج إلى المدينة فمنهم من رجع إلى مكة فهاجر مع النبي صلى الله عليه و سلم إلى المدينة و منهم من بقي بأرض الحبشة حتى لحق رسول الله صلى الله عليه و سلم بعد قدومه المدينة و خرج أبو بكر من مكة مهاجرا إلى أرض الحبشة حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة و هو سيد القارة فقال : أين تريد يا أبا بكر ؟ فقال أبو بكر : أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض و أعبد ربي فقال ابن الدغنة : فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ! أنت تكسب المعدوم و تصل الرحم و تحمل الكل و تقري الضيف و تعين على نوائب الحق ! فأنا لك خافر فارجع و اعبد ربك ببلدك فرجع و ارتحل معه ابن الدغنة فطاف ابن الدغنة عيشة في أشراف قريش فقال لهم : إن أبا بكر لا يخرج مثله ! أتخرجون رجلا يكسب المعدوم و يصل الرحم و يحمل الكل و يقري الضيف و يعين على نوائب الحق ؟ فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة و قالوا لابن الدغنة : مر أبا بكر فليعبد ربه في داره و ليصل فيها و ليقرأ ما شاء و لا يؤذينا بذلك و لا يستعلن به فإنا نخشى أن يفتن أبناءنا و نساءنا فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر فلبث أبو بكر بعد ذلك يعبد ربه في داره و لا يستعلن بصلاته و لا يقرأ في غير داره ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره فكان يصلي فيه و يقرأ القرآن فيقف عليه نساء المشركين و أبناؤهم يعجبون منه و ينظرون إليه و كان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن و أفزع ذلك أشراف قريش من المشركين فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم فقالوا : إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره فقد جاوز ذلك و ابتنى مسجدا بفناء داره و أعلن بالصلاة و القراءة فيه و إنا خشينا أن يفتن أبناءنا و نساءنا فإنهه فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد في داره فعل فإن أبى إلا يعلن بذلك فسله أن يرد ينادي بأعلى صوته : أيها الناس ! قولوا : لا إله إلا الله و رجل يتبعه بالحجارة قد أدمى كعبيه و عرقوبيه و يقول : يا أيها الناس ! لا تطيعوه فإنه كذاب ! قال قلت : من هذا ؟ قالوا هذا غلام بني عبد المطلب قال فقلت : من هذا الذي يتبعه يدميه ؟ قالوا : عمه عبد العزى أبو لهب
قال أبو حاتم : كان النبي صلى الله عليه و سلم يدعو الخلق إلى الله وحده لا شريك له و كان أبو جهل يقول للناس : إنه كذاب يحرم الخمر و يحرم الزنا و ما كانت العرب تعرف الزنا فبينما النبي صلى الله عليه و سلم يصلي في ظل الكعبة إذ قام أبو جهل في ناس من قريش و نحر لهم جزورا في ناحية مكة فأرسلوا فجاءوا بسلاها و طرحوه عليه فجاءت فاطمة و ألقته عنه فقال النبي صلى الله عليه و سلم : [ اللهم ! عليك بقريش اللهم ! عليك بقريش اللهم عليك بقريش بأبي جهل بن هشام و عتبة بن ربيعة و شيبة بن ربيعة و الوليد بن عتبة و أمية بن خلف و عقبة بن أبي معيط ] ثم اجتمعوا يوما و رسول الله صلى الله عليه و سلم يصلي عند المقام و هم جلوس في ظل الكعبة فقام إليه عقبة بن أبي معيط فجعل رداءه في عنقه ثم جره حتى وجب النبي صلى الله عليه و سلم لركبته ساقطا و تصايح الناس و ظنوا أنه مقتول و أقبل أبو بكر يشتد حتى أخذ بضبعي رسول الله صلى الله عليه و سلم من ورائه و هو يقول : أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ثم انصرفوا عن النبي صلى الله عليه و سلم فقام رسول الله صلى الله عليه و سلم يصلي فلما قضى صلاته مر بهم وهم جلوس في ظل الكعبة فقال : [ يا معشر قريش ! و الذي نفس محمد بيده ما أرسلت إليكم إلا بالذبح ] و أشار بيده إلى حلقه فقال له أبو جهل : يا محمد ! ما كنت جهولا ! فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ أنت منهم ] فقال أبو جهل : ألم أنهك يا محمد ؟ فانتهره النبي صلى الله عليه و سلم فقال أبو جهل : [ لم تنهرني و الله لقد علمت ما بها رجل أكثر ناديا مني ] ! فقال جبريل : فليدع ناديه و لو دعا ناديه لأخذته زبانية العذاب فقالت قريش : انظروا أعلمكم بالسحر و الكهانة و الشعر فليأت هذا الرجل الذي فرق جماعتنا و شتت أمرنا و عاب ديننا فليكلمه و لينظر ماذا يرد عليه فقالوا : ما نعلم أحدا غير عتبة بن ربيعة فقالوا : أنت يا أبا الوليد ! فأتى عتبة فقال : يا محمد ! أنت خير أم عبد الله ؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : أنت خير أم عبد المطلب ؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : فإن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة التي عبت و إن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى تسمع قولك أما و الله ! ما رأينا سخلة قط أشأم على قومه منك فرقت جماعتنا و شتت أمرنا و عبت ديننا و فضحتنا في العرب حتى لقد طار فيهم أن في قريش كاهنا و الله ! ما تنتظر إلا أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف حتى نتفانى أيها الرجل ! إن كان إنما بك الباه فاختر أي نساء قريش شئت حتى أزوجك عشرا و إن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش مالا فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ أفرغت ؟ ] قال : نعم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : { بسم الله الرحم الرحيم : حم تنزيل من الرحمن الرحيم } حتى بلغ { فإن أعرضوا فقد أنذرتكم صعقة مثل صعقة عاد و ثمود } فقال له عتبة : حسبك حسبك ! ما عندك غير هذا ثم رجع إلى قريش فقالوا : ما وراءك ؟ قال ما تركت شيئا أرى أنكم تكلمونه به إلا تكلمت به قالوا : فهل أجابك ؟ قال : نعم لا و الذي نصبها ـ يعني الكعبة ـ ما فهمت شيئا مما قال غير أنه قال : { أنذرتكم صعقة مثل صعقة عاد و ثمود } قالوا : ويلك ! يكلمك رجل بالعربية ما تدري ما قال ! قال : فو الله ! ما فهمت شيئا مما قال غير ذكر الصاعقة فكانوا يؤذونه بأنواع الأذى و رسول الله صلى الله عليه و سلم يبلغهم رسالات ربه صابرا محتسبا ثم إن الله جل و علا أراد هدي عمر بن الخطاب و كان عمر من أشد قريش على رسول الله صلى الله عليه و سلم شغبا و أكثرهم للمسلمين أذى و كان السبب في إسلامه أن أخته فاطمة بنت الخطاب كانت تحت سعد بن زيد بن عمرو بن نفيل و كانت قد أسلمت و أسلم زوجها سعيد بن زيد و هم يستخفون بإسلامهم من عمر و كان نعيم بن عبد الله بن النحام قد أسلم و كان يخفي إسلامه و كان خباب بن الأرت يختلف إلى فاطمة بنت الخطاب يقرئها القرآن فخرج عمر يوما متوشحا بسيفه يريد رسول الله صلى الله عليه و سلم و ذكر له أنهم قد اجتمعوا في بيت عند الصفا و هم قريب من أربعين بين رجال و نساء و مع رسول الله صلى الله عليه و سلم حمزة و علي و أبو بكر في رجال من المسلمين ممن أقام مع رسول الله صلى الله عليه و سلم بمكة و لم يخرج إلى أرض الحبشة فلقي نعيم بن النحام عمر بن الخطاب فقال : أين تريد ؟ فقال : أريد محمدا هذا الصابىء الذي فرق أمر قريش و سفه أحلامها و عاب دينها و سب آلهتها فاقتله فقال له نعيم : و الله لقد غرتك نفسك من نفسك يا عمر ! أترى أن عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض و قد قتلت محمدا ! أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم ! قال : و أي أهل بيتي ؟ فقال : ختنك و ابن عمك سعيد بن زيد وأختك فقد أسلما و بايعا محمدا على دينه فعليك بهما فرجع عمر عامدا لختنه و أخته و عندهما خباب بن الأرت و معه صحيفة فيها طه يقرئها إياهما فلما سمعوا حس عمر تغيب خباب في مخدع لهم و أخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة فجعلتها تحت فخذها وقد سمع حين دنا من البيت قراءتهما عليه فلما دخل قال : ما هذه الهينمة التي سمعت ؟ قالا له : ما سمعت شيئا قال : بلى و الله ! لقد أخبرت أنكما بايعتما محمدا على دينه و بطش بختنه سعيد بن زيد : فقامت إليه فاطمة لتكفه عن زوجها فضربها فشجها فلما فعل ذلك قالت له أخته و ختنه نعم قد أسلمنا و آمنا بالله و رسوله فاصنع ما بدا لك ! فلما رأى عمر ما بأخته من الدم ندم على ما صنع ارعوى و قال لأخته : اعطيني هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرؤون آنفا انظر ما هذا الذي جاء به محمد ـ و كان عمر كاتبا فلما قال ذلك قالت له أخته : إنا لنخشاك عليها قال : لا تخافي ـ و حلف لها بآلهته ليردها إليها فلما قال ذلك طمعت في إسلامه فقالت له : يا أخي ! إنك نجس على شركك و إنه لا يمسها إلا المطهرون فقام عمر بن الخطاب فاغتسل ثم أعطته الصحيفة و فيها { طه } فلما قرأ سطرا منها قال : ما أحسن هذا الكلام ! فلما سمع خباب ذلك خرج إليه فقال له : يا عمر ! و الله لأرجو يكون خصك الله بدعوة نبيه صلى الله عليه و سلم فإني سمعته يقول [ اللهم ! أيد الإسلام بأبي الحكم بن هاشم أو بعمر بن الخطاب ] ! فقال له عمر : دلني عليه يا خباب حتى أتيه فأسلم فقال له خباب : هو في بيت عند الصفا معه فيه نفر من أصحابه فأخذ عمر سيفه فتوشحه ثم عمد إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فلما بلغ ضرب عليه الباب فلما سمع المسلمون صوته قام رجل فنظر من خلال الباب فرآه متوشحا بالسيف فقال حمزة بن عبد المطلب : أئذن له فإن كان يريد خيرا به لناله و إن كان يريد شرا قتلناه بسيفه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ أئذن له ] فأذن له الرجل و نهض إليه صلى الله عليه و سلم حتى لقيه في الحجرة فأخذ بحجزته ثم جبذه جبذة عظيمة و قال : [ ما جاء بك يا بن الخطاب ؟ و الله ما أرى أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة ! ] فقال له عمر : يا رسول الله ! جئتك لأومن بالله و رسوله و بما جئت به من عند الله قال : فكبر رسول الله صلى الله عليه و سلم تكبيرة عرف أهل البيت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم أن عمر أسلم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ يا عمر ! استره ] فقال عمر : و الذي بعثك بالحق لأعلنته كما أعلنت الشرك فتفرق أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم عند ذلك و قد عزوا في أنفسهم حين أسلم عمر و حمزة و عرفوا أنهما سيمنعان رسول الله صلى الله عليه و سلم و لذلك كان يقول ابن مسعود : ما زلنا أعزة مذ أسلم عمر
ثم توفيت خديجة فقال النبي صلى الله عليه و سلم : [ رأيت لخديجة بيتا في الجنة لا صخب فيه و لا نصب ]
ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه و سلم عند وفاة خديجة عائشة بنت أبي بكر قبل الهجرة بثلاثة سنين في شهر شوال و هي بنت ست لم يتزوج بكرا غيرها و كانت أم عائشة أم رومان بنت عامر ابن عويمر بن عبد شمس
ثم خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى الطائف يلتمس من ثقيف المنعة و أشراف ثقيف يومئذ عبد يا ليل و حبيب و مسعود بن عمرو فلما أتاهم رسول الله صلى الله عليه و سلم دعاهم إلى الله فقال أحدهم : أما وجد الله أحدا يرسله غيرك ؟ و قال الآخر هو يمرط ثياب الكعبة : إن كان الله أرسلك ـ و قال الآخر : إن كان كما تقول ـ ما ينبغي لي أن أكلمك أجلالا لك و إن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك فقام رسول الله صلى الله عليه و سلم و قد سمع ما يكره فالتجأ إلى حائط لبني ربيعة و إذا عتبة و شيبة فيه فلما رأياه تحركت له رحمها فدعوا غلاما لهما يقال له : عداس نصرانيا فقالا له : خذ هذا العنب و اجعله في هذا الإناء و اذهب به إلى ذلك الرجل فلما أتاه به عداس وضع رسول الله صلى الله عليه و سلم يده في العنب و سمى الله فنظره عداس في وجهه و قال : إن هذا لشيء ما يقوله الناس اليوم ! قال : [ و من أنت ؟ ] قال : أنا رجل نصراني من أهل نينوى قال : [ من قرية يونس بن متى ؟ ] قال : و ما يدريك ما يونس بن متى ؟ قال : [ ذلك أخي كان نبيا من الأنبياء ] فجعل عداس يقبل يديه و رجليه و يقول : قدوس ! و قال ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه : أما غلامك فقد أفسده عليك ! فلما رجع إليهما فسألاه عما قال له فقال : لقد أخبرني عن شيئ ما يعلمه إلا نبي ! قالا : يا عداس ويحك ! لا تخدع عن دينك
ثم خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم لما أيس من الطائف فمر بنخلة فقام يصلي من جوف الليل فمر به النفر من الجن أصحاب نصيبين فاستمعوا له عامة ليلته فلما فرغ من صلاته ولوا إلى قومهم منذرين و هم سبعة أنفس
ثم قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم مكة يدعوهم إلى الله و يستنصرهم ليمنعوا ظهره حتى ينفذ عن الله ما بعثه به ثم افتقده أصحابه ليلة فباتوا بشر ليلة فجعلوا يقولون : استطير أو اغتيل و تفرقوا في الشعاب و الأودية يطلبونه فلقيه بن مسعود مقبلا من نحو حراء فقال : يا نبي الله ! بأبي أنت و أمي ! بتنا بشر ليلة قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ أتاني داعي الجن فأتيتهم أقرئهم القرآن و سألوني الزاد فقلت : كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أو فرما كان لحما و البعر علفا لدوابكم ] فلذلك نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الاستنجاء بالروث و العظم لأنه زاد إخواننا من الجن و كان بن مسعود يقول : أراني رسول الله صلى الله عليه و سلم ليلة الجن آثارهم و نيرانهم ثم أمر الله عز و جل رسوله صلى الله عليه و سلم أن يعرض نفسه على قبائل العرب

(1/69)


أخبرنا الحسن بن عبد الله بن يزيد القطان بالرقة ثنا عبد الجبار بن محمد ابن كثير التميمي ثنا محمد بن بشر اليماني عن أبان بن عبد الله البجلي عن أبان بن تغلب عن عكرمة عن ابن عباس قال حدثني علي بن أبي طالب قال : لما أمر الله و رسوله صلى الله عليه و سلم أن يعرض نفسه على قبائل العرب خرج و أنا معه و أبو بكر الصديق حتى دفعنا إلى مجلس من مجالس العرب فتقدم أبو بكر فسلم و قال : ممن القوم ؟ قالوا : من ربيعة قال : و أي ربيعة أنتم ؟ أمن هامتها أم من لهازمها ؟ فقالوا : لا بل من هامتها العظمى قال أبو بكر : و أي هامتها العظمى أنتم ؟ قالوا : من ذهل الأكبر قال أبو بكر : فمنكم عوف الذي يقال له لا حر بوادي عوف ؟ قالوا : لا قال فمنكم بسطام بن قيس صاحب اللواء و منتهى الأحياء ؟ قالوا : لا قال : فمنكم جساس بن مرة حامي الذمار و مانع الجار ؟ قالوا : لا قال : فمنكم الحوفزان قاتل الملوك سالبها أنفسها ؟ قالوا : لا قال : فمنكم أصهار الملوك من لخم ؟ قالوا : لا قال أبو بكر : فلستم إذا ذهلا الأكبر أنتم ذهل الأصغر فقام إليه غلام من بني شيبان يقال له دغفل حين بقل وجهه فقال : على سائلنا أن نسأله يا هذا إنك سألتنا فأخبرناك و لم نكتمك شيئا فممن الرجل ؟ فقال أبو بكر : أنا من قريش فقال الفتى : بخ بخ أهل الشرف و الرئاسة فمن أي القرشيين أنت ؟ قال : من ولد تيم بن مرة قال : أمكنت و الله الرامي من صفاء الثغرة ! فمنكم قصي الذي جمع القبائل من فهر فكان يدعى في قريش مجمعا ؟ قال : لا قال : فمنكم هاشم الذي هشم الثريد لقومه و رجال مكة مسنتون عجاف ؟ قال : لا قال : فمن أهل الحجابة أنت ؟ قال : لا قال : فمن أهل الندوة أنت ؟ قال : لا قال : فمنكم شيبة الحمد عبد المطلب مطعم طير السماء الذي كأن وجهه القمر يضيء في الليلة الظلماء الداجية ؟ قال : لا قال : فمن أهل السقاية ؟ قال : لا و اجتذب أبو بكر زمام الناقة فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال الغلام :
( صادف درء السيل درئا يدفعه ... يهيضه حينا و حينا يصدعه )
أما و الله لقد ثبت ! قال : فتبسم رسول الله صلى الله عليه و سلم : فقال علي : فقلت : يا أبا بكر ! لقد وقعت من الإعرابي على باقعة ! فقال لي : أجل يا أبا الحسن ! ما من طامة إلا و فوقها طامة و البلاء موكل بالمنطق قال علي : ثم دفعنا إلى مجلس آخر عليهم السكينة و الوقار فتقدم أبو بكر و كان مقدما في كل خير فسلم و قال : ممن القوم ؟ فقالوا : من شيبان بن ثعلبة فالتفت أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : بأبي أنت و أمي يا رسول الله ! ما وراء هذا القوم غر هؤلاء غرر قومهم و فيهم مفروق بن عمرو و هانئ بن قصيبة و المثنى بن حارثة و النعمان بن شريك و كان مفروق بن عمرو و قد غلبهم جمالا و لسانا و كان له غديرتان تسقطان على تربيته و كان أدنى القوم مجلسا من أبي بكر فقال أبو بكر كيف العدد فيكم ؟ فقال مفروق : إنا لنزيد على ألف و لن يغلب ألف من قلة ! فقال أبو بكر : و كيف المنعة فيكم ؟ قال مفروق علينا الجهد و لكل قوم جد قال أبو بكر : كيف الحرب بينكم و بين عدوكم ؟ قال مفروق : إنا لأشد ما نكون غضبا حين نلقى و إنا لأشد ما نكون لقاء حين نغضب و إنا لنؤثر الجياد على الأولاد و السلاح على اللقاح و النصر من عند الله يديلنا مرة و يديل علينا أخرى لعلك أخو قريش ! قال أبو بكر : و قد بلغكم أنه رسول الله صلى الله عليه و سلم فها هو ذا ! قال مفروق : قد بلغنا أنه يذكر ذلك قال : فإلى م تدعو يا أخا قريش ! [ قال : أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أني رسول الله و أن تؤوني و تنصروني فإن قريشا قد تظاهرت على أمر الله فكذبت رسله و استغنت بالباطل عن الحق و الله هو الغني الحميد فقال مفروق بن عمرو : إلى ما تدعونا يا أخا قريش ؟ فتلا رسول الله صلى الله عليه و سلم { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم } الآية قال مفروق و إلى م تدعو يا أخا قريش ؟ فتلا رسول الله صلى الله عليه و سلم { إن الله يأمر بالعدل و الإحسان } الآية فقال مفروق : دعوت و الله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق و محاسن الأعمال و كأنه أحب أن يشركه في الكلام هانئ بن قبيصة فقال : و هذا هانئ بن قبيصة شيخنا و صاحب ديننا ! فقال : قد سمعت مقالتك يا أخا قريش ! و إني أرى إن تركنا ديننا و اتبعناك على دينك لمجلس جلسته إلينا زلة في الرأي و قلة فكر في العواقب و إنما تكون الزلة مع العجلة و من ورائنا قوم نكره أن نعقد عليهم عقدا و لكن ترجع و نرجع و تنظر و ننظر و كأنه أحب أن يشركه في الكلام المثنى بن حارثة فقال : و هذا المثنى بن حارثة شيخنا و صاحب حربنا ! فقال المثنى قد سمعت مقالتك يا أخا قريش ! و الجواب هو جواب هانئ بن قبيصة في تركنا ديننا و اتباعنا إياك على دينك و إنما نزلنا بين ضرتين فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ما هاتان الضرتان ؟ قال : أنهار كسرى و مياه العرب و إنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى لا نحدث حدثا و لا نؤوي محدثا و إني أرى هذا الأمر الذي تدعو إليه مما تكرهه الملوك فإن أحببت أن نؤويك و ننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ما أسأتم في الرد إذ أفصحتم بالصدق و إن دين الله لن ينصره إلا من أحاطه الله من جميع جوانبه أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلا حتى يورثكم الله أرضهم و ديارهم و أموالهم و يفرشكم نساءهم أتسبحون الله و تقدسونه ؟ فقال النعمان بن شريك : اللهم ! نعم قال : فتلا رسول الله صلى الله عليه و سلم { إنا أرسلناك شاهدا و مبشرا و نذيرا و داعيا إلى الله بإذنه و سراجا منيرا } ثم نهض رسول الله صلى الله عليه و سلم قابضا على يد أبي بكر و هو يقول : يا أبا بكر أية أخلاق في الجاهلية ما أشرفها بها يدفع الله بأس بعضهم عن بعض ]
قال أبو حاتم : إن الله جل و علا أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يعرض على قبائل العرب يدعوهم إلى الله وحده و أن لا يشركوا به شيئا و ينصروه و يصدقوه فكان يمر على مجالس العرب و منازلهم فإذا رأى قوما وقف عليهم و قال : [ إني رسول الله إليكم ! يأمركم أن تعبدوه و لا تشركوا به شيئا و تصدقوني ] و خلفه عبد العزى أبو لهب بن عبد المطلب عمه يقول : يا قوم لا تقبلوا منه فإنه كذاب ـ حتى أتى كندة في منازلهم فعرض عليهم نفسه و دعاهم إلى الله فأبوا أن يستجيبوا له ثم أتى كلبا في منازلهم فكلم بطنا منهم يقال له بنو عبد الله فجعل يدعوهم حتى أنه ليقول لهم : [ يا بني عبد الله ! إن الله قد أحسن اسم أبيكم إني رسوله فاتبعوني حتى أنفذ أمره ] فلم يقبلوا منه ثم أتى بني حنيفة في منازلهم فردوا عليه ما كلمهم به و لم يكن من قبائل العرب أعنف ردا عليه منهم ثم أتى بني عامر بن صعصعة في منازلهم فدعاهم إلى الله فقال قائل منهم : إن اتبعناك و صدقناك فنصرك الله ثم أظهرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء ] فقالوا : أنهدف نحورنا للعرب دونك فإذا ظهرت كان الأمر في غيرنا ! لا حاجة لنا في هذا من أمرك
و كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يحضر الموسم فيعرض نفسه على من حضر من العرب فبلغ رسول الله صلى الله عليه و سلم العقبة و إذا رهط منهم رموا الجمرة فاعترضهم رسول الله صلى الله عليه و سلم و قال : [ ممن أنتم ] ؟ قالوا : من الخزرج قال : [ أمن موالي يهود ؟ ] قالوا : نعم فكلمهم بالذي بعثه الله به فقال بعضهم لبعض : يا قوم ! إن هذا الذي كانت اليهود يدعوننا به أن يخرج في آخر الزمان و كانت اليهود إذا كان بينهم شيء قالوا : إنما ننتظر نبيا يبعث الآن يقتلكم قتل عاد و ثمود فنتبعه و نظهر عليكم معه ثم قالوا لرسول الله صلى الله عليه و سلم : نرجع إلى قومنا و نخبرهم بالذي كلمتنا به فما أرغبنا فيك ! إنا قد تركنا قومنا على خلاف فيما بينهم لا نعلم حيا من العرب بينهم من العداوة ما بينهم و سنرجع إليهم بالذي سمعنا منك لعل الله يقبل بقلوبهم و يصلح بك ذات بينهم و يؤلف بين قلوبهم و أن يجتمعوا على أمرك ! فإن يجتمعوا على أمر واحد فلا رجل أعز منك ثم قدموا إلى المدينة فأفشوا ذلك فيهم و لما رجع حاج العرب كان لبني عامر شيخ قد كبر لا يستطيع أن يوافي معهم الموسم و كان من أمرهم بمكان فكانوا إذا رجعوا سألهم عما كان في موسهم ذلك فلما كان ذلك العام سألهم فأخبروه عما قال لهم رسول الله صلى الله عليه و سلم و دعاهم إليه فوضع الشيخ يده على رأسه و قال : يا بني عامر ! هل لها من تلاف ؟ هل لذناباها من مطلب ؟ فو الله ما تقولها إسماعيلي و إنها لحق ! و يحكم ! أين غاب عنكم رأيكم !
و سمعت قريش بمكة بالليل صوتا و لا يرون شخصه يقول : فإن يسلم السعدان يصبح محمد من الأمر لا يخشى خلاف المخالف فقالت قريش : لو علمنا من السعدان لفعلنا و فعلنا فسمعوا من القائل و هو يقول :
( فيا سعد سعد الأوس كن أنت مانعا ... و يا سعد سعد الخزرجين الغطارف )
( أجيبا إلى داعي الهدى و تمنيا ... على الله في الفردوس زلفة عارف )
( فإن ثواب الله للطالب الهدى ... جنان من الفردوس ذات رفارف )
السعدان يريد به سعد الأوس ـ سعد بن معاذ و سعد الخزرج ـ سعد بن عبادة

(1/93)


حدثنا محمد بن أحمد بن أبي عون الرازي ثنا عمار بن الحسن ثنا سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق قال أخبرني يزيد بن أبي حبيب عن مرثد بن عبد الله اليزني عن عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي عن عبادة بن الصامت قال : كنا اثني عشر رجلا في العقبة الأولى فبايعنا رسول الله صلى الله عليه و سلم على بيعة النساء أن لا نشرك بالله شيئا و لا نسرق و لا نزني و لا نقتل أولادنا و لا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا و أرجلنا و لا نعصيه في معروف فمن وفي فله الجنة و من غشي من ذلك شيئا فأمره إلى الله إن شاء عذبه و إن شاء غفر له
قال أبو حاتم : فلما كان الموسم جعل النبي صلى الله عليه و سلم يتبع القبائل يدعوهم إلى الله فاجتمع عنده بالليل اثنا عشر نقيبا من الأنصار فقالوا : يا رسول الله صلى الله عليه و سلم إنا نخاف إن جئتنا على حالك هذه أن لا يتهيأ لنا الذي نريد و لكن نبايعك الساعة و ميعادنا العام المقبل فبايعهم النبي صلى الله عليه و سلم على أن لا يشركوا بالله شيئا و لا يسرقوا و لا يزنوا و لا يقتلوا أولادهم و لا يأتوا ببهتان يفترونه بين أيديهم و أرجلهم و لا يعصونه في معروف فمن وفى فله الجنة و من غشي من ذلك شيئا فأمره إلى الله إن شاء غفر له و إن شاء عذبه
و أسماؤهم : منهم من بني النجار و ثلاثة أنفس : أسعد بن زرارة بن عدس و هو أبو أمامة و عوف و معاذ ابنا الحارث بن رفاعة
و من بني زريق بن عامر بن زريق : رافع بن مالك بن العجلان و ذكوان بن عبد قيس بن خالدة
و من بني غنم : عوف بن عمر بن عوف بن الخزرج
و منهم القوافل : عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم و أبو عبد الرحمن ابن يزيد بن ثعلبة حليف لهم من بلى و من بني سالم بن عوف : عباس بن عبادة بن نضلة
و من بني سلمة جعد بن سعيد ثم من بني حرام : عقبة بن عامر بن نابي و قطبة بن عامر بن حديدة بن عمرو بن سواد
و من بني عبد الأشهل بن جشم : أبو الهيثم بن التيهان و اسمه مالك و عويم بن ساعدة
ثم رجعوا إلى قومهم بالمدينة و أخبروهم الخبر و فشا ذكر الإسلام بالمدينة فكان الواحد بعد الواحد من الأنصار يخرج من المدينة إلى مكة فيؤمن برسول الله صلى الله عليه و سلم ثم ينقلب إلى أهله فيسلم بإسلامه جماعة حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا و فيها رهط من المسلمين يظهرون الإسلام
ثم اختلف الأوس و الخزرج في الصلاة و أبوا أن يترك بعضهم يؤم بعضا فبعث رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى المدينة مصعب بن عمير مع جماعة و ذلك أنهم كتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم يسألونه أن يبعث عليهم رجلا من أصحابه يفقههم في الدين فنز ل مصعب بن عمير على أسعد بن زرارة فكان يأتى به دور الأنصار فيدعوهم إلى الله و يقرأ عليهم القرآن و يفقه من كان منهم دخل في الإسلام و كان إسلام سعد بن معاذ و أسيد بن حضير على يد مصعب و ذلك أنه خرج مع أسعد بن زرارة إلى حائط من حوائط بني النجار معهما رجال من المسلمين فبلغ ذلك سعد بن معاذ فقال لأسيد بن حضير : ائت هذا الرجل فلولا أنه مع أسعد بن زرارة و هو ابن خالتي كما علمت كنت أنا أكفيك شأنه ! فأخذ أسيد بن حضير حربته ثم خرج حتى أتى مصعبا فوقف متشتما و قد قال أسعد لمصعب حين نظر إلى أسيد : هذا أسيد ! من سادات قوم له خطر و شرف فلما انتهى إليهما تكلم بكلام فيه بعض الغلظة فقال له مصعب بن عمير : أوتجلس فتسمع ؟ فإن سمعت خيرا قبلته و إن كرهت شيئا أو خالفك أعفيناك عنه قال أسيد : ما بهذا بأس ثم ركز حربته و جلس فتكلم مصعب بالإسلام و تلا عليه القرآن قال أسيد : ما أحسن هذا القول ! ثم أمره فتشهد شهادة الحق و قال لهم : كيف أفعل ؟ فقال له : تغتسل و تطهر ثوبك و تشهد شهادة الحق و تركع ركعتين ففعل و رجع إلى بني عبد الأشهل و ثبتا مكانهما فلما رآه سعد بن معاذ مقبلا قال : أحلف بالله لقد رجع إليكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم ! فلما وقف عليه قال له سعد : ما وراءك ؟ قال : كلمت الرجلين فكلماني بكلام رقيق و زعما أنهما سيتركان ذلك و قد بلغني أن بني حارثة قد سمعوا بمكان أسعد فاجتمعوا لقتله و إنما يريدون بذلك إحقارك و هو ابن خالتك فإن كان لك به حاجة فأدركه فوثب سعد و أخذ الحربة من يدي أسيد و قال : ما أراك أغنيت شيئا ! ثم خرج حتى جاءهما و وقف عليهما متشتما و قد قال أسعد لمصعب حين رأى سعدا : هذا و الله سيد من وراءه ! إن تابعك لم يختلف عليه اثنان من قومه فأبلى الله فيه بلاء حسنا فلما وقف سعد قال لأسعد بن زرارة : أجئتنا بهذا الرجل يسفه شبابنا و ضعفاءنا و الله لولا ما بيني و بينك من الرحم ما تركتك و هذا ! فلما فرغ سعد من مقالته قال له مصعب : أوتجلس فتسمع ؟ فإن سمعت خيرا قبلته و إن خالفك شيء أعفيناك قال : أنصفت فركز حربته ثم جلس فكلمه بالإسلام و تلا عليه القرآن فقال سعد : ما أحسن هذا ! نقبله منك ونعينك عليه كيف تصنعون إذا دخلتم في هذا الأمر ؟ قال : تغتسل وتطهر ثوبك و تشهد شهادة الحق و تركع ركعتين ففعل ثم خرج سعد حتى أتى بني عبد الأشهل فلما رأوه قالوا : و الله لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم ! فلما وقف عليهم قالوا : مما حئت ؟ قال يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون رأيي فيكم و أمري عليكم ؟ قالوا أنت خيرنا رأيا قال فإن كان كلام رجالكم و نسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله وحده و تشهدوا أن محمدا رسول الله و تدخلوا في دينه فما أمسى من ذلك اليوم في دار بني عبد الأشهل رجل و لا امرأة إلا أسلم

(1/105)


جمعها أبو أمامة أسعد بن زرارة و هم أربعون رجلا في روضة يقال لها نقيع الخضمات من حرة بني بياضة فكان كعب بن مالك يقول فيما بعد إذا سمع الأذان يوم الجمعة : رحمة الله على أبي أمامة أسعد بن زرارة !

(1/111)


أخبرنا الحسن بن سفيان الشيباني و أحمد بن علي بن المثنى التميمي و عمران بن موسى بن مجاشع السختياني قالوا ثنا هدية بن مجاشع السختياني قالوا ثنا هدية بن خالد القيسي ثنا همام ابن يحيى ثنا قتادة [ عن أنس بن مالك بن صعصعة أن نبي الله صلى الله عليه و سلم حدثهم عن ليلة أسري به قال : بينا أنا في الحطيم ـ و ربما قال في الحجر ـ مضطجع إذ أتاني [ جبريل ] فشق ما بين هذه إلى هذه فاستخرج قلبي ثم أتيت بطست من ذهب مملوءة إيمانا و حكمة فغسل قلبي ثم أعيد ثم أتيت بدابة دون البغل و فوق الحمار يضع خطوة عند أقصى طرفه فحملت عليه فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح فقيل : من هذا ؟ قال جبريل قيل : و من معك ؟ قال : محمد قيل : و قد أرسل إليه ؟ قال : نعم قيل : مرحبا به ! فنعم المجيء جاء ! ففتح فلما خلصت إذا فيها آدم فقال : هذا أبوك آدم فسلم عليه قال : فسلمت عليه فرد علي السلام ثم قال : مرحبا بالابن الصالح و النبي الصالح ! ثم صعد بي حتى أتى السماء الثانية فاستفتح قيل : ما هذا ؟ قال : جبريل قيل : و من معك ؟ قال : محمد قيل : و قد أرسل إليه ؟ قال : نعم قبل : مرحبا به ! فنعم المجيء جاء ! ففتح له فلما خلصت إذا نحن بعيسى و يحيى و هما ابنا الخالة قال : هذا يحيى و عيسى فسلم عليهما قال : فسلمت و ردا ثم قال : مرحبا بالأخ الصالح و النبي الصالح ! ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فاستفتح فقيل : من هذا ؟ قال : جبريل ؟ قيل : و من معك ؟ قال : محمد قيل : و قد أرسل إليه ؟ قال : نعم قيل : مرحبا به ! فنعم المجيء جاء ! ففتح فلما خلصت إذا يوسف قال : هذا يوسف فسلم عليه قال : فسلمت عليه فرد ثم قال : مرحبا بالأخ الصالح و النبي الصالح ! ثم صعد بي إلى السماء الرابعة فاسفتح فقيل : من هذا ؟ قال : جبريل قيل : و من معك ؟ قال : محمد قيل : و قد أرسل إليه ؟ قال : نعم قيل : مرحبا به ! فنعم المجيء جاء ! ففتح فلما خلصت فإذا إدريس قال : هذا إدريس فسلم عليه قال : فسلمت عيه فرد ثم قال : مرحبا بالأخ الصالح و النبي الصالح ! ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح فقيل : من هذا ؟ قال : جبريل قيل : و من معك ؟ قال : محمد قيل : و قد أرسل إليه ؟ قال : نعم قيل : مرحبا به ! فنعم المجيء جاء ! ففتح فلما خلصت إذا بهارون قال : هذا هارون فسلم عليه قال : فسلمت عليه فرد السلام ثم قال : مرحبا بالأخ الصالح و النبي الصالح ! ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة فاستفتح قيل : من هذا ؟ قال : جبريل قيل : و من معك ؟ قال : محمد قيل : و قد أرسل إليه ؟ قال : نعم قيل : مرحبا به ! فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت فإذا موسى قال : هذا موسى فسلم عليه قال : فسلمت عليه فرد و قال : مرحبا بالأخ الصالح و النبي الصالح ! فلما تجاوزت بكى قال : ما يبكيك ؟ قال : أبكي لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي ثم صعد بي حتى أتى السماء السابعة فاستفتح قيل : من هذا ؟ قال : جبريل قيل : و من معك ؟ قال : محمد قيل : و قد أرسل إليه ؟ قال : نعم قيل : مرحبا به ! فنعم المجيء جاء ! ففتحت فلما خلصت إذا إبراهيم قال : هذا أبوك إبراهيم فسلم عليه قال : فسلمت عليه فرد السلام ثم قال : مرحبا بالنبي الصالح و الابن الصالح ! ثم رفعت إلى سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل قلال هجر و إذا ورقها مثل آذان الفيلة قال : هذه سدرة المنتهى قال فإذا أربعة أنهار : نهران ظاهران و نهران باطنان فقلت : ما هذان يا جبريل قال : أما الباطنان فنهران في الجنة و أما الظاهران فالنيل و الفرات ثم رفع إلى البيت المعمور ثم أتى بإناء من خمر و إناء من لبن و إناء من عسل فأخذت اللبن فقال : هي الفطرة و أنت عليها و أمتك ثم فرضت علي الصلوات خمسين صلاة كل يوم فرجعت فمررت بموسى فقال : بما أمرت ؟ قلت : أمرت بخمسين صلاة كل يوم قال : إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم و إني قد جربت الناس قبلك و عالجت بني إسرائيل أشد المعالجة ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك فرجعت فوضع عني عشرا فرجعت إلى موسى فقال : بما أمرت ؟ قلت : أمرت بأربعين صلاة كل يوم قال : إن أمتك لا تستطيع أربعين صلاة كل يوم إني قد جربت الناس قبلك و عالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك فرجعت فوضع عني عشرا فرجعت إلي موسى فقال : بما أمرت ؟ قلت : أمرت بثلاثين صلاة كل يوم قال : إن أمتك لا تستطيع ثلاثين صلاة كل يوم فإني قد جربت الناس قبلك و عالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك فرجعت فوضع عشرا فرجعت إلى موسى قال : بما أمرت ؟ قلت : أمرت بعشرين صلاة كل يوم قال : إن أمتك لا تستطيع عشرين صلاة و إني قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك فرجعت فأمرت بعشر صلوات كل يوم ثم رجعت إلى موسى فقال : بما أمرت ؟ قلت : أمرت بعشر صلوات كل يوم قال : إن أمتك لا تستطيع عشر صلاة كل يوم و إني قد جربت الناس قبلك و عالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم فرجعت إلى موسى فقال : بما أمرت ؟ قلت : أمرت بخمس صلوات كل يوم قال : إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم و إني قد جربت الناس قبلك و عالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك قلت : قد سألت ربي حتى استحييت و لكني أرضى و أسلم فلما جاوزت ناداني مناد : أمضيت فريضتي و خففت عن عبادي ]
قال أبو حاتم : أسرى النبي صلى الله عليه و سلم إلى بيت المقدس ثم عرج به إلى السماء و فرض عليه خمس صلوات ثم بعث الله جبريل ليؤم رسول الله صلى الله عليه و سلم عند البيت و يعلمه أوقات الصلوات فلما كان الظهر نودي : إن الصلاة جامعة ففزع الناس و اجتمعوا إلى نبيهم فصلى بهم حين زالت الشمس على مثل الشراك يؤم جبريل محمد و يؤم محمد الناس ثم صلى به العصر حين صار ظل كل شيء مثله ثم صلى به المغرب حين أفطر الصائم ثم صلى به العشاء حين غاب الشفق ثم صلى به الفجر حين حرم الطعام و الشراب على الصائم
ثم صلى به الظهر من الغد حين صار ظل كل شيء مثله ثم صلى به العصر حين صار ظل كل شيء مثليه ثم صلى به المغرب حين أفطر الصائم ثم صلى به العشاء حين ذهب ثلث الليل ثم صلى به الفجر حين أسفر ثم التفت جبريل إلى محمد صلى الله عليه و سلم ثم قال : يا محمد ! هذا وقتك و وقت الأنبياء قبلك الوقت فيما بين هذين الوقتين

(1/112)


أخبرنا محمد بن صالح الطبري بالصيمرة ثنا أبو كريب ثنا إدريس عن يحيى بن سعيد الأنصاري و عبد الله بن عمر و محمد بن إسحاق عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن أبيه عن جده عبادة بن الصامت قال : بايعنا رسول الله صلى الله عليه و سلم على السمع و الطاعة في العسر و اليسر و المكره و المنشط و على أثرة علينا و أن لا ننازع الأمر أهله و أن نقول بالحق حيث ما كنا لا نخاف في الله لومة لائم
قال أبو حاتم : فلما كان العام المقبل من حيث واعد الأنصار رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يلقوه من العام المقبل بمكة خرج سبعون رجلا من الأنصار فيمن خرج من أهل الشرك من قومهم من أهل المدينة فلما كانوا بذي الحليفة قال البراء ابن معرور بن صخر بن خنساء و كان كبير الأنصار : إني قد رأيت رأيا ما أدري أتوافقوني عليه أم لا قد رأيت ألا أجعل هذه البنية مني بظهر و أن أصلي إليها ـ يعني الكعبة فقالوا له : و الله ما هذا برأي و ما كنا لنصلي إلى غير قبلة فأبوا ذلك عليه و أبى أن لا يصلي إلا إليها فلما غابت الشمس صلى إلى الكعبة و صلى أصحابه إلى الشام حتى قدموا مكة ن قال البراء بن معرور لكعب بن مالك : و الله يا ابن أخي ! قد وقع في نفسي مما صنعت في سفري هذا فانطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى أسأله عما صنعت و كانوا لا يعرفون رسول الله صلى الله عليه و سلم إنما كانوا يعرفون العباس بن عبد المطلب لأنه كان يختلف إليهم إلى المدينة تاجرا فخرجوا يسألون عن رسول الله صلى الله عليه و سلم بمكة حتى إذا كانوا بالبطحاء سألوا رجلا عنه فقال : هل تعرفونه ؟ قالوا : لا قال : فهل تعرفون العباس بن عبد المطلب ؟ قالوا : نعم قال : فإذا دخلتم المسجد فانظروا من الرجل الذي مع العباس جالس فهو هو تركته معه الآن فخرجوا حتى جاءوا فسلموا عليهما ثم جلسوا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم للعباس : هل تعرف هذين الرجلين ؟ قال : نعم هذا البراء بن معرور و هذا كعب بن مالك فقال له البراء يا رسول الله صلى الله عليه و سلم ! إني صنعت في سفري هذا شيئا قد وقع في نفسي منه شيء فأخبرني عنه رأيت أن لا أجعل هذه البنية مني بظهر و صليت إليها فعنفني أصحابي و خالفوني فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لقد كنت على قبلة لو صبرت عليها ـ و لم يزد على ذلك ثم خرجوا إلى منى فلما كان في أوسط أيام التشريق ذات ليلة واعدوا رسول الله صلى الله عليه و سلم العقبة فخرجوا في جوف الليل يتسللون من رجالهم و يخوفون ذلك من قومهم من المشركين فلما اجتمعوا عند العقبة أتى رسول الله صلى الله عليه و سلم و معه عمه العباس فكان أول من تكلم العباس فقال : يا معشر الخزرج إن محمدا صلى الله عليه و سلم في منعة من قومه و بلاده و قد منعناه ممن ليس على مثل رأينا فيه و قد أبى إلا الانقطاع إليكم فإن كنتم ترون أنكم توفون له بما وعدتموه فأنتم و ما جئتم به و إن كنتم تخافون عليه من أنفسكمم شيئا فالآن فاتركوه فإنه في عز و منعة قالوا : قد سمعنا ما قلت ثم تكلم رسول الله صلى الله عليه و سلم و تلا عليهم القرآن و دعاهم إلى الله فآمنوا و صدقوه ثم تكلم البراء معرور وأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : بايعنا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ أبايعكم على السمع و الطاعة في المنشط و المكره و النفقة في العسر و اليسر و على الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و أن لا تخافوا في الله لومة لائم و على أن تنصروني و تمنعوني بما تمنعون به أنفسكم و أزواجكم و أبناءكم و لكم الجنة ] فبايعوه على ذلك فقال رجل من الأنصار يقال له عباس بن عبادة بن نضلة : يا معشر الأنصار ! هل تدرون ما تبايعون عليه هذا الرجل إنكم تبايعونه على حرب الأسود و الأحمر فإن كنتم ترون أنكم لتوفون بما عاهدتموه عليه فهو خير الدنيا و الأخرة فخذوه و إن كنتم ترون أنكم مسلموه إذا كان ذلك فالآن فدعوه فهو خزي الدنيا و الآخرة فقال أبو الهيثم بن التيهان : يا رسول الله صلى الله عليه و سلم إن بيننا و بين قومه رحما و إنا قاطعوها فيك فهل عسيت إن نحن بايعناك وأظهرك الله أن ترجع إلى قومك و تدعنا ؟ فضحك رسول الله صلى الله عليه و سلم و قال : [ الدم الدم ! الهدم الهدم ! إني منكم و أنتم مني أسالم من سالمتم و أحارب من حاربتم ] ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ ابعثوا إلي منكم اثني عشر نقيبا كفلا على قومهم بما كان منهم ككفالة الحواريين بعيسى ابن مريم ] فقال أسعد بن زرارة : نعم يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ و أنت نقيب على قومك ] فقال : نعم فأخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم منهم اثني عشر نقبيبا فكان نقيب بني مالك بن النجار أبو أمامة أسعد بن زرارة بن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار و كان نقيب بني سلمة البراء بن معرور و عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر بن عبد الله و كان نقيب بني ساعدة المنذر بن عمرو بن خنيس و سعد بن عبادة بن دليم و كان نقيب بني زريق بن عامر رافع ابن مالك بن العجلان و كان نقيب بني الحارث بن الخزرج عبد الله بن رواحة ابن مالك و سعد بن الربيع بن عمرو و كان نقيب القوافل عبادة بن الصامت بن قيس و كان نقيب بني عبد الأشهل أسيد بن حضير بن سماك و أبو الهيثم بن التيهان و كان نقيب بني عمرو بن عوف سعد بن خيثمة بن الحارث فقال عباس بن عبادة بن نضلة : و الله يا رسول الله ! لئن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا ! فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لم أؤمر بذلك ارجعوا إلى رحالكم فرجعوا إلى رحالهم و هم سبعون رجلا فلما أصبحوا غدت عليهم قريش قالوا : يا معشر الخزرج ! إنه قد بلغنا عنكم شيء لا ندري أحق هو أم باطل إنه لأبغض قوم إلينا أن تنشب الحرب بيننا و بينهم منكم فجعل من كان من المشركين من قومهم يحلفون بالله ما علمنا و لا فعلنا و صدقوا قال : كعب بن مالك : فنظرت إلى عبد الله بن عمرو بن حرام فقلت : يا أبا جابر ! أنت شيخ من شيوخنا و سيد من ساداتنا ألا تتخذ نعلا مثل نعلي هذا الفتى من قريش ـ يريد الحارث بن هشام فلما سمعه الحارث خلعهما و رمى بهما إليه فقال : البسهما قال كعب : قال : و الله صالح ! و لئن صدق لأسلبنه
فرجع الأنصار إلىالمدينة و رجع رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى مكة و كانت هذه البيعة في ذي الحجة قبل هجرة النبي صلى الله عليه و سلم إلى المدينة بثلاثة أشهر فلما علمت قريش أن القوم قد عاقدوه و رأت من اتبعه من الأنصار اجتمع نفر من أشراف كل قبيلة و دخلوا دارالندوة ليدبروا أمرهم في رسول الله صلى الله عليه و سلم فاعترضهم إبليس في صورة شيخ فلما رأوه قالوا : من أنت ؟ قال : رجل من أهل نجد سمعت بما اجتمعتم له فأردت أن أحضركم و لن يعدمنكم مني رأي و نصح قالوا : أجل ثم قال : انظروا في أمر هذا الرجل فقال بعضهم : احبسوه في وثاق تربصوا به ريب المنون حتى يهلك كما هلك من قبله من الشعراء فإنما هو كأحدهم قال النجدي : ما هذا برأي فيخرجنه من محبسه و ليوشكن أن يثبوا عليكم حتى يأخذوه من بين أيديكم ثم لا آمن أن يخرج من بلادكم انظروا في غير هذا قال قائل : اخرجوه من بين أظهركم فإنه إذا خرج غاب أذاه و شره و أصلحتم أمركم بينكم و خليتم بينه و بين ما هو فيه قال النجدي : ما هذا برأي ألم تروا حسن حديثه و حلاوة قوله و طلاقة لسانه و أخذ القلوب بما يسمع منه و لئن فعلتم استعرض و لا آمن أن يدخل على كل قبيلة فيقبل منه ما جاء به ثم يسيره إليكم حتى ينزع أمركم من أيديكم فيخرجكم من بلادكم و يقتل أشرافكم انظروا رأيا غير هذا قال أبو جهل : و الله ! لأشيرن برأيي عليكم ما أراكم أبصرتموه بعد قالوا : و ما هو ؟ قال : نأخذ من كل قبيلة غلاما شابا ثم نعطيه سيفا صارما حتى يضربوه ضربة رجل واحد فإذا تفرق دمه في القبائل فلا أظن أن بني هاشم يقدرون على حرب قريش كلها فإذا أرادوا ذلك قبلوا العقل و استرحنا منه ثم أصلحتم أمركم فاجتمع ملككم على ما كنتم عليه من دين آبائكم فقال النجدي : القول ما قال هذا الفتى لا رأي غيره فتفرقوا على ذلك
و أتاه جبريل و أمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه و أخبره بمكر القوم فأمر النبي صلى الله عليه و سلم عليا فتغشى بردا له أحمر حضرميا فبات في مضجعه و اجتمعت قريش لرسول الله صلى الله عليه و سلم عند باب بيته يرصدونه فخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم في يده حفنة من تراب فرماها في وجوههم فأخذ الله بأعينهم عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فباتوا رصدا على بابه و انطلق رسول الله لحاجته فخرج عليهم من الدار خارج فقال : ما لكم ؟ قالوا : ننتظر محمدا قال : قد خرج عليكم فانصرفوا يائسين ينفض كل واحد منهم التراب عن رأسه قال أبو بكر الصديق إنا لله و إنا إليه راجعون ! أخرجوا نبيهم ليهلكن ! فنزلت { أذن للذين يقتلون بأنهم ظلموا و إن الله على نصرهم لقدير } فأمره الله بالقتال و فرض عليه الجهاد و هي أول آية نزلت في القتال ثم أمر الله جل و علا رسول الله صلى الله عليه و سلم بالهجرة إلى يثرب

(1/118)


[ أخبرنا محمد بن الحسن بن قتيبة اللخمي ثنا ابن أبي السرى ثنا عبد الرزاق أن معمر عن الزهري أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنه قالت : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : أريت دار هجرتكم سبخة ذات نخل بين لابتين و هما حرتان فهاجر من هاجر قبل المدينة حين ذكر رسول الله صلى الله عليه و سلم و رجع إلى المدينة بعض من كان هاجر إلى أرض الحبشة من المسلمين و تجهز أبو بكر مهاجرا فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم : على رسلك فإني أرجو أن يؤذن فقال أبو بكر : و ترجو ذلك بأبي أنت و أمي ؟ قال : نعم فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه و سلم لصحبته و علف راحلتين كانتا عنده ورق السمر أربعة أشهر قالت عائشة : فبينا نحن جلوس يوما في بيتنا في نحر الظهيرة فقال قائل لأبي : هذا رسول الله صلى الله عليه و سلم مقبل مقتنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها قال أبو بكر : فداه أبي و أمي ! إن جاء به في هذه الساعة إلا لأمر ! قالت : فجاء رسول الله صلى الله عليه و سلم فاستأذن فأذن له فدخل فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لأبي بكر : أخرج من عندك قال أبو بكر : إنما هو أهلك بأبي أنت يا رسول الله صلى الله عليه و سلم ! فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : فإنه قد أذن لي بالخروج فقال أبو بكر : فالصحبة بأبي أنت يا رسول الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : نعم فقال أبو بكر : بأبي أنت يا رسول الله ! خذ إحدى الراحلتين هاتين فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : بالثمن قالت عائشة فجهزناهما أحث الجهاز و صنعنا لهما سفرة في جراب فقطعت أسماء بنت أبي بكر من نطاقها فأوكت به الجراب فلذلك كانت تسمى ذات النطاق و لحق رسول الله صلى الله عليه و سلم و أبو بكر بغار في جبل يقال له : ثور فمكثا فيه ثلاث ليال ]
قال أبو حاتم : لما أمر الله جل و علا رسوله صلى الله عليه و سلم بالهجرة استأجر رسول الله صلى الله عليه و سلم رجلا من بني الديل و هو من بني عدي هاديا خريتا ـ و الخريت : الماهر بالهداية ـ قد غمس حلفا في آل العاص بن وائل السهمي و هو على دين كفار قريش فأمناه و دفعا إليه راحلتيهما و أوعداه بغار ثور بعد ثلاث و خرج صلى الله عليه و سلم و أبو بكر حتى أتيا الغار في جبل ثور كمنا فيه و خرج المشركون يطلبونهما حتى جاءوا إلى الجبل و أشرفوا على الغار فقال أبو بكر : يا رسول الله ! لو أبصر أحدهم تحت قدمه لأبصرنا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ يا أبا بكر ! ما ظنك باثنين الله ثالثهما ] فأعمى الله أعينهم عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فلما أيسوا رجعوا و مكث رسول الله صلى الله عليه و سلم و أبو بكر في الغار ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر الصديق و هو غلام شاب ثقف ئخن فيدلج من عندهما بسحر فيصبح بمكة مع قريش كبائت بها فلا يسمع أمرا يكاد به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط للكلام و يرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منيحة من غنم فيريحها عليهما حين يذهب ساعة من العشاء فيبيتان في رسل يفعل ذلك في كل ليلة من الليالي الثلاث ثم خرج النبي صلى الله عليه و سلم بعد ثلاث معه أبو بكر و عامر بن فهيرة و الدليل فأخذ بهم الدليل طريق الساحل فاجتنوا ليلتهم حتى أظهروا و قام الظهيرة رمى أبو بكر بصره هل يرى ظلا يؤون إليه فإذا هم بصخرة فانتهوا إليها فإذا بقية ظلها فسوى أبو بكر ثم فرش لرسول الله صلى الله عليه و سلم ثم قال : اضطجع يا رسول الله ! فاضطجع ثم ذهب ينظر هل يرى من الطلب أحدا فإذا هو براعي الغنم يسوق غنمه إلى الصخرة يريد منها مثل الذي يريدون من الظل فسأله أبو بكر : لمن أنت يا غلام قال : لفلان ـ رجل من قريش فعرفه أبو بكر فقال : هل في غنمك من لبن ؟ قال : نعم فقال : هل أنت حالب لي ؟ قال : نعم فأمره فاعتقل شاة من غنمه و أمره أن ينفض عنها من الغبار فحلب له كثبة من لبن و كان معه إداوة لرسول الله صلى الله عليه و سلم على فمها خرقة فصب اللبن حتى برد أسفله ثم ملأها فانتهى بها إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم و قد استيقظ فقال : اشرب يا رسول الله ! فشرب و شرب أبو بكر فقال أبو بكر : قد أتى الرجل يا رسول الله ! قال : [ لا تحزن ] و القوم يطلبونهم قال سراقة بن مالك بن جعشم : جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله صلى الله عليه و سلم و أبي بكر دية كل واحد منهما لمن قتله أو أسره فقال سراقة : فبينا أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج إذ أقبل رجل فقال : يا سراقة ! إني رأيت آنفا أسودة بالساحل أراها محمدا و أصحابه قال سراقة : فعرفت أنهم هم فقلت لهم : إنهم ليسوا هم و لكنك رأيت فلانا و فلانا انطلقوا بأعيننا ثم لبث في مجلس ساعة ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي من وراء أكمة فتحسبها علي و أخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت فحططت بزجة الأرض حتى أتيت فرسي فركبتها و دفعتها تقرب بي حتى ذنوت منهم فعرد بي فرسي فخررت عنها فقمت فأهويت يدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام فاستسقمت بها أخرج أما لا ! فخرج الذي أكره فركبت فرسي و عصيت الأزلام فقرب بي حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه و سلم و هو لا يلتفت و أبو بكر يكثر الالتفات ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين فخررت عنها ثم زجرتها فنهضت فلم تكن تخرج يديها فلما استوت قائمة إذا غبار ساطع في السماء مثل الدخان فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره فناديتهم بالأمان فوقفوا فركبت فرسي حتى جئتهم و وقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم فقلت : إن قومك قد جعلوا فيك الدية و أخبرتهم بأخبار ما يريد الناس بهم و عرضت عليهم بالزاد و المتاع فلم يرزءاني و لم يسألاني إلا أنهما قالا : أخف علينا فسألته أن يكتب لي كتاب موادعة و أمن فأمر أبا بكر فكتب لي في رق من أدم قال سراقة : و الله لأعمين على من ورائي من الطلب و هذه كنانتي فخذ منها سهما فإنك ستمر على إبلي و غنمي بمكان كذا و كذا فخذ منها حاجتك فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ لا حاجة لنا في إبلك و غنمك ] و انطلق راجعا إلى أصحابه و مضى رسول الله صلى الله عليه و سلم فلقي الزبير بن العوام في ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشام فكسا الزبير رسول الله صلى الله عليه و سلم و أبا بكر ثيابا بيضاء
ثم ساروا إلى خيمتي أم معبد الخزاعية و كانت امرأة برزة جلدة تحتبي و تجلس بفناء الخيمة ثم تسقي و تطعم فينالونها تمرا و يشترون فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك فإذا القوم مرملون مسنتون فنظر رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى شاة في كسر خيمتها فقال : [ ما هذه الشاة يا أم معبد ] ؟ قالت : خلفها الجهد عن الغنم فقال : [ هل بها من لبن ] ؟ قالت هي أجهد من ذلك قال : [ أتأذنين لي أن أحلبها ] ؟ قالت : نعم بأبي أنت و أمي ! إن رأيت بها حلبا فاحلبها فدعا رسول الله صلى الله عليه و سلم بالشاة فمسح ضرعها و ذكر اسم الله عليه و قال : [ اللهم ! بارك لها في شاتها ] فتفاجت و درت و اجترت فدعا بإناء لها يربض الرهط فحلب فيه ثجا حتى علاه البهاء فسقاها فشربت حتى رويت و سقى أصحابه فشربوا حتى رووا و شرب آخرهم و قال : [ ساقي القوم آخرهم شربا ] فشربوا جميعا عللا بعد نهل حتى أراضوا ثم حلب فيه ثانيا عودا على بدء فغادره عندها ثم ارتحلوا عنها فقل ما لبث فجاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا له حفلا عجافا يتساوكن هزلا مخهن قليل لا نقى بهن
فلما رأى اللبن عجب و قال : من أين لك هذا و الشاء عاذب و لا حلوبة في البيت ؟ فقالت : لا و الله إلا أنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت و كيت قال : و الله إني أراه صاحب قريش الذي نطلبه صفيه لي يا أم معبد ! قالت : رأيت رجلا ظاهر الوضاءة مليح الوجه حسن الخلق لم تعبه ثجلة و لم تزره صلعة وسيم جسيم قسيم في عينه دعج و في أشفاره وطف و في صوته صهل أحور الأكحل أزج أقرن رجل شديد سواد الشعر في عنقه سطع و في لحيته كثاثة إذا صمت فعليه الوقار و إن تكلم سما و علاه البهاء كأن منطقه خرزات نظم يتحدرون حلو المنطق فصل لا نزر و لا هذر أجمل الناس و أبهاهم من بعيد و أحلاه و أحسنه من قريب ربعة لا يتثنى من طول و لا تقتحمه عين من قصر غصن بين غصنين فهو أنضر الثلاثة منظرا و أحسنهم قدرا و له رفقاء يحفون به إن قال استمعوا لقوله و إن أمر تسارعوا إلى أمره محفود محشود لا عابس و لا مفند قال : هذا و الله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره ! لو كنت وافقت لالتمست إلى أن أصحب و لأفعلنه إن وجدت إلى ذلك سبيلا و أصبح صوت بمكة عاليا يسمعونه و لا يدرون من يقوله و هو يقول :
( جزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين حلا خيمتي أم معبد )
( هما نزلا بالبر و ارتحلا به ... فأفلح من أمسى رفيق محمد )
( فيال قصى ما زوى الله عنكم ... به من فعال لا تجازى و سودد )
( سلوا أختكم عن شاتها و إنائها ... فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد )
( دعاها بشاة حائل فتحلبت ... له بصريح ضرة الشاة مزبد )
( فغادره رهنا لديها لحالب ... يرددها في مصدر ثم مورد )
فأجابه حسان بن ثابت
( لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم ... و قد سر من يسري إليه و يغتدي )
( ترحل عن قوم فضلت عقولهم ... و حل على قوم بنور مجدد )
( و هل يستوي ضلال قوم تسكعوا ... عمي و هداة يهتدون بمهتدي )
( نبي يرى ما لا يرى الناس حوله ... و يتلوا كتاب الله في كل مشهد )
( و إن قال في يوم مقالة غائب ... فتصديقها في ضحوة اليوم أو الغد )
( ليهنئ أبا بكر سعادة جده ... بصحبته من يسعد الله يسعد )
( ليهنئ بني كعب مقام فتاتهم ... و مقعدها للمؤمنون بمرصد )
فلما سمع المسلمون الأبيات خرج المسلمون سراعا فوجا فوجا يلحقون برسول الله صلى الله عليه و سلم فأخذوا على خيمة أم معبد
و سمع المسلمون بالمدينة بخروج النبي صلى الله عليه و سلم من مكة فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرون قومهم حتى يردهم حر الظهيرة فكان أول من قدم عليهم من المهاجرين مصعب بن عمير أخو بني عبد الدار بن قصي فقالوا : ما فعل رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟ قال : هو و أصحابه على إثري ثم أتاهم بعده عمرو بن أم مكتوم الأعشى أخو بني فهر فقالوا : ما فعل من ورائك رسول الله و أصحابه ؟ فقال : هم الآن على أثري ثم أتاهم بعده عمار بن ياسر و سعد بن أبي وقاص و عبد الله بن مسعود و بلال ثم أتاهم عمر بن الخطاب في عشرين راكبا و كان رسول الله صلى الله عليه و سلم حيث خرج من الغار سلك بهم الدليل أسفل من مكة ثم مضى بهم حتى جاوز بهم الساحل أسفل عسفان ثم استجاز بهم على أسفل أمج حتى عارض بهم الطريق ثم أجاز بهم فسلك بهم الخرار ثم أجاز بهم ثنية المرة ثم سلك بهم القفا ثم أجاز بهم مدلجة لفف ثم استبطن بهم مدلجة لفف ثم استبطن بهم مدلجة مجاج ثم سلك مرجح من ذي العضوين ثم بطن ذي كشد ثم أخذ بهما الجداجد ثم الأجرد ثم سلك بهم بطن أعداء ثم مدلجة تعهن ثم العبابيد ثم الفاجة ثم العرج ثم بطن العائر ثم بطن ريم ثم رحلوا من بطن ريم و نزلوا بعض حرار المدينة و ذلك يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول و بعثوا رجلا من أهل البادية يؤذن بهم الأنصار فجاء البدوي و آذن بهم الأنصار و صعد رجل من اليهود على أطم من آطامهم لأمر ينظر إليه فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم مبيضين ؟ فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته : يا معشر العرب ! هذا جدكم الذي تنتظرون ! فثار المسلمون إلى السلاح فتلقوا رسول الله صلى الله عليه و سلم بظهر الحرة و هم خمسمائة رجل من الأنصار فتلقى الناس و العواتق فوق الأجاجير و الصبيان و الولائد يقولون :
( طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع )
( وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع )
و أخدت الحبشة يلعبون بحرابهم لقدوم رسول الله صلى الله عليه و سلم فرحا بذلك
0

(1/127)


[ أخبرنا أبو خليفة ثنا عبد الله بن رجاء أنا إسرائيل عن أبي إسحاق قال سمعت البراء يقول : اشترى أبو بكر من عازب رحلا بثلاثة عشر درهما فقال أبو بكر لعازب مر البراء : فليحمله إلى أهلي فقال له عازب : لا حتى تحدثني كيف صنعت أنت و رسول الله صلى الله عليه و سلم حين خرجتما من مكة و المشركون يطلبونكم ؟ فقال : ارتحلنا من مكة ـ فذكر حديث الرحل و قال : حتى أتينا المدينة فتنازعوا أيهم ينزل عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إني أنزل الليلة على بني النجار و أخوال عبد المطلب أكرمهم بذلك ] فخرج الناس حين قدمنا المدينة في الطرق و على البيوت و الغلمان و الخدم يقولون : جاء محمد ! جاء رسول الله صلى الله عليه و سلم ! فلما أصبح انطلق فنزل حيث أمر
قال أبو حاتم : لما أمسى رسول الله صلى الله عليه و سلم الليل عدل فنزل على بني النجار أخوال عبد المطلب لأن أم عبد المطلب سلمى بنت عمرو كانت من بني عدي بن النجار فلما أصبح صلى الله عليه و سلم نزل حمزة بن عبد المطلب و علي بن أبي طالب و أبو مرثد و ابنه مرثد و أبو كبشة و زيد بن حارثة على كلثوم بن الهدم العمري أخي بني عمرو بن عوف و نزل أبو بكر الصديق و طلحة بن عبيد الله و صهيب بن سنان على خبيب بن إساف و نزل عمر و زيد ابنا الخطاب و عمر و عبد الله ابنا سراقة و عبد الله بن حذافة و واقد بن عبد الله و خولى بن أبي خولى و عياش بن ربيعة و خالد و عاقل و إياس بن البكير على رفاعة بن عبد المنذر و نزل عبيدة و الطفيل و الحصين بنو حرب و مسطح بن أثاثة و سويبط مولى أبي سعد و كليب ابن عمير و خباب بن الأرت على عبد الله بن سلعة العجلاني و نزلت زينب بنت جحش و جدامة بنت جندل و أم قيس بنت محصن و أم حبيبة بنت نباتة و أمية بنت رقيش و أم حبيبة بنت جحش و أم سخبرة بنت نعيم على سعد بن خيثمة و عشى رسول الله صلى الله عليه و سلم المسلمون و أقام أبو بكر للناس و جلس رسول الله صلى الله عليه و سلم صامتا يسلمون و أقام رسول الله صلى الله عليه و سلم في بني عوف بقباء يوم الاثنين و الثلاثاء و الأربعاء و الخميس و أسس المسجد بقباء و صلى فيه تلك الأيام فلما كان يوم الجمعة خرج على ناقته القصوى يوم الجمعة يريد المدينة و اجتمع عليه الناس فأدركته الصلاة في بني سالم بن عوف فكانت أول جمعة جمعها رسول الله صلى الله عليه و سلم بالمدينة ثم جعل رسول الله صلى الله عليه و سلم يمر بدور الأنصار فيدعونه للنزول و يعرضون عليه المؤاساة فيجزيهم النبي صلى الله عليه و سلم خيرا حتى مر على بني سالم فقام عتبان بن مالك في أصحاب له فقالوا له : يا رسول الله ! أقم في العدد و العدة و المعنة فقال النبي صلى الله عليه و سلم : [ خلوا سبيل الناقة فإنها مأمورة ] ثم مر ببني ساعدة اعترضه سعد بن عبادة و أبو دجانة و المنذر بن عمرو و داود راودوه على النزول فقال : [ خلوا سبيلها فإنها مأمورة ] ثم مر ببني بياضة فاعترضه فروة بن عمرو و زياد ابن لبيد و راودوه على النزول فقال : [ خلوا سبيلها فإنها مأمورة ] ثم مر على بني عدي بن النجار فقال أبو سليط بن أبي خارجة : عندنا يا رسول الله ! فنحن أخوالك ـ و ذكروا رحمهم فقال : [ خلوا سبيلها فإنها مأمورة ] و أقبلت الناقة حتى انتهت به إلى مربد التمر و هو يومئذ لغلامين يتيمين من بني النجار في حجر أسعد بن زرارة اسمهما سهل و سهيل ابنا رافع بن أبي عمرو و كان المسلمون بنوا مسجدا يصلون فيه و هو موضع مسجده اليوم فلما انتهت به الناقة إلى المسجد بركت فنزل عنها رسول الله صلى الله عليه و سلم و قال : [ هذا إن شاء الله المنزل ] ! و جاء أبو أيوب الأنصاري خالد بن زبد بن كليب فأخذ برحله و جاء أسعد بن زرارة فأخذ بزمام راحلته ثم سأل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن المربد فقال معاذ بن عفراء هو لغلامين يتيمين وانا مرضيهما عنه فدعا رسول الله صلى الله عليه و سلم فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا فقالا : بل نهبه لك فأبى رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يقبل منهما هبة حتى ابتاعه منهما فلما خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم من المسجد قالوا : يا رسول الله المرء مع موضع رحله فنزل على أبي أيوب الأنصاري و منزله في بني غنم بن النجار ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم و المسلمون في بناء المسجد و كان رسول الله صلى الله عليه و سلم ينقل معهم اللبن :
( هذا الحمال لا حمال خيبر ... هذا أبر ربنا و أطهر )
( اللهم إن الخير خير الآخرة ... فاغفر للأنصار و المهاجرة )
و كان عمار بن ياسر جعدا قصيرا و كان ينقل اللبن و قد أغبر صدره فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم : يا ابن سمية ! تقتلك الفئة الباغية و قدم طلق بن علي على رسول الله صلى الله عليه و سلم و كان يعين المسلمين في بناء المسجد فكان النبي صلى الله عليه و سلم يقول : [ قربوا الطين من اليمامى فإنه من أحسنكم به مسكا ] و مات أسعد بن زرارة و المسجد يبنى أخذته الشهقة و دفن بالبقيع و هو أول من دفن بالبقيع من المسلمين فكان النبي صلى الله عليه و سلم نازلا على أبي أيوب حتى فرغ من المسجد و بنى له فيه مسكن فانتقل رسول الله صلى الله عليه و سلم حين فرغ من المسجد و مسكنه إليه ثم بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم زيد بن حارثة و أبا رافع إلى مكة ليقفل سودة بنت زمعة زوجته و بناته و بعث أبو بكر الصديق عبد الله بن أريقط إلى عبد الله بن أبي بكر أن يقدم بأهله فلما قدم ابن أريقط على عبد الله بن أبي بكر خرج عبد الله بعيال أبي بكر : عائشة و عبد الرحمن و أم رومان أم عائشة و كان البراء بن معرور مات في صفر قبل قدوم النبي صلى الله عليه و سلم المدينة بشهر و أوصى عند موته أن يوجه إذا وضع في قبره إلى الكعبة ففعل به ذلك فلما قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة صلى على قبره و ولد مسلمة بن مخلد و كان آخر الأنصار إسلاما بنو واقف و بنو أمية و بنو وائل و كانت الأنصار كل واحد منهم يهدي لرسول الله صلى الله عليه و سلم حين قدم المدينة تيسا و كانت أم سليم لم يكن لها ما تهدي فأتت بابنها أنس إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالت : يا رسول الله ! ابني هذا يخدمك و ليس عندي ما أهديه فادع الله له فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ اللهم ! أكثر ماله و ولده ]
ثم دخل رسول الله صلى الله عليه و سلم دار أنس بن مالك و كان أنس له عشر سنين حيث قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة فكانت أمهاته يحثثنه فلما دخل داره حلب له من داج و شاب له لبنها بماء يسير في الدار و أبو بكر عن شماله و أعرابي عن يمينه فناوله رسول الله صلى الله عليه و سلم الأعرابي و قال : [ الأيمن فالأيمن ] و كانت الصلاة ركعتين ركعتين فرآهم رسول الله صلى الله عليه و سلم متنفلين فقال : [ يا أيها الناس ! اقبلوا فريضة الله ] فأقرت صلاة المسافر و زيد في صلاة المقيم و ذلك اثنتي عشر ليلة من شهر ربيع الآخر بعد قدومه عليه السلام المدينة بشهر
و وعك أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم وعكا شديدا فدخلت عائشة على أبي بكر و هو يقول :
( كل امرئ مصبح في أهله ... و الموت أقرب من شراك نعله )
ثم دخلت على عامر بن فهيرة و هو يقول :
( كل امرئ مدافع بطوقه ... الثور يحمي جلده بروقه )
فدخلت على بلال و هو يقول :
( ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بواد و حولي إذخر و جليل )
( و هل أردن يوما مياه مجنة ... و هل يبدون لي شامة و طفيل )
و كان بلال يقول : اللهم العن عتبة بن ربيعة و شيبة بن ربيعة و أبا سفيان بن حرب و أبا جهل بن هشام كما أخرجونا من مكة فأخبر عائشة النبي صلى الله عليه و سلم بما رأت من وعكهم فقال النبي صلى الله عليه و سلم : [ اللهم ! حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة و بارك لنا فيها كما باركت لنا في مكة و بارك في صاعها و مدها و انقل وباءها إلى مهيعة و هي الجحفة ]
و دخل رسول الله صلى الله عليه و سلم المسجد و قد حمى الناس و هم يصلون قعودا فقال النبي صلى الله عليه و سلم : [ صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم ] فختم الناس الصلاة قياما ثم قال النبي صلى الله عليه و سلم : [ اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما بمكة من البركة ! ثم أراد رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يؤاخي بين المهاجرين و الأنصار في شهر رمضان فدخل المسجد فجعل يقو ل : أين فلان بن فلان ؟ فلم يزل يعدهم و يبعث إليهم اجتمعوا عنده فقال : إني أحدثكم بحديث فاحفظوه و حدثوا من بعدكم إن الله اصطفى من خلقه خلقا ثم تلى هذه الآية { الله يصطفي من الملئكة رسلا و من الناس } خلقا يدخلهم الجنة و إني مصطف منكم من أحب أن أصطفيه و مؤاخ بينكم كما آخا الله بيت الملائكة قم يا أبا بكر فقام فجيء بين يديه فقال : إن لك عندي يد الله يجزيك بها و لو كنت متخذا خليلا لاتخذتك خليلا و أنت عندي بمنزلة قميصي في جسدي ـ و حرك قميصه ثم قال : ادن يا عمر فدنا فقال : لقد كنت شديد الثغب علينا يا أبا حفص فدعوت الله أن يعز الدين بك أو بأبي جهل ففعل الله ذلك بك و كنت أحبهما إلى الله فأنت معي ثالث ثلاثة من هذه الأمة ! ثم تنحا و آخا بينه و بين أبي بكر و دعا عثمان بن عفان فقال : ادن يا عثمان ! ادن يا أبا عمرو فلم يزل يدنو حتى ألزق ركبته بركبته ثم نظر إلى السماء فقال : سبحان الله العظيم ! ثم نظر إلى عثمان فإذا إزاره محلولة فزرها عليه ثم قال : اجمع لي عطفي ردائك على نحرك فإن لك شانا عند أهل السماء أنت ممن يرد علي الحوض و أوداجه تشخب دما ثم دعا عبد الرحمن بن عوف فقال : ادن يا أمين الله ! يسلط الله على مالك بالحق أما إن لك عندي دعوة قد أخرتها فقال : خرلي فقال : أكثر الله مالك ! ثم تنحى و آخى بينه و بين عثمان ] ثم دعا طلحة و الزبير فقال : ادنوا مني فدنوا منه فقال : [ أنتما حواري كحواري عيسى ابن مريم ! ثم آخى بينهما ]
ثم دعا سعد بن أبي وقاص و عمار بن ياسر فقال : [ يا عمار ! تقتلك فئة الباغية ثم آخى بينهما ]
ثم دعا عميرا أبا الدرداء و سلمان الفارسي فقال : [ يا سلمان ! أنت منا أهل البيت و قد آتاك الله العلم الأول و العلم الآخر ثم قال : ألا أنشدك يا أبا الدرداء ! قال : بأبي أنت و أمي بلى قال : إن تنقدهم فينقدوك و إن تتركهم لا يتركوك فأقرضهم عرضك ليوم فقرك و اعلم أن الجزاء أمامك ثم آخى بينهما ثم نظر في وجوه أصحابه فقال : ابشروا و قروا عينا فأنتم أول من يرد علي الحوض و أنتم في أعلى الغرف و نظر إلى عبد الله بن عمر فقال : الحمد لله الذي يهدي من الضلالة من أحب ]
فقال علي بن أبي طالب : يا رسول الله ! ذهب روحي فانقطع ظهري حين رأيتك فعلت بأصحابك ما فعلت فإن كان من سخطة علي فلك العتبي و الكرامة ! قال : [ و الذي بعثني بالحق ! ما أخرتك إلا لنفسي و أنت مني بمنزلة هارون بن موسى غير أنه لا نبي بعدي و أنت أخي و وارثي قال : يا رسول الله ! ما أرث منك ؟ قال : ما ورثت الأنبياء قبلي قال : و ما ورثت الأنبياء قبلك ؟ قال : كتاب الله و سنة نبيهم و أنت معي في قصري في الجنة مع فاطمة ابنتي ثم تلا رسول الله { إخوانا على سرر متقبلين } ]
و مات الوليد بن المغيرة بمكة و أبو أحيحة بالطائف بلغ المسلمين نعيهما و ولد عبد الله بن الزبير في شوال فكبر المسلمون و كانوا يخافون أن يكون اليهود سحرت نساءهم و كان أول مولود ولد من المهاجرين بالمدينة و هنئ به أبو بكر و الزبير ولم ترضعه أسماء بنت أبي بكر حتى أتت به النبي صلى الله عليه و سلم فأخذه و وضعه في حجرة فحكنه بتمرة فكان أول شيء دخل بطنه ريق رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم سماه عبد الله
ثم عقد رسول الله صلى الله عليه و سلم اللواء لعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد المناف على ستين من المهاجرين و ليس فيهم من الأنصار أحد هي أول راية عقدها بالمدينة و بعثه إلى بطن رابغ فبلغ ثنية المرة بالقرب من الجحفة فالتقوا على ماء يقال له أحياء و أمير السرية أبو سفيان بن حرب في مائتين من المشركين فلم يكن بينهم إلا الرمي بالرمي ثم انحاز المسلمون على رامية و انحاز من المشركين إلى المسلمين المقداد بن عمرو بن الأسود و قد قيل : عتبة بن غزوان ثم انصرفوا من غير أن يسلوا السيوف و قد قيل : إن المشركين أميرهم كان مكرز بن حفص بن الأخيف و كان حامل اللواء لعبيدة بن الحارث مسطح بن أثاثة
ثم عقد رسول الله صلى الله عليه و سلم اللواء لحمزة بن عبد المطلب في ثلاثين راكبا كلهم من المهاجرين بعثه إلى ساحل البحر من قبل العيص من أرض الجهينة ليتعرض لعير قريش فلقي أبا جهل بن هشام في ثلاثمائة راكب من أهل مكة فحجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني و كان حليفا للفريقين فانصرف الفريقان من غير قتال و كان حامل لواء حمزة يومئذ أبو مرثد
ثم بنى رسول الله صلى الله عليه و سلم بعائشة و هي بنت تسع على رأس ثمانية أشهر من هجرته و ذلك في شوال و كان تزوج بها بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين و هي ابنة ست فأهديت إلى النبي صلى الله عليه و سلم و معه البهاء و لم يزوج من النساء بكرا غيرها
ثم عقد رسول الله صلى الله عليه و سلم اللواء لسعد بن أبي وقاص في عشرين رجلا يريد العير في ذي القعدة فخرجوا على أقدامهم فكانوا يكفون بالنهار و يسيرون بالليل حتى أصبحوا لحرار صبح خامسة و قد سبقهم العير قبل ذلك بيوم فانصرفوا و كان حامل اللواء يومئذ لسعد المقداد بن عمرو
و جاء رسول الله صلى الله عليه و سلم أبو قيس بن الأسلت فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم الإسلام فقال : ما أحسن ما تدعو إليه ! انظر في أمري ثم أعود إليك فلقيه عبد الله بن أبي فقال : كرهت و الله حرب الخزرج ! فقال أبو قيس : لا أسلم سنة فمات في ذي الحجة

(1/140)


[ حدثنا عبد الله بن محمد بن المدايني ثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن أيوب عن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس قال : قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم فوجد اليهود يصومون عاشوراء فقال لهم : ما هذا ؟ قالوا : يوم عظيم ! نجى الله فيه موسى و أغرق فرعون فيه و قومه فصامه موسى شكرا لله تعالى فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : أنا أولى بموسى و أحق بصيامه منكم فصامه و أمر بصيامه ]
قال : وجد رسول الله صلى الله عليه و سلم اليهود يصومون يوم عاشوراء في أول قدومه المدينة و هو أول السنة الثانية من الهجرة فسألهم فأخبروه أن الله نجى الله موسىفي ذلك اليوم و أغرق آل فرعون فصامه موسى شكرا لله فأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم بصيامه و قال : أنا أولى بموسى فصامه صلى الله عليه و سلم و المسلمون
ثم زوج رسول الله صلى الله عليه و سلم ابنته فاطمة عليا في صفر و قال له : [ أعطها شيئا ] فقال : ما عندي يا رسول الله شيء قال : [ فأين درعك الحطمية ؟ ] فبعث إليها بدرعه
و قد روي في تزويجها أخبار فيها طول تؤدي إلى مسلك القصاص فتنكبت عن ذكرها لعلمي بعدم صحتها من جهة النقل
ثم غزا رسول الله صلى الله عليه و سلم غزوة الأبواء و هي أول غزوة غزاها بنفسه و بين الأبواء و ودان ستة أميال خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم في المهاجرين ليس فيهم أنصاري و ذلك في شهر ربيع الأول على رأس سنة من مقدمه المدينة و استخلف سعد بن عبادة بن دليم و كان حامل لوائه حمزة بن عبد المطلب و كانت غيبته خمس عشرة ليلة ثم رجع إلى المدينة و لم يلق كيدا و الأبواء جبل و ودان و الأبواء بينهما الطريق كلاهما ورد رسول الله صلى الله عليه و سلم و في هذه الغزاة وادع رسول الله صلى الله عليه و سلم مخشي بن عمرو الضمري ثم غزا رسول الله صلى الله عليه و سلم في مائتين من أصحابه إلى ناحية رضوى يريد عير قريش فيها أمية بن خلف
و استخلف على المدينة سعد بن معاذ و كان يحمل لواءه سعد بن أبي وقاص ثم رجع إلى المدينة و لم يلق كيدا
ثم بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم سعد بن أبي وقاص في السبعة نفر أو ثمانية حتى انتهى إلى الخرار من أرض الحجاز ثم رجع و لم يلق كيدا و كان سرح في المدينة يرعى في الحمى فاستاقه كرز بن جابر الفهري فخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم في إثره في المهاجرين و كان حامل لوائه علي بن أبي طالب
و استخلف على المدينة زيد بن حارثة و طلب رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى بلغ بدرا فلم يلحقه و فاته كرز فرجع إلى المدينة و هذه الغزوة تسمى غزوة بدر الأولى
ثم ولد النعمان بن بشير في جمادى الأولى فحملته أمه عمرة بنت رواحة إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم
فحنكه رسول الله صلى الله عليه و سلم و هو أول مولود من الأنصار ولد بعد قدوم النبي صلى الله عليه و سلم المدينة
ثم بعث رسول الله في رجب عبد الله بن جحش في اثني عشر نفسا من المهاجرين ليس فيهم أنصاري و كتب له كتابا و قال : أمسك كتابك فإذا سرت يومين فانشره فانظر ما فيه ثم امض و خرج مع عبد الله بن جحش أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة حليف بني عدي بن كعب و سعد بن أبي وقاص و سهيل بن بيضاء و عتبة بن غزوان و واقد بن عبد الله التميمي حليف بني عدي بن بيضاء و خالد بن البكير حليف بني عدي و عكاشة بن محصن فسار عبد الله بن جحش ليلتين على ما أمره رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم فتح الكتاب فإذا فيه : سر حتى تنزل نخلة على اسم الله و لا تكرهن أحدا من أصحابك على السير معك و امض فيمن تبعك منهم حتى تقدم بطن نخلة فترصد بها عير قريش فلما قرأ الكتاب قال : لست بمستكره أحدا منكم فمن كان يريد الشهادة فليمض فإني ماض لأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم فمضى و مضى القوم معه حتى إذا كانوا ببحران ـ معدن بالحجاز فوق الفرع ـ أضل عتبة بن غزوان و سعد بن أبي وقاص بعيرا فتخلفا في طلبه و مضى عبد الله بن جحش حتى أتى المكان الذي أمره رسول الله صلى الله عليه و سلم فوجد عير قريش فيها عمرو بن الحضرمي و الحكم بن كيسان و عثمان بن عبد الله بن المغيرة و نوفل بن عبد الله بن المغيرة فلما رأى أصحاب العير القوم هابوهم و حلزوهم فأشرف لهم عكاشة ابن محصن و كان قد حلق رأسه فلما رأوه قال عمار : لا بأس عليكم ! و أمنوا فاستشاروا أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم في أمرهم ن و كان آخر يوم من رجب
فقال المسلمون : إن أخرنا عنهم هذا اليوم دخلوا الحرم فامتنعوا و إن أصبناهم أصبناهم في الشهر الحرام فرمى واقد بن عبد الله عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله و استأسروا عثمان بن عبد الله بن المغيرة و الحكم بن كيسان و أعجزهم نوفل بن عبد الله بن المغيرة و استاقوا العير فقدموا بها على رسول الله صلى الله عليه و سلم فوقف رسول الله صلى الله عليه و سلم العير و لم يأخذ منها شيئا و حبس الأسيرين و قال لأصحابه : ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام فسقط في أيدي القوم و ظنوا أنهم هلكوا و قالت قريش : استحل بهذا الشهر الحرام قد أصاب فيه الدم و المال فأنزل الله فيما كان قول رسول الله صلى الله عليه و سلم و ما عظم في أنفس أصحابه و ما جاؤوا به { يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه } إلى قوله { أكبر من القتل } يريد أنهم كانوا يفتنونكم في دينكم و أنتم في حرم الله حتى تكفروا بعد إيمانكم فهذا أكبر عند الله من أن تقتلوهم في الشهر الحرام مع كفرهم و صدهم عن سبيل الله و إخراجكم منه فلما نزل القرآن بذلك أخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم العير و أما الأسيران فإن الحكم أسلم و أقام عند رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى قتل يوم بئر معونة شهيدا و أما عثمان ففاداه رسول الله صلى الله عليه و سلم و رجعوا به مكة و مات بها مشركا
ثم خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى ذي العشيرة في المهاجرين و استخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد و كان حامل لوائه حمزة بن عبد المطلب حتى بلغ بطن ينبع فوادع بها بني مدلج و حلفاءهم من بني ضمرة ثم رجع و كان النبي صلى الله عليه و سلم يحب أن يوجه إلى الكعبة فقال له عمر بن الخطاب : يا رسول الله ! لو اتخذت مقام إبراهيم مصلى ! فأنزل { قد نرى تقلب وجهك في السماء } الآية و قال السفهاء من الناس : من اليهود { ما ولهم عن قبلتهم التي كانوا عليها } فأنزل الله { قل لله المشرق و المغرب } الآية فصرفت القبلة إلى الكعبة في الظهر يوم الثلاثاء للنصف من شعبان فكانت صلاته نحو بيت المقدس بعد قدومه المدينة سبعة عشر شهرا و ثلاثة أيام فخرج رجل بعدما صلى فمر على قوم من الأنصار و هم ركوع في صلاة العصر نحو بيت المقدس فقال : هو يشهد أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه و سلم و أنه قد وجه إلى الكعبة فانحرف القوم حتى توجهوا إلى الكعبة
ثم أنزل الله جل وعلا فريضة الصوم في شعبان فلم يأمرهم رسول الله صلى الله عليه و سلم بعد فرض رمضان بصيام عاشوراء و لا نهاهم عنه

(1/151)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية