صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : البداية والنهاية
مصدر الكتاب : الإنترنت
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

سادات الصحابة، وأعيان الناس من يذكر بعد، وخرج خالد وتبعه مجاعة بن مرارة يرسف في قيوده، فجعل يريه القتلى ليعرفه بمسيلمة، فلما مروا بالرجال بن عنفوة قال له خالد: أهذا هو ؟ قال: لا، والله هذا خير منه، هذا الرجال بن عنفوة، قال سيف بن عمر: ثم مروا برجل أصفر أخنس (1)، فقال.
هذا صاحبكم، فقال خالد: قبحكم الله على اتباعكم هذا، ثم بعث خالد الخيول حول اليمامة يلتقطون ما حول حصونها من مال وسبي، ثم عزم على غزو الحصون ولم يكن بقي فيها إلا النساء والصبيان والشيوخ الكبار، فجدعه مجاعة فقال: إنها ملاى رجالا ومقاتلة فهلم فصالحني عنها، فصالحه خالد لما رأى بالمسلمين من الجهد وقد كلوا من كثرة الحروب والقتال، فقال: دعني حتى أذهب إليهم ليوافقوني على الصلح، فقال: اذهب، فسار إليهم مجاعة فأمر النساء أن يلبسن الحديد ويبرزن على رؤوس الحصون، فنظر خالد فإذا الشرفات ممتلئة من رؤوس الناس فظنهم كما قال مجاعة فانتظر الصلح، ودعاهم خالد إلى الاسلام فأسلموا عن آخرهم ورجعوا إلى الحق ورد عليهم خالد بعض ما كان أخذ من السبي (2)، وساق الباقين إلى الصديق، وقد تسرى علي بن أبي طالب بجارية منهم، وهي أم ابنه محمد الذي يقال له: محمد بن الحنفية رضي الله عنه، وقد قال ضرار بن الازور في غزوة اليمامة هذه: فلو سئلت عنا جنوب لاخبرت * عشية سالت عقرباء وملهم وسال بفرع الواد حتى ترقرقت * حجارته فيه من القوم بالدم
عشية لا تغني الرماح مكانها * ولا النبل إلا المشرفي المصمم
__________
= نحو منها.
(3) في الفتوح 1 / 40: ألف ومائتي رجل، [ ومنهم ] سبعمائة رجل كانوا حفاظ القرآن.
(1) في الطبري: رويجل أصيفر أخينس.
(2) أورد الطبري نص كتاب الصلح بين خالد بن الوليد ومجاعة بن مرارة وفيه: هذا ما قاضى عليه خالد بن الوليد مجاعة بن مرارة وسلمة بن عمير وفلانا وفلانا قاضاهم على الصفراء والبيضاء ونصف السبي والحلقة والكراع وحائط من كل قرية ومزرعة على أن يسلموا ثم أنتم آمنون بأمان الله ولكم ذمة خالد بن الوليد وذمة أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وذمم المسلمين على الوفاء.
(3 / 253).
وفي فتوح ابن الاعثم: " على ثلث الكراع وربع السبي " وقد أرسل خالد كتابا إلى أبي بكر بشأن الصلح وفيه: بسم الله الرحمن الرحيم.
لعبد الله بن عثمان خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله من خالد بن الوليد، أما بعد، فإن الله تبارك وتعالى لم يرد بأهل اليمامة إلا ما صاروا إليه، وقد صالحت القوم على شئ من الصفراء والبيضاء وعلى ثلث الكراع وربع السبي ولعل الله تبارك وتعالى أن يجعل عاقبة صلحهم خيرا والسلام.
ورد أبو بكر جواب الكتاب: أما بعد فقد قرأت كتابك، وأما ما ذكرت فيه من صلح القوم.
فأتمم للقوم ما صالحتهم عليه ولا تغدر بهم واجمع الغنائم والسبي وما أفاء الله به عليك من مال بني حنيفة فأخرج من ذلك الخمس ووجه به إلينا ليقسم فيمن حضرنا من المسلمين وأدفع إلى كل ذي حق حقه والسلام (الفتوح 1 / 41).
(*)

(6/358)


فأن تبتغي الكفار غير مسليمة * جنوب فأني تابع الدين مسلم أجاهد إذ كان الجهاد غنيمة * ولله بالمرء المجاهد أعلم وقد قال خليفة بن خياط، ومحمد بن جرير، وخلق من السلف: كانت وقعة اليمامة في سنة إحدى عشرة، وقال ابن قانع: في آخرها، وقال الواقدي وآخرون: كانت في سنة ثنتي عشرة، والجمع بينها أن أبتداءها في سنة إحدى عشرة، والفراغ منها في سنة ثنتي عشرة والله
أعلم * ولما قدمت وفود بني حنيفة على الصديق قال لهم: أسمعونا من قرآن مسيلمة، فقالوا: أو تعفينا يا خليفة رسول الله ؟ فقال: لا بد من ذلك، فقالوا: كان يقول: يا ضفدع بنت الضفدعين نقي لكم نقين، لا الماء تكدرين ولا الشارب تمنعين، رأسك في الماء، وذنبك في الطين (1)، وكان يقول: والمبذرات زرعا، والحاصدات حصدا، والذاريات قمحا، والطاحنات طحنا، والخابزات خبزا، والثاردات ثردا، واللاقمات لقما، إهالة وسمنا، لقد فضلتم على أهل الوبر، وما سبقكم أهل المدر، رفيقكم فامنعوه، والمعتر فآووه، والناعي فواسوه (2)، وذكروا أشياء من هذه الخرافات التي يأنف من قولها الصبيان وهم يلعبون، فيقال: إن الصديق قال لهم: ويحكم، أين كان يذهب بقولكم ؟ إن هذا الكلام لم يخرج من أل، وكان يقول: والفيل وما أدراك ما الفيل، له زلوم طويل، وكان يقول: والليل الدامس، والذئب الهامس، ما قطعت أسد من رطب ولا يابس، وتقدم قوله: لقد أنعم الله على الحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق وحشي، وأشياء من هذا الكلام السخيف الركيك البارد السميج * وقد أورد أبو بكر بن الباقلاني رحمه الله في كتابه إعجاز القرآن أشياء من كلام هؤلاء الجهلة المتنبئين كمسيلمة وطليحة والاسود وسجاح وغيرهم، مما يدل على ضعف عقولهم وعقول من اتبعهم على ضلالهم ومحالهم * وقد روينا عن عمرو بن العاص أنه وفد إلى مسيلمة في أيام جاهليته، فقال له مسيلمة: ماذا أنزل على صاحبكم في هذا الحين ؟ فقال له عمرو: لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغة، فقال: وما هي ؟ قال: أنزل عليه * (والعصر إن الانسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) * قال: ففكر مسيلمة ساعة ثم رفع رأسه فقال: ولقد أنزل علي مثلها، فقال له عمرو: وما هي ؟ فقال مسيلمة: يا وبر يا وبر، إنما أنت ايراد وصدر، وسائرك حفر نقر.
ثم قال: كيف ترى يا عمرو ؟ فقال له عمرو: والله إنك لتعلم أني أعلم أنك تكذب * وذكر علماء التاريخ أنه كان يتشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم، بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بصق في بئر فغزر ماؤه، فبصق في بئر فغاض ماؤه بالكلية: وفي أخرى فصار ماؤه أجاجا، وتوضأ وسقى بوضوئه نخلا فيبست وهلكت، وأتى بولدان يبرك عليهم فجعل يمسح رؤوسهم فمنهم من قرع
رأسه، ومنهم من لثغ لسانه، ويقال: إنه دعا لرجل أصابه وجع في عينيه فمسحهما فعمى * وقال
__________
(1) في الطبري: أعلاك في الماء وأسفلك في الطين.
(2) في الطبري: والباغي فناوئوه.
(*)

(6/359)


سيف بن عمر عن خليد بن زفر النمري، عن عمير بن طلحة عن أبيه أنه جاء إلى اليمامة فقال: أين مسيلمة ؟ فقال: مه رسول الله، فقال: لا حتى أراه، فلما جاء قال: أنت مسيلمة ؟ فقال: نعم.
قال: من يأتيك ؟ قال: رجس (1)، قال: أفي نور أم في ظلمة ؟ فقال: في ظلمة، فقال أشهد أنك كذاب وأن محمدا صادق، ولكن كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر (2)، واتبعه هذا الاعرابي الجلف لعنه الله حتى قتل معه يوم عقربا، لا رحمه الله.
ذكر ردة أهل البحرين وعودهم إلى الاسلام كان من خبرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد بعث العلاء بن الحضرمي إلى ملكها، المنذر بن ساوي العبدي، وأسلم على يديه وأقام فيهم الاسلام والعدل، فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، توفي المنذر بعده بقليل، وكان قد حضر عنده في مرضه عمرو بن العاص، فقال له: يا عمرو هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجعل للمريض شيئا من ماله ؟ قال: نعم، الثلث، قال: ماذا أصنع به ؟ قال: إن شئت تصدقت به على أقربائك، وإن شئت على المحاويج، وإن شئت جعلته صدقة من بعدك حبسا محرما، فقال: إني أكره أن أجعله كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام، ولكني أتصدق به، ففعل، ومات فكان عمرو بن العاص يتعجب منه، فلما مات المنذر ارتد أهل البحرين وملكوا عليهم الغرور، وهو المنذر بن النعمان بن المنذر.
وقال قائلهم: لو كان محمد نبيا ما مات، ولم يبق بها بلدة على الثبات سوى قرية يقال لها جواثا، كانت أول قرية أقامت الجمعة من أهل الردة كما ثبت ذلك في البخاري عن ابن عباس، وقد حاصرهم المرتدون وضيقوا عليهم، حتى منعوا من الاقوات وجاعوا جوعا شديدا حتى فرج الله، وقد قال رجل منهم يقال له عبد الله بن حذف، أحد بني بكر بن كلاب، وقد اشتد عليه الجوع: -
ألا أبلغ أبا بكر رسولا * وفتيان المدينة أجمعينا فهل لكم إلى قوم كرام * قعود في جواثا محصرينا كأن دماءهم في كل فج * شعاع الشمس يغشى الناظرينا توكلنا على الرحمن إنا * قد وجدنا الصبر للمتوكلينا (3) وقد قام فيهم رجل من أشرافهم، وهو الجارود بن المعلى - وكان ممن هاجروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - خطيبا وقد جمعهم فقال: يا معشر عبد القيس، إني سائلكم عن أمر فأخبروني إن علمتوه، ولا تجيبوني إن لم تعلموه، فقالوا: سل، قال: أتعلمون أنه كان لله أنبياء قبل محمد ؟ قالوا: نعم، قال: تعلمونه أم ترونه ؟ قالوا: نعلمه، قال: فما فعلوا ؟ قالوا: ماتوا، قال:
__________
(1) في الطبري: " رحمن ".
(2) في رواية الكلبي: ولكن كذاب ربيعة أحب إلي من كذاب مضر.
(3) في الكامل لابن الاثير: " النصر " بدل " الصبر ".
(*)

(6/360)


فإن محمدا صلى الله عليه وسلم مات كما ماتوا وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فقالوا: ونحن أيضا نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأنت أفضلنا وسيدنا، وثبتوا على إسلامهم، وتركوا بقية الناس فيما هم فيه، وبعث الصديق رضي الله عنه كما قدمنا إليهم العلاء بن الحضرمي، فلما دنا من البحرين جاء إليه ثمامة بن أثال في محفل كبير، وجاء كل أمراء تلك النواحي فانضافوا إلى جيش العلاء بن الحضرمي، فأكرمهم العلاء وترحب بهم وأحسن إليهم، وقد كان العلاء من سادات الصحابة العلماء العباد مجابي الدعوة، اتفق له في هذه الغزوة أنه نزل منزلا فلم يستقر الناس على الارض حتى نفرت الابل بما عليها من زاد الجيش وخيامهم وشرابهم، وبقوا على الارض ليس معهم شئ سوى ثيابهم - وذلك ليلا - ولم يقدروا منها على بعير واحد، فركب الناس من الهم والغم مالا يحد ولا يوصف، وجعل بعضهم يوصي إلى بعض، فنادى منادي العلاء فاجتمع الناس إليه، فقال: أيها الناس ألستم المسلمين ؟ ألستم في سبيل الله ؟
ألستم أنصار الله ؟ قالوا: بلى، قال: فأبشروا فوالله لا يخذل الله من كان في مثل حالكم، ونودي بصلاة الصبح حين طلع الفجر فصلى بالناس، فلما قضى الصلاة جثا على ركبتيه وجثا الناس، ونصب في الدعاء ورفع يديه وفعل الناس مثله حتى طلعت الشمس، وجعل الناس ينظرون إلى سراب الشمس يلمع مرة بعد أخرى وهو يجتهد في الدعاء فلما بلغ الثالثة إذا قد خلق الله إلى جانبهم غديرا عظيما من الماء القراح، فمشى الناس إليه فشربوا واغتسلوا، فما تعالى النهار حتى أقبلت الابل من كل فج بما عليها، لم يفقد الناس من أمتعتهم سلكا، فسقوا الابل عللا بعد نهل.
فكان هذا مما عاين الناس من آيات الله بهذه السرية، ثم لما اقترب من جيوش المرتدة - وقد حشدوا وجمعوا خلقا عظيما - نزل ونزلوا، وباتوا متجاورين في المنازل، فبينما المسلمون في الليل إذ سمع العلاء أصواتا عالية في جيش المرتدين، فقال: من رجل يكشف لنا خبر هؤلاء ؟ فقام عبد الله بن حذف فدخل فيهم فوجدهم سكارى لا يعقلون من الشراب، فرجع إليه فأخبره، فركب العلاء من فوره والجيش معه فكبسوا أولئك فقتلوهم قتلا عظيما، وقل من هرب منهم، واستولى على جميع أموالهم وحواصلهم وأثقالهم، فكانت غنيمة عظيمة جسيمة، وكان الحطم بن ضبيعة أخو بني قيس بن ثعلبة من سادات القوم نائما، فقام دهشا حين اقتحم المسلمون عليهم فركب جواده فانقطع ركابه فجعل يقول: من يصلح لي ركابي ؟ فجاء رجل (1) من المسلمين في الليل فقال: أن أصلحها لك، ارفع رجلك، فلما رفعها ضربه بالسيف فقطعها مع قدمه، فقال له: أجهز علي، فقال: لا أفعل، فوقع صريعا كلما مر به أحد يسأله أن يقتله فيأبى، حتى مر به قيس بن عاصم فقال له: أنا الحطم فاقتلني فقتله، فلما وجد رجله مقطوعة ندم على قتله وقال: واسوأتاه، لو أعلم ما به لم أحركه، ثم ركب المسلمون في آثار المنهزمين، يقتلونهم بكل مرصد وطريق، وذهب من فر منهم أو أكثرهم في البحر إلى دارين ركبوا إليها السفن، ثم شرع العلاء بن
__________
(1) كما في الطبري.
واسمه عفيف بن المنذر أحد بني عمرو بن تميم.
(*)

(6/361)


الحضرمي في قسم الغنيمة ونقل الاثقال وفرغ من ذلك وقال للمسلمين: اذهبوا بنا إلى دارين
لنغزو من بها من الاعداء، فأجابوا إلى ذلك سريعا، فاسر بهم حتى أتى ساحل البحر ليركبوا في السفن، فرأى أن الشقة بعيدة لا يصلون إليهم في السفن حتى يذهب أعداء الله، فاقتحم البحر بفرسه وهو يقول: يا أرحم الراحمين، يا حكيم يا كريم، يا أحد يا صمد، يا حيي يا محي، يا قيوم يا ذا الجلال والاكرام لا إله إلا أنت يا ربنا.
وأمر الجيش أن يقولوا ذلك ويقتحموا، ففعلوا ذلك فأجاز بهم الخليج بإذن الله يمشون على مثل رملة دمثة (1) فوقها ماء لا يغمر أخفاف الابل، ولا يصل إلى ركب الخيل، ومسيرته للسفن يوم وليلة، فقطعه إلى الساحل الآخر فقاتل عدوه وقهرهم واحتاز غنائمهم ثم رجع فقطعه إلى الجانب الآخر فعاد إلى موضعه الاول، وذلك كله في يوم، ولم يترك من العدو مخبرا، واستاق الذراري والانعام والاموال، ولم يفقد المسلمون في البحر شيئا سوى عليقة فرس لرجل من الملسمين ومع هذا رجع العلاء فجاءه بها، ثم قسم غنائم المسلمين فيهم، فأصاب الفارس ألفين والراجل ألفا (2)، مع كثرة الجيش، وكتب إلى الصديق فأعلمه بذلك، فبعث الصديق يشكره على ما صنع، وقد قال رجل من المسلمين في مرورهم في البحر، وهو عفيف بن المنذر: ألم تر أن الله ذلل بحره * وأنزل بالكفار إحدى الجلائل دعونا إلى شق البحار فجاءنا * بأعجب من فلق البحار الاوائل وقد ذكر سيف بن عمر التميمي أنه كان مع المسلمين في هذه المواقف والمشاهد التي رأوها من أمر العلاء، وما أجرى الله على يديه من الكرامات، رجل من أهل هجر راهب فأسلم حينئذ، فقيل له: ما دعاك إلى الاسلام ؟ فقال: خشيت إن لم أفعل أن يمسخني الله (3)، لما شاهدت من الآيات، قال: وقد سمعت في الهواء وقت السحر دعاء، قالوا: وما هو ؟ قال: اللهم أنت الرحمن الرحيم، لا إله غيرك والبديع ليس قبلك شئ، والدائم غير الغافل، والذي لا يموت (4)، وخالق ما يرى وما لا يرى، وكل يوم أنت في شأن، وعلمت اللهم كل شئ علما، قال: فعلمت أن القوم لم يعانوا بالملائكة إلا وهم على أمر الله، قال: فحسن إسلامه وكان الصحابة يسمعون منه.
__________
(1) في الطبري: ميثاء.
(2) في الطبري: للفارس ستة الآف والراجل الفين.
(3) في الطبري والكامل: ثلاثة أشياء خشيت أن يمسخني الله بعدها إن أنا لم أفعل: فيض في الرمال، وتمهيد أثباج البحر، ودعاء سمعته في عسكرهم...(4) في الطبري: والحي الذي لا يموت.
(*)

(6/362)


ذكر ردة أهل عمان ومهرة اليمن أما أهل عمان فنبغ فيهم رجل يقال له: ذو التاج، لقيط بن مالك الازدي، وكان يسمى في الجاهلية الجلندي، فادعى النبوة أيضا، وتابعه الجهلة من أهل عمان، فتغلب عليها وقهر جيفرا وعبادا وألجأهما إلى أطرافها، من نواحي الجبال والبحر، فبعث جيفر إلى الصديق فأخبره الخبر واستجاشه، فبعث إليه الصديق بأميرين وهما حذيفة بن محصن الحميري، وعرفجة البارقي من الازد، حذيفة إلى عمان، وعرفجة إلى مهرة، وأمرهما أن يجتمعا ويتفقا ويبتدئا بعمان، وحذيفة هو الامير، فإذا ساروا إلى بلاد مهرة فعرفجة الامير * وقد قدمنا أن عكرمة بن أبي جهل لما بعثه الصديق إلى مسيلمة وأتبعه بشرحبيل بن حسنة، عجل عكرمة وناهض مسيلمة قبل مجئ شرحبيل ليفوز بالظفر وحده، فناله من مسيلمة قرح والذين معه، فتقهقر حتى جاء خالد بن الوليد، فقهر مسيلمة كما تقدم، وكتب إليه الصديق يلومه على تسرعه، قال: لا أرينك ولا أسمعن بك إلا بعد بلاء، وأمره أن يلحق بحذيفة وعرفجة إلى عمان، وكل منكم أمير على جيشه وحذيفة ما دمتم بعمان فهو أمير الناس، فإذا فرغتم فاذهبوا إلى مهرة، فإذا فرغتم منها فاذهب إلى اليمن وحضرموت فكن مع المهاجر بن أبي أمية، ومن لقيته من المرتدة بين عمان إلى حضرموت واليمن فنكل به، فسار عكرمة لما أمره به الصديق، فلحق حذيفة وعرفجة قبل أن يصلا إلى عمان، وقد كتب إليهما الصديق أن ينتهيا إلى رأي عكرمة بعد الفراغ من السير من عمان أو المقام بها، فساروا فلما اقتربوا من عمان راسلوا جيفرا، وبلغ لقيط بن مالك مجئ الجيش، فخرج في
جموعه فعسكر بمكان يقال له: دبا، وهي مصر تلك البلاد وسوقها العظمى، وجعل الذراري والاموال وراء ظهورهم، ليكون أقوى لحربهم، واجتمع جيفر وعباد بمكان ويقال له صحار، فعسكرا به وبعثا إلى أمراء الصديق فقدموا على المسلمين، فتقابل الجيشان هنالك، وتقاتلوا قتالا شديدا، وابتلى المسلمون وكادوا أن يولوا، فمن الله بكرمه ولطفه أن بعث إليهم مددا، في الساعة الراهنة من بني ناجية وعبد القيس، في جماعة من الامراء (1)، فلما وصلوا إليهم كان الفتح والنصر، فولى المشركون مدبرين، وركب المسلمون ظهورهم فقتلوا منهم عشرة آلاف مقاتل وسبوا الذراري وأخذوا الاموال والسوق بحذافيرها، وبعثوا بالخمس إلى الصديق رضي الله عنه مع أحد الامراء، وهو عرفجة، ثم رجع إلى أصحابه.
وأما مهرة فإنهم لما فرغوا من عمان كما ذكرنا، سار عكرمة بالناس إلى بلاد مهرة، بمن معه من الجيوش ومن أضيف إليها، حتى اقتحم على مهرة بلادها، فوجدهم جندين على أحدهما - وهم الاكثر - أمير يقال له: المصبح، أحد بني محارب، وعلى الجند الآخر أمير يقال له: شخريت، وهما مختلفان، وكان هذا الاختلاف رحمة على المؤمنين فراسل عكرمة شخريت فأجابه وانضاف إلى عكرمة فقوي بذلك المسلمون، وضعف
__________
(1) في الطبري والكامل: على بني ناجية الخريت بن راشد.
وعلى عبد القيس سيحان بن صوحان.
(*)

(6/363)


جأش المصبح، فبعث إليه عكرمة يدعوه إلى الله وإلى السمع والطاعة، فاغتر بكثرة من معه ومخالفة لشخريت، فتمادى على طغيانه فسار إليه عكرمة بمن معه من الجنود فاقتتلوا مع المصبح أشد من قتال دبا المتقدم، ثم فتح الله بالظفر والنصر، ففر المشركون وقتل المصبح، وقتل خلق كثير من قومه، وغنم المسلمون أموالهم، فكان في جملة ما غنموا ألفا نجيبة فخمس عكرمة ذلك كله وبعث بخمسة إلى الصديق مع شخريت، وأخبره بما فتح الله عليه، والبشارة مع رجل يقال له: السائب، من بني عابد من مخزوم، وقد قال في ذلك رجل يقال له علجوم [ المحاربي ]: جزي الله شخريتا وأفناء هاشما * وفرضم إذ سارت إلينا الحلائب جزاء مسئ لم يراقب لذمة * ولم يرجها فيما يرجى الاقارب
أعكرم لولا جمع قومي وفعلهم * لضاقت عليكم بالفضاء المذاهب وكنا كمن اقتاد كفا بأختها * وحلت علينا في الدهور النوائب وأما أهل اليمن فقد قدمنا أن الاسود العنسي لعنه الله لما نبغ باليمن، أضل خلقا كثيرا من ضعفاء العقول والاديان حتى ارتد كثير منهم أو أكثرهم عن الاسلام، وأنه لما قتله الامراء الثلاثة قيس بن مكشوح وفيروز الديلمي، وداذويه، وكان ما قدمنا ذكره، ولما بلغهم موت رسول الله صلى الله عليه وسلم ازداد بعض أهل اليمن فيما كانوا فيه من الحيرة والشك، أجارنا الله من ذلك، وطمع قيس بن مكشوح في الامرة باليمن، فعمل لذلك، وارتد عن الاسلام وتابعه عوام أهل اليمن، وكتب الصديق إلى الامراء والرؤساء (1)، من أهل اليمن أن يكونوا [ عونا إلى ] فيروز والابناء على قيس بن مكشوح حتى تأتيهم جنوده سريعا، وحرص قيس على قتل الاميرين الاخيرين، فلم يقدر إلا على داذويه، واحترز منه فيروز الديلمي، وذلك أنه عمل طعاما وأرسل إلى داذويه أولا، فلما جاءه عجل عليه فقتله، ثم أرسل إلى فيروز ليحضر عنده فلما كان ببعض الطريق سمع امرأة تقول لاخرى: وهذا أيضا والله مقتول كما قتل صاحبه، فرجع من الطريق وأخبر أصحابه بقتل داذويه، وخرج إلى أخواله خولان فتحصن عندهم وساعدته عقيل، وعك وخلق، وعمد قيس إلى ذراري فيروز وداذويه والابناء فأجلاهم عن اليمن، وأرسل طائفة في البر وطائفة في البحر فاحتد فيروز فخرج في خلق كثير، فتصادف هو وقيس فاقتتلوا قتالا شديدا فهزم قيسا وجنده من العوام، وبقية جند الاسود العنسى، فهزموا في كل وجه وأسر قيس وعمرو بن معدي كرب، وكان عمرو قد ارتد أيضا، وبايع الاسود العنسي، وبعث بهما المهاجر بن أبي أمية إلى أبي بكر أسيرين، فعنفهما وأنبهما، فاعتذرا إليه فقبل منهما علانيتهما، ووكل سرائرهما إلى الله عز وجل، وأطلق سراحهما وردهما إلى قومهما، ورجعت عمال رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كانوا باليمن إلى أماكنهم التي كانوا عليها في حياته عليه السلام بعد حروب طويلة، لو استقصينا إيرادها لطال ذكرها،
__________
(1) في الطبري والكامل: كتب أبو بكر: إلى عمر ذي مران وإلى سعيد ذي زود وإلى سميفع ذي الكلاع وحوشب ذي ظليم وإلى شهر ذي يناف...(*)

(6/364)


وملخصها أنه ما من ناحية من جزيرة العرب إلا وحصل في أهلها ردة لبعض الناس، فبعث الصديق إليهم جيوشا وأمراء يكونون عونا لمن في تلك الناحية من المؤمنين فلا يتواجه المشركون والمؤمنون في موطن من تلك المواطن إلا غلب جيش الصديق لمن هناك من المرتدين، ولله الحمد والمنة، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وغنموا مغانم كثيرة، فيتقوون بذلك على من هنالك، ويبعثون بأخماس ما يغنمون إلى الصديق فينفقه في الناس فيحصل لهم قوة أيضا ويستعدون به على قتال من يريدون قتالهم من الاعاجم والروم، على ما سيأتي تفصيله * ولم يزل الامر كذلك حتى لم يبق بجزيرة العرب إلا أهل طاعة لله ولرسوله، وأهل ذمة من الصديق، كأهل نجران وما جرى مجراهم، ولله الحمد، وعامة ما وقع من هذه الحروب كان في أواخر سنة إحدى عشرة وأوائل سنة إثنتي عشرة * ولنذكر بعد إيراد هذه الحوادث من توفي في هذه السنة من الاعيان والمشاهير وبالله المستعان، وفيها رجع معاذ بن جبل من اليمن.
وفيها استبقى (1)، أبو بكر الصديق عمر بن الخطاب رضي الله عنهما.
ذكر من توفي في هذه السنة أعني سنة إحدى عشرة من الاعيان والمشاهير وذكرنا معهم من قتل باليمامة لانها كانت في سنة إحدى عشرة على قول بعضهم، وإن كان المشهور أنها في ربيع سنة ثنتي عشرة * توفي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد بن عبد الله سيد ولد آدم في الدنيا والآخرة، وذلك في ربيعها الاول يوم الاثنين ثاني عشره على المشهور، كما قدمنا بيانه، وبعده بستة أشهر على الاشهر، توفيت ابنته فاطمة رضي الله عنها، وتكنى بأم أبيها، وقد كان صلوات الله وسلامه عليه عهد إليها أنها أول أهله لحوقا به، وقال لها مع ذلك: أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة ؟ وكانت أصغر بنات النبي صلى الله عليه وسلم على المشهور ولم يبق بعده سواها، فلهذا عظم أجرها لانها أصيبت به عليه السلام ويقال إنها كانت توأما لعبد الله ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس له عليه السلام نسل إلا من جهتها، قال الزبير بن بكار: وقد روي أنه عليه السلام ليلة زفاف علي على فاطمة توضأ وصب عليه وعلى فاطمة
ودعا لهما أن يبارك في نسلهما، وقد تزوجها ابن عمها علي بن أبي طالب بعد الهجرة، وذلك بعد بدر وقيل بعد أحد، وقيل بعد تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة بأربعة أشهر ونصف، وبنى بها بعد ذلك بسبعة أشهر ونصف، فأصدقها درعه الحطمية وقيمتها أربعمائة درهم، وكان عمرها إذ ذاك خمس عشرة (2) سنة وخمسة أشهر، وكان علي أسن منها بست سنين.
وقد وردت أحاديث موضوعة في تزويج علي بفاطمة لم نذكرها رغبة عنها * فولدت له حسنا وحسينا ومحسنا وأم كلثوم - التي تزوج بها عمر بن الخطاب بعد ذلك - وقد قال الامام أحمد: حدثنا عفان، أنا عطاء بن السائب عن أبيه عن
__________
(1) في الطبري: استقضى، فكان عمر على القضاء أيام خلافته كلها.
(2) قال الواقدي: ثماني عشرة سنة (طبقات ابن سعد 8 / 22).
(*)

(6/365)


علي أن رسول الله لما زوجه فاطمة بعث معها بخميلة ووسادة من أدم حشوها ليف، ورحى وسقاء وجرتين، قال علي لفاطمة ذات يوم: والله لقد سنوت حتى لقد اشتكيت صدري، وقد جاء الله أباك بسبي فاذهبي فاستخدميه، فقالت: وأنا والله لقد طحنت حتى محلت يداي، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما جاء بك أي بنية ؟ قالت جئت لاسلم عليك - واستحيت أن تسأله - ورجعت، فقال: ما فعلت ؟ قالت: استحييت أن أسأله، فأتياه جميعا فقال علي: يا رسول الله والله لقد سنوت حتى اشتكيت صدري، وقالت فاطمة: لقد طحنت حتى محلت يداي، وقد جاءك الله بسبي وسعة فأخدمنا، فقال: والله لا أعطيكما وأدع أهل الصفة تطوي بطونهم لا أجد ما أنفق عليهم (1)، فرجعا فأتاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد دخلا في قطيفتهما إذا غطت رؤوسهما تكشفت أقدامهما وإذا غطت أقدامهما تكشفت رؤوسهما، فثارا، فقال: مكانكما، ثم قال: ألا أخبركما بخير مما سألتماني ؟ قالا: بلى، قال، كلمات علمنيهن جبريل تسبحان الله في دبر كل صلاة عشرا، وتحمدان عشرا، وتكبران عشرا، وإذا آويتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثا وثلاثين، واحمدا ثلاثا وثلاثين وكبرا أربعا وثلاثين قال فوالله ما تركتهن منذ علمنيهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فقال له ابن الكوا: ولا ليلة صفين ؟ فقال: قاتلكم الله يا أهل العراق، نعم ولا ليلة صفين (2) * وآخر هذا
الحديث ثابت في الصحيحين من غير هذا الوجه، فقد كانت فاطمة صابرة مع علي على جهد العيش وضيقه، ولم يتزوج عليها حتى ماتت، ولكنه أراد أن يتزوج في وقت بدرة بنت أبي جهل، فأنف رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك وخطب الناس فقال: لا أحرم حلالا ولا أحل حراما، وإن فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها، وإني أخشى أن تفتن عن دمها، ولكن إني أحب ابن أبي طالب أن يطلقها ويتزوج بنت أبي جهل فإنه والله لا تجتمع بنت نبي الله وبنت عدو الله تحت رجل واحد أبدا، قال: فترك علي الخطبة * ولما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم سألت من أبي بكر الميراث فأخبرها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا نورث ما تركنا فهو صدقة، فسألت أن يكون زوجها ناظرا على هذه الصدقة فأبى ذلك وقال: إني أعول من كان رسول الله يعول، وإني أخشى إن تركت شيئا مما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله أن أضل، ووالله لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي أن أصل من قرابتي، فكأنها وجدت في نفسها من ذلك، فلم تزل تبغضه مدة حياتها، فلما مرضت جاءها الصديق فدخل عليها فجعل يترضاها وقال: والله ما تركت الدار والمال والاهل والعشيرة إلا ابتغاء مرضاة الله ومرضاة رسوله ومرضاتكم أهل البيت، فرضيت رضي الله عنهما * رواه البيهقي من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي، ثم قال: وهذا مرسل حسن بأسناد صحيح * ولما حضرتها الوفاة أوصت إلى أسماء بنت عميس - امرأة الصديق - أن تغسلها فغسلتها هي وعلي بن أبي طالب وسلمى أم رافع، قيل والعباس بن عبد المطلب، وما روي من أنها اغتسلت قبل وفاتها وأوصت أن
__________
(1) زاد ابن سعد: ولكني أبيعهم وأنفق عليهم أثمانهم.
(2) أخرجه الامام أحمد في مسنده 1 / 106 ورواه ابن سعد في الطبقات 8 / 25.
(*)

(6/366)


لا تغسل بعد ذلك فضعيف لا يعول عليه والله أعلم * وكان الذي صلى عليها زوجها علي، وقيل عمها العباس، وقيل أبو بكر الصديق فالله أعلم، ودفنت ليلا وذلك ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من رمضان سنة إحدى عشرة وقيل إنها توفيت بعده عليه السلام بشهرين، وقيل بسبعين يوما، وقيل بخمسة وسبعين يوما، وقيل بثلاثة أشهر، وقيل بثمانية أشهر، والصحيح ما ثبت في الصحيح
من طريق الزهري عن عروة عن عائشة أن فاطمة عاشت بعد النبي صلى الله عليه وسلم ستة أشهر، ودفنت ليلا، ويقال إنها لم تضحك في مدة بقائها بعده عليه السلام، وأنها كانت تذوب من حزنها عليه، وشوقها إليه * واختلف في مقدار سنها يومئذ فقيل سبع وقيل ثمان وقيل تسع وعشرون، وقيل ثلاثون، وقيل خمس وثلاثون سنة، وهذا بعيد وما قبله أقرب منه والله أعلم * ودفنت بالبقيع وهي أول من ستر سريرها، وقد ثبت في الصحيح أن عليا كان له فرجة من الناس حياة فاطمة، فلما ماتت التمس مبايعة الصديق فبايعه كما هو مروي في البخاري، وهذه البيعة لازالة ما كان وقع من وحشة حصلت بسبب الميراث ولا ينفي ما ثبت من البيعة المتقدمة عليها كما قررنا والله أعلم * وممن توفي هذه السنة أم أيمن بركة بنت ثعلبة بن عمرو بن حصين بن (1) مالك بن سلمة بن عمرو بن النعمان مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورثها من أبيه، وقيل من أمه، وحضنته وهو صغير، وكذلك بعد ذلك وقد شربت بوله فقال لها: لقد احتضرت بحضار من النار (2)، وقد أعتقها وزوجها عبيدا فولدت منه ابنها أيمن فعرفت به، ثم تزوجها زيد بن حارثة، مولى رسول الله، فولدت أسامة بن زيد، وقد هاجرت الهجرتين إلى الحبشة والمدينة وكانت من الصالحات، وكان عليه السلام يزورها في بيتها ويقول: هي أمي بعد أمي، وكذلك كان أبو بكر وعمر يزورانها في بيتها، كما تقدم ذلك في ذكر الموالي وقد توفيت بعده عليه السلام بخمسة أشهر وقيل بستة أشهر (3).
ومنهم ثابت بن أقرم بن ثعلبة ابن عدي بن العجلان البلوي حليف الانصار شهد بدرا وما بعدها، وكان ممن حضر مؤتة، فلما قتل عبد الله بن رواحة دفعت الراية إليه فسلمها لخالد بن الوليد، وقال: أنت أعلم
__________
(1) في الاصابة والاستيعاب: حصن.
(2) شكك ابن عبد البر في انها أم ايمن وقال: أظن بركة هذه هي بركة بنت يسار مولاة أبي سفيان بن حرب (الاستيعاب على هامش الاصابة: ج 4 / 251).
(3) وقال الواقدي ماتت في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه، ويؤيده حديث طارق أنها قالت بعد مقتل عمر:
اليوم وهي الاسلام، وقال ابن منده: توفيت بعد عمر بعشرين يوما.
(*)

(6/367)


بالقتال مني، وقد تقدم أن طليحة الاسدي قتله وقتل معه عكاشة بن محصن وذلك حين يقول طليحة: عشية غادرت ابن أقرم ساويا * وعكاشة الغنمي تحت مجال وذلك في سنة إحدى عشرة، وقيل سنة ثنتي عشرة، وعن عروة أنه قتل في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وهذا غريب، والصحيح الاول والله أعلم * ومنهم ثابت بن قيس بن شماس الانصاري الخزرجي أبو محمد خطيب الانصار ويقال له أيضا خطيب النبي صلى الله عليه وسلم وقد ثبت عنه عليه السلام أنه بشره بالشهادة، وقد تقدم الحديث في دلائل النبوة، فقتل يوم اليمامة شهيدا، وكانت راية الانصار يومئذ بيده * وروى الترمذي بأسناد على شرط مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله قال: نعم الرجل ثابت بن قيس بن شماس، وقال أبو القاسم الطبراني: ثنا أحمد بن المعلى الدمشقي: ثنا سليمان بن عبد الرحمن، ثنا الوليد بن مسلم، حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن عطاء الخراساني قال: قدمت المدينة فسألت عمن يحدثني بحديث ثابت بن قيس بن شماس، فأرشدوني إلى ابنته، فسألتها فقالت: سمعت أبي يقول: لما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم * (إن الله لا يحب كل مختال فخور) * اشتدت على ثابت وغلق عليه بابه، وطفق يبكي فأخبر رسول الله فسأله فأخبره بما كبر عليه منها، وقال: أنا رجل أحب الجمال: وأنا أسود قومي، فقال: إنك لست منهم، بل تعيش بخير وتموت بخير، ويدخلك الله الجنة، فلما أنزل على رسول الله * (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول) * [ الحجرات: 2 ] فعل مثل ذلك فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليه فأخبره بما كبر عليه منها، وأنه جهير الصوت، وأنه يتخوف أن يكون ممن حبط عمله، فقال: إنك لست منهم، بل تعيش حميدا وتقتل شهيدا ويدخلك الله الجنة، فلما استنفر أبو بكر المسلمين إلى أهل الردة واليمامة ومسيلمة الكذاب، سار ثابت فيمن
سار: فلما لقوا مسيلمة وبني حنيفة هزموا المسلمين ثلاث مرات، فقال ثابت وسالم مولى أبي حذيفة: ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلا لانفسهما حفرة فدخلا فيها فقاتلا حتى قتلا، قالت: ورأى رجل من المسلمين ثابت بن قيس في منامه فقال: إني لما قتلت بالامس مر بي رجل من المسلمين فانترع مني درعا نفيسة ومنزله في أقصى العسكر وعند منزله فرس بتن (1) في طوله، وقد أكفأ على الدرع برمة، وجعل فوق البرمة رحلا، وائت خالد بن الوليد فليبعث إلي درعي فليأخذها، فإذا قدمت على خليفة وسول الله فأعلمه أن علي من الدين كذا ولي من المال كذا وفلان من رقيقي عتيق، وإياك أن تقول: هذا حلم فتضيعه، قال: فأتى خالدا فوجه إلى الدرع فوجدها كما ذكر، وقدم على أبي بكر فأخبره فأنفذ أبو بكر وصيته بعد موته فلا نعلم أحدا جازت
__________
(1) في رواية البيهقي: يستن.
(*)

(6/368)


وصيته بعد موته إلا ثابت بن قيس بن شماس (1) * ولهذا الحديث وهذه القصة شواهد أخر، والحديث المتعلق بقوله: لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي، في صحيح مسلم عن أنس (2) * وقال حماد بن مسلمة: عن ثابت عن أنس أن ثابت بن قيس بن شماس، جاء يوم اليمامة وقد تحنط ونشر أكفانه وقال (3): اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء، فقتل وكانت له درع فسرقت فرآه رجل فيما يرى النائم فقال: أن درعي في قدر تحت الكانون في مكان كذا وكذا وأوصاه بوصايا، فطلبوا الدرع فوجدوها وأنفذوا الوصايا (4)، رواه الطبراني أيضا * ومنهم حزن بن أبي وهب ابن عمرو بن عامر بن عمران المخزومي، له هجرة ويقال: أسلم عام الفتح، وهو جد سعيد بن المسيب أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسميه سهلا فامتنع وقال: لا أغير اسما سمانيه أبواي، فلم تزل الحزونة فينا.
استشهد يوم اليمامة وقتل معه أيضا ابناه عبد الرحمن ووهب، وابن ابنه حكيم بن وهب بن حزن.
وممن استشهد في هذه السنة داذويه الفارسي أحد أمراء اليمن الذين
قتلوا الاسود العنسي، قتله غيلة قيس بن مكشوح حين ارتد قبل أن يرجع قيس إلى الاسلام فلما عنفه الصديق على قتله أنكر ذلك فقبل علانيته وإسلامه.
ومنهم زيد بن الخطاب ابن نفيل القرشي العدوي أبو محمد، وهو أخو عمر بن الخطاب لابيه، وكان زيدا أكبر من عمر، أسلم قديما، وشهد بدرا، وما بعدها وقد آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين معن بن عدي الانصاري وقد قتلا جميعا باليمامة، وقد كانت راية المهاجرين يومئذ بيده، فلم يزل يتقدم بها حتى قتل فسقطت، فأخذها سالم مولى أبي حذيفة، وقد قتل زيد يومئذ الرجال بن عنفوة، واسمه نهار، وكان الرجال هذا قد أسلم وقرأ البقرة ثم ارتد ورجع فصدق مسيلمة وشهد له بالرسالة، فحصل به فتنة عظيمة، فكانت وفاته على يد زيد رضي الله عن زيد ثم قتل زيدا رجل يقال له أبو مريم الحنفي، وقد أسلم بعد ذلك وقال لعمر: يا أمير المؤمنين إن الله أكرم زيدا بيدي ولم يهني
__________
(1) رواه الحاكم في المستدرك 3 / 235 والهيثمي في الزوائد 9 / 322 وقال: رواه الطبراني وبنت ثابت بن قيس لم أعرفها، وبقية رجالة ثقات.
(2) صحيح مسلم كتاب الايمان باب (25) ح (187) ص 1 / 110.
(3) في المستدرك: وقال: بعد أن انهزم أصحابه...(4) رواه الحاكم في المستدرك 3 / 234 وقال: " صحيح " ووافقه الذهبي، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 9 / 322.
(*)

(6/369)


على يده، وقيل: إنما قتله سلمة بن صبيح ابن عم أبي مريم هذا، ورجحه أبو عمر وقال: لان عمر استقضى أبا مريم، وهذا لا يدل على نفي ما تقدم والله أعلم * وقد قال عمر لما بلغه مقتل زيد بن الخطاب: سبقني إلى الحسنيين أسلم قبلي، واستشهد قبلي، وقال لمتمم بن نويرة حين جعل يرثي أخاه مالكا بتلك الابيات المتقدم ذكرها: لو كنت أحسن الشعر لقلت كما قلت، فقال له متمم: لو أن أخي ذهب على ما ذهب عليه أخوك ما حزنت عليه، فقال له عمر: ما عزاني
أحد بمثل ما عزيتني به، ومع هذا كان عمر يقول ما هبت الصبا إلا ذكرتني زيد بن الخطاب، رضي الله عنه.
ومنهم سالم بن عبيد ويقال: ابن يعمل (1) مولى أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وإنما كان معتقا لزوجته ثبيتة بنت يعاد (2) وقد تبناه أبو حنيفة وزوجه بابنة أخيه فاطمة بنت الوليد بن عتبة، فلما أنزل الله * (ادعوهم لآبائهم) * جاءت امرأة أبي حذيفة سهلة بنت سهيل بن عمرو فقالت: يا رسول الله إن سالما يدخل علي وأنا غفل، فأمرها أن ترضعه فأرضعته فكان يدخل عليها بتلك الرضاعة، وكان من سادات المسلمين، أسلم قديما وهاجر إلى المدينة قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان يصلي بمن بها من المهاجرين، وفيهم عمر بن الخطاب لكثرة حفظه القرآن، وشهد بدرا وما بعدها وهو أحد الاربعة الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: اسقرئوا القرآن من أربعة (3)، فذكر منهم سالما مولى أبي حذيفة، وروي عن عمر أنه قال لما أحتضر: لو كان سالما حيا لما جعلتها شورى، قال أبو عمر بن عبد البر: معناه أنه كان يصدر عن رأيه فيمن يوليه الخلافة.
ولما أخذ الراية يوم اليمامة بعد مقتل زيد بن الخطاب قال له المهاجرون: أتخشى أن نؤتى من قبلك ؟ فقال: بئس حامل القرآن أنا إذا.
انقطعت يده اليمنى فأخذها بيساره، فقطعت فاحتضنها وهو يقول * (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل) * * (وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير) * فلما صرع قال لاصحابه: ما فعل أبو حذيفة ؟ قالوا: قتل، قال: فما فعل فلان ؟ قالوا: قتل، قال: فأضجعوني بينهما.
وقد بعث عمر بميراثه إلى مولاته التي أعتقته " بثينة " فردته وقالت: إنما اعتقته سائبة، فجعله عمر في بيت المال (4).
__________
(1) قال ابن عبد البر: ابن يعقل.
(2) قال ابن حبان يقال لها ليلى ويقال: بثينة بنت يعار وقيل سلمى بنت حطمة.
وقال في الاستيعاب: كان عبدا لثبيتة بنت يعار بن زيد ين عبيد بن زيد الانصاري من الاوس.
(3) أخرجه البخاري ومسلم والنسائي والترمذي من طريق مسروق عن عبد الله بن عمرو رفعه: خذوا القرآن من أربعة ابن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل.
(4) قال ابن سعد: أن عمرا أعطى ميراثه لامه.
وقال في الاستيعاب: أن وفاته كانت في سنة اثنتي عشرة يوم اليمامة.
(*)

(6/370)


ومنهم أبو دجانة سماك بن خرشة ويقال سماك بن أوس بن خرشة بن لوذان بن عبدود بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الانصاري الخزرجي.
شهد بدرا وأبلى يوم أحد، وقاتل شديدا وأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ سيفا فأعطاه حقه وكان يتبختر عند الحرب، فقال عليه السلام: إن هذه لمشية يبغضها الله، إلا في هذا الموطن.
وكان يعصب رأسه بعصابة حمراء، شعارا له بالشجاعة.
وشهد اليمامة ويقال إنه ممن اقتحم على بني حنيفة يومئذ الحديقة فانكسرت رجله، فلم يزل يقاتل حتى قتل يومئذ.
وقد قتل مسيلمة مع وحشي بن حرب رماه وحشي بالحربة وعلاه أبو دجانة بالسيف، قال وحشي: فربك أعلم أينا قتله.
وقد قيل إنه عاش حتى شهد صفين مع علي، والاول أصح.
أما ما يروى عنه من ذكر الحرز المنسوب إلى أبي دجانة فإسناده ضعيف ولا يلتفت إليه والله أعلم.
ومنهم شجاع بن وهب ابن ربيعة الاسدي، حليف بني عبد شمس، أسلم قديما وهاجر وشهد بدرا وما بعدها.
وكان رسول رسول الله إلى الحارث بن أبي شمر الغساني فلم يسلم، وأسلم حاجبه سوى.
واستشهد شجاع بن وهب يوم اليمامة عن بضع وأربعين سنة، كان رجلا طوالا نحيفا أحنى.
ومنهم الطفيل بن عمرو بن طريف ابن العاص بن ثعلبة بن سليم بن [ فهر بن ] غنم بن دوس الدوسي، أسلم قديما قبل الهجرة، وذهب إلى قومه فدعاهم إلى الله فهداهم الله على يديه، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة جاءه بتسعين أهل بيت من دوس مسلمين، وقد خرج عام اليمامة مع المسلمين ومعه ابنه عمرو، فرأى الطفيل في المنام كأن رأسه قد حلق، وكأن امرأة أدخلته في فرجها، وكأن ابنه يجتهد أن
يلحقه فلم يصل.
فأولها بأنه سيقتل ويدفن، وأن ابنه يحرص على الشهادة فلا ينالها عامه ذلك.
وقد وقع الامر كما أولها، ثم قتل ابنه شهيدا يوم اليرموك كما سيأتي.
ومنهم عباد بن بشر بن وقش الانصاري أسلم على يدي مصعب بن عمير قبل الهجرة قبل إسلام معاذ، وأسيد بن الحضير، وشهد بدرا وما بعدها.
وكان ممن قتل كعب بن الاشرف، وكانت عصاه تضئ له إذا خرج من عند رسول الله في ظلمة.
قال موسى بن عقبة عن الزهري: قتل يوم اليمامة شهيدا عن خمس وأربعين سنة، وكان له بلاء وعناء.
وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عباد بن عبد الله بن الزبير عن عائشة قالت: تهجد رسول الله فسمع صوت عباد فقال: اللهم أغفر له.

(6/371)


ومنهم السائب بن عثمان بن مظعون بدري من الرماة، أصابه يوم اليمامة سهم فقتله وهو شاب (1)، رحمه الله.
ومنهم السائب بن العوام أخو الزبير بن العوام استشهد يومئذ رحمه الله.
ومنهم عبد الله بن سهيل بن عمرو ابن عبد شمس بن عبدود القرشي العامري، أسلم قديما وهاجر ثم استضعف بمكة، فلما كان يوم بدر خرج معهم فلما تواجهوا فر إلى المسلمين فشهدها معهم، وقتل يوم اليمامة فلما حج أبو بكر عزى أباه فيه، فقال سهيل: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الشهيد ليشفع لسبعين من أهله، فأرجو أن يبدأ بي.
ومنهم عبد الله بن عبد الله ابن أبي بن سلول الانصاري الخزرجي، كان من سادات الصحابة وفضلائهم، شهد بدرا وما بعدها وكان أبوه رأس المنافقين، وكان أشد الناس على أبيه، ولو أذن له رسول الله فيه لضرب عنقه، وكان اسمه الحباب فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله، وقد استشهد يوم اليمامة رضي الله عنه.
ومنهم عبد الله بن أبي بكر الصديق أسلم قديما، ويقال: إنه الذي كان يأتي بالطعام والشراب والاخبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أبي بكر وهما في بغار ثور، ويبيت عندهما ويصبح بمكة كبائت، فلا يسمع بأمر يكادان به إلا أخبرهما به.
وقد شهد الطائف فرماه رجل يقال له أبا محجن الثقفي بسهم فذوي منها فاندملت ولكن لم يزل منها حمتا حتى مات (2) في شوال سنة إحدى عشرة.
ومنهم عكاشة بن محصن ابن حرثان بن قيس بن مرة بن كثير (3) بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة الاسدي حليف بني عبد شمس، يكنى أبا محصن، وكان من سادات الصحابة وفضلائهم، هاجر وشهد بدرا
__________
(1) قال ابن عبد البر وابن حجر: وهو ابن بضع ثلاثين سنة.
(2) وذكر ابن عبد البر عن الواقدي: أن جرحه دمل حتى انتفض به فمات.
وذكر المرزباني في معجم الشعراء: أنه اصابه حجر في حصار الطائف فمات شهيدا.
(3) كذا في الاصل والاستيعاب، وفي الاصابة: بكير.
(*)

(6/372)


وأبلى يومئذ بلاء حسنا وانكسر سيفه فأعطاه رسول الله يومئذ عرجونا فعاد في يده سيفا أمضى من الحديد شديد المتن.
وكان ذلك السيف يسمى العون.
وشهد أحدا والخندق وما بعدها.
ولما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب فقال عكاشة يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم.
فقال: اللهم اجعله منهم، ثم قام رجل آخر فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني مهنم، فقال: سبقك بها عكاشة.
والحديث مروي من طرق تفيد القطع.
وقد خرج عكاشة مع خالد يوم إمرة الصديق بذي القصة فبعثه وثابت بن أقرم بين يدي طليعة، فتلقاهما طليحة الاسدي وأخوه سلمة فقتلاهما، وقد قتل عكاشة قبل مقتله حبال بن طليحة، ثم أسلم طليحة بعد ذلك كما ذكرنا، وكان عمر عكاشة يومئذ أربعا وأربعين سنة وكان من أجمل الناس رضي الله عنه.
ومنهم معن بن عدي ابن الجعد بن عجلان بن ضبيعة البلوي، حليف بني عمرو بن عوف، وهو أخو عاصم بن عدي شهد العقبة وبدرا وأحدا والخندق وسائر المشاهد، وكان قد آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين زيد بن الخطاب فقتلا جميعا يوم اليمامة رضي الله عنهما، وقال مالك عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه قال: بكى الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مات وقالوا: والله وددنا أنا متنا قبله ونخشى أن نفتتن بعده، فقال معن بن عدي: لكني والله ما أحب أن أموت قبله لاصدقه ميتا كما صدقته حيا * ومنهم الوليد وأبو عبيدة ابنا عمارة بن الوليد بن المغيرة، قتلا مع عمهما خالد بن الوليد بالبطاح وأبو هما عمارة بن الوليد وهو صاحب عمرو بن العاص إلى النجاشي، وقضيته مشهورة.
ومنهم أبو حذيفة ين عتبة بن ربيعة ابن عبد شمس القرشي العبشمى أسلم قديما قبل دار الارقم، وهاجر إلى الحبشة وإلى المدينة وشهد بدرا وما بعدها، وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين عباد بن بشر وقد قتلا شهيدين يوم اليمامة.
وكان عمر أبي حذيفة يومئذ ثلاثا أو أربعا وخمسين سنة (1)، وكان طويلا حسن الوجه أثعل، وهو الذي له سن زائدة وكان اسمه هشيم وقيل هاشم.
ومنهم أبو دجانة واسمه سماك بن خرشة تقدم قريبا * وبالجملة فقد قتل من المسلمين يوم اليمامة أربعمائة وخمسون من حملة القرآن ومن الصحابة وغيرهم.
وإنما أوردنا هؤلاء لشهرتهم وبالله المستعان.
قلت: وممن استشهد يومئذ من المهاجرين مالك بن عمرو حليف بني غنم (2) مهاجري
__________
(1) في الاصابة ست وخمسين.
(2) في الكامل والاستيعاب: حليف بني عبد شمس، وقال ابن اسحاق: شهد بدرا من حلفاء بني عبد شمس مالك بن عمرو وأخوه مدلج بن عمرو وكثير بن عمرو.
(*)

(6/373)


بدري، ويزيد بن رقيش بن رباب الاسدي بدري، والحكم بن سعيد بن العاص بن أمية
الاموي، وحسن بن مالك بن بحينة أخو عبد الله بن مالك الازدي، حليف بني المطلب بن عبد مناف، وعامر بن البكر الليثي حليف بني عدي بدري، ومالك بن ربيعة حليف بني عبد شمس، وأبو أمية صفوان بن أمية بن عمرو، ويزيد بن أوس حليف بني عبد الدار، وحيي ويقال معلى بن حارثة الثقفي، وحبيب بن أسيد بن حارثة الثقفي، والوليد بن عبد شمس المخزومي، وعبد الله بن عمرو بن بجرة العدوي، وأبو قيس بن الحارث بن قيس السهمي، وهو من مهاجرة الحبشة، وعبد الله بن الحارث بن قيس، وعبد الله بن مخرمة بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبدود بن نصر العامري، من المهاجرين الاولين، شهد بدرا وما بعدها، وقتل يومئذ، وعمرو بن أويس بن سعد بن أبي سرح العامري، وسليط بن عمرو العامري، وربيعة بن أبي خرشة العامري، وعبد الله بن الحارث بن رحضة من بني عامر.
ومنهم الانصار غير من ذكرنا تراجمهم عمارة بن حزم بن زيد بن لوذان النجاري، وهو أخو عمرو بن حزم، كانت معه راية قومه يوم الفتح، وقد شهد بدرا وقتل يومئذ.
وعقبة بن عامر بن نابي بن زيد بن حرام السلمي، شهد العقبة الاولى وشهد بدرا وما بعدها.
وثابت بن هزال من بني سالم بن عوف بدري.
في قول.
وأبو عقيل بن عبد الله بن ثعلبة من بني جحجبى، شهد بدرا وما بعدها، فلما كان يوم اليمامة أصابه سهم فنزعه ثم تحزم وأخذ سيفه فقاتل حتى قتل، وقد أصابته جراحات كثيرة.
وعبد الله بن عتيك، ورافع بن سهل، وحاجب بن يزيد الاشهلي.
وسهل بن عدي.
ومالك بن أوس.
وعمر بن أوس، وطلحة بن عتبة من بني جحجبى، ورباح مولى الحارث، ومعن بن عدي، وجزء بن مالك بن عامر من بني جحجبى، وورقة بن إياس بن عمرو والخزرجي بدري، ومروان بن العباس، وعامر بن ثابت، وبشر بن عبد الله الخزرجي، وكليب بن تميم، وعبد الله بن عتبان، وإياس بن وديعة، وأسيد بن يربوع، وسعد بن حارثة، وسهل بن حمان، ومحاسن بن حمير، وسلمة بن مسعود، وقيل مسعود بن سنان، وضمرة بن عياض، وعبد الله بن أنيس، وأبو حبة بن غزية المازني، وخباب بن زيد، وحبيب بن عمرو بن
محصن، وثابت بن خالد، وفروة بن النعمان، وعائذ بن ماعص، ويزيد بن ثابت بن الضحاك، أخو زيد بن ثابت.
قال خليفة بن خياط: فجميع من استشهد من المهاجرين والانصار يوم اليمامة ثمانية وخمسون رجلا، يعني وبقية الاربعمائة والخمسين من غيرهم والله أعلم * وقد قتل من الكفار فيما سقنا من المواطن التي التقى فيها المسلمون والمشركون في هذه وأوائل التي قبلها، ما ينيف على خمسين ألفا ولله الحمد والمنة، وبه التوفيق والعصمة.
فمن مشاهيرهم الاسود العنسي لعنه الله، واسمه عبهلة بن كعب بن غوث، خرج أول مخرجه من بلدة باليمن يقال لها كهف خبان ومعه سبعمائة مقاتل، فما مضى شهر حتى تملك صنعاء ثم استوثقت له

(6/374)


اليمن بحذافيرها في أقصر مدة، وكان معه شيطان يحذق له ولكن خانه أحوج ما كان إليه.
ثم لم تمض له ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر حتى قتله الله على يدي إخوان صدق، وأمراء حق، كما قدمنا ذكره وهم دازويه الفارسي، وفيروز الديلمي، وقيس بن مكشوح المرادي، وذلك في ربيع الاول من سنة إحدى عشرة.
قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بليال، وقيل بليلة فالله أعلم * وقد أطلع الله ورسوله ليلة قتله على ذلك كما أسلفناه.
ومنهم مسيلمة بن حبيب اليمامي الكذاب قدم المدينة وافدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قومه بني حنيفة، وقد وقف عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعه وهو يقول: إن جعل لي محمد الامر من بعده اتبعته، فقال له: لو سألتني هذا العود - لعرجون في يده - ما أعطيتكه، ولئن أدبرت ليعقرنك الله، وإني لاراك الذي أريت فيه ما أريت، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رأى في المنام كأن في يده سوارين من ذهب فأهمه شأنهما، فأوحى الله إليه في المنام انفخهما، فنفخهما فطارا، فأولهما بكذابين يخرجان، وهما صاحب صنعاء، وصاحب اليمامة.
وهكذا وقع، فإنهما ذهبا وذهب أمرهما.
أما الاسود فذبح في داره، وأما مسيلمة فعقره الله على يدي وحشي بن حرب رماه بالحربة فأنفذه كما تعقر الابل، وضربه أبو دجانة على رأسه ففلقه وذلك بعقر داره في الحديقة التي يقال لها حديقة الموت.
وقد وقف عليه خالد بن الوليد وهو
طريح - أراه إياه من بين القتلى مجاعة بن مرارة -، ويقال: كان أصفر أخينس وقيل كان ضخما أسمر اللون كأنه جمل أورق، ويقال إنه مات وعمره مائة وأربعون سنة فالله أعلم.
وقد قتل قبله وزيراه ومستشاراه لعنهما الله، وهما محكم بن الطفيل الذي يقال له محكم اليمامة، قتله عبد الرحمن بن أبي بكر، رماه بسهم وهو يخاطب قومه يأمرهم بمصالح حربهم فقتله، والآخر نهار بن عنفوة الذي يقال له الرجال بن عنفوة، وكان ممن أسلم ثم ارتد وصدق مسيلمة لعنهما الله في هذه الشهادة، وقد رزق الله زيد بن الخطاب قتله قبل أن يقتل زيد رضي الله عنه * ومما يدل على كذب الرجال في هذه الشهادة الضرورة في دين الاسلام، وما رواه البخاري وغيره أن مسيلمة كتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله سلام عليك: أما بعد فإني قد أشركت معك في الامر، فلك المدر ولي الوبر، ويروى فلكم نصف الارض ولنا نصفها، ولكن قريشا قوم يعتدون، فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإن الارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ".
وقد قدمنا ما كان يتعاطاه مسيلمة ويتعاناه لعنه الله من الكلام الذي هو أسخف من الهذيان، مما كان يزعم أنه وحي من الرحمن تعالى الله عما يقوله وأمثاله علوا كبيرا، ولما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم زعم أنه استقل بالامر من بعده واستخف قومه فأطاعوه وكان يقول:

(6/375)


خذي الدف يا هذه والعبي * وبثى محاسن هذا النبي تولى نبي بني هاشم * وقام نبي بنى يعرب فلم يمهله الله بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قليلا حتى سلط عليه سيفا من سيوفه، وحتفا من حتوفه فبعج بطنه، وفلق رأسه وعجل الله بروحه إلى النار فبئس القرار، قال الله تعالى * (فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحى إلي ولم يوح إليه شئ ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون
عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون) * [ الانعام: 93 ] فمسيلمة والاسود وأمثالهما لعنهم الله أحق الناس دخولا في هذه الآية الكريمة، وأولاهم بهذه العقوبة العظيمة * سنة ثنتي عشرة من الهجرة النبوية استهلت هذه السنة وجيوش الصديق وأمراؤه الذين بعثهم لقتال أهل الردة جوالون في البلاد يمينا وشمالا، لتمهيد قواعد الاسلام وقتال الطغاة من الانام، حتى رد شارد الدين بعد ذهابه، ورجع الحق إلى نصابه، وتمهدت جزيرة العرب، وصار البعيد الاقصى كالقريب الادنى، وقد قال جماعة من علماء السير والتواريخ: إن وقعة اليمامة كانت في ربيع الاول من هذه السنة، وقيل: إنها كانت في أواخر التي قبلها، والجمع بين القولين أن ابتداءها كان في السنة الماضية، وانتهاءها وقع في هذه السنة الآتية، وعلى هذا القول ينبغي أن يذكروا في السنة الماضية كما ذكرناه لاحتمال أنهم قتلوا في الماضية، ومبادرة إلى استيفاء تراجمهم قبل أن يذكروا مع من قتل بالشام والعراق في هذه السنة على ما سنذكر إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان * وقد قيل: إن وقعة جواثا وعمان ومهرة وما كان من الوقائع التي أشرنا إليها إنما كانت في سنة ثنتي عشرة وفيها كان قتل الملوك الاربعة (1) حمد ومحروس (2) وأبضعة ومشرحا، وأختهم العمردة الذين ورد الحديث في مسند أحمد بلعنهم.
وكان الذي قتلهم زياد بن الانصاري.
بعث خالد بن الوليد إلى العراق لما فرغ خالد بن الوليد من اليمامة، بعث إليه الصديق أن يسير إلى العراق، وأن يبدأ بفرج الهند، وفي الابلة، ويأتي العراق من أعاليها، وأن يتألف الناس ويدعوهم إلى الله عز وجل، فإن أجابوا وإلا أخذ منهم الجزية فإن امتنعوا عن ذلك قاتلهم، وأمره أن لا يكره أحدا على المسير معه، ولا يستعين بمن ارتد عن الاسلام وإن كان عاد إليه.
وأمره أن يستصحب كل امرئ مر به
__________
(1) وهم ملوك بني عمرو بن معاوية الحضرميين وهم أخوة من ملوك كندة.
(2) في الطبري والكامل: مخوص، وفي معجم البلدان: مخوس.
(*)

(6/376)


من المسلمين.
وشرع أبو بكر في تجهيز السرايا والبعوث والجيوش إمدادا لخالد رضي الله عنه.
قال الواقدي اختلف في خالد، فقائل يقول: مضى من وجهه ذلك من اليمامة إلى العراق، وقائل يقول: رجع من اليمامة إلى المدينة ثم سار إلى العراق من المدينة فمر على طريق الكوفة حتى انتهى إلى الحيرة.
قلت: والمشهور الاول.
وقد ذكر المدائني بأسناده أن خالدا توجه إلى العراق في المحرم سنة اثنتي عشرة، فجعل طريقه البصرة وفيها قطبة بن قتادة، وعلى الكوفة المثنى بن حارثة الشيباني.
وقال محمد بن إسحاق عن صالح بن كيسان.
إن أبا بكر كتب (1) إلى خالد أن يسير إلى العراق فمضى خالد يريد العراق حتى نزل بقريات من السواد يقال لها بانقيا وباروسما، وصاحبها حابان، فصالحه أهلها.
قلت: وقد قتل منهم المسلمون قبل الصلح خلقا كثيرا.
وكان الصلح على ألف درهم (2)، وقيل دينار * في رجب وكان الذي صالحه بصبهرى بن صلوبا، ويقال صلوبا بن بصبهري، فقبل منهم خالد وكتب لهم كتابا، ثم أقبل حتى نزل الحيرة فخرج إليه أشرافها مع بيصة بن إياس بن حية الطائي (3) وكان أمره عليها كسرى بعد النعمان بن المنذر فقال لهم خالد: أدعوكم إلى الله وإلى الاسلام فإن أجبتم إليه فأنتم من المسلمين لكم ما لهم وعليكم ما عليهم، فإن أبيتم فالجزية فإن أبيتم فقد أتيتكم بأقوام هم أحرص على الموت منكم على الحياة، جاهدناكم حتى يحكم الله بيننا وبينكم.
فقال له قبيصة: ما لنا بحربك من حاجة بل نقيم على ديننا ونعطيكم الجزية.
فقال لهم خالد: تبا لكم إن الكفر فلاة مضلة، فأحمق العرب من سلكها، فلقيه رجلان أحدهما عربي والآخر أعجمي فتركه (4) واستدل بالعجمي، ثم صالحهم
__________
(1) في سنن البيهقي 9 / 179 نص كتاب أبي بكر إلى خالد وهو باليمامة وفيه: من عبد الله أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله إلى خالد بن الوليد والذين معه من المهاجرين والانصار والتابعين باحسان.
" سلام عليكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد ! فالحمد الله الذي أنجز وعده ونصر عبده، وأعز وليه، وأذل عدوه، وغلب الاحزاب فردا، فإن الله الذي لا إله إلا هو.
قال: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وعدا منه لا خلف
له، ومقالا لا ريب فيه، وفرض الجهاد على المؤمنين.
فقال: كتب عليكم القتال وهو كره لكم...فاستتموا بوعد الله إياكم وأطيعوه فيما فرض عليكم وإن عظمت فيه المؤونة واستبدت الرزية، وبعدت المشقة، وفجعتم في ذلك بالاموال والانفس فإن ذلك يسير في عظيم ثواب الله، فاغزوا - رحمكم الله - في سبيل الله خفافا وثقالا وجاهدوا باموالكم وأنفسكم.
ألا وقد أمرت خالد بن الوليد بالمسير إلى العراق، فلا يبرحها حتى يأتيه أمري، فسيروا معه ولا تثاقلوا عنه، فإنه سبيل يعظم الله فيه الاجر إن حسنت فيه نيته، وعظمت في الخير رغبته.
فإذا وقعتم العراق فكونوا بها حتى يأتيكم أمري، كفانا الله وإياكم مهمات الدنيا والآخرة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ".
(2) في الكامل: على عشرة الآف دينار سوى حرزة كسرى.
(3) في الكامل لابن الاثير: إياس بن قبيصة.
(4) كذا بالاصل وفي الطبري.
(*)

(6/377)


على تسعين ألفا (1)، وفي رواية مائتي ألف درهم، فكانت أول حزية أخذت من العراق وحملت إلى المدينة هي والقريات قبلها التي صالح عليها ابن صلوبا.
قلت: وقد كان مع نائب كسرى على الحيرة ممن وفد إلى خالد عمرو بن عبد المسيح بن حيان بن بقيلة (2)، وكان من نصارى العرب، فقال له خالد: من أين أثرك ؟ قال: من ظهر أبي، قال: ومن أين خرجت ؟ قال: من بطن أمي، قال: ويحك على أي شئ أنت ؟ قال: على الارض، قال: ويحك وفي أي شئ أنت ؟ قال: في ثيابي، قال: ويحك تعقل ؟ قال، نعم وأقيد، قال: إنما أسألك، قال: وأنا أجيبك، قال: أسلم أنت أم حرب، قال: بل سلم، قال: فما هذه الحصون التي أرى ؟ قال: بنيناها للسفيه نحبسه حتى يجئ الحليم فينهاه، ثم دعاهم إلى الاسلام أو الجزية أو القتال، فأجابوا إلى الجزية بتسعين أو مائتي ألف كما تقدم * ثم بعث خالد بن الوليد كتابا إلى أمراء كسرى بالمدائن ومرازبته ووزرائه، كما قال هشام بن الكلبي عن أبي مخنف عن مجالد عن الشعبي قال: أقرأني بنو بقيلة كتاب خالد بن الوليد إلى أهل المدائن: من خالد بن الوليد إلى مرازبة أهل فارس، سلام
على من اتبع الهدى، أما بعد فالحمد لله الذي فض خدمكم وسلب ملككم ووهن كيدكم، وان من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلكم المسلم الذي له مالنا وعليه ما علينا، أما بعد فإذا جاءكم كتابي فابعثوا إلى بالرهن واعتقدوا مني الذمة، وإلا فوالذي لا إله غيره لابعثن إليكم قوما يحبون الموت كما تحبون أنتم الحياة.
فلما قرأوا الكتباب أخذوا يتعجبون.
وقال سيف بن عمر عن طليحة الاعلم عن المغيرة بن عيينة (3) - وكان قاضي أهل الكوفة - قال: فرق خالد مخرجه من اليمامة إلى العراق جنده ثلاث فرق، ولم يحملهم على طريق واحدة، فسرح المثنى قبله بيومين ودليله ظفر، وسرح عدي بن حاتم وعصام بن عمرو، ودليلاهما مالك بن عباد وسالم بن نصر، أحدهما قبل صاحبه بيوم، وخرج خالد - يعني في آخرهم - ودليله رافع فواعدهم جميعا الحفير ليجتمعوا به، ويصادموا عدوهم، وكان فرج الهند أعظم فروج فارس بأسا (4) وأشدها شوكة، وكان صاحبه يحارب العرب في البر والهند في البحر وهو هرمز، فكتب إليه خالد فبعث هرمز بكتاب خالد إلى شيرى بن كسرى، وأردشير بن شيرى، وجمع هرمز، وهو نائب كسرى جموعا كثيرة وسار بهم إلى كاظمة، وعلى مجنبتيه قباذ وأنوشجان - وهما من بيت الملك - وقد تفرق الجيش في السلاسل لئلا يفروا، وكان هرمز هذا من أخبث الناس طوية وأشدهم كفرا، وكان شريفا في الفرس وكان الرجل كلما ازداد شرفا زاد في حليته، فكانت قلنسوة هرمز بمائة ألف، وقدم خالد بمن معه من الجيش وهم ثمانية عشر ألفا فنزل تجاههم على غير ماء فشكى أصحابه ذلك، فقال:
__________
(1) في الطبري على مائة ألف وتسعين ألفا.
(190).
(2) في الطبري: عبد المسيح بن عمرو بن بقيلة.
(3) في الطبري: طلحة بن الاعلم عن المغيرة بن عتيبة.
(4) في الطبري: شأنا.
(*)

(6/378)


جالد وهم حتى تجلوهم عن الماء، فإن الله جاعل الماء لاصبر الطائفتين، فلما استقر بالمسلمين المنزل وهم ركبان على خيولهم، بعث الله سحابة فأمطرتهم حتى صار لهم غدران من ماء.
فقوي
المسلمون بذلك، وفرحوا فرحا شديدا، فلما تواجه الصفان وتقاتل الفريقان، ترجل هرمز ودعا إلى النزال، فترجل خالد وتقدم إلى هرمز، فاختلفا ضربتين واحتضنه خالد، وجاءت حامية هرمز فما شغله عن قتله، وحمل القعقاع بن عمرو على حامية هرمز فأناموهم، وانهزم أهل فارس وركب المسلمون أكتافهم إلى الليل واستحوذ المسلمون وخالد على أمتعتهم وسلاحهم فبلغ وقر ألف بعير، وسميت هذه الغزوة ذات السلاسل لكثرة من سلسل بها من فرسان فارس، وأفلت قباذ وأنوشجان * ولما رجع الطلب نادى منادي خالد بالرحيل فسار بالناس وتبعته الاثقال حتى نزل بموضع الجسر الاعظم من البصرة اليوم، وبعث بالفتح والبشارة والخمس، مع زر بن كليب، إلى الصديق، وبعث معه بفيل، فلما رآه نسوة أهل المدينة جعلن يقلن أمن خلق الله هذا أم شئ مصنوع ؟ فرده الصديق مع زر، وبعث أبو بكر لما بلغه الخبر إلى خالد، فنفله سلب هرمز، وكانت قلنسوته بمائة ألف، وكانت مرصعة بالجوهر وبعث خالد الامراء يمينا وشمالا يحاصرون حصونا هنالك ففتحوها عنوة وصلحا، وأخذوا منها أموالا جمة، ولم يكن خالد يتعرض للفلاحين - من لم يقاتل منهم - ولا أولادهم بل للمقاتلة من أهل فارس * [ وقعة المذار أو الثني ] ثم كانت وقعة المذار في صفر من هذه السنة.
ويقال لها: وقعة الثنى، وهو النهر، قال ابن جرير ويومئذ قال الناس، صفر الاصفار، فيه يقتل كل جبار، على مجمع الانهار.
وكان سببها أن هرمزا كان قد كتب إلى أردشير وشيرى، بقدوم خالد نحوه من اليمامة، فبعث إليه كسرى بمدد مع أمير يقال له: قارن بن قريانس، فلم يصل إلى هرمز حتى كان من أمره مع خالد ما تقدم وفر من فر من الفرس، فتلقاهم قارن، فالتفوا عليه فتذامروا واتفقوا على العود إلى خالد، فساروا إلى موضع يقال له: المذار، وعلى مجنبتي قارن قباذ وأنوشجان، فلما انتهى الخبر إلى خالد، قسم ما كان معه من أربعة أخماس غنيمة يوم ذات السلاسل وأرسل إلى الصديق بخبره مع الوليد بن عقبة، وسار خالد بمن معه من الجيوش حتى نزل على المذار، وهو على تعبئته، فاقتتلوا قتال حنق وحفيظة، وخرج قارن يدعو إلى البراز فبرز إليه خالد وابتدره الشجعان من الامراء فقتل معقل بن
الاعشى بن النباش قارنا، وقتل عدي بن حاتم قباذ، وقتل عاصم أنوشجان، وفرت الفرس وركبهم المسلمون في ظهورهم فقتلوا منهم يومئذ ثلاثين ألفا وغرق كثير منهم في الانهار والمياه، وأقام خالد بالمذار وسلم الاسلاب إلى من قتل، وكان قارن قد انتهى شرفه في أبناء فارس * وجمع بقية الغنيمة وخمسها، وبعث بالخمس والفتح والبشارة إلى الصديق، مع سعيد بن النعمان، أخي بني عدي بن كعب وأقام خالد هناك حتى قسم أربعة الاخماس وسبى ذراري من حصره من المقاتلة، دون الفلاحين فإنه أقرهم بالجزية وكان في هذا السبي حبيب أبو الحسن البصري وكان

(6/379)


نصرانيا ومافنة مولى عثمان وأبو زياد مولى المغيرة بن شعبة * ثم أمر على الجند سعيد بن النعمان وعلى الجزية سويد بن مقرن، وأمره أن ينزل الحفير ليجبي إليه الاموال وأقام خالد يتجسس الاخبار عن الاعداء * [ وقعة الولجة ] ثم كان أمر الولجة في صفر أيضا من هذه السنة، فيما ذكره ابن جرير وذلك لانه لما انتهى الخبر بما كان بالمذار من قبل قارن وأصحابه إلى أردشير وهو ملك الفرس يومئذ، بعث أميرا شجاعا يقال له الاندر زغر (1)، وكان من أبناء السواد ولد بالمدائن ونشأ بها وأمده بجيش آخر مع أمير يقال له بهمن جاذويه، فساروا حتى بلغوا مكانا يقال له: الولجة، فسمع بهم خالد فسار بمن معه من الجنود ووصى من استخلفه هناك بالحذر وقلة الغفلة، فنازل أنذر زغر ومن ناشب معه، واجتمع عند بالولجة، فاقتتلوا قتالا شديدا وهو أشد مما قبله، حتى ظن الفريقان أن الصبر قد فرغ، واستبطأ كمينه الذي كان قد أرصدهم وراءه في موضعين، فما كان إلا يسيرا حتى خرج الكمينان من هاهنا ومن هاهنا، فقرت صفوف الاعاجم فأخذهم خالد من أمامهم والكمينان من ورائهم، فلم يعرف رجل منهم مقتل صاحبه، وهرب الاندر زغر من الوقعة فمات عطشا، وقام خالد في الناس خطيبا فرغبهم في بلاد الاعاجم وزهدهم في بلاد العرب وقال: ألا ترون ما هاهنا من الاطعمات ؟ وبالله لو لم يلزمنا الجهاد في سبيل الله والدعاء إلى الاسلام ولم يكن إلا المعاش لكان
الرأي أن نقاتل على هذا الريف حتى نكون أولى به، ونولي الجوع والاقلال من تولاه ممن أثاقل عما أنتم عليه.
ثم خمس الغنيمة، وقسم أربعة أخماسها بين الغانمين، وبعث الخمس إلى الصديق، وأسر من أسر من ذراري المقاتلة، وأقر الفلاحين بالجزية * وقال سيف بن عمر عن عمرو عن الشعبي، قال: بارز خالد يوم الولجة رجلا من الاعاجم يعدل بألف رجل فقتله، ثم اتكأ عليه وأتي بغدائه فأكله وهو متكئ عليه بين الصفين * [ وقعة أليس ] ثم كانت وقعة أليس في صفر أيضا وذلك أن خالدا كان قد قتل يوم الولجة طائفة من بكر بن وائل (2)، من نصارى العرب ممن كان مع الفرس، فاجتمع عشائرهم وأشدهم حنقا عبد الاسود العجلي، وكان قد قتل له ابن بالامس، فكاتبوا الاعاجم فأرسل إليهم اردشير جيشا، فاجتمعوا بمكان يقال له: أليس، فبينما هم قد نصبوا لهم سماطا فيه طعام يريدون أكله، إذ غافلهم خالد
__________
(1) في الكامل لابن الاثير: الاندر زعز.
(2) أصاب خالد في وقعة الولجة ابنا لجابر بن بجير وابنا لعبد الاسود من بني بكر بن وائل.
(الطبري - الكامل لابن الاثير).
(*)

(6/380)


بجيشه، فلما رأوه أشار من أشار منهم بأكل الطعام وعدم الاعتناء بخالد، وقال أمير كسرى: بل ننهض إليه، فلم يسمعوا منه.
فلما نزل خالد تقدم بين يدي جيشه ونادى بأعلى صوته لشحعان من هنالك من الاعراب (1): أين فلان: أين فلان ؟ فكلهم تلكأوا عنه إلا رجلا يقال له مالك بن قيس، من بني جذرة، فإنه برز إليه، فقال له خالد: يا ابن الخبيثة ما جرأك على من بينهم وليس فيك وفاء ؟ فضربه فقتله.
ونفرت الاعاجم عن الطعام وقاموا إلى السلاح فاقتتلوا قتالا شديدا جدا، والمشركون يرقبون قدوم بهمن مددا من جهة الملك إليهم، فهم في قوة وشدة وكلب في القتال.
وصبر المسلمون صبرا بليغا، وقال خالد: اللهم لك علي إن منحتنا أكتافهم أن لا أستبقي منهم أحدا أقدر عليه حتى أجري نهرهم بدمائهم.
ثم إن الله عز وجل منح المسلمين
أكتافهم فنادى منادي خالد: الاسر، الاسر، لا تقتلوا إلا من امتنع من الاسر، فأقبلت الخيول بهم أفواجا يساقون سوقا، وقد وكل بهم رجالا يضربون أعناقهم في النهر، ففعل ذلك بهم يوما وليلة ويطلبهم في الغد ومن بعد الغد، ولكما حضر منهم أحد ضربت عنقه في النهر، وقد صرف ماء النهر إلى موضع آخر فقال له بعض الامراء: إن النهر لا يجري بدمائهم حتى ترسل الماء على الدم فيجري معه فتبر بيمينك، فأرسله فسال النهر دما عبيطا، فلذلك سمي نهر الدم إلى اليوم، فدارت الطواحين بذلك الماء المختلط بالدم العبيط ما كفى العسكر بكماله ثلاثة أيام، وبلغ عدد القتلى سبعين ألفا، ولما هزم خالد الجيش ورجع من رجع من الناس، عدل خالد إلى الطعام الذي كانوا قد وضعوه ليأكلوه فقال المسلمين: هذا نفل فأنزلوا فكلوا، فنزل الناس فأكلوا عشاء.
وقد جعل الاعاجم على طعامهم مرققا كثيرا فجعل من يراه من أهل البادية من الاعراب يقولون: ما هذه الرقع ؟ يحسبونها ثيابا، فيقول لهم من يعرف ذلك من أهل الارياف والمدن: أما سمعتم رقيق العيش ؟ قالوا: بلى، قالوا: فهذا رقيق العيش، فسموه يومئذ رقاقا، وإنما كانت العرب تسميه العود (2) * وقد قال سيف بن عمر عن عمرو بن محمد عن الشعبي عمن حدث عن خالد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفل الناس يوم خيبر الخبز والبطيخ والشواء وما أكلوا غير ذلك غير متأثليه * وكان كل من قتل بهذه الوقعة يوم أليس من بلدة يقال لها أمغيشيا (3)، فعدل إليها خالد وأمر بخرابها واستولى على ما بها، فوجدوا بها مغنما عظيما، فقسم بين الغانمين فأصاب الفارس بعد النفل ألفا وخمسمائة غير ما تهيأ له مما قبله.
وبعث خالد إلى الصديق بالبشارة والفتح والخمس من الاموال والسبي مع رجل يقال له جندل من بني عجل، وكان دليلا صارما، فلما بلغ الصديق الرسالة وأدى الامانة، أثنى عليه وأجازه جارية من السبي، وقال الصديق: يا معشر قريش إن أسدكم قد عدا على الاسد
__________
(1) وهم نصارى العرب من بني عجل من أهل الحيرة وتيم اللات وضبيعة وعرب الضاحية.
(2) في الطبري: القرى.
(3) وقيل اسمها منيشيا (الطبري - الكامل).
(*)

(6/381)


[ فغلبه على خراذيله ] (1)، عجزت النساء أن يلدن مثل خالد بن الوليد.
ثم جرت أمور طويلة لخالد في أماكن متعددة يمل سماعها، وهو مع ذلك لا يكل ولا يمل ولا يهن ولا يحزن، بل كلما له في قوة وصرامة وشدة وشهامة، ومثل هذا إنما خلقه الله عزا للاسلام وأهله، وذلا للكفر وشتات شمله.
فصل ثم سار خالد فنزل الخورنق والسدير بالنجف وبث سراياه هاهنا وهاهنا، يحاصرون الحصون من الحيرة ويستنزلون أهلها قسرا وقهرا، وصلحا ويسرا، وكان في جملة ما نزل بالصلح قوم من نصارى العرب فيهم ابن بقيلة المتقدم ذكره، وكتب لاهل الحيرة كتاب أمان، فكان الذي راوده عليه عمرو بن عبد المسيح بن بقيلة (2) ووجد خالد معه كيسا، فقال: ما في هذا ؟ - وفتحه خالد فوجد فيه شيئا -، فقال ابن بقيلة:: هو سم ساعة، فقال: ولم استصحبته معك ؟ فقال حتى إذا رأيت مكروها في قومي أكلته فالموت أحب إلي من ذلك، فأخذه خالد في يده وقال: إنه لن تموت نفس حتى تأتي على أجلها، ثم قال: بسم الله خير الاسماء، رب الارض والسماء، الذي ليس يضر مع اسمه داء، الرحمن الرحيم، قال: وأهوى إليه الامراء ليمنعوه منه فبادرهم فابتلعه، فلما رأى ذلك ابن بقيلة قال: والله يا معشر العرب لتملكن ما أردتم ما دام منكم أحد، ثم التفت إلى أهل الحيرة فقال: لم أر كاليوم أوضح أقبالا من هذا، ثم دعاهم وسألوا خالدا الصلح فصالحهم وكتب لهم كتابا بالصلح (3)، وأخذ منهم أربعمائة ألف درهم عاجلة، ولم يكن صالحهم حتى سلموا كرامة بنت عبد المسيح إلى رجل من الصحابة يقال له شويل (4)، وذلك أنه لما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قصور الحيرة كان شرفها أنياب الكلاب فقال له: يا رسول الله هب لي ابنة بقيلة، فقال: هي لك، فلما فتحت ادعاها شويل وشهد له اثنين من الصحابة، فامتنعوا من تسليمها إليه وقالوا: ما تريد إلى امرأة ابنة ثمانين سنة ؟ فقالت لقومها: ادفعوني إليه فإني سأفتدي
__________
(1) من الطبري.
(2) في الطبري: عمرو بن عبد المسيح بن قيس بن حيان بن الحارث وهو ابن بقيلة وإنما سمي بقيلة لانه خرج على
قومه في بردين أخضرين فقالوا يا حار ما أنت إلا بقيلة خضراء.
(3) نقل الطبري نص الكتاب 4 / 14 وفيه: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عاهد عليه خالد بن الوليد عديا وعمرو ابني عدي وعمرو بن عبد المسيح وإياس بن قبيصة وحيرى بن أكال - وقال عبيد الله بن حيرى - وهم نقباء أهل الحيرة ورضي بذلك أهل الحيرة وأمروهم به عاهدهم على تسعين ومائة ألف درهم تقبل في كل سنة جزاء عن أيديهم في الدنيا رهبانهم وقسيسيهم إلا من كان منهم على غير ذي يد حبيسا عن الدنيا تاركا لها وسائحا تاركا للدنيا وعلى المنعة فإن لم يمنعهم فلا شئ عليهم حتى يمنعهم وإن غدروا بفعل أو بقول بالذمة منهم بريئة.
وكتب في شهر ربيع الاول سنة اثنتي عشرة.
(4) في فتوح البلدان 2 / 298 هو: خريم بن أوس بن حارثة بن لام الطائي.
(*)

(6/382)


منه، وإنه قد رآني وأنا شابة، فسلمت إليه فلما خلا بها قالت: ما تريد إلى امرأة بنت ثمانين سنة ؟ وأنا أفتدي منك فاحكم بما أردت، فقال: والله لا أفديك بأقل من عشرة مائة فاستكثرتها خديعة منها، ثم أتت قومها فأحضروا له ألف درهم، ولامه الناس وقالوا: لو طلبت أكثر من مائة ألف لدفعوها إليك، فقال: وهل عدد أكثر من عشر مائة ؟ وذهب إلى خالد وقال: إنما أردت أكثر العدد، فقال خالد: أردت أمرا وأراد الله غيره، وإنا نحكم بظاهر قولك، ونيتك عند الله، كاذبا أنت أم صادقا * وقال سيف بن عمر عن عمرو بن محمد عن الشعبي: لما افتتح خالد الحيرة صلى ثماني ركعات بتسليمة واحدة، وقد قال عمرو بن القعقاع في هذه الايام ومن قتل من المسلمين بها وأيام الردة: سقى الله قتلى بالفرات مقيمة * وأخرى بأثباج النجاف (1) الكوانف ونحن وطئنا بالكواظم هرمزا * وبالثنى قرنى قارن بالجوارف ويوم أحطنا بالقصور تتابعت * على الحيرة الروحاء إحدى المصارف حططناهم منها وقد كان عرشهم * يميل بهم (2) فعل الجبان المخالف رمينا (3) عليهم بالقبول وقد رأوا * غبوق المنايا حول تلك المحارف (4)
صبيحة قالوا نحن قوم تنزلوا * إلى الريف من أرض العريب المقانف وقد قدم جرير بن عبد الله البجلي على خالد بن الوليد وهو بالحيرة بعد الوقعات المتعددة، والغنائم المتقدم ذكرها، ولم يحضر شيئا منها، وذلك لانه كان قد بعثه الصديق مع خالد بن سعيد بن العاص إلى الشام، فاستأذن خالد بن سعيد في الرجوع إلى الصديق ليجمع له قومه من بجيلة فيكونوا معه، فلما قدم على الصديق فسأله ذلك غضب الصديق وقال: أتيتني لتشغلني عما هو أرضى لله من الذي تدعوني إليه، ثم سيره الصديق إلى خالد بن الوليد بالعراق * قال سيف بأسانيده: ثم جاء ابن صلوبا فصالح خالدا على بانقيا وبسما وما حول ذلك على عشرة آلاف دينار، وجاءه دهاقين تلك البلاد فصالحوه على بلدانهم وأهاليهم كما صالح أهل الحيرة، واتفق في تلك الايام التي كان قد تمكن بأطراف العراق واستحوذ على الحيرة وتلك البلدان وأوقع بأهل أليس والثنى وما بعدها بفارس ومن ناشب معهم ما أوقع من القتل الفظيع في فرسانهم، أن عدت فارس على ملكهم الاكبر أردشير وابنه شيرين فقتلوهما وقتلوا كل من ينسب إليهما، وبقيت الفرس حائرين فيمن يولوه أمرهم، وأختلفوا فيما بينهم، غير أنهم قد جهزوا جيوشا تكون حائلة بين خالد وبين المدائن التي فيها إيوان كسرى وسرير مملكته، فحينئذ كتب خالد إلى من هنالك من المرازبة
__________
(1) في غزوات ابن حبيش: بأثباج الشام.
(2) في الطبري: يميل به، وفي غزوات ابن حبيش: تميل به.
(3) في ابن حبيش: مننا.
(4) في غزوات ابن حبيش: المخارف.
(*)

(6/383)


والامراء والدولة يدعوهم إلى الله وإلى الدخول إلى دين الاسلام ليثبت ملكهم عليهم، وإلا فليدفعوا الجزية وإلا فليعلموا وليستعدوا لقدومه عليهم بقوم يحبون الموت كما يحبون هم الحياة (1)، فجعلوا يعجبون من جرأة خالد وشجاعته، ويسخرون من ذلك لحماقتهم ورعونتهم في أنفسهم، وقد أقام خالد هنالك بعد صلح الحيرة سنة يتردد في بلاد فارس هاهنا وهاهنا، ويوقع بأهلها من
البأس الشديد، والسطوة الباهرة، ما يبهر الابصار لمن شاهد ذلك ويشنف أسماع من بلغه ذلك ويحير العقول لمن تدبره.
فتح خالد للانبار (2)، وتسمى هذه الغزوات ذات العيون ركب خالد في جيوشه فسار حتى انتهى إلى الانبار وعليها رجل من أعقل الفرس وأسودهم في أنفسهم، يقال له شيرزاذ، فأحاط بها خالد وعليها خندق وحوله أعراب من قومهم على دينهم، واجتمع معهم أهل أرضهم، فمانعوا خالدا أن يصل إلى الخندق فضرب معهم رأسا، ولما تواجه الفريقان أمر خالد أصحابه فرشقوهم بالنبال حتى فقأوا منهم ألف عين، فتصايح الناس، ذهبت عيون أهل الانبار، وسميت هذه الغزوة ذات العيون، فراسل شيرزاذ جلدا في الصلح، فاشترط خالد أمورا فامتنع شيرزاذ من قبولها، فتقدم خالد إلى الخندق فاستدعى برذايا الاموال من الابل فذبحها حتى ردم الخندق بها وجاز هو وأصحابه فوقها، فلما رأى شيرزاذ ذلك أجاب إلى الصلح على الشروط التي اشترطها خالد، وسأله أن يرده إلى مأمنه فوفى له بذلك، وخرج شيرزاذ من الانبار وتسلمها خالد، فنزلها واطمأن بها، وتعلم الصحابة ممن بها من العرب الكتابة العربية، وكان أولئك العرب قد تعلموها من عرب قبلهم وهم بنو إياد، كانوا بها من زمان بختنصر حين أباح العراق للعرب، وأنشدوا خالدا قول بعض إياد يمتدح قومه: قومي إياد لو أنهم أمم * أولو أقاموا فتهزل النعم قوم لهم باحة العراق إذا * ساروا جميعا واللوح والقلم (3) ثم صالح خالد أهل البوازيج وكلواذى، قال: ثم نقض أهل الانبار ومن حولهم عهدهم لما
__________
(1) نقل الطبري كتابي خالد إلى ملوك فارس وأمرائهم وفيها: بسم الله الرحمن الرحيم من خالد بن الوليد إلى ملوك فارس أما بعد فالحمد لله الذي حل نظامكم ووهن كيدكم وفرق كلمتكم ولو لم يفعل ذلك بكم كان شرا لكم فأدخلوا في أمرنا ندعكم وأرضكم ونجوزكم إلى غيركم وإلا كان ذلك وأنتم كارهون على غلب على أيدي قوم يحبون الموت كما تحبون الحياة.
وكتب إلى المرازية: بسم الله الرحمن الرحيم من خالد بن الوليد إلى مرازبة فارس أما بعد فأسلموا تسلموا وإلا
فاعتقدوا مني الذمة وأدوا الجزية وإلا فقد جئتكم بقوم يحبون الموت كما تحبون شرب الخمر (4 / 18).
(2) سميت الانبار لان أهراء الطعام كانت بها أنابير.
قال البلاذري في فتوح البلدان 2 / 301 سميت بالانبار لان أهراء العجم كانت بها.
(3) في الطبري: واللوح والقلم.
(*)

(6/384)


اضطربت بعض الاحوال، ولم يبق على عهده سوى البوازيخ وبانقيا.
قال سيف عن عبد العزيز بن سياه عن حبيب بن أبي ثابت قال: ليس لاحد من أهل السواد عهد قبل الوقعة، إلا بنو صلوبا وهم أهل الحيرة وكلوا ذى وقرى من قرى الفرات، غدروا حتى دعوا إلى الذمة بعدما غدروا.
وقال سيف عن محمد بن قيس: قلت للشعبي: أخذ السواد عنوة وكل أرض إلا بعض القلاع والحصون ؟ قال: بعض صالح وبعض غالب.
قلت: فهل لاهل السواد ذمة اعتقدوها قبل الحرب ؟ قال: لا، ولكنهم لما دعوا ورضوا بالخراج وأخذ منهم صاروا ذمة.
وقعة عين التمر لما استقل خالد بالانبار استناب عليها الزبرقان بن بدر، وقصد عين التمر وبها يومئذ مهران بن بهرام جوبين في جمع عظيم من العرب (1)، وحولهم من الاعراب طوائف من النمر وتغلب وإياد ومن لاقاهم وعليهم عقة بن أبي عقة، فلما دنا خالد قال عقة لمهران: إن العرب أعلم بقتال العرب، فدعنا وخالدا، فقال له: دونكم وإياهم، وإن احتجتم إلينا أعناكم، فلامت العجم أميرهم على هذا، فقال: دعوهم فإن غلبوا خالدا فهو لكم، وإن غلبوا قاتلنا خالدا وقد ضعفوا ونحن أقوياء، فاعترفوا له بفضل الرأي عليهم، وسار خالد وتلقاه عقة فلما تواجهوا قال خالد لمجنبتيه: احفظوا مكانكم فإني حامل، وأمر حماته أن يكونوا من ورائه، وحمل على عقة وهو يسوي الصفوف فاحتضنه وأسره وانهزم جيش عقة من غير قتال فأكثروا فيهم الاسر، وقصد خالد حصين عين التمر، فلما بلغ مهران هزيمة عقة وجيشه، نزل من الحصن وهرب وتركه، ورجعت فلال نصارى الاعراب إلى الحصن فوجدوه مفتوحا فدخلوه واحتموا به، فجاء خالد وأحاط بهم
وحاصرهم أشد الحصار، فلما رأوا ذلك سألوه الصلح فأبى إلا أن ينزلوا على حكم خالد، فنزلوا على حكمه فجعلوا في السلاسل وتسلم الحصن ثم أمر فضربت عنق عقة ومن كان أسر معه والذين نزلوا على حكمه أيضا أجمعين، وغنم جميع ما في ذلك الحصن، ووجد في الكنيسة التي به أربعين غلاما يتعلمون الانجيل وعليهم باب مغلق، فكسره خالد وفرقهم في الامراء وأهل الغناء، وكان حمران (2) صار إلى عثمان بن عفان من الخمس، ومنهم سيرين (3) والد محمد بن سيرين أخذه نس بن مالك.
وجماعة آخرون من الموالي المشاهير أراد بهم وبذراريهم خيرا.
ولما قدم الوليد بن عقبة على الصديق بالخمس رده الصديق إلى عياض بن غنم مددا له وهو محاصر دومة الجندل فلما
__________
(1) في الطبري والكامل: العجم.
(2) وهو حمران بن أبان بن خالد النمري.
(3) في فتوح البلدان 2 / 303: وقيل إن سيرين من أهل جرجرايا، وإنه كان زائرا لقرابة له فأخذ في الكنيسة معهم.
(*)

(6/385)


قدم عليه وجده في ناحية من العراق يحاصر قوما، وهم قد أخذوا عليه الطرق فهو محصور أيضا، فقال عياض للوليد: إن بعض الرأي خير من جيش كثيف، ماذا ترى فيما نحن فيه ؟ فقال له الوليد: اكتب إلى خالد يمدك بجيش من عنده، فكتب إليه يستمده، فقدم كتابه على خالد عقب وقعة عين التمر وهو يستغيث به، فكتب إليه: من خالد إلى عياض، إياك أريد.
لبث قليلا تأتك الحلائب * يحملن آسادا عليها القاشب كتائب تتبعها كتائب خبر دومة الجندل لما فرغ خالد من عين التمر قصد إلى دومة الجندل، واستخلف علي عين التمر عويمر (1) بن الكاهن الاسلمي، فلما سمع أهل دومة الجندل بمسيره إليهم، بعثوا إلى أحزابهم من بهراء وتنوخ وكلب وغسان والضجاعم، فأقبلوا إليهم وعلى غسان وتنوخ ابن الايهم، وعلى الضجاعم بن
الحدرجان، وجماع الناس بدومة إلى رجلين أكيدر بن عبد الملك، والجودي بن ربيعة، فاختلفا فقال أكيدر: أنا أعلم الناس بخالد، لا أحد أيمن طائر منه في حرب ولا أحد منه، ولا يرى وجه خالد قوم أبدا، قلوا أم كثروا إلا انهزموا عنه، فأطيعوني وصالحوا القوم، فأبوا عليه، فقال: لن أمالئكم على حرب خالد وفارقهم، فبعث إليه خالد عاصم بن عمرو فعارضه فأخذه، فلما أتى به خالدا أمر فضربت عنقه وأخذ ما كان معه، ثم تواجه خالد وأهل دومة الجندل وعليهم الجودي بن ربيعة، وكل قبيلة مع أميرها من الاعراب، وجعل خالد دومة بينه وبين جيش عياض بن غنم، وافترق جيش الاعراب فرقتين، فرقة نحو خالد، وفرقة نحو عياض، وحمل خالد على من قبله، وحمل عياض على أولئك، فأسر خالد الجودي، وأسر الاقرع بن حابس وديعة، وفرت الاعراب إلى الحصن فملاوه وبقي منهم خلق ضاق عنهم، فعطفت بنو تميم على من هو خارج الحصن فأعطوهم ميرة فنجا بعضهم، وجاء خالد فضرب أعناق من وجده خارج الحصن، وأمر بضرب عنق الجودي ومن كان معه من الاسارى، إلا أسارى بني كلب فإن عاصم بن عمرو والاقرع بن حابس، وبني تميم أجاروهم، فقال لهم خالد: مالي وما لكم أتحفظون أمر الجاهلية وتضيعون أمر الاسلام ؟ فقال له عاصم بن عمرو: أتحسدونهم العافية وتحوذونهم الشيطان، ثم أطاف خالد بالباب فلم يزل عنه حتى اقتلعه، واقتحموا الحصن فقتلوا من فيه من المقاتلة، وسبوا الذراري فبايعوهم بينهم فيمن يزيد، واشترى خالد يومئذ ابنة الجودي، وكانت موصوفة بالجمال، وأقام بدومة الجندل ورد الاقرع إلى الانبار، ثم رجع خالد إلى الحيرة، فتلقاه أهلها من أهل الارض بالتقليس، فسمع رجلا منهم يقول لصاحبه: مر بنا فهذا يوم فرح الشر.
__________
(1) في الطبري: عويم.
(*)

(6/386)


خبر وقعتي الحصيد والمضيح قال سيف عن محمد وطلحة والمهلب قالوا: وكان خالد أقام بدومة الجندل فظن الاعاجم به وكاتبوا عرب الجزيرة فاجتمعوا لحربه، وقصدوا الانبار يريدون انتزاعها من الزبرقان، وهو نائب
خالد عليها، فلما بلغ ذلك الزبرقان كتب إلى القعقاع بن عمرو نائب خالد على الحيرة، فبعث القعقاع أعبد بن فدكي السعدي وأمره بالحصيد وبعث عروة بن أبي الجعد البارقي وأمره بالخنافس، ورجع خالد من دومة إلى الحيرة وهو عازم على مصادمة أهل المدائن محلة كسرى، لكنه يكره أن يفعل ذلك بغير إذن أبي بكر الصديق، وشغله ما قد اجتمع من جيوش الاعاجم مع نصارى الاعراب يريدون حربه، فبعث القعقاع بن عمرو أميرا على الناس، فالتقوا بمكان يقال له الحصيد، وعلى العجم رجل منهم يقال له روزبه، وأمده أمير آخر قال له زرمهر، فاقتتلوا قتالا شديدا، وهزم المشركون وقتل منهم المسلمون خلقا كثيرا، وقتل القعقاع بيد زرمهر، وقتل رجل يقال له عصمة بن عبد الله الضبي روزبه.
وغنم المسلمون شيئا كثيرا، وهرب من هرب من العجم، فلجأوا إلى مكان يقال له خنافس، فسار إليهم أبو ليلى بن فدكي السعدي، فلما أحسوا بذلك ساروا إلى المضيح (1)، فلما استقروا بها بمن معهم من الاعاجم والاعارب قصدهم خالد بن الوليد بمن معه من الجنود، وقسم الجيش ثلاث فرق، وأغار عليهم ليلا وهم نائمون فأنامهم، ولم يفلت منهم إلا اليسير فما شبهوا إلا بغنم مصرعة، وقد روى ابن جرير عن عدي بن حاتم قال: انتهينا في هذه الغارة إلى رجل يقال له حرقوص بن النعمان النمري، وحوله بنوه وبناته وامرأته، وقد وضع لهم جفنة من خمر وهم يقولون: أحد يشرب هذه الساعة وهذه جيوش خالد قد أقبلت ؟ فقال لهم: اشربوا شرب وداع فما أرى أن تشربوا خمرا بعدها، فشربوا وجعل يقول: ألا يا اسقياني قبل نائرة الفجر (2) * لعل منايانا قريب ولا ندري القصيدة إلى آخرها، قال: فهجم الناس عليه فضرب رجل رأسه فإذا هو في جفنته، وأخذت بنوه وبناته وامرأته، وقد قتل في هذه المعركة رجلان كانا قد أسلما ومعهما كتاب من الصديق بالامان ولم يعلم بذلك المسلمون، وهما عبد العزى بن أبي رهم بن قرواش، قتله جرير بن عبد الله البجلي، والآخر لبيد بن جرير، قتله بعض المسلمين، فلما بلغ خبرهما الصديق وداهما، وبعث بالوصاة بأولادهما، وتكلم عمر بن الخطاب في خالد بسببهما، وقد تكلم فيه بسبب مالك بن نويرة، فقال له الصديق: كذلك يلقى من يساكن أهل الحرب في ديارهم، أي
الذنب لهما في مجاورتهما المشركين، وهذا كما في الحديث " أنا برئ من كل من ساكن المشرك في
__________
(1) في الكامل: 2 / 396: المصيخ.
وكان عليها - كما في الطبري والكامل - الهذيل بن عمران.
(2) في الطبري والكامل: ألا سقياني قبل خيل أبي بكر...وبعده في الطبري: ألا فاشربوا من قبل قاصمة الظهر * بعيد انتفاخ القوم بالعكر الدثر وقبل منايانا المصيبة بالقدر * لحين لعمري لا يزيد ولا يحري (*)

(6/387)


داره " (1) وفي الحديث الآخر " لا ترى نارهما " (2) أي لا يجتمع المسلمون والمشركون في محلة واحدة * ثم كانت وقعة الثنى والزميل وقد بيتوهم فقتلوا من كان هنالك من الاعراب والاعاجم فلم يفلت منهم أحد ولا انبعث بخبر، ثم بعث خالد بالخمس من الاموال والسبي إلى الصديق، وقد اشترى علي بن أبي طالب من هذا السبي جارية من العرب وهي ابنة ربيعة بن بجير التغلبي، فاستولدها عمر ورقية رضي الله عنهم أجمعين.
وقعة الفراض ثم سار خالد بمن معه من المسلمين إلى وقعة الفراض وهي تخوم الشام والعراق والجزيرة، فأقام هنالك شهر رمضان مفطرا لشغله بالاعداء، ولما بلغ الروم أمر خالد ومصيره إلى قرب بلادهم، حموا وغضبوا وجمعوا جموعا كثيرة، واستمدوا تغلب وإياد والنمر، ثم ناهدوا خالدا فحالت الفرات بينهم فقالت الروم لخالد: اعبر إلينا، وقال خالد للروم: بل اعبروا أنتم، فعبرت الروم إليهم، وذلك للنصف من ذي القعدة سنة ثنتي عشرة، فاقتتلوا هنالك قتالا عظيما بليغا، ثم هزم الله جموع الروم وتمكن المسلمون من اقتفائهم، فقتل في هذه المعركة مائة ألف، وأقام خالد بعد ذلك بالفراض عشرة أيام ثم أذن بالقفول إلى الحيرة، لخمس بقين من ذي القعدة، وأمر عاصم بن عمرو أن يسير في المقدمة وأمر شجرة بن الاعز أن يسير في الساقة، وأظهر خالد أنه يسير في الساقة، وسار خالد في عدة من أصحابه وقصد شطر المسجد الحرام، وسار إلى مكة في طريق لم يسلك من قبله قط، ويأتي له في ذلك أمر لم يقع لغيره، فجعل يسير معتسفا على غير
جادة، حتى انتهى إلى مكة فأدرك الحج هذه السنة، ثم عاد فأدرك أمر الساقة قبل أن يصلوا إلى الحيرة، ولم يعلم أحد بحج خالد هذه السنة إلا القليل من الناس ممن كان معه، ولم يعلم أبو بكر الصديق لذلك أيضا إلا بعد ما رجع أهل الحج من الموسم، فبعث يعتب عليه في مفارقته وكانت عقوبته عنده أن صرفه من غزو العراق إلى غزو الشام، وقال له فيما كتب إليه: يقول له: وإن الجموع لم تشج بعون الله شجيك، فليهنئك أبا سليمان النية والحظوة، فأتمم يتمم الله لك، ولا يدخلنك عجب فتخسر وتخذل، وإياك أن تدل بعمل فإن الله له المن وهو ولي الجزاء.
فصل فيما كان من الحوادث في هذه السنة فيها أمر الصديق زيد بن ثابت أن يجمع القرآن من اللحاف والعسب وصدور الرجال، وذلك بعد ما استحر القتل في القراء يوم اليمامة كما ثبت به الحديث في صحيح البخاري، وفيها تزوج علي بن أبي طالب بأمامة بنت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي من أبي العاص بن الربيع بن
__________
(1) أخرجه النسائي في القسامة (27).
وأبو داود في الجهاد (170).
(2) أخرجه أبو داود في الجهاد باب (95)، والنسائي في القسامة باب (27).
(*)

(6/388)


عبد شمس الاموي، وقد توفي أبوها في هذا العام، وهذه هي التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحملها في الصلاة فيضعها إذا سجد ويرفعها إذا قام.
وفيها تزوج عمر بن الخطاب عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل، وهي ابنة عمه، وكان لها محبا ولها معجبا، وكان لا يمنعها من الخروج إلى الصلاة ويكره خروجها، فجلس لها ذات ليلة في الطريق في ظلمة فلما مرت ضرب بيده على عجزها، فرجعت إلى منزلها ولم تخرج بعد ذلك، وقد كانت قبله تحت زيد بن الخطاب، فيما قيل، فقتل عنها، وكانت قبل زيد تحت عبد الله بن أبي بكر فقتل عنها، ولما مات عمر تزوجها بعده الزبير، فلما قتل خطبها علي بن أبي طالب فقالت: إني أرغب بك عن الموت، وامتنعت عن التزوج حتى ماتت، وفيها اشترى عمر مولاه أسلم ثم صار منه أن كان أحد سادات التابعين، وابنه زيد بن أسلم أحد الثقات الرفعاء.
وفيها حج بالناس أبو بكر الصديق رضي الله عنه، واستخلف على
المدينة عثمان بن عفان.
رواه ابن اسحاق عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة عن رجل من بني سهم، عن ابن ماجدة، قال: حج بنا أبو بكر في خلافته سنة ثنتي عشرة، فذكر حديثا في القصاص من قطع الاذن، وأن عمر حكم في ذلك بأمر الصديق.
قال ابن إسحاق: وقال بعض الناس لم يحج أبو بكر في خلافته، وأنه بعث على الموسم سنة ثنتي عشرة عمر بن الخطاب، أو عبد الرحمن بن عوف.
فصل فيمن توفي في هذه السنة قد قيل إن وقعة اليمامة وما بعدها كانت في سنة ثنتي عشرة، فليذكر هاهنا من تقدم ذكره في سنة إحدى عشرة من قتل باليمامة وما بعدها، ولكن المشهور ما ذكره.
بشير بن سعد بن ثعلبة الخزرجي والد النعمان بن بشير، شهد العقبة الثانية، وبدرا وما بعدها، ويقال إنه أول من أسلم من الانصار، وهو أول من بايع الصديق يوم السقيفة من الانصار، وشهد مع خالد حروبه إلى أن قتل بعين التمر رضي الله عنه.
وروى له النسائي حديث النحل.
والصعب بن جثامة الليثي أخو محكم بن جثامة له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث، قال أبو حاتم: هاجر وكان نزل ودان ومات في خلافة الصديق.
أبو مرثد الغنوي واسمه معاذ بن الحصين (1) ويقال بن حصين بن يربوع بن عمرو بن يربوبن خرشة بن
__________
(1) في الاستيعاب: كناز بن حصن، وفي الاصابة: كناز بن الحصين.
(*)

(6/389)


سعد بن طريف بن خيلان بن غنم بن غنى بن أعصر بن سعد بن قيس بن غيلان بن مضر بن نزار (1) أبو مرثد الغنوي، شهد هو وابنه مرثد بدرا، ولم يشهدها رجل هو وابنه سواهما، واستشهد ابنه مرثد يوم الرجيع كما تقدم، وابن ابنه أنيس بن مرثد بن أبي مرثد له صحبة أيضا، شهد الفتح وحنينا وكان عين رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أوطاس فهم ثلاثة نسقا، وقد كان أبو مرثد حليفا
للعباس (2) بن عبد المطلب، وروي له عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث واحد (3) أنه قال: لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا إليها، قال الواقدي: توفي سنة ثنتي عشرة، زاد غيره بالشام، وزاد غيره عن ست وستين سنة، وكان رجلا طويلا كثير الشعر، قلت: وفي قبلي دمشق قبر يعرف بقبر كثير، والذي قرأته على قبره هذا قبر كناز بن الحصين صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورأيت على ذلك المكان روحا وجلالة، والعجب أن الحافظ ابن عساكر لم يذكره في تاريخ الشام.
فالله أعلم.
وممن توفي في هذه السنة: أبو العاص بن الربيع ابن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشي العبشمي زوج أكبر بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب، وكان محسنا إليها ومحبا لها، ولما أمره المسلمون بطلاقها حين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبى عليهم ذلك، وكان ابن أخت خديجة بنت خويلد واسم أمه هالة، ويقال هند بنت خويلد واختلف في اسمه فقيل: لقيط، وهو الاشهر، وقيل: مهشم وقيل: هشيم، وقد شهد بدرا من ناحية الكفار فأسر، فجاء أخوه عمرو بن الربيع ليفاديه وأحضر معه في الفداء قلادة كانت خديجة أخرجتها مع ابنتها زينب حين تزوج أبو العاص بها، فلما رآها رسول الله رق لها رقة شديدة وأطلقه بسببها، واشترط عليه أن يبعث له زينب إلى المدينة فوفى له بذلك، واستمر أبو العاص على كفره بمكة إلى قبيل الفتح بقليل، فخرج في تجارة لقريش فاعترضه زيد بن حارثة في سرية فقتلوا جماعة من اصحابه وغنموا العير، وفر أبو العاص هاربا إلى المدينة فاستجار بامرأته زينب فأجارته، فأجاز رسول الله جوارها، ورد عليه ما كان معه من أموال قريش، فرجع بها أبو العاص إليهم، فرد كل مال إلى صاحبه، ثم تشهد شهادة الحق وهاجر إلى المدينة، ورد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بالنكاح الاول وكان بين فراقها له وبين اجتماعها ست سنين وذلك بعد سنتين من وقت تحريم المسلمات على المشركين في عمرة الحديبية، وقيل إنما ردها عليه بنكاح جديد فالله أعلم * وقد ولد له من زينب علي بن أبي العاص، وخرج مع علي إلى اليمن حين بعثه إليها رسول
__________
(1) في طبقات ابن سعد: ابن الحصين بن يربوع بن طريف بن خرشة بن عبيد بن سعد بن عوف بن كعب بن جلان بن غنم بن يحيى ين يعصر بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر.
(3 / 47).
بدرا من ناحية الكفار فأسر، فجاء أخوه عمرو بن الربيع ليفاديه وأحضر معه في الفداء قلادة كانت خديجة أخرجتها مع ابنتها زينب حين تزوج أبو العاص بها، فلما رآها رسول الله رق لها رقة شديدة وأطلقه بسببها، واشترط عليه أن يبعث له زينب إلى المدينة فوفى له بذلك، واستمر أبو العاص على كفره بمكة إلى قبيل الفتح بقليل، فخرج في تجارة لقريش فاعترضه زيد بن حارثة في سرية فقتلوا جماعة من اصحابه وغنموا العير، وفر أبو العاص هاربا إلى المدينة فاستجار بامرأته زينب فأجارته، فأجاز رسول الله جوارها، ورد عليه ما كان معه من أموال قريش، فرجع بها أبو العاص إليهم، فرد كل مال إلى صاحبه، ثم تشهد شهادة الحق وهاجر إلى المدينة، ورد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بالنكاح الاول وكان بين فراقها له وبين اجتماعها ست سنين وذلك بعد سنتين من وقت تحريم المسلمات على المشركين في عمرة الحديبية، وقيل إنما ردها عليه بنكاح جديد فالله أعلم * وقد ولد له من زينب علي بن أبي العاص، وخرج مع علي إلى اليمن حين بعثه إليها رسول
__________
(1) في طبقات ابن سعد: ابن الحصين بن يربوع بن طريف بن خرشة بن عبيد بن سعد بن عوف بن كعب بن جلان بن غنم بن يحيى ين يعصر بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر.
(3 / 47).
(2) قال الواقدي والزهري: كان حليفا لحمزة بن عبد المطلب.
(3) رواه وائلة بن الاسقع عنه وأخرحه مسلم والبغوي وغيرهما من طريق بشر بن عبيد الله كما في الاصابة والاستيعاب.
(*)

(6/390)


الله صلى الله عليه وسلم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يثني عليه خيرا في صهارته، ويقول: حدثني فصدقني وواعدني فوفاني، وقد توفي في أيام الصديق سنة ثنتي عشرة.
وفي هذه السنة تزوج علي بن أبي طالب بابنته أمامة بنت أبي العاص، بعد وفاة خالتها فاطمة، وما أدري هل كان ذلك قبل وفاة أبي العاص أو بعده فالله أعلم * تم الجزء السادس من البداية والنهاية ويليه الجزء السابع وأوله سنة ثلاث عشرة من الهجرة النبوية،

(6/391)


البداية والنهاية - ابن كثير ج 7
البداية والنهاية
ابن كثير ج 7

(7/)


البداية والنهاية

(7/1)


البداية والنهاية للامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي المتوفى سنة 774 ه حققه ودقق اصوله وعلق حواشيه علي شيري الجزء السابع دار إحياء التراث العربي

(7/3)


جميع الحقوق محفوظة لدار احياء التراث العربي طبعة جديدة محققة الطبعة الاولى 1408 ه 1988 م

(7/4)


بسم الله الرحمن الرحيم سنة ثلاث عشرة من الهجرة استهلت هذه السنة والصديق عازم على جمع الجنود ليبعثهم إلى الشام، وذلك بعد مرجعه من الحج عملا بقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين) * [ التوبة: 123 ].
وبقوله تعالى: * (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله
ولا باليوم الآخر) * الآية [ التوبة: 29 ].
واقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه جمع المسلمين لغزو الشام - وذلك عام تبوك - حتى وصلها في حر شديد وجهد، فرجع عامه ذلك، ثم بعث قبل موته أسامة بن زيد مولاه ليغزو تخوم الشام كما تقدم.
ولما فرغ الصديق من أمر جزيرة العرب بسط يمينه إلى العراق، فبعث إليها خالد بن الوليد ثم أراد أن يبعث إلى الشام كما بعث إلى العراق، فشرع في جمع الامراء في أماكن متفرقة من جزيرة العرب.
وكان قد استعمل عمرو بن العاص على صدقات قضاعة معه الوليد بن عقبة فيهم، فكتب إليه يستنفره إلى الشام: " إني كنت قد رددتك على العمل الذي ولاكه رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة، وسماه لك أخرى، وقد أحببت أبا عبد الله ن أفرغك لما هو خير لك في حياتك ومعادك منه، إلا أن يكون الذي أنت فيه أحب إليك " فكتب إليه عمرو بن العاص: إني سهم من سهام الاسلام، وأنت عبد (1) الله الرامي بها، والجامع لها، فانظر أشدها وأخشاها (2) فارم بي فيها.
وكتب إلى الوليد بن عقبة بمثل ذلك ورد عليه مثله، وأقبلا بعد ما استخلفا في عملهما، إلى المدينة.
وقدم خالد بن سعيد بن العاص من اليمن فدخل المدينة وعليه جبة ديباج، فلما رآها عمر عليه أمر من هناك من الناس بتحريقها عنه، فغضب خالد بن سعيد (3)
__________
(1) في الطبري والكامل: بعد.
(2) زاد الطبري والكامل: وأفضلها.
(3) قال الطبري: ان خالد بن سعيد قدم من اليمن بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وتربص ببيعة أبي بكر شهرين لم يبايعه وقال لعلي ما قال...فاضطغنها عليه عمر.
ولم يحفلها عليه أبو بكر (4 / 28 - والكامل في التاريخ 2 / 402 وابن سعد 4 / 97).
(*)

(7/5)


أو قال لعلي بن أبي طالب: يا أبا الحسن ! أغلبتم يا بني عبد مناف عن الامرة ؟ فقال له علي: أمغالبة تراها أو خلافة ؟ فقال لا يغلب على هذا الامر أولى منكم.
فقال له عمر بن الخطاب: أسكت فض الله فاك، والله لا تزال كاذبا تخوض فيما قلت ثم لا تضر إلا نفسك.
وأبلغها عمر أبا بكر فلم يتأثر لها أبو بكر.
ولما اجتمع عند الصديق من الجيوش ما أراد قام في الناس خطيبا فأثنى
على الله بما هو أهله، ثم حث الناس على الجهاد فقال: ألا لكل أمر جوامع، فمن بلغها فهي حسبه، ومن عمل لله كفاه الله، عليكم بالجد والقصد فإن القصد أبلغ، ألا إنه لا دين لاحد لا إيمان له، ولا إيمان لمن لا خشية له (1)، ولا عمل لمن لا نية له، ألا وإن في كتاب الله من الثواب على الجهاد في سبيل الله لما ينبغي للمسلم أن يحب أن يخص به (2)، هي النجاة (3) التي دل الله عليها، إذ نجى بها من الخزي، وألحق بها الكرامة [ في الدنيا والآخرة ] (4).
ثم شرع الصديق في تولية الامراء وعقد الالوية والرايات، فيقال إن أول لواء عقده لخالد بن سعيد بن العاص (5)، فجاء عمر بن الخطاب فثناه عنه وذكره بما قال.
فلم يتأثر به الصديق كما تأثر به عمر، بل عزله عن الشام وولاه أرض " تيماء " يكون بها فيمن معه من المسلمين حتى يأتيه أمره.
ثم عقد لواء يزيد بن أبي سفيان ومعه جمهور الناس، ومعه سهيل بن عمرو، وأشباهه من أهل مكة، وخرج معه ماشيا يوصيه بما اعتمده في حربه ومن معه من المسلمين، وجعل له دمشق.
وبعث أبا عبيدة بن الجراح على جند آخر، وخرج معه ماشيا يوصيه، وجعل له نيابة حمص.
وبعث عمرو بن العاص ومعه جند آخر وجعله على فلسطين.
وأمر كل أمير أن يسلك طريقا غير طريق الآخر، لما لحظ في ذلك من المصالح.
وكان الصديق اقتدى في ذلك بنبي الله يعقوب حين قال لبنيه (* يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغنى عنكم من الله من شئ إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون) * [ يوسف: 67 ].
فكان سلوك يزيد ابن أبي سفيان على تبوك.
قال المدائني بإسناده عن شيوخه قالوا: وكان بعث أبي بكر هذه الجيوش في أول سنة ثلاث عشرة.
قال محمد بن إسحاق عن صالح بن كيسان: خرج أبو بكر ماشيا ويزيد ابن أبي سفيان راكبا فجعل، يوصيه، فلما فرغ قال: أقرئك السلام وأستودعك الله، ثم انصرف ومضى يزيد وأجد السير.
ثم تبعه شرحبيل بن حسنة، ثم أبو عبيدة مددا لهما، فسلكوا غير ذلك الطريق.
وخرج عمرو بن العاص حتى نزل العرمات (6) من أرض الشام.
ويقال إن يزيد بن أبي
__________
(1) في الطبري: ولا أجر لمن لا حسبة له.
(2) في الكنز: أن يحضره، وفي ابن عساكر: أن يحض به.
(3) في الطبري: التجارة.
(4) من الطبري 4 / 30 وأخرجه ابن عساكر في 1 / 133 وذكره في الكنز 8 / 207 بمثله.
(5) قال الواقدي في فتوح الشام: يزيد بن أبي سفيان.
(6) في الطبري: بغمر العربات.
(*)

(7/6)


سفيان نزل البلقاء أولا.
ونزل شرحبيل بالاردن، ويقال ببصرى.
ونزل أبو عبيدة بالجابية.
وجعل الصديق يمدهم بالجيوش، وأمر كل واحد منهم أن ينضاف إلى من أحب من الامراء.
ويقال إن أبا عبيدة لما مر بأرض البلقاء قاتلهم حتى صالحوه وكان أول صلح (1) وقع بالشام.
ويقال إن أول حرب وقع بالشام أن الروم اجتمعوا بمكان يقال له العرية (2) من أرض فلسطين، فوجه إليهم أبا أمامة [ الباهلي ] في سرية فقتلهم وغنم منهم، وقتل منهم بطريقا عظيما.
ثم كانت بعد هذه وقعة مرج الصفراء استشهد فيها خالد بن سعيد بن العاص وجماعة من المسلمين.
ويقال إن الذي استشهد في مرج الصفراء ابن لخالد بن سعيد، وأما هو ففر حتى انحاز إلى أرض الحجاز.
فالله أعلم، حكاه ابن جرير.
قال ابن جرير: ولما انتهى خالد بن سعيد إلى تيماء اجتمع له جنود من الروم في جمع كثير من نصارى العرب، من غيرا (3)، وتنوخ، وبني كلب، وسليح، ولخم وجذام، وغسان، فتقدم إليهم خالد بن سعيد، فلما اقترب منهم تفرقوا عنه ودخل كثير منهم في الاسلام، وبعث إلى الصديق يعلمه بما وقع من الفتح، فأمره الصديق أن يتقدم ولا يحجم، وأمده بالوليد بن عقبة وعكرمة بن أبي جهل وجماعة، فسار إلى قريب من إيلياء فالتقى هو وأمير من الروم يقال له ماهان (4) فكسره، ولجأ ماهان إلى دمشق، فلحقه خالد بن سعيد، وبادر الجيوش إلى لحوق دمشق وطلب الحظوة، فوصلوا إلى مرج الصفراء فانطوت عليه مسالح ماهان وأخذوا عليهم الطريق، وزحف ماهان ففر خالد بن سعيد، فلم يرد إلى ذي المروة.
واستحوذ الروم على جيشهم إلا من فر على الخيل، وثبت عكرمة بن أبي جهل، وقد تقهقر عن الشام قريبا وبقي ردءا
لمن نفر إليه، وأقبل شرحبيل بن حسنة من العراق من عند خالد بن الوليد إلى الصديق، فأمره على جيشه وبعثه إلى الشام، فلما مر بخالد بن سعيد بذي المروة، أخذ جمهور أصحابه الذين هربوا إلى ذي المروة.
ثم اجتمع عند الصديق طائفة من الناس فأمر عليهم معاوية بن أبي سفيان وأرسله وراء أخيه يزيد بن أبي سفيان.
ولما مر بخالد بن سعيد أخذ من كان بقي معه بذي المروة إلى الشام.
ثم أذن الصديق لخالد بن سعيد في الدخول إلى المدينة وقال: كان عمر أعلم بخالد.
وقعة اليرموك على ما ذكره سيف بن عمر في هذه السنة قبل فتح دمشق، وتبعه على ذلك أبو جعفر بن
__________
(1) وهو صلح مآب وهي فسطاط ليست بمدينة وهي قرية من قرى البلقاء كما في الطبري 4 / 39.
(2) في الطبري: العربة.
وفي معجم البلدان: العربة موضع بفلسطين كانت به وقعة للمسلمين في أول الاسلام.
(3) في الطبري: بهراء.
(4) في الطبري والكامل: باهان، وفي فتوح الشام للواقدي وفتوح البلدان للبلاذري: ماهان.
(*)

(7/7)


جرير رحمه الله.
وأما الحافظ ابن عساكر رحمه الله فإنه نقل عن يزيد بن أبي عبيدة والوليد وابن لهيعة والليث وأبي معشر أنها كانت في سنة خمس عشرة بعد فتح دمشق.
وقال محمد بن إسحاق: كانت في رجب سنة خمس عشرة.
وقال خليفة بن خياط قال ابن الكلبي.
كانت وقعة اليرموك يوم الاثنين لخمس مضين من رجب سنة خمس عشرة.
قال ابن عساكر، وهذا هو المحفوظ و (أما) ما قاله سيف من أنها قبل فتح دمشق سنة ثلاث عشرة فلم يتابع عليه.
قلت: وهذا ذكر سياق سيف وغيره على ما أورده ابن جرير وغيره.
قال: ولما توجهت هذه الجيوش نحو الشام أفزع ذلك الروم وخافوا خوفا شديدا، وكتبوا إلى هرقل يعلمونه بما كان من الامر.
فيقال إنه كان يومئذ بحمص، ويقال: كان حج عامه ذلك إلى بيت المقدس.
فلما انتهى إليه الخبر.
قال لهم: ويحكم إن هؤلاء أهل دين جديد، وإنهم لا قبل لاحد بهم، فأطيعوني وصالحوهم بما تصالحونهم على نصف خراج الشام ويبقى لكم جبال الروم، وإن أنتم أبيتم ذلك
أخذوا منكم الشام وضيقوا عليكم جبال الروم.
فنخروا من ذلك نخرة حمر الوحش كما هي عاداتهم في قلة المعرفة والرأي بالحرب والنصرة في الدين والدنيا.
فعند ذلك سار إلى حمص، وأمر هرقل بخروج الجيوش الرومية صحبة الامراء، في مقابلة كل أمير من المسلمين جيش كثيف، فبعث إلى عمرو بن العاص أخا له لابويه " تذارق " في تسعين ألفا من المقاتلة.
وبعث جرجه بن بوذيها (1) إلى ناحية يزيد بن أبي سفيان، فعسكر بإزائه في خمسين ألفا أو ستين ألفا.
وبعث الدراقص إلى شرحبيل بن حسنة.
وبعث اللقيقار (2) ويقال القيقلان - قال ابن إسحاق وهو خصي هرقل نسطورس - في ستين ألفا إلى أبي عبيدة بن الجراح.
وقالت الروم: والله لنشغلن أبا بكر عن أن يورد الخيول إلى أرضنا.
وجميع عساكر المسلمين أحد وعشرون ألفا سوى الجيش الذي مع عكرمة بن أبي جهل.
وكان واقفا في طرف الشام ردءا للناس - في ستة آلاف - فكتب الامراء إلى أبي بكر وعمر يعلمونهما بما وقع من الامر العظيم.
فكتب إليهم أن اجتمعوا وكونوا جندا واحدا والقوا جنود المشركين، فأنتم أنصار الله والله ينصر من نصره، وخاذل من كفره، ولن يؤتى مثلكم عن قلة، ولكن من تلقاء الذنوب فاحترسوا منها، وليصل كل رجل منكم بأصحاب.
وقال الصديق: والله لاشغلن النصارى عن وساوس الشيطان بخالد بن الوليد.
وبعث إليه وهو بالعراق ليقدم إلى الشام فيكون الامير على من به، فإذا فرغ عاد إلى عمله بالعراق، فكان ما سنذكره.
ولما بلغ هرقل ما أمر به الصديق أمراءه من الاجتماع، بعث إلى أمرائه أن يجتمعوا أيضا وأن ينزلوا بالجيش منزلا واسع العطن، واسع المطرد، ضيق المهرب، وعلى الناس أخوه تذارق، وعلى المقدمة جرجه، وعلى المجنبتين ماهان والدراقص، وعلى البحر القيقلان.
__________
(1) في الكامل: بن توذر، وفي الطبري: توذرا.
(2) في الطبري: الفيقار، وفي الكامل: القيقار.
(*)

(7/8)


وقال محمد بن عائد عن عبد الاعلى عن سعيد بن عبد العزيز: إن المسلمين كانوا أربعة وعشرين ألفا، وعليهم أبو عبيدة، والروم كانوا عشرين ومائة ألف عليهم ماهان وسقلاب يوم
اليرموك.
وكذا ذكر ابن إسحاق أن سقلاب الخصي كان على الروم يومئذ في مائة ألف، وعلى المقدمة جرجه - من أرمينية - في اثني عشر ألفا، ومن المستعربة اثني عشر ألفا (1) عليهم جبلة بن الايهم: والمسلمون في أربعة وعشرين ألفا، فقاتلوا قتالا شديدا حتى قاتلت النساء من ورائهم أشد القتال.
وقال الوليد عن صفوان عن عبد الرحمن بن جبير قال: بعث هرقل مائتي ألف عليهم ماهان الارمني.
قال سيف: فسارت الروم فنزلوا الواقوصة قريبا من اليرموك، وصار الوادي خندقا عليهم.
وبعث الصحابة إلى الصديق يستمدونه ويعلمونه بما اجتمع من جيش الروم باليرموك، فكتب الصديق عند ذلك إلى خالد بن الوليد (2) أن يستنيب على العراق وأن يقفل بمن معه إلى الشام، فإذا وصل إليهم فهو الامير عليهم.
فاستناب المثنى بن حارثة على العراق وسار خالد مسرعا في تسعة آلاف وخمسمائة (3)، ودليله رافع بن عميرة الطائي، فأخذ به على السماق حتى انتهى إلى قراقر، وسلك به أراضي لم يسلكها قبله أحد، فاجتاب البراري والقفار، وقطع الاودية،: وتصعد على الجبال، وسار في غير مهيع، وجعل رافع يدلهم في مسيرهم على الطريق وهو في مفاوز معطشة، وعطش النوق وسقاها الماء عللا بعد نهل (4)، وقطع مشافرها وكعمها حتى لا تجتز رحل أدبارها، واستاقها معه، فلما فقدوا الماء نحرها فشربوا ما في أجوافها من الماء، ويقال بل سقاه الخيل وشربوا ما كانت تحمله من الماء وأكلوا لحومها.
ووصل ولله الحمد والمنة في خمسة أيام، فخرج على الروم من ناحية تدمر فصالح أهل تدمر وأركه، ولما مر بعذراء أباحها وغنم لغسان أموالا عظيمة وخرج من شرقي دمشق، ثم سار حتى وصل إلى قناة بصرى فوجد الصحابة تحاربها فصالحه صاحبها وسلمها إليه (5)، فكانت أول مدينة فتحت من الشام ولله الحمد.
__________
(1) في فتوح ابن الاعثم: في أربعين ألفا من العرب المتنصرة بالخيل والعدد والسلاح والزينة.
(2) أرسل أبو بكر كتاب إلى خالد بن الوليد مع عبد الرحمن بن حنبل الجمحي وفيه: من عبد الله بن عثمان خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله إلى خالد بن الوليد.
أما بعد.
فقد ورد علي من خبر الشام ما قد أقلقني وأرقني وضقت به ذرعا.
فإذا ورد عليك كتابي هذا وأنت قائم فلا تقعد، وإن كنت راكبا فلا تنزل، وذر العراق وخلف عليها من تثق به من أهلها الذين قدموا معك من اليمامة والحجاز حتى تأتي الشام فتلقى أبا عبيدة بن الجراح
ومن معه من المسلمين، فإن العدو قد جمع لهما جمعا عظيما وقد احتاجوا إلى معونتك، فإذا أنت أتيت المسلمين بالشام فأنت أمير الجماعة والسلام.
(الفتوح 1 / 133).
(3) في الفتوح: سبعة آلاف، وفي الكامل: عشرة آلاف، وفي الطبري: تسعة آلاف.
وفي فتوح البلدان: ثمان مئة.
وفي فتوح الشام أربعة آلاف.
(4) العلل: الشربة الثانية.
والنهل: الشربة الاولى.
(5) صالحوا على أن يؤمنوا على دمائهم وأموالهم وأولادهم على أن يؤدوا الجزية فعلى كل حالم دينارا وجريب حنطة (فتوح البلدان 1 / 134).
(*)

(7/9)


وبعث خالد بأخماس ما غنم من غسان مع بلال بن الحرث المزني إلى الصديق ثم سار خالد وأبو عبيدة ومرثد وشرحبيل إلى عمرو بن العاص - وقد قصده الروم بأرض العربا من المعور فكانت واقعة أجنادين.
وقد قال رجل من المسلمين في مسيرهم هذا مع خالد: لله عينا رافع أنى اهتدى * فوز من قراقر إلى نوى (1) خمسا إذا ما سارها الجيش بكى * ما سارها قبلك إنسي أرى (2) وقد كان بعض العرب قال له في هذا المسير: إن أنت أصبحت عند الشجرة الفلانية نجوت أنت ومن معك، وإن لم تدركها هلكت أنت ومن معك، فسار خالد بمن معه وسروا سروة عظيمة فأصبحوا عندها، فقال خالد: عند الصباح يحمد القوم السرى.
فأرسلها مثلا، وهو أول من قالها رضي الله عنه.
ويقول غير ابن إسحاق كسيف بن عمر وأبي نحيف وغيرهما في تكميل السياق الاول: حين اجتمعت الروم مع أمرائها بالواقوصة وانتقل الصحابة من منزلهم الذي كانوا فيه فنزلوا قريبا من الروم في طريقهم الذي ليس لهم طريق غيره، فقال عمر بن العاص: أبشروا أيها الناس، فقد حصرت والله الروم، وقلما جاء محصور بخير.
ويقال إن الصحابة لما اجتمعوا للمشورة في كيفية المسير إلى الروم، جلس الامراء لذلك فجاء أبو سفيان فقال: ما كنت أظن أني أعمر حتى أدرك قوما يجتمعون لحرب ولا أحضرهم، ثم أشار أن يتجزأ الجيش ثلاثة أجزاء، فيسير ثلثه فينزلون تجاه
الروم، ثم تسير الاثقال والذراري في الثلث الآخر، ويتأخر خالد بالثلث الآخر حتى إذا وصلت الاثقال إلى أولئك سار بعدهم ونزلوا في مكان تكون البرية من وراء ظهورهم لتصل إليهم البرد والمد.
فامتثلوا ما أشار به ونعم الرأي هو.
وذكر الوليد عن صفوان عن عبد الرحمن بن جبير أن الروم نزلوا فيما بين دير أيوب واليرموك، ونزل المسلمون من وراء النهر من الجانب الآخر، وأذرعات خلفهم ليصل إليهم المدد من المدينة.
ويقال إن خالدا إنما قدم عليهم بعد ما نزل الصحابة تجاه الروم بعد ما صابروهم وحاصروهم شهر ربيع الاول بكماله، فلما انسلخ وأمكن القتال (3) لقلة الماء بعثوا إلى الصديق يستمدونه فقال: خالد لها، فبعث إلى خالد فقدم عليهم في ربيع الآخر، فعند وصول خالد إليهم أقبل ماهان مددا للروم ومعه القساقسة، والشمامسة والرهبان يحثونهم، ويحرضونهم على القتال لنصر دين النصرانية، فتكامل جيش الروم أربعون ومائتا ألف.
ثمانون ألفا مسلسل بالحديد والحبال، وثمانون ألفا فارس، وثمانون ألفا راجل.
قال سيف وقيل بل كان الذين تسلسلوا كل عشرة سلسلة لئلا يفروا ثلاثين
__________
(1) في الكامل والطبري: سوى.
(2) البيت في فتوح البلدان: ماء إذا ما رامه الجبس انثنى * ما جازها قبلك من إنس يرى (3) كذا بالاصول والظاهر أن فيه سقطا، والعبارة بأكملها ساقطة من الطبري.
(*)

(7/10)


ألفا (1)، فالله أعلم.
قال سيف وقدم عكرمة بمن معه من الجيوش فتكامل جيش الصحابة ستة وثلاثين ألفا إلى الاربعين ألفا.
وعند ابن إسحق والمدايني أيضا أن وقعة أجنادين قبل وقعة اليرموك وكانت وقعة أجنادين لليلتين بقيتا (2) من جمادى الاولى سنة ثلاث عشرة، وقتل بها بشر كثير من الصحابة، وهزم الروم وقتل أميرهم القيقلان (3).
وكان قد بعث رجلا من نصارى العرب (4) يجس له أمر الصحابة، فلما رجع إليه قال: وجدت قوما رهبانا بالليل فرسانا بالنهار، والله لو سرق فيهم ابن ملكهم لقطعوه، أو
زنى لرجموه.
فقال له القيقلان: والله لئن كنت صادقا لبطن الارض خير من ظهرها.
وقال سيف بن عمر في سياقه: ووجد خالد الجيوش متفرقة فجيش أبي عبيدة وعمرو بن العاص ناحية، وجيش يزيد وشرحبيل ناحية.
فقام خالد في الناس خطيبا.
فأمرهم بالاجتماع ونهاهم عن التفرق والاختلاف.
فاجتمع الناس وتصافوا مع عدوهم في أول جمادى الآخرة وقال خالد بن الوليد في الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال: إن هذا يوم من أيام الله، لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي، أخلصوا جهادكم وأريدوا الله بعملكم، وإن هذا يوم له ما بعده لو رددناهم اليوم إلى خندقهم فلا نزال نردهم، وإن هزمونا لا نفلح بعدها أبدا، فتعالوا فلنتعاور الامارة فليكن عليها بعضنا اليوم والآخر غدا والآخر بعد غد، حتى يتأمر كلكم، ودعوني اليوم إليكم، فأمروه عليهم وهم يظنون أن الامر يطول جدا فخرجت الروم في تعبئة لم ير مثلها قبلها قط وخرج خالد في تعبئة لم تعبها العرب قبل ذلك.
فخرج في ستة وثلاثين كردوسا إلى الاربعين كل كردوس ألف رجل عليهم أمير، وجعل أبا عبيدة في القلب، وعلى الميمنة عمرو بن العاص ومعه شرحبيل بن حسنة، وعلى الميسرة يزيد بن أبي سفيان.
وأمر على كل كردوس أميرا، وعلى الطلائع قباب (5) بن أشيم، وعلى الاقباض عبد الله بن مسعود والقاضي يومئذ أبو الدرداء وقاصهم الذي يعظهم ويحثهم على القتال أبو سفيان بن حرب وقارئهم الذي يدور على الناس فيقرأ سورة الانفال وآيات الجهاد المقداد بن الاسود.
وذكر إسحاق بن يسار بإسناده أن أمراء الارباع يومئذ كانوا أربعة، أبو عبيدة وعمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة ويزيد بن أبي سفيان، وخرج الناس على راياتهم وعلى الميمنة معاذ بن جبل، وعلى الميسرة نفاثة بن أسامة الكناني، وعلى الرجالة هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وعلى الخيالة خالد بن الوليد وهو المشير في الحرب الذي
__________
(1) في الطبري: أربعون ألفا.
(2) في فتوح البلدان: لاثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الاولى، وفي فتوح الشام للواقدي كانت ليلة ست خلت من جمادى الاولى.
(3) في الطبري: القبقلار، وفي الكامل: كان عليهم تذارق أخو هرقل لابويه.
وفي الفتوح لابن الاعثم: كان عليهم قلفط أحد بطارقتهم.
وقال الطبري: أما علماء الشام فيزعمون انما كان على الروم تذارق.
(4) في الطبري: رجل من قضاعة من تزيد بن حيدان يقال له: ابن هزارف.
(5) في الطبري: قباث.
(*)

(7/11)


يصدر الناس كلهم عن رأيه.
ولما أقبلت الروم في خيلائها وفخرها قد سدت أقطار تلك البقعة سهلها ووعرها كأنهم غمامة سوداء يصيحون بأصوات مرتفعة ورهبانهم يتلون الانجيل ويحثونهم على القتال، وكان خالد في الخيل بين يدي الجيش فساق بفرسه إلى أبي عبيدة فقال له: إني مشير بأمر، فقال: قل ما أمرك الله أسمع لك وأطيع.
فقال له خالد إن هؤلاء القوم لابد لهم من حملة عظيمة لا محيد لهم عنها، وإني أخشى على الميمنة والميسرة وقد رأيت أن أفرق الخيل فرقتين وأجعلها وراء الميمنة والميسرة حتى إذا صدموهم كانوا لهم ردءا فنأتيهم من ورائهم.
فقال له: نعم ما رأيت.
فكان خالد في أحد الخيلين من وراء الميمنة وجعل قيس بن هبيرة في الخيل الاخرى وأمر أبا عبيدة أن يتأخر عن القلب إلى وراء الجيش كله لكي إذا رآه المنهزم استحى منه ورجع إلى القتال، فجعل أبو عبيدة مكانه في القلب سعيد بن زيد أحد العشرة رضي الله عنهم، وساق خالد إلى النساء من وراء الجيش ومعهن عدد من السيوف وغيرها، فقال لهن من رأيتموه موليا فاقتلنه، ثم رجع إلى موقفه رضي الله عنه.
ولما تراءى الجمعان وتبارز الفريقان وعظ أبو عبيدة المسلمين فقال: عباد الله انصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم، يا معشر المسلمين اصبروا فإن الصبر منجاة من الكفر ومرضاة للرب ومدحضة للعار، ولا تبرحوا مصافكم، ولا تخطوا إليهم خطوة، ولا تبدأوهم بالقتال وشرعوا الرماح واستتروا بالدرق والزموا الصمت إلا من ذكر الله في أنفسكم حتى آمركم إن شاء الله تعالى.
قالوا: وخرج معاذ بن جبل على الناس فجعل يذكرهم ويقول يا أهل القرآن، ومتحفظي الكتاب وأنصار الهدى والحق، إن رحمة الله لا تنال وجنته لا تدخل بالاماني، ولا يؤتي الله المغفرة والرحمة الواسعة إلا الصادق المصدق ألم تسمعوا لقول الله: * (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلفت الذين من قبلهم) * الآية [ النور: 55 ].
فاستحيوا رحمكم الله
من ربكم أن يراكم فرارا من عدوكم وأنتم في قبضته وليس لكم ملتحد من دونه ولا عز بغيره.
وقال عمرو بن العاص: يا أيها المسلمون غضوا الابصار، واجثوا على الركب، واشرعوا الرماح، فإذا حملوا عليكم فأمهلوهم حتى إذا ركبوا أطراف الاسنة فثبوا إليهم وثبة الاسد، فوالذي يرضى الصدق ويثيب عليه ويمقت الكذب ويجزي بالاحسان إحسانا، لقد سمعت أن المسلمين سيفتحونها كفرا كفرا وقصرا قصرا، فلا يهولكم جموعهم ولا عددهم، فإنكم لو صدقتموهم الشد تطايروا تطاير أولاد الحجل.
وقال أبو سفيان: يا معشر المسلمين أنتم العرب وقد أصبحتم في دار العجم منقطعين عن الاهل نائين عن أمير المؤمنين وأمداد المسلمين، وقد والله أصبحتم بإزاء عدو كثير عدده، شديد عليكم حنقه، وقد وترتموهم في أنفسهم وبلادهم ونسائهم، والله لا ينجيكم من هؤلاء القوم، ولا يبلغ بكم رضوان الله غدا إلا بصدق اللقاء والصبر في المواطن المكروهة، ألا وإنها سنة لازمة وأن

(7/12)


الارض وراءكم، بينكم وبين أمير المؤمنين وجماعة المسلمين صحارى وبراري، ليس لاحد فيها معقل ولا معدل إلا الصبر ورجاء ما وعد الله فهو خير معول، فامتنعوا بسيوفكم وتعاونوا ولتكن هي الحصون.
ثم ذهب إلى النساء فوصاهن ثم عاد فنادى: يا معاشر أهل الاسلام حضر ما ترون فهذا رسول الله والجنة أمامكم، والشيطان والنار خلفكم.
ثم سار إلى موقفه رحمه الله.
وقد وعظ الناس أبو هريرة أيضا فجعل يقول: سارعوا إلى الحور العين وجوار ربكم عز وجل في جنات النعيم، ما أنتم إلى ربكم في موطن بأحب إليه منكم في مثل هذا المواطن، ألا وإن للصابرين فضلهم.
قال سيف بن عمر إسناده عن شيوخه: إنهم قالوا كان في ذلك الجمع ألف رجل من الصحابة منهم مائة من أهل بدر.
وجعل أبو سفيان يقف على كل كردوس ويقول: الله الله إنكم دارة (1) العرب وأنصار الاسلام، وإنهم دارة (1) الروم وأنصار الشرك، اللهم إن هذا يوم من أيامك، اللهم أنزل نصرك على عبادك.
قالوا: ولما أقبل خالد من العراق قال رجل من نصارى العرب لخالد بن الوليد: ما أكثر الروم وأقل المسلمين ! ! فقال خالد: ويلك، أتخوفني بالروم ؟ إنما
تكثر الجنود بالنصر، وتقل بالخذلان لا بعدد الرجال، والله لوددت أن الاشقر برأ من توجعه، وأنهم أضعفوا في العدد - وكان فرسه قد حفا واشتكى في مجيئه من العراق -.
ولما تقارب الناس تقدم أبو عبيدة ويزيد بن أبي سفيان ومعهما ضرار بن الازور، والحارث بن هشام، وأبو جندل بن سهيل، ونادوا: إنما نريد أميركم لنجتمع به، فأذن لهم في الدخول على تذارق، وإذا هو جالس في خيمة من حرير.
فقال الصحابة: لا نستحل دخولها، فأمر لهم بفرش بسط من حرير، فقالوا: ولا نجلس على هذه.
فجلس معهم حيث أحبوا وتراضوا على الصلح، ورجع عنهم الصحابة بعد ما دعوهم إلى الله عز وجل فلم يتم ذلك.
وذكر الوليد بن مسلم أن ماهان طلب خالدا ليبرز إليه فيما بين الصفين فيجتمعا في مصلحة لهم فقال ماهان: إنا قد علمنا أن ما أخرجكم من بلادكم الجهد والجوع، فهلموا إلى أن أعطي كل رجل منكم عشرة دنانير وكسوة وطعاما وترجعون إلى بلادكم، فإذا كان من العام المقبل بعثنا لكم بمثلها.
فقال خالد: إنه لم يخرجنا من بلادنا ما ذكرت، غير أنا قوم نشرب الدماء، وأنه بلغنا أنه لا دم أطيب من دم الروم.
فجئنا لذلك.
فقال أصحاب ماهان: هذا والله ما كنا نحدث به عن العرب.
قالو ثم تقدم خالد إلى عكرمة بن أبي جهل والقعقاع بن عمرو - وهما على مجنبتي القلب - أن ينشئا القتال.
فبدرا يرتجزان (2) ودعوا إلى البراز، وتنازل الابطال، وتجاولوا وحمى الحرب وقامت على ساق.
هذ
__________
(1) في الطبري: ذادة العرب.
(2) قال القعقاع يا ليتني ألقاك في الطراد * قبل اعترام الجحفل الوراد وأنت في حلبتك الوراد وقال عكرمة: قد علمت تهنكة الجواري * اني على مكرمة (*)

(7/13)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية