صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الدرر في اختصار المغازي والسير
المؤلف : ابن عبد البر
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وقد أتى من مهاجرة الحبشة قبل ذلك بسنتين سائرهم وكان هؤلاء آخر من بقي بها منهم.
فتح فدك
ولما اتصل بأهل فدك ما فعل رسول الله بأهل خيبر بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأمنهم، فأجابهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك. وكانت فدك مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب مما أفاء الله عليه بما نصره به عن الرعب، فلم يقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضعها حيث أمره الله عز وجل.
قال ابن شهاب عن مالك بن أوس بن الحدثان، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم صفايا بني النضير وخيبر وفدك.
فتح وادي القرى
وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر إلى وادي القرى، فافتتحها عنوة، وقسمها، وأصيب بها غلام له أسود يسمى مدعما أصبه سهم غرب فقتله، فقال الناس: هنيئا له الجنة، فقال النبي عليه السلام: كلا والذي نفي بيده إن الشملة التي أصابها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم وإنها لتشتعل عليه الآن نارا.
عمرة القضاء
فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة من خيبر أقام بها شهري ربيع وشهري جمادي ورجبا وشعبان ورمضان وشوالا، وبعث في خلال ذلك السرايا. ثم خرج عليه السلام في ذي القعدة من السنة السابعة من الهجرة قاصدا إلى مكة للعمرة على ما عاقد عليه قريشا في الحديبية. فلما اتصل بقريش خرج أكابرهم عن مكة عداوة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ولم يقدروا على الصبر في رؤيته يطوف بالبيت هو وأصحابه.
فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، وأتم الله عمرته، وقعد بعض المشركين بقعيقعان ينظرون إلى المسلمين وهم يطوفون بالبيت، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرمل، ليرى المشركين أن بهم قوة، وكان المشركون قالوا في المهاجرين قد وهنتهم حمى يثرب. وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوته ميمونة بنت الحارث بن حزن الخلالية، قيل تزوجها قبل أن يحرم بعمرة القضاء وقيل: بل تزوجها وهو محرم. وقد أوضحنا ذلك في كتاب التمهيد وفي كتاب الصحابة أيضا عند ذكرها، رضي الله عنها. فلما تمت الثلاثة أيام أوجبت عليه قريش أن يخرج عن مكة، ولم يمهلوه أن يبني بها، وبنى بها بسرف.
إسلام عمرو بن العاص
وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة
وقيل: أسلم قبل عمرة القضاء وقيل بعدها عمرو بن العاص وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة.
غزوة مؤتة
فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمرة القضاء أقام بالمدينة ذا الحجة والمحرم وصفرا وشهري ربيع، ثم بعث عليه السلام في جمادي الآخرة من السنة الثامنة من الهجرة بعث الأمراء إلى الشام. وأمر على الجيش زيد بن حارثة مولاه، وقال: إن قتل أو أصيب فعلى الناس جعفر بن أبي طالب، فإن قتل فعبد الله بن رواحة. وشيعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وودعهم ثم انصرف، ونهضوا.
فلما بلغوا معان من أرض الشام أتاهم الخبر بأن هرقل ملك الروم في ناحية البلقاء وهو في مائة ألف من الروم ومائة ألف أخرى من نصارى العرب أهل البلقاء من لخم وجذام وقبائل قضاعة من بهراء وبلى وبلقين وعليهم رجل من بني إراشة من بلى يقال له مالك بن رافلة فأقام المسلمون في معان ليلتين وقالوا: نكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونخبره بعدد عدونا فيأمرنا بأمره أو يمدنا. فقال لهم عبد الله بن رواحة: يا قوم إن التي تطلبون قد أدركتموها يعني الشهادة وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة، وما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا، فهي إحدى الحسنيين،: إما ظهور، وإما شهادة. فوافقه الجيش كله على هذا الرأي.

(1/64)


ونهضوا حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقوا الجموع التي ذكرناها كلها مع هرقل إلى جنب قرية يقال لها: مشارف. وصار المسلمون في قرية يقال لها مؤتة. فجعل المسلمون على ميمنتهم قطبة بن قتادة العذري، وعلى الميسرة عباية بن مالك الأنصاري، وقيل عبادة بن مالك، واقتتلوا فقتل الأمير الأول: زيد بن حارثة ملاقيا بصدره الرماح مقبلا غير مدبر والراية في يده. فأخذها جعفر بن أبي طالب، ونزل عن فرس له يقال لها شقراء، وقيل: إنه عرقبها وعقرها وقاتل حتى قطعت يمينه، فأخذ الراية بيساره فقطعت، فاحتضن الراية، فقتل كذلك، رضي الله عنه، وسنة ثلاث وثلاثون أو أربع وثلاثون سنة. فأخذ الراية عبد الله بن رواحة، وتردد عن النزول بعض التردد، ثم صمم، فقاتل، حتى قتل. فأخذ الراية ثابت بن أقرم أخو بني العجلان، وقال: يا معشر المسلمين اصطلوا على رجل منكم، قالوا: أنت، قال: لا فدفع الراية إلى خالد بن الوليد فقال: أنت أعلم بالقتال مني. فأخذها خالد بن الوليد، وانحاز بالمسلمين وأنذر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بالمدينة يخبرهم بقتل الأمراء المذكورين في يوم قتلهم قبل ورود الخبر بأيام.
تسمية من استشهد بمؤتة
زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة، ومسعود بن الأسود بن حارثة من بني عدي بن كعب من الأنصار، ووهب بن سعد بن أبي سرح العامري، وعباد بن قيس من بني الحارث بن الخزرج بن النعمان من بني مالك بن النجار، وسراقة بن عمرو بن عطية من بني مازن بن النجار، وأبو كليب أبو كلاب، وأخوه جابر ابنا عمرو بن زيد من بني مازن بن النجار، وعمرو، وعامر ابنا سعد بن الحارث من بني النجار. هؤلاء من ذكر منهم. وكان عدة المسلمين يوم مؤتة ثلاثة آلاف.
غزوة فتح مكة
فأقام صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد بعث مؤتة جمادي ورجبا، ثم حدث الأمر الذي أوجب نقض عقد قريش المعقود يوم الحديبية، وذلك أن خزاعة كانت في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤمنها وكافرها، وكانت بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة في عقد قريش، فعدت بنو بكر بن عبد مناة على قوم من خزاعة ماء لهم بأسفل مكة، وكان سبب ذلك أن رجلا يقال له مالك بن عباد الحضرمي حليفا لآل الأسود بن رزن خرج تاجرا، فلما توسط أرض خزاعة عدوا عليه فقتلوه وأخذوا ماله، وذلك قبل الإسلام بمدة. فعدت بنو بكر ابن عبد مناة رهط الأسود بن رزن على رجل من خزاعة فقتلوه بمالك بن عباد. فعدت خزاعة على سلمى وكلثوم وخذويب بني الأسود بن رزن فقتلوهم. وهؤلاء الإخوة أشراف بني كنانة كانوا يؤدون في الجاهلية ديتين ديتين، ويؤدي في سائرهم دية دية، وذلك كله قبل الإسلام فما جاء الإسلام حجز ما بين من ذكرنا لشغل الناس به.
فلما كانت الهدنة المنعقدة يوم الحديبية أمن الناس بعضهم بعضا، فاغتنم بنو الديل من بني بكر بن عبد مناة تلك الفرصة وغفلة خزاعة وأرادوا إدراك ثأر بني الأسود بن رزن، فخرج نوفل بن معاوية الديلي بمن أطاعه من بني بكر بن عبد مناة حتى بيت خزاعة، ونال منهم فاقتتلوا. وأعانت قريش بني بكر بالسرح، وقوم من قريش أعانوهم بأنفسهم مستخفين. فانهزمت خزاعة إلى الحرم. فقال إلى الحرم. فقال قوم نوفل بن معاوية لنوفل: يا نوفل اتق إلهك ولا تستحل الحرم ودع خزاعة، فقال: لا إله لي اليوم، والله يا بني كنانة إنكم لتسرقون في الحرم، أفلا تدركون فيه ثأركم، فقتلوا رجلا من خزاعة يقال له منبه ودخلت خزاعة دور مكة في دار بديحل بن ورقاء الخزاعي ودار مولى لهم يسمى رافعا. وكان ذلك نقضا للصلح الواقع يوم الحديبية.
فخرج عمرو بن سالم الخزاعي وبديل بن ورقاء الخزاعي وقوم من خزاعة، فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم مستغيثين به مما أصابهم به بنو بكر بن عبد مناة وقريش وأنشده عمرو بن سالم الشعر الذي ذكرته في بابه من كتاب الصحابة، فأجابهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نصرهم، وقال: لا ينصرني الله إن لم أنصر بني كعب. ثم نظر إلى سحابة، فقال: إنها لتستهل بنصرتي كعبا يعني خزاعة. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبديل بن ورقاء ومن معه: إن أبا سفيان سيأتي ليشد العقد ويزيد في مدة الصلح، وسينصرف بغير حاجة.

(1/65)


وندمت قريش على ما فعلت، فخرج أبو سفيان إلى المدينة ليشد العقد ويزيد في المدة، فلقي بديل بن ورقاء بعسفان فكتمه بديل مسيره إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأخبره أنه إنما سار بخزاعة على الساحل. فنهض أبو سفيان حتى أتى المدينة، فدخل على ابنته: أم حبيبة أم المؤمنين رضي الله عنها، فذهب ليقعد على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم فطوته عنه فقال يا بنية ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عني ؟ قالت: بل هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت رجل مشرك نجس فلم أحب أن تجلس عليه، فقال لها: يا بنية لقد أصابك بعدي شر. ثم أتى النبي عليه السلام في المسجد، فكلمه، فلم يجبه بكلمة. ثم ذهب أبو سفيان إلى أبي بكر، فكلمه في أن يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أتى له فأبى عليه أبو بكر من ذلك فلقي عمر فكلمه في ذلك، فقال له عمر: أنا أفعل هذا ؟ والله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به. فدخل على علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، فوجده وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم والحسن وهو صبي فكلمه فيما أتى له، فقال له علي: والله ما أستطيع أن أكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر قد عزم عليه. فالتفت أبو سفيان إلى فاطمة فقال: يا بنت محمد هل لك أن تأمري بنيك هذا فيجير على الناس، فقال له: ما بلغ بنيي ذلك، وما يجير أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له علي: يا أبا سفيان أنت سيد بني كنانة، فقم، فأجر على الناس والحق بأرضك، وهزيء به، فقال له: يا أبا الحسن أترى ذلك نافعي ومغنيا عني شيئا ؟ قال: ما أظن ذلك، ولكن لا أجد لك سواه. فقام أبو سفيان في المسجد فقال: يا أيها الناس إني قد أجرت على الناس. ثم ركب وانطلق راجعا إلى مكة. فلما قدمها أخبر قريشا بما لقي وبما فعل، فقالوا له: ما جئت بشيء، وما زاد علي بن أبي طالب علي أن لعب بك.
ثم أعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم المسير إلى مكة، وأمر الناس بالجهاز لذلك، ودعا الله تعالى في أن يأخذ عن قريش الأخبار ويستر عنهم خروجه، فكتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش كتابا يخبرهم بقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم. فنزل جبريل من عند الله تعالى على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بما صنع حاطب بن أبي بلتعة. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب والزبير بن العوام والمقداد بن عمرو، فقال لهم: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن ظعينة معها كتاب إلى قريش. فانطلقوا فلما أتوا روضة خاخ وجدوا المرأة، فأناخوا بها وفتشوا رحلها كله، فلم يجدوا شيئا، فقالوا: والله ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لها علي: والله لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب، فحلت قرون رأسها، فأخرجت الكتاب منها. فأتوا به النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا هو كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما هذا يا حاطب ؟ فقال حاطب: والله يا رسول الله ما شككت في الإسلام ولا رجعت عن ديني، ولكني كنت ملصقا في قريش فأردت أن أتخذ عندهم بذلك يدا يحفظونني بها في شأفتي بمكة لأن أهلي وولدي بها. فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.
وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في عشرة آلاف واستخلف على المدينة أبا رهم كلثوم بن حصين الغفاري، وكان خروجه لعشر خلت من رمضان، فصام عليه السلام حتى بلغ الكديد بين عسفان وأمج، ثم أفطر صلى الله عليه وسلم بعد صلاة العصر، وشرب على راحلته علانية ليراه الناس، وقال: تقووا لعدوكم، وأمر الناس بالفطر، فأفطر بعضهم وصام بعضهم، فلم يعب على الصائم ولا على المفطر.

(1/66)


فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران ومعه من بني سليم ألف رجل ومن بني مزينة ألف رجل وثلاثة رجال، وقيل من بني سليم سبعمائة، ومن بني غفار أربعمائة، ومن أسلم أربعمائة، وطوائف من قيس وأسد وتميم وغيرهم من سائر العرب، وقد أخفى الله عز وجل خبره عن قريش إلا أنهم على وجل وارتقاب خرج أبو سفيان وبديل بن ورقاء وحكيم بن حزام يتجسسون الأخبار. وقد كان العباس بن عبد المطلب هاجر مسلما في تلك الأيام، فلقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي الحلية، فبعث ثقله إلى المدينة، وانصرف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غازيا، فالعباس من المهاجرين قبل الفتح وقيل: بل لقيه بالجحفة مهاجرا. وذكر أيضا أن أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعبد الله بن أبي أمية بني المغيرة أخا أم سلمة خرجا أيضا مهاجرين ولقيا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الطريق قرب مكة، فأعرض عنهما. فلما نزل استأذنا عليه، فلم يأذن لهما، فكلمته أم سلمة فيهما وقالت: لا يكون ابن عمك وأخي أشقى الناس بك، فقد جاءا مسلمين، فأذن لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلما وحسن إسلامهما.
فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجيوش مر الظهران رقت نفس العباس لقريش وأسف على ذهابها وخاف أن تغشاهم الجيوش قبل أن يستأمنوا. فركب بغلة النبي صلى الله عليه وسلم ونهض، فلما أتى الأراك وهو يطمع أن يلقى حطابا أو صاحب لبن يأتي مكة فينذرهم. فبينما هو يمشي إذ سمع صوت أبي سفيان صخر بن حرب وبديل بن ورقاء وهما يتساءلان وقد رأيا نيران عسكر النبي عليه السلام. وبديل يريد أن يستر ذلك فيقول: إنما هي نيران خزاعة، ويقول له أبو سفيان: خزاعة أقل وأذل من أن تكون لها هذه النيران. فلما سمع العباس كلامه ناداه: يا أبا حنظلة فميز أبا سفيان كلامه، فناداه: يا أبا الفضل، فقال: نعم، فقال له: فداك أبي وأمي، فقال له العباس: ويحك يا أبا سفيان هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس، واصباح قريش، فقال أبو سفيان: فما الحيلة ؟ فقال له العباس: هذا والله لئن ظفر بك ليقتلنك، فارتدف خلفي وانهض معي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأردفه العباس ولقي به العسكر، فلما رأى الناس العباس على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم أمسكوا. ومر على نار عمر ونظر عمر إلى أبي سفيان فميزه، فقال: أبو سفيان عدو الله، الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد. ثم خرج يشتد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسابقه العباس فسبقه العباس على البغلة وكان عمر بطيئا في الجري. فدخل العباس ودخل عمر على أثره. فقال: يا رسول الله هذا عدو الله أبو سفيان قد أمكن الله منه بلا عقد ولا عهد، فأذن لي أضرب عنقه. فقال له العباس مهلا يا عمر، فوالله لو كان من بني عدي بن كعب ما قلت هذا ولكنه من بني عبد مناف. فقال عمر: مهلا، فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب لو أسلم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم العباس أن يحمله إلى رحله ويأتيه به صباحا. ففعل العباس ذلك، فلما أصبح أتى به النبي عليه السلام، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألم يأن لك بأن تعلم أن لا إله إلا الله ؟ فقال أبو سفيان: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وما أكرمك وأوصلك، والله لقد ظننت أنه لو كان مع الله إله غيره لقد أغناني، قال: ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله ؟ قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك أما هذه فإن في النفس منها شيئا حتى الآن. فقال له العباس: أسلم قبل أن تضرب عنقك، فأسلم، فقال العباس: يا رسول الله إن أبا سفيان يحب الفخر، فاجعل له شيئا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن.

(1/67)


فكان هذا منه أمانا لكل من لم يقاتل من أهل مكة، ولهذا قال جماعة من أهل العلم منهم الشافعي رحمه الله أن مكة مؤمنة وليست عنوة، والأمان كالصلح، وروى أن أهلها مالكون رباعهم، ولذلك كان يجيز كراها لأربابها وبيعها وشراءها لأن من أمن فقد حرم ماله ودمه وذريته وعياله. فمكة مؤمنة عند من قال بهذا القول إلا الذين استثناهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بقتلهم وإن وجدوا متعلقين بأستار الكعبة. وأكثر أهل العلم يرون فتح مكة عنوة لأنها أخذت غلبة بالخيل والركاب إلا أنها مخصوصة بأن لم يجر فيها قسم غنيمة ولا سبى من أهلها أحد. وخصت بذلك لما عظم الله من حرمتها ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم: مكة حرام محرمة لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من نهار ثم هي حرام إلى يوم القيامة. والأصح والله أعلم أنها بلدة مؤمنة، أمن أهلها على أنفسهم وأمنت أموالهم تبعا لهم. ولا خلاف في أنه لم يكن فيها غنيمة.
ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم العباس أن يوقف أبا سفيان بخطم الوادي ليرى جيوش الله تعالى، ففعل ذلك العباس، وعرض عليه قبيلة قبيلة، يقول: هؤلاء سليم، هؤلاء غفار، هؤلاء تميم، هؤلاء مزينة، إلى أن جاء موكب النبي صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار خاصة، كلهم في الدروع والبيض، فقال أبو سفيان: من هؤلاء ؟ فقال: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار، فقال أبو سفيان: والله ما لأحد بهؤلاء قبل، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما، فقال العباس: يا أبا سفيان أنها النبوة، قال: فنعم إذن. ثم قال له العباس: يا أبا سفيان النجاء إلى قومك. فأسرع أبو سفيان، فلما أتى مكة عرفهم بما أحاط بهم، وأخبرهم بتأمين رسول الله صلى الله عليه وسلم كل من ندخل داره أو المسجد أو دار أبي سفيان.
وتأبش قوم ليقاتلوا، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرتب الجيوش، وجعل الراية بيد سعد بن عبادة، وكان من قول سعد بن عبادة: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة. فقال العباس: يا رسول الله هلكت قريش، لا قريش بعد اليوم، إن سعد ابن عبادة قال كذا وكذا وإنه حنق على قريش، ولا بد أن يستأصلهم. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تنزع الراية من سعد بن عبادة وتدفع إلى علي، وقيل: بل إلى الزبير، وقيل: بل دفها إلى ابنه قيس بن سعد لئلا يجد سعد في نفسه شيئا. وكان الزبير على الميمنة وخالد بن الوليد على الميسرة، وقد قيل إن الزبير كان على الميسرة وخالد بن الوليد على الميمنة وفيها أسلم وغفار ومزينة وجهينة. وكان أبو عبيدة بن الجراح على مقدمة موكب النبي صلى الله عليه وسلم. وسرب رسول الله صلى الله عليه وسلم الجيوش من ذي طوى، وأمر الزبير بالدخول من كداء في أعلى مكة، وأمر خالد بن الوليد ليدخل من الليط أسفل مكة. وأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتال من قاتلهم. ولهذا كله يقول أكثر العلماء: إنها افتتحت عنوة وأنها مخصوصة دون سائر البلدان لما خصت به دون غيرها.
وكان عكرمة بن أبي جهل بن أمية وسهيل بن عمر قد جمعا جمعا بالخندمة ليقاتلوا، فناوشهم أصحاب خالد القتال، فأصيب من المسلمين رجلان وهما: كرز بن جابر من بني محارب بن فهر بن مالك، وخنيس بن خالد بن ربيعة بن أصرم الخزاعي حليف بني منقذ خرجا عن جيش خالد فقتلا، رحمة الله عليهما، وقتل أيضا من المسلمين سلمة بن الميلاء الجهني. وقتل من المشركين ثلاثة عشر رجلا، ثم انهزموا. وهذه سبيل العنوة في غير مكة. وكان شعار المهاجرين يوم الفتح وحنين والطائف يا بني عبد الرحمن وشعار الخزرج يا بني عبد الله وشعار الأوس يا بني عبيد الله.
وكان الذين استثناهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمن الناس عبد العزي بن خطل وهو من بني الأدرم بن غالب، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وعكرمة بن أبي جهل، والحويرث بن نقيذ بن وهب بن عبد بن قصي، ومقيس بن صبابة، وقينتي ابن خطل: فرتني وصاحبتها كانتا تغنيان ابن خطل بهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسارة مولاة لبعض بني عبد المطلب.

(1/68)


أما ابن خطل فإنه كان أسلم وبعثة النبي صلى الله عليه وسلم مصدقا، وبعث معه رجلا من المسلمين فعدا عليه، فقتله وارتد ولحق بالمشركين بمكة، فوجد يوم الفتح متعلقا بأستار الكعبة، فقتله سعيد ين حريث المخزومي وأبو برزة الأسلمي.
وأما عبد الله بن سعد بن أبي سرح فكان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لحق بمكة مرتدا، فلما كان يوم الفتح اختفى. ثم أتى به عثمان بن عفان نعفان النبي صلى الله عليه وسلم وكان أخاه من الرضاعة، فاستأمن له رسول الله صلى الله عليه وسلم. فسكت عنه صلى الله عليه وسلم ساعة ثم أمنه وبايعه. فلما خرج قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: هلا قام بعضكم فضرب عنقه ؟ فقال رجل من الأنصار: هلا أومأت إلي ؟ فقال عليه السلام: ما كان لنبي أن يكون له خائنة الأعين. ثم عاش عبد الله بن سعد حتى استعمله عمر، ثم ولاه عثمان مصر. وهو الذي غزا إفريقية وافتتحها أول مرة. وحسن إسلامه، ولم يظهر منه بعد في دينه شيء يكره.
وأما عكرمة بن أبي جهل ففر إلى اليمن، فاتبعته امرأته أم حكيم بنت الحارث بن هشام فردته، فأسلم وحسن إسلامه، وكان من فضلاء الصحابة.
وأما الحويرث بن نقيذ فكان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فقتله علي بن أبي طالب يوم الفتح.
وإما قيس بن صبابة فكان قد أتى النبي عليه السلام قبل ذلك مسلما ثم عدا على رجل من الأنصار فقتله بعد أن أخذ الدية منه في قتيل له، ثم لحق بمكة مرتدا. فقتله يوم الفتح نميلة بن عبد الله الليثي وهو ابن عمه. وفي سننه صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا أعفي أحدا قتل بعد أخذ الدية. هذا من المسلمين، وأما مقيس بن صبابة فارتد وقتل بعد أخذ الدية.
وأما قينتا ابن خطل فقتلت إحداهما واستؤمن رسول الله صلى الله عليه وسلم للأخرى، فأمنها، فعاشت مدة ثم ماتت في حياة النبي عليه السلام.
وأما سارة فاستؤمن لها أيضا، وأمنها عليه السلام، وعاشت إلى أن أوطأها رجل فرسا بالأبطح في زمان عمر فماتت.
واستتر رجلان من بني مخزوم عند أم هانيء بنت طالب فأجارتهما وأمنتهما، فأمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمانها، وقال: قد أجرنا من أجرت يا أم هانيء وأمنا من أمنت، وكان عله أراد قتلهما، قيل: إنهما الحارث بن هشام وزهير بن أبي أمية أخو أم سلمة، وأسلما وكانا من خيار المسلمين، وقيل: إن أحدهما جعدة بن هبيرة، والأول أصح.
وطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكعبة، دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة تعد أن مانعته أمه ذلك ثم أسلمته. فدخل النبي الكعبة ومعه أسامة بن زيد، وبلال بن رباح، وعثمان بن طلحة، ولا أحد معه غيرهم. فأغلق الباب عليه. وصلى داخلها ركعتين. ثم خرج وخرجوا، ورد المفتاح إلى عثمان بن طلحة، وأبقى له حجابة البيت وقال: خذوها خالدة تالدة إلى يوم القيامة، فهي إلى الآن في ولد شيبة بن عثمان بن طلحة.
وأمر عليه السلام بكسر الصور التي داخل الكعبة وحولها وكسر الأصنام التي حول الكعبة وبمكة كلها، وكانت الأصنام التي في الكعبة مشدودة بالرصاص وكان يشير إليها بقضيب في يده، فكلما أشار إلى واحد مها خر لوجهة، وكان يقول: داء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا. وأذن له بلال على ظهر الكعبة.
وخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثاني يوم الفتح خطبة مشهورة عند أهل الأثر والعلم بالخبر، فوضع مآثر الجاهلية حاشا سدانة البيت وسقاية الحاج، وأخبر صلى الله عليه وسلم أن مكة لم يحل فيها القتال لأحد قبله، ولا يحل لأحد بعده، وإنما حل له القتال في ساعة من نهار، ثم عادت كحرمتها بالأمس، لا يسفك فيها دم. ومن أحسن ما روى من خطبته مختصرا ما رواه يحيى بن سعيد الأموي وغيره، عن محمد بن إسحق، عن يحيى بن عباد ابن عبد الله بن الزبير عن أبيه:

(1/69)


أمر نبي الله صلى الله عليه وسلم ربيعة بن أمية بن خلف، فوقف تحت صدر راحلة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان رجلا صيتا، فقال: يا ربيعة قل: يا أيها الناس إن نبي الله يقول لكم: أتدرون أي بلد هذا ؟ وأي شهر هذا ؟ وأي يوم هذا ؟ فنادى بذلك، فقال الناس: نعم هذا البلد الحرام والشهر الحرام، فقال: إن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم كحرمة بلدكم هذا وكحرمة شهركم هذا وكحرمة يومكم هذا، ثم قال: اللهم اشهد. أيها الناس إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله ألا وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله منها أربعة حرم: الثلاثة متوالية، ورجب مفرد الذي بين جمادي وشعبان. ألا هل بلغت ؟ فيقول الناس: نعم. قال اللهم اشهد.
وتوقعت الأنصار أن يبقى النبي عليه السلام بمكة، فأخبرهم أن المحيا محياهم وأن الممات مماتهم. ومر عليه السلام بفضاله بن عمير بن الملوح الليثي، وهو عازم على الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: ما تحدث به نفسك ؟ قال: لا شيء كنت أذكر الله عز وجل، فضحل النبي عليه السلام، وقال: أستغفر الله لك، ووضع يده عليه السلام على صدر فضالة، فكان فضالة يقول: والله ما رفع يده عن صدري حتى ما أجد على ظهر الأرض أحب إلي منه.
وهرب صفوان بن أمية إلى اليمن، فاتبعه عمير بن وهب الجمحي بتأمين رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه فرجع فأكرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال له: انزل يا أبا وهب، فقال: إن هذا يخبرني عنك أنك تمهلني شهرين، قال: بل لك أربعة أشهر. وهرب ابن الزبعري الشاعر إلى نجران ثم رجع، فأسلم. وهرب هبيرة بن أبي وهب المخزومي زوج أم هانيء بنت أبي طالب إلى اليمن، فمات هناك كافرا.
ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم السرايا حول مكة يدعو إلى الإسلام، ولم يأمرهم بقتال. وكان أحد أمراء تلك السرايا: خالد بن الوليد خرج إلى بني جذيمة بن عامر بن عبد مناة بن كنانة، فقتل منهم وسبا، وقد كانوا أسلموا ولم يقبل خالد قولهم وإقرارهم بالإسلام، فوداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه بمال إليهم، فودى لهم جميع قتلاهم ورد إليهم ما أخذ منهم وقال لهم علي: انظروا إن فقدتم عقالا لأدينه، فبهذا أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم. ورفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه فقال: اللهم إني أبرأ إليك من صنع خالد.
ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى العزى وكان بيتا بنخلة تعظمه قريش وكنانة وجميع مضر، وكان سدنته بنو شيبان من بني سليم حلفاء بني هاشم، فهدمه. وكان فتح مكة لعشر بقين من رمضان سنة ثمان من الهجرة.
غزوة حنين
فلما بلغ هوازن فتح مكة جمعهم مالك بن عوف النصري من بني نصر بن معاوية، فاجتمع إليه قومه: بنو نصر وبنو جشم وبنو سعد بن بكر، وثقيف، وطائفة من بني هلال بن عامر. ولم يشهدها من قيس غير هؤلاء. وغابث عن ذلك عقيل، وقشير ابنا كعب بن ربيعة بن عامر. وبنو كلاب أحد يذكر. وحملت بنو جشم مع أنفسهم شيخهم وكبيرهم: دريد بن الصمة، وهو يومئذ شيخ كبير لا ينتفع به في غير رأيه، حملوه في هودج لضعف جسمه. وكان في ثقيف سيدان لهم في الأحلاف أحدهما قارب بن الأسود ابن مسعود بن معتب، والآخر ذو الخمار سبيع بن الحارث بن مالك. وكانت الرياسة في جميع العسكر إلى مالك بن عوف النصري، فحشد من ذكرنا، وساق مع الكفار أموالهم، وماشيتهم ونساءهم وأولادهم، وزعم أن ذلك لتحمى به نفوسهم وتشتد في القتال عن ذلك شوكتهم.

(1/70)


ونزلوا بأوطاس، فقال لهم دريد بن الصمة: مالي أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير وبكاء الصغير ويعار الشاء ؟ قالوا: ساق مالك مع الناس أموالهم وعيالهم قال: أين مالك ؟ قيل: هذا مالك، فسأله: لم فعلت ذلك ؟ فقال مالك: ليقاتلوا عن أهليهم وأموالهم فقال دريد: راعي ضأن والله، وهل يرد المنهزم شيء ؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسلاحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك. ثم قال: ما فعلت كعب وكلاب ؟ قالوا: لم يشهدها منهم أحد، قال دريد: غاب الحد والجد، لو كان يوم علاء ورفعة لم تغب عنه كعب وكلاب ولوددت أنكم فعلتم ما فعلت كلاب وكعب، فمن شهدها من بني عامر ؟ قالوا: عمرو بن عامر، وعوف بن عامر، قال: ذانك الجذعان من عامر لا ينفعان ولا يضران، يا مالك إنك لم تصنع بتقديم بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئا، ارفعهم إلى ممتنع بلادهم وعليا قومهم، لم ألق الصباة على متون الخيل، فإن كانت لك الحق بك من وراءك، وإن كانت عليك كنت قد أحرزت أهلك ومالك. فأبى ذلك مالك وخالفت هوازن دريدا واتبعوه، فقال دريد: هذا يوم لم أشهده ولم يغب عني:
يا ليتني فيها جذع ... أخب فيها وأضع
وبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله أبي حدود الأسلمي عشاء، فأتى بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بما شاهده منهم.
فعزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على قصدهم، واستعار من صفوان بن أمية بن خلف الجمحي دروعا، قيل: مائة درع، قيل: أربعمائة. وخرج النبي عليه السلام في اثني عشر ألفا من المسلمين، منهم عشرة آلاف صحبوه من المدينة، وألفان من مسلمة الفتح، إلى ما انضاف إليه من الأعراب: من سليم وبني كلاب وعبس ودبيان واستعمل على مكة عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية. ونهض صلى الله عليه وسلم في مقدمته مزينة، وفي الميمنة بنو أسد، وفي الميسرة بنو سليم وعبس وذبيان. وفي مخرجه هذا رأي جهال الأعراب شجرة خضراء، وكان لهم في الجاهلية شجرة معروفة تسمى ذات أنواط يخرج إليها الكفار يوما معلوما في السنة يعظمونها، فقالوا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال: عليه السلام : الله أكبر، والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلها كما لهم آله قال إنكم قوم تجهلون لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى إنهم لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه.
ثم نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أتى وادي حنين وهو واد من أودية تهامة، وكانت هوازن قد كمنت في جنبتي الوادي، وذلك في غبش الصبح، فحملت على المسلمين حملة رجل واحد، فانهزم جمهور المسلمين، ولم يلو أمد على أحد. وثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر، ومن أهل بيته علي والعباس وأبو سفيان بن الحارث ابن عب المطلب، وابنه جعفر، وأسامة بن زيد، وأيمن بن عبيد وهو أيمن بن أم أيمن قتل يومئذ بحنين، والفضل بن العباس. وقيل في موضع جعفر بن أبي سيان قثم بن العباس. ولم ينهزم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحد من هؤلاء. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته الشهباء واسمها دلدل والعباس آخذ بحكمتها، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أيها الناس، إلى أين أيها الناس ؟! أنا رسول الله، وأنا محمد بن عبد الله. وأمر العباس وكان جهير الصوت أن ينادي: يا معشر الأنصار، يا أصحاب الشجرة، وبعضهم يرويه: يا أصحاب السمرة. وقد قيل إنه نادى يومئذ: يا معشر المهاجرين، كما نادى: يا معشر الأنصار. فلما سمعوا الصوت أجابوا: لبيك، لبيك. وكانت الدعوة أولا يا للأنصار، ثم خصصت بأخرة يا للخزرج. قال ابن شهاب، وكانوا أصبر عند الحروب. فلما ذهبوا ليرجعوا كان الرجل منهم لا يستطيع أن ينفذ ببعيرة لكثرة الأعراب المنهزمين، فكان يأخذ درعه فيلبسها، ويأخذ سيفه ومجنه، ويقتحم عن بعيره ويخلي سبيله ويكر راجعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا اجتمع حواليه صلى الله عليه وسلم مائة رجل أو نحوهم استقبلوا هوازن بالضرب.

(1/71)


واشتدت الحرب وكثر الطعن والجلاد، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في ركائبه، فنظر إلى مجتلد القوم، فقال: الآن حمي الوطيس. وضرب علي بن أبي طالب عرقوب جمل صاحب الراية أو فرسه فصرعه، ولحق به رجل من الأنصار، فاشتركا في قتله. وأخذ علي الراية، وقذف الله عز وجل في قلوب هوازن الرعب حين وصلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ واجههم وواجهوه صاح بهم صيحة ورمى في وجوههم بالحصا، فلم يملكوا أنفسهم، وفي ذلك يقول الله عز وجل: " وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى " . وروينا من وجوه عن بعض من أسلم من المشركين ممن شهد حنينا قال: وقد سئل عن يوم حنين: لقين المسلمين فما لبثنا أن هزمناهم واتبعناهم حتى وصلنا إلى رجب راكب على بغلة بيضاء، فلما رآنا زجرنا زجرة وانتهرنا، وأخذ بكفه حصا أو ترابا، فرمانا به، وقال: شاهت الوجوه شاهت الوجوه فلم تبق عين إلا دخلها من ذلك. فما ملكنا أنفسنا أن رجعنا على أعقابنا.
وما استوفى رجوع المسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وأسرى هوازن بين يديه، وثبتت أم سليم في جملة من ثبت أول الأمر محتزمة ممسكة بعيرا لأبي طلحة وفي يدها خنجر. وانهزمت هوازن. وملك العيال والأموال. واستحر القتل في بني مالك من ثقيف فقتل منهم خاصة يومئذ سبعون رجلا منهم رئيساهم: ذو الخمار وأخوه عثمان ابنا عبد الله بن ربيعة، ولم يقتل من الأحلاف إلا رجلان، لأن قار بن الأسود وكان سيدهم يومئذ فر بهم حين اشتد أول القتال. واستحر القتل في بني نصر بن معاوية. وهرب مالك بن عوف النصري في جماعة من قومه، ودخل الطائف مع ثقيف. وانحازت طوائف من هوازن إلى أوطاس. وأدرك ربيعة بن رفيع بن أهبان السلمي من بني سليم دريد بن الصمة، فقتله، وقد قيل إن قاتل دريد هو عبد الله بن قنيع بن أهبان من بني سليم، وقد قيل إن دريدا أسر يومئذ وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله لمشاهدته الحرب وموضع رأيه فيها. ولما انقضى الصدام نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قتل قتيلا عليه بينة، فله سلبه.
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عامر الأشعري واسمه عبيد وهو عم أبي موسى الأشعري في طائفة من المسلمين منهم أبو موسى إلى من اجتمع من هوازن بأوطاس. فشد على أبي عامر أحد بني دريد بن الصمة فقتله، قيل: رماه سلمة بن دريد بن الصمة بسهم فقتله. وأخذ أبو موسى الراية، وشد على قاتل عمه فقتله. وقيل: بل رمى أبا عامر رجلان من بني جشم، وهما: العلاء وأوفى ابنا الحارث، أصاب أحدهما قلبه والآخر ركبته، ثم قتلهما أبو موسى، وقيل: بل قتل أبو عامر تسعة إخوة من المشركين مبارزة، يدعو كل واحد منهم إلى الإسلام ثم يحمل عليه فيقتله، ثم حمل عليه عاشرهم فقتله. ثم أسلم ذلك العاشر بعد ذلك.
تسمية من استشهد من المسلمين يوم حنين
واستشهد من المسلمين يوم حنين أربعة رجال: أيمن بن عبيد، وهو أيمن بن أم أيمن أخو أسامة بن زيد لأمه. ويزيد بن زمعه بن الأسود بن المطلب بن أسد، جمح به فرسه، فقتل. وسراقة بن الحارث بن عدي من بني العجلان من الأنصار. وأبو عامر الأشعري.
وكانت وقعة هوازن وهي يوم حنين في أول شوال من السنة الثامنة من الهجرة وترك رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم الغنائم من الأموال والنساء والذراري، فلم يقسمها حتى أتى الطائف.
غزوة الطائف
وكان منصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من حنين إلى الطائف. لم يرجع إلى مكة ولا عرج على شيء إلا غزو الطائف قبل أن يقسم غنائم حنين وقبل كل شيء. فسلك رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجعرانة في طريقه إلى الطائف ثم أخذ على قرن وابتنى في طريقه ذلك مسجدا وصلى فيه، وأقاد في ذلك المكان بدم وهو أول دم أقيد به في الإسلام من رجل من بني ليث قتل رجلا من هذيل فقتله به. ووجد في طريقه ذلك حصنا لمالك بن عوف النصري فهدمه، ووجد هنالك أطما قد تمنع فيه رجل من ثقيف في ماله، فأمر بهدمه. ولم يشهد غزوة حنين ولا الطائف عروة بن مسعود ولا غيلان بن سلمة الثقفيان، كانا قد خرجا يتعلمان صناعة المنجنيق والدبابات.

(1/72)


ثم نزل عليه السلام بقرب الطائف بواد يقال له العقيق، فتحصنت ثقيف وحاربهم المسلمون. وحصن ثقيف لا حصن مثله في حصون العرب. فأصيب من المسلمين رجال بالنبل. فزال النبي عليه السلام من ذلك المنزل إلى موضع المسجد المعروف اليوم. فحاصرهم عليه السلام بضعا وعشرين ليلة، بل بضع عشرة ليلة، وقيل: عشرين يوما. وكان معه عليه السلام امرأتان من نسائه، أم سلمة إحداهما، فموضع المسجد اليوم بين منزلهما يومئذ. وتولى بنيان ذلك المسجد عمرو بن أمية بن وهب بن معتب الثقفي. وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع أعناب الطائف إلا قطعة عنب كانت للأسود بن مسعود أو لابنه في ماله، وكانت تبعد عن الطائف وسأله الكف عنها فكف عنها.
وكان يجير بن زهير بن أبي سلمى المزني الشاعر بن الشاعر شهد حنينا والطائف وكان حسن الإسلام.
تسمية من استشهد من المسلمين في حصار الطائف
واستشهد من المسلمين في حصار الطائف: سعيد بن سعيد بن العاصي بن أمية، وعرفطة بن جناب الأزدي حليف لبني أمية، وعبد الله بن أبي بكر الصديق أصبه سهم فاستمر منه مريضا حتى مات منه في خلافة أبيه، وعبد الله بن أبي أمية بني المغيرة المخزومي أخو أم سلمة، وعبد الله الأكبر بن عامر بن ربيعة حليف بني عدي بن كعب، والسائب بن الحارث بن قيس السهمي، وأخوه عبد الله بن الحارث بن قيس السهمي، وجليحة بن عبد الله الليثي من بني سعد بن ليث، وثابت بن الجذع الأنصاري من بني سلمة، والحارث بن سهل بن أبي صعصعة الأنصاري من بني مازن بن النجار، والمنذر بن عبد الله الأنصاري من بني ساعدة. ومن الأوس رقيم بن ثابت بن ثعلبة.
باب في قسمة غنائم حنين وما جرى فيها
ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الجعرانة: موضع قريب من حنين. وكان قد استأنى بقسمة الغنائم رجاء أن يسلموا ويرجعوا إليه، فلما قسمت الغنائم هنالك أتاه وفد هوازن مسلمين راغبين في العطف عليهم والإحسان إليهم، فقال لهم: قد كنت استأنيت بكم وقد وقعت المقاسم، وعندي ما ترون فاختاروا: إما ذراريكم ونساؤكم وإما أموالكم، فاختاروا العيال والذرية وقالوا: لا نعدل بالأنساب شيئا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ صليت الظهر فتكلموا واطلبوا حتى أكلم الناس في أمركم. فلما صلى الظهر تكلموا، وقالوا: نستشفع برسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين. فقال النبي عليه السلام أما ما كان لي ولبني عبد المطلب وبني هاشم فهو لكم، وقال المهاجرون والأنصار: أما ما كان لنا فهو لرسول الله عليه السلام وامتنع الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن في قومهما أن يردوا عليهما شيئا مما وقع لهم في سهامهم. وامتنع العباس بن مرداس السلمي وطمع أن يساعده قومه كما ساعد الأقرع بن حابس وعيينة قومهما فأبت بنو سليم وقالوا: بلى ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله عليه السلام من ضن منكم بما في يديه فإنا نعوضه منه.
فرد عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءهم وأبناءهم وعوض من لم تطب نفسه بترك نصيبه أعواضا رضوا بها. وكان عدد سبي هوازن ستة آلاف إنسان فيهم الشيماء أخت النبي عليه السلام من الرضاعة وهب بنت الحارث بن عبد العزى من بني سعد بن بكر بن هوازن بنت حليمة السعدية، فأكرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاها، ورجعت إلى بلادها مسرورة بدينها وبما أفاء الله عليها.
وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم الأموال بين المسلمين. وأعطى المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس أو من جملة الغنيمة على مذهب من رأى أن ذلك إلى اجتهاد الإمام، وأن له أن ينفل في البدأة والرجعة حسب ما رآه بظاهر قول الله تعالى: " قل الأنفال لله والرسول " يحكم فيها بما أراه الله. وليس ذلك لغيره صلى الله عليه وسلم بظاهر قوله عز وجل: " واعلموا إنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه " . وللقول في تلخيص ذلك مواضع غير هذا.
أعطيات المؤلفة قلوبهم
ولم يختلف أهل السير وغيرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى المؤلفة قلوبهم من قريش وغيرهم، ولا ذكر للمؤلفة قلوبهم في غير آية قسم الصدقات. قالوا: أعطى قريشا مائة بعير، وكذلك أعطى عيينة بن حصن والأقرع بن حابس.

(1/73)


قال ابن إسحق: أعطاهم يتألفهم ويتألف بهم قومهم وكانوا أشرافا، فأعطى أبا سفيان بن حرب مائة بعير، وأعطى ابنه معاوية مائة بعير، وأعطى حكيم بن حزام مائة بعير، وأعطى الحارث بن هشام مائة بعير، وأعطى سهيل بن عمرو مائة بعير، وأعطى حويطب بن عبد العزى مائة بعير، وأعطى صفوان بن أمية مائة بعير، وكذلك أعطى مالك بن عوف والعلاء بن جارية الثقفي حليف بني زهرة. قال: فهؤلاء أصحاب المئين.
وأعطى رجالا من قريش دون المائة، منهم مخرمة بن نوفل الزهري، وعمي بن وهب الجمحي، وهشام بن عمرو العامري لا أعرف ما أعطاهم وأعطى سعيد بن يربوع خمسين بعيرا، وأعطى عباس بن مرداس السلمي أباعر قليلة، فتسخطها وقال في ذلك
وكانت نهابا تلافيتها ... بكري على المهر في الأجرع
وإيقاظي القوم أن يرقدوا ... إذا هجع الناس لم أهجع
فأصبح نهي ونهب العبي ... د بين عيينة والأقرع
وقد كنت في الحرب ذا تدرا ... فلم أعط شيئا ولم أمنع
إلا أفائل أعطيتها ... عديد قوائمها الأربع
وما كان حصن ولا حابس ... يفوقان شيخي في الممجمع
وما كنت دون امريء منهما ... ومن تضع اليوم لا يرفع
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اذهبوا فاقطعوا عني لسانه، فأعطوه حتى رضي، فكان ذلك قطع لسانه. وقيل إن عباس بن مرداس أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أنت القائل فأصبح نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة فقال أبو بكر الصديق: بين عيينة والأقرع. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هما واحد. وقال أبو بكر: أشهد أنك كما قال الله عز وجل: " وما علمناه الشعر وما ينبغي له " .
قال أبو عمر: لو كان ما أعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤلفة قلوبهم من غنائم حنين من خمس الخمس كما زعم من زعم ذلك أو من الخمس الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم: مالي من غنائمكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم ما شق ذلك والله أعلم على الأنصار، حتى قالوا ما هو محفوظ عنهم. وقد كتبت ذلك فيما بعد. ولكنه صلى الله عليه وسلم علم من إيمانهم وكرمهم أنهم سيرضون بفعله، لأن حرصهم على ظهور الدين من حرصه، رضي الله عنهم.
تسمية المؤلفة قلوبهم
من بني أمية: أبو سفيان بن حرب بن أمية، وابنه معاوية، وطليق بن سفيان بن أمية، وخالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية.
ومن بني عبد الدار بن قصي: شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، وأبو السنابل بن بعكك، وعكرمة بن عامر بن هاشم.
ومن بني مخزوم: زهير بن أبي أمية، والحارث بن هشام، وأخوه خالد بن هشام، وهشام بن الوليد بن المغيرة، وسفيان بن عبد الأسد، والسائب بن أبي السائب.
ومن بني عدي بن كعب: مطيع بن الأسود، وأبو جهم بن حذيفة.
ومن بني جمح: صفوان بن أمية بن خلف، وأخوه أحيحة بن لامية، وعمير بن وهب بن خلف.
ومن بني سهم: عدي بن قيس بن حذافة.
ومن بني عامر بن لؤي: حويطب بن عبد العزي، وهشام بن عمرو بن ربيعة.
ومن سائر قبائل العرب: من بني الديل بن بكر بن عبد مناة: نوفل بن معاوية.
ومن بني قيس ثم من بني عامر بن صعصعة ثم من بني كلاب بن ربيعة بن عامر: علقمة بن علاثة بن عوف بن الأحوص ابن جعفر بن كلاب، ولبيد بن ربيعة بن مالك ابن جعفر بن كلاب.
ومن بني عامر بن صعصعة: خالد بن هوذة بن ربيعة بن عمرو بن عامر، وأخوه حرملة بن هوذة.
ومن بني نصر بن معاوية: مالك بن عوف بن سعيد بن يربوع.
ومن بني سليم بن منصور: عباس بن مرداس.
ومن غطفان ثم من فزارة: عيينة بن حصن.
ومن بني تميم ثم من بني حنظلة: الأقرع بن حابس.
وقد ذكر في المؤلفة حكيم بن حزام والنضير بن الحارث بن علقمة بن كلدة أخو النضر بن الحارث المقتول ببدر صبرا. وذكر آخرون النضير بن الحارث فيمن هاجر إلى أرض الحبشة فإن كان منهم فمحال أن يكون من المؤلفة قلوبهم. ومن هاجر إلى أرض الحبشة فهو من المهاجرين الأولين ممن رسخ الإيمان في قلبه، وقاتل دونه، ليس ممن يؤلف عليه.

(1/74)


وعند إعطاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطى المؤلفة قلوبهم ولم يعط الأنصار ولا المهاجرين قال ذو الخويصرة التميمي: قد رأيت ما صنعت في هذا اليوم يا محمد ! فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أجل، فكيف رأيت ؟ قال: لم أرك عدلت. فغضب النبي عليه السلام، وقال: ويحك إن لم يكن العدل مني فعند من يكون ؟ فقال عمر رضي الله عنه: دعني أضرب عنقه يا رسول الله، فقال: لا، دعوه، سيكون له شيعة يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية.
موقف بعض الأنصار
قال ابن إسحق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، قال: لما أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك العطايا في قريش وقبائل العرب. ولم يكن في الأنصار منها شيء وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم، حتى كثرت منهم القالة، فدخل عليه سعد بن عبادة فقال: يا رسول الله إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم بما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت: قسمت في قومك وأعطيت قوما من العرب عطايا عظاما، ولم يكن في هذا الحي من الأنصار منها شيء، قال: فأين أنت من ذلك يا سعد ؟ قال: يا رسول الله ما أنا إلا من قومي، قال: فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة، قال: فخرج سعد فجمع من الأنصار في تلك الحظيرة، وجاء رجال من المهاجرين فتركهم فدخلوا، وجاء آخرون فردهم. فلما اجتمعوا أتاه سعد، فقال: يا رسول الله قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار.
فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا معشر الأنصار ما قالة بلغتني عنكم ووجدة وجدتموها في أنفسكم، ألم آتكم ضلالا فهداكم الله وعالة فأغناكم الله وأعداء فألف الله بين قلوبكم ؟ قالوا: بلى لله ورسوله المن والفضل. ثم قال: ألا تجيبونني يا معشر الأنصار ؟ قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله ؟ لله ورسوله المن والفضل. فقال: أما والله لو شئتم لقلتم فصدقتم ولصدتم: أتيتنا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فآويناك، وعائلا فواسينك. أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا ووكلتكم إلى إيمانكم، ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم ؟. والذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار، ولو سلك الناس شعبا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار. اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار. قال: فبكى القوم حتى اخضلت لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله صلى الله عليه وسلم قسما وحظا فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرقوا.
وروي أن قائلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله أعطيت عيينة بن حصن والأقرع بن حابس، وتركت جعيل بن سراقة الضمري ؟ فقال رسول الله: والذي نفس محمد بيده لجعيل بن سراقة خير من طلاع الأرض مثل الأقرع وعيينة ولكني تألفتهما ليسلما ووكلت جعيلا إلى إسلامه.
وكان هذا القسم بالجعرانة. وروي أبو الزبير وغيره عن جابر، قال: بصرت عيناي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجعرانة، وفي ثوب بلال فضة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقبض ويعطي الناس.
عمرة رسول الله من الجعرانة
ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معتمرا من الجعرانة إلى مكة، وأمر ببقايا الفيء فخمس بناحية مر الظهران. فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمرته انصرف إلى المدينة، واستخلف على مكة عتاب بن أسيد بن أبي العيص، وهو ابن نيف وعشرين سنة.
ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة لست بقين من ذي القعدة. وكانت وقعة الطائف في ذي القعدة المؤرخ من السنة الثامنة من الهجرة. وكانت غيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ خرج من المدينة إلى مكة فافتتحها وأوقع بهوازن وحارب الطائف إلى أن رجع إلى المدينة شهرين وستة عشر يوما.
واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن عوف بن سعيد بن يربوع النصري على من أسلم من قومه من قبائل قيس. وأمره بمغادرة ثقيف، ففعل، وضيق عليهم. وحسن إسلامه وإسلام المؤلفة قلوبهم حاشا عيينة بن حصن، فلم يزل مغموزا عليه.

(1/75)


وسائر المؤلفة قلوبهم منهم الخير الفاضل المجمع على خيره كالحارث بن هشام، حكيم بن حزام، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، ومنهم دون هؤلاء وقد فضل الله النبيين وسائر عباده المؤمنين بعضهم على بعض، وهو أعلم بهم.
ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرقوا وأقام الحج للناس عتاب بن أسيد في تلك السنة، وهو أول أمير أقام الحج في الإسلام. وحج المشركون على مشاعرهم. وكان عتاب بن أسيد خيرا فاض لا ورعا.
وقدم كعب بن زهير بن أبي سلمى على رأسه بقصيدته التي أولها: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول. وأنشدها إلى آخرها، وذكر فيها المهاجرين فأثنى عليهم. وكان قبل ذلك حفظ له هجاء في النبي عليه السلام، فعاب عليه الأنصار إذا لم يذكرهم، فغدا على النبي عليه السلام بقصيدة يمدح فيها الأنصار وقبل النبي عليه السلام إسلامه وسمع شعره وأثابه.
غزوة تبوك
ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد انصرافه من حصار الطائف ذا الحجة والمحرم وصفرا وربيعا الأول وربيعا الآخر وجمادي الأول وجمادي الآخر. وخرج في رجب من سنة تسع بالمسلمين إلى غزوة الروم، وهي آخر غزاة غزاها صلى الله عليه وسلم بنفسه. وكان خروجه إلى غزوته تلك في حر شديد وحين طاب أول الثمر وفي عام جدب.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكاد يخرج غازيا إلا ورى بغيره إلا غزوة تبوك، فإنه بينها للناس لبعد المسافة ونفقة المال والشقة وقوة العدو المقصود إليه. فتأخر الجد بن قيس من بني سلمة، وكان متهما بالنفاق فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في البقاء وهو غني قوي فأذن له، وأعرض عنه فنزلت فيه: " ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين " . وكان نفر من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي عند جاسم يثبطون الناس عن الغزو فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم طلحة بن عبيد الله في نفر، وأمرهم أن يحرقوا عليهم البيت، ففعل ذلك طلحة، فاقتحم الضحاك بن خليفة، وكان معهم في البيت، جدار الدار، فوقع، فانكسرت رجله. وفر ابن أبيرق وكان معهم.
وأنفق ناس من المسلمين واحتسبوا، وأنفق عثمان رضي الله عنه نفقة عظيمة جهز بها جماعة من المعسرين في تلك الغزوة. وروي أنه حمل في تلك الغزاة على تسعمائة بعير ومائة فرس وجهزهم حتى لم يفقدوا عقالا ولا شكالا، وروي أنه أنفق فيها ألف دينار.
وفي هذه الغزوة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم البكاؤن وهم سبعة: سالم بن عمير من بني عمرو بن عوف، وعلبة بن زيد أخو بني حارثة، وأبو ليلي عبد الرحمن بن كعب من بني مازن بن النجار، وعمرو بن الحمام من بني سلمة، وعبد الله بن المغفل المزني وقيل: بل هو عبد الله بن عمرو المزني، وهرمي بن عبد الله أخو بني واقف وعرباض بن سارية الفزاري. فاستحملوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يجدوا عنده ما يحملهم عليه، فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أن لا يجدوا ما ينفقون. فسموا البكائين. وذكروا أن ابن يامين بن عمير النضري حمل أبا ليلى وعبد الله بن مغفل على ناصح له يعتقبانه، وزودهما تمرا كثيرا. واعتذر المخلفون من الأعراب، فعذرهم رسول الله عليه السلام.
وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وضرب عسكره على باب المدينة، واستعمل عليها محمد ابن مسلمة، وقيل: بل سباع بن عرفطة، وقيل: بل خلف عليها علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو الأثبت: أن رسول الله خلف عليها في غزوة تبوك، فقال المنافقون: استثقله، فذكر ذلك علي رضوان الله عليه لرسول الله صلى الله عليه وسلم في خبر سعد، فقال: كذبوا، إنما خلفتك لما تركت ورائي، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك، فأنت منى بمنزلة هرون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي. والآثار بذلك متواترة صحاح قد ذكرت كثيرا منها في غير هذا الموضع.
وخرج عبد الله بن أبي سلول بعسكره، فضربه على باب المدينة أيضا، فكان عسكرة فيما زعموا ليس بأقل العسكريين، وهو يظهر الغزاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلف عبد الله بن سلول فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب، وكانوا نيفا وثمانين رجلا، خلفهم سوء نياتهم ونفاقهم.

(1/76)


وتخلف في هذه الغزاة من صالحي المسلمين ثلاثة رجال، وهم: كعب بن مالك الشاعر من بني سلمة، ومرارة بن ربيعة ويقال ابن الربيع عمرو بن عوف، وهلال بن أمية الواقفي. فافتقدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد يوم أو يومين، فقيل له: تخلفوا. فعجب من ذلك، وعز عليه لأنه كان يعرف إيمانهم وفضلهم.
ونهض صلى الله عليه وسلم، فخطر على حجر ثمود، فأمر أصحابه أن لا يتوضئوا من بئر ثمود، ولا يعجنوا خبزا بمائها، ولا يستعملوا شيئا منه، فقيل له: بأن قوما عجنوا منه، فأمر بالعجين، فطرح للإبل علقا. وأمرهم أن لا يستعملوا ماء بئر الناقة في كل ما يحتاجون إليه. وأمر أصحابه عليه السلام بأن لا يدخلوا بيوت ثمود، وقال: لا تدخلوا بيوت هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين خشية أن يصيبكم مثل ما أصابهم. ونهاهم أن يخرج أحدهم منفردا، فخرج رجلان من بني ساعدة، كل واحد منهما منفرد عن صاحبه، أحدهما يريد الغائط، فأخبر النبي عليه السلام، فدعا له، فشفي والآخر خرج في طلب بعير له فأخذته الريح ورمته في جبل طيء، فردته بعد ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعطش الناس في تلك الغزاة عطشا شديدا، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه فأرسل عليهم سحابة ارتووا منها ودوابهم وإبلهم، وأخذوا حاجتهم من الماء.
وأضل صلى الله عليه وسلم ناقته، وقال من في قلبه نفاق: محمد يدعي أن خبر السماء يأتيه ولا يدري أين ناقته فنزل الوحي بما قال هذا القائل على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فدعا أصحابه، فأخبرهم بقول القائل، وأخبرهم أن الله عز وجل قد عرفه بموضع ناقته وأنها في موضع كذا قد تعلق خطامها بشجرة، فابتدروا المكان الذي وصف عليه السلام، فوجدوها هنالك. وقيل إن قائل ذلك القوم زيد بن اللصيت القينقاعي وكان منافقا، وقيل إنه تاب بعد ذلك، وقيل لم يتب، والله أعلم.
وفي هذه الغزاة ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، رأى أبا ذر يمشي في ناحية العسكر وحده، فقال: يرحم الله أبا ذر يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده. فكان، كما قال صلى الله عليه وسلم: مات بالربذة وحده، وأخرج بعد أن كفن إلى الطريق يلتمس من يصلي عليه، فصادف إقبال ابن مسعود من الكوفة فصلى عليه، وكان ممن سمع هذا الحديث، فحدث به يومئذ أيضا.
ونزل القرآن من سورة براءة الأحزاب بفضيحة المنافقين الذين كانوا يخذلون المسلمين، وتاب من أولئك مخشن بن حمير، ودعا الله أن يكفر عنه بشهادة يخفي بها مكانه، فقتل يوم اليمامة ولم يوجد له أثر.
بعث خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى أكيدر بن عبد الملك صاحب دومة، وقال له: يا خالد إنك ستجده يصيد البقر. فأتاه خالد ليلا وقرب من حصنه وأرسل الله تعالى بقر الوحش فأتت تحك حائط القصر بقرونها، فنشط أكيدر ليصيدها. وخرج في الليل، فأخذه خالد، وبعث به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعفا عنه النبي عليه السلام، ورده إلى حصنه بعد أن صالحه على الجزية. وصالح يحنة بن رؤبة صاحب أيلة على الجزية.
العودة من تبوك
وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك بضع عشرة ليلة، ولم يتجاوزها، ثم انصرف وكان في طريقه ماء قليل، فنهي أن يسبق أحد إلى الماء، فسبق إليه رجلان، فاستنفدا ما فيه، فسبهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال ما شاء الله أن يقول. ثم وضع يده في الماء ودعا الله فيه البركة، فجاشت العين بماء عظيم كفي الجيش كله. وأخبر عليه السلام أن ذلك الموضع سيملأ جنانا. فكان كذلك. وبنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين تبوك والمدينة مساجد كثيرة نحو ستة عشر مسجدا، أولها مسجد بناه بتبوك وآخرها بذي خشب.
مسجد الضرار

(1/77)


وكان أهل مسجد الضرار قد أتوه وهو متجهز إلى تبوك، فقالوا: يا رسول الله إنا قد بنينا مسجدا لذي العيلة والحاجة والليلة المطيرة، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي فيه، فقال لهم: أنا في شغل السفر، وأذا انصرفت فسيكون فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر في منصرفه بهدم مسجد الضرار: أمر بذلك ما لك ين الدخشم ومعن بن عدي وعاصم بن عدي أخاه وأمر بإحراقه، وقال لهم: اخرجوا إلى هذا المسجد الظالم أهله، فاهدموه وأحرقوه، فخرجوا مسرعين. وأخرج مالك بن الدخشم من منزله شعلة من نار. ونهضوا فأحرقوا المسجد وهدموه وكان الذين بنوه: خذام بن خالد من بني عبيد بن زيد أحد بني عمرو بن عمرو بن عوف ومن داره أخرج مسجد الضرار، ومعتب بن قشير من بني ضبية ابن زيد، وأبو حبيبة بن الأزعر من بني ضبيعة بن زيد، وعباد بن حنيف أخو سهل ابن حنيف من بني عمرو بن عوف، وجارية بن عامر وابناه: مجمع وزيد ابنا جارية، ونبتل بن الحارث من بني ضبية، وبحزج وهو من بني ضبيعة، وبجاد بن عثمان من بني ضبيعة ووديعة بن ثابت من بني أمية بن زيد. وثعلبة بن حاطب مذكور فيهم، وفيه نظر، لأنه قد شهد بدرا.
ومات عبد الله ذو البجاد بن المزني في غزوة تبوك، فتولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر غسله ودفنه، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبره، وقال: اللهم إني راض عنه، فارض عنه.
حديث كعب بن مالك وأصحابه المتخلفين
وأما اختصار حديث كعب بن مالك وأصحابه الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك لغير ريبة في الدين ولا تهمة نفاق إلا ما كان من علم الله في إظهار حالهم والزيادة في فضلهم، رويناه من طرق صحيحة لا أحصيها كثرة عن ابن شهاب، وخرجه المصنفون وأصحاب المساند. ذكره ابن شهاب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن أباه حدثه، قال: سمعت أبي كعب بن مالك، قال، فذكر الحديث، وفيه قال كعب بن مالك.

(1/78)


فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه قافلا من تبوك ثاب إلي لبي وعلمت أني قد فعلت ما لم يرض الله ورسوله في تخلفي عنه. فقلت أكذبه، وتذكرت ما يكون الكذب الذي أخرج به من ذلك، فلم يتجه لي. فلما قيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أطل قادما زاح عني الباطل، وعلمت أني لا أنجو منه إلا بالصدق. فلما صبح رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة نزل بالمسجد، فصلى ركعتين. ثم جلس فجاء المتخلفون، فجعلوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فقبل منهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله. وجئت فسلمت عليه فتبسم المغضب، وقال لي: ما خلفك ؟ ألم أكن ابتعت ظهرك ؟ فقلت: والله يا رسول الله لو جلست بين يدي غيرك لرجوت أن أقيم عند عذري لأني أعطيت جدلا ولكن قد علمت أني إن كذبتك اليوم أطلعك الله عليه غدا، ففضحت نفسي. فوالله ما كان لي عذر في التخلف عنك، وما كنت قط أقوى مني حين تخلفت عنك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما هذه فقد صدقكم، فقم حتى يقضي الله فيك، فقمت ومعي رجال من قومي: بني سلمة يقولون: ما علمناك أتيت قط غير هذا الذنب، أفلا اعتذرت إليه فيسعك ما وسع المتخلفين ؟ وكان يكفيك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى هممت أن أنصرف إلى رسول الله فأكذب نفسي ثم قلت: هل لقي مثل هذا أحد غيري ؟ قالوا: نعم رجلان قالا مثل مقالك، وقيل لهما مثل ما قيل لك، قلت: من هما ؟ قالوا: مرارة بن ربيعة العمري وهلال بن أمية الواقفي. فذكروا لي رجلين صالحين فيهما أسوة، فصمت حين ذكروهما لي. ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا أيها الثلاثة خاصة فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت لي نفسي والأرض التي أنا فيها. فأما صاحباي فقعدا في بيوتهما، وأما أنا فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف بالأسواق لا يكلمني أحد، وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه ولا أسمعه يرد علي، فأقول: ليت شعري هل رد في نفسه. وكنت أصلي قريبا منه، وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي، فإذا التفت نحوه أعرض عني حتى إذا طالب ذلك علي من جفوة المسلمين مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما زاد على السلام، فقلت: يا أبا قتادة نشدتك الله هل تعلم أني أحب الله ورسوله ؟ فسكتن فناشدته ثانية، فقال: الله ورسوله أعلم. ففاضت عيناي فعدت فوثبت فتسورت الجدار، وخرجت. ثم غدوت إلى السوق فإذا رجل يسأل عني من نبط الشام القادمين بالطعام إلى المدينة، يقول: من يدل على كعب بن مالك، فجعل الناس يشيرون له إلي فجاءني، فدفع إلي كتاب من ملك غسان، فإذا فيه: أما بعد فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان، فالحق بنا نواسك. فعمدت إلى تنور، فسجرت فيه الكتاب. وأقمت حالي حتى إذا مضت أربعون ليلة إذا رسول رسول الله أتاني، فقال لي: رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت: أطلقها أم ماذا ؟ قال لا بل اعتزلها ولا تقربها. وأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك، فقل لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني فيهم حتى يقضي الله في هذا الأمر ما هو قاض وجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ كبير ضائع لا خادم له أفتكره أن أخدمه ؟ قال: لا ولكن لا يقربنك، قالت: والله يا رسول الله ما به من حركة إلي، وما زال يبكي منذ كان من أرمهما كان إلى يومي هذا حتى تخوفت على بصره. وقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في خدمة امرأتك فقد أذن لهلال بن أمية ؟ فقلت: والله لا أفعل، إني لا أدري ما يقول لي وأنا رجل شاب.

(1/79)


قال: فلبثنا في ذلك عشر ليال فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن الكلام معنا. فلما صليت الصبح صبح خمسين ليلة وأنا قد ضاقت علي الأرض بما رحبت وضاقت علي نفسي، فأنا كذلك إذ سمعت صوت صارخ قد وافى على ظهر سلع ينادي بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر، فخررت لله ساجدا وعلمت أن قد جاء الفرج، وآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى الفجر فذهب الناس يبشروننا. وركض رجل إلي فرسا وسعى ساع من أسلم حتى وافى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس.
فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت ثوبي فكسوتهما إياه، والله ما أملك يومئذ غيرهما، واستعرت ثوبين فلبستهما ثم انطلقت أتيمم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلقاني الناس يبشرونني بالتوبة، ويقولون: لتهنك توبة الله عليك، حتى دخلت المسجد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس، حوله الناس، فقام إلي طلحة بن عبيد الله، فحياني وهنأني، ووالله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة. قال: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي ووجهه يبرق من السرور: أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك، قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله ؟ قال: لا بل من عند الله. قال: وكان رسول الله إذا استبشر كأن وجهه قطعة قمر. فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله إن من توبتي إلى الله أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك، قلت إني ممسك سهمي الذي بخيبر. وقلت: يا رسول الله إن الله قد أنجاني بالصدق وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت. وكان ما نزل في شأني من القرآن قوله تعالى جل ذكره: " وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت " إلى قوله: " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين " .
إسلام ثقيف
ولما كان في رمضان سنة تسع من الهجرة منصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك أتاه وفد ثفيف. وقد كان عروة بن مسعود الثقفي لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم في حين انصرافه من حصار الطائف، فأدركه قبل أن يدخل المدينة، فأسلم. وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام، وكان سيد قومه ثقيف، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنهم قاتلوك. وعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم امتناعهم ونخوتهم، فقال: يا رسول الله إني أحب إليهم من أبكارهم ووثق بمكانه منهم فانصرف إليهم ودعاهم إلى الإسلام وأخبرهم أنه قد أسلم. فرموه بالنبل، فأصابه سهم، فقتله. فزعمت بنو مالك أنه قتله رجل منهم، فقيل له: ما ترى في دمك ؟ فقال: كرامة أكرمني الله بها، وشهادة ساقها إلي، فليس في إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يدخل إليكم. وأوصى أن يدفن معهم. فهو مدفون خارج الطائف مع الشهداء وذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: مثله في قومه مثل صاحب ياسين في قومه.
ثم إن ثقيفا رأوا أن لا طاقة لهم بما هم فيه من خلاف جميع العرب ومغاورتهم لهم والتضييق عليهم، فاجتمعوا على أن يرسلوا من أنفسهم رسولا، كما أرسلوا عروة، فكلموا عبد ليل بن عمرو بن عمير، وكان في سن عروة بن مسعود، في ذلك، فأبى أن يفعل، وخشي أن يصنع به ما صنع بعروة بن مسعود، وقال: لست فاعلا إلا أن ترسلوا معي رجالا فأجمعوا على أن يبعثوا معه رجلين من الأحلاف وثلاثة من بني مالك فيكونوا ستة. فبعثوا مع عبد يا ليل: الحكم بن عمرو بن وهب بن معتب، وشرحبيل بن غيلان بن سلمة من بني معتب، ومن بني مالك: عثمان بن أبي العاصي بن بشر بن عبد دهمان. وأوس بن عوف أخا بني سالم وقد قيل إنه قاتل عروة، ونمير بن عخرشة بن ربيعة.

(1/80)


فخرجوا حتى قدموا المدينة، فأول من رآهم بقناة المغيرة بن شعبة، وكان يرعى ركاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في نوبته، وكانت رعيتها نوبا عليهم، فترك عندهم الركاب، ونهض مسرعا، ليبشر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدومهم، فلقي أبا بكر الصديق، فاستخبره عن شأنه فأخبره بقدوم وفد قومه: ثقيف، للإسلام. فأقسم عليه أبو بكر أن يؤثره بتبشير رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فأجابه المغيرة إلى ذلك. فكان أبو بكر هو الذي بشر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك.
ثم رجع إليهم المغيرة. ورجع معهم، وأخبرهم كيف يحبون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يفعلوا وحيوة بتحية الجاهلية. فضرب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قبة في ناحية المسجد وكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذي يختلف بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو الذي كتب الكتاب لهم، وكان الطعام يأتيهم من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يأكلون حتى يأكل منه خالد بن سعيد. وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يكتب كتابهم أن يترك لهم الطاغية وهي اللات لا يهدمها ثلاث سنين. فأبى رسول الله إلا هدمها. وسأله أن لا يهدموا أوثانهم وألا يكسروها بأيديهم، فأعفاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من كسرها بأيديهم، وأبى أن يدع لهم وثنا. وقالوا إنما أردنا يان نسلم بتركها من سفهائنا ونسائنا، وخفنا أن نروع قومنا بهدمها حتى ندخلهم الإسلام وقد كانوا سألوه مع ترك الطاغية أن يعفيهم من الصلاة، فقال لهم: لا خير في دين لا صلاة فيه.
فلما كتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابهم أمر عليهم عثمان بن أبي العاصي، وكان أحدثهم سنا، ورآه أحرصهم على تعلم القرآن وشرائع الإسلام. وأمره يان يصلي بهم وبان يقدرهم بأضعفهم ولا يطول عليهم. وأمره أن يتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا وبعث معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة لهدم الأوثان والطاغية وغيرها، فأقام أبو سفيان في ماله بذي الهزم، وقال للمغيرة: ادخل أنت على قومك. فدخل المغيرة. وشرع في هذم الطاغية وهي اللات. وقام دونه قومه بنو معتب خشية أن يرمى كما رمي عروة بن مسعود، وخرج نساء ثقيف يبكين اللات حسرا وينحن عليها. فهدمها المغيرة وأخذ مالها وحليها.
وقد كان أبو مليح بن عروة بن مسعود وقارب بن الأسود قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفد ثقيف حين قتل عروة بن مسعود يريدان فراق ثقيف وأن لا يجامعاهم على شيء أبدا، فأسلما. وقال لهما: توليا من شئتما، فقال: نتولى الله ورسوله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وخالكما أبا سفيان بن حرب، فقالا: وخالنا أبا سفيان بن حرب.
فلما أسلم أهل الطائف ووجه رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان والمغيرة إلى هدم الطاغية سأل أبو مليح بن عروة بن مسعود رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقضي دين أبيه عروة من مال الطاغية. وسأل قارب بن الأسود مثل ذلك. والأسود وعروة أخوان لأب وأم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمغيرة وأبي سفيان: اقضيا دين عروة من مال الطاغية. فقال قارب يا رسول الله ودين الأسود. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الأسود مات مشركا. فقال قارب: يا رسول الله لكن تصل مسلما ذا قرابة يعني نفسه إنما الدين علي وأنا الذي أطلب به. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقضاء دين الأسود بن مسعود من مال الطاغية. فقضى أبو سفيان والمغيرة دين الأسود وعروة ابني مسعود من مال الطاغية.
حجة أبي بكر الصديق
رضي الله عنه سنه تسع
وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر بالخروج إلى الحج وإقامته للناس، فخرج أبو بكر لذلك، ونزل صدر سورة براءة بعده. فقيل له: يا رسول الله لو بعثت بها إلى أبي بكر يقرؤها على الناس في الموسم ؟ فقال: إنه لا يؤديها عني إلا رجل من أهل بيتي. ثم دعا عليا، فقال له: اخرج بهذه القصة من صدر براءة، وأذن بها في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى. وأمره بما ينادي به في الموسم فخرج على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء، حتى أدرك أبا بكر بالطريق، فقال له أبو بكر بما رآه: أميرا أو مأمورا، قال: بل مأمورا.

(1/81)


ثم نهضا، فأقام أبو بكر للناس الحج سنة تسع على منازلهم التي كانوا عليها في الجاهلية. وقد قيل إن حجة أبي بكر وقعت حينئذ في ذي القعدة على ما كانوا عليه من النسيء في الجاهلية. وروى معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله تعالى: " إنما النسيء زيادة في الكفر " قال: كانوا يحجون في كل شهر عامين، حجوا في ذي الحجة عامين، ثم حجوا في المحرم عامين، ثم حجوا في صفر عامين، حتى وافت حجة أبي بكر في الآخر من العامين في ذي القعدة قبل حجة النبي صلى الله عليه وسلم ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم من قابل في ذي الحجة، فذلك قوله صلى الله عليه وسلم حيث يقول إن الزمن قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض.
قال معمر، قال الزهري، عن سعيد بن المسيب: لما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من حنين اعتمر من الجعرانة وأمر أبا بكر على تلك الحجة.
وذكر ابن جريج عن مجاهد، قال: لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك أراد الحج ثم قال: إنه يحضر البيت عراة مشركون يطوفون بالبيت ولا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك. فأرسل أبا بكر ثم أردفه عليا.
قال أبو عمر: بعث عليا ينبذ إلى كل ذي عهد عهده، ويعهد إليهم أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان مع سائر ما أمره أن ينادي به في كل موطن من مواطن الحج. فأقام الحج ذلك العام سنة تسع أبو بكر. ثم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم من قابل حجته التي لم يحج من المدينة غيرها. فوقعت حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام المقبل في ذي الحجة، فقال: إن الزمان قد استدار الحديث وثبت الحج في ذي الحجة إلى يوم القيامة. فلما كان يوم النحر في حجة أبي بكر قام علي فأذن في الناس بالذي أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيها الناس إنه لا يدخل الجنة كافر. روي في حديثه هذا: لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ولا يحج بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ومن كان له عند رسول الله عهد فهو إلى مدته. وأجل الناس أربعة أشهر من يوم أذن فيهم ليرجع كل قوم إلى مأمنهم وبلادهم ثم لا عهد لمشرك ولا ذمة لأحد كانت له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلم يحج بعد ذلك العام مشرك ولم يطف بالبيت عريان.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا أحمد بن زهير بن حرب، قال: حدثنا سعيد بن سليمان، قال: حدثنا عباد بن العوام، قال: حدثنا سفيان بن حصين، قال: حدثني أبو بشر، عن مجاهد: أنا أبا بكر حج في ذي القعدة.
قال: حدثنا سعيد بن سليمان، قال: حدثنا عباد بن عباد، قال: قال سفيان بن حصين قال وأخبرني إياس بن معاوية، عن عكرمة بن خالد المخزومي.
أن أبا بكر حج في ذي القعدة، فلما كان العام المقبل حج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي الحجة، فخطب الناس. وذكر الحديث.
حدثنا عبد الوارث، قال: حدثنا قاسم، قال: حدثنا بكر بن حماد، وحدثنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا محمد بن بكر، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا إسماعيل بن علبة، قال: حدثنا أيوب، عن محمد، عن أبي بكرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في حجته، فقال: إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهر، منها أربعة حرم: ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مفرد الذي بين جمادي وشعبان.
باب وفود العرب على رسول الله
صلى الله عليه وسلم من بلادها للدخول في الإسلام
وذلك في سنة تسع وسنة عشر. وحجته صلى الله عليه وسلم في سنة عشر:

(1/82)


لما فتح الله عز وجل على رسوله عليه السلام مكة، وأظهره يوم حنين وانصرف من تبوك، وأسلمت ثقيف، أقبلت إليه وفود من العرب من كل وجه يدخلون في دين الله أفواجا. وأكثرهم كان ينتظر ما يكون من قريش لأنهم كانوا أئمة الناس من أجل البيت والحرم وأنهم صريح ولد إسماعيل صلى الله عليه وسلم فلما فتح الله مكة عليه أهل الناس إليه، وكان من قدم عليه قدم راغبا في الإسلام إلا عامر بن الطفيل وأربد بن قيس في وفد بني عامر، وإلا مسيلمة في وفد بني حنيفة. فأما عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب وأربد بن قيس بن جزء بن خالد بن جعفر بن كلاب فإنهما قدما عليه في وفد بني عامر بن صعصعة وقد أضمر عامر بن الطفيل الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم والغدر به، وأربد بن قيس هو أخو لبيد لأمه، وكان عامر بن الطفيل قد قال له: إني شاغله عنك بالكلام، فإذا فعلت فاعله بالسيف. ثم جعل يسأله سؤال الأحمق ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا أجيبك في شيء مما سألت عنه حتى تؤمن بالله ورسوله. وأنزل الله على أربد البهت والرعب فلم يرفع يدا. فلما يئس منه عامر قال: يا محمد وإلا لأملأنها عليك خيلا ورجالا. فلما وليا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم اكفني عامر بن الطفيل وأربد بن قيس. وقال عامر لأربد: ما منعك أن تفعل ما تعاقدنا عليه، والله لا أخافك بعدها، وما كنت أخاف غيرك. وخرجا جميعا في وفدهم راجعين إلى بلادهم، فلما كان ببعض الطريق بعث الله على عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه فقتله الله في بيت امرأة من بني سلول، فجعل يقول: أغدة كغدة البكر أو غدة البعير، وموتا في بيت سلولية. وصل إربد إلى بلده فقال له قومه: ما وراءك ؟ قال: والله لقد دعاني إلى عبادة شيء لو أنه عندي اليوم لرميته بالنبل حتى أقتله. فلم يلبث بعد قوله هذا إلا يوما أو يومين، وأنزل الله عليه صاعقة، وكان على حمل قد ركبه في حاجة، فأحرقه الله عز وجل هو وجمله بالصاعقة.
وقدم عليه صلى الله عليه وسلم وفد بني حنيفة، فيهم مسيلمة بن حبيب يكنى أبا هرون، وقيل بل هو مسيلمة بن ثمامة يكني أبا ثمامة. واختلف في دخوله على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فروي أنه دخل مع قومه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يسترونه بالثياب فكلمه وسأله فأجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك لو سألتني هذا العسيب لعسيب كان معه من سعف النخل ما أعطيتكه. وقد روي أن بني حنيفة لما نزلوا بالمدينة خلفوا مسيلمة في رحالهم وأنهم أسلموا وذكروا مكان مسيلمة، وقالوا إنا قد خلفنا صاحبا لنا في رحالنا يحفظها لنا. فأمر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما سألوه، وأمر له بمثل ما أمر لقومه، وقال: أما إنه ليس بشركم مكانا أي لحفظه ضيعة أصحابه، ثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما انتهوا إلى اليمامة ارتد عدو الله مسيلمة وادعى النبوة، وقال: قد أشركني الله في أمره. واتبعه أكثر قومه، وجعل لهم أسجاعا يضاهي بها القرآن، وأحل لهم الخمر والزنا، وأسقط عنهم الصلاة فمن سجعه قوله: لقد أنعم على الحبلى أخرج منها نسمة تسعى من بين صفاق وحشى ومثل هذا من سجع، لعنه الله. واتبعته بنو حنيفة إلا ثمامة بن أثال الحنفي بقي على الإيمان بالله ورسوله ولم يترد مع قومه.
وقدم عليه صلى الله عليه وسلم وفد بني تميم، منهم عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس الدارمي، وقيس بن عاصم المنقري، وعمرو بن الأهتم من بني منقر بن عبيد أيضا، والزبرقان بن بدر من بني بهدلة، ونعيم بن يزيد، وقيس بن الحارث، والحتات بن يزيد المجاشعي وهو الذي آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين معاوية، وقد ذكرنا خبره في بابه من كتاب الصحابة. وهؤلاء وجوه وفد تميم، وقدم معهم الأقرع بن حابس الدرامي وعيينة بن حصن الفزاري، وقد كانا قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسلما، وشهدا معه فتح مكة وحنينا وحصار الطائف، ثم جاءا مع وفد تميم. ونادوه من وراء الحجرات، وخبرهم في السير والتفسير. وأسلموا ولم يظهر منهم بعد الإسلام إلا الخير والصلاح إلا أن عيينة كان أعرابيا جافيا جلفا مجنونا أحمق مطاعا في قومه.

(1/83)


وقدم عليه صلى الله عليه وسلم ضمام بن ثعلبة وافد قومه بني سعد بن بكر، وأسلم وحسن إسلامه، ورجع إلى قومه، فأسلموا.
وقدم عليه صلى الله عليه وسلم الجارود بن عمرو، وقيل: ابن بشر، العبدي في طائفة من قومه عبد القيس، وكان الجارود نصرانيا فأسلم ومن معه، وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحملهم، فقال: والله ما عندي ما أحملكم عليه. فقالوا إنا نمر فنجد من ضوال الإبل في طريقنا فنأخذها ؟ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ضالة المؤمن حرق النار. وحسن إسلام عبد القيس. وكان الجارود فاضلا صليبا في ذات الله. ولما ارتدت العرب وارتد من ارتد من عبد قيس قام في رهطه، فأعلن بالإسلام ودعا إليه، وتبرأ مما ارتد من قومه، وثبت هو ورهطه على الإسلام، وقد كان قدم الأشج العصري من عبد القيس في وفد منهم قبل فتح مكة فأسلموا. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث العلاء بن الحضرمي قبل فتح مكة إلى المنذر بن ساوي العبدي، فأسلم وحسن إسلامه، ثم هلك بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ردة أهل البحرين، والعلاء عنده أمير لرسول الله صلى الله عليه وسلم على البحرين.
وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد طييء، فيهم زيد الخيل وهو سيدهم، فعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم الإسلام، فأسلموا. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما وصف لي رجل من العرب إلا وجدته دون ما وصف إلا زيد الخيل فإن وصفه لم يبلغ ما وصف به. وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد الخبر.
وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عدي بن حاتم الطائي في قومه من طييء، وكان نصرانيا، فمضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأدخله إلى بيته وتناول وسادة من أدم حشوها ليف، فطرحها، وقال له: اجلس عليها، فقال: بل أنت فاجلس عليها يا رسول الله فجلس رسول الله في الأرض وأجلسه على الوسادة، ثم لم يزل يكلمه ويعرض عليه ما في دينه النصرانية مما أحدثوه فيه من الشرك، ويعرض عليه الإسلام ويخبره أنه دين سيبلغ ما بلغ الليل والنهار وأنه لا يبقى عربي إلا دخل فيه طوعا أو كرها، فقبل عدي الإسلام، وأسلم وحسن إسلامه، وتبعه قومه فأسلموا وحسن إسلامهم.
وقدم عليه فروة بن مسيك الغطيفي، وعدادة في مراد، مفارقا لملوك كندة ومباعدا لهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وحسن إسلامه، وأمره الله صلى الله عليه وسلم على قومه. ولم يرتد فروة حين ارتدت العرب.
وقدم عليه صلى الله عليه وسلم عمرو بن معد يكرب، وكان قد قال لقيس بن المكشوح: إنك سيد قومك وإن محمدا قد خرج بالحجاز نبيا، فاقدم بنا عليه، فإنا إن قدمنا عليه لم يخف علينا أمره، فأبى قيس بن المكشوح، فقدم عمرو هو وناس معه من زبيد. وهجره قيس بن المكشوح وهدد كل واحد منهما صاحبه. ثم أسلم قيس بن المكشوح سنة عشر، وكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى فيروز الديلمي في قتال الأسود العنسي المتنبيء.
وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الأشعث بن قيس في فود كندة، قال ابن شهاب في ثمانين رجلا من كندة، فأسلم وأسلموا، وقالوا: يا رسول الله نحن بنو آكل وأنت من بني آكل المرار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا، نحن من بني النضر بن كنانة لا نقفو أمنا ولا ننتفي من أبينا. وتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم من قولهم، وقال لهم: ائتوا العباس بن عبد المطلب وربيعة بن الحارث فناسبوهما بهذا النسب، وذلك أن العباس وربيعة كانا تاجرين يضربان في البلاد، فكانا إذا نزلا بقوم قالا: نحن بنو آكل المرار يتعززان بذلك. فكان الأشعث يقول: والله لا أسمع أحدا يقول: إن قريشا بنو آكل المرار إلا ضربته ثمانين. وآكل المرار هو الحارث بن عمر وبن حجر بن عمرو بن معاوية ابن الحارث بن معاوية بن كندي، ويقال كندي قال ابن هشام: والأشعث بن قيس من ولد آكل المرار من قبل النساء.
وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم صرد بن عبد الله الأزدي فأسلم وحسن إسلامه في وفد من الأزد، وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم على من أسلم من قومه، وأمره أن يجاهد بمن أسلم من يليه من أهل الشرك من قبائل اليمن.

(1/84)


وقد على رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب ملوك حمير، مقدمة من تبوك، بدخولهم في الإسلام، وإسلام همدان ومعافر وذي رعين، فكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا محفوظا عند الرواة. وبعث إليه زرعة ذو يزن بن مالك بن مرة الرهاوي بإسلامه وإسلام قومه ومفارقتهم الشرك، فكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا.
وبعث فروة بن عمرو بني النافرة الجذامي ثم النفاثي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولا بإسلامه وأهدى له بغلة. وكان فروة عاملا للروم على من يليهم من العرب بأرض الشام، فلما بلغ الروم إسلامه طلبوه حتى أخذوه فحبسوه فمات في حبسهم. وقد كان قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في هدنة الحديبية قبل خيبر رفاعة بن زيد الجذامي ثم الضبيبي من بني الضبيب فأهدى له غلاما وأسلم وحسن إسلامه.
وقال أبو إسحق السبيعي وغيره: كانت همدان قد قدم وفدهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم منصرفه من تبوك، فأمنوا وأسلموا، وكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر ابن هشام خبرهم ورجزهم وشعرهم وما كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم، وذكر أنهم قدموا في الحبرات والعمائم العدنية. وفرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدومهم وإسلامهم.
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في ربيع الآخر أو جمادي الأولى سنة عشر إلى بني الحارث بن كعب بنجران يدعوهم إلى الإسلام، فأسلموا ودخلوا فيما دعاهم خالد إليه من الإسلام. فأقام عندهم خالد يعلمهم كتاب الله وشريعة الإسلام. وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما فتح الله عليه من أهل نجران ومن إنصاف إليهم، فأجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كتابه، وأمره بالقدوم عليه، فقدم ومعه وفد بني الحارث بن كعب. فكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث معهم عمرو بن حزم يفقههم في الدين ويعلمهم السنة، ومعالم الإسلام، ويأخذ منهم صدقاتهم. وكتب له بذلك كتابا فيه الصدقات والديات وكثير من سنن الإسلام. ورجع وفد بني الحارث بن كعب إلى قومهم في بقية شوال أو صدر ذي القعدة، فلم يمكثوا بعد أن رجعوا إلى قومهم إلا أربعة أشهر، حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حجة الوداع
قال ابن إسحق: فلما دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذو القعدة من سنة عشر تجهز للحج، وأمر الناس بالجهاز له وخرج لخمس ليال بقين من ذي القعدة فيما حدثني عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه القاسم بن محمد عن عائشة.
قال ابن هشام: واستعمل على المدينة أبا دجانة الساعدي، وقيل سباع بن عرفطة الغفاري.
قال أبو عمر: ما كان في كتابنا هذا عن ابن إسحق فروايتنا فيه عن عبد الوارث بن سفيان، عن قاسم بن أصبغ، عن محمد بن عبد السم الخشني، عن محمد بن البرقي، عن ابن هشام، عن زياد البكائي، عن محمد بن إسحق، وقراءة مني أيضا على عبد الله بن محمد بن يوسف، عن ابن مفرج، عن ابن الأعرابي، عن العطاردي، عن يونس بن بكير، عن ابني إسحق: وقراءة مني أيضا على عبد الوارث بن سفيان، عن قاسم بن أصبغ، عن عبيد بن عبد الواحد البزار، عن أحمد بن محمد بن أيوب، عن إبراهيم بني سعد، عن ابن إسحق. وما كان فيه عن موسى بن عقبة فقرأته على عبد الوارث بن سفيان وأحمد بن محمد بن أحمد، عن قاسم، عن مطرف بن عبد الرحمن بن قيس، عن يعقوب عن ابن فليح، عن موسى بن عقبة. ولي في ذلك روايات وأسانيد مذكورة في صدر كتاب الصحابة. وفي الفهرسة روايتنا لكتاب الواقدي وغيره تركنا ذلك ههنا خشية الإطالة بذكره. وفي كتاب أبي بكر بن أبي خيثمة روايتي له عن عبد الوارث عن قاسم عنه من ذلك أطراف، والله المحمود على عونه وفضله كثيرا كما هو أهله.
قال الفقيه أبو عمر رضي الله عنه: قال جماعة من أهل العلم بالسير والأثر أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لم يحج في الإسلام إلا ثلاث حجات: اثنتين بمكة. وواحدة بعد فرض الحج عليه من المدينة.
حديث جابر في حجة الوداع

(1/85)


وأحسن حديث في الحج وأتمه حديث جابر، حدثناه أحمد بن سعيد بن بشر وأحمد بن قاسم بن عبد الرحمن، قالا: حدثنا محمد بن عبد الله بن أبي دليم، قال: حدثنا محمد بن وضاع، قال: حدثنا محمد بن مسعود، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن جعفر بن محمد، حدثني أبي، قال: أتينا جابر بن عبد الله، وهو في بني سلمة، فسألناه عن حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحدثنا: أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مكث بالمدينة تسع سنين، ثم أذن في الناس أن رسول الله حاج العام، فنزل بالمدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ويفعل ما يفعل. فخرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لخمس بقين من ذي القعدة وخرجنا معه، حتى أتى ذا الحليقة ونفست أسماء بنت عميس بمحمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: اغتسلي واستثفري بثوب، ثم أهلي. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا استوت به ناقته على البيداء أهل بالتوحيد. لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك، والملك، لا شريك لك. قال: ولبى الناس والناس يزيدون: ذا المعارج ونحوه من الكلام، ورسول الله. صلى الله عليه وسلم، يسمع ولا يقول لهم شيئا. فنظرت مد بصري بين يدي رسول الله، من راكب وماش، ومن خلفه مثل ذلك، وعن يمينه مثل ذلك، وعن شماله مثل ذلك. قال جابر: ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، بين أظهرنا ينزل عليه القرآن، وهو يعلم تأويله، وما عمل به من شيء عملنا. فخرجنا لا ننوي إلا الحج حتى أتينا الكعبة، فاستلم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الحجر الأسود، ثم رمل ثلاثا ومشى أربعا. حتى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم مشى فصلى خلفه ركعتين وقرأ: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " . قال جعفر: قال أبي: فقرأ فيهما بالتوحيد: " قل هو الله أحد " و " قل يا أيها الكافرون " ثم استلم الحجر الأسود ثم خرج إلى الصفا فقال: نبدأ بما بدأ الله به وقرأ: " إن الصفا والمروة من شعائر الله " . ورقى على الصفا حتى إذا نظر إلى البيت كبر ثم قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. لا إله إلا الله وحده أنجز وعده، وصدق عبده وغلب أو قال هزم الأحزاب وحده ثم دعا ثم رجع إلى هذا الكلام، ثم نزل حتى إذا انصبت قدماه في الوادي سعى حتى صعد مشيا حتى أتى المروة فرقى عليها. حتى إذا نظر إلى البيت قال عليها كما قال عن الصفا. فلما كان السابع بالمروة قال: أيها الناس إني لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة، فمن لم يكن معه هدى فليحل وليجعلها عمرة، فحل الناس كلهم وقال سراقة بن خعثم، وهو في أسفل المروة: يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد ؟ فشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصابعه، ثم قال: للأبد بل لأبد الأبد، ثلاث مرات، وقال: دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة. وقدم علي رضي الله عنه من اليمن وقدم معه بهدي، وساق رسول الله صلى الله عليه وسلم معه هديا من المدينة، فإذا فاطمة قد حلت ولبست ثيابا صابغة واكتحلت، فأنكر ذلك عليها، قالت: أمرني أبي قال علي بالكوفة، لم يذكره جابر: فانطلقت محرشا أستفتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذي ذكرت فاطمة. قال: قلت إن فاطمة لبست ثيابا صابغة واكتحلت، وقالت: أمرني أبي، قال: صدقت، صدقت، أنا أمرتها. قال جابر: فقال لعلي بم أهللت ؟ قال: قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسولك، قال عليه السلام: فإن معي الهدى فلا تحل بحال. وكان جماعة الهدى الذي أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة والذي أتى به علي مائة. فنحر رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ثلاثا وستين، وأعطى عليا فنحر ما غير وأشركه في هديه. ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر، فأكلا من لحمها وشربا من مرقها، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد نحرت ههنا، ومنى كلها منحر، ووقف بعرفة وقال: وقفت ههنا، وعرفة كلها موقف. ثم أتى المزدلفة فقال: وقفت ههنا. ومزدلفة كلها موقف.

(1/86)


أخبرنا عبد الله بن محمد، قال: حدثني محمد بن بكر، قال: حدثنا سليمان بن الأشعث أبو داود، قال: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي وعثمان بن أبي شيبة وهشام بن عمار وسليمان بن عبد الرحمن، وربما زاد بعضهم على بعض الكلمة، وقالوا: حدثنا حاتم ابن إسماعيل: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا حاتم ابن إسماعيل. وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا أحمد بن زهير، قال: حدثنا محمد بن سعيد الأصفهاني وهرون بن معروف، قالا: حدثنا حاتم بن إسماعيل. وبعضهم يزيد على بعض الكلمة والكلمتين والمعنى واحد. قال: حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه، قال: دخلنا على جابر بن عبد الله، وهو يومئذ قد ذهب بصره، فسأل عن القوم حتى انتهى إلي، فقلت: أنا محمد بن علي بن حسين بن علي، وأنا يومئذ غلام شاب، فرحب وسهل، ودعا لي. فقالوا: جئنا نسألك فقال لي: سل عما شئت يا ابن أخي، فقلت: أخبرني عن حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم فعقد تسعا ثم قال:

(1/87)


إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس في العاشرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاج، فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله صلى الله عليه وسلم ويعمل بمثل عمله. فخرجنا معه، حتى أتينا ذا الحليفة، فولد أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف أصنع ؟ قال: اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي. وصلى الله. صلى الله عليه وسلم، في المسجد، ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به ناقته على البيداء نظرت إلى مد بصري بين يديه من راكب وماش، وعن يمينه ويساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم، بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن وهو يعلم تأويله، فما عمل به من شيء عملنا به. فأهل بالتوحيد. لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك. وأهل الناس بهذا يهلون به فلم يرد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عليهم شيئا منه، ولزم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، تلبيته، قال جابر: لسنا ننوي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة، حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم، فقرأ: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " فجعل المقام بينه وبين البيت. قال جعفر: فكان أبي يقول ولا أعلمه ذكره إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه كان يقرأ في الركعتين: " قل هو الله أحد " وقل " يا أيها الكافرون " ثم رجع إلى الركن فاستلمه. ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: " إن الصفا والمروة من شعائر الله " نبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، ووحد الله وكبره، قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده. ثم دعا بين ذلك، وقال مثل هذا ثلاث مرات ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبت قدماه رمل في بطن الوادي، حتى إذا صعدتا مشى حتى أتى المروة. ففعل على المروة كما فعل على الصفا، حتى إذا كان في آخر طواف على المروة قال: لو أني استقبلت من أمري منا استدبرت لم أسق الهدى ولجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدى فليحل وليجعلها عمرة، فحل الناس كلهم إلا النبي عليه السلام ومن كان معه هدى. فقال سراقة بن جعثم: يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد ؟ فشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم، بين أصابعه ثم قال: دخلت العمرة في الحج، مرتين، لا بل لأبد الأبد. قال: وقدم علي من اليمن ببدن إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فوجد فاطمة ممن حل، ولبست ثيابا صبيغا، واكتحلت، فأنكر ذلك عليها، فقالت: أبي أمرني بهذا. فكان علي يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، محرشا على فاطمة، للذي صنعت، مستفتيا لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، فيما ذكرت عنه، وأخبرته أني أنكرت ذلك عليها، فقال: صدقت صدقت. ثم قال: ماذا قلت حين فرضت الحج، قال: قلت: اللهم إني أهل به رسولك، قال: فإن معي الهدى فلا تحل. قال: فكان جماعة الهدى الذي قدم به على من اليمن والذي أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، من المدينة مائة. قال: فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي عليه السلام ومن كان معه هدي. فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى، فأهلوا بالحج. وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح. ثم مكث قليلا، حتى طلعت الشمس. وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة. فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام، كما كانت قريش تصنع في الجاهلية فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء، فرحلت له. فأتى بطن الوادي، فخطب الناس فقال: إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلا كل شيء من أمر الجاهلية موضوع تحت قدمي، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضعه من دمائنا دم ربيعة بني الحارث كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل وربا الجاهلية مضوع، وأول ربا أضع ربانا ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله، واتقوا الله في النساء، فإنكم

(1/88)


أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، إن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف. وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده أبدا إن اعتصمتم به: كتاب الله. وأنتم مسئولون عني فما أنتم قائلون ؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء ويشير إلى الناس: اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد، ثلاث مرات. ثم أذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا. ثم ركب حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة، فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا حين غاب القرص، وأردف أسامة بن زيد خلفه، ودفع وقد شنق القصواء، حتى إن رأسها ليصب مورك رحله، ويقول بيده اليمنى: أيها الناس السكينة، كلما أتى حبلا من الحبال أرخى لها قليلا حتى تصعد، حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئا. ثم اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى طلع الفجر، وصلى الفجر حين تبين له الصبح. بأذان وإقامة ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعا الله وكبره وهلله ووحده. ولم يزل واقفا، حتى أسفر جدا فدفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن عباس، وكان رجلا أبيض حسن الشعر وسيما فلما دفع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يده على وجه الفضل فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر، فحول رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يده من الشق الآخر على وجه الفضل يصرف وجهه من الشق الآخر. حتى أتى محسرا، فحرك قليلا ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج إلى ما يلي الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها حصاة مثل حصا الحذف رماها من بطن الوادي. ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثا وستين بيده، ثم أعطى عليا، فنحر ما غبر، وأشركه في هديه. ثم أمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قدر فطبخت، فأكلا من لحمها وشربا من مرقها. ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البيت فأفاض، وصلى بمكة الظهر وأتى بني عبد المطلب وهم يسقون على زمزم، فقال: انزعوا يا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم وناوله دلوا فشرب منه صلى الله عليه وسلم.وهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، إن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف. وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده أبدا إن اعتصمتم به: كتاب الله. وأنتم مسئولون عني فما أنتم قائلون ؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء ويشير إلى الناس: اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد، ثلاث مرات. ثم أذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا. ثم ركب حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة، فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا حين غاب القرص، وأردف أسامة بن زيد خلفه، ودفع وقد شنق القصواء، حتى إن رأسها ليصب مورك رحله، ويقول بيده اليمنى: أيها الناس السكينة، كلما أتى حبلا من الحبال أرخى لها قليلا حتى تصعد، حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئا. ثم اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى طلع الفجر، وصلى الفجر حين تبين له الصبح. بأذان وإقامة ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعا الله وكبره وهلله ووحده. ولم يزل واقفا، حتى أسفر جدا فدفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن عباس، وكان رجلا أبيض حسن الشعر وسيما فلما دفع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يده على وجه الفضل فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر، فحول رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يده من الشق الآخر على وجه الفضل يصرف وجهه من الشق الآخر. حتى أتى محسرا، فحرك قليلا ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج إلى ما يلي الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها حصاة مثل حصا الحذف رماها من بطن الوادي. ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثا وستين بيده، ثم أعطى عليا، فنحر ما غبر، وأشركه في هديه. ثم أمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قدر فطبخت، فأكلا من لحمها وشربا من مرقها. ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البيت فأفاض، وصلى بمكة الظهر وأتى بني عبد المطلب وهم يسقون على زمزم، فقال: انزعوا يا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم وناوله دلوا فشرب منه صلى الله عليه وسلم.

(1/89)


باب ذكر وفاة النبي
صلى الله عليه وسلم
روى وكيع، عن سفيان، عن عاصم، عن ابن أبي رزين، عن ابن عباس، قال: لما نزلت: " إذا جاء نصر الله والفتح السورة كلها " علم النبي عليه السلام أنه قد نعيت إليه نفسه.
وسأل عمر ابن عباس عن هذه السورة، فقال: يقول له: اعلم أنك ستموت عند ذلك، فقال عمر: لله درك يا بن عباس، إعجابا بقوله. وقد كان سأل عنها غيره من كبار الصحابة فلم يقولوا ذلك.
ثم لما دنت وفاته أخذه وجعه في بيت ميمونة، فخرج إلى أهل أحد، فصلى عليهم صلاته على الميت.
وكان أول ما يشكو في علته الصداع، فيقول: وارأساه ثم لما اشتد به وجعه استأذن أزواجه أن يمرض في بيت عائشة، فاذن له في ذلك، فمرض في بيت عائشة إلى أن مات فيه صلى الله عليه وسلم، وكان يقول في مرضه ذلك لعائشة: ما زلت أجد ألم الطعام الذي أكلته بخيبر، ما زالت تلك الأكله تعاودني، فهذا أوان قطعت أبهري وأغمي عليه فظنوا أن به ذات الجنب فلدوه وكان العباس الذي أشار بذلك، فلما أفاق أنكر ذلك عليهم، وأمر بالقصاص في ذلك منهم واستثنى العباس برأيه فلد كل من حضر في البيت إلا العباس.
وأوصاهم في مرضه بثلاث: أن يجيزوا الوفد بنحو مما كان يجيزهم به وأن لا يتركوا في جزيرة العرب دينين، قال: أخرجوا منها المشركين. والله الله في الصلاة، وما ملكت أيمانكم فأحسنوا إليهم. وقال: لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.
وقال لهم: هلموا أكتب لكم كتاب لا تضلوا بعد أبدا. فاختلفوا وتنازعوا واختصموا، فقال: قوموا عني، فإنه لا ينبغي عندي تنازع. وكان عمر القائل حينئذ: قد غلب عليه وجعه، وربما صح، وعندكم القرآن. فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أن يكتب ذلك الكتاب، لاختلافهم ولغطهم.
وسار فاطمة رضي الله عنها في مرضه ذلك، فقال لها: بأن جبريل كان يعرض علي القرآن كل عام مرة وأنه عرضه علي العام مرتين، وما أظن أني ميت من مرضي هذا، فبكت، فقال لها: ما يسرك أنك سيدة نساء أهل الجنة ما عدا مريم بنت عمران، فضحكت.
وكان يقول في صحته: ما يموت نبي حتى يخير ويرى مقعده. روته عائشة. قالت: فلما اشتد مرضه جعل يقول: مع الرفيق الأعلى، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
وقال حين عجز عن الخروج إلى المسجد: مروا أبا بكر فليصل بالناس. وخرج يوما من أيام مرضه إلى المسجد تخط رجلاه في الأرض، يحمله رجلان أحدهما علي والآخر العباس، وقيل بن عباس.
وقال في مرضه: هريقوا علي من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن لعلي أعهد إلى الناس، فأجلس في مخضب لحفصة، ثم صب عليه من تلك القرب، حتى طفق يشير بيده أن حسبكم. ثم خرج إلى الناس فصلى بهم. وقد أوضحنا معاني صلاته في مرضه بالناس مع أبي بكر ومكان المقدم وما يصح في ذلك عندنا في كتاب التمهيد، وبالله توفيقنا.
وأصبح الناس يوما يسألون عليا والعباس عن حال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد اشتدت به الحال، فقال علي: أصبح بخير، فقال العباس: ما الذي تقول ؟ والله لقد رأيت في وجهه من الموت ما لم أزل أعرفه في وجوه بني عبد المطلب، ثم قال له: يا علي اذهب بنا نسأله فيمن يكون هذا الأمر بعده. فكره علي ذلك، فلم يسألاه. واشتد به المرض فجعل يقول: لا إله إلا الله. إن للموت لسكرات. الرفيق الأعلى، فلم يزل يقولها حتى مات.
ومات صلى الله عليه وسلم يوم الإثنين بلا اختلاف، قيل: في وقت دخوله المدينة في هجرته حين اشتد الضحى في صدر ربيع الأول سنة إحدى عشرة لتمام عشر سنين من الهجرة ودفن يوم الثلاثاء، وقيل: بل دفن ليلة الأربعاء ولم يحضر غسله ولا تكفينه إلا أهل بيته، غسله علي، وكان الفضل بن عباس يصب عليه الماء، والعباس يعينهم وحضرهم شقران مولاه. وقد ذكرنا في صدر كتاب الصحابة سؤاله في هذا المعنى.

(1/90)


ولم يصدق عمر بموته، وأنكر على من قال: مات، وخرج إلى المسجد، فخطب وقال في خطبته: إن المنافقين يقولون إن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي. والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى عليه السلام، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع إليهم، والله ليرجعن رسول الله. كما رجع موسى، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم، زعموا أن رسول الله مات.
ويأتي أبو بكر بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكشف له عن وجهه صلى الله عليه وسلم، فقبله، وأيقن بموته. ثم خرج فوجد عمر رضي الله عنه يقول تلك المقالة، فقال له: اجلس، فأبى عمر، فقال له: اجلس، فأبى. فتنحى عنه، وقام خطيبا، فانصرف الناس إليه وتركوا عمر. فقال أبو بكر رضي الله عنه: أما بعد فمن كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ثم تلا: " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفئن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم الآية " قال عمر رضي الله عنه: فلما سمعها من أبي بكر عرفت ما وقعت فيه، وكأني لم أسمعها قبل.
ثم اجتمع المهاجرون والأنصار في سقيفة بني ساعدة، فبايعوا أبو بكر رضي الله عنهم أجمعين، ثم بايعوه بيعة أخرى من الغد على ملأ منهم ورضا، فكشف الله به الكربة من أهل الردة، وقام به الدين، والحمد لله رب العالمين.
كمل كتاب الدرر بحمد الله وعونه وحسن توفيقه

(1/91)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية