صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : البداية والنهاية
مصدر الكتاب : الإنترنت
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

وروى علي بن محمد المدائني أن عمر كتب إلى عتبة بن غزوان حين وجهه إلى البصرة: يا عتبة إني استعملتك على أرض الهند وهي حومة من حومة العدو، وأرجو أن يكفيك الله ما حولها، وأن يعينك عليها، وقد كتبت إلى العلاء بن الحضرمي يمدك بعرفجة بن هرثمة.
فإذا قدم عليك فاستشره وقربه، وادع إلى الله، فمن أجابك فاقبل منه، ومن أبى فالجزية عن صغار وذلة، وإلا فالسيف في غير هوادة، واتق الله فيما وليت، وإياك أن تنازعك نفسك إلى كبر فتفسد عليك آخرتك، وقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعززت [ به ] بعد الذلة، وقويت [ به ] بعد الضعف، حتى صرت أميرا مسلطا، وملكا مطاعا، تقول فيسمع منك، وتأمر فيطاع أمرك، فيالها نعمة إذا لم ترق (1) فوق ؟ درك، وتبطر على من دونك، احتفظ من النعمة احتفاظك من المعصية، وهي أخوفهما عندي عليك أن يستدرجك ويخدعك فتسقط سقطة فتصير بها إلى جهنم، أعيذك بالله ونفسي من ذلك، إن الناس أسرعوا إلى الله حتى رفعت لهم الدنيا فأرادوها، فأرد الله ولا ترد الدنيا، واتق مصارع الظالمين.
وقد فتح عتبة الابلة في رجب أو شعبان من هذه السنة.
ولما مات عتبة بن غزوان في هذه السنة استعمل عمر على البصرة المغيرة بن شعبة سنتين، فلما رمي بما رمي به عزله وولى عليها أبا موسى الاشعري رضي الله عنهم.
وفي هذه السنة ضرب عمر بن الخطاب ابنه عبيد الله في الشراب هو
وجماعة معه، وفيها ضرب أبا محجن الثقفي في الشراب أيضا سبع مرات، وضرب معه ربيعة بن أمية ابن حلف.
وفيها نزل سعد بن أبي وقاص الكوفة، وحج بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب.
قال وكان بمكة عتاب بن أسيد، وبالشام أبو عبيدة، وبالبحرين عثمان بن أبي العاص وقيل العلاء ابن الحضرمي، وعلى العراق سعد، وعلى عمان حذيفة بن محصن.
ذكرى من توفي في هذا العام من المشاهير ففيها توفي سعد بن عبادة في قول والصحيح في التي قبلها والله أعلم * عتبة بن غزوان بن جابر بن هيب (2) المازني، حليف بني عبد شمس صحابي بدري، وأسلم قديما بعد سنة (3) وهاجر إلى أرض الحبشة وهو أول من اختط البصرة عن أمر عمر في إمرته له على ذلك كما تقدم، وله فضائل ومآثر، وتوفي سنة أربع عشرة، وقيل سنة خمس عشرة، وقيل سنة سبع عشرة، وقيل سنة
__________
(1) في الطبري 4 / 150 والكامل 2 / 486: ترفعك.
وما بين معكوفين في الخبر منهما..(2) في الاصابة: وهب.
(3) كذا بالاصل، وفي هامش المطبوعة: ولعله يريد بعد سنة من البعثة لانه من السابقين الاولين.
والاقرب ما في الاستيعاب: بعد ستة رجال فهو سابع سبعة في الاسلام - ولعل ما في الاصل سنة - هو ستة، وجاءت سنة سهوا من الناسخ.
(على هامش الاصابة 3 / 114).
(*)

(7/57)


عشرين.
فالله أعلم.
وقد جاوز الخمسين (1)، وقيل بلغ ستين سنة رضي الله عنه * عمرو بن أم مكتوم الاعمى، ويقال اسمه عبد الله، صحابي مهاجري، هاجر بعد مصعب بن عمير، قبل النبي صلى الله عليه وسلم فكان يقرئ الناس القرآن، وقد استخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة غير مرة، فيقال ثلاث عشرة مرة، وشهد القادسية مع سعد زمن عمر فيقال إنه قتل بها شهيدا ويقال إنه رجع المدينة وتوفي بها والله أعلم * المثنى بن حارثة بن سلمة بن ضمضم بن سعد بن مرة بن ذهل شيبان الشيباني نائب خالد على العراق، وهو الذي صارت إليه الامرة بعد أبي عبيد يوم الجسر، فدارى بالمسلمين حتى خلصهم من الفرس يومئذ، وكان أحد الفرسان الابطال، وهو الذي ركب
إلى الصديق فحرضه على غزو العراق، ولما توفي تزوج سعد بن أبي وقاص بإمرأته سلمى بنت حفص (2) رضي الله عنهما وأرضاهما.
وقد ذكره ابن الاثير في كتابه الغابة في أسماء الصحابة * أبو زيد الانصاري النجاري أحد القراء الاربعة الذين حفظوا القرآن من الانصار في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ثبت ذلك في حديث أنس بن مالك، وهم معاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو زيد.
قال أنس أحد عمومتي.
قال الكلبي واسم أبي زيد هذا قيس بن السكن بن قيس بن زعوراء بن حزم بن جندب بن غنم بن عدي بن النجار شهد بدرا.
قال موسى بن عقبة واستشهد يوم جسر أبي عبيد وهي عنده في سنة أربع عشرة، وقال بعض الناس أبو زيد الذي يجمع القرآن سعد بن عبيد، وردوا هذا برواية قتادة عن أنس بن مالك قال: افتخرت الاوس والخزرج فقالت الاوس: منا غسيل الملائكة حنظلة بن أبي عامر، ومنا الذي حمته الدبر عاصم بن ثابت بن أبي الاقلح، ومنا الذي اهتز له عرش الرحمن سعد بن معاذ، ومنا الذي جعلت شهادته شهادة رجلين خزيمة بن ثابت.
فقالت الخزرج منا أربعة جمعوا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي، وزيد بن ثابت، ومعاذ، وأبو زيد رضي الله عنهم أجمعين * أبو عبيد بن مسعود بن عمرو الثقفي والد المختار بن أبي عبيد أمير العراق، ووالد صفية امرأة عبد الله بن عمر.
أسلم أبو عبيد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وذكره الشيخ أبو عمر بن عبد البر في الصحابة.
قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي: ولا يبعد أن يكون له رواية والله أعلم.
أبو قحافة والد الصديق واسم أبي بكر الصديق عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن صخر (3) بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، أسلم أبو قحافة عام الفتح فجاء به الصديق يقوده إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال " هلا أقررتم الشيخ في بيته حتى كنا نحن نأتيه " تكرمة لابي بكر رضي الله عنه فقال: بل هو أحق بالسعي إليك يا رسول الله.
فأجلسه رسول الله
__________
(1) في الاصابة والاستيعاب: سبع وخمسين سنة.
(2) تقدم: حفصة.
(3) في الاستيعاب والاصابة: عمرو.
(*)

(7/58)


صلى الله عليه وسلم بين يديه ورأسه كالثغامة بياضا ودعا له، وقال: " غيروا هذا الشيب بشئ وجنبوه السواد ".
ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وصارت الخلافة إلى الصديق أخبره المسلمون بذلك وهو بمكة، فقال: أو أقرت بذلك بنو هاشم وبنو مخزوم ؟ قالوا: نعم ! قال: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
ثم أصيب بإبنه الصديق رضي الله عنه.
ثم توفي أبو قحافة في محرم وقيل في رجب سنة أربع عشرة بمكة، عن أربع وسبعين (1) سنة رحمه الله وأكرم مثواه.
وممن ذكر شيخنا أبو عبد الله الذهبي ومن المستشهدين في هذه السنة مرتبين على الحروف: أوس بن أوس بن عتيك قتل يوم الجسر * بشير بن عنبس بن يزيد الظفري أحدي، وهو ابن عم قتادة بن النعمان ويعرف بفارس الحواء اسم فرسه * ثابت بن عتيك، من بني عمرو بن مبذول، صحابي قتل يوم الجسر * ثعلبة بن عمرو بن محصن النجاري بدري قتل يومئذ * الحارث ابن عتيك بن النعمان النجاري شهد أحدا قتل يومئذ * الحارث بن مسعود بن عبدة صحابي أنصاري قتل يومئذ، الحارث بن عدي بن مالك أنصاري أحدي قتل يومئذ * خالد بن سعيد بن العاص، قيل إنه استشهد يوم مرج الصفر، وكان في سنة أربع عشرة في قول * خزيمة بن أوس الاشهلي قتل يوم الجسر * ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب أرخ وفاته في هذه السنة ابن قانع * زيد بن سراقة يوم الجسر * سعد بن سلامة بن وقش الاشهلي * سعد بن عبادة في قول * سلمة ابن أسلم بن حريش يوم الجسر * ضمرة بن غزية يوم الجسر * عباد وعبد الله وعبد الرحمن بنو مريع بن قيظي قتلوا يومئذ * عبد الله بن صعصعة بن وهب الانصاري النجاري، شهد أحدا وما بعدها.
قال ابن الاثير في الغابة: وقتل يوم الجسر * عتبة بن غزوان تقدم * عقبة وأخوه عبد الله حضرا الجسر مع أبيهما قيظي بن قيس وقتلا يومئذ * العلاء بن الحضرمي توفي في هذه السنة في قول وقيل بعدها وسيأتي * عمرو بن أبي اليسر قتل يوم الجسر * قيس بن السكن أبو زيد الانصاري رضي الله عنه تقدم * المثنى بن حارثة الشيباني، توفي في هذه السنة رحمه الله وقد تقدم * نافع بن غيلان قتل يومئذ * نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وكان أسن من عمه العباس، قيل إنه توفي في
هذه السنة والمشهور قبلها كما تقدم * واقد بن عبد الله قتل يوم (2) * يزيد بن قيس بن الخطم الانصاري الظفري شهد أحدا وما بعدها، قتل يوم الجسر، وقد أصابه يوم أحد جراحات كثيرة وكان أبوه شاعرا مشهورا * أبو عبيد بن مسعود الثقفي أمير يوم الجسر وبه عرف لقتله عنده، تخبطه الفيل حتى قتله رضي الله عنه بعد ما قطع بسيفه خرطومه كما تقدم * أبو قحافة التيمي والد أبي بكر الصديق، توفي في هذه السنة رضي الله عنه.
هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن أمية الاموية، والدة معاوية بن أبي سفيان، وكانت من سيدات نساء قريش ذات رأي ودهاء
__________
(1) في الاستيعاب والاصابة: سبع وتسعين سنة.
(2) بياض بالاصل، وفي الاستيعاب توفي في خلافة عمر بن الخطاب، وفي الاصابة: في أولها.
(*)

(7/59)


ورياسة في قومها، وقد شهدت يوم أحد مع زوجها وكان لها تحريض على قتل المسلمين يومئذ، ولما قتل حمزة مثلت به وأخذت من كبده فلاكتها فلم تستطع إساغتها، لانه كان قد قتل أباها وأخاها يوم بدر، ثم بعد ذلك كله أسلمت وحسن إسلامها عام الفتح، بعد زوجها بليلة.
ولما أرادت الذهاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لتبايعه استأذنت أبا سفيان فقال لها: قد كنت بالامس مكذبة بهذا الامر، فقالت والله ما رأيت الله عبد حق عبادته بهذا المسجد قبل هذه الليلة، والله لقد باتوا ليلهم كلهم يصلون فيه.
فقال لها: إنك قد فعلت ما فعلتك فلا تذهبي وحدك.
فذهبت إلى عثمان بن عفان ويقال إلى أخيها أبي حذيفة بن عتبة فذهب معها، فدخلت وهي متنقبة، فلما بايعها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع غيرها من النساء قال * (على أن لا تشركن بالله شيئا ولا تسرقن ولا تزنين) * فقالت: أو تزني الحرة ؟ * (ولا تقتلن أولادكن) * قالت: قد ربيناهم صغارا وتقتلهم (1) كبارا ؟ ! فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم * (ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك) * فبادرت وقالت: في معروف.
فقال: في معروف، وهذا من فصاحتها وحزمها، وقد قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: والله يا محمد ما كان على ظهر الارض أهل خباء أحب إلي من أن يذلوا من أهل خبائك، فقد والله أصبح اليوم وما على ظهر الارض من أهل خباء أحب إلي من أن يعزوا من أهل خبائك.
فقال: وكذلك
والذي نفسي بيده.
وشكت من شح أبي سفيان فأمرها أن تأخذ ما يكفيها ويكفي بنيها بالمعروف، وقصتها مع الفاكه بن المغيرة مشهورة، وقد شهدت اليرموك مع زوجها وماتت يوم مات أبو قحافة في سنة أربع عشرة (2) وهي أم معاوية بن أبي سفيان.
ثم دخلت سنة خمس عشرة قال ابن جرير: قال بعضهم فيها (3) مصر سعد بن أبي وقاص الكوفة دلهم عليها ابن بقيلة قال لسعد: أدلك على أرض ارتفعت عن البق وانحدرت عن الفلاة ؟ فدلهم على موضع الكوفة اليوم، قال: وفيها كانت وقعة مرج الروم، وذلك لما انصرف أبو عبيدة وخالد من وقعة فحل قاصدين إلى حمص حسب ما أمر به أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما تقدم في رواية سيف بن عمر، فسارا حتى نزلا على ذي الكلاع، فبعث هرقل بطريقا يقال له توذرا في جيش معه فنزل بمرج دمشق وغربها، وقد هجم الشتاء فبدأ أبو عبيدة بمرج الروم، وجاء أمير آخر من الروم
__________
(1) في الاصابة: وقتلتهم.
(2) جزم ابن سعد انها ماتت في خلافة عثمان، وفي الاصابة: عن صاحب الامثال انها بقيت إلى خلافة عثمان بل بعد ذلك.
(3) قال الواقدي في سنة سبع عشرة.
وقال أبو عبيدة: كان تكويف الكوفة سنة ثماني عشرة وفي الكوفة قال الاثرم: قيل التكوف الاجتماع، وقيل أيضا ان المواضع المستديرة من الرمل تسمى كوفاني، وبعضهم يسمي الارض التي فيها الحصباء مع الطين والرمل: كوفة.
(*)

(7/60)


يقال له شنس وعسكر معه كثيف، فنازله أبو عبيدة فاشتغلوا به عن توذرا فسار توذرا نحو دمشق لينازلها وينتزعها من يزيد بن أبي سفيان، فاتبعه خالد بن الوليد وبرز إليه يزيد بن أبي سفيان من دمشق، فاقتتلوا وجاء خالد وهم في المعركة فجعل يقتلهم من ورائهم ويزيد يفصل فيهم من أمامهم، حتى أناموهم ولم يفلت منهم إلا الشارد، وقتل خالد توذرا وأخذوا من الروم أموالا عظيمة فاقتسماها ورجع يزيد إلى دمشق وانصرف خالد إلى أبي عبيدة فوجده قد واقع شنس بمرج
الروم فقاتلهم فيه مقاتلة عظيمة حتى أنتنت الارض من زهمهم، وقتل أبو عبيدة شنس وركبوا أكتافهم إلى حمص فنزل عليها يحاصرها.
وقعة حمص الاولى لما وصل أبو عبيدة في اتباعه الروم المنهزمين إلى حمص، نزل حولها يحاصرها، ولحقه خالد ابن الوليد فحاصروها حصارا شديدا، وذلك في زمن البرد الشديد، وصابر أهل البلد رجاء أن يصرفهم عنهم شدة البرد، وصبر الصحابة صبرا عظيما بحيث إنه ذكر غير واحد أن من الروم من كان يرجع، وقد سقطت رجله وهي في الخف، والصحابة ليس في أرجلهم شئ سوى النعال، ومع هذا لم يصب منهم قدم ولا أصبع أيضا، ولم يزالوا كذلك حتى انسلخ فصل الشتاء فاشتد الحصار (1)، وأشار بعض كبار أهل حمص عليهم بالمصالحة فأبوا عليه ذلك وقالوا: أنصالح والملك منا قريب ؟ فيقال إن الصحابة كبروا في بعض الايام تكبيرة ارتجت منها المدينة حتى تفطرت منها بعض الجدران، ثم تكبيرة أخرى فسقطت بعض الدور، فجاءت عامتهم إلى خاصتهم فقالوا: ألا تنظرون إلى ما نزل بنا، وما نحن فيه ؟ ألا تصالحون القوم عنا ؟ قال: فصالحوهم على ما صالحوا عليه أهل دمشق، على نصف المنازل، وضرب الخراج على الاراضي، وأخذ الجزية على الرقاب بحسب الغنى والفقر.
وبعث أبو عبيدة بالاخماس والبشارة إلى عمر مع عبد الله بن مسعود.
وأنزل أبو عبيدة بحمص جيشا كثيفا يكون بها مع جماعة من الامراء، منهم بلال والمقداد وكتب أبو عبيدة إلى عمر يخبره بأن هرقل قد قطع الماء إلى الجزيرة (2) وأنه يظهر تارة ويخفى أخرى.
فبعث إليه عمر يأمره بالمقام ببلده.
__________
(1) في فتوح البلدان أن أهل حمص قاتلوا ثم لجأوا إلى المدينة وطلبوا الامان والصلح، فتم على مئة ألف وسبعين ألف دينار 1 / 155.
وقال الواقدي في فتوح الشام ان حمص جرى تسليمها إلى أبي عبيدة بعد قتال عنيف، وأصبحت المدينة تحت ذمامه وأمانه - يعني أبا عبيدة 1 / 144.
وهذا ما ذهب إليه ابن الاعثم في الفتوح: اقتتلوا يوما قتالا شديدا ولما كان الغد سألوا أبا عبيدة الصلح 1 / 216.
(2) لم يشر ابن الاعثم في كتاب أبي عبيدة إلى أمر هرقل، انظر نص الكتاب في الفتوح 1 / 216 والعبارة في الطبري:
إلى الجزيرة وهو بالرهاء ينغمس حينا ويطلع أحيانا، فبعث إلى عمر: ان أقم في مدينتك وادع أهل القوة والجلد من عرب الشام فإني غير تارك البعثة إليك بمن يكانفك إن شاء الله.
(*)

(7/61)


وقعة قنسرين لما فتح أبو عبيدة حمص بعث خالد بن الوليد إلى قنسرين، فلما جاءها ثار إليه أهلها ومن عندهم من نصارى العرب، فقاتلهم خالد فيها قتالا شديدا، وقتل منهم خلقا كثيرا، فأما من هناك من الروم فأبادهم وقتل أميرهم ميتاس (1).
وأما الاعراب فإنهم اعتذروا إليه بأن هذا القتال لم يكن عن رأينا فقبل منهم خالد وكف عنهم ثم خلص إلى البلد فتحصنوا فيه، فقال لهم خالد إنكم لو كنتم في السحاب لحملنا الله إليكم أو لانزلكم إلينا.
ولم يزل بهم حتى فتحها الله عليه.
ولله الحمد.
فلما بلغ عمر ما صنعه خالد في هذه الوقعة قال يرحم الله أبا بكر، كان أعلم بالرجال مني، والله إني لم أعزله عن ريبة ولكن خشيت أن يوكل الناس إليه.
وفي هذه السنة تقهقر هرقل بجنوده، وارتحل عن بلاد الشام إلى بلاد الروم.
هكذا ذكره ابن جرير عن محمد بن إسحاق: قال وقال سيف: كان ذلك في سنة ست عشرة، قالوا: وكان هرقل كلما حج إلى بيت المقدس وخرج منها يقول عليك السلام يا سورية، تسليم مودع لم يقض منك وطرا وهو عائد.
فلما عزم على الرحيل من الشام وبلغ الرها، طلب من أهلها أن يصحبوه إلى الروم، فقالوا: إن بقاءنا هاهنا أنفع لك من رحيلنا معك، فتركهم.
فلما وصل إلى شمشان (2) وعلا على شرف هنالك التفت إلى نحو بيت المقدس وقال: عليك السلام يا سورية سلاما لا اجتماع بعده إلا أن أسلم عليك تسليم المفارق، ولا يعود إليك رومي أبدا إلا خائفا حتى يولد المولود المشؤم، ويا ليته لم يولد.
ما أحلى فعله وأمر عاقبته على الروم ! ! ثم سار هرقل حتى نزل القسطنطينية واستقر بها ملكه، وقد سأل رجلا ممن اتبعه كان قد أسر مع المسلمين، فقال: أخبرني عن هؤلاء القوم، فقال: أخبرك كأنك تنظر إليهم، هم فرسان بالنهار، رهبان بالليل، لا يأكلون في ذمتهم إلا بثمن، ولا يدخلون إلا
بسلام، يقفون على من حاربوه حتى يأتوا عليه.
فقال: لئن كنت صدقتني ليملكن (3) موضع قدمي هاتين.
قلت وقد حاصر المسلمون قسطنطينية في زمان بني أمية فلم يملكوها ولكن سيملكها المسلمون في آخر الزمان كما سنبينه في كتاب الملاحم، وذلك قبل خروج الدجال بقليل على ما صحت به الاحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم وغيره من الائمة ولله الحمد والمنة.
وقد حرم الله على الروم أن يملكوها بلاد الشام برمتها إلى آخر الدهر، كما ثبت به الحديث في الصحيحين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك
__________
(1) في الطبري: ميناس.
(2) في الطبري: شمشاط.
(3) في الطبري: ليرثن.
(*)

(7/62)


قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله عز وجل " وقد وقع ما أخبر به صلوات الله وسلامه عليه كما رأيت، وسيكون ما أخبر به جزما لا يعود ملك القياصرة إلى الشام أبدا لان قيصر علم جنس عند العرب يطلق على كل من ملك الشام مع بلاد الروم.
فهذا لا يعود لهم أبدا.
وقعة قيسارية قال ابن جرير: وفي هذه السنة أمر عمر معاوية بن أبي سفيان على قيسارية وكتب إليه: أما بعد فقد وليتك قيسارية فسر إليها واستنصر الله عليهم، وأكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، الله ربنا وثقتنا ورجاؤنا ومولانا فنعم المولى ونعم النصير.
فسار إليها فحاصرها (1)، وزاحفه أهلها مرات عديدة، وكان آخرها وقعة أن قاتلوا قتالا عظيما، وصمم عليهم معاوية، واجتهد في القتال حتى فتح الله عليه فما انفصل الحال حتى قتل منهم نحوا من ثمانين ألفا، وكمل المائة الالف من الذين انهزموا عن المعركة، وبعث بالفتح والاخماس إلى أمير
المؤمنين عمر رضي الله عنه.
قال ابن جرير: وفيها كتب عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص بالمسير إلى إيليا، ومناجزة صاحبها فاجتاز في طريقه عند الرملة بطائفة من الروم فكانت.
وقعة أجنادين وذلك أنه سار بجيشه وعلى ميمنته ابنه عبد الله بن عمرو، وعلى ميسرته جنادة بن تميم المالكي، من بني مالك بن كنانة، ومعه شرحبيل بن حسنة، واستخلف على الاردن أبا الاعور السلمي، فلما وصل إلى الرملة وجد عندها جمعا من الروم عليهم الارطبون، وكان أدهى الروم وأبعدها غورا، وأنكأها فعلا، وقد كان وضع بالرملة جندا عظيما وبايلياء جندا عظيما، فكتب عمرو إلى عمر بالخبر.
فلما جاءه كتاب عمرو قال: قد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب، فانظروا عما تنفرج.
وبعث عمرو بن العاص علقمة بن حكيم الفراسي، ومسروق بن بلال العكي على قتال أهل إيليا.
وأبا أيوب المالكي إلى الرملة، وعليها التذارق، فكانوا بإزائهم ليشغلوهم عن عمرو بن العاص وجيشه، وجعل عمرو كلما قدم عليه إمداد من جهة عمر يبعث منهم طائفة إلى هؤلاء وطائفة إلى هؤلاء.
وأقام عمرو على أجنادين لا يقدر من الارطبون على سقطة
__________
(1) قال الواقدي: والذي اجتمع عليه العلماء ان أول الناس حاصرها عمرو بن العاص سنة ثلاث عشرة.
ثم حاصرها معاوية ودام حصارها سبع سنين وكان فتحها في شوال سنة تسع عشرة.
وانظر فتوح البلدان 2 / 169.
(*)

(7/63)


ولا تشفيه الرسل فوليه بنفسه، فدخل عليه كأنه رسول، فأبلغه ما يريد وسمع كلامه وتأمل حضرته (1) حتى عرف ما أراد، وقال الارطبون في نفسه: والله إن هذا لعمرو أو أنه الذي يأخذ عمرو برأيه، وما كنت لاطيب القوم بأمر هو أعظم من قتله.
فدعا حرسيا فساره فأمره بفتكه فقال: اذهب فقم في مكان كذا وكذا، فإذا مر بك فاقتله، ففطن عمرو بن العاص فقال للارطبون: أيها الامير إني قد سمعت كلامك وسمعت كلامي، وإني واحد من عشرة بعثنا عمر
ابن الخطاب لنكون مع هذا الوالي لنشهد أموره، وقد أحببت أن آتيك بهم ليسمعوا كلامك ويروا ما رأيت.
فقال الارطبون: نعم ! فاذهب فأتني بهم، ودعا رجلا فساره فقال: اذهب إلى فلان فرده.
وقام عمرو فذهب إلى جيشه ثم تحقق الارطبون أنه عمرو بن العاص، فقال: خدعني الرجل، هذا والله أدهى العرب (2).
وبلغت عمر بن الخطاب فقال: لله در عمرو.
ثم ناهضه عمرو فاقتتلوا بأجنادين قتالا عظيما، كقتال اليرموك، حتى كثرت القتلى بينهم ثم اجتمعت بقية الجيوش إلى عمرو بن العاص، وذلك حين أعياهم صاحب إيليا وتحصن منهم بالبلد، وكثر جيشه، فكتب الارطبون إلى عمرو بأنك صديقي ونظيري أنت في قومك مثلي في قومي، والله لا تفتح من فلسطين شيئا بعد أجنادين فارجع ولا تغر فتلقى مثل ما لقي الذين قبلك من الهزيمة، فدعا عمرو رجلا يتكلم بالرومية فبعثه إلى أرطبون وقال: اسمع ما يقول لك ثم ارجع فأخبرني.
وكتب إليه معه: جاءني كتابك وأنت نظيري ومثلي في قومك، لو أخطأتك خصلة تجاهلت فضيلتي وقد علمت أني صاحب فتح هذه البلاد، واقرأ كتابي هذا بمحضر من أصحابك ووزرائك.
فلما وصله الكتاب جمع وزراءه وقرأ عليهم الكتاب فقالوا للارطبون: من أين علمت أنه ليس بصاحب فتح هذه البلاد ؟ فقال: صاحبها رجل اسمه على ثلاثة أحرف.
فرجع الرسول إلى عمرو فأخبره بما قال فكتب عمرو إلى عمر يستمده ويقول له: إني أعالج حربا كؤدا صدوما، وبلادا ادخرت لك، فرأيك.
فلما وصل الكتاب إلى عمر علم أن عمرا لم يقل ذلك إلا لامر علمه، فعزم عمر على الدخول إلى الشام لفتح بيت المقدس كما سنذكر تفصيله.
قال سيف بن عمر عن شيوخه: وقد دخل عمر الشام أربع مرات، الاولى كان راكبا فرسا حين فتح بيت المقدس، والثانية على بعير، والثالثة وصل إلى سرع ثم رجع لاجل ما وقع بالشام من الوباء.
والرابعة دخلها على حمار هكذا نقله ابن جرير عنه.
فتح بيت المقدس على يدي عمر بن الخطاب ذكره أبو جعفر بن جرير في هذه السنة عن رواية سيف بن عمر وملخص ما ذكره هو وغيره
__________
(1) في الطبري: حصونه.
(2) في الطبري: الخلق.
(*)

(7/64)


أن أبا عبيدة لما فرغ من دمشق كتب (1) إلى أهل إيليا يدعوهم إلى الله وإلى الاسلام، أو يبذلون الجزية أو يؤذنوا بحرب.
فأبوا أن يجيبوا إلى ما دعاهم إليه.
فركب إليهم في جنوده واستخلف على دمشق سعيد بن زيد ثم حاصر بيت المقدس وضيق عليهم (2) حتى أجابوا إلى الصلح بشرط أن يقدم إليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.
فكتب إليه أبو عبيدة بذلك فاستشار عمر الناس في ذلك فأشار عثمان بن عفان بأن لا يركب إليهم ليكون أحقر لهم وأرغم لا نوفهم.
وأشار علي بن أبي طالب بالمسير إليهم ليكون أخف وطأة على المسلمين في حصارهم بينهم، فهوى ما قال علي ولم يهو ما قال عثمان.
وسار بالجيوش نحوهم واستخلف على المدينة علي بن أبي طالب وسار العباس ابن عبد المطلب (3) على مقدمته، فلما وصل إلى الشام تلقاه أبو عبيدة ورؤس الامراء، كخالد بن الوليد، ويزيد بن أبي سفيان، فترجل أبو عبيدة وترجل عمر فأشار أبو عبيدة ليقبل يد عمر فهم عمر بتقبيل رجل أبي عبيده فكف أبو عبيدة فكف عمر.
ثم سار حتى صالح نصارى بيت المقدس واشترط عليهم إجلاء الروم إلى ثلاث ثم دخلها إذ دخل المسجد من الباب الذي دخل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الاسراء.
ويقال إنه لبى حين دخل بيت المقدس فصلى فيه تحية المسجد بمحراب داود، وصلى بالمسلمين فيه صلاة الغداة من الغد فقرأ في الاولى بسورة ص وسجد فيها والمسلمون معه، وفي الثانية بسورة بني إسرائيل، ثم جاء إلى الصخرة فاستدل على مكانها من كعب الاحبار وأشار عليه كعب أن يجعل المسجد من ورائه فقال ضاهيت اليهودية.
ثم جعل المسجد في قبلي بيت المقدس وهو العمري اليوم ثم نقل التراب عن الصخرة في طرف ردائه وقبائه، ونقل المسلمون معه في ذلك، وسخر أهل الاردن في نقل بقيتها، وقد كانت الروم جعلوا الصخرة مزبلة لانها قبلة اليهود، حتى أن المرأة كانت ترسل خرقة حيضتها من داخل الحوز لتلقى في الصخرة، وذلك مكافأة لما كانت اليهود عاملت به القمامة وهي المكان الذي كانت اليهود صلبوا فيه المصلوب فجعلوا يلقون على قبره القمامة فلاجل ذلك سمي ذلك الموضع القمامة وانسحب هذا الاسم على
الكنيسة التي بناها النصارى هنالك.
__________
(1) ذكر الازدي في فتوح الشام 243 نص كتاب أبي عبيدة إلى أهل إيلياء وفيه: بسم الله الرحمن الرحيم من أبي عبيدة بن الجراح إلى بطارقة أهل إيلياء وسكانها...فإنا ندعوكم إلى شهادة ان لا إله إلا الله...فإن أبيتم فأقروا لنا باعطاء الجزية...وإن أبيتم سرت إليكم بقوم هم أشد حبا للموت منكم للحياة ولشرب الخمر وأكل الخنزير، ثم لا أرجع عنكم إن شاء الله حتى أقتل مقاتلتكم واسبي ذراريكم.
(2) قال الازدي: فخرج أهل إيلياء فقاتلوا المسلمين ساعة، ثم انهزموا ثم قاتلوهم ثم انهزموا إلى داخل حصنهم.
أما الواقدي فذكر في فتوح الشام: ولم يزل أبو عبيدة ينازل بيت المقدس أربعة أشهر كاملة وما من يوم إلا ويقاتلهم قتالا شديدا، (ثم طلبوا أن يبعث إلى عمر ليفتحوا له البلد) فأمر أبو عبيدة بالكف عنهم 1 / 218 - 219.
(3) في الطبري فكالاصل، وفي فتوح الواقدي 1 / 220: سار معه الزبير وعبادة بن الصامت.
(*)

(7/65)


وقد كان هرقل حين جاءه الكتاب النبوي وهو بإيلياء وعظ النصارى فيما كانوا قد بالغوا في إلقاء الكناسة على الصخرة حتى وصلت إلى محراب داود قال لهم: إنكم لخليق أن تقتلوا على هذه الكناسة مما امتهنتم هذا المسجد كما قتلت بنو إسرائيل على دم يحيى بن زكريا ثم أمروا بإزالتها فشرعوا في ذلك فما أزالوا ثلثها حتى فتحها المسلمون فأزالها عمر بن الخطاب وقد استقصى هذا كله بأسانيده ومتونه الحافظ بهاء الدين بن الحافظ أبي القاسم بن عساكر في كتابه المستقصى في فضائل المسجد الاقصى.
وذكر سيف في سياقه: أن عمر رضي الله عنه ركب من المدينة على فرس ليسرع السير بعد ما استخلف عليها علي بن أبي طالب، فسار حتى قدم الجابية فنزل بها وخطب بالجابية خطبة طويلة بليغة منها: " أيها الناس أصلحوا سرائركم تصلح علانيتكم، واعملوا لآخرتكم تكفوا أمر دنياكم، واعلموا أن رجلا ليس بينه وبين آدم أب حي ولا بينه وبين الله هوادة، فمن أراد لحب (طريق) وجه الجنة فليلزم الجماعة فإن الشيطان مع الواحد وهو مع الاثنين أبعد، ولا يخلون
أحدكم بإمرأة فإن الشيطان ثالثهما (1)، ومن سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن (2) " وهي خطبة طويلة اختصرناها.
ثم صالح عمر أهل الجابية ورحل إلى بيت المقدس وقد كتب إلى أمراء الاجناد أن يوافوه في اليوم الفلاني إلى الجابية فتوافوا أجمعون في ذلك اليوم إلى الجابية.
فكان أول من تلقاه يزيد بن أبي سفيان، ثم أبو عبيدة، ثم خالد بن الوليد في خيول المسلمين وعليهم يلامق الديباج، فسار إليهم عمر ليحصبهم (3) فاعتذروا إليه بأن عليهم السلاح، وأنهم يحتاجون إليه في حروبهم.
فسكت عنهم واجتمع الامراء كلهم بعد ما استخلفوا على أعمالهم، سوى عمرو بن العاص وشرحبيل فإنهما مواقفان الارطبون بأجنادين، فبينما عمر في الجابية إذا بكردوس من الروم بأيديهم سيوف مسللة، فسار إليهم المسلمون بالسلاح فقال عمر: إن هؤلاء قوم يستأمنون.
فساروا نحوهم فإذا هم جند (4) من بيت المقدس يطلبون الامان والصلح من أمير المؤمنين حين سمعوا بقدومه فأجابهم عمر رضي الله عنه إلى ما سألوا، وكتب لهم كتاب أمان ومصالحة، وضرب عليهم الجزية، واشترط عليهم شروطا ذكرها ابن جرير (5)، وشهد في الكتاب خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاوية بن أبي سفيان، وهو كاتب الكتاب
__________
(1) في فتوح الشام للواقدي: فإنهن من حبائل الشيطان.
وعن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله قال: لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان.
رواه الترمذي.
(2) انظر الخطبة في فتوح الواقدي 1 / 222 - 223.
(3) وقال لهم لما رأى ما عليهم من ثياب: ويحكم لا تعتزوا بغير ما أعزكم الله به فتذلوا.
(4) وكان على جند إيلياء القادمين: ابن الجعيد قاله الازدي في فتوحه ص (254) وفي ابن الاعثم: أبو الجعيد وهو من المستعربة.
(5) انظر صورتي عهد عمر لاهل بيت مقدس وأهل لد في الطبري 4 / 159.
(*)

(7/66)


وذلك في سنة خمس عشرة (1).
ثم كتب لاهل لد ومن هنالك من الناس كتابا آخر (2) وضرب عليهم الجزية، ودخلوا فيما صالح عليه أهل إيلياء، وفر الارطبون إلى بلاد مصر، فكان بها حتى
فتحها عمرو بن العاص، ثم فر إلى البحر فكان يلي بعض السرايا الذين يقاتلون المسلمين فظفر به رجل من قيس فقطع يد القيسي وقتله القيسي وقال في ذلك: فإن يكن أرطبون الروم أفسدها * فإن فيها بحمد الله منتفعا وإن يكن أرطبون الروم قطعها * فقد تركت بها أوصاله قطعا ولما صالح أهل الرملة وتلك البلاد، أقبل عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة حتى قدما الجابية فوجدا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب راكبا، فلما اقتربا منه أكبا على ركبتيه فقبلاها واعتنقهما عمر معا رضي الله عنهم * قال سيف ثم سار عمر إلى بيت المقدس من الجابية وقد توحى فرسه فأتوه ببرذون فركبه فجعل يهملج به فنزل عنه وضرب وجهه وقال لا علم الله من علمك، هذا من الخيلاء (3)، ثم لم يركب برذونا قبله ولا بعده، ففتحت إيلياء وأرضها على يديه ما خلا أجنادين فعلى يدي عمرو.
وقيسارية فعلى يدي معاوية.
هذا سياق سيف بن عمر وقد خالفه غيره من أئمة السير فذهبوا إلى أن فتح بيت المقدس كان في سنة ست عشرة.
قال محمد بن عائذ عن الوليد بن مسلم عن عثمان بن حصن بن علان قال يزيد بن عبيدة: فتحت بيت المقدس سنة ست عشرة وفيها قدم عمر بن الخطاب الجابية.
وقال أبو زرعة الدمشقي عن دحيم عن الوليد بن مسلم قال: ثم عاد في سنة سبع عشرة فرجع من سرع ثم قدم سنة ثماني عشرة فاجتمع إليه الامراء وسلموا إليه ما اجتمع عندهم من الاموال فقسمها وجند الاجناد ومصر الامصار ثم عاد إلى المدينة.
وقال يعقوب بن سفيان: ثم كان فتح الجابية وبيت المقدس سنة ست عشرة.
وقال أبو معشر: ثم كان عمواس والجابية في سنة ست عشرة.
ثم كانت سرع في سبع عشرة، ثم كان عام الرمادة في سنة ثماني عشرة قال: وكان فيها طاعون عمواس (4) - يعني فتح البلدة المعروفة بعمواس - فأما الطاعون المنسوب إليها فكان في سنة ثماني عشرة كما سيأتي قريبا إن شاء الله تعالى.
قال أبو مخنف: لما قدم عمر الشام فرأى غوطة دمشق ونظر إلى المدينة والقصور والبساتين تلا
__________
(1) بالاصل: خمسة عشر.
خطأ.
(2) زاد الواقدي في فتوحه 1 / 224: واني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من الكبر " ولقد كاد أن يهلكني برذونكم المهملج وثوبكم الابيض.
(3) عمواس: كورة من فلسطين بالقرب من بيت المقدس، على أربعة أميال من الرملة على طريق القدس.
والطاعون: بثور أو أورام تظهر في الجسم مع التهاب شديد ومؤذ جدا وهو مرض فتاك شديد العدوى.
(*)

(7/67)


قوله تعالى * (كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين، كذلك وأورثناها قوما آخرين) * [ الدخان: 24 ] ثم أنشد قول النابغة: هما فتيا دهر يكر عليهما * نهار وليل يلحقان التواليا إذا ما هما مرا بحي بغبطة * أناخا بهم حتى يلاقوا الدواهيا وهذا يقتضي بادي الرأي أنه دخل دمشق وليس كذلك، فإنه لم ينقل أحد أنه دخلها في شئ من قدماته الثلاث إلى الشام، أما الاولى وهي هذه فإنه سار من الجابية إلى بيت المقدس، كما ذكر سيف وغيره والله أعلم.
وقال الواقدي أما رواية غير أهل الشام فهي أن عمر دخل الشام مرتين ورجع الثالثة من سرع سنة سبع عشرة وهم يقولون دخل في الثالثة دمشق وحمص وأنكر الواقدي ذلك.
قلت: ولا يعرف أنه دخل دمشق إلا في الجاهلية قبل إسلامه كما بسطنا ذلك في سيرته.
وقد روينا أن عمر حين دخل بيت المقدس سأل كعب الاحبار عن مكان الصخرة فقال: يا أمير المؤمنين اذرع من وادي جهنم كذا وكذا ذراعا فهي ثم.
فذرعوا فوجدوها وقد اتخذها النصارى مزبلة، كما فعلت اليهود بمكان القمامة، وهو المكان الذي صلب فيه المصلوب الذي شبه بعيسى فاعتقدت النصارى واليهود أنه المسيح.
وقد كذبوا في اعتقادهم هذا كما نص الله تعالى على خطئهم في ذلك.
والمقصود أن النصارى لما حكموا على بيت المقدس قبل البعثة بنحو من ثلثمائة سنة، طهروا مكان القمامة واتخذوه كنيسة هائلة بنتها أم الملك قسطنطين باني المدينة المنسوبة إليه، واسم أمه هيلانة الحرانية البندقانية.
وأمرت ابنها فبنى للنصارى بيت لحم على موضع الميلاد، وبنت هي على موضع
القبر فيما يزعمون.
والغرض أنهم اتخذوا مكان قبلة اليهود مزبلة أيضا، في مقابلة ما صنعوا في قديم الزمان وحديثه.
فلما فتح عمر بيت المقدس وتحقق موضع الصخرة، أمر بإزالة ما عليها من الكناسة حتى قيل إنه كنسها بردائه، ثم استشار كعبا أين يضع المسجد ؟ فأشار عليه بأن يجعله وراء الصخرة، فضرب في صدره وقال: يا ابن أم كعب ضارعت اليهود: وأمر ببنائه في مقدم بيت المقدس.
قال الامام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، ثنا حماد بن سلمة، عن أبي سنان، عن عبيد بن آدم وأبي مريم وأبي شعيب أن عمر بن الخطاب كان بالجابية فذكر فتح بيت المقدس، قال: قال ابن سلمة: فحدثني أبو سنان عن عبيد بن آدم سمعت عمر يقول لكعب: أين ترى أن أصلي ؟ قال إن أخذت عني صليت خلف الصخرة وكانت القدس كلها بين يديك، فقال عمر ضاهيت اليهودية لا ولكن أصلي حيث صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتقدم إلى القبلة فصلى، ثم جاء فبسط رداءه وكنس الكناسة في ردائه وكنس الناس.
وهذا إسناد جيد اختاره الحافظ ضياء الدين المقدسي في كتابه المستخرج، وقد تكلمنا على رجاله في كتابنا الذي أفردناه في مسند عمر، ما رواه من الاحاديث المرفوعة وما روي

(7/68)


عنه من الآثار الموقوفة مبوبا على أبواب الفقه ولله الحمد والمنة.
وقد روى سيف بن عمر عن شيوخه عن سالم قال: لما دخل عمر الشام تلقاه رجل من يهود دمشق، فقال السلام عليك يا فاروق، أنت صاحب إيلياء ؟ لاها لله لا ترجع حتى يفتح الله عليك إيلياء.
وقد روى أحمد بن مروان الدينوري، عن محمد بن عبد العزيز، عن أبيه، عن الهيثم بن عدي، عن أسامة بن زيد بن أسلم، عن أبيه عن جده أسلم مولى عمر بن الخطاب أنه قدم دمشق في تجار من قريش، فلما خرجوا تخلف عمر لبعض حاجته، فبينما هو في البلد إذا البطريق يأخذ بعنقه، فذهب ينازعه فلم يقدر، فأدخله دارا فيها تراب وفأس ومجرفة وزنبيل، وقال له: حول هذا من ههنا إلى ههنا، وغلق عليه الباب وانصرف فلم يجئ إلى نصف النار.
قال: وجلست مفكرا ولم أفعل مما قال لي شيئا.
فلما جاء قال: مالك لم تفعل ؟ ولكمني في رأسي بيده قال: فأخذت الفأس
فضربته بها فقتلته وخرجت على وجهي فجئت ديرا لراهب فجلست عنده من العشي، فأشرف علي فنزل وأدخلني الدير فأطعمني وسقاني، وأتحفني، وجعل يحقق النظر في، وسألني عن أمري فقلت: إني أضللت أصحابي.
فقال: إنك لتنظر بعين خائف، وجعل يتوسمني ثم قال: لقد علم أهل دين النصرانية أني أعلمهم بكتابهم، وإني لاراك الذي تخرجنا من بلادنا هذه، فهل لك أن تكتب لي كتاب أمان على ديري هذا ؟ فقلت: يا هذا لقد ذهبت غير مذهب.
فلم يزل بي حتى كتبت له صحيفة بما طلب مني، فلما كان وقت الانصراف أعطاني أتانا فقال لي اركبها، فإذا وصلت إلى أصحابك فابعث إلي بها وحدها فإنها لا تمر بدير إلا أكرموها.
ففعلت ما أمرني به، فلما قدم عمر لفتح بيت المقدس أتاه ذلك الراهب وهو بالجابية بتلك الصحيفة فأمضاها له عمر واشترط عليه ضيافة من يمر به من المسلمين، وأن يرشدهم إلى الطريق.
رواه ابن عساكر وغيره.
وقد ساقه ابن عساكر من طريق أخرى في ترجمة يحيى بن عبيد الله بن أسامة القرشي البلقاوي عن زيد بن أسلم، عن أبيه فذكر حديثا طويلا عجيبا هذا بعضه.
وقد ذكرنا الشروط العمرية على نصارى الشام مطولا في كتابنا الاحكام، وأفردنا له مصنفا على حدة ولله الحمد والمنة.
وقد ذكرنا خطبته في الجابية بألفاظها وأسانيدها في الكتاب الذي أفردناه لمسند عمر، وذكرنا تواضعه في دخوله الشام في السيرة التي أفردناها له.
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثني الربيع بن ثعلب، نا أبو إسماعيل المؤدب، عن عبد الله ابن مسلم بن هرمز المكي، عن أبي الغالية الشامي قال: قدم عمر بن الخطاب الجابية على طريق إيلياء على جمل أورق، تلوح صلعته للشمس، ليس عليه قلنسوة ولا عمامة، تصطفق رجلاه بين شعبتي الرحل بلا ركاب، وطاؤه كساء انبجاني ذو صوف هو وطاؤه إذا ركب، وفراشه إذا نزل، حقيبته نمرة أو شملة محشوة ليفا، هي حقيبته إذا ركب ووسادته إذا نزل وعليه قميص من كرابيس قد رستم وتخرق جنبه.
فقال: ادعوا لي رأس القوم، فدعوا له الجلومس، فقال: اغسلوا قميصي

(7/69)


وخيطوه وأعيروني ثوبا أو قميصا.
فأتي بقميص كتان فقال: ما هذا ؟ قالوا: كتان.
قال: وما
الكتان ؟ فأخبروه فنزع قميصه فغسل ورقع وأتي به فنزع قميصهم ولبس قميصه.
فقال له الجلومس: أنت ملك العرب وهذه بلاد لا تصلح بها الابل، فلو لبست شيئا غير هذا وركبت برذونا لكان ذلك أعظم في أعين الروم.
فقال: نحن قوم أعزنا الله بالاسلام فلا نطلب بغير الله بديلا.
فأتي ببرذون فطرح عليه قطيفة بلا سرج ولا رحل فركبه بها فقال: احبسوا احبسوا، ما كنت أرى الناس يركبون الشيطان قبل هذا فأتي بجمله فركبه.
وقال إسماعيل بن محمد الصفار: حدثنا سعد أن بن نصر، حدثنا سفيان، عن أيوب الطائي، عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: لما قدم عمر الشام عرضت له مخاضة فنزل عن بعيره ونزع موقيه فأمسكهما بيد، وخاض الماء ومعه بعيره، فقال له أبو عبيدة: قد صنعت اليوم صنيعا عظيما عند أهل الارض، صنعت كذا وكذا، قال: فصك في صدره وقال: أولو غيرك يقولها يا أبا عبيدة، إنكم كنتم أذل الناس وأحقر الناس وأقل الناس، فأعزكم الله بالاسلام فمهما تطلبوا العز بغيره يذلكم الله.
[ أيام برس وبابل وكوثى ] قال ابن جرير: وفي هذه السنة - أعني سنة خمس عشرة - كانت بين المسلمين وفارس وقعات في قول سيف بن عمر.
وقال ابن إسحاق والواقدي: إنما كان ذلك في سنة ست عشرة، ثم ذكر ابن جرير وقعات كثيرة كانت بينهم، وذلك حين بعث عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص يأمره بالمسير إلى المدائن، وأن يخلف النساء والعيال بالعقيق (1) في خيل كثيرة كثيفة، فلما تفرغ سعد من القادسية بعث على المقدمة زهرة بن حوية، ثم أتبعه بالامراء واحدا بعد واحد، ثم سار في الجيوش وقد جعل هاشم بن عتبة بن أبي وقاص على خلافته مكان خالد بن عرفطة، وجعل خالدا هذا على الساقة، فساروا في خيول عظيمة، وسلاح كثير، وذلك لايام بقين من شوال من هذه السنة، فنزلوا الكوفة وارتحل زهرة بين أيديهم نحو المدائن (2)، فلقيه بها يصبهرى في جيش من فارس فهزمهم زهرة وذهبت الفرس في هزيمتهم إلى بابل وبها جمع كثير ممن انهزم يوم القادسية قد جعلوا عليهم الفيرزان، فبعث زهرة إلى سعد فأعلمه باجتماع المنهزمين ببابل، فسار سعد
بالجيوش إلى بابل، فتقابل هو والفيرزان عند بابل فهزمهم كأسرع من لفة الرداء، وانهزموا بين يديه فرقتين ففرقة ذهبت إلى المدائن، وأخرى سارت إلى نهاوند (3)، وأقام سعد ببابل أياما ثم سار
__________
(1) كذا بالاصل وفي الطبري والكامل: العتيق وفي فتوح الواقدي 2 / 194: الحيرة.
(2) في الطبري والكامل: برس.
وفي الواقدي: بالس.
وبرس موضع بأرض بابل به آثار لبخت نصر وثل مفرط العلويسمى صرح البرس.
(3) في الكامل والطبري: ثلاث فرق، والثالثة عليها الهرمزان سار إلى الاهواز.
(*)

(7/70)


منها نحو المدائن فلقوا جمعا آخر من الفرس فاقتتلوا قتالا شديدا وبارزوا أمير الفرس، وهو شهريار، فبرز إليه رجل من المسلمين يقال له نائل الاعرجي أبو نباتة من شجعان بني تميم، فتجاولا ساعة بالرماح، ثم ألقياها فانتضيا سيفيهما وتصاولا بهما، ثم تعانقا وسقطا عن فرسيهما إلى الارض، فوقع شهريار على صدر أبي نباتة، وأخرج خنجرا ليذبحه بها، فوقعت أصبعه في فم أبي نباتة فقضمها حتى شغله عن نفسه، وأخذ الخنجر فذبح شهريار بها وأخذ فرسه وسواريه وسلبه، وانكشف أصحابه فهزموا، فأقسم سعد على نائل ليلبس سواري شهريار وسلاحه، وليركبن فرسه إذا كان حرب فكان يفعل ذلك.
قالوا: وكان أول من تسور بالعراق، وذلك بمكان يقال له كوثى (1).
وزار المكان الذي حبس فيه الخليل وصلى عليه وعلى سائر الانبياء، وقرأ * (وتلك الايام نداولها بين الناس) * الآية [ آل عمران: 140 ].
وقعة نهر شير (2) قالوا: ثم قدم سعد زهرة بين يديه من كوثى إلى نهرشير فمضى إلى المقدمة وقد تلقاه شيرزاذ (3) إلى ساباط بالصلح والجزية فبعثه إلى سعد فأمضاه، ووصل سعد بالجنود إلى مكان يقال له مظلم ساباط، فوجدوا هنالك كتائب كثيرة لكسرى يسمونها بوران، وهم يقسمون كل يوم لا يزول ملك فارس ما عشنا، ومعهم أسد كبير لكسرى يقال له المقرط، قد أرصدوه في طريق المسلمين فتقدم إليه ابن أخي سعد، وهو هاشم بن عتبة، فقتل الاسد والناس ينظرون وسمى
يومئذ سيفه المتين (4) وقبل سعد يومئذ رأس هاشم، وقبل هاشم قدم سعد (5).
وحمل هاشم على الفرس فأزالهم عن أماكنهم وهزمهم وهو يتلو قوله تعالى * (أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال) * فلما كان الليل ارتحل المسلمون ونزلوا نهر شير فجعلوا كلما وقفوا كبروا وكذلك حتى كان آخرهم مع سعد فأقاموا بها شهرين ودخلوا في الثالث وفرغت السنة.
قال ابن جرير: وفيها حج بالناس عمر وكان عامله فيها على مكة عتاب بن أسيد، وعلى الشام أبو عبيدة، وعلى الكوفة والعراق سعد، وعلى الطائف يعلى بن أمية (6) وعلى البحرين
__________
(1) في فتوح الواقدي: كوثاريا.
وكوثى موضع بالعراق في أرض بابل، وكوثى العراق كوثيان: أحدهما كوثى الطريق والآخر كوثى ربى وبها مشهد الخليل عليه السلام وبها مولده وبها طرح ابراهيم في النار.
(2) كذا بالاصل وفي الطبري والكامل والبلاذري: بهرسير.
وفي فتوح الواقدي: نهمشير.
(3) في الواقدي: سرزاد.
(4) في الطبري: المنن.
(5) كذا في الطبري والكامل: أما الواقدي فقال في فتوح العراق 2 / 198: ان هاشم بن المرقال قتل سرزاد وذكر بقية القصة كالاصل.
(6) في الطبري: منية.
(*)

(7/71)


واليمامة عثمان بن أبي العاص، وعلى عمان حذيفة بن محصن.
قلت: وكانت وقعة اليرموك في سنة خمس عشرة في رجب منها عند الليث بن سعد وابن لهيعة وأبي معشر والوليد بن مسلم ويزيد بن عبيدة وخليفة بن خياط وابن الكلبي ومحمد بن عائذ وابن عساكر وشيخنا أبي عبد الله الذهبي الحافظ.
وأما سيف بن عمر وأبو جعفر بن جرير فذكروا وقعة اليرموك في سنة ثلاث عشرة.
وقد قدمنا ذكرها هنالك تبعا لابن جرير، وهكذا وقعة القادسية عند بعض الحفاظ أنها كانت في أواخر هذه السنة - سنة خمس عشرة - وتبعهم في ذلك شيخنا الحافظ الذهبي.
والمشهور أنها كانت في سنة أربع عشرة كما تقدم ثم ذكر شيخنا الذهبي.
من توفي في هذه السنة مرتبين على الحروف سعد بن عبادة الانصاري الخزرجي، وهو أحد أقوال المؤرخين.
وقد تقدم * سعد بن عبيد ابن النعمان أبو زيد الانصاري الاوسي، قتل بالقادسية، ويقال إنه أبو زيد القاري أحد الاربعا الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنكر آخرون ذلك، ويقال إنه والد عمير بن سعد الزاهد أمير حمص.
وذكر محمد بن سعد وفاته بالقادسية وقال: كانت في سنة ست عشرة والله أعلم * سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبدود بن نصر بن حسل بن عامر بن لؤي أبو يزيد العامري أحد خطباء قريش وأشرافهم، أسلم يوم الفتح وحسن إسلامه وكان سمحا جوادا فصيحا كثير الصلاة والصوم والصدقة وقراءة القرآن والبكاء.
ويقال إنه قام وصام حتى شحب لونه.
وله سعي مشكور في صلح الحديبية.
ولما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس بمكة خطبة عظيمة تثبت الناس على الاسلام، وكانت خطبته بمكة قريبا من خطبة الصديق بالمدينة، ثم خرج في جماعة إلى الشام مجاهدا فحضر اليرموك وكان أميرا على بعض الكراديس، ويقال إنه استشهد يومئذ.
وقال الواقدي والشافعي.
توفي بطاعون عمواس * عامر بن مالك بن أهيب الزهري أخي سعد بن أبي وقاص، هاجر إلى الحبشة، وهو الذي قدم بكتاب عمر إلى أبي عبيدة بولايته على الشام وعزل خالد عنها، استشهد يوم اليرموك * عبد الله بن سفيان بن عبد الاسد المخزومي، صحابي هاجر إلى الحبشة مع عمه أبي سلمة بن عبد الاسد.
روى عنه عمرو بن دينار منقطعا لانه قتل يوم اليرموك * عبد الرحمن بن العوام، أخو الزبير بن العوام، حضر بدرا مشركا ثم أسلم واستشهد يوم اليرموك في قول * عتبة بن غزوان، توفي فيها في قول * عكرمة بن أبي جهل استشهد باليرموك في قول * عمرو بن أم مكتوم استشهد يوم القادسية وقد تقدم، ويقال بل رجع إلى المدينة * عمرو بن الطفيل بن عمرو تقدم * عامر بن أبي ربيعة تقدم * فراس بن النضر بن الحارث يقال استشهد يوم اليرموك * قيس بن عدي بن سعد بن سهم من مهاجرة الحبشة قتل باليرموك * قيس بن أبي صعصعة * عمرو بن زيد بن عوف الانصاري المازني شهد العقبة وبدرا، وكان أحد أمراء الكراديس يوم اليرموك، وقتل يومئذ، وله حديث قال: قلت يا رسول الله في كم

(7/72)


أقرأ القرآن ؟ قال: " في خمس عشرة " الحديث، قال شيخنا أبو عبد الله الذهبي: ففيه دليل على أنه ممن جمع القرآن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم * نصير بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي القرشي العبدري، أسلم عام الفتح، وكان من علماء قريش، وأعطاه رسول الله صلى الله عليه سلم يوم حنين مائة من الابل، فتوقف في أخذها وقال: لا أرتشي على الاسلام، ثم قال: والله ما طلبتها ولا سألتها، وهي عطية من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذها وحسن إسلامه، واستشهد يوم اليرموك * نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان أسن من أسلم من بني عبد المطلب، وكان ممن أسر يوم بدر ففاداه العباس، ويقال إنه هاجر أيام الخندق وشهد الحديبية والفتح، وأعان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين بثلاثة آلاف رمح، وثبت يومئذ وتوفي سنة خمس عشرة، وقيل سنة عشرين والله أعلم، توفي بالمدينة وصلى عليه عمر ومشى في جنازته ودفن بالبقيع وخلف عدة أولاد فضلاء وأكابر * هشام بن العاص أخو عمرو بن العاص تقدم وقال ابن سعد: قتل يوم اليرموك.
ثم دخلت سنة ست عشرة استهلت هذه السنة وسعد بن أبي وقاص منازل مدينة نهرشير، وهي إحدى مدينتي كسرى مما يلي دجلة من الغرب، وكان قدوم سعد إليها في ذي الحجة من سنة خمس عشرة، واستهلت هذه السنة وهو نازل عندها.
وقد بعث السرايا والخيول في كل وجه، فلم يجدوا واحدا من الجند، بل جمعوا من الفلاحين مائة ألف فحبسوا حتى كتب إلى عمر ما يفعل بهم، فكتب إليه عمر: إن من كان من الفلاحين لم يعن عليكم وهو مقيم ببلده فهو أمانه، ومن هرب فأدركتموه فشأنكم به.
فأطلقهم سعد بعد ما دعاهم إلى الاسلام فأبوا إلا الجزية.
ولم يبق من غربي دجلة إلى أرض العرب أحد من الفلاحين إلا تحت الجزية والخراج، وامتنعت نهرشير من سعد أشد الامتناع، وقد بعث إليهم سعد سلمان الفارسي فدعاهم إلى الله عز وجل أو الجزية أو المقاتلة، فأبوا إلا المقاتلة والعصيان، ونصبوا المجانيق والدبابات، وأمر سعد بعمل المجانيق فعملت
عشرون منجنيقا، ونصبت على نهرشير، واشتد الحصار وكان أهل نهرشير يخرجون فيقاتلون قتالا شديدا ويحلفون أن لا يفروا أبدا، فأكذبهم الله وهزمهم زهرة بن حوية بعد ما أصابه سهم وقتل بعد مصابه كثيرا من الفرس وفروا بين يديه ولجأوا إلى بلدهم، فكانوا يحاصرون فيه أشد الحصار، وقد انحصر أهل البلد حتى أكلوا الكلاب والسنانير وقد أشرف رجل منهم على المسلمين فقال: يقول لكم الملك: هل لكم إلى المصالحة على أن لنا ما يلينا من دجلة إلى جبلنا، ولكم ما يليكم من دجلة إلى جبلكم ؟ أما شبعتم ؟ لا أشبع الله بطونكم.
قال: فبدر الناس رجل يقال له أبو مقرن (1) الاسود بن قطبة فأنطقه الله بكلام لم يدر ما قال لهم، قال: فرجع الرجل ورأيناهم
__________
(1) في الطبري أبو مفزر، وفي فتوح العراق للواقدي: أبو مرة الاسود بن قطينة.
(*)

(7/73)


يقطعون من نهرشير إلى المدائن.
فقال الناس لابي مقرن: ما قلت لهم: فقال: والذي بعث محمدا بالحق ما أدري ما قلت لهم إلا أن علي سكينة وأنا أرجو أن أكون قد أنطقت بالذي هو خير، وجعل الناس ينتابونه يسألونه عن ذلك، وكان فيمن سأله سعد بن أبي وقاص، وجاءه سعد إلى منزله فقال: يا أبا مقرن ما قلت: فوالله إنهم هراب.
فحلف له أنه لا يدري ما قال.
فنادى سعد في الناس ونهد بهم إلى البلد والمجانيق تضرب في البلد، فنادى رجل من البلد بالامان فأمناه، فقال والله ما بالبلد أحد، فتسور الناس السور فما وجدنا فيها أحدا ألا قد هربوا إلى المدائن.
وذلك في شهر صفر من هذه السنة فسألنا ذلك الرجل وأناسا من الاسارى فيها لاي شئ هربوا ؟ قالوا بعث الملك إليكم يعرض عليكم الصلح فأجابه ذلك الرجل بأنه لا يكون بينكم وبينه صلح أبدا حتى نأكل عسل افريذين بأترج كوثى (1).
فقال الملك: يا ويلاه إن الملائكة لتتكلم على ألسنتهم، ترد علينا وتجيبنا عن العرب.
ثم أمر الناس بالرحيل من هناك إلى المدائن فجازوا في السفن منها إليها وبينهما دجلة، وهي قريبة منها جدا، ولما دخل المسلمون نهرشير لاح لهم القصر الابيض من المدائن وهو قصر الملك الذي ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سيفتحه الله على أمته، وذلك قريب الصباح، فكان أول من رآه من المسلمين ضرار بن الخطاب، فقال: الله أكبر أبيض
كسرى، هذا ما وعدنا الله ورسوله.
ونظر الناس إليه فتتابعوا التكبير إلى الصبح.
ذكر فتح المدائن لما فتح سعد نهرشير واستقر بها، وذلك في صفر (2) لم يجد فيها أحدا ولا شيئا مما يغنم، بل قد تحولوا بكمالهم إلى المدائن وركبوا السفن وضموا السفن إليهم، ولم يجد سعد رضي الله عنه شيئا من السفن وتعذر عليه تحصيل شئ منها بالكلية، وقد زادت دجلة زيادة عظيمة واسود ماؤها، ورمت بالزبد من كثرة الماء بها، وأخبر سعد بأن كسرى يزدجرد عازم على أخذ الاموال والامتعة من المدائن إلى حلوان، وأنك إن لم تدركه قبل ثلاث فات عليك وتفارط الامر.
فخطب سعد المسلمين على شاطئ دجلة، فحمد الله وأثنى عليه وقال إن عدوكم قد اعتصم منكم بهذا البحر فلا تخلصون إليهم معه، وهم يخلصون إليكم إذا شاؤا فينا وشونكم في سفنهم، وليس وراءكم شئ تخافون أن تؤتوا منه، وقد رأيت أن تبادروا جهاد العدو بنياتكم قبل أن تحصركم (3) الدنيا، ألا إني قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم.
فقالوا جميعا: عزم الله لنا ولك على الرشد فافعل.
فعند ذلك ندب سعد الناس إلى العبور ويقول: من يبدأ فيحمي لنا الفراض - يعني ثغرة
__________
(1) في فتوح الواقدي: أفريزونا نوح.
(2) في نسخ البداية المطبوعة: صفة وهو تحريف.
(3) في الكامل لابن الاثير: تحصدكم.
(*)

(7/74)


المخاضة من الناحية الاخرى - ليجوز الناس إليهم آمنين، فانتدب عاصم بن عمرو وذو البأس من الناس قريب من ستمائة، فأمر سعد عليهم عاصم بن عمرو فوقفوا على حافة دجلة فقال عاصم: من ينتدب معي لنكون قبل الناس دخولا في هذا البحر فنحمي الفراض من الجانب الآخر ؟ فانتدب له ستون من الشجعان المذكورين - والاعاجم وقوف صفوفا من الجانب الآخر - فتقدم رجل من المسلمين وقد أحجم الناس عن الخوض في دجلة، فقال: أتخافون من هذه النطفة ؟ ثم تلا قوله تعالى * (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا) * [ آل عمران: 145 ] ثم أقحم
فرسه فيها واقتحم الناس، وقد افترق الستون فرقتين أصحاب الخيل الذكور، وأصحاب الخيل الاناث.
فلما رآهم الفرس يطفون على وجه الماء قالوا: ديوانا ديوانا.
يقولون مجانين مجانين.
ثم قالوا: والله ما تقاتلون إنسا بل تقاتلون جنا.
ثم أرسلوا فرسانا منهم في الماء يلتقون أول المسلمين ليمنعوهم من الخروج من الماء، فأمر عاصم بن عمرو أصحابه أن يشرعوا لهم الرياح ويتوخوا الاعين، ففعلوا ذلك بالفرس فقلعوا عيون خيولهم، فرجعوا أمام المسلمين لا يملكون كف خيولهم حتى خرجوا من الماء، واتبعهم عاصم وأصحابه فساقوا وراءهم حتى طردوهم عن الجانب الآخر، ووقفوا على حافة الدجلة من الجانب الآخر ونزل بقية أصحاب عاصم من الستمائة في دجلة فخاضوها حتى وصلوا إلى أصحابهم من الجانب الآخر فقاتلوا مع أصحابهم حتى نفوا الفرس عن ذلك الجانب وكانوا يسمون الكتيبة الاولى كتيبة الاهوال، وأميرها عاصم بن عمرو، والكتيبة الثانية الكتيبة الخرساء وأميرها القعقاع بن عمرو.
وهذا كله وسعد والمسلمون ينظرون إلى ما يصنع هؤلاء الفرسان بالفرس، وسعد واقف على شاطئ دجلة.
ثم نزل سعد ببقية الجيش، وذلك حين نظروا إلى الجانب الآخر قد تحصن بمن حصل فيه من الفرسان المسلمين، وقد أمر سعد المسلمين عند دخول الماء أن يقولوا: نستعين بالله ونتوكل عليه، حسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ثم اقتحم بفرسه دجلة واقتحم الناس لم يتخلف عنه أحد، فساروا فيها كأنما يسيرون على وجه الارض حتى ملؤا ما بين الجانبين، فلا يرى وجه الماء من الفرسان والرجالة، وجعل الناس يتحدثون على وجه الماء كما يتحدثون على وجه الارض، وذلك لما حصل لهم من الطمأنينة والامن، والوثوق بأمر الله ووعده ونصره وتأييده، ولان أميرهم سعد ابن أبي وقاص أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنه راض، ودعا له.
فقال " اللهم أجب دعوته، وسدد رميته " والمقطوع به أن سعدا دعا لجيشه هذا في هذا اليوم بالسلامة والنصر، وقد رمى بهم في هذا اليم فسددهم الله وسلمهم، فلم يفقد من المسلمين رجل واحد غير أن رجلا واحدا يقال له غرقدة البارقي، زل (1) عن فرس له شقراء، فأخذ القعقاع بن عمرو بلجاماه، وأخذ بيد الرجل حتى عدله على فرسه، وكان من الشجعان، فقال: عجز
النساء أن يلدن مثل القعقاع بن عمرو.
ولم يعدم للمسلمين شئ من أمتعتهم غير قدح من خشب
__________
(1) في الطبري: زال.
(*)

(7/75)


لرجل يقال له مالك بن عامر، كانت علاقته رثة فأخذه الموج، فدعا صاحبه الله عز وجل، وقال: اللهم لا تجعلني من بينهم يذهب متاعي.
فرده الموج إلى الجانب الذي يقصدونه فأخذه الناس ثم ردوه على صاحبه بعينه.
وكان الفرس إذا أعيا وهو في الماء يقيض الله له مثل النشز المرتفع فيقف عليه فيستريح، وحتى أن بعض الخيل ليسير وما يصل الماء إلى حزامها، وكان يوما عظيما وأمرا هائلا، وخطبا جليلا، وخارقا باهرا، ومعجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، خلقها الله لاصحابه لم ير مثلها في تلك البلاد، ولا في بقعة من البقاع، سوى قضية العلاء بن الحضرمي المتقدمة، بل هذا أجل وأعظم، فإن هذا الجيش كان أضعاف ذلك.
قالوا: وكان الذي يساير سعد بن أبي وقاص في الماء سلمان الفارسي، فجعل سعد يقول: حسبنا الله ونعم الوكيل.
والله لينصرن الله وليه ويظهرن الله دينه، وليهزمن الله عدوه، إن لم يكن في الجيش بغي أو ذنوب تغلب الحسنات.
فقال له سلمان: إن الاسلام جديد.
ذللت لهم والله البحور، كما ذلل لهم البر، أما والذي نفس سلمان بيده ليخرجن منه أفواجا كما دخلوا أفواجا.
فخرجوا منه كما قال سلمان لم يغرق منهم أحدا، ولم يفقدوا شيئا (1).
ولما استقل المسلمون على وجه الارض خرجت الخيول تنفض أعرافها صاهلة، فساقوا وراء الاعاجم حتى دخلوا المدائن، فلم يجدوا بها أحدا، بل قد أخذ كسرى (2) أهله وما قدروا عليه من الاموال والامتعة والحواصل وتركوا ما عجزوا عنه من الانعام والثياب والمتاع، والآنية والالطاف والادهان ما لا يدري قيمته.
وكان في خزانة كسرى ثلاثة آلاف ألف ألف ألف دينار ثلاث مرات فأخذوا من ذلك ما قدروا عليه وتركوا ما عجزوا عنه وهو مقدار النصف من ذلك أو ما يقاربه.
فكان أول من دخل المدائن كتيبة الاهوال ثم الكتيبة الخرساء، فأخذوا في سككها لا يلقون أحدا ولا يخشونه (3) غير القصر الابيض ففيه مقاتلة وهو محصن.
فلما جاء سعد بالجيش دعا أهل القصر الابيض ثلاثة أيام على لسان سلمان الفارسي، فلما كان اليوم الثالث نزلوا منه وسكنه سعد واتخذ الايوان مصلى، وحين دخله تلا قوله تعالى * (كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم * ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قوما آخرين) * [ الدخان: 25 ] ثم تقدم إلى صدره فصلى ثمان ركعات صلاة الفتح، وذكر سيف في روايته أنه صلاها بتسليمة واحدة وأنه جمع بالايوان في صفر من هذه السنة فكانت أول جمعة جمعت بالعراق، وذلك لان سعدا نوى الاقامة بها، وبعث إلى العيالات فأنزلهم دور المدائن
__________
(1) سموا يوم عبورهم الدجلة بيوم الجراثيم، لانه لم يكن أحد يعبر إلا ظهرت له جرثومة يسير معها وهي من القش المربوطة حزما.
(2) في الطبري والكامل: يزدجرد.
(3) في الكامل: أحدا يخشونه، وفي الطبري أحدا ولا يحسونه.
(*)

(7/76)


واستو طنوها، حتى فتحوا جلولاء وتكريت والموصل، ثم تحولوا إلى الكوفة بعد ذلك كما سنذكره.
ثم أرسل السرايا في إثر كسرى يزدجرد فلحق بهم طائفة فقتلوهم وشردوهم واستلبوا منهم أموالا عظيمة.
وأكثر ما استرجعوا من ملابس كسرى وتاجه وحليه.
وشرع سعد في تحصيل ما هنالك من الاموال والحواصل والتحف، مما لا يقوم ولا يحد ولا يوصف كثرة وعظمة.
وقد روينا أنه كان هناك تماثيل من جص فنظر سعد إلى أحدها وإذا هو يشير بأصبعه إلى مكان، فقال سعد: إن هذا لم يوضع هكذا سدى، فأخذوا ما يسامت أصبعه فوجدوا قبالتها كنزا عظيما من كنوز الاكاسرة الاوائل، فأخرجوا منه أموالا عظيمة جزيلة، وحواصل باهرج، وتحفا فاخرة.
واستحوذ المسلمون على ما هنالك أجمع مما لم يرد أحد في الدنيا أعجب منه.
وكان في جملة ذلك تاج كسرى وهو مكان بالجواهر النفيسة التي تحير الابصار، ومنطقته كذلك وسيفه وسواره وقباؤه وبساط إيوانه، وكان مربعا ستون ذراعا في مثلها، من كل جانب، والبساط (1) مثله سواء، وهو مسنوج بالذهب واللآلئ والجواهر الثمينة، وفيه مصور جميع ممالك كسرى، بلاده بأنهارها وقلاعها، وأقاليمها،
وكنوزها، وصفة الزروع والاشجار التي في بلاده.
فكان إذا جلس على كرسي مملكته ودخل تحت تاجه، وتاجه معلق بسلاسل الذهب، لانه كان لا يستطيع أن يقله على رأسه لثقله، بل كان يجئ فيجلس تحته ثم يدخل رأسه تحت التاج والسلاسل الذهب تحمله عنه، وهو يستره حال لبسه فتذا رفع الحجاب عنه خرت له الامراء سجودا.
وعليه المنطقة والسواران والسيف والقباء المرصع بالجواهر فينظر في البلدان واحدة واحدة، فيسأل عنها ومن فيها من النواب، وهل حدث فيها شئ من الاحداث ؟ فيخبره بذلك ولاة الامور بين يديه.
ثم ينتقل إلى الاخرى، وهكذا حتى يسأل عن أحوال بلاده في كل وقت لا يهمل أمر المملكة، وقد وضعوا هذا البساط بين يديه تذكارا له بشأن الممالك، وهو إصلاح جيد منهم في أمر السياسة.
فلما جاء قدر الله زالت تلك الايدي عن تلك الممالك والاراضي وتسلمها المسلمون من أيديهم قسرا، وكسروا شوكتهم عنها وأخذوها بأمر الله صافية ضافية، ولله الحمد والمنة.
وقد جعل سعد بن أبي وقاص على الاقباض عمرو بن عمرو بن مقرن فكان أول ما حصل ما كان في القصر الابيض ومنازل كسرى، وسائر دور المدائن، وما كان بالايوان مما ذكرنا، وما يفد من السرايا الذين في صحبة زهرة بن حوية، وكان فيما رد زهرة بغل كان قد أدركه وغصبه من الفرس وكانت تحوطه بالسيوف فاستنقذه منهم وقال إن لهذا لشأنا فرده إلى الاقباض وإذا عليه سفطان فيهما ثياب كسرى وحليه.
ولبسه الذي كان يلبسه على السرير كما ذكرنا، وبغل آخر عليه تاجه الذي ذكرنا في سفطين أيضا ردا من الطريق مما استلبه أصحاب السرايا، وكان فيما ردت السرايا أموال عظيمة وفيها أكثر إناث كسرى وأمتعته والاشياء النفيسة التي استصحبوها معهم، فلحقهم المسلمون فاستلبوها منهم.
ولم تقدر الفرس على حمل البساط لثقله عليهم، ولا حمل الاموال لكثرتها.
فإنه كان المسلمون يجيئون بعض تلك الدور فيجدون البيت
__________
(1) وكان العرب يسمون البساط: القطف.
(*)

(7/77)


ملآنا إلى أعلاه من أواني الذهب والفضة، ويجدون من الكافور شيئا كثيرا، فيحسبونه ملحا، وربما استعمله بعضهم في العجين فوجدوه مرا حتى تبينوا أمره فتحصل الفئ على أمر عظيم من
الاموال، وشرع سعد فخمسه وأمر سلمان الفارسي (1) فقسم الاربعة الاخماس بين الغانمين، فحصل لكل واحد من الفرسان أثني عشر ألفا، وكانوا كلهم فرسانا، ومع بعضهم جنائب، واستوهب سعد أربعة أخماس البساط ولبس كسرى من المسلمين، ليبعثه إلى عمر والمسلمين بالمدينة لينظروا إليه ويتعجبوا منه، فطيبوا له ذلك وأذنوا فيه، فبعثه سعد إلى عمر مع الخمس مع بشير بن الخصاصية، وكان الذي بشر بالفتح قبله حليس بن فلان الاسدي، فروينا أن عمر لما نظر إلى ذلك قال إن قوما أدوا هذا لامناء (2)، فقال له علي بن أبي طالب: إنك عففت فعفت رعيتك، ولو رتعت لرتعت.
ثم قسم عمر ذلك في المسلمين فأصاب عليا قطعة من البساط فباعها بعشرين ألفا.
وقد ذكر سيف بن عمر أن عمر بن الخطاب ألبس ثياب كسرى لخشبة ونصبها أمامه ليرى الناس ما في هذه الزينة من العجب، وما عليها من زهرة الحياة الدنيا الفانية.
وقد روينا أن عمر ألبس ثياب كسرى لسراقة بن مالك بن جعشم أمير بني مدلج رضي الله عنه.
قال الحافظ أبو بكر البيهقي في دلائل النبوة: أخبرنا عبد الله بن يوسف الاصبهاني، ثنا أبو سعيد بن الاعرابي.
قال وجدت في كتابي بخط يدي عن أبي داود حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا حماد، ثنا يونس، عن الحسن: أن عمر بن الخطاب أتي بفروة كسرى فوضعت بين يديه وفي القوم سراقة بن مالك بن جعشم، قال قألقى إليه سواري كسرى بن هرمز فجعلهما في يده فبلغا منكبيه فلما رآهما في يدي سراقة قال الحمد لله سواري كسرى بن هرمز في يدي سراقة بن مالك بن جعشم أعرابي من بني مدلج.
وذكر الحديث.
هكذا ساقه البيهقي.
ثم حكى عن الشافعي أنه قال: وإنما ألبسهما سراقة لان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لسراقة ونظر إلى ذراعيه " كأني بك وقد ألبست سواري كسرى " قال الشافعي: وقد قال عمر لسراقة حين ألبسه سواري كسرى: قل الله أكبر.
فقال الله أكبر.
ثم قال: قل الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز وألبسهما سراقة بن مالك أعرابي من بني مدلج (3).
وقال الهيثم بن عدي: أخبرنا أسامة بن زيد الليثي، ثنا القاسم بن محمد بن أبي بكر، قال بعث سعد بن أبي وقاص أيام القادسية إلى عمر بقباء كسرى وسيفه ومنطقته وسواريه
وسراويله وقميصه وتاجه وخفيه، قال فنظر عمر في وجوه القوم.
وكان أجسمهم وأبدنهم قامة سراقة بن مالك بن جعشم فقال يا سراق قم فالبس، قال سراقة فطمعت فيه فقمت فلبست فقال
__________
(1) في الطبري: سلمان بن ربيعة وفي الكامل الباهلي.
(2) في الكامل: لذوو أمانة.
(3) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 329 - 330.
(*)

(7/78)


أدبر فأدبرت، ثم قال أقبل فأقبلت، ثم قال بخ بخ، أعيرابي من بني مدلج عليه قباء كسرى وسراويله وسيفه ومنطقته وتاجه وخفاه.
رب يوم يا سراق بن مالك، لو كان عليك فيه هذا من متاع كسرى وآل كسرى، كان شرفا لك ولقومك، انزع.
فنزعت.
فقال: اللهم إنك منعت هذا رسولك ونبيك، وكان أحب إليك مني وأكرم عليك مني ومنعته أبا بكر وكان أحب إليك مني، وأكرم عليك مني، وأعطيتنيه فأعوذ بك أن تكون أعطيتنيه لتمكر بي.
ثم بكى حتى رحمه من كان عنده.
ثم قال لعبد الرحمن بن عوف: أقسمت عليك ما بعته ثم قسمته قبل أن تمسي.
وذكر سيف بن عمر التميمي: أن عمر حين ملك تلك الملابس والجواهر جئ بسيف كسرى ومعه عدة سيوف منها سيف النعمان بن المنذر نائب كسرى على الحيرة وأن عمر قال: الحمد لله الذي جعل سيف كسرى فيما يضره ولا ينفعه.
ثم قال: إن قوما أدوا هذا لامناء، أو لذوا أمانة.
ثم قال: إن كسرى لم يزد على أن تشاغل بما أوتي عن آخرته فجمع لزوج امرأته، أو زوج ابنته (1)، ولم يقدم لنفسه، ولو قدم لنفسه ووضع الفضول في مواضعها لحصل له.
وقد قال بعض المسلمين وهو أبو نجيد نافع بن الاسود في ذلك: وأملنا (2) على المدائن خيلا * بحرها مثل برهن أريضا فانتشلنا (3) خزائن المرء كسرى * يوم ولوا وحاص (4) منا جريضا وقعة جلولاء لما سار كسرى وهو يزدجرد بن شهريار من المدائن هاربا إلى حلوان شرع في أثناء الطريق في
جمع رجال وأعوان وجنود، من البلدان التي هناك، فاجتمع إليه خلق كثير، وجم غفير من الفرس وأمر على الجميع مهران، وسار كسرى إلى حلوان فأقام الجمع الذي جمعه بينه وبين المسلمين في جلولاء، واحتفروا خندقا عظيما حولها، وأقاموا بها في العدد والعدد وآلات الحصار، فكتب سعد إلى عمر يخبره بذلك.
فكتب إليه عمر أن يقيم هو بالمدائن ويبعث ابن أخيه هاشم بن عتبة أميرا على الجيش الذي يبعثه إلى كسرى، ويكون على المقدمة القعقاع بن عمرو، وعلى الميمنة سعد بن مالك وعلى الميسرة أخوه عمر بن مالك، وعلى الساقة عمرو بن مرة الجهني (5).
ففعل
__________
(1) زاد الطبري: أو امرأة ابنه.
(2) في الطبري: وأسلنا.
(3) في الطبري: وانتثلنا.
وفيه وفي الكامل: أبو بجيد تحريف.
(4) كذا في الاصل والطبري، وفي الكامل: وخاض.
(5) في فتوح البلدان 2 / 324: حجر بن عدي على الميمنة، وعمرو بن معد يكرب على الخيل، وطليحة بن خويلد = على الرجال وعلى الاعاجم خرزاد أخو رستم.
(*)

(7/79)


سعد ذلك وبعث مع ابن أخيه جيشا كثيفا يقارب اثني عشر ألفا، من سادات المسلمين ووجوه المهاجرين والانصار، ورؤوس العرب.
وذلك في صفر من هذه السنة بعد فراغهم من أمر المدائن، فساروا حتى انتهوا إلى المجوس وهم بجلولاء قد خندقوا عليهم، فحاصرهم هاشم بن عتبة، وكانوا يخرجون من بلدهم للقتال في كل وقت فيقاتلون قتالا لم يسمع بمثله.
وجعل كسرى يبعث إليهم الامداد، وكذلك سعد يبعث المدد إلى ابن أخيه، مرة بعد أخرى.
وحمى القتال، واشتد النزال، واضطرمت نار الحرب، وقام في الناس هاشم فخطبهم غير مرة، فحرضهم على القتال والتوكل على الله.
وقد تعاقدت الفرس وتعاهدت، وحلفوا بالنار أن لا يفروا أبدا حتى يفنوا العرب.
فلما كان الموقف الاخير وهو يوم الفيصل والفرقان، تواقفوا من أول النهار، فاقتتلوا قتالا شديدا لم يعهد مثله حتى فني النشاب من الطرفين، وتقصفت الرماح من هؤلاء ومن هؤلاء،
وصاروا إلى السيوف والطبر زنيات، وحانت صلاة الظهر فصلى المسلمون إيماءا، وذهبت فرقة المجوس وجاءت مكانها أخرى، فقام القعقاع بن عمرو في المسلمين فقال: أهالكم ما رأيتم أيها المسلمون ؟ قالوا: نعم إنا كالون وهم مريحون، فقال: بل إنا حاملون عليهم ومجدون في طلبهم، حتى يحكم الله بيننا، فاحملوا عليهم حملة رجل واحد حتى نخالطهم، فحمل وحمل الناس، فأما القعقاع فإنه صمم الحملة في جماعة من الفرسان والابطال والشجعان حتى انتهى إلى باب الخندق، وأقبل الليل بظلامه وجالت بقية الابطال بمن معهم في الناس وجعلوا يأخذون في التحاجز من أجل إقبال الليل وفي الابطال يومئذ طليحة الاسدي، وعمرو بن معدي كرب الزبيدي، وقيس بن مكشوح، وحجر بن عدي.
ولم يعلموا بما صنعه القعقاع في ظلمة الليل، ولم يشعروا بذلك، لولا مناديه ينادي: أين أيها المسلمون، هذا أميركم على باب خندقهم.
فلما سمع ذلك المجوس فروا وحمل المسلمون نحو القعقاع بن عمرو فإذا هو على باب الخندق قد ملكه عليهم، وهربت الفرس كل مهرب، وأخذهم المسلمون من كل وجه، وقعدوا لهم كل مرصد، فقتل منهم في ذلك الموقف مائة ألف حتى جللوا وجه الارض بالقتلى، فلذلك سميت جلولاء.
وغنموا من الاموال والسلاح والذهب والفضة قريبا مما غنموا من المدائن قبلها.
وبعث هاشم بن عتبة القعقاع بن عمرو في إثر من انهزم منهم وراء كسرى، فساق خلفهم حتى أدرك مهران منهزما (1)، فقتله القعقاع بن عمرو، وأفلتهم الفيرزان فاستمر منهزما، وأسر سبايا كثيرة بعث بها إلى هاشم بن عتبة، وغنموا دواب كثيرة جدا.
ثم بعث هاشم بالغنائم والاموال إلى عمه سعد بن أبي وقاص فنفل سعد ذوي النجدة، ثم أمر بقسم ذلك على الغانمين.
__________
= وقال ابن الكلبي: كان على الناس يوم جلولاء: سعد عمرو بن عتبة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة.
وفي ابن الاعثم: جرير على الميمنة، وحجر بن عدي على الميسرة وعلى الجناح المكشوح المرادي وعمرو بن معدي كرب على أعنة الخيل وطلحة بن خويلد الاسدي على الرجالة.
(1) في الطبري والكامل: منهزما إلى خانقين.
(*)

(7/80)


قال الشعبي: كان المال المتحصل من وقعة جلولاء ثلاثين ألف ألف، فكان خمسه ستة آلاف ألف وقال غيره: كان الذي أصاب كل فارس يوم جلولاء نظير ما حصل له يوم المدائن - يعني اثني عشر ألفا لكل فارس - وقيل أصاب كل فارس تسعة آلاف وتسع دواب (1).
وكان الذي ولي قسم ذلك بين المسلمين وتحصيله، سلمان الفارسي (2) رضي الله عنه.
ثم بعث سعد بالاخماس من المال والرقيق والدواب مع زياد بن أبي سفيان، وقضاعي بن عمرو، وأبي مقرن (3) الاسود.
فلما قدموا على عمر سأل عمر زياد بن أبي سفيان عن كيفية الوقعة فذكرها له، وكان زياد فصيحا، فأعجب إيراده لها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأحب أن يسمع المسلمون منه ذلك، فقال له: أتستطيع أن تخطب الناس بما أخبرتني به ؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، إنه ليس أحد على وجه الارض أهيب عندي منك، فكيف لا أقوى على هذا مع غيرك ؟ فقام في الناس فقص عليهم خبر الوقعة، وكم قتلوا، وكم غنموا، بعبارة عظيمة بليغة فقال عمر: إن هذا لهو الخطيب المصقع - يعني الفصيح - فقال زياد: إن جندنا أطلقوا بالفعال لساننا ثم حلف عمر بن الخطاب أن لا يجن هذا المال الذي جاؤا به سقف حتى يقسمه، فبات عبد الله بن أرقم وعبد الرحمن بن عوف يحرسانه في المسجد، فلما أصبح جاء عمر في الناس، بعد ما صلى الغداة وطلعت الشمس، فأمر فكشف عنه جلابيبه، فلما نظر إلى ياقوته وزبرجده وذهبه الاصفر وفضته البيضاء، بكى عمر، فقال له عبد الرحمن: ما يبكيك يا أمير المؤمنين: فوالله إن هذا لموطن شكر، فقال عمر: والله ما ذاك يبكيني، وتالله ما أعطى الله هذا قوما إلا تحاسدوا وتباغضوا، ولا تحاسدوا إلا ألقى بأسهم بينهم.
ثم قسمه كما قسم أموال القادسية.
وروى سيف بن عمر عن شيوخه أنهم قالوا: وكان فتح جلولاء في ذي القعدة من سنة ستة عشر، وكان بينه وبين فتح المدائن تسعة أشهر وقد تكلم ابن جرير ههنا فيما رواه عن سيف على ما يتعلق بأرض السواد وخراجها، وموضع تحرير ذلك كتاب الاحكام.
وقد قال هاشم بن عتبة في يوم جلولاء:
يوم جلولاء ويوم رستم * ويوم زحف الكوفة المقدم ويوم عرض الشهر المحرم * وأيام خلت من بينهن صرم (4)
__________
(1) وهو قول الطبري: 4 / 182.
(2) سلمان بن ربيعة الباهلي وليس الفارسي (انظر الطبري والكامل) وكانت العرب تسميه سلمان الخيل.
(3) في الطبري: أبي مفزر.
(4) البيت في الطبري.
(*)

(7/81)


شيبن أصدغي فهي هرم * مثل ثغام البلد المحرم وقال أبو نجيد في ذلك: ويوم جلولاء الوقيعة أصبحت * كتائبنا تردى بأسد عوابس فضضت جموع الفرس ثم أنمتهم * فتبا لاجساد المجوس النجائس وأفلتهن الفيرزان بجرعة * ومهران أردت يوم حز القوانس أقاموا بدار للمنية موعد * وللترب تحثوها خجوج الروامس ذكر فتح حلوان ولما انقضت الوقعة أقام هشام بن عتبة بجلولاء عن أمر عمر بن الخطاب - في كتابه إلى سعد - وتقدم القعقاع بن عمرو إلى حلوان، عن أمر عمر أيضا ليكون ردءا للمسلمين هنالك، ومرابطا لكسرى حيث هرب.
فسار كما قدمنا، وأدرك أمير الوقعة وهو مهران الرازي، فقتله وهرب منه الفيرزان، فلما وصل إلى كسرى وأخبره بما كان من أمر جلولاء، وما جرى على الفرس بعده، وكيف قتل منهم مائة ألف، وأدرك مهران فقتل، هرب عند ذلك كسرى من حلوان إلى الري، واستناب على حلوان أميرا يقال له خسروشنوم (1)، فتقدم إليه القعقاع بن عمرو، وبرز إليه خسروشنوم إلى مكان (2) خارج من حلوان، فاقتتلوا هنالك قتالا شديدا ثم فتح الله ونصر المسلمين وانهزم خسروشنوم، وساق القعقاع (3) إلى حلوان فتسلمها ودخلها المسلمون فغنموا
وسبوا، وأقاموا بها، وضربوا الجزية على من حولها من الكور والاقاليم، بعد ما دعوا إلى الدخول في الاسلام فأبوا إلا الجزية.
فلم يزل القعقاع بها حتى تحول من سعد من المدائن إلى الكوفة، فسار إليها كما سنذكره إن شاء الله تعالى.
فتح تكريت والموصل لما افتتح سعد المدائن بلغه أن أهل الموصل قد اجتمعوا بتكريت على رجل من الكفرة يقال له
__________
= ويوم عرض النهر المحرم * من بين أيام خلون صرم (1) قصر شيرين على فرسخ من حلوان (انظر الطبري - فتوح ابن الاعثم).
(2) وفي الفتوح لابن الاعثم 1 / 279: دعا رجلا من قواده من الاعاجم يقال له منوشهر بن هرمزدان فاستخلفه على حلوان.
(3) في ابن الاعثم: أقبل سعد بن أبي وقاص - على علته - وعلى مقدمته جرير بن عبد الله البجلي حتى دخل حلوان 1 / 280 وفي فتوح البلدان 2 / 370: ان جرير بن عبد الله فتح حلوان صلحا بعد هرب يزدجرد منها، وكان ذلك سنة تسع عشرة.
(*)

(7/82)


الانطاق، فكتب إلى عمر بأمر جلولاء واجتماع الفرس بها، وبأمر أهل الموصل، فتقدم ما ذكرناه من كتاب عمر في أهل جلولاء، وما كان من أمرها.
وكتب عمر في قضية أهل الموصل الذين قد اجتمعوا بتكريت على الانطاق، أن يعين جيشا لحربهم، ويؤمر عليه عبد الله بن المعتم (1)، وأن يجعل على مقدمته ربعي بن الافكل الغزي (2)، وعلى الميمنة الحارث بن حسان الذهلي، وعلى الميسرة فرات بن حيان العجلي، وعلى الساقة هانئ بن قيس، وعلى الخيل عرفجة ابن هرثمة.
ففصل عبد الله بن المعتم في خمسة آلاف من المدائن، فسار في أربع حتى نزل بتكريت على الانطاق، وقد اجتمع إليه جماعة من الروم، ومن الشهارجة، ومن نصارى العرب، من إياد وتغلب والنمر.
وقد أحدقوا بتكريت، فحاصرهم عبد الله بن المعتم أربعين يوما.
وزاحفوه في هذه المدة أربعة وعشرين مرة (3)، ما من مرة إلا وينتصر عليهم ويفل جموعهم، فضعف جانبهم،
وعزمت الروم على الذهاب في السفن بأموالهم، وراسل عبد الله بن المعتم إلى من هنالك من الاعراب، فدعاهم إلى الدخول معه في النصرة على أهل البلد، فجاءت القصاد إليه عنهم بالاجابة إلى ذلك، فأرسل إليهم: إن كنتم صادقين فيما قلتم فاشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأقروا بما جاء من عند الله.
فرجعت القصاد إليه بأنهم قد أسلموا فبعث إليهم: إن كنتم صادقين فإذا كبرنا وحملنا على البلد الليلة فأمسكوا علينا أبواب السفن، وامنعوهم أن يركبوا فيها، واقتلوا منهم من قدرتم على قتله، ثم شد عبد الله وأصحابه، وكبروا تكبيرة رجل واحد، وحملوا على البلد فكبرت الاعراب من الناحية الاخرى، فحار أهل البلد، وأخذوا في الخروج من الابواب التي تلي دجلة، فتلقتهم إياد والنمر وتغلب، فقتلوهم قتلا ذريعا، وجاء عبد الله بن المعتم بأصحابه من الابواب الاخر فقتل جميع أهل البلد عن بكرة أبيهم، ولم يسلم إلا من أسلم من الاعراب من إياد وتغلب والنمر، وقد كان عمر عهد في كتابه إذا نصروا على تكريت أن يبعثوا ربعي بن الافكل إلى الحصنين (4) وهي الموصل سريعا، فسار إليها كما أمر عمر، ومعه سرية كثيرة، وجماعة من الابطال، فسار إليها حتى فجئها قبل وصول الاخبار إليها، فما كان إلا أن واقفها حتى أجابوا إلى الصلح فضربت عليهم الذمة عن يد وهم صاغرون، ثم قسمت الاموال التي تحصلت من تكريت، فبلغ سهم الفارس ثلاثة آلاف، وسهم الراجل ألف درهم، وبعثوا بالاخماس مع فرات بن حيان، وبالفتح مع الحارث بن حسان، وولى إمرة حرب الموصل ربعي بن
__________
(1) في الطبري: العنزي.
(2) في فتوح البلدان: ان عمر بن الخطاب ولى عتبة بن فرقد السلمي الموصل سنة عشرين فقاتله أهل نينوى، فأخذها عنوة وصالحه أهل الحصن الآخر (الموصل) على الجزية والاذن لمن أراد الجلاء بالجلاء 2 / 407.
(3) في الطبري والكامل: زحفا.
(4) في الكامل: الحصنان هما الموصل ونينوى.
وتسمى الموصل الحصن الغربي، ونينوى الحصن الشرقي 2 / 524.
(*)

(7/83)


الافكل، وولي الخراج بها عرفجة بن هرثمة.
فتح ماسبذان من أرض العراق لما رجع هاشم بن عتبة من جلولاء إلى عمر بالمدائن، بلغ سعدا أن آذين بن الهرمزان قد جمع طائفة من الفرس، فكتب إلى عمر في ذلك، فكتب إليه أن أبعث جيشا وأمر عليهم ضرار ابن الخطاب (1).
فخرج ضرار في جيش من المدائن، وعلى مقدمته ابن الهزيل (2) الاسدي، فتقدم ابن الهزيل بين يدي الجيش، فالتقى مع آذين وأصحابه قبل وصول ضرار إليه، فكسر ابن الهزيل طائفة الفرس، وأسر آذين بن الهرمزان، وفرعنه أصحابه، وأمر ابن الهزيل فضرب عنق آذين بين يديه، وساق وراء المنهزمين حتى انتهى إلى ماسبذان - وهي مدينة كبيرة - فأخذها عنوة، وهرب أهلها في رؤوس الجبال والشعاب، فدعاهم فاستجابوا له، وضرب على من لم يسلم الجزية، وأقام نائبا عليها حتى تحول سعد من المدائن إلى الكوفة كما سيأتي.
فتح قرقيسيا وهيت في هذه السنة قال ابن جرير وغيره: لما رجع هاشم من جلولاء إلى المدائن وكان أهل الجزيرة قد أمدوا أهل حمص على قتال أبي عبيدة وخالد - لما كان هرقل بقنسرين - واجتمع أهل الجزيرة في مدينة هيت، كتب سعد إلى عمر في ذلك، فكتب إليه أن يبعث إليهم جيشا، وأن يؤمر عليهم عمر بن مالك بن عتبة بن نوفل بن عبد مناف، فسار فيمن معه من المسلمين (3) إلى هيت، فوجدهم قد خندقوا عليهم، فحاصرهم حينا فلم يظفر بهم، فسار في طائفة من أصحابه واستخلف على محاصرة هيت الحارث بن يزيد، فراح عمر بن مالك (4) إلى قرقيسيا فأخذها عنوة، وأنابوا إلى بذل الجزية، وكتب إلى نائبه على هيت: إن لم يصالحوا أن يحفر من وراء خندقهم خندقا، ويجعل له أبوابا من ناحيته.
فلما بلغهم ذلك أنابوا إلى المصالحة.
قال شيخنا / أبو عبد الله الحافظ الذهبي: وفي هذه السنة بعث أبو عبيدة عمرو بن العاص بعد فراغه من اليرموك إلى قنسرين فصالح أهل حلب، ومنبج، وأنطاكية، على الجزية.
وفتح سائر بلاد قنسرين عنوة.
قال: وفيها افتتحت سروج والرها على يدي عياض بن غنم.
__________
(1) كذا بالاصل والطبري والمعجم، وفي ابن الاعثم 1 / 280: كان أمير الجيش المكشوح المرادي في عشرة آلاف وفي فتوح البلدان ان أبا موسى الاشعري فتح ماسبذان صلحا وصلحه أهل السيروان 2 / 377.
(2) في الطبري: الهذيل.
(3) وكان على مقدمة جيشه الحارث بن يزيد العامري، وعلى مجنبتيه ربعي بن عامر ومالك بن حبيب (الطبري - الكامل).
(4) في فتوح العراق للواقدي 2 / 107: كان على الجيش عبد الله بن غسان وسهيل بن عدي.
(*)

(7/84)


قال: وفيها فيما ذكر ابن الكلبي سار أبو عبيدة وعلى مقدمته خالد بن الوليد، فحاصر إيليا فسألوا الصلح على أن يقدم عمر فيصالحهم على ذلك، فكتب أبو عبيدة إلى عمر فقدم حتى صالحهم وأقام أياما ثم رجع إلى المدينة.
قلت: قد تقدم هذا فيما قبل هذه السنة والله أعلم.
قال الواقدي: وفي هذه السنة حمى عمر الربذة بخيل المسلمين، وفيها غرب عمر أبا محجن الثقفي إلى باضع (1)، وفيها تزوج عبد الله بن عمر صفية بنت أبي عبيد.
قلت: الذي قتل يوم الجسر، وكان أمير السرية وهي أخت المختار بن أبي عبيد أمير العراق فيما بعد، وكانت امرأة صالحة، وكان أخوها فاجرا وكافرا أيضا.
قال الواقدي: وفيها حج عمر بالناس، واستخلف على المدينة زيد بن ثابت.
قال: وكان نائبه على مكة عتاب، وعلى الشام أبو عبيدة، وعلى العراق سعد، وعلى الطائف عثمان بن أبي العاص، وعلى اليمن يعلى بن أمية، وعلى اليمامة والبحرين العلاء بن الحضرمي، وعلى عمان حذيفة بن محصن، وعلى البصرة المغيرة بن شعبة، وعلى الموصل ربعي بن الافكل، وعلى الجزيرة عياض بن غنم الاشعري.
قال الواقدي وفي ربيع الاول من هذه السنة - أعني سنة ست عشرة - كتب عمر بن الخطاب التاريخ، وهو أول من كتبه.
قلت: قد ذكرنا سببه في سيرة عمر، وذلك أنه رفع إلى عمر صك مكتوب لرجل على آخر بدين يحل عليه في شعبان، فقال: أي شعبان ؟ أمن هذه السنة أم التي قبلها، أم التي بعدها ؟ ثم جمع الناس فقال: ضعوا للناس شيئا يعرفون فيه حلول ديونهم.
فيقال
إنهم أراد بعضهم أن يؤرخوا كما تؤرخ الفرس بملوكهم، كلما هلك ملك أرخوا من تاريخ ولاية الذي بعده، فكرهوا ذلك.
ومنهم من قال: أرخوا بتاريخ الروم من زمان اسكندر فكرهوا ذلك، ولطوله أيضا.
وقال قائلون: أرخوا من مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال آخرون من مبعثه عليه السلام.
وأشار علي بن أبي طالب وآخرون أن يؤرخ من هجرته من مكة إلى المدينة لظهوره لكل أحد فإنه أظهر من المولد والمبعث.
فاستحسن ذلك عمر والصحابة، فأمر عمر أن يؤرخ من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرخوا من أول تلك السنة من محرمها، وعند مالك رحمه الله فيما حكاه عن السهيلي وغيره: أن أول السنة من ربيع الاول لقدومه عليه السلام إلى المدينة.
والجمهور على أن أول السنة من المحرم، لانه أضبط لئلا تختلف الشهور، فإن المحرم أول السنة الهلالية العربية.
وفي هذه السنة - أعني سنة ست عشرة - توفيت مارية أم إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك في المحرم منها فيما ذكره الواقد وابن جرير وغير واحد، وصلى عليها عمر بن الخطاب، وكان يجمع الناس لشهود جنازتها، ودفنت بالبقيع رضي الله عنها وأرضاها، وهي مارية القبطية، أهداها صاحب اسكندرية - وهو جريج بن مينا - في جملة تحف وهدايا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقبل ذلك منه.
وكان
__________
(1) في الاصل: إلى ما صنع، وأثبتنا ما في الطبري، وباضع جزيرة في بحر اليمن، وفي الكامل ناصع.
وناصع بلد في الحبشة.
وقال ابن عبد البر في الاستيعاب: نفاه عمر إلى جزيرة في البحر.
(*)

(7/85)


معها أختها شيرين التي وهبها رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت، فولدت له ابنه عبد الرحمن بن حسان.
ويقال أهدى المقوقس معهما جاريتين أخريين، فيحتمل أنهما كانتا خادمتين لمارية وسيرين.
وأهدى معهن غلاما خصيا اسمه مابور، وأهدى مع ذلك بغلة شهباء اسمها الدلدل، وأهدى حلة حرير من عمل الاسكندرية.
وكان قدوم هذه الهدية في سنة ثمان.
فحملت مارية من رسول الله صلى الله عليه وسلم بإبراهيم عليه السلام، فعاش عشرين شهرا، ومات قبل أبيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنة سواء.
وقد حزن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وبكى عليه وقال: تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون، وقد تقدم ذلك في سنة عشر.
وكانت
مارية هذه من الصالحات الخيرات الحسان.
وقد حظيت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعجب بها، وكانت جميلة ملاحة، أي حلوة، وهي تشابه هاجر سرية الخليل، فإن كلا منهما من ديار مصر وتسراها نبي كريم، وخليل جليل، عليهما السلام.
ثم دخلت سنة سبع عشرة في المحرم منها انتقل سعد بن أبي وقاص من المدائن إلى الكوفة، وذلك أن الصحابة استوخموا المدائن، وتغيرت ألوانهم وضعفت أبدانهم، لكثرة ذبابها وغبارها.
فكتب سعد إلى عمر في ذلك، فكتب عمر: إن العرب لا تصلح إلا حيث يوافق إبلها (1).
فبعث سعد حذيفة وسلمان بن زياد يرتادان للمسلمين منزلا مناسبا يصلح لاقامتهم (2).
فمرا على أرض الكوفة وهي حصباء في رملة حمراء، فأعجبتهما ووجد هنالك ديرات ثلاث دير حرقة (3) بنت النعمان، ودير أم عمرو، ودير سلسلة، وبين ذلك خصاص خلال هذه الكوفة، فنزلا فصليا هنالك وقال كل واحد منهما: اللهم رب السماء وما أظلت، ورب الارض وما أقلت، ورب الريح وما ذرت، والنجوم وما هوت، والبحار وما جرت، والشياطين وما أضلت، والخصاص وما أجنت، بارك لنا في هذه الكوفة واجعلها منزل ثبات.
ثم كتبا إلى سعد بالخبر، فأمر سعد باختطاط الكوفة، وسار إليها في أول هذه السنة في محرمها، فكان أول بناء وضع فيها المسجد.
وأمر سعد رجلا راميا شديد الرمي، فرمى من المسجد إلى الاربع جهات فحيث سقط سهمه بنى الناس منازلهم، وعمر قصرا تلقاء محراب المسجد للامارة وبيت المال، فكان أول ما بنوا المنازل بالقصب، فاحترقت في أثناء السنة، فبنوها باللبن عن أمر عمر، بشرط أن لا يسرفوا ولا يجاوزوا الحد.
وبعث سعد إلى الامراء والقبائل فقدموا عليه، فأنزلهم الكوفة، وأمر سعد أبا هياج (4) الموكل بإنزال الناس فيها بأن
__________
(1) زاد في فتوح البلدان: فارتد لهم موضعا عدنا، ولا تجعل بيني وبينهم بحرا.
(2) في فتوح البلدان: ان الذي دل سعدا على أرض الكوفة عبد المسيح بن عمرو بن بقيلة 2 / 339.
(3) كذا بالاصل والطبري، وفي الكامل: حرمة.
(4) أبو الهياج الاسدي واسمه عمرو بن مالك بن جنادة.
(*)

(7/86)


يعمروا ويدعوا للطريق المنهج وسع أربعين ذراعا.
ولما دون ذلك ثلاثين وعشرين ذراعا، وللازقة سبعة أذرع، وبنى لسعد قصر قريب من السوق، فكانت غوغاء الناس تمنع سعدا من الحديث، فكان يغلق بابه ويقول: سكن الصويت فلما بلغت هذه الكلمة عمر بن الخطاب بعث محمد بن مسلمة، فأمره إذا انتهى إلى الكوفة أن يقدح زناده ويجمع حطبا ويحرق باب القصر ثم يرجع من فوره.
فلما انتهى إلى الكوفة فعل ما أمره به عمر، وأمر سعدا أن لا يغلق بابه عن الناس، ولا يجعل على بابه أحدا يمنع الناس عنه، فامتثل ذلك سعد وعرض على محمد بن مسلمة شيئا من المال فامتنع من قبوله، ورجع إلى المدينة، واستمر سعد بعد ذلك في الكوفة ثلاث سنين ونصف، حتى عزله عنها عمر، من غير عجز ولا خيانة.
أبو عبيدة وحصر الروم له بحمص وقدم عمر إلى الشام وذلك أن جمعا من الروم عزموا على حصار أبي عبيدة بحمص، واستجاشوا بأهل الجزيرة.
وخلق ممن هنالك، وقصدوا أبا عبيدة، فبعث أبو عبيدة إلى خالد فقدم عليه من قنسرين، وكتب إلى عمر بذلك، واستشار أبو عبيدة المسلمين في أن يناجز الروم أو يتحصن بالبلد حتى يجئ أمر عمر ؟ فكلهم أشار بالتحصن، إلا خالدا فإنه أشار بمناجزتهم، فعصاه وأطاعهم.
وتحصن بحمص وأحاط به الروم، وكل بلد من بلدان الشام مشغول أهله عنه بأمرهم، ولو تركوا ما هم فيه وأقبلوا إلى حمص لانخرم النظام في الشام كله.
وكتب عمر إلى سعد أن يندب الناس مع القعقاع بن عمرو، ويسيرهم إلى حمص من يوم يقدم عليه الكتاب، نجدة لابي عبيدة فإنه محصور، وكتب إليه أن يجهز جيشا إلى أهل الجزيرة الذين مالاوا الروم على حصار أبي عبيدة ويكون أمير الجيش إلى الجزيرة (1) عياض بن غنم.
فخرج الجيشان معا من الكوفة، القعقاع في أربعة آلاف نحو حمص لنجدة أبي عبيدة، وخرج عمر بنفسه من المدينة لينصر أبا عبيدة، فبلغ الجابية وقيل إنما بلغ سرع.
قاله ابن إسحاق، وهو أشبه والله أعلم.
فلما بلغ أهل الجزيرة الذين مع الروم على حمص أن الجيش قد طرق بلادهم، انشمروا إلى بلادهم، وفارقوا الروم، وسمعت
الروم بقدوم أمير المؤمنين عمر لينصر نائبه عليهم فضعف جانبهم جدا.
وأشار خالد على أبي عبيدة بأن يبرز إليهم ليقاتلهم، ففعل ذلك أبو عبيدة، ففتح الله عليه ونصره، وهزمت الروم هزيمة فظيعة.
وذلك قبل ورود عمر عليهم، وقبل وصول الامداد إليهم بثلاث ليال.
فكتب أبو عبيدة إلى عمر وهو بالجابية يخبره بالفتح وأن المدد وصل إليهم بعد ثلاث ليال وسأله هل يدخلهم في القسم معهم مما أفاء الله عليهم ؟ فجاء الجواب بأن يدخلهم معهم في الغنيمة، فإن العدو إنما ضعف وإنما انشمر عنه المدد من خوفهم منهم، فأشركهم أبو عبيدة في الغنيمة.
وقال عمر: جزى
__________
(1) سهيل بن عدي إلى الرقة، وعبد الله بن عتبان إلى نصيبين، والوليد بن عقبة إلى عرب الجزيرة من تنوخ وربيعة، وأمير الفرق جميعا عياض.
(الطبري - الكامل).
(*)

(7/87)


الله أهل الكوفة خيرا يحمون (1) حوزتهم ويمدون أهل الامصار.
فتح الجزيرة قال ابن جرير: وفي هذه السنة فتحت الجزائر فيما قاله سيف بن عمر، قال ابن جرير: في ذي الحجة من سنة سبع عشرة فوافق سيف بن عمر في كونها في هذه السنة.
وقال ابن إسحاق: كان ذلك في سنة تسع عشرة.
سار إليها عياض بن غنم.
وفي صحبته أبو موسى الاشعري وعمر ابن سعد بن أبي وقاص (2)، وهو غلام صغير السن ليس إليه من الامر شئ، وعثمان بن أبي العاص.
فنزل الرها فصالحه أهلها على الجزية، وصالحت حران على ذلك.
ثم بعث أبا موسى الاشعري إلى نصيبين، وعمر بن سعد إلى رأس العين، وسار بنفسه إلى دارا، فافتتحت هذه البلدان، وبعث عثمان بن أبي العاص إلى أرمينية، فكان عندها شئ من قتال قتل فيه صفوان بن المعطل السلمي شهيدا.
ثم صالحهم عثمان بن أبي العاص على الجزية، على كل أهل بيت دينار.
وقال سيف في روايته: جاء عبد الله بن عبد الله بن غسان (2) فسلك على رجليه (3) حتى انتهى إلى الموصل فعبر إلى بلد حتى انتهى إلى نصيبين، فلقوه بالصلح وصنعوا كما صنع أهل
الرقة (4).
وبعث إلى عمر برؤوس النصارى من عرب أهل الجزيرة، فقال لهم عمر: أدوا الجزية.
فقالوا: أبلغنا مأمننا فوالله لئن وضعت علينا الجزية لندخلن أرض الروم، والله لتفضحنا من بين العرب.
فقال لهم: أنتم فضحتم أنفسكم، وخالفتم أمتكم، ووالله لتؤدن الجزية وأنتم صغرة قمئة، ولئن هربتم إلى الروم لاكتبن فيكم، ثم لاسبينكم.
قالوا: فخذ منا شيئا ولا تسميه جزية.
فقال: أما نحن فنسميه جزية، وأما أنتم فسموه ما شئتم.
فقال له علي بن أبي طالب: ألم يضعف عليهم سعد الصدقة ؟ قال: بلى، وأصغى إليه ورضي به منهم.
قال ابن جرير: وفي هذه السنة قدم عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الشام فوصل إلى
__________
(1) في الطبري: يكفون.
وفي فتوح البلدان عن شمر بن عطية قال قال عمر: هم رمح الله وكنز الايمان وجمجمة العرب، يحرسون ثغورهم ويمدون أهل الامصار 2 / 354.
(2) في فتوح البلدان: عمير بن سعد، قال الكلبي وهو عمير بن سعد بن شهيد بن عمرو أحد الاولى.
وقال الواقدي: هو عمير بن سعد بن عبيد وقتل أبوه سعد يوم القادسية.
(3) في الطبري: عتبان، وفي الواقدي كالاصل.
والعبارة في الطبري: عبد الله بن عيد الله بن عتبان سلك على دجلة...(4) قال البلاذري في فتوح البلدان عن ثابت بن الحجاج: فتح عياض الرقة وحران والرها ونصيبين وميا فارقين وقرقيسيا وقرى الفرات ومدائنها صلحا وأرضها عنوة.
(*)

(7/88)


سرع في قول محمد بن إسحاق، وقال سيف: وصل إلى الجابية.
قلت: والاشهر أنه وصل سرع، وقد تلقاه أمراء الاجناد، أبو عبيدة، ويزيد بن أبي سفيان، وخالد بن الوليد (1)، إلى سرع فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام، فاستشار عمر المهاجرين والانصار فاختلفوا عليه، فمن قائل يقول: أنت قد جئت لامر فلا ترجع عنه.
ومن قائل يقول: لا نرى أن تقدم بوجوه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا الوباء.
فيقال إن عمر أمر الناس بالرجوع من الغد.
فقال أبو عبيدة: أفرارا من قدر الله ؟ قال: نعم ! نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو هبطت واديا ذا
عدوتين إحداهما مخصبة والاخرى مجدبة، فإن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن أنت رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله ؟ ثم قال لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة.
قال ابن إسحاق في روايته وهو في صحيح البخاري: وكان عبد الرحمن بن عوف متغيبا في بعض شأنه، فلما قدم قال: إن عندي من ذلك علما، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا سمعتم به بأرض قوم فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا فرارا منه (2).
فحمد الله عمر - يعني لكونه وافق رأيه - ورجع بالناس.
وقال الامام أحمد: ثنا وكيع، ثنا سفيان بن حسين ابن أبي ثابت، عن إبراهيم بن سعد، عن سعد بن مالك بن أبي وقاص وخزيمة بن ثابت وأسامة ابن زيد قالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن هذا الطاعون رجز وبقية عذاب عذب به قوم قبلكم، فإذا وقع بأرض أنتم فيها فلا تخرجوا منها فرارا منه، وإذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوا عليه (3) " ورواه الامام أحمد أيضا من حديث سعيد بن المسيب ويحيى بن سعيد عن سعد بن أبي وقاص به.
قال سيف بن عمر: كان الوباء قد وقع بالشام في المحرم من هذه السنة ثم ارتفع، وكأن سيفا يعتقد أن هذا الوباء هو طاعون عمواس، الذي هلك فيه خلق من الامراء ووجوه المسلمين، وليس الامر كما زعم، بل طاعون عمواس من السنة المستقبلة بعد هذه، كما سنبينه إن شاء الله تعالى.
وذكر سيف بن عمر: أن أمير المؤمنين عمر كان قد عزم على أن يطوف البلدان، ويزور الامراء، وينظر فيما اعتقدوه وما آثروا من الخير، فاختلف عليه الصحابة فمن قائل يقول ابدأ بالعراق، ومن قائل يقول بالشام.
فعزم عمر على قدوم الشام لاجل قسم مواريث من مات من المسلمين في طاعون عمواس، فإنه أشكل قسمها على المسلمين بالشام فعزم على ذلك.
وهذا يقتضي أن عمر عزم على قدوم الشام بعد طاعون عمواس، وقد كان الطاعون في سنة ثماني عشرة كما سيأتي، فهو قدوم آخر غير قدوم سرع.
والله أعلم.
قال سيف عن أبي عثمان وأبي حارثة والربيع بن النعمان قالوا: قال عمر: ضاعت مواريث
__________
(1) في الطبري: شرحبيل بن حسنة بدل خالد.
(2) أخرجه البخاري في الانبياء 54 وفي الحيل 13، ومالك في الموطأ في المدينة 22، 23، 24.
(3) أخرجه الامام أحمد في مسنده ج 1 / 182 و 4 / 195.
(*)

(7/89)


الناس بالشام أبدأ بها فأقسم المواريث وأقيم لهم ما في نفسي، ثم أرجع فأتقلب في البلاد وأنبذ إليهم أمري.
قالوا: فأتى عمر الشام أربع مرات مرتين في سنة ست عشرة، ومرتين في سنة سبع عشرة، ولم يدخلها في الاولى من الاخريين.
وهذا يقتضي ما ذكرناه عن سيف أنه يقول بكون طاعون عمواس في سنة سبع عشرة.
وقد خالفه محمد بن إسحاق وأبو معشر وغير واحد، فذهبوا إلى أنه كان في سنة ثماني عشرة.
وفيه توفي أبو عبيدة ومعاذ ويزيد بن أبي سفيان، وغيرهم من الاعيان، على ما سيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى.
شئ من أخبار طاعون عمواس الذي توفي فيه أبو عبيدة ومعاذ ويزيد بن أبي سفيان وغيرهم من أشراف الصحابة وغيرهم.
أورده ابن جرير في هذه السنة.
قال محمد بن إسحاق عن شعبة عن المختار (1) بن عبد الله البجلي عن طارق بن شهاب البجلي.
قال: أتينا أبا موسى وهو في داره بالكوفة لنتحدث عنده فلما جلسنا قال: لا تحفوا فقد أصيب في الدار إنسان بهذا السقم، ولا عليكم أن تتنزهوا عن هذه القرية فتخرجوا في فسيح بلادكم ونزهها، حتى يرتفع هذا البلاء، فإني سأخبركم بما يكره مما يتقى.
من ذلك أن يظن من خرج أنه لو قام مات، ويظن من أقام فأصابه ذلك أنه لو خرج لم يصبه، فإذا لم يظن ذلك هذا المرء المسلم فلا عليه أن يخرج وأن يتنزه عنه، إني كنت مع أبي عبيدة بن الجراح بالشام عام طاعون عمواس، فلما اشتعل الوجع وبلغ ذلك عمر كتب إلى أبي عبيدة ليستخرجه منه: أن سلام عليك أما بعد فإنه قد عرضت لي إليك حاجة أريد أن أشافهك بها، فعزمت عليك إذا نظرت في كتابي هذا أن لا تضعه من يدك حتى تقبل إلي: قال فعرف أبو عبيدة أنه إنما أراد أن يستخرجه من الوباء، فقال: يغفر الله لامير المؤمنين.
ثم كتب إليه يا أمير المؤمنين إني قد عرفت حاجتك إلي، وإني في جند من المسلمين لا أجد بنفسي رغبة عنهم، فلست أريد فراقهم حتى يقضي الله في وفيهم
أمره وقضاءه، فخلني من عزمتك يا أمير المؤمنين، ودعني في جندي.
فلما قرأ عمر الكتاب بكى فقال الناس: يا أمير المؤمنين أمات أبو عبيدة ؟ قال: لا، وكأن قد.
قال: ثم كتب إليه " سلام عليك أما بعد فإنك أنزلت الناس أرضا عميقة فارفعهم إلى أرض مرتفعة نزهة " قال أبو موسى: فلما أتاه كتابه دعاني فقال: يا أبا موسى، إن كتاب أمير المؤمنين قد جاءني بما ترى، فأخرج فارتد للناس منزلا حتى أتبعك بهم، فرجعت إلى منزلي لارتحل فوجدت صاحبتي قد أصيبت، فرجعت إليه وقلت: والله لقد كان في أهلي حدث.
فقال: لعل صاحبتك قد أصيبت ؟ قلت: نعم، فأمر ببعير فرحل فلما وضع رجله في غرزه طعن فقال: والله لقد أصبت، ثم سار بالناس حتى نزل
__________
(1) في الطبري المخارق.
(*)

(7/90)


الجابية ورفع عن الناس الوباء (1).
وقال محمد بن إسحاق عن أبان بن صالح بن شهر بن حوشب عن رابة - رجل من قومه -.
وكان قد خلف على أمه بعد أبيه، وكان قد شهد طاعون عمواس.
قال: لما اشتعل الوجع قام أبو عبيدة في الناس خطيبا فقال: أيها الناس، إن هذا الوجع رحمة بكم ودعوة نبيكم (2) وموت الصالحين قبلكم، وإن أبا عبيدة يسأل الله أن يقسم لابي عبيدة [ منه ] حظه، فطعن، فمات واستخلف على الناس معاذ بن جبل، فقام خطيبا بعده.
فقال: أيها الناس، إن هذا الوجع رحمة بكم، ودعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم، وإن معاذا يسأل الله تعالى أن يقسم لآل معاذ [ منه ] حظهم، فطعن ابنه عبد الرحمن فمات، ثم قام فدعا لنفسه فطعن في راحته فلقد رأيته ينظر إليها ثم يقلب (3) ظهر كفه ثم يقول: ما أحب أن لي بما فيك شيئا من الدنيا.
فلما مات استخلف على الناس عمرو بن العاص فقام فيهم خطيبا فقال: أيها الناس، إن هذا الوجع إذا وقع فإنما يشتعل اشتعال نار، فتحصنوا (4) منه في الجبال.
فقال أبو وائل الهذلي: كذبت والله لقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت شر من حماري هذا.
فقال: والله ما أرد عليك ما تقول، وأيم الله لا نقيم عليه.
قال: ثم خرج وخرج الناس فتفرقوا ودفعه الله عنهم.
قال: فبلغ ذلك عمر بن الخطاب
من رأي عمرو بن العاص فوالله ما كرهه.
قال ابن إسحاق: ولما انتهى إلى عمر مصاب أبي عبيدة ويزيد بن أبي سفيان، أمر معاوية على جند دمشق وخراجها، وأمر شرحبيل بن حسنة على جند الاردن وخراجها.
وقال سيف بن عمر عن شيوخه قالوا: لما كان طاعون عمواس وقع مرتين لم ير مثلهما (5) وطال مكثه، وفني خلق كثير من الناس، حتى طمع العدو وتخوفت قلوب المسلمين لذلك.
قلت: ولهذا قدم عمر بعد ذلك إلى الشام فقسم مواريث الذين ماتوا لما أشكل أمرها على الامراء، وطابت قلوب الناس بقدومه، وانقمعت الاعداء من كل جانب لمجيئه إلى الشام ولله الحمد والمنة.
__________
(1) الخبر في الطبري 4 / 201 والكامل في التاريخ 2 / 558 في حوادث سنة 81 ه.
(2) قوله دعوة نبيكم: حين جاءه جبرائيل فقال: فناء أمتك بالطعن أو الطاعون فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: فبالطاعون.
(3) في الطبري: يقبل، وفي الكامل: يقبلها.
وانظر خطبتيهما في فتوح ابن الاعثم 1 / 312 - 313.
(4) في الطبري: فتجبلوا.
وفي فتوح ابن الاعثم 1 / 313 قال: إن هذا الوباء قد وقع فيكم، إنما هو وخز من الجن، فمن أقام به هوى ومن انحاز عنه نجا.
(5) في الطبري: وقع موتانا لم ير مثله.
وفي الكامل: وأصاب الناس من الموت ما لم يروا مثله قط، وكان عدة من مات في طاعون عمواس خمسة وعشرين ألفا.
(*)

(7/91)


وقال سيف بعد ذكره قدوم عمر بعد طاعون عمواس في آخر سنة سبع عشرة، قال: فلما أراد القفول إلى المدينة في ذي الحجة منها خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ألا إني قد وليت عليكم وقضيت الذي علي في الذي ولاني الله من أمركم إن شاء الله، فبسطنا (1) بينكم فيأكم ومنازلكم ومغازيكم، وأبلغناكم ما لدينا، فجندنا لكم الجنود، وهيأنا لكم الفروج، وبوأنا لكم، ووسعنا عليكم ما بلغ فيؤكم وما قاتلتم عليه من شامكم، وسمينا لكم أطعماتكم، وأمرنا
لكم بأعطياتكم وأرزاقكم ومغانكم.
فمن علم شيئا ينبغي العمل به فليعلمنا نعمل به إن شاء الله ولا قوة إلا بالله.
قال وحضرت الصلاة فقال الناس: لو أمرت بلالا فأذن ؟ فأمره فأذن فلم يبق أحد كان أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلال يؤذن إلا بكى حتى بل لحيته، وعمر أشدهم بكاء، وبكى من لم يدركه لبكائهم ولذكره صلى الله عليه وسلم.
وذكر ابن جرير في هذه السنة من طريق سيف بن عمر عن أبي المجالد أن عمر بن الخطاب بعث ينكر على خالد بن الوليد في دخوله إلى الحمام، وتدلكه بعد النورة بعصفر معجون بخمر، فقال في كتابه: إن الله قد حرم ظاهر الخمر وباطنه، كما حرم ظاهر الاثم وباطنه، وقد حرم مس الخمر فلا تمسوها أجسامكم فإنها نجس، فإن فعلتم فلا تعودوا.
فكتب إليه خالد: إنا قتلناها فعادت غسولا غير خمر.
فكتب إليه عمر: إني أظن أن آل المغيرة قد ابتلوا بالجفاء فلا أماتكم الله عليه فانتهى لذلك.
قال سيف: وأصاب أهل البصرة تلك السنة طاعون أيضا فمات بشر كثير وجم غفير، رحمهم الله ورضي الله عنهم أجمعين.
قالوا: وخرج الحارث بن هشام في سبعين من أهله إلى الشام فلم يرجع منهم إلا أربعة.
فقال المهاجر بن خالد في ذلك: من يسكن الشام يعرس به * والشام إن لم يفننا كارب أفنى بني ريطة فرسانهم * عشرون لم يقصص لهم شارب ومن بني أعمامهم مثلهم * لمثل هذا يعجب العاجب طعنا وطاعونا مناياهم * ذلك ما خط لنا الكاتب كائنة غريبة فيها عزل خالد عن قنسرين أيضا قال ابن جرير: وفي هذه السنة أدرب خالد بن الوليد وعياض بن غنم، أي سلكا درب الروم وأغارا عليهم، فغنموا أموالا عظيمة وسبيا كثيرا.
ثم روى من طريق سيف عن أبي عثمان وأبي حارثة والربيع وأبي المجالد.
قالوا: لما رجع خالد ومعه أموال جزيلة من الصائفة انتجعه
__________
(1) في الطبري: قسطنا.
(*)

(7/92)


الناس يبتغون رفده ونائله، فكان ممن دخل عليه الاشعث بن قيس فأجازه بعشرة آلاف فلما بلغ ذلك عمر كتب إلى أبي عبيدة يأمره أن يقيم خالدا ويكشف عمامته وينزع عنه قلنسوته ويقيده بعمامته ويسأله عن هذه العشرة آلاف، إن كان أجازها الاشعث من ماله فهو سرف، وإن كان من مال الصائفة فهي خيانة ثم أعزله عن عمله.
فطلب أبو عبيدة خالدا وصعد أبو عبيدة المنبر، وأقيم خالد بين يدي المنبر، وقام إليه بلال ففعل ما أمر به عمر بن الخطاب هو والبريد الذي قدم بالكتاب.
هذا وأبو عبيدة ساكت لا يتكلم، ثم نزل أبو عبيدة واعتذر إلى خالد مما كان بغير اختياره وإرادته، فعذره خالد وعرف أنه لا قصد له في ذلك.
ثم سار خالد إلى قنسرين فخطب أهل البلد وودعهم، وسار بأهله إلى حمص فخطبهم أيضا وودعهم وسار إلى المدينة، فلما دخل خالد على عمر أنشد عمر قول الشاعر: صنعت فلم يصنع كصنعك صانع * وما يصنع الاقوام فالله صانع ثم سأله من أين هذا اليسار الذي تجيز منه بعشرة آلاف ؟ فقال: من الانفال والسهمان.
قال: فما زاد على الستين ألفا فلك، ثم قوم أمواله وعروضه وأخذ منه عشرين ألفا ثم قال: والله إنك علي لكريم، وإنك إلي لحبيب، ولن تعمل (1) لي بعد اليوم على شئ.
وقال سيف عن عبد الله عن المستورد عن أبيه عن عدي بن سهل.
قال: كتب عمر إلى الامصار: إني لم أعزل خالدا عن سخطة ولا خيانة، ولكن الناس فتنوا به فأحببت أن يعلموا أن الله هو الصانع.
ثم رواه سيف عن مبشر عن سالم قال: لما قدم خالد على عمر فذكر مثله.
قال الواقدي: وفي هذه السنة اعتمر عمر في رجب منها، وعمر في المسجد الحرام وأمر بتجديد أنصاب الحرم، أمر بذلك لمخرمة بن نوفل، وأزهر بن عبد عوف، وحويطب بن عبد العزى، وسعيد بن يربوع.
قال الواقدي: وحدثني كثير بن عبد الله المري عن أبيه عن جده قال: قدم عمر مكة في عمرة سنة سبع عشرة، فمر في الطريق فكلمه أهل المياه أن يبنوا منازل بين مكة والمدينة - ولم يكن قبل ذلك بناء - فأذن لهم وشرط عليهم أن ابن السبيل أحق بالظل والماء.
قال الواقدي: وفيها تزوج عمر بأم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل بها في ذي القعدة.
وقد ذكرنا في سيرة عمر ومسنده صفة تزويجه بها وأنه أمهرها أربعين ألفا، وقال إنما تزوجتها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " كل سبب ونسب فإنه ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي " قال: وفي هذه السنة ولى عمر أبا موسى الاشعري البصرة، وأمره أن يشخص إليه المغيرة بن شعبة في ربيع الاول فشهد عليه فيما حدثني معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب: أبو بكرة، وشبل بن معبد البجلي، ونافع بن عبيد (2)، وزياد.
ثم ذكر الواقدي وسيف هذه القصة
__________
(1) في الطبري: ولن تعاتبني.
(2) في الطبري: ابن كلدة.
(*)

(7/93)


وملخصها: أن امرأة كان يقال لها أم جميل بنت الافقم، من نساء بني عامر بن صعصعة، ويقال من نساء بني هلال.
وكان زوجها (1) من ثقيف قد توفي عنها، وكانت تغشى نساء الامراء والاشراف، وكانت تدخل على بيت المغيرة بن شعبة وهو أمير البصرة، وكانت دار المغيرة تجاه دار أبي بكرة، وكان بينهما الطريق، وفي دار أبي بكرة كوة تشرف على كوة في دار المغيرة، وكان لا يزال بين المغيرة وبين أبي بكرة شنآن.
فبينما أبو بكرة في داره وعنده جماعة يتحدثون في العلية، إذ فتحت الريح باب الكوة، فقام أبو بكرة ليغلقها، فإذا كوة المغيرة مفتوحة، وإذا هو على صدر امرأة وبين رجليها، وهو يجامعها، فقال أبو بكرة لاصحابه: تعالوا فانظروا إلى أميركم يزني بأم جميل.
فقاموا فنظروا إليه وهو يجامع تلك المرأة، فقالوا لابي بكرة.
ومن أين قلت إنها أم جميل ؟ - وكان رأساهما من الجانب الآخر -.
فقال: انتظروا، فلما فرغا قامت المرأة فقال أبو بكرة: هذه أم جميل.
فعرفوها فيما يظنون.
فلما خرج المغيرة - وقد اغتسل - ليصلي بالناس منعه أبو بكرة أن يتقدم.
وكتبوا إلى عمر في ذلك، فولى عمر أبا موسى الاشعري أميرا على البصرة.
وعزل المغيرة، فسار إلى البصرة فنزل البرد.
فقال المغيرة: والله ما جاء أبو موسى تاجرا ولا زائرا ولا جاء إلا أميرا.
ثم قدم أبو موسى على الناس وناول المغيرة كتابا من عمر هو أوجز كتاب فيه " أما بعد فإنه بلغني نبأ عظيم فبعثت أبا موسى
أميرا فسلم ما في يديك والعجل " وكتب إلى أهل البصرة: إني قد وليت عليكم أبا موسى ليأخذ من قويكم لضعيفكم، وليقاتل بكم عدوكم، وليدفع عن دينكم وليجبي لكم فيأكم ثم ليقسمه بينكم.
وأهدى المغيرة لابي موسى جارية من مولدات الطائف تسمى عقيلة وقال: إني رضيتها لك، وكانت فارهة.
وارتحل المغيرة والذين شهدوا عليه وهم أبو بكرة، ونافع بن كلدة، وزياد بن أمية، وشبل بن معبد البجلي.
فلما قدموا على عمر جمع بينهم وبين المغيرة.
فقال المغيرة: سئل هؤلاء الاعبد كيف رأوني ؟ مستقبلهم أو مستدبرهم ؟ وكيف رأوا المرأة وعرفوها، فإن كانوا مستقبلي فكيف لم يستتروا ؟ أو مستدبري فكيف استحلوا النظر في منزلي على امرأتي ؟ والله ما أتيت إلا امرأتي وكانت تشبهها.
فبدأ عمر بأبي بكرة فشهد عليه أنه رآه بين رجلي أم جميل وهو يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة، قال: كيف رأيتهما ؟ قال: مستدبرهما.
قال: فكيف استبنت رأسها قال: تحاملت.
ثم دعا شبل بن معبد فشهد بمثل ذلك، فقال استقبلتهما أم استدبرتهما ؟ قال: استقبلتهما.
وشهد نافع بمثل شهادة أبي بكرة ولم يشهد زياد بمثل شهادتهم.
قال: رأيته جالسا بين رجلي امرأة فرأيت قدمين مخضوبتين يخفقان وأستين مكشوفتين، وسمعت حفزانا شديدا.
قال: هل رأيت كالميل في المكحلة ؟ قال: لا.
فهل تعرف المرأة ؟ قال: لا ولكن أشبهها.
قال: فتنح.
وروي أن عمر رضي الله عنه كبر عند ذلك ثم أمر بالثلاثة فجلدوا الحد وهو يقرأ قوله تعالى * (فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون) * [ النور: 13 ] فقال المغيرة: اشفني من الاعبد.
قال: اسكت أسكت الله فاك، والله لو تمت الشهادة لرجمناك بأحجارك.
__________
(1) واسمه: الحجاج بن عبيد.
(*)

(7/94)


فتح الاهواز ومناذر ونهر تيري قال ابن جرير: كان في هذه السنة، وقيل: في سنة ست عشرة.
ثم روى من طريق سيف ؟ ن شيوخه أن الهرمزان كان قد تغلب على هذه الاقاليم وكان ممن فر يوم القادسية من الفرس، جهز أبو موسى من البصرة (1)، وعتبة بن غزوان من الكوفة جيشين لقتاله، فنصرهم الله عليه،
أخذوا منه ما بين دجلة إلى دجيل، وغنموا من جيشه ما أرادوا، وقتلوا من أرادوا، ثم صانعهم طلب مصالحتهم عن بقية بلاده (2)، فشاروا في ذلك عتبة بن غزوان فصالحه، وبعث بالاخماس البشارة إلى عمر، وبعث وفدا فيهم الاحنف بن قيس.
فأعجب عمر به وحظي عنده.
وكتب إلى عتبة يوصيه به ويأمره بمشاورته والاستعانة برأيه.
ثم نقض الهرمزان العهد والصلح، واستعان بطائفة من الاكراد، وغرته نفسه، وحسن له الشيطان عمله في ذلك.
فبرز إليه المسلمون فنصروا عليه وقتلوا من جيشه جما غفيرا، وخلقا كثيرا، وجمعا عظيما، واستلبوا منه ما بيده من الاقاليم والبلدان إلى تستر، فتحصن بها، وبعثوا إلى عمر بذلك.
وقد قال الاسود بن سريع في ذلك - وكان صحابيا رضي الله عنه -.
لعمرك ما أضاع بنو أبينا * ولكن حافظوا فيمن يطيعوا أطاعوا ربهم وعصاه قوم * أضاعوا أمره فيمن يضيع مجوس لا ينهنهها كتاب * فلاقوا كبة فيها قبوع وولى الهرمزان على جواد * سريع الشد يثفنه الجميع وخلى سرة الاهواز كرها * غداة الجسر إذ نجم الربيع وقال حرقوص بن زهير السعدي وكان صحابيا أيضا: غلبنا الهرمزان على بلاد * لها في كل ناحية ذخائر سواء برهم والبحر فيها * إذا صارت نواحيها بواكر لها بجر يعج بجانبيه * جعافر لا يزال لها زواخر
__________
(1) لم يأت الطبري في روايته على ذكر أبي موسى، الخبر فيه 4 / 208.
وقال في فتوح البلدان: أن المغيرة بن شعبة غزا في ولايته سوق الاهواز وشخص عتبة من البصرة آخر سنة خمس عشرة أو أول سنة ست عشرة.
وبعد نكث الهرمزان صلحه غزاها أبو موسى وكان قد تولى البصرة بعد المغيرة وذلك في سنة سبع عشرة 2 / 464.
ويؤيده ما ذكره ابن الاعثم في فتوحه 2 / 3 في كتاب عمر إلى أبي موسى: " فقد بلغني أن الاعاجم قد تحركت بأرض الاهواز من تستر والسوس ومناذر وما والى ذلك...سر على بركة الله ".
(2) كان الصلح معه على الاهواز كلها ومهرجان خان ما خلا نهر تيري ومناذر وما غلبوا عليه من سوق الاهواز.
(*)

(7/95)


فتح تستر المرة الاولى صلحا قال ابن جرير: كان ذلك في هذه السنة في قول سيف وروايته.
وقال غيره: في سنة ست عشرة وقال غيره: كانت في سنة تسع عشرة.
ثم قال ابن جرير: ذكر الخبر عن فتحها، ثم ساق من طريق سيف عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو قالوا: ولما افتتح حرقوص بن زهير (1) سوق الاهواز، وفر الهرمزان بين يديه، فبعث في إثره جزء بن معاوية - وذلك عن كتاب عمر بذلك - فما زال جزء يتبعه حتى انتهى إلى رامهرمز فتحصن الهرمزان في بلادها، وأعجز جزءا تطلبه، واستحوذ جزء على تلك البلاد والاقاليم والاراضي، فضرب الجزية على أهلها، وعمر عامرها، وشق الانهار إلى خرابها ومواتها: فصارت في غاية العمارة والجودة.
ولما رأى الهرمزان ضيق بلاده عليه لمجاورة المسلمين، طلب من جزء بن معاوية المصالحة، فكتب إلى حرقوص، فكتب حرقوص إلى عتبة بن غزوان، وكتب عتبة إلى عمر في ذلك.
فجاء الكتاب العمري بالمصالحة على رامهرمز، وتستر، وجندسابور، ومدائن أخر من ذلك.
فوقع الصلح على ذلك كما أمر به عمر رضي الله عنه (2).
ذكر غزو بلاد فارس من ناحية البحرين عن ابن جرير عن سيف وذلك أن العلاء بن الحضرمي كان على البحرين في أيام الصديق، فلما كان عمر عزله عنها وولاها لقدامة بن مظعون.
ثم أعاد العلاء بن الحضرمي إليها.
وكان العلاء بن الحضرمي يباري سعد بن أبي وقاص.
فلما افتتح سعد القادسية، وأزاح كسرى عن داره، وأخذ حدود ما يلي السواد، واستعلى وجاء بأعظم مما جاء به العلاء بن الحضرمي من ناحية البحرين.
فأحب العلاء أن يفعل فعلا في فارس نظير ما فعله سعد فيهم، فندب الناس إلى حربهم، فاستجاب له أهل بلاده، فجزأهم أجزاء، فعلى فرقة الجارود بن المعلى، وعلى الاخرى السوار بن همام، وعلى الاخرى خليد بن المنذر بن ساوى، وخليد هو أمير الجماعة.
فحملهم في البحر إلى فارس،
وذلك بغير إذن عمر له في ذلك - وكان عمر يكره ذلك لان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ما أغزيا فيه المسلمين - فعبرت تلك الجنود من البحرين إلى فارس، فخرجوا من عند اصطخر فحالت فارس بينهم وبين سفنهم، فقام في الناس خليد بن المنذر فقال: أيها الناس، إنما أراد هؤلاء القوم بصنيعهم هذا محاربتكم، وأنتم جئتم لمحاربتهم، فاستعينوا بالله وقاتلوهم، فإنما الارض والسفن لمن غلب، واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين فأجابوه إلى ذلك فصلوا الظهر
__________
(1) حرقوص بن زهير السعدي، مدد عمر لعتبة بن غزوان بعد نقض الهرمزان صلحه (الطبري - الكامل).
(2) انظر الطبري 4 / 211 وفتوح البلدان 2 / 464 - 465 والكامل: 2 / 545.
وفتوح ابن الاعثم 2 / 9 فعند ابن الاعثم والبلاذري أن أبا موسى الاشعري تولى بنفسه صلح تستر.
(*)

(7/96)


ثم ناهدوهم فاقتتلوا قتالا شديدا في مكان من الارض يدعى طاوس، ثم أمر خليد المسلمين فترجلوا وقاتلوا فصبروا، ثم ظفروا فقتلوا فارس مقتلة لم يقتلوا قبلها مثلها.
ثم خرجوا يريدون البصرة فغرقت بهم سفنهم، ولم يجدوا إلى الرجوع في البحر سبيلا ووجدوا شهرك في أهل اصطخر قد أخذوا على المسلمين بالطرق، فعسكروا وامتنعوا من العدو.
ولما بلغ عمر ما صنع العلاء بن الحضرمي، اشتد غضبه عليه، وبعث إليه فعزله وتوعده، وأمره بأثقل الاشياء عليه، وأبغض الوجوه إليه.
فقال: الحق بسعد بن أبي وقاص [ فيمن قبلك، فخرج بمن معه نحو سعد ] (1) مضافا إليه، وكتب عمر إلى عتبة بن غزوان: إن العلاء بن الحضرمي خرج بجيش فأقطعهم أهل فارس وعصاني، وأظنه لم يرد الله بذلك، فخشيت عليهم إن لا ينصروا، أن يغلبوا وينشبوا، فاندب إليهم الناس واضممهم إليك من قبل أن يجتاحوا.
فندب عتبة المسلمين وأخبرهم بكتاب عمر إليه في ذلك، فانتدب جماعة من الامراء والابطال، منهم هاشم بن أبي وقاص، وعاصم بن عمرو، وعرفجة بن هرثمة، وحذيفة بن محصن، والاخنف بن قيس، وغيرهم، في اثني عشر ألفا.
وعلى الجميع أبو سبرة بن أبي رهم.
فخرجوا على البغال يجنبون الخيل سراعا، فساروا على الساحل لا يلقون أحدا حتى انتهوا إلى موضع الوقعة التي كانت بين المسلمين من أصحاب العلاء،
وبين أهل فارس بالمكان المسمى بطاوس، وإذا خليد بن المنذر ومن معه من المسلمين محصورون قد أحاط بهم العدو من كل جانب، وقد تداعت عليهم تلك الامم من كل وجه، وقد تكاملت أمداد المشركين، ولم يبق إلا القتال.
فقدم المسلمون إليهم في أحوج ما هم فيه إليهم، فالتقوا مع المشركين رأسا، فكسر أبو سبرة المشركين كسرة عظيمة، وقتل منهم مقتلة عظيمة جدا، وأخذ منهم أموالا جزيلة باهرة، واستنقذ خليدا ومن معه من المسلمين من أيديهم، وأعز به الاسلام وأهله، ودفع الشرك وذله ولله الحمد والمنة ثم عادوا إلى عتبة بن غزوان إلى البصرة.
ولما استكمل عتبة فتح تلك الناحية، استأذن عمر في الحج فأذن له فسار إلى الحج واستخلف على البصرة أبا سبرة بن أبي رهم، واجتمع بعمر في الموسم، وسأله أن يقيله فلم يفعل، وأقسم عليه ليرجعن إلى عمله.
فدعا عتبة الله عز وجل فمات ببطن نخلة، وهو منصرف من الحج، فتأثر عليه عمر وأثنى عليه خيرا، وولى بعده بالبصرة المغيرة بن شعبة، فوليها بقية تلك السنة والتي تليها، لم يقع في زمانه حدث، وكان مرزوق السلامة في عمله.
ثم وقع الكلام في تلك المرأة من أبي بكرة فكان من أمره ما قدمنا.
ثم بعث إليها أبا موسى الاشعري واليا عليها رضي الله عنهم.
__________
(1) بياض بالاصل، وما بين معكوفين من الطبري.
(*)

(7/97)


ذكر فتح تستر ثانية وأسر الهرمزان وبعثه إلى عمر بن الخطاب قال ابن جرير: كان ذلك في هذه السنة في رواية سيف بن عمر التميمي.
وكان سبب ذلك أن يزدجرد كان يحرض أهل فارس في كل وقت ويؤنبهم بملك العرب بلادهم وقصدهم إياهم في حصونهم فكتب إلى أهل الاهواز وأهل فارس فتحركوا وتعاهدوا وتعاقدوا على حرب المسلمين، وأن يقصدوا البصرة.
وبلغ الخبر إلى عمر، فكتب إلى سعد - وهو بالكوفة - أن ابعث جيشا كثيفا إلى الاهواز مع النعمان بن مقرن وعجل وليكونوا بإزاء الهرمزان (1)، وسمى رجالا من الشجعان
الاعيان الامراء يكونون في هذا الجيش، منهم جرير بن عبد الله البجلي، وجرير بن عبد الله الحميري، والنعمان بن مقرن، وسويد بن مقرن: وعبد الله بن ذي السهمين.
وكتب عمر إلى أبي موسى وهو بالبصرة أن ابعث إلى الاهواز جندا كثيفا وأمر عليهم سهيل (2) بن عدي، وليكن معه البراء بن مالك، وعاصم بن عمرو، ومجزأة بن ثور، وكعب بن ثور (3)، وعرفجة بن هرثمة، وحذيفة بن محصن، وعبد الرحمن بن سهل، والحصين بن معبد.
وليكن على أهل الكوفة وأهل البصرة جميعا أبو سبرة بن أبي رهم، وعلى كل من أتاه من المدد.
قالوا: فسار النعمان بن مقرن بجيش الكوفة فسبق البصريين فانتهى إلى رامهرمز (4) وبها الهرمزان، فخرج إليه الهرمزان في جنده ونقض العهد بينه وبين المسلمين، فبادره طمعا أن يقتطعه قبل مجئ أصحابه من أهل البصرة رجاء أن ينصر أهل فارس، فالتقى معه النعمان بن مقرن بأربل (5)، فاقتتلا قتالا شديدا، فهزم الهرمزان وفر إلى تستر، وترك رامهرمز فتسلمها النعمان عنوة وأخذ ما فيها من الحواصل والذخائر والسلاح والعدد.
فلما وصل الخبر إلى أهل البصرة بما صنع الكوفيون بالهرمزان وأنه فر فلجأ إلى تستر، ساروا إليها ولحقهم أهل الكوفة حتى أحاطوا بها فحاصروها جميعا، وعلى الجميع أبو سبرة، فوجدوا الهرمزان قد حشد بها خلقا كثيرا، وجما غفيرا.
وكتبوا إلى عمر في ذلك وسألوه أن يمدهم، فكتب إلى أبي موسى أن يسير إليهم.
فسار إليهم - وكان أمير أهل البصرة واستمر أبو سبرة على الامرة (6) على جميع أهل الكوفة والبصرة، فحاصرهم أشهرا وكثر القتل من
__________
(1) كذا بالاصل والطبري وفتوح البلدان والكامل، وفي فتوح ابن الاعثم: الهرمزدان أنو شروان.
(2) في الطبري والكامل: سهل بن عدي أخو سهيل.
(3) في الطبري: سور.
(4) في فتوح البلان: أن أبا موسى هادن أهل رامهرمز ولما انقضت هدنتهم وجه إليهم أبا مريم الحنفي فصالحهم على ثماني مئة ألف درهم ثم غدروا ففتحها أبو موسى عنوة.
(2 / 466 - 467) وفي ابن الاعثم أن النعمان وجرير ابن عبد الله افتتحا معا قلاع ومدينة رمهرمز بالسيف قسرا بعد أن هادنهم وأجلهم أبو موسى ستة أشهر 2 / 11.
(5) في الطبري والكامل: اربك.
(6) في فتوح البلدان وفتوح ابن الاعثم: أبو موسى كان الامير على الناس.
وفي الطبري والكامل فكالاه.
(*)

(7/98)


الفريقين، وقتل البراء بن مالك أخو أنس بن مالك يومئذ مائة مبارز سوى من قتل غير ذلك، وكذلك فعل كعب بن ثور، ومجزأة بن ثور، وأبو يمامة (1) وغيرهم من أهل البصرة، وكذلك أهل الكوفة قتل منهم جماعة مائة مبارزة كحبيب بن قرة، وربعي بن عامر، وعامر بن عبد الاسود وقد تزاحفوا أياما متعددة، حتى إذا كان في آخر زحف قال المسلمون للبراء بن مالك - وكان مجاب الدعوه -: يا براء اقسم على ربك ليهزمنهم لنا.
فقال: اللهم اهزمهم لنا، واستشهدني قال: فهزمهم المسلمون حتى أدخلوهم خنادقهم واقتحموها عليهم، ولجأ المشركون إلى البلد فتحصنوا به، وقد ضاقت بهم البلد، وطلب رجل (2) من أهل البلد الامان من أبي موسى فأمنه، فبعث يدل المسلمين على مكان يدخلون منه إلى البلد، وهو من مدخل الماء إليها، فندب الامراء الناس إلى ذلك فانتدب رجال من الشجعان والابطال، وجاؤا فدخلوا مع الماء - كالبط - إلى البلد، وذلك في الليل، فيقال كان أول من دخلها عبد الله بن مغفل المزني (3)، وجاؤا إلى البوابين فأناموهم وفتحوا الابواب، وكبر المسلمون فدخلوا البلد، وذلك في وقت الفجر إلى أن تعالى النهار، ولم يصلوا الصبح يومئذ إلا بعد طلوع الشمس - كما حكاه البخاري عن أنس بن مالك قال: شهدت فتح تستر، وذلك عند صلاة الفجر، فاشتغل الناس بالفتح فما صلوا الصبح إلا بعد طلوع الشمس - فما أحب أن لي بتلك الصلاة حمر النعم.
احتج بذلك البخاري لمكحول والاوزاعي في ذهابهما إلى جواز تأخير الصلاة لعذر القتال.
وجنح إليه البخاري واستدل بقصة الخندق في قوله عليه السلام " شغلونا عن الصلاة الوسطى ملا الله قبورهم وبيوتهم نارا (4) " وبقوله يوم بني قريظة " لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة (5) " فأخرها فريق من الناس إلى بعد غروب الشمس، ولم يعنفهم، وقد تكلمنا على ذلك في غزوة الفتح.
والمقصود أن الهرمزان لما فتحت البلد لجأ إلى القلعة فتبعه جماعة من الابطال ممن ذكرنا وغيرهم فلما حصروه في مكان من القلعة ولم يبق إلا تلافه أو تلافهم، قال لهم بعد ما قتل البراء بن
مالك ومجزأة بن ثور رحمهما الله: إن معي جعبة فيها مائة سهم، وإنه لا يتقدم إلي أحد منكم إلا رميته بسهم قتلته.
ولا يسقط لي سهم إلا في رجل منكم، فماذا ينفعكم إن أسرتموني بعدما قتلت منكم مائة رجل ؟ قالوا: فماذا تريد ؟ قال: تؤمنوني حتى أسلمكم يدي فتذهبوا بي إلى عمر بن
__________
(1) في الطبري: أبو تميمة.
(2) في فتوح ابن الاعثم ذكر اسمه: نسيبه بن دارنه.
وفي الاخبار الطوال: سينة.
(3) في فتوح ابن الاعثم عوف بن مجزأة.
وفي فتوح البلدان 2 / 468: رجل من بني شيبان يقال له أشرس بن عوف وفي الاخبار الطوال ص (131) مثل فتوح البلدان.
(4) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد (98) باب ح (2931) فتح الباري 6 / 105.
وفي المغازي ح (4111) ومسلم في كتاب المساجد (36) باب.
ح 204.
(5) أخرجه البخاري في المغازي فتح الباري 7 / 407 ومسلم في الجهاد ح (69) ص (1391).
(*)

(7/99)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية