صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : البداية والنهاية
مصدر الكتاب : الإنترنت
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

ومرتد برداء ومعه الدرة كأنه أعرابي بدوي فقلت: من هذا ؟ فقال لي رجل: أراك غريبا بهذا البلد.
فقلت: أجل أنا رجل من أهل البصرة، فقال: هذا علي بن أبي طالب أمير المؤمنين حتى انتهى إلى دار بني أبي معيط وهو يسوق الابل، فقال: بيعوا ولا تحلفوا فإن اليمين تنفق السلعة وتمحق البركة، ثم أتى أصحاب التمر فإذا خادم تبكي فقال: ما يبكيك ؟ فقالت: باعني هذا الرجل تمرا بدرهم فرده موالي فأبى أن يقبله، فقال له علي: خذ تمرك واعطها درهما فإنها ليس لها أمر، فدفعه، فقلت: أتدري من هذا ؟ فقال: لا فقلت: هذا علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، فصبت تمره وأعطاها درهما.
ثم قال الرجل: أحب أن ترضى عني يا أمير المؤمنين، قال: ما أرضاني عنك إذا أوفيت الناس حقوقهم، ثم مر مجتازا بأصحاب التمر فقال: يا أصحاب التمر
اطعموا المساكين يرب كسبكم.
ثم مر مجتازا ومعه المسلمون حتى انتهى إلى أصحاب السمك فقال: لا يباع في سوقنا طافي.
ثم أتى دار فرات - وهي سوق الكرابيس - فأتى شيخا فقال: يا شيخ أحسن بيعي في قميص بثلاثة دراهم، فلما عرفه لم يشتر منه شيئا، ثم آخر فلما عرفه لم يشتر منه شيئا، فأتى غلاما حدثا فاشترى منه قميصا بثلاثة دراهم وكمه ما بين الرسغين إلى الكعبين يقول في لبسه: الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس، وأواري به عورتي.
فقيل له: يا أمير المؤمنين هذا شئ ترويه عن نفسك أو شئ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال: لا ! بل شئ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عند الكسوة.
فجاء أبو الغلام صاحب الثوب فقيل له: يا فلان قد باع ابنك اليوم من أمير المؤمنين قميصا بثلاثة دراهم، قال: أفلا أخذت منه درهمين ؟ فأخذ منه أبوه درهما ثم جاء به إلى أمير المؤمنين وهو جالس مع المسلمين على باب الرحبة فقال: امسك هذا الدرهم.
فقال: ما شأن هذا الدرهم ؟ فقال إنما ثمن القميص درهمين، فقال: باعني رضاي وأخذ رضاه.
وقال عمرو بن شمر، عن جابر الجعفي عن الشعبي قال: وجد علي بن أبي طالب درعه عند رجل نصراني فأقبل به إلى شريح يخاصمه، قال: فجاء علي حتى جلس جنب شريح وقال: يا شريح لو كان خصمي مسلما ما جلست إلا معه، ولكنه نصراني وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا كنتم وإياهم في طريق فاضطروهم إلى مضايقه، وصغروا بهم كما صغر الله بهم من غير أن تطغوا " ثم قال: هذا الدرع درعي ولم أبع ولم أهب، فقال شريح للنصراني: ما تقول فيما يقول أمير المؤمنين ؟ فقال النصراني: ما الدرع إلا درعي وما أمير المؤمنين عندي بكاذب، فالتفت شريح إلى علي فقال: يا أمير المؤمنين هل من بينة ؟ فضحك علي وقال أصاب شريح، مالي بينة، فقضى بها شريح للنصراني، قال فأخذه النصراني ومشى خطأ ثم رجع فقال: أما أنا فأشهد أن هذه أحكام الانبياء، أمير المؤمنين يدنيني إلى قاضيه يقضي عليه، أشهد إن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الدرع والله درعك يا أمير المؤمنين اتبعت الجيش وأنت منطلق إلى صفين فخرجت من بعيرك الاورق.
فقال: أما إذ أسلمت فهي لك، وحمله على فرس.
قال الشعبي: فأخبرني من رآه يقاتل الخوارج يوم النهروان.
وقال سعيد بن عبيد عن
علي بن ربيعة: جاء جعدة بن هبيرة إلى علي فقال: يا أمير المؤمنين يأتيك الرجلان أنت أحب إلى

(8/5)


أحدهما من أهله وماله، والآخر لو يستطيع أن يذبحك لذبحك، فتقضي لهذا على هذا ؟ قال: فلهزه علي وقال: إن هذا شئ لو كان لي فعلت، ولكن إنما ذا شئ لله.
وقال أبو القاسم البغوي: حدثني جدي ثنا علي بن هاشم عن صالح بياع الاكسية عن جدته قالت: رأيت عليا اشترى تمرا بدرهم فحمله في محلفته فقال رجل: يا أمير المؤمنين ألا تحمله عنك ؟ فقال: أبو العيال أحق بحمله.
وعن أبي هاشم عن زاذان قال: كان علي يمشي في الاسواق وحده وهو خليفة يرشد الضال ويعين الضعيف ويمر بالبياع والبقال فيفتح عليه القرآن ويقرأ * (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الارض ولا فسادا) * [ القصص: 83 ]، ثم يقول: نزلت هذه الآية في أهل العدل والتواضع من الولاة وأهل القدرة من سائر الناس.
وعن عبادة بن زياد، عن صالح بن أبي الاسود، عمن حدثه أنه رأى عليا قد ركب حمارا ودلى رجليه إلى موضع واحد ثم قال: أنا الذي أهنت الدنيا.
وقال يحيى بن معين: عن علي بن الجعد عن الحسن بن صالح قال: تذاكروا الزهاد عند عمر بن عبد العزيز فقال قائلون: فلان، وقال قائلون: فلان، فقال عمر بن عبد العزيز: أزهد الناس في الدنيا علي بن أبي طالب.
وقال هشام بن حسان: بينا نحن عند الحسن البصري إذ أقبل رجل من الازارقة فقال: يا أبا سعيد ما تقول في علي بن أبي طالب ؟ قال: فاحمرت وجنتا الحسن وقال: رحم الله عليا، إن عليا كان سهما لله صائبا في أعدائه، وكان في محلة العلم أشرفها وأقربها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رهباني هذه الامة، لم يكن لمال الله بالسروقة، ولا في أمر الله بالنومة، أعطى القرآن عزائمه وعمله وعلمه، فكان منه في رياض مونقة، وأعلام بينة، ذاك علي بن أبي طالب يالكع.
وقال هشيم عن يسار عن عمار.
قال: حدث رجل علي بن أبي طالب بحديث فكذبه فما قام حتى عمي: وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثني شريح بن يونس، ثنا هشيم، عن إسماعيل بن سالم، عن عمار الحضرمي، عن زاذان، أبي عمر: أن رجلا حدث عليا بحديث فقال: ما أراك إلا قد كذبتني، قال: لم أفعل قال: أدعو
عليك إن كنت كذبت، قال: ادع ! فدعا فما برح حتى عمي.
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا خلف بن سالم، ثنا محمد بن بشر، عن أبي مكين قال: مررت أنا وخالي أبو أمية على دار في محل حي من مراد، قال: ترى هذه الدار ؟ قلت: نعم ! قال: فإن عليا مر عليها وهم يبنونها فسقطت عليه قطعة فشجته فدعا الله أن لا يكمل بناؤها، قال: فما وضعت عليها لبنة، قال: فكنت فيمن يمر عليها لا تشبه الدور.
وقال ابن أبي الدنيا: حدثني عبد الله بن يونس بن بكر الشيباني، عن أبيه، عن عبد الغفار بن القاسم الانصاري، عن أبي بشير الشيباني.
قال شهدت الجمل مع مولاي فما رأيت يوما قط أكثر ساعدا نادرا وقدما نادرة من يومئذ، ولا مرر ؟ بدار الوليد قط إلا ذكرت يوم الجمل قال: فحدثني الحكم بن عيينة أن عليا دعا يوم الجمل فقال اللهم خذ أيديهم وأقدامهم.
ومن كلامه الحسن رضي الله عنه.
قال ابن أبي الدنيا: حدثنا علي بن الجعد، أنا عمرو

(8/6)


شمر، حدثني إسماعيل السدي، سمعت أبا أراكة يقول: صليت مع علي صلاة الفجر فلما انفتل عن يمينه مكث كأن عليه كآبة حتى إذا كانت الشمس على حائط المسجد قيد رمح صلى ركعتين ثم قلب يده فقال: والله لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فما أرى اليوم شيئا يشبههم، لقد كانوا يصبحون صفرا شعثا غبرا بين أعينهم كأمثال ركب المعزى، قد باتوا لله سجدا وقياما يتلون كتاب الله يتراوحون بين جباههم وأقدامهم، فإذا أصبحوا فذكروا الله مادوا كما يميد الشجر في يوم الريح، وهملت أعينهم حتى تنبل ثيابهم، والله لكأن القوم باتوا غافلين، ثم نهض فما رئي بعد ذلك مفترا يضحك حتى قتله ابن ملجم عدو الله الفاسق.
وقال وكيع: عن عمرو بن منبه، عن أوفى بن دلهم، عن علي بن أبي طالب أنه قال: تعلموا العلم تعرفوا به، واعملوا تكونوا من أهله، فإنه يأتي من بعدكم زمان ينكر فيه من الحق تسعة أعشاره، وإنه لا ينجو منه إلا كل أواب منيب، أولئك أئمة الهدى ومصابيح العلم ليسوا بالعجل المذابيع البذر، ثم قال: ألا وإن الدنيا قد ارتحلت مدبرة وإن الآخرة قد أتت مقبلة، ولكل واحدة بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا
من أبناء الدنيا، ألا وإن الزاهدين في الدنيا اتخذوا الارض بساطا، والتراب فراشا، والماء طيبا، ألا من اشتاق إلى الآخرة سلا عن الشهوات، ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات، ومن طلب الجنة سارع إلى الطاعات، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصائب، ألا إن لله عبادا كمن رأى أهل الجنة في الجنة مخلدين، وأهل النار في النار معذبين، شرورهم مأمونة، وقلوبهم محزونة، وأنفسهم عفيفة، وحوائجهم خفيفة، صبروا أياما قليلة لعقبى راحة طويلة، أما الليل فصافون أقدمهم، تجري دموعهم على خدودهم، يجأرون إلى الله في فكاك رقابهم.
وأما النهار فظماء حلماء بررة أتقياء، كأنهم القداح ينظر إليهم الناظر فيقول مرضى وما بالقوم من مرض، وخولطوا ولقد خالط القوم أمر عظيم.
وعن الاصبغ بن نباتة قال: صعد علي ذات يوم المنبر فحمد الله وأثنى عليه وذكر الموت فقال: عباد الله الموت ليس منه فوت، إن أقمتم له أخذكم، وإن فررتم منه أدرككم، فالنجا النجا، والوحا الوحا، إن وراءكم طالب حثيث القبر فاحذورا ضغطته وظلمته ووحشته، ألا وإن القبر حفرة من حفر النار، أو روضة من رياض الجنة، ألا وإنه يتكلم في كل يوم ثلاث مرات فيقول: أنا بيت الظلمة، أنا بيت الدود، أنا بيت الوحشة، ألا وإن وراء ذلك يوم يشيب فيه الصغير ويسكر فيه الكبير، * (وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد) * [ الحج: 2 ] ألا وإن وراء ذلك ما هو أشد منه، نار حرها شديد، وقعرها بعيد، وحليها ومقامعها حديد، وماؤها صديد، وخازنها مالك ليس لله فيه رحمة.
قال: ثم بكى وبكى المسلمون حوله، ثم قال: ألا وإن وراء ذلك جنة عرضها السموات والارض أعدت للمتقين، جعلنا الله وإياكم من المتقين، وأجارنا وإياكم من العذاب الاليم.
ورواه ليث بن أبي سليم عن مجاهد: حدثني من سمع عليا فذكر نحوه.
وقال وكيع عن عمرو بن منبه عن أوفى بن دلهم قال: خطب علي فقال: أما بعد فإن الدنيا

(8/7)


قد أدبرت وآذنت بوداع، وإن الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطلاع، وإن المضمار اليوم وغدا السباق، ألا وإنكم في أيام أمل من ورائه أجل (1)، فمن قصر في أيام أمله قبل حضور أجله فقد
خاب عمله، ألا فاعملوا لله في الرغبة كما تعملون له في الرهبة، ألا وإنه لم أر كالجنة نام طالبها، ولم أر كالنار نام هاربها (2)، وإنه من لم ينفعه الحق ضره بالباطل، ومن لم يستقم به الهدى حاد به الضلال، ألا وإنكم قد أمرتم بالظعن، وذللتم على الزاد، ألا أيها الناس إنما الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر، وإن الآخرة وعد صادق، يحكم فيها ملك قادر، ألا إن الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء، والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم.
أيها الناس: أحسنوا في أعماركم تحفظوا في أعقابكم، فإن الله وعد جنته من أطاعه، وأوعد ناره من عصاه.
إنها نار لا يهدأ زفيرها، ولا يفك أسيرها، ولا يجبر كسيرها، حرها شديد، وقعرها بعيد، وماؤها صديد، وإن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الامل.
وفي رواية فإن اتباع الهوى يصد عن الحق، وإن طول الامل ينسي الآخرة.
وعن عاصم بن ضمرة قال: ذم رجل الدنيا عند علي فقال علي: الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار نجاة لمن فهم عنها، ودار غنا وزاد لمن تزود منها، ومهبط وحي الله، ومصلى ملائكته، ومسجد أنبيائه، ومتجر أوليائه، ربحوا فيها الرحمة، واكتسبوا فيها الجنة، فمن ذا يذمها وقد آذنت بغيلها، ونادت بفراقها، وشابت بشرورها السرور، وببلائها الرغبة فيها والحرص عليها ترغيبا وترهيبا، فيا أيها الذام للدنيا المعلل نفسه بالامالي متى خدعتك الدنيا أو متى اشتدمت إليك ؟ أبمصارع آبائك في البلا ؟ أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى ؟ كم مرضت بيديك، وعللت بكفيك، ممن تطلب له الشفاء، وتستوصف له الاطباء، لا يغني عنه دواؤك، ولا ينفعه بكاؤك.
وقال سفيان الثوري والاعمش عن عمرو بن مرة عن أبي البختري.
قال: جاء رجل إلى علي فأطراه - وكان يبغض عليا - فقال له: لست كما تقول، وأنا فوق ما في نفسك.
وروى ابن عساكر أن رجلا قال لعلي: ثبتك الله قال: على صدرك.
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا إسحاق بن إسماعيل ثنا سفيان بن عيينة عن أبي حمزة، عن يحيى بن عقيل، عن يحيى بن يعمر، قال قال علي: إن الامر ينزل إلى السماء كقطر المطر لكل نفس ما كتب الله لها من زيادة أو نقصان في نفس أو أهل أو مال، فمن رأى نقصا في نفسه أو أهله أو ماله، ورأى لغيره عثرة فلا يكونن ذلك له فتنة، فإن المسلم ما لم يعش دناه يظهر تخشعا لها
إذا ذكرت، ويغرى به لئام الناس، كالبائس العالم ينتظر أول فورة من قداحه توجب له المغنم، وتدفع عنه المغرم فكذلك المسلم البرئ من الخيانة بين إحدى الحسنيين، إذا ما دعا الله، فما عند
__________
(1) بعدها في النهج شرح محمد عبده ص 125: فمن عمل في أيام أمله قبل حضور أجله نفعه عمله.
ولم يضرره أجله.
(2) قال شارح النهج محمد عبده: من العجائب الذي لم ير له مثيل أن ينام طالب الجنة في عظمها واستكمال أسباب السعادة فيها، وأن ينام الهارب من النار في هولها واستجماعها أسباب الشقاء.
(*)

(8/8)


الله خير له، وإما أن يرزقه الله مالا فإذا هو ذو أهل ومال ومعه حسبه ودينه، وإما أن يعطيه الله في الآخرة فالآخرة خير وأبقى، الحرث حرثان فحرث الدنيا المال والتقوى، وحرث الآخرة الباقيات الصالحات، وقد يجمعهما الله تعالى لاقوام.
قال سفيان الثوري: ومن يحسن أن يتكلم بهذا الكلام إلا علي ؟ وقال عن زبيد اليامي عن مهاجر العامري قال: كتب علي بن أبي طالب عهدا لبعض أصحابه (1) على بلد فيه: أما بعد فلا تطولن حجابك (2) على رعيتك، فإن احتجاب الولاة عن الرعية شعبة الضيق، وقلة علم بالامور، والاحتجاب يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه، فيضعف عندهم الكبير، ويعظم الصغير، ويقبح الحسن، ويحسن القبيح، ويشاب الحق بالباطل، وإنما الوالي بشر لا يعرف ما يواري عنه الناس به من الامور، وليس على القوم (3) سمات يعرف بها ضروب الصدق من الكذب، فتحصن من الادخال في الحقوق بلين الحجاب، فإنما أنت أحد الرجلين، إما امرؤ شحت نفسك بالبذل في الحق ففيم احتجابك من حق واجب عليك أن تعطيه ؟ وخلق كريم تسديه ؟ وإما مبتلى بالمنع والشح فما أسرع زوال نعمتك، وما أسرع كف الناس عن مسألتك إذا يئسوا من ذلك (4)، مع أن أكثر حاجات الناس إليك مالا مؤنة فيه عليك من شكاية مظلمة أو طلب انصاف، فانتفع بما وصفت لك واقتصر على حظك ورشدك إن شاء الله.
وقال المدائني: كتب علي إلى بعض عماله: رويدا فكأن قد بلغت المدى، وعرضت عليك أعمالك بالمحل الذي ينادي المغتر بالحسرة، ويتمنى المضيع التوبة، والظالم الرجعة.
وقال
هشيم: أنا عمر بن أبي زائدة عن الشعبي قال: كان أبو بكر يقول الشعر، وكان عمر يقول الشعر، وكان علي يقول الشعر، وكان علي أشعر الثلاثة.
ورواه هشام بن عمار عن إبراهيم بن أعين عن عمر بن أبي زائدة عن عبد الله بن أبي السفر عن الشعبي فذكره.
وقال أبو بكر بن دريد قال: وأخبرنا عن دماد عن أبي عبيدة قال: كتب معاوية إلى علي: يا أبا الحسن إن لي فضائل كثيرة، وكان أبي سيدا في الجاهلية، وصرت ملكا في الاسلام، وأنا صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخال المؤمنين، وكاتب الوحي.
فقال علي: ابا الفضائل يفخر علي ابن آكلة الاكباد ؟ ثم قال: اكتب يا غلام: محمد النبي أخي وصهري * وحمزة سيد الشهداء عمي وجعفر الذي يمسي ويضحي * يطير مع الملائكة ابن أمي
__________
(1) العهد الذي كتبه للاشتر النخعي لما ولاه - رضي الله عنه - على مصر وأعمالها وهو أطول عهد وأجمع كتبه.
انظر نصه في نهج البلاغة شرح محمد عبده ص 599 وما بعدها.
(2) في النهج: احتجابك.
(3) في النهج: الحق.
وسمات جمع سمة.
أي ليس للحق علامات ظاهرة يتميز بها الصدق من الكذب وإنما يعرف ذلك بالامتحان ولا يكون إلا بالمحافظة.
(4) في النهج: بذلك، والبذل: العطاء.
(*)

(8/9)


وبنت محمد سكني وعرسي * مسوط لحمها بدمي ولحمي (1) وسبطا أحمد ولداي منها * فأيكم له سهم كسهمي سبقتكم إلى الاسلام طرا * صغيرا ما بلغت أوان حلمي (2) قال فقال معاوية: اخفوا هذا الكتاب لا يقرأه أهل الشام فيميلون إلى ابن أبي طالب.
وهذا منقطع بين أبي عبيدة وزمان علي ومعاوية.
وقال الزبير بن بكار وغيره: حدثني بكر بن حارثة عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن جابر بن عبد الله قال: سمعت عليا ينشد
ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع: أنا أخو المصطفى لا شك في نسبي * معه ربيت وسبطاه هما ولدي جدي وجد رسول الله منفرد * وفاطم زوجتي لا قول ذي فند صدقته وجميع الناس في بهم * من الضلالة والاشراك والنكد فالحمد لله شكرا لا شريك له * البر بالعبد والباقى بلا أمد قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " صدقت يا علي " وهذا بهذا الاسناد منكر والشعر فيه ركاكة، وبكر هذا لا يقبل منه تفرده بهذا السند والمتن والله أعلم.
وروى الحافظ ابن عساكر من طريق أبي زكريا الرملي: ثنا يزيد بن هارون، عن نوح بن قيس، عن سلامة الكندي عن الاصبغ ابن نباتة عن علي أنه جاءه رجل فقال: يا أمير المؤمنين إن لي إليك حاجة فرفعتها إلى الله قبل أن أرفعها إليك، فإن أنت قضيتها حمدت الله وشكرتك، وإن أنت لم تقضها حمدت الله وعذرتك.
فقال علي: اكتب حاجتك على الارض فإني أكره أن أرى ذل السؤال في وجهك، فكتب: إني محتاج، فقال علي: علي بحلة، فأتي بها فأخذها الرجل فلبسها، ثم أنشأ يقول: كسوتني حلة تبلى محاسنها * فسوف أكسوك من حسن الثنا حللا إن نلت حسن ثنائي نلت مكرمة * ولست أبغي بما قد قلته بدلا إن الثناء ليحيى ذكر صاحبه * كالغيث يحيي نداه السهل والجبلا لا تزهد الدهر في خير تواقعه * فكل عبد سيجزي بالذي عملا فقال علي: علي بالدنانير فأتي بمائة دينار فدفعها إليه، قال الاصبغ: فقلت يا أمير المؤمنين حلة ومائة دينار ؟ قال: نعم ! سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " أنزلوا الناس منازلهم " وهذه منزلة هذا الرجل عندي.
وروى الخطيب البغدادي من طريق أبي جعفر أحمد بن إسحاق بن إبراهيم بن
__________
(1) مسوط: مختلط.
(2) طرا: طلوع الشارب.
(*)

(8/10)


نبيط بن شريط عن أبيه عن جده قال: قال علي بن أبي طالب: إذا اشتملت على الناس القلوب * وضاق بما به الصدر الرحيب وأوطنت المكاره واطمأنت * وأرست في أماكنها الخطوب ولم تر لانكشاف الضر وجها * ولا أغنى بحيلته الاريب أتاك على قنوط منك غوث * يمن به القريب المستجيب وكل الحادثات إذا تناهت * فموصول بها الفرج القريب ومما أنشده أبو بكر محمد بن يحيى الصولي لامير المؤمنين علي بن أبي طالب: ألا فاصبر على الحدث الجليل * وداو جواك بالصبر الجميل ولا تجزع فإن أعسرت يوما * فقد أيسرت في الدهر الطويل ولا تظنن بربك ظن سوء * فإن الله أولى بالجميل فإن العسر يتبعه يسار * وقول الله أصدق كل قبل فلو أن العقول تجر رزقا * لكان الرزق عند ذوي العقول فكم من مؤمن قد جاع يوما * سيروى من رحيق السلسبيل فمن هوان الدنيا على الله أنه سبحانه يجيع المؤمن مع نفاسته، ويشبع الكلب مع خساسته، والكافر يأكل ويشرب، ويلبس ويتمتع، والمؤمن يجوع ويعرى، وذلك لحكمة اقتضتها حكمة أحكم الحاكمين.
ومما أنشده علي بن جعفر الوراق لامير المؤمنين علي بن أبي طالب: أجد الثياب إذا اكتسيت فإنها * زين الرجال بها تعز وتكرم ودع التواضع في الثياب تخشعا * فالله يعلم ما تجن وتكتم فرثاث ثوبك لا يزيدك زلفة * عند الاله وأنت عبد مجرم وبهاء ثوبك لا يضرك بعد أن * تخشى الاله وتتقي ما يحرم وهذا كما جاء في الحديث: " إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى ثيابكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم " وقال الثوري: ليس الزهد في الدنيا بلبس العبا ولا بأكل الخشن، إنما الزهد
في الدنيا قصر الامل.
وقال أبو العباس محمد بن يزيد بن عبد الاكبر المبرد: كان مكتوبا على سيف علي: للناس حرص على الدنيا وتدبير * وفي مراد الهوى عقل وتشمير وإن أتوا طاعة لله ربهم * فالعقل منهم عن الطاعات مأسور لاجل هذا وذاك الحرص قد مزجت * صفاء عيشاتها هم وتكدير لم يرزقوها بعقل عند ما قسمت * لكنهم رزقوها بالمقادير

(8/11)


كمن من أديب لبيب لا تساعده * ومائق نال دنياه بتقصير لو كان عن قوة أو عن مغالبة * طار البزاة بأرزاق العصافير وقال الاصمعي: ثنا سلمة بن بلال، عن مجالد، عن الشعبي قال: قال علي بن أبي طالب لرجل كره له صحبة رجل: فلا تصحب أخا الجه * - ل وإياك وإياه فكم من جاهل جاهل * أودى حليما حين آخاه يقاس المرء بالمر * ء وإذا ما المرء ماشه وللشئ على الشي * مقاييس وأشباه وللقلب على القل * - ب دليل حين يلقاه وعن عمرو بن العلاء عن أبيه قال: وقف علي على قبر فاطمة وأنشأ يقول: ذكرت أبا أروى فبت كأنني * برد الهموم الماضيات وكيل لكل اجتماع من خليلين فرقة * وكل الذي قبل الممات قليل وإن افتقادي واحدا بعد واحد * دليل على أن لا يدوم خليل سيعرض عن ذكري وتنسى مودتي * ويحدث بعدي للخليل خليل إذا انقطعت يوما من العيش مدتي * فإن غناء الباكيات قليل
وأنشد بعضهم لعلي رضي الله عنه: حقيق بالتواضع من يموت * ويكفي المرء من دنياه قوت فما للمرء يصبح ذا هموم * وحرص ليس تدركه النعوت صنيع مليكنا حسن جميل * وما أرزاقه عنا تفوت فيا هذا سترحل عن قليل * إلى قوم كلامهم السكوت وهذا الفصل يطول استقصاؤه وقد ذكرنا منه ما فيه مقنع لمن أراده ولله الحمد والمنة.
وقال حماد بن سلمة عن أيوب السختياني أنه قال: من أحب أبا بكر فقد أقام الدين ومن أحب عمر فقد أوضح السبيل، ومن أحب عثمان فقد استنار بنور الله، ومن أحب عليا فقد استمسك بالعروة الوثقى، ومن قال الحسنى في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد برئ من النفاق.
غريبة من الغرائب وآبدة من الاوابد قال ابن أبي خيثمة: ثنا أحمد بن منصور ثنا سيار ثنا عبد الرزاق قال: قال معمر مرة وأنا مستقبله وتبسم وليس معنا أحد فقلت له: ما شأنك ؟ قال: عجبت من أهل الكوفة كأن الكوفة

(8/12)


إنما بنيت على حب علي، ما كلمت أحدا منهم إلا وجدت المقتصد منهم الذي يفضل عليا على أبي بكر وعمر، منهم سفيان الثوري، قال: فقلت لمعمر ورأيته ؟ - كأني أعظمت ذاك - فقال معمر: وما ذاك ؟ لو أن رجلا قال: علي أفضل عندي منهما ما عبته إذا ذكر فضلهما ولو أن رجلا قال: عمر عندي أفضل من علي وأبي بكر ما عنفته.
قال عبد الرزاق: فذكرت ذلك لوكيع بن الجراح ونحن خاليين فاستهالها من سفيان وضحك وقال: لم يكن سفيان يبلغ بنا هذا الحد، ولكنه أفضى إلى معمر بما لم يفض إلينا، وكنت أقول لسفيان: يا أبا عبد الله أرأيت إن فضلنا عليا على أبي بكر وعمر ما تقول في ذلك ؟ فيسكت ساعة ثم يقول: أخشى أن يكون ذلك طعنا على أبي بكر وعمر ولكنا نقف.
قال عبد الرزاق: وأما ابن التيمي - يعني معتمرا - فقال: سمعت أبي يقول: فضل علي بن أبي طالب بمائة منقبة وشاركهم في مناقبهم، وعثمان أحب إلي منه.
هكذا رواه ابن عساكر
في تاريخه بسنده عن ابن أبي خيثمة به.
وهذا الكلام فيه تخبيط كثير ولعله اشتبه على معمر فإن المشهور عن بعض الكوفيين تقديم علي على عثمان، فأما على الشيخين فلا، ولا يخفى فضل الشيخين على سائر الصحابة إلا على غبي، فكيف يخفى على هؤلاء الائمة ؟ بل قد قال غير واحد من العلماء - كأيوب والدار قطني - من قدم عليا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والانصار.
وهذا الكلام حق وصدق وصحيح ومليح.
وقال يعقوب بن أبي سفيان: ثنا عبد العزيز بن عبد الله الاريسي ثنا إبراهيم بن سعيد، عن شعبة عن أبي عون - محمد بن عبد الله الثقفي - عن أبي صالح الحنفي قال: رأيت علي بن أبي طالب أخذ المصحف فوضعه على رأسه حتى أني لارى ورقه يتقعقع قال ثم قال: اللهم إنهم منعوني أن أقوم في الامة بما فيه فأعطني ثواب ما فيه، ثم قال: اللهم إني قد مللتهم وملوني وأبغضتهم وأبغضوني، وحملوني على غير طبيعتي وخلقي وأخلاق لم تكن تعرف لي، اللهم فأبدلني بهم خيرا منهم، وأبدلهم بي شرا مني، اللهم أمت قلوبهم موت الملح في الماء.
قال إبراهيم: - يعني أهل الكوفة - وقال ابن أبي الدنيا: حدثني عبد الرحمن بن صالح، ثنا عمرو بن هشام الخبي، عن أبي خباب عن أبي عوف الثقفي، عن أبي عبد الرحمن السلمي.
قال: قال لي الحسن بن علي، قال لي علي: " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سنح لي الليلة في منامي فقلت: يا رسول الله ما لقيت من أمتك من الاود واللد ؟ قال: ادع عليهم فقلت: اللهم أبدلني بهم من هو خير لي منهم، وأبدلهم بي من هو شر مني، فخرج فضربه الرجل - الاود العوج واللد الخصومة - وقد قدمنا الحديث الوارد بالاخبار بقتله وأنه يخضب لحيته من قرن رأسه، فوقع كما أخبر صلوات الله وسلامه على رسوله، وروى أبو داود في كتاب القدر: أنه لما كان أيام الخوارج كان أصحاب علي يحرسونه كل ليلة عشرة - يبيتون في المسجد بالسلاح - فرآهم علي فقال: ما يجلسكم ؟ فقالوا: نحرسك، فقال: من أهل السماء ؟ ثم قال: إنه لا يكون في الارض شئ حتى يقضى في السماء، وإن علي من الله جنة حصينة.
وفي رواية: وإن الرجل جنة محصونة، وإنه ليس من الناس أحد إلا وقد وكل به ملك فلا تريده دابة ولا شئ إلا قال: اتقه اتقه، فإذا جاء

(8/13)


لقدر خلا عنه، وفي رواية: ملكان يدفعان عنه فإذا جاء القدر خليا عنه، وإنه لا يجد عبد حلاوة الايمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
وكان علي يدخل المسجد كل ليلة فيصلي فيه، فلما كانت الليلة التي قتل في صبيحتها قلق تلك الليلة وجمع أهله فلما خرج إلى المسجد صرخ الاوز في وجهه فسكتوهن عنه فقال: ذروهن فإنهن نوائح، فلما خرج إلى المسجد ضربه ابن ملجم فكان ما ذكرنا قبل.
فقال الناس: يا أمير المؤمنين ألا نقتل مرادا كلها ؟ فقال: لا ولكن احبسوه وأحسنوا إساره، فإن مت فاقتلوه وإن عشت فالجروح قصاص.
وجعلت أم كلثوم بنت علي تقول: مالي ولصلاة الغداة، قتل زوجي عمر أمير المؤمنين صلاة الغداة، وقتل أبي أمير المؤمنين صلاة الغداة، رضي الله عنها.
وقيل لعلي: ألا تستخلف ؟ فقال: لا ولكن أترككم كما ترككم رسول الله، فإن يرد الله بكم خيرا يجمعكم على خيركم كما جمعكم على خيركم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا اعتراف منه في آخر وقت الدنيا بفضل الصديق.
وقد ثبت عنه بالتواتر أن خطب بالكوفة في أيام خلافته ودار إمارته، فقال: أيها الناس إن خير هذه الامة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر ولو شئت أن أسمي الثالث لسميت.
وعنه أنه قال وهو نازل من المنبر: ثم عثمان ثم عثمان.
ولما مات علي ولي غسله ودفنه أهله، وصلى عليه ابنه الحسن وكبر أربعا، وقيل أكثر من ذلك.
ودفن علي بدار الخلافة بالكوفة وقيل تجاه الجامع من القبلة في حجرة من دور آل جعدة بن هبيرة، بحذاء باب الوراقين وقيل بظاهر الكوفة، وقيل بالكناسة، وقيل دفن بالبرية.
وقال شريك القاضي وأبو نعيم الفضل بن دكين: نقله الحسن بن علي بعد صلحه مع معاوية من الكوفة فدفنه بالمدينة بالبقيع إلى جانب فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال عيسى بن دآب: بل لما تحملوا به حملوه في صندق على بعير، فلما مروا به ببلاد طئ أضلوا ذلك البعير فأخذته طئ تحسب فيه مالا، فلما وجدوا بالصندوق ميتا دفنوه في بلادهم فلا يعرف قبره إلى الآن، والمشهور أن قبره إلى الآن بالكوفة كما ذكر عبد الملك بن عمران أن خالد بن عبد الله القسري - نائب بني أمية في زمان هشام - لما هدم دورا ليبنيها وجد قبرا فيه شيخ أبيض الرأس واللحية فإذا هو علي، فأراد أن يحرقه بالنار فقيل له: أيها الامير إن بني أمية لا يريدون منك هذا كله، فلفه في قباطي ودفنه
هناك.
قالوا: فلا يقدر أحد أن يسكن تلك الدار التي هو فيها إلا ارتحل منها.
رواه ابن عساكر.
ثم إن الحسن بن علي استحضر عبد الرحمن بن ملجم من السجن، فأحضر الناس النفط والبواري ليحرقوه، فقالوا لهم أولاد علي: دعونا نشتفي منه، فقطعت يداه ورجلاه فلم يجزع ولا فتر عن الذكر، ثم كحلت عيناه وهو في ذلك يذكر الله وقرأ سورة اقرأ باسم ربك إلى آخرها، وإن عينيه لتسيلان على خديه، ثم حاولوا لسانه ليقطعوه فجزع من ذلك جزعا شديدا، فقيل له في ذلك فقال: إني أخاف أن أمكث في الدنيا فواقا لا أذكر الله فيه.
فقتل عند ذلك وحرق بالنار، قبحه الله.
قال محمد بن سعد: كان ابن ملجم رجلا أسمر حسن الوجه أبلج، شعره مع شحمة أذنه، في جبهته أثر السجود.
قال العلماء: ولم ينتظر بقتله بلوغ العباس بن علي فإنه كان صغيرا

(8/14)


يوم قتل أبوه، قالوا: لانه كان قتل محاربة لا قصاصا والله أعلم.
وكان طعن علي يوم الجمعة السابع عشر من رمضان سنة أربعين بلا خلاف فقيل مات من يومه وقيل يوم الاحد التاسع عشر منه، قال الفلاس: وقيل ضرب ليلة إحدى وعشرين ومات ليلة أربع وعشرين عن بضع أو ثمان وخمسين سنة، وقيل عن ثلاث وستين سنة وهو المشهور، قاله محمد بن الحنفية، وأبو جعفر الباقر، وأبو إسحاق السبيعي، وأبو بكر بن عياش.
وقال بعضهم: عن ثلاث أو أربع وستين سنة، وعن أبي جعفر الباقر خمس وستين سنة.
وكانت خلافته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر، وقيل أربع سنين وثمانية أشهر وثلاثة وعشرين يوما، رضي الله عنه.
وقال جرير عن مغيرة قال: لما جاء نعي علي بن أبي طالب إلى معاوية وهو نائم مع امرأته فاختة بنت قرطة في يوم صائف، جلس وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، وجعل يبكي فقالت له فاختة: أنت بالامس تطعن عليه واليوم تبكي عليه، فقال: ويحك إنما أبكي لما فقد الناس من حلمه وعلمه وفضله وسوابقه وخيره.
وذكر ابن أبي الدنيا - في كتاب مكائد الشيطان - أن رجلا من أهل الشام من أمراء معاوية غضب ذات ليلة على ابنه فأخرجه من منزله، فخرج الغلام لا يدري أين يذهب، فجلس وراء الباب من خارج فنام ساعة ثم استيقظ وبابه يخمشه هر أسود بري، فخرج إليه الهر الذي في
منزلهم فقال له البري: ويحك ! افتح فقال: لا أستطيع، فقال: ويحكم ائتني بشئ أتبلغ به فإني جائع وأنا تعبان، هذا أوان مجيئي من الكوفة، وقد حدث الليلة حدث عظيم، قتل علي بن أبي طالب، قال: فقال له الهر الاهلي: والله إنه ليس ها هنا شئ إلا وقد ذكروا اسم الله عليه، غير سفود كانوا يشوون عليه اللحم، فقال: ائتني به، فجاء به فجعل يلحسه حتى أخذ حاجته وانصرف، وذلك بمرأى من الغلام ومسمع، فقام إلى الباب فطرقه فخرج إليه أبوه فقال: من ؟ فقال له: افتح، فقال: ويحك مالك ؟ فقال: افتح، ففتح فقص عليه خبر ما رأى، فقال له: ويحك أمنام هذا ؟ قال: لا والله، قال: ويحك ! أفأصابك جنون بعدي ؟ قال لا والله، ولكن الامر كما وصفت لك، فاذهب إلى معاوية الآن فاتخذ عنده بما قلت لك، فذهب الرجل فاستأذن على معاوية فأخبره خبر ما ذكر له ولده.
فأرخوا ذلك عندهم قبل مجئ البرد، ولما جاءت البرد وجدوا ما أخبروهم به مطابقا لما كان أخبر به أبو الغلام، هذا ملخص ما ذكره.
وقال أبو القاسم: ثنا علي بن الجعد ثنا زهير بن معاوية عن أبي إسحاق عن عمرو بن الاصم قال: قلت للحسين بن علي: إن هذه الشيعة يزعمون أن عليا مبعوث قبل يوم القيامة، فقال: كذبوا والله ما هؤلاء بالشيعة، لو علمنا أنه مبعوث ما زوجنا نساءه ولا قسمنا ماله.
ورواه أسباط بن محمد عن مطرف عن إسحاق عن عمرو بن الاصم عن الحسن بن علي بنحوه.
خلافة الحسن بن علي رضي الله عنه قد ذكرنا أن عليا رضي الله عنه لما ضربه ابن ملجم قالوا له: استخلف يا أمير المؤمنين فقال لا ولكن أدعكم كما ترككم رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني بغير استخلاف - فإن يرد الله بكم خيرا يجمعكم

(8/15)


على خيركم كما جمعكم على خيركم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما توفي وصلى عليه ابنه الحسن - لانه أكبر بنيه رضي الله عنهم - ودفن كما ذكرنا بدار الامارة على الصحيح من أقوال الناس، فلما فرغ من شأنه كان أول من تقدم إلى الحسن بن علي رضي الله عنه قيس بن سعد بن عبادة فقال له.
ابسط يدك أبايعك على كتاب الله وسنة نبيه، فسكت الحسن فبايعه ثم بايعه الناس بعده، وكان
ذلك يوم مات علي، وكان موته يوم ضرب على قول وهو يوم الجمعة السابع عشر من رمضان سنة أربعين، وقيل إنما مات بعد الطعنة بيومين، وقيل مات في العشر الاخير من رمضان، ومن يومئذ ولي الحسن بن علي، وكان قيس بن سعد على إمرة أذربيجان، تحت يده أربعون ألف مقاتل، قد بايعوا عليا على الموت، فلما مات علي ألح قيس بن سعد على الحسن في النفير لقتال أهل الشام، فعزل قيسا عن إمرة أذربيجان، وولى عبيد الله بن عباس عليها، ولم يكن في نية الحسن أن يقاتل أحدا، ولكن غلبوه على رأيه، فاجتمعوا اجتماعا عظيما لم يسمع بمثله، فأمر الحسن بن علي قيس بن سعد بن عبادة على المقدمة في اثني عشر ألفا (1) بين يديه، وسار هو بالجيوش في أثره قاصدا بلاد الشام، ليقاتل معاوية وأهل الشام فلما اجتاز بالمدائن (2) نزلها وقدم المقدمة بين يديه، فبينما هو في المدائن معسكرا بظاهرها، إذ صرخ في الناس صارخ: ألا إن قيس بن سعد بن عبادة قد قتل، فثار الناس فانتهبوا أمتعة بعضهم بعضا حتى انتهبوا سرادق الحسن، حتى نازعوه بساطا كان جالسا عليه، وطعنه (3) بعضهم حين ركب طعنة أثبتوه وأشوته فكرههم الحسن كراهية شديدة، وركب فدخل القصر الابيض من المدائن فنزله وهو جريح، وكان عامله على المدائن سعد (4) بن مسعود الثقفي - أخو أبي عبيد صاحب يوم الجسر - فلما استقر الجيش بالقصر قال المختار بن أبي عبيد قبحه الله لعمه سعد (5) بن مسعود: هل لك في الشرف والغنى ؟ قال: ماذا ؟ قال: تأخذ الحسن بن علي فتقيده وتبعثه إلى معاوية، فقال له عمه: قبحكم الله وقبح ما جئت به، أغدر بابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ولما رأى الحسن بن علي تفرق جيشه عليه مقتهم وكتب عند ذلك إلى معاوية بن أبي سفيان - وكان قد ركب في أهل الشام فنزل مسكن - يراوضه على الصلح بينهما، فبعث إليه معاوية عبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة، فقدما عليه الكوفة فبذلا له ما
__________
(1) في فتوح ابن الاعثم 4 / 154: في ألف رجل.
(2) المدائن: كانت رأس الجسر صوب فارس والبلاد المتاخمة لها، وهي بموقعها الجغرافي النقطة الوحيدة التي تحمي الخطوط الثلاث التي تصل كلا من الكوفة والبصرة وفارس بالاخرى، وتقف بقيمتها العسكرية درءا في وجه الاحداث التي تنذر بها ظروف الحرب، واتخذها الحسن مقرا لقيادته العليا ليستقبل عندها نجدات الجيوش
من الاقطار القريبة منه.
(3) في فتوح ابن الاعثم 4 / 155: سنان بن جراح من بني أسد.
وفي الاخبار الطوال ص 217: الجراح بن قبيصة من بني أسد.
(4) كذا بالاصل والطبري 6 / 92 وجمهرة انساب العرب ص 257، وفي الاخبار الطوال: سعيد.
(*)

(8/16)


أراد من الاموال، فاشترط أن يأخذ من بيت مال الكوفة خمسة آلاف ألف درهم، وأن يكون خراج دار أبجرد له، وأن لا يسب علي وهو يسمع، فإذا فعل ذلك نزل عن الامرة لمعاوية، ويحقن الدماء بين المسلمين.
فاصطلحوا على ذلك واجتمعت الكلمة على معاوية على ما سيأتي بيانه وتفصيله، وقد لام الحسين لاخيه الحسن على هذا الرأي فلم يقبل منه، والصواب مع الحسن رضي الله عنه كما سنذكر دليله قريبا.
وبعث الحسن بن علي إلى أمير المقدمة قيس بن سعد أن يسمع ويطيع، فأبى قيس بن سعد من قبول ذلك، وخرج عن طاعتهما جميعا، واعتزل بمن أطاعه ثم راجع الامر فبايع معاوية بعد قريب كما سنذكره.
ثم المشهور أن مبايعة الحسن لمعاوية كانت في سنة أربعين، ولهذا يقال له عام الجماعة، لاجتماع الكلمة فيه على معاوية، والمشهور عند ابن جرير وغيره من علماء السير أن ذلك كان في أوائل سنة إحدى وأربعين كما سنذكره إن شاء الله، وحج بالناس في هذه السنة - أعني سنة أربعين - المغيرة بن شعبة، وزعم ابن جرير فيما رواه عن إسماعيل بن راشد أن المغيرة بن شعبة افتعل كتابا على لسان معاوية ليلي إمرة الحج عامئذ، وبادر إلى ذلك عتبة بن أبي سفيان، وكان معه كتاب من أخيه بأمرة الحج، فتعجل المغيرة فوقف بالناس يوم الثامن ليسبق عتبة إلى الامرة.
وهذا الذي نقله ابن جرير لا يقبل، ولا يظن بالمغيرة رضي الله عنه ذلك، وإنما نبهنا على ذلك ليعلم أنه باطل، فإن الصحابة أجل قدرا من هذا، ولكن هذه نزعة شيعية.
قال ابن جرير: وفي هذه السنة بويع لمعاوية بايلياء - يعني لما مات علي - قام أهل الشام فبايعوا معاوية على إمرة المؤمنين لانه لم يبق له عندهم منازع، فعند ذلك أقام أهل العراق الحسن بن علي رضي الله عنه ليمانعوا به أهل الشام فلم يتم لهم ما أرادوه وما حاولوه، وإنما كان
خذلانهم من قبل تدبيرهم وآرائهم المختلفة المخالفة لامرائهم، ولو كانوا يعلمون لعظموا ما أنعم الله به عليهم من مبايعتهم ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيد المسلمين، وأحد علماء الصحابة وحلمائهم وذوي آرائهم.
والدليل على أنه أحد الخلفاء الراشدين الحديث الذي أوردناه في دلائل النبوة من طريق سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا " (1) وإنما كملت الثلاثون بخلافة الحسن بن علي، فإنه نزل عن الخلافة لمعاوية في ربيع الاول من سنة إحدى وأربعين، وذلك كمال ثلاثين سنة من موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه توفي في ربيع الاول سنة إحدى عشرة من الهجرة، وهذا من دلائل النبوة صلوات الله وسلامه عليه وسلم تسليما.
وقد مدحه رسول الله صلى الله عليه وسلم على صنيعه هذا وهو تركه الدنيا الفانية، ورغبته في الآخرة الباقية، وحقنه دماء هذه الامة، فنزل عن الخلافة وجعل الملك بيد معاوية حتى تجتمع الكلمة على أمير واحد.
وهذا المدح قد ذكرناه وسنورده في حديث أبي بكرة الثقفي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد المنبر يوما وجلس الحسن بن علي إلى جانبه، فجعل ينظر إلى الناس مرة وإليه أخرى ثم قال:
__________
(1) رواه الامام أحمد في مسنده 5 / 220، ومن طريق أبي بكرة رواه أبو داود في السنة 4 / 211 والترمذي في الفتن 4 / 503 والامام أحمد 4 / 273.
(*)

(8/17)


" أيها الناس إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين " (1) رواه البخاري.
سنة إحدى وأربعين قال ابن جرير: فيها سلم الحسن بن علي الامر لمعاوية بن أبي سفيان.
ثم روى عن الزهري أنه قال: لما بايع أهل العراق الحسن بن علي طفق يشترط عليهم أنهم سامعون مطيعون مسالمون [ من سالمت ] محاربون [ من حاربت ] فارتاب به أهل العراق وقالوا: ما هذا لكم بصاحب ؟ فما كان عن قريب حتى طعنوه فأشووه فازداد لهم بغضا وازداد منهم ذعرا (2)، فعند ذلك عرف تفرقهم واختلافهم عليه وكتب إلى معاوية يسالمه ويراسله في الصلح بينه وبينه على ما يختاران.
وقال
البخاري في كتاب الصلح: حدثنا عبد الله بن محمد ثنا سفيان عن أبي موسى.
قال: سمعت الحسن يقول: " استقبل والله الحسن بن علي معاوية بن أبي سفيان بكتائب أمثال الجبال فقال عمرو بن العاص: إني لارى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها، فقال معاوية - وكان والله خير الرجلين -: إن قتل هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء من لي بأمور الناس ؟ من لي بضعفتهم ؟ من لي بنسائهم، فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس - عبد الرحمن بن سمرة، وعبد الله بن عامر - قال: اذهبا إلى هذا الرجل فأعرضا عليه وقولا له واطلبا إليه، فأتياه فدخلا عليه فتكلما وقالا له وطلبا إليه، فقال لهما الحسن بن علي: إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال، وإن هذه الامة قد عاثت في دمائها، قالا: فإنه يعرض عليك كذا وكذا، ويطلب إليك ويسالمك.
قال: فمن لي بهذا ؟ قالا: نحن لك به، فما سألهما شيئا إلا قالا: نحن لك به، فصالحه " (3)،
__________
(1) رواه الامام أحمد في مسنده 5 / 49.
والبخاري في كتاب الصلح.
باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: إن ابني هذا سيد...3 / 244 الطبعة الاميرية.
وأعاده في علامات النبوة في كتاب المناقب.
ورواه المسعودي في مروج الذهب 2 / 478.
(2) ما بين معكوفتين من الطبري 6 / 93.
وقال غيره ان خطبته كانت بعد وصوله إلى المدائن فتوح ابن الاعثم 4 / 154.
والاخبار الطوال ص 216.
(3) صورة معاهدة الصلح التي وقعها الفريقان.
وقد أخذناها من مصادرها حرفيا: المادة الاولى: تسليم الامر إلى معاوية، على أن يعمل بكتاب الله وسنة رسوله [ المدائني فيما رواه عنه ابن أبي الحديد في شرح النهج ج 4 / 8 ] وبسيرة الخلفاء الصالحين [ فتح الباري فيما رواه ابن عقيل في النصائح الكافية ص 156 ط 1 ].
المادة الثانية: أن يكون الامر للحسن من بعده [ تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 194 والاصابة 2 / 12 و 13 الامامة والسياسة ص 150 دائرة معارف وجدي 3 / 443 ] وليس لمعاوية أن يعهد به إلى أحد [ المدائني فيما يرويه عنه ابن أبي الحديد ج 4 / 8 والفصول المهمة لابن الصباغ وغيرهما ].
المادة الثالثة: أن يترك سب أمير المؤمنين والقنوت عليه بالصلاة وأن لا يذكر عليا إلا بخير [ الاصفهاني مقاتل = (*)

(8/18)


قال الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول: " إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ".
قال البخاري: قال لي علي بن المديني: إنما ثبت عندنا سماع الحسن بن أبي بكرة بهذا الحديث (1).
قلت: وقد روى هذا الحديث البخاري في كتاب الفتن عن علي بن عبد الله - وهو ابن المديني - وفي فضائل الحسن عن صدقة بن الفضل ثلاثتهم عن سفيان.
ورواه أحمد عن سفيان - وهو ابن عيينة - عن إسرائيل بن موسى البصري به.
ورواه أيضا في دلائل النبوة عن عبد الله بن محمد - وهو ابن أبي شيبة - ويحيى بن آدم كلاهما عن حسين بن علي الجعفي عن إسرائيل عن الحسن وهو البصري به.
وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي من حديث حماد بن زيد عن علي بن زيد عن الحسن البصري به.
ورواه أبو داود أيضا والترمذي من طريق أشعث عن الحسن به.
وقال الترمذي: حسن صحيح.
وقد رواه النسائي من طريق عرف الاعرابي وغيره عن الحسن البصري مرسلا.
وقال أحمد: حدثنا عبد الرزاق أنا معمر أخبرني من سمع الحسن يحدث عن أبي بكرة قال: " كان النبي صلى الله عليه وسلم يحدثنا يوما والحسن بن علي في حجره فيقبل على أصحابه فيحدثهم ثم يقبل عل الحسن فيقبله ثم قال: " إن ابني هذا سيد إن يعش يصلح بين طائفتين من المسلمين " قال الحافظ ابن عساكر: كذا رواه معمر ولم يسم الذي حدثه به عن الحسن، وقد رواه جماعة عن الحسن منهم أبو موسى إسرائيل، ويونس بن عبيد، ومنصور بن زاذان، وعلي بن زيد، وهشام بن حسان، وأشعث بن سوار، والمبارك بن فضالة، وعمرو بن عبيد القدري.
ثم شرع ابن عساكر في تطريق هذه الروايات كلها فأفاد وأجاد قلت: والظاهر أن معمرا رواه عن عمرو بن عبيد فلم يفصح باسمه.
وقد رواه محمد بن إسحاق بن يسار عنه وسماه، ورواه أحمد بن هاشم عن مبارك بن فضالة عن الحسن بن أبي بكرة فذكر الحديث قال الحسن: فوالله والله بعد أن يولى لم يهراق في خلافته ملء محجمة بدم، قال شيخنا أبو الحجاج المزي في أطرافه: وقد رواه بعضهم عن الحسن عن أم سلمة.
وقد روي هذا الحديث من طريق
__________
= الطالبيين ص 26 شرح النهج ص 4 / 15 وقال آخرون أنه أجابه على أن لا يشتم عليا وهو يسمع، وقال ابن الاثير: ثم لم يف به أيضا ].
المادة الرابعة: يسلم ما في بيت مال الكوفة خمسة آلاف ألف للحسن، وله خراج دار ابجرد [ الطبري 6 / 92 الامامة والسياسة ص 200 وفي الاخبار الطوال ص 218: أن يحمل لاخيه الحسين في كل عام ألفي ألف، ويفضل بني هاشم في العطاء والصلات على بني عبد شمس ].
المادة الخامسة: أن لا يأخذ أحدا من أهل العراق بإجنة، وأن يؤمن الاسود والاحمر ويحتمل ما يكون من هفواتهم [ الدينوري في الاخبار الطوال ص 218 ] وعلى أن الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله في شامهم وعراقهم وتهامهم وحجازهم [ فتوح ابن الاعثم 4 / 160 ].
(1) انظر حاشية 1 ص 18.
(*)

(8/19)


جابر بن عبد الله الانصاري رضي الله عنه، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للحسن: " إن ابني هذا سيد يصلح الله به بين فئتين من المسلمين ".
وكذا رواه عبد الرحمن بن معمر عن الاعمش به.
وقال أبو يعلى: ثنا أبو بكر ثنا زيد بن الحباب، ثنا محمد بن صالح التمار المدني، ثنا محمد بن مسلم بن أبي مريم، عن سعيد بن أبي سعيد المدني قال: كنا مع أبي هريرة إذ جاء الحسن بن علي قد سلم علينا قال: فتبعه [ فلحقه ] وقال: وعليك السلام يا سيدي، وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إنه سيد " وقال أبو الحسن علي بن المديني: كان تسليم الحسن الامر لمعاوية في الخامس من ربيع الاول سنة إحدى وأربعين، وقال غيره: في ربيع الآخر.
ويقال في غرة جمادى الاولى فالله أعلم.
قال: وحينئذ دخل معاوية إلى الكوفة فخطب الناس بها بعد البيعة.
وذكر ابن جرير أن عمرو بن العاص أشار على معاوية أن يأمر الحسن بن علي أن يخطب الناس ويعلمهم بنزوله عن الامر لمعاوية، فأمر معاوية الحسن فقام في الناس خطيبا فقال في خطبته بعد حمد الله والثناء عليه والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم: أما بعد أيها الناس ! فإن الله هداكم بأولنا وحقن دماءكم بآخرنا، وإن لهذا الامر مدة، والدنيا دول، وإن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: * (وإن أدرى لعله فتنة لكم ومتاع
إلى حين) * (1)، فلما قالها غضب معاوية وأمره بالجلوس، وعتب على عمرو بن العاص في إشارته بذلك، ولم يزل في نفسه لذلك والله أعلم.
فأما الحديث الذي قال أبو عيسى الترمذي في جامعه: حدثنا محمد بن غيلان، ثنا أبو داود الطيالسي ثنا القاسم بن الفضل الحداني، عن يوسف بن سعد قال: قام رجل إلى الحسن بن علي بعد ما بايع معاوية فقال: سودت وجوه المؤمنين - أو يا مسود وجوه المؤمنين - فقال: لا تؤنبني رحمك الله، فإن النبي صلى الله عليه وسلم رأي بني أمية على منبره فساءه ذلك فنزلت: * (إنا أعطيناك الكوثر) * [ الكوثر: 1 ] يا محمد - يعني نهرا في الجنة - ونزلت: * (إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر) * [ القدر: 1 - 3 ] يملكها بعدك بنو أمية يا محمد، قال الفضل (2): فعددنا فإذا هي ألف شهر لا تزيد يوما ولا تنقص (3).
ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث القاسم بن الفضل وهو ثقة وثقه يحيى القطان وابن مهدي، قال: وشيخه يوسف بن سعد، ويقال يوسف بن ماذن - رجل مجهول - قال: ولا يعرف هذا الحديث على هذا اللفظ إلا من هذا الوجه، فإنه حديث غريب بل منكر جدا، وقد تكلمنا عليه في كتاب التفسير بما فيه كفاية وبينا
__________
(1) سورة الانبياء الآية 111 وفي فتوح ابن الاعثم 4 / 163 باختلاف يسير.
وانظر الخطبة في الطبري 6 / 93 الكامل 3 / 407 الامامة والسياسة ص 163.
(2) في الترمذي: قال القاسم.
(3) أخرجه الترمذي في التفسير - 86 باب ح 3350 ص 5 / 444 وروى جزءا منه ابن الاثير في الكامل: 3 / 407.
قال الالوسي في تفسير روح المعاني 9 / 422: وقد سمعت ما يدل على أن الالف إشارة إلى ملك بني أمية وكان على ما قال القاسم بن الفضل ألف شهر لا يزيد يوم ولا ينقص يوم.
(*)

(8/20)


وجه نكارته، وناقشنا القاسم بن الفضل فيما ذكره، فمن أراد ذلك فليراجع التفسير والله أعلم.
وقال الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي: ثنا إبراهيم بن مخلد بن جعفر، ثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم الحكمي، ثنا عباس بن محمد، ثنا أسود بن عامر، ثنا زهير بن معاوية، ثنا أبو روق
الهمداني، ثنا أبو العريف قال: كنا في مقدمة الحسن بن علي اثنا عشر ألفا بمسكن (1)، مستميتين من الجد على قتال أهل الشام، وعلينا أبو الغمر طه فلما جاءنا بصلح الحسن بن علي كأنما كسرت ظهورنا من الغيظ، فلما قدم الحسن بن علي الكوفة قال له رجل منا يقال له أبو عامر سعيد بن النتل (2): السلام عليك يا مذل المؤمنين فقال: لا تقل هذا يا عامر ! لست بمذل المؤمنين ولكني كرهت أن أقتلهم على الملك.
ولما تسلم معاوية البلاد ودخل الكوفة وخطب بها واجتمعت عليه الكلمة في سائر الاقاليم والآفاق، ورجع إليه قيس بن سعد أحد دهاة العرب - وقد كان عزم على الشقاق - وحصل على بيعة معاوية عامئذ الاجماع والاتفاق، ترحل الحسن بن علي ومعه أخوه الحسين وبقية إخوتهم وابن عمهم عبد الله بن جعفر من أرض العراق إلى أرض المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وجعل كلما مر بحي من شيعتهم يبكتونه على ما صنع من نزوله عن الامر لمعاوية، وهو في ذلك هو البار الراشد الممدوح، وليس يجد في صدره حرجا ولا تلوما ولا ندما، بل هو راض بذلك مستبشر به، وإن كان قد ساء هذا خلقا من ذويه وأهله وشيعتهم، ولا سيما بعد ذلك بمدد وهلم جرا إلى يومنا هذا.
والحق في ذلك اتباع السنة ومدحه فيما حقن به دماء الامة، كما مدحه على ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم في الحديث الصحيح ولله الحمد والمنة.
وسيأتي فضائل الحسن عند ذكر وفاته رضي الله عنه وأرضاه، وجعل جنات الفردوس متقلبه ومثواه، وقد فعل.
وقال محمد بن سعد: أنا أبو نعيم ثنا شريك عن عاصم عن أبي رزين.
قال: خطبنا الحسن بن علي يوم جمعة فقرأ سورة إبراهيم على المنبر حتى ختمها.
وروى ابن عساكر عن الحسن أنه كان يقرأ كل ليلة سورة الكهف في لوح مكتوب يدور معه حيث دار من بيوت أزواجه قبل أن ينام وهو في الفراش رضي الله عنه.
معاوية بن أبي سفيان وملكه قد تقدم في الحديث أن الخلافة بعده عليه السلام ثلاثون سنة، ثم تكون ملكا، وقد انقضت الثلاثون بخلافة الحسن بن علي، فأيام معاوية أول الملك، فهو أول ملوك الاسلام وخيارهم.
قال الطبراني: حدثنا علي بن عبد العزيز، ثنا أحمد بن يونس، ثنا الفضيل بن
__________
(1) مسكن: بفتح أوله واسكان ثانيه وكسر ثالثه، الموضع الذي التقى الجمعان به، بينها وبين بغداد عشرة فراسخ كان في أراضيها مواطن معمورة بالمزارع والسكان وقرى مشهورة كثيرة منها أوانا وعكبرا والعلث، وموقعها اليوم لا يعدو هذه السهول الواقعة بين قرية سميكة وقرية بلد دون سامراء.
(2) في الاخبار الطوال ص 220: سفيان بن ليلى، وفي فتوح ابن الاعثم: 4 / 166: سفيان بن الليل البهمي.
(*)

(8/21)


عياض.
عن ليث، عن عبد الرحمن بن سابط، عن أبي ثعلبة الخشني، عن معاذ بن جبل وأبي عبيدة قالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن هذا الامر بدا رحمة ونبوة، ثم يكون رحمة وخلافة، ثم كائن ملكا عضوضا، ثم كائن عتوا وجبرية وفسادا في الارض، يستحلون الحرير والفروج والخمور ويرزقون على ذلك وينصرون حتى يلقوا الله عزوجل " (1) إسناده جيد.
وقد ذكرنا في دلائل النبوة الحديث الوارد من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر وفيه ضعف عن عبد الملك بن عمير قال قال معاوية: والله ما حملني على الخلافة إلا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لي: " يا معاوية إن ملكت فأحسن ".
رواه البيهقي عن الحاكم عن الاصم عن العباس بن محمد عن محمد بن سابق، عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن إسماعيل، ثم قال البيهقي: وله شواهد من وجوه أخر، منها حديث عمرو بن يحيى بن سعيد بن العاص، عن جده سعيد أن معاوية أخذ الاداوة فتبع رسول الله فنظر إليه فقال له: " يا معاوية إن وليت أمرا فاتق الله واعدل " قال معاوية: فما زلت أظن أني مبتلى بعمل لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (2) ومنها حديث راشد بن سعد عن معاوية قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم " (3) قال أبو الدرداء: كلمة سمعها معاوية من رسول الله صلى الله عليه وسلم فنفعه الله بها.
ثم روى البيهقي من طريق هشيم عن العوام بن حوشب، عن سليمان بن أبي سليمان، عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الخلافة بالمدينة، والملك بالشام " غريب جدا، وروي من طريق أبي إدريس، عن أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بينا أنا نائم رأيت الكتاب احتمل من تحت رأسي، فظننت أنه مذهوب به، فأتبعته بصري فعمد به إلى الشام، وإن الايمان حين تقع الفتنة بالشام ".
وقد رواه سعيد بن
عبد العزيز، عن عطية بن قيس، عن يونس بن ميسرة عن عبد الله بن عمرو.
ورواه الوليد بن مسلم عن عفير بن معدان، عن سليمان (4) عن عامر بن أبي أمامة.
وروى يعقوب بن سفيان، عن نصر بن محمد بن سليمان السلمي الحمصي، عن أبيه عن عبد الله بن قيس، سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رأيت عمودا من نور خرج من تحت رأسي ساطعا حتى استقر بالشام ".
وقال عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، عن عبد الله بن صفوان قال قال رجل يوم صفين: اللهم العن أهل الشام، فقال له علي: لا تسب أهل الشام فإن بها الابدال فإن بها الابدال فإن بها الابدال.
وقد روى هذا الحديث من وجه آخر مرفوعا (5).
__________
(1) رواه البيهقي في الدلائل عن أبي داود الطيالسي عن جرير بن حازم عن ليث.
6 / 340.
(2) أخرجه الامام أحمد في المسند 4 / 101.
(3) أخرجه أبو داود في كتاب الادب ح 4888 ص 4 / 272.
(4) في الدلائل 6 / 448: سليم بن عامر.
(5) انظر دلائل البيهقي - باب ما جاء في إخباره بملك معاوية بن أبي سفيان ج 6 / 446 - 447 قال الذهبي في سير أعلام النبلاء: في مسند أحمد جملة من الاحاديث الضعيفة مما يسوغ نقلها ولا يجب الاحتجاج بها وقد شغلت (*)

(8/22)


فضل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه هو معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي أبو عبد الرحمن القرشي الاموي، خال المؤمنين، وكاتب وحي رب العالمين، أسلم هو وأبوه وأمه هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس يوم الفتح.
وقد روي عن معاوية أنه قال: أسلمت يوم عمرة القضاء ولكني كتمت إسلامي من أبي إلى يوم الفتح، وقد كان أبوه من سادات قريش في الجاهلية، وآلت إليه رياسة قريش بعد يوم بدر، فكان هو أمير الحروب من ذلك الجانب، وكان رئيسا مطاعا ذا مال جزيل، ولما أسلم قال: يا رسول الله مرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين.
قال: " نعم، قال ومعاوية تجعله كاتبا بين يديك، قال: نعم " ثم سأل أن يزوج
رسول الله صلى الله عليه وسلم بابنته، وهي عزة بنت أبي سفيان واستعان على ذلك بأختها أم حبيبة، فلم يقع ذلك، وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ذلك لا يحل له.
وقد تكلمنا على هذا الحديث في غير موضع، وأفردنا له مصنفا على حدة ولله الحمد والمنة.
والمقصود أن معاوية كان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع غيره من كتاب الوحي رضي الله عنهم.
ولما فتحت الشام ولاه عمر نيابة دمشق بعد أخيه يزيد بن أبي سفيان، وأقره على ذلك عثمان بن عفان وزاده بلادا أخرى، وهو الذي بنى القبة الخضراء بدمشق وسكنها أربعين سنة، قاله الحافظ ابن عساكر.
ولما ولي علي بن أبي طالب الخلافة أشار عليه كثير من أمرائه ممن باشر قتل عثمان أن يعزل معاوية عن الشام ويولي عليها سهل بن حنيف فعزله فلم ينتظم عزله والتف عليه جماعة من أهل الشام ومانع عليا عنها وقد قال: لا أبايعه حتى يسلمني قتلة عثمان فإنه قتل مظلوما، وقد قال الله تعالى: * (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا) * [ الاسراء: 33 ].
وروى الطبراني عن ابن عباس أنه قال: ما زلت موقنا أن معاوية يلي الملك من هذه الآية.
أوردنا سنده ومتنه عند تفسير هذه الآية.
فلما امتنع معاوية من البيعة لعلي حتى يسلمه القتلة، كان من صفين ما قدمنا ذكره، ثم آل الامر إلى التحكيم، فكان من أمر عمرو بن العاص وأبي موسى ما أسلفناه من قوة جانب أهل الشام في الصعدة الظاهرة، واستفحل أمر معاوية، ولم يزل أمر علي في اختلاف مع أصحابه حتى قتله ابن ملجم كما تقدم، فعند ذلك بايع أهل العراق الحسن بن علي، وبايع أهل الشام لمعاوية بن أبي سفيان.
ثم ركب الحسن في جنود العراق عن غير إرادة منه، وركب معاوية في أهل الشام.
فلما تواجه الجيشان وتقابل الفريقان سعى الناس بينهما في الصلح فانتهى الحال إلى أن خلع الحسن نفسه من الخلافة وسلم الملك إلى معاوية بن أبي سفيان، وكان ذلك في ربيع الاول من هذه السنة - أعني سنة إحدى وأربعين - ودخل معاوية إلى الكوفة فخطب الناس بها خطبة بليغة بعد ما بايعه الناس - واستوثقت
__________
= مسألة الابدال كثيرا من العلماء وللتوسع انظر المقاصد الحسنة للسخاوي.
والحاوي للفتاوى للسيوطي، واللالئ المصنوعة.
(*)

(8/23)


له الممالك شرقا وغربا، وبعدا وقربا، وسمي هذا العام عام الجامعة لاجتماع الكلمة فيه على أمير واحد بعد الفرقة، فولى معاوية قضاء الشام لفضالة بن عبيد (1)، ثم بعده لابي إدريس الخولاني.
وكان على شرطته قيس بن حمزة، وكان كاتبه وصاحب أمره سرحون بن منصور الرومي، ويقال إنه أول من اتخذ الحرس وأول من حزم الكتب وختمها، وكان أول الاحداث في دولته رضي الله عنه.
خروج طائفة من الخوارج عليه وكان سبب ذلك أن معاوية لما دخل الكوفة وخرج الحسن وأهله منها قاصدين إلى الحجاز، قالت فرقة من الخوارج - نحو من خمسمائة -: جاء مالا يشك فيه فسيروا إلى معاوية فجاهدوه، فساروا حتى قربوا من الكوفة وعليهم فروة بن نوفل، فبعث إليهم معاوية خيلا من أهل الشام فطردوا الشاميين، فقال معاوية: لا أمان لكم عندي حتى تكفوا بوائقكم، فخرجوا إلى الخوارج فقالت لهم الخوارج: ويلكم ما تبغون ؟ أليس معاوية عدوكم وعدونا ؟ فدعونا حتى نقاتله فإن أصبناه كنا قد كفيناكموه، وإن أصبنا كنتم قد كفيتمونا.
فقالوا: لا والله حتى نقاتلكم، فقالت الخوارج: يرحم الله إخواننا من أهل النهروان كانوا أعلم بكم يا أهل الكوفة، فاقتتلوا فهزمهم أهل الكوفة وطردوهم، ثم إن معاوية أراد أن يستخلف على الكوفة عبد الله بن عمرو بن العاص فقال له المغيرة بن شعبة: توليه الكوفة وأباه مصر وتبقى أنت بين لحيي (2) الاسد ؟ فثناه عن ذلك وولى عليها المغيرة بن شعبة، فاجتمع عمرو بن العاص بمعاوية فقال: اتجعل المغيرة على الخراج ؟ هلا وليت الخراج رجلا آخر ؟ فعزله عن الخراج وولاه على الصلاة، فقال المغيرة لعمرو في ذلك، فقال له: ألست المشير على أمير المؤمنين في عبد الله بن عمرو ؟ قال: بلى ! قال: فهذه بتلك.
وفي هذه السنة وثب حمران بن أبان على البصرة فأخذها وتغلب عليها، فبعث معاوية جيشا ليقتلوه ومن معه (3)، فجاء أبو بكرة الثقفي إلى معاوية فسأله في الصفح والعفو، فعفى عنهم وأطلقهم وولى على البصرة بسر بن أبي أرطاة، فتسلط على أولاد رياد يريد قتلهم، وذلك أن معاوية كتب إلى أبيهم ليحضر إليه فلبث، فكتب إليه بسر: لئن لم تسرع إلى أمير المؤمنين وإلا قتلت بنيك (4)،
فبعث أبو بكرة إلى معاوية في ذلك.
وقد قال معاوية لابي بكرة: هل من عهد تعهده إلينا ؟ قال:
__________
(1) قال في الاستيعاب 3 / 197 هامش الاصابة: ولاه على قضاء دمشق يوم خروجه إلى صفين.
(2) كذا بالاصل والطبري، وفي الكامل 3 / 412: نابي الاسد.
(3) في الطبري 6 / 96 والكامل 3 / 414: بعث بسر بن أبي أرطأة، وفي فتوح ابن الاعثم 4 / 168: عمرو بن أبي أرطأة.
(4) وقد أخذ بسر الاكابر منهم: عبد الرحمن وعبيد الله وعباد.
وقال في مروج الذهب 3 / 7: أخذ ولديه عبيد الله وسالما.
(*)

(8/24)


نعم ! أعهد إليك يا أمير المؤمنين أن تنظر لنفسك ورعيتك وتعمل صالحا فإنك قد تقلدت عظيما، خلافة الله في خلقه، فاتق الله فإن لك غاية لا تعدوها، ومن ورائك طالب حثيث وأوشك أن يبلغ المدى فيلحق الطالب، فتصير إلى من يسألك عما كنت فيه، وهو أعلم به منك، وإنما هي محاسبة وتوقيف، فلا تؤثرن على رضا الله شيئا.
ثم ولى معاوية في آخر هذه السنة البصرة لعبد الله بن عامر، وذلك أن معاوية أراد أن يوليها لعتبة بن أبي سفيان فقال له ابن عامر: إن لي بها أموالا وودائع، وإن لم تولينها هلكت، فولاه إياها وأجابه إلى سؤاله في ذلك.
قال أبو معشر: وحج بالناس في هذه السنة عتبة بن أبي سفيان، وقال الواقدي: إنما حج بهم عنبسة بن أبي سفيان فالله أعلم.
من أعيان من توفي هذا العام رفاعة بن رافع بن مالك بن العجلان شهد العقبة وبدرا وما بعد ذلك.
ركانة بن عبد العزيز ابن هشام بن عبد المطلب القرشي، وهو الذي صارعه النبي صلى الله عليه وسلم فصرعه، وكان هذا من أشد الرجال، وكان غلب رسول الله صلى الله عليه وسلم له من المعجزات كما قدمنا في دلائل النبوة، أسلم عام الفتح، وقيل قبل ذلك بمكة فالله أعلم.
صفوان بن أمية ابن خلف بن وهب بن حذافة بن (1) وهب القرشي، أحد الرؤساء تقدم أنه هرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح، ثم جاء فأسلم وحسن إسلامه، وكان الذي استأمن له عمير بن وهب الجمحي.
وكان صاحبه وصديقه في الجاهلية كما تقدم، وقدم به في وقت صلاة العصر فاستأمن له فأمنه رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أشهر، واستعار منه أدرعا وسلاحا ومالا.
وحضر صفوان حنينا مشركا، ثم أسلم ودخل الايمان قلبه، فكان من سادات المسلمين كما كان من سادات الجاهلية.
قال الواقدي: ثم لم يزل مقيما بمكة حتى توفي بها في أول خلافة معاوية (2).
عثمان بن طلحة ابن أبي طلحة بن عبد العزى بن عبد الدار العبدري الحجبي، أسلم هو وخالد بن الوليد
__________
(1) في الاصابة 2 / 187: ابن جمح أبو وهب جمحي.
وكذلك في الاستيعاب 2 / 183 هامش الاصابة.
(2) في الاستيعاب: مات سنة اثنتين وأربعين وهو ما قاله ابن الاثير في الكامل، 3 / 424، وقال في الاصابة: مات بمكة في آخر خلافة عثمان.
(*)

(8/25)


وعمرو بن العاص في أول سنة ثمان قبل الفتح.
وقد روى الواقدي حديثا طويلا عنه في صفة إسلامه، وهو الذي أخذ منه رسول الله مفتاح الكعبة عام الفتح ثم رده إليه وهو يتلو قوله تعالى: * (إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها) * [ النساء: 58 ] وقال له: " خذها يا عثمان خالدة تالدة لا ينتزعها منكم إلا ظالم ".
وكان علي قد طلبها فمنعه من ذلك.
قال الواقدي: نزل المدينة حياة رسول الله، فلما مات نزل بمكة فلم يزل بها حتى مات في أول خلافة معاوية.
عمرو بن الاسود السكوني كان من العباد الزهاد، وكانت له حلة بمائتي درهم يلبسها إذا قام إلى صلاة الليل، وكان إذا خرج إلى المسجد وضع يمينه على شماله مخافة الخيلاء، روى عن معاذ، وعبادة بن الصامت، والعرباض بن سارية وغيرهم، وقال أحمد في الزهد: ثنا أبو اليمان ثنا ابن بكر عن حكيم بن
عمير، وضمرة بن حبيب: قالا: قال عمر بن الخطاب: من سره أن ينظر إلى هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلينظر إلى هدى عمرو بن الاسود.
عاتكة بنت زيد ابن عمرو بن نفيل بن عبد العزى، وهي أخت سعيد بن زيد أحد العشرة، أسلمت وهاجرت وكانت من حسان النساء وعبادهن، تزوجها عبيد الله بن أبي بكر فتتيم بها، فلما قتل في غزوة الطائف آلت أن لا تزوج بعده، فبعث إليها عمر بن الخطاب - وهو ابن عمها - فتزوجها، فلما قتل عنها خلف بعده عليها الزبير بن العوام، فقتل بوادي السباع، فبعث إليها علي بن أبي طالب يخطبها فقالت: إني أخشى عليك أن تقتل، فأبت أن تتزوجه ولو تزوجته لقتل عنها أيضا، فإنها لم تزل حتى ماتت في أول خلافة معاوية في هذه السنة رحمها الله.
سنة ثنتين وأربعين فيها غزا المسلمون اللان والروم فقتلوا من أمرائهم وبطارقتهم خلقا كثيرا، وغنموا وسلموا، وفيها ولي معاوية مروان بن الحكم نيابة المدينة، وعلى مكة خالد بن العاص بن هشام، وعلى الكوفة المغيرة بن شعبة، وعلى قضائها شريح القاضي، وعلى البصرة عبد الله بن عامر، وعلى خراسان قيس بن الهيثم من قبل عبد الله بن عامر.
وفي هذه السنة تحركت الخوارج الذين كانوا قد عفى عنهم علي يوم النهروان، وقد عوفي جرحاهم وثابت إليهم قواهم، فلما بلغهم مقتل علي ترحموا على قاتله ابن ملجم وقال قائلهم: لا يقطع الله يدا علت قذال (1) علي بالسيف، وجعلوا يحمدون الله على قتل علي، ثم عزموا على الخروج على الناس وتوافقوا على الامر بالمعروف
__________
(1) القذال: جماع مؤخر الرأس، والخارجي القائل هو سالم بن ربيعة العبسي.
(*)

(8/26)


والنهي عن المنكر فيما يزعمون.
وفي هذه السنة قدم زياد بن أبيه على معاوية - وكان قد امتنع عليه قريبا من سنة في قلعة عرفت به يقال لها قلعة زياد - فكتب إليه معاوية: ما يحملك على أن تهلك نفسك ؟ أقدم علي فأخبرني بما صار إليك من أموال فارس وما صرفت منها وما بقي عندك فائتني به
وأنت آمن، فان شئت أن تقيم عندنا فعلت وإلا ذهبت حيث ما شئت من الارض فأنت آمن.
فعند ذلك أزمع زياد السير إلى معاوية، فبلغ المغيرة قدمه فخشي أن يجتمع بمعاوية قبله، فسار نحو دمشق إلى معاوية فسبقه زياد إلى معاوية بشهر فقال معاوية للمغيرة: ما هذا وهو أبعد منك وأنت جئدت بعده بشهر ؟ فقال: يا أمير المؤمنين إنه ينتظر الزيادة وأنا أنتظر النقصان، فأكرم معاوية زيادا وقبض ما كان معه من الاموال وصدقه فيما صرفه.
سنة ثلاث وأربعين فيها غزا بسر بن أبي أرطاة بلاد الروم فتوغل فيها حتى بلغ مدينة قسطنطينية، وشتى ببلادهم فيما زعمه الواقدي، وأنكر غيره ذلك وقالوا: لم يكن بها مشتى لاحد قط فالله أعلم.
قال ابن جرير: وفيها مات عمرو بن العاص بمصر، ومحمد بن مسلمة، قلت: وسنذكر ترجمة كل منهما في آخرها، فولى معاوية بعد عمرو بن العاص على ديار مصر ولده عبد الله بن عمرو، قال الواقدي: فعمل له عليها سنتين.
وقد كانت في هذه السنة - أعين سنة ثلاث وأربعين - وقعة عظيمة بين الخوارج وجند الكوفة، وذلك أنهم صمموا - كما قدمنا - على الخروج على الناس في هذا الحين، فاجتمعوا في قريب من ثلثمائة عليهم المستورد بن علقمة (1)، فجهز عليهم المغيرة بن شعبة جندا عليهم معقل بن قيس في ثلاثة آلاف، فصار إليهم وقدم بين يديه أبا الرواع (2) في طليعة هي ثلثمائة على عدة الخوارج، فلقيهم أبو الرواع (2) بمكان يقال له المذار (3): فاقتتلوا معهم فهزمهم الخوارج ثم كروا عليهم فهزمتهم الخوارج، ولكن لم يقتل أحد منهم، فلزموا مكانهم في مقاتلتهم ينتظرون قدوم أمير الجيش معقل بن قيس عليهم، فما قدم عليهم إلا في آخر نهار غربت فيه الشمس، فنزل وصلى بأصحابه، ثم شرع في مدح أبي الرواع فقال له: أيها الامير إن لهم شدات منكرة، فكن أنت ردأ الناس، ومر الفرسان فليقاتلوا بين يديك، فقال معقل بن قيس: نعم ما رأيت، فما كان إلا ريثما قال له ذلك حتى حملت الخوارج على معقل وأصحابه، فانجفل عنه عامة أصحابه، فترجل عند ذلك معقل بن قيس وقال: يا معشر المسلمين الارض الارض، فترجل
__________
(1) في ابن الاثير 3 / 421 علفة وفي سائر المراجع علفة بفتح اللام المشددة.
التيمي من تيم الرباب تاريخ الطبري
6 / 100.
(2) في الكامل والطبري: أبو الرواغ الشاكري.
(3) المذار: في ميسان بين واسط والبصرة وهي قصبة ميسان بينها وبين البصرة مقدار أربعة أيام.
(*)

(8/27)


معه جماعة من الفرسان والشجعان قريب من مائتي فارس، منهم أبو الرواع الشاكري، فحمل عليهم المستورد بن علقمة (1) بأصحابه فاستقبلوهم بالرماح والسيوف، ولحق بقية الجيش بعض الفرسان فدمرهم وعيرهم وأنبهم على الفرار فرجع الناس إلى معقل وهو يقاتل الخوارج بمن معه من الانصار قتالا شديدا، والناس يتراجعون في أثناء الليل، فصفهم معقل بن قيس ميمنة وميسرة ورتبهم وقال: لا تبرحوا على مصافكم حتى نصبح فنحمل عليهم، فما أصبحوا حتى هزمت الخوارج فرجعوا من حيث أتوا، فسار معقل في طلبهم وقدم بين يديه أبا الرواع في ستمائة فالتقوا بهم عند طلوع الشمس فثار إليهم الخوارج فتبارزوا ساعة، ثم حملوا حملة رجل واحد فصبر لهم أبو الرواع بمن معه، وجعل يدمرهم ويعيرهم ويؤنبهم على الفرار ويحثهم على الصبر فصبروا وصدقوا في الثبات حتى ردوا الخوارج إلى أماكنهم، فلما رأت الخوارج ذلك خافوا من هجوم معقل عليهم فما يكون دون قتلهم شئ، فهربوا بين أيديهم حتى قطعوا دجلة ووقعوا في أرض نهر شير (2)، وتبعهم أبو الرواع ولحقه معقل بن قيس، ووصلت الخوارج إلى المدينة العتيقة فركب إليهم شريك بن عبيد (3) - نائب المدائن - ولحقهم أبو الرواع بمن معه من المقدمة.
وحج بالناس في هذه السنة مروان بن الحكم نائب المدينة.
وممن توفي بها عمرو بن العاص ومحمد بن مسلمة رضي الله عنهما.
أما عمرو بن العاص [ فهو عمرو بن العاص ] بن وائل بن هشام بن سعد (4) بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي السهمي، أبو عبد الله، ويقال أبو محمد، أحد رؤساء قريش في الجاهلية، وهو الذي أرسلوه إلى النجاشي ليرد عليهم من هاجر من المسلمين إلى بلاده فلم يجبهم إلى ذلك لعدله، ووعظ عمرو بن العاص في ذلك، فيقال إنه أسلم على يديه والصحيح أنه إنما
أسلم قبل الفتح بستة أشهر هو وخالد بن الوليد، وعثمان بن طلحة العبدري.
وكان أحد أمراء الاسلام، وهو أمير ذات السلاسل، وأمده رسول الله صلى الله عليه وسلم بمدد عليهم أبو عبيدة ومعه الصديق وعمر الفاروق، واستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على عمان فلم يزل عليها مدة حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقره عليها الصديق، وقد قال الترمذي: ثنا قتيبة، ثنا ابن لهيعة، ثنا مشرح بن عاهان، عن عقبة بن عامر.
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص " (5) وقال
__________
(1) انظر حاشية 1 ص 27.
(2) في الطبري 6 / 111 والكامل 3 / 430: بهر سير.
(3) في الطبري والكامل: سماك بن عبيد.
(4) في الاصابة 3 / 2 والاستيعاب على هامش الاصابة 2 / 508: ابن هاشم بن سعيد، وفي مروج المسعودي 3 / 28: ابن وائل بن سهم بن سعيد بن سعد.
(5) أخرجه الترمذي في المناقب ح 3844 ص 5 / 687.
(*)

(8/28)


أيضا: ثنا إسحاق بن منصور ثنا أبو أسامة عن نافع عن عمر الجمحي عن ابن أبي مليكة.
قال: قال طلحة بن عبيد الله: سمعت رسول الله يقول: " إن عمرو بن العاص من صالحي قريش " (1) وفي الحديث الآخر: " ابنا العاص مؤمنان " وفي الحديث الآخر: " نعم أهل البيت عبد الله وأبو عبد الله وأم عبد الله ".
رووه في فضائل عمرو بن العاص.
ثم إن الصديق بعثه في جملة من بعث من أمراء الجيش إلى الشام فكان ممن شهد تلك الحروب، وكانت له الآراء السديدة، والمواقف الحميدة، والاحوال السعيدة.
ثم بعثه عمر إلى مصر فافتتحها واستنابه عليها، وأقره فيها عثمان بن عفان أربع سنين ثم عزله كما قدمناه، وولى عليها عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فاعتزل عمرو بفلسطين وبقي في نفسه من عثمان رضي الله عنهما.
فلما قتل سار إلى معاوية فشهد مواقفه كلها بصفين وغيرها، وكان هو أحد الحكمين.
ثم لما أن استرجع معاوية مصر وانتزعها من يد محمد بن أبي بكر، استعمل عمرو بن العاص عليها فلم يزل نائبها إلى أن
مات في هذه السنة على المشهور، وقيل إنه توفي سنة سبع وأربعين، وقيل سنة ثمان وأربعين.
وقيل سنة إحدى وخمسين رحمه الله.
وقد كان معدودا من دعاة العرب وشجعانهم وذوي آرائهم.
وله أمثال حسنة وأشعار جيدة.
وقد روي عنه أنه قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف مثل، ومن شعره: إذا المرء لم يترك طعاما يحبه * ولم ينه قلبا غاويا حيث يمما قضى وطرا منه وغادر سبة * إذا ذكرت أمثالها تملا الفما وقال الامام أحمد: حدثنا علي بن إسحاق ثنا عبد الله - يعني ابن المبارك - أنا ابن لهيعة حدثني يزيد بن أبي حبيب أن عبد الرحمن بن شماسة حدثه قال: لما حضرت عمرو بن العاص الوفاة بكى فقال له ابنه عبد الله: لم تبكي ؟ أجزعا على الموت ؟ فقال: لا والله ولكن مما بعد الموت، فقال له: قد كنت على خير، فجعل يذكره صحبة رسول الله وفتوحه الشام، فقال عمرو: تركت أفضل من ذلك كله شهادة أن لا إله إلا الله، إني كنت على ثلاثة أطباق ليس فيها طبق إلا عرفت نفسي فيه، كنت أول قريش كافرا، وكنت أشد الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلو مت حينئذ وجبت لي النار، فلما بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم كنت أشد الناس حياء منه، فما ملات عيني من رسول الله ولا راجعته فيما أريد حتى لحق بالله حياء، فلو مت يومئذ قال الناس: هنيئا لعمرو أسلم وكان على خير فمات عليه نرجو له الجنة.
ثم تلبست بعد ذلك بالسلطان.
وأشياء فلا أدري علي أم لي، فإذا مت فلا تبكين علي باكية، ولا يتبعني مادح ولا نار، وشدوا علي إزاري فإني مخاصم، وشنوا علي التراب شنا (2)، فإن جنبي الايمن ليس أحق بالتراب من جنبي الايسر، ولا تجعلن في قبري خشبة
__________
(1) المصدر السابق ح 3845.
(2) في المسند 4 / 199: وسنوا علي التراب سنا، وكذا قال القاضي: بالمعجمة والمهملة قال: وهو الصب، وبالمهملة: الصب بسهولة، وبالمعجمة التفريق.
(*)

(8/29)


ولا حجرا، وإذا واريتموني فاقعدوا عندي قدر نحر جزور أستأنس بكم.
وقد روى مسلم هذا
الحديث في صحيحه من حديث يزيد بن أبي حبيب باسناده نحوه وفيه زيادات على هذا السياق، فمنها قوله: كي أستأنس بكم لانظر ماذا أراجع رسل ربي عز وجل (1).
وفي رواية أنه بعد هذا حول وجهه إلى الجدار وجعل يقول: اللهم أمرتنا فعصينا، ونهيتنا فما انتهينا، ولا يسعنا إلا عفوك.
وفي رواية أنه وضع يده على موضع الغل من عنقه ورفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم لا قوي فانتصر، ولا برئ فأعتذر، ولا مستنكر بل مستغفر، لا إله إلا أنت، فلم يزل يرددها حتى مات رضي الله عنه.
وأما محمد بن مسلمة الانصاري [ فقد ] أسلم على يدي مصعب بن عمير قبل أسيد بن حضير وسعد بن معاذ، شهد بدرا وما بعدها إلا تبوك فإنه استخلفه رسول الله على المدينة في قوله، وقيل استخلفه في قرقرة الكدر، وكان فيمن قتل كعب بن الاشرف اليهودي، وقيل إنه الذي قتل مرحبا اليهودي يوم خيبر أيضا.
وقد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم على نحو من خمس عشرة سرية، وكان ممن اعتزل تلك الحروب بالجمل وصفين ونحو ذلك، واتخذ سيفا من خشب.
وقد ورد في حديث قدمناه أنه أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وخرج إلى الربذة.
وكان من سادات الصحابة، وكان هو رسول عمر إلى عماله وهو الذي شاطرهم عن أمره (2)، وله وقائع عظيمة وصيانة وأمانة بليغة، رضي الله عنه، واستعمله على صدقات جهينة، وقيل إنه توفي سنة ست أو سبع وأربعين، وقيل غير ذلك.
وقد جاوز السبعين، وترك بعده عشرة ذكور وست بنات، وكان أسمر شديد السمرة طويلا أصلع رضي الله عنه.
وممن توفي فيها عبد الله بن سلام أبو يوسف الاسرائيلي أحد أحبار اليهود، أسلم حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، قال: لما قدم رسول الله المدينة انجفل الناس إليه فكنت فيمن انجفل إليه، فلما رأيت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه رجل كذاب، فكان أول ما سمعته يقول: " أيها الناس افشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الارحام تدخلوا الجنة بسلام ".
وقد ذكرنا صفة إسلامه أول الهجرة، وماذا سأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الاسئلة النافعة الحسنة، رضي الله عنه.
وهو ممن شهد له رسول الله بالجنة، وهو ممن يقطع له بدخولها.
سنة أربع وأربعين فيها غزا عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بلاد الروم ومعه المسلمون وشتوا هنالك، وفيها غزا
__________
(1) أخرجه أحمد في مسنده 4 / 199 ومسلم في صحيحه في الايمان (54) باب.
ح 192 ص 1 / 112.
(2) تقدم أن عمر أرسله إلى سعد بن أبي وقاص لما بلغه أنه بنى قصرا في الكوفة وجعل عليه بابا وقال انقطع الصوت.
(*)

(8/30)


بسر بن أبي أرطاة في البحر، وفيها عزل معاوية عبد الله بن عامر عن البصرة، وذلك أنه ظهر فيها الفساد وكان لين العريكة سهلا، يقال إنه كان لا يقطع لصا ويريد أن يتألف الناس، فذهب عبد الله بن أبي أوفى المعروف بابن الكوا فشكاه إلى معاوية، فعزل معاوية ابن عامر عن البصرة وبعث إليه الحرث بن عبد الله الازدي، ويقال إن معاوية استدعاه إليه ليزوره فقدم ابن عامر على معاوية دمشق فأكرمه ورده على عمله، فلما ودعه قال له معاوية: ثلاث أسألكهن فقل هي لك وأنا ابن أم حكيم، ترد علي عملي ولا تغضب، قال ابن عامر: قد فعلت، قال معاوية: وتهب لي مالك بعرفة، قال: قد فعلت.
قال: وتهب لي دورك بمكة، قال: قد فعلت.
فقال له معاوية: وصلتك رحما، فقال ابن عامر: يا أمير المؤمنين وإني سائلك ثلاثا فقل هي لك وأنا ابن هند، قال: ترد علي مالي بعرفة، قال: قد فعلت قال ولا تحاسب لي عاملا ولا أميرا، قال: قد فعلت، قال: وتنكحني ابنتك هندا، قال: قد فعلت.
ويقال إن معاوية خيره بين هذه الثلاث وبين الولاية على البصرة فاختار هذه الثلاث واعتزل عن البصرة.
قال ابن جرير: وفي هذه السنة استلحق معاوية زياد بن أبيه فألحقه بأبي سفيان، وذلك أن رجلا (1) شهد على إقرار أبي سفيان أنه عاهر بسمية أم زياد في الجاهلية، وأنها حملت بزياد هذا منه، فلما استلحقه معاوية قيل له زياد بن أبي سفيان، وقد كان الحسن البصري ينكر هذا الاستلحاق ويقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الولد للفراش وللعاهر الحجر " (2).
وقال أحمد: ثا هشيم، ثنا خالد عن أبي عثمان قال: لما ادعى زياد لقيت أبا بكرة فقلت: ما هذا الذي صنعتم ؟ سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: سمعت
أذني رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من ادعى أبا في الاسلام غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام " (3) فقال أبو بكرة: وأنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخرجاه من حديث أبي عثمان عنهما.
قلت: أبو بكرة واسمه نفيع وأمه سمية أيضا.
وحج بالناس في هذه السنة معاوية، وفيها عمل معاوية المقصورة بالشام، ومروان مثلها بالمدينة.
وفي هذه السنة توفيت أم حبيبة بنت أبي سفيان أم المؤمنين، واسمها رملة أخت معاوية، أسلمت قديما وهاجرت هي وزوجها عبد الله بن جحش إلى أرض الحبشة فتنصر هناك زوجها، ثبتت على دينها رضي الله عنها، وحبيبة هي أكبر أولادها منه، ولدتها بالحبشة وقيل بمكة قبل الهجرة، ومات زوجها هنالك لعنه الله وقبحه.
ولما تأيمت من زوجها بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن
__________
(1) في الاخبار الطوال ص 219: شهد أبو مريم السلولي وكان في الجاهلية خمارا بالطائف أن أبا سفيان وقع على سمية بعدما كان الحارث قد أعتقها، وشهد رجل آخر من بني المصطلق اسمه يزيد أنه سمع أبا سفيان يقول: أن زياد من نطفة أقرها في رحم أمه سمية.
(2) أخرجه البخاري في المغازي ح 4303 فتح الباري 8 / 24.
(3) أخرجه أحمد في المسند ج 1 / 169، 5 / 46.
(*)

(8/31)


أمية الضمري إلى النجاشي فزوجها منه، وولى العقد خالد بن سعيد بن العاص، وأصدقها عنه النجاشي أربعمائة دينار وحملها إليه في سنة سبع، ولما جاء أبوها عام الفتح ليشهد العقد دخل عليها فثنت عنه فراش رسول الله فقال لها: والله يا بنية ما أدري أرغبت بهذا الفراش عني أم بي عنه ؟ فقالت: بل هو فراش رسول الله وأنت رجل مشرك، فقال لها: والله يا بنية لقد لقيت بعدي شرا.
وقد كانت من سيدات أمهات المؤمنين ومن العابدات الورعات رضي الله عنها.
قال محمد بن عمر الواقدي: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن عبد المجيد بن سهيل عن عوف بن الحارث قال: سمعت عائشة تقول: دعتني أم حبيبة عند موتها فقالت: قد يكون بيننا ما يكون بين الضرائر.
فقلت: يغفر الله لي ولك، ما كان من ذلك كله وتجاوزت وحاللتك،
فقالت: سررتيني سرك الله.
وأرسلت إلى أم سلمة فقالت لها مثل ذلك.
سنة خمس وأربعين فيها ولى معاوية البصرة للحارث بن عبد الله الازدي، ثم عزله بعد أربعة أشهر، وولى زيادا فقدم زياد الكوفة، وعليها المغيرة فأقام بها ليأتيه رسول معاوية بولاية البصرة، فظن المغيرة أنه قد جاء على إمرة الكوفة فبعث إليه وائل بن حجر ليعلم خبره فاجتمع به فلم يقدر منه على شئ، فجاء البريد إلى زياد أن يسير إلى البصرة، واستعمله على خراسان وسجستان ثم جمع له الهند والبحرين وعمان.
ودخل زياد البصرة في مستهل جمادى الاول فقام في أول خطبة خطبها - وقد وجد الفسق ظاهرا - فقال فيها: أيها الناس كأنكم لم تسمعوا ما أعد الله من الثواب لاهل الطاعة، والعذاب لاهل المعصية تكونون كمن طرقت جبينه الدنيا وفسدت مسامعه الشهوات (1)، فاختار الفانية على الباقية.
ثم ما زال يقيم أمر السلطان ويجرد السيف حتى خافه الناس خوفا عظيما، وتركوا ما كانوا فيه من المعاصي الظاهرة، واستعان بجماعة من الصحابة، وولى عمران بن حصين القضاء بالبصرة، وولى الحكم بن عمرو الغفاري نيابة خراسان، وولى سمرة بن جندب وعبد الرحمن بن سمرة وأنس بن مالك، وكان حازم الرأي ذا هيبة داهية، وكان مفوها فصيحا بليغا.
قال الشعبي: ما سمعت متكلما قط تكلم فأحسن إلا أحببت أن يسكت خوفا من أن يسئ إلا زيادا فإنه كان كلما أكثر كان أجود كلاما، وقد كانت له وجاهة عند عمر بن الخطاب.
وفي هذه السنة غزا الحكم بن عمر ونائب زياد على خراسان جبل الاسل عن أمر زياد فقتل منهم خلقا كثيرا وغنم أموالا جمة، فكتب إليه زياد: إن أمير المؤمنين قد جاء كتابه أن يصطفى له كل صفراء
__________
(1) في الطبري 6 / 124 والكامل 3 / 448: كمن طرفت عينه الدنيا، وسدت مسامعه الشهوات.
وانظر فيهما الخطبة كاملة - وهي الخطبة البتراء - وفي البيان والتبيين للجاحظ 2 / 71 - 72.
والعقد الفريد 4 / 172 - 174، (طبع القاهرة 1953) وفي تهذيب ابن عساكر 5 / 412 وفتوح ابن الاعثم 4 / 176 - 177.
(*)

(8/32)


وبيضاء - يعني الذهب والفضة - يجمع كله من هذه الغنيمة لبيت المال.
فكتب الحكم بن عمرو:
إن كتاب الله مقدم على كتاب أمير المؤمنين، وإنه والله لو كانت السموات والارض على عدو فاتقى الله يجعل له مخرجا، ثم نادى في الناس: أن اغدوا على قسم غنيمتكم، فقسمها بينهم وخالف زيادا فيما كتب إليه عن معاوية: وعز الخمس كما أمر الله ورسوله، ثم قال الحكم: إن كان لي عندك خير فاقبضني إليك، فمات بمرو من خراسان رضي الله عنه (1).
قال ابن جرير: وحج بالناس في هذه السنة مروان بن الحكم وكان نائب المدينة.
وفي هذه السنة توفي زيد بن ثابت الانصاري أحد كتاب الوحي، وقد ذكرنا ترجمته فيهم في أواخر السيرة، وهو الذي كتب هذا المصحف الامام الذي بالشام عن أمر عثمان بن عفان، وهو خط جيد قوي جدا فيما رأيته، وقد كان زيد بن ثابت من أشد الناس ذكاءا تعلم لسان يهود وكتابهم في خمسة عشر يوما، قال أبو الحسن بن البراء: تعلم الفارسية من رسول كسرى في ثمانية عشر يوما، وتعلم الحبشية والرومية والقبطية من خدام رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الواقدي: وأول مشاهده الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة.
وفي الحديث الذي رواه أحمد والنسائي: " وأعلمهم بالفرائض زيد بن ثابت ".
وقد استعمله عمر بن الخطاب على القضاء، وقال مسروق: كان زيد بن ثابت من الراسخين، وقال محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن ابن عباس أنه أخذ لزيد بن ثابت بالركاب فقال له: تنح يا بن عم رسول الله، فقال: لا ! هكذا نفعل بعلمائنا وكبرائنا.
وقال الاعمش عن ثابت عن عبيد قال: كان زيد بن ثابت من أفكه الناس في بيته ومن أذمها إذا خرج إلى الرجال.
وقال محمد بن سيرين: خرج زيد بن ثابت إلى الصلاة فوجد الناس راجعين منها فتوارى عنهم، وقال: من لا يستحيي من الناس لا يستحيي من الله.
مات في هذه السنة وقيل في سنة خمس وخمسين، والصحيح الاول، وقد قارب الستين وصلى عليه مروان، وقال ابن عباس: لقد مات اليوم عالم كبير.
وقال أبو هريرة: مات حبر هذه الامة.
وفيها مات سلمة بن سلامة بن وقش عن سبعين، وقد شهد بدرا وما بعدها ولا عقب له.
وعاصم بن عدي، وقد استخلفه رسول الله حين خرج إلى بدر على قبا وأهل العالية، وشهد أحدا وما بعدها، وتوفي عن خمس وعشرين ومائة (2)، وقد بعثه رسول الله هو ومالك بن الدخشم إلى
مسجد الضرار فحرقاه.
وفيها توفيت حفصة بنت عمر بن الخطاب أم المؤمنين، وكانت قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت خنيس بن حذافة السهمي، وهاجرت معه إلى المدينة فتوفي عنها بعد بدر، فلما انقضت عدتها
__________
(1) انظر الخبر في صفوة الصفوة 1 / 279 وفتوح ابن الاعثم 4 / 200 - 201.
(2) في الكامل 3 / 452: مائة وعشرين سنة وفي الاصابة 2 / 246: مائة وخمس عشرة وقيل مائة وعشرين سنة.
(*)

(8/33)


عرضها أبوها على عثمان بعد وفاة زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبى أن يتزوجها، فعرضها على أبي بكر فلم يرد عليه شيئا، فما كان عن قريب حتى خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتزوجها، فعاتب عمر أبا بكر بعد ذلك في ذلك فقال له أبو بكر: إن رسول الله كان قد ذكرها فما كنت لافشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو تركها لتزوجتها.
وقد روينا في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق حفصة ثم راجعها.
وفي رواية أن جبريل أمره بمراجعتها، وقال: إنها صوامة قوامة، وهي زوجتك في الجنة.
وقد أجمع الجمهور أنها توفيت في شعبان من هذه السنة عن ستين سنة، وقيل إنها توفيت أيام عثمان والاول أصح.
سنة ست وأربعين فيها شتى المسلمون ببلاد الروم مع أميرهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وقيل كان أميرهم غيره والله أعلم.
وحج بالناس فيها عتبة بن أبي سفيان أخو معاوية، والعمال على البلاد هم المتقدم ذكرهم.
وممن توفي في هذه السنة سالم بن عمير أحد البكائين المذكورين في القرآن، شهد بدرا وما بعدها من المشاهد كلها.
سراقة بن كعب شهد بدرا وما بعدها (1) عبد الرحمن بن خالد بن الوليد القرشي المخزومي، وكان من الشجعان المعروفين والابطال المشهورين كأبيه، وكان قد
عظم ببلاد الشام لذلك حتى خاف منه معاوية، ومات وهو مسموم رحمه الله وأكرم مثواه، قال ابن منده وأبو نعيم الاصبهاني: أدرك النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد روى ابن عساكر من طريق أبي عمر أن عمرو بن قيس روى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحجامة ببين الكتفين قال البخاري: وهو منقطع - يعني مرسلا - وكان كعب بن جعيل مداحا له ولاخويه مهاجر وعبد الله.
وقال الزبير بن بكار: كان عظيم القدر في أهل الشام، شهد صفين مع معاوية.
وقال ابن سميع: كان يلي الصوائف زمن معاوية، وقد حفظ عن معاوية.
وقد ذكر ابن جرير وغيره أن رجلا يقال له ابن أثال - وكان رئيس الذمة بأرض حمص - (2) سقاه شربة فيها سم فمات، وزعم بعضهم أن ذلك عن أمر معاوية له في
__________
(1) قال ابن الكلبي استشهد باليمامة، وفي الاستيعاب هامش الاصابة 2 / 119: توفي في خلافة معاوية.
(2) في الاصابة 3 / 68 والاستيعاب على هامش الاصابة 2 / 409 ان ابن أثال كان طبيبا، وقد مرض عبد الرحمن، فأمره معاوية أن يسقيه شرابا مسموما فسقاه فمات، وفي الاصابة كان نصرانيا أما ابن عبد البر فقال: يهوديا، في الشام.
(*)

(8/34)


ذلك ولا يصح.
ورثاه بعضهم فقال: أبوك الذي قاد الجيوش مغريا * إلى الروم لما أعطت الخرج فارس وكم من فتى نبهته بعد هجعة * بقرع لجام وهو أكتع ناعس وما يستوي الصفان صف لخالد * وصف عليه من دمشق البرانس وقد ذكروا أن خالد (1) بن عبد الرحمن بن خالد قدم المدينة فقال له عروة بن الزبير: ما فعل ابن أثال ؟ فسكت، ثم رجع إلى حمص فثار على ابن أثال فقتله، فقال: قد كفيتك إياه ولكن ما فعل ابن جرموز ؟ فسكت عروة ومحمد بن مسلمة في قول، وقد تقدم (هرم بن حبان العبدي) وهو أحد عمال عمر بن الخطاب، ولقي أويسا القرني وكان من عقلاء الناس وعلمائهم، ويقال إنه لما دفن جاءت سحابة فروت قبره وحده، ونبت العشب عليه من وقته والله أعلم.
سنة سبع وأربعين
فيها شتى المسلمون ببلاد الروم، وفيها عزل معاوية عبد الله بن عمرو بن العاص عن ديار مصر وولى عليها معاوية بن خديج، وحج بالناس عتبة، وقيل أخوه عنبسة بن أبي سفيان فالله أعلم.
وممن توفى فيها قيس بن عاصم المنقري، كان من سادات الناس في الجاهلية والاسلام، وكان ممن حرم الخمر في الجاهلية والاسلام، وذلك أنه سكر يوما فعبث بذات محرم منه فهربت منه، فلما أصبح قيل له في ذلك فقال في ذلك: رأيت الخمر منقصة وفيها * مقابح تفضح الرجل الكريما (2) فلا والله أشربها حياتي * ولا أشفى بها أبدا سقيما وكان إسلامه مع وفد بني تميم، وفي بعض الاحاديث أن رسول الله قال: " هذا سيد أهل الوبر " وكان جوادا ممدحا كريما وهو الذي يقول فيه الشاعر: وما كان قيس هلكه هلك واحد * ولكنه بنيان قوم تهدما (3) وقال الاصمعي: سمعت أبا عمرو بن العلاء وأبا سفيان بن العلاء يقولان: قيل
__________
(1) في الاصابة والاستيعاب: قتله بدمشق المهاجر بن خالد بن الوليد - أخو عبد الرحمن -.
(2) في الاستيعاب هامش الاصابة 3 / 233: رأيت الخمر صالحة وفيها * خصال تفسد الرجل الحليما (3) نسبه ابن عبد البر إلى عبدة بن الطبيب، وذكر قبله بيتين.
وهو قول ابن حجر في الاصابة.
(*)

(8/35)


للاحنف بن قيس ممن تعلمت الحلم ؟ قال: من قيس بن عاصم المنقري، لقد اختلفنا إليه في الحكم كما يختلف إلى الفقهاء، فبينا نحن عنده يوما وهو قاعد بفنائه محتب بكسائه أتته جماعة فيهم مقتول ومكتوف فقالوا: هذا ابنك قتله ابن أخيك، قال: فوالله ما حل حبوته حتى فرغ من كلامه، ثم التفت إلى ابن له في المسجد فقال: اطلق عن ابن عمك، ووار أخاك واحمل إلى أمه مائة من الابل فإنها غريبة، ويقال إنه لما حضرته الوفاة جلس حوله بنوه - وكانوا اثنين وثلاثين
ذكرا - فقال لهم: يا بني سودوا عليكم أكبركم تخلفوا أباكم، ولا تسودوا أصغركم فيزدري بكم أكفاؤكم، وعليكم بالمال واصطناعه فإنه نعم ما يهبه الكريم، ويستغني به عن اللئيم، وإياكم ومسألة الناس فإنها من أخس مكسبة الرجل، ولا تنوحوا علي فإن رسول الله لم ينح عليه (1)، ولا تدفنوني حيث يشعر بكر بن وائل، فإني كنت أعاديهم في الجاهلية.
وفيه يقول الشاعر: عليك سلام الله قيس بن عاصم * ورحمته ما شاء أن يترحما تحية من أوليته منك منة * إذا ذكرت مثلتها تملا الفما (2) فما كان قيس هلكه هلك واحد * ولكنه بنيان قوم تهدما ثم دخلت سنة ثمان وأربعين فيها شتى أبو عبد الرحمن القتبي (3) بالمسلمين ببلاد انطاكية، وفيها غزا عقبة بن عامر بأهل مصر البحر، وحج بالناس في هذه السنة مروان بن الحكم نائب المدينة.
سنة تسع وأربعين فيها غزا يزيد بن معاوية بلاد الروم حتى بلغ قسطنطينية ومعه جماعات من سادات الصحابة منهم ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وأبو أيوب الانصاري.
وقد ثبت في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أول جيش يغزون مدينة قيصر مغفور لهم " فكان هذا الجيش أول من غزاها، وما وصلوا إليها حتى بلغوا الجهد.
وفيها توفى أبو أيوب خالد بن زيد الانصاري، وقيل لم يمت في هذه الغزوة بل بعدها سنة إحدى أو ثنتين أو ثلاث وخمسين كما سيأتي.
وفيها عزل معاوية مروان عن المدينة وولى عليها سعيد بن العاص، فاستقضى سعيد عليها أبا سلمة بن عبد الرحمن.
وفيها شتى مالك بن هبيرة الفزاري بأرض الروم، وفيها كانت غزوة فضالة بن
__________
(1) انظر وصيته في الاصابة 3 / 253 والاستيعاب / على هامش الاصابة 3 / 234 ومسند أحمد 5 / 61.
(2) في الاستيعاب: تحية...نعمة * إذا زار عن شحط بلادك سلما (3) في الطبري 6 / 130 والكامل 3 / 457: القيني.
(*)

(8/36)


عبيد (1)، وشتى هنالك، ففتح البلد وغنم شيئا كثيرا.
وفيها كانت صائفة عبد الله بن كرز.
وفيها وقع الطاعون بالكوفة فخرج منها المغيرة فارا، فلما ارتفع الطاعون رجع إليها فأصابه الطاعون فمات، والصحيح أنه مات سنة خمسين كما سيأتي، فجمع معاوية لزياد الكوفة إلى البصرة، فكان أول من جمع له بينهما، فكان يقيم في هذه ستة أشهر وهذه ستة أشهر، وكان يستخلف على البصرة سمرة بن جندب.
وحج بالناس في هذه السنة سعيد بن العاص.
ذكر من توفي في هذه السنة من الاعيان الحسن بن علي بن أبي طالب أبو محمد القرشي الهاشمي، سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن ابنته فاطمة الزهراء، وريحانته، وأشبه خلق الله به في وجهه، ولد للنصف من رمضان سنة ثلاث من الهجرة، فحنكه رسول الله بريقه وسماه حسنا، وهو أكبر ولد أبويه، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه حبا شديدا حتى كان يقبل ذبيبته وهو صغير، وربما مص لسانه واعتنقه وداعبه، وربما جاء ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساجد في الصلاة فيركب على ظهره فيقره على ذلك ويطيل السجود من أجله، وربما صعد معه إلى المنبر، وقد ثبت في الحديث أنه عليه السلام بينما هو يخطب إذ رأى الحسن والحسين مقبلين فنزل إليهما فاحتضنهما وأخذهما معه إلى المنبر وقال: " صدق الله * (إنما أموالكم وأولادكم فتنة) * [ التغابن: 15 ] إني رأيت هذين يمشيان ويعثران فلم أملك أن نزلت إليهما " ثم قال: " إنكم لمن روح الله وإنكم لتبجلون وتحببون ".
وقد ثبت في صحيح البخاري: عن أبي عاصم، عن عمر بن سعيد بن أبي حسين، عن ابن أبي مليكة، عن عقبة بن الحارث أن أبا بكر صلى بهم العصر بعد وفاة رسول الله بليال ثم خرج هو وعلي يمشيان، فرأى الحسن يلعب مع الغلمان فاحتمله على عنقه وجعل يقول: " يا بابي شبه النبي، ليس شبيها بعلي ".
قال: وعلي يضحك (2).
وروى سفيان الثوري وغير واحد قالوا: ثنا وكيع، ثنا إسماعيل بن أبي خالد سمعت أبا جحيفة يقول: " رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكان الحسن بن علي يشبهه ".
ورواه البخاري ومسلم من حديث إسماعيل بن أبي خالد
قال وكيع: لم يسمع إسماعيل من أبي جحيفة إلا هذا الحديث.
وقال أحمد: ثنا أبو داود الطيالسي، ثنا زمعة، عن ابن أبي مليكة قالت: كانت فاطمة تنقر للحسن بن علي وتقول: يا بابي شبه النبي ليس شبيها بعلي.
وقال عبد الرزاق وغيره: عن معمر، عن الزهري، عن أنس قال: كان الحسن بن علي أشبههم وجها برسول الله صلى الله عليه وسلم.
ورواه أحمد عن عبد الرزاق بنحوه، وقال
__________
(1) في الطبري 6 / 130: غزا جربة.
وفي الكامل 3 / 458: جربة.
(2) رواه البخاري في المناقب (23) باب.
فتح الباري 6 / 563 وأخرجه في فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم باب مناقب الحسن والحسين.
وأخرجه الامام أحمد في مسنده 1 / 8.
(*)

(8/37)


أحمد: ثنا حجاج ثنا إسرائيل عن أبي إسحاق، عن هانئ عن علي قال: " الحسن أشبه برسول الله ما بين الصدر إلى الرأس، والحسين أشبه برسول الله ما أسفل من ذلك " (1).
ورواه الترمذي من حديث إسرائيل وقال حسن غريب.
وقال أبو داود الطيالسي: ثنا قيس عن أبي إسحاق عن هانئ بن هانئ عن علي قال: كان الحسن أشبه الناس برسول الله من وجهه إلى سرته، وكان الحسين أشبه الناس به ما أسفل من ذلك.
وقد روي عن ابن عباس وابن الزبير أن الحسن بن علي كان يشبه النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال أحمد: ثنا حازم بن الفضيل، ثنا معتمر عن أبيه قال: سمعت أبا تميمة يحدث عن أبي عثمان النهدي يحدثه أبو عثمان عن أسامة بن زيد قال: " كان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذني فيقعدني على فخذه ويقعد الحسن على فخذه الاخرى ثم يضمنا ثم يقول: اللهم ارحمهما فإني أرحمهما " (2).
وكذا رواه البخاري عن النهدي عن محمد بن الفضيل أخو حازم به، وعن علي بن المديني عن يحيى القطان، عن سليمان التيمي، عن أبي تميمة، عن أبي عثمان عن أسامة، وأخرجه أيضا عن موسى بن إسماعيل ومسدد عن معتمر عن أبيه عن أبي عثمان عن أسامة فلم يذكر أبا تميمة والله أعلم.
وفي رواية: " اللهم إني أحبهما فأحبهما ".
وقال شعبة عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم والحسن بن علي عاتقه وهو يقول: " اللهم إني أحبه فأحبه " (3).
أخرجاه من حديثه شعبة.
ورواه علي بن الجعد عن فضيل بن
مرزوق عن عدي عن البراء، فزاد " وأحب من أحبه " وقال الترمذي: حسن صحيح.
وقال أحمد: ثنا سفيان بن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال للحسن بن علي: " اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من يحبه " (5).
ورواه مسلم عن أحمد وأخرجاه من حديث شعبة.
وقال أحمد: ثنا أبو النضر، ثنا ورقاء، عن عبيد الله بن أبي يزيد عن نافع بن جبير عن أبي هريرة.
قال: " كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سوق من أسواق المدينة فانصرف وانصرفت معه، فجاء إلى فناء فاطمة فقال أي لكع أي لكع أي لكع فلم يجبه أحد، فانصرف وانصرفت معه إلى فناء فقعد، قال: فجاء الحسن بن علي - قال أبو هريرة: ظننا أن أمه حبسته لتجعل في عنقه السخاب - فلما دخل التزمه رسول الله والتزم هو رسول الله، ثم قال: إني أحبه وأحب من يحبه " (5) ثلاث مرات.
وأخرجاه من حديث سفيان بن
__________
(1) أخرجه الترمذي في المناقب (31) باب.
ح 3779 ص 5 / 660 والامام أحمد في مسنده 1 / 90.
(2) أخرجه الامام أحمد في مسنده 5 / 205 وأخرجه البخاري في فضائل الصحابة ح 3747 فتح الباري 7 / 94.
(3) فتح الباري 7 / 94 ح 3749.
ومسلم في فضائل الصحابة ح 56 ص 4 / 1882.
والترمذي في المناقب ح 3783 ص 5 / 661.
(4) أخرجه أحمد في المسند 2 / 249، 331 ومسلم في فضائل الصحابة ح (56) ص 4 / 1882.
(5) مسند أحمد 4 / 284.
ومسلم ح 57.
- لكع: المراد هنا الصغير.
(*)

(8/38)


عيينة عن عبد الله به.
وقال أحمد: ثنا حماد الخياط، ثنا هشام بن سعد، عن نعيم بن عبد الله المجمر، عن أبي هريرة.
قال: " خرج رسول الله إلى سوق بني قينقاع متكئا على يدي فطاف فيها، ثم رجع فاحتبى في المسجد وقال: أين لكاع ؟ ادعوا لي لكاع، فجاء الحسن فاشتد حتى وثب في حبوته فأدخل فمه في فمه ثم قال: اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من يحبه " (1) ثلاثا، قال أبو هريرة: ما رأيت الحسن إلا فاضت عيني، أو قال: دمعت عيني أو بكيت - وهذا على شرط
مسلم ولم يخرجوه.
وقد رواه الثوري عن نعيم عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة فذكر مثله أو نحوه.
ورواه معاوية بن أبي برود، عن أبيه، عن أبي هريرة بنحوه وفيه زيادة.
وروى أبو إسحاق عن الحارث عن علي نحوا من هذا.
ورواه عثمان بن أبي اللباب عن ابن أبي مليكة، عن عائشة بنحوه وفيه زيادة.
وروى أبو إسحاق عن الحارث عن علي نحوا من هذا السياق.
وقال سفيان الثوري وغيره عن سالم بن أبي حفصة، عن أبي حازم عن أبي هريرة.
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أحب الحسن والحسين فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني " غريب من هذا الوجه.
وقال أحمد: ثنا ابن نمير ثنا الحجاج - يعني ابن دينار - عن جعفر بن إياس عن عبد الرحمن بن مسعود عن أبي هريرة قال: " خرج علينا رسول الله ومعه حسن وحسين، هذا على عاتقه وهذا على عاتقه، وهو يلثم هذا مرة وهذا مرة حتى انتهى إلينا، فقال له رجل: يا رسول الله إنك لتحبهما، فقال: من أحبهما فقد أحبني ومن أبغضهما فقد أبغضني " (2).
تفرد به أحمد.
وقال أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن زر عن عبد الله قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فجاء الحسن والحسين فجعلا يتوثبان على ظهره إذا سجد، فأراد الناس زجرهما فلما سلم قال للناس: هذان ابناي، من أحبهما فقد أحبني ".
ورواه النسائي من حديث عبيد الله بن موسى عن علي بن صالح عن عاصم به.
وقد ورد عن عائشة وأم سلمة أمي المؤمنين أن رسول الله اشتمل على الحسن والحسين وأمهما وأبيهما فقال: " اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا " وقال محمد بن سعد: ثنا محمد بن عبد الله الاسدي ثنا شريك عن جابر عن عبد الرحمن بن سابط عن جابر بن عبد الله.
قال قال رسول الله: " من سره أن ينظر إلى سيد شباب أهل الجنة فلينظر إلى الحسن بن علي " وقد رواه وكيع عن الربيع بن سعد، عن عبد الرحمن بن سابط، عن جابر فذكر مثله، وإسناده لا بأس به، ولم يخرجوه.
وجاء من حديث علي وأبي سعيد وبريدة أن رسول الله قال: " الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما خير منهما ".
وقال أبو القاسم البغوي: ثنا داود بن عمر ثنا إسماعيل بن عياش حدثني عبد الله بن عثمان بن خيثم عن سعد بن راشد عن
__________
= سخاب: جمع سخب، وهو قلادة من القرنفل والمسك والعود ونموها يعمل على هيئة السبحة ويجعل قلادة
للصبيان والجواري، وقيل هو خيط فيه خرز، سمي سخابا لصوت خرزه عند حركته.
(1) مسند أحمد 4 / 249، 331.
(2) مسند أحمد ج 2 / 288، 440، 531.
(*)

(8/39)


يعلى بن مرة.
قال: " جاء الحسن والحسين يسعيان إلى رسول الله فجاء أحدهما قبل الآخر فجعل يده تحت رقبته ثم ضمه إلى إبطه، ثم جاء الآخر فجعل يده إلى الاخرى في رقبته ثم ضمه إلى إبطه، وقبل هذا ثم قبل هذا ثم قال: اللهم إني أحبهما فأحبهما، ثم قال: أيها الناس إن الولد مبخلة مجبنة مجهلة " وقد رواه عبد الرزاق عن معمر، عن ابن أبي خيثم، عن محمد بن الاسود بن خلف عن أبيه " أن رسول الله أخذ حسنا فقبله ثم أقبل عليهم فقال: إن الولد مبخلة مجبنة " وقال ابن خزيمة: ثنا عبدة بن عبد الله الخزاعي ثنا زيد بن الحباب ح وقال أبو يعلى أبو خيثمة: ثنا زيد بن الحباب حدثني حسين بن واقد، حدثني عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فجاء (1) الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذهما فوضعهما في حجره (2) على المنبر، ثم قال: صدق الله ! إنما أموالكم وأولادكم فتنة، رأيت هذين الصبيين فلم أصبر، ثم أخذ في خطبته " (3).
وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث الحسين بن واقد، وقال الترمذي حسن غريب لا نعرفه إلا من حديثه، وقد رواه محمد الضمري عن زيد بن أرقم فذكر القصة للحسن وحده: وفي حديث عبد الله بن شداد عن أبيه " أن رسول الله صلى بهم إحدى صلاتي العشي فسجد سجدة أطال فيها السجود، فلما سلم قال الناس له في ذلك، قال: إن ابني هذا - يعني الحسن - ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته ".
وقال الترمذي عن أبي الزبير عن جابر قال: " دخلت على رسول الله وهو حامل الحسن والحسين على ظهره وهو يمشي بهما على أربع، فقلت: نعم الحمل حملكما فقال: ونعم العدلان هما " على شرط مسلم ولم يخرجوه، وقال أبو يعلى: ثنا أبو هاشم ثنا أبو عامر ثنا زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة عن ابن عباس.
قال: " خرج
رسول الله وهو حامل الحسن على عاتقه فقال له رجل: يا غلام نعم المركب ركبت، فقال رسول الله: ونعم الراكب هو " (4).
وقال أحمد: حدثنا تليد بن سليمان، ثنا أبو الحجاف، عن أبي حازم عن أبي هريرة.
قال: " نظر رسول الله إلى علي وحسن وحسين وفاطمة فقال: أنا حرب لمن حاربتم وسلم لمن سالمتم " (5).
وقد رواه النسائي من حديث أبي نعيم، وابن ماجه من حديث وكيع كلاهما عن سفيان الثوري عن أبي الحجاف داود بن أبي عوف، قال وكيع: وكان مريضا - عن أبي حازم عن أبي هريرة أن رسول الله قال عن الحسن والحسين: " من أحبهما فقد أحبني،
__________
(1) في صحيح ابن خزيمة: فأقبل.
(2) في ابن خزيمة والترمذي: بين يديه.
(3) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه أبواب الاذان والخطبة (65) باب ح (1801) ص 3 / 152 والترمذي في المناقب ح 3774 ص 5 / 658.
(4) صحيح الترمذي - المناقب ح 3784 ص 5 / 661.
(5) مسند أحمد ج 2 / 442.
(*)

(8/40)


ومن أبغضهما فقد أبغضني " وقد رواه أسباط عن السدي عن صبيح مولي أم سلمة عن زيد بن أرقم فذكره.
وقال بقية عن بجير بن سعيد، عن خالد بن معدان، عن المقدام بن معدي كرب قال: سمعت رسول الله يقول: " الحسن مني والحسين من علي " فيه نكارة لفظا ومعنى.
وقال أحمد: ثنا محمد بن أبي عدي عن ابن عوف عن عمير بن إسحاق.
قال: " كنت مع الحسن بن علي فلقينا أبو هريرة فقال: أرني أقبل منك حيث رأيت رسول الله يقبل، فقال: بقميصه، قال: فقيل سرته " تفرد به أحمد، ثم رواه عن إسماعيل بن علية عن ابن عوف.
وقال أحمد: ثنا هاشم بن القاسم، عن جرير، عن عبد الرحمن أبي عوف الجرشي، عن معاوية.
قال: " رأيت رسول الله يمص لسانه - أو قال شفته يعني الحسن بن علي - وإنه لن يعذب لسان أو شفتان يمصهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ".
تفرد به أحمد، وقد ثبت في الصحيح عن أبي بكرة.
وروى أحمد عن جابر بن
عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ".
وقد تقدم هذا الحديث في دلائل النبوة، وتقدم قريبا عند نزول الحسن لمعاوية عن الخلافة، ووقع ذلك تصديقا لقوله صلى الله عليه وسلم.
هذا، وكذلك ذكرناه في كتاب دلائل النبوة ولله الحمد والمنة.
وقد كان الصديق يجله ويعظمه ويكرمه ويحبه ويتفداه، وكذلك عمر بن الخطاب، فروى الواقدي عن موسى بن محمد ابن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبيه، عمر لما عمل الديوان فرض للحسن والحسين مع أهل بدر في خمسة آلاف خمسة آلاف، وكذلك كان عثمان بن عفان يكرم الحسن والحسين ويحبهما.
وقد كان الحسن بن علي يوم الدار - وعثمان بن عفان محصور - عنده ومعه السيف متقلدا به يحاجف عن عثمان فخشي عثمان عليه فأقسم عليه ليرجعن إلى منزلهم تطييبا لقلب علي، وخوفا عليه رضي الله عنهم.
وكان علي يكرم الحسن إكراما زائدا، ويعظمه ويبجله وقد قال له يوما: يا بني ألا تخطب حتى أسمعك ؟ فقال: إني أستحي أن أخطب وأنا أراك، فذهب علي فجلس حيث لا يراه الحسن ثم قام الحسن في الناس خطيبا وعلي يسمع، فأدى خطبة بليغة فصيحة فلما انصرف جعل علي يقول: ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم.
وقد كان ابن عباس يأخذ الركاب للحسن والحسين إذا ركبا، ويرى هذا من النعم عليه.
وكانا إذا طافا بالبيت يكاد الناس يحطمونهما مما يزدحمون عليهما للسلام عليهما، رضي الله عنهما وأرضاهما.
وكان ابن الزبير يقول: والله ما قامت النساء عن مثل الحسن بن علي.
وقال غيره: كان الحسن إذا صلى الغداة في مسجد رسول الله يجلس في مصلاه يذكر الله حتى ترتفع الشمس، ويجلس إليه من يجلس من سادات الناس يتحدثون عنده، ثم يقوم فيدخل على أمهات المؤمنين فيسلم عليهن وربما أتحفنه ثم ينصرف إلى منزله.
ولما نزل لمعاوية عن الخلافة من ورعه صيانة لدماء المسلمين، كان له على معاوية في كل عام جائزة، وكان يفد إليه، فربما أجازه بأربعمائة ألف درهم، وراتبه في كل سنة مائة ألف، فانقطع سنة عن الذهاب وجاء وقت الجائزة فاحتاج الحسن إليها - وكان من أكرم الناس - فأراد أن يكتب إلى معاوية ليبعث بها إليه، فلما نام تلك الليلة رأى رسول الله في المنام فقال له: يا بني أتكتب إلى مخلوق بحاجتك ؟ وعلمه دعاء يدعو به " فترك الحسن ما كان هم به من الكتابة، فذكره معاوية

(8/41)


وافتقده، وقال: ابعثوا إليه بمائتي ألف فلعل له ضرورة في تركه القدوم علينا، فحملت إليه من غير سؤال.
قال صالح بن أحمد: سمعت أبي يقول: الحسن بن علي مدني ثقة.
حكاه ابن عساكر في تاريخه، قالوا: وقاسم الله ماله ثلاث مرات، وخرج من ماله مرتين، وحج خمسا وعشرين مرة ماشيا وإن الجنائب لتقاد بين يديه.
وروى ذلك البيهقي من طريق عبيد الله بن عمير عن ابن عباس.
وقال علي بن زيد بن جدعان: وقد علق البخاري في صحيحه أنه حج ماشيا والجنائب تقاد بين يديه، وروى داود بن رشيد، عن حفص، عن جعفر بن محمد عن أبيه.
قال: حج الحسن بن علي ماشيا والجنائب تقاد بين يديه ونجائبه تقاد إلى جنبه.
وقال العباس بن الفضل، عن القاسم، عن محمد بن علي قال: قال الحسن بن علي: إني لاستحي من ربي أن ألقاه ولم أمش إلى بيته، فمشى عشرين مرة إلى المدينة على رجليه، قالوا: وكان يقرأ في بعض خطبه سورة إبراهيم، وكان يقرأ كل ليلة سورة الكهف قبل أن ينام، يقرأها من لوح كان يدور معه حيث كان من بيوت نسائه، فيقرأه بعدما يدخل في الفراش قبل أن ينام رضي الله عنه.
وقد كان من الكرم على جانب عظيم، قال محمد بن سيرين: ربما أجاز الحسن بن علي الرجل الواحد بمائة ألف.
وقال سعيد بن عبد العزيز: سمع الحسن رجلا إلى جانبه يدعو الله أن يملكه عشرة آلاف درهم، فقام إلى منزله فبعث بها إليه.
وذكروا أن الحسن رأى غلاما أسود يأكل من رغيف لقمة ويطعم كلبا هناك لقمة، فقال له: ما حملك على هذا ؟ فقال: إني أستحي منه أن آكل ولا أطعمه، فقال له الحسن: لا تبرح من مكانك حتى آتيك، فذهب إلى سيده فاشتراه واشترى الحائط الذي هو فيه، فأعتقه وملكه الحائط، فقال الغلام: يا مولاي قد وهبت الحائط للذي وهبتني له.
قالوا: وكان كثير التزوج، وكان لا يفارقه أربع حرائر، وكان مطلاقا مصداقا، يقال إنه أحصن سبعين امرأة، وذكروا أنه طلق امرأتين في يوم، واحدة من بني أسد وأخرى من بني فزارة - فزارية - وبعث إلى كل واحدة منهما بعشرة آلاف وبزقاق من عسل، وقال للغلام: اسمع ما تقول كل واحدة منهما، فأما الفزارية فقالت: جزاه الله خيرا، ودعت له، وأما الاسدية
فقالت.
متاع قليل من حبيب مفارق.
فرجع الغلام إليه بذلك، فارتجع الاسدية وترك الفزارية.
وقد كان علي يقول لاهل الكوفة: لا تزوجوه فإنه مطلاق، فيقولون والله يا أمير المؤمنين لو خطب إلينا كل يوم لزوجناه منا من شاء ابتغاء في صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وذكروا أنه نام مع امرأته خولة بنت منظور الفزاري - وقيل هند بنت سهيل - فوق إجار فعمدت المرأة فربطت رجله بخمارها إلى خلخالها، فلما استيقظ قال لها: ما هذا ؟ فقالت: خشيت أن تقوم من وسن النوم فتسقط فأكون أشأم سخلة على العرب.
فأعجبه ذلك منها، واستمر بها سبعة أيام بعد ذلك.
وقال أبو جعفر الباقر: جاء رجل إلى الحسين بن علي فاستعان به في حاجة فوجده معتكفا فاعتذر إليه، فذهب إلى الحسن فاستعان به فقضى حاجته، وقال: لقضاء حاجة أخ لي في الله أحب إلي من اعتكاف شهر.
وقال هشيم: عن منصور، عن ابن سيرين قال: كان الحسن بن علي لا يدعو إلى طعامه

(8/42)


أحدا يقول: هو أهون من أن يدعى إليه أحد.
وقال أبو جعفر: قال علي يا أهل الكوفة لا تزوجوا الحسن بن علي فإنه مطلاق، فقال رجل من همذان: والله لنزوجنه، فما رضي أمسك وما كره طلق.
وقال أبو بكر الخرائطي - في كتاب مكارم الاخلاق -: ثنا ابن المنذر - هو إبراهيم - ثنا القواريري ثنا عبد الاعلى، عن هشام، عن محمد بن سيرين قال: تزوج الحسن بن علي امرأة فبعث إليها بمائة جارية مع كل جارية ألف درهم.
وقال عبد الرزاق: عن الثوري، عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن أبيه، عن الحسن بن سعد عن أبيه قال: متع الحسن بن علي امرأتين بعشرين ألفا وزقاق من عسل، فقالت إحداهما - وأراها الحنفية - متاع قليل من حبيب مفارق.
وقال الواقدي: حدثني علي بن عمر، عن أبيه، عن علي بن الحسين قال: كان الحسن بن علي مطلاقا للنساء، وكان لا يفارق امرأة إلا وهي تحبه.
وقال جويرية بن أسماء: لما مات الحسن بكى عليه مروان في جنازته، فقال له الحسين: أتبكيه وقد كنت تجرعه ما تجرعه ؟ فقال: إني كنت أفعل إلى أحلم من هذا، وأشار هو إلى الجبل.
وقال محمد بن سعد: أنا إسماعيل بن إبراهيم الاسدي، عن ابن عون، عن محمد بن إسحاق قال: ما تكلم عندي أحد كان أحب إلي إذا
تكلم أن لا يسكت من الحسن بن علي، وما سمعت منه كلمة فحش قط إلا مرة، فإنه كان بينه وبين عمرو بن عثمان خصومة فقال: ليس له عندنا إلا ما رغم أنفه، فهذه أشد كلمة فحش سمعتها منه قط.
قال محمد بن سعد: وأنا الفضل بن دكين أنا مساور الجصاص عن رزين بن سوار.
قال: كان بين الحسن ومروان خصومة فجعل مروان يغلظ للحسن وحسن ساكت، فامتخط مروان بيمينه، فقال له الحسن: ويحك ! أما علمت أن اليمنى للوجه، والشمال للفرج ؟ أف لك، فسكت مروان.
وقال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد قيل للحسن بن علي: إن أبا زر يقول: الفقر أحب إلي من الغنى، والسقم أحب إلي من الصحة، فقال: رحم الله أبا زر أما أنا فأقول: من اتكل على حسن اختيار الله له لم يتمن أن يكون في غير الحالة التي اختار الله له.
وهذا أحد الوقوف على الرضا بما تعرف به القضاء.
وقال أبو بكر محمد بن كيسان الاصم: قال الحسن ذات يوم لاصحابه: إني أخبركم عن أخ لي كان من أعظم الناس في عيني، وكان عظيم ما عظمه في عيني صغر الدنيا في عينه، كان خارجا عن سلطان بطنه فلا يشتهي مالا يجد، ولا يكثر إذا وجد، وكان خارجا عن سلطان فرجه، فلا يستخف له عقله ولا رأيه، وكان خارجا عن سلطان جهله فلا يمد يدا إلا على ثقة المنفعة، ولا يخطو خطاة إلا لحسنة، وكان لا يسخط ولا يتبرم، وكان إذا جامع العلماء يكون على أن يسمع أحرص منه على أن يتكلم، وكان إذا غلب على الكلام لم يغلب على الصمت، كان أكثر دهره صامتا، فإذا قال يذر القائلين، وكان لا يشارك في دعوى، ولا يدخل في مراء، ولا يدلي بحجة، حتى يرى قاضيا يقول مالا يفعل، ويفعل مالا يقول، تفضلا وتكرما، كان لا يغفل عن إخوانه، ولا يستخص بشئ دونهم.
كان لا يكرم أحدا فيما يقع العذر بمثله، كان إذا ابتداه أمران لا يرى أيهما أقرب إلى الحق نظر فيما هو أقرب إلى هواه فخالفه.
رواه ابن عساكر والخطيب.
وقال أبو الفرج المعافى بن زكريا الحريري: ثنا بدر بن الهيثم

(8/43)


الحضرمي، ثنا علي بن المنذر الطريفي، ثنا عثمان بن سعيد الدارمي، ثنا محمد بن عبد الله أبو رجاء - من أهل تستر - ثنا شعبة بن الحجاج الواسطي، عن أبي إسحاق الهمداني، عن الحارث
الاعور أن عليا سأل ابنه - يعني الحسن - عن أشياء من المروءة فقال: يا بني ما السداد ؟ قال: يا أبة السداد دفع المنكر بالمعروف، قال: فما الشرف ؟ قال: اصطناع العشيرة وحمل الجريرة.
قال: فما المروءة ؟ قال: العفاف واصلاح المرء ماله.
قال: فما الدنيئة ؟ قال: النظر في اليسير ومنع الحقير.
قال: فما اللوم ؟ قال: احتراز المرء نفسه وبذله عرسه.
قال: فما السماحة ؟ قال: البذل في العسر واليسر.
قال: فما الشح ؟ قال: أن ترى ما في يديك سرفا وما أنفقته تلفا.
قال: فما الاخاء ؟ قال: الوفاء في الشدة والرخاء.
قال: فما الجبن ؟ قال: الجرأة على الصديق والنكول عن العدو.
قال: فما الغنيمة ؟ قال: الرغبة في التقوى والزهادة في الدنيا.
قال: فما الحلم ؟ قال كظم الغيظ وملك النفس.
قال: فما الغنى ؟ قال: رضى النفس بما قسم الله لها وإن قل، فإنما الغنى غنى النفس.
قال: فما الفقر ؟ قال: شره النفس في كل شئ.
قال: فما المنعة ؟ قال: شدة البأس ومقارعة أشد الناس.
قال: فما الذل ؟ قال: الفزع عند المصدوقية ؟ قال: فما الجرأة ؟ قال: موافقة الاقران.
قال: فما الكلفة ؟ قال: كلامك فيما لا يعنيك.
قال: فما المجد ؟ قال: أن تعطي في الغرم وأن تعفو عن الجرم.
قال: فما العقل ؟ قال: حفظ القلب كل ما استرعيته.
قال: فما الخرق ؟ قال: معاداتك إمامك ورفعك عليه كلامك.
قال: فما الثناء ؟ قال: إتيان الجميل وترك القبيح.
قال: فما الحزم ؟ قال: طول الاناة، والرفق بالولاة، والاحتراس من الناس بسوء الظن هو الحزم قال: فما الشرف ؟ قال: موافقة الاخوان، وحفظ الجيران.
قال فما السفه ؟ قال: اتباع الدناة، ومصاحبة الغواة.
قال: فما الغفلة ؟ قال: تركك المسجد وطاعتك المفسد.
قال: فما الحرمان ؟ قال: تركك حظك وقد عرض عليك.
قال: فمن السيد ؟ قال: الاحمق في المال المتهاون بعرضه، يشتم فلا يجيب المتحرن بأمر العشيرة هو السيد.
قال ثم قال علي: يا بني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا فقر أشد من الجهل، ولا مال أفضل من العقل، ولا وحدة أوحش من العجب، ولا مظاهرة أوثق من المشاورة، ولا عقل كالتدبير، ولا حسب كحسن الخلق، ولا ورع كالكف، ولا عبادة كالتفكر، ولا إيمان كالحياء، ورأس الايمان الصبر، وآفة الحديث الكذب، وآفة العلم النسيان، وآفة الحلم
السفه، وآفة العبادة الفترة، وآفة الطرف الصلف، وآفة الشجاعة البغي، وآفة السماحة المن، وآفة الجمال الخيلاء، وآفة الحب الفخر " ثم قال علي: يا بني لا تستخفن برجل تراه أبدا، فإن كان أكبر منك فعده أباك، وإن كان مثلك فهو أخوك، وإن كان أصغر منك فاحسب أنه ابنك.
فهذا ما سأل علي ابنه عن أشياء من المرؤة.
قال القاضي أبو الفرج: ففي هذا الخبر من الحكمة وجزيل الفائدة ما ينتفع به من راعاه، وحفظه ووعاه، وعمل به وأدب نفسه بالعمل عليه، وهذبها بالرجوع إليه، وتتوفر فائدته بالوقوف عنده.
وفيما رواه أمير المؤمنين وأضعافه عن النبي صلى الله عليه وسلم

(8/44)


مالا غنى لكل لبيب عليم، وقدرة حكيم، عن حفظه وتأمله، والمسعود من هدي لتلقيه، والمجدود من وفق لامتثاله وتقبله.
قلت: ولكن إسناد هذا الاثر وما فيه من الحديث المرفوع ضعيف، ومثل هذه الالفاظ في عبارتها ما يدل ما في بعضها من النكارة على أنه ليس بمحفوظ والله أعلم.
وقد ذكر الاصمعي والعتبي والمدائني وغيرهم: أن معاوية سأل الحسن عن أشياء تشبه هذا فأجابه بنحو ما تقدم، لكن هذا السياق أطول بكثير مما تقدم فالله أعلم.
وقال علي بن العباس الطبراني: كان على خاتم الحسن بن علي مكتوبا: قدم لنفسك ما استطعت من التقى * إن المنية نازلة بك يا فتى أصبحت ذا فرح كأنك لا ترى * أحباب قلبك في المقابر والبلى قال الامام أحمد: حدثنا مطلب بن زياد بن محمد، ثنا محمد بن أبان، قال: قال الحسن بن علي لبنيه وبني أخيه: " تعلموا فإنكم صغار قوم اليوم وتكونوا كبارهم غدا، فمن لم يحفظ منكم فليكتب ".
رواه البيهقي عن الحاكم عن عبد الله بن أحمد عن أبيه.
وقال محمد بن سعد: ثنا الحسن بن موسى وأحمد بن يونس قالا: ثنا زهير بن معاوية، ثنا أبو إسحاق، عن عمرو الاصم، قال قلت للحسن بن علي: إن هذه الشيعة تزعم أن عليا مبعوث قبل يوم القيامة، قال: كذبوا والله ! ما هؤلاء بالشيعة، لو علمنا أنه مبعوث ما زوجنا نساءه ولا اقتسمنا ماله.
وقال عبد الله بن أحمد: حدثني أبو علي سويد الطحان، ثنا علي بن عاصم، ثنا أبو ريحانة، عن
سفينة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الخلافة بعدي ثلاثون سنة " فقال رجل كان حاضرا في المجلس: قد دخلت من هذه الثلاثين ستة شهور في خلافة معاوية.
فقال: من ها هنا أتيت تلك الشهور كانت البيعة للحسن بن علي، بايعه أربعون ألفا أو اثنان وأربعون ألفا.
وقال صالح بن أحمد: سمعت أبي يقول: بايع الحسن تسعون ألفا فزهد في الخلافة وصالح معاوية ولم يسل في أيامه محجمة من دم.
وقال ابن أبي خيثمة: وحدثنا أبي، ثنا وهب بن جرير قال: قال أبي: فلما قتل علي بايع أهل الكوفة الحسن بن علي وأطاعوه وأحبوه أشد من حبهم لابيه.
وقال ابن أبي خيثمة: ثنا هارون بن معروف، ثنا ضمرة عن ابن شوذب.
قال: لما قتل علي سار الحسن في أهل العراق وسار معاوية في أهل الشام فالتقوا فكره الحسن القتال وبايع معاوية على أن جعل العهد للحسن من بعده.
قال: فكان أصحاب الحسن يقولون: يا عار المؤمنين، قال: فيقول لهم: العار خير من النار.
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا العباس بن هشام، عن أبيه قال: لما قتل علي بايع الناس الحسن بن علي فوليها سبعة وأحد عشر يوما.
وقال غير عباس: بايع الحسن أهل الكوفة، وبايع أهل الشام معاوية بايلياء بعد قتل علي، وبويع بيعة العامة ببيت المقدس يوم الجمعة من آخر سنة أربعين، ثم لقي الحسن معاوية بمسكن - من سواد الكوفة - في سنة إحدى وأربعين فاصطلحا، وبايع الحسن معاوية.
وقال غيره: كان صلحهما ودخول معاوية الكوفة في ربيع الاول من سنة إحدى وأربعين.
وقد تكلمنا على تفصيل ذلك فيما تقدم بما أغنى عن إعادته ها هنا.

(8/45)


وحاصل ذلك أنه اصطلح مع معاوية على أن يأخذ ما في بيت المال الذي بالكوفة، فوفى له معاوية بذلك فإذا فيه خمسة آلاف ألف، وقيل سبعة آلاف ألف، وعلى أن يكون خراج، وقيل دار ابجرد له في كل عام، فامتنع أهل تلك الناحية عن أداء الخراج إليه، فعوضه معاوية عن كل ستة آلاف ألف درهم في كل عام، فلم يزل يتناولها مع ماله في كل زيارة من الجوائز والتحف والهدايا، إلى أن توفي في هذا العام.
وقال محمد بن سعد عن هودة بن خليفة، عن عوف، عن محمد بن سيرين قال: لما دخل معاوية الكوفة وبايعه الحسن بن علي قال أصحاب معاوية لمعاوية:
مر الحسن بن علي أن يخطب، فإنه حديث السن عيي، فلعله يتلعثم فيتضع في قلوب الناس.
فأمره فقام فاختطب فقال في خطبته: " أيها الناس لو اتبعتم بين جابلق وجابرس رجلا جده نبي غيري وغير أخي لم تجدوه، وإنا قد أعطينا بيعتنا معاوية ورأينا أن حقن دماء المسلمين خير من إهراقها، والله ما أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين " - وأشار إلى معاوية - فغضب من ذلك وقال: ما أردت من هذه ؟ قال: أردت منها ما أراد الله منها.
فصعد معاوية وخطب بعده.
وقد رواه غير واحد وقدمنا أن معاوية عتب على أصحابه.
وقال محمد بن سعد: ثنا أبو داود الطيالسي: ثنا شعبة عن يزيد قال: سمعت جبير بن نفير الحضرمي يحدث عن أبيه قال: قلت للحسن بن علي: إن الناس يزعمون أنك تريد الخلافة ؟ فقال: كانت جماجم العرب بيدي، يسالمون من سالمت ويحاربون من حاربت، فتركتها ابتغاء وجه الله، ثم أثيرها ثانيا من أهل الحجاز.
وقال محمد بن سعد: أنا علي بن محمد عن إبراهيم بن محمد عن زيد بن أسلم قال: دخل رجل على الحسن بن علي وهو بالمدينة وفي يده صحيفة فقال: ما هذه ؟ فقال: ابن معاوية يعدنيها ويتوعد، قال: قد كنت على النصف منه، قال: أجل ولكن خشيت أن يجئ يوم القيامة سبعون ألفا، أو ثمانون ألفا، أو أكثر أو أقل، تنضح أوداجهم دما، كلهم يستعدي الله فيم هريق دمه.
وقال الاصمعي عن سلام بن مسكين عن عمران بن عبد الله.
قال: رأى الحسن بن علي في منامه أنه مكتوب بين عينيه، * (قل هو الله أحد) * ففرح بذلك فبلغ ذلك سعيد بن المسيب فقال: إن كان رأى هذه الرؤيا فقل ما بقي من أجله.
قال: فلم يلبث الحسن بن علي بعد ذلك إلا أياما حتى مات.
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا، حدثنا عبد الرحمن بن صالح العتكي ومحمد ؟ ؟ عثمان العجلي قالا: ثنا أبو أسامة عن ابن عون عن عمير بن إسحاق.
قال: دخلت أنا ورجل آخر من قريش على الحسن بن علي فقام فدخل المخرج ثم خرج فقال: لقد لفظت طائفة من كبدي أقلبها بهذا العود، ولقد سقيت السم مرارا وما سقيت مرة هي أشد من هذه.
قال: وجعل يقول لذلك الرجل: سلني قبل أن لا تسألني، فقال ما أسألك شيئا يعافيك الله، قال: فخرجنا من عنده ثم عدنا إليه من الغد.
وقد أخذ في السوق فجاء حسين حتى قعد عند رأسه، فقال: أي
أخي ! من صاحبك ؟ قال: تريد قتله، قال: نعم ! قال لئن كان صاحبي الذي أظن لله أشد نقمة.
وفي رواية: فالله أشد بأسا وأشد تنكيلا، وإن لم يكنه ما أحب أن تقتل بي بريئا.
ورواه

(8/46)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية