صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : السلوك لمعرفة دول الملوك
المؤلف : المقريزي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

الجزء الأول
مقدمة الكتاب
؟بسم الله الرحمن الرحيم
؟مقدمة المؤلف
" قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك من تشاء وتعز من تشاء وتذلك من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير، تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب " .
فسبحان الله من إله حكيم قادر، ومليك مقتدر قاهر، يعطي العاجز الحقير، ويمنع البطل الأيد الكبير، ويرفع الخامل الذليل، ويضع ذا العز المنيع والمجد الأثيل، ويعز المحتقر الطريد المجفو الشريد، ويذل أولى الحد الحديد، والعد العديد، وأرباب الألوية والبنود، ومالكي أزمة العساكر والجنود، ويؤتى مله من لم يكن شيئا مذكورا، ولا عرف له أبا نبيها وجدا مشهورا، بل نشأ كلا على مولاه وخادما لسواه، تجبهه وتشنؤه الناس، ولا يرعاه سائر الأجناس، لا يقدر على نفع نفسه فضلا عن الغير، ولا يستطيع دفع ما ينزل به من مساءة وضير، عجزا وشقاء وخمولا واختفاء، وينزع نعت الملك ممن تهابه أسد الشرى في غيلها، وتخضع لجلالته عتاة الأبطال يقظها وقظيظها، وتخنع لخنزوانة سلطانه حماة الكماة بجمعها وجميعها، وتذل لسطوته ملوك الجبابرة وأقيالها، ويأتمر بأوامره العساكر الكثيرة العدد، ويقتدي بعوائده الخلائق مدى الأبد.
والحمد لله على حالتي منعه وعطائه، وابتلاءه وبلائه، وسراته وضرائه، ونعمه وبأسائه، أهل الثناء والمجد، ومستحق الشكر والحمد: " لا يسأل عما يفعل وهم يسألون " ، " بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون " ولا إله إلا الله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي " لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد " والله أكبر ، " لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء " ولا تدرك من عظمته العقول إلا ما أخبر به عنه الرسل والأنبياء. وصلى الله على نبينا محمد الذي أذهب الشرك من الأكاسرة، ومحا بشريعته عظماء الروم القياصرة، وأزال بملته الأصنام والأوثان، وأحمد بظهوره بيوت النيران، وجمع له أسود العب وقد كانت في جزيرتها متفرقة، ولم ببركته شعثها بعدما غبرت زمانا وهي متمزقة، وألف قلوبها على موالاته وطاعته، وحبب إليها المبادرة إلى مبايعته على الموت ومتابعته، فتواصلوا بعد القطعية والتدابر، وتحابوا في الله كأن لم ينشئوا على البغضاء والتنافر، حتى صاروا باتباع ملته، والإقتداء بشريعته، من رعاية الشاء والبعير، إلى سياسة الجم الغفير، وبعد اقتعاد سنام الناقة والقعود، وملازمة بيت الشعر والعمود، وأكل القصوم والشيح، ونزول القفر الفسيح، إلى ارتقاء المنابر والسرير، وتوسد الأرائك على الحرير، وارتباط المسومة الجياد، واقتناء ما لا يحصى من الخدم والعتاد، بما فتح الله عليهم من غنائم ملوك الأرض، الذين أخذوهم بالقوة والقهر، وحووا ممالكهم بتأييد الله لهم والنصر، وأورثوها أبناء أبنائهم، وأحفادهم وأحفاد أحفادهم. فلما خالفوا ما جاءهم به رسولهم من الهدى، أحلهم الرزايا المجيحة والردى، وسلط عليهم من رعاع الغوغاء وآحاد الدهماء من ألحقهم بعد الملك بالهلك، وحطهم بعد الرفعة، وأذلهم بعد المنعة، وصيرهم من رتب الملوك إلى حالة العبد المملوك، جزاء بما اجترحوا من السيئات، واقترفوا من الكبائر الموبقات، واستحلوا من الحرمات، واستهواهم به الشيطان من إتباع الشهوات، وليعتبر أولو البصائر والأفهام، ويخشى أهل النهى مواقع نقم الله العزيز ذي الانتقام، لا إله إلا هو سبحانه.

(1/1)


أما بعد، فإنه لما يسر الله وله الحمد، بإكمال كتاب عقد جواهر الأسفاط من أخبار مدينة الفسطاط، وكتاب اتعاظ الحنفاء بأخبار الخلفاء، وهما يشتملان على ذكر من ملك مصر من الأمراء والخلفاء، وما كان في أيامهم من الحوادث والأنباء، منذ فحت إلى أن زالت الدولة الفاطمية وانقرضت، أحببت أن أصل ذلك بذكر من ملك مصر بعدهم من الملوك الأكراد الأيوبية، والسلاطين المماليك التركية والجركسية، في كتاب يحصر أخبارهم الشائعة، ويستقصي أعلمهم الذائعة، ويحوى أكثر ما في أيامهم من الحوادث والماجريات، غير معتن فيه بالتراجم والوفيات، لأني أفردت لها تأليفا بديع المثال بعيد المنال، فألفت هذا الديوان، وسلكت فيه التوسط بين الإكثار الممل والاختصار المخل، وسميته كتاب السلوك لمعرفة دول الملوك. وبالله أستعين فهو المعين، وبه أعتضد فيما أريد وأعتمد، فإنه حسبي ونعم الوكيل.
سنة ثمان وستين وخمسمائة
فيها خرج السلطان صلاح الدين بعساكره يريد بلاد الكرك والشوبك ، فإنه كان كلما بلغه عن قافلة أنها خرجت من الشام تريد مصر خرج إليها ليحميها من الفرنج ، فأراد التوسيع في الطريق وتسهيلها، وسار إليها وحاصرها، فلم ينل منها قصدا وعاد. وفيها جهز صلاح الدين الهدية إلى السلطان نور الدين ، وفيها من الأمتعة والآلات الفضية والذهبية والبلور واليشم أشياء يعز وجود مثلها، ومن الجواهر واللآلىء شيء عظيم القدر، ومن العين ستون ألف دينار، وكثير من الغرائب المستحسنة، وفيل وحمار عتابي، وثلاث قطع بلخش فيها ما وزنه نيف وثلاثون مثقالا، وكان ذلك في شوال . وفيها خرج العبيد من بلاد النوبة لحصار أسوان ، وبها كنز الدولة، فجهز السلطان الشجاع البعلبكي في عسكر كبير فسار إلى أسوان ، وقد رحل العبيد عنها، فتبعهم ومعه كنز الدولة، وواقعهم وقتل منهم كثيرا، وعاد إلى القاهرة .
وفيها سار الملك المعظم شمس الدولة فخر الدين تورانشاه بن أيوب أخو السلطان صلاح الدين ، إلى بلاد النوبة، وفتح قلعة إبريم وسبى وغنم ، وعاد إلى أسوان ، وأقطع إبريم رجلا يعرف بإبراهيم الكردي، فسار إليها في عدة من الأكراد، وانبثوا يشنون الغارات على بلاد النوبة، حتى امتلأت أيديهم بالأموال والمواشي بعد فقر وجهد فوافى كتاب ملك النوبة إلى شمس الدولة وهو بقوص مع هدية، فأكرم رسوله وخلع عليه ، وأعطاه زوجين من نشاب ، وقال له : " قل للملك مالك عندي جواب إلا هذا " وجهز معه رسولا ليكشف له خبر البلاد، فسار إلى دمقلة وعاد إليه ، فقال : " وجدت بلادا ضيقة، ليس بها من الزرع سوى الذرة ونخل صغير منه أدامهم ، ويخرج الملك وهو عريان على فرس عرى، وقد التف في ثوب أطلس ، وليس على رأسه شعر. فلما قدمت عليه وسلمت ضحك وتغاشى، وأمر بي فكويت على يدي هيئة صليب ، وأنعم علي بنحو خمسين رطلا من دقيق وليس في دمقلة عمارة سوى دار الملك ، وباقيها أخصاص " . وفيها عظم هم السلطان نور الدين بأمر مصر، وأخذه من استيلاء صلاح الدين عليها المقيم المقعد، وأكثر من مراسلته بحمل الأموال ، ثم بعث بوزيره الصاحب موفق الدين خالد بن محمد بن نصر بن صغير القيسراني إلى مصر، لعمل حساب البلاد، وكشف أحوالها، وتقرير القطيعة على صلاح الدين في كل سنة، واختيار طاعته ، فقدم إلى القاهرة وكان من أمره ما يأتي ذ كره إن شاء الله .
وفيها مات أيوب بن شادي بن مروان بن يعقوب نجم الدين الملقب بالملك الأفضل أبي سعيد الكردي، والد السلطان صلاح الدين يوسف وذلك أنه خرج من باب النصر بالقاهرة، قألقاه الفرس إلى الأرض يوم الثلاثاء ثامن عشر ذي الحجة، فحمل إلى داره في تاسع عشره وقيل لثلاث بقين منه، فقبر عند أخيه أسد الدين شيركوه، ثم نقلا إلى المدينة النبوية في سنة ثمانين وخمسمائة.
سنة تسع وستين وخمسمائة
فيها وصل إلى القاهرة موفق الدين أبو البقاء خالد بن محمد ين نصر بن صغير المعروف بابن القيسراني من عند السلطان الملك العادل نور الدين ، مطالبا لصلاح الدين بالحساب عن جميع ما أخذ من قصور الخلفاء وحصل من الارتفاع .

(1/2)


فشق ذلك عليه وقال : " إلى هذا الحد وصلنا ؟ " وأوقفه على ما تحصل له ، وعرض عليه الأجناد، وعرفه مبالغ إقطاعاتهم وجامكياتهم ، ورواتب نفقاتهم ثم قال : " وما يضبط هذا الإقليم العظيم إلا بالمال الكبير، وأنت تعرف أكابر الدولة وعظماءها، وأنهم معتادون بالنعمة والسعة، وقد تصرفوا في أماكن لا يمكن انتزاعها منهم ، ولا يسمحون بأن ينقص من ارتفاعها " ، وأخذ يجمع المال .
وفيها سار الأمير شمس الدولة تورانشاه ، أخو السلطان صلاح الدين ، إلى اليمن وذلك لشدة خوف صلاح الدين وأهله من الملك العادل نور الدين أن يدخل إلى مصر وينتزعهم منها، فأحبوا أن يكون لهم مملكة يصيرون إليها. وكان اختيارهم قد وقع على النوبة، فلما سار إليها لم تعجبه وعاد. وكان الفقيه عمارة اليماني قد انقطع الى الأمير شمس الدولة، ومدحه واختص به ، وحدثه عن بلاد اليمن وكثرة الأموال بها، وهون أمرها عنده، وأغراه بأن يستبد بملك اليمن ، وتعرض لذلك في كلمته التي أولها:
العلم مذ كان محتاج إلى العلم ... وشفرة للسيف تستغني عن القلم
ومنها :
فاخلق لنفسك ملكا لا تضاف به ... إلى سواك وأور النار في العلم
هذا ابن تومرت قد كانت بدايته ... كما يقول الورى لحما على وضم
وكان شمس الدولة مع ذلك جوادا كثير الإنفاق ، فلم يقنع بما له من الإقطاع بمصر، وأحب الوسع ، فاستأذن صلاح الدين في المسير، فأذن له واستعد لذلك ، وجمع وحشد، وسار مستهل رجب . فوصل إلى مكة فزار، ثم خرج منها يريد اليمن ، وبها يومئذ أبو الحسن علي بن مهدى ويقال له عبد النبي. فاستولى على زبيد في سابع شوال ، وقبض على عبد النبي، وأخذ ما سواها من مدائن اليمن ، وتلقب بالملك المعظم ، وخطب له بذلك بعد الخليفة المستضيء بأمر الله في جميع ما فتحه ، وبعث إلى القاهرة بذلك . فسير السلطان صلاح الدين إلى الملك العادل يعلمه بذلك ، فبعث بالخبر إلى الخليفة المستضيء ببغداد.
وفي سادس شعبان : قبض على أولاد العاضد وأقاربه ، وأخرجوا من القصر إلى دار المظفر بحارة برجوان ، في العشر الأخير من رمضان .
وفيها اجتمع طائفة من أهل القاهرة على إقامة رجل من أولاد العاضد، وأن يفتكوا بصلاح الدين ، وكاتبوا الفرنج ، منهم القاضي المفضل ضياء الدين نصر الله بن عبد الله بن كامل القاضي، والشريف الجليس ، ونجاح الحمامي، والفقيه عمارة بن علي اليماني، وعبد الصمد الكاتب ، والقاضي الأعز سلامة العوريس متولي ديوان النظر ثم القضاء، وداعي الدعاة عبد الجبار بن إسماعيل بن عبد القوى والواعظ زين الدين بن نجا، فوشى ابن نجا بخبرهم إلى السلطان ، وسأله في أن ينعم عليه بجميع ما لابن كامل الداعي من الدور والموجود كله ، فأجيب إلى ذلك ، فأحيط بهم وشنقوا في يوم السبت ثاني شهر رمضان بين القصرين ، فشنق عمارة وصلب فيما بين بابي الذهب وباب البحر، وابن كامل ش رأس الخروقيين التي تعرف اليوم بسوق أمير الجيوش ، والعوريس على درب السلسلة، وعبد الصمد وابن سلامة وابن المظبي ومصطنع الدولة والحاج ابن عبد القوي بالقاهرة، وشنق ابن كامل القاضي بالقاهرة يوم الأربعاء تاسع عشر شوال ، وشنق أيضا شبرما وأصحابه وجماعة من الأجناد والعبيد والحاشية وبعض أمراء صلاح الدين ، وقبض صلاح الدين سائر ما وجد عندهم من مال وعقار، ولم يمكن ورثتهم من شيء البتة، وتتبع من له هوى في الدولة الفاطمية، فقتل منهم كثيرا وأسر كثيرا، ونودي بأن يرحل كافة الأجناد وحاشية القصر وراجل السودان إلى أقصى بلاد الصعيد.وقبض على رجل يقال له قديد بالإسكندرية، من دعاة الفاطميين ، يوم الأحد خامس عشرى رمضان ، وقبض على كثير من السودان، وكووا بالنار في وجوههم وصدورهم .

(1/3)


وفيها جهز السلطان مع الوزير ابن القيسراني ما تحصل عنده من المال ، وأصحبه هدية لنور الدين ، وهي خمس ختمات إحداها فى ثلاتين جزءا، مغشاة بأطلس أزرق ومضببة بصفائح ذهب ، وعليها أقفال من ذهب مكتوبة بخط ذهب ، وأخرى في عشرة أجزاء مغشاة بديباج فستقي، وأخرى في جلد بخط ابن البواب بقفل ذهب وثلاثة أحجار بلخش ، منها حجر زنته اثنان وعشرون مثقالا، وحجر وزنه اثنا عشر مثقالا، وآخر عشرة مثاقيل ونصف وست قصبات زمرد إحداها وزنها ثلاثة مثاقيل ، وحجر ياقوت أحمر، وزنه سبعة مثاقيل ، وحجر ياقوت أزرق وزنه ستة مثاقيل ، ومائة عقد جوهر زنتها ثمانمائة وسبعة وخمسون مثقالا، وخمسون قارورة دهن بلسان ، وعشرون قطعة بلور، وأربع عشرة قطعة جزع ما بين زبادي وسكارج ، وإبريق يشم وطشت يشم ، وسقرق مينا مذهب ، بعروة فيها حبتا لؤلؤ وفي الوسط فص ياقوت أزرق ، وصحون وزبادي وسكارج من صيني عدتها أربعون قطعة، وعود قطعتين كبارا، وعنبر منه قطعة زنتها ثلاثون رطلا، وأخرى عشرون رطلا، ومائة ثوب أطلس ، وأربعة وعشرون بقيارا مذهبا وأربعة وعشرون ثوبا وشيا حريرية بيضاء، وحلة خلفي مذهب ، وحلة مرايش اصفر مذهب ، وحلة مرايش أزرق مذهب ، وحلة مرايش بقصب أحمر وأبيض ، وحلة فستقي بقصب مذهبة، وقماش كثير، قدر قيمتها بمائتي ألف دينار وخمسة وعشرين ألف دينار. وساروا بذلك ، فبلغهم موت نور الدين ، فأعيدت وهلك بعضها.
وفيها مات السلطان العادل نور الدين محمود بن زنكي، في يوم الأربعاء حادي عشر شوال ، بعلة الخوانيق ، وكان قد تجهز لأخذ مصر من صلاح الدين يوسف بن أيوب ، وقد خطب له بالشام ومصر والحرمين واليمن . وقام من بعده ابنه الصالح إسماعيل وعمره إحدى عشرة سنة، فخطب له السلطان صلاح الدين بمصر، وضرب السكة باسمه وفيها نزل أسطول الفرنج بصقلية على ثغر الإسكندرية، لأربع بقين من ذي الحجة بغتة، وكان الذي جهز هذا الأسطول غليالم بن غليالم بن رجار متملك صقلية، ولي ملك صقلية بعد أبيه في سنة ستين وخمسمائة وهو صغير، فكفلته أمه ، وتولى التدبير خادم اسمه باتر مدة سنة، ثم فر إلى السيد أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن صاحب البلاد المغربية .
ثم استبد غليا لم بتدبير ملكه ، واحتفل في سنة إحدى وسبعين بعمارة هذا الأسطول ، فاجتمع له ما لم يجتمع لجده رجار، وحمل في الطرائد ألف فارس . وقدم على الأسطول رجلا من دولته يسمى أكيم موذقة، وقصد الإسكندرية، ومات غليالم في سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. ولما أرسى هذا الأسطول على البر، أنزلوا من طرائدهم ألفا وخمسمائة فرس ، وكانت عدتهم ثلاثين ألف مقاتل ، ما بين فارس وراجل ، وعدة طرائدهم ستا وثلاثين طريدة تحمل الخيل ، ومائتي شيني في كل شيني مائة وخمسون رجلا، وعدة السفن التي تحمل آلات الحرب والحصار ست سفن ، وللتى تحمل الأزواد والرجال أربعين مركبا، فكانوا نحو الخمسين ألف راجل . ونزلوا على البر مما يلي المنارة، وحملوا على المسلمين حتى أوصلوهم إلى السمور، وقتل من المسلمين سبعة. وزحفت مراكب الفرنجة إلى الميناء، وكان بها مراكب المسلمين فغرقوا منها. وغلبوا على البر وخيموا بها فأصبح لهم على البر ثلاثمائة خيمة، وزحفوا لحصار البلد، ونصبوا ثلاث دبابات بكباشها، وثلاثة مجانيق كبارا تضرب بحجارة سود عظيمة .
وكان السلطان علي فاقوس فبلغه الخبر ثالث يوم نزول الفرنجة، فشرع في تجهيز العساكر، والقتال والرمي بالمجانيق مستمر. فوصلت العساكر، وفتحت الأبواب ، وهاجم المسلمون الفرنجة، وحرقوا الدبابات ، وأيدهم الله بنصره ، واستمر القتال يوم الأربعاء إلى العصر، وهو الرابع من نزول الفرنجة. ثم حملوا حملة ثانية عند اختلاط الظلام على الخيام ، فتسلموها بما فيها، وقتلوا من الرجالة عددا كثيرا ومن الفرسان . فاقتحم المسلمون البحر، وأخذوا عدة مراكب خسفوها فغرقت ، وولت بقية المراكب منهزمة، وقتل كثير من الفرنجة، وغنم المسلمون من الآلات والأمتعة والأسلحة ما لا يقدر على مثله إلا بعناء وأقلع باقي الفرنجة مستهل سنة سبعين .

(1/4)


وفيها، " أعني سنة تسع وستين وخمسمائة " وقف السلطان صلاح الدين ناحية نقادة من عمل قوص بناحية الصعيد الأعلى، وثلث ناحية سندبيس من القليوبية، على أربعة وعشرين خادما لخدمة الضريح الشريف النبوي، وضمن ذلك كتابا ثابتا تاريخه ثامن عشري شهر ربيع الآخر منها، فاستمر ذلك إلى اليوم .
وكان قاع النيل ستة أذرع وعشرين أصبعا، وبلغ سبعة عشر ذراعا وعشرين أصبعا.
سنة سبعين وخمسمائة
وفيها جمع كنز الدولة والي أسوان العرب والسودان ، وقصد القاهرة يريد إعادة الدولة الفاطمية، وأنفق في جموعه أموالا جزيلة ، وانضم إليه جماعة ممن يهوى هواهم ، فقتل عدة من أمراء صلاح الدين . وخرج في قرية طود رجل يعرف بعباس بن شادي، وأخذ بلاد قوص ، وانتهب أموالها. فجهز السلطان صلاح الدين أخاه الملك العادل في جيش كثيف ، ومعه الخطير مهذب بن مماتي، فسار وأوقع بشادي وبدد جموعه وقتله ، ثم سار فلقيه كنز الدولة بناحية طود، وكانت بينهما حروب فر منها كنز الدولة، بعدما قتل أكثر عسكره. ثم قتل كنز الدولة في سابع صفر، وقدم العادل إلى القاهرة في ثامن عشريه .
وفيها ورد الخبر على السلطان بسير الملك الصالح مجير الدين إسماعيل بن نور الدين إلى حلب ، ومصالحته للسلطان سيف الدين غازي صاحب الموصل ، فأهمه وخرج يريد المسير إلى الشام فنزل ببركة الجب أول صفر، وسار منها في ثالث عشر ربيع الأول ، على صدر وأيلة، في سبعمائة فارس ، .واستخلف على ديار مصر أخاه الملك العادل . ونزل بصرى وخرج منها، فنزل الكسوة يوم الأحد تاسع عشري ربيع الأول ، وخرج الناس إلى لقائه ، فدخل إلى دمشق يوم الإثنين أول شهر ربيع الآخر، وملكها من غير مدافع . وأنفق في الناس مالا جزيلا، وأمر فنودي بإطابة النفوس وإزالة المكوس ، وإبطال ما أحدث بعد نور الدين محمود من القبائح والمنكرات والضرائب ، وأظهر أنه إنما جاء لتربية الصالح بن نور الدين ، وأنه ينوب عنه ويدبر دولته ،وكاتب الأطراف بذلك . وتسلم قلعة دمشق بعد امتناع ، فأنزل بها أخاه ظهير الإسلام طغتكين بن أيوب ، وبعث بالبشارة إلى القاهرة، وخرج مستهل جمادى الأولى، فنازل حمص حتى تسلمها في حادي عشرة ، وامتنعت عليه قلعتها، فأقام على حصارها طائفة، وسار إلى حماة فنزل عليها في ثالث عشريه ، وبها عز الدين جرديك ، فسلمها إليه .
وفى جمادى الأولى :ولي ابن عصرون القضاء بديار مصر.
وسار صلاح الدين إلى حلب ، وبعث إلى الصالح إسماعيل في الصلح مع جرديك ، فأبى أصحابه ذلك ، وقبضوا على جرديك وقيدوه ، فبلغ ذلك صلاح الدين ، وقد سار عن حماة يريد حلب ، فعاد إليها . ثم سار منها إلى حلب ، ونزل حبل جوش ثالث جمادى الآخرة، واستعد أهل حلب وخرجوا لقتاله ، وقاتلوه قتالا شديدا إلى أول رجب . فرحل صلاح الدين يريد حمص ، وقد بلغه مسير القومص ملك الفرنج بطرابلس ، بمكاتبة أهل حلب ، وأنه منازل لحمص . فلما ترب من حمص عاد القومص إلى بلاده ، فنازل صلاح الدين قلعتها، ونصب المجانيق عليها إلى أن تسلمها بالأمان ، في حادي عشري شعبان ، وسار إلى بعلبك، حتى تسلم قلعتها في رابع رمضان ، وعاد إلى حمص . وكانت بينه وبن أصحاب الصالح وقعة على قرون حماة، في يوم الأحد تاسع عشرة ، انتصر فيها صلاح الدين ، وهزمهم وغنم كل ما معهم ، ولم يقتل فيها أكتر من سبع أنفس ، وسار حتى نزل على حلب ، وقطع الخطبة للصالح، وأزال اسمه عن السكة في بلاده ، فبعث أهل الصالح إليه يلتمسون منه الصلح ، فأجاب إليه على أن يكون له ما بدهر من بلاد الشام ، ولهم ما بأيديهم منها، واستزاد منهم المعرة وكفر طاب ، وكتبت نسخة يمين وعليها خط صلاح الدين ، بعدما حلف وعاد إلى حماة.
وكان صلاح الدين قد كتب إلى بغداد يعدد فتوحاته وجهاده للفرنج ، وإعادته الخطبة العباسية بمصر واستيلاءه على بلاد كثيرة من أطراف المغرب وعلى بلاد اليمن كلها، وأنه قدم إليه في هذه السنة وفد سبعين راكبا، كلهم يطلب لسلطان بلده تقليدا. وطلب صلاح الدين من الخليفة تقليد مصر واليمن والمغرب والشام ، وكل ما يفتحه بسيفه . فوافته بحماة رسل الخليفة المستضيء بأمر الله ، بالتشريف والأعلام السود، وتوقيع بسلطنة بلاد مصر الشام وغيرها . فسار ونزل على بعرين ويقال بارين ، وحاصر حصنها حتى تسلمه في العشرين منه ، ورجع إلى حماة.

(1/5)


وفيها تقرر العماد الأصفهاني نائبا في الكتابة عن القاضي الفاضل بسعاية نجم الدين محمد بن مصال . وسار صلاح الدين إلى دمشق ثم رحل عنها، فنزل مرج الصفر ووافته به رسل الفرنج في طلب الهدنة، فأجابهم إليها بشروط اشترطها. وأذن للعساكر في المسير إلى مصر لجدب الشام فساروا،ورجع هو إلى دمشق في محرم سنة إحدى وسبعين ، وفوض أمرها إلى ابن أخيه تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب .
سنة إحدى وسبعين وخمسمائة
وفيها سار شرف الدين قراقوش " أحد أصحاب تقي الدين عمر " إلى بلاد المغرب س حادي عشر محرم في جيش، فأخذ من صاحب أوجلة عشرين ألف دينار فرقها في أصحابه ، وعشرة آلاف دينار لنفسه ، وسار منها إلى غيرها، ثم بلغه موت صاحب أوجلة، فعاد إليها وحاصر أهلها، وقد امتنعوا عليه حتى أخذها عنوة، وقتل من أهلها سبعمائة رجل ، وغنم منها غنيمة عظيمة، وعاد إلى مصر.
وفيها تجهز الحلبيون لقتال صلاح الدين ، فاستدعى عساكر مصر، فلما وافته بدمشق في شعبان سار في أول رمضان ، فلقيهم في عاشر شوال . وكانت بينهما وقعة تأخر فيها السلطان سيف الدين غازي صاحب الموصل ، فظن الناس أنها هزيمة، فولت عساكرهم ، وتبعهم صلاح الدين ، مهلك منهم جماعة كثرة، وملك خيمة غازي، وأسر عالما عظيما، واحتوى على أموال وذخائر وفرش وأطعمة وتحف تجل عن الوصف . وقدم عليه أخوه الملك المعظم شمس الدولة تورانشاه بن أيوب من اليمن ، فأعطاه سرادق السلطان غازي بما فيه من الفرش والآلات ، وفرق الإسطبلات والخزائن على من معه ، وخلع على الأسرى وأطلقهم . ولحق سيف الدين غازي بمن معه ، فالتجأوا جميعا لحلب ، ثم سار إلى الموصل وهو لا يصدق أنه ينجو، وظن أن صلاح الدين يعبر الفرات ويقصده بالموصل . ورحل صلاح الدين ونزل على حلب في رابع عشر شوال ، فأقام عليها إلى تاسع عشره ، ورحل إلى بزاعة، وقاتل أهل الحصن حتى تسلمه . وسار إلى منبج ، فنزل عليها يوم الخميس رابع عشريه ، ولم يزل يحاصرها أياما حتى ملكها، واخذ من حصنها ثلاثمائة ألف دينار، ومن الفضة والآنية والأسلحة ما يناهز ألفي ألف دينار. ورحل إلى عزاز، وحاصرها من يوم السبت رابع ذي القعدة إلى حادي عشر ذي الحجة، فتسلمها وأقام فيها من يثق به ، وعاد إلى حلب .
وفي يوم الثلاثاء رابع عشرة : وثب عدة من الإسماعيلية على السلطان صلاح الدين ، فظفر بهم بعدما جرحوا عدة من الأمراء والخواص . ثم سار إلى حلب فنزل عليها في سادس عشره ، وأقطع عسكره ضياعها، ؤإمر بجباية أموالها، وضيق على أهل حلب من غير قتال ، بل كان يمنع أن يدخلها أحد أو يخرج منها.
سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة
فلما كان رابع المحرم سنة اثنتين وسبعين : ركب العسكران وكانت الحرب ، فقتل جماعة من أصحاب صلاح الدين . ثم تقرر الصلح بينه وبن الملك الصالح، على أن يكون للصالح حلب وأعمالها . ورحل صلاح الدين في عاشره ، فنازل مصياب ، وفيها راشد الدين سنان بن سلمان بن محمد، صاحب قلاع الإسماعيلية ومقدم الباطنية، وإليه تنسب الطائفة السنانية، ونصب عليها المجانيق والعرادات من ثالث عشريه إلى أيام ، ثم رحل ولم يقدر عليهم ، وقد امتلأت أيدي أصحابه بما أخذوه من القرى. وفوض صلاح الدين قضاء دمشق لشرف الدين أبي سعد عبد الله أبي عصرون ، عوضا عن كمال الدين الشهرزوري بعد وفاته. وفيه أغار الفرنج على البقاع فخرج إليهم الأمير شمس الدين محمد بن عبد الملك بن المقدم من بعلبك ، فأوقع بهم وقتل منهم وأسر. وخرج إليهم المعظم شمس الدولة من دمشق فلقيهم بعين الحر، وأوقع بهم ، ثم سار إلى حماة وبها صلاح الدين ، فوافاه فى الثاني من صفر. ثم سار السلطان منها ودخل دمشق سابع عشره ، فأقام بها إلى رابع شهر ربيع الأول ، وخرج منها إلى القاهرة، واستخلف على دمشق أخاه الملك المعظم شمس الدولة تورانشاه بن أيوب ، فوصل إليها لأربع بقين منه .

(1/6)


وفيها أمر للسلطان ببناء السور على القاهرة والقلعة ومصر ،ودوره تسعة وعشرون ألف فراع وثلاثمائة وذراعان بذراع العمل . فتولى ذلك الأمير بهاء الدين قراقوش الأسدي، وشرع في بناء القلعة،وحفر حول السور خندقا عميقا،وحفر واديه وضيق طريقه . وكان في مكان القلعة عدة مساجد منها مسجد سعد الدولة، فدخلت في جملة القلعة، وحفر فيها بئرا ينزل لليها بدرج منحوتة في الحجر إلى الماء.
وفيها أمر السلطان ببناء المدرسة بجوار قبر الشافعي بالقرافة، وأن تعمل خزانة الأشربة التي كانت للقصر مارستانا للمرضى، فعمل ذلك . وسار السلطان إلى الإسكندرية في ثاني عشري شعبان ، ومعه ابناه الأفضل علي والعزيز عثمان ، فصام بها شهر رمضان ، وسمع الحديث علي الحافظ أبي الطاهر أحمد السلفى وأمر بتعمير الأسطول بها، ووقف صادر الفرنج على الفقهاء بالاسكندرية.ثم عاد إلى القاهرة، فصام بها بقية رمضان.
وفيها عاد شرف الدين قراقوش غلام تقي الدين إلى بلاد المغرب ، وعاد فأخذ جماعة من الجند، وخرج إلى المغرب ، فأمر العادل الأمير خطلبا بن موسى وإلى القاهرة بالقبض عليه ، فسار إلى الفيوم وأخذه محمولا إلى القاهرة .
وفيها أبطل السلطان المكس المأخوذ من الحجاج في البحر إلى مكة على طريق عيذاب وهو سبعة دنانير مصرية ونصف على كل إنسان ، وكانوا يؤدون ذلك بعيذاب أو بجدة ، ومن لم يؤد ذلك منع من الحج ، وعذب بتعليقه بأنثييه ، وعوض أمير مكة عن هذا المكس بألفي دينار، وألف أردب قمح ، سوى إقطاعات بصعيد مصر وباليمن ، وقيل إن مبلغ ذلك ثمانية آلاف أردب قمح تحمل إليه إلى جدة .
سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة
وخرج السلطان من القاهر، لثلاث مضين من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين ، لجهاد الفرنج . وسار إلى عسقلان فسبى وغنم وقتل وأسر ومضى إلى الرملة ، فاعترضه نهر تل الصافية في يوم الجمعة ثاني جمادى الآخرة، فازدحم الناس بأثقالهم عليه وأشرف الفرنج عليهم ، ومقدمهم البرنس أرناط صاحب الكرك في جموع كثيرة، فانهزم المسلمون وثبت السلطان في طائفة، فقاتل قتالا شديدا، واستشهد جماعة وأخذ الفرنج أثقال المسلمين ، فمر بهم في مسيرهم إلى القاهرة من العناء ما لا يوصف ، ومات منهم ومن دوابهم كثير، وأسر الفرنج جماعة منهم الفقيه ضياء الدين عيسى الهكاري. ودخل السلطان إلى القاهرة منتصف جمادى الآخرة، لا تضرب له نوبة حتى يكسر الفرنج ، وقطع أخبار جماعة من الأكراد، من أجل أنهم كانوا السبب فى هذه الكسرة.
وفيها نزل الفرنج على حماة، فقاتلهم الناس أربعة أيام حتى رحلوا عنها، ونزلوا على حارم فحاصروها أربعة أشهر، ثم رحلوا إلى بلادهم .
وفيها أطلق شرف الدين قراقوش التقوى، وسار إلى أوجلة وغرها من بلاد المغرب . وخرج السلطان في سادس عشري شعبان سنة ثلاث وسبعين من القاهرة يريد الشام ، واستخلف بديار مصر أخاه العادل ، فلم يزل مقيما على بركة الجب إلى أن صلى صلاة عيد الفطر. فبلغه نزول الفرنج على حماة، فأسرع في المسير حتى دخل دمشق في رابع عشري شوال ، فرحل الفرنج عن حماة. ووافته بدمشق رسل الخليفة بالتشريفات .
وفيها سار الفرنج إلى قلعة صدر، وقاتلوا من بها فلم ينالوا قصدا، فساروا يريدون الغارة على ناحية فاقوس ، ثم عادوا بنية الحشد والعود. وفيها عصى شمس الدين بن المقدم بمدينة بعلبك على السلطان .
وفيها ولد الملك الزاهد مجير الدين داود، شقيق الظاهر غياث الدين غازي بن السلطان صلاح الدين ، لسبع بقين من ذي القعدة.
وفيها غلت الأسعار ببلاد الشام لكثرة الجدب ، واشتد الأمر بحلب .
وفيها سار الأمير ناصر الدين إبراهيم ، سلاح دار تقي الدين عمر في عسكر إلى بلاد المغرب ، فوصل إلى قراقوش التقوى، وسارا إلى مدينة الروحان ، فنازلاها أربعين يوما، حتى فتحت وقتل حاكمها، وقررا عليها أربعة عشر ألف دينار، وملكا مدينة غدامس بغير قتال ، وتقرر على أهلها اثنا عشر ألف دينار، وسار إبراهيم إلى جبال نفوسة، فملك عدة قلاع ، وصار إليه مال كثير ورجال ، وسار البعث من عند قراقوش إلى بلاد السودان ، فغنموا غنيمة عظيمة.
وفيها ظهر العمل في سور القاهرة ، وطلع البناء وسلكت به الطرق المودية إلى الساحل بالمقس .

(1/7)


وفيها مات الأمير شهاب الدين محمود بن تكش الحارمي، خال السلطان صلاح الدين ونائب حماة، في سابع عشري جمادى الآخرة بحماة، وحمل إلى حلب فدفن بها، وكان شجاعا عاقلا سيوسا ممدحا.
سنة أربع وسبعين وخمسمائة
وفى أوائل شهر ربيع الآخر سنة أربع وسبعين ، هجم العدو من الفرنج على مدينة حماة، فنهض إليهم المسلمون وأسروا مقدمهم في جماعة، وبعثوا بهم إلى السلطان بدمشق ، فضرب أعناقهم .
وفيها جهز السلطان أخاه شمس الدولة تورانشاه إلى محاربة شمس الدين بن المقدم ببعلبك ، في جيش كثيف ، فحاصرها مدة، ثم سار إليه السلطان ، وأقام على الحصار حتى دخل الشتاء، فوقع الصلح وتسلمها السلطان ، وسلمها لأخيه تورانشاه في شوال ، فبنى الفرنج في مدة اشتغال السلطان ببعلبك حصنا على مخاضة بيت الأحزان ، وهو بيت يعقوب عليه السلام ، وبينه وبين دمشق نحو يوم ، ومنه إلى طبرية وصفد نصف يوم . فعاد السلطان إلى دمشق ، وقدم عليه من الديوان العزيز خادم اسمه فاضل فأصحبه معه للغزو، حي وقف على الحصن ، وتخطف من حوله من الفرنج ، ثم عاد إلى دمشق فتواترت الأخبار باجتماع الفرنج لغزو بلاد المسلمين ، فأخرج السلطان ابن أخيه الأمير عز الدين فرخشاه أمامه ، فواقعه الفرنج وقعة قتل فيها جماعة من مقدمي الفرنج وغيرهم ، منهم الهنفرى وصاحب الناصرة، فانهزموا وأسر منهم جماعة. فبرز السلطان من دمشق إلى الكسوة لنجدة عز الدين ، فوافته الأسرى والرءوس ، فسر بدذك وعاد إلى دمشق .
وفيها أغار أبرنس مالك الفرنج بأنطاكية على شيزر، وغدر القومص ملك طرابلس بالتركمان .
وفيها سار شمس الدولة إلى مصر بعدة من العسكر لجدب الشام فى سادس عشري ذي القعدة ، وأغار السلطان على حصن بيت الأحزان وعاد بالغنائم والأسرى، ووالى الغارة والبعث إلى بلاد الفرنج .
وفيها قوي قراقوش التقوى وإبراهيم السلاح دار ببلاد المغرب ، وأخذا عدة حصون .
ودخلت سنة خمس وسبعين وخمسمائة
والسلطان مواصل الإغارة على بلاد الفرنج ، وكان نازلا على بانياس ، وسرح العساكر ومقدمها عز الدين فرخشاه بن أيوب ، فأكثر من قتلهم وأسرهم . وفتح بيت الأحزان في رابع عشري ربيع الآخر، بعد قتال وحصار، فغنم منهم مائة ألف قطعة حديد من أنواع الأسلحة، وشيئا كثيرا من الأقوات وغيرها، وأسر عدة نحو السبعمائة، وخرب الحصن حتى سوى به الأرض ، وسد البئر التي كانت به ، وعاد بعدما أقام عليه أربعة عشر يوما، فأغار على طبرية وصور وبيروت ثم رجع إلى دمشق ، وقد مرض كثير من العسكر ومات عدة من الأمراء.

(1/8)


وفي يوم الأحد ثامن المحرم : ركب السلطان ومعه صمصام الدين أجك وإلى بانياس في عسكره ، فلقيه الفرنج في ألف رمح وعشرة آلاف مقاتل ما بين فارس وراجل ، فاقتتلوا قتالا كثيرا انهزم فيه الفرنج ، وركب المسلمون أقفيتهم يقتلون ويأسرون حتى حال بينهم الليل ، وعاد السلطان إلى مخيمه ، وقد مض أكثر الليل ، وعرض الأسرى، فقدم أولهم بادين بن بارزان ، ثم أود مقدم الداوية، وابن القومصية، وأخو صاحب جبيل في آخرين ، فقيدوا بأجمعهم وهم نحو المائتين وسبعين ، وحملوا إلى دمشق فاعتقلوا بها، وعاد السلطان إلى دمشق ، ففدى ابن بارزان بعد سنة بمائة وخمسين ألف دينار وألف أسير من المسلمين ، وفدى ابن القومصية بخمسة وخمسين ألف دينار صورية، ومات أود فأخذت جيفته بأسير أفرج عنه. وقدم الخبر بان الملك المظفر تقي الدين أوقع بعسكر قلج أرسلان صاحب الروم السلجوقية فهزمهم وأسر منهم جماعة، فكتب السلطان البشائر بظفره بالفرنج على مرج عيون وبظفر أخيه بعسكر الروم وسيرها إلى الأقطار فأتته تهاني الشعراء من الأمصار، ثم اهتم السلطان بأمر بيت الأحزان ، وكتب إلى الفرنج يأمرهم بهدمه فأبوا، فراجعهم مرة ثانية فطلبوا منه ما غرموا عليه ، فبذل لهم حتى وصلهم إلى مائة ألف دنيار فلم يقبلوا. فكتب حينئذ إلى التركمان وأجناد البلاد يستدعيهم ، وحمل إليهم الأموال والخيول والتشاريف ، فقدم إليه خلق كثر، وسار الملك المظفر من حماة، فقدم دمشق أول شهر ربيع الآخر، وقد تلقاه السلطان ، ثم سار السلطان من دمشق يوم الخميس خامسه ، في عسكر عظيم ، ونزل على حصن بيت الأحزان يوم الثلاثاء حادي عشره ، وكانت قلعة صفد للداوية، فأمر بقطع كروم ضياع صفد، وحاصر الحصن ونقبه من جهات ، وحشاه بالحطب وأحرقه ، حتى سقط في رابع عشريه ، وأخذه فقتل من فيه وأسرهم ، ووجد فيه مائة أسير من المسلمين ، فقتل عدة من أسرى الفرنج ، وبعث باقيهم في الحديد إلى دمشق ، وأخرب الحصن حتى سوى به الأرض ، فكانت إقامته عليه أربعة عشر يوما وعاد إلى دمشق،فمدحه عدة من الأمراء والشعراء وهنأوه بالفتح .
وفي صفر: ظهر قدام المقياس بمصر وسط النيل الحائط الذي كان في جوفه قبر يوسف الصديق وتابوته ، ولم ينكشف قط منذ نقله موسى عليه السلام إلا حينئذ، عند نقصان الماء في قاع المقياس ، فإن الرمل انكشف عنه وظهر للناس ، وأكثر الناس ما علموا ما هو .
وفيها نافق جلدك الشهابي بالواحات ، فأخذه العادل بالأمان وسيره إلى دمشق .
وفيها أغار عز الدين فرخشاه على صفد فأكثر من القتل والسبي وأحرق الربض في رابع عشر ذي القعدة، وعاد إلى دمشق .
وفيها مات الخليفة المستضيء بأمر الله أبو المظفر يوسف بن المقتفي لأمر الله محمد، يوم الجمعة لاثنتي عشرة مضت من شوال ، وكانت خلافته عشر سنين غير أربعة أشهر. واستخلف من بعده ابنه الناصر لدين الله أبو العباس أحمد ، فخرج الشيخ صدر الدين شيخ الشيوخ عبد الرحيم بن إسماعيل من بغداد رسولا إلى الملوك وإلى السلطان صلاح الدين وسار معه إلى مصر شهاب الدين بشير الخاص كما يأتي ذكره .
وفيها ختن السطان ابنه الملك العزيز عثمان ، وسلمه إلى صدر الدين بن المجاور معلما له.
وفيها فشا الموت بمصر والقاهرة وعامة أعمال مصر ،وتغيرت رائحة الهواء ،ومات بالقاهرة ومصر في أيام يسيرة سبعة عشر ألف إنسان .
ودخلت سنة ست وسبعين وخمسمائة
وفيها سار السلطان إلى حرب عز الدين قلج أرسلان بن مسعود بن قلج أرسلان السلجوقي صاحب قونية وعاد بغير قتال ، فدخل دمشق أول شهر رجب .

(1/9)


وفيها مات السلطان سيف الدين غازي بن السلطان قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي بن أقسنقر صاحب الموصل في ثالث صفر، وجلس أخوه عز الدين مسعود مكانه ، فكتب السلطان صلاح الدين إلى الخليفة الناصر يسأل أن يفوض إليه ، فوصل شيخ الشيوخ صدر الدين أبو القاسم عبد الرحمن وشهاب الدين بشير الخاص ، بالتفويض والتقليد والتشريف في رجب ، فتلقاهم السلطان وترجل لهم ، ونزلوا له وبلغوه سلام الخليفة، فقبل الأرض ، ودخل دمشق بالخلع ، وأعاد الجواب مع بشير، وصحبته ضياء الدين الشهرزورى. وسار السلطان إلى بلاد الأرمن لقمع ملكهم،فأوغل فيها وأطاعه ملكهم، ثم عاد بعدما وصل إلى بهسنا وأحرق حصنا وخربه ، وخرج من دمشق يريد مصر في ثامن عشر رجب ، ومعه شيخ الشيوخ صدر الدين ، فوصل إلى القاهرة ثالث عشر شعبان ، وخرج شيخ الشيوخ إلى مكة في البحر، وعاد منها إلى بغداد.
وفيها مات الحافظ أبو الطاهر أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن سلفة السلفي في يوم الجمعة خامس ربيع الآخر بالإسكندرية عن نحو مائة سنة.
ومات الملك المعظم شمس الدولة تورانشاه بن أيوب بن شادي في خامس صفر بالإسكندرية، وحمل إلى دمشق فدفن بها.
وفيها ولدت امرأة غرابا.
وفيها كان قاع النيل ثلاثة أذرع وعشرين إصبعا، وبلغت الزيادة ستة عشرة ذراعا وثلثي ذراع .
ثم دخلت سنة سبع وسبعين وخمسمائة
في محرم خرج الأمر بالحوطة على مستغلات العربان بالشرقية، وأمروا بالتعدية إلى البحيرة، ووقعت الحوطة على إقطاع جذام وثعلبة، لكثرة حملهم الغلال إلى بلاد الفرنج ، وكثر الفار بالمقاثي والغلال بعد حصادها، فأتلف شيئا كثيرا، واحترق النيل حتى صار يخاض ، وتشمر الماء عن ساحل المقس ومصر، وربى جزائر رملة خيف منها على المقياس أن يتقلص الماء عنه ، ويحتاج إلى عمل غيره ، وبعد الماء عن السور بالمقس ،وصارت قوته من بر الغرب ، وخيم السلطان في بركة الجب للصيد ولعب الأكرة، وعاد بعد ستة أيام وورد الخبر بأن الأبرنس أرناط ملك الفرنج بالكرك جمع وعزم على المسير إلى تيماء ودخول المدينة النبوية، فخرج عز الدين فرخشاه من دمشق بعساكره إلى الكرك ، ونهب وحرق ، وعاد إلى أطراف بلاد الإسلام فأقام به ، وورد الخبر من نائب قلعة أيلة بشدة الخوف من الفرنج .
وفي صفر: قدم رسول ملك القسطنطينية إلى القاهرة، فوقع الصلح مع صاحبها، وأطلق في جمادى الآخرة مائة وثمانين أسيرا من المسلمين ، وسار صارم الدين خطلبا إلى الفيوم ، وقد أضيفت إليه ولايتها، وأفردت برسمه الخاص ، ونقل عنها مقطوعها ، ثم صرف عن ولاية الفيوم بابن شمس الخلافة، وأحضر خطلبا ليسير إلى اليمن ، وكتب إلى دمياط بترتيب المقاتلة على البرجين ، وسد مراكب السلسلة وتسييرها ليقاتل عليها، ويدافع عن الدخول من بين البرجين بها.
وفي ربيع الأول : طرق الفرنج ساحل تنيس وأخذوا مركبا للتجار، ووصلت مراكب من دمياط كانت استدعيت من خمسين مركبا لتكون في ساحل مصر وكمل بناء برج بالسويس يسع عشرين فارسا، ورتب فيه الفرسان لحفظ طريق الصعيد، التي يجلب منها الشب إلى بلاد الفرنج ، وأمر بعمارة قلعة تنيس ، وورد تجار الكارم من عدن ، فطلب منهم زكاة أربع سنين . وكثرت بيوت المزر بالإسكندرية، فهدم منها مائة وعشرون بيتا .
ووصل المفرد في حادي عشرين ربيع الأول بالوفاء في سابع عشره ، فأوفى النيل بمصر في سادس عشريه الموافق يوم السادس عشر من مسرى، ولا يعرف وفاؤه بهذا التاريخ في زمن متقدم ، فركب السلطان لتخليق المقياس في غده ، وخلع على ابن أبى الرداد في سلخه ، وفتح الخليج في رابع ربيع الآخر، والماء على خمسة عشر إصبعا من سبعة عشر ذراعا، بمحضر والي القاهرة .
وفيه أنفق السلطان في الأجناد البطالين وجردهم إلى الثغور، وأنفق في رجال الشواني وجردهم للغزو، وورد الخبر بكثرة ولادة الحيوان الناطق والصامت للتوأم ، وأن ذلك خرج عن الحد في الزيادة على المعهود، وأن الغزال في البرية كله أتأم ، وكذلك النسوان أتأمن أكثر من الإفراد، وكذلك الطير فإنه كثر ظهوره كثرة ظهرت .
وفيه ماتت امرأة الصالح بن رزيك عن سن كبيرة وضعف حال وعمى، بعد الدنيا والملك الذي كانت فيه .

(1/10)


وركب السلطان في أول جمادى الأولى لفتح بحر أبي المنجا، وعاد إلى قلعة الجبل ، وركب منها إلى المخيم بالبركة. وسار متسلم الأمير صارم الدين خطلبا إلى اليمن ، وانتصب السلطان ليلا ونهارا في ترتيب أحوال الأجناد، واقتطع من إقطاعات العربان الثلثين ، وعوض به مقطعو الفيوم ، وصارت أعمال الفيوم كلها للسلطان .
وفيه قرر ديوان الأسطول وفيه الفيوم والحبس الجيوشي والخراجي والنطرون، وضمن الخراج بثمانية آلاف دينار.
وفي هذه السنة: رتبت المقاتلة على البرجين بدمياط وجهزت خمسمائة دينار لعمارة سورها والنظر في السلسلة التي بين البرجين ، وعمل تقدير برسم ما يحتاج إليه سور تنيس وإعادته كما كان في القديم ، فجاء ثلاثة آلاف دينار، وكتب إلى قوص بإبطال المكوس التي تستأدي من الحجاج وتجار اليمن .
وورد كتاب إبراهيم السلاح دار من المغرب أنه فتح بلاد هوارة، وزواوة ولواتة، وجبل نفوسة، وغدامس ، وأعمالا طولها وعرضها خمسة وعشرون يوما، وأنه خطب على منابرها للسلطان وضربت السكة باسمه ، وانه إذا أنعم عليه بتقوية بلغ أغراضا بعيدة، وسير أموالا عتيدة. وأنشئت أربع حراريق بصناعة مصر برسم من تجرد إلى بلاد اليمن وجردت أمراء العسكر السائرين إلى اليمن ، وكبر في بحر تنيس تعدي العربان على المراكب ، وعمرت عليهم حراريق فيها، فلم يظفر بهم لإيوائهم إلى الهيش . وفي جمادى الآخرة : قطع الفرنج أكثر نخل العريش وحملوه إلى بلادهم ، وسيرت مراكب بالزاد والعلوفات والأسلحة إلى اليمن ، وأسند أمر الجسور إلى والي الغربية ووالي الشرقية، ليتوفرا على عمارتها، وكتب إلى الأمير فخر الدين نشر الملك بن فرحون والي البحيرة ومشارفها بذلك .
وفي رجب : استقرت عدة الأجناد ثمانية آلاف وستمائة وأربعين ، وأمراء مائة أحد عشر، وطواشية ستة آلاف وتسعمائة وستة وسبعين ، وقرا غلامية ألف وخمسمائة وثلاثة وخمسين . والمستقر لهم من المال ثلاثة آلاف وستمائة ألف وسبعون ألفا وخمسمائة دينار، خارج عن المحلولين وعن العربان المقطعين بالشرقية والبحيرة، والكنانيين والمضريين والفقهاء والقضاة والصوفية والدواوين ، ولا يقصر ما معهم عن ألف ألف دينار. ووصل الإبرنس أرناط إلى أيلة، وسار عسكره إلى تبوك .
وفي شعبان: كثر المطر بأيلة حتى تهدمت قلعتها، وشرع في بناء سور دمياط ، وذرعه أربعة آلاف وستمائة وثلاثون ذراعا، و شرع أيضا في بناء برج بها.
وفي شوال :مات منكورس الأسدي أحد الأمراء المماليك ، وأخذ إقطاعه يازكج الأسدي، وقبض على سيف الدولة مبارك بن منقذ بن كامل الكناني، نائب شمس الدولة ببلاد اليمن ، وأخذ منه ثمانون ألف دينار وأفرج عنه . وسار خطلبا والي مصر واليا على زبيد، وصحبته خمسمائة رجل ، ومعهم الأمير باخل ، وقد بلغت النفقة فيهم عشرين ألف دينار، وكتب للطواشية بنفقة عشرة دنانير لكل منهم على اليمن ، إن كان من الإقطاعية، وللبطالين والمترجلة في الشهر ثلاثة وثلاثون دينارا، وسيرت الحراريق " وهى خمس " وقد شحنت بالرماة.
وفي سابع عشره :سار السلطان إلى الإسكندرية، فدخل خامس عشري شوال ، وشرع في قراءة الموطأ يوم الخميس " ثاني يوم دخوله " على الفقيه أبي الطاهر بن عوف ، وأنشأ بها مارستانا ودارا للمغاربة، ومدرسة على ضريح المعظم توران شاه ، وشرع في عمارة الخليج ، ونقل فوهته إلى مكان أخر، وسار منها أول ذي القعدة إلى دمياط ، وعاد إلى القاهرة في سابعه .
وفي تاسعه : أمر بفتح المارستان الصلاحي ، وأفرد برسمه من أجرة الرباع الديوانية مشاهرة مبلغها مائتا دينار، وغلات جهتها الفيوم ، واستخدم له أطباء وغيرهم .
وفي جمادى الآخرة : قطع الفرنج أكثر نخل العريش وحملوه إلى بلادهم ، وسيرت مراكب بالزاد والعلوفات والأسلحة إلى اليمن ، وأسند أمر الجسور إلى والي الغربية ووالي الشرقية، ليتوفرا على عمارتها، وكتب إلى الأمير فخر الدين نشر الملك بن فرحون والي البحيرة ومشارفها بذلك .

(1/11)


وفي رجب : استقرت عدة الأجناد ثمانية آلاف وستمائة وأربعين ، وأمراء مائة أحد عشر، وطواشية ستة آلاف وتسعمائة وستة وسبعين ، وقرا غلامية ألف وخمسمائة وثلاثة وخمسين . والمستقر لهم من المال ثلاثة آلاف وستمائة ألف وسبعون ألفا وخمسمائة دينار، خارج عن المحلولين وعن العربان المقطعين بالشرقية والبحيرة، والكنانيين والمضريين والفقهاء والقضاة والصوفية والدواوين ، ولا يقصر ما معهم عن ألف ألف دينار. ووصل الإبرنس أرناط إلى أيلة، وسار عسكره إلى تبوك .
وفي شعبان: كثر المطر بأيلة حتى تهدمت قلعتها، وشرع في بناء سور دمياط ، وذرعه أربعة آلاف وستمائة وثلاثون ذراعا، و شرع أيضا في بناء برج بها.
وفي شوال :مات منكورس الأسدي أحد الأمراء المماليك ، وأخذ إقطاعه يازكج الأسدي، وقبض على سيف الدولة مبارك بن منقذ بن كامل الكناني، نائب شمس الدولة ببلاد اليمن ، وأخذ منه ثمانون ألف دينار وأفرج عنه . وسار خطلبا والي مصر واليا على زبيد، وصحبته خمسمائة رجل ، ومعهم الأمير باخل ، وقد بلغت النفقة فيهم عشرين ألف دينار، وكتب للطواشية بنفقة عشرة دنانير لكل منهم على اليمن ، إن كان من الإقطاعية، وللبطالين والمترجلة في الشهر ثلاثة وثلاثون دينارا، وسيرت الحراريق " وهى خمس " وقد شحنت بالرماة.
وفي سابع عشره :سار السلطان إلى الإسكندرية، فدخل خامس عشري شوال ، وشرع في قراءة الموطأ يوم الخميس " ثاني يوم دخوله " على الفقيه أبي الطاهر بن عوف ، وأنشأ بها مارستانا ودارا للمغاربة، ومدرسة على ضريح المعظم توران شاه ، وشرع في عمارة الخليج ، ونقل فوهته إلى مكان أخر، وسار منها أول ذي القعدة إلى دمياط ، وعاد إلى القاهرة في سابعه .
وفي تاسعه : أمر بفتح المارستان الصلاحي ، وأفرد برسمه من أجرة الرباع الديوانية مشاهرة مبلغها مائتا دينار، وغلات جهتها الفيوم ، واستخدم له أطباء وغيرهم .
وفي حادي عشره : خرج السلطان إلى بركة الجب ، لتجريد العساكر والمسير إلى الشام ، وخرج الملك العادل في ثالث عشره إلى المخيم ، ونزل ناحية بركة الجب وسومح برسوم للولاة بمصر والقاهرة، ورسوم الفيوم ورسوم الصيد الأعلى، وأخرجت منجنيقات إلى الخيام برسم الغزاة.
وفي حادي عشره: سار سيف الإسلام طغتكين أخو السلطان صلاح الدين إلى أخميم ، لجباية الجوالي والنظر في أمر الشب .
وظفر والي قوص برجلين من أهل إسنا يدعوان الى مذهب الباطنية.
وفي ثالث عشريه : عقد نكاح بنات العادل على أبناء السلطان صلاح الدين ، وهم: غياث الدين غازي، ومظفر الدين خضر، ونجم الدين مسعود، وشرف الدين يعقوب ، والصداق في كل كتاب عشرون ألف دينار.
وعقد السلطان الهدنة مع رسول القومص ملك الفرنج بطرابلس ، ونودي بمنع أهل الذمة من ركوب الخيل والبغال ، من غير استثناء طبيب ولا كاتب .
ومات الملك الصالح مجير الدين إسماعيل بن العادل نور الدين محمود بن زنكي بن آقسنقر الأتابكي صاحب حلب في يوم الجمعة خامس عشري رجب ، فقام من بعده ابن عمه السلطان عز الدين مسعود بن مودود بن زنكي. وكان موت الصالح هو المحرك للسلطان صلاح الدين على السفر، وكتب لابن أخيه المظفر تقي الدين عمر صاحب حماة وغيره من النواب بالتأهب ، وكاتب الخليفة الناصر يسأل ولاية حلب.
سنة ثمان وسبعين وخمسمائة
وأهلت سنة ثمان وسبعين ، والسلطان مبرز بظاهر القاهرة، فلما خرج الناس لوداعه ، وقد اجتمع عنده من العلماء والفضلاء كثير، وهم يتناشدون ما قيل في الوداع ، فأخرج بعض مؤدبي أولاد السلطان رأسه من الخيمة، وقال :
تمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار
فتطير الحاضرون من ذلك ، وصحت الطيرة، فإن السلطان رحل من ظاهر القاهرة

(1/12)


في خامس المحرم من هذه السنة، ولم يعد بعد ذلك إلى القاهرة، فسلك في طريقه على أيلة، فأغار على بلاد الفرنج ، وسار على سمت الكرك ، وبعث أخاه تاج الملوك بالعسكر على الدرب ، وخرج عز الدين فرخشاه من دمشق ، فأغار على طبرية وعكا، وأخذ الشقيف أرنون ، وعاد بألف أسير وعشرين ألف رأس غنم ، وأنزل فيه طائفة من المسلمين وألفى الريح بطسة للفرنج إلى بر دمياط ، فأسر منها ألف وستمائة وتسعون نفسا سوى من غرق ، فدخل السلطان إلى دمشق ، يوم الإثنين لثلاث عشرة بقيت من صفر، فأقام بها يسيرا، ثم أغار على طبرية، واشتد القتال مع الفرنج تحت قلعة كوكب ، واستشهد جماعة من المسلمين ، وعاد إلى دمشق في رابع عشر ربيع الأول ، وخيم بالفوار من عمل حوران ، وأقام به حتى رحل إلى حلب .وخرج سيف الإسلام ظهير الدين طغتكين بن أيوب بن شادي، من القاهرة إلى اليمن ، بعد مسير السلطان ، ووصل إلى زبيد فملكها، وأخذ منها ما قيمته ألف ألف دينار، واحتوى على عدن أيضا .
وخرج السلطان من دمشق يريد حلب ، فنزل عليها يوم الأحد ثامن عشر جمادى الأولى، ونازلها ثلاثة أيام ، ثم رحل إلى الفرات ، فخيم على غربي البيرة، ومد الجسر، وكاتب ملوك الأطراف ، ورحل إلى الرها فتسلمها، وسار عنها إلى حران فرتبها، وانفصل عنها إلى الرقة فملكها وما حولها، ونازل نصيبين حتى ملكها وقلعتها، فورد الخبر بقصد الفرنج دمشق ونهبهم القرى، فسار ونازل الموصل في يوم الخميس حادي عشر رجب ، وألح في القتال فلم ينل غرضا، ورحل يريد سنجار، فنازلها وضايقها من يوم الأربعاء سادس عشري شعبان .
ودخل رمضان : فكف عن القتال ، ثم تسلمها بالأمان يوم الخميس ثانيه ، وأعطاها ابن أخيه الملك المظفر تقي الدين عمر، ورحل إلى نصيبين فأقام بها لشدة البرد، وسار عنها إلى حران ، ثم رحل ونزل على آمد، لثلاث عشرة بقيت من ذي الحجة .
وفيها قصد الفرنج بلاد الحجاز، وأنشأ البرنس أرناط صاحب الكرك سفنا، وحملها على البر إلى بحر القلزم ، وأركب فيها الرجال ، وأوقف منها مركبين على حرزة قلعة القلزم ، لمنع أهلها من استقاء الماء.
وسارت البقية نحو عيذاب ، فقتلوا وأسروا، وأحرقوا في بحر القلزم نحو ست عشرة مركبا وأخذوا بعيذاب مركبا ياتي بالحجاج من جدة، وأخذوا في الأسر قافلة كبيرة من الحجاج فيما بين قوص وعيذاب ، وقتلوا الجميع ، وأخذوا مركبين فيهما بضائع جاءت من اليمن ، وأخذوا أطعمة كثيرة من الساحل كانت معدة لميرة الحرمين ، وأحدثوا حوادث لم يسمع في الإسلام بمثلها، ولا وصل قبلهم رومي إلى ذلك الموضع ، فإنه لم يبق بينهم وبين المدينة النبوية سوى مسيرة يوم واحد، ومضوا إلى الحجاز يريدون المدينة النبوية. فجهز الملك العادل ، وهو يخلف السلطان بالقاهرة، الحاجب حسام الدين لؤلؤ إلى القلزم فعمر مراكب بمصر والإسكندرية ،وسار إلى أيلة، وظفر بمراكب للفرنج ، فحرقها وأسر من فيها، وسار إلى عيذاب ، وتبع مراكب الفرنج ، فوقع بها بعد أيام واستولى عليها، وأطلق من فيها من التجار المأسورين ، ورد عليهم ما أخذ لهم ، وصعد البر، موكب خيل العرب حتى أدرك من فر من الفرنج وأخذهم ، فساق منهم اثنين إلى منى ونحرهما بها كما تنحر البدن ، وعاد إلى القاهرة بالأسرى في ذي الحجة ، فضربت أعناقهم كلهم . وعاد الأسطول من بحر الروم بعد نكاية أهل الجزائر، ومعه بطسة للفرنج كانت تريد عكا، بها أخشاب ونيف وسبعون رجلا.
ومات عز الدين فرخشاه الملقب بالملك المنصور في دمشق في أول جمادى الآخرة. ومات الشيخ الزاهد روزبهار بن أبي بكر بن محمد أبي القاسم الفارسي الصوفي، يوم الأربعاء الخامس من ذي القعدة، ودفن بقرافة مصر.
وفيها انقرضت دولة آل سبكتكين ، وكان ابتداؤها سنة ست وستين وثلاثمائة، فملكوا مائتي سنة وثلاث عشرة سنة. وأولهم محمود بن سبكتكين ، وآخرهم خسروشاه بن بهرام بن شاه بن مسعود بن مسعود بن إبراهيم بن محمود بن سبكتكين . وقام بعدهم الغورية وأولهم عز الدين حسن ، صاحب بلاد الغور.
وفيها ورد الخبر بأن الماء الذي في زقاق سبتة قل ، حتى ظهرت القنطرة التي كان يعبر الناس عليها في قديم الدهر إلى أن غلب عليها البحر وطمها، فلما قل الماء في هذه السنة عنها لم يبق عليها منه سوى قامتين ، ورأى الناس آثار بنيانها، وأن مركبا انكسر عليها.

(1/13)


سنه تسع وسبعين وخمسمائة
وأهلت سنة تسع وسبعين والسلطان على آمد، فتسلمها في أوئل المحرم ، فقدمت عليه رسل ملوك الأطراف يطلبون الأمان . وخرج الفرنج إلى نواحى الداروم ينهبون ، فبرز إليهم عدة من المسلمين على طريق صدر وأيلة، فاظفرهم الله ، وقتلوا وغنموا وعادوا سالمن .
وفيه سار الأسطول من مصر، فظفر ببطسة فيها ثلاثمائة وخمسة وسبعون علجا، قدموا بهم في خامس المحرم إلى القاهرة، وتوجه سعد الدين كمشبه الأسدي وعلم الدين قيصر إلى الداروم ، فأوقعوا بالفرنج على ماء، وقتلوهم جميعا، وقدموا بالرءوس إلى القاهرة في رابع عشريه . ورحل السلطان عن آمد، وعبر الفرات يريد حلب ، فملك عين تاب وغيرها، ونزل على حلب " بكرة يوم السبت سادس عشري المحرم " وقد خرب السلطان عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي قلعته في جمادى من سنة ثمان وسبعين وخمسمائة. وتسلمها صلاح الدين بصلح ، يوم السبت ثامن عشر صفر، على أن تكون لعماد الدين منجار.
ومات تاج الملوك بوري بن أيوب بن شادي في يوم الخميس ثالث عشريه بحلب . وسار عماد الدين إلى سنجار، فولى السلطان قضاء حلب محيي الدين محمد بن الزكي علي القرشي قاضي دمشق ، فاستناب بها زين الدين ندا بن الفضل بن سليمان البانياسي، وولي يازكج قلعتها، وجعل ابنه الملك الظاهر غياث الدين غازي ملكا بها،ورحل عنها لثمان بقين من ربيع الآخر.فدخل دمشق ثالث جمادى الأولى، وأقام بها إلى سابع عشريه ، وبرز وسار إلى بيسان ، فعبر نهر الأردن في تاسع جمادى الآخرة، وأغار على بيسان فأحرقها ونهبها وفعل ذلك بعدة قلاع ، وأوقع بكثير من الفرنج واجتمع بعين جالوت من الفرنج خلق كثير، ثم رحلوا، وأسر السلطان منهم كثيرا، وخرب من الحصون حصن بيسان وحصن عفر بلا وزرعين ، ومن الأبراج والقرى عشرة، وعاد إلى دمشق لست بقين من جمادى الآخرة، ثم خرج في يوم السبت ثالث رجب يريد الكرك ، فنازله مدة ولم ينل منه عرضا، فسار إلى دمشق ، وقد وصل إليه أخوه الملك العادل من مصر في رابع شعبان . فاجتمع السلطان بأخيه الملك العادل على الكرك ، وقد خرج إليه بعسكر مصر.
وفي يوم الخميس خامس عشره : رحل الملك المظفر تقي الدين من الكرك إلى مصر عوضا عن العادل ، وارتجع عن العادل إقطاعه بمصر، وهو سبعمائة ألف دينار في كل سنة، فجهز إليها الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب ومعه القاضي الفاضل ، وأنعم على تقي الدين بالفيوم وأعمالها مع القايات وبوش وأبقى عليه مدينة حماة وجميع أعمالها.
ووصل السلطان إلى دمشق لثمان بقين من رمضان ، وبعث بالملك العادل إلى حلب في ثاني رمضان . فقدم الظاهر على أبيه بدمشق ومعه يازكج ، وقدم شيخ الشيوخ صدر الدين وشهاب الدين بشير من عند الخليفة الناصر، ليصلحا بين السلطان وبين عز الدين صاحب الموصل ، ومعهما القاضي محيي الدين أبو حامد بن كمال الدين الشهرزورى، وبهاء الدين بن شداد، فأقاموا مدة ورحلوا بغير طائل ، في سابع ذي الحجة.
وفيها ظهر بقرية بوصير بيت هرمس ، فخرج منه أشياء، منها كباش وقرود وضفادع بازهر ودهنج وأصنام من نحاس .
وفيها قتل شرف الدين برغش على الكرك في ثاني عشري رجب ، فحمل إلى زرع ودفن في تربته .
وفي سنة تسع وسبعين هذه وقعت بالوجه البحري قطع برد كبيض الأوز أخربت ما صادفته من العامر، ودمرت الزروع ، وأهلكت كثيرا من الماشية والناس.
سنة ثمانين وخمسمائة
في خامس المحرم : توجهت قافلة بغلات وسلاح وبدل مجرد إلى قلعتي أيلة وصدر، وخرج من الشرقية جماعة يخفرونها مع قيصر وإلى الشرقية، فأوصلها إلى أيلة وصدر. وعاد في خامس عشريه ، وكان العدو قد نهض إليها وعاد عنها.
وأهلت هذه السنة : والسلطان بدمشق ، فبعث إلى الأطراف يطلب العساكر، فقدم عليه ابن أخيه تقي الدين بعساكر مصر ،ومعه القاضي الفاضل .و خرج السلطان من دمشق يوم الثلاثاء النصف من ربيع الأول إلى جسر الخشب ، وقدم الملك العادل من حلب ومعه نور الدين بن قرا أرسلان إلى دمشق يوم الخميس رابع عشريه ، وخرجا إلى الكسوة، فرحل السلطان في ثاني ربيع الآخر من رأس الماء يريد الكرك ، وخرج تقي الدين في عسكر مصر، ومعهم أولاد الملك العادل وأهله ، يوم الأربعاء مستهله ، فساروا إلى أيلة، ووصلوا إلى السلطان في تاسع عشره وهو على الكرك .

(1/14)


وسارت أولاد العادل في حادي عشريه ، فلقوا العادل وهو على الفوار في خامس عشريه ووصل معهم زرافة، فاجتمعوا به وساروا إلى حلب ، ومعهم بكمش بن عين الدولة الياروقي، وعلي بن سليمان بن جندر، ونزل العسكر الحلبي على عمان مدينة البلقاء في ثامن جمادى الأولى، ورحل عنها في ثاني عشره إلى الكرك ، وقدم العادل وابن قرا أرسلان إلى الكرك في سابع عشره ، وعملت المجانيق إلى ليلة الخميس حادي عشريه ثم رميت تلك الليلة، ورحل العسكر كله لخبر ورد عن اجتماع الفرنج ، وساروا إلى اللجون ، ونزل الفرنج بالواله . ثم سار العسكر إلى ناحية البلقاء، فنزلوا حسبان تجاه الفرنج ، إلى نصف نهار الإثنين سادس عشريه . فرحل الفرنج إلى الكرك ، والعسكر وراءهم إلى نابلس ، فهاجمها العسكر يوم الجمعة سلخه ، وحرقوها ونهبوها، وساروا فأخذوا أربعة حصون ، ونزلوا على جينين ونقبوا قلعتها حتى وقعت ، وقتل تحتها من النقابين عدة، وأخذت عنوة وغنم منها شيء كثير. ورحلوا في ليلتهم إلى زرعين وعين جالوت ، وأحرقوهما في الليل ، وعبروا الأردن يوم الأحد ثاني جمادى الآخرة، ونزلوا الفوار رابعه .
ودخل السلطان دمشق يوم السبت سابعه ، ومعه عساكره كلها، وقدم أخوه العادل من حلب ، وأتته العساكر المشرقية وعساكر الحصن وآمد، وسار بهم يريد الكرك لأخذها من الفرنج ، فنازلها في رابع عشر جمادى الأولى ونصب عليها تسعة مجانيق رماها بها .
وقدمت الأمداد من الفرنج ، فرحل السلطان إلى نابلس ، ونهب كل ما مر به من البلاد، وأحرق نابلس وخربها ونهبها، وقتل وسبى وأسر، واستنقذ عدة من المسلمين كانوا أسرى، وسار إلى جينين ، وعاد إلى دمشق ، فقدم عليه رسل الخليفة، وهما الشيخ صدر الدين عبد الرحيم بن إسماعيل بن أبي سعد أحمد، وشهاب الدين بشير الخادم ، ومعهما خلع السلطان والملك العادل ، فلبساها. وطلب الرسولان تقرير الصلح بين السلطان وبن عز الدين صاحب الموصل ، فلم يتقرر بينهما صلح ، وخرجا من دمشق ، فماتا قبل وصولهما إلى بغداد.
وخلع السلطان على جميع العساكر، وأذن لهم في المسير إلى بلادهم ، بعدما أعطاهم شيئا كثيرا، فساروا .
وفي نصف شعبان : سار المظفر تقي الدين بعساكر مصر يريد العود إلى القاهرة، وقرأت وصية سلطانية، تضمنت ولاية الملك العزيز عثمان ابن السلطان لمصر بكفالة ابن عمه تقي الدين عمر، وولاية الملك الأفضل أكبر أبناء السلطان على الشام بكفالة عمه العادل صاحب حلب ، وان مدة الكفالة إلى أن يعلم المسلمون باستقلال كل واحد بالأمر، ويستقر الكافلان في خبزيهما وما بأيديهما، ومن عدم من الولدين قام الأمثل من إخوته مقامه ، أو من الكافلين قام الباقي منهما مقام الآخر، واستحلف الحاضرون من الأمراء، وولى قراءة العهد بذلك القاضي المرتضى بن قريش . وسومح بهلإلي البهسنا، وهو ألف ومائتا دينار، وسومح بالأتبان ، وما تقصر عن ألفي دينار، ومنع من ضمان المزر والخمر والملاهي، وترك ما كان يؤخذ من رسم ذلك للسلطان بديار مصر.
وخرج السلطان من دمشق يريد البلاد الشرقية، فأقام بحماة بقية السنة، وكان نزوله عليها في عشري ذي القعدة.
وفي هذه السنة : أقيمت خطبة في سابع المحرم عند قبر سارية بلحف الجبل ، في غير بنيان وبغير سكان ، وتم ذلك بعصبية جماعة، ثم أحدث جامع عند قبة موسك وبقيت سنين.
وبلغ النيل ثلاث عشرة إصبعا من تسع عشرة ذراعا، فأضر ذلك بالقرى، وخرج أهلها منها لسقوط جدرانهم ، وغرقت البساتين والأقصاب ، وفاضت الآبار، وانقطعت الترع ، وكثر الضرر،كما حصل في سنة أربع وأربعين وخمسمائة .
وفي هذه السنة : مات السلطان أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن بن علي ملك المغرب ، لسبع خلون من رجب .
ومات إيلغازي بن نجم الدين بن ألبي بن تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق الأرتقي قطب الدين ، صاحب ماردين ، في جمادى الآخرة.
وفيها مات آقسنقر الساقي، صهر قراجا الهمام ، بحلب في يوم الجمعة حادي عشر وفيها رسم السلطان بتقييد أولاد الخليفة العاضد الفاطمي ومن بقي من أقاربه .
تتمة سنة ثمانين وخمسمائة
أول المحرم يوم الإثنين : فيه ابتدئ بالتدريس في المدرسة الفاضلية بدرب ملوخيا من القاهرة .
وفي خامسه : توجهت القافلة بالبدل المجرد إلى قلعتي صدر وأيلة مع قيصر والي ا لشرقية .

(1/15)


وفي سابعه : أقيمت الخطبة عند قبر سارية بلحف الجبل في غير بنيان ولا سكان .
وفي ثامنه : وردت كتب السلطان من دمشق ، باستدعاء العساكر، وجمع الأموال والأسلحة والأمتعة .
وفي حادي عشره : كانت فتنة بين العرب الجذاميين ، فخرج عسكر إلى الشرقية، وعدى الملك المظفر إلى الجيزة بأولاده ، لدعوة عملها الطواشي قراقوش عند قناة طرة، وعاد من الغد.
وفي ثامن عشره : وردت كتب السلطان من دمشق ، لاستنهاض العساكر لغزاة الكرك ، وأن يستصحبوا من الراجل ما قدروا عليه ، فبرزت الخيام إلى بركة الجب في عشريه ، وخرج من الغد الملك المظفر تقي الدين النائب بمصر.
وفي ثاني عشريه: ورد الخبر من ناظر قوص بغرق أربع جلاب ، بها ألف وثلاثمائة رجل من الحجاج ، هلكوا كلهم .
وفي خامس عشريه : عاد قيصر وإلى الشرقية من صدر، بعد أن أوصل القافلة إلى أيلة، وعاد بالقافلة العائدة، وكان العدو قد نهض إليها، ثم عاد عنها.
وفي سلخه : ورد الخبر بأن المؤيد سيف الإسلام ملك بلاد اليمن ، واعتقل خطاب ابن منقذ بزبيد .
وأهل صفر: في رابعه : ورد الخبر بوصول تابوتي نجم الدين أيوب وأسد الدين شيركوه ، إلى المدينة النبوية، ودفنهما بها، وكان قد حمل بهما إلى قوص ، وعدى بهما من بحر عيذاب إلى المدينة، وكان سيرهما في أول السنة الماضية.
وفي سادسه : سار الأسطول ، وهو أحد وثلاثون شينيا وحراقة .
وقي سابعه : جرت فتنة بين الأشاعرة والحنابلة، سببها إنكار الحنابلة على الشهاب الطوسي تكلمه في مسألة من مسائل الكلام في مجلس وعظه ، وترافعوا إلى الملك المظفر بمخيمه ، فرسم برفع كراسي وعظ الفريقين ، وقد أطلق كل من الفريقين لسانه في الآخر.
وفي ثامنه : وقع مطر عظيم ، ورعد قاصف وريح عاصف ، وبرق خاطف وبرد كثير كبار، فحل بالعسكر المبرز بلاء شديد، وعطبت الثمار، وتفسخت الأشجار، وانقعر النخل ، وعمت الجائحة الثمار والزروع ، التي لم تحصد وما حصد، وتلفت المقاثي.
وفي عاشره : عقد مجلس لأصحاب الدواوين للمفاضلة ما بين ابن شكر وابن عثمان ، فتسلم ابن عثمان الدواوين ، بعد أن أخذ خطه بزيادة خمسة عشر ألف دينار على الارتفاع ، ثم صرف بابن شكر في ثالث عشره .
وأهل شهر ربيع الأول : في ثاني عشره : سار المظفر تقي الدين من بركة الجب ، يريد السلطان بدمشق ، وعاد ابن السلار إلى القاهرة نائبا عن المظفر.
وعاد ابن شكر ناظر الدواوين إلى القاهرة في خامس عشره ، ومعه ولد المظفر، فخرج الناس لتلقيه .
وأهل شهر ربيع الآخر: في عشريه : قدم المظفر على السلطان صلاح الدين بالقرب من الكرك .
و في عاشر جمادى الآخرة : أخلت أهل بلبيس بلدتهم في ليلة واحدة، وقد سمعوا بمسير الفرنج إلى فاقوس ، واضطرب الناس بالقاهرةومصر والجيزة، فسميت الهجة الكذابة .
وقدم الخبر بأن سيف الإسلام قتل خطاب بن منقذ ومثل به ، واستصفى أمواله باليمن ، وقبض على ألزامه . وكان العسكر عقيب الهجة خرج إلى بلبيس ، فنهبها الغلمان ، وأخذ الفرنج نحو مائتين وعشرين أسيرا، وساقوا أغناما لا تدخل تحت حصر.
وفي رابع عشري شعبان : قدم المظفر تقي الدين إلى القاهرة بالعسكر، بعد شدة لحقتهم في طريقهم .
وفي ذي القعدة : ورد كتاب سيف الإسلام بأنه فتح باليمن مائة وثلثتة وسبعين حصنا، وقدم أهل خطاب بن منقذ وأخوه محمد إلى مصر.وخرج تقي الدين ابن أخي صلاح الدين إلى البحيرة ليكشف أحوالها.
وكان معه كاتبه الرضى بن سلامة، فاستدفع من الدواوين حساباتهم ، وسار بها على بغل صحبة تقي الدين ، فأرسل الله صاعقة من السماء أحرقت البغل وما عليه من الحساب ، وعاد تقي الدين .
سنة إحدى وثمانين وخمسمائة

(1/16)


وأهلت سنة إحدى وثمانين فسار السلطان وبلغ حران ، في يوم الجمعة ثامن عشري صفر فقبض على صاحبها مظفر الدين كوكبري، واستولى عليها. ورحل عنها في ثاني ربيع الأول فوافته رسل الملك قلج أرسلان بن مسعود السلجوقي صاحب الروم باتفاق ملوك الشرق بأجمعهم على قصده، إن لم يعد عن الموصل وماردين ، فسار يريد الموصل ، وكاتب الخليفة بما عزم عليه من حصر الموصل ، ونزل عليها وحاصر أهلها وقاتلهم. فورد الخبر بموت شاه أرمن بن سقمان الثاني ناصر الدين محمد بن إبراهيم صاحب خلاط في تاسع ربيع الأول ، فرحل صلاح الدين في آخره يريد خلاط ، ثم عاد و لم يملكها، وسار إلى ميافارقين فتسلمها، ثم عاد إلى الموصل ، ونزل على دجلة في شعبان ، وأقام إلى رمضان ، فمرض مرضا مخوفا، فرحل في آخر رمضان ، وهو لما به وقد أيس منه ، فنزل بحران ، فتقرر فيها الصلح بينه وبين المواصلة في يوم عرفة، وخطب له بجميع بلاد الموصل ، وقطعت خطبة السلجوقية، وخطب له في ديار بكر وجميع البلاد الأرتقية، وضربت السكة باسمه ، وأمر بالصدقات في جميع ممالكه .
وفي يوم الثلاثاء سابع ربيع الأول : حدثت بمصر زلزلة، وفي مثل تلك الساعة كانت زلزلة في بعلبك أيضا.
وفيه كانت بالاسكندرية فتنة بين العوام ، نهبوا فيها المراكب الرومية، فقبض على عدة منهم ومثل بهم .
ومات في هده السنة
الملك القاهر ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه صاحب حمص ، ليلة عيد الأضحى . واتهم السلطان بأنه سمه فإنه لما اشتد مرض السلطان تحدث بأنه يملك من بعده.
ومات فخر الدولة إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن أحمد بن نصر الأسواني ابن أخت الرشيد والمهذب ابني الزبير فيها. وهو أول من كتب الإنشاء للسلطان ، ثم كتب لأخيه العاد ل .
ومات سعد الدين بن مسعود بن معين الدين بآمد.
ومات الأمير مالك بن ياروق في منبج ليلة السبت مستهل رجب ، محمل إلى حلب ودفن بها.
وماتت آمنة خاتون بنت معين الدين أنار التي تزوجها السلطان صلاح الدين بعد نور الدين محمود لما ملك دمشق ، وكانت وفاتها يوم الاثنين ثالث ذي القعدة.
وفيها خرج المظفر تقي الدين عمر إلى كشف أحوال الإسكندرية، وشرع في عمل سور على مدينة مصر بالحجر، فلم يبق فقير ولا ضعيف إلا خط فيه ساحة من درب الصفا إلى المشهد النفيسي، واتصلت العمارة في خط الخليج إلى درب ملوخيا بمصر حتى بين الكومين وبجوار جامع ابن طولون والكبش، فعمر أكثر من خمسة آلاف موضع بشقاف القنز والخرشتف وتراب الأرض ، وتحول الناس لجهة جامع ابن طولون والبركة وجانب القلعة .
وفي شعبان ورمضان : وقع وباء بأرض مصر وفشا موت الفجأة، وكثر الوباء في الدجاج أيضا.
سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة
وأهلت سنة اثنتين وثمانين : وقد أبل السلطان من مرضه ،فرحل من حران ، و نزل حلب في رابع عشر المحرم ،ومر من حلب إلى حمص ، فرتب أمورها واسقط المكوس منها. ودخل إلى دمشق في ثاني ربيع الأول ، واستدعى ابنه الأفضل عليا من مصر، لمنافرة كانت بينه وبن ابن عمه المظفر تقي الدين ، فقدم عليه بأهله وحشمه ، لسبع بقين من جمادى الأولى، وصرف العادل عن حلب ، ولقرر عوضه بها الملك الظاهر غياث الدين غازي ابن السلطان ، وعوض العادل الشرقية بديار مصر.
وصرف المظفر تقي الدين عمر من ديار مصر ونيابتها، فغضب لذلك ، وعبر بأصحابه إلى الجيزة يريد اللحاق بغلامه شرف الدين قراقوش التقوى، وأخذ بلاد المغرب ، وجعل مملوكه بوري في مقدمته ، فبلغ ذلك السلطان ، فكتب إليه يأمره بالقدوم عليه، فقبح الأكابرعليه مشاقته السلطان وحذروه ، فأجاب وتوجه إلى دمشق ، فوصلها ثالث عشري شعبان ، واستمر على ما بيده من حماة والمعرة ومنبج وأضيف إليه ميافارقين، وكتب إلى أصحابه فقدموا عليه من مصر، ماخلا زين الدين بوري مملوكه ، فإنه سار إلى المغرب ، وملك هناك مواضع كنيرة. ثم قصده صاحب المغرب وأسره ، ثم أطلقه وقدمه .
ووصل الأفضل على ابن السلطان من القاهرة إلى دمشق يوم الخميس سابع عشر جمادى الأولى، وهو أول قدومه إليها، وسار الملك العزيز عثمان إلى ملك مصر، ومعه عمه العادل أتابكا.
وكان خروج العادل من حلب ليلة السبت رابع عشري صفر، فدخلا إلى القاهرة في خامس رمضان .

(1/17)


ووقع الخلف بين الفرنج بطرابلس ، فالتجأ القومص إلى السلطان ، وصار يناصحه ، واستولى الإبرنس ملك الفرنج بالكرك على قافلة عظيمة، فأسر من فيها وامتنع من إجابة السلطان إلى إطلاقهم ، فتجهز السلطان لمحاربته ، وكاتب الأطراف بالمسير لقتاله .
وفيها مات بمصر عبد الله بن أبي الوحش بري بن عبد الجبار بن بري النحوي، ليلة السبت لثلاث بقين من شوال ،ومولده بدمشق في خامس رجب سنة تسع وتسعين وأربعمائة.
سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة
وأهلت سنة ثلاث وثمانين وقد برز السلطان من دمشق لجهاد الفرنج يوم السبت أول المحرم ، واقر ابنه الأفضل على رأس الماء، ونزل بصرى، فأقام لحفظ الحاج حتى قدموا في آخر صفر. فسار إلى الكرك ، في اثني عشر ألف فارس ، ونازلها وقطع أشجارها، ثم قصد الشوبك ، ففعل بها مثل ذلك . وخرج الحاجب لؤلؤ على الأسطول من مصر، وهو خمسة عشر شينيا، ليسير إلى الإسكندرية. وخرج العادل من القاهرة في سابع المحرم إلى بركة الجب ، وسار إلى الكرك ، فمر على أيلة، والتقى مع السلطان على القريتين ، وعادا إلى الكرك ، فنازلاها في ربيع الأول ، وضايق السلطان أهلها، ثم رحل عنها، ونازل طبرية، فاجتمع من الفرنج نحو الخمسين ألفا بأرض عكا، ورفعوا صليب الصلبوت ، فافتتح السلطان طبرية عنوة في ثالث عشري ربيع الآخر، وغاظ ذلك الفرنج وتجمعوا، فسار إليهم السلطان ، وكانت وقعة حطين ، التي نصر الله فيها دينه ، في يوم السبت رابع عشريه . وانهزم الفرنج بعد عدة وقائع ، وأخذ المسلمون صليب الصلبوت ، وأسروا الإبرنس أرناط صاحب الكرك والشوبك ، وعدة ملوك آخرين وقتل وأسر من سائر الفرنج ما لا يعد كثرة.
ثم قدم الإبرنس أرناط ، وضرب السلطان عنقه بيده ، وقتل جميع من عنده من الفرنج الداوية والاسبتارية ورحل السلطان إلى عكا، فنازلها سلخ ربيع الآخر، ومعه عالم عظيم .
قال العلامة عبد اللطيف بن يوسف البغدادي: كان السوق الذي في عسكر السلطان على عكا عظيما، ذا مساحة فسيحة، فيه مائة وأربعون دكان بيطار، وعددت عند طباخ واحد ثمانيا وعشرين قدرا، كل قدر تسع رأس غنم .
وكنت أحفظ عدد الدكاكين، لأنها كانت محفوظة عند شحنه السوق ، وأظنها سبعة آلاف دكان ، وليست مثل دكاكين المدينة، بل دكان واحد مثل مائة دكان ، لأن الحوائج في الأعدال والجوالقات ، ويقال إن العسكر أنتنت منزلتهم لطول المقام ، فلما ارتحلوا غير بعيد، وزن سمان أجرة نمل متاعه سبعين دينارا، وأما سوق البز العتيق والجديد، فشيء يبهر العقل . وكان في العسكر اكثر من ألف حمام ، وكان أكثر ما يتولاها المغاربة ، يجتمع متهم اثنان أو ثلاثة ويحفرون ذراعين فيطلع الماء، ويأخذون الطين فيعملون منه حوضا وحائطا، ويسترونه بحطب وحصير، ويقطعون حطبا من البساتين التي حولهم ، ويحمون الماء في قدور، وصار حماما يغسل الرجل رأسه بدرهم وأكثر.
فلم يزل صلاح الدين على محاصرة عكا إلى أن تسلمها بالأمان ، في ثاني جمادى الأولى، واستولى على ما فيها من الأموال والبضائع ، وأطلق من كان بها من المسلمين مأسورا، وكانوا أربعة آلاف نفس ، ورتب في كنيستها العظمى منبرا، وأقيم فيها الجمعة.
وأقطع عكا لابنه الأفضل على، وأعطى جميع ما للداوية من إقطاع وضياع للفقيه ضياء الدين عيسى الهكاري. وسار العادل بعساكر مصر إلى مجدليابا فحصره وفتحه وغنم ما فيه . وافتتحت عدة حصون حول عكا: وهي الناصرة وقيسارية وحيفا وصفورية ومعليا والشقيف والتولع والطور ونهب ما فيها، وسبيت النساء والأطفال ، فقدموا بما سد الفضاء. وأخذت سبسطية ونابلس ، وكتب السلطان للخليفة بخبر فتح هذه البلاد. ونزل العادل على يافا، حتى ملكهاعنوة ونهبها، وسبى الحريم وأسر الرجال ، ونازل المظفر تقي الدين عمر تبنين ، وأدركه السلطان فوصل إليها في حادي عشر جمادى الأولى ومازال محاصرا لها حتى تسلمها في ثامن عشره بأمان ، وجلا أهلها عنها إلى صور، وتسلم السلطان العدد والدواب والخزائن ، وسار فأخذ صرخد بغير قتال ،ثم رحل إلى صيداء،ففر أهلها وتركوها، فتسلمها السلطان في حادي عشريه . ونازل بيروت وضايقها ثمانية أيام ، إلى أن طلب أهلها الأمان ، فأجابهم واستولى عليها في تاسع عشريه ،وأخذ جبيل فكان من استنقذ الله من المسلمين

(1/18)


المأسورين عند الفرنج ، في هذه السنة، ما يزيد على عشرين ألف إنسان ، وأسر المسلمون من الفرنج مائة ألف أسير.
وهلك في هذه السنة القومص صاحب طرابلس ، وقدم المركيس " أكبر طواغيت الفرنج " إلى صور، وقد اجتمع بها أمم من الفرنج ، فتملك عليهم ، وحصن البلد، فسار السلطان بعد فتح بيروت ، وتسلم الرملة والخليل وبيت لحم ، واجتمع بأخيه العادل ،ونازلا عسقلان ،في سادس عشر جمادى الآخرة،ونصبا المجانيق عليها،ووقع الجد في القتال ، إلى أن تسلم السلطان البلد في سلخه ، وخرج منه الفرنج إلى بيت المقدس ، بعد أن ملكوه خمسا وثلاثين سنة. وتسلم السلطان حصون الداوية وهي غزة والنطرون وبيت جبريل وقدم عليه بظاهر عسقلان ابنه العزيز عثمان من مصر، ووافته الأساطيل وعليها الحاجب لؤلؤ. وكانت الشمس قد كسفت ،قبل أخذ عسقلان بيوم ،حتى أظلم الجو وظهرت الكواكب في يوم الجمعة ثامن عشريه .
وسار السلطان " وقد اجتمعت إليه العساكر " يريد فتح بيت المقدس ، فنازله يوم الأحد خامس عشر رجب ، وبه حشود الفرنج وجميعهم ، فنصب المجانيق ، واقتتل الفريقان أشد قتال ، استشهد فيه جماعة من المسلمين، وأيد الله بنصره المسلمين، حتى تمكنوا من السور ونقبوه ، وأشرفوا على أخد البلد فسأل الفرنج حينئذ الأمان ، فأعطوه بعد امتناع كثير من السلطان ، على أن يعطى كل رجل من الفرنج عن نفسه عشرة ، دنانير مصرية،سواء كان غنيا أو فقيرا،وعن المرأة خمسة دنانير،وعن كل طفل من الذكور والإناث دينارين . ئم صولح عن الفقراء بثلاثين ألف دينار وتسلم المسلمون القدس يوم الجمعة سابع عشري رجب ، وأخرج من فيه من الفرنج ، وكانوا نحو الستين ألفا،بعدما أسر منهم نحو ستة عشر ألفا،مابين رجل وامرأة وصبي،وهم من لايقدر على شراء نفسه .
وقبض السلطان من مال المفاداة ثلاثمائة ألف دينار مصرية، سوى ما أخذه الأمراء ، وما حصلت فيه الخيانة.
والتحق من كان بالقدس من الفرنج بصور، وتسامع المسلمون بفتح بيت المقدس ، فأتوه رجالا وركابنا من كل جهة لزيارته ،حتى كان من الجمع مالا ينحصر،فأقيمت فيه الجمعة يوم الرابع من شعبان ، وخطب القاضي محيي الدين بن الزاكي بالسواد خطبة بليغة، دعا فيها للخليفة الناصر والسلطان صلاح الدين ، وانتصب بعد الصلاة زين الدين بن نجا ،فوعظ الناس.
وأمر السلطان بترميم المحراب العمري القديم ، وحمل منبر مليح من حلب ، ونصب بالمسجد الأقصى، وأزيل ما هناك من آثار النصرانية، وغسلت الصخرة بعدة أحمال ماء ورد، وبخرت وفرشت ، ورتب في المسجد من يقوم بوظائفه ، وجعلت به مدرسة للفقهاء الشافعية، وغلقت كنيسة قمامة، ثم فتحت ، وقرر على من يرد إليها من الفرنج قطيعة يؤديها. وخرجت البشائر إلى الخليفة بالفتح ، وإلى سائر الأطراف . ورحل السلطان عن القدس لخمس بقين من شعبان يريد عكا، وسار العزيز عثمان إلى مصر فكان آخر العهد به . وسار العادل مع السلطان ، فنزلا على عكا أول شهر رمضان ، ثم رحل السلطان منها، ونزل على صور في تاسعه ، وكانت حصينة، وقد استعد الفرنج فيها، فتلاحقت العساكر بالسلطان ، ونصب على صور عدة من المجانيق وحاصرها، واستدعى السلطان الأسطول من مصر، فقدم عليه عشر شواني، وصار القتال في البر والبحر فأخذ الفرنج خمس شواني ووردت مكاتبة الخليفة على السلطان، وفيها غلظة وإنكار أمور، فأجاب بالإعتذار ، ورحل عن صور في آخر شوال . وعادت العساكر إلى بلادها، وأقام السلطان بعكا ، وسار العادل إلى مصر، فطرق الفرنج قلعة كوكب ، وقتلوا بها جماعة من المسلمين ، ونهبوا ما كان بها، وأتته على عكا رسل الملوك بالتهنئة من الروم والعراق وخراسان بفتح بيت المقدس .

(1/19)


وفي هذه السنة : " أعني سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة " : اجتمع الشمس والقمر والمريخ والزهرة وعطارد والمشتري وزحل وأظفار الذئب ، في برج الميزان ، أربع عشره ساعة، فاجتمع المنجمون كلهم ، وحكموا بكون طوفان الريح ، وأنه كائن وواقع ولابد، فتنقلب الأرض من أولها إلى آخرها، وأنه لا يبقى من الحيوان شيء إلا مات ، ولا شجرة ولا جدار إلا سقط . وكان معظم هذه الحكومة عن بلاد الروم ، وأرجفوا بأنها هي القيامة، فاتخذ قوم الكهوف والمغائر في الجبال ، وبالغوا في الاعتداد لهول ذلك اليوم . وقال القوم : " كتب القدماء كلها أحالت على هذا الاجتماع ، وإن فيه دمار الدنيا " . وكان ذلك في مسرى، وفي جمادى الآخرة للسابع والعشرين منه ، وهو يوم الثلاثاء مع ليلة الأربعاء إلى يوم الأربعاء. فلم تهب ريح ، ولا تحرك نيل مصر، وهو في زيادته في مسرى، ومن العادة أن تهب الريح من العصر إلى العشاء في وجه الماء، ليقف بإذن الله ، فتكون فيه الأمواج ، فلم يحدث تلك الليلة، ولا ثاني يوم ولا قبلها بيوم شيء من ذلك ، وطلع الناس بالسرج الموقدة على السطوحات لاختبار الهواء، فلم تتحرك نار البتة. كان أشد الناس إرجافا بهذه الكواكب الروم ، فأكذبهم الله،و سلط عليهم السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف ،فأخذ كبارهم،وملأ الأرض من الأسرى شرقا وغربا، وأخذ القدس ، وأصاب جماعة ممن كان يرجف بهذه الريح آفات ، ما بين موت بعضهم واعتلال بعضهم .
وفيها خرج في سادس عشر جمادى الآخرة قفل شامي إلى مصر، وهو أول قفل سلك بلاد الساحل ، بلا حق يسمعه ولا مكس يوديه .
وفيها سار قراقوش التقوى، واستولى على القيروان ، وحاربه ابن عبد المؤمن سلطان المغرب على ظاهر تونس فانكسر منه ، وأقيمت الخطبة في ربيع الأول بتلك البلاد للسلطان صلاح الدين . فجمع ابن عبد المؤمن ، وواقع قراقوش وهزمه ، ففر قراقوش في البرية .
وفيها أمر السلطان بأن تبطل النقود التي وقع الاختلاف فيها وتضرر العامة بها، وأن يكون ما يضرب من الدنانير ذهبا مصريا، ومن الدراهم الفضة الخالصة، وأبطل الدراهم السود لاستثقال الناس الميزان ، فسر الناس ذلك .
سنة أربع وثمانين وخمسمائة
فيها نازل السلطان حصن كوكب أياما، و لم ينل منها شيئا، فأقام الأمر صارم الدين قايماز النجمي في خمسمائة فارس عليها، ووكل بصفد الأمير طغرل الخازندار في خمسمائة فارس ، وبعث إلى الكرك والشوبك الأمير سعد الدين كمشبه الأسدي ، واستدعى الأمير بهاء الدين قراقوش الأسدي من مصر، فاستخلف على عمارة سور القاهرة، وقدم والسلطان على كوكب ، فندبه لعمارة عكا، فشرع في تجديد سورها وتعلية أبراجها، بمن قدم به معه من مصر من الأسرى والأبقار والآلات والدواب ، وسار السلطان يريد دمشق ، فدخلها سادس ربيع الأول ، وقد غاب عنها سنة وشهرين وخمسة أيام ، كسر فيها الفرنج ، وفتح بيت المقدس ، فلازم الجلوس في دار العدل بحضرة القضاة، وكتب إلى الجهات باستدعاء الأجناد للجهاد، وخرج بعد خمسة أيام على بعلبك ،فوافاه عماد الدين زنكي بن مودود صاحب سنجار على أعمال حمص ، فنزلا على بحيرة قدس. وبعث السلطان ابنه الظاهر وابن أخيه المظفر صاحب حماة لحفظ طريق أنطاكية ، وسار أول ربيع الآخر وشن الغارات على صافيتا وتلك الحصون المجاورة. وسار في رابع جمادى الأولى على تعبية لقاء العدو، فأخذ أنطرسوس ، واستولى على ما بها من المغانم ، وخرب سورها وبيعتها، وكانت من أعظم البيع ، ووضع النار في البلد فأحرق جميعه ، وسار يريد جبلة، فنازلها لاثنتي عشرة بقيت منه ، وتسلمها بغير حرب ، ثم أخذ اللاذقية بعد قتال ، وغنم الناس منها غنيمة عظيمة. وسار إلى صهيون ، فقاتل أهلها إلى أن ملكها في ثاني جمادى الآخرة، واستولى على قلعتي الشغر وبكاس وعدة حصون ، وأسر من فيها، وغنم شيئا كثيرا.
فلما فتح بغراس بعث الإبرنس ملك أنطاكية يسأل الصلح ، فأجيب إلى ذلك ، على

(1/20)


شريطة أن يطلق من عنده من الأسارى المسلمين ، وهم ألف إنسان ، وعاد صاحب سنجار إلى بلده، وسار السلطان إلى حلب ، فأقام بها ثم سار عنها، ودخل إلى دمشق في آخر شعبان وما زال كمشبه محاصرا للكرك حتى تسلم قلعتها، ومعها الشوبك والسلع ، وعدة حصون هناك ، في رمضان . فلما وردت البشرى بذلك على السلطان سار من دمشق ، ونازل صفد حتى ملك قلعتها بالأمان في رابع عشر شوال ولحق من كان فيها من الفرنج بصور ثم سار إلى كوكب وضايقها حتى تسلمها، في نصف ذي القعدة بأمان ، وأرسل أهلها إلى صور. فكثر بها جموع الفرنج ، وكاتبوا إفرنج صقلية والأندلس ، وكتب السلطان إلى الخليفة الناصر بخبر هذه الفتوح ، ورحل فنزل في صحراء بيسان .
وفيها ثار بالقاهرة اثنا عشر رجلا من الشيعة في الليل ، نادوا: " يال علي. . يال علي " . وسلكوا الدروب وهم ينادون كذلك ، ظنا منهم أن رعية البلد يلبون دعوتهم ، ويقومون في إعادة الدولة الفاطمية، فيخرجون من في الحبوس ، ويملكون البلد. فلما لم يجبهم أحد تفرقوا.
وسار السلطان إلى القدس ، فحل به في ثامن ذي الحجة، وسار بعد النحر إلى عسقلان ، وجهز أخاه العادل إلى مصر لمعاضدة الملك العزيز، وعوضه بالكرك عن عسقلان ، وكان قد وهبها له ، ثم نزل بعكا.
سنة خمس وثمانين وخمسمائة
ودخلت سنة خمس وثمانين : فسار السلطان عن عكا، ودخل دمشق أول صفر، فورد عليه في ثاني عشره ضياء الدين عبد الوهاب بن سكينة، رسول الخليفة الناصر، بالخطبة لابنه ولي العهد ، عدة الدنيا والدين أبي نصر محمد، فأقيمت له . وجهز الرسول ، ومعه ضياء الدين القاسم بن يحيى الشهرزوري، وبعث معه بهدايا وتحف وأسارى من الفرنج للخليفة، ومعهم تاج ملك الفرنج والصليب الذي كان فوق صخرة بيت المقدس ، وأشياء كثيرة . فدفن الصليب تحت عتبة باب النوبى ببغداد وديس عليه ، وكان من نحاس مطلي بالنهب .
وخرج السلطان من دمشق في ثالث ربيع الأول ونازل شقيف أرنون وهو منزعج ، لانقضاء الهدنة مع صاحب أنطاكية، ولاجتماع الفرنج بصور، واتصال الأمداد بهم ، فكانت للمسلمين مع الفرنج في بلادهم الساحلية عدة وقائع ، قتل فيها من الفريقين عدة، وكثر القتل في المسلمين ، واشتدت نكاية الفرنج فيهم ، فرحل السلطان إلى عكا، وقد سبقه الفرنج ونزلوا عليها. ونزل السلطان بمرج عكا وصار محاصرا للفرنج ، والفرنج محاصرين للبلد. وتلاحقت به العساكر الإسلامية، والأمداد تصل إلى الفرنج من البحر. فلم يقدر السلطان على الوصول إلى البلد، ولا استطاع أهل عكا أن يصلوا إلى السلطان . وشرع السلطان في قتال الفرنج من أول شعبان ، إلى أن تمكن من عكا، ودخلها في ثانيه ، فما زالت الحرب قائمة إلى رابع رمضان . فتحول إلى الخروبة، وأغلق من في عكا من المسلمين أبوابها، وحفر الفرنج خندقا على معسكرهم حول عكا من البحر إلى البحر، وأداروا حولهم سورا مستورا بالستائر، ورتبوا عليه الرجال ، فامتنع وصول المسلمين إلى عكا.
وقدم العادل بعسكر مصر في نصف شوال ، وقدم الأسطول من مصر إلى عكا في خمسين قطعة، وعليه الحاجب لؤلؤ في منتصف ذي القعدة ، فبدد شمل مراكب الفرنج ، وظفر ببطستين للفرنج . فاستظهر المسلمون الذين بعكا، وقوي جأشهم بالأسطول ، وكانوا نحو العشرة آلاف .
وبعث السلطان إلى الأطراف يحث الناس على الجهاد، وأرسل إلى أخيه سيف الإسلام طغتكين باليمن ، يطلب منه الإعانة بالمال ، وإلى مظفر الدين قر أرسلان صاحب العجم ، وكتب إلى الخليفة. ووصلت الأمداد إلى الفرنج ، وورد الخبر من حلب بخروج ملك الألمان من القسطنطينية، في عدة عظيمة تتجاور الألف ألف ، يريدون البلاد الإسلامية، فاشتد الأمر على السلطان ومن معه من المسلمين .
وتوفي في هذه السنة حسام الدين سنقر الخلاطي ليلة الاثنين سابع عشري رجب ، والأمير حسام الدين طمان يوم الأربعاء ثالث عشر شعبان ، والأمير عز الدين موسك بن جكو في شعبان ، وهو ابن خال السلطان صلاح الدين.
ومات شرف الدين أبو سعد عبد الله بن أبي عصرون بدمشق ، يوم الثلاثاء حادي عشر رمضان ، ومولده أول سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة.
ومات ضياء الدين عيسى الهكاري، يوم الثلاثاء تاسع ذي القعدة بمنزلة الخروبة.
سنة ست وثمانين وخمسمائة

(1/21)


ودخلت سنة ست وثمانين والسلطان بالخروبة على حصار الفرنج ، وقدمت عساكر المسلمين من الشرق ومن بقية البلاد، فرحل من الخروبة لاثنتي عشرة بقيت من ربيع الأول إلى تل كيسان وتتابع مجيء العساكر. وكملت أبراج الفرنج الثلاثة، التي بنوها تجاه عكا في مدة سبعة أشهر، حتى علت على البلد، وامتلأت بالعدد والعدة، وطموا كثيرا من الخندق ، وضايقوا البلد. واشتد خوف المسلمين ، واشتدت الحرب بين الفريقين ، حتى احترقت الأبراج الثلاثة، وخرج أهل عكا منها، فنظفوا الخندق ، وسدوا الثغر، وغنموا ما كان في الأبراج من الحديد، فتقووا به.
وكان بين أسطول المصريين وبين مراكب الفرنج عدة معارك ، فتل فيها كثير من الفرنج. ودخل ملك الألمان بجيوشه إلى حدود بلاد الإسلام ، وقد فني منهم كثير، فواقعهم الملك عز الدين قلج بن أرسلان السلجوقي، فانكسر منهم ، فلحق به الفرنج إلى قونية وهاجموها، وأحرقوا أسواقها، وساروا إلى طرسوس يريدون بيت المقدس ، واسترجاع ما أخذ منهم السلطان من البلاد والحصون ، فمات بها ملكهم . وقام من بعده ابنه ، فسار إلى أنطاكية . وندب السلطان كثيرا ممن كان معه على حرب عكا إلى جهة أنطاكية، ووقع فيمن بقي معه مرض كثير، وأمر بتخريب سور طبرية ويافا وأرسوف وقيسارية وصيدا وجبيل فخرب ذلك ، ونقل من كان فيها إلى بيروت وطمع الفرنج في السلطان لقلة من بقي معه ، فركبوا لحربه ونهبوا وطاق الملك العادل . وكانت للمسلمين معهم حرب ، انكسر فيها الفرنج إلى خيامهم ، وقتل منهم آلاف ، فوهت قواهم . غير أن المدد أتاهم ، ونصبوا المجانيق على عكا، فتحول السلطان إلى الحزوبة، فوافى كتاب ملك الروم بقسطنطينية، يخبر بوصول المنبر من عند السلطان ، وكذلك الخطيب والمؤذنين والقراء، وأن الخطبة أقيمت بالجامع القديم بالقسطنطينية للخليفة الناصر لدين الله .
وسار ابن ملك الألمان عن أنطاكية إلى طرابلس في جيوشه ، وركب منها البحر إلى عكا، فوصل إليها سادس رمضان ، فأقام عليها إلى أن هلك ثاني عشر ذي الحجة، بعدما حارب المسلمين فلم ينل منهم كبير عرض . ودخل الشتاء وقد طالت مدة البيكار، وضجرت العساكر من كثرة القتال ، فرحل صاحب سنجار وصاحب الجزيرة وصاحب الموصل .
وفيها تولى سيف الدولة أبو الميمون مبارك بن كامل بن منقذ شد الدواوين بديار مصر، وباشر الأسعد بن مماتي معه الديوان في محرم .
سنة سبع وثمانين وخمسمائة
ودخلت سنة سبع وثمانين : فسار الظاهر صاحب حلب إليها، وسار المظفر إلى حماة .
وبقي السلطان في جمع قليل ، والحرب بين أهل عكا وأمرهم بهاء الدين قراقوش وبين الفرنج . ودخل فصل الربيع ، فوافت العساكر السلطان ، ووصل إلى الفرنج مددهم ، فضايقوا عكا وجدوا في حصارها، ونصبوا عليها المجانيق . وتوالت الحروب إلى أن ملكها الفرنج ، يوم الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة، وأسروا من فيها من المسلمين وكانوا ألوفا . وخرجوا يريدون الحرب ، فواقعهم السلطان وكسرهم ، ووقع كلامه في الصلح وإطلاق الأسرى ولم يتم .
فلما كان في سابع عشري رجب برز الفرنج بخيامهم ، وأحضروا أسارى المسلمين ، وحملوا عليهم حملة واحدة قتلوا فيها بأجمعهم في سبيل الله صبرا، واليزك الإسلامي ينظر إليهم . فحمل المسلمون عليهم ، وجرت بينهما حرب شديدة، قتل فيها عدة من الفريقين .
ولما أهل شعبان : سار الفرنج إلى عسقلان ، ورحل السلطان في أثرهم ، وواقعهم في رابع عشره بأرسوف ، فانهزم المسلمون ، وثبت السلطان إلى أن اجتمع عليه المسلمون، وعاد إلى القتال ، حتى التجأ الفرنج إلى جدران أرسوف .
ورحل السلطان في تاسع عشره ، ونزل على عسقلان يريد تخريبها، لعجزه عن حفظها، ففرق أبراجها على الأمراء ،وو قع الضجيج والبكاء في الناس أسفا وغما لخرابها، وكانت من أحسن البلاد بناء، وأحكمها أسوارا، وأطيبها سكنا، فلم يزل التخريب والحريق فيها إلى سلخ شعبان .
قال الحافظ عبد العظيم المنذري في المعجم المترجم : " سمعت الأمير الأجل أياز بن عبد الله " يعنى أبا المنصور البانياسي الناصري " يقول : لما هدمنا عسقلان أعطيت أنا برج الداوية، وهدم خطلج برجا وجدنا عليه مكتوبا عمر على يدي خطلج ، وهذا من عجيب الإتفاق . وشبيه بذلك ما أخبرني به القاضي الأجل أبو الحسن علي بن يحيى

(1/22)


الكاتب قال : رأيت بعسقلان برج الدم ، وخطلج المعزى يهدمه يعني في شعبان .
ورأيت عليه مكتوبا: مما أمر بعمارته السيد الأجل أمير الجيوش يعنى بدرا الجمالي على يد عبده ووليه خطلج في شعبان فعجبت من هذا الاتفاق ،كيف عمر في شعبان على يد خطلج ، وهدم في شعبان على يد خطلج .
ثم رحل السلطان عن عسقلان وقد خربت في ثاني رمضان ، ونزل على الرملة فخرب حصنها، وسم كنيسة لد، وركب إلى الفدس جريدة، ثم عاد وهدم حصن النطرون .
وكانت بين المسلمين والفرنج عدة وقائع في البر والبحر، فعاد السلطان إلى القدس في آخر ذي القعدة . وقدم أبو الهيجاء السمين بعسكر مصر، ووقع الاهتمام في عمارة سور بيت المقدس وحفر الخندق .
وفيها مات علم الدين سليمان بن جندر في آخر ذي الحجة.
ومات الملك المظفر تقي الدين عمر بن نور الدولة شاهنشاه بن أيوب بن شادي صاحب حماة، وهو الذي أوقف منازل المعز بمصر مدرسة، في ليلة الجمعة تاسع رمضان ، ودفن بحماة .
ومات نجم الدين محمد بن الموفق بن سعيد بن علي بن حسن بن عبد ا لله الخبوشاني الفقيه الشافعي الصوفي، يوم الأربعاء ثاني عشري ذي القعدة، ودفن بالقرافة .
وفيها سلم أمر الأسطول بمصر للملك العادل ، فاستخدم فيه من قبله ، وأفرد برسمه الزكاة بمصر والحبس الجيوشي بالبرين والنطرون والخراج وما معه من ثمن القرظ وساحل السنط والمراكب الديوانية وإشنين وطنبذة فاستناب العادل في مباشرة ذلك ، واستخدم في ديوان الأسطول صفي الدين عبد ا لله بن علي بن شكر. وأحيل الورثة الجيوشية على غير الحبس الذي لهم .
وعظمت زيادة النيل وغرق النواحي، وكثر رخاء الأسعار بمصر، فأبيع القمح كل مائة أردب بثلاثين دينارا، والخبز البائت ستة أرطال بربع درهم ، والرطب الأمهات ستة أرطال بدرهم ، والموز ستة أرطال بدرهم ، والرمان الجيد مائة حبة بدرهم ، وحمل الخيار بدرهمين ، والتين ثمانية أرطال بدرهم ، والعنب ستة أرطال بدرهم في شهر بابه بعد انقضاء موسمه المعهود بشهرين ، والياسمين خمسة أرطال بدرهم ، وثمر الحناء عشرة أرطال بدرهم ، والبسر الجيد عشرة أرطال بدرهم ، وما دونه خمسة عشر رطلا بدرهم . وكثربمصر والقاهرة التجاهر بمعاصي الله ، وظفر الأسطول بمركب فيه اثنتان وعشرون ألف جبنة، كل جبنة قدر الرحى لا يقلها الراجل . وحصلت بمصر زلزلة، وهبت سموم حارة فيها إعصار ثلاثة أيام ، أتلفت الخضروات التي فضلت من الغرق . وانشقت زريبة جامع المقس لقوة الزيادة، وخيف على الجامع أن يسقط ، فأمر بعمارتها.
سنة ثمان وثمانين وخمسمائة
وأهلت سنة ثمان وثمانين : والسلطان بالقدس مجتهد في عمارته .
وفي ثالث المحرم : نزل الفرنج على ظاهر عسقلان ، لقصد عمارتها فما مكنوا، وواقعهم جماعة من الأسدية منهم يازكج وغيره ، وتوالت الوقائع بينهم .
وفي صفر: سار الملك الأفضل نور الدين علي بن السلطان إلى البلاد الشرقية، على ما كان بيد الملك المظفر تقي الدين عمر من البلاد التي هي قاطع الفرات ، وأطلق له السلطان عشرين ألف دينار سوى الخلع والتشريفات . ثم نزل الملك العادل أبو بكر عن كل ماله في الشام ، ماخلا الكرك والشوبك والصلت والبلقاء ونصف خاصة بديارمصر، وعوض البلاد الشرقية.
وسار السلطان من القدس في أوائل جمادى الأولى، وكتب بعود الملك الأفضل ،فعاد منكسر القلب إلى السلطان . ولحق العادل بحران والرها وقرر أمرهما، ثم عاد إلى السلطان في أخر جمادى الآخرة.

(1/23)


وفي جمادى الآخرة : ملك الفرنج قلعة الداروم ، وخرج العسكر المصري يريدون السلطان ، فكبسهم الفرنج وأخذوا جميع ما معهم ، وتبدد الناس في البرية. وأسر الفرنج منهم خمسمائة رجل ، وأخذوا نحو ثلاثة آلاف جمل ، وعادوا إلى خيمهم وقد طمعوا،فقصدوا المسير إلى القدس ، ثم اختلفوا ونزلوا بالرملة، وبعثوا رسلهم في طلب الصلح ،فبرز السلطان من القدس في عاشر رجب ، وسار إلى يافا فحاصرها، و لم يزل يقاتل من فيها من الفرنج إلى أن أخذ البلد عنوة، وغنم الناس منها شيئا عظيما. وتسلم السلطان القلعة، وأخرج من كان فيها من الفرنج ، فقدم من الفرنج نجدة كبيرة في خمسين مركبا، فغدر أهل يافا بجماعة من المسلمين، وعاد القتال والمراكب في البحر لم تصل إلى البر، فسارع أهل المراكب إلى البر، وحملوا على السلطان، فرحل إلى يازور وأمر بتخريبها، وسار إلى الرملة ومنها إلى القدس ، وعزم على لقاء الفرنج ، فاختلف عليه أصحابه ،وأسمعه بعضهم كلاما جافيا، فانثنى عن ذلك . وقدم عسكر مصر فخرج إلى الرملة، ووقع الصلح بين السلطان والفرنج لثمان بقين من شعبان . وعقدت هدنة عامة في البر والبحر مدة ثلاث سنين وثلاثة أشهر أولها حادي عشر شعبان وهو أول شهر أيلول على أن يكون للفرنج من يافا إلى عكا إلى صور وطرابلس وأنطاكية . ونودي في الوطاقات وأسواق العسكر: ألا إن الصلح قد انتظم ، فمن شاء من بلادهم يدخل بلادنا فليفعل ، ومن شاء من بلادنا يدخل بلادهم فليفعل . وكان يوم الصلح يوما مشهودا، عم فيه الطائفتين الفرح والسرور، لما نالهم من طول الحرب . فاختلط عسكر الفرنج بعسكر المسلمين ، ورحل جماعة من المسلمين إلى يافا للتجارة، ودخل خلق عظيم من الفرنج إلى القدس بسبب الزيارة، فأكرمهم السلطان ومد لهم الأطعمة وباسطهم . ورحل ملوك الفرنج إلى ناحية عكا، ورحل السلطان إلى القدس ، وسار منها إلى دمشق ، ملقيه الأمر بهاء الدين قراقوش " وقد تخلص من الأسر " على طبرية.
ودخل السلطان إلى دمشق ، لخمس بقين من شوال ، فكانت غيبته عنها أربع سنين .
وأذن للعساكر في التفرق إلى بلادهم فساروا إليها، وبقي عند السلطان ابنه الأفضل علي والقاضي الفاضل .
وفيها انتقل سعر الفول بديار مصر من خمسة عشر دينارا إلى ثلاثين دينارا المائة أردب ، بحكم ان المشتري لعلوفة الوسية العادلية خمسون ألف أردب .
وفيها عثر على رجل اسمه عبد الأحد، من أولاد حسن ابن الخليفة الفاطمي الحافظ لدين الله، وأحضر إلى الملك العزيز بالقاهرة، فقيل له : " أنت تدعي أنك الخليفة ؟ " قال : " نعم " . فقيل له : " أين كنت في هذه المدة ؟ " فذكر أن أمه أخرجته من القصر فتاه ، ووصل إلى طنبذة فاختفى بها، ثم خرج إلى مصر، فأواه رجل وشرع يتحدث له في الخلافة، وأنه وقع بعدة بلاد وأقطع أناسا ممن بايعه ، فسجن . وعثر على بعض أقارب الوزير شاور، وقد ثار بالقاهرة ، فسجن هو وجماعته.
وفيها انعقد ارتفاع الديوان الخاص السلطاني على ثلاثمائة ألف وأربعة وخمسين ألف دينار وأربعمائة وأربعة وأربعين دينارا .
ومات فيها جمال الملك موسى بن المأمون البطائحي جامع السيرة المأمونية وهوبقية بيته في سادس عشر جمادى الأولى بالقاهرة.
وفيها وقع الشروع في حفر الخندق من باب الفتوح إلى المقس .
وكتب بنقل جماعة من أتباع الدولة الفاطمية المحبوسين في الإيوان ودار المظفر ليلا،بحيث لا يشعر بهم أحد، حتى يوصلهم المكلف بذلك إلى صرخد.
وفيها كتب بإخلاء مدينة تنيس ، ونقل أهلها إلى دمياط ، وقطع أشجار بساتين دمياط وإخراج النساء منها. فخلت تنيس إلا من المقاتلة، وحفر خندق دمياط وعمل جسر عند سلسلة البرج بها.
وفيها كثرت الأراجيف بالقاهرة ومصر، وعظمت الشناعات ، وارتفعت الأسعار.
وفيها ورد الخبر في كتاب من اليمن بأن ثلاثة أنهار بالحبشة تغيرت بعدما كانت عذبة، فصار أحدها أجاجا، والآخر لبنا، والآخر دما .

(1/24)


وفيها مات قلج ارسلان بن مسعود بن قلج أرسلان بن سليمان صاحب قونية، وقد تغلب عليه ابنه قطب الدين " صاحب سيواس وأقصرا " وزاد في أن حجر عليه . وكان موته في شعبان، فولى تونية بعده ابنه غياث الدين كيخسرو بن قلج أرسلان ، وبقيت أخوته على ولاياتهم من عهد أبيهم ، فاختلفوا، وثار عليه أخوه ركن الدين سليمان صاحب ووقاط وملك سيواس وأقصرا وقيسارية وهي أعمال أخيه قطب الدين ثم ملك قونية من غياث الدين ، ففر غياث الدين ونزل حلب .
سنة تسع وثمانين وخمسمائة
أهلت : والسلطان بدمشق ، فخرج العادل إلى الكرك ، وقدم من اليمن الملك المعز إسماعيل ابن سيف الإسلام ظهير الدين طغتكين في نصف صفر، فسربه السلطان .
فلما كانت ليلة السبت سادس عشره : نزل بالسلطان مرض ، فأمر يوم السبت ولده الفضل أن يجلس على الطعام ، فجلس في مرضع السلطان. وتزايد به المرض إلى اليوم الحادي عشر من مرضه ، فحلف الأفضل الناس ، واستمر السلطان في تزايد من المرض إلى ليلة الأربعاء سابع عشري صفر " وهى ليلة الثاني عشر من المرض " فاحتضر ومات بعد صلاة الصبح من يوم الأربعاء المذكور. فركب الأفضل ، ودار في الأسواق ، وطيب قلوب العامة.
وكان رحمه الله كثير التواضع ، قريبا من الناس ، كثير الاحتمال ، شديد المداراة، محبا للفقهاء وأهل الدين والخير محسنا إليهم ، مائلا إلى الفضائل ،يستحسن الشعر الجيد ويردده في مجلسه . ومدحه كثير من الشعراء، وانتجعوه من البلدان . وكان شديد التمسك بالشريعة، سمع الحديث من أبي الحسن علي بن إبراهيم بن المسلم بن بنت أبي سعد، وأبي محمد بن بري النحوي، وأبي الفتح محمود بن أحمد الصابوني، وأبي الطاهر السلفي، وابن عوف ، وجماعة غيرهم . وكان كريما: أطلق من الخيل بمرج عكا لمن معه اثني عشر ألف رأس ، سوى أثمان الخيل التي أصيبت في الجهاد. و لم يكن له فرس يركبه إلا وهو موهوب أو موعود به ، وصاحبه ملازم في طلبه ، وتأخر عنه الأمير أيوب بن كنان في بعض سفراته لدين لزمه ، فتقبل لغرمائه باثني عشر ألف دينار مصرية. وكان ورعا، رأى يوما العماد الكاتب يكتب من دواة محلاة بالفضة فأنكرها، وقال هذا حرام ، فلم يعد يكتب منها عنده . وكان لا يصلى إلا في جماعة، وله إمام راتب ملازم ، وكان يصلي قبيل الصبح ركعات إذا استيقظ ، وكان يسوي في المحاكمة بين أكبر الناس وبين خصمه . وكان شجاعا في الحروب ، يمر في الصفوف وليس معه سوى صبي . وقرىء ، عليه جزء من الحديث بين الصفين ، وهو على ظهر فرسه ، وكان ذاكرا لوقائع العرب وعجائب الدنيا، ومجلسه طاهر من المعايب، رحمه الله وغفر له .
ولما مات جلس الأفضل للعزاء، وكثر بكاء الناس عليه . وغسله الفقيه خطيب دمشق ، أخرج بعد صلاة الظهر، وصلى الناس عليه أرسالا، ودفن بداره التي مرض فيها بالقلعة، ثم نقل في يوم عاشوراء سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة إلى تربة بنيت له بجوار جامع بني أمية . وكتب بوفاته إلى العزيز بمصر، وإلى العادل بالكرك . وكان عمره يوم مات نحوا من سبع وخمسين سنة، منها مدة ملكه بعد موت العاضد اثنتان وعشرون سنة وأيام . وترك من الأولاد سبعة عشر ذكرا وبنتا واحدة صغيرة، ولم يخلف في خزائنه سوى سبعة وأربعين درهما، و لم يترك دارا ولا عقارا. وكان القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني صاحب سره ، وبمنزلة الوزير منه .
وفيها قتل طغرل بن أرسلان بن طغرل بن السلطان محمد بن ملك شاه بن ألب أرسلان بن جغري بك داود بن ميكائيل بن سلجوق في رابع عشري شهر ربيع الأول ، وهو أخر من ملك بلاد العجم من السلاطين السلجوقية، وابتداء دولتهم في سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة، وأولهم طغرلبك بن ميكائيل بن سلجوق ، فتكون مدة دولتهم مائة سنة وثمانيا وخمسين سنة.

(1/25)


السلطان الملك العزيز عماد الدين أبو الفتح عثمان ابن السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب ، ولد بالقاهرة في ثامن جمادى الأولى سنة سبع وستين وخمسمائة، ومات أبوه بدمشق وهو على سلطنة ديار مصر مقيم بالقاهرة، وعنده جل العساكر والأمراء من الأسدية والصلاحية والأكراد . فلما بلغه موت أبيه جلس للعزاء وأخذ بالحزم ، وقرر أمور دولته ،وخلع على الأمراء وأرباب الدولة يعد انقضاء العزاء. فقام أخوه الأفضل نور الدين علي بدمشق ، وكتب إلى الخليفة الناصر يطالعه بوفاة أبيه ، من إنشاء العماد الكاتب . وبعث بذلك مع القاضي ضياء الدين أبي الفضائل القاسم بن يحيى بن عبد ا لله الشهرزوري، ومعه عدد والده وملابسه وخيله ، وهدية نفيسة. وسار العادل من الكرك إلى بلاد المشرق ، فأقام بقلعة جعبر وبعث نوابه إلى حران والرها، واستوزر الأفضل الوزير ضياء الدين نصر ا لله بن محمد بن الأئير، وفوض إليه أموره كلها، فحسن له إبعاد أمراء أبيه وأكابر أصحابه ، وأن يستجد أمراء غيرهم ، ففارقه جماعة منهم الأمر فخر الدين جهاركس، وفارس الدين ميمون القصري، وشمس الدين سنقر الكبير، وكانوا عظماء الدولة، فصاروا إلى الملك العزيز بالقاهرة فأكرمهم ، وولى فخر الدين أستاداره، وفوض إليه أمره ، وجعل فارس الدين وشمس الدين على صيداء وأعمالها، وكان ذلك لهما، وزادهما نابلس وبلادها، وسار القاضي الفاضل أيضا من دمشق ولحق بالقاهرة، فخرج العزيز إلى لقائه وأجل قدومه وأكرمه ، فشرع القوم في تقرير قواعد ملك العزيز والأفضل في شغل عنهم ، وكانت مدينة القدس مضافة للأفضل ، فكتب إلى أخيه العزيز يرغب عنها له . وكان ذلك من تدبير وزيره ابن الأثير، لأنها كانت تحتاج حينئذ إلى أموال ورجال لمدافعة الفرنج، فسر العزيز بذلك ، وجهز عشرة آلاف دينار إلى عز الدين جرديك النوري متولي القدس ، لينفقها في عسكر القدس ، فخطب له به . وخشي العزيز من نقض الهدنه بينه وبن الفرنج ، فبعث عسكرا إلى القدس احترازا من الفرنج . ثم بدا للأفضل أن يعود فيما رغب عنه لأخيه من القدس ، ورجع عن ذلك ، فتغير العزيز من هذا، وأخذ الأمراء في الإغراء بينهما، وحسنوا للعزيز الاستبداد بالملك والقيام مقام أبيه ، فبلغ ذلك الأفضل .
سنة تسعين و خمسمائة

(1/26)


ودخلت سنة تسعين : وقد تنافرت القلوب ، وقويت الوحشة بين الأخوين ، واجتمعت الأمراء الصلاحية على أن يكون الأمر كله للعزيز، فاضطربت أحوال الأفضل . وخرج العزيز من القاهرة بعساكر مصر، من الصلاحية والأسدية والأكراد وغيرهم ، يريد الشام وانتزاعها من أخيه الأفضل ، من أجل أمور منها أن جبيل " وهو من جملة الفتوح الصلاحية " كان مع رجل كردي فقيه أقامه صلاح الدين مستحفظا بها، فأرغبه الفرنج بمال حتى سلمه لهم . وخرج الأفضل من دمشق ليستنقذه من الفرثج ، فتعذر عليه ، وظهر العجز عن استخلاصه ، فامتعض الأمراء لذلك ، وخوفوا العزيز من عاقبة أمر الفرنج ، فسار في صفر واستخلف أخاه الملك المؤيد نجم الدين مسعود، وترك بالقاهرة بهاء الدين قراقوش الأسدي وصيرم وسيف الدين يازكج وخطلج في تسعمائة فارس . واتفق أن الأمير صارم الدين قايماز النجمي " أحد أكابر الأمراء الصلاحية " استوحش من الأفضل لإعراضه عنه ، فخرج من دمشق يريد إقطاعه ، ولحق بالعزيز فأكرمه ورفع محله . وهم الأفضل بمراسلة أخيه العزيز واستعطافه ، فمنعه من ذلك وزيره ابن الأثير وعدة من أصحابه ، وحسنوا له محاربته ، فمال إليهم . وبعث إلى عمه العادل وهو بالشرق ، وإلى أخيه الظاهر بحلب ، وإلى المنصور بحماة، وإلى الأمجد صاحب بعلبك وإلى المجاهد شيركوه صاحب حمص ، يستنجدهم على أخيه العزيز. فوردت رسلهم في جمادى الآخرة، يعدون بالقدوم عليه . ثم إنه برز من دمشق ، ونزل برأس الماء. فلما وصل العزيز إلى القصير من الغور ضاق الأفضل ، ورجع من الفوار إلى رأس الماء، فأدركت مقدمة العزيز ساقته ، وكادوا يكبسونه فانهزم إلى دمشق ، ودخلها لخمس مضين منه . ونزل العزيز في غده على دمشق في قوة قوية، ونازل البلد. وكان الأفضل قد استعد لقتاله ، فقدم العادل والظاهر والمنصور والمجاهد والأمجد إلى دمشق . وبعث العادل إلى ابن أخيه الملك العزيز يشفع في الأفضل ، ويستأذنه في الاجتماع به ، فأذن له . وخرج العادل فاجتمع بالعزيز " وكل منهما راكب " وتحدث معه في الصلح ، وأن ينفس الخناق عن البلد، وكان قد اشتد الحصار، وقطعت الأنهار، ونهبت الثمار، والوقت زمن المشمش. فوافق العزيز عمه ، وتأخر إلى داريا ونزل على العوج ، وسير الأمير فخر الدين جهاركس الأستادار " وهو يومئذ أجل الصلاحية " إلى العادل ، فقرر الصلح على شروط ، وعاد إلى العزيز. فرحل ونزل مرج الصفر فحدث له مرض شديد، وأرجف بموته ، ثم أبل منه . وأمر بعمل نسخة اليمن ، وهى جامعة لمقترحات جميع الملوك ، وحسم مواد الخلاف ، وأن الملك الأمجد بهرام شاه بن عز الدين فرخشاه ، والملك المجاهد شيركوه ، يكونان مؤازرين للملك الأفضل وتابعين له ، وأن الملك المنصور صاحب حماة يكون في حيز الملك الظاهر صاحب حلب ومؤزرا له . وبعث كل من الملوك أميرا من أمرائه ليحضر الحلف ، فاجتمعوا يوم السبت ثاني عشر شهر رجب ، وجرت أمور آلت إلى الحلف على دخن .
وتزوج العزيز بابنة عمه العادل ، وقبل العقد عنه القاضي المرتضى محمد بن القاضي الجليس عبد العزيز السعدي. ووكل العادل القاضي محيي الدين محمد بن شرف الدين بن عصرون في تزويج ابنته من ابن عمها الملك العزيز، وعقد بينهما قاضي القضاة محيي الدين. وكتب العماد الكاتب الكتاب في ثوب أطلس ، وقرئ بين يدي الملك الظاهر، وعقد العقد عنده.
فلما كان يوم الجمعة أول شعبان : خرج الملك الظاهر غازي صاحب حلب لوداع أخيه ، فركب العزيز إلى لقائه وأنزله معه ، وأكلا ثم تفرقا، بعد ما أهدى كل منهما لأخيه هدية سنية. ثم خرج العادل لوداع العزيز في خواصه ، ثم خرج الأفضل فودعه أيضا، وهو آخر من ودعه . ورحل العزيز من مرج الصفر في ثالث شعبان يريد مصر، فلما كان ثالث عشره عمل الأفضل دعوة عظيمة لعمه وبقية الملوك ووادعهم ، ثم رحلوا من الغد إلى بلادهم إلا العادل ، فإنه أقام إلى تاسع شهر رمضان ، ثم رحل إلى بلاده بالشرق .

(1/27)


وقدم العزيز إلى القاهرة في يوم وأما الأفضل فإنه هم بمكاتبة العزيز بما يؤكد أسباب الصلح ، فأماله عن ذلك خواصه ، وأغروه بأخيه ، ورموا جماعة من أمرائه بأنهم يكاتبون العزيز، فاستوحش منهم ، وفطنوا بذلك فتفرقوا عنه . وسار الأمير عز الدين أسامة صاحب كوكب وعجلون عن الأفضل ، ولحق بالعزيز فأكرمه غاية الإكرام ، وأخذ يحرضه على الفضل ، ويحثه على المسير إلى دمشق وانتزاعها منه ، ويقول له : إن الأفضل قد غلب على اختياره ، وحكم عليه وزيره الضياء ابن الأثير الجزري، وقد افسد أحوال دولته برأيه الفاسد، ويحمل أخاك على مقاطعتك ، ويحسن له نقض اليمن ، فإن من شرطها صفو الوداد وصحة النية، ولم يوجد ذلك ، فحنثهم في اليمين قد تحقق، وبرئت أنت من العهدة، فاقصد البلاد فإنها في يدك ، قبل أن يحصل في الدولة من الفساد ما لا يمكن تلافيه " ، وبينا هو في ذلك إذ فارق الأفضل الأمير شمس الدين أيدمر بن السلار، وصل إلى العزيز، فساعد الأمر أسامة على قصده ، ثم وصل أيضا إلى العزيز القاضي محيي الدين أبو حامد محمد بن الشيخ شرف الدين عبد الله بن هبة الله بق أبي عصرون ، فاحترمه وولاه قضاء الديار المصرية، وضم إليه نظر الأوقاف .
وأقبل الأفضل بدمشق على اللعب ليله ونهاره ، وتظاهر بلذاته، وفوض الأمور إلى وزيره ، ثم ترك اللعب من غير سبب ، وتاب وأزال المنكرات وأراق الخمور، وأقبل على العبادة، ولبس الخشن من الثياب ، وشرع في نسخ مصحف بخطه ، واتخذ لنفسه مسجدا يخلو فيه بعبادة ربه ، وواظب على الصيام ، وجالس الفقراء، وبالغ في التقشف ، حتى صار يصوم النهار ويقوم الليل .
وأما العزيز فإنه قطع خبز الفقيه الكمال الكردي من مصر، فأفسد جماعة على السلطان ، وخرج إلى العرب فجمع ونهب الإسكندرية ، فسار إليه العسكر فلم يظفروا به . وقطع العزيز أيضا خبز الجناح وعلكان ومجد الدين الفقيه وعز الدين صهر الفقيه ، فساروا من القاهرة إلى دمشق ، فأقطعهم الملك الأفضل الإقطاعات .
وفي شهر رمضان : كسر بحر أبي المنجا بعد عيد الصليب بسبعة أيام ، وتجاهر الناس فيه بالمنكرات من غير نكر عليهم .
وفيه وقعت الآفة في البقر والجمال والحمير، مهلك منها كثير.
وفيه كثر حمل الغلة من البحيرة إلى بلاد المغرب ، لشدة الغلاء بها، وكثرت بين الأمراء إشاعة أن إقطاعاتهم تؤخذ منهم ، فقصروا في عمارة البلاد. وارتفع السعر بالإسكندرية، ونقص ماء النيل بعدما بلغ اثنين وعشرين إصبعا من سبعة عشر ذراعا، فرفعت الأسعار، وشرقت البلاد، وبلغ القمح كل أردب بدينار، وأخذ في الزيادة وتعذر وجود الخبز، وضج الناس ، وكثرت المنكرات ، وغلا سعر العنب لكثرة من يعصره . وأقيمت طاحون لطحن الحشيش بالمحمودية، وحميت بيوت المزر، وجعل عليها ضرائب ، فمنها ما كان عليه في اليوم ستة عشر دينارا، ومنع من عمل المزر البيوتي، وتجاهر الكافة بكل قبيح ، فترقب أهل المعرفة حلول البلاء.
وفيها قدم رسول متملك القسطنطينية يطلب صليب الصلبوت، فأحضر من القدس، وكان مرصعا بالجوهر، وسلم إليه على أن يعاد ثغر جبيل من الفرنج . وتوجه الأمير شمس الدين جعفر بن شمس الخلافة بذلك .
تتمة سنة تسعين وخمسمائة
في يوم الخميس رابع محرم : عقد مجلس بحضرة السلطان ، حضره أصحاب الدواوين.
وفي عاشره : قدم الأمير حسام الدين ببشارة من عند الملك العادل وبقية الأولاد الناصرية، فتلقاه السلطان والأمراء، وحمل إليه سماط السلطنة، فطلب الموافقة بين الأهل .
وفي سادس عشره : ركب السلطان للصيد بالجيزة، ومر بباب زويلة، فأنكر بروز مصاطب الحوانيت في الأسواق ، ورسم بهدمها، فهدمت بمباشرة محتسب القاهرة . ومر بصناعة العمائر، فرسم بسد طلقات الدور المجاورة للنيل فسدت .
وفي صفر: غيرت ولاة الأعمال .
وفي عاشره : حلف العزيز لعمه العادل .
وفي ثالث عشريه :عاد العزيز من الصيد بالجيزة .
وفي هذا الشهر: غلت الأسعار، فبلغ كل مائة أردب ثمانين دينارا.
وفي خامس عشره : قدم فارس الدين ميمون القصري مقطع صيداء، وسيف الدين سنقر المشطوب ، وشمس الدين سنقر الكبير مقطع الشقيف ، مفارقين الملك الأفضل ، فدفع العزيز لميمون خمسمائة دينار، ولسنقر أربعمائة دينار، وللمشطوب ثلاثمائة دينار .

(1/28)


وفي ربيع الأول : اشتد الأمر في للزحام على الخبز لقلته في الأسواق ، ووقع الحريق في عدة مراضع بالقاهرة.
وفي عاشره : أخرجت خيمة السلطان للسفر.
وفي ثالث عشره: انحل السعر قليلا، ووجد الخبز في الأسواق .
وفي نصفه : ورد كتاب علم الدين قيصر بأنه تسلم القدس من جرديك في تاسعه ، وتسلم صليب الصلبوت ، وقرر أيضا إعادة جبيل من الفرنج .
وفي سادس عشره : قدم بدر الدين لؤلؤ بكتاب الأفضل بخبر جبيل ، وسبب قدوم ميمون ورفيقيه .
وفيه نزع السعر، وبلغ كل مائة أردب إلى مائة وخمسة وسبعين دينارا، وعظم ضجيج الناس من الجوع .
وفي سابع عشريه: وصل صليب الصلبوت من القدس ، وهو خشبة مرصعة بجواهر في ذهب.
وفي ثامن عشريه : ولى زين الدين علي بن يوسف الدمشقي قضاء القضاة بديار مصر، عوضا عن صدر الدين بن درباس ، بعناية جماعة من المماليك به ، وخلع عليه .
وفي سلخه : قدم رسول الملك العادل .
وفي تاسع ربيع الآخر: هدم المحتسب حوانيت وإصطبلا كان صدر الدين بن درباس أنشأها في زيادة الجامع الأزهر بجوار داره ، ورفع صدر الدين نقض ذلك إلى داره .
وقوي عزم السلطان على السفر، وبعث بهرام يقترض له مالا من تجار الإسكندرية، وطلب من قاضي القضاة زين الدين أن يقرضه مال الأيتام ، وكان يبلغ أربعة عشر ألف دينار، فحملت إلى الخزانة. وكنب السلطان خطه بذلك وأشهد عليه ، وأحال به على بيت المال ، وقرر استخراجه منه وأمر بحمله إلى القاضي . هذا وقد تأخر القرض الذي كان السلطان صلاح الدين أقرضه في نوبة عكا، وهو ثلاثون ألف دينار، فلم يوف منه إلا يسيرا .
وفي سادس عشره : توجه جعفر بن شمس الخلافة إلى الفرنج لإعادة جبيل .
وفي يوم الخميس تاسع عشره : خرج السلطان إلى مخيمه ببركة الجب ، واستناب في غيبته بهاء الدين قراقوش ، ومعه ثلاثة عشر أميرا، ونحو سبعمائة فارس . وتوجه مع السلطان سبعة وعشرون أميرا، في ألفي فارس وألف من الحلقة.
وفي ثالث جمادى الأولى : استقل السلطان بالمسير، ونزل على دمشق في تاسع جمادى الآخرة، ورحل عنها في ثامن عشريه بشفاعة عمه الملك العادل .
وفي تاسع رجب : دخل الأفضل دمشق ، بعد أن تقرر الصلح بينه وبن أخيه الملك العزيز في سادسه .
وفي رابع شعبان : دقت البشائر بالقاهرة، فرحا بالصلح بين الأولاد الناصرية، وزينت الأسواق.
وفيه انحط السعر.
وقدم السلطان الملك العزيز إلى القاهرة سلخ شعبان .
وفي سابع رمضان: وصل الملك المعظم توران شاه وإخوته وعيالهم من دمشق ، والديوان في ضائقة شديدة، فعجزوا عن إقامة وظائفهم ومطابخهم وجراياتهم ، فنزلوا في الدار العزيزية . ونزعت الأسعار في المأكولات كلها .
وفي تاسع عشره : وصل عز الدين أسامة مفارقا للأفضل .
سنة إحدى وتسعين وخمسمائة
ودخلت سنة إحدى وتسعين ، والعزيز على عزم المسير إلى الشام ، فاستشار الأفضل أصحابه، فمنهم من أشار عليه بمكاتبة العزيز واسترضائه ، وأشار الوزير ابن الأثير عليه بالاعتصار بعمه العادل ، واستنجاده على العزيز، فأصغى إليه ، وكثرت الإشاعة بقصد العزيز إقامة الخطبة في دمشق باسمه ، وضرب السكة له . فانزعج الأفضل ، وخرج من دمشق في رابع عشر جمادى الأولى، وسار جريدة إلى عمه العادل ، فلقيه بصفين ، فلما نزلا ألحف الأفضل في المسألة له أن ينزل عنده بدمشق ، ليجيره من أخيه العزيز، فأجابه وأنزله بقلعة جعبر، ثم سار معه إلى دمشق أول جمادى الآخرة، فوصل إليها في تاسعه ، ودخل الأفضل إلى حلب على البرية، مستصرخا بأخيه الملك الظاهر، فتلقاه وحلف له على مساعدته ، ثم رحل عنه إلى حماة، فتلقاه ابن عمه الملك المنصور محمد ابن المظفر، وحلف له ، ثم سار عنه إلى دمشق ، فدخلها في ثالث عشره وبها العادل ، فأفضى إليه بأسراره . وعلم العادل اختلال أحوال الأفضل ، وسوء تدبيره وقبيح سيرته ، فانحرف عنه ونهاه فلم ينته إلا أنه مبالغ في كرامة عمه ، حتى أنه ترك له السنجق . وصار العادل يركب بالسنجق السلطاني في كل يوم، ويركب الأفضل في خدمته .

(1/29)


فما هو إلا أن استقر ذلك إذ حدث بين الظاهر صاحب حلب وبين أخيه الأفضل وعمه العادل وحشة، من أجل ميل الملك المنصور صاحب حماة إلى العادل . فسير الظاهر إلى أخيه العزيز يحرضه على قصد الشام ، ووعده بالمساعدة له على الأفضل ، فوافق ذلك غرضه ، وخرج من القاهرة بعساكره .
فلما قارب العزيز دمشق كاتب الملك العادل الأمراء سرا واستمالهم ، وكان الأمراء الصلاحية قد وقع بينهم وبين الأمراء الأسدية تنافس ، لتقديم العزيز الصلاحية على الأسدية. فعملت حيل العادل حتى وقعت الوحشة بين الطائفتين ، ونفرت الأسدية من الملك العزيز. وكاتب العادل العزيز سرا يخوفه من الأسدية، ويحثه على إبعادهم عنه ، وكاتب الأسدية، يخوفهم من العزيز ويستميلهم إليه . فحاق ما مكره وتم له ما دبره ، وعزموا على مفارقة العزيز، وحسنوا للأكراد والمهرانية موافقتهم ، فانقادوا إليهم . وكان مقدم أمراء الأكراد الأمير حسام الدين أبو الهيجاء السمين ، فاجتمع بالأكراد مع الأسدية، واتفقوا بأجمعهم على مفارقة العزيز والانضمام إلى العادل والأفضل ، ومضايقة العزيز وعقدوا النية على مكاتبة من بقي منهم بمصر، أن يستقبلوا العزيز ويحولوا بينه وبين القاهرة، فيصير بذلك بين الفريقين، ويؤخذ باليد.
فلما كان في عشية الرابع من شوال : رحل الأمير أبو الهيجاء بالأكراد والمهرانية والأسدية، وهم لابسون لامة الحرب ، ولحقوا بالعادل فسر بهم ، لأنهم معظم الجيش . فلما أصبح نهار الخامس من شوال رحل العزيز يريد مصر، وهو متخوف من الأسدية المقيمين بالقاهرة . وكان نائبه بها الأمير بهاء الدين قراقوش الأسدي، فلم يتغير على العزيز، ووصل إلى القاهرة فاستقر بها.ثم إن العادل خرج بالأفضل من دمشق ، ومعه العساكر يريد اخذ القاهرة، لما داخله من الطمع في العزيز، واتفق مع الأفضل على أن يكون للعادل ثلث البلاد المصرية، ويكون ثلثاها للأفضل . فأجابه إلى ذلك ورحلا من دمشق ، وخرج معهم أيضا المنصور صاحب حماة، وعز الدين بن المقدم وسابق الدين عثمان بن الداية صاحب شيزر واستخلف الأفضل بدمشق أخاه الملك الظافر خضر صاحب بصرى وانضم إليهم عز الدين جرديك النوري نائب القدس ، فلما وصلوا تل العجول ، أخلع الأفضل على جميع الأسدية، وعلى الأكراد الأفضلية، وأعطاهم الكوسات . وسار الأفضل إلى القدس، وتسلمه من جرديك ، وأعطاه بيسان وكوكب والجولان والمنيحة ثم سار العسكر حتى نزل على بلبيس ، وبها، جموع الصلاحية والعزيزية، ومقدمهم فخر الدين جهاركس على الصلاحية، والأمير هكدري ابن يعلي الحميدي على طائفة الأكراد، فنازلهم العادل والأفضل.

(1/30)


وكانت أيام زيادة ماء النيل ، والأسعار غالية والعلف متعذر، فبلغ العسكر الواصل الجهد، وندم أكابرهم على ما كان منهم ، هذا والعزيز يمد أهل بلبيس بالمراكب المشحونة بالرجال والعدد، فبلغ ذلك الأسدية، فركبوا إلى المراكب ، وأخذوا بعضها وغرقوا بعضها، وأسروا خلقا، وسلم ثمانية مراكب عادت إلى القاهرة، واشتد الحصارعلى بلبيس حتى كادت تؤخذ، وضاق العزيز بالقاهرة، وقلت الأموال عنده ، وكان محببا إلى الرعية، لما فيه من حسن السيرة، وكثرة الكرم والرفق ، فلما نازل العادل والأفضل بلبيس احتاج إلى استخدام الرجال ، فلم يجد عنده مالا، فبذل له الأغنياء جملة أموال ، فلم يقبلها، وكان القاضي قد تنزه عن ملابسة الدولة ومخالطة أهلها، واعتزل لما رأى من اختلال الأحوال ، وكان عبد الكريم بن علي البيساني يتولى الحكم والإشراف في البحيرة مدة طويلة، فحصل من ذلك مالا جما. ثم حدثت بينه وبين أخيه القاضي الفاضل مشاجرة اقتضت اتضاع حاله عند الناس بعد احترامهم إياه ، فصرف عن عمله . وكان متزوجا بامرأة موسرة من بنى ميسر، فسكن بها في ثغر الإسكندرية، وأساء عشرتها، لسوء خلق كان فيه ، فسار أبرها إلى الإسكندرية، وأثبت عند قاضيها ضرر ابنته ، فمضى القاضي بنفسه إلى الدار، فلم يقدر على فتح الباب الذي من داخله المرأة، فأمر بنقب الدار، وأخرج المرأة وسلمها لأبيها وأعاد بناء النقب ، فغضب عبد الكريم وسار إلى القاهرة، وبذل للأمير فخر الدين جهاركس خمسة آلاف دينار مصرية، ووعد خزانة الملك العزيز بأربعين ألف دينار على ولاية قضاء الإسكندرية، وحمل ذلك بأجمعه إلى فخر الدين جهاركس . فأحضره جهاركس إلى العزيز، وهو حينئذ في غاية الضرورة إلى المال ، وقال: " هذه خزانة مال قد أتيتك بها من غير طلب ولا تعب " ، وعرفه الخبر. فأطرق العزيز مليا، ثم رفع رأسه وقال : " أعد المال إلى صاحبه ، وقل له إياك والعود إلى مثلها، فما كل ملك يكون عادلا، وعرفه أني إذا قبلت هذا منه أكون قد بعت به أهل الإسكندرية، وهذا لا افعله أبدا " . فلما سمع هذا جهاركس وجم ، وظهر في وجهه التغير. فقال له العزيز: " أراك واجما، أظنك أخذت على الوساطة شيئا " . قال : " نعم خمسة آلاف دينار " . فأطرق العزيز، ثم قال : " أعطاك مالا تنتفع به ، وأنا أعطيك في قبالته ما تنتفع به مرات عديدة " ، ثم وقع له بخطه إطلاق جهة طنبدة، ومغلها في السنة سبعة آلاف دينار، فلامه أصحابه وألحوا عليه في الاقتراض من القاضي الفاضل ، فاستدعاه إلى مجلسه ، بمنظرة من دار الوزارة كانت تشرف على الطريق ، فعندما عاين القاضي الفاضل استحيا منه ، ومضى إلى دار الحرم ، احتراما له من مخاطبته في القرض ، فلم يزل الأمراء به حتى أخرجوه من عند الحرم . فلما اجتمع بالفاضل قال له ، بعد أن أطنب في الثناء عليه : " قد علمت أن الأمور قد ضاقت علي، وقلت الأموال عندي، وليس لي إلا حسن نظرك ، وإصلاح الأمر إما بمالك أو برأيك أو بنفسك " . فقال القاضي الفاضل : " جميع ما أنا فيه من نعمتكم ، ونحن نقدم أولا الرأي والحيلة، ومتى احتيج إلى المال فهو في يديك " .
واتفق أن العادل " لما اشتد على أصحابه الغلاء والضيق " استدعى القاضي الفاضل برسول قدم منه على العزيز، فسيره إليه . وقد قيل إن العزيز لما جرى على المراكب التي جهزها إلى بلبيس ما جرى، خاف على الملك أن يخرج من يده ، فسير إلى عمه في السر يعرفه أنه قد أخطأ، وأنه قد عزم على اللحاق ببلاد المغرب ، ويسأله الاحتفاظ بحرمه وأولاده . فرق له العادل ، واستدعى القاضي الفاضل ، فلما قرب منه ركب إلى لقائه وأكرمه ، ومازالا حتى تقرر الأمر على أن الأسدية والأكراد يرجعون إلى خدمة العزيز، من غير أن يؤاخذهم بشيء، ويرد عليهم إقطاعاتهم ، ويحلف العزيز لهم ويحلفون له ، وأن يكون العادل مقيما بمصر عند العزيز، ليقرر قواعد ملكه ، وأن العزيز والأفضل يصطلحان ، ويستقر كل منهما على ما بيده. فعاد القاضي الفاضل ، وقد تقرر الأمر على ما ذكر، وحلف كل منهم لصاحبه على الوفاء.

(1/31)


وخرج العزيز من القاهرة إلى بلبيس ، فالتقاه عمه العادل وأخوه الأفضل ، ووقع الصلح التام في الظاهر. ورحل الأفضل يريد الشام ، ومعه الأمير أبو الهيجاء السمين ، وصار الساحل جميعه مع الأفضل ، وعاد العزيز إلى القاهرة، وصحبته عمه العادل ، فأنزله في القصر من القاهرة . وأخذ العادل في إصلاح أمور مصر، والنظر في ضياعها ورباعها، وأظهر من محبة العزيز شيئا زائدا، وصار إليه الأمر والنهي والحكم والتصرف في سائر أمور الدولة، جليلها وحقيرها، وصرف القاضي محيي الدين محمد بن أبي عصرون عن قضاء مصر، وولى زين الدين أبو الحسن علي بن يوسف بن عبد الله بن بندار الدمشقي .
وفيها جدد العزيز الصلح بينه وبين الفرنج .
وفيها ورد كتاب ملك الروم ، يتضمن أن كلمة الروم اجتمعت عليه ، وأنه أحسن إلى المسلمين وأمرهم بإقامة الجامع ، فأقيمت الصلاة فيه يوم الجمعة الصلاة مع الخطبة، وأنه عمر جانبا منه كان انهدم من ماله ، فتمكن من في القسطنطينية من المسلمين من إقامة الجمعة والجماعة بها. والتمس ملك الروم الوصية بالبطرك والنصارى، وأن يمكنوا من إخراج موتاهم بالشمع الموقد، وإظهار شعائرهم بكنائسهم ، وأن يفرج عن أسارى الروم بمصر .
وفيها عزل زين الدين علي بن يوسف بن بندار عن القضاء، في حادي عشر جمادى الأولى، بمحيي الدين أبي حامد محمد بن عبد الله بن هبة الله بن عصرون .
سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة
وأهلت سنة اثنتين وتسعين : ففي أولها : وصل الملك الأفضل إلى دمشق ، وتفرقت العساكر إلى بلادها، ولزم الأفضل الزهد، وأقبل على العبادة، وصارت أمور الدولة بأسرها مفوضة إلى وزيره ضياء الدين ابن الأثر، فاختلت به الأحوال غاية الاختلال ، وكثر شاكوه . وضبط العادل أمور مملكة مصر، وغير الإقطاعات، ووفر الارتفاعات وعمال الأعمال ، وثمر الأموال ، وقرب إلى العزيز الأمير عز الدين أسامة، فصار صاحب سره وحاجبه ، والواسطة بينه وبين عمه . واختص الأمير صارم الدين قايماز النجمي بالعادل ، وصار صفوته .
وفي يوم السبت ثاني عشر المحرم : رفعت يد ابن أبي عصرون وأيدي نوابه من الحكم ، وأمر أن يعتزل في بيته ، وأن يخرج عن مصر، فأغلق بابه ، وشرع في تجهيز نفسه ، وتوسل في إقامته .
وفي سابع عشريه : خلع علي زين الدين علي بن يوسف بن بندار وأعيد إلى القضاء، عوضا عن ابن أبي عصرون .
وفي أول صفر: حبس الملك العزيز ناحية الخربة من المنوفية على زاوية الإمام الشافعي بالجامع العميق بمصر، وفرض تدريسها إلى البهاء بن الجميزي.
وفي صفر وشهر ربيع الأول : كثرت الطرحى من الأموات على الطرقات ، وزادت عدتهم بمصر والقاهرة في كل يوم عن مائتي نفس ، وبقي بمصر من لم يوجد من يكفنه ، وأكثرهم يموت جوعا .
وانتهى القمح إلى مائة وثمانين دينارا المائة أردب ، والخبز إلى ثلاثة أرطال بدرهم ، وعمد الضعفاء إلى شراء الجرار، وغدوا إلى البحر وترددوا إليه ، ليستقوا منه في الجرار، ويبيعوها بثمن درهم الجرة، وقد لا يجدون من يشتريها منهم ، فيصيحون : " من يتصدق علينا بثمن هذه الجرة، ومن يشتريها منا بكسرة ؟ " . وزاد السعر، وضاق الخناق ، وهلك الضعفاء، وفشا الموت، وأكثره في الجياع . وصارت الأقفاص التي يحمل فيها الطعام يحمل فيها الأموات ، ولا يقدر على النعوش إلا بالنوبة، وامتدت الأيدي إلى خطف ألواح الخبز " ويضرب من ينهب ، ويشج رأسه ، ويسال دمه ، ولا ينتهي ولا يرمي ما في يده مما خطفه ، وعدم القمح إلا من جهة الشريف ابن ثعلب ، فإن مراكبه تتواصل وتبيع بشونه .
وورد الخبر في تاسع صفر بأن تابوت الملك الناصر صلاح الدين نقل في يوم عاشوراء، من قلعة دمشق إلى تربة عملت له ، فكان يوما مشهودا.

(1/32)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية