صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : البداية والنهاية
مصدر الكتاب : الإنترنت
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

وخالد مع كردوس من الحماة الشجعان الابطال بين يدي الصفوف، والابطال يتصاولون من الفريقين بين يديه، وهو ينظر ويبعث إلى كل قوم من أصحابه بما يعتمدونه من الافاعيل، ويدبر أمر
الحرب أتم تدبير.
وقال إسحاق بن بشير عن سعيد بن عبد العزيز عن قدماء مشايخ دمشق، قالوا: ثم زحف ماهان فخرج أبو عبيدة، وقد جعل على الميمة معاذ بن جبل، وعلى الميسرة قباب (1) بن أشيم الكناني، وعلى الرجالة هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وعلى الخيل خالد بن الوليد، وخرج الناس على راياتهم، وسار أبو عبيدة بالمسلمين، وهو يقول: عباد الله أنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم، يا معاشر المسلمين اصبروا فإن الصبر منجاة من الكفر، ومرضاة للرب، ومدحضة للعار، ولا تبرحوا مصافكم، ولا تخطوا إليهم خطوة، ولا تبدؤهم بالقتال، واشرعوا الرماح، واستتروا بالدرق، والزموا الصمت إلا من ذكر الله.
وخرج معاذ بن جبل فجعل يذكرهم، ويقول: يا أهل القرآن، ومستحفظي الكتاب، وأنصار الهدى والحق، إن رحمة الله لا تنال، وجنته لا تدخل بالاماني، ولا يؤتي الله المغفرة والرحمة الواسعة إلا للصادق المصدق، ألم تسمعوا لقول الله عز وجل * (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات) * إلى آخر الآية ؟ فاستحيوا رحمكم الله من ربكم أن يراكم فرارا من عدوكم، وأنتم في قبضته، وليس لكم ملتحد من دونه.
وسار عمرو بن العاص في الناس وهو يقول: أيها المسلمون غضوا الابصار واجثوا على الراكب، واشرعوا الرماح، فإذا حملوا عليكم فأمهلوهم حتى إذا ركبوا أطراف الاسنة فثبوا وثبة الاسد، فوالذي يرضي الصدق ويثيب عليه، ويمقت الكذب ويجزي الاحسان إحسانا.
لقد سمعت أن المسلمين سيفتحونها كفرا كفرا وقصرا قصرا، فلا يهولنكم جموعهم ولا عددهم، فإنكم لو صدقتموهم الشد لتطايروا تطاير أولاد الحجل.
ثم تكلم أبو سفيان فأحسن وحث على القتال فأبلغ في كلام طويل.
ثم قال حين تواجه الناس: يا معشر أهل الاسلام حضر ما ترون، فهذا رسول الله والجنة أمامكم، والشيطان والنار خلفكم، وحرض أبو سفيان النساء فقال: من رأيتنه فارا فاضربنه بهذه الاحجار والعصي حتى يرجع.
وأشار خالد أن يقف في القلب سعيد بن زيد، وأن يكون أبو عبيدة من وراء الناس ليرد المنهزم.
وقسم خالد الخيل قسمين فجعل فرقة وراء الميمنة، وفرقة وراء الميسرة، لئلا يفر الناس
وليكونوا ردءا لهم من ورائهم.
فقال له أصحابه: افعل ما أراك الله، وامتثلوا ما أشار به خالد رضي الله عنه.
وأقبلت الروم رافعة صلبانها ولهم أصوات مزعجة كالرعد، والقساقسة والبطارقة تحرضهم على القتال وهم في عدد وعدد لم ير مثله، فالله المستعان وعليه التكلان.
وقد كان فيمن شهد اليرموك الزبير بن العوام، وهو أفضل من هناك من الصحابة، وكان من
__________
(1) تقدم ذكره: قباث.
(*)

(7/14)


فرسان الناس وشجعانهم، فاجتمع إليه جماعة من الابطال يومئذ فقالوا: ألا تحمل فنحمل معك ؟ فقال: إنكم لا تثبتون، فقالوا: بلى ! فحمل وحملوا فلما واجهوا صفوف الروم أحجموا وأقدم هو فاخترق صفوف الروم حتى خرج من الجانب الآخر وعاد إلى أصحابه.
ثم جاؤا إليه مرة ثانية ففعل كما فعل في الاولى، وجرح يومئذ جرحين بين كتفيه، وفي رواية جرح.
وقد روى البخاري معنى ما ذكرناه في صحيحه.
وجعل معاذ بن جبل كلما سمع أصوات القسيسين والرهبان يقول: اللهم زلزل أقدامهم، وأرعب قلوبهم: وأنزل علينا السكينة، وألزمنا كلمة التقوى، وجبب إلينا اللقاء، وأرضنا بالقضاء.
وخرج ماهان فأمر صاحب الميسرة وهو الدبريجان (1)، وكان عدو الله متنسكا فيهم، فحمل على الميمنة وفيها الازد ومذحج وحضرموت وخولان، فثبتوا حتى صدقوا (2) أعداء الله، ثم ركبهم من الروم أمثال الجبال.
فزال المسلمون من الميمنة إلى ناحية القلب، وانكشف طائفة من الناس إلى العسكر، وثبت صور من المسلمين عظيم يقاتلون تحت راياتهم، وانكشف زبيد.
ثم تنادوا فتراجعوا وحملوا حتى نهنهوا من أمامهم من الروم وأشغلوهم عن اتباع من انكشف من الناس، واستقبل النساء من انهزم من سرعان الناس يضربنهم بالخشب والحجارة وجعلت خولة بنت ثعلبة تقول: يا هاربا عن نسوة تقيات * فعن قليل ما ترى سبيات * ولا حصيات ولا رضيات * (3) قال: فتراجع الناس إلى مواقفهم.
وقال سيف بن عمر عن أبي عثمان الغساني عن أبيه.
قال
قال عكرمة بن أبي جهل يوم اليرموك: قاتلت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواطن وأفر منكم اليوم ؟ ثم نادى: من يبايع على الموت ؟ فبايعه عمه الحارث بن هشام، وضرار بن الازور في أربعمائة من وجوه المسلمين وفرسانهم، فقاتلوا قدام فسطاط خالد حتى أثبتوا جميعا جراحا، وقتل منهم خلق منهم ضرار بن الازور رضي الله عنهم.
وقد ذكر الواقدي وغيره أنهم لما صرعوا من الجراح استسقوا ماء فجئ إليهم بشربة ماء فلما قربت إلى أحدهم نظر إليه الآخر فقال: ادفعها إليها، فلما دفعت إليه نظر إليه الآخر فقال: ادفعها إليه، فتدافعوها كلهم من واحد إلى واحد حتى ماتوا جميعا ولم يشربها أحد منهم، رضي الله عنهم أجمعين.
__________
(1) قال الواقدي: أن الديرجان كان بطريقا على بصرى وهو الذي قاتل خالد وقتله عبد الرحمن بن أبي بكر.
(2) كذا بالاصل، ولعل الصواب: صدوا.
(3) الابيات في الواقدي (فتوح الشام) يا هاربا عن نساء ثقات * لها جمال ولها ثبات تسلموهن إلى الهنات * تملك نواصينا مع البنات اعلاج سوق فسق عتاة * ينلن منا أعظم الشتات (*)

(7/15)


ويقال إن أول من قتل من المسلمين يومئذ شهيدا رجل جاء إلى أبي عبيدة فقال: إني قد تهيأت لامري فهل لك من حاجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: نعم، تقرئه عني السلام وتقول: يا رسول الله إنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا.
قال: فتقدم هذا الرجل حتى قتل رحمه الله.
قالوا: وثبت كل قوم على رايتهم حتى صارت الروم تدور كأنها الرحا.
فلم تر يوم اليرموك (إلا) مخا ساقطا، ومعصما نادرا، وكفا طائرة من ذلك الموطن.
ثم حمل خالد بمن معه من الخيالة على الميسرة التي حملت على ميمنة المسلمين فأزالوهم إلى القلب فقتل من الروم في حملته هذه ستة آلاف منهم ثم قال: والذي نفسي بيده لم يبق عندهم من الصبر والجلد غير ما رأيتم، وإني لارجو أن يمنحكم الله أكتافهم.
ثم اعترضهم فحمل بمائة فارس معه على نحو من مائة ألف فما وصل إليهم
حتى انفض جمعهم، وحمل المسلمون عليهم حملة رجل واحد، فانكشفوا وتبعهم المسلمون لا يمتنعون منهم.
قالوا: وبينما هم في جولة الحرب وحومة الوغى والابطال يتصاولون من كل جانب، إذ قدم البريد من نحو الحجاز فدفع إلى خالد بن الوليد فقال له: ما الخبر ؟ فقال له - فيما بينه وبينه -: إن الصديق رضي الله عنه قد توفي واستخلف عمر، واستناب على الجيوش أبا عبيدة عامر بن الجراح.
فأسرها خالد ولم يبد ذلك للناس لئلا يحصل ضعف ووهن في تلك الحال، وقال له والناس يسمعون: أحسنت، وأخذ منه الكتاب فوضعه في كنانته واشتغل بما كان فيه من تدبير الحرب والمقاتلة، وأوقف الرسول الذي جاء بالكتاب - وهو منجمة (1) بن زنيم - إلى جانبه.
كذا ذكره ابن جرير بأسانيده.
قالوا وخرج جرجه أحد الامراء الكبار من الصف واستدعى خالد بن الوليد فجاء إليه حتى اختلفت أعناق فرسيهما، فقال جرجه: يا خالد أخبرني فاصدقني ولا تكذبني، فإن الحر لا يكذب، ولا تخادعني فإن الكريم لا يخادع المسترسل بالله، هل أنزل الله على نبيكم سيفا من السماء فأعطاكه فلا تسله على أحد (2) إلا هزمتهم ؟ قال: لا ! قال: فبم سميت سيف الله ؟ قال: إن الله بعث فينا نبيه فدعانا فنفرنا منه ونأينا عنه جميعا، ثم إن بعضنا صدقه وتابعه، وبعضنا كذبه وباعده، فكنت فيمن كذبه وباعده، ثم إن الله أخذ بقلوبنا ونواصينا فهدانا به وبايعناه (3)، فقال لي: أنت سيف من سيوف الله سله الله على المشركين.
ودعا لي بالنصر، فسميت سيف الله بذلك فأنا من أشد المسلمين على المشركين.
فقال جرجه: يا خالد إلى ما تدعون ؟ قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده
__________
(1) في الطبري: محمية.
(2) في الطبري: قوم.
(3) في الطبري: فتابعناه.
(*)

(7/16)


ورسوله والاقرار بما جاء به من عند الله عز وجل.
قال: فمن لم يجيكم ؟ قال: فالجزية ونمنعهم.
قال: فإن لم يعطها قال: نؤذنه بالحرب ثم نقاتله.
قال: فما منزلة من يجيكم ويدخل في هذا الامر اليوم ؟ قال منزلتنا واحدة فيما افترض الله علينا، شريفنا ووضيعنا وأولنا وآخرنا.
قال جرجه: فلمن دخل فيكم اليوم من الاجر مثل ما لكم من الاجر والذخر ؟ قال: نعم وأفضل.
قال: وكيف يساويكم وقد سبقتموه ؟ فقال خالد: إنا قبلنا هذا الامر عنوة (1) وبايعنا نبينا وهو حي بين أظهرنا تأتيه أخبار السماء ويخبرنا بالكتاب ويرينا الآيات، وحق لمن رأى ما رأينا، وسمع ما سمعنا أن يسلم ويبايع، وإنكم أنتم لم تروا ما رأينا، ولم تسمعوا ما سمعنا من العجائب والحجج، فمن دخل في هذا الامر منكم بحقيقة ونية كان أفضل منا ؟ فقال جرجه: بالله لقد صدقتني ولم تخادعني ؟ قال: تالله لقد صدقتك (2) وإن الله ولي ما سألت عنه.
فعند ذلك قلب جرجه الترس ومال مع خالد وقال: علمني الاسلام، فمال به خالد إلى فسطاطه فسن (3) عليه قربة من ماء ثم صلى به ركعتين.
وحملت الروم مع انقلابه إلى خالد وهم يرون أنها منه حملة فأزالوا المسلمين عن مواقفهم إلا المحامية عليهم عكرمة بن أبي جهل والحرث بن هشام.
فركب خالد وجرجه معه والروم خلال المسلمين، فتنادى الناس وثابوا وتراجعت الروم إلى مواقفهم وزحف خالد بالمسلمين حتى تصافحوا بالسيوف فضرب فيهم خالد وجرجه من لدن ارتفاع النهار إلى جنوح الشمس للغروب.
وصلى المسلمون صلاة الظهر وصلاة العصر إيماء، وأصيب جرجه رحمه الله ولم يصل لله إلا تلك الركعتين مع خالد رضي الله عنهما.
وضعضعت الروم عند ذلك.
ثم نهد خالد بالقلب حتى صار في وسط خيول الروم، فعند ذلك هربت خيالتهم، وأسندت بهم في تلك الصحراء، وأفرج المسلمون بخيولهم حتى ذهبوا.
وأخر الناس صلاتي العشاءين حتى استقر الفتح، وعمد خالد إلى رحل الروم وهم الرجالة ففصلوهم عن آخرهم حتى صاروا كأنهم حائط قد هدم ثم تبعوا من فر من الخيالة واقتحم خالد عليهم خندقهم، وجاء الروم في ظلام الليل إلى الواقوصة (4)، فجعل الذين تسلسلوا وقيدوا بعضهم ببعض إذا سقط واحد منهم سقط الذين معه.
قال ابن جرير وغيره: فسقط فيها وقتل عندها مائة ألف وعشرون ألفا سوى من قتل في
المعركة.
وقد قاتل نساء المسلمين في هذا اليوم (5) وقتلوا خلقا كثيرا من الروم، وكن يضربن من
__________
(1) في الطبري: إنا دخلنا في هذا الامر.
(2) زاد الطبري: وما بي إليك ولا إلى أحد منكم وحشة...(3) في الطبري: فش.
(4) في فتوح الواقدي: الياقوصة.
(5) ومنهن: خولة بنت الازور وخولة بنت ثعلبة الانصارية وكعوب بنت مالك بن عاصم وسلمى بنت هاشم ونعم بنت فياض وهند بنت عتبة بن ربيعة ولبنى بنت جرير الحميرية وعفيرة بنت غفار وسعيدة بنت عاصم الخولاني.
(*)

(7/17)


انهزم من المسلمين ويقلن: أين تذهبون وتدعوننا للعلوج ؟ فإذا زجرنهم لا يملك أحد نفسه حتى يرجع إلى القتال.
قال وتجلل القيقلان وأشراف من قومه من الروم ببرانسهم وقالوا: إذا لم نقدر على نصر دين النصرانية فلنمت على دينهم.
فجاء المسلمون فقتلوهم عن آخرهم.
قالوا: وقتل في هذا اليوم من المسلمين ثلاثة آلاف منهم عكرمة وابنه عمرو، وسلمة بن هشام، وعمرو بن سعيد، وأبان بن سعيد، وأثبت خالد بن سعيد فلا يدرى أين ذهب وضرار بن الازور، وهشام بن العاص وعمرو ابن الطفيل بن عمرو الدوسي، وحقق الله رؤيا أبيه يوم اليمامة.
وقد أتلف في هذا اليوم جماعة من الناس انهزم عمرو بن العاص في أربعة حتى وصلوا إلى النساء ثم رجعوا حين زجرهم النساء، وانكشف شرحبيل بن حسنة وأصحابه ثم تراجعوا حين وعظهم الامير بقوله تعالى: * (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم) * الآية [ التوبة: 111 ].
وثبت يومئذ يزيد بن أبي سفيان وقاتل قتالا شديدا، وذلك أن أباه مر به فقال له: يا بني عليك بتقوى الله والصبر فإنه ليس رجل بهذا الوادي من المسلمين إلا محفوفا بالقتال، فكيف بك وبأشباهك الذين ولوا أمور المسلمين ؟ ! أولئك أحق الناس بالصبر والنصيحة، فاتق الله يا بني ولا
يكونن أحد من أصحابك بأرغب في الاجر والصبر في الحرب ولا أجرأ على عدو الاسلام منك.
فقال: أفعل إن شاء الله.
فقاتل يومئذ قتالا شديدا وكان من ناحية القلب رضي الله عنه.
وقال سعيد بن المسيب عن أبيه قال: هدأت الاصوات يوم اليرموك فسمعنا صوتا يكاد يملا العسكر يقول: يا نصر الله اقترب، الثبات الثبات يا معشر المسلمين، قال: فنظرنا فإذا هو أبو سفيان تحت راية ابنه يزيد.
وأكمل خالد ليلته في خيمة تدارق أخي هرقل - وهو أمير الروم كلهم يومئذ - هرب فيمن هرب، وباتت الخيول تجول نحو خيمة خالد يقتلون من مر بهم من الروم حتى أصبحوا وقتل تدارق وكان له ثلاثون سرادقا وثلاثون رواقا من ديباج بما فيها من الفرش والحرير، فلما كان الصباح حازوا ما كان هنالك من الغنائم.
وما فرحوا بما وجدوا بقدر حزنهم على الصديق حين أعلمهم خالد بذلك ولكن عوضهم الله بالفاروق رضي الله عنه.
وقال خالد حين عزى المسلمين في الصديق: الحمد لله الذي قضى على أبي بكر بالموت، وكان أحب إلي من عمر، والحمد لله الذي ولى عمر وكان أبغض إلي من أبي بكر وألزمني حبه.
وقد اتبع خالد من انهزم من الروم حتى وصل إلى دمشق فخرج إليه أهلها فقالوا: نحن على عهدنا وصلحنا ؟ قال: نعم.
ثم اتبعهم إلى ثنية العقاب فقتل منهم خلقا كثيرا ثم ساق وراءهم إلى حمص فخرج إليه أهلها فصالحهم كما صالح أهل دمشق.
وبعث أبو عبيدة عياض بن غنم وراءهم أيضا فساق حتى وصل ملطية فصالحه أهلها ورجع.
فلما بلغ هرقل ذلك بعث إلى مقاتليها

(7/18)


فحضروا بين يديه وأمر بملطية فحرقت وانتهت الروم منهزمة إلى هرقل وهو بحمص والمسلمون في آثارهم يقتلون ويأسرون ويغنمون.
فلما وصل الخبر إلى هرقل ارتحل من حمص وجعلها بينه وبين المسلمين وترس بها وقال هرقل: أما الشام فلا شام، وويل للروم من المولود المشئوم.
ومما قيل من الاشعار في يوم اليرموك قول القعقاع بن عمرو: ألم ترنا على اليرموك فزنا * كما فزنا بأيام العراق وعذراء المدائن قد فتحنا * ومرج الصفر...على العتاق
فتحنا قبلها بصرى وكانت * محرمة الجناب لدى النعاق قتلنا من أقام لنا وفينا * نهابهم بأسياف رقاق قتلنا الروم حتى ما تساوى * على اليرموك معروق الوراق فضضنا جمعهم لما استجالوا * على الواقوص بالبتر الرقاق (1) غداة تهافتوا فيها فصاروا * إلى أمر يعضل بالذواق (2) وقال الاسود بن مقرن التميمي: وكم قد أغرنا غارة بعد غارة * يوما ويوما قد كشفنا أهاوله (3) ولولا رجال كان عشو غنيمة * لدى مأقط رجت علينا أوائله لقيناهم اليرموك لما تضايقت * بمن حل باليرموك منه حمائله فلا يعد من منا هرقل كتائبا * إذا رامها رام الذي لا يحاوله وقال عمرو بن العاص: القوم لخم وجذام في الحرب * ونحن والروم بمرج نضطرب فإذن يعودوا بها لا نصطحب * بل نعصب الفرار بالضرب الكرب وروى أحمد بن مروان المالكي في المجالسة: ثنا أبو إسمعيل الترمذي ثنا أبو معاوية بن عمرو عن أبي إسحق قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يثبت لهم العدو فواق ناقة عند اللقاء، فقال هرقل وهو على إنطاكية لما قدمت منهزمة الروم: ويلكم أخبروني عن هؤلاء القوم الذين يقاتلونكم أليسوا بشرا مثلكم ؟ قالوا: بلى.
قال: فأنتم أكثر أم هم ؟ قالوا: بل نحن أكثر منهم أضعافا في كل موطن.
قال: فما بالكم تنهزمون ؟ فقال شيخ من عظمائهم: من أجل أنهم يقومون الليل ويصومون
__________
(1) في معجم البلدان: على الواقوصة البتر الرقاق.
(2) الابيات في معجم البلدان 5 / 354 (الواقوصة).
(3) أهاوله: الزينة والنقوش والتصاوير.
(*)

(7/19)


النهار، ويوفون بالعهد، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويتناصفون بينهم، من أجل أنا نشرب الخمر، ونزني، ونركب الحرام، وننقض العهد، ونغضب ونظلم ونأمر بالسخط وننهى عما يرضي الله ونفسد في الارض.
فقال: أنت صدقتني.
وقال الوليد بن مسلم: أخبرني من سمع يحيى بن يحيى الغساني يحدث عن رجلين من قومه قالا: لما نزل المسلمون بناحية الاردن، تحدثنا بيننا أن دمشق ستحاصر فذهبنا نتسوق منها قبل ذلك، فبينا نحن فيها إذ أرسل إلينا بطريقها فجئناه فقال: أنتما من العرب ؟ قلنا نعم ! قال: وعلى النصرانية ؟ قلنا: نعم.
فقال: ليذهب أحدكما فليتجسس لنا عن هؤلاء القوم ورأيهم، وليثبت الآخر على متاع صاحبه.
ففعل ذلك أحدنا، فلبث مليا ثم جاءه فقال: جئتك من عند رجال دقاق يركبون خيولا عتاقا أما الليل فرهبان، وأما النهار ففرسان، يريشون النبل ويبرونها، ويثقفون القنا، لو حدثت جليسك حديثا ما فهمه عنك لما علا من أصواتهم بالقرآن والذكر.
قال فالتفت إلى أصحابه وقال: أتاكم منهم مالا طاقة لكم به.
انتقال إمرة الشام من خالد إلى أبي عبيدة بعد وقعة اليرموك وصيرورة الامرة بالشام إلى أبي عبيدة، فكان أبو عبيدة أول من سمي أمير الامراء.
قد تقدم أن البريد قدم بموت الصديق والمسلمون مصافو الروم يوم اليرموك، وأن خالدا كتم ذلك عن المسلمين لئلا يقع وهن، فلما أصبحوا أجلى لهم الامر وقال ما قال، ثم شرع أبو عبيدة في جمع الغنيمة وتخميسها، وبعث بالفتح والخمس مع قباب (1) بن أشيم إلى الحجاز، ثم نودي بالرحيل إلى دمشق، فساروا حتى نزلوا مرج الصفر، وبعث أبو عبيدة بين يديه طليعة أبا أمامة الباهلي ومعه رجلان من أصحابه.
قال أبو أمامة: فسرت فلما كان ببعض الطريق أمرت الآخر (2) فكمن هناك وسرت أنا وحدي حتى جئت باب البلد، وهو مغلق في الليل وليس هناك أحد، فنزلت وغرزت رمحي بالارض ونزعت لجام فرسي، وعلقت عليه مخلاته ونمت، فلما أصبح الصباح قمت فتوضأت وصليت الفجر، فإذا باب المدينة يقعقع فلما فتح حملت على البواب فطعنته بالرمح
فقتلته، ثم رجعت والطلب ورائي فلما انتهينا إلى الرجل الذي في الطريق من أصحابي ظنوا أنه كمين فرجعوا عني، ثم سرنا حتى أخذنا الآخر وجئت إلى أبي عبيدة فأخبرته بما رأيت، فأقام أبو
__________
(1) الصواب قباث.
(2) كذا بالاصل ولعل فيه سقطا.
والعبارة في الطبري: دخلت الغوطة فحبستها بين أبياتها وشجراتها فقال أحد صاحبي قد بلغت حيث أمرت فانصرف لا تهلكنا فقلت: قف مكانك حتى تصبح أو اتيك فسرت حتى دفعت إلى باب المدينة...(4 / 38).
(*)

(7/20)


عبيدة ينتظر كتاب عمر فيما يعتمده من أمر دمشق، فجاءه الكتاب يأمره بالمسير إليها، فساروا إليها حتى أحاطوا بها.
واستخلف أبو عبيدة على اليرموك بشير بن كعب (1) في خيل هناك.
وقعة جرت بالعراق بعد مجئ خالد إلى الشام وذلك أن أهل فارس اجتمعوا بعد مقتل ملكهم وابنه على تمليك شهريار (2) بن أزدشير بن شهريار واستغنموا غيبة خالد عنهم فبعثوا إلى نائبه المثنى بن حارثة جيشا كثيفا نحوا من عشرة آلاف عليهم هرمز بن حادويه (3)، وكتب شهريار إلى المثنى: إني قد بعثت إليك جندا من وحش أهل فارس إنما هم رعاة الدجاج والخنازير، ولست أقاتلك إلا بهم.
فكتب إليه المثنى: من المثنى إلى شهريار إنما أنت أحد رجلين إما باغ لذلك شر لك وخير لنا، وإما كاذب فأعظم الكاذبين عقوبة وفضيحة عند الله في الناس الملوك، وأما الذي يدلنا عليه الرأي فإنكم إنما اضطررتم إليهم، فالحمد لله الذي رد كيدكم إلى رعاة الدجاج والخنازير.
قال: فجزع أهل فارس من هذا الكتاب، ولاموا شهريار على كتابه إليه واستهجنوا رأيه.
وسار المثنى من الحرة إلى بابل، ولما التقى المثنى وجيشهم بمكان عند عدوة الصراة الاولى (4)، اقتتلوا قتالا شديدا جدا، وأرسل الفرس فيلا بين صفوف الخيل ليفرق خيول المسلمين، فحمل عليه أمير المسلمين المثنى بن حارثة فقتله، وأمر المسلمين فحملوا، فلم تكن إلا هزيمة الفرس فقتلوهم قتلا ذريعا، وغنموا منهم مالا عظيما، وفرت الفرس حتى انتهوا إلى المدائن في شر حالة، ووجدوا الملك قد مات فملكوا عليهم ابنة
كسرى " بوران بنت أبرويز (5) " فأقامت العدل، وأحسنت السيرة، فأقامت سنة وسبع شهور، ثم ماتت، فملكوا عليهم أختها " آزرميدخت زنان " فلم ينتظم لهم أمر، فملكوا عليهم " سابور بن شهريار "، وجعلوا أمره إلى الفرخزاذ بن البندوان فزوجه سابور بإبنة كسرى " آزرميدخت " فكرهت ذلك وقالت: إنما هذا عبد من عبيدنا.
فلما كان ليلة عرسها عليه هموا إليه فقتلوه، ثم ساروا إلى سابور فقتلوه أيضا، وملكوا عليهم هذه المرأة وهي " آزرميدخت " إبنة كسرى.
ولعبت فارس بملكها لعبا كثيرا، وآخر ما استقر أمرهم عليه في هذه السنة أن ملكوا امرأة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ".
وفي هذه الوقعة التي ذكرنا يقول عبدة بن الطبيب السعدي، وكان قد هاجر لمهاجرة حليلة له حتى شهد وقعة بابل هذه، فلما آيسته رجع إلى البادية وقال:
__________
(1) وهو بشير بن كعب بن أبي الحميري.
(2) في الطبري: شهربراز وفي الكامل: شهريران.
(3) في الطبري والكامل: جاذويه.
(4) في الطبري: الصراة الدنيا.
(5) في الطبري والكامل: دخت زنان ابنة كسرى.
(*)

(7/21)


هل حبل خولة بعد البين موصول * أم أنت عنها بعيد الدار مشغول وللاحبة أيام تذكرها * وللنوى قبل يوم البين تأويل حلت خويلة في حي عهدتهم * دون المدينة (1) فيها الديك والفيل يقارعون رؤس العجم ضاحية * منهم فوارس لا عزل ولا ميل وقد قال الفرزدق في شعره يذكر قتل المثنى ذلك الفيل: وبيت المثنى قاتل الفيل عنوة * ببابل إذ في فارس ملك بابل ثم إن المثنى بن حارثة استبطأ أخبار الصديق لتشاغله بأهل الشام، وما فيه من حرب اليرموك
المتقدم ذكره، فسار المثنى بنفسه إلى الصديق، واستناب على العراق بشير بن الخصاصية، وعلى المسالح سعيد بن مرة العجلي، فلما انتهى المثنى إلى المدينة وجد الصديق في آخر مرض الموت.
وقد عهد إلى عمر بن الخطاب، ولما رأى الصديق المثنى قال لعمر: إذا أنا مت فلا تمسين حتى تندب الناس لحرب أهل العراق مع المثنى، وإذا فتح الله على أمرائنا بالشام فاردد أصحاب خالد إلى العراق فإنهم أعلم بحربه.
فلما مات الصديق ندب عمر المسلمين إلى الجهاد بأرض العراق لقلة من بقي فيه من المقاتلة بعد خالد بن الوليد، فانتدب خلقا وأمر عليهم أبا عبيدة بن مسعود، وكان شابا شجاعا، خبيرا بالحرب والمكيدة.
وهذا آخر ما يتعلق بخبر العراق إلى آخر أيام الصديق وأول دولة الفاروق.
خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه كانت وفاة الصديق رضي الله عنه في يوم الاثنين عشية، وقيل بعد المغرب ودفن من ليلته، وذلك لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة بعد مرض خمسة عشر يوما، وكان عمر بن الخطاب يصلي عنه فيها بالمسلمين، وفي أثناء هذا المرض عهد بالامر من بعده إلى عمر بن الخطاب، وكان الذي كتب العهد عثمان بن عفان، وقرئ على المسلمين فأقروا به وسمعوا له وأطاعوا، فكانت خلافة الصديق سنتين وثلاثة أشهر (2)، وكان عمره يوم توفي ثلاثا وستين سنة، للسن الذي توفي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جمع الله بينهما في التربة، كما جمع بينهما في الحياة، فرضي الله عنه وأرضاه.
قال محمد بن سعد عن أبي قطن عمرو بن الهيثم، عن ربيع بن حسان الصائغ.
قال: كان
__________
(1) في الطبري: المدائن.
(2) في الطبري والكامل: وعشر ليال.
وفي رواية المدايني: وعشرين يوما.
وقال أبو معشر: سنتين وأربعة أشهر إلا أربع ليال.
والاول أرجح.
(*)

(7/22)


نقش خاتم أبي بكر " نعم القادر الله ".
وهذا غريب وقد ذكرنا ترجمة الصديق رضي الله عنه،
وسيرته وأيامه وما روي من الاحاديث، وما روي عنه من الاحكام في مجلد ولله الحمد والمنة.
فقام بالامر من بعده أتم القيام الفاروق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وهو أول من سمي بأمير المؤمنين.
وكان أول من حياه بها المغيرة بن شعبة، وقيل غيره كما بسطنا ذلك في ترجمة عمر بن الخطاب وسيرته التي أفردناها في مجلد، ومسنده والآثار المروية مرتبا على الابواب في مجلد آخر ولله الحمد.
وقد كتب بوفاة الصديق إلى أمراء الشام مع شداد بن أوس، ومحمد بن جريح، فوصلا والناس مصافون جيوش الروم يوم اليرموك كما قدمنا.
وقد أمر عمر على الجيوش أبا عبيدة حين ولاه وعزل خالد بن الوليد.
وذكر سلمة عن محمد بن إسحاق أن عمر إنما عزل خالدا لكلام بلغه عنه، ولما كان من أمر مالك بن نويرة، وما كان يعتمده في حربه.
فلما ولى عمر كان أول ما تكلم به أن عزل خالدا، وقال: لا يلي لي عملا أبدا.
وكتب عمر إلى أبي عبيدة إن أكذب خالد نفسه فهو أمير على ما كان عليه، وإن لم يكذب نفسه فهو معزول، فانزع عمامته عن رأسه وقاسمه ماله نصفين.
فلما قال أبو عبيدة ذلك لخالد قال له خالد أمهلني حتى أستشير أختي، فذهب إلى أخته فاطمة - وكانت تحت الحارث بن هشام - فاستشارها في ذلك، فقالت له: إن عمر لا يحبك أبدا، وإنه سيعزلك وإن كذبت نفسك.
فقال لها: صدقت والله (1).
فقاسمه أبو عبيدة حتى أخذ [ إحدى ] نعليه وترك له الاخرى، وخالد يقول سمعا وطاعة لامير المؤمنين.
وقد روى ابن جرير (2) عن صالح بن كيسان أنه قال: أول كتاب كتبه عمر إلى أبي عبيدة حين ولاه وعزل خالدا أن قال: " وأوصيك بتقوى الله الذي يبقى ويفنى ما سواه، الذي هدانا من الضلالة، وأخرجنا من الظلمات إلى النور، وقد استعملتك على جند خالد بن الوليد فقم بأمرهم الذي يحق عليك، لا تقدم المسلمين [ إلى ] هلكة رجاء غنيمة، ولا تنزلهم منزلا قبل أن تستر يده لهم وتعلم كيف مأتاه، ولا تبعث سرية إلا في كثف من الناس، وإياك وإلقاء المسلمين في الهلكة، وقد أبلاك الله بي وأبلاني بك، فغض (3) بصرك عن الدنيا، وأله قلبك عنها، وإياك أن تهلكك كما أهلكت من كان قبلك، فقد رأيت مصارعهم.
وأمرهم بالمسير إلى دمشق (4) "، وكان بعد ما بلغه
الخبر بفتح اليرموك وجاءته به البشارة، وحمل الخمس إليه.
وقد ذكر ابن إسحاق أن الصحابة
__________
(1) زاد الطبري: وأبى أن يكذب نفسه.
(2) تاريخ الطبري 4 / 54.
(3) في الطبري: فغمض، وفي فتوح الشام للازدي: وغض عن الدنيا عينيك.
(4) زاد الازدي في فتوح ص 103: فقد رأيت مصارعهم وخبرت سرائرهم وان بينك وبين الآخرة ستر الخمار، وكأني بك منتظر سفرا من دار قد مضت نضارتها، وذهبت زهرتها، وأحزم الناس من يكون زاده التقوى.
(*)

(7/23)


قاتلوا بعد اليرموك أجنادين ثم بفحل من أرض الغور قريبا من بيسان بمكان يقال له الردغة سمي بذلك لكثرة ما لقوا من الاوحال فيها، فأغلقوها عليهم، وأحاط بها الصحابة.
قال: وحينئذ جاءت الامارة لابي عبيدة من جهة عمر وعزل خالد، وهذا الذي ذكره ابن إسحاق من مجئ الامارة لابي عبيدة في حصار دمشق هو المشهور.
فتح دمشق قال سيف بن عمر لما ارتحل أبو عبيدة من اليرموك فنزل بالجنود على مرج الصفر وهو عازم على حصار دمشق إذ أتاه الخبر بقدوم مددهم من حمص، وجاءه الخبر بأنه قد اجتمع طائفة كبيرة من الروم بفحل من أرض فلسطين، وهو لا يدري بأي الامرين يبدأ.
فكتب إلى عمر في ذلك، فجاء الجواب أن ابدأ بدمشق فإنها حصن الشام وبيت مملكتهم، فانهد لها واشغلوا عنكم أهل فحل بخيول تكون تلقاءهم، فإن فتحها الله قبل دمشق فذلك الذي نحب، وإن فتحت دمشق قبلها فسر أنت ومن معك واستخلف على دمشق، فإذا فتح الله عليكم فحل فسر أنت وخالد إلى حمص واترك عمرا وشرحبيل على الاردن وفلسطين.
قال: فسرح أبو عبيدة إلى فحل عشرة أمراء مع كل أمير خمسة أمراء وعلى الجميع عمارة بن مخشى الصحابي، فساروا من مرج الصفر إلى فحل فوجدوا الروم هنالك قريبا من ثمانين ألفا، وقد أرسلوا المياه حولهم حتى أردغت الارض فسموا ذلك الموضع الردغة، وفتحها الله على
المسلمين فكانت أول حصن فتح قبل دمشق على ما سيأتي تفصيله.
وبعث أبو عبيدة جيشا (1) يكون بين دمشق وبين فلسطين، وبعث ذا الكلاع في جيش يكون بين دمشق وبين حمص، ليرد من يرد إليهم من المدد من جهة هرقل.
ثم سار أبو عبيدة من مرج الصفر قاصدا دمشق، وقد جعل خالد بن الوليد في القلب وركب أبو عبيدة وعمرو بن العاص في المجنبتين، وعلى الخيل عياض بن غنم، وعلى الرجالة شرحبيل بن حسنة، فقدموا دمشق وعليها نسطاس بن نسطوس، فنزل خالد بن الوليد على الباب الشرقي وإليه باب كيسان أيضا، ونزل أبو عبيدة على باب الجابية الكبير، ونزل يزيد بن أبي سفيان على باب الجابية الصغير، ونزل عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة على بقية أبواب البلد (2) ونصبوا المجانيق والدبابات، وقد أرصد أبو عبيدة أبا الدرداء على جيش ببرزة يكونون ردءا له، وكذا الذي بينه وبين حمص وحاصروها حصارا شديدا سبعين ليلة، وقيل أربعة أشهر، وقيل ستة أشهر، وقيل أربعة عشر شهرا فالله أعلم.
وأهل دمشق ممتنعون منهم غاية الامتناع، ويرسلون إلى ملكهم هرقل - وهو مقيم بحمص - يطلبون منه المدد فلا يمكن
__________
(1) في رواية الطبري: بقيادة علقمة بن حكيم ومسروق.
(2) في فتوح البلدان 1 / 144 نزل عمر بن العاص على باب توما وشرحبيل على باب الفراديس.
(*)

(7/24)


وصول المدد إليهم من ذي الكلاع، الذي قد أرصده أبو عبيدة رضي الله عنه بين دمشق وبين حمص - عن دمشق ليلة - فلما أيقن أهل دمشق أنه لا يصل إليهم مدد أبلسوا وفشلوا وضعفوا، وقوي المسلمون واشتد حصارهم، وجاء فصل الشتاء واشتد البرد وعسر الحال وعسر القتال، فقدر الله الكبير المتعال، ذو العزة والجلال، أن ولد لبطريق دمشق مولود في تلك الليالي فصنع لهم طعاما وسقاهم بعده شرابا.
وباتوا عنده في وليمته قد أكلوا وشربوا وتعبوا فناموا عن مواقفهم، واشتغلوا عن أماكنهم، وفطن لذلك أمير الحرب خالد بن الوليد فإنه كان لا ينام ولا يترك أحدا ينام، بل مراصد لهم ليلا ونهارا، وله عيون وقصاد يرفعون إليه أحوال المقاتلة صباحا ومساء.
فلما رأى حمدة تلك الليلة، وأنه لا يقاتل على السور أحد كان قد أعد سلاليم من حبال فجاء هو
وأصحابه من الصناديد الابطال، مثل القعقاع بن عمرو ومذعور بن عدي، وقد أحضر جيشه عند الباب وقال لهم: إذا سمعتم تكبيرنا فوق السور فأرقوا إلينا.
ثم نهد هو وأصحابه فقطعوا الخندق سباحة بقرب في أعناقهم، فنصبوا تلك السلالم وأثبتوا أعاليها بالشرفات، وأكدوا أسافلها خارج الخندق، وصعدوا فيها، فلما استووا على السور رفعوا أصواتهم بالتكبير، وجاء المسلمون فصعدوا في تلك السلالم وانحدر خالد وأصحابه الشجعان من السور إلى البوابين فقتلوهم، وقطع خالد وأصحابه أغاليق الباب بالسيوف وفتحوا الباب عنوة، فدخل الجيش الخالدي من الباب الشرقي.
ولما سمع أهل البلد التكبير ثاروا وذهب كل فريق إلى أماكنهم من السور، لا يدرون ما الخبر، فجعل كلما قدم أحد من أصحاب الباب الشرقي قتله أصحاب خالد، ودخل خالد البلد عنوة فقتل من وجده.
وذهب أهل كل باب فسألوا من أميرهم الذي عند الباب من خارج الصلح - وقد كان المسلمون دعوهم إلى المشاطرة فيأبون عليهم - فلما دعوهم إلى ذلك أجابوهم.
ولم يعلم بقية الصحابة ما صنع خالد.
ودخل المسلمون من كل جانب وباب (1) فوجدوا خالدا وهو يقتل من وجده فقالوا له: إنا قد أمناهم، فقال: إني فتحتها عنوة.
والتقت الامراء في وسط البلد عند كنيسة المقسلاط (2) بالقرب من درب الريحان اليوم.
هكذا ذكره سيف بن عمر وغيره وهو المشهور أن خالدا فتح الباب قسرا.
وقال آخرون: بل الذي فتحها عنوة أبو عبيدة وقيل يزيد بن أبي سفيان، وخالد صالح أهل البلد فعكسوا المشهور المعروف (3).
والله أعلم.
__________
(1) وفي فتوح البلدان 1 / 145 ان أبا عبيدة عانى من فتح باب الجابية واقتتل المسلمون مع الروم قتالا شديدا حتى فتح الباب عنوة ودخلوا منه.
أما ابن الاعثم في الفتوح فقال: انه لما اشتد الحصار على أهل دمشق سألوه أبا عبيدة الصلح فأجابهم إلى ذلك ووقع صلحهم وفتحت أبواب دمشق فدخلها المسلمون 1 / 161.
(2) وهو موضع النحاسين بدمشق وهو البريص، وفي ابن الاعثم واليعقوبي: التقيا في كنيسة مريم.
(3) هذا ما ذهب إليه البلاذري في فتوح البلدان وفيه نص كتاب خالد لاهل دمشق بالصلح وفيه: بسم الله الرحمن الرحيم.
هذا ما أعطى خالد بن الوليد أهل دمشق إذا دخلها: أعطاهم أمانا على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم (*)

(7/25)


وقد اختلف الصحابة فقال قائلون هي صلح - يعني على ما صالحهم الامير في نفس الامر وهو أبو عبيدة -.
وقال آخرون: بل هي عنوة، لان خالدا افتتحها بالسيف أولا كما ذكرنا، فلما أحسوا بذلك ذهبوا إلى بقية الامراء ومعهم أبو عبيدة فصالحوهم، فاتفقوا فيما بينهم على أن جعلوا نصفها صلحا ونصفها عنوة، فملك أهلها نصف ما كان بأيديهم وأقروا عليه، واستقرت يد الصحابة على النصف (1).
ويقوي هذا ما ذكره سيف بن عمر من أن الصحابة كانوا يطلبون إليهم أن يصالحوهم على المشاطرة فيأبون، فلما أحسوا باليأس أنابوا إلى ما كانت الصحابة دعوهم إليه فبادروا إلى إجابتهم.
ولم تعلم الصحابة بما كان من خالد إليهم.
والله أعلم.
ولهذا أخذ الصحابة نصف الكنيسة العظمى التي كانت بدمشق وتعرف " بكنيسة يوحنا " فاتخذوا الجانب الشرقي منها مسجدا، وأبقوا لهم نصفها الغربي كنيسة، وقد أبقوا لهم مع ذلك أربع عشرة كنيسة أخرى مع نصف الكنيسة المعروفة " بيوحنا "، وهي جامع دمشق اليوم.
وقد كتب لهم بذلك خالد بن الوليد كتابا، وكتب فيه شهادته أبو عبيدة وعمرو بن العاص ويزيد وشرحبيل: إحداها كنيسة المقسلاط التي اجتمع عندها أمراء الصحابة، وكانت مبنية على ظهر السوق الكبير، وهذه القناطر المشاهدة في سوق الصابونيين من بقية القناطر التي كانت تحتها، ثم بادت فيما بعد وأخذت حجارتها في العمارات.
الثانية: كنيسة كانت في رأس درب القرشيين وكانت صغيرة، قال الحافظ ابن عساكر: وبعضها باق إلى يوم وقد تشعثت.
الثالثة: كانت بدار البطيخ العتيقة.
قلت: وهي داخل البلد بقرب الكوشك، وأظنها هي المسجد الذي قبل هذا المكان المذكور، فإنها خربت من دهر.
والله أعلم.
الرابعة: كانت بدرب بني نصر بين درب الحبالين ودرب التميمي.
قال الحافظ ابن عساكر: وقد أدركت بعض بنيانها، وقد خرب أكثرها.
الخامسة: كنيسة بولص، قال ابن عساكر: وكانت غربي القيسارية الفخرية وقد أدركت من بنيانها بعض أساس الحنية.
السادسة: كانت في موضع دار الوكالة وتعرف اليوم بكنيسة القلانسيين.
قلت: والقلانسيين هي الحواحين اليوم.
السابعة: التي بدرب السقيل اليوم
وتعرف بكنيسة حميد بن درة سابقا، لان هذا الدرب كان أقطاعا له وهو حميد بن عمرو بن مساحق القرشي العامري، ودرة أمه، وهي درة إبنة هاشم بن عتبة بن ربيعة، فأبوها خال معاوية.
وكان قد أقطع هذا الدرب فنسبت هذه الكنيسة إليه، وكان مسلما، ولم يبق لهم اليوم سواها، وقد
__________
= وسور مدينتهم لا يهدم ولا يسكن شئ من دورهم.
لهم بذلك عهد الله وذمة رسوله صلى الله عليه وآله والخلفاء والمؤمنين لا يعرض لهم إلا بخير إذا أعطوا الجزية.
(1) قال محمد بن سعد: قال الواقدي: قرأت كتاب خالد بن الوليد لاهل دمشق فلم أر فيه أنصاف المنازل والكنائس، وقد روي ذلك ولا أدري من اين جاء به من رواه ويروي الواقدي في فتوح الشام أن خالد فتح دمشق عنوة وقد دار بينه وبين أبي عبيدة محاجة عنيفة نزل خالد بعدها على رأي أبي عبيدة (فتوح الشام 1 / 72 وما بعدها).
(*)

(7/26)


خرب أكثرها.
ولليعقوبية منهم كنيسة داخل باب توما بين رحبة خالد - وهو خالد بن أسيد بن أبي العيص - وبين درب طلحة بن عمرو بن مرة الجهني، وهي الكنيسة الثامنة، وكانت لليعقوبيين كنيسة أخرى فيما بين درب التنوى وسوق علي.
قال ابن عساكر: قد بقي من بنائها بعضه، وقد خربت منذ دهر.
وهي الكنيسة التاسعة.
وأما العاشرة فهي الكنيسة المصلبة قال الحافظ ابن عساكر: وهي باقية إلى اليوم بين الباب الشرقي وباب توما بقرب النيبطن عند السور.
والناس اليوم يقولون النيطون.
قال ابن عساكر: وقد خرب أكثرها هكذا قال.
وقد خربت هذه الكنيسة وهدمت في أيام صلاح الدين فاتح القدس بعد الثمانين وخمسمائة بعد موت الحافظ ابن عساكر رحمه الله.
الحادية عشرة: كنيسة مريم داخل الباب الشرقي.
قال ابن عساكر وهي من أكبر ما بقي بأيديهم.
قلت: ثم خربت بعد موته بدهر في أيام الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البند قداري على ما سيأتي بيانه.
الثانية عشرة (1) كنيسة اليهود التي بأيديهم اليوم في حارتهم، ومحلها معروف بالقرب من الجبر
وتسميه الناس اليوم بستان القط وكانت لهم كنيسة في درب البلاغة لم تكن داخلة في العهد فهدمت فيما بعد وجعل مكانها المسجد المعروف بمسجد ابن السهروردي، والناس اليوم يقولون درب الشاذوري.
قلت: وقد أخربت لهم كنيسة كانوا قد أحدثوها لم يذكرها أحد من علماء التاريخ لا ابن عساكر ولا غيره، وكان إخرابها في حدود سنة سبع عشرة وسبعمائة ولم يتعرض الحافظ ابن عساكر لذكر كنيسة السامرة بمرة.
ثم قال ابن عساكر: ومما أحدث - يعني النصارى - كنيسة بناها أبو جعفر المنصور بنى قطيطا في الفريق عند قناة صالح قريبا من دازبها وأرمن اليوم (2)، وقد أخربت فيما بعد وجعلت مسجدا يعرف بمسجد الجنيق وهو مسجد أبي اليمن.
قال ومما أحدث كنيستا العباد إحداهما عند دار ابن الماشلي وقد جعلت مسجدا.
والاخرى التي في رأس درب النقاشين وقد جعلت مسجدا.
انتهى ما ذكره الحافظ ابن عساكر الدمشقي رحمه الله.
قلت: وظاهر سياق سيف بن عمر يقتضي أن فتح دمشق وقع في سنة ثلاث عشرة ولكن نص سيف على ما نص عليه الجمهور من أنها فتحت في نصف رجب سنة أربع عشرة.
كذا حكاه الحافظ ابن عساكر من طريق محمد بن عائذ القرشي الدمشقي عن الوليد بن مسلم عن عثمان بن حصين بن غلاق عن يزيد بن عبيدة قال: فتحت دمشق سنة أربع عشرة.
ورواه دحيم عن الوليد.
قال: سمعت أشياخا يقولون إن دمشق فتحت سنة أربع عشرة.
وهكذا قال سعيد بن عبد العزيز وأبو معشر ومحمد بن إسحاق ومعمر والاموي وحكاه عن مشايخه وابن الكلبي وخليفة بن خياط وأبو عبيد القاسم بن سلام، إن فتح دمشق كان في سنة أربع عشرة.
وزاد سعيد بن عبد العزيز وأبو
__________
(1) في الاصل: " عشر " تحريف.
(2) كذا بالاصل.
(*)

(7/27)


معشر والاموي: وكانت اليرموك بعدها بسنة.
وقال بعضهم: بل كان فتحها في شوال سنة أربع عشرة.
وقال خليفة: حاصرهم أبو عبيدة في رجب وشعبان ورمضان وشوال وتم الصلح في ذي القعدة.
وقال الاموي في مغازيه: كانت وقعة أجنادين في جمادى الاولى، ووقعة فحل في ذي
القعدة من سنة ثلاث عشرة - يعني ووقعة دمشق سنة أربع عشرة - وقال دحيم عن الوليد: حدثني الاموي أن وقعة فحل وأجنادين كانت في خلافة أبي بكر ثم مضى المسلمون إلى دمشق فنزلوا عليها في رجب سنة ثلاث عشرة يعني ففتحوها في سنة أربع عشرة.
وكانت اليرموك سنة خمس عشرة، وقدم عمر إلى بيت المقدس سنة ست عشرة.
فصل واختلف العلماء في دمشق هل فتحت صلحا أو عنوة ؟ فأكثر العلماء على أنه استقر أمرها على الصلح، لانهم شكوا في المتقدم على الآخر أفتحت عنوة ثم عدل الروم إلى المصالحة، أو فتحت صلحا، أو اتفق الاستيلاء من الجانب الآخر قسرا ؟ فلما شكوا في ذلك جعلوها صلحا احتياطا.
وقيل بل جعل نصفها صلحا ونصفها عنوة، وهذا القول قد يظهر من صنع الصحابة في الكنيسة العظمى التي كانت أكبر معابدهم حين أخذوا نصفها وتركوا لهم نصفها.
والله أعلم.
ثم قيل: إن أبا عبيدة هو الذي كتب لهم كتاب الصلح، وهذا هو الانسب والاشهر، فإن خالدا كان قد عزل عن الامرة، وقيل بل الذي كتب لهم الصلح خالد بن الوليد، ولكن أقره على ذلك أبو عبيدة.
فالله أعلم.
وذكر أبو حذيفه إسحاق بن بشر أن الصديق توفي قبل فتح دمشق، وأن عمر كتب إلى أبي عبيدة يعزيه والمسلمين في الصديق، وأنه قد استنابه على من بالشام، وأمره أن يستشير خالدا في الحرب، فلما وصل الكتاب إلى أبي عبيدة كتمه من خالد حتى فتحت دمشق بنحو من عشرين ليلة، فقال له خالد: يرحمك الله، ما منعك أن تعلمني حين جاءك ؟ فقال: إني كرهت أن أكسر عليك حربك، وما سلطان الدنيا أريد، ولا للدنيا أعمل، وما ترى سيصير إلى زوال وانقطاع، وإنما نحن إخوان وما يضر الرجل أن يليه أخوه في دينه ودنياه.
ومن أعجب ما يذكر ههنا ما رواه يعقوب بن سفيان الفسوي: حدثنا هشام بن عمار ثنا عبد الملك بن محمد ثنا راشد بن داود الصنعاني حدثني أبو عثمان الصنعاني شراحيل بن مرثد، قال: بعث أبو بكر خالد بن الوليد إلى أهل اليمامة، وبعث يزيد بن أبي سفيان إلى الشام، فذكر
الراوي فقال خالد لاهل اليمامة إلى أن قال: ومات أبو بكر واستخلف عمر فبعث أبا عبيدة إلى الشام فقدم دمشق فاستمد أبو عبيدة عمر فكتب عمر إلى خالد بن الوليد أن يسير إلى أبي عبيدة بالشام، فذكر مسير خالد من العراق إلى الشام كما تقدم.
وهذا غريب جدا فإن الذي لا يشك فيه

(7/28)


أن الصديق هو الذي بعث أبا عبيدة وغيره من الامراء إلى الشام، وهو الذي كتب إلى خالد بن الوليد أن يقدم من العراق إلى الشام ليكون مددا لمن به وأميرا عليهم، ففتح الله تعالى عليه وعلى يديه جميع الشام على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
وقال محمد بن عائذ: قال الوليد بن مسلم: أخبرني صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير أن المسلمين لما افتتحوا مدينة دمشق بعثوا أبا عبيدة بن الجراح وافدا إلى أبي بكر بشيرا بالفتح فقدم المدينة فوجد أبا بكر قد توفي واستخلف عمر بن الخطاب فأعظم أن يتأمر أحد من الصحابة عليه فولاه جماعة الناس فقدم عليهم فقالوا: مرحبا بمن بعثناه بريدا فقدم علينا أميرا.
وقد روى الليث وابن لهيعة وحيوة بن شريح ومفضل بن فضالة وعمر بن الحارث وغير واحد عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الله بن الحكم عن علي بن رباح عن عقبة بن عامر أنه بعثه أبو عبيدة بريدا بفتح دمشق قال: فقدمت على عمر يوم الجمعة فقال لي: منذ كم لم تنزع خفيك ؟ فقلت من يوم الجمعة وهذا يوم الجمعة.
فقال: أصبت السنة.
قال الليث: وبه نأخذ، يعني أن المسح على الخفين للمسافر لا يتأقت، بل له أن يمسح عليهما ما شاء، وإليه ذهب الشافعي في القديم.
وقد روى أحمد وأبو داود عن أبي بن عمارة مرفوعا مثل هذا، والجمهور على ما رواه مسلم عن علي في تأقيت المسح للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة.
ومن الناس من فصل بين البريد ومن في معناه وغيره، فقال في الاول لا يتأقت، وفيما عداه يتأقت لحديث عقبة وحديث علي.
والله أعلم.
فصل ثم إن أبا عبيدة بعث خالد بن الوليد إلى البقاع ففتحه بالسيف.
وبعث سرية فالتقوا مع
الروم بعين ميسنون، وعلى الروم رجل يقال له " سنان " تحدر على المسلمين من عقبة بيروت فقتل من المسلمين يومئذ جماعة من الشهداء فكانوا يسمون " عين ميسنون " عين الشهداء.
واستخلف أبو عبيدة على دمشق يزيد بن أبي سفيان (1) كما وعده بها الصديق.
وبعث يزيد دحية بن خليفة إلى تدمر في سرية ليمهدوا أمرها.
وبعث أبا الزهراء القشيري إلى البثينة (2) وحوران فصالح أهلها.
قال أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله: افتتح خالد دمشق صلحا، وهكذا سائر مدن
__________
(1) انظر الطبري 4 / 59.
ولم يسمه ابن الاعثم في الفتوح، قال: فدعا أبو عبيدة برجل من المسلمين فولاه مدينة دمشق وخرج حتى لحق بأصحابه في فلسطين 1 / 177.
(2) في فتوح البلدان: أن يزيد بن أبي سفيان فتح البثنية وحوران صلحا (1 / 150).
وقال الطبري أن أبا الزهراء القشيري صالحهما على صلح أهل دمشق.
(*)

(7/29)


الشام كانت صلحا دون أرضيها.
فعلى يدي يزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة وأبي عبيدة.
وقال الوليد بن مسلم: أخبرني غير واحد من شيوخ دمشق بينما هم على حصار دمشق إذ أقبلت خيل من عقبة السلمية مخمرة بالحرير فثار إليهم المسلمون فالتقوا فيما بين بيت لهيا والعقبة (1) التي أقبلوا منها، فهزموهم وطردوهم إلى أبواب حمص، فلما رأى أهل حمص ذلك ظنوا أنهم قد فتحوا دمشق فقال لهم أهل حمص إنا نصالحكم على ما صالحتم عليه أهل دمشق ففعلوا.
وقال خليفة بن خياط حدثني عبد الله بن المغيرة عن أبيه قال افتتح شرحبيل بن حسنة الاردن كلها عنوة ما خلا طبرية فإن أهلها صالحوه (2).
وهكذا قال ابن الكلبي.
وقالا بعث أبو عبيدة خالدا فغلب على أرض البقاع وصالحه أهل بعلبك وكتب لهم كتابا (3).
وقال ابن المغيرة عن أبيه وصالحهم على أنصاف منازلهم وكنائسهم، ووضع الخراج.
وقال ابن إسحاق وغيره وفي سنة أربع عشرة فتحت حمص وبعلبك صلحا على يدي أبي عبيدة في ذي القعدة قال خليفة: ويقال في سنة خمس عشرة.
وقعة فحل (4)
وقد ذكرها كثير من علماء السير قبل فتح دمشق وإنما ذكرها الامام أبو جعفر بن جرير بعد فتح دمشق وتبع في ذلك سياق سيف بن عمر فيما رواه عن أبي عثمان يزيد بن أسيد الغساني وأبي حارثة القيسي قالا: خلف الناس يزيد بن أبي سفيان في خيله في دمشق وساروا نحو فحل وعلى
__________
(1) في فتوح البلدان: الثنية.
وروى البلاذري عن أبي مخنف أن أهل حمص قاتلوا المسلمين ثم لجأوا إلى المدينة وطلبوا الامان والصلح، فتم على مئة ألف وسبعين ألف دينار.
(2) الطبري: 4 / 60.
(3) في فتوح البلدان أن أبا عبيدة سار إلى بعلبك فصالحهم وأمنهم على أنفسهم وكتب لهم: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب أمان لفلان بن فلان وأهل بعلبك رومها وفرسها وعربها على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم ودورهم، داخل المدينة وخارجها وعلى أرحائهم، وللروم أن يرعوا سرحهم ما بينهم وبين خمسة عشر ميلا ولا ينزلوا قرية عامرة.
فإذا مضى شهر ربيع وجمادى الاولى ساروا إلى حيث شاءوا.
ومن أسلم منهم فله مالنا وعليه ما علينا، ولتجارهم أن يسافروا إلى حيث أرادوا من البلاد التي صالحنا عليها وعلى من أقام منهم الجزية والخراج.
شهد الله، وكفى بالله شهيدا (1 / 154).
أما في فتوح ابن الاعثم فقال أن خالد بن الوليد مضى إلى بعلبك وقاتل الروم فيها من ضحوة النهار إلى قريب الظهر ثم حمل عليهم حتى احمرت الارض من دمائهم واحتوى خالد على أموال وسلاح وخيل وسبي كثير فوجه به كله إلى أبي عبيدة في دمشق وأخبره بما فتح الله عليه من أمر بعلبك 1 / 176.
وافقه الازدي في مسير خالد إليها وفتحها - إلى أن قال - وأقبل راجعا إلى أبي عبيدة فأخبره الخبر (فتوح الشام 110).
(4) فحل: بكسر أوله وسكون ثانيه: اسم موضع بالشام كانت فيه وقعة للمسلمين مع الروم (معجم البلدان 6 / 240).
وقيل موضع بين طبرية وبيسان بوادي نهر اليرموك.
كانت به وقائع كثيرة.
(*)

(7/30)


الناس الذين هم بالغور شرحبيل بن حسنة وسار أبو عبيدة وقد جعل على المقدمة خالد بن الوليد وأبو عبيدة على الميمنة وعمرو بن العاص على الميسرة، وعلى الخيل ضرار بن الازور، وعلى الرجالة عياض بن غنم فوصلوا إلى فحل وهي بلدة بالغور وقد انحاز الروم إلى بيسان (1)، وأرسلوا مياه
تلك الاراضي على هنالك من الاراضي فحال بينهم وبين المسلمين، وأرسل المسلمون إلى عمر يخبرونه بما هم فيه من مصابرة عدوهم وما صنعه الروم من تلك المكيدة، إلا أن المسلمين في عيش رغيد ومدد كبير، وهم على أهبة من أمرهم.
وأمير هذا الحرب شرحبيل بن حسنة وهو لا يبيت ولا يصبح إلا على تعبئة.
وظن الروم أن المسلمين على غرة، فركبوا في بعض الليالي ليبيتوهم، وعلى الروم سقلاب (2) بن مخراق، فهجموا على المسلمين فنهضوا إليهم نهضة رجل واحد لانهم على أهبة دائما، فقاتلوهم حتى الصباح وذلك اليوم بكماله إلى الليل.
فلما أظلم الليل فر الروم وقتل أميرهم سقلاب وركب المسلمون أكتافهم وأسلمتهم هزيمتهم إلى ذلك الوحل الذي كانوا قد كادوا به المسلمين فغرقهم الله فيه، وقتل منهم المسلمين بأطراف الرماح ما قارب الثمانين ألفا (3) لم ينج منهم إلا الشريد، وغنموا منهم شيئا كثيرا ومالا جزيلا.
وانصرف أبو عبيدة وخالد بمن معهما من الجيوش نحو حمص كما أمر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.
واستخلف أبو عبيدة على الاردن شرحبيل بن حسنة، فسار شرحبيل ومعه عمرو بن العاص فحاصر بيسان فخرجوا إليه فقتل منهم مقتلة عظيمة، ثم صالحوه على مثل ما صالحت عليه دمشق، وضرب عليهم الجزية والخراج على أراضيهم وكذلك فعل أبو الاعور السلمي بأهل طبرية سواء.
ما وقع بأرض العراق آنذاك من القتال وقد قدمنا أن المثنى بن حارثة لما سار خالد من العراق بمن صحبه إلى الشام وقد قيل إنه سار بتسعة آلاف، وقيل بثلاثة آلاف، وقيل بسبعمائة وقيل بأقل، إلا أنهم صناديد جيش العراق، فأقام المثنى بمن بقي فاستقل عددهم وخاف من سطوة الفرس لولا اشتغالهم بتبديل ملوكهم وملكاتهم، واستبطأ المثنى خبر الصديق فسار إلى المدينة فوجد الصديق في السياق، فأخبر بأمر العراق، فأوصى الصديق عمر أن يندب الناس لقتال أهل العراق.
فلما مات الصديق ودفن ليلة الثلاثاء أصبح عمر فندب الناس وحثهم على قتال أهل العراق، وحرضهم ورغبهم في الثواب على
__________
(1) بيسان: بلد من أرض فلسطين شمالي نابلس، وإليها ينسب القاضي عبد الرحيم بن علي البيساني وزير الملك الناصر يوسف بن أيوب.
(2) في الطبري والكامل: سقلار.
(3) كذا بالاصل والطبري والكامل.
وفي فتوح ابن الاعثم: ستين ألفا.
وفي فتوح الازدي (ص 112): بين الثلاثين والاربعين ألفا.
(*)

(7/31)


ذلك، فلم يقم أحد لان الناس كانوا يكرهون قتال الفرس لقوة سطوتهم، وشدة قتالهم.
ثم ندبهم في اليوم الثاني والثالث فلم يقم أحد وتكلم المثنى بن حارثة فأحسن، وأخبرهم بما فتح الله تعالى على يدي خالد من معظم أرض العراق، ومالهم هناك من الاموال والاملاك والامتعة والزاد، فلم يقم أحد في اليوم الثالث فلما كان اليوم الرابع كان أول من انتدب من المسلمين أبو عبيد بن مسعود الثقفي ثم تتابع الناس في الاجابة، أمر عمر طائفة من أهل المدينة وأمر على الجميع أبا عبيد)، هذا ولم يكن صحابيا، فقيل لعمر: هلا أمرت عليهم رجلا من الصحابة ؟ فقال: إنما أومر أول من استجاب، إنكم إنما سبقتم الناس بنصرة هذا الدين، وإن هذا هو الذي استجاب قبلكم.
ثم دعاه فوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرا، وأمره أن يستشير أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يستشير سليط بن قيس فإنه رجل باشر الحروب فسار المسلمون إلى أرض العراق وهم سبعة آلاف رجل (1)، وكتب عمر إلى أبي عبيدة أن يرسل من كان بالعراق ممن قدم مع خالد إلى العراق فجهز عشرة آلاف عليهم هاشم بن عتبة وأرسل عمر جرير بن عبد الله البجلي في أربعة آلاف (2) إلى العراق فقدم الكوفة ثم خرج منها فواقع هرقران المدار فقتله وانهزم جيشه وغرق أكثرهم في دجلة فلما وصل الناس إلى العراق وجدوا الفرس مضطربين في ملكهم، وآخر ما استقر عليه أمرهم أن ملكوا عليهم " بوران " بنت كسرى بعد ما قتلوا التي كانت قبلها " أزرميدخت " وفوضت بوران أمر الملك عشر سنين إلى رجل منهم يقال له رستم بن فرخزاذ على أن يقوم بأمر الحرب، ثم يصير الملك إلى آل كسرى فقبل ذلك.
وكان رستم هذا منجما يعرف النجوم وعلمها جيدا، فقيل له: ما حملك على هذا ؟ يعنون وأنت تعلم أن هذا الامر لا يتم لك فقال: الطمع وحب الشرف (3).
وقعة النمارق بعث رستم أميرا يقال له " جابان " وعلى مجنبتيه رجلان يقال لاحدهما " حشنس ماه " ويقال للآخر " مردانشاه " وهو خصي أمير حاجب الفرس، فالتقوا مع أبي عبيد بمكان يقال له النمارق، - بين الحيرة والقادسية - وعلى الخيل المثنى بن حارثة، وعلى الميسرة عمرو بن الهيثم (4) فاقتتلوا هنالك قتالا شديدا وهزم الله الفرس وأسر جابان ومردانشاه.
فأما مردانشاه فإنه قتله الذي أسره (5)، وأما جابان فإنه خدع الذي أسره (6) حتى أطلقه فأمسكه المسلمون وأبوا أن يطلقوه،
__________
(1) في فتوح ابن الاعثم: أربعة آلاف.
(2) في ابن الاعثم: في سبعمائة.
(3) الخبر في الطبري 4 / 62 - 64.
(4) زاد الطبري: وعلى ميمنته والق بن جيدارة.
(5) في الطبري: أسره أكتل بن شماخ العكلي.
(6) أسر جابان مطر بن فضة التيمي.
وكان يدعى بأمه، وقد هم مطر بذبحه فقال جابان من تحته: لا إله إلا الله (*)

(7/32)


وقالوا: إن هذا الامير وجاؤا به إلى أبي عبيد فقالوا: اقتله فإنه الامير فقال: وإن كان الامير فإني لا أقتله.
وقد أمنه رجل من المسلمين ثم ركب أبو عبيد في آثار من انهزم منهم وقد لجأوا إلى مدينة كسكر التي لابن خالة كسرى واسمه نرسي فوازرهم نرسي على قتال أبي عبيد، فقهرهم أبو عبيد وغنم منهم شيئا كثيرا وأطعمات كثيرة جدا، ولله الحمد.
وبعث بخمس ما غنم من المال والطعام إلى عمر بن الخطاب بالمدينة وقد قال في ذلك رجل من المسلمين (1).
لعمري وما عمري علي بهين * لقد صبحت بالخزي أهل النمارق بأيدي رجال هاجروا نحو ربهم * يجوسونهم ما بين درنا وبارق قتلناهم ما بين مرج مسلح * وبين الهواني من طريق التدارق (2) فالتقوا بمكان بين كسكر والسفاطية وعلى ميمنة نرسي وميسرته إبنا خاله بندويه وبيرويه أولاد
نظام (3) وكان رستم قد جهز الجيوش مع الجالينوس، فلما بلغ أبو عبيد ذلك أعجل نرسي بالقتال قبل وصولهم، فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزمت الفرس وهرب نرسي والجالينوس إلى المدائن بعد وقعة جرت من أبي عبيد مع الجالينوس بمكان يقال له باروسما، فبعث أبو عبيد المثنى بن حارثة وسرايا أخر إلى متاخم تلك الناحية كنهر جور (4) ونحوها ففتحها صلحا وقهرا وضربوا الجزية والخراج وغنموا الاموال الجزيلة ولله الحمد والمنة وكسروا الجالينوس الذي جاء لنصرة جابان وغنموا جيشه وأمواله وكر هاربا إلى قومه حقيرا ذليلا.
وقعة جسر أبي عبيد ومقتل أمير المسلمين وخلق كثير منهم لما رجع الجالينوس هاربا مما لقي من المسلمين تذامرت الفرس بينهم واجتمعوا إلى رستم فأرسل جيشا كثيفا عليهم ذا الحاجب " بهمس (5) حادويه " وأعطاه راية افريدون وتسمى درفش كابيان وكانت الفرس تتيمن بها.
وحملوا معهم راية كسرى وكانت من جلود النمور عرضها ثمانية أذرع (6).
فوصلوا إلى المسلمين (7) وبينهم النهر وعليه جسر فأرسلوا: إما أن تعبروا إلينا وإما إن
__________
= فلم يقتله مطر (فتوح ابن الاعثم 1 / 166).
(1) وهو عاصم بن عمرو - قاله الطبري.
(2) في الطبري: وبين الهوافي من طريف البذارق.
(3) في الطبري: بندويه وتيرويه ابنا بسطام وهو خال كسرى.
(4) في الطبري: جوبر.
(5) في الطبري والكامل: بهمن جاذويه وفي فتوح البلدان: " ويقال ان اسمه رستم ".
ويقال له: ذا الحاجب لانه كان يعصب حاجبيه بعصابة ليرفعهما كبرا.
وفي فتوح ابن الاعثم ذكره: مهران ملك اذربيجان.
(6) زاد الكامل والطبري: وطولها اثنى عشر ذراعا (2 / 438).
(7) في الطبري والكامل: في المروحة موضع البرج والعاقول.
وفي فتوح ابن الاعثم بموضع يقال له بانقيا.
(*)

(7/33)


نعبر إليكم.
فقال المسلمون لاميرهم أبي عبيد أأمرهم فليعبروا هم إلينا.
فقال ما هم بأجرأ على
الموت منا ثم اقتحم إليهم فاجتمعوا في مكان ضيق هنالك فاقتتلوا قتالا شديدا لم يعهد مثله والمسلمون في نحو من عشرة آلاف، وقد جاءت الفرس معهم بأفيلة كثيرة عليها الجلاجل، قائمة لتذعر خيول المسلمين فجعلوا كلما حملوا على المسلمين فرت خيولهم من الفيلة ومما تسمع من الجلاجل التي عليها ولا يثبت منها إلا القليل على قسر.
وإذا حمل المسلمون عليهم لا تقدم خيولهم على الفيلة ورشقتهم الفرس بالنبل، فنالوا منهم خلقا كثيرا وقتل المسلمون منهم مع ذلك ستة آلاف.
وأمر أبو عبيد المسلمين أن يقتلوا الفيلة أولا، فاحتوشوها فقتلوها عن آخرها، وقد قدمت الفرس بين أيديهم فيلا عظيما أبيض، فتقدم إليه أبو عبيد فضربه بالسيف فقطع ذلومه فحمى الفيل، وصاح صيحة هائلة وحمل فتخبطه برجليه فقتله ووقف فوقه فحمل على الفيل خليفة أبي عبيد الذي كان أوصى أن يكون أميرا بعده فقتل، ثم آخر ثم آخر حتى قتل سبعة (1) من ثقيف كان قد نص أبو عبيد عليهم واحدا بعد واحد، ثم صارت إلى المثنى بن حارثة بمقتضى الوصية أيضا.
وقد كانت دومة امرأة أبي عبيد رأت مناما يدل على ما وقع سواء بسواء.
فلما رأى المسلمون ذلك وهنوا عند ذلك ولم يكن بقي إلا الظفر بالفرس، وضعف أمرهم، وذهب ريحهم، وولوا مدبرين، وساقت الفرس خلفهم فقتلوا بشرا كثيرا وانكشف الناس فكان أمرا بليغا وجاؤا إلى الجسر فمر بعض الناس.
ثم انكسر الجسر فتحكم فيمن وراءه الفرس فقتلوا من المسلمين وغرق في الفرات نحوا من أربعة آلاف.
فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وسار المثنى بن حارثة فوقف عند الجسر الذي جاؤا منه، وكان الناس لما انهزموا جعل بعضهم يلقي بنفسه في الفرات فيغرق، فنادى المثنى.
أيها الناس على هينتكم فإني واقف على فم الجسر لا أجوزه حتى لا يبقى منكم أحد ههنا، فلما عدى الناس إلى الناحية الاخرى سار المثنى فنزل بهم أول منزل، وقام يحرسهم هو وشجعان المسلمين، وقد جرح أكثرهم وأثخنوا.
ومن الناس من ذهب في البرية لا يدرى أين ذهب، ومنهم من رجع إلى المدينة النبوية مذعورا، وذهب بالخبر عبد الله بن زيد بن عاصم المازني إلى عمر بن الخطاب فوجده على المنبر، فقال له عمر: ما وراءك يا عبد الله بن زيد ؟ (2) فقال: أتاك الخبر اليقين يا أمير المؤمنين، ثم صعد إليه المنبر فأخبره الخبر سرا، ويقال كان أول من قدم
بخبر الناس عبد الله بن يزيد بن الحصين الحطمي (3).
فالله أعلم.
__________
(1) ذكر في فتوح البلدان أنه بعد مقتل أبي عبيد، أخذ اللواء أخوه فقتل، فاخذه ابنه جبر فقتل ثم أخذه المثنى ساعة، 2 / 308 وفي فتوح ابن الاعثم 1 / 169: قال أبو عبيد إن قتلت فأميركم ابني وهب فإن قتل فابني مالك فأن قتل فابني جبر، فإن اصيب فسليط بن مالك فأن اصيب فأبو محجن فإن اصيب فالمثنى بن حارثة.
(2) في فتوح البلدان: عروة بن زيد.
وفى الطبري والكامل فكالاصل.
(3) كذا في رواية ابن اسحاق وكان الخطمي من الذين تفرقوا ولحقوا بالمدينة، أما عبد الله بن زيد فقد أرسله المثنى بن حارثة بعد الوقعة بالخبر إلى عمر بن الخطاب.
وفي ابن الاعشم: معاذ بن حصين الانصاري 1 / 170 (*)

(7/34)


قال سيف بن عمر وكانت هذه الوقعة في شعبان من سنة ثلاث [ عشرة ] (1) بعد اليرموك بأربعين يوما فالله أعلم، وتراجع المسلمون بعضهم إلى بعض وكان منهم من فر إلى المدينة فلم يؤنب عمر الناس بل قال أنا فيئكم وأشغل الله المجوس بأمر ملكهم.
وذلك أن أهل المدائن عدوا على رستم فخلعوه ثم ولوه وأضافوا إليه الفيرزان، واختلفوا على فرقتين (2)، فركب الفرس إلى المدائن ولحقهم المثنى بن حارثة في نفس من المسلمين، فعارضه أميران (3) من أمرائهم في جيشهم، فأسرهما وأسر معهما بشرا كثيرا فضرب أعناقهم.
ثم أرسل المثنى إلى من بالعراق من أمراء المسلمين يستمدهم، فبعثوا إليه بالامداد، وبعث إليه عمر بن الخطاب بمدد كثير فيهم جرير بن عبد الله البجلى، في قومه بجيلة بكمالها، وغيره من سادات المسلمين (4) حتى كثر جيشه.
وقعت البويب التي اقتص فيها المسلمون من الفرس فلما سمع بذلك أمراء الفرس، وبكثرة جيوش المثنى، بعثوا إليه جيشا آخر مع رجل يقال له مهران فتوافوا هم وإياهم بمكان يقال له " البويب " قريب من مكان الكوفة اليوم وبينهما الفرات.
فقالوا: إما أن تعبروا إلينا، أو نعبر إليكم.
فقال المسلمون: بل اعبروا إلينا.
فعبرت الفرس إليهم فتواقفوا، وذلك في شهر رمضان.
فعزم المثنى على المسلمين في الفطر فأفطروا عن آخرهم ليكون أقوى لهم، وعبى الجيش، وجعل يمر على كل راية من رايات الامراء على القبائل ويعظهم
ويحثهم على الجهاد والصبر والصمت.
وفي القوم جرير بن عبد الله البجلي في بجيلة وجماعة من سادات المسلمين.
وقال المثنى لهم: إني مكبر ثلاث تكبيرات فتهيأوا، فإذا كبرت الرابعة فاحملوا.
فقابلوا قوله بالسمع والطاعة والقبول.
فلما كبر أول تكبيرة عاجلتهم الفرس فحملوا حتى غالقوهم، واقتتلوا قتالا شديدا، ورأى المثنى في بعض صفوفه خللا، فبعث إليهم رجلا يقول: الامير يقرأ عليكم السلام ويقول لكم: لا تفضحوا العرب (5) اليوم فاعتدلوا.
فلما رأى ذلك منهم - وهم بنو عجل - أعجبه وضحك.
وبعث إليهم يقول: يا معشر المسلمين عاداتكم، انصروا الله
__________
(1) من الطبري، وفي فتوح البلدان: كانت وقعة الجسر يوم السبت في آخر شهر رمضان سنة ثلاث عشرة.
(2) في الطبري: فرقة الفهلوج على رستم وأهل فارس على الفيرزان.
(3) وهما: جابان ومردانشاه.
كما في الطبري والكامل.
(4) في ابن الاعثم صار جرير في سبعمائة رجل، وفي الطبري: بعث عمر جرير في بجيلة، وعصمة بن عبد الله من بني عبد بن الحارث الضبي فيمن تبعه من بني ضبة، وهلال بن علقمة التيمي مع الرباب، وابن المثنى الجشمي مع جشم سعد، وعبد الله بن ذي السهمين مع اناس من خثعم، وربعي في بعض بني حنظلة، وربعي بن عامر بن خالد العنود على بعض بني عمرو وقرط بن جماح على عبد القيس.
وابن مردى التغلبي في اناس من بني تغلب (الطبري 4 / 73)، وأنس بن هلال النمري في بنى النمر.
(5) في الطبري: المسلمين.
(*)

(7/35)


ينصركم.
وجعل المثنى والمسلمون يدعون الله بالظفر والنصر.
فلما طالت مدة الحرب جمع المثنى جماعة من أصحابه الابطال يحمون ظهره، وحمل على مهران فأزاله عن موضعه حتى دخل الميمنة، وحمل غلام من بني تغلب نصراني فقتل مهران وركب فرسه.
كذا ذكره سيف بن عمر.
وقال محمد بن إسحاق بل حمل عليه المنذر بن حسان بن ضرار الضبي فطعنه واحتز رأسه جرير بن عبد الله البجلي، واختصما في سلبه فأخذ جرير السلاح وأخذ المنذر منطقته (1).
وهربت المجوس وركب المسلمون أكتافهم يفصلونهم فصلا.
وسبق المثنى بن حارثة إلى الجسر فوقف عليه
ليمنع الفرس من الجواز عليه ليتمكن منهم المسلمون.
فركبوا أكتافهم بقية ذلك اليوم وتلك الليلة، ومن أبعد إلى الليل فيقال إنه قتل منهم يومئذ وغرق قريب من مائة ألف ولله الحمد والمنة.
وغنم المسلمون مالا جزيلا وطعاما كثيرا، وبعثوا بالبشارة والاخماس إلى عمر رضي الله عنه.
وقد قتل من سادات المسلمين في هذا اليوم بشر كثير أيضا وذلت لهذه الوقعة رقاب الفرس وتمكن الصحابة من الغارات في بلادهم فيما بين الفرات ودجلة فغنموا شيئا عظيما لا يمكن حصره.
وجرت أمور يطول ذكرها بعد يوم البويب وكانت هذه الواقعة بالعراق نظير اليرموك بالشام.
وقد قال الاعور الشني العبدي في ذلك: - هاجت لاعور دار الحي أحزانا * واستبدلت بعد عبد القيس حسانا (2) وقد أرانا بها والشمل مجتمع * إذ بالنخيلة قتلى جند مهرانا إذ كان (3) سار المثنى بالخيول لهم * فقتل الزحف من فرس وجيلانا سما لمهران والجيش الذي معه * حتى أبادهم مثنى ووحدانا فصل ثم بعث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب سعد بن أبي وقاص الزهري أحد العشرة في ستة آلاف أميرا على العراق، وكتب إلى جرير بن عبد الله والمثنى بن حارثة أن يكونا تبعا له وأن يسمعا له ويطيعا، فلما وصل إلى العراق كانا معه، وكانا قد تنازعا الامرة، فالمثنى يقول لجرير: إنما بعثك أمير المؤمنين مددا إلي.
ويقول جرير: إنما بعثني أميرا عليك.
فلما قدم سعد على أمر العراق انقطع نزاعهما.
قال ابن إسحاق.
وتوفي المثنى بن حارثة (4) في هذه السنة: كذا قال ابن إسحق.
__________
(1) كذا في رواية الطبري عن ابن اسحاق، والبلاذري في فتوح البلدان، وزاد: ويقال إن الحصن بن معبد بن زرارة بن عدس التميمي كان ممن قتله.
(2) في الطبري: خفانا.
(3) في الطبري: أزمان.
(4) وكان المثنى قد أصيب بجراحات في وقعة الجسر، فانتقضت عليه فمرض مرضا شديدا ومات وبلغ ذلك سعد = (*)

(7/36)


بقين من جمادى الاخرة منها فولى قضاء المدينة علي بن أبي طالب رضي الله عنه واستناب على الشام أبا عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح الفهري، وعزل عنها خالد بن الوليد المخزومي، وأبقاه على شورى الحرب وفيها فتحت بصرى صلحا وهي أول مدينة فتحت من الشام، وفيها فتحت دمشق في قول سيف وغيره كما قدمنا واستنيب فيها يزيد بن أبي سفيان فهو أول من وليها من أمراء المسلمين رضي الله عنهم.
وفيها كانت وقعة فحل من أرض الغور وقتل بها جماعة من الصحابة وغيرهم.
وفيها كانت وقعة جسر أبي عبيد فقتل فيها أربعة آلاف من المسلمين منهم أميرهم أبو عبيد بن مسعود الثقفي، وهو والد صفية امرأة عبد الله بن عمر وكانت امرأة صالحة رحمهما الله.
ووالد المختار بن أبي عبيد كذاب ثقيف وقد كان نائبا على العراق في بعض وقعات العراق كما سيأتي.
وفيها توفي المثنى بن حارثة في قول ابن إسحاق، وقد كان نائبا على العراق استخلفه خالد ابن الوليد حين سار إلى الشام، وقد شهد مواقف مشهورة وله أيام مذكورة ولاسيما يوم البويب بعد جسر أبي عبيد قتل فيه من الفرس وغرق بالفراة قريب من مائة ألف، الذي عليه الجمهور أنه بقي إلى سنة أربع عشرة كما سيأتي بيانه.
وفيها حج بالناس عمر بن الخطاب في قول بعضهم وقيل بل حج عبد الرحمن بن عوف.
وفيها استنفر عمر قبائل العرب لغزو العراق الشام فأقبلوا من كل النواحي فرمى بهم الشام والعراق.
وفيها كانت وقعة أجنادين في قول ابن اسحق يوم السبت لثلاث من جمادى الاولى منها.
وكذا عند الواقدي فيما بين الرملة وبين جسرين على الروم القيقلان (1) وأمير المسلمين عمرو بن العاص، وهو في عشرين ألفا في قول فقتل القيقلان وانهزمت الروم وقتل منهم خلق كثير.
واستشهد من المسلمين أيضا جماعة منهم هشام بن العاص والفضل ابن العباس، وأبان بن سعيد وأخواه وخالد وعمرو، ونعيم بن عبد الله بن النحام، والطفيل بن عمرو بن عبد الله بن عمرو الذوسيان، وضرار بن الازور، وعكرمة بن أبي جهل، وعمه سلمة بن هشام، وهبار بن سفيان، وصخر بن نصر، وتميم وسعيد إبنا الحارث بن قيس رضي الله عنهم.
وقال محمد بن سعد قتل يومئذ طليب بن عمرو (2) وأمه أروى بنت عبد المطلب عمة رسول
الله صلى الله عليه وسلم وممن قتل يومئذ عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب، وكان عمره يومئذ ثلاثين سنة فيما ذكره الواقدي قال: ولم يكن له رواية وكان ممن صبر يوم حنين.
قال ابن جرير وقتل يومئذ عثمان بن طلحة بن أبي طلحة والحارث بن أوس بن عتيك رضي الله عنهم.
وفيها كانت وقعة مرج الصفر في قول خليفة بن خياط وذلك لثنتي عشرة بقيت من جمادى الاولى وأمير الناس خالد بن سعيد بن العاص فقتل يومئذ وقيل إنما قتل أخوه عمرو وقيل ابنه.
فالله أعلم.
قال ابن إسحق: وكان أمير الروم قلقط فقتل من الروم مقتلة عظيمة حتى جرت طاحون
__________
(1) في الطبري والكامل: القيقلار.
(2) كذا في الاصل والصواب: طليب بن عمير بن وهب بن عبد بن قصي ويكنى أبا عدي.
(*)

(7/37)


ذكر اجتماع الفرس على يزدجرد بعد اختلافهم كان شرين قد جمع آل كسرى في القصر الابيض وأمر بقتل ذكرانهم كلهم، وكانت أم يزدجرد فيهم معها ابنها وهو صغير، فواعدت أخواله فجاؤا وأخذوه منها وذهبوا به إلى بلادهم، فلما وقع ما وقع يوم البويب وقتل من قتل منهم كما ذكرنا، وركب المسلمون أكتافهم وانتصروا عليهم وعلى أخذ بلدانهم، ومحالهم وأقاليمهم.
ثم سمعوا بقدوم سعد بن أبي وقاص من جهة عمر، اجتمعوا فيما بينهم وأحضروا الاميرين الكبيرين فيهم وهما رستم والفيرزان فتذامروا فيما بينهم وتواصوا وقالوا لهما لئن لم تقوما بالحرب كما ينبغي لنقتلنكما ونشتفي بكما.
ثم رأوا فيما بينهم أن يبعثوا خلف نساء كسرى من كل فج ومن كل بقعة، فمن كان لها ولد من آل كسرى ملكوه عليهم.
فجعلوا إذا أتوا بالمرأة عاقبوها هل لها ولد وهي تنكر ذلك خوفا على ولدها إن كان لها ولد، فلم يزالوا حتى دلوا على أم يزجرد، فأحضروها وأحضروا ولدها فملكوه عليهم وهو ابن إحدى وعشرين سنة، وهو من ولد شهريار بن كسرى وعزلوا بوران واستوثقت الممالك له، واجتمعوا عليه وفرحوا به، وقاموا بين يديه بالنصر أتم قيام، واستفحل أمره فيهم وقويت شوكتهم به، وبعثوا إلى الاقاليم والرساتيق فخلعوا الطاعة للصحابة ونقضوا عهودهم وذممهم، وبعث
الصحابة إلى عمر بالخبر، فأمرهم عمر أن بتبرزوا من بين ظهرانيهم وليكونوا على أطراف البلاد حولهم على المياه، وأن تكون كل قبيلة تنظر إلى الاخرى بحيث إذا حدث حدث على قبيلة لا يخفى أمرها على جيرانهم.
وتفاقم الحال جدا.
وذلك في ذي القعدة من سنة ثلاث عشرة، وقد حج بالناس عمر في هذه السنة وقيل بل حج بهم عبد الرحمن بن عوف ولم يحج عمر هذه السنة.
والله أعلم.
ما وقع سنة ثلاث عشرة (1) من الحوادث كانت فيها وقائع تقدم تفصيلها ببلاد العراق على يدي خالد بن الوليد رضي الله عنه، فتحت فيها الحيرة والانبار وغيرهما من الامصار، وفيها سار خالد بن الوليد من العراق إلى الشام على المشهور.
وفيها كانت وقعة اليرموك في قول سيف بن عمر واختيار ابن جرير، وقتل بها من قتل من الاعيان ممن يطول ذكرهم وتراجمهم رضي الله عنهم أجمعين.
وفيها توفي أبو بكر الصديق.
وقد أفردنا سيرته في مجلد ولله الحمد.
وفيها ولي عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوم الثلاثاء لثمان
__________
= فأرسل إلى امرأته سلمى بنت حفصة التميمية فخطبها وتزوجها بعد انقضاء عدتها (الفتوح 1 / 174).
وفي الكامل ان المثنى مات قبل وصول سعد 2 / 452.
(1) في المطبوعة: " عشر ".
(*)

(7/38)


هناك من دمائهم.
والصحيح أن وقعة مرج الصفر في أول سنة أربع عشرة كما سيأتي.
ذكر المتوفين في هذه السنة مرتبين على الحروف كما ذكرهم الحافظ الذهبي أبان بن سعيد بن العاص بن أمية الاموي أبو الوليد المكي صحابي جليل.
وهو الذي أجار عثمان بن عفان يوم الحديبية حتى دخل مكة لاداء رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أسلم بعد مرجع أخويه من الحبشة.
خالد، وعمرو، فدعواه إلى الاسلام فأجابهما.
وساروا فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فتح خيبر.
وقد استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة تسع على البحرين وقتل بأجنادين * أنسة مولى رسول
الله صلى الله عليه وسلم المشهور أنه قتل ببدر فيما ذكره البخاري وغيره، وزعم الواقدي فيما نقله عن أهل العلم أنه شهد أحدا وأنه بقي بعد ذلك زمانا.
قال: وحدثني ابن أبي الزناد عن محمد بن يوسف أن أنسة مات في خلافة أبي بكر الصديق، وكان يكنى أبا مسروح.
وقال الزهري كان يأذن للناس على النبي صلى الله عليه وسلم * تميم بن الحارث بن قيس السهمي وأخوه قيس صحابيان جليلان هاجرا إلى الحبشة وقتلا بأجنادين * الحارث بن أوس بن عتيك بن مهاجرة الحبشة.
قتل بأجنادين * خالد بن سعيد ابن العاص الاموي، من السابقين الاولين، ممن هاجر إلى الحبشة وأقام بها بضع عشرة سنة ويقال إنه كان على صنعاء من جهة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأمره الصديق على بعض الفتوحات كما تقدم قتل يوم مرج الصفر في قول، وقيل بل هرب فلم يمكنه الصديق من دخول المدينة تعزيرا له، فأقام شهرا في بعض ظواهرها حتى أذن له.
ويقال إن الذى قتله أسلم وقال رأيت له حين قتلته نورا ساطعا إلى السماء رضي الله عنه * سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن أبي خزيمة (1).
ويقال حارثة بن خزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الانصاري الخزرجي سيدهم، أبو ثابت ويقال أبو قيس صحابي جليل كان أحد النقباء ليلة العقبة، وشهد بدرا في قول عروة وموسى بن عقبة (2) والبخاري وابن ماكولا.
وروى ابن عساكر من طريق حجاج بن أرطاة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس أن راية المهاجرين يوم بدر كانت مع علي وراية الانصار مع سعد بن عبادة رضي الله عنهما.
قلت: والمشهور أن هذا كان يوم الفتح والله أعلم.
وقال الواقدي: لم يشهدها لانه نهسته حية فشغلته عنها بعد أن تجهز لها، فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره، وشهد أحدا وما بعدها.
وكذا قال خليفة بن خياط.
وكانت له جفنة تدور مع النبي صلى الله عليه وسلم حيث دار من بيوت نسائه
__________
(1) في الاستيعاب: بن أبي حليمة.
(2) قال في الاستيعاب: لم يذكره ابن عقبة في البدريين ولا ابن اسحاق.
وقال في الاصابة: اختلف في شهوده بدرا.
(*)

(7/39)


بلحم وثريد، أو لبن وخبز، أو خبز بسمن أو بخل وزيت، وكان ينادي عند أطمة كل ليلة لمن أراد القرى.
وكان يحسن الكتابة بالعربي، والرمي والسباحة، وكان يمسى من أحسن ذلك كاملا.
وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر ما ذكره غير واحد من علماء التاريخ أنه تخلف عن بيعة الصديق حتى خرج إلى الشام فمات بقرية من حوران سنة ثلاث عشرة في خلافة الصديق.
قاله ابن إسحاق والمدائني وخليفة.
قال: وقيل في أول خلافة عمر.
وقيل سنة أربع عشرة، وقيل سنة خمس عشرة.
وقال الفلاس وابن بكر سنة ست عشرة.
قلت: أما بيعة الصديق فقد روينا في مسند الامام أحمد أنه سلم للصديق ما قاله من إن الخلفاء من قريش.
وأما موته بأرض الشام فمحقق والمشهور أنه بحوران.
قال محمد بن عائذ الدمشقي عن عبد الاعلى عن سعيد بن عبد العزيز أنه قال: أول مدينة فتحت من الشام بصرى، وبها توفي سعد بن عبادة.
وعند كثير من أهل زماننا أنه دفن بقرية من غوطة دمشق، يقال لها " المنيحة " وبها قبر مشهور به.
ولم أر الحافظ ابن عساكر تعرض لذكر هذا القبر في ترجمته بالكلية.
فالله أعلم.
قال ابن عبد البر: ولم يختلفوا أنه وجد ميتا في مغتسله، وقد اخضر جسده ولم يشعروا بموته حتى سمعوا قائلا يقول: قتلنا سيد الخزرج سعد بن عباده * رميناه بسهم فلم يخطئ فؤاده (1) قال ابن جريج: سمعت عطاء (يقول) سمعت أن الجن قالوا في سعد بن عبادة هذين البيتين.
له عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث، وكان رضي الله عنه من أشد الناس غيرة، ما تزوج امرأة إلا بكرا، ولا طلق امرأة فتجاسر أحد أن يخطبها بعده.
وقد روي أنه لما خرج من المدينة قسم ماله بين بنيه، فلما توفي ولد له ولد فجاء أبو بكر وعمر إلى ابنه قيس بن سعد فأمراه أن يدخل هذا معهم، فقال إني لا أغير ما صنع سعد ولكن نصيبي لهذا الولد * سلمة بن هشام بن المغيرة، أخو أبي جهل بن هشام، أسلم سلمة قديما وهاجر إلى الحبشة فلما رجع منها حبسه أخوه وأجاعه فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو له في القنوت ولجماعة معه من المستضعفين.
ثم انسل فلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد الخندق، وكان معه بها، وقد شهد أجنادين وقتل بها رضي الله عنه * ضرار بن الازور الاسدي، كان من الفرسان
المشهورين، والابطال المذكورين، له مواقف مشهودة، وأحوال محمودة.
ذكر عروة وموسى بن عقبة أنه قتل بأجنادين.
له حديث في استحباب إبقاء شئ من اللبن في الضرع عند الحلب * طليب بن عمير بن وهب بن كثير بن هند بن قصي القرشي العبدي، أمه أروى بنت عبد المطلب عمة النبي صلى الله عليه وسلم.
أسلم قديما وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، وشهد بدرا.
قاله ابن إسحاق والواقدي والزبير
__________
(1) في الاستيعاب: نحن قتلنا سيد الخز * رج سعد بن عبادة رميناه بسهمين * فلم نخطئ فؤاده (*)

(7/40)


ابن بكار.
ويقال إنه أول من ضرب مشركا، وذلك أن أبا جهل سب النبي صلى الله عليه وسلم فضربه طليب بلحى جمل فشجه.
استشهد طليب بأجنادين وقد شاخ رضي الله عنه * عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب ابن هاشم القرشي الهاشمي، ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم كان من الابطال المذكورين والشجعان المشهورين، قتل يوم أجنادين بعد ما قتل عشرة من الروم مبارزة كلهم بطارقة أبطال.
وله من العمر يومئذ بضع وثلاثون سنة * عبد الله بن عمرو الدوسي قتل بأجنادين.
وليس هذا الرجل معروفا * عثمان بن طلحة العبدري الحجبي.
قيل إنه قتل بأجنادين، والصحيح أنه تأخر إلى ما بعد الاربعين * عتاب ابن أسيد بن أبي العيص بن أمية الاموي أبو عبد الرحمن أمير مكة نيابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمله عليها عام الفتح، وله من العمر عشرون سنة، فحج بالناس عامئذ، واستنابه عليها أبو بكر بعده عليه السلام.
وكانت وفاته بمكة، قيل يوم توفي أبو بكر رضي الله عنهما.
له حديث واحد رواه أهل السنن الاربعة * عكرمة بن أبي جهل عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم أبو عثمان القرشي المخزومي، كان من سادات الجاهلية كأبيه، ثم أسلم عام الفتح بعد ما فر، ثم رجع إلى الحق.
واستعمله الصديق على عمان حين ارتدوا فظفر بهم كما تقدم.
ثم قدم الشام وكان أميرا على بعض الكراديس، ويقال: إنه لا يعرف له ذنب بعدما أسلم.
وكان يقبل المصحف ويبكي ويقول: كلام ربي كلام ربي.
احتج بهذا الامام أحمد على جواز تقبيل المصحف ومشروعيته.
وقال
الشافعي: كان عكرمة محمود البلاء في الاسلام.
قال عروة: قتل بأجنادين.
وقال غيره: باليرموك بعد ما وجد به بضع وسبعون ما بين ضربة وطعنة رضي الله عنه * الفضل بن العباس بن عبد المطلب، قيل إنه توفي في هذه السنة، والصحيح أنه تأخر إلى سنة ثماني عشرة * نعيم بن عبد الله بن النحام أحد بني عدي، أسلم قديما قبل عمر ولم يتهيأ له هجرة إلى ما بعد الحديبية، وذلك لانه كان فيه بر بأقاربه، فقالت له قريش: أقم عندنا على أي دين شئت، فو الله لا يتعرضك أحد إلا ذهبت أنفسنا دونك.
استشهد يوم أجنادين وقيل يوم اليرموك رضي الله عنه * هبار بن الاسود (1) بن أسد أبو الاسود القرشي الاسدي، هذا الرجل كان قد طعن راحلة زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم يوم خرجت من مكة حتى أسقطت، ثم أسلم بعد فحسن إسلامه، وقتل بأجنادين رضي الله عنه * هبار بن سفيان ابن عبد الاسود (2) المخزومي ابن أخي أم سلمة.
أسلم قديما وهاجر إلى الحبشة واستشهد يوم أجنادين على الصحيح، وقيل قتل يوم مؤتة والله أعلم (3) * هشام بن العاص بن وائل السهمي أخو عمرو بن العاص.
روى الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إبنا العاص مؤمنان " وقد أسلم هشام قبل عمرو، وهاجر إلى الحبشة، فلما رجع منها احتبس بمكة.
ثم هاجر بعد الخندق، وقد أرسله
__________
(1) في الاصابة: هبار بن الاسود بن المطلب بن أسد.
(2) في الاصابة والاستيعاب: عبد الاسد.
(3) قاله ابن سعد والزبير بن بكار وسيف بن عمر، وقال ابن عبد البر: والاشبه عندي أنه قتل بأجنادين لان ابن عقبة لم يذكره فيمن قتل يوم مؤته شهيدا (الاستيعاب 3 / 609 على هامش الاصابة).
(*)

(7/41)


الصديق إلى ملك الروم.
وكان من الفرسان.
وقتل بأجنادين، وقيل باليرموك، والاول أصح والله أعلم * أبو بكر الصديق رضي الله عنه تقدم وله ترجمة مفردة ولله الحمد.
سنة أربع عشرة من الهجرة استهلت هذه السنة والخليفة عمر بن الخطاب يحث الناس ويحرضهم على جهاد أهل العراق، وذلك لما بلغه من قتل أبي عبيد يوم الجسر، وانتظام شمل الفرس، واجتماع أمرهم على
يزجرد الذي أقاموه من بيت الملك، ونقض أهل الذمة بالعراق عهودهم، ونبذهم المواثيق التي كانت عليهم، وآذوا المسلمين وأخرجوا العمال من بين أظهرهم.
وقد كتب عمر إلى من هنالك من الجيش أن يتبرزوا من بين أظهرهم إلى أطراف البلاد.
قال ابن جرير رحمه الله.
وركب عمر رضي الله عنه في أول يوم من المحرم هذه السنة في الجيوش من المدينة فنزل على ماء يقال له صرار، فعسكر به عازما على غزو العراق بنفسه واستخلف على المدينة علي بن أبي طالب، واستصحب معه عثمان بن عفان وسادات الصحابة.
ثم عقد مجلسا لاستشارة الصحابة فيما عزم عليه، ونودي أن الصلاة جامعة، وقد أرسل إلى علي فقدم من المدينة، ثم استشارهم فكلهم وافقوه على الذهاب إلى العراق، إلا عبد الرحمن بن عوف (1) فإنه قال له: إني أخشى إن كسرت أن تضعف المسلمون في سائر أقطار الارض، وإني أرى أن تبعث رجلا وترجع أنت إلى المدينة فارثا (2) عمر والناس عند ذلك واستصوبوا رأي ابن عوف.
فقال عمر: فمن ترى أن نبعث إلى العراق (3) ؟ فقال: قد وجدته.
قال ومن هو ؟ قال الاسد في براثنه سعد بن مالك الزهري.
فاستجاد قوله وأرسل إلى سعد فأمره على العراق وأوصاه فقال: يا سعد بن وهيب (4) لا يغرنك من الله أن قيل خال رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه، فإن الله لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكن يمحو السيئ بالحسن، وإن الله ليس بينه وبين أحد نسب إلا بطاعته، فالناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سواء، الله ربهم وهم عباده، يتفاضلون بالعافية ويدركون ما عند الله بالطاعة، فانظر الامر الذي رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ بعث إلى أن فارقنا عليه فألزمه، فإنه الامر.
هذه عظتي إياك، إن تركتها ورغبت عنها حبط عملك وكنت من الخاسرين.
ولما أراد فراقه قال له: إنك ستقدم على أمر شديد، فالصبر الصبر على ما أصابك ونابك، تجمع لك خشية الله، واعلم أن خشية الله تجتمع في أمرين، في طاعته واجتناب معصيته، وإنما طاعة من أطاعه ببغض الدنيا وحب الآخرة، وإنما عصيان من عصاه بحب الدنيا وبغض الآخرة.
وللقلوب حقائق ينشئها الله إنشاء، منها السر
__________
(1) في فتوح ابن الاعثم: إلا علي بن أبي طالب، (1 / 172).
فقد أشار عليه بالبقاء في المدينة وارسال سعد.
(2) كذا بالاصل، وفي نسخة: فارفا، ولعلها فأرفأ بمعنى جنح كما يفهم من النهاية والقاموس.
(3) فقال عمر: فأشيروا علي برجل.
كما في الطبري.
(4) في الفتوح: بني وهب وفي الطبري: بني وهيب.
(*)

(7/42)


ومنها العلانية، فأما العلانية فأن يكون حامده وذامه في الحق سواء، وأما السر فيعرف بظهور الحكمة من قلبه على لسانه، وبمحبة الناس، ومن محبة الناس فلا تزهد في التحبب فإن النبيين قد سألوا محبتهم، وإن الله إذا أحب عبدا حببه، وإذا أبغض عبدا بغضه، فاعتبر منزلتك عند الله بمنزلتك عند الناس.
قالوا: فسار سعد نحو العراق في أربعة آلاف ثلاثة آلاف من أهل اليمن، وألف من سائر الناس، وقيل في ستة آلاف (1).
وشيعهم عمر من صرار إلى الاعوص (2) وقام عمر في الناس خطيبا هنالك فقال: إن الله إنما ضرب لكم الامثال، وصرف لكم القول لتحيي القلوب، فإن القلوب ميتة في صدورها حتى يحييها الله، من علم شيئا فلينفع به، فإن للعدل إمارات وتباشير، فأما الامارات فالحياء والسخاء والهين واللين.
وأما التباشير فالرحمة.
وقد جعل الله لكل أمر بابا، ويسر لكل باب مفتاحا، فباب العدل الاعتبار، ومفتاحه الزهد، والاعتبار ذكر الموت والاستعداد بتقديم الاموال (3).
والزهد أخذ الحق من كل أحد قبله حق والاكتفاء بما يكفيه من الكفاف، فإن لم يكفه الكفاف لم يغنه شئ.
إني بينكم وبين الله، وليس بيني وبينه أحد، وإن الله قد ألزمني دفع الدعاء عنه فأنهوا شكاتكم إلينا، فمن لم يستطع فإلى من يبلغناها نأخذ له الحق غير متعتع.
ثم سار سعد إلى العراق، ورجع عمر بمن معه من المسلمين إلى المدينة.
ولما انتهى سعد إلى نهر زرود، ولم يبق بينه وبين أن يجتمع بالمثنى بن حارثة إلا اليسير، وكل منهما مشتاق إلى صاحبه، انتقض جرح المثنى بين حارثة الذي كان جرحه يوم الجسر فمات رحمه الله ورضي الله عنه، واستخلف على الجيش بشير بن الخصاصية.
ولما بلغ سعدا موته ترحم عليه وتزوج زوجته سلمى.
ولما وصل سعد إلى محلة الجيوش انتهت إليه رياستها وإمرتها، ولم يبق بالعراق أمير من سادات العرب إلا تحت أمره، وأمده عمر بأمداد أخر حتى اجتمع معه يوم القادسية ثلاثون ألفا، وقيل ستة وثلاثون.
وقال عمر: والله لارمين ملوك العجم بملوك العرب.
وكتب إلى سعد أن يجعل الامراء على القبائل، والعرفاء على كل عشرة عريفا على الجيوش، وأن يواعدهم إلى القادسية، ففعل ذلك سعد، عرف العرفاء، وأمر على القبائل، وولى على الطلائع، والمقدمات، والمجنبات والساقات، والرجالة، والركبان، كما أمر أمير المؤمنين عمر (4).
قال سيف بإسناده عن مشايخه قالوا: وجعل عمر على قضاء الناس عبد الرحمن بن ربيعة الباهلي ذا النون (5)، وجعل إليه الاقباض وقسمة الفئ، وجعل داعية الناس وقاصهم سلمان
__________
(1) في فتوح ابن الاغثم: في سبعة آلاف.
(2) الاعوص: موضع على أميال من المدينة، وقيل: واد في ديار باهلة لبني حصن.
(3) في الطبري: الاعمال.
(4) راجع في تفاصيل تدابير سعد العسكرية الطبري 4 / 88.
(5) في الطبري: ذا النور.
(*)

(7/43)


الفارسي.
وجعل الكاتب زياد بن أبي سفيان.
قالوا: وكان في هذا الجيش كله من الصحابة ثلثمائة وبضعة عشر صحابيا، منهم بضعة وسبعون بدريا، وكان فيه سبعمائة من أبناء الصحابة رضي الله عنهم.
وبعث عمر كتابه إلى سعد يأمره بالمبادرة إلى القادسية، والقادسية باب فارس في الجاهلية، وأن يكون بين الحجر والمدر، وأن يأخذ الطرق والمسالك على فارس، وأن يبدروهم بالضرب والشدة، ولا يهولنك كثرة عددهم وعددهم، فإنهم قوم خدعة مكرة، وإن أنتم صبرتم وأحسنتم ونويتم الامانة رجوت أن تنصروا عليهم، ثم لم يجتمع لهم شملهم أبدا إلا أن يجتمعوا، وليست معهم قلوبهم.
وإن كانت الاخرى فارجعوا إلى ما وراءكم حتى تصلوا إلى الحجر فإنكم عليه أجرأ، وإنهم عنه أجبن وبه أجهل، حتى يأتي الله بالفتح عليهم ويرد لكم الكرة.
وأمره بمحاسبة نفسه وموعظة جيشه، وأمرهم بالنية الحسنة والصبر فإن النصر (1) يأتي من الله على قدر النية، والاجر على قدر الحسبة، وسلوا الله العافية، وأكثروا من قول لا حول ولا قوة إلا بالله
العلي العظيم، واكتب إلي بجميع أحوالكم وتفاصيلها، وكيف تنزلون وأين يكون منكم عدوكم، واجعلني بكتبك إلي كأني أنظر إليكم، واجعلني من أمركم على الجلية، وخف الله وارجه ولا تدل بشئ، واعلم أن الله قد توكل لهذا الامر بما لا خلف له، فاحذر أن يصرفه عنك ويستبدل بكم غيركم.
فكتب إليه سعد يصف له كيفية تلك المنازل والاراضي بحيث كأنه يشاهدها، وكتب إليه يخبره بأن الفرس قد جردوا لحربه رستم وأمثاله، فهم يطلبوننا ونحن نطلبهم، وأمر الله بعد ماض، وقضاؤه مسلم، إلى ما قدر لنا وعلينا، فنسأل الله خير القضاء وخير القدر في عافية.
وكتب إليه عمر: قد جاءني كتابك وفهمته، فإذا لقيت عدوك ومنحك الله أدبارهم، فإنه قد ألقى في روعي أنكم ستهزمونهم فلا تشكن في ذلك، فإذا هزمتهم فلا تنزع عنهم حتى تقتحم عليهم المدائن فإنه خرابها إن شاء الله.
وجعل عمر يدعو لسعد خاصة وله وللمسلمين عامة.
ولما بلغ سعد العذيب اعترض للمسلمين جيش للفرس مع شيرزاد بن اراذويه، فغنموا مما معه شيئا كثيرا ووقع منهم موقعا كبيرا، فخمسها سعد وقسم أربعة أخماسها في الناس واستبشر الناس بذلك وفرحوا، وتفاءلوا، وأفرد سعد سرية تكون حياطة لمن معهم من الحريم، على هذه السرية غالب بن عبد الله الليثي.
غزوة القادسية ثم سار سعد فنزل القادسية، وبث سراياه، وأقام بها شهرا لم ير أحدا من الفرس، فكتب إلى عمر بذلك، والسرايا تأتي بالميرة من كل مكان.
فعجت رعايا الفرس من أطراف بلادهم إلى
__________
(1) في الطبري: المعونة.
(*)

(7/44)


يزدجرد من الذين يلقون من المسلمين من النهب والسبي.
وقالوا: إن لم تنجدونا وإلا أعطينا ما بأيدينا وسلمنا إليهم الحصون.
واجتمع رأي الفرس على إرسال رستم إليهم، فبعث إليه يزدجرد فأمره على الجيش فاستعفي رستم من ذلك، وقال: إن هذا ليس برأي في الحرب، إن إرسال
الجيوش بعد الجيوش أشد على العرب من أن يكسروا جيشا كثيفا مرة واحدة.
فأبى الملك إلا ذلك، فتجهز رستم للخروج.
ثم بعث سعد كاشفا إلى الحيرة وإلى صلوبا فأتاه الخبر بأن الملك قد أمر على الحرب رستم بن الفرخزاذ الارمني، وأمده بالعساكر.
فكتب سعد إلى عمر بذلك فكتب إليه عمر: لا يكربنك ما يأتيك عنهم، ولا ما يأتونك به، واستعن بالله وتوكل عليه، وابعث إليه رجالا من أهل النظر والرأي والجلد يدعونه، فإن الله جاعل دعاءهم توهينا لهم وفلجا عليهم، واكتب إلي في كل يوم.
ولما اقترب رستم بجيوشه وعسكر بساباط كتب سعد إلى عمر يقول: إن رستم قد عسكر بساباط وجر الخيول والفيول وزحف علينا بها، وليس شئ أهم عندي، ولا أكثر ذكرا مني لما أحببت أن أكون عليه من الاستعانة والتوكل.
وعبأ رستم فجعل على المقدمة وهي أربعون ألفا الجالنوس، وعلى الميمنة الهرمزان، وعلى الميسرة مهران بن بهرام وذلك ستون ألفا، وعلى الساقة البندران (1) في عشرين ألفا، فالجيش كله ثمانون ألفا فيما ذكره سيف وغيره.
وفي رواية: كان رستم في مائة ألف وعشرين ألفا، يتبعها ثمانون ألفا، وكان معه ثلاثة وثلاثون فيلا منها فيل أبيض كان لسابور، فهو أعظمها وأقدمها، وكانت الفيلة تألفه.
ثم بعث سعد جماعة من السادات منهم النعمان بن مقرن، وفرات بن حبان (2)، وحنظلة بن الربيع التميمي، وعطارد بن حاجب، والاشعث بن قيس، والمغيرة بن شعبة، وعمرو بن معدي كرب (3)، يدعون رستم إلى الله عز وجل.
فقال لهم رستم: ما أقدمكم ؟ فقالوا: جئنا لموعود الله إيانا، أخذ بلادكم وسبي نسائكم وأبنائكم وأخذ أموالكم، فنحن على يقين من ذلك، وقد رأى رستم في منامه كأن ملكا نزل من السماء فختم على سلاح الفرس كله ودفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمر.
وذكر سيف بن عمر أن رستم طاول سعدا في اللقاء حتى كان بين خروجه من المدائن وملتقاه سعدا بالقادسية أربعة أشهر كل ذلك لعله يضجر سعدا ومن معه ليرجعوا، ولولا أن الملك استعجله ما التقاه، لما يعلم من غلبة المسلمين لهم ونصرهم عليهم، لما رأى في منامه، ولما
__________
(1) في الطبري: البيرزان.
(2) في الطبري والفتوح لابن الاعثم حيان العجلي.
(3) زاد الطبري: بسر بن أبي رهم وجملة بن جوية الكناني وعدي بن سهيل والمغيرة بن زرارة بن النباش بن حبيب والحارث بن حسان وعاصم بن عمرو والمعنى بن حارثة.
أما ابن الاعثم فذكر: عمرو بن معد يكرب الزبيدي وطليحة بن خويلد الاسدي وجرير بن عبد الله البجلي والمغيرة بن شعبة الثقفي وعاصم بن عمرو التميمي وشرحبيل بن السمط الكندي والمنذر بن حسان الضبي وفرات بن حيان العجلي وابراهيم بن حارثة الشيباني.
1 / 196 وانظر الكامل 2 / 456 (*)

(7/45)


يتوسمه، ولما سمع منهم، ولما عنده من علم النجوم الذي يعتقد صحته في نفسه لما له من الممارسة لهذا الفن.
ولما دنا جيش رستم من سعد أحب سعد أن يطلع على أخبارهم على الجلية، فبعث رجلا سرية لتأتيه برجل من الفرس وكان في السرية طليحة الاسدي الذي كان ادعى النبوة ثم تاب.
وتقدم الحارث مع أصحابه حتى رجعوا.
فلما بعث سعد السرية اخترق طليحة الجيوش والصفوف، وتخطى الالوف، وقتل جماعة من الابطال حتى أسر أحدهم وجاء به لا يملك من نفسه شيئا، فسأله سعد عن القوم فجعل يصف شجاعة طليحة، فقال دعنا من هذا وأخبرنا عن رستم، فقال: هو في مائة ألف وعشرين ألفا، ويتبعها مثلها.
وأسلم الرجل من فوره رحمه الله.
قال سيف عن شيوخه: ولما تواجه الجيشان بعث رستم إلى سعد أن يبعث إليه برجل عاقل عالم بما أسأله عنه.
فبعث إليه المغيرة بن شعبة رضي الله عنه.
فلما قدم عليه جعل رستم يقول له: إنكم جيراننا وكنا نحسن إليكم ونكف الاذى عنكم، فارجعوا إلى بلادكم ولا نمنع تجارتكم من الدخول إلى بلادنا.
فقال له المغيرة: إنا ليس طلبنا الدنيا، وإنما همنا وطلبنا الآخرة، وقد بعث الله إلينا رسولا قال له: إني قد سلطت هذه الطائفة على من لم يدن بديني فأنا منتقم بهم منهم، وأجعل لهم الغلبة ما داموا مقرين به، وهو دين الحق، لا يرغب عنه أحد إلا ذل، ولا يعتصم به إلا عز.
فقال له رستم: فما هو ؟ فقال أما عموده الذي لا يصلح شئ منه إلا به فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والاقرار بما جاء من عند الله، فقال ما أحسن هذا ؟ ! وأي شئ أيضا ؟ قال وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله.
قال: وحسن أيضا
وأي شئ أيضا ؟ قال: والناس بنو آدم [ وحواء ] (1)، فهم أخوة لاب وأم، قال وحسن أيضا.
ثم قال رستم: أرأيت إن دخلنا في دينكم أترجعون عن بلادنا ؟ قال: إي والله ثم لا نقرب بلادكم إلا في تجارة أو حاجة.
قال: وحسن أيضا.
قال: ولما خرج المغيرة من عنده ذاكر رستم رؤساء قومه في الاسلام فأنفوا ذلك وأبوا أن يدخلوا فيه قبحهم الله وأخزاهم وقد فعل.
قالوا: ثم بعث إليه سعد رسولا آخر بطلبه وهو ربعي بن عامر، فدخل عليه وقد زينوا مجلسه بالنمارق المذهبة والزرابي الحرير، وأظهر اليواقيت واللآلئ الثمينة، والزينة العظيمة، وعليه تاجه وغير ذلك من الامتعة الثمينة، وقد جلس على سرير من ذهب.
ودخل ربعي بثياب صفيقة وسيف وترس وفرس قصيرة، ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط، ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد، وأقبل وعليه سلاحه ودرعه وبيضته على رأسه.
فقالوا له: ضع سلاحك.
فقال: إني لم آتكم، وإنما جئتكم حين دعوتموني فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت.
فقال رستم: إئذنوا له، فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق فخرق عامتها، فقالوا له: ما جاء بكم ؟ فقال الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى
__________
(1) من الطبري.
(*)

(7/46)


سعتها، ومن جور الاديان إلى عدل الاسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه أبدا حتى نفضي إلى موعود الله.
قالوا: وما موعود الله ؟ قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي.
فقال رستم: قد سمعت مقالتكم فهل لكم أن تؤخروا هذا الامر حتى ننظر فيه وتنظروا ؟ قال نعم ! كم أحب إليكم ؟ يوما أو يومين ؟ قال: لا، بل حتى نكاتب أهل رأينا ورؤساء قومنا.
فقال: ما سن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نؤخر الاعداء عند اللقاء أكثر من ثلاث، فانظر في أمرك وأمرهم واختر واحدة من ثلاث بعد الاجل، فقال: أسيدهم أنت ؟ قال ! لا: ولكن المسلمون كالجسد الواحد يجير أدناهم على أعلاهم.
فاجتمع رستم برؤوساء قومه فقال: هل رأيتم قط أعز وأرجح من كلام هذا الرجل ؟
فقالوا معاذ الله أن تميل إلى شئ من هذا وتدع دينك إلى هذا الكلب، أما ترى إلى ثيابه ؟ فقال: ويلكم لا تنظروا إلى الثياب، وانظروا إلى الرأي والكلام والسيرة.
إن العرب يستخفون بالثياب والمأكل، ويصونون الاحساب.
ثم بعثوا يطلبون في اليوم الثاني رجلا فبعث إليهم حذيفة بن محصن فتكلم نحو ما قال ربعي.
وفي اليوم الثالث المغيرة بن شعبة فتكلم بكلام حسن طويل.
قال فيه رستم للمغيرة: إنما مثلكم في دخولكم أرضنا كمثل الذباب رأى العسل.
فقال من يوصلني إليه وله درهمان ؟ فلما سقط عليه غرق فيه، فجعل يطلب الخلاص فلا يجده، وجعل يقول من يخلصني وله أربعة دراهم ؟ ومثلكم كمثل ثعلب ضعيف دخل جحرا في كرم فلما رآه صاحب الكرم ضعيفا رحمه فتركه، فلما سمن أفسد شيئا كثيرا فجاء بجيشه، واستعان عليه بغلمانه فذهب ليخرج فلم يستطع لسمنه فضربه حتى قتله، فهكذا تخرجون من بلادنا.
ثم استشاط غضبا وأقسم بالشمس لاقتلنكم غدا.
فقال المغيرة: ستعلم.
ثم قال رستم للمغيرة: قد أمرت لكم بكسوة.
ولاميركم بألف دينار وكسوة ومركوب وتنصرفون عنا (1).
فقال المغيرة: أبعد أن أوهنا ملككم وضعفنا عزكم، ولنا مدة نحو بلادكم ونأخذ الجزية منكم عن يد وأنتم صاغرون وستصيرون لنا عبيدا على رغمكم ؟ ! فلما قال ذلك استشاط غضبا.
وقال ابن جرير حدثني محمد بن عبد الله بن صفوان الثقفي ثنا أمية بن خالد ثنا أبو عوانة عن حصين بن عبد الرحمن.
قال قال أبو وائل: جاء سعد حتى نزل القادسية ومعه الناس قال: لا أدري لعلنا لا نزيد على سبعة آلاف أو ثمانية آلاف بين ذلك، والمشركون ثلاثون ألفا ونحو ذلك، فقالوا لا يد لكم ولا قوة ولا سلاح، ما جاء بكم ؟ ارجعوا.
قال: قلنا ما نحن براجعين، فكانوا يضحكون من نبلنا ويقولون دوك دوك وشبهونا بالمغازل.
فلما أبينا عليهم أن نرجع قالوا: ابعثوا إلينا رجلا من عقلائكم يبين لنا ما جاء بكم.
فقال المغيرة بن شعبة، أنا: فعبر إليهم فقعد مع رستم على السرير فنخروا وصاحوا، فقال: إن هذا لم يزدني رفعة ولم ينقص صاحبكم.
فقال
__________
(1) في الطبري: فأنا آمر لاميركم بكسوة وبغل وألف درهم وآمر لكل رجل منكم بوقر تمر وبثوبين وتنصرفون عنا (*)

(7/47)


رستم: صدق، ما جاء بكم ؟ فقال: إنا كنا قوما في شر وضلالة، فبعث الله إلينا نبيا فهدانا الله به ورزقنا على يديه، فكان فيما رزقنا حبة تنبت في هذا البلد، فلما أكلناها وأطعمناها أهلينا قالوا: لا صبر لنا عنها، أنزلونا هذه الارض حتى نأكل من هذه الحبة.
فقال رستم: إذا نقتلكم.
قال إن قتلتمونا دخلنا الجنة، وإن قتلناكم دخلتم النار وأديتم الجزية.
قال: فلما قال وأديتم الجزية نخروا وصاحوا وقالوا: لا صلح بيننا وبينكم.
فقال المغيرة: تعبرون إلينا أو نعبر إليكم ؟ فقال رستم: بل نعبر إليكم، فاستأخر المسلمون حتى عبروا فحملوا عليهم فهزموهم (1).
وذكر سيف أن سعدا كان به عرق النسا يومئذ، وأنه خطب الناس وتلى قوله تعالى: * (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الارض يرثها عبادي الصالحون) * [ الانبياء: 105 ]، وصلى بالناس الظهر ثم كبر أربعا وحملوا بعد أن أمرهم أن يقولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله، في طردهم إياهم، وقتلهم لهم.
وقعودهم لهم كل مرصد، وحصرهم لبعضهم في بعض الاماكن حتى أكلوا الكلاب والسنانير.
ومارد شاردهم حتى وصل إلى نهاوند، ولجأ أكثرهم إلى المدائن، ولحقهم المسلمون إلى أبوابها.
وكان سعد قد بعث طائفة من أصحابه إلى كسرى يدعونه إلى الله قبل الوقعة فاستأذنوا على كسرى فأذن لهم، وخرج أهل البلد ينظرون إلى أشكالهم وأرديتهم على عواتقهم وسياطهم بأيديهم، والنعال في أرجلهم، وخيولهم الضعيفة، وخبطها الارض بأرجلها.
وجعلوا يتعجبون منها غاية العجب كيف مثل هؤلاء يقهرون جيوشهم مع كثرة عددها وعددها.
ولما استأذنوا على الملك يزدجرد أذن لهم وأجلسهم بين يديه، وكان متكبرا قليل الادب، ثم جعل يسألهم عن ملابسهم هذه ما اسمها ؟ عن الاردية، والنعال، والسياط ثم كلما قالوا له شيئا من ذلك تفاءل فرد الله فأله على رأسه.
ثم قال لهم: ما الذي أقدمكم هذه البلاد ؟ أظننتم أنا لما تشاغلنا بأنفسنا اجترأتم علينا ؟ فقال له النعمان بن مقرن: إن الله رحمنا فأرسل إلينا رسولا يدلنا على الخير ويأمرنا به، ويعرفنا الشر وينهانا عنه، ووعدنا على إجابته خير الدنيا والآخرة.
فلم يدع إلى ذلك قبيلة إلا صاروا فرقتين فرقة تقاربه وفرقة تباعده، ولا يدخل معه في دينه إلا الخواص، فمكث كذلك ما شاء الله أن يمكث، ثم أمر أن ينهد (2) إلى من خالفه من العرب ويبدأ بهم، ففعل
فدخلوا معه جميعا على وجهين مكروه (3) عليه فاغتبط، وطائع إياه فازداد.
فعرفنا جميعا فضل ما جاء به على الذي كنا عليه من العداوة والضيق، وأمرنا أن نبدأ بمن يلينا من الامم فندعوهم إلى الانصاف، فنحن ندعوكم إلى ديننا وهو دين الاسلام حسن الحسن وقبح القبيح كله، فإن أبيتم فأمر من الشر هو أهون من آخر شر منه الجزاء (4) فإن أبيتم فالمناجزة.
وإن أجبتم إلى ديننا خلقنا
__________
(1) تاريخ الطبري: 4 / 92 - 93.
(2) في الطبري: ينبذ.
(3) في الطبري والكامل: مكره.
(4) كذا بالاصل والطبري، وفي الكامل الجزية وهو الصواب.
(*)

(7/48)


فيكم كتاب الله وأقمناكم عليه على أن تحكموا بأحكامه ونرجع عنكم، وشآنكم وبلادكم، وأن أتيتمونا بالجزي (4) قبلنا ومنعناكم وإلا قاتلناكم.
قال فتكلم يزدجرد فقال: إني لا أعلم في الارض أمة كانت أشقى ولا أقل عددا ولا أسوأ ذات بين منكم، قد كنا نوكل بكم قرى الضواحي ليكفوناكم، لا تغزوكم فارس ولا تطمعون أن تقوموا لهم.
فإن كان عددكم كثر فلا يغرنكم منا، وإن كان الجهد دعاكم فرضنا لكم قوتا إلى خصبكم وأكرمنا وجوهكم وكسوناكم وملكنا عليكم ملكا يرفق بكم.
فأسكت القوم فقام المغيرة بن شعبة (1) فقال: أيها الملك إن هؤلاء رؤس العرب ووجوههم، وهم أشراف يستحيون من الاشراف، وإنما يكرم الاشراف الاشراف، ويعظم حقوق الاشراف الاشراف، وليس كل ما أرسلوا له جمعوه لك، ولا كل ما تكلمت به أجابوك عليه، وقد أحسنوا ولا يحسن بمثلهم إلا ذلك، فجاوبني فأكون أنا الذي أبلغك ويشهدون على ذلك.
إنك قد وصفتنا صفة لم تكن بها عالما، فأما ما ذكرت من سوء الحال فما كان أسوأ حالا منا، وأما جوعنا فلم يكن يشبه الجوع، كنا نأكل الخنافس والجعلان والعقارب والحيات، ونرى ذلك طعامنا، وأما المنازل فإنما هي ظهر الارض، ولا نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الابل وأشعار الغنم.
ديننا أن يقتل بعضنا بعضا، وأن يبغي (2) بعضنا على بعض، وإن كان أحدنا ليدفن ابنته
وهي حية كراهية أن تأكل من طعامه، وكانت حالنا قبل اليوم على ما ذكرت لك فبعث الله إلينا رجلا معروفا نعرف نسبه ونعرف وجهه ومولده، فأرضه خير أرضنا، وحسبه خير أحسابنا، وبيته خير بيوتنا، وقبيلته خير قبائلنا، وهو نفسه كان خيرنا في الحال التي كان فيها أصدقنا وأحلمنا، فدعانا إلى أمر فلم يجبه أحد.
أول ترب كان له الخليفة من بعده، فقال وقلنا، وصدق وكذبنا، وزاد ونقصنا، فلم يقل شيئا إلا كان، فقذف الله في قلوبنا التصديق له واتباعه، فصار فيما بيننا وبين رب العالمين.
فما قال لنا فهو قول الله، وما أمرنا فهو أمر الله، فقال لنا إن ربكم يقول: أنا الله وحدي لا شريك لي كنت إذ لم يكن شئ وكل شئ هالك إلا وجهي، وأنا خلقت كل شئ وإلي يصير كل شئ، وإن رحمتي أدركتكم فبعثت إليكم هذا الرجل لادلكم على السبيل التي أنجيكم بها بعد الموت من عذابي، ولاحلكم داري دار السلام.
فنشهد عليه أنه جاء بالحق من عند الحق، وقال من تابعكم على هذا فله مالكم وعليه ما عليكم، ومن أبي فاعرضوا عليه الجزية ثم امنعوه مما تمنعون منه أنفسكم، ومن أبى فقاتلوه فأنا الحكم بينكم، فمن قتل منكم أدخلته جنتي، ومن بقي منكم أعقبته النصر على من ناوأه.
فاختر إن شئت الجزية وأنت صاغر، وإن شئت فالسيف،: أو تسلم فتنجي نفسك.
فقال يزدجرد: أتستقبلني بمثل هذا ؟ فقال: ما استقبلت إلا من كلمني، ولو كلمني غيرك لم أستقبلك به.
فقال: لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم، لا شئ لكم عندي.
وقال إئتوني بوقر من تراب فاحملوه على أشراف هؤلاء ثم سوقوه
__________
(1) في الطبري والكامل: المغيرة بن زرار بن النباش، وكان أحد الوفد الذين أرسلهم سعد إلى يزدجرد.
(2) في الطبري: يغير.
(*)

(7/49)


حتى يخرج من أبيات المدائن.
إرجعوا إلى صاحبكم فأعلموه أني مرسل إليه رستم حتى يدفنه وجنده (1) في خندق القادسية وينكل به وبكم من بعد، ثم أورده بلادكم حتى أشغلكم في أنفسكم بأشد مما نالكم من سابور.
ثم قال: من أشرفكم ؟ فسكت القوم فقال عاصم بن عمرو وافتات ليأخذ التراب أنا أشرفهم، أنا سيد هؤلاء فحملنيه، فقال: أكذلك ؟ قالوا: نعم.
فحمله على
عنقه فخرج به من الايوان والدار حتى أتى راحلته فحمله عليها ثم انجذب في السير ليأتوا به سعدا وسبقهم عاصم فمر بباب قديس فطواه وقال بشروا الامير بالظفر، ظفرنا إن شاء الله تعالى، ثم مضى حتى جعل التراب في الحجر ثم رجع فدخل على سعد فأخبره الخبر.
فقال: أبشروا فقد والله أعطانا الله أقاليد ملكهم، وتفاءلوا بذلك أخذ بلادهم.
ثم لم يزل أمر الصحابة يزداد في كل يوم علوا وشرفا ورفعة، وينحط أمر الفرس سفلا وذلا ووهنا.
ولما رجع رستم إلى الملك يسأله عن حال من رأى من المسلمين ؟ فذكر له عقلهم وفصاحتهم وحدة جوابهم، وأنهم يرومون أمرا يوشك أن يدركوه.
وذكر ما أمر به أشرفهم من حمل التراب وأنه استحمق أشرفهم في حمله التراب على رأسه، ولو شاء اتقى بغيره وأنا لا أشعر.
فقال له رستم: إنه ليس أحمق، وليس هو بأشرفهم، إنما أراد أن يفتدي قومه بنفسه ولكن والله ذهبوا بمفاتيح أرضنا وكان رستم منجما، ثم أرسل رجلا وراءهم وقال: إن أدرك التراب فرده تداركنا أمرنا، وإن ذهبوا به إلى أميرهم غلبونا على أرضنا قال: فساق وراءهم فلم يدركهم بل سبقوه إلى سعد بالتراب وساء ذلك فارس وغضبوا من ذلك أشد الغضب واستهجنوا رأي الملك.
فصل كانت وقعة القادسية وقعة عظيمة لم يكن بالعراق أعجب منها، وذلك أنه لما تواجه الصفان كان سعد رضي الله عنه قد أصابه عرق النسا، ودمامل في جسده، فهو لا يستطيع الركوب، وإنما هو في قصر متكئ على صدره فوق وسادة وهو ينظر إلى الجيش ويدبر أمره، وقد جعل أمر الحرب إلى خالد بن عرفطة، وجعل على الميمنة جرير بن عبد الله البجلي (2)، وعلى الميسرة قيس ابن مكشوح (3)، وكان قيس والمغيرة بن شعبة قد قدما على سعد مددا من عند أبي عبيدة من الشام بعد ما شهدا وقعة اليرموك.
وزعم ابن إسحاق أن المسلمين كانوا ما بين السبعة آلاف إلى الثمانية آلاف، وأن رستما كان
__________
(1) في الطبري: حتى يدفيكم ويدفيه، وفي الكامل: حتى يدفنكم ويدفنه.
(2) في فتوح ابن الاعثم: عمرو بن معديكرب وجرير بن عبد الله.
(3) في فتوح البلدان 2 / 317: ويقال ان قيس بن مكشوح لم يحضر القتال بالقادسية ولكنه قدمها وقد فرغ المسلمون من القتال.
وقال ابن الاعثم: كان على ميسرته: ابراهيم بن حارثة الشيباني.
وعلي بن جحش العجلي وفي الطبري انه قدم مع هاشم بن عتبة يوم عماس، أي ثالث أيام القادسية 4 / 126.
(*)

(7/50)


في ستين ألفا، فصلى سعد بالناس الظهر ثم خطب الناس فوعظهم وحثهم وتلا قوله تعالى * (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الارض يرثها عبادي الصالحون) * [ الانبياء: 105 ] وقرأ القراء آيات الجهاد وسوره، ثم كبر سعد أربعا ثم حملوا بعد الرابعة فاقتتلوا حتى كان الليل فتحاجزوا، وقد قتل من الفريقين بشر كثير، ثم أصبحوا إلى مواقفهم فاقتتلوا يومهم ذلك وعامة ليلتهم، ثم أصبحوا كما أمسوا على مواقفهم، فاقتتلوا حتى أمسوا ثم اقتتلوا في اليوم الثالث كذلك وأمست هذه الليلة تسمى ليلة الهرير (1)، فلما أصبح اليوم الرابع اقتتلوا قتالا شديدا وقد قاسوا من الفيلة بالنسبة إلى الخيول العربية بسبب نفرتها منها أمرا بليغا، وقد أباد الصحابة الفيلة ومن عليها، وقلعوا عيونها، وأبلى جماعة من الشجعان في هذه الايام مثل طليحة الاسدي، وعمرو بن معدي كرب، والقعقاع بن عمرو، وجرير بن عبد الله البجلي، وضرار بن الخطاب، وخالد بن عرفطة، وأشكالهم وأضرابهم.
فلما كان وقت الزوال من هذا اليوم ويسمى يوم القادسية، وكان يوم الاثنين (2) من المحرم سنة أربع عشرة كما قاله سيف بن عمر التميمي، هبت ريح شديدة فرفعت خيام الفرس عن أماكنها وألقت سرير رستم الذي هو منصوب له، فبادر فركب بغلته وهرب فأدركه المسلمون فقتلوه (3) وقتلوا الجالينوس (4) مقدم الطلائع القادسية، وانهزمت الفرس ولله الحمد والمنة عن بكرة أبيهم، ولحقهم المسلمون في أقفائهم فقتل يومئذ المسلسلون بكمالهم وكانوا ثلاثين ألفا، وقتل في المعركة عشرة آلاف، وقتلوا قبل ذلك قريبا من ذلك.
وقتل من المسلمين في هذا اليوم وما قبله من الايام ألفان وخمسمائة (5) رحمهم الله.
وساق المسلمون خلف المنهزمين حتى دخلوا وراءهم مدينة الملك وهي المدائن التي فيها الايوان الكسروي، وقد أذن لمن ذكرنا عليه، فكان منهم إليه ما قدمنا.
وقد غنم المسلمون من وقعة القادسية هذه من الاموال
والسلاح مالا يحد ولا يوصف كثرة، فحصلت الغنائم بعد صرف الاسلاب وخمست وبعث
__________
(1) وأيام القادسية أربعة: الاول يوم أرماث وليلة أرماث تدعى الهدأة، واليوم الثاني يوم أغواث وليلة أغواث تدعى السواد، واليوم الثالث يوم عماس، وليلة اليوم الرابع تدعى ليلة الهرير، واليوم الرابع يوم القادسية.
قال ابن الاثير في التاريخ: وسميت ليلة الهرير بذلك لتركهم الكلام إنما كانوا يهرون هريرا 2 / 479.
(2) في فتوح البلدان يوم الاحد، وقال: كان يوم القادسية في آخر سنة ست عشرة.
وفي الطبري وابن الاثير في الكامل: سنة أربع عشرة.
(3) في الطبري: قتله هلال بن علفة، وفي الكامل وابن الاعثم: هلال بن علقمة العقيلي.
وفي فتوح البلدان: قتل رستم ولم يعلم من قاتله.
وقال الواقدي: قيل قتله زهير بن عبد شمس البجلي.
وقيل قتله عوام بن عبد شمس وقيل: هلال بن علفة التيمي.
(فتوح البلدان 2 / 317).
(4) في الطبري: أصيب قبل ليلة الهرير ألفان وخمسمائة وقتل ليلة الهرير ويوم القادسية من المسلمين ستة آلاف دفنوا في الخندق بحيال مشرق.
(5) في الكامل لابن الاثير: قتله زهرة بن الحوية التميمي.
(*)

(7/51)


بالخمس والبشارة إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وقد كان عمر رضي الله عنه يستخبر عن أمر القادسية كل من لقيه من الركبان، ويخرج من المدينة إلى ناحية العراق يستنشق الخبر، فبينما هو ذات يوم من الايام إذا هو براكب يلوح من بعد، فاستقبله عمر فاستخبره، فقال له: فتح الله على المسلمين بالقادسية وغنموا غنائم كثيرة وجعل يحدثه وهو لا يعرف عمر وعمر ما ؟ تحت راحلته، فلما اقتربا من المدينة جعل الناس يحيون عمر بالامارة فعرف الرجل عمر فقال: يرحمك الله يا أمير المؤمنين هلا أعلمتني أنك الخليفة ؟ فقال لا حرج عليك يا أخي.
وقد تقدم أن سعدا رضي الله عنه كان به قروح وعرق النسا، فمنعه من شهود القتال لكنه جالس في رأس القصر ينظر في مصالح الجيش، وكان مع ذلك لا يغلق عليه باب القصر لشجاعته، ولو فر الناس لاخذته الفرس قبضا باليد، لا يمتنع منهم، وعنده امرأته سلمى بنت
حفص (1) التي كانت قبله عند المثنى بن حارثة، فلما فر بعض الخيل يومئذ فزعت وقالت: وامثنياه ولا مثنى لي اليوم.
فغضب سعد من ذلك ولطم وجهها، فقالت - أغيرة وجبنا يعني أنها تعيره بجلوسه في القصر يوم الحرب - وهذا عناد منها فإنها أعلم الناس بعذره وما هو فيه من المرض المانع من ذلك، وكان عنده في القصر رجل مسجون على الشراب كان قد حد فيه مرات متعددة، يقال سبع مرات، فأمر به سعد فقيد وأودع في القصر فلما رأى الخيول تجول حول حمى القصر وكان من الشجعان الابطال قال: كفى حزنا أن تدحم الخيل بالفتى (2) * وأترك مشدودا علي وثاقيا إذا قمت غناني الحديد وغلقت * مصاريع من دوني تصم المناديا وقد كنت ذا مال كثير وإخوة * وقد تركوني مفردا (3) لا أخاليا ثم سأل من زبراء أم ولد سعد أن تطلقه وتعيره فرس سعد، وحلف لها أنه يرجع آخر النهار فيضع رجله في القيد فأطلقته، وركب فرس سعد وخرج فقاتل قتالا شديدا، وجعل سعد ينظر إلى فرسه فيعرفها وينكرها ويشبهه بأبي محجن ولكن يشك لظنه أنه في القصر موثق، فلما كان آخر النهار رجع فوضع رجله في قيدها ونزل سعد فوجد فرسه يعرق فقال: ما هذا ؟ فذكروا له قصة أبي محجن فرضي عنه وأطلقه رضي الله عنهما.
وقد قال رجل من المسلمين في سعد رضي الله عنه:
__________
(1) في الطبري: خصفة وفي ابن الاعثم والاصابة: حفصة.
(2) في الاصابة: كفى حزنا أن ترتدي الخيل بالقنا.
وفي الاستيعاب: أن تلتقي، وفي الكامل والطبري: أن تردي.
وفي فتوح البلدان: أن تدعس.
(3) في الطبري والكامل: واحدا.
وبعده فيهما: ولله عهد لا أخيس بعهده * لئن فرجت أن لا أزور الحوانيا (*)

(7/52)


نقاتل (1) حتى أنزل الله نصره * وسعد بباب القادسية معصم
فأبنا (2) وقد آمت نساء كثيرة * ونسوة سعد ليس فيهن أيم فيقال إن سعدا نزل إلى الناس فاعتذر إليهم مما فيه من القروح في فخذيه وإليتيه، فعذره الناس.
ويذكر أنه دعا على قائل هذين البيتين وقال: اللهم إن كان كاذبا، أو قال: الذي قال رياء وسمعة وكذبا فاقطع لسانه ويده.
فجاءه سهم وهو واقف بين الصفين، فوقع في لسانه فبطل شقه فلم يتكلم حتى مات رواه سيف عن عبد الملك بن عمير عن قبيصة بن جابر فذكره.
وقال سيف عن المقدام بن شريح الحارثي عن أبيه قال: قال جرير بن عبد الله البجلي: أنا جرير وكنيتي أبو عمرو * قد فتح الله وسعد في القصر فأشرف سعد من قصره وقال: وما أرجو بجيلة غير أني * أؤمل أجرها (3) يوم الحساب وقد لقيت خيولهم خيولا * وقد وقع الفوارس في الضراب وقد دلفت بعرصتهم خيول (4) * كأن زهاءها إبل الجراب فلولا جمع قعقاع بن عمرو * وحمال للجوا في الركاب ولولا ذاك ألفيتم رعاعا * تسيل (5) جموعكم مثل الذباب وقد روى محمد بن إسحق عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم البجلي - وكان ممن شهد القادسية - قال: كان معنا رجل من ثقيف فلحق بالفرس مرتدا، فأخبرهم أن بأس الناس في الجانب الذي فيه بجيلة.
قال: وكنا ربع الناس، قال: فوجهوا إلينا ستة عشر فيلا (6)، وجعلوا يلقون تحت أرجل خيولنا حسك الحديد، ويرشقوننا بالنشاب، فلكأنه المطر، وقربوا خيولهم بعضها إلى بعض لئلا ينفروا.
قال: وكان عمرو بن معد يكرب الزبيدي يمر بنا فيقول: يا معشر المهاجرين، كونوا أسودا فإنما الفارسي تيس.
قال: وكان فيهم أسوار لا تكاد تسقط له نشابة، فقلنا له يا أبا ثور اتق ذاك الفارس فإنه لا تسقط له نشابة، فوجه إليه الفارس ورماه بنشابة فأصاب ترسه
__________
(1) في فتوح البلدان: وقاتلت.
(2) في فتوح البلدان: فرحنا، ومنهن أيم مكان فيهن أيم.
(3) في الطبري: أجرهم.
(4) في الطبري: فيول.
(5) في الطبري: تشل.
وقبله: هم منعوا جموعكم بطعن * وضرب مثل تشقيق الاهاب (6) في رواية سيف: ثلاث عشر فيلا.
(الطبري 4 / 117).
(*)

(7/53)


وحمل عليه عمرو فاعتنقه فذبحه فاستلبه سوارين من ذهب، ومنطقة من ذهب، ويلمقا من ديباج.
قال: وكان المسلمون ستة آلاف أو سبعة آلاف، فقتل الله رستما وكان الذي قتله رجل يقال له هلال ابن علقمة التميمي (1)، رماه رستم بنشابة فأصاب قدمه وحمل عليه هلال فقتله واحتز رأسه وولت الفرس فاتبعهم المسلمون يقتلونهم فأدركوهم في مكان قد نزلوا فيه واطمأنوا، فبينما هم سكارى قد شربوا ولعبوا إذ هجم عليهم المسلمون فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وقتل هنالك الجالينوس، قتله زهرة بن حوية التميمي.
ثم ساروا خلفهم فكلما تواجه الفريقان نصر الله حزب الرحمن، وخذل حزب الشيطان وعبدة النيران، واحتاز المسلمون من الاموال ما يعجز عن حصره ميزان وقبان، حتى أن منهم من يقول من يقايض بيضاء بصفراء لكثرة ما غنموا من الفرسان.
ولم يزالوا يتبعونهم حتى جازوا الفرات وراءهم وفتحوا المدائن وجلولاء على ما سيأتي تفصيله في موضعه إن شاء الله تعالى وبه الثقة.
وقال سيف بن عمر عن سليمان بن بشير عن أم كثير امرأة همام بن الحارث النخعي قالت: شهدنا القادسية مع سعد مع أزواجنا، فلما أتانا أن قد فرغ من الناس، شددنا علينا ثيابنا وأخذنا الهراوي ثم أتينا القتلى، فمن كان من المسلمين سقيناه ورفعناه، ومن كان من المشركين أجهزنا عليه، ومعنا الصبيان فنوليهم ذلك - تعني استلابهم - لئلا يكشفن عن عورات الرجال.
وقال سيف بأسانيده عن شيوخه قالوا: وكتب سعد إلى عمر يخبره بالفتح وبعدة من قتلوا من المشركين.
وبعدة من قتل من المسلمين، بعث بالكتاب مع سعد بن عميلة الفزاري (2) وصورته " أما
بعد فإن الله نصرنا على أهل فارس ومنحناهم سنن من كان قبلهم من أهل دينهم، بعد قتال طويل، وزلزال شديد، وقد لقوا المسلمين بعدة لم ير الراؤن مثل زهائها، فلم ينفعهم الله بذلك، بل سلبوه ونقله عنهم إلى المسلمين، واتبعهم المسلمون على الانهار، وصفوف (3) الآجام، وفي الفجاح.
وأصيب من المسلمين سعد بن عبيد القارى (4) وفلان وفلان، ورجال من المسلمين لا يعلمهم إلا الله، فإنه بهم عالم كانوا يدوون بالقرآن إذا جن عليهم الليل كدوي النحل، وهم آساد في النهار لا تشبههم الاسود، ولم يفضل من مضى منهم من بقي إلا بفضل الشهادة إذا لم تكتب لهم.
فيقال إن عمر قرأ هذه البشارة على الناس فوق المنبر رضى الله عنهم.
ثم قال عمر للناس: إني حريص على أن لا أرى حاجة إلا سددتها، ما اتسع بعضنا لبعض، فإذا عجز ذلك عنا تأسينا في
__________
(1) في رواية الطبري عن ابن اسحاق: هلال بن علفة التيمي.
(2) في فتوح الشام للواقدي 2 / 193 سماه نوفل ولم ينسبه، وفي الطبري والكامل فكالاصل.
(3) في الطبري: وعلى طفوف.
(4) في الطبري: القارئ، وفي فتوح البلدان: الانصاري واغتم عمر لمصابه وقال: لقد كاد قتله ينغض علي هذا الفتح 2 / 326.
(*)

(7/54)


عيشنا حتى نستوي في الكفاف، ولوددت أنكم علمتم من نفسي مثل الذي وقع فيها لكم، ولست معلمكم إلا بالعمل، إني والله لست بملك فأستعبدكم، ولكني عبد الله عرض علي الامانة فإن أبيتها ورددتها عليكم واتبعتكم حتى تشبعوا في بيوتكم وترووا سعدت بكم، وإن أنا حملتها واستتبعتكم إلى بيتي شقيت بكم، ففرحت قليلا وحزنت طويلا، فبقيت لا أقال ولا أرد فأستعتب (1).
وقال سيف عن شيوخه قالوا: وكانت العرب من العذيب إلى عدن أبين، يتربصون وقعة القادسية هذه، يرون أن ثبات ملكهم وزواله بها، وقد بعث أهل كل بلدة قاصدا يكشف ما يكون من خبرهم، فلما كان ما كان من الفتح سبقت الجن بالبشارة إلى أقصى البلاد قبل رسل الانس فسمعت امرأة ليلا بصنعاء على رأس جبل وهي تقول:
فحييت عنا عكرم ابنة خالد * وما خير زاد بالقليل المصرد وحييت عني الشمس عند طلوعها * وحييت عني كل تاج مفرد وحيتك عني عصبة نخعية * حسان الوجوه آمنوا بمحمد أقاموا لكسرى يضربون جنوده * بكل رقيق الشفرتين مهند إذا ثوب الداعي أناخوا بكلكل * من الموت مسود الغياطل أجرد (2) قالوا: وسمع أهل اليمامة مجتازا يغني بهذه الابيات: وجدنا الاكرمين بني تميم * غداة الروع أكثرهم (3) رجالا هموا ساروا بأرعن مكفهر * إلى لجب يرونهم (4) رعالا بحور للاكاسر من رجال * كأسد الغاب تحسبهم جبالا تركن لهم بقادس عز فخر * وبالخيفين أياما طوالا مقطعة أكفهم وسوق * بمرد حيث قابلت الرجالا (5) قالوا: وسمع ذلك في سائر بلاد العرب، وقد كانت بلاد العراق بكمالها التي فتحها خالد نقضت العهود والذمم والمواثيق التي كانوا أعطوها خالدا، سوى أهل بانقيا وبرسما، وأهل أليس الآخرة ثم عاد الجميع بعد هذه الوقعة التي أوردناها، وادعوا أن الفرس أجبروهم على نقض
__________
(1) انظر الطبري 4 / 144 - 145.
(2) في الطبري: من الموت تسود الغياطل مجرد.
(3) في الطبري: أصبرهم.
(4) في الطبري: فزرتهم.
(5) انظر الابيات في الطبري 4 / 144، وذكرها ابن الاثير في الكامل - باختلاف ونسبها إلى عمرو بن شأس الاسدي 2 / 472.
(*)

(7/55)


العهود، وأخذوا منهم الخراج وغير ذلك.
فصدقوهم في ذلك تألفا لقلوبهم وسنذكر حكم أهل
السواد في كتابنا الاحكام الكبير إن شاء الله تعالى.
وقد ذهب ابن إسحاق وغيره إلى أن وقعة القادسية كانت في سنة خمس عشرة.
وزعم الواقدي أنها كانت في سنة ست عشرة.
وأما سيف بن عمر وجماعة فذكروها في سنة أربع عشرة، وفيها ذكرها ابن جرير.
فالله أعلم.
قال ابن جرير والواقدي: في سنة أربع عشرة جمع عمر بن الخطاب الناس على أبي بن كعب في التراويح وذلك في شهر رمضان منها، وكتب إلى سائر الامصار يأمرهم بالاجتماع في قيام شهر رمضان قال ابن جرير وفيها بعث عمر بن الخطاب عتبة بن غزوان إلى البصرة وأمره أن ينزل فيها بمن معه من المسلمين، وقطع مادة أهل فارس عن الذين بالمدائن ونواحيها منهم في قول المدائني، وروايته.
قال: وزعم سيف أن البصرة إنما مصرت في ربيع من سنة ست عشرة وأن عتبة بن غزوان إنما خرج إلى البصرة من المدائن بعد فراغ سعد من جلولاء وتكريت، وجهه إليها سعد بأمر عمر رضي الله عنهم (1).
وقال أبو مخنف عن مجالد عن الشعبي رضي الله عنهم: إن عمر بعث عتبة بن غزوان إلى أرض البصرة في ثلثمائة وبضعة عشر رجلا، وسار إليه من الاعراب ما كمل معه خمسمائة، فنزلها في ربيع الاول سنة أربع عشرة، والبصرة يومئذ تدعى أرض الهند فيها حجارة بيض خشنة، وجعل يرتاد لهم منزلا حتى جاؤا حيال الجسر الصغير فإذا فيه حلفا وقصب نابت، فنزلوا.
فركب إليهم صاحب الفرات في أربعة آلاف أسوار، فالتقاه عتبة بعدما زالت الشمس، وأمر الصحابة فحملوا عليهم فقتلوا الفرس عن آخرهم، وأسروا صاحب الفرات، وقام عتبة خطيبا فقال في خطبته: إن الدنيا قد آذنت بصرم (2)، وولت حذاء (3)، ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الاناء، وإنكم منتقلون منها إلى دار القرار، فانتقلوا عما (4) بحضرتكم، فقد ذكر لي لو أن صخرة ألقيت من شفير جهنم هوت سبعين خريفا ولتملانه، أو عجبتم ؟ ولقد ذكر لي أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين عاما، وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام، ولقد رأيتني وأنا سابع سبعة، وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مالنا طعام إلا ورق السمر (5)، حتى تقرحت أشداقنا، والتقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد، فما منا من أولئك السبعة من أحد إلا هو أمير على مصر من الامصار، وسيجربون
الناس بعدنا (6).
وهذا الحديث في صحيح مسلم بنحو من هذا السياق.
__________
(1) الطبري 4 / 148.
(2) الصرم: الصرم الانقطاع والذهاب.
(3) حذاء: مسرعة الانقطاع.
(4) في الطبري ومسلم: بخير ما.
(5) في مسلم: ورق الشجر.
والسمر: شجر بالبادية قاله أبو عبيد.
(6) تاريخ الطبري 4 / 149 وصحيح مسلم كتاب الزهد والرقائق ح (14) ص (2278).
(*)

(7/56)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية