صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : السلوك لمعرفة دول الملوك
المؤلف : المقريزي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وفي يوم السبت سادس عشري شهر رمضان: صرف قاضي القضاة صدر الدين عمر بن تاج الدين عبد الوهاب ابن بنت الأعز عن قضاء القضاة بديار مصر، وكان قد سلك في ولايته طريق الخير والصلاح، وتحري الحق والعدل وتصلب في الأحكام، واستقر عوضا عنه قاضي القضاة تقي الدين محمد بن الحسين بن رزين الحموي.
وفيه خرج الأمير بدر الدين بكتاش النجمي إلى حمص مجردا، وخرج الأمير علاء الدين أيدكين البندقداري الصالحي لحفظ الساحل من الفرنج. وكتب السلطان إلى الأمير سيف الدين بلبان الطباخي نائب حصن الأكراد بغزو الفرنج بالمرقب، لمساعدتهم التتار عند وصولهم حلب، فجمع التركمان وغيرهم، وحمل المجانيق والآلات، ونازل المرقب، فانهزم المسلمون ونهبهم الفرنج، وعدم من المسلمين مقدار مائتي فارس وراجل. فكبر ذلك على السلطان، وتحرك للسفر وخرج في أول ذي الحجة، واستخلف ابنه الملك الصالح، وخيم بمسجد تبر. ورتب السلطان الأمير علم الدين سنجر الشجاعي. في استخراج الأموال وتدبير أمور المملكة، وجعله في خدمة الملك الصالح مع الوزير برهان الدين السنجاري. وأقام القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر بالقاهرة لقراءة البريد وتنفيذ الأشغال، وأقر في نيابة السلطنة بديار مصر الأمير زين الدين كتبغا المنصوري.
وقدم الأمير شرف الدين عيسي بن مهنا من العراق، وترامي على السلطان، فعفا عنه وأكرمه، وركب إلى لقائه وأحسن إليه.
ومات في هذه السنة
الشيخ الصالح المعمر طير الجنة، ودفن بقرافة مصر.
ومات الأديب الشاعر جمال الدين أبو الحسن يحيي بن عبد العظيم بن يحيي بن محمد ابن على الجزار، في ثاني عشر شوال.
ومات الأمير الكبير جمال الدين أقوش الشمسي نائب حلب بها، في خامس المحرم، وهو الذي قتل كتبغا نوين مقدم التتار يوم عين جالوت، وهر الذي أمسك الأمير عز الدين أيدمر الظاهري، وولي نيابة حلب بعده علم الدين سنجر الباشقردي.
ومات الأمير على بن عمر الطوري، وقد أناف على تسعين سنة، وكان أحد أبطال المسلمين، وله شهرة عند الفرنج، وتنقل في ولايات عديدة.
ومات الأمير سيف الدين أبو بكر بن أسباسلار وإلى مصر في ربيع الأول، بعد ما ولي مصر عدة سنين، وكان خبيرا عظيم السمن.
وتوفي شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن النن البغدادي الشافعي بالإسكندرية، عن ثمانين سنة.
وتوفي الأمير ناصر الدين محمد بن بركة خان خال الملك السعيد، وهو بدمشق.
سنة ثمانين وستمائة
فيها سار السلطان قلاوون من ظاهر القاهرة، فأتته رسل الفرنج وهو بمنزلة الروحا في تقرير الهدنة، فتقررت بين مقدم بيت الإسبتار وسائر الإسبتارية بعكا، وبين السلطان وولده الملك الصالح لمدة عشر سنين وعشرة أشهر وعشرة أيام وعشر ساعات، أولها يوم السبت ثاني عشري المحرم.
وتقررت الهدنة أيضا مع متملك طرابلس الشام بيتند بن بيمند لمدة عشر سنين، أولها سابع عشري شهر ربيع الأولى. وعادت الرسل، وتوجه الأمير فخر الدين أياز المقري الحاجب لتحليف الفرنج ومقدم الإسبتار على ذلك، فخلفهم.
وفيه بلغ الأمير بدر الدين بيسري الشمسي أن الأمير سيف الدين كوندك الظاهري السعيدي قد وافق عدة من الظاهرية والسعيدية على الفتك بالسلطان عند المخاضة بنهر الشريعة، بعد الرحيل من بيسان، فأعلم السلطان بذلك. واتفق ورود كتب من عكا تتضمن أن السلطان يحترز على نفسه، فإن عنده جماعة من الأمراء قد اتفقوا على قتله، وكاتبوا الفرنج بأنهم لا يصالحون، فإن الأمر لا يبطئ، فاحترز السلطان على نفسه.
وهم كوندك بأن يغتال السلطان وهو بمنزلة الروحا، فوجده قد تحفظ واستعد ثم إن السلطان رحل من الروحا، ولاطف الأمر حتى اجتمع الأمراء عنده في حمراء بيسان، فونج كوندك ومن معه وذكر لهم ما اعتمدوه من مكاتبة الفرنج، فلم ينكروا وسألوا العفو.

(1/230)


فأمر السلطان بهم فقبض عليهم وهم: كوندك، وأيدغمش الحكيمي، وبيبرس الرشيدي، وساطلمش السلاح دار الظاهري، وعلى ثلاثة وثلاثين من الأمراء البرانية والمماليك الجوانية، وفر عشرة أمراء ومائتا فارس فأخذوا من بعلبك وصرخد، وأخذ كوندك الأمير حسام الدين طرنطاي نائب السلطة، ومضى به إلى بحيرة طبرية، وضرب عنقه ثم غرقه بها هو والبقية. فركب الأمير سيف الدين أيتامش السعيدي والأمير سيف الدين بلبان الهاروني، في نحو ثلاثمائة من البحرية الظاهرية والتتار الوافدية، وتوجهوا إلى سنقر الأشقر بصهيون. فخرج الأمير بدر الدين بكتاش الفخري والأمير ركن الدين طقصوا الناصري في أثرهم، فلم يدركهم، وأوقعت الحوطة على موجود من قتل ومن هرب.
وسار السلطان إلى دمشق فدخلها في تاسع عشر المحرم، وهو أول قدومه إليها في سلطنته، فكان يوما مشهودا، وقد اجتمع له عسكر عدته خمسون ألفا.
وفي ثاني عشري المحرم: صرف ابن خلجان عن قضاء دمشق، وأعيد عز الدين محمد بن الصائغ. واستقر في قضاء الحنابلة بدمشق نجم الدين أحمد بن شمس الدين عبد الرحمن الحنبلي، وكان قضاء الحنابلة قد شغر من دمشق منذ عزل نفسه قاضي القضاة شمس الدين، فاستقر ابنه نجم الدين بتعيين والده.
وفي عاشر المحرم: مات قاضي القضاة صدر الدين عمر بن تاج الدين عبد الوهاب ابن بنت الأعز الشافعي بمصر، فاستقر عوضه في نظر التربة الصالحية بخط بين القصرين الطواشي حسام الدين بلال المغيثي اللالا.
واستقر في نظر المشهد الحسيني بالقاهرة القاضي برهان الدين بن الطرائفي كاتب الإنشاء، فورد مرسوم السلطان من دمشق بولاية الأمير علاء الدين كشتغدي الشمسي الأستادار نظر المشهد الحسيني، وولاية القاضي تقي الدين عبد الرحمن بن عبد الوهاب ابن بنت الأعز المدرسة الصالحية والتربة الصالحية عوضا عن أخيه، مضافا لما بيده من نظر الخزائن المعمورة، وأن يكتفي بمعلوم المدرسة والتربة والمناصب التي كانت بيد أخيه، وبتوفر معلومه عن نظر الخزائن.
وفي ربيع الأول: صرف الصاحب برهان الدين الخضر السنجاري عن الوزارة بمصر، وقبض عليه وعلى ولده واعتقلا بقلعة الجبل.
وفي صفر: جرد السلطان من دمشق الأمير عز الدين أيبك الأفرم والأمير علاء الدين كشتغدي الشمسي في عدة من الأجناد، فساروا إلى شيزر، فبعث سنقر الأشقر يطلب الصلح على أن يسلم شيزر، ويعوض عنها الشغر وبكاس وكانتا قد أخدتا منه ومعهما فامية وكفر طلب وأنطاكية وعدة ضياع، مع ما بيده من صهيون وبلاطنس ونرزية واللاذقية، وشرط أيضا أن يكون أميرا بستمائة فارس، ويؤمر من عنده من الأمراء، فأجيب إلى ذلك.
وحضر في رابع ربيع الأول الأمير علم الدين سنجر الدواداري، ومعه رسول سنقر الأشقر بنسخة يمينه على ما تقرر، فحلف له السلطان وكتب له تقليدا بالبلاد المذكورة، ونعت فيه بالأمير وخوطب في مكاتباته بالمقر العالي المولوي السيدي العالي العادلي الشمسي، ونودي في دمشق باجتماع الكلمة. وجهزت رسل سنقر الأشقر، ومعهم الأمير فخر الدين أياز المقري الحاجب والأمير شمس الدين قراسنقر المنصوري، فحلفاه وعادا في ثاني عشره، فضربت البشائر.
وبعث السلطان إلى سنقر الأشقر من الأقمشة والأواني وغيرها شيئا كثيرا، وعادت العساكر من شيزر إلى دمشق.
وفي يوم الخميس أول شهر ربيع الأول وهو خامس عشري بؤونة: كان قاع النيل بمصر ستة أذرع وثمانية عشر إصبعا.
وقدمت رسل الملك المسعود حضر بن الظاهر صاحب الكرك في طلب الصلح والزيادة على الكرك، ليكون له ما كاد للناصر صلاح الدين داود فلم يجب السلطان إلى ذلك، فترددت الرسل بينهما إلى أن تقرر أن يكود له من حد الموجب إلى الحسا، وأن تجهز إليه إخوته الذكور والإناث، وترد عليهم الأملاك الظاهرية.
وتوجه الأمير بدر الدين بيليك المحسني السلاح دار والقاضي عماد الدين بن الأثير ليحلفاه، فانبرم الصلح في أوائل شهر ربيع الأول، وشهر النداء بذلك في دمشق.
وفي هذا الشهر: دارت الجهة المفردة بدمشق وأعمالها وضمنت بألفي ألف درهم في كل سنة.
فلما كان يوم الأحد خامس عشريه: خرج مرسوم بإراقة الخمور وإبطال هذه الجهة الخبيثة، فبطل ذلك.
وفيه عزل برهان الدين الخضر السنجاري عن الوزارة وصودر وأهين.

(1/231)


وفي يوم الأربعاء تاسع عشره: وصلت أم الملك السعيد ناصر الدين محمد بن بركة قان ابن الملك الظاهر بيبرس وهو معها في تابوت إلى ظاهر دمشق، فرفع في ليلة الخميس العشرين منه بحبال إلى أعلى السور، وأرخي وحمل إلى تربة والده الملك الظاهر، وألحده مع أبيه قاضي القضاة عز الدين بن الصائغ.
فلما كمان بكرة يوم الخميس: حضر السلطان والأمراء وسائر الأعيان وكثير من القراء والوعاظ إلى القبر، فكان وقتا مشهودا.
وفي هذا اليوم: أوفي النيل بمصر ستة عشر ذراعا وثلاثة أصابع، ووافقه رابع عشر مسري، فكتب إلى السلطان بذلك.
وفي شهر ربيع الآخر، ولي نظر الإسكندرية كمال الدين بن سلامة، بعد وفاة رشيد الدين بن بصاقة.
وفي جمادى الأولى. شنق بالقاهرة رجلان. أحدهما مر به سقاء فزحمه بحمله حتى أتلف ثيابه فضربه بسكين قتله، فشنق، والآخر جندي طالب خياطا بمتاع له عنده، فلما مطله ضربه فمات، فشنق أيضا.
وفيه مات رسول ملك الفرنج، فأحيط بموجوده. وفيه قبض على شخص يعرف بالكريدي في طريق مصر كان يقطع الطريق على الناس، فسمر على جمل وأقام أياما يطاف به أسواق مصر والقاهرة، فقطع عنه الموكل به الأكل والشرب، فلما طالب بذلك قال له الموكل به: إنما أردت أن أهون عليك لتموت سريعا، حتى تستريح مما أنت فيه، فقال له: لا تقل كذا، فإن شر الحياة خير من الموت، فناوله ما أكله وسقاه. فاتفق إنه وقعت فيه شفاعة فأطلق وسجن، فعاش أياما ثم مات في السجن.
وفي عاشر جمادى الآخرة وهو تاسع عشري توت: انتهت زيادة ماء النيل إلى ثمانية عشر ذراعا وأربعة أصابع.
وفي هذا الشهر: ثار العشير ونهبوا مدينة غزة، وقتلوا خلقا كثيرا وأفسدوا، فبعث السلطان الأمير علاء الدين أيدكين الفخري على عسكر من دمشق، وخرج من القاهرة الأمير شمس الدين سنقر البدوي على عسكر.
وفيه ورد الخبر بدخول منكوتمر أخي ابغا بن هولاكو بن طلوي بن جنكزخان إلى بلاد الروم بعساكر المغل، وأنه نزل بين قيسارية والأبلستين. فبعث السلطان الكشافة، فلقوا طائفة من التتر أسروا منهم شخصا وبعثوا به إلى السلطان، فقدم إلى دمشق في العشرين من جمادى الأولى، فآتاه السلطان و لم ينزل به حتى أعلمه أن التتر في نحو ثمانين ألفا، وإنهم يريدون بلاد الشام في أول رجب.
فشرع السلطان في عرض العساكر، واستدعى الناس، فحضر الأمير أحمد بن حجي من العراق في جماعة كبيرة من آل مراتكون زهاء أربعة آلاف فارس، شاركين في السلاح على الخيول المسومة، وعليهم القزغندات الحمر من الأطلس المعدني والديباج الرومي، وعلى رءوسهم البيض مقلدين سيوفهم وبأيديهم الرماح، وأمامهم العبيد تميل على الركائب وترقص بتراقص المهاري وبأيديهم الجناب ووراءهم الظعائن والحمول ومعهم مغنية تعرف بالحضرمية سافرة في الهودج، وهي تغني:
وكنا حسبنا كل بيضاء شحمة ... ليالي لاقينا جذام وحميرا
ولما لقينا عصبة تغلبية ... يقودون جردا للمنية ضمرا
فلما قرعنا النبع بالنبع بعضه ... ببعض أبت عيدانه أن تنكسرا
سقيناهم كأسا سقونا بمثلها ... ولكنهم كانوا على الموت أصبرا

(1/232)


فقال رجل: هكذا يكون ورب الكعبة. فكان كما قال، فإن الكسرة كانت أولا على المسلمين، ثم كانت النصرة لهم، واستحر القتل بالتتار كما ستراه. وقدمت نجدة من الملك المسعود خضر، وقدمت عساكر مصر وسائر العربان والتركمان وغيرهم. فوردت الأخبار. بمسير التتر، وأنهم انقسموا فسارت فرقة مع الملك أبغا بن هولاكو إلى الرحبة ومعه صاحب ماردين، وفرقة أخرى من جانب آخر، فخرج بجكا العلائي في طائفة من الكشافة إلى جهة الرحبة. وجفل الناس من حلف إلى حماة وحمص حتى خلت من أهلها، وعظم الإرجاف. وتتابع خروج العساكر من دمشق إلى يوم الأحد سادس عشري جمادى الآخرة، فخرج السلطان إلى المرج. بمن بقي من العساكر وأقام به إلى سلخ الشهر، ثم رحل يريد حمص فنزل عليها في حادي عشر رجب ومعه سائر العساكر، وحضر الأمير سنقر الأشقر من صهيون ومعه أيتمش السعدي، وأزدمر الحاج، وسنجر الدواداري، وبيجق البغدادي، وكراي، وشمس الدين الطنطاش، ومن معهم من الظاهرية، فسر السلطان بذلك وأكرمهم وأنعم عليهم، وكان ذلك في ثاني عشره فنزل سنقر الأشقر على الميسرة، وقويت الأراجيف بقرب العدو.
وفي ثالث عشره: اجتمع الناس بأسرهم في جامع دمشق، وتضرعوا إلى الله وضجوا وبكوا، وحملوا المصحف العثماني على الرءوس، وخرجوا من الجامع إلى المصلى خارج البلد وهم يسألون الله النصر على الأعداء.
ووصل التتار إلى أطراف بلاد حلب، وقدم منكوتمر إلى عين تاب، ونازل الملك أبغا قلعة الرحبة في سادس عشرى جمادى الآخرة، ومعه نحو ثلاثة آلاف فارس. وتقدم منكوتمر قليلا قليلا حتى وصل حماة، وأفسد نواحيها وخرب جواسق الملك المنصور صاحب حماة وبستانه فورد الخبر إلى السلطان بذلك وهو على حمص، وأن منكوتمر في خمسين ألفا من المغل وثلاثين ألفا من الكرج والروم والأرمن والفرنجة، وأنه قد قفز إليه مملوك الأمير ركن الدين بيبرس العجمي الجالق ودله على عورات المسلمين.
ثم ورد الخبر بأن منكوتمر قد عزم أن يرحل عن حماة، ويكون اللقاء في يوم الخميس رابع عشر رجب. واتفق عند رحيله أن يدخل رجل منهم إلى حماة وقال للنائب: اكتب الساعة إلى السلطان على جناح الطائر بأن القوم ثمانون ألف مقاتل، في القلب منهم أربعة وأربعون ألفا من المغل وهم طالبون القلب، وميمنتهم قوية جدا، فيقوي ميسرة المسلمين، ويحترز على السناجق. فسقط الطائر بذلك وعلم بمقتضاه، وبات المسلمون على ظهور خيولهم.
وعند إسفار الصباح من يوم الخميس رابع عشر شهر وجب: ركب السلطان ورتب العساكر: فجعل في الميمنة الملك المنصور صاحب حماة، والأمير بدر الدين بيسري، والأمير علاء الدين طيبرس الوزيري، والأمير عز الدين أيبك الأفرم، والأمير علاء الدين كشتغدي الشمسي، ومضافيهم، وجعل في رأس الميمنة الأمير شرف الدين عيسي بن مهنا، وآل فضل وآل مرا وعربان الشام، ومن انضم إليهم، وجعل في الميسرة الأمير سنقر الأشقر ومن معه من الأمراء، والأمير بدر الدين بيليك الأيدمري، والأمير بدر الدين بكتاش أمير سلاح، والأمير علم الدين سنجر الحلبي، والأمير بجكا العلائي، والأمير بدر الدين بكتوت العلائي، والأمير سيف الدين حيرك التتري، ومضافيهم، وجعل في رأس الميسرة التركمان بجموعهم، وعسكر حصن الأكراد، وجعل في الجاليش وهو مقدمة القلب الأمير حسام الدين طرنطاي نائب السلطنة بديار مصر، ومن معه من مضافيه والأمير ركن الدين أياجي الحاجب والأمير بدر الدين بكتاش بن كرمون، والمماليك السلطانية ووقف السلطان تحت الصناجق، ومعه خاصته وألزامه وأرباب الوظائف، فكانت عمدة حلقته أربعة آلاف فارس وهي أقوي وأشد، وعدة مماليك السلطان ثمانمائة مملوك. وكان في العسكر حشو كثير من الأمراء الأكراد والتركمان سوي أمراء مصر والشام. ثم اختار السلطان من مماليكه مائتي فارس، وانفرد عن العصائب ووقف على تل، فكان إذا رأي طلبا قد اختل أردفه بثلاثمائة من مماليكه.

(1/233)


فأشرفت كراديس التتار وهم مثلا عساكر المسلمين، و لم يعتدوا منذ عشرين سنة مثل هذه العدة، ولا جمعوا مثل جمعهم هذا، فإن أبغا عرض من سيره صحبة أخيه منكوتمر فكانوا خمسة وعشرين ألف فارس منتخبة. فالتحم القتال بين الفريقين بوطاة حمص، قريبا من مشهد خالد بن الوليد، ويوم الخميس رابع عشر رجب، من ضحوة النهار إلى آخره، وقيل من الساعة الرابعة. فصدمت ميسرة التتار ميمنة المسلمين صدمة شديدة ثبتوا لها ثباتا عظيما، وحملوا على ميسرة التتار فانكسرت وانتهت إلى القلب وبه منكوتمر. وصدمت ميمنة التتر ميسرة المسلمين، فانكسرت الميسرة وانهزم من كان فيها، وانكسر جناح القلب الأيسر. وساق التتر خلف المسلمين حتى انتهو إلى تحت حمص وقد غلقت أبوابها، ووقعوا في السوقة والعامة والرجالة والمجاهدين والغلمان بظاهر حمص، فقتلوا منهم خلقا كثيرا وأشرف الناس على التلاف.
ولم يعلم المسلمون من أهل الميسرة. بما جري للمسلمين أهل الميمنة من النصر ولا علم التتار الذين ساقوا خلف المسلمون ما نزل. بميسرتهم من الكسوة، ووصل إلى بعض المنهزمين إلى صفد، وكثير منهم دخل دمشق، ومر بعضهم إلى غزة، فاضطرب الناس بهذه البلاد وانزعجوا انزعاجا عظيما.
وأما التتر الذين ساقوا خلف المنهزمين من المسلمين أصحاب الميسرة، فإنهم نزلوا عن خيولهم وأيقنوا بالنصر، وأرسلوا خيولهم توعي في مرج حمص، وأكلوا ونهبوا الأثقال والوطاقات والخزانة وهم يحسبون أن أصحابهم ستدركهم، فلما أبطأوا عليهم بعثوا من يكشف الخبر، فعادت كشافتهم وأخبرتهم أن منكوتمر هرب، فركبوا وردوا راجعين. هذا ما كان من أمر ميمنة التتار وميسرة المسلمين.
وأما ميمنة المسلمين فإنها ثبتت وهزمت ميسرة التتار حتى انتهت إلى القلب، إلا الملك المنصور قلاوون فإنه ثبت تحت الصناجق، ولم يبق معه غير ثلاثمائة فارس، والكوسات تضرب. وتقدم سنقر الأشقر، وبيسري، وطيبرس الوزيري، وأمير سلاح، وأيتمش السعدي، ولاجين نائب دمشق، وطرنطاي نائب مصر، والدواداري، وأمثالهم من أعيان الأمراء، إلى التتار، وأتاهم عيسي بن مهنا فيمن معه، فقتلوا من التتار مقتلة عظيمة.
وكان منكوتمر مقدم التتار قائما في جيشه، فلما أراده الله من هزيمته نزل عن فرسه ونظر من تحت أرجل الخيل، فرأي الأثقال والدواب فاعتقد أنها عساكر، و لم يكن الأمر كذلك، بل كان السلطان قد تفرقت عنه عساكره ما بين منهزم ومن تقدم القتال، حتى بقي معه نحو الثلاثمائة فارس لا غير. فنهض منكوتمر من الأرض ليركب فتقنطر عن فرسه، فنزل التتر كلهم لأجله وأخذوه. فعندما رآهم المسلمون قد ترجلوا حملوا عليهم واحدة كان الله معهم فيها، فانتصروا على التتار.
وقيل إن الأمير عز الدين أزدمر الحاج حمل في عسكر التتار وأظهر أنه من المنهزمين، فقدمهم وسال أن يوصل إلى منكوتمر، فلما قرب منه حمل عليه وألقاه عن فرسه إلى الأرض، فلما سقط نزل التتار إليه من أجل إنه وقع، فحمل المسلمون عليهم عند ذلك، فلم يثبت منكوتمر وانهزم وهو مجروح، فتبعه جيشه وقد افترقوا فرقتين: فرقة أخذت نحو سلمية والبرية، وفرقة أخذت جهة حلب والفرات.
وأما ميمنة التتار التي كسرت ميسرة المسلمين، فإنها لما رجعت من تحت حمص كان السلطان قد أمر أن تلف الصناجق ويبطل ضرب الكوسات، فإنه لم يبق معه إلا نحو الألف، فمرت به التتار و لم تعرض له، فلما تقدموه قليلا ساق عليهم، فانهزموا هزيمة قبيحة لا يلوون على شيء. وكان ذلك تمام النصر، وهو عند غروب الشمس من يوم الخميس. ومر هؤلاء المنهزمون من التتار نحو الجبل يريدون منكوتمر، فكان ذلك من تمام نعمة الله على المسلمين، وإلا لو قدر الله أنهم رجعوا على المسلمين لما وجدوا فيهم قوة، ولكن الله نصر دينه، وهزم عدوه مع قوتهم وكثرتهم. وانجلت هذه الواقعة عن قتلي كثيرة من التتر لا يحصى عددهم.
وعاد السلطان في بقية يومه إلى منزلته بعد انقضاء الحرب، وكتب البطائق بالنصرة ولم يفقد كثير شيء من ماله، فإنه كان قد فرق ما في الخزائن على مماليكه أكياسا في كل كيس ألف دينار ليحملوه على أوساطهم فسلم له المال. وبات ليلة الجمعة إلى السحر في منزلته، فثار صياح لم يشك الناس في عود التتار، فبادر السلطان وركب وسائر العساكر، فإذا العسكر الذي تبع التتار وقت الهزيمة قد عاد.

(1/234)


وقتل من التتار في الهزيمة أكثر ممن قتل في المصاف، واختفي كثير منهم يجانب الفرات. فأمر السلطان أن تضرم النيران بالأزوار التي على الفرات، فاحترق منهم طائفة عظيمة، وهلك كثير منهم في الطريق التي سلكوها من سلمية.
وفي يوم الجمعة: خرج من العسكر طائفة في تتبع التتار، مقدمهم الأمير بدر الدين بيليك الأيدمري، ورحل السلطان من ظاهر حمص إلى البحيرة ليبعد عن الجيف. وقتل من التتار صمغار، وهو من أكبر مقدميهم وعظمائهم، وكانت له إلى الشام غارات عديدة.
واستشهد من المسلمين زيادة على مائتي رجل: منهم الأمير عز الدين أزدمر الحاج وهو الذي جرح منكوتمر مقدم التتار وألقاه عن فرسه وكان سبب هزيمتهم، وكان من أعيان الأمراء، وتحدثه نفسه أنه يملك فعوضه الله الشهادة، والأمير سيف الدين بلبان الرومي الدوادار الظاهري، وعلم الدين سنجر الإربلي، وبدر الدين بكتوت الخازندار، وشمس الدين سنقر العرسي، وشهاب الدين توتل الشهرزوري، وسيف الدين بلبان الحمصي، وناصر الدين محمد بن جمال الدين صبرم الكاملي، وعلاء الدين على ابن الأمير سيف الدين بكتمر الساقي العزيزي، وناصر الدين محمد بن أيبك الفخري، وبدر الدين بيليك الشرفي، وشرف الدين بن علكان، وصاحب الموصل، والقاضي شمس الدين بن قريش كاتب الدرج وقد عدم فلم يعرف له خبر، وهو آخر من مات من كتاب الملك الكامل محمد بن العادل، وكان قد كتب له ولابنيه العادل والصالح ولمن بعدهما من المملوك.
وأما أهل دمشق فإنه لما كان بعد صلاة الجمعة، في اليوم الثاني من الوقعة، سقط الطائر بالنصرة، ودقت البشائر بقلعة دمشق وسر الناس سرورا كبيرا، وزينت القلعة والمدينة. فلما كان بعد نصف الليل من ليلة السبت وصل جماعة كثيرة من المنهزمين وأخبروا. بما شاهدوا من الكسرة، و لم يكن عندهم علم. بما تجدد بعدهم من النصرة، فارتجت دمشق واضطرب الناس، وأخذوا في أسباب الرحيل، وفتحت أبواب دمشق، ولم يبق إلا خروج الناس منها على وجوههم هاربين فورد بعد ساعة البريد يخبر النصر، وكانت موافاته عند أذان الفجر، فقرئ كتابه بالجامع فاطمأن الناس.
وورد الخبر إلى مصر في يوم الخميس حادي عشري شهر رجب، على جناح الطائر في بطاقة من قاقون، بأن جماعة من ميسرة العساكر المنصورة وصلوا منهزمين من العدو المخذول، ووصل بعض الأمراء إلى قطيا منهم ابن الأيدمري.
وقد كان أهل مصر صاروا يقنتون في صلواتهم، وكثرت قراءة صحيح البخاري، وأقبل الناس على تلاوة القرآن، وتجمعوا في المشهد الحسيني وفي الجوامع والمساجد، وكثر ضجيجهم ودعاؤهم. فاشتد القلق عند ورود هذا الخبر، وجرد الملك الصالح في الحال عسكرا عليه الأمير صارم الدين أربك الفخري في كثير من العربان إلى قطيا، لرد المنهزمين وإعادتهم إلى السلطان، ومنع أحد منهم أن يعبر إلى القاهرة، فاعتمد ذلك.
ولم يستمر قلق الناس غير ساعات من النهار، وإذا بالطيور قد وقعت محلقة تحمل البطائق المخلقة، وتخبر فيها بالبشائر العظمي من كسر التتار.
وقدمت البريدية بكتب البشائر أيضا، فدقت البشائر وزينت القاهرة ومصر وقلعة الجبل، وكتب إلى أعمال مصر بالزينة. وكتب الملك الصالح إلى السلطان والده يشفع في المنهزمين ويسأل العفو عنهم، وكتب أيضا إلى الأمير بدر الدين بيسري يؤكد عليه في الشفاعة فيهم.
واتفق أن الأمير طرنطاي النائب وقع على جماعة من أصحاب منكوتمر، فأسرهم وفيهم حامل حرمدانة، فوجد في الحرمدار كتبا من الأمراء مثل سنقر الأشقر، وأيتمش السعدي، وغيرهم ممن كان مع سنقر الأشقر إلى التتار، يحرضونهم على دخول الشام، ويعدونهم بالمساعدة على أخذها فشاور طرنطاي السلطان عليها، فأمر بغسلها فغسلت، ولم يطلع عليها أحد.
وأما السلطان فإنه وادع الأمير سنقر الأشقر، ورده ومن حمص إلى عمله بصهيون على عادته، ورد معه من كان عنده من الأمراء. وهم أيتمش السعدي، وسنجر الدواداري، وكراي التتري، وغيرهم.
ورحل السلطان إلى دمشق، فقدمها يوم الجمعة ثاني عشري رجب، فكان يوما عظيما إلى الغاية عظم فيه سرور الناس وكثر فرحهم، وقال فيه الشعراء عدة قصائد.
وفي سابع: ورد الخبر إلى القاهرة. يعود السلطان إلى دمشق، وأنه عندما استقر بها جرد العسكر مع الأمير بدر الدين الأيدمري إلى الرحبة، ليدفع من عليها من التتار.

(1/235)


وأما أبغا بن هولاكو ملك التتار فإنه لم يشعر وهو على الرحبة إلا وقد وقعت بطاقة من السلطان إلى نائب الرحبة،. بما من الله به من النصر وكسرة التتار فعندما بلغه ذلك بدق بشائر القلعة رحل إلى بغداد.
ووصل الأمير بدر الدين الأيدمري إلى حلب، وبعث في طلب التتار إلى الفرات، ففروا من الطلب وغرق منهم خلق كثير. وعبرت طائفة منهم على قلعة البيرة، فأتلهم أهلها وقتلوا منهم خمسمائة، وأسروا مائة وخمسين. وتوجه منهم ألف وخمسمائة فارس إلى بغراس، وفيهم أكابر أصحاب سيس وأقاربهم فخرج عليهم الأمير شجاع الدين السيناني بمن معه، فقتلهم وأسرهم عن آخرهم بحيث لم يفلت منهم إلا دون العشرين. وتوجه منهم على سلمية نحو أربعة آلاف، فأخذ عليهم نواب الرحبة الطرقات والمعابر، فساروا في البرية فماتوا عطشا وجوعا، و لم يسلم منهم إلا نحو ستمائة فارس.
فخرج إليهم أهل الرحبة فقتلوا أكثرهم، وأحضروا عدة منهم إلى الرحبة ضربت أعناقهم بها. وأدرك بقية التتر الملك أبغا، وفيهم أخوه منكوتمر وهو مجروح، فغضب عليه وقال: " لم لا مت أنت والجيش ولا انهزمت " وغضب أيضا على المقدمين. فلما دخل أبغا بغداد سار منها إلى جهة همذان وتوجه منكوتمر إلى بلاد الجزيرة فنزل بجزيرة ابن عمر، وكانت الجزيرة لأمه قد أعطاها إياها أبوه هولاكو لما أخذها.
وفي يوم الإثنين حادي عشريه: قدم الأمير بدر الدين الأيدمري بمن معه من العسكر، بعدما أنكي في التتار. ورسم السلطان أن تكون البشائر إنعاما على من ذكر. وهي القاهرة ومصر على يد الأمير حسام الدين لاجين السلاح دار الرومي، وقوض والوجه القبلي خلا الفيوم على يد الأمير بدر الدين بيدر المنصوري أمير مجلس، والفيوم على يد الأمير علم الدين سنجر أمير خور، والإسكندرية على يد الأمير علم الدين سنجر أمير جاندار، ودمياط على يد الأمير بدر الدين بيليك أبو شامة المحسني، والغربية على يد الأمير أيبك السلاح دار المنصوري، وأشموم على يد الأمير شمس محمد بن الجمقدار نائب أمير جاندار.
وورد كتاب السلطان إلى قلعة الجبل ليجهز إلى الملك المظفر شمس الدين بن رسول باليمن. بما من الله به من النصر على التتار، فكتب قريبه الملك الصالح كتابا من إنشاء محيي الدين بن عبد الظاهر، خوطب فيه: أعز الله أنصار المقام العالي المظفري الشمسي.
وفي شهر رجب: رتب السلطان غرس الدين بن شاور في ولاية لد والرملة، عوضا عن سعد الدين بن قلج، بحكم انتقاله منها إلى ولاية بلد الخليل عليه السلام. ورتب تقي الدين توبة في نظر النظار بالشام، شريكا للقاضي تاج الدين عبد الرحيم بن تقي الدين عبد الوهاب بن الفضل بن يحيي السنهوري. ورتب الأمير علم الدين سنجر الدواداري شادا ومدبرا من غزة إلى الفرات.
وفيه ثارت العشران ونهبوا نابلسي، وقتلوا مقتلة عظيمة، مركب الأمير علاء الدين أيدكين الفخري من غزة وقبض على جماعة منهم، وشنق اثنين وثلاثين من أكابرهم، وسجن كثيرا منهم بصفد، ورتب الأمير علاء الدين أيدغدي الصرخدي نائبا بالبلاد الغزاوية والساحلية لردع العشرين.
وفيه قرر الشيخ تفي الدين محمد بن دقيق العيد في تدريس المدرسة بجوار قبة الشافعي من قرافة مصر، على عادة القاضي تقي الدين بن رزين بعد وفاته.
واستقر الشيخ علم الدين ابن بنت العراقي في تدريس المشهد الحسيني بالقاهرة.
وفيه وصل الأمير شهاب الدين أحمد ابن وإلى القلعة أمير شكار من دمشق لتحريج الجوارح وإصلاحها.
وفيه استقر الأمير سيف الدين بازي المنصوري نائبا بحمص، ومعه الأمير صارم الدين الحمصي، مساعدا له.
واستقر الأمير جمال الدين أقش الحمصي نائبا في مدينة نابلس، عوضا عن زين الدين قراجا البدري.
وفيه افرج عن الأمير سيف الدين قطز المنصوري، والأمير سنجر الحموي أبو خرص.
وفيه كانت وقعة في صحراء عيذاب بين عرب جهينة ورفاعة قتل فيها جماعة، فكتب إلى الشريف علم الدين صاحب سواكن بأن يوفق بينهم ولا يعين طائفة على أخرى، خوفا على فساد الطريق.
وفيه ولي زين الدين بن القماح نظر البحيرة، عوضا عن موفق الدين بن الشماع. واستقر شمس الدين محمد بن القاضي علم الدين بن القماح في الإعادة. بمدرسة الشافعي من القرافة، بتوقيع شريف.

(1/236)


وفي شعبان: افترق بنو صورة بناحية المنوفية من أعمال مصر فرقتين، وحشدوا وركبوا بآلات الحرب، فخرج إليهم عدة من أجناد الحلقة، ورسم بأخذ خيلهم وسلاحهم، فسكن ما كان بينهم.
وفي يوم الأحد ثاني شعبان: سار السلطان من دمشق، وكتب إلى مصر بتجهيز الزينة ونصب القلاع، وأن يتقدم إلى نواب الأمراء بالشروع في تقسيم المواضع لقلاعهم والاهتمام بالزينة. فرتبت الإقامات في عاشره على يد الأمير علم الدين سنجر الشجاعي، وجعل في كل منزلة من الدقيق ستين قطعة، وشعيرا أربعمائة أردب، وأغناما مائة رأس، ودجاجا مائتي طائر، وحماما خمسين طائرا، وأثبانا مائة حمل، وحطب سنط مائة قنطار.
وخرج السلطان من غزة بكرة يوم الخميس ثالث عشره، ووصل قطيا يوم الإثنين سابع عشره، وقد تأخرت العساكر وراءه، ونزل غيفة يوم الخميس العشرين منه وخيم بها.
ودخل الأمير شرف الدين الجاكي المهمندار من الدهليز السلطاني لترتيب رسل الملوك الذين بالقاهرة، وخروجهم إلى لقاء السلطان.
وخرج الملك الصالح والأمير زين الدين كتبغا نائب السلطنة إلى الملتقي، واستمر الأمير علم الدين سنجر المنصوري بقلعة الجبل.
فصعد السلطان إلى قلعته في يوم السبت ثاني عشريه تحت صناجقه، وأسري التتار بين يديه، وقد حمل بعضهم الصناجق التترية وهي مكسورة. فبعث السلطان بالأسري وطبول التتار وحتر منكوتمر من جهة باب النصر حتى شقوا القاهرة إلى باب زويلة، وساروا إلى القلعة، و لم يشق السلطان القاهرة، وكان يوما مشهودا اجتمع الناس فيه من الأقطار، وكثر فرحهم وسرورهم.
وفي يوم الأحد ثالث عشري شعبان: أفرج السلطان عن الأمير ركن الدين منكورس الناصر الفارقاني.
وفيه دخل السلطان إلى الخزانة الشريفة، ورتب الخلع لسائر الأمراء والخواص والكتاب بالدرد الذين كانوا في الخدمة.
وفي يوم الخميس سابع عشريه: جلس السلطان، وأحضرت هدية الملك المظفر شمس الدين يوسف بن عمر بن على بن رسول صاحب اليمن على يد رسله: وهم مجد الدين بن أبي القاسم، والقاضي محيي الدين يحيي بن البيلقاني. فقبل السلطان هديته، وكانت من طرائف اليمن، من العود والعنبر والصيني ورماح القنا وغير ذلك.
وفي تاسع عشريه: أعيد إقطاع الأمير سيف الدين أيتمش السعدي إليه، وهوناي وطنان وإمرة مائة فارس، وكان قد أخذه عند توجهه إلى سنقر الأشقر الأمير عز الدين أيبك الأفرم، وأعيد على الأفرم إقطاعه القديم ممن أخذه.
وفيه أقر الأمير سيف الدين قطز.
وفيه فوض قضاء الشافعية إلى وجيه الدين عبد الوهاب بن حسين المهلبي الهنسي في سابع شعبان، عوضا عن تقي الدين محمد بن رزين بحكم وفاته.
وفيه قبض على الأمير ركن الدين بيبرس الحلبي المعروف بأياجي الحاجبي، من أجل أنه انهزم على حمص.
وفي يوم السبت سادس رمضان: حضرت رسل الملك المظفر شمس الدين يوسف ابن عمر بن على بن رسول متملك اليمن، وسألوا أن يكتب لمرسلهم أمان على قميص، وتعلم عليه العلامة السلطانية، فأجيبوا إلى ذلك. وجهزت إليه هدايا وتحف فيها قطعة زمرد، وعدة من أكاديش التتار وشيء من عددهم.
وفيه عملت نسخة حلف السلطان للملك الأشكري صاحب القسطنطنية، وكانت رسله قد وصلت بنسخة يمينه في تاريخ موافق آخر المحرم سنة ثمانين وستمائة.
وفيه ولي الأمير بهاء الدين قراقوش قوص وأخميم، عوضا عن الأمير بيبرس مملوك علاء الدين حرب دار.
وفي شوال: سار المحمل إلى الحجاز على العادة.
وفي يوم الخميس أول ذي القعدة: استقر عز الدين أيبك الفخري واليا بقوص وأخميم، عوضا عن قراقوش.
وفي خامسه: قبض على الأمير أيتمش السعدي وعلى عدة من الأمراء واعتقلوا، وقبض أيضا بدمشق على الأمير سيف الدين بلبان الهاروني وسيقران الكردي وغيرهما، وذلك لأنهم كانوا ممن كان مع سنقر الأشقر.
وفيه سافر الأمير ناصر الدين محمد بن المحسني الجزري الحاجب والقاضي شرف الدين إبراهيم بن فرج كاتب الدرج، إلى اليمن من جهة عيذاب، في الرسالة عن السلطان.
وفي ذي القعدة: أخرج السلطان جميع نساء الملك الظاهر بيبرس وخدامه من القاهرة، وبعثهم إلى الكرك.

(1/237)


وفي أول ذي الحجة: فوض قضاء المالكية بديار مصر إلى تقي الدين أبي على الحسين ابن الفقيه شرف الدين أبي الفضل عبد الرحيم بن الفقيه الإمام مفتي الفرق جلال الدين أبي محمد بن عبد الله بن شاس الجذامي السعدي المالكي، عوضا عن قاضي القضاة نفيس الدين محمد بن سكر، بحكم وفاته.
ومات في هذه السنة من الأعيان
القان أبغا بن هولاكو بن طلوي بن جنكزخان بنواحي همذان عن نحو خمسين سنة، منها مدة ملكه سبع عشرة سنة، وقام في الملك بعده أخوه تكدار بن هولاكو.
ومات الأمير عز الدين أيبك الشجاعي بدمشق عن خمس وثمانين سنة.
ومات الأمير شمس الدين سنقر الألفي نائب السلطنة بديار مصر، في السجن بالإسكندرية عن نحو أربعين سنة.
وتوفي قاضي القضاة تقي الدين أبو عبد الله محمد بن الحسين بن رزين بن موسى ابن عيسي بن موسى بن نصر الله العامري الحموي الشافعي، عن سبع وسبعين سنة: وتوفي قاضي دمشق نجم الدين أبو بكر محمد بن أحمد بن يحيي بن هبة الله بن الحسن بن يحيي بن سني الدولة الشافعي، عن أربع وستين سنة بدمشق.
وتوفي قاضي القضاة صدر الدين أبو حفص عمر بن تاج الدين أبي محمد عبد الوهاب بن خلف بن أبي القاسم ابن بنت الأعز العلامي الشافعي، عن خمس وخمسين سنة.
وتوفي موفق الدين أبو العباس أحمد بن يوسف بن الحسن بن رافع الشيباني الموصلي الكواشي، عن تسعين سنة بالموصل.
وتوفي الحافظ شمس الدين أبو حامد محمد بن على بن محمود بن أحمد بن على بن الصابوني المحمودي، بدمشق عن ست وسبعين سنة.
وتوفي المسند شمس الدين أبو الغنائم مسلم بن محمد بن مسلم بن مكي بن خلف بن علان القيسي الدمشقي ناظر الدواوين بدمشق، عن ست وثمانين سنة بها.
وتوفي الشريف شهاب الدين أبو جعفر أحمد بن على بن محمد بن على بن محمد بن عبد الله بن جعفر بن زيد بن جعفر بن أبي إبراهيم محمد الممدوح الحسني، كاتب الإنشاء بحلب، عن خمس وثلاثين سنة بها.
وتوفي الأديب الكاتب الحاسب علاء الدين أبو الحسن على بن محمود بن الحسن بن نبهان اليشكري، عن خمس وثمانين سنة بدمشق.
وتوفي الأديب شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن مكتوم البعلبكي، في وقعة حمص شهيدا.
وتوفي الأديب بدر الدين أبو المحاسن بن يوسف بن لؤلؤ بن عبد الله الذهبي الدمشقي، عن ثلاث وسبعين سنة بدمشق.
ومات منكوتمر بن هولاكو بن طلوي بن جنكزخان، بجزيرة ابن عمر مكمودا عقب كسرته على حمص.
ومات علاء الدين عطا ملك بن محمد الجويني صاحب الديوان ببغداد، بعدما نقم عليه الملك أبغا ونسبه إلى مواطأة المسلمين، فقبض عليه وأخذ أمواله. وكان صدرا كبيرا فاضلا، وله شعر حسن، وولي بعده بغداد ابن أخيه هارون بن محمد الجويني.
سنة إحدى وثمانين وستمائة
في مستهل صفر: قبض على الأمير بدر الدين بيسري الشمسي، والأمير كشتغدي الشمسي. فأغلق باب زويلة وعامة الأسواق، وارتجت القاهرة حتى نودي: من أغلق دكانه شنق، ففتحت الأسواق.
وفي ربيع الأول: وصلت رسل الأشكري ورسل ألفونس بهدية.
وفي حادي عشر ربيع الآخر: استقر في الوزارة نجم الدين حمزة بن محمد الأصفوني.
وفي آخر جمادى الآخرة: استعفي قاضي القضاة وجيه الدين عبد الوهاب بن حسن البهنسي من قضاء القاهرة والوجه البحري، وذكر أنه يضعف عن الجمع بين قضاء المدينتين مصر والقاهرة والوجهين القبلي والبحري، فأعفي من قضاء القاهرة والوجه البحري. وفوض السلطان ذلك في أول رجب لشهاب الدين محمد الخوي، وكان يلي أولا قضاء الغربية من أعمال مصر، فنقل منها إلى قضاء القاهرة، وانفرد للبهنسي قضاء مصر والوجه القبلي.
وفي شعبان: حلف الشريف أبو نمي أمير مكة للسلطان وولده بالطاعة لهما، وأنه التزم تعليق الكسوة الواصلة من مصر على الكعبة في كل موسم، وأنه لا يعلق عليها كسوة غيرها، وأن يقدم علم الملك المنصور على كل علم في كل موسم، وألا يتقدمه علم غيره، وأن يسبل زيارة البيت الحرام أيام مواسم الحج وغيرها للزائرين والطائفين والبادين والعاكفين والآمين، وأن يحرس الحاج ويؤمنهم في سربهم، وأن يستمر بإفراد الخطبة والسكة بالاسم الشريف المنصوري، وأن يفعل الخدمة في فعل المخلص الولي للسلطان، ويمتثل مراسمه امتثال النائب للمستنيب.

(1/238)


وفيه وصلت رسل الملك أحمد أغا سلطان بن هولاكو، وهم الشيخ مطب الدين محمود بن مسعود بن مصلح الشيرازي قاضي سيواس، والأمير بهاء الدين أتابك السلطان مسعود صاحب الروم، والصاحب شمس الدين محمد بن الصاحب شرف الدين بن التيتي، وزير ماردين. وكانوا عند قدومهم إلى البيرة قد سار إليهم الأمير حسام الدين لاجين الرومي والأمير سيف الدين كبك الحاجبان، وقد أمرا أن يبالغا في الاحتراز على الرسل وإخفائهم عن كل أحد. واحترزا عليهم حتى لم يشاهدهم أحد، وسارا بهم في الليل حتى قدموا قلعة الجبل بكتاب الملك أحمد: وفيه أنه مسلم، وأنه أمر ببناء المساجد والمدارس والأوقاف، وأمر بتجهيز الحجاج.
وسال اجتماع الكلمة وإخماد الفتنة والحرب، وأنه ظفر بجاسوس وعادة مثله أن يقتل فجهزه إلى الأبواب السلطانية، وقال إنه لا حاجة إلى الجواسيس ولا غيرهم بعد الاتفاق واجتماع الكلمة، وبالغ في استجلاب خاطر السلطان. وتاريخ الكتاب في جمادى الأولى، وأنه كتب بواسط.
فأجيب بتهنئته بالإسلام، والرضي بالصلح، وأعيدت الرسل وقد أكرموا من غير أن يعلم الناس بدخولهم ولا خروجهم. وساروا سرا كما قدموا سرا ليلة السبت ثاني رمضان صحبة الحاجبين، فوصلوا إلى حلب في سادس شوال وعبروا إلى بلادهم.
وفي رمضان: وصل الأمير شمس الدين سنقر الغتمي ورفقته، الذين خرجوا إلى بيت بركة في الرسالة.
وفيه قبض على الأمير بدر الدين بكتوت الشمسي وعلاء الدين أقطوان الساقي، وشهاب الدين قرطاي، واعتقلوا.
وفيه استقر الأمير شمس الدين قراسنقر الجوكندار المنصوري في نيابة السلطة بحلب، عوضا عن علم الدين سنجر الباشقردي، وعمر جامعها وقلعتها وكانا قد خربهما التتار. وفيه قدم الشيخ على الإوبراني، وكان قد أسلم وخدم الفقراء، وسلك طريق الله وظهرت على يده كرامات، وتبعه جماعة من أولاد المغل، فسار بهم إلى الشام ومصر، ومثل بحضرة السلطان من قلعة الجبل في ثامن عشر ذي القعدة، ومعه إخوته الأقوش وعمر وطوخي وجوبان، وجماعة غيرهم. فأحسن السلطان إليه وإلى من معه، ورتب بعضهم في حملة الخاصكية، ثم نقل إلى الإمرايات منهم الأقوش وتمر وعمر وهم إخوة.
ثم ظهر من الشيخ على ما أوجب أن يسجن، فسجن هو والأقوش، ومات تمر وعمر في الخدمة.
وفي حادي عشريه: وقعت نار بدمشق أقامت ثلاثة أيام، فاحترق فيها شيء كثير، منها سوق الكتبيين، واحترق لشمس الدين إبراهيم الجزري الكتبي خمسة عشر ألف مجلد سوي الكراريس.
وفي يوم عرفة: قبض بدمشق على الأمير عز الدين أيبك كرجي أمير علم، والأمير ناصر الدين محمد بن عز الدين أيدمر النائب بدمشق، وعلى زين الدين بن الشيخ على، واعتقلوا، وفيه تزوج السلطان الملك المنصور قلاوون بخوند أشلون ابنة الأمير سكناي ابن قراجين بن جنغان نوبن القادم إلى القاهرة في الدولة الظاهرية، وهي أم الملك الناصر محمد.
وتزوج الملك الصالح على ابن السلطان بخوند منكبك ابنة الأمير سيف الدين نوكيه، وكانت تحت الأمير زين الدين كتبغا المنصوري، فرآها الملك الصالح يوم حضرت مع نساء الأمراء مهم أشلون يوم زفت إلى السلطان، ففتنه حسنها حتى كاد يهلك، فمازال السلطان بطرنطاي النائب حتى ألزم كتبغا بطلاقها فطلقها.
وأفرج السلطان عن أبيها نوكيه من سجن الإسكندرية، وأحضر إلى القاهرة وأنعم عليه بإمرة، وعقد العقد على خمسة آلاف عينا عجل منها ألف دينار.
وفيها بلغ السلطان أن ملك الكرج توماسوطا بن كلياري خرج من بلاده، ومعه رفيق له اسمه طيبغا بن انكواد يريد زيارة القدس سرا، فحفظت عليه الطرقات من كل جهة، فلم يصل إلى موضع منذ خرج من بلده إلى أن قدم القدس إلا ويصل خبره وهيئة حاله إلى السلطان. فقبض عليه بالقدس، وأحضر إلى قلعة الجبل هو ورفيقه واعتقلا.
وانتهت زيادة النيل في هذه السنة إلى سبعة عشر ذراعا وثمانية عشر إصبعا. وخرج من القاهرة بالمحمل الأمير ناصر الدين ألطنبغا الخوارزمي، ومعه كسوة الكعبة، وسار بالسبيل حسام الدين مظفر أستادار الفارقاني. وحج الأمير علاء الدين البندقداري في ركب كبير.
وفيها ولي نجم الدين أبو حفص عمر بن العفيف أبي المظفر خصر بن منصور الشيباني قضاة الشافعية بحلب، عوضا عن تاج الدين أبي المعالي عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن بن علوي السنجاري.

(1/239)


وفيها في آخر شوال خلع متملك تونس أبو إسحاق إبراهيم بن يحيي بن عبد الواحد بن أبي حفص، وكانت مدته ثلاث سنين وسبعة أشهر. وقام من بعده الدعي أحمد بن مرزوق بن عمار المسبلي الخياط، وزعم أنه الواثق أبو زكريا يحيي بن المستنصر.
وفيها أقيم في الملك تكدار بن هولاكو، بعد موت أخيه أبغا بن هولاكو في المحرم، فاظهر أنه أسلم وتسمي أحمد سلطان. ترك أبغا ولدين هما أرغون وكيختو.
ومات في هذه السنة من الأعيان
شمس الدين أبو العباس أحمد بن بهاء الدين أبي بكر بن خلكان البرمكي الإربلي الشافعي، المؤرخ قاضي دمشق في رجب.
وتوفي قاضي المالكية بدمشق زين الدين أبو محمد عبد الكريم بن على بن عمر الزواوي المالكي، بعد ما عزل نفسه، عن اثنتين وتسعين سنة بدمشق.
وتوفي برهان الدين أبو الثناء محمود بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عمر بن عيسي المراغي الفقيه الشافعي، وقد أناف على خمس وسبعين سنة بدمشق.
ومات الصاحب علاء الدين عطا ملك ابن الصاحب بهاء الدين محمد بن محمد الجويني مدبر دول العراق، بناحية أران. وله فضل وشعر جيد.
وتوفي المسند برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن يحيي بن علوي بن الدرجي القرشي الدمشقي الحنفي، عن اثنتين وثمانين سنة.
ومات الأمير حسام الدين بشار الرومي وهو أحد من قدم في الأيام الظاهرية بيبرس من بلاد الروم بعد ما بلغ مائة وعشرين سنة، وناب وحج وترك الإمرة وعوض عنها براتب أجري عليه.
وتوفي زين الدين إدريس خطب الجامع الأزهر.
وتوفي السديد عبد الله الماعز. وقد باشر ديوان المرتجع في الأيام الظاهرية، فنقله المنصور قلاوون إلى ديوانه.
ومات أيضا منكوتمر بن طوغان بن باطو بن دوشي خان بن جنكزخان، ملك التتر ببلاد الشمال. وملك بعده أخوه تدان منكو، وجلس على كرسي الملك. بمدينة صراي.
سنة اثنين وثمانين وستمائة
في المحرم: وصل الملك المنصور صاحب حماة، فركب السلطان إلى لقائه، وأنزله بمناظر الكبش وأقيم بواجبه.
وفيه استخرجت الجوالي من الذمة، وكانت العادة أن تستخرج في شهر رمضان، فأخر استخراجها إلى المحرم رفقا بهم، وحضر الصاحب نجم الدين الأصفوني بدار العدل تحت القلعة لاستخراجها.
وفيه رسم أن تكون جوالي الذمة بالقدس وبلد الخليل، وبيت لحم وبيت جمالا، مرصدة لعمارة بركة في بلد الخليل.
وفي سادسه: توجه السلطان، إلى بر الجيزة، وسار إلى البحيرة لحفر الخليج المعروف بالطبرية، ومعه صاحب حماة.
وأقام الأمير علم الدين سنجر الشجاعي بالقلعة، ومعه الأمير قراسنقر الجركندار، وعلاء الدين أيدغدي السلاح دار، وعز الدين أيبك الخازندار، ورتب مع الأمير علم الدين الخياط وإلى القاهرة عدة من أصحاب الأمراء، يطوفون كل ليلة من بعد العصر حول القلعة وفي ظواهر القاهرة. ونودي على الأجناد في القاهرة بالخروج لحفر الخليج، ووقع العمل فيه فكان طوله ستة آلاف وخمسمائة قصبة في عرض ثلاث قصبات وعمق أربع قصبات بالقصبة الحاكمية، وفرغ من عمله في عشرة أيام. فحصل بسببه نفع كبير، وروي منه ما لم يكن قبل ذلك يروي. وفيه وصل من الشروق تسعة عشر وافدا بأولادهم.
وفي رابع عشره: وصلت رسل صاحب بلاد سيلان من أرض الهند واسمه أبو أنكيه بكتابه. وهو صحيفة ذهب عرض ثلاثة أصابع في طول نصف ذراع بداخلها شيء أخضر يشبه الخوص، مكتوب فيه بقلم لم يوجد في القاهرة من يحسن قراءته، فسئل الرسل عنه فقالوا " إنه يتضمن السلام والمحبة وإنه ترك صحبة صاحب اليمن وتعلق بمحبة السلطان، ويريد أن يتوجه إليه رسول، وذكر أن عنده أشياء عدها من الجواهر والفيلة والتحف ونحوها، وأنه عبأ تقدمة إلى أبواب السلطان، وأن في مملكة سيلان سبعا وعشرين قلعة، وبها معادن الجواهر والياقوت، وأن خزائنه ملآنة من الجواهر " .
وفي رابع صفر: عاد المنصور صاحب حماة بلده، وخرج السلطان معه لوداعه.
وفي خامس ربيع الأول: جرت الهدنة بين السلطان وبين الفرنج بعكا مدة عشر سنين، أولها خامس المحرم من هذه السنة.
وفي عاشره: ولي الصاحب برهان الدين السنجاري تدريس المدرسة بجوار الشافعي من القرافة.

(1/240)


وفي مات الصاحب نجم الدين حمزة الأصفوني، وولي شرف الدين أبو طالب بن النابلسي نظر الوجه القبلي، ونقل القاضي عز الدين بن شكر من نظر ديوان الجيش إلى نظر الوجه البحري، وخلع عليهما. وبقي الأمير علم الدين سنجر الشجاعي مدير المماليك، وهما بين يديه يصرفان المهمات.
وفيها خرجت تجريدة من قلعة كركر إلى حصار قلعة قطيبا إحدى قلاع أمد، فأخذوها من أيدي التتار، وأقيم فيها الرجال وعملت بها الأسلحة والغلال، فصارت من حصون الإسلام المنيعة.
وأخذت أيضا قلعة كختا من النصارى بسؤال أهلها، فتسلمها أمراء السلطان. بمدينة حلب، وشحنت بالأسلحة وغيرها، وصارت مسلطة على الأرمن.
وفي جمادى الأولى: خرج أرغون بن أبغا على عمه تكدار المسمى أحمد سلطان بخراسان، فسار إليه وقتله وهزمه ثم أسره، فقامت الخواتين مع أرغون، وسألن الملك تكدار أحمد في الإفراج عنه وتوليته خراسان، فلم يرض بذلك.
وكانت المغل قد تغيرت على تكدار، لكونه دخل في دين الإسلام وإلزامه لهم بالإسلام، فثاروا وأخرجوا أرغون من الاعتقال، وطرقوا ألناق نائب تكدار ليقتلوه ففر منهم فأدركوه وقتلوا تكدار أيضا، و أقاموا أرغون بن أبغا ملكا. فولي أرغون وزارته سعد الدولة اليهودي، وولي ولديه خرابندا وقازان خراسان، وعمل أتبكهما الأمير نوروز.
ومات الأشكري متملك قسطنطنية واسمه ميخائيل، وملك بعده ابنه الدوقش.
وفي النصف من جمادى الأولى: توجه السلطان من قلعة الجبل إلى بلاد الشام، فنزل غزة في سابع جمادى الآخرة، وقبض على غرس الدين بن شاور متولي رملة ولد، وولي عوضه الأمير علم الدين سنجر الصالحي، وعزل عماد الدين بن أبي القاسم عن القدس، بنجم الدين السونجي.
ودخل السلطان دمشق يوم الجمعة ثامن شهر رجب، فرسم أن كل من استخدم ترد جامكيته على ما كانت عليه في الدولة الظاهرية وتستعاد منه الزيادة، فاستخرج من ذلك مال كبير.
وفي يوم الجمعة حادي عشري رجب: عوق قاضي القضاة عز الدين محمد بن عبد القادر بن عبد الخالق بن خليل الأنصاري المعروف بابن الصائغ، ثم صرف عن القضاء بدمشق، وطولب بثمانية آلاف دينار أودعها عنده الطواشي ريحان الخليفتي وأوصاه عيلها، وطولب بعدة ودائع أخرى، فقام في حقه الأمير حسام الدين لاجين نائب الشام والأمير حسام الدين طرنطاي نائب مصر، ومازالا حتى أفرج عنه في ثامن عشري شعبان، ولزم داره.
واستقر عوضه في قضاء دمشق بهاء الدين يوسف بن محيي الدين يحيي بن محمد بن على بن محمد بن على الزكي.
وفيه استقر شرف الدين بن مزهر في نظر الشام ثالثا للناظرين.
واستقر قراسنقر نائبا بحلب، عوضا عن سنجر الباشقردي وقيل بل كان ذلك في سنة إحدى وثمانين كما تقدم، وأنعم على الباشقردي بإقطاع بدر الدين الأزدمر. بمصر. واستقر بدر الدين بكتوت السعدي نائبا بحمص.
وفي ثاني رمضان: خرج السلطان من دمشق، ودخل قلعة الجبل يوم الخميس رابع عشريه، وخرج المحمل على العادة.
وفي هذه السنة: غارت العساكر على بلاد الأرمن، ووصلوا إلى مدينة أياس وقتلوا ونهبوا وحرقوا، واقتتلوا مع الأرمن عند باب إسكندرونة وهزموهم إلى تل حمدون، وعادوا سالمين ظافرين بالغنائم.
وفيها كانت وقعة ببلاد بيروت مع فرج قبرس حين قصدهم بلاد الساحل، قتل فيها عدة من الفرنج، وأسر منهم زيادة على ثمانين رجلا، وأخذت منهم غنائم كثيرة.
وفيها وصلت رسل تدان منكو بن طوغان بن باطو بن دوشي بن جنكزخان ملك القبجاق، بكتاب خطه بالقلم المغلي: يتضمن أنه أسلم، ويريد أن ينعت نعتا من نعوت أهل الإسلام، ويجهز له علم خليفتي وعلم سلطاني يقاتل بهما. أعداء الدين. فجهزت الرسل إلى الحجاز، ثم عادوا وساروا إلى بلادهم. بما سألوا فيه.
وفيها اشتريت الدار القطية بخط بين القصرين من القاهرة، من خالص مال السلطان، وعوض سكانها عنها قصر الزمرد برحبة باب العيد، في ثامن عشري شهر ربيع الأول.

(1/241)


وقام الأمير علم الدين سنجر الشجاعي في عمارتها مارستانا وقبة ومدرسة باسم السلطان الملك المنصور قلاوون، فأظهر من الاهتمام في العمارة ما لم يسمع. بمثله. وفيها قدم الشيخ عبد الرحمن في الرسالة من الملك أحمد أغا سلطان إلى البيرة، وعلى رأسه الجتر كما هي عادته في بلاد التتر، فتلقاه الأمير جمال الدين أقش الفارسي أحد أمراء حلب، ومنعه من حمل الجتر والسلاح، وعدل به عن الطريق المسلوك إلى أن أدخله حلب ثم إلى دمشق، فوصلها ليلة الثلاثاء ثاني عشر ذي الحجة، من غير أن يمكن أحدا من الاجتماع به ولا من رؤيته. ولما وصل إلى دمشق أنزل بقلعتها، فأقام بقاعة رضوان من القلعة إلى أن وصل السلطان إلى دمشق في سنة ثلاث وثمانين. وأجري عليه في كل يوم ألف درهم، ومأكل وحلوي وفاكهة بألف أخرى.
وفيها استدعى تاج الدين السنهوري من دمشق، واستقر في نظر الدواوين بديار مصر، عوضا عن عز الدين إبراهيم بن مقلد بن أحمد بن شكر، رفيقا لشرف الدين بن النابلسي.
وتزوج الملك الأشرف صلاح الدين خليل ابن السلطان باردكين ابنة الأمير سيف الدين نوكيه، أخت زوجة أخيه الملك الصالح على.
وفيها ولي مجد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عبد الرحمن بن مكي قضاء الحنفية بحلب، عوضا عن نجم الدين أبي حفص عمر بن نصر بن منصور الأنصاري البيساني، مدة يسيرة ثم عزل.
وفي أوائل هذه السنة: تحرك سعر الغلة حتى بلغ الأردب القمح خمسة وثلاثين درهما، فكرة السلطان ذلك وتوجه بالعسكر إلى الشام تخفيفا عن الناس، فلم ينحط السعر، فجمع الأمراء وأراد أن يكتب بفتح أهراء مصر أدخله حلب ثم إلى دمشق، فوصلها ليلة الثلاثاء وبيع الغلة منها بسعر خمسة وعشرين درهما الأردب، فقال له الأيدمري: قلوب الناس متعلقة. بما في الأهراء، فإنها خزانة المسلمين، كلما نظروا إليها ملآنة شبعت نفوسهم، وما يؤمن ارتفاع السعر أيضا. والرأي أن الأمراء بأسرهم يكتبون بفتح شونهم وبيع القمح بخمسة وعشرين درهما الأردب، فإذا وقع البيع منها دفعة واحدة مع بقاء الأهراء ملآنة رجي انحطاط السعر، والأمراء لا يضرهم إذا نقصت شونهم نصف ما فيها " . فأعجب السلطان ذلك، وكتب الأمراء بفتح شونهم ففتحت، وبيع القمح منها بخمسة وعشرين درهما الأردب، فانحط السعر إلى عشرين ثم إلى ثمانية عشر، واستمر كذلك حتى قدم الجديد من المغل.
وفيها قتل متملك الروم غياث الدين كيخسرو بن ركن الدين قلج أرسلان بن كيخسرو بن كيقباد، وأقيم بعده مسعود بن عز الدين كيكاوس بن كيخسرو بن كيقباد بن كيخسرو بن قلج أرسلان بن مسعود بن قلج أرسلان بن سليمان بن قطلومش بن أرسلان بيغو بن سلجوق، وهو آخر من سمي بالسلطان من السلجوقية ببلاد الروم، وقد افتقر وانكشف حاله ومات قريب سنة ثمان عشرة وسبعمائة.
وفيها كانت وفاة الشيخ الإمام عماد الدين بن الفضل محمد ابن قاضي القضاة شمس الدين أبي نصر محمد بن هبة الله الشيرازي، ببستانه بالمزة في يوم الإثنين سابع عشر صفر، وصلي عليه بعد صلاة العصر بجامع الجبل، ودفن بتربة فيها قبر أخيه علاء الدين، رحمهما الله تعالي. وكان شيخ الكتابة أتقن الخط المنسوب، وبلغ فيه مبلغا عظيما حتى أتقن قلم المحقق، وكتبه أجود من شيخ الصناعة ابن البواب.

(1/242)


وفيها توفي الصاحب مجد الدين أبو الفداء إسماعيل بن إبراهيم بن أبي القاسم بن أبي طالب بن كسيرات الموصلي، وكانت وفاته في سابع عشري رمضان بداره بجبل الصالحية، وكان رحمه الله تعالى كثير المروءة واسع الصدر، كثير الهيبة والوقار جميل الصورة حسن المنظر والشكل، كثير التعصب لمن يقصده محافظا على مودة أصدقائه وقضاء حوائجهم، كثير التفقد لهم. وأصله من الموصل من بيت الوزارة، كان والده وزير الملك المنصور عماد الدين زنكي ابن الملك العادل نور الدين أرسلان شاه بن عز الدين مسعود بن مودود بن زنكي بن آقسنقر، ثم باشر نظر الخزانة للملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ، ثم نقله إلى نظر الجزيرة العمرية لما فتحها، ووصل إلى الشام صحبة الملك المجاهد سيف الدين إسحاق لما وصل في الدولة الظاهرية، وسكن دمشق وولي نظر البر بها، ثم نقل إلى نظر نابلس، ثم أعيد إلى دمشق فباشر نظر الزكاة بها، ثم انتقل إلى صحابة الديوان بالشام إلى أن ملك سنقر الأشقر دمشق، فاستوزره كما تقدم، وبطل بعد ذلك عن المباشرة، وسكن داره التي أنشأها بجبل قاسيون جوار البيمارستان، فكان بها إلى أن مات.
قال شمس الدين الجزري: قلت له يوما وقد أضرت به البطالة: " يا مولانا لو ذكرت أحدا من أصحابك الأمراء حتى يذكر بك السلطان أو نائب السلطنة، فكاتب في أمرك، فإن لك خدما وتفضلا على الناس، فنظر إلي وأنشد:
لذ خمولي وحلا مره ... وصانني عن كل مخلوق
نفسي معشوقي ولي غيرة ... تمنعني عن بذل معشوقي
وفيها في يوم الخميس عاشر شهر رمضان: توفي الملك العادل سيف الدين أبي بكر ابن الملك الناصر صلاح الدين دواد ابن الملك المعظم شرف الدين عيسي ابن السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن أيوب، وكانت وفاته بدمشق، وصلي عليه بعد صلاة الجمعة، ودفن بالتربة المعظمية. وكان رحمه الله تعالى قد جمع بين الرياسة والفضيلة والعقل الوافر والخصال الجميلة، وكان مجانبا الناس محبوب الصورة، رحمه الله تعالي.
وفيها في سادس عشري شعبان: توفي القاضي عز الدين إبراهيم بن الصاحب الوزير الأعز فخر الدين أبي الفوارس مقدام ابن القاضي كمال الدين أبي السعادات أحمد بن شكر. وكان قد ولي نظر الجيوش بالديار المصرية في شهر رمضان سنة خمس وسبعين وستمائة، كما تقدم. رحمه الله تعالي.
وفيها توفي الشيخ الإمام العلامة العابد الزاهد شمس الدين أبو محمد عبد الرحمن ابن شيخ الإسلام أبي عمر عمد بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر القدسي شيخ الحنابلة بالشام. وكان قد ولي قضاء القضاة على كره منه سنة أربع وستين وستمائة كما تقدم، ثم ترك الحكم وتوفر على العبادة والتدريس وأشغال الطلبة والتصنيف. ويقال إنه قطب بالشام، واستدل على ذلك. يمراء توافقت عليها جماعة تعرفه في سنة. سبع وسبعين وستمائة أنه قطب، وكان أوحد زمانه. وكانت وفاته في يوم الإثنين سلخ ربيع الآخر منها، ودفن بقاسيون بتربة والده قدس الله روحه. ومولده في السابع والعشرين من المحرم سنة سبع وتسعين وخمسمائة. ولما مات رثاه المولي الفاضل شهاب الدين محمود كاتب الإنشاء بقصيدة أولها:
ما للوجوه ومد علاه ظلام ... أعراه خطب أم عداه مرام؟
أم قد أصيب بشمسه فغدا وقد ... لبست عليه حدادها الأيام
وجاء منها.
لكم الكرامات الجليلات التي ... لا تستطيع جحودها الأقوام
وهي قصيدة تزيد على ستين بيتا. ورثاه جماعة رحمه الله تعالي.
وفيها توفي الأمير علاء الدين كندغدي المشرقي الظاهري المعروف بأمير مجلس، كان من أعيان الأمير بالديار المصرية، وظهر قبل وفاته. بمدة يسيرة أنه باق على الرق، فاشتراه السلطان الملك المنصور بجملة وأعتقه وقربه لديه، وكان شجاعا بطلا مقداما. وكانت وفاته بالقاهرة في يوم الجمعة مستهل صفر، ودفن. بمقابر بباب النصر، رحمه الله تعالي.

(1/243)


وفيها توفي الأمير شهاب الدين أحمد بن حجي بن يزيد البرمكي أمير آل مرا، وكانت وفاته ببصري. وكانت غراته تنتهي إلى أقصي نجد والحجاز، وأكثرهم يؤدون إليه أتاوة في كل سنة، فمن قطعها منهم أغار عليه، وكان يدعي إنه من نسل جعفر البرمكي من العباسة أخت الرشيد، ويقول إنه تزوجها ورزق منها أولادا، ولما جري على البرامكة ما جري هرب أولاده منها إلى البادية، فأخذهم جده، والله أعلم. وكان يقول للقاضي شمس الدين ابن خلكان " أنت ابن عمي " وكان بينهما مهاداة، وانتفع ابن خلكان به وباعتنائه عند السلطان.
وفيها في سابع عشري المحرم: كانت وفاة شمس الدين عيسي بن الصاحب برهان الخضري السنجاري، كان ينوب عن والده في الوزارة الأولى في سنة ثمان وسبعين وستمائة، وولي نظر الأحباس ونظر خانقاه سعيد السعداء، ثم ولي بعد ذلك تدريس المدرسة الصلاحية المعروفة بزين التجار، ثم قبض عليه مع والده بعد انفصاله من الوزارة الثانية كما تقدم. فلما أفرج عنه سكن المدرسة المعزية. بمصر، وكان بها إلى أن توفي، وكان حسن الصورة والشكل، رحمه الله تعالي.
وفيها في سادس شوال. توفيت زوجة السلطان الملك المنصور والدة ولده الملك الصالح علاء الدين على، رحمهما الله تعالي.
وفيها في يوم الأحد ثاني عشر جمادى الأولى: توفي الشيخ ظهير الدين جعفر بن يحيي بت جعفر القرشي التزمنتي الشافعي، مدرس المدرسة القطبية بالقاهرة، وأحد المعيدين. بمدرسة الشافعي. رحمه الله تعالي.
وفيها في يوم السبت ثاني عشري رجب: توفي الأمير علم الدين سنجر أمير جاندار أغاي أحد الأمراء بالديار المصرية، وكانت وفاته بدمشق لما كان السلطان بها، ودفن بظاهرها عند قباب التركمان. بميدان الحصا، رحمه الله تعالى.
سنة ثلاث وثمانين وستمائة
في المحرم: توجه عسكر إلى الكرك، وعليه الأمير بدر الدين بكتاش الفخري والأمير طقصوا، فضايقوا الكرك ورعت خيولهم مزارعها.
وفي ثاني عشره: ولي الشيخ معز الدين النعمان الحنفي تدريس المدرسة الصالحية بين القصرين، بعد موت عز الدين المارديني.
واستقر سيف الدين في ولاية قوص، عوضا عن بهاء الدين قراقوش.
واستقر مجد الدين عمر بن عيسي الحرامي في ولاية سميوط، عوضا عن سيف الدين.
استقر عز الدين أيدمري الكوجي في ولاية أخميم، عوضا عن بلبان الفارسي.
واستقر شهاب الدين قرطاي الجاكي في ولاية قليوب، عوضا عن حسان الدين لؤلؤ الكهاري.
وفي ثاني عشريه: استقر الأمير شمس الدين إبراهيم بن خليل الطوري في ولاية الروحا والطرق السالكة إلى الفرنج وإلى عثليث وحيفا وعكا، عوضا عن الأمير نور الدين، وأقطع إمرة عشرة.
وفي أول صفر: توجه الأمير سيف الدين المهراني إلى ولاية البهنسا والأشمونين، عوضا عن كيكلدي وإلى البهنسا، وعن فخر الدين بن التركماني وإلى الأشمونين.
وورد الخبر بقتل القان ثكدار ويدعي أحمد أغا سلالان بن هولاكو، وتملك أرغون ابن أبغا بن هولاكو من بعده.
وفي أول ربيع الآخر: ورد الخبر بحركة الفرنج لأخذ الشام، فتجهز السلطان للسفر وركب بعساكره في يوم الأحد ثامن جمادى الأولى، وتوجه من قلعة الجبل إلى دمشق.
وفي يوم الأربعاء حادي عشره: حضر الموفق أحمد بن الرشيد أبي حليقة إلى الدهليز السلكاني، وأسلم وتسمي بأحمد.
فخلع السلطان عليه، ورسم له بمساواة أخويه في العلوم لما أسلما، وكتب له بذلك.
وفي رابع عشره: كتب بولاية الأمير عماد الدين أحمد بن قباخل البحيرة.
وفي يوم السبت ثاني عشر جمادى الآخرة: دخل السلطان إلى دمشق، فقدم القصاد من بلاد التتار بقتل أحمد أغا وولاية أرغون.

(1/244)


وفي تلك الليلة: ألبس السلطان ألفا وخمسمائة من مماليكة أقبيه أطلس أحمر بطرز وكلفتات زركش وحوائص ذهب، وأشعل بين يديه ألفا وخمسمائة شمعة مع كل مملوك شمعة. واستدعى عبد الرحمن الموصلي في السنة الماضية من بلاد التتار، فحضر ومعه رفقته الأمير صمداغو التتري والصاحب شمس الدين محمد ابن الصاحب شرف الدين التبتي المعروف بابن الصاحب وزير ماردين. فقدموا للسلطان تحفا منها نحو ستين حبل لؤلؤ كبارا، وحجر ياقوت أصفر زنته ما ينيف على مائتي مثقال، وحجر ياقوت أحمر، وقطعة بلخش زنتها اثنان وعشرون درهما، وأدوا رسالة الملك أحمد أغا، فلما فرغوا ردهم السلطان إلى مكانهم، ثم استدعاهم واستعادهم كلامهم، ثم ردهم إلى مكانهم، وأحضرهم مرة ثالثة وسألهم، عن أشياء، فلما علم ما عندهم أخبرهم أن مرسلهم الذي بعثهم قد قتل، وتملك بعده أرغون بن أبغا. ثم ردهم إلى قاعة بقلعة دمشق، ونقلهم من قاعة رضوان التي كانوا بها منذ وصلوا إلى دمشق، واقتصر من راتبهم على قدر الكفاية، وطولبوا. بما معهم من المال لأحمد أغا، فأنكروا أن يكون معهم مال فتوجه إليهم الأمير شمس الدين سنقر الأعسر الأستادار، وقال: " قد رسم السلطان بانتقالكم إلى غير هذا المكان، فليجمع كل أحد قماشه " فقاموا يحملون أمتعتهم وخرجوا فأوقفهم في دهليز الدار وفتشهم، وأخذ منهم جملة كبيرة من الذهب واللؤلؤ ونحوه، منها سبحة لؤلؤ كانت للشيخ عبد الرحمن قومت. بمائة ألف درهم، واعتقلوا فمات عبد الرحمن في ثامن عشري رمضان بالسجن، وضيق على البقية ثم أطلقوا، ما خلا الأمير شمسي الدين محمد ابن الصاحب فإنه نقل إلى قلعة الجبل. بمصر واعتقل بها.
وفيه عزل الأمير علم الدين سنجر الدويداري من شد الدواوين بدمشق، وأضيف إلى الأمير شمس الدين سنقر الأعسر الأستادار بدمشق.
ونقل ناصر الدين الحراني من ولاية مدينة دمشق إلى نيابة حمص، وأضيفت ولاية دمشق إلى الأمير طوغان وإلى البر.
وفيه خرج السلطان من دمشق يريد مصر، بظاهر دمشق.
فلما كانت ساعات من يوم الأربعاء حادي عشري شعبان: حطم سيل بعد مطر عظيم، فحمل أثقال الأمراء والأجناد وخيولهم وجمالهم، فعدم للأمير بدر الدين بكتاص ما تزيد قيمته على أربعمائة ألف وخمسين ألف درهم، وانتهي السيل إلى باب الفراديس، فكسر أقفاله وما خلفه من المتاريس. ودخل الماء إلى إلى المدرسة المقدمية، وبقي كذلك حتى ارتفع النهار.
ثم حدث بعد يومين: مطر شديد هدم عدة مساكن بدمشق وظواهرها، فتلف للناس ما لا يحصي، فأنعم السلطان على الأجناد كل واحد بأربعمائة درهم.
ورحل السلطان من دمشق في رابع عشريه، فوصل قلعة الجبل في يوم الثلاثاء ثامن عشر رمضان. فقدم الخبر من مكة بأن الشريف أبا نمي طرد جند اليمن واستبد بها، وكان من خبره أن مكة كانت بينه وبين قتادة، وكان يؤخذ من حاج اليمن على كل جمل مبلغ ثلاثين درهما، ومن حاج مصر على الجمل مبلغ خمسين درهما مع كثرة النهب والعسف في جباية ما ذكر، فمازال الظاهر بيبرس حتى صار يؤخذ من حاج مصر مبلغ ثلاثين درهما على كل جمل. فجرد المظفر صاحب اليمن إلى مكة عسكرا عليه أسد الدين جغريل، فملكها بعد حرب، فجمع قتادة وأبو نمي العرب لحربه، موقع الاتفاق بينهما أن تكون مكة بينهم نصفين ثم اختلفا بعد مدة، وانفرد أبو نمي وقوي وأخرج عسكر اليمن، واشتد على الحجاج في الجباية. فرسم السلطان بسفر ثلاثمائة فارس صحبة الأمير علاء الدين سنجر الباشقردي، وأنفق في كل فارس ثلاثمائة درهم، وكتب بخروج مائتي فارس من الشام فتوجهوا صحبة الحاج. فكانت بينهم وبين أبي نمي وقعة، وأخربوا الدرب. وكان الحاج كثيرا، فإنها كانت وقفة الجمعة.
وورد الخبر بموت الملك المنصور محمد ابن المظفر تقي الدين محمود ابن المنصور محمد ابن المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب، صاحب حماة، وكانت وفاته في حادي عشر شوال، ففوضت حماة لولده الملك المظفر تقي الدين محمود، وجهز إليه الثقليد والتشريف صحبة الأمير جمال الدين أقش الموصي الحاجب، ومعه عدة تشاريف لجماعة من أهل بيته.
وفي ذي القعدة: قبض على الأمير علم الدين سنجر الحلبي، واعتقل بقلعة الجبل.

(1/245)


وورد الخبر بوفاة الأمير شرف الدين عيسي بن مهنا بن مانع بن حديثة بن عضبة بن فضل بن ربيعة، وكانت وفاته في تاسع ربيع الأول، فاستقر في إمرة العرب ابنه حسام الدين مهنا بن عيسى.
وفي هذه السنة: نجزت عمارة المارستان الكبير المنصوري والمدرسة والقبة.
وفي النصف من ذي الحجة: توجه السلطان إلى دمشق.
وفي هذه السنة: سرح الملك الصالح على ومعه أخوه خليل إلى العباسة، ومعهما الأمير بيبرس الفارقاني وإليه يومئذ أمر رماة البندق، فأقاموا أياما في الصيد، ومعهم جماعة كثيرة من الرماة. فصرع الصالح طيرا خطته الرماة، وصرع أخوه خليل بعده طيرا آخر. فبعث الفارقاني يبشر السلطان بذلك، ويستأذنه لمن يدعي في الرمي الملك الصاع، فرسم أن يدعي للمنصور صاحب حماة.
فسفر طير الصاع إلى حماة، ومعه هدية سنية وكتاب السلطان وكتاب ابنه الصالح. فخلع المنصور على البريدي القادم بذلك، ووضع الطير على رأسه، وبعث هدية فيها عشرة أنداب بندق ذهب كل ندب خمس بندقات، زنة كل بندقة عشرة دنانير، وعشرون ندب فضة زنة البندقة مائة درهم، وبدلة حرير غيار زركش فيها ألف دينار، وحياصة مكللة، وجراوة زركش فيها البندق المذكور، وعشرون قوسا، وعدة تحف بلغت قيمة ذلك ثلاثين ألف دينار.
وفيها كانت حرب بمكة سببها أن أبا نمي بلغه توجه العسكر، فلم يخرج إلى لقاء الحاج وبعث قواده فقط، فلم يرض الباشقردي إلا بحضوره واستعد للحرب، وقد وقف أبو نمي. بمن معه ليمنع من دخول مكة، وروموا بالحجارة فرماهم الترك بالنشاب، وأحرق الباب ودخل العسكر. فقام البرهان خضر السنجاري حتى أخمد الفتنة، وحملت خلعة أبي نمي إليه، وقضي الناس حجهم.
ومات في هذه السنة من الأعيان
صاحب حماة الملك المنصور محمد ابن المظفر محمود بن المنصور محمد ابن المظفر عمر بن شاهنشاه بن أيوب بن شادي، عن إحدى خمسين سنة.
ومات الأمير عيسي بن مهنا بن مانع بن حديثة بن عضبة بن فضل بن البيعة، بعد عشرين سنة من إمارته.
ومات القان تكدار ويدعي أحمد سلطان بن هولاكو بن طلوي بن جنكزخان، عن سبع وثلاثين سنة بالأردو، منها مدة ملكه سنة وأشهر.
وتوفي قاضي دمشق عز الدين أبو المفاخر محمد بن عبد القادر بن عبد الخالق بن خليل بن مقلد بن جابر بن الصائغ الأنصاري الشافعي، وهو معزول، عن خمس وخمسين سنة.
وتوفي قاضي حلب نجم الدين أبو حمص عمر بن العفيف أبي المظفر نصر بن منصور الأنصاري البيساني الشافعي وهو معزول، عن نيف وثمانين سنة بدمشق.
وتوفي قاضي حماة شمس الدين أبو الطاهر إبراهيم بن المسلم بن هبة الله بن حسان ابن محمد بن منصور بن أحمد بن البارزي الجهني الحموي الشافعي، قريبا من المدينة النبوية، ودفن بالبقيع، عن خمس وسبعين سنة.
وتوفي قاضي الإسكندرية ناصر الدين أحمد بن وجيه الدين أبي المعالي محمد بن منصور بن أبي بكر بن القاسم بن المنير الجذامي الإسكندرية المالكي بها، عن ثلاث وستين سنة.
وتوفي الشيخ أبو عبد الله محمد بن موسى بن النعمان التلمساني بمصر، عن سبع وسبعين سنة.
وقتل الدعي أحمد بن مرزوق بن أبي عماد المسيلي الخياط، متملك تونس، وكان قد قدم من أطرابلس، وزعم أنه الواثق أبو زكريا يحيي بن المستنصر، وقتل إبراهيم بن يحيي، فمشي أمره على الناس مدة سنة وستة أشهر.
وبويع بعده الأمير أبو حفص عمر بن يحيي بن عبد الواحد في رابع عشري ربيع الآخر.
سنة أربع وثمانين وستمائة
في يوم السبت سادس عشر المحرم: ولد الملك الناصر محمد بن قلاوون، في الساعة السابعة بطالع برج السرطان، وكان مولده بقلعة الجبل، فقدمت البشارة بذلك على أبيه وهو بمنزلة خربة اللصوص قبل قدومه إلى دمشق.
وقدم السلطان دمشق في ثاني عشريه، ثم سار منها ونازل حصن المرقب وهو حصن الإسبتار ثمانية وثلاثين يوما، حتى أخذه من الفرنج عنوة يوم الجمعة تاسع عشر ربيع الأول، وأخرج من فيه إلى طرابلس.
وبعث السلطان إلى سنقر الأشقر بتاج الدين أحمد بن سعيد بن الأثير، يلومه على مكاتبة التتار والاستنجاد بهم ويدعوه إلى الحضور، فوبخه تاج الدين ولامه حتى أناب ووعد بإرسال ولده.

(1/246)


وفي ثامن ربيع الآخر: استقر الشيخ المهذب أبو الحسن بن الموفق بن النجم بن المهذب أبي الحسن بن شمويل الطيب في رئاسة اليهود، وكتب له توقيع برئاسة سائر طوائف اليهود من الربانيين والقرائين والسامرة، بالقاهرة ومصر وسائر ديار مصر.
وفي سابع جمادى الأولى: قدم السلطان إلى دمشق، وفوض وزارة دمشق للقاضي محيي محمد بن النحاس ناظر الخزانة، عوضا عن تقي الدين توبة التكريتي.
وفي خامس عشره: عزل طوغان عن ولاية دمشق، وبقي على ولاية البر، واستقر في ولاية دمشق عز الدين محمد بن أبي الهيجاء.
وسار السلطان من دمشق يوم الإثنين ثامن عشره، فوصل قلعة الجبل يوم الثلاثاء تاسع عشري شعبان، وكان قد أقام في تل العجول مدة أيام.
وفي سابع رمضان: قدمت رسل الفرنج بتقادم من عند الأنبرور، ومن عند الجنوية، ومن عند الأشكري.
وفي حادي عشره: استقر القاضي مهذب الدين محمد بن أبي الوحش المعروف بابن أبي حليقة في رئاسة الأطباء، ومعه أخواه علم الدين إبراهيم وموفق الدين أحمد، وكتب بذلك توقيع سلطاني، واستقر مهذب الدين في تدريس الطب بالمارستان.
وفي خامس عشره: استقر القاضي تقي الدين أبي الحسن على ابن القاضي شرف الدين أبي الفضل عبد الرحيم ابن الشيخ جلال الدين أبي محمد عبد الله بن شاس المالكي السعدي، في تدريس المدرسة المنصورية.
وفي أول ذي القعدة: وصلت رسل صاحب اليمن بتقادمه: وهي ثلاثة عشر طواشيا، وعشرة أفراس وفيل وكركدن وثماني نعاج، وثمانية طيور ببغاء، وثلاث قطع عود تحمل كل قطعة على رجلين، وحمل رماح قنا، وبهار حمل سبعين جملا، وقماش حمل على مائة قفص، ومن تحف اليمن مائة طبق. فقبل ذلك، وأنعم على رسله وعليه كالعادة.
وفي سادس ذي الحجة: احترقت الخزانة السلطانية والقاعة الصالحية من قلعة الجبل.
وفيه استقر الشيخ شمس الدين محمد بن أبي بكر محمد الأيكي الفارسي في مشيخة الشيوخ بخانقاه سعيد العداء، بعد وفاة الشيخ صاين الدين حسن البخاري.
وفيها استقر شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن بهرام الشافعي في قضاء الشافعية بحلب، عوضا عن مجد الدين إسماعيل بن عبد الرحمن بن مكي المارديني.
ومات في هذه السنة من الأعيان
الأمير علاء الدين أيدكين البندقدار الصالحي نائب حلب، وهو من جملة أمراء مصر بالقاهرة.
وتوفي رشيد الدين أبو محمد شعبان بن على بن سعيد البصراوي الحنفي، بدمشق عن نحو ستين سنة.
وتوفي رضي الدين أبو عبد الله محمد بن على بن يوسف الشاطبي الأنصاري النحوي اللغوي الأديب المؤرخ، وقد أناف على الثمانين بالقاهرة.
وتوفي الحافظ علاء الدين أبو القاسم على بن بلبان الناصري عن اثنتين وسبعين سنة بدمشق، قدم القاهرة.
وتوفي الواعظ زين الدين أبو العباس أحمد بن الأشبيلي بالقاهرة.
وتوفي الأمير مجيد الدين أبو عبد الله محمد بن يعقوب بن تميم الدمشقي بحماة.
سنة خمس وثمانين وستمائة
في ثاني المحرم: سار الأمير حسام الدين طرنطاي نائب السلطنة بعسكر كثيف إلى الكرك، فتلقاه عسكر دمشق صحبة الأمير بدر الدين الصوابي، فتوجه معه إليها، وضايقها وقطع الميرة عنها حتى بعث الملك المسعود خضر ابن الظاهر بيبرس يطلب الأمان. فبعث إليه السلطان الأمير ركن الدين بيبرس الدوادار من قلعة الجبل بالأمان فنزل الملك المسعود وأخوه بدر الدين سلامش إلى الأمير طرنطاي في خامس صفر. واستقر الأمير عز الدين أيبك الموصلي نائب الشوبك في نيابة الكرك.
ووردت البشارة بأخذ الكرك إلى قلعة الجبل في ثامنه. وقدم الأمير طرنطاي بأولاد الظاهر إلى القاهرة، فخرج السلطان إلى لقائه في ثاني عشر ربيع الأول.
وأكرم السلطان الملك المسعود وسلامش، وأمر كل منهما إمرة مائة فارس، وصارا يركبان في الموكب والميادين، ورتبا يركبان مع الملك الصالح علي.
وفيه قدم راجح وزير أبي نمي يشكو من الباشقردي، ويتعذر عن تأخر حضوره فقبل السلطان عذره وطلب منه خجرة وضربا للسلطان، ووعد بإرسال ثمنها إليه.

(1/247)


وفي يوم الخميس رابع عشر صفر: حصل وقت العصر بناحية الغسولة من معاملة مدينة حمص أمر غريب: وهو أن سحابة سوداء أرعدت رعدا شديدا، وخرج منها دخان أسود اتصل بالأرض على هيئة ثعبان في ثخن العمود الكبير الذي لا يحضنه إلا عدة من الرجال، رأسه في عنان السماء وذنبه يلعب في الأرض، شبه الزوبعة الهائلة. وصار يحمل الأحجار الكبار ويرفعها في السماء مثل رمية سهم وأزيد، فتقع على الأرض وتصدم بعضها بعضا، فيسمع لها أصوات مرعبة وتبلغ من هو عنها ببعيد.
واتصل ذلك بأطراف العسكر المجرد بحمص، وعليه الأمير بدر الدين بكتوت العلائي وهم زيادة على ألفي فارس، فما مر بشيء إلا رفعه في الهواء كرمية سهم وأكثر: فحمل السروج والجواشن وآلات الحرب وسائر الثياب، وحمل خرجا من أدم فيه تطاببق ندال للخيل من حديد حتى علا رمية سهم، ورفع الجمال بأحمالها حتى ارتفعت قدر رمح عن الأرض، وحمل كثيرا من الجند والغلمان، فتلف شيء كثير جدا.
ثم غاب الثعبان وقد توجه في البرية نحو المشرق، ووقع بعده مطر.
وفي سلخه: عزل محيي الدين محمد بن يعقوب بن إبراهيم بن النحاس عن وزارة دمشق، وأعيد تقي الدين توبة.
وفي سابع رجب: توجه السلطان إلى الكرك، فوصلها وعرض حواصلها ورجالها وشحن بها ألفي غرارة قمح، وقرر بها بحرية ورتب أمورها، ونظف البركة، وجعل في نيابة الكرك الأمير ركن الدين بيبرس الدوادار، ونقل عز الدين أيبك إلى نيابة غزة، ثم نقله إلى نيابة صفد.
وانتهت زيادة ماء النيل في حادي عشري شعبان إلى سبعة عشر ذراعا وإصبعين.
وسار السلطان من الكرك وأقام في غاية أرسوف حتى وقع الشتاء وأمن حركة العدو، ثم عاد إلى مصر فوصل قلعة الجبل في رابع عشر شوال، فأفرج عن الأمير بدر الدين بكتوت الشمسي والأمير جمال الدين أقش الفارسي.
وفي يوم الأربعاء خامس عشر جمادى الأولى: استقر تقي الدين عبد الرحمن ابن بنت الأعز قضاء مصر والوجه القبلي بعد وفاة وجيه الدين البهنسي. واستمر شهاب الدين محمد الخولي على قضاء القاهرة واستقر في قضاء القضاة المالكية زين الدين على ابن مخلوف ناظر الخزانة، عوضا عن تفي الدين حسين بن عبد الرحيم بن شاس.
وفي ذي الحجة: استقر الأمير علم الدين أبو خرص الحموي نائبا بحماة. وفيها كانت وقعة بين الأمير بلبان الطباخي نائب حصن الأكراد وبين أهل حصن المرقب، بسبب أخذهم قافلة تجارة قتلة فيها عدة من مماليكه وجرح هو في كتفه، فكتب بمنازلة، فخرج إليه عاكز الشام، و لم تزل عليه حتى أخذته بعد حروب شديدة في يوم الجمعة تاسع عشر ربيع الأول، واستقر الطباخي نائبا به.
وفيها شنع موت الأبقار بأرض مصر، حتى إن شخصا كان له ثلاثمائة وأربعين رأسا ماتوا بأجمعهم في نحو شهر، وارتفع سعر البقر بزيادة ثلث أثمانها.
ومات في هذه السنة من الأعيان
قاضي دمشق بهاء الدين أبو الفضل يوسف بن محيي الدين يحيي بن محمد بن على ابن محمد بن على بن عبد العزيز بن الزكي الأموي الشافعي، عن ست وأربعين سنة بدمشق.
وتوفي قاضي القضاة وجيه الدين أبو محمد عبد الوهاب بن سديد الدين أبي عبد الله الحسيني المهلبي البهنسي الشافعي، في مستهل جمادى الآخرة.
وتوفي جمال الدين أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله البكري الوائلي الشريشي المالكي بدمشق، عن أربع وثمانين سنة، قدم القاهرة.
وتوفي ناصر الدين أبو محمد عبد الله ابن إمام الدين أبي حفص عمر بن على الشيرازي البيضاوي الشافعي قاضي شيراز، بمدينة تبريز.
وتوفي قاضي القضاة تقي الدين أبو على الحسين بن شوف الدين أبي الفصل عبد الرحيم بن عبد الله شاس السعدي المالكي، عن ثمانين سنة.
وتوفي المسند بدر الدين أبو العباس أحمد بن شيبان بن تغلب بن حيدرة الشيباني الصالحي، عن ثمان وثمانين سنة بدمشق، قدم القاهرة.
وتوفي الأديب معين الدين أبو عمرو عثمان بن سعيد بن عبد الرحمن بن أحمد القهري، عن ثمانين سنة بالقاهرة.
وتوفي الأديب شهاب الدين أبو عبد الله محمد بن عبد المنعم بن محمد بن الخيمي الأنصاري، وقد أناف على الثمانين بالقاهرة.
وفيها مات ملك المغرب أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق بن محيو بن أبي بكر حمامة المريني، في آخر المحرم. وقام من بعده ابنه أبو يعقوب يوسف بن يعقوب. وكانت مدة ملكه ثمانيا وعشرين سنة.

(1/248)


سنة ست وثمانين وستمائة
في يوم الأحد نصف المحرم: استقر برهان الدين خضر السنجاري في قضاء القاهرة والوجه البحري، عوضا عن قاضي القضاة شهاب الدين محمد بن أحمد الخوبي.
ونقل الخوبي عن قضاة القاهرة إلى قضاة دمشق، عوضا عن بهاء الدين يوسف بن محيي الدين يحيي بن محمد بن على بن الزكي. فنزل قاضي القضاة برهان الدين السنجاري من القلعة، وجلس للحكم في المدرسة المنصورية بين القصرين، ورسم له أن يجلس في دار العدل فوق قاضي القضاة تقي الدين ابن بنت الأعز. فشق ذلك على ابن الأعز، وسعي أن يعفي من حضور دار العدل، فلم يشعر إلا وقد مات البرهان السنجاري في تاسع صفر فجأة عن سبعين سنة، فكانت مدة ولايته أربعة وعشرين يوما.
فاستقر ابن بنت الأعز في قضاء القاهرة، وجمع له بين قضاء البلدين، ونزل فصلي على السنجاري وهو بالشريف.
وفي هذه السنة: توجه الأمير حسام الدين طرنطاي نائب السلطة على عسكر كثير لقتال الأمير شمس الدين سنقر الأشقر بصهيون.
وسبب ذلك أن السلطان لما نازل المرقب وهي بالقرب من صهيون، لم يحضر إليه سنقر الأشقر وبعث إليه ابنه ناصر الدين صمغار، فأسرها السلطان في نفسه، و لم يمكن صمغار من العود إلى أبيه وحمله معه إلى مصر، واستمر الحال على ذلك حتى هذه السنة فسار طرنطاي ونازل صهيون حتى بعث الأشقر يطلب الأمان فأمنه، ونزل سنقر إليه ليسلم الحصن، فخرج طرنطاي إلى لقائه ماشيا، فنزل سنقر عندما رآه وتعانقا.
وسار سنقر إلى مخيم طرنطاي، وقد خلع طرنطاي قباءه وفرشه على الأرض ليمشي عليه سنقر، فرفع سنقر القباء عن الأرض وقبله ثم لبسه، فأعظم طرنطاي ذلك من فعل سنقر وشق عليه وخجل، وأخذ يعامل سنقر من الخدمة بأتم ما يكون.
وتسلم طرنطاي حصن صهيون، ورتب فيه نائبا وواليا وأقام به رجالا، بعد ما أنفق في تلك المدة أربعمائة ألف درهم في العسكر الذي معه، فعتب عليه السلطان بسبب ثم سار طرنطاي إلى مصر ومعه سنفر الأشقر حتى قرب من القاهر فنزل السلطان من قلعة الجبل، وهو وابنه الملك الصالح على، وابنه الملك الأشرف خليل، وأولاد الملك الظاهر، في جميع العساكر إلى لقاء سنقر الأشقر. وعاد به إلى القلعة، وبعث إليه الخلع والثياب والحوائص الذهب والتحف والخيول، وأنعم عليه بإمرة مائة فارس وقدمه على ألف، فلازم سنقر الخدمة مع الأمراء إلى سابع عشري شهر رجب.
وخرج السلطان من قلعة الجبل سائرا إلى الشام، فأقام بتل العجول ظاهر غزة.
وفي ثاني عشري شعبان: انتهت زيادة ماء النيل إلى سبعة عشر ذراعا وثلاثة وعشرين إصبعا.
وفي هذه السنة: وصل من دمشق إلى القاهرة ناصر الدين محمد ابن الشيخ عبد الرحمن المقدسي، ليرافع قاضي القضاة بدمشق بهاء الدين بن الزكي، فوردت وفاته فعدل عنه إلى غيره.
واجتمع ناصر الدين بالأمير علم الدين سنجر الشجاعي مدبر الدولة، وقرر معه أن ملكة خاتون ابنة الأشرف موسى ابن العادل أبي بكر بن أيوب باعت أملاكها بدمشق، وأنه يثبت سفهها، وأن عمها الصالح عماد الدين إسماعيل كان قد حجر عليها وذلك حتى يسترجع الأملاك ممن اشتراها، ويرجع عليهم. بما أخذوه من ريعها، ثم يشتري الأملاك للخاص. فأعجب ذلك الشجاعي، وكتب يطلب سيف الدين أحمد السامري من دمشق، فإنه ابتاع قرية حرزما، فوصل إلى القاهرة في رمضان، وطولب بالقرية المذكورة فادعي أنه وقفها، فأخذ ابن الشيخ عبد الرحمن في عمل محضر بأن ابنة الأشرف حال بيع حرزما وغيرها كانت سفيهة من تاريخ كذا إلى تاريخ كذا، ثم إنها صلحت واستحقت رفع الحجر عنها من مدة كذا، ولفق بينة شهدت عند بعض القضاة، وأثبت ذلك. فبطل البيع من أصله، وألزم السامري بما استأداه من ريع حرزما عن عشرين سنة، وهو مبلغ مائتي ألف وعشرة آلاف درهم من فضة، واعتد له بنظير الثمن الذي دفعه، واشتري منه أيضا سبعة عشرة سهما من قرية الزنبقية. بمبلغ تسعين ألف درهم، وحمل بعد ذلك مبلغ مائة ألف وأربعين ألف درهم إلى بيت المال.

(1/249)


واستقر ابن الشيخ عبد الرحمن وكيل السلطان، فشرع في فتح أبواب البلاء على أهل الشام، وعمل عيد الفطر يوم الأحد من رؤية. وإنما ثبت عند الملك الصالح على أن السلطان صام شهر رمضان في مدينة غزة يوم الجمعة على الرؤية، فأثبت القاضي المالكي أن أول شوال يوم الأحد، فأمسك كثير من الناس عن الفطر، وأفطروا يوم الإثنين. وأما السلطان فإنه عاد من تل العجول، ووصل قلعة الجبل في ثالث عشري شوال.
وفي سادس ذي الحجة: توجه الأمير علم الدين سنجر المسروري المعروف بالخياط متولي القاهرة، والأمير عز الدين الكوراني، إلى غزو بلاد النوبة. وجرد السلطان معهما طائفة من أجناد الولايات بالوجه القبلي والقراغلامية، وكتب إلى الأمير عز الدين أيدمر السيفي السلاح درا متولي قوص أن يسير معهما بعدته ومن عنده من المماليك السلطانية المركزين بالأعمال القوصية، وأجناد مركز قوص، وعربان الإقليم: وهم أولاد أبي بكر وأولاد عمر، وأولاد شيبان وأولاد الكنز وبني هلال، وغيرهم. فسار الخياط في البر الغربي بنصف العسكر، وسار أيدمر بالنصف الثاني من البر الشرقي، وهو الجانب الذي فيه مدينة دمقلة.
فلما وصل العسكر أطراف بلاد النوبة أخلي ملك النوبة سمامون البلاد، وكان صاحب مكر ودهاء وعنده بأس. وأرسل سمامون إلى نائبة بجوائز ميكائيل وعمل الدو واسمه جريس ويعرف صاحب هذه الولاية عند النوبة بصاحب الجبل يأمره بإخلاء البلاد التي تحت يده أمام الجيش الزاحف، فكانوا يرحلون والعسكر وراءهم منزلة بمنزلة حتى وصلوا إلى ملك النوبة بدمقلة، مخرج سمامون وقاتل الأمير عز الدين أيدمر قتالا شديدا، فانهزم ملك النوبة وقتل كثير ممن معه واستشهد عدة من المسلمين. فتبع العسكر ملك النوبة مسيرة خمسة عشر يوما من رواء دمقلة إلى أن أدركوا جريس وأسروه، وأسروا أيضا ابن خالة الملك وكان من عظمائهم، فرتب الأمير عز الدين في مملكة النوبة ابن أخت الملك، وجعل جريس نائبا عنه، وجرد معهما عسكرا، وقرر عليهما قطعة يحملانها في كل سنة، ورجع بغنائم كثيرة ما بين رقيق وخيول وجمال وأبقار وأكسية.
وفي هذه السنة: أمطرت المدينة النبوية في ليلة الرابع من المحرم مطرا عظيما فوكفت سقوف المسجد النبوي والحجرة الشريفة، وخربت عدة دور وتلف نخل كثير من السيول ثم عقب ذلك جراد عظيم صار له دوي كالرعد، فأتلف التمر وجريد النخل وغيره من المزارع، وكانت الأعين قد أتلفها السيل، وخرب عين الأزرق حتى عادت ملحا أجاجا، فكتب بذلك إلى السلطان، وأن الحجرة الشريفة عادتها أن تشمسي في زمن الخلفاء إذا ولي الخليفة، فلا تزال حتى يقوم خليفة آخر فيشمسوها، وأن المنير والروضة يبعث بكسوتها في كل سنة، وإنهما يحتاجان إلى كسوة.
وفيها جهز السلطان هدية سنية إلى بر بركة، ومبلغ ألفي دينار برسم عمارة جامع قرم، وأن تكتب عليه ألقاب السلطان، وجهز حجار لنقش ذلك وكتابتها بالأصباغ.
وفيها نزل تدان منكو بن طغان بن باطو بن دوشي بن جنكزخان عن مملكه التتر ببلاد الشمال. وأظهر التزهد والانقطاع إلى الصلحاء، وأشار أن يملكوا ابن أخيه تلابغا ابن منكوتمر بن طغان، فملكوه عوض تدان.
ومات في هذه السنة من الأعيان
قاضي القضاة برهان الدين أبو محمد الخضر بن الحسن بن علي السنجاري الشافعي، في تاسع صفر، عن سبعين سنة.
وتوفي قطب الدين أبو بكر محمد بن أحمد بن على بن محمد بن الحسن بن القسطلاني التوزري المالكي، شيخ دار الحديث الكاملية بالقاهرة، وقد أناف على السبعين.
وتوفي عز الدين أبو العز عبد العزيز بن عبد المنعم بن على بن نصر بن الصقلي الحراني المسند المعمر، وقد أناف على التسعين، بالقاهرة.
وتوفي الأديب ضياء الدين أبو الحسن على بن يوسف بن عفيف الأنصاري الغرناطي بالإسكندرية، وقد أناف على التسعين.
وتوفي أبو العباس أحمد بن عمر الأنصاري المرسي المالكي، بالإسكندرية.
وتوفي بدر الدين أبو الفضل محمد بن جمال الدين أبي عبد الله محمد بن مالك الأنصاري الجياني النحوي بدمشق، وقد أناف على الأربعين.
وتوفي الأديب شرف الدين أبو الربيع سليمان بن بنيمان بن أبي الجيش بن عبد الجبار بن سليمان الإربلي الحلبي الشاعر بدمشق، عن تسعين سنة.
وتوفي أبو الحسن فضل بن على بن نصر بن عبد الله بن الحسين بن رواحة الأنصاري الحموي ببلبيس.

(1/250)


وتوفي الطيب عماد الدين أبو عبد الله محمد بن عباس بن أحمد بن عبيد الربيعي الدنيسري بدمشق، عن إحدى وثمانين سنة.
وتوفي الشيخ إبراهيم بن أبي المجد الدسوقي، بناحية دسوق من الغربية، ومولده سنة أربع وأربعين وستمائة تخمينا، وقبره إحدى المزارات التي تحمل إليها النذور ويتبرك بها.
سنة سبع وثمانين وستمائة
في المحرم: استدعى ناصر الدين محمد ابن الشيخ شمس الدين عبد الرحمن بن نوح بن محمد بن موسى أبو المكارم، المعروف بابن المقدسي، جماعة من أهل دمشق إلى القاهرة، فحضر عز الدين حمزة بن القلانسي، ونصير الدين بن سوند، وشمس الدين محمد بن يمن، والجمال بن صصرى، وقاضي القضاة حسام الدين الحنفي، والصاحب تقي الدين توبة، وشمس الدين بن غانم، وغيره.
فألزم القلانسي بمائة وخمسين ألف درهم، وابن سويد بثلاثين ألف درهم، وابن يمن عن قيمة أملاك مائة ألف درهم وتسعين ألف درهم، وابن صصرى بثلاثمائة ألف درهم، وحسام الدين بثلاثة آلاف درهم، وابن غانم بخمسة آلاف درهم.
فاعتذروا إنهم قد حضروا على البريد، وأن أموالهم بدمشق، وسألوا أن يقرر عليهم ما يحملونه. فخافه الشجاعي إنهم إذا دخلوا دمشق تشفعوا فسومحوا بما عليهم، فطلب تجار الكارم بمصر وأمرهم أن يقرضوا الدماشقة مالا، ففعلوا ذلك.
وكتب على الدماشقة مساطير بما اقترضوه من تجار الكارم، وحملوا ما أخذوه إلى بيت المال، وأذن لهم في العود إلى دمشق، فلم يجدوا بدا من وفاء التجار.
ثم استقر ابن صصرى ناظر الدواوين بدمشق، فانتدب النجيب كاتب بكجري أحد مستوفيي الدولة لمرافعة الشجاعي، وبرز له بمرافقة القاضي تقي الدين نصر الله بن فخر الدين الجوجري، وأنهى إلى السلطان عنه أمورا وحاققه بحضرته السلطان.
ومما قاله إنه باع جملة من السلاح ما بين رماح ونحوها مما كان في الذخائر السلطانية للفرنج، فلم ينكر الشجاعي ذلك، وقال: بعته بالغبطة الوافرة والمصلحة الظاهرة، فالغبطة أنني بعتهم من الرماح والسلاح ما عتق وفسد وقل الانتفاع به، وأخذت منهم أضعاف ثمنه، والمصلحة أن تعلم الفرنج أنا نبيعهم السلاح هوانا بهم، واحتقارا بأمرهم وعدم مبالاة بشأنهم. فمال السلطان لذلك وقبله.
فقال النحيب: يا مكثل الذي خفي عنك أعظم مما لمحت هذا الكلام أنت صورته بخاطرك لتعده جوابا، وأما الفرنج وسائر الأعداء فلا يحملون بيع السلاح لهم على ما زعمت أنت، ولكنهم يشيعون فيما بينهم، ويتناقله الأعداء إلى أمثالهم، بأن صاحب مصر والشام قد احتاج حتى باع سلاحه لأعدائه.
فلم يحتمل السلطان هذا، وغضب على الشجاعي وعزله في يوم الخميس ثاني شهر ربيع الأول، وأمر. بمصادرته على جملة كثيرة من الذهب، وألزمه ألا يبيع في ذلك شيئا من خيله ولا سلاحه ولا رخته، بل يحمل المطلوب ذهبا، وعصره بالمعاصير بين يديه حتى حمل ما طلب منه.
فبلغه الناس ما اعتمده الشجاعي من الظلم في مصادرة جماعة، وأن في سجنه كثيرا من المظلومين قد مرت عليهم سنون وهم في السجن، وباعوا موجودهم حتى أعطوه في التراسيم، وفيهم من استعلى وسال بالأوراق. فرسم السلطان للأمير بهاء الدين بغدي الدوداري بالكشف عن أمر المصادرين ومطالعته بحالهم، فخرج لذلك وسأل، فكثرت القالة. بما فيه أهل السجون من الفاقة والضرورة، ففوض أمرهم إلى الأمير طرنطاي، فكشف عنهم وأفرج عن سائرهم.
وفي ليلة الاثنين سادس عشره: وقع الحريق بخزائن السلاح والمشهد الحسيني بالقاهرة. فطفئ.
وفي يوم الثلاثاء سابع عشره: استقر في الوزارة بديار مصر الأمير بدر الدين بيدرا، عوضا عن سنجر الشجاعي، بعدما عرضت على قاضي القضاة تقي الدين عبد الرحمن ابن بنت الأعز فامتنع، وشرط على الأمير بيدرا أنه يشاور ابن بنت الأعز، ويعتمد ما يشير به. وكان ابن بنت الأعز إذا دخل على السلطان، وهو يومئذ ناظر الخزانة، ويقول له: يا قاضي إيش حال ولدك بيدرا في وزارته،؟ فيقول: يا خوند ولد صالح دخلت بولايته الجنة، وأزلت الظلم، واستجلبت لك الدعاء، والذي كان يحصل بالعسف حصل باللطف.
وصار ابن بنت الأعز كل يوم أربعاء يدخل على بيدرا ويقرر معه ما يفعل، ثم استناب بيدرا ضياء الدين عبد الله النشائي وصار يجلس معه.

(1/251)


واستقر تقي الدين نصر الله في نظر الدواوين شريكا لثلاثة، وهم: تاج الدين بن السنهوري، وكمال الدين الحرابي، وفخر الدين بن الحلبي صاحب ديوان الصالح على، وخلع عليه.
وفي أول ربيع الآخر: استقر الجمال بن صصرى في نظر الدواوين بدمشق، وخلع عليه وسافر من القاهرة هو والقاضي تاج الدين بن النصيبني كاتب الدرج بحلب، بعدما أفرج عنه.
وفيه أيضا استقر ركن الدين بيبرس أمير جاندار بدمشق، وسافر هو وشمس الدين، بن غانم، وقد سومح. بما كان قد قرر عليه.
واستقر تقي الدين توبة في نظر الدواوين بدمشق أيضا. وتوجه ناصر الدين محمد بن الشيخ شمس الدين عبد الرحمن المقدسي إلى دمشق، متحدثا في وكالة السلطان ونظر سائر الأوقاف الشامية، ونظر الجامع الأموي والمارستان النوري وبقية المارستانات، ونظر الأشراف والأيتام والأسري والصدقات والخوانك والربط والأسود وغير ذلك.
وسافر معه شمسي الدين القشتمري، وصارم الدين الأيدمري ليكونا مشدين.
فقدم دمشق وتتبع عوارت الناس، وتصدي لإثبات سفه من باع شيئا من الأملاك كما فعل في أمر ابنة الأشرف، فلم يوافقه القضاة بدمشق ولا النائب، وشرع في مناكدة الناس.
وفي تاسعه: أفرج عن الأمير علم الدين سنجر الشجاعي، بعد ما أخذ منه خمسة وستون ألف دينار عينا، سوي ما أخذ السلطان وغيره من موجوده.
وعزل بيدرا عن الوزارة في تاسع عشره، واستدعى قاضي القضاة تقي الدين عبد الرحمن ابن بنت الأعز، وخلعت عليه خلع الوزارة ونزل. فتعفف عن التصرف والكتابة في أشياء، وباشر الوزارة مع قضاء القضاة ونظر الخزانة، وصار يجلس في اليوم الواحد تارة في دست الوزارة وتارة في مجلس الحكم وتارة في ديوان الحكم، و لم يوف منصب الوزاره حقه لتمسكه بظاهر الأمور الشرعية. ثم ثقلت عليه الوزارة فتوفر منها، وأعيد الأمير بدر الدين بيدرا إليها في وكان حينئذ أمير مجلس، ثم نقل إلى الأستادارية مع الوزارة، واستقر كذلك إلى آخر الدولة المنصورية.
وفيه كتب إلى الأكابر ببلاد السند والهند والصين واليمن صورة أمان لمن اختار الحضور إلى ديار مصر وبلاد الشام، من إنشاء فتح الدين بن عبد الظاهر، وسير مع التجار.
وفي أول جمادى الأولى: وردت كتب الأمير علم الدين سنجر المسروري الخياط من دمقلة، بفتحها والاستيلاء عليها وأسر ملوكها، وأخذ تيجانهم ونسائهم. وكان الكتاب على يد ركن الدين منكورس الفاقاني، فخلع عليه وكتب معه الجواب بإقامة الأمير عز الدين أيدمر وإلى قوص بدمقلة، ومعه من رسم لهم من المماليك والجند والرجال، وأن يحضر الأمير علم الدين ببقية العسكر. وجهز من قلعة الجبل سعد ابن أخت داود، ليكون مع الأمير أيدمر لخبرته بالبلاد وأهلها، فسار وقد أعطي سيفا محلى، فأقام بقوص.
وفيه استقر زين الدين، بن رشيق في قضاء الإسكندرية، عوضا عن زين الدين بن المنير.
وفي سابع عشره وهو خامس عشر بؤونة من أشهر القبط: أخذ قاع النيل بمقياس الروضة، فكان أربعة أذرع وستة وعشرين أصبعا. فيه فوضت حسبة دمشق لشرف الدين أحمد بن عيسى السيرحي.
وفي تاسع رجب: وصل الأمير علم الدين سنجر المسروري من بلاد النوبة، ببقية العسكر المخلف بدمقلة مع عز الدين أيدمر، ووصل معه ملوك النوبة ونساؤهم وتيجانهم وعدة أسري كثيرة، فكان يوما مشهودا.
وفرق السلطان الأسري على الأمراء وغيرهم، فتهاداهم الناس، وبيعوا بالثمن اليسير لكثرتهم.
وخلع على الأمير علم الدين وعمل مهمندارا عوضا عن الأمير شرف الدين الجاكي، بحكم استقراره في ولاية الإسكندرية عوضا عن حسام الدين بن شمس الدين ابن باخل، بحكم عزله والقبض عليه ومصادرته.
وأما النوبة فإنه عامون ملكها رجع بعد خروج العسكر إلى دمقلة، وحارب من بها وهزمهم، وفر منه الملك وجرتس والعسكر المجرد، وساروا إلى القاهرة، فغضب السلطان وأمر بتجهيز العسكر لغزو النوبة.
وفي يوم الأحد خامس عشره: خرج السلطان مبرزا بظاهر القاهرة يريد الشام، فركب معه ابنه الملك الصالح وحضر السماط، ثم عاد الصالح إلى قلعة الجبل آخر النهار، فتحرك عليه فؤاده في الليل وكثر إسهاله الدموي وأفرط، فعاد السلطان لعيادته في يوم الأربعاء ثامن عشره ولم يفد فيه العلاج، فعاد السلطان إلى الدهليز من يومه، فأتاه الخبر بشدة مرض الملك الصالح، فعاد إلى القلعة.

(1/252)


وصعدت الخزائن في يوم الثلاثاء أول شعبان، وطلعت السناجق والطلب في يوم الأربعاء ثانيه. فمات الصالح بكرة يوم الجمعة رابعه من دوسنطاريا كبدية، وتحدثت طائفة بأن أخاه الملك الأشرف خليلا سمه.
فحضر الناس للصلاة عليه، وصلي عليه بالقلعة قاضي القضاة تقي الدين ابن بنت الأعز إماما، والسلطان خلفه في بقيه الأمراء والملك الأشرف خليل. ثم حملت جنازته، وصلي عليه ثانيا قاضي القضاة معز الدين نعمان بن الحسن بن يوسف الخطبي الحنفي خارج القلعة، ودفن بتربة أمه قريبا من المشهد النفيسي.
وترك الصالح ابنا يقال له الأمير مظفر الدين موسى، من زوجته منكبك ابنة نوكاي. واشتد حزن السلطان عليه، وجلس للعزاء في يوم الأحد ثالث يوم وفاته بالإيوان الكبير. وأنشئت كتب العزاء إلى النواب بالمماليك، ورسم فيها ألا يقطع أحد شعرا ولا يلبس ثوب حداد ولا يغير زيه.
وفي مدة مرض الملك الصالح جاد السلطان بالمال وأكثر من الصدقات، واستدعى الفقراء والصالحين ليدعوا له، وبعث إلى الشيخ محمد المرجاني يدعوه فأبي أن يجتمع به، فحل إليه مع الطواشي مرشد خمسة آلاف درهم ليعمل بها وقتا للفقراء، حتى يطلبوا ولد السلطان من الله تعالي، فقال له: سلم على السلطان، وقل له متى رأيت فقيرا يطلب أحدا من الله؟ فإن فرغ أجله فالله ما ينفعه أحد، وإن كانت فيه بقية فهو يعيش. ورد المال فلم يقبل منه شيئا.
وطلع الشيخ عمر خليفة الشيخ أبي السعود إلى السلطان، وقد دعاه ليدعو للصالح، فقال له: أنت رجل بخيل ما يهون عليك شيء، ولو خرجت للفقراء عن شيء له صورة لعملوا وقتا، وتوسلوا إلى الله أن يهبهم ولدك لكان يتعافى. فأعطاه السلطان خمسة آلاف درهم عمل بها سماعا، ثم عاد إلى السلطان وقال: طيب خاطرك، الفقراء كلهم سألوا الله ولدك، وقد وهبه لهم. فلم يكن غير قليل حتى مات الصالح.
فرأي السلطان في صبيحته الشيخ عمر هذا، فقال له: يا شيخ عمر أنت قلت إن الفقراء طلبوا ولدي من الله ووهبه لهم، فقال على الفور: نعم الفقراء طلبوه، ووهبهم إياه ألا يدخل جهنم، ويدخله الجنة، فسكت السلطان.
وفي حادي عشر شعبان: فوض السلطان ولاية العهد لابنه الملك الأشرف صلاح الدين خليل، فركب بشعار السلطنة من قلعة الجبل إلى باب النصر، وعبر إلى القاهرة وخرج من باب زويلة، وصعد إلى القلعة وسائر الأمراء وغيرهم في خدمته، ودقت البشائر. وحلف القضاة له جميع العسكر، وخلع على سائر أهل الدولة، وخطب له بولاية العهد واستقر على قاعدة أخيه الصالح على، وكتب بذلك إلى سائر البلاد، وكتب له تقليد فتوقف السلطان من الكتابة عليه.
وفي ثاني شهر رمضان: استقر في حسبة دمشق شمس الدين محمد بن السلموس، عوضا عن ابن السيرجي.
وفي رابع شوال: استقر بدر الدين محمد بن جماعة خطيبا بالقدس، عوضا عن الشيخ قطب الدين عبد المنعم بن يحيي بن إبراهيم القرشي القدسي، بحكم وفاته، وكانت ذلك بعناية الأمير علم الدين سنجر الدواداري، لصحبة بينهما.
واستقر في تدريس القيمرية بدمشق عوضا عن ابن جماعة علاء الدين أحمد بن تاج الدين عبد الوهاب ابن بنت الأعز في سابع عشره.
وفي ذي الحجة: استقر علم الدين سنجر المسروري في ولاية البهنسا، وولي معه عز الدين مقدام نظرها، واستقر قاضي القضاة جمال الدين الزواوي في قضاء الملكية بدمشق.
وفي هذه السنة: ورد كتاب نائب الشام بأن الفرنج بطرابلس نقضوا الهدنة، وأخذوا جماعة من التجار وغيرهم، وصار بأيديهم عدة أسري. وكانوا لما ملك السلطان قلعة المرقب قد بعثوا إليه هدية، وصالحوه على ألا يتركوا عندهم أسيرا، و لا يتعرضوا لتاجر ولا يقطعوا الطريق على مسافر، فتجهز المسلطان لأخذ طرابلس.
وفيها قدم الشريف جماز بن شيحة من المدينة النبوية وملك مكة، فجاء الشريف أبو نمي في آخر السنة وملكها منه.
ومات في هذه السنة من الأعيان
الملك الصالح على ابن السلطان الملك المنصور قلاوون، وقد أناف على الثلاثين، في رابع شعبان.
وتوفي تقي الدين أبو إسحاق إبراهيم بن معضاد بن شداد بن ماجد الجعبري الشافعي، عن سبع وثمانين سنة بالقاهرة.
وتوفي المجد أبو المعالي محمد بن خالد بن حمدون الهذباني الحموي الزاهد المحدث، عن ثمانين سنة بحلب، قدم القاهرة.

(1/253)


وتوفي خطيب القدس قطب الدين أبو الذكاء عبد المنعم بن يحيي بن إبراهيم بن على بن جعفر القرشي الزهري، وقد أناف على الثمانين.
وتوفي البرهان أبو عبد الله محمد بن محمد النسفي الحنفي، ببغداد عن نحو تسعين سنة وتوفي أمين الدين أبو اليمن عبد الصمد بن عبد الوهاب بن الحسن بن محمد بن الحسن بن هبة الله بن عساكر الدمشقي الشافعي المحدث، عن ثلاث وسبعين سنة بالمدينة النبوية.
وتوفي الأديب الشاعر ناصر الدين أبو محمد الحسن بن شاور بن طرخان بن النقيب الكناني وقد أناف على سبعين سنة، بالقاهرة.
وتوفي الحكم علاء الدين أبو الحسن على بن أبي الحزم ابن النفيس القرشي الدمشقي وليس الأطباء، عن نحو ثمانين سنة بالقاهرة.
سنة ثمان ثمانين وستمائة
في يوم الخميس عاشر المحرم: خيم السلطان بظاهر القاهرة، ورحل في خامس عشره. واستخلف ابنه الملك الأشرف خليلا بالقلعة، والأمير بيدرا نائبا عنه ووزيرا، وكتب عند الرحيل إلى سائر ممالك الشام بتجهيز العساكر لقتال طرابلس.
وسار إلى دمش فدخلها في ثالث عشر صفر، وخرج منها في العشرين منه إلى طرابلس فنانزلها، وقد قدم لنجدة أهلها أربعة شوان من جهة متملك قبرص.
فوالى السلطان الرمي بالمجانيق عليها والزحف والنقوب في الأسوار، حتى افتتحها عنوة في السلعة السابعة من يوم الثلاثاء رابع ربيع الآخر، بعدما أقام عليها أربعة وثلاثين يوما، ونصب عليها تسعة عشر منجنيقا، وعمل فيها ألف خمسمائة نفس من الحجارين والزرافين. وفر أهلها إلى جزيرة تجاه طرابلس فخاض الناس فرسانا ورجالا وأسروهما وقتلوهم وغنموا ما معهم، وظفر الغلمان والأوشاقية بكثير منهم كانوا قد ركبوا البحر فألقاهم الريح بالساحل، وكثرت الأسري حتى صار إلى زردخاناه السلطان ألف ومائتا أسير.
واستشهد من المسلمين الأمير عز الدين معن، والأمير ركن الدين منكورس الفارقاني، وخمسة وخمسون من رجال الحلقة.
وأمر السلطان بمدينة طرابلس فهدمت، وكان عرض سورها يمر عليه ثلاثة فرسان بالخيل، ولأهلها سعادات جليلة منها أربعة آلاف نول قزازاة.
وأقر السلطان بلدة حبيل مع صاحبها على مال أخذه منه، وأخذ بيروت، وجبلة وما حولها من الحصون.
وعاد السلطان إلى دمشق في نصف جمادى الأولى، واستقر العسكر على عادته بحصن الأكراد مع نائبه الأمير سيف الدين بلبان الطباخي.
ونزل البزك إلى طرابلس من حصن الأكراد وأضيف إلى الطباخي، واستقر معه خمسمائة جندي وعشرة أمراء طبلخاناه، وخمسة عشر أمراء عشرات، وأقطعوا إقطاعات. ثم عمر المسلمون مدينة بجوار النهر فصارت مدينة جليلة، وهي التي تعرف اليوم بطرابلس.
وقدم على السلطان وهو بطرابلس رسل سيس يسألون مزاحمة، فطلب منهم مرعش وبهنا والقيام بالقطيعة على العادة، وأعادهم وقد خلع عليهم.
وخرج الأمير طرنطاي نائب السلطنة إلى حلب. وأقام الأمير سنجر الشجاعي متحدثا في الأموال بدمشق، فأوقع الحوطة على تقي الدين توبة، وأخذ حواصله وباعها على الناس بأغلى الأثمان حتى جمع من ذلك خمسمائة ألف درهم، فخاف منه الناس وفر كثير. منهم وعاد طرنطاي في سابع رحب.
وورد على السلطان كتاب ولده الأشرف بأن سلامش وخضرا ابني السلطان الظاهر بيبرس قد راسلا الظاهرية، وأنه يخشى عاقبة ذلك. فكتب السلطان بأن يخرجا وأمهما إلى ثغر الإسكندرية، ويحملوا في البحر إلى بلاد الأشكري، فأخرجوا ليلا.
وكان في ذلك أعظم عبرة: فإن الظاهر بيبرس أخرج قاقان وعليا ابني المعز أيبك إلى بلاد الأشكري ومعهما أمهما، فعوقب. بمثل ذلك وأخرج ولداه وأمهما ليجزي الله كل نفس بما كسبت.
وخرج السلطان من دمشق في ثاني شعبان، ومعه تقي الدين توبة مقيدا، وقد نال أهل دمشق ضرر كبير.

(1/254)


فدخل السلطان قلعة الجبل في آخر شعبان، وجرد الأمير عز الدين أيبك الأفرم أمير جاندرا إلى بلاد النوبة، ومعه من الأمراء قبجاق المنصوري وبكتمر الجوكندار وأيدمر وإلى قوص، وأطلاب كثير من الأمراء، وسائر أجناد المراكز بالوجه القبلي ونواب الولاة، ومن عربان الوجهين القبلي والبحري عدة أربعين ألف راجل، ومعهم متملك النوبة وجريس فساروا في ثامن شوال، وصحبتهم خمسمائة مركب ما بين حراريق ومراكب كبار وصغار تحمل الزاد والسلاح والأثقال. فلما وصلوا ثغر أسوان مات متملك النوبة، فدفن باسوان. فطالع الأمير عز الدين الأفرم السلطان بموته، فجهز إليه من أولاد أخت الملك داود رجلا كان بالقاهرة ليملكه، فأدرك العسكر على خيل البريد بأسوان وسار معه. وقد انقسموا نصفين: أحدهما الأمير عز الدين الأفرم وقبجاق في نصف العسكر من الترك والعرب في البر الغربي، وسار الأمير أيدمر وإلى قوص والأمير بكتمر بالبقية على البر الشرقي، وتقدمهم جريش نائب ملك النوبة ومعه أولاد الكنز ليؤمن أهل البلاد ويجهز الإقامات. فكان العسكر إذا قدم إلى بلد خرج إليه المشايخ والأعيان، وقبلوا الأرض وأخذوا الأمان وعادوا، وذلك من بلد الدو إلى جزائر ميكائيل، وهي ولاية جريس وأما ما عدا ذلك من البلاد التي لم يكن لجريس عليها ولاية، من جزائر ميكائيل إلى دمقلة، فإن أهلها جلوا عنها طاعة لمتملك النوبة. فنهبها العسكر وقتلوا من وجدوه بها، ورعوا الزروع وخربوا السواقي إلى أن وصلوا مدينة دمقلة، فوجدوا الملك قد أخلاها حتى لم يسبق بها سوي شيخ واحد عجوز، فأخبرا أن الملك نزل بجزيرة في بحر النيل بعدها عن دمقلة خمسة عشر يوما. فتتبعه وإلى قوص، ولم يقدر مركب على سلوك النيل هناك لتوعر النيل بالأحجار. وقال في ذلك الأديب ناصر الدين بن النقيب، وكان ممن جرد إليها:
يا يوم دمقلة ويوم عبيدها ... من كل ناحية وكل مكان
من كل نوبي يقول لأخته ... نوحي قد سكوا قفا السودان
ومات في هذه السنة من الأعيان
كاتب الإنشاء بحماة نجم الدين أبو محمد عبد الغفار بن محمد بن محمد بن نصر الله ابن المغيزل العبدي الحموي بها، عن أربع وستين سنة.
وتوفي العلامة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمود بن عباد الأصبهاني، عن اثنين وسبعين سنة بالقاهرة.
وتوفي الأديب شمس الدين محمد بن العفيف أبي الربيع سليمان بن على بن عبد الله ابن على بن ياسين العابدي التلمساني.
وتوفي علم الدين أبو العباس أحمد بن يوسف عبد الله بن على الشهير بابن الصاحب صفي الدين بن شكر، بعدما تغير عقله، وقد أناف على الستين.
سنة تسع وثمانين وستمائة
في المحرم: سار الأمير طرنطاي النائب إلى بلاد الصعيد ومعه عسكر كبير، فوصل إلى طوخ تجاه قوص، وقتل جماعة من العربان، وحرق كثيرا منهم بالنار، وأخذ خيولا كثيرة وسلاحا ورهائن من أكابرهم. وعاد بمائة ألف رأس من الغنم وألف ومائتي فرس وألف جمل، وسلاح لا يقع عليه حصر.
وفيه توجه الأمير سيف الدين التقوي ومعه ستمائة فارس لينزل بطرابلس وهو أول جيش استخدم بطرابلس بعد فتحها، وكان العسكر قبل ذلك بالحصون.
وفي ربيع الأول استدعى الأمير سنقر الأعسر شاد الدواوين بدمشق إلى القاهرة على البريد، فلما حضر أكرمه السلطان وأكد عليه في تحصيل الأموال، وأضاف إليه الحصون بسائر الممالك الشامية والساحل وديوان الجيش، وخلع عليه. فعاد إلى دمشق في العشرين من ربيع الآخر، وقد زاد تجبره وكثر تعاظمه.
وفي جمادى الأولى: قبض على الأمير سيف الدين حرمك الناصري لمطاوصة جرت بينه وبين الأمير طرنطاي النائب، أغلظ عليه فيها بحضرة الأمراء.
وفي أول جمادى الآخرة: استقر شرف الدين حسن بن أحمد بن أبي عمر بن قدامه المقدسي في قضاة الحنابلة بدمشق، بعد وفاة قاضي القضاة نجم الدين أحمد بن عبد الرحمن القدسي الحنبلي، بأمر السلطان. وكتب توقيعه عن الأمير حسام الدين نائب الشام، في تاسع الشهر.
وفيه وصل وإلى قوص. ممن معه إلى تجاه الجزيرة التي بها عامون ملك النوبة، فرأوا

(1/255)


بها عدة من مراكب النوبة، فبعثوا إليه في الدخول في الطاعة وأمنوه فلم يقبل. فأقام العسكر تجاهه ثلاثة أيام، فخاف من مجيء الحراريق والمراكب إليه، فانهزم إلى جهة الأبواب، وهي خارجة عن مملكته وبينها وبين الجزيرة التي كان فيها ثلاثة أيام. ففارقة السواكرة وهم الأمراء وفارقه الأسقف والقسوس، ومعهم الصليب الفضة الذي كان يحمل على رأس الملك وتاج الملك، وسألوا الأمان فأمنهم وإلى قوص وخلع على أكابرهم، وعادوا إلى مدينة دمقلة وهم جمع كبير.
فعند وصولهم عدي الأمير عز الدين الأقرم وقبجاق إلى البر الشرقي، وأقام العسكر مكانه. واجتمع الأمراء بدمقلة، ولبس العسكر آلة الحرب وطلبوا من الجانبين، وزينت الحراريق في البحر ولعب الزراقون بالنفلط. ومد الأمراء السماط في كنيسة أسوس أكبر كنائس دمقلة وأكلوا، ثم ملكوا الرجل الذي بعثه السلطان قلاوون وألبسوه التاج، وحلفوا وسائر الأكابر، وقرروا البقط المستقر أولا، وعينوا طائفة من العسكر تقيم عندهم وعليها بيبرس العزي مملوك الأمير عز الدين وإلى قوص. وعاد العسكر إلى أسوان بعدما غاب عنها ستة أشهر، وساروا إلى القاهرة في آخر جمادى الأولى بغنائم كثيرة. وأما سمامون فإنه عاد بعد رجوع العسكر إلى دمقلة مختفيا، وصار بطريق باب كل واحد من السواكرة ويستدعيه، فإذا خرج ورآه قبل له الأرض وحلف له، فما طلع الفجر حتى ركب معه سائر عسكره. وزحف عامون بعسكره على دار الملك، وأخرج بيبرس العزي ومن معه إلى قوص، وقبض على الذي تملك موضعه وعراه من ثيابه، وألبسه جلد ثور كما ذبح بعدما قده سيورا ولفها عليه، ثم أقامه مع خشبة وتركه حتى مات، وقتل جريس أيضا. وكتب عامون إلى السلطان يسأله العفو، وأنه يقوم بالبقط المقرر وزيادة، وبعث رقيقا وغيره تقدمة فقبل منه، وأقره السلطان بعد ذلك بالنوبة.
وفي ثاني عشري جمادى الآخرة: كتب بالكشف على ناصر الدين بن المقدسي وكيل السلطان بالشام، فظهرت له أفعال منكرة، وقبض عليه في تاسع رجب وضرب بالقارع وألزم بمال. ثم رسم بحمله إلى القاهرة، فوجد في يوم الجمعة ثالث شعبان وقد شنق نفسه فحضر أولياء والقضاء والشهود وشاهدوه على تلك الصورة، وكتبوا محضرا بذلك، ودفن واستراح الناس من شره.
وفي رابع رجب: استقر الأمير عز الدين أيبك الموصلي في تقدمة العسكر بغزة والساحل، عوضا عن الأمير آقسنقر كرتيه.
وفي شعبان: خرج مرسوم السلطان ألا يستخدم أحد من أهل الذمة اليهود والنصارى في شيء من المباشرات الديوانية، فصرفوا عنها.
وفيه ثار أهل عكا بتجار المسلمين وقتلوهم، فغضب السلطان وكتب إلى البلاد الشامية بعمل مجانيق وتجهيز زردخاناة لحصار عكا. وذلك أن الظاهر بيبرس هادنهم، فحملوا إليه وإلى الملك المنصور هديتهم في كل سنة، ثم كثر طمعهم وفسادهم وقطعهم الطريق على التجار، فأخرج لهم السلطان الأمير شمس الدين سنقر المساح على عسكر، ونزلوا اللجون على العادة في كل سنة، فإذا بفرسان من الفرنج بعكا قد خرجت فحاربوهم، واستمرت الحرب بينهم وبين أهل عكا مدة أيام. وكتب إلى السلطان بذلك، فأخذ في الاستعداد لحربهم. فضرع الأمير شمس الدين سنقر الأعسر في عمل ذلك، وقرر على ضياع المرج وغوطة. دمشق مالا على كل رجل ما بين ألفي درهم إلى خمسمائة درهم، وجبي أيضا من ضياع بعلبك والبقاع. وسار إلى واد بين جبال عكا وبعلبك لقطع أخشاب المجانيق، فسقط عليه ثلج عظيم كاد أن يهلكه، فركب وساق وترك أثقاله وخيامه لينجو بنفسه، فطمها الثلج تحته إلى زمن الصيف، فتلف أكثرها. وفي سادس شوال: أفرج عن الأمير الكبير علم الدين سنجر الحلبي، فكانت مدة اعتقاله خمس سنين وتسعة أشهر وأياما.

(1/256)


وفي آخر شوال: برز السلطان بظاهر القاهرة، ونزل. بمخيمه بمسجد تبر، يريد فتح عكا. فأصابه وعك في أول ليلة وأقام يومين بغير ركوب، ثم اشتد مرضه وصار الأشرف ينزل إليه كل يوم من القلعة ويقيم عنده إلى بعد العصر ويعود. فكثرت القالة وانتشرت حتى ورد الخبر بحركة العرب ببلاد الصعيد، فأخرج النائب طرنطاي قراقوش الظاهري والأمير أبا شامة لتدارك ذلك. واشتد مرض السلطان إلى أن مات بمخيمه تجاه مسجد تبر خارج القاهرة في ليلة السبت سادس ذي القعدة، فحمل إلى القلعة ليلا، وعادت الأمراء إلى بيوتها. وكانت مدة سلطنته إحدى عشرة سنة وشهرين وأربعة وعشرين يوما، وعمره نحو سبعين سنة. وترك ثلاثة أولاد ذكورا أشهر وأياما: وهم الملك الأشرف خليل الذي ملك بعده، والملك الناصر محمد وملك أيضا، والأمير أحمد وقد مات في سلطة أخيه الأشرف. وترك من البنات ابنتين: وهما ألتطمش وتعرف بدار مختار وأختها دار عنبر، وزوجة واحدة وهي أم الناصر محمد. وناب عنه بمصر الأمير عز الدين أيبك الأفرم ثم استعفي، فاستقر بعده حسام الدين طرنطاي حتى مات السلطان. وكان نائبة بدمشق بعد سنقر الأشقر الأمير حسام الدين لاجين السلاح دار المعروف بالصغير، ونوابه بحلب الأمير جمال الدين أقش الشمسي، فلما مات جمال الدين استقر الأمير علم الدين سنجر الباشقردي، وصرف بالأمير قراسنقر الجوكندار. وناب عنه بحصن الأكراد بلبان الطباخي، وبصفد علاء الدين الكبكي، وبالكرك أيبك الموصلي ثم بيبرس الدودار. ووزر له الصاحب برهان الدين خضر السنجاري مرتين، وفخر الدين إبراهيم بن لقمان، ونجم الدين حمزة الأصفوني، وقاضي القضاة تقي الدين عبد الرحمن ابن بنت الأعز، ثم الأمير علم الدين سنجر الشجاعي وكان يلي شد الدواوين. فإذا لم يكن في الدولة وزير تحدث في الوزارة، ثم استقل بالوزارة بعد الأصفواني، وكان جبارا عسوفا مهيبا يجمع المال من غير وجهه، فكرهه كل أحد وتمنوا زوال دولة المنصور من أجله ثم الأمير بدر الدين بيدرا، ومات المنصور وبيدرا وزير. وبلغت عدة ممالكيه اثنا عشر ألف مملوك، وقيل سبعة آلاف وهو الصحيح. تأمر منهم كثير، وتسلطنت جماعة. وكان قد أفرد من مماليكه ثلاثة آلاف وسبعمائة من الآص والجركس، وجعلهم في أبراج القلعة وسماهم البرجية. وكان جميل الصورة مهيبا، عريض المنكبين قصير العنق، فصيحا بلغة الترك والقبجاق، قليل المعرفة بالعربية.
السلطان صلاح الدين خليل ابن الملك المنصور
السلطان الملك الأشرف صلاح الدين خليل ابن الملك المنصور سيف الدين قلاوون الألفي الصالحي النجمي جلس على تخت الملك بقلعة الجبل يوم الأحد سابع ذي القعدة سنة تسع وثمانين وستمائة، وجدد العسكر له الحلف في يوم الاثنين ثامنه.
وطلب السلطان الملك الأشرف من القاضي فتح الدين بن عبد الظاهر تقليده بولاية العهد، فأخرجه إليه مكتوبا بغير علامة الملك المنصور. وكان ابن عبد الظاهر قد قدمه إليه ليعلم عليه فلم يرض، وتكرر طلب الأشرف له، وابن عبد الظاهر يقدمه والمنصور يمتنع إلى أن قال له: يا فتح الدين أنا ما أولي خليلا على المسلمين فلما رأي الأشرف التقليد بغير علامة قال: يا فتح الدين إن السلطان امتنع أن يعطيني، وقد أعطاني الله، ورمي إليه التقليد، فما زال عند ابن عبد الظاهر.

(1/257)


ثم إن الأشرف خلع على سائر أرباب الدولة، وركب بشعار السلطنة في يوم الجمعة ثاني عشره بعد الصلاة، وسير إلى الميدان الأسود تحت القلعة بالقرب من سوق الخيل والأمراء والعساكر في خدمته. وعاد إلى القلعة قبل العصر مسرعا، فإنه بلغه أن الأمير حسام الدين طرنطاي يريد الفتك به إذا قرب من باب الإصطبل. فلما سير أربعة ميادين، وقد وقف طرنطاي ومن وافقه عند باب سارية، وحاذي السلطان باب الإسطبل، وفي الظن إنه يعطف إلى نحو باب سارية ليكمل التيسير على العادة، حرك فرسه يريد القلعة وعبر من باب الإسطبل، فساق طرنطاي بمن معه سوقا حثيثا ليدركه ففاته. وبادر الأشرف بطلب طرناي، فمنعه الأمير زين الدين كتبغا أن يدخل إليه وحذره منه، فقال: والله لو كنت نائما ما جسر خليل ينبهني، وغره إعجابه بنفسه وكثرة أيام سلامته، ودخل ومعه الأمير زين الدين كتبغا. فعندما وصل إلى حضرة الأشرف قبض عليه وعلى كتبغا وسجنا، وقتل طرنطاي في يوم الإثنين خامس عشره وقيل يوم الخميس ثامن عشره بعد عقوبة شديدة، وترك بعد قتله في مجلسه ثمانية أيام، ثم أخرج ليلة الجمعة سادس عشريه في حصير على جنوية إلى القرافة، فغسل بزاوية أبي السعود وكفنه شيخنا صدقة عنه، ودفنه بظاهر الزاوية ليلا. فلما تسلطن كتبغا نقله إلى مدرسته بالقاهرة ودفنه بها، وهو إلى اليوم هناك.
وكان سبب قتله كراهة الأشرف له من أيام أبيه، فإن طرنطاي كان يطرح جانب الشرف، ويهين نوابه ومن ينسب إليه، ويرجح أخاه الملك الصالح عليه. و لم يتلاف ذلك بعد موت الصالح، بل جري على عادته في إهانة من ينسب إليه، وأغري الملك المنصور بشمس الدين السلعوس ناظر ديوان الملك الأشرف حتى ضربه وصرفه. ثم وشي به إلى الأشرف أنه يريد القبض عليه عند ركوبه إلى الميدان، ويقال إنه لما دخل عليه وجد لابسا عدة الحرب، وعندما قبض على طرنطاي نزل الشجاعي - وكان عدوه - إلى داره، وأوقع الحوطة على موجوده، فوجد له من الذهب العين ألف ألف وستمائة ألف دينار مصرية، ومن الفضة سبعة عشر ألف رطل ومائة رطل بالمصري، ومن العدد والقماش والخيول والمماليك والبغال والجمال والغلال، والآلات والأملاك والنحاس المكفت والمطعم والزردخاناه والسروج واللجم، وقماش الطشتخاناه والركاب خاناه والفراش خاناه، والحوائص والبضائع والمقارضات والودائع، والقنود والأعسال ما لا يحصر.
ولما حملت أموال طرنطاي إلى الأشرف قال: من عاش بعد عدوه يوما فقد بلغ المني، وبعد أيام من مقتل طرنطاي سئل ولده الحضور، فلما وقف بين يدي الأشرف إذا هو أعمي، فبكي ومد يده كهيئة السؤال وقال: شيء وذكر أن لأهله أياما ما عندهم ما يأكلون، فرق له السلطان، وأفرج عن أملاك طرنطاي، وقال: تبلغوا بريعها.
وفيه ولي شرف الدين الحسين بن قدامة في قضاء الحنابلة بدمشق، بعد موت نجم الدين أحمد بن قدامة، وتحدث الأمير علم الدين سنجر الشجاعي في النيابة بعد طرنطاي، من غير أن يخلع عليه، ولا كتب له تقليد النيابة، ثم استقر في نيابة السلطنة الأمير بدر الدين بيدرا، وخلع عليه.
وفي تاسع عشر ذي القعدة: طلب الأمير سنقر الأعسر شاد الدواوين بالشام، فحضر في ذي الحجة، فأمر الأشرف بضربه فعوقب مرارا. واستقر عوضه سيف الدين طوغان المنصوري، وأعيد تقي الدين توبة إلى وزارة الشام، فأوقع الحوطة على موجود سنقر الأعسر.
وفيه أحضر الأمير بدر الدين بكتوت العلائي من حمص إلى القاهرة، وتوجه الأمير حسام الدين سنقر الحسامي بتقليد الأمير حسام الدين لاجين نائب الشام واستمراره على عادته، فوصل في ثامن عشره.
وفي هذه السنة: أكثر السلطان من تفرقة الأموال، وأبطل عدة حوادث، ومنها ما كان قد تجدد على الغلة ببلاد الشام، وسامح ما تأخر من البراقي بأرض مصر والشام.
ومات فيها من الأعيان
قاضي الحنابلة بدمشق نجم الدين أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن الشيخ أبي عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي، عن نحو أربعين سنة بدمشق.
وتوفي قاضي الشافعية بحلب مجد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عبد الرحمن بن مكي عن أربع وستين سنة بدمشق.
وتوفي رشيد الدين أبو حفص عمر بن إسماعيل ابن مسعود الفارقاني الشافعي، عن تسعين سنة، خارج دمشق مخنوقا.
وتوفي عز الدين أبو محمد عبد العزيز بن أحمد بن سعيد الدميري الديريني الشافعي.

(1/258)


وتوفي فخر الدين أبو الطاهر إسماعيل بن على بن محمد بن عبد الواحد بن القضاة، بدمشق عن ستين سنة.
وتوفي المحدث شمس الدين محمد بن عبد الرزاق بن أبي بكر بن المحدث الرسعني الحنبلي، غريقا بنهر الأردن، وهو عائد من مصر لدمشق، عن ثمان وستين سنة.
وفيها كانت حرب بين أمير الركب الفارقاني وبين أهل مكة عند ورود الثنية، قتل فيه رجل من بني حسن، ثم قدم أبو خرص يبشر بسلطة الأشرف خليل، فكانت وقعة أخرى بعد الحج، فبادر الحجاج إلى الرحيل وخرجوا سالمين.
سنه تسعين وستمائة
في سادس المحرم: أفرج عن الملك العزيز فخر الدين عثمان بن المغيث فتح الدين عمر بن العادل أبي بكر بن الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب، وكان قد اعتقله الملك الظاهر بيبرس في رابع عشر ربيع الأول سنة تسع وستين، فأقام في الاعتقال عشرين سنة وتسعة أشهر واثنين وعشرين يوما، ورتب الأشرف له ما يقوم بحاله، ولزم داره واشتغل بالمطالعة والنسخ، وانقطع عن السعي إلا للجمعة أو الحمام أو ضرورة لا بد منها.
وفيه كتب الأشرف إلى شمس الدين محمد بن السلعوس وهو بالحجاز كتابا، وكتب بخطه بين الأسطر: يا شقير يا وجه الخير عجل السير فقد ملكنا، فلما أتاه الكتاب وهو عائد من الحج انضم الناس إليه، وتوددوا له وبالغوا في إكرامه، حتى وصل قلعة الجبل يوم عاشوراء.
وكان الأمير سنجر الشجاعي قد تحدث في الوزارة منذ تسلطن الأشرف، من غير أن يخلع عليه ولا كتب له تقليدا، فلما كان يوم الخميس ثاني عاشره استقر ابن السلعوس في الوزارة، وخلع عليه وفوض إليه سائر أمور الدولة، وجرد معه عدة من المماليك السلطانية يركبون في خدمته ويترجلون في ركابه، ويقفون بين يديه ويمتثلون أمره فتمكن تمكنا لم يتمكنه وزير قبله في الدولة التركية، وصار إذا أراد الركوب إلى القلعة اجتمع ببابه نظار الدولة ومشد الدواوين ووالي القاهرة ومصر، ومستوفو الدولة ونظار الجهات ومشدو المعاملات، ونحوهم من الأعيان، ثم يحضر قضاة القضاة الأربعة وأتباعهم فإذا تكامل الجميع ببابه دخل إليه حاجبه وقال: أعز الله مولانا الصاحب، قد تكمل الموكب، كان علامة تكملة الموكب ببابه حضور القضاة الأربعة، فيخرج حينئذ ويركب والناس سائرون بين يديه على طبقاتهم ومقربهم إليه قاضي القضاة الشافعي وقاضي القضاة المالكي، ومسيرهما معا بين يديه أمام فرسه، وقدام المذكورين قاضي القضاة الحنفي وقاضي القضاة الحنبلي، ثم نظار الدولة ثم المستوفون بالدولة ثم نظار الجهات على قدر مراتبهم، فلا يزالون حتى يستقر بمجلسه من قلعة الجبل فينصرف القضاة، ثم يعودون عشية النهار إلى القلعة، ويركبون معه إلى أن يصل داره.
واتفق ليلة إنه تأخر في القلعة إلى عشاء الآخرة وأغلق باب القلعة، فانقلب الموكب إلى جهة باب الإسطبل، ووقف القضاة على بغلاتهم بظاهر باب الإسطبل حتى خرج وساروا في خدمته إلى داره و لم يجسر أحد أن يتأخر قط عن الركوب في موكبه، وكان مع ذلك لا ينتصب قائما لأحد، ولما عظم موكبه وصار الأكابر يزدحمون في طول الشارع بالقاهرة، ويضيق بهم لكثرة من معه، وتزدحم الغلمان أيضا، تحول من القاهرة وسكن بالقرافة، وتعاظم في نفسه واستخف بالناس، وتعدي طور الوزراء، فكان أكابر الأمراء يدخلون إلى مجلسه فلا يستكمل قائما لأحد منهم، ومنهم من لا يلتفت إليه، وإذا استدعى أميرا قال: فلان أمير جاندار، أو فلان الأستادار باسمه من غير نعته، ثم ترقي حتى استخف بنائب السلطنة الأمير بيدرا، وعارضه وتحدث فيما يتحدث فيه، فلم يقدر على إظهار الغضب لما يعلم من ميل السلطان إليه.

(1/259)


واتفق أنه قام يوما من مجلس الوزارة بالقلعة يريد الدخول إلى الخزانة، فصادف خروج الأمراء من الخدمة مع النائب بيدرا، فبادر الأمراء الأكابر إليه وخدموه وقبل بعضهم يده، وفسحوا بأجمعهم له وهموا بالمشي قدامه، فأشار إليهم أن ينصرفوا، فلما وطئ عتبة باب القلعة برجله وافي هناك الأمير بيدرا، وسلم كل منهما على الآخر وأومأ بالخدمة، إلا أن النائب بيدرا خدم الوزير أكثر مما خدمه الوزير، فرجع بيدرا معه و لم يكن يسامته في المشي، بل كان النائب يتقدم قليلا ويميل بوجهه إليه إذا حدثه الوزير، حتى انتهيا إلى باب الخزانة، فأمسك ابن السلعوس بيد بيدرا النائب، وأشار إليه بالرجوع، وقال: بسم الله يا أمير بدر الدين ولم يزده على ذلك.
وفي هذا الشهر: قدمت رسل عكا يسألون العفو، فلم يقبل منهم ما اعتذروا به، وقدم أمراء العربان من كل جهة: فقدم الأمير مهنا بن عيسي أمير آل فضل وسابق الدين عبية أمير بني عقبة، وقدما التقادم، فأنعم عليهم جميعا: وأعيدوا، وقدم الملك المظفر صاحب حماة، فحمل إليه ما جرت به العادة، وكتب تقليده.
وفي يوم الجمعة سابع صفر: قبض على الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، والأمير جرمك الناصري، وعد على سنقر الأشقر إنه أفشي سر طرنطاي حتى قبض عليه، بعدما أحسن إليه طرنطاي غاية الإحسان، ومنع الملك المنصور من القبض عليه مرارا، فلم يرع له ذلك.
وفيه أفرج عن الأمير كتبغا وأعيد إلى إمرته، وأنعم عليه إنعاما زائدا.
وفي هذا الشهر: شرع السلطان في الاهتمام بفتح عكا، وبعث الأمير عز الدين أيبك الأفرم أمير جاندار إلى الشام لتجهيز أعواد المجانيق، فقدم دمشق في سلخه وجهزت أعواد المجانيق من دمشق، وبرزت في أول ربيع الأول وتكاملت في ثاني عشره، وسار بها الأمير علم الدين سنجر الدواداري أحد أمراء الشام، ثم فرقت على الأمراء مقدمي الألوف، فتوجه كل أمير ومضافيه بما أمر بنقله منها، وتوجه الأمير حسام الدين لاجين نائب الشام بالجيش من دمشق في العشرين منه، وخرج من القاهرة الأمير سيف الدين طغريل الأيغاني إلى استنفار الناس من الحصون بممالك الشام: فوصل المظفر صاحب حماة إلى دمشق في ثالث عشريه، بعسكره وبمجانيق وزردخاناه، ووصل الأمير سيف الدين بلبان الطباخي نائب الفتوحات بعساكر الحصون وطرابلس، وبالمجانيق والزردخاناه في رابع عشريه، وسار جميع النواب بالعساكر إلى عكا.
وأما السلطان الملك الأشرف، فإنه لما عزم على التوجه إلى عكا، أمر فجمع العلماء والقضاة والأعيان والقراء بالقبة المنصورية، بين القصرين من القاهرة عند قبر أبيه، في ليلة الجمعة ثامن عشري صفر، فباتوا هناك وعمل مهم عظيم، وحضر الأشرف بكرة يوم الجمعة إلى القبة المنصورية، وتصدق بجملة كبيرة من المال والكساوي، وفرق على القراء والفقراء مالا كثيرا، وفرق في أهل المدارس والزوايا والخوانك والربط مالا وثيابا، وعاد إلى القلعة.
وفي يوم الثلاثاء ثالث ربيع الأول: توجه السلطان بالعساكر يريد أخذ عكا، وسير حريمه إلى دمشق فوصلوا إليها في سابع ربيع الآخر، وسار السلطان فنزل عكا في يوم الخميس ثالث ربيع الآخر، ووصلت المجانيق يوم ثاني وصوله وعدتها اثنان وتسعون منجنيقا، فتكامل نصبها في أربعة أيام، وأقيمت الستائر ووقع الحصار، وقد أتت جمائع الفرنج إلى عكا أرسالا من البحر، صار بها عالم كبير، فاستمر الحصار إلى سادس عشر جمادى الأولى، وكثرت النقوب بأسوار عكا، فلما كان يوم الجمعة سابع عشره عزم السلطان على الزحف، فرتب كوساته على ثلاثمائة جمل، وأمر أن تضرب كلها دفعة واحدة، وركب السلطان وضربت فهال ذلك أهل عكا، وزحف بعساكره ومن اجتمع معه قبل شروق الشمس، فلم ترتفع الشمس حتى علت الصناجق الإسلامية على أسوار عكا، وهرب الفرنج في البحر وهلك منهم خلق كثير في الازدحام، والمسلمون يقتلون ويأسرون وينهبون فقتلوا ما لا يحصي عده كثرة، وأخذوا من النساء والصبيان ما يتجاوز الوصف، وكان عند فتحها أن أقبل من الفرنج نحو عشرة آلاف في هيئة مستأمنين، ففرقهم السلطان على الأمراء فقتلوهم عن آخرهم.

(1/260)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية