صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

وروي في سبب بنيان البيت خبر آخر وليس بمعارض لما تقدم وذلك أن الله سبحانه لما قال لملائكته : " إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها " البقرة
خافوا أن يكون الله عاتبا عليهم لاعتراضهم في علمه فطافوا بالعرش سبعا يسترضون ربهم ويتضرعون إليه فأمرهم سبحانه أن يبنوا البيت المعمور في السماء السابعة وأن يجعلوا طوافهم به فكان ذلك أهون عليهم من الطواف بالعرش ثم أمرهم إن يبنوا في كل سماء بيتا وفي كل أرض بيتا قال مجاهد : هي أربعة عشر بيتا كل بيت منها منا صاحبه أي : في مقابلته لو سقطت لسقطت بعضها على بعض
حول بناء الكعبة مرة أخرى
روي أيضا أن الملائكة حين أسست الكعبة انشقت الأرض إلى منتهاها وقذفت فيها حجارة أمثال الإبل فتلك القواعد من البيت التي رفع إبراهيم وإسماعيل فلما جاء الطوفان رفعت وأودع الحجر الأسود أبا قبيس
وذكر ابن هشام أن الماء لم يعلها حين الطوفان ولكنه قام حولها وبقيت في هواء إلى السماء وأن نوحا قال لأهل السفينة وهي تطوف بالبيت : إنكم في حرم الله وحول بيته فأحرموا الله ولا يمس أحد امرأة وجعل بينهم وبين السماء حاجزا فتعدى حام فدعا عليه نوح أن يسود لون بنيه فاسود كوش بن حام ونسله إلى يوم القيامة وقد قيل في سبب دعوة نوح على حام غير هذا والله أعلم
وذكر في الخبر عن ابن عباس قال : أول من عاذ بالكعبة حوت صغير خاف من حوف كبير فعاذ منه بالبيت وذلك أيام الطوفان . ذكره يحيى بن سلام فلما نضب ماء الطوفان كان مكان البيت ربوة من مدرة وحج إليه هود وصالح ومن آمن معهما وهو كذلك

(1/96)


ويذكر أن يعرب قال لهود عليه السلام : ألا نبنيه ؟ قال : إنما يبنيه نبي كريم يأتي من بعدي يتخذه الرحمن خليلا فلما بعث الله إبراهيم وشب إسماعيل بمكة أمر إبراهيم ببناء الكعبة فدلته عليه السكينة وظللت له على موضع البيت فكانت عليه كالجحفة وذلك أن السكينة من شأن الصلاة فجعلت علما على قبلتها حكمة من الله سبحانه وبناه عليه السلام من خمس أجبل كانت الملائكة تأتيه بالحجارة منها وهي : طور تينا وطور زيتا اللذين بالشام والجودي وهو بالجزيرة ولبنان وحراء وهما بالحرم كل هذا جمعناه من آثار مروية . وانتبه لحكمة الله كيف جعل بناءها من خمسة أجبل فشاكل ذلك معناها ؛ إذ هي قبلة للصلاة الخمس وعمود الإسلام وقد بني على خمس وكيف دلت عليه السكينة ؛ إذ هو قبل للصلاة والسكينة من شأن الصلاة . قال عليه السلام : وأتوها وعليكم السكينة فلما بلغ إبراهيم الركن جاءه جبريل بالحجر الأسود من جوف أبي قبيس وروى الترمذي عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : أنزل الحجر الأسود من الجنة أشد بياضا من اللبن فسودته خطايا بني آدم وروى الترمذي أيضا من طريق عبد الله بن عمرو مرفوعا أن الركن الأسود والركن اليماني ياقوتتان من الجنة ولولا ما طمس من نورهما لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب وفي رواية غيره : لأبرءا من استلمهما من الخرس والجذام والبرص وروى غير الترمذي من طريق علي رحمه الله أن العهد الذي أخذه الله على ذرية آدم حين مسح ظهره ألا يشركوا به شيئا كتبه في صك وألقمه الحجر الأسود ؛ ولذلك يقول المستلم له : إيمانا بك ووفاء بعهدك وذكر هذا الخبر الزبير وزاد عليه أن الله سبحانه أجرى نهرا أطيب من اللبن وألين من الزبد فاستمد منه القلم الذي كتب العهد قال : وكان أبو قبيس يسمى : الأمين ؛ لأن الركن كان مودعا فيه وأنه نادى إبراهيم حين بلغ بالبنيان إلى موضع الركن فأخبره عن الركن فيه ودله على موضعه منه وانتبه من ههنا إلى الحكمة في أن سودته خطايا بني آدم دون غيره من حجارة الكعبة وأستارها وذلك أن العهد الذي فيه هي الفطرة التي فطر الناس عليها من توحيد الله فكل مولود يولد على تلك الفطرة وعلى ذلك الميثاق فلولا أن أبويه يهودانه وينصرانه ويمجسانه حتى يسود قلبه بالشرك لما حال عن العهد فقد صار قلب ابن آدم محلا لذلك العهد والميثاق وصار الحجر محلا لما كتب فيه من ذلك العهد والميثاق فتناسبا فاسود من الخطايا قلب ابن آدم بعدما كان ولد عليه من ذلك العهد واسود الحجر بعد ابيضاضه وكانت الخطايا سببا في ذلك حكمة من الله سبحانه فهذا ما ذكر في بنيان الكعبة ملخصا منه ما ذكر الماوردي ومنه ما ذكره الطبري ومنه ما وقع في كتاب أبي الوليد الأزرقي في أخبار مكة ومن أحاديث في المسندات المروية وسنورد في باقي الحديث بعض ما بلغنا في ذلك مستعينين بالله . وأما الركن اليماني فسمي باليماني فيما ذكر القتبي لأن رجلا من اليمن بناه اسمه : أبي بن سالم وأنشد :
لنا الركن من بيت الحرام وراثة ... بقية ما أبقى أبي بن سالم
حول بناء المسجد الحرام

(1/97)


وأما المسجد الحرام فأول من بناه عمر بن الخطاب وذلك أن الناس ضيقوا على الكعبة وألصقوا دورهم بها فقال عمر : إن الكعبة بيت الله ولا بد للبيت من فناء وإنكم دخلتم عليها ولم تدخل عليكم فاشترى تلك الدور من أهلها وهدمها وبنى المسجد المحيط بها ثم كان عثمان فاشترى دورا أخرى وأغلى في ثمنها وزاد في سعة المسجد فلما كان ابن الزبير زاد في إتقانه لا في سعته وجعل فيه عمدا من الرخام وزاد في أبوابه وحسنها فلما كان عبد الملك بن مروان زاد في ارتفاع حائط المسجد وحمل إليه السواري في البحر إلى جدة واحتملت من جدة على العجل إلى مكة وأمر الحجاج بن يوسف فكساها الديباج وقد كنا قدمنا أن ابن الزبير كساها الديباج قبل الحجاج ذكره الزبير بن بكار وذكرنا أيضا أن خالد بن جعفر بن كلاب ممن كساها الديباج قبل الإسلام ثم كان الوليد بن عبد الملك فزاد في حليها وصرف في ميزابها وسقفها ما كان في مائدة سليمان بن داود عليهما السلام من ذهب وفضة وكانت قد احتملت إليه من طليطلة من جزيرة الأندلس وكانت لها أطواق من ياقوت وزبرجد وكانت قد احتملت على بغل قوي فتفسخ تحتها فضرب منها الوليد حلية للكعبة فلما كان أبو جعفر المنصور وابنه محمد المهدي زاد أيضا في إتقان المسجد وتحسين هيئته ولم يحدث فيه بعد ذلك عمل إلى الآن . وفي اشتراء عمر وعثمان الدور التي زادا فيها دليل على أن رباع أهل مكة ملك لأهلها يتصرفون فيها بالبيع والشراء إذا شاءوا وفي ذلك اختلاف
كنز الكعبة والنجار القبطي
فصل : وذكر ابن إسحق دويكا الذي سرق سوق كنز الكعبة وتقدم أن سارقا سرق من مالها في زمن جرهم وأنه دخل التي فيها كنزها فسقط عليه حجر فحبسه فيها حتى أخرج منها وانتزع المال منه ثم بعث الله حية لها رأس كرأس الجدي بيضاء البطن سوداء المتن فكانت في بئر الكعبة خمسمائة عام فيما ذكر رزين وهي التي ذكرها ابن إسحق وكان لا يدنو أحد من بئر الكعبة إلا احزألت أي : رفعت ذنبها وكشت أي : صوتت . وذكر ابن إسحق أن سفينة رماها البحر إلى جدة فتحطمت وذكر غيره عن ابنه منبه أن سفينة خجتها الريح إلى الشعيبة وهو مرفأ السفن من ساحل بحر الحجاز وهو كان مرفأ مكة ومرسى سفنها قبل جدة . والشعيبة بضم الشين ذكره البكري وفسر الخطابي خجتها : أي دفعتها بقوة من الريح الخجوج أي : الدفوع
قال ابن إسحق : وكان بمكة نجار قبطي وذكر غيره أنه كان علجا في السفينة التي خجتها الريح إلى الشعيبة وأن اسم ذلك النجار : يا قوم وكذلك روي أيضا في اسم النجار الذي عمل منبر رسول الله صلى الله عليه و سلم من طرفاء الغابة ولعله أن يكون هذا فالله أعلم
الحية والدابة
فصل : وذكر خبر العقاب أو الطائر الذي اختطف الحية من بئر الكعبة وقال غيره : طرحها الطائر بالحجون ؛ فالتقمتها الأرض . وقال محمد بن الحسن المقري هذا القول ثم قال : وهي الدابة التي تكلم الناس قبل يوم القيامة واسمها : أقصى فيما ذكر ومحمد بن الحسن المقري هو النقاش وهو من أهل العلم والله أعلم بصحة ما قال غير أنه قد روي في حديث آخر أن موسى عليه السلام سأل ربه أن يريه الدابة التي تكلم الناس فأخرجها له من الأرض فرأى منظرا هاله وأفزعه فقال : أي رب : ردها فردها
لم ترع
وذكر ابن إسحق حديث الحجر الذي أخذ من الكعبة فوثب من يد آخذه حتى عاد إلى موضعه وقال غيره : ضربوا بالمعول في حجر من أحجارها فلمعت برقة كادت تخطف أبصارهم وأخذ رجل منهم حجرا فطار من يده وعاد إلى موضعه . وذكر ابن إسحق قولهم : اللهم لم ترع وهي كلمة تقال عند تسكين الروع والتأنيس وإظهار اللين والبر في القول ولا روع في هذا الموطن فينفى ولكن الكلمة تقتضي إظهار قصر البر ؛ فلذلك تكلموا بها وعلى هذا يجوز التكلم بها في الإسلام وإن كان فيها ذكر الروع الذي هو محال في حق الباري تعالى ولكن لما كان المقصود ما ذكرنا جاز النطق بها وسيأتي في هذا الكتاب إن شاء الله زيادة بيان عند قوله : فاغفر فداء لك ما اقتفينا
ويروى أيضا : اللهم لم نزغ وهو جلي لا يشكل
من تفسير حديث أبي لهب

(1/98)


وذكر قولهم : لا تدخلوا في هذا البيت مهر بغي وهي الزانية وهي فعول من البغاء فاندغمت الواو في الياء ولا يجوز عندهم أن يكون على وزن فعيل لأن فعيلا بمعنى : فاعل يكون بالهاء في المؤنث كرحيمة وكريمة وإنما يكون بغير هاء إذا كان في معنى : مفعول نحو : امرأة جريح وقتيل
وقوله : ولا بيع ربا يدل على أن الربا كان محرما عليهم في الجاهلية كما كان الظلم والبغاء وهو الزنا محرما عليهم يعلمون ذلك ببقية من بقايا شرع إبراهيم عليه السلام كما كان بقي فيهم الحج والعمرة وشيء من أحكام الطلاق والعتق وغير ذلك . وفي قوله سبحانه : " وأحل الله البيع وحرم الربا " البقرة دليل على تقديم التحريم
الحجر الذي كان مكتوبا
فصل : وذكر الحجر الذي وجد مكتوبا في الكعبة وفيه : أنا الله ذو بكة لحديث . روى معمر بن راشد في الجامع عن الزهري أنه قال : بلغني أن قريشا حين بنوا الكعبة وجدوا فيها حجرا وفيه ثلاثة صفوح في الصفح الأول : أنا الله ذو بكة صغتها يوم صغت الشمس والقمر إلى آخر كلام ابن إسحق وفي الصفح الثاني : أنا الله ذو بكة خلقت الرحم واشتقق لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها بتته وفي الصفح الثالث : أنا الله ذو بكة خلقت الخير والشر فطوبى لمن كان الخير على يديه وويل لمن كان الشر على يديه وفي حديث ابن إسحق : لا يحلها أول من أهلها يريد والله أعلم ما كان من استحلال قريش القتال فيها أيام ابن الزبير وحصين بن نمير ثم الحجاج بعده ولذلك قال ابن أبي ربيعة :
ألا من لقلب معنى غزل ... بحب المحلة أخت المحل يعني بالمحل : عبد الله بن الزبير لقتاله في الحرم
حول الحجر الأسود وقواعد البيت
فصل : وذكر اختلافهم في وضع الركن وأن رسول الله صلى الله عليه و سلم هو الذي وضعه بيده وذكر غيره أن إبليس كان معهم في صورة شيخ نجدي وأنه صاح بأعلى صوته : يا معشر قريش : أرضيتم أن يضع هذا الركن وهو شرفكم غلام يتيم دون ذوي أسنانكم فكان يثير شرا فيما بينهم ثم سكنوا ذلك . وأما وضع الركن حين بنيت الكعبة في أيام ابن الزبير فوضعه في الموضع الذي هو فيه الآن حمزة بن عبد الله بن الزبير وأبوه يصلي بالناس في المسجد اغتنم شغل الناس عنه بالصلاة لما أحس منهم التنافس في ذلك وخاف الخلاف فأقره أبوه . ذكر ذلك الزبير بن أبي بكر . وذكر ابن إسحق أيضا أنهم أفضوا إلى قواعد البيت وإذا هي خضر كالأسنمة وليست هذه رواية السيرة إنما الصحيح في الكتاب : كالأسنة وهو وهم من بعض النقلة عن ابن إسحق والله أعلم ؛ فإنه لا يوجد في غير هذا الكتاب بهذا اللفظ لا عند الواقدي ولا غيره وقد ذكر البخاري في بنيان الكعبة هذا الخبر فقال فيه عن يزيد بن رومان : فنظرت إليها فإذا هي كأسنمة الإبل وتشبيهها بالأسنة لا يشبه إلا في الزرقة وتشبيهها بأسنمة الإبل أولى لعظمها ولما تقدم في حديث بنيان الملائكة لها قبل هذا
شعر الزبير بن عبد المطلب
فصل : وذكر شعر الزبير بن عبد المطلب : عجبت لما تصوبت العقاب . إلى قوله : تتلئب لها انصباب . قوله : تتلئب يقال : اتلأب على طريقه إذا لم يعرج يمنة ولا يسرة وكأنه منحوت من أصلين كما تقدم في مثل هذا من تلا : إذا تبع وألب : إذا أقام وأب أيضا قريب من هذا المعنى . يقال : أب إبابة من كتاب العين إذا استقام وتهيأ فكأنه مقيم مستمر على ما يتلوه ويتبعه مما هو بسبيله والاسم من اتلأب : التلأبيبة على وزن الطمأنينة والقشعريرة قاله أبو عبيد
وقوله : وليس على مسوينا ثياب . أي : مسوي البنيان . وهو في معنى الحديث الصحيح في نقلانهم الحجارة إلى الكعبة أنهم كانوا ينقلونها عراة ويرون ذلك دينا وأنه من باب التشمير والجد في الطاعة . وقول ابن هشام : ويروى : مساوينا يريد : السوءآت فهو جمع مساءة مفعلة من السوءة والأصل مساوىء فسهلت الهمزة
الحمس
فصل : وذكر الحمس وما ابتدعته قريش في ذلك والتحمس : التشدد وكانوا قد ذهبوا في ذلك مذهب التزهد والتأله فكانت نساؤهم لا ينسجن الشعر ولا الوبر وكانوا لا يسلؤون السمن وسلأ السمن أن يطبخ الزبد حتى يصير سمنا قال أبرهة :
إن لنا صرمة مخيسة ... نشرب ألبانها ونسلؤها

(1/99)


ذكر قول ابن معد يكرب : أعباس لو كانت شيارا جيادنا . البيت شيارا من الشارة الحسنة يعني : سمانا حسانا وبعد البيت :
ولكنها قيدت بصعدة مرة ... فأصبحن ما يمشين إلا تكارسا وأنشد أيضا : أجذم إليك إنها بنو عبس . أجذم : زجر معروف للخيل وكذلك : أرحب وهب وهقط وهقط وهقب
يوم جبلة
وذكر يوم جبلة . وجبلة هضبة عالية كانوا قد أخرزوا فيها عيالهم وأموالهم وكان معهم في ذلك اليوم رئيس نجران وهو ابن الجون الكندي وأخ للنعمان بن المنذر أحسب اسمه : حسان بن وبرة وهو أخو النعمان لأمه وفي أيام جبلة كان مولد رسول الله صلى الله عليه و سلم ولثنتين وأربعين سنة من ملك أنوشروان بن قباذ وكان مولد أبيه عبد الله لأربع وعشرين مضت من ملك أنوشروان المذكور فبينه عليه السلام وبين أبيه عبد الله نحو من ثمان عشرة سنة
عدس والحلة والطلس
وذكر زرارة بن عدس بن زيد وهو : عدس بضم الدال عند جميعهم إلا أبا عبيدة فإنه كان يفتح الدال منه وكل عدس في العرب سواه فإنه مفتوح الدال . وذكر الحلة وهم ما عدا الحمس وأنهم كانوا يطوفون عراة إن لم يجدوا ثياب أحمس وكانوا يقصدون في ذلك طرح الثياب التي اقترفوا فيها الذنوب عنهم ولم يذكر الطلس من العرب وهم صنف ثالث غير الحلة والحمس كانوا يأتون من أقصى اليمن طلسا من الغبار فيطوفون بالبيت في تلك الثياب الطلس فسموا بذلك . ذكر محمد بن حبيب
اللقى
فصل : وذكر اللقى وهو الثوب الذي كان يطرح بعد الطواف فلا يأخذه أحد وأنشد :
كفى حزنا كري عليه كأنه ... لقى بين أيدي الطائفين حريم حريم : أي محرم لا يؤخذ ولا ينتفع به وكل شيء مطرح فهو لقى قال الشاعر يصف فرخ قطا :
تروي لقى ألقي في صفصف ... تصهره الشمس فما ينصهر تروى بفتح التاء أي : تستقي له ومن اللقى : حديث فاختة أم حكيم بن حزام وكانت دخلت الكعبة وهي حامل متم بحكيم بن حزام فأجاءها المخاض فلم تستطع الخروج من الكعبة فوضعته فيها فلفت في الأنطاع هي وجنينها وطرح مثبرها وثيابها التي كانت عليها فجعلت لقى لا تقرب
رجز المرأة الطائفة
فصل : وذكر قول المرأة : اليوم يبدو بعضه أو كله البيتين ويذكر أن هذه المرأة هي ضباعة بنت عمر بن صعصعة ثم من بني سلمة بن قشير وذكر محمد بن حبيب أن رسول الله صلى الله عليه و سلم خطبها فذكرت له عنها كبرة فتركها فقيل : إنها ماتت كمدا وحزنا على ذلك قال المؤلف : إن كان صح هذا فما أخرها على أن تكون أما للمؤمنين وزوجا لرسول رب العالمين إلا قولها : اليوم يبدو بعضه أو كله . تكرمة من الله لنبيه وعلما منه بغيرته والله أغير منه
أسطورة
ومما ذكر من تعريهم في الطواف أن رجلا وامرأة طافا كذلك فانضم الرجل إلى المرأة تلذذا واستمتاعا فلصق عضده بعضدها ففزعا عند ذلك وخرجا من المسجد وهما ملتصقان ولم يقدر أحد على فك عضده من عضدها حتى قال لهما قائل : توبا مما كان في ضميركما وأخلصا لله التوبة ففعلا فانحل أحدهما من الآخر
قرزل وطفيل
وأنشد للفرزدق :
ومنهن إذ نجى طفيل بن مالك ... على قرزل رجلا ركوض الهزائم قرزل : اسم فرسه وكان طفيل يسمى : فارس قرزل وقرزل : القيد سمى الفرس به كأنه يقيد ما يسابقه كما قال امرؤ القيس :
" بمنجرد قيد الأوابد هيكل وطفيل هذا هو : والد عامر بن الطفيل عدو الله وعدو رسوله وأخو طفيل هذا : عامر ملاعب الأسنة وسنذكر لم سمي ملاعب ونذكر إخوته وألقابهم في الكتاب إن شاء الله
الهامة
وقوله : على أم الفراخ الجواثم . يعني : الهامة وهي البوم وكانوا يعتقدون أن الرجل إذا قتل خرجت من رأسه هامة تصيح : اسقوني اسقوني حتى يؤخذ بثأره . قال ذو الإصبع العدواني :
" أضربك حتى تقول الهامة اسقوني
شرح بيت جرير
فصل : وأنشد جرير :
ونحن خضبنا لابن كبشة تاجه ... ولاقى أمرأ في ضمة الخيل مصقعا

(1/100)


وجدت في حاشية الشيخ أبي بحر هذا البيت المعروف في اللغة أن المصقع : الخطيب البليغ وليس هذا موضعه لكن يقال في اللغة : صقعه : إذا ضربه على شيء مصمت يابس قاله الأصمعي فيشبه أن يكون مصقع في هذا البيت من هذا المعنى فيقال منه : رجل مصقع كما يقال : محرب وفي الحديث : إن سعدا لمحرب يعني ابن أبي وقاص
ما نزل من القرآن في أمر الحمس
فصل : وذكر ما أنزل الله تعالى في أمر الحمس وهو قوله تعالى : " يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا " الآية . فقوله : وكلوا واشربوا إشارة إلى ما كانت الحمس حرمته من طعام الحج إلا طعام أحمس وخذوا زينتكم : يعني اللباس ولا تتعروا ولذلك افتتح بقوله : يا بني آدم بعد أن قص خبر آدم وزوجه إذ يخصفان عليهما من ورق الجنة أي : إن كنتم تحتجون بأنه دين آبائكم فآدم أبوكم ودينه : ستر العورة كما قال : ملة أبيكم إبراهيم أي : إن كانت عبادة الأصنام دين آبائكم فإبراهيم أبوكم ولم يكن من المشركين ومما نزل في ذلك : " وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكآء وتصدية " الأنفال . ففي التفسير أنهم كانوا يطوفون عراة ويصفقون بأيديهم ويصفرون فالمكآء : الصفير والتصدية : التصفيق . قال الراجز : وأنا من غرو الهوى أصدي . ومما نزل من أمر الحمس : " وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها " البقرة . لأن الحمس لا يدخلون تحت سقف ولا يحول بينهم وبين السماء عتبة باب ولا غيرها فإن احتاج أحدهم إلى حاجة في داره تسنم البيت من ظهره ولم يدخل من الباب فقال الله سبحانه : " وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون " البقرة
وقوف النبي بعرفة قبل الهجرة والنبوة
وذكر وقوف النبي صلى الله عليه و سلم بعرفة مع الناس قبل الهجرة وقبل النبوة توفيقا من الله حتى لا يفوته ثواب الحج والوقوف بعرفة قال جبير بن مطعم حين رآه واقفا بعرفة مع الناس : هذا رجل أحمس فما باله لا يقف مع الحمس حث يقفون ؟ !
فصل في الكهانة
روي في مأثور الأخبار أن إبليس كان يخترق السموات قبل عيسى فلما بعث عيسى أو ولد حجب عن ثلاث سموات فلما ولد محمد حجب عنها كلها وقذفت الشياطين بالنجوم وقالت قريش حين كثر القذف بالنجوم : قامت الساعة فقال عتبة بن ربيعة : انظروا إلى العيوق فإن كان رمي به فقد آن قيام الساعة وإلا فلا . وممن ذكر هذا الخبر الزبير بن أبي بكر
رمي الشياطين
وذكر ابن إسحق في هذا الباب ما رميت به الشياطين حي ظهر القذف بالنجوم لئلا يلتبس بالوحي وليكون ذلك أظهر للحجة وأقطع للشبهة والذي قاله صحيح : ولكن القذف بالنجوم قد كان قديما وذلك موجود في أشعار القدماء من الجاهلية . منهم : عوف بن أجرع وأوس بن حجر وبشر بن أبي خازم وكلهم جاهلي وقد وصفوا الرمي بالنجوم وأبياتهم في ذلك مذكورة في مشكل ابن قتيبة في تفسير سورة الجن وذكر عبد الرزاق في تفسيره عن معمر عن ابن شهاب أنه سئل عن هذا الرمي بالنجوم : أكان في الجاهلية ؟ قال : نعم ولكنه إذ جاء الإسلام غلظ وشدد وفي قول الله سبحانه : " وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا " الجن الآية ولم يقل : حرست دليل على أنه قد كان منه شيء فلما بعث النبي صلى الله عليه و سلم ملئت حرسا شديدا وشهبا وذلك لينحسم أمر الشياطين وتخليطهم ولتكون الآية أبين والحجة أقطع وإن وجد اليوم كاهن فلا يدفع ذلك بما أخبر الله بن من طرد الشياطين عن استراق السمع فإن ذلك التغليظ والتشديد كان زمن النبوة ثم بقيت منه أعني من استراق السمع بقايا يسيرة بدليل وجودهم على الندور في بعض الأزمنة وفي بعض البلاد . وقد سئل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الكهان فقال : ليسوا بشيء فقيل : إنهم يتكلمون بالكلمة فتكون كما قالوا فقال : تلك الكلمة من الجن يحفظها الجني فيقرها في أذن وليه قر الزجاجة فيخلط فيها أكثر من مائة كذبة ويروى : قر الدجاجة بالدال وعلى هذه الرواية تكلم قاسم بن ثابت في الدلائل . والزجاجة بالزاي أولى ؛ لما ثبت في الصحيح فيقرها في أذن وليه كما تقر القارورة ومعنى يقرها : يصبها ويفرغها قال الراجز :
لا تفرغن في أذني قرها ... ما يستفز فأريك فقرها

(1/101)


وفي تفسير ابن سلام عن ابن عباس قال : إذا رمى الشهاب الجني لم يخطئه ويحرق ما أصاب ولا يقتله وعن الحسن قال : في أسرع من طرفة العين وفي تفسير ابن سلام أيضا عن أبي قتادة أن كان مع قوم فرمي بنجم فقال : لا تتبعوه أبصاركم وفيه أيضا عن حفص أنه سأل الحسن : أيتبع بصره الكوكب . فقال : قال سبحانه : " وجعلناها رجوما للشياطين " الملك . وقال : " أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض " الأعراف . قال : كيف نعلم إذا لم ننظر إليه لأتبعنه بصري
الجن الذين ذكرهم القرآن
وذكر النفر من الجن الذين نزل فيهم القرآن والذين : " ولوا إلى قومهم منذرين قالوا : يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى " الأحقاف . وفي الحديث انهم كانوا من جن نصيبين . وفي التفسير أنهم كانوا يهودا ؛ ولذلك قالوا : من بعد موسى ولم يقولوا من بعد عيسى ذكره ابن سلام . وكانوا سبعة قد ذكروا بأسمائهم في التفاسير والمسندات وهم : شاصر وماصر ومنشى ولاشى والأحقاب وهؤلاء الخمسة ذكرهم ابن دريد ووجدت في خبر حدثني به أبو بكر بن طاهر الإشبيلي القيسي عن أبي علي الغساني في فضل عمر بن عبد العزيز قال : بينما عمر بن عبد العزيز يمشي في أرض فلاة فإذا حية ميتة فكفنها بفضلة من ردائه ودفنها فإذا قائل يقول : يا سرق اشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول لك : ستموت بأرض فلاة فيكفنك ويدفنك رجل صالح فقال : من أنت يحرمك الله فقال : رجل من الجن الذين تسمعوا القرآن من رسول الله صلى الله عليه و سلم لم يبق منهم إلا أنا وسرق وهذا سرق قد مات . وذكر ابن سلام من طريق أبي إسحق عمرو بن عبد الله بن علي السبيعي عن أشياخه عن ابن مسعود أنه كان في نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم يمشون فرفع لهم إعصار ثم جاء إعصار أعظم منه ثم انقشع فإذا حية قتيل فعمد رجل منا إلى ردائه فشقه وكفن الحية ببعضه ودفنها . فلما جن الليل إذا امرأتان تتساءلان : أيكم دفن عمرو بن جابر ؟ فقلنا : ما ندري من عمرو بن جابر ؟ فقالتا : إن كنتم ابتغيتم الأجر فقد وجدتموه . إن فسقة الجن اقتتلوا مع المؤمنين منهم فقتل عمرو وهو الحية التي رأيتم وهو من النفر الذين استمعوا القرآن من محمد صلى الله عليه و سلم ثم ولوا إلى قومهم منذرين ! !
ابن علاط والجن
فصل : وأما ما ذكره في معنى قوله سبحانه : " وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن " الآية ؛ الجن . فقد روي في معنى ذلك عن حجاج بن علاط السلمي وهو والد نضر بن حجاج الذي قيل فيه :
" أم لا سبيل إلى نصر بن حجاج أنه قدم مكة في ركب فأجنهم الليل بواد مخوف موحش فقال له الركب : قم خذ لنفسك أمانا ولأصحابك فجعل يطوف بالركب ويقول :
" أعيذ نفسي وأعيذ صحبي
" من كل جني بهذا النقب
" حتى أءوب سالما وركبي فسمع قارئا : " يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان " الآية . فلما قدم مكة خبر كفار قريش بما سمع فقالوا : أصبت يا أبا كلاب . إن هذا يزعم محمد أنه أنزل عليه فقال : والله لقد سمعته وسمعه هؤلاء معي ثم أسلم وحسن إسلامه وهاجر إلى المدينة وابتنى بها مسجدا فهو يعرف به
حول انقطاع الكهانة
فصل : وذكر ابن إسحق حديث ابن عباس وفيه : كنا نقول إذا رأيناه : يموت عظيم أو يولد عظيم وفي هذا دليل على ما قدمناه من أن القذف بالنجوم كان قديما ولكنه إذ بعث الرسول عليه السلام وغلظ وشدد كما قال الزهري وملئت السماء حرسا . وقوله في آخر الحديث : وقد انقطعت الكهانة اليوم فلا كهانة . يدل قوله : اليوم على تخصيص ذلك الزمان كما قدمناه والذي انقطع اليوم وإلى يوم القيامة أن تدرك الشياطين ما كانت تدركه في الجاهلية الجهلاء وعند تمكنها من سماع أخبار السماء وما يوجد اليوم من كلام الجن على ألسنة المجانين إنما هو خبر منهم عما يرونه في الأرض مما لا نراه نحن كسرقة سارق أو خبيئته في مكان خفي أو نحو ذلك وإن أخبروا بما سيكون كان تخرصا وتظنيا فيصيبون قليلا ويخطئون كثيرا

(1/102)


وذلك القليل الذي يصيبون هو مما يتكلم به الملائكة في العنان كما في حديث البخاري فيطردون بالنجوم فيضيفون إلى الكلمة الواحدة أكثر من مائة كذبة كما قال عليه السلام في الحديث الذي قدمناه فإن قلت : فقد كان صاف بن صياد وكان يتكهن ويدعي النبوة وخبأ له النبي صلى الله عليه و سلم خبيئا فعلمه وهو الدخ فأين انقطاع الكهانة في ذلك الزمان ؟ قلنا : عن هذا جوابان أحدهما ذكره الخطابي في أعلام الحديث قال : الدخ نبات يكون من النخيل وخبأ له عليه السلام : " فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين " الدخان فعلى هذا لم يصب ابن صياد ما خبأ له النبي صلى الله عليه و سلم
الثاني : أن شيطانه كان يأتيه بما خفي من أخبار الأرض ولا يأتيه بخبر السماء لمكان القذف والرجم فإن كان أراد بالدخ الدخان بقوة جعلت لهم في أسماعهم ليست لنا فألقى الكلمى عن لسان صاف وحدها إذ لم يمكن سماع سائر الآية ؛ ولذلك قال له النبي عليه السلام : اخسأ فلن تعدو قدر الله فيك أي : فلن تعدو منزلتك من العجز عن علم الغيب ؛ وإنما الذي يمكن في حقه هذا القدر دون مزيد عليه على هذا النحو فسره الخطابي
الغيطلة الكاهنة وكهانتها
فصل : وذكر حديث الغيطلة الكاهنة قال : وهي من بني مرة بن عبد مناة بن كنانة أخي مدلج وهي : أم الغياطل الذي ذكر أبو طالب وسنذكر معنى الغيطلة عند شعر أبي طالب إن شاء الله . ونذكرها ههنا ما ألفيته في حاشية كتاب الشيخ أبي بحر في هذا الموضع . قال : الغيطلة بنت مالك بن الحارث بن عمرو بن الصعق بن شنوق بن مرة وشنوق أخو مدلج وهكذا ذكر نسبها الزبير
وذكر قولها : شعوب وما شعوب تصرع فيها كعب لجنوب . كعب ههنا هو : كعب بن لؤي والذين صرعوا لجنوبهم ببدر وأحد من أشراف قريش معظمهم من كعب بن لؤي وشعوب ههنا أحسبه بضم الشين ولم أجده مقيدا وكأنه جمع شعب وقول ابن إسحق يدل على هذا حين قال : فلم يدر ما قالت حتى قتل من قتل ببدر وأحد بالشعب
وذكر قول التابع : أدر ما أدر وقيد عن أبي علي فيه رواية أخرى : وما بدر ؟ وهي أبين من هذه وفي غير رواية البكائي عن ابن إسحق أن فاطمة بنت النعمان النجارية كان لها تابع من الجن وكان إذا جاءها اقتحم عليها في بيتها فلما كان في أول البعث أتاها فقعد على حائط الدار ولم يدخل فقالت له : لم لا تدخل ؟ فقال : قد بعث نبي بتحريم الزنا فذلك أول ما ذكر النبي صلى الله عليه و سلم بالمدينة
ثقيف ولهب والرمي بالنجوم
فصل : وذكر إنكار ثقيف للرمي بالنجوم وما قاله عمرو بن أمية أحد بني علاج إلى آخر الحديث وهو كلام صحيح المعنى لكن فيه إبهاما لقوله : وإن كانت غير هذه النجوم فهو لأمر حدث فما هو وقد فعل ما فعلت ثقيف بنو لهب عند فزعهم للرمي بالنجوم فاجتمعوا إلى كاهن لهم يقال له : خطر فبين لهم الخبر وما حدث من أمر النبوة . روى أبو جعفر العقيلي في كتاب الصحابة عن رجل من بني لهب يقال له : لهب أو لهيب . وقد تكلمنا على نسب لهب في هذا الكتاب . قال لهيب : حضرت مع رسول الله صلى الله عليه و سلم فذكرت عنده الكهانة فقلت : بأبي وأمي : نحن أول من عرف حراسة السماء وزجر الشياطين ومنعهم من استراق السمع عند قذف النجوم وذلك أنا اجتمعنا إلى كاهن لنا يقال له : خطر بن مالك وكان شيخا كبيرا قد أتت عليه مائتا سنة وثمانون سنة وكان من أعلم كهاننا فقلنا : يا خطر هل عندك علم من هذه النجوم التي يرمى بها فإنا قد فزعنا لها وخشينا سوء عاقبتها ؟ فقال :
" إئتوني بسحر
" أخبركم الخبر
" أبخير أم ضرر
" أو لأمن أو حذر قال : فانصرفنا عنه يومنا فلما كان من غد في وجه السحر أتيناه فإذا هو قائم على قدميه شاخص في السماء بعينيه فناديناه : أخطر يا خطر ؟ فأومأ إلينا : أن أمسكوا فانقض نجم عظيم من السماء وصرخ الكاهن رافعا صوته :
أصابه إصابة ... خامره عقابه
عاجله عذابه ... أحرقه شهابه
" زايله جوابه
يا ويله ما حاله ... بلبله بلباله
عاوده خباله ... تقطعت حباله
" وغيرت أحواله ثم أمسك طويلا وهو يقول :
يا معشر بني قحطان ... أخبركم بالحق والبيان

(1/103)


أقسمت بالكعبة والأركان ... والبلد المؤتمن السدان
لقد منع السمع عتاة الجان ... بثاقب بكف ذي سلطان
من أجل مبعوث عظيم الشان ... يبعث بالتنزيل والقرآن
وبالهدى وفاصل القرآن ... تبطل به عبادة الأوثان قال : فقلنا : ويحك يا خطر إنك لتذكر أمرا عظيما فماذا ترى لقومك ؟ فقال :
أرى لقومي ما أرى لنفسي ... أن يتبعوا خير نبي الإنس
برهانه مثل شعاع الشمس ... يبعث في مكة دار الحمس
" بمحكم التنزيل غير اللبس فقلنا له : يا خطر وممن هو ؟ فقال : والحياة والعيش . إنه لمن قريش ما في حلمه طيش ولا في خلقه هيش يكون في جيش وأي جيش من آل قحطان وآل أيش فقلت له : بين لنا : من أي قريش هو ؟ فقال : والبيت ذي الدعائم والركن والأحائم إنه لمن نجل هاشم من معشر كرائم يبعث بالملاحم وقتل كل ظالم ثم قال : هذا هو البيان أخبرني به رئيس الجان ثم قال : الله أكبر جاء الحق وظهر وانقطع عن الجن الخبر ثم سكت وأغمي عليه فما أفاق إلا بعد ثلاثة فقال : لا إله إلا الله ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : لقد نطق عن مثل نبوة وإنه ليبعث يوم القيامة أمة وحده
أصل ألف إصابة
قال المؤلف : في هذا الخبر قوله : أصابه إصابة هكذا قيدته بكسر الهمزة من إصابة على أبي بكر بن طاهر وأخبرني به عن أبي علي الغساني ووجهه أن تكون الهمزة بدلا من واو مكسورة مثل وشاح وإشاح ووسادة والمعنى : أصابه جمع : وصب مثل : جمل وجمالة
معنى كلمة أيش والأحائم
وقوله : من آل قطحان وآل أيش يعني بآل قحطان : الأنصار ؛ لأنهم من قحطان وأما آل أيش فيحتمل أن تكون قبيلة من الجن المؤمنين ينسبون إلى أيش فإن يكن هذا وإلا فله معنى في المدح غريب تقول : فلان أيش هو وابن أيش ومعناه : أي شيء أي شيء عظيم فكأنه أراد من آل قحطان ومن المهاجرين الذي يقال فيهم مثل هذا كما تقول : هم وما هم ؟ وزيد ما زيد وأي شيء زيد وأيش في معنى : أي شيء كما يقال ويلمه في معنى : ويل أمه على الحذف لكثرة الاستعمال وهذا كما قال : هو في جيش أيما جيش والله أعلم . وأحسبه أراد بآل أيش : بني أقيش وهم حلفاء الأنصار من الجن ؛ فحذف من الاسم حرفا وقد تفعل العرب مثل هذا وقد وقع ذكر بني أقيش في السيرة في الحديث البيعة
وذكر الركن والأحائم يجوز أن يكون أراد : الأحاوم بالواو فهمز الواو لانكسارها والأحاوم : جمع أحوام والأحوام جميع حوم وهو الماء في البئر فكأنه أراد : ماء زمزم والحوم أيضا : إبل كثيرة ترد الماء فعبر بالأحائم عن وراد زمزم ويجوز أن يريد بها الطير وحمام مكة التي تحوم على الماء فيكون بمعنى الحوائم وقلب اللفظ فصار بعد فواعل : أفاعل والله أعلم
حي جنب
فصل : وذكر أن جنبا وهم حي من اليمن اجتمعوا إلى كاهن لهم فسألوه عن أمر النبي صلى الله عليه و سلم حين رمى بالنجوم إلى آخر الحديث : جنب هم من مذحج وهم : عيذ الله وأنس الله وأوس الله وجعفي والحكم وجروة بنو سعد العشيرة بن مذحج ومذحج هو : مالك بن أدد وسموا : جنبا لأنهم جانبوا بني عمهم صداء ويزيدا بني سعد العشيرة بن مذحج . قاله الدارقطني . وذكر في موضع آخر خلافا في أسمائهم وذكر فيهم بني غلي بالغين وليس في العرب غلي غيره قال مهلهل :
أنكحها فقدها الأراقم في ... جنب وكان الحباء من أدم
معنى خلت في وشيعة

(1/104)


فصل : وذكر حديث عمر وقوله للرجل : أكنت كاهنا في الجاهلية ؟ فقال الرجل : سبحان الله يا أمير المؤمنين لقد خلت في واستقبلتني بأمر ما أراك استقبلت به أحدا منذ وليت ! وذكر الحديث وقوله : خلت في هو من باب حذف الجملة الواقعة بعد خلت وظننت كقولهم في المثل : من يسمع يخل ولا يجوز حذف أحد المفعولين مع بقاء الآخر لأن حكمهما حكم الابتداء والخبر فإذا حذفت الجملة كلها جاز ؛ لأن حكمهما حكم المفعول والمفعول قد يجوز حذفه ولكن لا بد من قرينة تدل على المراد ففي قولهم : من يسمع يخل دليل يدل على المفعول وهو يسمع وفي قوله خلت في دليل أيضا وهو قوله : في كأنه قال : خلت الشرفي أو نحو هذا وقوله : قبل الإسلام بشهر أو شيعة أي : دونه بقليل وشيع كل شيء : ما هو تبع له وهو من الشياع وهي : حطب صغار تجعل مع الكبار تبعا لها ومنه : المشيعة وهي : الشاة تتبع الغنم لأنها دونها من القوة
جليح وسواد بن قارب
والصوت الذي سمعه عمر من العجل يا جليح سمعت بعض أشياخنا يقول : هو اسم شيطان والجليح في اللغة : ما تطاير من رؤوس النبات وخف نحو القطن وشبهه والواحدة : جليحة والذي وقع في السيرة : يا ذريح وكأنه نداء للعجل المذبوح لقولهم : أحمر ذريحي أي : شديد الحمرة فصار وصفا للعجل الذبيح من أجل الدم : ومن رواه : يا جليح فمآل إلى هذا المعنى ؛ لأن العجل قد جلح أي : كشف عنه الجلد فالله أعلم وهذا الرجل الذي كان كاهنا هو سواد بن قارب الدوسي في قول ابن الكلبي وقال غيره : هو سدوسي وفيه يقول القائل :
ألا لله علم لا يجارى ... إلى الغايات في جنبي سواد
أتيناه نسائله امتحانا ... فلم يبعل وأخبر بالسداد وهذان البيتان في شعر وخبر ذكره أبو علي القالي في أماليه وروى غير ابن إسحق هذا الخبر عن عمر على غير هذا الوجه وأن عمر مازحه فقال : ما فعلت كهانتك يا سواد ؟ ! فغضب وقال : قد كنت أنا وأنت على شر من هذا من عبادة الأصنام وأكل الميتات أفتعيرني بأمر تبت منه ؟ ! فقال عمر حينئذ : اللهم غفرا . وذكر غير ابن إسحق في هذا الحديث سياقة حسنة وزيادة مفيدة وذكر أنه حدث عمر أن رئيه جاء ثلاث ليال متواليات هو فيها كلها بين النائم واليقظان فقال : قم يا سواد واسمع مقالتي واعقل إن كنت تعقل قد بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم من لؤي بن غالب يدعو إلى الله وعبادته وأنشده في كل ليلة من الثلاث الليالي ثلاثة أبيات معناها واحد وقافيتها مختلفة :
عجبت للجن وتطلابها ... وشدها العيس بأقتابها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى ... ما صادق الجن ككذابها
فارحل إلى الصفوة من هاشم ... ليس قداماها كأذنابها وقال له في الثانية :
عجبت للجن وإبلاسها ... وشدها العيس بأحلاسها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى ... ما طاهر الجن كأنجاسها
فارحل إلى الصفوة من هاشم ... ليس ذنابى الطير من رأسها وقال له في الثالثة :
عجبت للجن وتنفارها ... وشدها العيس بأكوارها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى ... ما مؤمن الجن ككفارها
فارحل إلى الأتقين من هاشم ... ليس قدامها كأدبارها وذكر تمام الخبر وفي آخر شعر سواد قدم على رسول الله صلى الله عليه و سلم فأنشده ما كان من الجني رئية ثلاث ليال متواليات وذلك قوله :
أتاني نجيي بعد هدء ورقدة ... ولم يك فيما قد بلوت بكاذب
ثلاث ليال قوله كل ليلة ... أتاك نبي من لؤي بن غالب
فرفعت أذيال الإزار وشمرت ... بي العرمس الوجنا هجول السباسب
فأشهد أن الله لا شيء غيره ... وأنك مأمون على كل غائب
وأنك أدنى المرسلين وسيلة ... إلى الله يا بن الأكرمين الأطايب
فمرنا بما يأتيك من وحي ربنا ... وإن كان فيما جئت شيب الذوائب
وكن لي شفيعا يوم لاذو شفاعة ... بمغن فتيلا عن سواد بن قارب
سواد ودوس عند وفاة الرسول

(1/105)


صلى الله عليه و سلم :
ولسواد بن قارب هذا مقام حميد في دوس حين بلغهم وفاة رسول الله صلى الله عليه و سلم فقام حينئذ سواد فقال : يا معشر الأزد إن من سعادة القوم أن يتعظوا بغيرهم ومن شقائهم ألا يتعظوا إلا بأنفسهم ومن لم تنفعه التجارب ضرته ومن لم يسعه الحق لم يسعه الباطل وإنما تسلمون اليوم بما أسلمتم به أمس وقد علمتم أن النبي صلى الله عليه و سلم قد تناول قوما أبعد منكم فظفر بهم وأوعد قوما أكثر منكم فأخافهم ولم يمنعه منكم عدة ولا عدد وكل بلاء منسي إلا بقي أثره في الناس ولا ينبغي لأهل البلاء إلا أن يكونوا أذكر من أهل العافية للعافية وإنما كف نبي الله عنكم ما كفكم عنه فلم تزالوا خارجين مما فيه أهل البلاء داخلين مما فيه أهل العافية حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه و سلم خطيبكم ونقيبكم فعبر الخطيب عن الشاهد ونقب النقيب عن الغائب ولست أدري لعله تكون للناس جولة فإن تكن فالسلامة منها : الأناة والله يحبها فأحبوها فأجابه القوم وسمعوا قوله فقال في ذلك سواد بن قارب :
جلت مصيبتك الغداة سواد ... وأرى المصيبة بعدها تزداد
أبقى لنا فقد النبي محمد ... صلى الإله عليه ما يعتاد
حزنا لعمرك في الفؤاد مخامرا ... أو هل لمن فقد النبي فؤاد ؟
كنا نحل به جنابا ممرعا ... جف الجناب فأجدب الرواد
فبكت عليه أرضنا وسماؤنا ... وتصدعت وجدا به الأكباد
قل المتاع به وكان عيانه ... حلما تضمن سكرتيه رقاد
كان العيان هو الطريف وحزنه ... باق لعمرك في النفوس تلاد
إن النبي وفاته كحياته ... الحق حق والجهاد جهاد
لو قيل : تفدون النبي محمدا ... بذلت له الأموال والأولاد
وتسارعت فيه النفوس ببذلها ... هذا له الأغياب والأشهاد
هذا وهذا لا يرد نبينا ... لو كان يفديه فداه سواد
أنى أحاذر والحوادث جمة ... أمرا لعاصف ريحه إرعاد
إن حل منه ما يخاف فأنتم ... للأرض إن رجفت بنا أوتاد
لو زاد قوم فوق منية صاحب ... زدتم وليس لمنية مزداد
كاهنة قريش
فأعجب القوم شعره وقوله : فأجابوا إلى ما أحب ومن هذا الباب خبر سوداء بنت زهرة بن كلاب وذلك أنها حين ولدت ورآها أبوها زرقاء شيماء أمر بوأدها وكانوا يئدون من البنات ما كان على هذه الصفة فأرسلها إلى الحجون لتدفن هناك فلما حفر لها الحافر وأراد دفنها سمع هاتفا يقول لا تئدن الصبية وخلها في البرية فالتفت فلم ير شيئا فعاد لدفنها فسمع الهاتف يهتف بسجع آخر في المعنى فرجع إلى أبيها فأخبره بما سمع فقال : إن لها لشأنا وتركها فكانت كاهنة قريش يوما لبني زهرة : إن فيكم نذيرة أو تلد نذيرا فاعرضوا علي بناتكم فعرضن عليها فقالت في كل واحدة منهن قولا ظهر بعد حين حتى عرضت عليها آمنة بنت وهب فقالت : هذه النذيرة أو تلد نذيرا وهو خبر طويل ذكر الزبير منه يسيرا وأورده بطوله أبو بكر النقاش وفيه ذكر جهنم أعاذنا الله منها ولم يكن اسم جهنم مسوغا به عندهم فقالوا لها : وما جهنم فقالت : سيخبركم النذير عنها
حديث سلمة
فصل : وذكر ابن إسحق حديث سلمة بن سلامة بن وقش وما سمع من اليهودي حين ذكر الجنة والنار وقال : آي ذلك نبي : مبعوث قد ظل زمانه إلى آخر الحديث وليس فيه إشكال وابن وقش يقال فيه : وقش بتحريك القاف وتسكينها والوقش : الحركة
حديث ابن الهيبان وبنو سعية
فصل : وذكر حديث ابن الهيبان وما بشر به من أمر النبي صلى الله عليه و سلم وأن ذلك كان سبب إسلام ثعلبة بن سعية وأسيد بن سعية وأسد بن سعية وهم من بني هدل والهيبان من المسمين بالصفات يقال قطن هيبان أي : منتفش وأنشد أبو حنيفة :
تطير اللغام الهيبان كأنه ... جنى عشر تنفيه أشداقها الهدل

(1/106)


والهيبان أيضا : الجبان وقد قدمنا الاختلاف في هدل وأما أسيد بن سعية فقال إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف المدني عن ابن إسحق وهو أحد رواة المغازي عنه أسيد بن سعيد بضم الألف وقال يونس بن بكير عن ابن إسحق وهو قول الواقدي وغيره أسيد بفتحها قال : الدارقطني : وهذا هو الصواب ولا يصح ما قاله إبراهيم عن ابن إسحق وبن سعية هؤلاء فيهم أنزل الله عز و جل " من أهل الكتاب أمة قائمة " آل عمران الآية وسعية أبوهم يقال له : ابن العريض وهو بالسين المهملة والياء المنقوطة باثنين
سعنة الحبر وإسلامه
وأما سعنة بالنون فزيد بن سعنة حبر من أحبار يهود كان قد داين النبي صلى الله عليه و سلم فجاءه يتقاضاه قبل الأجل فقال : ألا تقضيني يا محمد فإنكم يا بني عبد المطلب مطل وما أردت أن أعلم علمكم فارتعد عمر ودار كأنه في فلك وجعل يلحظ يمينا وشمالا وقال : تقول هذا لرسول الله يا عدو الله ؟ ! فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم : إنا إلى غير هذا منك أحوج يا عمر : أن تأمرني بحسن الأداء وتأمره بحسن التبعة قم فاقضه عني فوالله ما حل الأجل وزده عشرين صاعا بما روعته وفي حديث آخر : أنه قال : دعه ؛ فإن لصاحب الحق مقالا ويذكر أنه أسلم لما رأى من موافقة وصف النبي عليه السلام لما كان عنده في التوراة وكان يجده موصوفا بالحلم فلما رأى من حلمه ما رأى أسلم وتوفي غازيا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في غزوة تبوك ويقال في اسمه : سعية بالياء كما في الأول ولم يذكره الدارقطني إلا بالنون
حديث سلمان
فصل : وذكر حديث سلمان بطوله وقال : كنت من أهل أصبهان هكذا قيده البكري في كتاب المعجم بالكسر في الهمزة وإصبه بالعربية : فرس وقيل : هو العسكر فمعنى الكلمة : موضع العسكر أو الخيل أو نحو هذا . وليس في حديث سلمان على طوله إشكال ووقع في الأصل في هذا الحديث : فلما رآني رسول الله صلى الله عليه و سلم استدبرته ورأيت في حاشية الشيخ : أستدير به وكذلك وقع فيه : أحييها له بالفقير وفي حاشية الشيخ : الوجه التفقير
أسماء النخلة
والفقير للنخلة . يقال لها في الكرمة : حيية وجمعها : حيايا وهي الحفيرة وإذا خرجت النخلة من النواة فهي : عيسة ثم يقال لها : ودية ثم فسيلة ثم أشاءة فإذا فاتت اليد فهي : جبارة وهي العضيد والكتيلة ويقال للتي لم تخرج من النواة لكنها اجتثت من جنب أمها : قلعة وجثيثة وهي الجثائث والهراء ويقال للنخلة الطويلة : عوانة بلغة عمان وعيدانة بلغة غيرهم وهي فيعالة من عدن بالمكان واختلف فيها قول صاحب كتاب العين فجعلها تارة : فيعالة من عدن ثم جعلها في باب المعتل العين فعلانة
ومن الفسيلة حديث أنس : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فاستطاع أن يغرسها قبل أن تقوم الساعة فليغرسها من مصنف حماد بن سلمة . والذين صحبوا سلمان من النصارى كانوا على الحق على دين عيسى ابن مريم وكانوا ثلاثين يداولونه سيدا بعد سيد
من فقه حديث سلمان
وذكر في آخر الحديث أنه جمع شيئا فجاء به النبي صلى الله عليه و سلم ليختبره : أيأكل الصدقة أم لا فلم يسأله رسول الله صلى الله عليه و سلم أحر أنت أم عبد ولا : من أين لك هذا ففي هذا من الفقه : قبول الهدية وترك سؤال المهدي وكذلك الصدقة
حكم الصدقة للنبي ومصدر مال سلمان

(1/107)


وفي الحديث : من قدم إليه طعام فليأكل ولا يسأل . وذكر أبو عبيد في كتاب الأموال حديث سلمان حجة على من قال إن العبد لا يملك وقال : لو كان لا يملك ما قبل النبي صلى الله عليه و سلم صدقته ولا قال لأصحابه : كلوا صدقته . ذكر غير ابن إسحق في حديث سلمان الوجه الذي جمع منه سلمان ما أهدى للنبي صلى الله عليه و سلم فقال : قال سلمان : كنت عبدا لامرأة فسألت سيدتي أن تهب لي يوما فعملت في ذلك اليوم على صاع أو صاعين من تمر وجئت به النبي صلى الله عليه و سلم فلما رأيته لا يأكل الصدقة سألت سيدتي أن تهب لي يوما آخر فعملت فيه على ذلك ثم جئت به هدية للنبي صلى الله عليه و سلم فقبله وأكل منه فبين في هذه الرواية الوجه الذي جمع منه سلمان ما ذكر في حديث ابن إسحق والصدقة التي قال النبي عليه السلام : لا تحل لمحمد ولا لآل محمد هي المفروضة دون التطوع قاله الشافعي غير أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لم يكن تحل له صدقة الفرض ولا التطوع وهو معنى قول مالك
وقال الثوري : لا تحل الصدقة لآل محمد فرضها ولا نفلها ولا لمواليهم لأن مولى القوم من أنفسهم بذلك جاء الحديث . وقال مالك : تحل لمواليهم وقالت جماعة منهم أبو يوسف : لا تحل لآل محمد صدقة غيرهم وتحل لهم صدقة بعضهم على بعض وهم بنو هاشم وبنو عبد المطلب
أول من مات بعد الهجرة
وقول سلمان : فأتيت رسول الله وهو في جنازة بعض أصحابه . صاحبه الذي مات في تلك الأيام : كلثوم بن الهدم الذي نزل عليه النبي صلى الله عليه و سلم . قال الطبري : أول من مات من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم بعد قدومه المدينة بأيام قليلة : كلثوم بن الهدم ثم مات بعده أسعد بن زرارة
فصل : وذكر ابن إسحق في مكاتبة سلمان أنه فقر لثلاثمائة ودية أي : حفر وأن رسول الله صلى الله عليه و سلم وضعها كلها بيده فلم تمت منها ودية واحدة وذكر البخاري حديث سلمان كما ذكره ابن إسحق غير أنه ذكر أن سلمان غرس بيده ودية واحدة وغرس رسول الله صلى الله عليه و سلم سائرها فعاشت كلها إلا التي غرس سلمان . هذا معن حديث البخاري
أسطورة نزول عيسى قبل بعثة النبي
فصل : وذكر عن داود بن الحصين قال : حدثني من لا أتهم عن عمر بن عبد العزيز قال : قال سلمان للنبي صلى الله عليه و سلم وذكر خبر الرجل الذي كان يخرج مستجيزا من غيضة إلى غيضة ويلقاه الناس بمرضاهم فلا يدعو لمريض إلا شفي وأن النبي صلى الله عليه و سلم قال : إن كنت صدقتني يا سلمان فقد رأيت عيسى ابن مريم . إسناد هذا الحديث مقطوع وفيه رجل مجهول ويقال : إن ذلك الرجل هو الحسن بن عمارة وهو ضعيف بإجماع منهم فإن صح الحديث فلا نكارة في متنه فقد ذكر الطبري أن المسيح عليه السلام نزل بعدما رفع وأمه وامرأة أخرى عند الجذع الذي فيه الصليب يتكئان فكلمهما وأخبرهما أنه لم يقتل وأن الله رفعه وأرسل إلى الحواريين ووجههم إلى البلاد وإذا جاز أن ينزل مرة جاز أن ينزل مرارا ولكن لا يعلم أنه هو حتى ينزل النزول الظاهر فيكسر الصليب ويقتل الخنزير كما جاء في الصحيح والله أعلم ويروى أنه إذا نزل تزويج امرأة من جذام ويدفن إذا مات في الروضة التي فيها النبي عليه السلام
ذكر حديث ورقة بن نوفل
فصل : وذكر حديث ورقة بن نوفل وعبيد الله بن جحش وعثمان بن الحويرث وزيد بن عمرو بن نفيل وما تناجوا به وقال : زيد بن عمرو بن نفيل إلى آخر النسب والمعروف في نسبه ونسب ابن عمه عمر بن الخطاب : نفيل بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بتقديم رياح على عبد الله ورزاح بكسر الراء قيده الشيخ أبو بحر وزعم الدارقطني أنه رزاح بالفتح وإنما رزاح بالكسر : رزاح بن ربيعة أخو قصي لأمه الذي تقدم ذكره
الزواج من امرأة الأب في الجاهلية

(1/108)


وأم زيد هي : الحيداء بنت خالد الفهمية وهي امرأة جده نفيل ولدت له الخطاب فهو أخو الخطاب لأمه وابن أخيه وكان ذلك مباحا في الجاهلية بشرع متقدم ولم تكن من الحرمات التي انتهكوها ولا من العظائم التي ابتدعوها لأنه أمر كان في عمود نسب رسول الله صلى الله عليه و سلم فكنانة تزوج امرأة أبيه خزيمة وهي برة بنت مر فولدت له النضر بن كنانة وهاشم أيضا قد تزوج امرأة أبيه وافدة فولدت له ضعيفة ولكن هو خارج عن عمود نسب رسول الله صلى الله عليه و سلم لأنها لم تلد جدا له أعني : واقدة وقد قال عليه السلام : أنا من نكاح لا من سفاح ولذلك قال سبحانه : " ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف " النساء . أي : إلا ما سلف من تحليل ذلك قبل الإسلام : وفائدة هذا الاستثناء ألا يعاب نسب رسول الله صلى الله عليه و سلم وليعلم أنه لم يكن في أجداده من كان لغية ولا من سفاح . ألا نرى أنه لم يقل في شيء نهى عنه في القرآن : إلا ما قد سلف نحو قوله : " ولا تقربوا الزنا " ولم يقل إلا ما قد سلف : " ولا تقتلوا النفس التي حرم الله " الإسراء ولم يقل إلا ما قد سلف ولا في شيء من المعاصي التي نهى عنها إلا في هذه وفي الجمع بين الأختين ؛ لأن الجمع بين الأختين قد كان مباحا أيضا في شرع من قبلنا وقد جمع يعقوب بين راحيل وأختها ليا فقوله : إلا ما قد سلف التفاتة إلى هذا المعنى وتنبيه على هذا المغزى وهذه النكتة لقنتها من شيخنا الإمام الحافظ أبي بكر محمد بن العربي رحمه الله وزيد هذا هو : والد سعيد بن زيد أحد العشرة الذين شهد لهم بالجنة وأم سعيد : فاطمة بنت نعجة بن خلف الخزاعي عند الزبير : بعجة بن أمية بن خويلد بن خالد بن اليمعر بن خزاعة
تفسير بعض قول ابن جحش
وذكر قول عبد الله بن جحش حين تنصر بالحبشة : فقحنا وصأصأتم وشرح فقحنا بقوله : فقح الجرو : إذا فتح عينيه وهكذا ذكره أبو عبيد وزاد : جصص أيضا وذكر أبو عبيد : بصص بالباء حكاها عن أبي زيد وقال القالي : إنما رواه البصريون عن أبي زيد بياء منقوطة باثنتين لأن الباء تبدل من الجيم كثيرا كما تقول : أيل وأجل ولرواية أبي عبيد وجه وهو أن يكون بصص من البصيص وهو البريق
بعض الذين تنصروا
فصل : وذكر عثمان بن الحويرث مع زيد وورقة وعبيد الله بن جحش ثم قال : وأما عثمان بن الحويرث فإنه ذهب إلى الشام وله فيها مع قيصر خبر ولم يذكر ذلك الخبر وذكر البرقي عن ابن إسحق أن عثمان بن الحويرث قدم على قيصر فقال له : إني أجعل لك خرجا على قريش إن جاءوا الشام لتجارتهم وإلا منعتهم فأراد قيصر أن يفعل فخرج سعيد بن العاصي بن أمية وأبو ذئب وهو : هشام بن شعبة بن عبد الله بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر إلى الشام فأخذا فحبسا فمات أبو ذئب في الحبس وأما سعيد بن العاصي فإنه خرج الوليد بن المغيرة وهو أمية فتخلصوه في حديث طويل رواه ابن إسحق عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس . وأبو ذئب الذي ذكر هو : جد الفقيه محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب يكنى : أبا الحارث من فقهاء المدينة وأمه بريهة بنت عبد الرحمن بن أبي ذئب وأما الزبير فذكر أن قيصر كان قد توج عثمان وولاه أمر مكة فلما جاءهم بذلك أنفوا من أن يدينوا لملك وصاح الأسود بن أسد بن عبد العزى : ألا إن مكة حي لقاح لا تدين لملك فلم يتم له مراده قال : وكان يقال له : البطريق ولا عقب له ومات بالشام مسموما سمه عمرو بن جفن الغساني الملك
اعتزال زيد بن عمر بن نفيل الأوثان

(1/109)


فصل : وذكر اعتزال زيد الأوثان وتركه طواغيتهم وتركه أكل ما نحر على الأوثان والنصب . روى البخاري عن محمد بن أبي بكر قال : أخبرنا فضيل بن سليمان قال : أخبرنا موسى قال : حدثني سالم بن عبدا لله عن عبد الله بن عمر : أن النبي صلى الله عليه و سلم لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح قبل أن ينزل على النبي عليه السلام الوحي فقدمت إلى النبي صلى الله عليه و سلم سفرة أو قدمها إليه النبي صلى الله عليه و سلم فأبى أن يأكل منها ثم قال زيد : إني لست آكل ما تذبحون على أنصابكم ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه وأن زيد بن عمرو بن نفيل كان يعيب على قريش ذبائحهم ويقول : الشاة خلقها الله وأنزل لها من السماء الماء وأنبت لها من الأرض الكلأ ثم تذبحونها على غير اسم الله ؟ ! إنكارا لذلك وإعظاما له . قال موسى بن سالم بن عبد الله : ولا أعلم إلا ما تحدث به عن ابن عمر أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين ويتبعه فلقي عالما من اليهود فسأله عن دينهم وقال له إني لعلي أن أدين بدينكم فأخبروني فقال : لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله قال زيد : ما أفر إلا من غضب الله ولا أحمل من غضب الله شيئا أبدا وأنى أستطيعه فهل تدلني على غيره ؟ قال : ما أعلمه إلا أن يكون حنيفا قال : وما الحنيف ؟ قال : دين إبراهيم لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولا يعبد إلا الله فخرج زيد فلقي عالما من النصارى فذكر مثله فقال لن : تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله قال : ما أفر إلا من لعنة الله ولا أحمل من لعنة الله ولا من غضبه شيئا أبدا وأنى أستطيع فهل تدلني على غيره ؟ قال : ما أعلمه إلا أن يكون حنيفا قال : وما الحنيف ؟ قال : دين إبراهيم لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولا يعبد إلا الله فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم خرج فلما برز رفع يديه فقال : اللهم إني أشهدك أني على دين إبراهيم . وقال الليث : كتب إلي هشام بن عروة عن أبيه عن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنه قالت : رأيت زيد بن عمرو بن نفيل قائما مسندا ظهره إلى الكعبة يقول : يا معشر قريش والله ما منكم على دين إبراهيم غيري وكان يحيي الموءودة يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته : لا تقتلها أكفيك مؤنتها فيأخذها فإذا ترعرت قال لأبيا : إن شئت دفعتها إليك وإن شئت كفيتك مؤنتها . إلى ها هنا انتهى حديث البخاري . وفيه سؤال يقال : كيف وفق الله زيدا إلى ترك أكل ما ذبح على النصب وما لم يذكر اسم الله عليه ورسول الله صلى الله عليه و سلم كان أولى بهذه الفضيل في الجاهلية لما ثبت الله ؟ فالجواب من وجهين أحدهما : أنه ليس في الحديث حين لقيه ببلدح فقدمت إليه السفرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أكل منها وإنما في الحديث أن زيدا قال حين قدمت السفرة : لا آكل مما لا يذكر اسم الله عليه : الجواب الثاني : أن زيدا إنما فعل ذلك برأي رآه لا بشرع متقدم وإنما تقدم شرع إبراهيم بتحريم الميتة لا بتحريم ما ذبح لغير الله وإنما نزل تحريم ذلك في الإسلام وبعض الأصوليين يقولون : الأشياء قبل ورود الشرع على الإباحة فإن قلنا بهذا وقلنا إن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يأكل مما ذبح على النصب فإنما فعل أمرا مباحا وإن كان لا يأكل منها فلا إشكال وإن قلنا أيضا : إنها ليست على الإباحة ولا على التحريم وهو الصحيح فالذبائح خاصة لها أصل في تحليل الشرع المتقدم كالشاة والبعير ونحو ذلك مما أحله الله تعالى في دين من كان قبلنا ولم يقدح في ذلك التحليل المتقدم ما ابتدعوه حتى جاء الإسلام وأنزل الله سبحانه : " ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه " الأنعام . ألا ترى كيف بقيت ذبائح أهل الكتاب عندنا على أصل التحليل بالشرع المتقدم ولم يقدح في التحليل ما أحدثوه من الكفر وعبادة الصلبان فكذلك كان ما ذبحه أهل الأوثان محلا بالشرع المتقدم حتى خصه القرآن بالتحريم
زيد وصعصعة والموءودة

(1/110)


فصل : وذكر خبر الموءودة وما كان زيد يفعل في ذلك وقد كان صعصعة بن معاوية جد الفرزدق رحمه الله يفعل مثل ذلك ولما أسلم سأل رسول الله صلى الله عليه و سلم : هل لي في ذلك من أجر ؟ فقال في أصح الروايتين : لك أجره إذا من الله عليك بالإسلام وقال المبرد في الكامل عن النبي صلى الله عليه و سلم كلاما لم يصح لفظه ولا معناه ولا يشهد له أصل . والأصول تشهد له بهذه الرواية التي ذكرناها ؛ لما ثبت أن الكافر إذا أسلم وحسن إسلامه كتب له كل حسنة كان زلفها وهذا الحديث أخرجه البخاري ولم يذكر فيه : كل حسنة كان زلفها وذكرها الدارقطني وغيره ثم يكون القصاص بعد ذلك : الحسنة بعشر أمثالها والموءودة مفعولة من وأده إذا أثقله قال الفرزدق :
ومنا الذي منع الوائدا ... ت وأحيا الوئيد فلم يوأد يعني : جده صعصعة بن معاوية بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع . وقد قيل : كانوا يفعلون ذلك غيرة على البنات وما قاله الله في القرآن هو الحق من قوله : " خشية إملاق " وذكر النقاش في التفسير : أنهم كانوا يئدون من البنات ما كان منهن زرقاء أو برشاء أو شيماء أو كشحاء تشاؤما منهم بهذه الصفات قال الله تعالى : " وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت " التكوير
العزى
فصل : وذكر شعر زيد بن عمرو وفيه : عزلت اللات والعزى جميعا . فأما اللات فقد تقدم ذكرها وأما العزى فكانت نخلات مجتمعة وكان عمرو بن لحي قد أخبرهم فيما ذكر أن الرب يشتي بالطائف عند اللات ويصيف بالعزى فعظموها وبنوا لها بيتا وكانوا يهدون إليه كما يهدون إلى الكعبة وهي التي بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم خالد بن الوليد ليكسرها فقال له سادتها : يا خالد احذرها ؛ فإنها تجدع وتكنع فهدمها خالد وترك منها جذمها وأساسها فقال قيمها : والله لتعودن ولتنتقمن ممن فعل بها هذا فذكر والله أعلم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لخالد : هل رأيت فيها شيئا ؟ فقال : لا فأمره أن يرجع ويستأصل بقيتها بالهدم فرجع خالد فأخرج أساسها فوجد فيها امرأة سوداء منتفشة الشعر تخدش وجهها فقتلها وهرب القيم وهو يقول : لا تعبد العزى بعد اليوم . هذا معنى ما ذكر أبو سعيد النيسابوري في المبعث . وذكره الأزرقي أيضا ورزين
معنى يربل
وقوله : فيربل منهم الطفل الصغير . ألفيت في حاشية الشيخ أبي بحر ربل الطفل يربل إذا شب وعم . يربل بفتح الباء أي يكبر وينبت ومنه أخذ تربيل الأرض . وقوله : كما يتروح الغصن : أي ينبت ورقه بعد سقوطه
إعراب نعت النكرة المتقدم
وقوله : وللكفار حامية سعير . نصب حامية على الحال من سعير ؛ لأن نعت النكرة إذا تقدم عليها نصب على الحال وأنشد سيبويه في مثله :
" لمية موحشا طلل وأنشد أيضا الذي الرمة :
وتحت العوالي والقنا مستكنة ... ظباء أعارتها العيون الجآذر والعامل في هذا الحال : الاستقرار الذي يعمل في الظرف ويتعلق به حرف الجر وهذا الحال على مذهب أبي الحسن الأخفش لا اعتراض فيها ؛ لأنه يجعل النكرة التي بعدها مرتفعة بالظرف ارتفاع الفاعل وأما على مذهب سيبويه فالمسألة عسيرة جدا ؛ لأنه يلزمه أن يجعلها حالا من المضمر في الاستقرار ؛ لأنه معرفة فذلك أولى من أن يكون حالا من نكرة فإن قدر الاستقرار آخر الكلام وبعد المرفوع كان ذلك فاسدا ؛ لتقدم الحال على العامل المعنوي وللاحتجاج له وعليه موضع غير هذا
من معاني شعر زيد
فصل : وأنشد أيضا لزيد : إلى الله أهدي مدحتي وثنائيا . وفيه : ألا أيها الإنسان إياك والردى . تحذير من الردى والردى هو الموت فظاهر اللفظ متروك وإنما هو تحذير مما يأتي به الموت ويبديه ويكشفه من جزاء العمال ؛ ولذلك قال : فإنك لا تخفي من الله خافيا . وفيه :
وإني وإن سبحت باسمك ربنا ... لأكثر إلا ما غفرت خطائيا معنى البيت : إني لأكثر من هذا الدعاء الذي هو باسمك ربنا إلا ما غفرت وما بعد إلا زائدة وإن سبحت : اعتراض بين اسم إن وخبرها كما تقول : إني لأكثر من هذا الدعاء الذي هو باسمك ربنا إلا والله يغفر لي لأفعل كذا والتسبيح هنا بمعنى الصلاة أي : لا أعتمد وإن صليت إلا على دعائك واستغفارك من خطاياي
تفسير حنانيك

(1/111)


وقوله : حنانيك بلفظ التثنية قال النحويون : يريد حنانا بعد حنان كأنهم ذهبوا إلى التضعيف والتكرار لا إلى القصر على اثنين خاصة دون مزيد . قال المؤلف رحمه الله : ويجوز أن يريد حنانا في الدنيا وحنانا في الآخرة وإذا قيل هذا لمخلوق نحو قول طرقة :
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض فإنما يريد : حنان دفع وحنان نفع ؛ لأن كل من أمل ملكا فإنما يؤمله ليدفع عنه ضيرا أو ليجلب إليه خيرا
شريعة أدين
وقوله : فلن أرى أدين إلها . أي : أدين لإله . وحذف اللام وعدى الفعل ؛ لأنه في معنى : أعبد إلها
حول اسم الله
وقوله : غيرك الله برفع الهاء أراد : يا ألله وهذا لا يجوز فيما فيه الألف واللام إلا أن حكم الألف واللام في هذا اللفظ المعظم يخالف حكمها في سائر الأسماء ألا ترى أنك تقول : يأيها الرجل ولا ينادى اسم الله بيأيها وتقطع همزته في النداء فتقول : يا ألله ولا يكون ذلك في اسم غيره إلى أحكام كثيرة يخالف فيها هذا الاسم لغيره من الأسماء المعرفة ولعل بعض ذلك أن يذكر فيما بعد إن شاء الله وقد استوفيناه في غير هذا الكتاب وفيه بيت حسن لم يذكره ابن إسحق وذكره أبو الفرج في أخبار زيد وهو :
أدين إلها يستجار ولا أرى ... أدين لمن لم يسمع الدهر داعيا
حذف المنادى مع بقاء الياء
وفيه : فقلت : ألا يا اذهب على حذف المنادى كأنه قال : ألا يا هذا اذهب كما قرىء : ألا يا اسجدوا يريد : يا قوم اسجدوا وكما قال غيلان :
" ألا يا اسلمي يا دار مي على البلى وفيه : اذهب وهارون عطفا على الضمير في اذهب وهو قبيح إذا لم يؤكد ولو نصبه على المفعول معه لكان جيدا
تصريف اطمأنت وأشياء
وقوله : اطمأنت كما هيا وزنه افلعلت لأن الميم أصلها أن تكون بعد الألف لأنه من تطأمن أي : تطأطأ وإنما قدموها لتباعد الهمزة التي هي عين الفعل من همزة الوصل فتكون أخف عليهم في اللفظ كما فعلوا في أشياء حين قلبوها في قول الخليل وسيبويه فرارا من تقارب الهمزتين . كما هيا . ما : زائدة لتكف الكاف عن العمل وتهيئها للدخول على الجمل وهي : اسم مبتدأ والخبر محذوف التقدير : كما هي عليه والكاف في موضع نصب على الحال من المصدر الذي دل عليه اطمأن كما تقول : سرت مثل سير زيد ؛ فمثل حال من سيرك الذي سرته وفيه : أرفق إذا بك بانيا . أرفق تعجب وبك في موضع رفع لأن المعنى : رفقت وبانيا تمييز لأنه يصلح أن يجر بمن كما تقول : أحسن بزيد من رجل وحرف الجر متعلق بمعنى التعجب ؛ إذ قد علم أنك متعجب منه ولبسط هذا المعنى وكشفه موضع غير هذا إن شاء الله وبعد قوله :
" وقد بات في أضعاف حوت لياليا بيت لم يذكره ابن إسحق ووقع في جامع ابن وهب وهو :
وأنبت يقطينا عليه برحمة ... من الله لولا ذاك أصبح ضاحيا
صفية بنت الحضرمي
وذكر صفية بنت الحضرمي واسم الحضرمي : عبد الله بن عمار وسيأتي ذكر نسبها عند ذكر أخيها بعد
الدعموص والخرم في الشعر
وقوله : دعموص أبواب الملوك . يريد : ولاجا في أبواب الملوك وأصل الدعموص : سمكة صغيرة كحية الماء فاستعاره هنا وكذلك جاء في حديث أبي هريرة يرفعه : صغاركم دعاميص الجنة وكما استعارت عائشة العصفور حين نظرت إلى طفل صغير قد مات فقالت : طوبى له عصفور من عصافير الجنة لم يعمل سوءا فقال لها النبي صلى الله عليه و سلم : وما يدريك ؟ إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلا وخلق النار وخلق لها أهلا أخرجه مسلم وفي هذه الأبيات خرم في موضعين أحدهما قوله :
ولو أشاء لقلت ما ... عندي مفاتحه وبابه والآخر قوله :
وإنما أخذ الهوان ال ... عير إذ يوهى إهابه وقد تقدم مثل هذا في شعر ابن الزبعرى وتكلمنا عليه هنالك بما فيه كفاية . وقوله : ويقول : إني لا أذل أي : يقول العير ذلك بصك جنبيه صلابه أي : صلاب ما يوضع عليه وأضافها إلى العير لأنها عبؤه وحمله
لغويات ونحويات

(1/112)


وذكر قوله : البر أبغى لا الخال قال ابن هشام : البر أبغى : بالنصب والخال : الخيلاء والكبر : وقوله : ليس مهجر كمن قال أي : ليس من هجر وتكيس كمن آثر القائلة والنوم فهو من : قال يقيل ؛ وهو ثلاثي ولكن لا يتعجب منه . لا يقال : ما أقيله ! ! قال أهل النحو : استغنوا عنه : بما أنومه ولذكر السر في امتناع التعجب من هذا الفعل موضع غير هذا . وقول زيد : إني محرم لا حلة . محرم أي : ساكن بالحرم والحلة : أهل الحل . يقال للواحد والجميع : حلة . ذكر لقاء زيد الراهب بميفعة هكذا تقيد في الأصل بكسر الميم من ميفعة والقياس فيها : الفتح ؛ لأنه اسم لموضع أخد من اليفاع وهو المرتفع من الأرض . وقوله : شام اليهودية والنصرانية هو فاعل من الشم كما قال يزيد بن شيبان حين سأل النسابة من قضاعة ثم انصرف فاقل له النسابة : شاممتنا مشامة الذئب الغنم ثم تنصرف . في حديث ذكره أبو علي في النوادر ومعناه : استخبر فاستعاره من الشم فنصب اليهودية والنصرانية نصب المفعول ومن خفض جعل شام اسم فاعل من شممت والفعل أولى بهذا الموضع كما تقدم وقول ورقة : رشدت وأنعمت ابن عمرو أي : رشدت وبالغت في الرشد كما يقال : أمعنت النظر وأنعمته وقوله : ولو كان تحت الأرض سبعين واديا بالنصب . نصب سبعين على الحال لأنه قد يكون صفة للنكرة كما قال : فلو كنت في جب ثمانين قامة وما يكون صفة للنكرة يكون حالا من المعرفة وهو هنا حال من البعد كأنه قال : ولو بعد تحت الأرض سبعين . كما تقول : بعد طويلا أي : بعدا طويلا وإذا حذفت المصدر وأقمت الصفة مقامه لم تكن إلا حالا وقد تقدم قول سيبويه في ذلك في مسألة : ساروا رويدا ونحو هذا : داري خلف دارك فرسخا أي : تقرب منها فرسخا إن أردت القرب وكذلك إن أردت البعد فالبعد والقرب مقدران بالفرسخ فلو قلت : داري تقرب منك قربا مقدرا بفرسخ لكان بمنزلة من يقول : قربا كثيرا أو قليلا فالفرسخ موضوع موضع كثير أو قليل فإعرابه كإعرابه وكذلك قول الشاعر :
لا تعجبوا فلو أن طول قناته ... ميل إذا نظم الفوارس ميلا أي : نظمهم نظما مستطيلا ووضع ميلا موضع مستطيلا فإعرابه كإعرابه فهو وصف للمصدر وإذا أقيم الوصف مقام الموصوف في هذا الباب لم يكن حالا من الفاعل لكن من المصدر الذي يدل الفعل عليه بلفظه نحو : ساروا طويلا وسقيتها أحسن من سقي إبلك ونحو ذلك
يحنس الحواري
فصل : وذكر يحنس الحواري وسيأتي في آخر الكتاب ذكر الحواريين كلهم بأسمائهم وذكر قوله : أبغضتموني مجانا أي : باطلا وكذلك جاء في الحكمة : يا بن آدم علم مجانا كما علمت مجانا أي : بلا ثمن وفي وصايا الحكماء شاور ذوي الأسنان والعقول يعطوك من رأيهم مجانا ما أخذوه بالثمن أي بطول التجارب ومن صفة النبي صلى الله عليه و سلم يقول الله سبحانه : أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ولا يدفع السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويصفح ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء فيفتح به عيونا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا ؛ بأن يقولوا : لا إله إلا الله
من صفات النبي عند الأحبار

(1/113)


ومما وجد من صفته صلى الله عليه و سلم عند الأحبار ما ذكره الواقدي من حديث النعمان التيمي . قال : وكان من أحبار يهود باليمن فلما سمع بذلك النبي صلى الله عليه و سلم قدم عليه فسأله عن أشياء ثم قال : إن أبي كان يختم على سفر ويقول : لا تقرأه على يهود حتى تسمع بني قد خرج بيثرب فإذا سمعت به فافتحه . قال نعمان : فلما سمعت بك فتحت السفر فإذا فيه صفتك كما أراك الساعة وإذا فيه : ما تحل وما تحرم وإذا فيه : إنك خير الأنبياء وأمتك خير الأمم واسمك : أحمد وأمتك الحامدون . قربانهم : دماؤهم وأناجيلهم : صدورهم وهم لا يحضرون قتالا إلا وجبريل معهم يتحنن الله عليهم كتحنن النسر على فراخه ثم قال لي : إذا سمعت به فاخرج إلي وآمن به وصدق به فكان النبي صلى الله عليه و سلم يجب أن يسمع أصحابه حديثه فأتاه يوما فقال له النبي صلى الله عليه و سلم : يا نعمان حدثنا فابتدأ النعمان الحديث من أوله فرؤي رسول الله صلى الله عليه و سلم يومئذ يتبسم ثم قال : أشهد أني رسول الله وهو الذي قتله الأسود العنسي وقطعه عضوا عضوا وهو يقول : إن محمدا رسول الله وإنك كذاب مفتر على الله ثم حرقه بالنار
كتاب المبعث
متى بعث رسول الله
ذكر ابن إسحق أن رسول الله ت صلى الله عليه و سلم بعث على رأس أربعين من مولده عليه السلام وهذا مروي عن ابن عباس وجبير بن مطعم وقباث بن أشيم وعطاء وسعيد بن المسيب وأنس بن مالك وهو صحيح عند أهل السير والعلم بالأثر وقد روي أنه نبىء لأربعين وشهرين من مولده وقيل لقباث بن أشيم : من أكبر أنت أم رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟ فقال : رسول الله أكبر مني وأنا أسن منه وولد رسول الله صلى الله عليه و سلم عام الفيل ووقفت بي أمي على روث الفيل ويروى : خزق الطير فرأيته أخضر محيلا أي : قد أتى عليه حول وفي غير رواية البكائي من هذا الكتاب أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لبلال : لا يفتك صيام يوم الاثنين ؛ فإني قد ولدت فيه وبعثت فيه وأموت فيه
إعراب لما آتيتكم
وذكر ابن إسحق قول الله سبحانه : " وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة " الآية . وما في هذه الآية : اسم مبتدأ بمعنى : الذي والتقدير : للذي آتيناكم من كتاب وحكمة ولا يصح أن تكون في موضع نصب على إضمار فعل كما ينتصب ما يشتغل عنه الفعل بضميره لأن ما بعد اللام الثانية لا يجوز إن يعمل فيما قبلها وما لا يجوز أن يعمل فيه ما قبله فلا يجوز أن يكون تفسيرا لما يعمل فيه وقد قيل : إن ما هذه شرط . والتقدير : لمهما آتيتكم من كتاب وحكمة لتؤمنن به وهو ظاهر قول سيبويه لأنه جعلها بمنزلة : إن وقول الخليل : إنها بمنزلة الذي أي : إنها اسم لا حرف ويمكن الجمع بين قوليهما على هذا فتكون اسما وتكون شرطا ويحتمل أيضا أن تكون على قول الخليل : خبرية في موضع رفع بالابتداء ويكون الخبر : لتؤمنن به ولتنصرنه وإن كان الضميران عائدين على الرسول لا على الذي ولكن لما قال : رسول مصدق لما معكم ارتبط الكلام بعضه ببعض واستغنى بالضمير العائد على الرسول عن ضمير يعود على المبتدأ وله نظير في التنزيل منه قوله تعالى : " والذين يتوفون منكم " البقرة خبره : يتربصن بأنفسهن ولم يعد على المبتدأ شيء لتشبث الكلام بعضه ببعض وقد لاح لي بعد نظري الكتاب أن الذي قاله الخليل وقول سيبويه قول واحد غير أنه قال : ودخول اللام على ما كدخولها على إن يعني : في الجزاء ولم يرد أن يعمل ما جزاء وإنما تكلم على اللام خاصة والله أعلم
النبوءة وأولو العزم

(1/114)


وذكر قول ابن إسحق : والنبوءة أثقال ومؤنة لا يحملها ولا يستطيعها إلا أهل القوة والعزم من الرسل ووقع في رواية يونس عن ابن إسحق في هذا الموضع عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال : سمعت وهب بن منبه وهو في مسجد منى وذكر له يونس النبي صلى الله عليه و سلم فقال : كان عبدا صالحا وكان في خلقه ضيق فلما حملت عليه أثقال النبوءة ولها أثقال تفسخ تحتها تفسخ الربع تحت الحمل الثقيل فألقاها عنه وخرج هاربا وفي رواية عن ابن إسحق : إن أولي العزم من الرسل منهم : نوح وهود وإبراهيم أما نوح فلقوله : " إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون " هود وأما إبراهيم فلقوله هو والذين مه : " إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله " وأمر الله نبينا أن يصبر كما صبر هؤلاء
أول ما بدىء به النبي من النبوءة
فصل : وذكر ابن إسحق : ما بدىء به النبي صلى الله عليه و سلم من النبوءة إذ كان لا يمر بحجر ولا شجر إلا قال : السلام عليك يا رسول الله وفي مصنف الترمذي ومسلم أيضا أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن ينزل علي وفي بعض المسندات زيادة أن هذا الحجر الذي كان يسلم عليه هو الحجر الأسود وهذا التسليم : الأظهر فيه أن يكون حقيقة وأن يكون الله أنطقه إنطاقا كما خلق الحنين في الجذع ولكن ليس من شرط الكلام الذي هو صوت وحرف : الحياة والعلم والإرادة لأنه صوت كسائر الأصوات والصوت : عرض في قول الأكثرين ولم يخالف فيه إلا النظام فإنه زعم أنه جسم وجعله الأشعري اصطاكاكا في الجواهر بعضها لبعض وقال أبو بكر بن الطيب : ليس الصوت نفس الاصطكاك ولكنه معنى زائد عليه وللاحتجاج على القولين ولهما موضع غير هذا ولو قدرت الكلام صفة قائمة بنفس الحجر والشجر والصوت عبارة عنه لم يكن بد من اشتراط الحياة والعلم مع الكلام والله أعلم : أي ذلك كان أكان كلاما مقرونا بحياة وعلم فيكون الحجر به مؤمنا أو كان صوتا مجردا غير مقترن بحياة ؟ وفي كلا الوجهين هو علم من أعلام النبوءة وأما حنين الجذع فقد سمي حنينا وحقيقة الحنين يقتضي شرط الحياة وقد يحتمل تسليم الحجارة أن يكون مضافا في الحقيقة إلى ملائكة يسكنون تلك الأماكن يعمرونها فيكون مجازا من قوله تعالى : " واسأل القرية " والأول أظهر وإن كانت كل صورة من هذه الصور التي ذكرناها فيها علم على نبوته عليه السلام غير أنه لا يسمى معجزة في اصطلاح المتكلمين إلا ما تحدى به الخلق فعجزوا عن معارضته
مدلول تفعل
وذكر حديث عبيد بن عمير أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يجاور بغار حراء ويتحنث فيه قال : والتحنث : التبرز . تفعل من البر وتفعل : يقتضي الدخول في الفعل وهو الأكثر فيها مثل : تفقه وتعبد وتنسك وقد جاءت في ألفاظ يسيرة تعطي الخروج عن الشيء واطراحه كالتأثم والتحرج . والتحنث بالثاء المثلثة لأنه من الحنث وهو الحمل الثقيل وكذلك التقذر إنما هو تباعد عن القذر وأما التحنف بالفاء فهو من باب التبرر ؛ لأنه من الحنيفية دين إبراهيم وإن كان الفاء مبدلة من الثاء فهو من باب التقذر والتأثم وهو قول ابن هشام واحتج بجذف وجدث وأنشد قول رؤبة : لو كان أحجاري مع الأجداف وفي بيت رؤبة هذا شاهد ورد على ابن جني حيث زعم في سر الصناعة أن جدف بالفاء لا يجمع على أجداف واحتج بهذا لمذهبه في أن الثاء هي الأصل وقول رؤبة رد عليه والذي نذهب إليه أن الفاء هي الأصل في هذا الحرف لأنه من الجدف وهو القطع ومنه مجداف السفينة وفي حديث عمر في وصف الجن : شرابهم الجدف وهي الرغوة لأنها تجدف عن الماء وقيل : هي نبات يقطع ويؤكل . وقيل : كل إناء كشف عنه غطاؤه : جدف والجدف : القبر من هذا فله مادة وأصل في الاشتقاق فأجدر بأن تكون الفاء هي الأصل والثاء داخلة عليها
حول مجاورته في حراء

(1/115)


وقوله : يجاور في حراء إلى آخر الكلام . الجوار بالكسر في معنى المجاورة وهي الاعتكاف ولا فرق بين الجوار والاعتكاف إلا من وجه واحد وهو أن الاعتكاف لا يكون إلا داخل المسجد والجوار قد يكون خارج المسجد كذلك قال ابن عبد البر ولذلك لم يسم جواره بحراء اعتكافا لأن حراء ليس من المسجد ولكنه من جبال الحرم وهو الجبل الذي نادى رسول الله صلى الله عليه و سلم حين قال له ثبير وهو على ظهره : اهبط عني ؛ فإني أخاف أن تقتل على ظهري فأعذب فناداه حراء : إلي إلي يا رسول الله
كيفية الوحي
فصل : وذكر نزول جبريل على رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : في الحديث : فأتاني وأنا نائم وقال في آخره : فهببت من نومي فكأنما كتبت في قلبي كتابا وليس ذكر النوم في حديث عائشة ولا غيرها بل في حديث عروة عن عائشة ما يدل ظاهره على أن نزول جبريل حين نزل بسورة اقرأ كان في اليقظة ؛ لأنها قالت في أول الحديث : أول ما بدىء به رسول الله صلى الله عليه و سلم : الرؤيا الصادقة كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب الله إليه الخلاء إلى قولها حتى جاءه الحق وهو بغار حراء فجاءه جبريل . فذكرت في هذا الحديث أن الرؤيا كانت قبل نزول جبريل على النبي عليه السلام بالقرآن وقد يمكن الجمع بين الحديثين بأن النبي صلى الله عليه و سلم جاء جبريل في المنام قبل أن يأتيه في اليقظة توطئة وتيسيرا عليه ورفقا به لأن أمر النبوءة عظيم وعبؤها ثقيل والبشر ضعيف وسيأتي في حديث الإسراء من مقالة العلماء ما يؤكد هذا ويصححه وقد ثبت بالطرق الصحاح عن عامر الشعبي أن رسول الله صلى الله عليه و سلم وكل به إسرافيل فكان يتراءى له ثلاث سنين ويأتيه بالكلمة من الوحي والشيء ثم ولك به جبريل فجاءه بالقرآن والوحي فعلى هذا كان نزول الوحي عليه صلى الله عليه و سلم في أحوال مختلفة فمنها : النوم كما في حديث ابن إسحق وما قالت عائشة أيضا : أول ما بدىء به رسول الله صلى الله عليه و سلم : الرؤيا الصادقة وقد قال إبراهيم عليه السلام : " إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى " فقال له ابنه : " افعل ما تؤمر " الصافات فدل على أن الوحي كان يأتيهم في المنام كما يأتيهم في اليقظة
ومنها : أن ينفث في روعه الكلام نفثا كما قال عليه السلام : إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل أجلها ورزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب وقال مجاهد وأكثر المفسرين في قوله سبحانه : " وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا " الشورى . قال هو أن ينفث في روعه بالوحي
ومنها : أن يأتيه الوحي في مثل صلصلة الجرس وهو أشده عليه وقيل : إن ذلك ليستجمع قلبه عند تلك الصلصلة فيكون أوعى لما يسمع وألقن لما يلقى
ومنها : أن يتمثل له الملك رجلا فقد كان يأتيه في صورة دحية بن خليفة ويروى أن دحية إذا قدم المدينة لم تبق معصر إلا خرجت تنظر إليه لفرط جماله . وقال ابن سلام في قوله تعالى : " وإذا رأوا تجارة أو لهوا " الجمعة . قال : كان اللهو نظرهم إلى وجه دحية لجماله
ومنها : أن يتراءى له جبريل في صورته التي خلقه الله فيها له ستمائة جناح ينتشر منها اللؤلؤ والياقوت
ومنها : أن يكلمه الله من وراء حجاب : إما في اليقظة كما كلمه في ليلة الإسراء وإما في النوم كما قال في حديث معاذ الذي رواه الترمذي قال : أتاني ربي في أحسن صورة فقال : فيم يختصم الملأ الأعلى فقلت : لا أدري . فوضع كفه بين كتفي فوجدت بردها بين ثندوتي وتجلى لي علم كل شيء وقال : يا محمد فيم يختصم الملأ العلى فقلت : في الكفارات فقال : وما هن ! ؟ فقلت : الوضوء عند الكريهات ونقل الأقدام إلى الحسنات وانتظار الصلوات بعد الصلوات فمن فعل ذلك عاش حميدا ومات حميدا وكان من ذنبه كمن ولدته أمه وذكر الحديث . فهذه ستة أحوال وحالة سابعة قد قدمنا ذكرها وهي نزول إسرافيل عليه بكلمات من الوحي قبل جبريل فهذه سبع صور في كيفية نزول الوحي على محمد صلى الله عليه و سلم لم أر أحدا جمعها كهذا الجمع وقد استشهدنا على صحتها بما فيه غنية وقد أملينا أيضا في حقيقة رؤيته عليه السلام ربه في المنام على أحسن صورة ويروى : على صورة شاب مسألة بديعة كاشفة لقناع اللبس فتنظر هنالك

(1/116)


من تفسير حديث الوحي
فصل : وذكر في الحديث أن جبريل أتاه بنمط من ديباج فيه كتاب فقال : اقرأ قال بعض المفسرين في قوله : " آلم ذلك الكتاب لا ريب فيه " إنها إشارة إلى الكتاب الذي جاءه به جبريل حين قال : اقرأ وفي الآية أقوال غير هذه منها : أنها إشارة إلى ما تضمنه قوله سبحانه : آلم ؛ لأن هذه الحروف المقطعة تضمنت معاني الكتاب كله فهي كالترجمة له
معنى اقرأ باسم ربك
وقوله : ما أنا بقارىء أي : إني أمي فلا أقرأ الكتب قالها ثلاثا فقيل له : اقرأ باسم ربك أي : إنك لا تقرؤه بحولك ولا بصفة نفسك ولا بمعرفتك ولكن اقرأ مفتتحا باسم ربك مستعينا به فهو يعلمك كما خلقك وكما نزع عنك علق الدم ومغمز الشيطان بعدما خلقه فيك كما خلقه في كل إنسان . والآيتان المتقدمتان لمحمد والآخرتان : لأمته وهما قوله تعالى : " الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم " لأنها كانت أمة أمية لا تكتب فصاروا أهل كتاب وأصحاب قلم فتعلموا القرآن بالقلم وتعلمه نبيهم تلقينا من جبريل نزله على قلبه بإذن الله ليكون من المرسلين
حول بسم الله
فصل : وفي قوله : اقرأ باسم ربك من الفقه : وجوب استفتاح القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم غير أنه أمر مبهم لم يبين له بأي اسم من أسماء ربه يفتتح حتى جاء البيان بعد في قوله : " بسم الله مجريها " هود ثم قوله تعالى : " وإنه بسم الله الرحمن الرحيم " النمل . ثم كان بعد ذلك ينزل جبريل عليه ببسم الله الرحمن الرحيم مع كل سورة وقد ثبتت في سواد المصحف بإجماع من الصحابة على ذلك وما ذكره البخاري من مصحف الحسن البصري فشذوذ فهي على هذا من القرآن إذ لا يكتب في المصحف ما ليس بقرآن ولا يلتزم قول الشافعي أنها آية من كل سورة ولا أنها آية من الفاتحة بل نقول : إنها آية من كتاب الله تعالى مقترنة مع السورة وهو قول داود وأبي حنيفة وهو قول بين القوة لمن أنصف وحين نزلت بسم الله الرحمن الرحيم سبحت الجبال فقالت قريش : سحر محمد الجبال ذكره النقاش وإن صح ما ذكره فلمعنى ما سبحت عند نزولها خاصة وذلك أنها آية أنزلت على آل داود وقد كانت الجبال تسبح مع داود كما قال الله تعالى : " إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشواق " ص وقال : " إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم " النمل
وفي الحديث ذكر نمط الديباج من الكتاب وفيه دليل وإشارة إلى أن هذا الكتاب يفتح على أمته ملك الأعاجم ويسلبونهم الديباج والحرير الذي كان زيهم وزينتهم وبه أيضا ينال ملك الآخرة ولباس الجنة وهو الحرير والديباج وفي سير موسى بن عقبة وسير سليمان بن المعتمر زيادة وهو أن جبريل أتاه بدرنوك من ديباج منسوج بالدر والياقوت فأجلسه عليه غير أن موسى بن عقبة قال : ببساط ولم يقل : درنوك وقال في سير ابن المعتمر : إن الله تعالى أنزل عليه : " ألم نشرح لك صدرك " الآيات كأنه يشير به فمسح جبريل صدره وقال : اللهم اشرح صدره وارفع ذكره وضع عنه وزره ويصحح ما رواه ابن المعتمر أن الله تعالى أنزل عليه : " ألم نشرح لك صدرك " الآيات كأنه يشير إلى ذلك الدعاء الذي كان من جبريل والله أعلم
الغط

(1/117)


وقوله في الحديث : فغطني ويروى : فسأبني ويروى : سأتني وأحسبه أيضا يروى : فذعتني وكلها بمعنى واحد وهو الحنق والغم ومن الذعت حديثه الآخر : أن الشيطان عرض له وهو يصلي قال : فذعته حتى وجدت برد لسانه على يدي ثم ذكرت قول أخي سليمان : رب هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي الحديث وكان في ذلك إظهار للشدة والجد في الأمر وأن يأخذ الكتاب بقوة ويترك الأناة فإنه أمر ليس بالهوينى وقد انتزع بعض التابعين وهو شريح القاضي من هذا : ألا يضرب الصبي على القرآن إلا ثلاثا كما غط جبريل عليه السلام محمدا صلى الله عليه و سلم ثلاثا وعلى رواية ابن إسحق أن ذلك في نومه كان يكون في تلك الغطات الثلاث من التأويل ثلاث شدائد يبتلى بها أولا ثم يأتي الفرج والروح وكذلك كان لقي هو وأصحابه شدة من الجوع في شعب الخيف حين تعاقدت قريش ألا يبيعوا منهم ولا يتركوا ميرة تصل إليهم وشدة أخرى من الخوف والإيعاد بالقتل وشدة أخرى من الإجلاء عن أحب الأوطان إليه ثم كانت العاقبة للمتقين والحمد لله رب العالمين
ما أنا بقارىء
وقوله في حديث ابن إسحق : اقرأ قال : ما أقرأ يحتمل أن تكون ما استفهاما يريد : أي شيء أقرأ ؟ ويحتمل أن تكون نفيا ورواية البخاري ومسلم تدل على أنه أراد النفي أي : ما أحسن أن أقرأ كما تقدم من قوله : ما أنا بقارىء
رؤية جبريل ومعنى اسمه
وذكر رؤيته لجبريل وهو صاف قدميه وفي حديث جابر أنه رآه على رفرف بين السماء والأرض ويروى : على عرش بين السماء والأرض وفي حديث البخاري الذي ذكره في آخر الجامع أنه حين فتر عنه الوحي كان يأتي شواهق الجبال يهم بأن يلقي نفسه منها فكان جبريل يتراءى له بين السماء والأرض يقول له : أنت رسول الله وأنا جبريل . واسم جبريل سرياني ومعناه : عبد الرحمن أو عبد العزيز . هكذا جاء عن ابن عباس موقوفا ومرفوعا أيضا والوقف أصله . وأكثر الناس على أن آخر الاسم منه هو اسم الله وهو : إبل وكان شيخنا رحمه الله يذهب مذهب طائفة من أهل العلم في أن هذه الأسماء إضافتها مقلوبة وكذلك الإضافة في كلام العجم يقولون في غلام زيد : زيد غلام فعلى هذا يكون إيل عبارة عن العبد ويكون أول الاسم عبارة عن اسم من أسماء الله تعالى ألا ترى كيف قال في حديث ابن عباس : جبريل وميكائيل كما تقول : عبد الله وعبد الرحمن ألا ترى أن لفظ عبد يتكرر بلفظ واحد والأسماء ألفاظها مختلفة
حول معنى إل وخرافة الرهبان
وأما إل بالتشديد من قوله تعالى : " إلا ولا ذمة " التوبة فحذار حذار من أن تقول فيه : هو اسم الله فتسمى الله باسم لم يسم به نفسه ألا ترى أن جميع أسماء الله تعالى معرفة وإل نكرة وحاشا لله أن يكون اسمه نكرة وإنما الأل كل ما له حرمة وحق فمما له حق ويجب تعظيمه : القرابة والرحم والجوار والعهد وهو من أللت : إذا اجتهدت في الشيء وحافظت عليه ولم تضيعه ومنه : الأل في السير وهو الجد ومنه قول الكميت يصف رجلا :
وأنت ما أنت في غبراء مجدبة ... إذا دعت ألليها الكاعب الفضل يريد : اجتهدت في الدعاء وإذا كان الأل بالفتح المصدر فالإل بالكسر : الاسم كالذبح في الذبح فهو إذا الشيء المحافظ عليه وقول الصديق : عن كلام مسيلمة : هذا كلام لم يخرج من إل ولا بر أي : لم يصدر عن ربوبية لأن الربوبية حقها واجب معظم وكذلك فسره أبو عبيد واتفق في اسم جبريل عليه السلام أنه موافق من جهة العربية لمعناه وإن كان أعجميا فإن الجبر هو إصلاح وما وهى وجبريل موكل بالوحي وفي الوحي إصلاح ما فسد وجبر ما وهى من الدين ولم يكن معروفا بمكة ولا بأرض العرب فلما أخبر النبي صلى الله عليه و سلم خديجة به انطلقت تسأل من عنده علم من الكتاب كعداس ونسطور الراهب فقال لها : قدوس قدوس ! أنى لهذا الاسم أن يذكر في هذه البلاد وقد قدمنا هذا الخبر عنها وهو في سير التيمي لما ذكرناه قبل وفي كتاب المعيطي عن أشهب قال : سئل مالك عن التسمي بجبريل أو من يسمي به ولده فكره ذلك ولم يعجبه
معنى الناموس
وقول ورقة : لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى . الناموس : صاحب سر الملك قال بعضهم : هو صاحب سر الخير والجاسوس : هو صاحب سر الشر وقد فسره أبو عبيد وأنشد :

(1/118)


فأبلغ يزيد إن عرضت ومنذرا ... عمهما والمستشز المنامسا
لم ذكر موسى ولم يذكر عيسى
وإنما ذكر ورقة موسى ولم يذكر عيسى وهو أقرب لأن ورقة كان قد تنصر والنصارى لا يقولن في عيسى : إنه نبي يأتيه جبريل إنما يقولون فيه : إن أقنوما من الأقانيم الثلاثة اللاهوتية حل بناسوت المسيح واتحد به على اختلاف بينهم في ذلك الحلول وهو أقنوم الكلمة والكلمة عندهم : عبارة عن العلم فلذلك كان المسيح عندهم يعلم الغيب ويخبر بما في غد فلما كان هذا من مذهب النصارى الكذبة على الله المدعين المحال عدل عن ذكر عيسى إلى ذكر موسى لعلمه أو لاعتقاده أن جبريل كان ينزل على موسى لكن ورقة قد ثبت إيمانه بمحمد عليه السلام وقد قدمنا حديث الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه و سلم رآه في المنام وعليه ثياب بيض إلى آخر الحديث
حول هاء السكت والفعل تدرك
وقول ورقة : لتكذبنه ولتؤذينه ولا ينطق بهذه الهاء إلا ساكنة لأنها هاء السكت وليست بهاء إضمار . وقوله : إن أدرك ذلك اليوم أنصرك نصرا مؤزرا وقال في الحديث : إن يدركني يومك وهو القياس لأن ورقة سابق بالوجود والسابق هو الذي يدركه من يأتي بعده كما جاء في الحديث : أشقى الناس من أدركته الساعة وهو حي ورواية ابن إسحق أيضا لها وجه لأن المعنى : أترى ذلك اليوم فسمى رؤيته إدراكا وفي التنزيل : " لا تدركه الأبصار " أي : لا تراه على أحد القولين . وقوله : مؤزرا من الأزر وهو القوة والعون
شرح أو مخرجي
فصل : وفي حديث البخاري أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لورقة : أو مخرجي هم . لا بد من تشديد الياء في مخرجي لأنه جمع والأصل مخرجوي فأدغمت الواو في الياء وهو خبر ابتداء مقدم ولو كان المبتدأ اسما ظاهر الجاز تخفيف الياء ويكون الاسم الظاهر فاعلا لا مبتدأ كما تقول : أضارب قومك أخارج إخوتك فتفرد لأنك رفعت به فاعلا وهو حسن في مذهب سيبويه والأخفش ولولا الاستفهام ما جاز الإفراد إلا على مذهب الأخفش فإنه يقول : قائم الزيدون دون استفهام فإن كان الاسم المبتدأ من المضمرات نحو : أخارج أنت وأقائم هو ؟ لم يصح فيه إلا الابتداء لأن الفاعل إذا كان مضمرا لم يكن منفصلا لا تقول : قام أنا ولا ذهب أنت وكذلك لا تقول : أذاهب أنت على حد الفاعل ولكن على المبتدأ وإذا كان على حد المبتدأ فلا بد من جمع الخبر فعلى هذا تقول : أمخرجي هم تريد : مخرجون ثم أضف إلى الياء وحذف النون وأدغمت الواو كما يقتضي القياس
حول اليافوخ والذهاب إلى ورقة
فصل : وذكر أن ورقة بن نوفل لقي النبي عليه السلام فقبل يافوخه قد تقدم ذكر اليافوخ وأنه يفعول مهموز وأنه لا يقال في رأس الطفل يافوخ حتى يشتد وإنما يقال له : الغاذية وذكرنا قول العجاج :

(1/119)


ضرب إذا أصاب اليآفيخ حفر . ولو كان يافوخ فاعولا كما ظن بعضهم لم يجز همزه في الواحد . ولا في الجمع وفي رواية يونس عن ابن إسحق بسنده إلى أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل أن رسول الله صلى الله عليه و سلم . قال لخديجة : إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء وقد خشيت والله أن يكون لهذا أمر . قالت : معاذ الله ما كان الله ليفعل ذلك بك . فوالله إنك لتؤدي الأمانة وتصل الرحم . وتصدق الحديث فلما دخل أبو بكر وليس عندها رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم ذكرت خديجة له ذلك فقالت : يا عتيق اذهب مع محمد إلى ورقة فلما دخل رسول الله صلى الله عليه و سلم أخذ أبو بكر بيده . فقال : انطلق بنا إلى ورقة بن نوفل . فقال : ومن أخرك ؟ قال : خديجة فانطلقا إليه فقصا عليه فقال : إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي : يا محمد يا محمد فأنطلق هاربا في الأرض . فقال له : لا تفعل إذا أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقول لك . ثم ائتني فأخبرني فلما خلا ناداه : يا محمد قل : بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله رب العالمين . حتى بلغ : ولا الضالين . قل : لا إله إلا الله . فأتى ورقة فذكر ذلك له فقال له ورقة : أبشر ثم أبشر فأنا أشهد أنك الذي بشر به ابن مريم وأنك على مثل ناموس موسى وأنك نبي مرسل وأنك ستؤمر بالجهاد بعد يومك هذا . ولئن أدركني ذلك لأجاهدن معك . فلما توفي ورقة قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : لقد رأيت القس في الجنة وعليه ثياب الحرير لأنه آمن بي وصدقني يعني : ورقة وفي رواية يونس أيضا أنه عليه السلام قال لرجل سب ورقة : أما علمت أني رأيت لورقة جنة أو جنتين وهذا الحديث الأخير قد أسنده البزار
لقد خشيت على نفسي
فصل : وفي الصحيح أنه قال لخديجة : لقد خشيت على نفسي وتكلم العلماء في معنى هذه الخشية بأقوال كثيرة فذهب أبو بكر الإسماعيلي إلى أن هذه الخشية كانت منه قبل أن يحصل له العلم بأن الذي جاءه ملك من عند الله وكان أشق شيء عليه أن يقال عنه : مجنون ولم ير الإسماعيلي أن هذا محال في مبدإ الأمر ؛ لأن العلم الضروري قد لا يحصل دفعة واحدة وضرب مثلا بالبيت من الشعر تسمع أوله فلا تدري أنظم هو أم نثر فإذا استمر الإنشاد علمت قطعا أنه قصد به قصد الشعر كذلك لما استمر الوحي واقترنت به القرائن المقتضية للعلم القطعي حصل العلم القطعي وقد أثنى الله تعالى عليه بهذا العلم فقال : " آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون " إلى قوله : " وملائكته وكتبه ورسله " فإيمانه بالله وبملائكته إيمان كسبي موعود عليه بالثواب الجزيل كما وعد على سائر أفعاله المكتسبة كانت من أفعال القلب أو أفعال الجوارح وقد قيل في قوله : لقد خشيت على نفسي أي : خشيت ألا أنهض بأعباء النبوة وأن أضعف عنها ثم أزال الله خشيته ورزقه الأيد والقوة والثبات والعصمة وقد قيل : إن خشيته كانت من قومه أن يقتلوه ولا غرو فإنه بشر يخشى من القتل والإذاية الشديدة ما يخشاه البشر ثم يهون عليه الصبر في ذات الله كل خشية ويجلب إلى قلبه كل شجاعة وقوة وقد قيل في معنى الخشية أقوال غير هذه رغبت عن التطويل بذكرها
متى نزل القرآن
فصل : وذكر قول الله تعالى : " شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن " البقرة . إلى آخر الآية مستشهدا بذلك على أن القرآن أنزل في شهر رمضان وفي ليلة القدر من رمضان وهذا يحمل تأويلين : أحدهما : أن يكون أراد بدء النزول وأوله ؛ لأن القرآن نزل في أكثر من عشرين سنة في رمضان وغيره والثاني : ما قاله ابن عباس : أنه نزل جملة واحدة إلى سماء الدنيا فجعل في بيت العزة مكنونا في الصحف المكرمة المرفوعة المطهرة ثم نزلت منه الآية بعد الآية والسورة بعد السورة في أجوبة السائلين والنوازل الحادثة إلى أن توفي صلى الله عليه و سلم وهذا التأويل أشبه بالظاهر وأصح في النقل والله أعلم
حول إضافة شهر إلى رمضان

(1/120)


فصل : وفي قوله تعالى : " شهر رمضان " فذكر الشهر مضافا إلى رمضان واختار الكتاب والموثقون النطق به بهذا اللفظ دون أن يقولوا : كتب في رمضان وترجم البخاري والنسوي على جواز اللفظين جميعا وأوردا حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم : من صام رمضان وإذا جاء رمضان ولم يقل : شهر رمضان وقد بينت أن لكل مقام مقامه ولا بد من ذكر شهر في مقام ومن حذفه في مقام آخر والحكمة في ذكره إذا ذكر في القرآن والحكمة أيضا في حذفه إذا حذف من اللفظ وأين يصلح الحذف ويكون أبلغ من الذكر كل هذا مبين في كتاب نتائج الفكر فهناك أوردنا فيه فوائد تعجز عنها همم أهل هذا العصر . أدناها تساوي رخلة عند من عرف قدرها غير أنا نشير إلى بعضها فنقول : قال سيبويه : ومما لا يكون العمل إلا فيه كله : المحرم وصفر يريد أن الاسم العلم يتناول اللفظ كله وذلك إذا قلت : الأحد أو الاثنين فإن قلت يوم الأحد أو شهر المحرم كان ظرفا ولم يجر مجرى المفعولات وزال العموم من اللفظ لأنك تريد : في الشهر وفي اليوم ولذلك قال عليه السلام : من صام رمضان ولم يقل شهر رمضان ؛ ليكون العمل فيه كله وهذه إشارة إلى بعض تلك الفوائد التي أحكمناها في غير هذا الكتاب
حب الرسول صلى الله عليه و سلم وطنه
بقية من حديث ورقة وذلك أنه قال لرسول الله صلى الله عليه و سلم : لتكذبنه فلم يقل له النبي صلى الله عليه و سلم شيئا ثم قال : ولتؤذينه فلم يقل له شيئا ثم قال : ولتخرجنه فقال : أو مخرجي هم ؟ ففي هذا دليل على حب الوطن وشدة مفارقته على النفس وأيضا فإنه حرم الله وجوار بيته وبلدة أبيه إسماعيل فلذلك تحركت نفسه عند ذكر الخروج منه ما لم تتحرك قبل ذلك فقال : أو مخرجي هم ؟ والموضع الدال على تحرك النفس وتحرقها إدخال الواو بعد ألف الاستفهام مع اختصاص الإخراج بالسؤال عنه وذلك أن الواو ترد إلى الكلام المتقدم وتشعر المخاطب بأن الاستفهام على جهة الإنكار أو التفجع لكلامه أو التألم منه
ذكر عبد الله بن حسن
فصل : وذكر عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب وقوله : حدثتني أمي فاطمة بنت الحسين أن خديجة أدخلته بين ثوبها . الحديث عبد الله هذا هو : عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب وأمه : فاطمة بنت الحسين أخت سكينة واسمها : آمنة وسكينة لقب لها التي كانت ذات دعابة ومزح وفي سكينة وأمها الرباب يقول الحسين بن علي رضي الله عن جميعهم :
كأن الليل موصول بليل ... إذا زارت سكينة والرباب أي : زادت قومها وهم : بنو عليم بن جناب من كلب ثم من بني كعب بن عليم ويعرف بنو كعب بن عليم ببني زيد غير مصروف ؛ لأنه اسم أمهم وعبد الله بن حسن هو والد الطالبيين القائمين على بني العباس وهم : محمد ويحيى وإدريس مات إدريس بإفريقية فارا من الرشيد ومات مسموما في دلاعة أكلها ووقع في كتاب الزبير بن أبي بكر قال : قال عبد الرحمن بن زيد : قال آدم عليه السلام : مما فضل بن علي ابني صاحب البعير أن زوجه كانت عونا له على تبليغ أمر الله وأن زوجي كانت عونا لي على المعصية
حديث عبد الله بن جعفر
وغيره عن خديجة
فصل : وذكر حديث عبد الله بن جعفر بن أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أمر أن يبشر خديجة ببيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب . هذا حديث مرسل وقد رواه مسلم متصلا عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت : ما غرت على أحد ما غرت على خديجة ولقد هلكت قبل أن يتزوجني رسول الله صلى الله عليه و سلم بثلاث سنين ولقد أمر أن يبشرها ببيت من قصب في الجنة

(1/121)


وفي حديث آخر أن عائشة قالت : ما تذكر من عجوز حمراء الشدقين هلكت في الدهر قد أبدلك الله خيرا منها فغضب وقال : والله ما أبدلني الله خيرا منها ؛ آمنت بي حين كذبني الناس وواستني بمالها حين حرمني الناس ورزقت الولد منها وحرمته من غيرها وروى يونس عن عبد الواحد بن أيمن المخزومي قال : حدثنا أبو نجيح قال : أهدي لرسول الله صلى الله عليه و سلم جزور أو لحم فأخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم عظما منها فناوله الرسول بيده ؛ فقال : اذهب بهذا إلى فلانة فقالت عائشة : لم غمرت يدك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم مغضبا : إن خديجة أوصتني بها فغارت عائشة وقالت : لكأنه ليس في الأرض امرأة إلا خديجة فقام رسول الله صلى الله عليه و سلم مغضبا فلبث ما شاء الله ثم رجع فإذا أم رومان قالت يا رسول الله : ما لك ولعائشة ؟ ! إنها حدثة وإنك أحق من تجاوز عنها فأخذ بشدق عائشة وقال : ألست القائلة : كأنما ليس على الأرض امرأة إلا خديجة والله لقد آمنت بي إذ كفر وقمك ورزقت مني الولد وحرمتموه وفي صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : خير نسائها : مريم بنت عمران وخير نسائها : خديجة والهاء في نسائها حين ذكر مريم عائدة على السماء والهاء في نسائها حين ذكر خديجة عائدة على الأرض وذلك أن هذا الحديث رواه وكيع وأبو أسامة وابن نمير في آخرين وأشار وكيع من بينهم حين حدث بالحديث بإصبعه إلى السماء عند ذكر مريم وإلى الأرض عند ذكر خديجة وهذه إشارة ليست من رأيه وإنما هي زيادة من حديثه عن النبي صلى الله عليه و سلم وزيادة العدل مقبولة ويحتمل أن يكون معنى إشارته إلى السماء والأرض عند ذكرهما أي : هما خير نساء بين السماء والأرض وهذا أثبت عندي بظاهر الحديث . ولعلنا أن نذكر اختلاف العلماء في التفضيل بين مريم وخديجة وعائشة رضي الله عنهن وأزواج النبي صلى الله عليه و سلم وما نزع به كل فريق منهم
حول ما بشرت به خديجة

(1/122)


وأما قوله : ببيت من قصب فقد رواه الخطابي مفسرا وقال فيه : قالت خديجة : يا رسول الله هل في الجنة قصب ؟ فقال : إنه قصب من لؤلؤ مجبى . قال الخطابي : يجوز أن يكون معناه : مجوبا من قولك : جبت الثوب إذا خرقته فيكون من المقلوب ويجوز أن يكون الأصل مجببا بباءين من الجب وهو القطع أي : قطع داخله وقلبت الباء ياء كما قالوا : تظنيت من الظن وتقصيت أظفاري وتكلم أصحاب المعاني في هذا الحديث وقالوا : كيف لم يبشرها إلا ببيت وأدنى أهل الجنة منزلة من يعطى مسيرة ألف عام في الجنة كما في حديث ابن عمر خرجه الترمذي وكيف لم ينعت هذا البيت بشيء من أوصاف النعيم والبهجة أكثر من نفي الصخب وهو : رفع الصوت فأما أبو بكر الإسكاف فقال في كتاب فوائد الأخبار له : معنى الحديث : أنه بشرت ببيت زائد على ما أعد الله لها مما هو ثواب لإيمانها وعملها ؛ ولذلك قال : لا صخب فيه ولا نصب أي : لم تنصب فيه ولم تصخب . أي : إنما أعطيته زيادة على جميع العمل الذي نصبت فيه . قال المؤلف رحمه الله : لا أدري ما هذا التأويل ولا يقتضيه ظاهر الحديث ولا يوجد شاهد يعضده وأما الخطابي فقال : البيت ها هنا عبارة عن قصر وقد يقال لمنزل الرجل : بيته والذي قاله صحيح يقال في القوم : هم أهل بيت شرف وبيت عز وفي التنزيل : " غير بيت من المسلمين " ولكن لذكر البيت ههنا بهذا اللفظ ولقوله : ببيت ولم يقل : بقصر معنى لائق بصورة الحال وذلك أنها كانت ربة بيت إسلام لم يكن على الأرض بيت إسلام إلا بيتها حين آمنت وأيضا فإنها أول من بنى بيتا في الإسلام بتزويجها رسول الله صلى الله عليه و سلم ورغبتها فيه وجزاء الفعل يذكر بلفظ الفعل وإن كان أشرف منه لما جاء : من كسا مسلما على عري كساه الله من حلل الجنة ومن سقى مسلما على ظمإ سقاه الله من الرحيق ومن هذا الباب قوله عليه السلام : من بنى لله مسجدا بنى الله له مثله في الجنة لم يرد مثله في كونه مسجدا ولا في صفته ولكن قابل البنيان بالبنيان أي كما بنى يبنى له كما قابل الكسوة بالكسوة والسقيا بالسقيا فها هنا وقعت المماثلة لا في ذات المبني أو المكسو وإذا ثبت هذا فمن ههنا اقتضت الفصاحة أن يعبر لها عما بشرت به بلفظ البيت وإن كان فيه ما لا عين رأته ولا أذن سمعته ولا خطر على قلب بشر ومن تسمية الجزاء على الفعل بالفعل في عكس ما ذكرناه قوله تعالى : " نسوا الله فنسيهم " " ومكروا ومكر الله "
وأما قوله : لا صخب فيه ولا نصب فإنه أيضا من باب ما كنا بسبيله لأنه عليه السلام دعاها إلى الإيمان فأجابته عفوا لم تحوجه إلى أن يصخب كما يصخب البعل إذا تعصت عليه حليلته ولا أن ينصب بل أزالت عنه كل نصب وآنسته من كل وحشة وهونت عليه كل مكروه وأراحته بمالها من كل كد ونصب فوصف منزلها الذي بشرت به بالصفة المقابلة لفعالها وصورته
وأما قوله : من قصب ولم يقل : من لؤلؤ وإن كان المعنى واحدا ولكن في اختصاصه هذا اللفظ من المشاكلة المذكورة والمقابلة بلفظ الجزاء للفظ العمل أنها رضي الله عنها كانت قد أحرزت قصب السبق إلى الإيمان دون غيرها من الرجال والنسوان . والعرب تسمي السابق محرزا للقصب . قال الشاعر :
مشى ابن الزبير القهقرى وتقدمت ... أمية حتى أحرزوا القصبات فاقتضت البلاغة أن يعبر بالعبارة المشاكلة لعملها في جميع ألفاظ الحديث فتأمله
الموازنة بين خديجة وعائشة

(1/123)


فصل : وذكر قول رسول الله صلى الله عليه و سلم لخديجة : هذا جبريل يقرئك السلام من ربك . الحديث يذكر عن أبي بكر بن داود أنه سئل : أعائشة أفضل أم خديجة ؟ فقال : عائشة أقرأها رسول الله صلى الله عليه و سلم السلام من جبريل وخديجة أقرأها جبريل السلام من ربها على لسان محمد صلى الله عليه و سلم فهي أفضل قيل له : فمن أفضل أخديجة أم فاطمة ؟ فقال : إن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : إن فاطمة بضعة مني فلا أعدل ببضعة من رسول الله أحدا وهذا استقراء حسن ويشهد لصحة هذا الاستقراء أن أبا لبابة حين ارتبط نفسه وحلف ألا يحله إلا رسول الله صلى الله عليه و سلم فجاءت فاطمة لتحله فأبى من أجل قسمه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إنما فاطمة مضغة مني فحلته وسنذكر الحديث بإسناده في موضعه إن شاء الله تعالى ويدل أيضا على تفضيل فاطمة قوله عليه السلام لها : أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم ؟ فدخل في هذا الحديث أمها وأخواتها وقد تكلم الناس في المعنى الذي سادت به فاطمة غيرها دون أخواتها فقيل : إنها ولدت سيد هذه الأمة وهو الحسن الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه و سلم : إن ابني هذا سيد وهو خليفة بعلها خليفة أيضا وأحسن من هذا القول قول من قال : سادت أخواتها وأمها لأنهن متن في حياة النبي صلى الله عليه و سلم فكن في صحيفته ومات أبوها وهو سيد العالمين فكان رزؤه في صحيفتها وميزانها وقد روى البزار من طريق عائشة أنه صلى الله عليه و سلم قال لفاطمة : هي خير بناتي ؛ إنها أصيبت بي فحق لمن كانت هذه حاله أن يسود نساء أهل الجنة وهذا حسن والله أعلم . ومن سؤددها أيضا أن المهدي المبشر به آخر الزمان من ذريتها فهي مخصوصة بهذا كله والأحاديث الواردة في أمر المهدي كثيرة وقد جمعها أبو بكر بن أبي خيثمة فأكثر ومن أغربها إسنادا ما ذكره أبو بكر الإسكاف في فوائد الأخبار مسندا إلى مالك بن أنس عن محمد بن المنكدر عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : من كذب بالدجال فقد كفر ومن كذب بالمهدي فقد كفر وقال في طلوع الشمس من مغربها مثل ذلك فيما أحسب
الله السلام

(1/124)


وقول خديجة : الله السلام ومنه السلام وعلى جبريل السلام علمت بفقهها أن الله سبحانه لا يرد عليه السلام كما يرد على المخلوق ؛ لأن السلام دعاء بالسلامة فكان معنى قولها : الله السلام فكيف أقول عليه السلام والسلام منه يسئل ومنه يأتي ؟ ولكن على جبريل السلام فالذي يحصل من هذا الكلام من الفقه أنه لا يليق بالله سبحانه إلا الثناء عليه فجعلت مكان رد التحية على الله ثناء عليه كما عملوا في التشهد حين قالوا : السلام على الله من عباده السلام على فلان فقيل لهم : لا تقولوا هذا ولكن قولوا : التحيات لله وقد ذكرنا في غير هذا الكتاب فوائد جمة في معنى التحيات إلى آخر التشهد . وقولها : ومنه السلام إن كانت أرادت السلام التحية فهو خبر يراد به التشكر كما تقول : هذه النعمة من الله وإن كانت أرادت السلام بالسلامة من سوء فهو خبر يراد به المسألة كما تقول : منه يسأل الخير . وذهب أكثر أهل اللغة إلى أن السلام والسلامة بمعنى واحد كالرضاع والرضاعة ولو تأملوا كلام العرب وما تعطيه هاء التأنيث من التحديد لرأوا أن بينهما فرقانا عظيما وأن الجلال أعم من الجلالة بكثير وأن اللذاذ أبلغ من اللذاذة وأن الرضاعة تقع على الرضعة الواحدة والرضاع أكثر من ذلك فكذلك السلام والسلامة وقس على هذا : تمرة وتمرا ولقاة ولقى وضربة وضربا إلى غير ذلك وتسمى سبحانه بالسلام لما شمل جميع الخليقة وعمهم من السلامة من الاختلال والتفاوت إذ الكل جار على نظام الحكمة كذلك سلم الثقلان من جور وظلم أن يأتيهم من قبله سبحانه فإنما الكل مدبر بفضل أو عدل أما الكافر فلا يجري عليه إلا عدله وأما المؤمن فيغمره فضله فهو سبحانه في جميع أفعاله سلام لا حيف ولا ظلم ولا تفاوت ولا اختلال ومن زعم من المفسرين لهذا الاسم أنه تسمى به لسلامته من الآفات والعيوب فقد أتى بشنيع من القول إنما السلام من سلم منه والسالم من سلم من غيره وانظر إلى قوله سبحانه : " كوني بردا وسلاما " وإلى قوله : " سلام هي " ولا يقال في الحائط : سالم من العمى ولا في الحجر أنه سالم من الزكام أو من السعال إنما يقال : سالم فيمن تجوز عليه الآفة ويتوقعها ثم يسلم منها والقدوس سبحانه متعال عن توقع الآفات متنزه عن جواز النقائص ومن هذه صفته لا يقال : سلم ولا يتسمى بسالم وهم قد جعلوا سلاما بمعنى سالم والذي ذكرناه أول هو معنى قول أكثر السلف والسلامة : خصلة واحدة من خصال السلام
فترة الوحي
فصل : وذكر فترة الوحي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ولم يذكر مقدار مدة الفترة وقد جاء في بعض الأحاديث المسندة أنها كانت سنتين ونصف سنة فمن هنا يتفق ما قاله أنس بن مالك أن مكثه بمكة كان عشر سنين وقول ابن عباس : ثلاث عشرة سنة وكان قد ابتدئ بالرؤيا الصادقة ستة أشهر فمن عد مدة الفترة وأضاف إليها الأشهر الستة كانت كما قال ابن عباس ومن عدها من حين حمي الوحي وتتابع كما في حديث جابر كانت عشر سنين . ووجه آخر في الجمع بين القولين أيضا وهو أن الشعبي قال : وكل أسرافيل بنبوة محمد صلى الله عليه و سلم ثلاث سنين ثم جاءه القرآن جبريل وقد قدمنا هذا الحديث ورواه أبو عمر في كتاب الاستيعاب وإذا صح فهو أيضا وجه من الجمع بين الحديثين والله أعلم
شرح شعر الهذلي والفرزدق
فصل : وذكر ابن إسحق قول أبي خراش خويلد بن مرة الهذلي :
إلى بيته يأوي الضريك إذا شتا ... ومستنبح بالي الدريسين عائل الضريك : الضعيف المضطر والمستنبح الذي يضل عن الطريق في ظلمة الليل فينبح ليسمع نباح كلب والدريس : الثوب الخلق وقول الفرزدق :
ترى الغر الجحاجح من قريش ... إذا ما الأمر في الحدثان عالا
قياما ينظرون إلى سعيد ... كأنهم يرون به هلالا

(1/125)


يعني : سعيد بن العاصي بن أمية ويقال : إن مروان بن الحكم حين سمع الفرزدق ينشد هذا البيت حسده فقال له : قل : قعودا ينظرون إلى سعيد يا أبا فراس . فقال له الفرزدق : والله يا أبا عبد الملك : إلا قياما على الأقدام . وذكر سبب نزول سورة الضحى وأن ذلك لفترة الوحي عنه وخرج البخاري من طريق جندب بن سفيان أن رسول الله صلى الله عليه و سلم اشتكى فلم يقم ليلتين أو ثلاثا فقالت له امرأة : إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك فأنزل الله تعالى سورة الضحى
فرض الصلاة
وذكر حديث عروة عن عائشة : فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر وذكر المزني أن الصلاة قبل الإسراء كانت صلاة قبل غروب الشمس وصلاة قبل طلوعها ويشهد لهذا القول قوله سبحانه : " وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار " غافر . وقال يحيى بن سلام مثله وقال : كان الإسراء وفرض الصلوات الخمس قبل الهجر بعام فعلى هذا يحتمل قول عائشة : فزيد في صلاة الخضر أي : زيد فيها حين أكملت خمسا فتكون الزيادة في الركعات وفي عدد الصلوات ويكون قولها : فرضت الصلاة ركعتين أي : قبل الإسراء وقد قال بهذا طائفة من السلف منهم : ابن عباس ويجوز أن يكون معنى قولها : فرضت الصلاة : أي ليلة الإسراء حين فرضت الخمس فرضت ركعتين ركعتين ثم زيد في صلاة الحضر بعد ذلك وهذا هو المروي عن بعض رواة هذا الحديث عن عائشة ومن رواه هكذا الحسن والشعبي أن الزيادة في صلاة الحضر كانت بعد الهجرة بعام أو نحوه وقد ذكره أبو عمر وقد ذكر البخاري من رواية معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت : فرضت الصلاة ركعتين ركعتين ثم هاجر رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى المدينة ففرضت أربعا هكذا لفظ حديثه وههنا سؤال يقال : هل هذه الزيادة في الصلاة نسخ أم لا ؟ فيقال : أما زيادة ركعتين أو ركعة إلى ما قبلها من الركوع حتى تكون صلاة واحدة فنسخ لأن النسخ رفع الحكم وقد ارتفع حكم الإجزاء من الركعتين وصار من سلم منهما عامدا أفسدهما وإن أراد أن يتم صلاته بعدما سلم وتحدث عمدا لم يجزه إلا أن يستأنف الصلاة من أولها فقد ارتفع حكم الإجزاء بالنسخ وأما الزيادة في عدد الصلوات حين أكملت خمسا بعدما كانت اثنتين فيسمى نسخا على مذهب أبي حنيفة فإن الزيادة عنده على النص نسخ وجمهور المتكلمين على أنه ليس بنسخ ولاحتجاج الفريقين موضع غير هذا
الوضوء
فصل : وذكر نزول جبريل عليه السلام بأعلى مكة حين همز له بعقبه فأنبع الماء وعلمه الوضوء وهذا الحديث مقطوع في السيرة ومثله لا يكون أصلا في الأحكام الشرعية ولكنه قد روي مسندا إلى زيد بن حارثة يرفعه غير أن هذا الحديث المسند يدور على عبد الله بن لهيعة وقد ضعف ولم يخرج عنه مسلم ولا البخاري ؛ لأنه يقال : إن كتبه احترقت فكان يحدث من حفظه وكان مالك بن أنس يحسن فيه القول ويقال إنه الذي روي عنه حديث بيع العربان في الموطأ مالك عن الثقة عنده عن عمرو بن شعيب فيقال : إن الثقة ههنا ابن لهيعة ويقال : إن ابن وهب حدث به عن ابن لهيعة وحديث ابن لهيعة هذا أخبرنا به أبو بكر الحافظ محمد بن العربي قال : نا أبو المطهر سعد بن عبد الله بن أبي الرجاء عن أبي نعيم الحافظ قال : نا أبو بكر أحمد بن يوسف العطار قال : نا الحارث بن أبي أسامة قال : نا الحسن بن موسى عن ابن لهيعة عن عقيل بن خالد عن الزهري عن عروة عن أسامة بن زيد قال : حدثني أبي زيد بن حارثة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم في أول ما أوحي إليه أتاه جبريل عليه السلام فعلمه الوضوء فلما فرغ من الوضوء أخذ غرفة من ماء فنضح بها فرجه وحدثنا به أيضا أبو بكر محمد بن طاهر عن أبي علي الغساني عن أبي عمر النمري عن أحمد بن قاسم عن قاسم بن أصبغ عن الحارث بن أبي أسامة بالإسناد المتقدم فالوضوء على هذا الحديث مكي بالفرض مدني بالتلاوة لأن آية الوضوء مدنية وإنما قالت عائشة : فأنزل الله تعالى آية التيمم ولم تقل : آية الوضوء وهي هي ؛ لأن الوضوء قد كان مفروضا قبل غير أنه لم يكن قرآنا يتلى حتى نزلت آية المائدة
إمامة جبريل

(1/126)


وذكر حديث عبد الله بن عباس في إمامة جبريل للنبي صلى الله عليه و سلم وتعليمه إياه أوقات الصلوات الخمس في اليومين وهذا الحديث لم يكن ينبغي له أن يذكره في هذا الوضع ؛ لأن أهل الصحيح متفقون على أن هذه القصة كانت في الغد من ليلة الإسراء وذلك بعدما نبىء بخمسة أعوام وقد قيل إن الإسراء كان قبل الهجرة بعام ونصف وقيل : بعام فذكره ابن إسحق في بدء نزول الوحي وأول أحوال الصلاة
أول من آمن
وذكر أن أول ذكر آمن بالله علي رضي الله عنه وسيأتي قول من قال : أول من أسلم أبو بكر ولكن ذلك والله أعلم من الرجال ؛ لأن عليا كان حين أسلم صبيا لم يدرك ولا يختلف أن خديجة هي أول من آمن بالله وصدق رسوله وكان علي أصغر من جعفر بعشر سنين وجعفر أصغر من عقيل بعشر سنين وعقيل أصغر من طالب بعشر سنين وكلهم أسلم إلا طالبا اختطفته الجن فذهب ولم يعلم بإسلامه وأم علي : فاطمة بنت أسد بن هاشم وقد أسلمت وهي إحدى الفواطم التي قال فيهن رسول الله صلى الله عليه و سلم لعلي رضي الله عنه : اقسمه بين الفواطم الثلاث يعني ثوب حرير قال القتبي . يعني : فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم وفاطمة بنت أسد ولا أدري من الثالثة ورواه عبد الغني بن سعيد : اقسمه بين الفواطم الأربع وذكر فاطمة بنت حمزة مع اللتين تقدمتا وقال : لا أدري من الرابعة قاله في كتاب الغوامض والمبهمات
إسلام زيد
فصل : وذكر حديث زيد بن حارثة وقال فيه : حارثة بن شرحبيل وقال : ابن هشام شراحيل قال أصحاب النسب كما قال ابن هشام ورفع نسبه إلى كلب بن وبرة ووبرة هو : ابن ثعلب بن حلوان بن الحاف بن قضاعة وأم زيد : سعدى بنت ثعلبة بن عبد عامر من بني معن من طيىء وكانت قد خرجت بزيد لتزيره أهلها فأصابته خيل من بني القين بن جسر فباعوه بسوق حباشة وهو من أسواق العرب وزيد يومئذ ابن ثمانية أعوام ثم كان من حديثه ما ذكر ابن إسحق ولما بلغ زيدا قول أبيه : بكيت على زيد ولم أدر ما فعل . الأبيات . قال بحيث يسمعه الركبان :
أحن إلى أهلي وإن كنت نائيا ... بأني قعيد البيت عند المشاعر
فكفوا من الوجد الذي قد شجاكم ... ولا تعملوا في الأرض نص الأباعر
فإني بحمد الله في خير أسرة ... كرام معد كابرا بعد كابر فبلغ أباه قوله فجاء هو وعمه كعب حتى وقفا على رسول الله صلى الله عليه و سلم بمكة وذلك قبل الإسلام فقالا له : يا بن عبد المطلب يا بن سيد قومه أنتم جيران الله وتفكون العاني وتطعمون الجائع وقد جئناكم في ابننا عبدك لتحسن إلينا في فدائه فقال : أو غير ذلك ؟ فقالا : وما هو ؟ فقال : أدعوه وأخيره فإن اختاركما فذاك وإن اختارني فوالله ما أنا بالذي أختار على من اختارني أحدا فقالا له : قد زدت على النصف فدعاه رسول الله صلى الله عليه و سلم فلما جاء قال : من هذان ؟ فقال : هذا أبي حارثة بن شراحيل وهذا عمي : كعب بن شراحيل فقال : قد خيرتك إن شئت ذهبت معهما وإن شئت أقمت معي فقال : بل أقيم معك فقال له أبوه : يا زيد أتختار العبودية على الحرية وعلى أبيك وأمك وبلدك وقومك ؟ ! فقال : إني قد رأيت من هذا الرجل شيئا وما أنا بالذي أفارقه أبدا فعند ذلك أخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم بيده وقام به إلى الملأ من قريش فقال : اشهدوا أن هذا ابني وارثا وموروثا فطابت نفس أبيه عند ذلك وكان يدعى : زيد بن محمد حتى أنزل الله تعالى : " ادعوهم لآبائهم " الأحزاب
وفي الشعر الذي ذكره ابن إسحق لحارثة بعد قوله :
حياتي وإن تأتي علي منيتي ... فكل امرىء فان وإن غره الأمل
سأوصي به قيسا وعمرا كليهما ... وأوصي يزيد ثم أوصي به جبل يعني : يزيد بن كعب بن شراحيل وهو ابن عم زيد وأخوه لأمه ويعني بجبل : جبلة بن حارثة أخا زيد وكان أسن منه . سئل جبلة : من أكبر أنت أم زيد ؟ فقال : زيدا أكبر مني وأنا ولدت قبله يريد : أنه أفضل منه بسبقه للإسلام
إسلام أبي بكر

(1/127)


فصل : وذكر إسلام أبي بكر ونسبه قال : واسمه : عبد الله وسمي عتيقا لعتاقة وجهه والعتيق : الحسن كأنه أعتق من الذم والعيب وقيل : سمي عتيقا ؛ لأن أمه كانت لا يعيش لها ولد فنذرت إن ولد لها ولد أن تسميه : عبد الكعبة وتتصدق به عليها فلما عاش وشب سمي : عتيقا كأنه أعتق من الموت وكان يسمى أيضا : عبد الكعبة إلى أن أسلم فسماه رسول الله صلى الله عليه و سلم : عبد الله وقيل : سمي : عتيقا ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال له حين أسلم : أنت عتيق من النار وقيل : كان لأبيه ثلاثة من الولد : معتق ومعيتق وعتيق وهو : أبو بكر وسئل ابن معين عن أم أبي بكر فقال : أم الخير عند اسمها وهي : أم الخير بنت صخر بن عمرو بنت عم أبي قحافة واسمها : سلمى وتكنى : أم الخير وهي من المبايعات وأما أبوه عثمان أبو قحافة فأمه : قيلة بياء باثنتين منقوطة من أسفل بنت أذاة بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب . وامرأة أبي بكر أم ابنه عبد الله وأسماء : قتلة بنت عبد العزى بتاء منقوطة باثنتين من فوق وقيل فيها : بنت عبد أسعد بن نصر بن حسل بن عامر وهو قول الزبير وذكر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم عرض عليه الإسلام فما عكم عند ذلك أي : ما تردد وكان من أسباب توفيق الله إياه فيما ذكر رؤيا رآها قبل ذلك وذلك أنه رأى القمر ينزل إلى مكة ثم رآه قد تفرق على جميع منازل مكة وبيوتها فدخل في كل بيت منه شعبة ثم كأنه جمع في حجره فقصها على بعض الكتابيين فعبرها له بأن النبي المنتظر الذي قد أظل زمانه تتبعه وتكون أسعد الناس به فلما دعاه رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى الإسلام لم يتوقف وفي مدح حسان الذي قاله فيه وسمعه النبي صلى الله عليه و سلم ولم ينكره دليل على أنه أول من أسلم من الرجال وفيه :
خير البرية أتقاها وأفضلها ... بعد النبي وأوفاها بما حملا
والثاني التالي المحمود مشهده ... وأول الناس قدما صدق الرسلا
إسلام أبي عبيدة وسعيد بن زيد
وذكر إسلام أبي عبيدة بن الجراح واسمه وقد اختلف فيه فقيل : عبد الله بن عامر وقيل : عامر بن عبد الله . وأمه : أميمة بنت غنم بن جابر بن عبد العزى بن عامرة بن وديعة بن الحارث بن فهر قاله الزبير
وذكر إسلام سعيد بن زيد وقد ذكرناه فيما مضى وذكرنا أمه فاطمة بنت بعجة بن خلف الخزاعية وما وقع في نسبه من التقديم والتأخير ومن الفتح في رزاح بن عدي والكسر وأن رزاح بن ربيعة هو الذي لم يختلف في كسر الراء منه ويكنى سعيد : أبا الأعور توفي بأرضه بالعقيق ودفن بالمدينة في أيام معاوية سنة خمسين أو إحدى وخمسين وهو ابن بضع وسبعين سنة روى عنه ابن عمر وعمرو بن حريث وأبو الطفيل عامر بن واثلة وجماعة من التابعين ولم يرو عن رسول الله صلى الله عليه و سلم إلا حديثين . أحدهما : من غصب شبرا من أرض طوقه يوم القيامة من سبع أرضين وهو أحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه و سلم بالجنة وأحد الذين رجف بهم الجبل فقال له النبي صلى الله عليه و سلم : اثبت حراء ؛ فإنما عليك نبي أو صديق أو شهيد . ويروى : اثبت أحد وأن القصة كانت في جبل أحد ويروى أنها كانت في جبل ثبير ذكره الترمذي وأنهم كانوا أربعة مع رسول الله صلى الله عليه و سلم وهم الخلفاء الأربعة ولعل هذا أن يكون مرارا فتصح الأحاديث كلها والله أعلم
إسلام سعد وابن عوف والنحام
وذكر فيمن أسلم بعد أبي بكر سعد بن أبي وقاص واسم أبي وقاص : مالك بن أهيب وأهيب : هو عم آمنة بنت وهب أم النبي صلى الله عليه و سلم والوقاص في اللغة هو واحد الوقاقيص وهي شباك يصطاد بها الطير وهو أيضا فعال من وقص إذا انكسر عنقه وأم سعد : حمنة بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس يكنى : أبا إسحق وهو أحد العشرة دعا له النبي صلى الله عليه و سلم أن يسدد الله سهمه وأن يجيب دعوته فكان دعاؤه أسرع الدعاء إجابة . وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : احذروا دعوة سعد . مات في خلافة معاوية

(1/128)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية