صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : البداية والنهاية
مصدر الكتاب : الإنترنت
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

البقرة من تحت عرشي * ثم روي من طريق الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي هريرة، حديث الاسراء بطوله، كما سقناه من طريق ابن جرير في التفسير، وقال أبو زرعة في سياقه: ثم لقي أرواح الانبياء عليهم السلام فأثنوا على ربهم عز وجل، فقال إبراهيم: الحمد لله الذي اتخذني خليلا، وأعطاني ملكا عظيما، وجعلني أمة قانتا لله محياي ومماتي، وأنقذني من النار، وجعلها علي بردا وسلاما.
ثم إن موسى أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي كلمني تكليما، واصطفاني برسالته وبكلامه، وقربني نجيا، وأنزل علي التوراة، وجعل هلاك فرعون على يدي.
ثم إن داود أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي جعلني ملكا وأنزل علي الزبور، وألان لي الحديد، وسخر لي الجبال يسبحن معه والطير، وآتاني الحكمة وفصل الخطاب.
ثم إن سليمان أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي سخر لي الرياح والجن والانس، وسخر لي الشياطين يعملون لي ما شئت من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات، وعلمني منطق الطير، وأسال لي عين القطر،
وأعطاني ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي.
ثم إن عيسى أثنى على الله عز وجل فقال: الحمد لله الذي علمني التوراة والانجيل، وجعلني أبرئ الاكمه والابرص وأحيي الموتى بأذن الله، وطهرني ورفعني من الذين كفروا، وأعاذني من الشيطان الرجيم، فلم يكن للشيطان علينا سبيل.
ثم إن محمدا صلى الله عليه وسلم أثنى على ربه فقال: كلكم أثنى على ربه، وأنا مثن على ربي، الحمد لله الذي أرسلني رحمة للعالمين.
وكافة للناس بشيرا ونذيرا، وأنزل علي الفرقان فيه تبيان كل شئ، وجعل أمتي خير أمة أخرجت للناس، وجعل أمتي وسطا، وجعل أمتي هم الاولون وهم الآخرون، وشرح لي صدري، ووضع عني وزري، ورفع لي ذكري، وجعلني فاتحا وخاتما.
فقال إبراهيم: بهذا فضلكم محمد صلى الله عليه وسلم * ثم أورد إبراهيم الحديث المتقدم فيما رواه الحاكم والبيهقي من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب مرفوعا في قول آدم: يا رب أسألك بحق محمد إلا غفرت لي، فقال الله: وما أدراك ولم أخلقه بعد ؟ فقال: لاني رأيت مكتوبا مع اسمك على ساق العرش: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعرفت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال الله: صدقت يا آدم، ولو لا محمد ما خلقتك * وقال بعض الائمة: رفع الله ذكره، وقرنه باسمه في الاولين والآخرين، وكذلك يرفع قدره ويقيمه مقاما محمودا يوم القيامة، يغبطه به الاولون والآخرون، ويرغب إليه الخلق كلهم حتى إبراهيم الخليل، كما ورد في صحيح مسلم فيما سلف وسيأتي أيضا، فأما التنويه بذكره في الامم الخالية، والقرون السابقة، ففي صحيح البخاري عن ابن عباس قال: ما بعث لله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن بهه وليتبعنه ولينصرنه، وأمره أن يأخذ على أمته العهد والميثاق لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به وليتبعنه، وقد بشرت بوجوده الانبياء حتى كان آخر من بشر به عيسى بن مريم خاتم أنبياء بني إسرائيل، وكذلك بشرت به الاحبار الرهبان والكهان، كما قدمنا ذلك مبسوطا، ولما كانت ليلة الاسراء رفع من سماء إلى سماء حتى سلم على إدريس عليه السلام، وهو في السماء

(6/316)


الرابعة، ثم جاوزه إلى الخامسة ثم إلى السادسة فسلم على موسى بها، ثم جاوزه إلى السابعة فسلم
على إبراهيم الخليل عند البيت المعمور، ثم جاوز ذلك المقام، فرفع لمستوى سمع فيه صريف الاقلام، وجاء سدرة المنتهى ورأى الجنة والنار وغير ذلك من الآيات الكبرى، وصلى بالانبياء، وشيعه من كل مقربوها، وسلم عليه رضوان خازن الجنان، وملك خازن النار، فهذا هو الشرف، وهذه هي الرفعة، وهذا هو التكريم والتنويه والاشهار والتقديم والعلو والعظمة.
صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر أنبياء الله أجمعين، وأما رفع ذكره في الآخرين، فإن دينه باق ناسخ لكل دين، ولا ينسخ هو أبد الآبدين ودهر الداهرين إلى يوم الدين، ولا تزال طائفة من أمته ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة، والنداء في كل يوم خمس مرات على كل مكان مرتفع من الارض: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، وهكذا كل خطيب يخطب لا بد أن يذكره في خطبته، وما أحسن قول حسان.
أغر عليه للنبوة خاتم * من الله مشهود يلوح ويشهد وضم الاله اسم النبي إلى إسمه * إذا قال في الخمس المؤذن أشهد وشق له من إسمه ليجله * فذو العرش محمود وهذا محمد وقال الصرصري رحمه الله: ألم تر أنا لا يصح أذاننا * ولا فرضنا إن لم نكرره فيهما القول فيما أوتي داود عليه السلام قال الله تعالى: * (واذكر عبدنا داود ذا الايد إنه أواب * إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والاشراق * والطير محشورة كل له أواب) * [ ص: 17 ] وقال تعالى: * (ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبى معه والطير وألنا له الحديد أن أعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير) * [ سبأ: 10 ] وقد ذكرنا قصته عليه السلام في التفسير، وطيب صوته عليه السلام، وأن الله تعالى كان قد سخر له الطير تسبح معه، وكانت الجبال أيضا تجيبه وتسبح معه، وكان سريع القراءة، يأمر بدوابه فتسرح فيقرأ الزبور بمقدار ما يفرغ من شأنها ثم يركب، وكان لا يأكل إلا من كسب يده، صلوات الله وسلامه عليه، وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم حسن
الصوت طيبه بتلاوة القرآن، قال جبير بن مطعم: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في المغرب بالتين والزيتون، فما سمعت صوتا أطيب من صوته صلى الله عليه وسلم، وكان يقرأ ترتيلا كما أمره الله عز وجل بذلك * وأما تسبيح الطير مع داود، فتسبيح الجبال الصم أعجب من ذلك، وقد تقدم في الحديث أن الحصا سبح في كف رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ابن حامد: وهذا حديث معروف مشهور، وكانت الاحجار والاشجار والمدر تسلم عليه صلى الله عليه وسلم.
وفي صحيح البخاري عن ابن مسعود قال: لقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل - يعني بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم - وكلمه ذراع الشاة المسمومة، وأعلمه بما فيه من السم،

(6/317)


وشهدت بنبوته الحيوانات الانسية والوحشية، والجمادات أيضا، كما تقدم بسط ذلك كله، ولا شك أن صدور التسبيح من الحصا الصغار الصم التي لا تجاويف فيها، أعجب من صدور ذلك من الجبال: لما فيها التجاويف والكهوف، فإنها وما شاكلها تردد صدى الاصوات العالية غالبا، كما قال عبد الله بن الزبير: كان إذا خطب - وهو أمير المدينة بالحرم الشريف - تجاوبه الجبال، أبو قبيس وزرود، ولكن من غير تسبيح، فإن ذلك من معجزات داود عليه السلام.
ومع هذا كان تسبيح الحصا في كف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان، أعجب * وأما أكل داود من كسب يده، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل من كسبه أيضا، كما كان يرعى غنما لاهل مكة على قراريط.
وقال: وما من نبي إلا وقد رعى الغنم.
وخرج إلى الشام في تجارة لخديجة مضاربة، وقال الله تعالى: * (وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الاسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا أو يلقي إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها، وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا * أنظر كيف ضربوا لك الامثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا) * [ الفرقان: 7 ] إلى قوله: * (وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الاسواق) * [ الفرقان: 20 ] أي للتكسب والتجارة طلبا للربح الحلال.
ثم لما شرع الله الجهاد بالمدينة، كان يأكل مما أباح له من المغانم التي لم تبح قبله، ومما أفاء الله عليه من أموال الكفار التي أبيحت له دون غيره، كما جاء في المسند والترمذي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى
يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم * وأما إلانة الحديد بغير نار كما يلين العجين في يده، فكان يصنع هذه الدروع الداوودية، وهي الزرديات السابغات، وأمره الله تعالى بنفسه بعملها، وقدر في السرد، أي ألا يدق المسمار فيعلق، ولا يعظله فيقصم، كما جاء في البخاري، وقال تعالى: * (وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون) * [ الانبياء: 80 ] وقد قال بعض الشعراء في معجزات النبوة: نسيج داود ما حمى صاحب الغا * ر وكان الفخار للعنكبوت والمقصود المعجز في إلانة الحديد، وقد تقدم في السيرة عند ذكر حفر الخندق عام الاحزاب، في سنة أربع، وقيل: خمس، أنهم عرضت لهم كدية - وهي الصخرة في الارض - فلم يقدروا على كسرها ولا شئ منها، فقام إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم - وقد ربط حجرا على بطنه من شدة الجوع - فضربها ثلاث ضربات، لمعت الاولى حتى أضاءت له منها قصور الشام، وبالثانية قصور فارس، وثالثة، ثم انسالت الصخرة كأنها كثيب من الرمل، ولا شك أن انسيال الصخرة التي لا تنفعل ولا بالنار، أعجب من لين الحديد الذي إن أحمى لانه كما قال بعضهم: فلو أن ما عالجت لين فؤادها * بنفسي للان الجندل [ الصلد ] (1)
__________
(1) سقطت من الاصل.
والجندل: الصخر العظيم.
(*)

(6/318)


والجندل الصخر، فلو أن شيئا أشد قوة من الصخر لذكره هذا الشاعر المبالغ، قال الله تعالى: * (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة) * الآية [ البقرة: 74 ] وأما قوله تعالى: * (قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم) * الآية [ الاسراء: 50 ] فذلك لمعنى آخر في التفسير، وحاصله أن الحديد أشد امتناعا في الساعة الراهنة من الحجر ما لم يعالج، فإذا عولج انفعل الحديد ولا ينفعل الحجر والله أعلم * وقال أبو نعيم: فإن قيل: فقد لين الله لداود عليه السلام الحديد حتى سرد منه الدروع السوابغ، قيل: لينت لمحمد صلى الله عليه وسلم الحجارة
وصم الصخور، فعادت له غارا استتر به من المشركين، يوم أحد، مال إلى الجبل ليخفي شخصه عنهم فلين الجبل حتى أدخل رأسه فيه، وهذا أعجب لان الحديد تلينه النار، ولم نر الناس تلين الحجر، قال: وذلك بعد ظاهر باق يراه الناس.
قال: وكذلك في بعض شعاب مكة حجر من جبل في صلايه (1) إليه فلان الحجر حتى ادرأ فيه بذراعيه وساعديه، وذلك مشهور يقصده الحجاج ويرونه.
وعادت الصخرة ليلة أسري به كهيئة العجين، فربط بها دابته - البراق - وموضعه يمسونه الناس إلى يومنا هذا.
وهذا الذي أشار إليه، من يوم أحد وبعض شعاب مكة غريب جدا، ولعله قد أسنده هو فيما سلف، وليس ذلك بمعروف في السيرة المشهورة.
وأما ربط الدابة في الحجر فصحيح، والذي ربطها جبريل كما هو في صحيح مسلم رحمه الله * وأما قوله: وأوتيت الحكمة وفصل الخطاب، فقد كانت الحكمة التي أوتيها محمد صلى الله عليه وسلم والشرعة التي شرعت له، أكمل من كل حكمة وشرعة كانت لمن قبله من الانبياء صلوات الله عليه وعليهم أجمعين، فإن الله جمع له محاسن من كان قبله، وفضله، وأكمله [ وآتاه ] ما لم يؤت أحدا قبله، وقد قال صلى الله عليه وسلم: أوتيت جوامع الكلم، واختصرت لي الحكمة اختصارا * ولا شك أن العرب أفصح الامم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أفصحهم نطقا، وأجمع لكل خلق جميل مطلقا * القول فيما أوتي سليمان بن داود عليه السلام قال الله تعالى: * (فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب * والشياطين كل بناء وغواص وآخرين مقرنين في الاصفاد * هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب * وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب) * [ ص: 36 - 40 ] وقال تعالى: * (ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الارض التي باركنا فيها وكنا بكل شئ عالمين * ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين) * [ الانبياء: 81 ] وقال تعالى: * (ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه بأذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير * يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور) * [ سبأ: 12 ] وقد بسطنا ذلك في
قصته، وفي التفسير أيضا، وفي الحديث الذي رواه الامام أحمد وصححه الترمذي وابن حبان

(6/319)


والحاكم في مستدركه عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن سليمان عليه السلام لما فرغ من بناء بيت المقدس سأل الله خلالا ثلاثا، سأل الله حكما يوافق حكمه، وملكا لا ينبغي لاحد من بعده، وأنه لا يأتي هذا المسجد أحد إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه.
أما تسخير الريح لسليمان فقد قال الله تعالى في شأن الاحزاب: * (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا) * [ الاحزاب: 9 ] وقد تقدم في الحديث الذي رواه مسلم، من طريق شعبة، عن الحاكم، عن مجاهد، عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور * ورواه مسلم من طريق الاعمش عن مسعود بن مالك عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.
وثبت في الصحيحين: نصرت بالرعب مسيرة شهر.
ومعنى ذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا قصد قتال قوم من الكفار ألقى الله الرعب في قلوبهم قبل وصوله إليهم بشهر، ولو كان مسيره شهرا، فهذا في مقابلة: غدوها شهر ورواحها شهر، بل هذا أبلغ في التمكن والنصر والتأييد والظفر، وسخرت الرياح تسوق السحاب لانزال المطر الذي امتن الله به حين استسقى رسول الله صلى الله عليه وسلم في غير ما موطن كما تقدم * وقال أبو نعيم: فإن قيل: فإن سليمان سخرت له الريح فسارت به في بلاد الله وكان غدوها شهرا ورواحها شهرا.
قيل: ما أعطي محمد صلى الله عليه وسلم أعظم وأكبر، لانه سار في ليلة واحدة من مكة إلى بيت المقدس مسيرة شهر، وعرج به في ملكوت السموات مسيرة خمسين ألف سنة، في أقل من ثلث ليلة، فدخل السموات سماء سماء، ورأى عجائبها، ووقف علي الجنة والنار، وعرض عليه أعمال أمته، وصلى بالانبياء وبملائكة السموات، واخترق الحجب، وهذا كله في ليلة قائما، أكبر وأعجب.
وأما تسخير الشياطين بين يديه تعمل ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات، فقد أنزل الله الملائكة المقربين لنصرة عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم في غير ما موطن، يوم أحد وبدر، ويوم الاحزاب ويوم حنين، كما تقدم ذكرناه ذلك مفصلا في مواضعه.
وذلك أعظم وأبهر، وأجل وأعلا تسخير الشياطين.
وقد ذكر ذلك ابن حامد في كتابه.
وفي الصحيحين من حديث شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن عفريتا من الجن تفلت علي البارحة، أو كلمة نحوها، ليقطع علي الصلاة فأمكنني الله منه، فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى يصبحوا وينظروا إليه، فذكرت دعوة أخي سليمان: رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي، قال روح فرده الله خاسئا (1).
لفظ البخاري * ولمسلم عن أبي الدرداء نحوه، قال: ثم أردت أخذه، والله لولا دعوة أخينا سليمان لاصبح يلعب به ولدان أهل المدينة.
وقد روى الامام أحمد بسند جيد عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام يصلي صلاة الصبح وهو خلفه، فقرأ فالتبست عليه القراءة، فلما فرغ من صلاته قال: لو رأيتموني
__________
(1) أخرجه البخاري في أحاديث الانبياء، باب (40) ح (3423) فتح الباري 6 / 457.
ومسلم في المساجد، باب (8) ح (39) ص (384) وح (40) ص (385).
(*)

(6/320)


وإبليس فأهويت بيدي فما زلت أختنقه حتى وجدت برد لعابه بين أصبعي هاتين، الابهام والتي تليها، ولولا دعوة أخي سليمان لاصبح مربوطا بسارية من سواري المسجد يتلاعب به صبيان أهل المدينة (1) * وقد ثبت في الصحاح والحسان والمسانيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين، وفي رواية: مردة الجن * فهذا من بركة ما شرعه الله له من صيام شهر رمضان وقيامه، وسيأتي عند إبراء الاكمه والابرص من معجزات المسيح عيسى بن مريم عليه السلام، دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لغير ما واحد ممن أسلم من الجن فشفي، وفارقهم خوفا منه ومهابة له، وامتثالا لامره.
صلوات الله وسلامه عليهم، وقد بعث الله نفرا من الجن يستمعون القرآن فآمنوا به وصدقوه ورجعوا إلى قومهم فدعوهم إلى دين محمد صلى الله عليه وسلم وحذروهم مخالفته، لانه كان مبعوثا إلى الانس والجن، فآمنت طوائف من الجن كثيرة كما ذكرنا، ووفدت إليه منهم وفود كثيرة وقرأ عليهم سورة الرحمن، وخبرهم بما لمن آمن منهم من الجنان، وما لمن كفر من النيران، وشرع لهم ما يأكلون وما يطعمون دوابهم، فدل على أنه بين لهم
ما هو أهم من ذلك وأكبر * وقد ذكر أبو نعيم ها هنا حديث الغول التي كانت تسرق التمر من جماعة من أصحابه صلى الله عليه وسلم، ويريدون إحضارها إليه فتمتنع كل الامتناع خوفا من المثول بين يديه، ثم افتدت منهم بتعليمهم قراءة آية الكرسي التي لا يقرب قارئها الشيطان، وقد سقنا ذلك بطرقه وألفاظه عند تفسير آية الكرسي من كتابنا التفسير ولله الحمد * والغول هي الجن المتبدي بالليل في صورة مرعبة * وذكر أبو نعيم ها هنا حماية جبريل له عليه السلام غير ما مرة من أبي جهل كما ذكرنا في السيرة، وذكر مقاتلة جبريل وميكائيل عن يمينه وشماله يوم أحد * وأما ما جمع الله تعالى لسليمان من النبوة والملك كما كان أبوه من قبله، فقد خير الله عبده محمدا صلى الله عليه وسلم بين أن يكون ملكا نبيا أو عبدا رسولا، فاستشار جبريل في ذلك فأشار إليه وعليه أن يتواضع، فاختار أن يكون عبدا رسولا، وقد روى ذلك من حديث عائشة وابن عباس، ولا شك أن منصب الرسالة أعلى.
وقد عرضت على نبينا صلى الله عليه وسلم كنوز الارض فأباها، قال: ولو شئت لاجرى الله معي جبال الارض ذهبا، ولكن أجوع يوما وأشبع يوما، وقد ذكرنا ذلك كله بأدلته وأسانيده في التفسير وفي السيرة أيضا ولله الحمد والمنة * وقد أورد الحافظ أبو نعيم هاهنا طرفا منها من حديث عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بينا أنا نائم جئ بمفاتيح خزائن الارض فجعلت في يدي * ومن حديث الحسين بن واقد عن الزبير عن جابر مرفوعا أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا على فرس أبلق جاءني به جبريل عليه قطيفة من سندس * ومن حديث القاسم عن أبي لبابة مرفوعا: عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا فقلت: لا يا رب، ولكن أشبع يوما وأجوع يوما، فإذا جعت تضرعت إليك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك * قال أبو نعيم:
__________
(1) أخرجه الامام أحمد في مسنده 3 / 82 وأخرجه عن جابر بن سمرة، وعن عبد الله بن مسعود في المسند بنحوه 5 / 104 و 105.
(*)

(6/321)


فإن قيل: سليمان عليه السلام كان يفهم كلام الطير والنملة كما قال تعالى: * (وقال يأيها الناس علمنا منطق الطير) * [ النمل: 16 ] الآية وقال: * (فلما أتوا على وادي النمل قالت نملة يا أيها
النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون * فتبسم ضاحكا من قولها) * [ النمل: 18 ] الآية.
قيل: قد أعطي محمد صلى الله عليه وسلم مثل ذلك وأكثر منه، فقد تقدم ذكرنا لكلام البهائم والسباع وحنين الجذع ورغاء البعير وكلام الشجر وتسبيح الحصا والحجر، ودعائه إياه واستجابته لامره، وإقرار الذئب بنبوته، وتسبيح الطير لطاعته، وكلام الظبية وشكواها إليه، وكلام الضب وإقراره بنبوته، وما في معناه، كل ذلك قد تقدم في الفصول بما يغني عن إعادته.
انتهى كلامه.
قلت: وكذلك أخبره ذراع الشاة بما فيه من السم وكان ذلك بأقرار من وضعه فيه من اليهود، وقال إن هذه السحابة لتبتهل بنصرك يا عمرو بن سالم - يعني الخزاعي - حين أنشده تلك القصيدة يستعديه فيها على بني بكر الذين نقضوا صلح الحديبية، وكان ذلك سبب فتح مكة كما تقدم وقال صلى الله عليه وسلم: إني لاعرف حجرا كان يسلم علي بمكة قبل أن أبعث، إني لاعرفه الآن * فهذا إن كان كلاما مما يليق بحاله ففهم عنه الرسول ذلك، فهو من هذا القبيل وأبلغ، لانه جماد بالنسبة إلى الطير والنمل، لانهما من الحيوانات ذوات الارواح، وإن كان سلاما نطقيا وهو الاظهر، فهو أعجب من هذا الوجه أيضا، كما قال علي: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض شعاب مكة، فما مر بحجر ولا شجر ولا مدر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله، فهذا النطق سمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي رضي الله عنه * ثم قال أبو نعيم: حدثنا أحمد بن محمد بن الحارث العنبري، حدثنا أحمد بن يوسف بن سفيان، حدثنا إبراهيم بن سويد النخعي، حدثنا عبد الله بن أذينة الطائي، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معلاة بن جبل قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم - وهو بخيبر - حمار أسود فوقف بين يديه فقال: من أنت ؟ فقال: أنا عمرو بن فهران، كنا سبعة إخوة ولكنا ركبنا الانبياء وأنا أصغرهم، وكنت لك فملكني رجل من اليهود، وكنت إذ اذكرك عثرت به فيوجعني ضربا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم فأنت يعفور * وهذا الحديث فيه نكارة شديدة ولا يحتاج إلى ذكره مع ما تقدم من الاحاديث الصحيحة التي فيها غنية عنه.
وقد روي على غير هذه الصفة، وقد نص على نكارته ابن أبي حاتم عن أبيه، والله أعلم.
القول فيما أوتي عيسى بن مريم عليه السلام
ويسمى المسيح، فقيل: لمسحه الارض، وقيل: لمسح قدمه، وقيل، لخروجه من بطن أمه ممسوحا بالدهان، وقيل: لمسح جبريل بالبركة، وقيل: لمسح الله الذنوب عنه، وقيل: لانه كان لا يمسح أحدا إلا برأ.
حكاها كلها الحافظ أبو نعيم رحمه الله.
ومن خصائصه أنه عليه السلام مخلوق بالكلمة من أنثى بلا ذكر، كما خلقت حواء من ذكر بلا أنثى، وكما خلق آدم لا من ذكر ولا من أنثى، وإنما خلقه الله تعالى من تراب ثم قال له: كن فيكون.
وكذلك يكون عيسى

(6/322)


بالكلمة وبنفخ جبريل مريم فخلق منها عيسى * ومن خصائصه وأمه أن إبليس لعنه الله حين ولد ذهب يطعن فطعن في الحجاب كما جاء في الصحيح، ومن خصائصه أنه حي لم يمت، وهو الآن بجسده في السماء الدنيا، وسينزل قبل يوم القيامة على المنارة البيضاء الشرقية بدمشق، فيملا الارض قسطا وعدلا، كما ملئت جورا وظلما، ويحكم بهذه الشريعة المحمدية ثم يموت ويدفن بالحجرة النبوية، كما رواه الترمذي وقد بسطنا ذلك في قصته * وقال شيخنا العلامة ابن الزملكاني رحمه الله: وأما معجزات عيسى عليه السلام، فمنها إحياء الموتى، وللنبي صلى الله عليه وسلم من ذلك كثير، وإحياء الجماد أبلغ من إحياء الميت، وقد كلم النبي صلى الله عليه وسلم الذراع المسمومة، وهذا الاحياء أبلغ من إحياء الانسان الميت من وجوه.
أحدها، أنه إحياء جزء من الحيوان دون بقيته، وهذا معجز لو كان متصلا بالبدن، الثاني: أنه أحياه وحده منفصلا عن بقية أجزاء ذلك الحيوان مع موت البقية، الثالث: أنه أعاد عليه الحياة مع الادراك والعقل، ولم يكن هذا الحيوان يعقل في حياته الذي هو جزؤه مما يتكلم (1)، وفي هذا ما هو أبلغ من حياة الطيور التي أحياها الله لابراهيم عليه السلام * قلت: وفي حلول الحياة والادراك والعقل في الحجر الذي كان يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم بالسلام عليه، كما روي في صحيح مسلم، من المعجز ما هو أبلغ من إحياء الحيوان في الجملة، لانه كان محلا للحياة في وقت: بخلاف هذا حيث لا حياة له بالكلية قبل ذلك، وكذلك تسليم الاحجار والمدر عليه، وكذلك الاشجار والاغصان وشهادتها بالرسالة، وحنين الجذع * وقد جمع ابن أبي الدنيا كتابا فيمن عاش بعد الموت، وذكر منها كثيرا، وقد ثبت عن أنس رضي الله عنه أنه قال: دخلنا على رجل
من الانصار وهو مريض يعقل فلم نبرح حتى قبض، فبسطنا عليه ثوبه وسجيناه، وله أم عجوز كبيرة عند رأسه، فالتفت إليها بعضنا وقال: يا هذه احتسبي مصيبتك عند الله فقالت: وما ذاك ؟ أمات ابني ؟ قلنا: نعم، قالت: أحق ما تقولون ؟ قلنا: نعم، فمدت يدها إلى الله تعالى فقالت: اللهم إنك تعلم أني أسلمت وهاجرت إلى رسولك رجاء أن تعينني عند كل شدة ورخاء، فلا تحملني هذه المصيبة اليوم.
قال: فكشف الرجل عن وجهه وقعد، وما برحنا حتى أكلنا معه * وهذه القصة قد تقدم التنبيه عليها في دلائل النبوة.
وقد ذكر معجز الطوفان مع قصة العلاء بن الحضرمي * وهذا السياق الذي أورده شيخنا ذكر بعضه بالمعنى، وقد رواه أبو بكر بن أبي الدنيا، والحافظ أبو بكر البيهقي من غير وجه عن صالح بن بشير المري - أحد زهاد البصرة وعبادها - وفي حديثه لين عن ثابت عن أنس فذكره.
وفي رواية البيهقي أن أمه كانت عجوزا عمياء ثم ساقه البيهقي من طريق عيسى بن يونس، عن عبد الله بن عون عن أنس كما تقدم (2)، وسياقه أتم، وفيه
__________
(1) كذا بالاصل، وفي هامش طبعة دار السعادة: لعل الصواب " ولم يكن هذا الحيوان الذي هو جزؤه يعقل في حياته ولا مما يتكلم.
".
(2) انظر الخبر في الدلائل ج 6 / 51 - 52.
(*)

(6/323)


أن ذلك كان بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا بإسناد رجاله ثقات، ولكن فيه إنقطاع بين عبد الله بن عون وأنس والله أعلم.
قصة أخرى قال الحسن بن عوفة: حدثنا عبد الله بن إدريس، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي سبرة النخعي قال: أقبل رجل من اليمن، فلما كان في بعض الطريق نفق حماره فقام وتوضأ ثم صلى ركعتين ثم قال: اللهم إني جئت من المدينة (1) مجاهدا في سبيلك وابتغاء مرضاتك، وأنا أشهد أنك تحي الموتى وتبعث من في القبور، لا تجعل لاحد علي اليوم منة، أطلب إليك اليوم أن تبعث حماري، فقام الحمار ينفض أذنيه.
قال البيهقي: هذا إسناد صحيح، ومثل هذا يكون
كرامة لصاحب الشريعة.
قال البيهقي: وكذلك رواه محمد بن يحيى الذهلي، عن محمد بن عبيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي وكأنه عند إسماعيل من الوجهين (2).
والله أعلم * قلت: كذلك رواه ابن أبي الدنيا: من طريق إسماعيل عن الشعبي فذكره قال الشعبي: فأنا رأيت الحمار بيع أو يباع في الكناسة - يعني بالكوفة - وقد أوردها ابن أبي الدنيا من وجه آخر، وأن ذلك كان في زمن عمر بن الخطاب، وقد قال بعض قومه في ذلك: ومنا الذي أحي الاله حماره * وقد مات منه كل عضو ومفصل وأما قصة زيد بن خارجة وكلامه بعد الموت وشهادته للني صلى الله عليه وسلم ولابي بكر وعمر وعثمان بالصدق فمشهورة مروية من وجوه كثيرة صحيحة.
قال البخاري في التاريخ الكبير: زيد بن خارجة الخزرجي الانصاري شهد بدرا وتوفي في زمن عثمان، وهو الذي تكلم بعد الموت * وروى الحاكم في مستدركه والبيهقي في دلائله وصححه كما تقدم من طريق العتبي عن سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد الانصاري عن سعيد بن المسيب أن زيد بن خارجة الانصاري ثم من الحارث بن الخزرج، توفي زمن عثمان بن عفان فسجي بثوبه، ثم إنهم سمعوا جلجلة في صدره، ثم تكلم فقال: أحمد في الكتاب الاول صدق صدق، أبو بكر الضعيف في نفسه، القوي في أمر الله، وفي الكتاب الاول صدق صدق، عمر بن الخطاب القوي في الكتاب الاول، صدق صدق، عثمان بن عفان على منهاجهم مضت أربع وبقيت ثنتان، أتت الفتن وأكل الشديد الضعيف، وقامت الساعة، وسيأتيكم عن جيشكم خير * قال يحيى بن سعيد: قال سعيد بن المسيب: ثم هلك رجل من بني حطمة فسجى بثوبه فسمع جلجلة في صدره، ثم تكلم فقال: إن أخا بني حارث بن الخزرج صدق صدق، ورواه ابن أبي الدنيا والبيهقي أيضا من وجهه آخر بأبسط من هذا وأطول، وصححه البيهقي.
قال: وقد روى في التكلم بعد الموت عن جماعه
__________
(1) في رواية البيهقي: الدثنية، وفي رواية أخرى: الدفينة ذكرها ابن كثير في هذا الجزء ص 154.
(2) دلائل البيهقي 6 / 48.
(*)

(6/324)


بأسانيد صحيحة والله أعلم * قلت: قد ذكرت في قصة سخلة جابر يوم الخندق وأكل الالف منها ومن قليل شعير ما تقدم.
وقد أورد الحافظ محمد بن المنذر المعروف بيشكر، في كتابه الغرائب والعجائب بسنده، كما سبق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع عظامها ثم دعا الله تعالى فعادت كما كانت فتركها في منزله والله أعلم * قال شيخنا: ومن معجزات عيسى الابراء من الجنون.
وقد أبرأ النبي صلى الله عليه وسلم - يعني من ذلك - هذا آخر ما وجدته فيما حكيناه عنه.
فأما إبراء عيسى من الجنون.
فما أعرف فيه نقلا خاصا، وإنما كان يبرئ الاكمه والابرص والظاهر ومن جميع العاهات والامراض المزمنة * وأما إبراء النبي صلى الله عليه وسلم من الجنون، فقد روى الامام أحمد والحافظ البيهقي من غير وجه عن يعلى بن مرة أن أمرأة أتت بابن لها صغير به لمم ما رأيت لمما أشد منه، فقالت: يا رسول الله ابني هذا كما ترى أصابه بلاء، وأصابنا منه بلاء، يوجد منه في اليوم ما يؤذي، ثم قالت: مرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ناولينيه، فجعلته بينه وبين واسطة الرحل، ثم فغرفاه ونفث فيه ثلاثا وقال: بسم الله، أنا عبد الله، اخسأ عدو الله، ثم ناولها إياه فذكرت أنه برئ من ساعته وما رابهم شئ بعد ذلك * وقال أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا حماد بن سلامة، عن فرقد السبخي، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن أمرأة جاءت بولدها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن به لمما، وإنه يأخذه عند طعامنا فيفسد علينا طعامنا، قال فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره ودعا له فسغ (1) سغة فخرج منه مثل الجور الاسود فشفي * غريب من هذا الوجه، وفرقد فيه كلام وإن كان من زهاد البصرة، لكن ما تقدم له شاهد وإن كانت القصة واحدة والله أعلم * وروى البزار من طريق فرقد أيضا عن سعد بن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فجاءته امرأة من الانصار فقالت: يا رسول الله إن هذا الخبيث قد غلبني، فقال لها: تصبري على ما أنت عليه وتجيئي يوم القيامة ليس عليك ذنوب ولا حساب ؟ فقالت، والذي بعثك بالحق لا صبرن حتى ألقى الله، ثم قالت، إني أخاف الخبيث أن يجردني، فدعا لها، وكانت إذا أحست أن يأتيها تأتي أستار الكعبة فتتعلق بها وتقول له: أخسأ، فيذهب عنها * وهذا دليل على أن فرقد قد حفظ، فإن هذا له شاهد في صحيح البخاري ومسلم من حديث عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة ؟
قلت: بلى، قال، هذه السوداء أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أصرع وأنكشف فادع الله لي، قال: إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك، قالت: لا بل أصبر، فادع الله أن لا أنكشف، قال: فدعا لها فكانت لا تنكشف * ثم قال البخاري: حدثنا محمد، حدثنا مخلد عن ابن جريج، قال: أخبرني عطاء أنه رأى أم زفر - امرأة طويلة سوداء - على ستر الكعبة (2) * وذكر الحافظ ابن الاثير في كتاب أسد الغابة في أسماء
__________
(1) في رواية البيهقي: فثع ثعة، والخبر في مسند أحمد 5 / 430.
(2) أخرجه البخاري في المرض، باب (6) فتح الباري 10 / 114، ومسلم في البر والصلة، باب (14) ح (54) ص (1994) والامام أحمد في مسنده 1 / 347 ورواه البيهقي في الدلائل 6 / 156.
(*)

(6/325)


الصحابة، أن أم زفر هذه كانت ماشطة لخديجة بنت خويلد، وأنها عمرت حتى رآها عطاء بن أبي راح رحمهما الله تعالى * وأما إبراء عيسى الاكمه وهو الذي يولد أعمى، وقيل هو الذي لا يبصر في النهار ويبصر في الليل، وقيل: غير ذلك كما بسطنا ذلك في التفسير، والابرص الذي به بهق، فقد رد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد عين قتادة بن النعمان إلى موضعها بعد ما سالت على خده، فأخذها في كفه الكريم وأعادها إلى مقرها فاستمرت بحالها وبصرها، وكانت أحسن عينيه رضي الله عنه، كما ذكر محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة وغيره، وكذلك بسطناه ثم ولله الحمد والمنة، وقد دخل بعض ولده وهو عاصم بن عمر بن قتادة على عمر بن عبد العزيز فسأله عنه فأنشأ يقول: أنا ابن الذي سالت على الخد عينه * فردت بكف المصطفى أحسن الرد فعادت كما كانت لاول أمرها * فيا حسن ما عين ويا حسن ما خد فقال عمر بن عبد العزيز: تلك المكارم لا قعبان من لبن * شيبا بماء فعادا بعد أبو الا ثم أجازه فأحسن جائزته * وقد روى الدار قطني أن عينيه أصيبتا معا حتى سالتا على خديه، فردهما رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكانهما.
والمشهور الاول كما ذكر ابن إسحاق.
قصة الاعمى الذي رد الله عليه بصره بدعاء الرسول قال الامام أحمد: حدثنا روح وعثمان بن عمر قالا: حدثنا شعبة عن أبي جعفر المديني سمعت عمارة بن خزيمة بن ثابت يحدث عن عثمان بن حنيف: أن رجلا ضريرا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ادع الله لي أن يعافيني، فقال: إن شئت أخرت ذلك فهو أفضل لآخرتك، وإن شئت دعوت: قال: بل ادع الله لي، قال: فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ ويصلي ركعتين وأن يدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، إني أتوجه به في حاجتي هذه فتقضي، وقال في رواية عثمان بن عمر: فشفعه في، قال: ففعل الرجل فبرأ * ورواه الترمذي وقال: حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث أبي جعفر الخطمي.
وقد رواه البيهقي عن الحاكم بسنده إلى أبي جعفر الخطمي، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن عمه عثمان بن حنيف فذكر نحوه، قال عثمان: فوالله ما تفرقنا ولا طال الحديث بنا حتى دخل الرجل كأن لم يكن به ضر قط (1).
__________
(1) أخرجه الامام أحمد في مسنده ج 4 / 138 وأخرجه الترمذي في الدعوات، باب (119) الحديث (3578) ص (5 / 569) عن محمود بن غيلان.
وأخرجه ابن ماجة في الصلاة عن أحمد بن منصور بن سيار وأخرجه البيهقي في الدلائل 6 / 167.
(*)

(6/326)


قصة أخرى قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا محمد بن بشر، حدثنا عبد العزيز بن عمر، حدثني رجل من بني سلامان بن سعد عن أمه عن خاله، أو أن خاله أو خالها حبيب بن قريط (1) حدثها أن أباه خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعيناه مبيضتان لا يبصر بهما شيئا، فقال له، ما أصابك ؟ قال: كنت (2) حملا لي فوقعت رجلي على بيض حية فأصيب بصري، فنفث رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه فأبصر، فرأيته وإنه ليدخل الخيط في الابرة، وإنه لابن ثمانين سنة، وإن عينيه لمبيضتان، قال البيهقي: وغيره يقول حبيب بن مدرك * وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفث في عيني علي يوم خيبر
وهو أرمد فبرأ من ساعته، ثم لم يرمد بعدها أبدا، ومسح رجل جابر بن عتيك وقد انكسرت رجله ليلة قتل أبا رافع - تاجر أهل الحجاز الخيبري - فبرأ من ساعته أيضا * وروى البيهقي أنه صلى الله عليه وسلم مسح (3) يد محمد بن حاطب وكانت قد احترقت بالنار فبرأ من ساعته، ومسح رجل سلمة بن الاكوع وقد أصيبت يوم خيبر فبرأت من ساعتها، ودعا لسعد بن أبي وقاص أن يشفى من مرضه ذلك فشفى * وروى البيهقي أن عمه أبا طالب مرض فسأل منه صلى الله عليه وسلم أن يدعو له ربه فدعا له فشفى من مرضه ذلك، وكم له من مثلها وعلى مسلكها، من إبراء آلام، وإزالة أسقام، مما يطول شرحه وبسطه * وقد وقع في كرامات الاولياء إبراء الاعمى بعد الدعاء عليه بالعمى أيضا، كما وراه الحافظ ابن عساكر من طريق أبي سعيد بن الاعرابي عن أبي داود: حدثنا عمر بن عثمان، حدثنا بقية، عن محمد بن زياد، عن أبي مسلم: أن امرأة خبثت عليه امرأته، فدعا عليها فذهب بصرها فأتته فقالت: يا أبا مسلم، إني كنت فعلت وفعلت، وإني لا أعود لمثلها، فقال: اللهم إن كانت صادقة فاردد عليها بصرها، فأبصرت * ورواه أيضا من طريق أبي بكر بن أبي الدنيا: حدثنا عبد الرحمن بن واقد، حدثنا ضمرة حدثنا عاصم، حدثنا عثمان بن عطاء قال: كان أبو مسلم الخولاني إذا دخل منزله..فإذا بلغ وسط الدار كبر وكبرت امرأته فإذا دخل البيت كبر وكبرت امرأته فيدخل فينزع رداءه وحذاءه وتأتيه بطعام يأكل، فجاء ذات ليلة فكبر فلم تجبه، ثم جاء إلى باب البيت فكبر وسلم فلم تجبه، وإذا البيت ليس فيه سراج، وإذا هي جالسة بيدها عود تنكت في الارض به، فقال لها: مالك ؟ فقالت الناس بخير، وأتت لو أتيت معاوية فيأمر لنا بخادم ويعطيك شيئا تعيش به، فقال: اللهم من أفسد علي أهلي فأعم بصره، قال: وكانت أتتها امرأة فقالت لامرأة أبي مسلم: لو كلمت زوجك ليكلم معاوية فيخدمكم ويعطيكم ؟ قال:
__________
(1) في رواية البيهقي: ابن فويك، وله ترجمة في الاستيعاب.
(2) بياض بالاصل، وفي رواية الاستيعاب للحديث: كنت أمرن جملا لي.
وفي رواية البيهقي: كنت امرئ جملي.
(3) في البيهقي: تفل على يده.
(*)

(6/327)


فبينما هذه المرأة في منزلها والسراج مزهر، إذ أنكرت بصرها، فقالت: سراجكم طفئ ؟ قالوا: لا، قالت: إن الله أذهب بصري، فأقبلت كما هي إلى أبي مسلم فلم تزل تناشده وتتلطف إليه، فدعا الله فرد بصرها، ورجعت امرأته على حالها التي كانت عليها * وأما قصة المائدة التي قال الله تعالى: * (إذ قال الحواريون يا عيسى بن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين * قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين * قال عيسى بن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لاولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين * قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فأني معذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين) * [ المائدة: 112 ] وقد ذكرنا في التفسير بسط ذلك واختلاف المفسرين فيها هل نزلت أم لا على قولين، والمشهور عن الجمهور أنها نزلت، واختلفوا فيما كان عليها من الطعام على أقوال، وذكر أهل التاريخ أن موسى بن نصير، الذي فتح البلاد المغربية أيام بني أمية وجد المائدة، ولكن قيل: إنها مائدة سليمان بن داود مرصعة بالجواهر وهي من ذهب فأرسل بها إلى الوليد بن عبد الملك فكانت عنده حتى مات، فتسلمها أخوه سليمان، وقيل: إنها مائدة عيسى * لكن يبعد هذا أن النصارى لا يعرفون المائدة كما قاله غير واحد من العلماء والله أعلم * والمقصود أن المائدة سواء كانت قد نزلت أم لم تنزل (1) وقد كانت موائد رسول الله صلى الله عليه وسلم تمد من السماء وكانوا يسمعون تسبيح الطعام وهو يؤكل بين يديه، وكم قد أشبع من طعام يسير ألوفا ومئات وعشرات صلى الله عليه وسلم ما تعاقبت الاوقات، وما دامت الارض والسموات * وهذا أبو مسلم الخولاني، وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمته من تاريخه أمرا عجيبا وشأنا غريبا، حيث روى من طريق إسحاق بن يحيى الملطي عن الاوزاعي قال: أتى أبا مسلم الخولاني نفر من قومه فقالوا: يا أبا مسلم أما تشتاق إلى الحج ؟ قال: بلى لو أصبت لي أصحابا، فقالوا: نحن أصحابك، قال: لستم لي بأصحاب إنما أصحابي قوم لا يريدون الزاد ولا المزاد، فقالوا: سبحان الله، وكيف يسافر أقوام بلا زاد ولا مزاد ؟ قال لهم: إلا ترون إلى
الطير تغدو وتروح بلا زاد ولا مزاد والله يرزقها ؟ وهي لا تبيع ولا تشتري، ولا تحرث ولا تزرع والله يرزقها ؟ قال: فقالوا: فإنا نسافر معك، قال: فهبوا على بركة الله تعالى، قال: فغدوا من غوطة دمشق ليس معهم زاد ولا مزاد، فلما انتهوا إلى المنزل قالوا: يا أبا مسلم طعام لنا وعلف لدوابنا، قال: فقال لهم: نعم، فسجا غير بعيد فيمم مسجد أحجار فصلى فيه ركعتين، ثم جثى على ركبتيه فقال: إلهي قد تعلم ما أخرجني من منزلي، وإنما خرجت آمرا لك، وقد رأيت البخيل من ولد آدم تنزل به العصابة من الناس فيوسعهم قرى، وإنا أضيافك وزوارك، فأطعمنا، واسقنا، واعلف دوابنا، قال: فأتي بسفرة مدت بين أيديهم، وجئ بجفنة من ثريد، وجئ بقلتين من ماء، وجئ بالعلف لا يدرون من يأتي به، فلم تزل تلك حالهم منذ
__________
(1) كذا بالاصل، والظاهر أن فيه سقطا.
(*)

(6/328)


خرجوا من عند أهاليهم حتى رجعوا، لا يتكلفون زادا ولا مزادا * فهذه حال ولي من هذه الامة نزل عليه وعلى أصحابه مائدة كل يوم مرتين مع ما يضاف إليها من الماء والعلوفة لدواب أصحابه.
وهذا اعتناء عظيم، وإنما نال ذلك ببركة متابعته لهذا النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم * وأما قوله في عيسى بن مريم عليه السلام: إنه قال لبني إسرائيل * (وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم) * الآية، [ آل عمران: 49 ] فهذا شئ يسير على الانبياء، بل وعلى كثير من الاولياء، وقد قال يوسف الصديق لذينك الفتيين المحبوسين معه: * (لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي) * الآية.
[ يوسف: 37 ] وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاخبار الماضية طبق ما وقع وعن الاخبار الحاضرة سواء بسواء كما أخبر عن أكل الارضة لتلك الصحيفة الظالمة التي كانت بطون قريش قديما كتبتها على مقاطعة بني هاشم وبني المطلب حتى يسلموا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكتبوا بذلك صحيفة وعلقوها في سقف الكعبة، فأرسل الله الارضة فأكلتها إلا مواضع اسم الله تعالى، وفي رواية: فأكلت اسم الله منها تنزيها لها أن تكون مع الذي فيها من الظلم والعدوان، فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه أبا طالب وهم بالشعب، فخرج
إليهم أبو طالب وقال لهم عما أخبرهم به، فقالوا: إن كان كما قال وإلا فسلموه إلينا، فقالوا: نعم، فأنزلوا الصحيفة فوجدوها كما أخبر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء بسواء، فأقلعت بطون قريش عما كانوا عليه لبني هاشم وبني المطلب، وهدى الله بذلك خلقا كثيرا، وكم له مثلها كما تقدم بسطه وبيانه في مواضع من السيرة وغيرها ولله الحمد والمنة * وفي يوم بدر لما طلب من العباس عمه فداء ادعى أنه لا مال له، فقال له: فأين المال الذي دفنته أنت وأم الفضل تحت أسكفة الباب، وقلت لها: إن قتلت فهو للصبية ؟ فقال: والله يا رسول الله إن هذا شئ لم يطلع عليه غيري وغير أم الفضل إلا الله عز وجل * وأخبر بموت النجاشي يوم مات وهو بالحبشة، وصلى عليه، وأخبر عن قتل الامراء يوم مؤتة واحدا بعد واحد وهو على المنبر وعيناه تذرفان، وأخبر عن الكتاب الذي أرسل به حاطب بن بلتعة مع شاكر مولى بني عبد المطلب، وأرسل في طلبها عليا والزبير والمقداد، فوجدوها قد جعلته في عقاصها، وفي رواية في حجزتها، وقد تقدم ذلك في غزوة الفتح، وقال لاميري كسرى اللذين بعث بهما نائب اليمن لكسرى ليستعلما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ربي قد قتل الليلة ربكما، فأرخا تلك الليلة، فإذا كسرى قد سلط الله عليه ولده فقتله، فأسلما وأسلم نائب اليمن، وكان سبب ملك اليمن لرسول الله صلى الله عليه وسلم * وأما إخباره صلى الله عليه وسلم عن الغيوب المستقبلة فكثيرة جدا كما تقدم بسط ذلك، وسيأتي في أنباء التواريخ ليقع ذلك طبق ما كان سواء * وذكر ابن حامد في مقابلة جهاد عيسى عليه الصلاة والسلام جهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي مقابلة زهد عيسى عليه الصلاة والسلام، زهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كنوز الارض حين عرضت عليه فأباها، وقال، أجوع يوما وأشبع يوما وأنه كان له ثلاث عشرة زوجة يمضي عليهن الشهر والشهران لا توقد عندهن نار ولا مصباح إنما هو الاسودان التمر والماء، وربما ربط على بطنه الحجر الجوع، وما شبعوا من خبز

(6/329)


بر ثلاث ليال تباعا، وكان فراشه من أدم وحشوه ليف، وربما اعتقل الشاة فيحلبها، ورقع ثوبه، وخصف نعله بيده الكريمة، صلوات الله وسلامه عليه، ومات صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي على طعام اشتراه لاهله، هذا وكم آثر بآلاف مؤلفة والابل والشاء والغنائم والهدايا، على نفسه
وأهله للفقراء والمحاويج والارامل والايتام والاسرى والمساكين * وذكر أبو نعيم في مقابلة تبشير الملائكة لمريم الصديقة بوضع عيسى ما بشرت به آمنة أم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حملت به في منامها، وما قيل لها: إنك قد حملت بسيد هذه الامة فسميه محمدا، وقد بسطنا ذلك في المولد كما تقدم * وقد أورد الحافظ أبو نعيم هاهنا حديثا غريبا مطولا بالمولد أحببنا أن نسوقه ليكون الختام نظير الافتتاح، وبالله المستعان، وعليه التكلان ولله الحمد * فقال: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا حفص بن عمرو بن الصباح، حدثنا يحيى بن عبد الله البابلي، أنا أبو بكر بن أبي مريم عن سعيد بن عمر الانصاري عن أبيه.
قال: قال ابن عباس: فكان من دلالات حمل محمد صلى الله عليه وسلم أن كل دابة كانت لقريش نطقت تلك الليلة: قد حمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ورب الكعبة، وهو أمان الدنيا وسراج أهلها، ولم يبق كاهن في قريش ولا قبيلة من قبائل العرب إلا حجبت عن صاحبتها، وانتزع علم الكهنة منها، ولم يبق سرير ملك من ملوك الدنيا إلا أصبح منكوسا، والملك مخرسا لا ينطق يومه لذلك، وفرت وحوش المشرق إلى وحوش المغرب بالبشارات، وكذلك أهل البحار بشر بعضهم بعضا، وفي كل شهر من شهوره نداء في الارض ونداء في السموات: أبشروا فقد آن لابي القاسم أن يخرج إلى الارض ميمونا مباركا قال: وبقي في بطن أمه تسعة أشهر، وهلك أبوه عبد الله وهو في بطن أمه، فقالت الملائكة: إلهنا وسيدنا، بقي نبيك هذا يتيما، فقال الله تعالى للملائكة: أنا له ولي وحافظ ونصير، فتبركوا بمولده ميمونا مباركا.
وفتح الله لمولده أبواب السماء وجناته، وكانت آمنة تحدث عن نفسها وتقول: أتى لي آت حين مر لي من حمله ستة أشهر فوكزني برجله في المنام وقال: يا آمنة إنك حملت بخير العالمين طرا، فإذا ولدتيه فسميه محمدا أو النبي، شأنك.
قال: وكانت تحدث عن نفسها وتقول: لقد أخذني ما يأخذ النساء ولم يعلم بي أحد من القوم، ذكر ولا أنثى، وإني لوحيدة في المنزل وعبد المطلب في طوافة، قالت: فسمعت وجبة شديدة، وأمرا عظيما، فهالني ذلك، وذلك يوم الاثنين، ورأيت كأن جناح طير أبيض قد مسح على فؤادي فذهب كل رعب وكل فزع ووجل كنت أجد، ثم التفت فإذا أنا بشربة بيضاء ظننتها لبنا، وكنت عطشانة، فتناولتها فشربتها فأصابني نور عال، ثم رأيت نسوة كالنخل الطوال،
كأنهن من بنات عبد المطلب يحدقن بي، فبينا أنا أعجب وأقول: واغوثاه، من أين علمن بي ؟ واشتد بي الامر وأنا أسمع الوجبة في كل ساعة أعظم وأهول، وإذا أنا بديباج أبيض قد مد بين الارض، وإذا قائل يقول: خذوه عن أعين الناس، قالت: رأيت رجالا وقفوا في الهواء بأيديهم أباريق فضة وأنا يرشح مني عرق كالجمان، أطيب ريحا من المسك الاذفر، وأنا أقول: يا ليت عبد المطلب قد دخل علي، قالت: ورأيت قطعة من الطير قد أقبلت من حيث لا أشعر حتى غطت حجرتي، مناقيرها من الزمرد، وأجنحتها من اليواقيت، فكشف الله لي عن بصيرتي، فأبصرت

(6/330)


من ساعتي مشارق الارض ومغاربها، ورأيت ثلاث علامات مضروبات، علم بالمشرق، وعلم بالمغرب، وعلم على ظهر الكعبة، فأخذني المخاض واشتد بي الطلق جدا، فكنت كأني مسندة إلى أركان النساء، وكثرن علي حتى كأني مع البيت وأنا لا أرى شيئا، فولدت محمدا، فلما خرج من بطني درت فنظرت إليه فإذا هو ساجد وقد رفع أصبعيه كالمتضرع المبتهل، ثم رأيت سحابة بيضاء قد أقبلت من السماء تنزل حتى غشيته، فغيب عن عيني، فسمعت مناديا ينادي يقول: طوفوا بمحمد صلى الله عليه وسلم شرق الارض وغربها، وأدخلوه البحار كلها، ليعرفوه باسمه ونعته وصورته، ويعلموا أنه سمي الماحي، لا يبقى شئ من الشرك إلا محي به، قالت، ثم تخلوا عنه في أسرع وقت فإذا أنابه مدرج في ثوب صوف أبيض، أشد بياضا من اللبن، وتحته حريرة خضراء، وقد قبض محمد ثلاثة مفاتيح من اللؤلؤ الرطب الابيض، وإذا قائل يقول، قبض محمد مفاتيح النصر، ومفاتيح الريح، ومفاتيح النبوة * هكذا أورده وسكت عليه، وهو غريب جدا * وقال الشيخ جمال الدين أبو زكريا، يحيى بن يوسف بن منصور بن عمر الانصاري الصرصري (1)، الماهر الحافظ للاحاديث واللغة، ذو المحبة الصادقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلذلك يشبه في عصره بحسان بن ثابت رضي الله عنه، وفي ديوانه المكتوب عنه في مديح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان ضرير البصر، بصير البصيرة، وكانت وفاته ببغداد في سنة ست وخمسين وستمائة، قتله التتار في كل بنة (2) بغداد كما سيأتي ذلك في موضعه، في كتابنا هذا إن شاء الله تعالى، وبه الثقة، وعليه التكلان، قال في
قصيدته من حرف الحاء المهملة من ديوانه: محمد المبعوث للناس رحمة * يشيد ما أوهى الضلال ويصلح لئن سبحت صم الجبال مجيبة * لداود أو لان الحديد المصفح فإن الصخور الصم لانت بكفه * وإن الحصا في كفه ليسبح وإن كان موسى أنبع الماء من العصا * فمن كفه قد أصبح الماء يطفح وإن كانت الريح الرخاء مطيعة * سليمان لا تألو تروح وتسرح فإن الصبا كانت لنصر نبينا * برعب على شهر به الخصم يكلح وإن أوتي الملك العظيم وسخرت * له الجن تشفي مارضيه وتلدح (3) فإن مفاتيح الكنوز بأسرها * أتته فرد الزاهد المترجح وإن كان إبراهيم اعطي خلة * وموسى بتكليم على الطور يمنح فهذا حبيب بل خليل مكلم * وخصص بالرؤيا وبالحق أشرح
__________
(1) الصرصري نسبة إلى صرصر وهي قرية قريبة من بغداد، اشتهر بمدائحه للرسول صلى الله عليه وآله وشعره طبقه عالية، كان فصيحا بليغا، كان ضريرا وقد قتله التتار فيما قاله الذهبي.
(2) كذا بالاصل.
(3) تلدح: من اللدح وهو الضرب باليد.
(*)

(6/331)


وخصص بالحوض العظيم وباللوا * ويشفع للعاصين والنار تلفح وبالمقعد الاعلى المقرب عنده * عطاء ببشراه أقر وأفرح وبالرتبة العليا الاسيلة دونها (1) * مراتب أرباب المواهب تلمح وفي جنة الفردوس أو داخل * له سائر الابواب بالخار تفتح (2) وهذا آخر ما يسر الله جمعه من الاخبار بالمغيبات التي وقعت إلى زماننا مما يدخل في دلائل النبوة والله الهادي، وإذا فرغنا إن شاء الله من إيراد الحادثات من بعد موته عليه السلام إلى
زماننا، نتبع ذلك بذكر الفتن والملاحم الواقعة في آخر الزمان ثم نسوق بعد ذلك أشراط الساعة ثم نذكر البعث والنشور، ثم ما يقع يوم القيامة من الاهوال وما فيه من العظمة ونذكر الحوض والميزان والصراط ثم نذكر صفة النار ثم صفة الجنة.
كتاب تاريخ الاسلام الاول من الحوادث الواقعة في الزمان، ووفيات المشاهير والاعيان سنة إحدى عشرة من الهجرة تقدم ما كان في ربيع الاول منها من وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم الاثنين وذلك لثاني عشر منه على المشهور وقد بسطنا الكلام في ذلك بما فيه كفاية وبالله التوفيق.
خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه وما فيها من الحوادث قد تقدم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي يوم الاثنين وذلك ضحى فاشتغل الناس ببيعة أبي بكر الصديق في سقيفة بني ساعدة ثم في المسجد البيعة العامة في بقية يوم الاثنين وصبيحة الثلاثاء كما تقدم ذلك بطوله ثم أخذوا في غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكفينه والصلاة عليه صلى الله عليه وسلم تسليما بقية يوم الثلاثاء ودفنوه ليلة الاربعاء كما تقدم ذلك مبرهنا في موضعه.
وقال محمد بن إسحاق بن يسار: حدثني الزهري حدثني أنس بن مالك قال: لما بويع أبو بكر في السقيفة وكان الغد جلس أبو بكر فقام عمر فتكلم قبل أبي بكر فحمد الله وأثنى عليه لما هو أهله ثم قال: أيها الناس إني قد قلت لكم بالامس مقالة ما كانت وما وجدتها في كتاب الله ولا كانت عهدا عهده إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكني قد كنت أرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدبر أمرنا، يقول: يكون آخرنا، وإن الله قد أبقى فيكم الذي به هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه الله، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وثاني اثنين إذ هما في الغار، فقوموا فبايعوه، فبايع الناس أبا بكر بعد بيعة
__________
(1) الاسيلة: الناعمة الرقيقة.
(2) الخار: الغلبة الخيرة.
(*)

(6/332)


السقيفة، ثم تكلم أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهله ثم قال: أما بعد أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم عندي حتى أرجع (1) عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف [ عندي ] (2) حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا خذلهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله * وهذا إسناد صحيح وقد اتفق الصحابة رضي الله عنهم على بيعة الصديق في ذلك الوقت، حتى علي بن أبي طالب والزبير بن العوام رضي الله عنهما، والدليل على ذلك ما رواه البيهقي حيث قال: أنبأنا أبو الحسين علي بن محمد بن علي الحافظ الاسفراييني، ثنا أبو علي الحسين بن علي الحافظ، ثنا أبو بكر بن خزيمة وإبراهيم بن أبي طالب قالا: ثنا بندار بن يسار، ثنا أبو هشام المخزومي، ثنا وهيب، ثنا داود بن أبي هند، ثنا أبو نصرة عن أبي سعيد الخدري قال: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم واجتمع الناس في دار سعد بن عبادة، وفيهم أبو بكر وعمر قال: فقام خطيب الانصار فقال: أتعلمون أنا أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحن أنصار خليفته كما كنا أنصاره، قال: فقام عمر بن الخطاب فقال: صدق قائلكم ولو قلتم غير هذا لم نبايعكم فأخد بيد أبي بكر وقال: هذا صاحبكم فبايعوه، فبايعه عمر، وبايعه المهاجرون والانصار، وقال: فصعد أبو بكر المنبر فنظر في وجوه القوم فلم ير الزبير، قال: فدعا الزبير فجاء قال: قلت: ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم أردت أن تشق عصا المسلمين، قال: لا تثريب يا خليفة رسول الله، فقام فبايعه، ثم نظر في وجوه القوم فلم ير عليا، فدعا بعلي بن أبي طالب قال: قلت: ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه على ابنته، أردت أن تشق عصا المسلمين، قال: لا تثريب يا خليفة رسول الله فبايعه، هذا أو معناه قال الحافظ أبو علي النيسابوري: سمعت ابن خزيمة يقول: جاءني مسلم بن الحجاج فسألني عن هذا الحديث فكتبته له في رقعة وقرأت عليه، فقال: هذا حديث يساوي بدنة، فقلت: يسوي بدنة، بل هذا يسوي بدرة * وقد رواه الامام أحمد عن الثقة عن وهيب مختصرا، وأخرجه الحاكم في مستدركه من
طريق عفان بن مسلم عن وهيب مطولا كنحو ما تقدم * وروينا من طريق المحاملي عن القاسم بن سعيد بن المسيب، عن علي بن عاصم، عن الحريري عن أبي نصرة، عن أبي سعيد فذكره مثله في مبايعة علي والزبير رضي الله عنهما يومئذ * وقال موسى بن عقبة في مغازيه عن سعد بن إبراهيم: حدثني أبي أن أباه عبد الرحمن بن عوف كان مع عمر وأن محمد بن مسلمة كسر سيف الزبير، ثم خطب أبو بكر واعتذر إلى الناس وقال: والله ما كنت حريصا على الامارة يوما ولا ليلة، ولا سألتها الله في سر ولا علانية، فقبل المهاجرون مقالته، وقال علي والزبير ما تأخرنا إلا
__________
(1) في ابن هشام: حتى أريح.
(2) من سيرة ابن هشام.
(*)

(6/333)


لاننا أخرنا عن المشورة، وإنا نرى أبا بكر أحق الناس بها.
إنه لصاحب الغار، وإنا لنعرف شرفه وخيره، ولقد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة بالناس وهو حي، وهذا اللائق بعلي رضي الله عنه والذي يدل عليه الآثار من شهوده معه الصلوات، وخروجه معه إلى ذي القصة بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما سنورده، وبذله له النصيحة والمشورة، بين يديه، وأما ما يأتي من مبايعته إياه بعد موت فاطمة، وقد ماتت بعد أبيها عليه السلام بستة أشهر، فذلك محمول على أنها بيعة ثانية أزالت ما كان قد وقع من وحشة بسبب الكلام في الميراث ومنعه إياهم ذلك بالنص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: لا نورث ما تركنا فهو صدقة، كما تقدم إيراد أسانيده وألفاظه ولله الحمد * وقد كتبنا هذه الطرق مستقصاة في الكتاب الذي أفردناه في سيرة الصديق رضي الله عنه وما أسنده من الاحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما روى عنه من الاحكام مبوبة على أبواب العلم ولله الحمد والمنة، وقال سيف بن عمر التميمي عن أبي ضمرة عن أبيه عن عاصم بن عدي، قال نادى منادي أبي بكر من الغد من متوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتمم بعث أسامة: ألا لا يبقين بالمدينة أحد من جيش أسامة إلا خرج إلى عسكره بالجرف، وقام أبو بكر في الناس فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أيها الناس إنما أنا مثلكم وإني لعلكم تكلفونني ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطيق، إن الله اصطفى محمدا
على العالمين، وعصمه من الآفات، وإنما أنا متبع ولست بمبتدع، فإن استقمت فبايعوني، وإن زغت فقوموني، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض وليس أحد من هذه الامة يطلبه بمظلمة ضربة سوط فما دونها، وإن لي شيطانا يعتريني فإذا أتاني فاجتذوني لا أؤثر في أشعاركم وأبشاركم، وإنكم تغدون وتروحون في أجل قد غيب عنكم علمه، وإن استطعتم أن لا يمضي إلا وأنتم في عمل صالح فافعلوا، ولن تستطيعوا ذلك إلا بالله، وسابقوا في مهل آجالكم من قبل أن تسلمكم آجالكم إلى انقطاع الاعمال، فإن قوما نسوا آجالهم وجعلوا أعمالهم بعدهم، فإياكم أن تكونوا أمثالهم، الجد الجد، النجاة النجاة، الوحا الوحا فإن وراءكم طالبا حثيثا، وأجلا أمره سريع، احذروا الموت، واعتبروا بالآباء والابناء والاخوان، ولا تطيعوا الاحياء إلا بما تطيعوا به الاموات، قال: وقام أيضا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله لا يقبل من الاعمال إلا ما أريد به وجهه، فأريدوا الله بأعمالكم، فإنما أخلصتم لحين فقركم وحاجتكم، اعتبروا عباد الله بمن مات منكم، وتفكروا فيمن كان قبلكم، أين كانوا أمس، وأين هم اليوم، أين الجبارون الذين كان لهم ذكر القتال والغلبة في مواطن الحروب، قد تضعضع بهم الدهر، وصاروا رميما، قد تولت عليهم العالات، الخبيثات للخبيثين، والخبيثون للخبيثات، وأين الملوك الذين أثاروا الارض وعمروها ؟ قد بعدوا ونسي ذكرهم، وصاروا كلا شئ، إلا أن الله عز وجل قد أبقى عليهم التبعات، وقطع عنهم الشهوات، ومضوا والاعمال أعمالهم، والدنيا دنيا غيرهم، وبعثنا خلفا بعدهم، فإن نحن اعتبرنا بهم نجونا، وإن انحدرنا كنا مثلهم، أين الوضاءة الحسنة وجوههم، المعجبون بشبابهم ؟ صاروا ترابا، وصار ما فرطوا فيه حسرة عليهم، أين الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحوائط، وجعلوا فيها الاعاجيب ؟ قد تركوها لمن خلفهم، فتلك مساكنهم خاوية وهم في ظلمات القبور،

(6/334)


هل [ تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا ] ؟ أين من تعرفون من آبائكم وإخوانكم، قد انتهت بهم آجالهم، فوردوا على ما قدموا فحلوا عليه وأقاموا للشقوة أو السعادة بعد الموت، إلا إن الله لا شريك له ليس بينه وبين أحد من خلقه سبب يعطيه به خيرا، ولا يصرف به عنه سوءا، إلا
بطاعته واتباع أمره، واعلموا أنكم عبيد مدينون، وأن ما عنده لا يدرك إلا بطاعته أما آن لاحدكم أن تحسر عنه النار ولا تبعد عنه الجنة ؟.
فصل في تنفيذ جيش اسامة بن زيد الذين كانوا قد أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسير إلى تخوم البلقاء من الشام، حيث قتل زيد بن حارثة، وجعفر وابن رواحة: فيغتزوا على تلك الاراضي، فخرجوا إلى الجرف فخيموا به، وكان بينهم عمر بن الخطاب، ويقال: وأبو بكر الصديق فاستثناه رسول الله منهم للصلاة، فلما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم أقاموا هنالك، فلما مات عظم الخطب واشتد الحال ونجم النفاق بالمدينة، وارتد من ارتد من أحياء العرب حول المدينة، وامتنع آخرون من أداء الزكاة إلى الصديق، ولم يبق للجمعة مقام في بلد سوى مكة والمدينة، وكانت جواثا من البحرين أول قرية أقامت الجمعة بعد رجوع الناس إلى الحق كما في صحيح البخاري عن ابن عباس كما سيأتي، وقد كانت ثقيف بالطائف ثبتوا على الاسلام، لم يفروا ولا ارتدوا، والمقصود أنه لما وقعت هذه الامور أشار كثير من الناس على الصديق أن لا ينفذ جيش أسامة لاحتياجه إليه فيما هو أهم، لان ما جهز بسببه في حال السلامة، وكان من جملة من أشار بذلك عمر بن الخطاب، فامتنع الصديق من ذلك، وأبى أشد الاباء، إلا أن ينفذ جيش أسامة، وقال: والله لا أحل عقدة عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو أن الطير تخطفنا، والسباع من حول المدينة ولو أن الكلاب جرت بأرجل أمهات المؤمنين لاجهزن جيش أسامة وآمر الحرس يكونون حول المدينة فكان خروجه في ذلك الوقت من أكبر المصالح والحالة تلك، فساروا لا يمرون بحي من أحياء العرب إلا إرعبوا منهم، وقالوا: ما خرج هؤلاء من قوم إلا وبهم منعة شديدة، فقاموا أربعين يوما ويقال سبعين يوما، ثم أتوا سالمين غانمين، ثم رجعوا فجهزهم حينئذ مع الاحياء الذين أخرجهم لقتال المرتدة، وما نعي الزكاة على ما سيأتي تفصيله، قال سيف بن عمر: عن هشام بن عروة عن أبيه قال: لما بويع أبو بكر وجمع الانصار في الامر الذي افترقوا فيه، قال، ليتم بعث أسامة وقد ارتدت العرب إما عامة وإما خاصة، في كل
قبيلة، ونجم النفاق واشرأبت اليهودية والنصرانية، والمسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية، لفقد نبيهم صلى الله عليه وسلم، وقلتهم وكثرة عدوهم، فقال له الناس: إن هؤلاء جل المسلمين والعرب على ما ترى قد انتقصت بك، وليس ينبغي لك أن تفرق عنك جماعة المسلمين، فقال: والذي نفس أبي بكر بيده لو ظننت أن السباع تخطفني لانفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو لم يبق في

(6/335)


القرى غيري لانفذته، وقد روي هذا عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، ومن حديث القاسم وعمرة عن عائشة قالت، لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب قاطبة (1) وأشرأبت النفاق، والله لقد نزل بي ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها، وصار أصحاب محمد صلى الله عليه سلم كأنهم معزى مطيرة في حش في ليلة مطيرة بأرض مسبعة، فو الله ما اختلفوا في نقطة إلا طار أبي بخطلها وعنانها وفصلها، ثم ذكرت عمر فقالت: من رأى عمر علم أنه خلق غنى للاسلام، كان والله أحوذيا نسيج وحده قد أعد للامور أقرانها * وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن علي الميموني، ثنا الفريابي، ثنا عباد بن كثير عن أبي الاعرج عن أبي هريرة قال: والله الذي لا إله إلا هو لولا أن أبا بكر استخلف ما عبد الله، ثم قال الثانية، ثم قال الثالثة، فقيل له: مه يا أبا هريرة ؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه أسامة بن زيد في سبعمائة إلى الشام، فلما نزل بذي خشب قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وارتدت العرب حول المدينة، فاجتمع إليه أصحاب رسول الله فقالوا: يا أبا بكر رد هؤلاء، توجه هؤلاء إلى الروم وقد ارتدت العرب حول المدينة ؟ فقال: والذي لا إله غيره لو جرت الكلاب بأرجل أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رددت جيشا وجهه رسول الله، ولا حللت لواء عقده رسول الله.
فوجه أسامة، فجعل لا يمر بقبيل يريدون الارتداد إلا قالوا: لو لا أن لهؤلاء قوة ما خرج مثل هؤلاء من عندهم، ولكن ندعهم حتى يلقوا الروم، فلقوا الروم فهزموهم وقتلوهم، ورجعوا سالمين، فثبتوا على الاسلام - عباد بن كثير هذا أظنه البرمكي - لرواية الفريابي عنه، وهو متقارب الحديث، فأما البصري الثقفي فمتروك الحديث والله أعلم * وروى سيف بن عمر عن أبي ضمرة
وأبي عمرو وغيرهما عن الحسن البصري: أن أبا بكر لما صمم على تجهيز جيش أسامة قال بعض الانصار لعمر: قل له فليؤمر علينا غير أسامة، فذكر له عمر ذلك، فيقال: إنه أخذ بلحيته وقال: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب، أؤمر غير أمير رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ثم نهض بنفسه إلى الجرف فاستعرض جيش أسامة وأمرهم بالمسير، وسار معهم ماشيا، وأسامة راكبا، وعبد الرحمن بن عوف يقود براحلة الصديق، فقال أسامة: يا خليفة رسول الله، إما أن تركب وإما أن أنزل، فقال: والله لست بنازل ولست براكب، ثم استطلق الصديق من أسامة عمر بن الخطاب - وكان مكتتبا في جيشه - فأطلقه له، فلهذا كان عمر لا يلقاه بعد ذلك إلا قال: السلام عليك أيها الامير.
__________
(1) قاطبة: هنا للمبالغة في أعداد القبائل والناس الذين ارتدوا عن الاسلام وأعلنوا نفاقهم، وليس المقصود بها الكل، لان العرب لم ترتد قاطبة إلا إذا كان المقصود الاعراب والبدو.
قال في مآثر الاناقة: وكانت قبائل العرب خلا قريش وثقيف قد ارتدت عن الاسلام...وفي أيام أبي بكر تبع مسيلمة الكذاب خلق كثير، (1 / 84).
وفي مروج الذهب: ارتدت العرب إلا أهل المسجدين، ومن بينهما وأناسا من العرب.
(*)

(6/336)


مقتل الاسود العنسي، المتنبي الكذاب قال أبو جعفر بن جرير: حدثني عمرو بن شبة (1) النميري، ثنا علي بن محمد - يعني المدائني - عن أبي معشر ويزيد بن عياض عن جعد به، وغسان بن عبد الحميد وجويرية بن أسماء عن مشيختهم قالوا: أمضى أبو بكر جيش أسامة بن زيد في آخر ربيع الاول، وأتى مقتل الاسود في آخر ربيع الاول بعد مخرج أسامة، فكان ذلك أول فتح فتح أبو بكر وهو بالمدينة.
صفة خروجه وتمليكه ومقتله قد أسلفنا فيما تقدم أن اليمن كانت لحمير، وكانت ملوكهم يسمون التبابعة، وتكلمنا في أيام الجاهلية على طرف صالح من هذا، ثم إن ملك الحبشة بعث أميرين من قواده، وهما أبرهة
الاشرم، وأرياط، فتملكا له اليمن من حمير، وصار ملكها للحبشة، ثم اختلف هذان الاميران، فقتل أرياط واستقل أبرهة بالنيابة، وبني كنيسة سماها العانس (2)، لارتفاعها، وأورد أن يصرف حج العرب إليها دون الكعبة، فجاء بعض قريش فأحدث في هذه الكنيسة، فلما بلغه ذلك حلف ليخربن بيت مكة، فسار إليه ومعه الجنود والفيل محمود، فكان من أمرهم ما قص الله في كتابه * وقد تقدم بسط ذلك في موضعه، فرجع أبرهة ببعض من بقي من جيشه في أسوأ حال وشر خيبة، وما زال تسقط أعضاؤه أنملة أنملة، فلما وصل إلى صنعاء انصدع صدره فمات، فقام بالملك بعده ولده بلسيوم (3) بن أبرهة ثم أخوه مسروق بن أبرهة، فيقال: إنه استمر ملك اليمن بأيدي الحبشة سبعين سنة، (4) ثم ثار سيف بن ذي يزن الحميري، فذهب إلى قيصر ملك الروم يستنصره عليهم، فأبى ذلك عليه - لما بينه وبينهم من الاجتماع في دين النصرانية - فسار إلى كسرى ملك الفرس فاستغاث به، وله معه مواقف ومقامات في الكلام تقدم بسط بعضها، ثم اتفق الحال على أن بعث معه ممن بالسجون طائفة تقدمهم رجل منهم يقال له: وهرز، فاستنقذ ملك اليمن من الحبشة، وكسر مسروق بن أبرهة وقتله، ودخلوا إلى صنعاء وقرروا سيف بن ذي يزن في الملك على عادة آبائه، وجاءت العرب تهنئه من كل جانب، غير أن لكسرى نوابا عن البلاد، فاستمر الحال في ذلك حتى بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقام بمكة ما أقام: ثم هاجر إلى المدينة فلما كتب كتبه إلى الآفاق يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، فكتب من جملة ذلك إلى كسرى ملك الفرس:
__________
(1) من الطبري، وفي الاصل شيبة.
(2) في ابن هشام القليس بضم القاف وتشديد اللام المفتوحة، ومنها القلانس لانها في أعلى الرؤوس.
(3) في الطبري وابن هشام: يكسوم.
(4) في ابن هشام والمسعودي: اثنين وسبعين سنة.
(*)

(6/337)


بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم الفرس، سلام على من اتبع
الهدى، أما بعد فأسلم تسلم، إلى آخره، فلما جاءه الكتاب قال: ما هذا ؟ قالوا: هذا كتاب جاء من عند رجل بجزيرة العرب يزعم أنه نبي، فلما فتح الكتاب فوجده قد بدأ باسمه قبل اسم كسرى، غضب كسرى غضبا شديدا، وأخذ الكتاب فمزقه قبل أن يقرأه، وكتب إلى عامله على اليمن - وكان اسمه باذام (1) - أما بعد فإذا جاءك كتابي هذا فابعث من قبلك أميرين إلى هذا الرجل الذي بجزيرة العرب، الذي يزعم أنه نبي، فابعثه إلي في جامعة، فلما جاء الكتاب إلى باذام، بعث من عنده أميرين عاقلين، وقال: اذهبا إلى هذا الرجل، فانضرا ما هو، فإن كان كاذبا فخذاه في جامعة حتى تذهبا به إلى كسرى، وإن كان غير ذلك فارجعا إلي فأخبراني ما هو، حتى أنظر في أمره، فقدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فوجداه على أسد الاحوال وأرشدها، ورأيا منه أمورا عجيبة، يطول ذكرها، ومكثا عنده شهرا حتى بلغا ما جاءا له، ثم تقاضاه الجواب بعد ذلك، فقال لهما: ارجعا إلى صاحبكما فأخبراه أن ربي قد قتل الليلة ربه، فأرخا ذلك عندهما ثم رجعا سريعا إلى اليمن فأخبرا باذام بما قال لهما فقال: احصوا تلك الليلة، فإن ظهر الامر كما قال فهو نبي، فجاءت الكتب من عند ملكهم أنه قد قتل كسرى في ليلة كذا وكذا، لتلك الليلة، وكان قد قتله بنوه ولهذا قال بعض الشعراء: وكسرى إذ تقاسمه بنوه * بأسياف كما اقتسم اللحام تمخضت المنون له بيوم * أنى ولكل حاملة تمام وقام بالملك بعده ولده يزدجرد وكتب إلى باذام أن خذ لي البيعة من قبلك، واعمد إلى ذلك الرجل فلا تهنه واكرمه، فدخل الاسلام قلب باذام وذريته من أبناء فارس ممن باليمن، وبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسلامه، فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بنيابة اليمن بكمالها، فلم يعزله عنها حتى مات، فلما مات استناب ابنه شهر بن باذام على صنعاء وبعض مخاليف، وبعث طائفة من أصحابه نوابا على مخاليف أخر فبعث أولا في سنة عشر، عليا وخالدا، ثم أرسل معاذا وأبا موسى الاشعري وفرق عمالة اليمن بين جماعة من الصحابة، فمنهم شهر بن باذام، وعامر بن شهر الهمداني، على همدان، وأبو موسى على مارب، وخالد بن سعيد بن العاص على عامر نجران
ورفع وزبيد، ويعلى بن أمية على الجند، والطاهر بن أبي هالة على عك والاشعريين، وعمرو بن حرام (2) على نجران، وعلى بلاد حضرموت زياد بن لبيد، وعلى السكاسك عكاشة بن مور (3) بن أخضر، وعلى السكون معاوية بن كندة، وبعث معاذ بن جبل معلما لاهل البلدين - اليمن
__________
(1) في ابن هشام وكامل ابن الاثير: باذان، وفي الطبري فكالاصل.
(2) في الطبري والكامل لابن الاثير: عمرو بن حزم.
(3) في الطبري: عكاشة بن ثور بن أصغر الغوثي.
(*)

(6/338)


وحضرموت - يتنقل من بلد إلى بلد، ذكره سيف بن عمر، وذلك كله في سنة عشر، آخر حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فبينما هم على ذلك إذ نجم هذا العين الاسود العنسي.
خروج الاسود العنسي واسمه عبهلة بن كعب بن غوث (1) - من بلد يقال لها: كهف حنان - في سبعمائة مقاتل، وكتب إلى عمال النبي صلى الله عليه وسلم: أيها المتمردون علينا، أمسكوا علينا ما أخذتم من أرضنا، ووفروا ما جمعتم، فنحن أولى به، وأنتم على ما أنتم عليه، ثم ركب فتوجه إلى نجران فأخذها بعد عشر ليال من مخرجه ثم قصد إلى صنعاء، فخرج إليه شهر بن باذام فتقاتلا، فغلبه الاسود وقتله، وكسر جيشه من الابناء واحتل بلدة صنعاء لخمس وعشرين ليلة من مخرجه، ففر معاذ بن جبل من هنالك واجتاز بأبي موسى الاشعري، فذهبا إلى حضرموت وانحاز عمال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطاهر، ورجع عمر بن حرام وخالد بن سعيد بن العاص إلى المدينة، واستوثقت اليمن بكمالها للاسود العنسي، وجعل أمره يستطير استطارة الشرارة، وكان جيشه يوم لقي شهرا سبعمائة فارس، وأمراؤه قيس بن عبد يغوث ومعاوية بن قيس ويزيد بن محرم بن (2) حصن الحارثي، ويزيد بن الافكل الازدي، واشتد ملكه، واستغلظ أمره، وارتد خلق من أهل اليمن وعامله المسلمون الذين هناك بالتقية، وكان خليفته على مذحج عمرو بن معدي كرب واسند أمر الجند إلى قيس بن عبد يغوث، وأسند أمر الابناء إلى فيروز الديلمي وداذويه وتزوج بامرأة شهر بن باذام
وهي ابنة عم فيروز الديلمي، واسمها زاذ (3)، وكانت امرأة حسناء جميلة، وهي مع ذلك مؤمنة بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ومن الصالحات، قال سيف بن عمر التميمي: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابه، حين بلغه الاسود العنسي مع رجل يقال له: وبر بن يحنس الديلمي: يأمر المسلمين الذين هناك بمقاتلة الاسود العنسي ومصاولته، وقام معاذ بن جبل بهذا الكتاب أتم القيام، وكان قد تزوج امرأة من السكون يقال لها: رملة، فحزبت عليه السكون لصبره فيهم، وقاموا معه في ذلك، وبلغوا هذا الكتاب إلى عمال النبي صلى الله عليه وسلم، ومن قدروا عليه من الناس، واتفق اجتماعهم بقيس بن عبد يغوث أمير الجند - وكان قد غضب على الاسود، واستخف به، وهم بقتله - وكذلك كان أمر فيروز الديلمي، قد ضعف عنده أيضا، وكذا داذويه، فلما أعلم وبر بن يحنس قيس بن عبد يغوث، وهو قيس بن مكشوح، كان كأنما نزلوا عليه من السماء، ووافقهم على الفتك بالاسود وتوافق المسلمون على ذلك، وتعاقدوا عليه، فلما أيقن ذلك في الباطن اطلع شيطان الاسود للاسود على شئ من ذلك، فدعا قيس بن مكشوح، فقال له: يا قيس ما يقول
__________
(1) في الكامل لابن الاثير: عيهلة بن كعب بن عوف العنسي.
(2) في الطبري: ويزيد بن حصين الحارثي.
(3) في الطبري: آزاد.
(*)

(6/339)


هذا ؟ قال: وما يقول ؟ قال يقول: عمدت إلى قيس فأكرمته حتى إذا دخل منك كل مدخل، وصار في العز مثلك، مال ميل عدوك، وحاول ملكك، وأضمر على الغدر، إنه يقول يا أسود يا أسود يا سواه يا سواه، فطف به وخذ من قيس أعلاه وإلا سلبك وقطف قبتك (1).
فقال له قيس وحلف له فكذب: وذي الخمار (2) لانت أعظم في نفسي وأجل عندي من أن أحدث بك نفسي، فقال له الاسود: ما إخالك تكذب الملك فقد صدق الملك وعرف الآن أنك تائب عما أطلع عليك منك، ثم خرج قيس من بين يديه فجاء إلى أصحابه فيروز وداذويه، وأخبرهم بما قال له ورد عليه، فقالوا: إنا كلنا على حذر، فما الرأي، فبينما هم يشتورون إذ جاءهم رسوله فأحضرهم
بين يديه، فقال: ألم أشرفكم على قومكم ؟ قالوا: بلى، قال: فماذا يبلغني عنكم، فقالوا: أقلنا مرتنا هذه، فقال: لا يبلغني عنكم فأقيلكم، قال: فخرجنا من عنده ولم نكد، وهو في ارتياب من أمرنا، ونحن على خطر، فبينما نحن على ذلك إذ جاءتنا كتب من عامر بن شهر، أمير همدان، وذي ظليم، وذي كلاع، وغيرهم من أمراء اليمن، يبذلون لنا الطاعة والنصر، على مخالفة الاسود، وذلك حين جاءهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يحثهم على مصاولة الاسود العنسي، فكتبنا إليهم أن لا يحدثوا شيئا حتى نبرم الامر، قال قيس: فدخلت على امرأته ازاذ، فقلت: يا ابنة عمي قد عرفت بلاء هذا الرجل عند قومك: قتل زوجك، وطأطأ في قومك القتل، وفضح النساء، فهل عندك ممالاة عليه ؟ قالت: على أي أمر، قلت إخراجه، قالت: أو قتله، قلت: أو قتله، قالت: نعم، والله ما خلق الله شخصا هو أبغض إلي منه، فما يقوم لله على حق ولا ينتهي له عن حرمة، فإذا عزمتم أخبروني أعلمكم بما في هذا الامر، قال فأخرج فإذا فيروز وداذويه، ينتظراني يريدون أن يناهضوه، فما استقر اجتماعه بهما حتى بعث إليه الاسود فدخل في عشرة من قومه، فقال: ألم أخبرك بالحق وتخبرني بالكذابة ؟ إنه يقول: يا سوأة يا سوأة، إن لم تقطع من قيس يده يقطع رقبتك العليا، حتى ظن قيس أنه قاتله، فقال: إنه ليس من الحق، أن أهلك وأنت رسول الله، فقتلي أحب إلي من موتات أموتها كل يوم، فرق له وأمره بالانصراف، فخرج إلى أصحابه فقال: أعملوا عملكم، فبينما هم وقوف بالباب يشتورون، إذ خرج الاسود عليهم وقد جمع له مائة ما بين بقرة وبعير، فقام وخط خطا وأقيمت من ورائه، وقام دونها، فنحرها، غير محبسة ولا معقلة، ما يقتحم الخط منها شئ، فجالت إلى أن زهقت أرواحها، قال قيس: فما رأيت أمرا كان أفظع منه، ولا يوما أوحش منه، ثم قال الاسود: أحق ما بلغني عنك يا فيروز ؟ لقد هممت أن أنحرك فألحقك بهذه البهيمة، وأبدى له الحربة، فقال له فيروز: اخترتنا لصهرك، وفضلتنا على الابناء، فلو لم تكن نبيا ما بعنا نصيبنا منك بشئ، فكيف وقد اجتمع لنا بك أمر الآخرة والدنيا ؟ فلا تقبل علينا أمثال ما يبلغك، فأنا بحيث تحب، فرضي عنه وأمره
__________
(1) في الطبري: قنتك وفي الكامل لابن الاثير: رقبتك.
(2) ذو الخمار: الاسود العنسي لقب به لانه كان معتما متخمرا أبدا.
(*)

(6/340)


بقسم لحوم تلك الانعام ففرقها فيروز في أهل صنعاء، ثم أسرع اللحاق به، فإذا رجل يحرضه على فيروز ويسعى إليه فيه، واستمع له فيروز، فإذا الاسود يقول: أنا قاتله غدا وأصحابه، فاغد علي به، ثم التفت فإذا فيروز، فقال: مه، فأخبره فيروز بما صنع من قسم ذلك اللحم، فدخل الاسود داره، ورجع فيروز إلى أصحابه فأعلمهم بما سمع وبما قال وقيل له، فاجتمع رأيهم على أن عاودوا المرأة في أمره، فدخل أحدهم - وهو فيروز - إليها فقالت: إنه ليس من الدار بيت إلا والحرس محيطون به، غير هذا البيت، فإن ظهره إلى مكان كذا وكذا من الطريق، فإذا أمسيتم فانقبوا عليه من دون الحرس، وليس من دون قتله شئ، وإني سأضع في البيت سراجا وسلاحا، فلما خرج من عندها تلقاه الاسود فقال له: ما أدخلك على أهلي ؟ ووجأ رأسه، وكان الاسود شديدا، فصاحت المرأة فأدهشته عنه، ولولا ذلك لقتله، وقالت: ابن عمي جاءني زائرا، فقال: اسكتي لا أبا لك، قد وهبته لك، فخرج على أصحابه فقال: النجاء النجاء، وأخبرهم الخبر، فحاروا ماذا يصنعون ؟ فبعثت المرأة إليهم تقول لهم: لا تنثنوا عما كنتم عازمين عليه، فدخل عليها فيروز الديلمي فاستثبت منها الخبر، ودخلوا إلى ذلك البيت فنقبوا من داخله بطائن ليهون عليهم النقب من خارج، ثم جلس عندها جهرة كالزائر، فدخل الاسود فقال: وما هذا ؟ فقالت: إنه أخي من الرضاعة، وهو ابن عمي، فنهره وأخرجه، فرجع إلى أصحابه، فلما كان الليل نقبوا ذلك البيت فدخلوا فوجدوا فيه سراجا تحت جفنة فتقدم إليه فيروز الديلمي والاسود نائم على فراش من حرير، قد غرق رأسه في جسده، وهو سكران يغط، والمرأة جالسة عنده، فلما قام فيروز على الباب أجلسه شيطانه وتكلم على لسانه - وهو مع ذلك يغط - فقال: مالي ومالك يا فيروز ؟ فخشي إن رجع يهلك وتهلك المرأة، فعاجله وخالطه وهو مثل الجمل فأخذ رأسه فدق عنقه ووضع ركبتيه في ظهره حتى قتله، ثم قام ليخرج إلى أصحابه ليخبرهم، فأخذت المرأة بذيله وقالت: أين تذهب عن حرمتك.
فظنت أنها لم تقتله، فقال: أخرج لاعلمهم بقتله،
فدخلوا عليه ليحتزوا رأسه، فحركه شيطانه فاضطرب، فلم يضبطوا أمره حتى جلس اثنان على ظهره، وأخذت المرأة بشعره، وجعل يبربر بلسانه فاحتز الآخر رقبته، فخار كأشد خوار ثور سمع قط، فابتدر الحرس إلى المقصورة، فقالوا: ما هذا ما هذا ؟ فقالت المرأة: النبي يوحى إليه، فرجعوا، وجلس قيس وداذويه وفيروز يأتمرون كيف يعلمون أشياعهم، فاتفقوا على أنه إذا كان الصباح ينادون بشعارهم الذي بينهم وبين المسلمين، فلما كان الصباح قام أحدهم، وهو قيس على سور الحصن فنادى بشعارهم، فاجتمع المسلمون والكافرون حول الحصن، فنادى قيس ويقال: وبر بن يحنش، الاذان: أشهد أن محمدا رسول الله، وأن عبهلة كذاب، وألقى إليهم رأسه فانهزم أصحابه وتبعهم الناس يأخذونهم ويرصدونهم في كل طريق يأسرونهم، وظهر الاسلام وأهله، وتراجع نواب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أعمالهم وتنارع أولئك الثلاثة في الامارة، ثم اتفقوا على معاذ بن جبل يصلي بالناس، وكتبوا بالخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أطلعه الله على الخبر من

(6/341)


ليلته، كما قال سيف بن عمر التميمي عن أبي القاسم الشنوي عن العلاء بن زيد (1) عن ابن عمر: أتى الخبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم من السماء الليلة التي قتل فيها العنسي ليبشرنا، فقال: قتل العنسي البارحة قتله رجل مبارك من أهل بيت مباركين، قيل: ومن ؟ قال: فيروز فيرروز، وقد قيل: إن مدة ملكه منذ ظهر إلى أن قتل ثلاثة أشهر، ويقال: أربعة أشهر، فالله أعلم * وقال سيف بن عمر عن المستنير عن عروة عن الضحاك عن فيروز: قال: قتلنا الاسود، وعاد أمرنا في صنعاء كما كان إلا أنا أرسلنا إلى معاذ بن جبل فتراضينا عليه، فكان يصلي بنا في صنعاء، فوالله ما صلى بنا إلا ثلاثة أيام حتى أتانا الخبر بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانتقضت الامور، وأنكرنا كثيرا مما كنا نعرف، واضطربت الارض، وقد قدمنا أن خبر العنسي جاء إلى الصديق في أواخر ربيع الاول بعدما جهز جيش أسامة، وقيل: بل جاءت البشارة إلى المدينة صبيحة توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والاول أشهر والله أعلم * والمقصود أنه لم يجئهم فيما يتعلق بمصالحهم واجتماع كلمتهم وتأليف ما بينهم والتمسك بدين الاسلام إلا الصديق رضي الله عنه، وسيأتي إرساله إليهم من يمهد الامور التي اضطربت في
بلادهم ويقوي أيدي المسلمين، ويثبت أركان دعائم الاسلام فيهم، رضي الله عنهم * فصل في تصدي الصديق لقتال أهل الردة ومانعي الزكاة قد تقدم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما توفي ارتدت احياء كثيرة من الاعراب، ونجم النفاق بالمدينة وانحاز إلى مسيلمة الكذاب بنو حنيفة وخلق كثير باليمامة، والتفت على طليحة الاسدي بنو أسد وطئ، وبشر كثير أيضا، وادعى النبوة أيضا كما أدعاها مسيلمة الكذاب، وعظم الخطب واشتدت الحال، ونفذ الصديق جيش أسامة، فقل الجند عند الصديق، فطمعت كثير من الاعراب في المدينة وراموا أن يهجموا عليها، فجعل الصديق على أنقاب المدينة حراسا يبيتون بالجيوش حولها، فمن أمراء الحرس علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبد الله، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن مسعود، وجعلت وفود العرب تقدم المدينة.
يقرون بالصلاة ويمتنعون من أداء الزكاة، ومنهم من امتنع من دفعها إلى الصديق، وذكر أن منهم من احتج بقوله تعالى: * (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم) * [ التوبة: 103 ] قالوا: فلسنا ندفع زكاتنا إلا إلى من صلاته سكن لنا، وأنشد بعضهم: أطعنا رسول الله إذ كان بيننا * فواعجبا ما بال ملك أبي بكر وقد تكلم الصحابة مع الصديق في أن يتركهم وما هم عليه من منع الزكاة ويتألفهم حتى
__________
(1) في الطبري: زياد.
(*)

(6/342)


يتمكن الايمان في قلوبهم: ثم هم بعد ذلك يزكون، فامتنع الصديق من ذلك وأباه * وقد روى الجماعة في كتبهم سوى ابن ماجة عن أبي هريرة أن عمر بن الخطاب قال لابي بكر: علام تقاتل الناس ؟ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ؟ فقال أبو بكر: والله لو منعوني
عناقا، وفي رواية: عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لاقاتلنهم على منعها، إن الزكاة حق المال، والله لاقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، قال عمر: فما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق (1) * قلت: وقد قال الله تعالى * (فان تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) * [ التوبة: 5 ] وثبت في الصحيحين: بني الاسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان * وقد روى الحافظ ابن عساكر من طريقين عن شبابة بن سوار: ثنا عيسى بن يزيد المديني، حدثني صالح بن كيسان، قال: لما كانت الردة قام أبو بكر في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: الحمد لله الذي هدى فكفى، وأعطى فأغنى، إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وآله، والعلم شريد والاسلام غريب طريد، قد رث حبله، وخلق عهده، وضل أهله منه، ومقت الله أهل الكتاب فلا يعطيهم خيرا لخير عندهم، ولا يصرف عنهم شرا لشر عندهم، قد غيروا كتابهم، وألحقوا فيه ما ليس منه، والعرب الآمنون يحسبون أنهم في منعة من الله لا يعبدونه ولا يدعونه، فأجهدهم عيشا، وأضلهم دنيا، في ظلف من الارض مع ما فيه من السحاب فختمهم الله بمحمد، وجعلهم الامة الوسطى، نصرهم بمن اتبعهم، ونصرهم على غيرهم، حتى قبض الله نبيه صلى الله عليه وآله فركب منهم الشيطان مركبه الذي أنزله عليه، وأخذ بأيديهم، وبغى هلكتهم * (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفأن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا ويسجزى الله الشاكرين) * [ آل عمران: 144 ] إن من حولكم من العرب منعوا شاتهم وبعيرهم، ولم يكونوا في دينهم - وإن رجعوا إليه - أزهد منهم يومهم هذا، ولم تكونوا في دينكم أقوى منكم يومكم هذا، على ما قد تقدم من بركة نبيكم صلى الله عليه وآله، وقد وكلكم إلى المولى الكافي، الذي وجده ضالا فهداه، وعائلا فأغناه * (وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها) * الآية [ آل عمران: 103 ]، والله لا أدع أن أقاتل على امر الله حتى ينجز الله وعده، ويوفي لنا عهده، ويقتل من قتل منا شهيدا من أهل الجنة، وبقى من بقي منها خليفته وذريته في أرضه، قضاء الله الحق، وقوله الذي لا خلف له
* (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض) * الاية (النور: 55 ]، ثم نزل * وقال الحسن وقتادة وغيرهما في قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه
__________
(1) أخرجه أحمد في مسنده 1 / 11، 19، 35 - 2 / 377 - 4 / 8 ومسلم في الايمان ح (82 و 83) ص (1 / 52) والبخاري ح (1561) قال في الكنز: أخرجه الاربعة إلا ابن ماجة وابن حبان والبيهقي.
(*)

(6/343)


فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه) * الآية، قالوا: المراد بذلك أبو بكر وأصحابه، في قتالهم المرتدين، وما نعي الزكاة * وقال محمد بن إسحاق: ارتدت العرب عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله.
ما خلا أهل المسجدين، مكة، والمدينة، وارتدت أسد وغطفان وعليهم طليحة بن خويلد الاسدي الكاهن، وارتدت كندة ومن يليها، وعليهم الاشعث بن قيس الكندي، وارتدت مذحج ومن يليها، وعليهم الاسود بن كعب العنسي الكاهن، وارتدت ربيعة مع المعرور بن النعمان بن المنذر، وكانت حنيفة مقيمة على أمرها مع مسيلمة بن حبيب الكذاب * وارتدت سليم مع الفجأة، واسمه أنس بن عبد يا ليل، وارتدت بنو تميم مع سجاح الكاهنة * وقال القاسم بن محمد: اجتمعت أسد وغطفان وطئ على طليحة الاسدي، وبعثوا وفودا إلى المدينة، فنزلوا على وجوه الناس فأنزلوهم إلا العباس، فحملوا بهم إلى أبي بكر، على أن يقيموا الصلاة ولا يؤتوا الزكاة، فعزم الله لابي بكر على الحق وقال: لو منعوني عقالا لجاهدتهم (1)، فردهم فرجعوا إلى عشائرهم، فأخبروهم بقلة أهل المدينة، وطمعوهم فيها، فجعل أبو بكر الحرس على أنقاب المدينة، وألزم أهل المدينة بحضور المسجد وقال: إن الارض كافرة، وقد رأى وفدهم منكم قلة، وإنكم لا تدرون ليلا يأتون أم نهارا، وأدناهم منكم على بريد، وقد كان القوم يؤملون أن نقبل منهم ونوادعهم وقد أبينا عليهم، فاستعدوا وأعدوا فما لبثوا إلا ثلاثا حتى طرقوا المدينة غارة، وخلفوا نصفهم بذي حسى (2) ليكونوا ردءا لهم، وأرسل الحرس إلى أبي بكر يخبرونه بالغارة، فبعث إليهم: أن ألزموا مكانكم.
وخرج أبو بكر في أهل المسجد على النواضح إليهم، فانفش العدو واتبعهم المسلمون على إبلهم، حتى بلغوا ذا حسى فخرج عليهم الردء فالتقوا مع
الجمع فكان الفتح وقد قال: أطعنا رسول الله ما كان وسطنا (3) * فيالعباد الله ما لابي بكر أيورثنا بكرا إذا مات بعده * وتلك لعمر الله قاصمة الظهر فهلا رددتم وفدنا بزمانه ؟ * وهلا خشيتم حس راعية البكر ؟ وإن التي سألوكمو فمنعتمو * لكالتمر أو أحلى إلي من التمر وفي جمادى الآخرة ركب الصديق في أهل المدينة وأمراء الانقاب، إلى من حول المدينة من الاعراب الذين أغاروا عليها، فلما تواجه هو وأعداؤه من بني عبس، وبني مرة، وذبيان، ومن ناصب معهم من بني كنانة، وأمدهم طليحة بابنه حبال، فلما تواجه القوم كانوا قد صنعوا مكيدة وهي أنهم عمدوا إلى أنحاء فنفخوها ثم أرسلوها من رؤوس الجبال، فلما رأتها إبل أصحاب
__________
(1) زاد الطبري: عليه وكان عقل الصدقة على أهل الصدقة مع الصدقة.
(2) ذو حسى: واد بأرض الشربة من ديار عبس وغطفان (معجم البلدان).
(3) في الطبري: ما كان بيننا.
(*)

(6/344)


الصديق نفرت وذهبت كل مذهب، فلم يملكوا من أمرها شيئا إلى الليل، وحتى رجعت إلى المدينة، فقال في ذلك الخطيل بن أوس: فدى لبني ذبيان رحلي وناقتي * عشية يحدى بالرماح أبو بكر ولكن يدهدى بالرجال فهبنه * إلى قدر ما أن تقيم ولا تسرى ولله أجناد تذاق مذاقه * لتحسب فيما عد من عجب الدهر أطعنا رسول الله ما كان بيننا * فيالعباد الله ما لابي بكر فلما وقع ما وقع ظن القوم بالمسلمين الوهن، وبعثوا إلى عشائرهم من نواحي أخر، فاجتمعوا، وبات أبو بكر رضي الله عنه قائما ليله يعبئ الناس، ثم خرج على تعبئة من آخر الليل، وعلى ميمنته النعمان بن مقرن، وعلى الميسرة أخوه عبد الله بن مقرن، وعلى الساقة أخوهما
سويد بن مقرن، فما طلع الفجر إلا وهم والعدو في صعيد واحد، فما سمعوا للمسلمين حسا ولا همسا، حتى وضعوا فيهم السيوف، فما طلعت الشمس حتى ولوهم الادبار، وغلبوهم على عامة ظهرهم، وقتل حبال، واتبعهم أبو بكر حتى نزل بذي القصة، وكان أول الفتح، وذل بها المشركون، وعز بها المسلمون، ووثب بنو ذبيان وعبس على من فيهم من المسلمين فقتلوهم، وفعل من وراءهم كفعلهم، فحلف أبو بكر ليقتلن من كل قبيلة بمن قتلوا من المسلمين وزيادة، ففي ذلك يقول زياد بن حنظلة التميمي: غداة سعى أبو بكر إليهم * كما يسعى لموتته حلال أراح على نواهقها عليا * ومج لهن مهجته حبال وقال أيضا: أقمنا لهم عرض الشمال فكبكبوا * ككبكبة الغزي أناخوا على الوفر فما صبروا للحرب عند قيامها * صبيحة يسمو بالرجال أبو بكر طرقنا بني عبس بأدنى نباجها * وذبيان نهنهنا بقاصمة الظهر فكانت هذه الوقعة من أكبر العون على نصر الاسلام وأهله، وذلك أنه عز المسلمون في كل قبيلة، وذل الكفار في كل قبيلة، ورجع أبو بكر إلى المدينة، مؤيدا منصورا، سالما غانما، وطرقت المدينة في الليل صدقات عدي بن حاتم (1)، وصفوان والزبرقان، إحداها في أول الليل، والثانية في أوسطه والثالثة في آخره، وقدم بكل واحدة منهن بشير من أمراء الانقاب، فكان الذي بشر بصفوان سعد بن أبي وقاص، والذي بشر بالزبرقان عبد الرحمن بن عوف، والذي بشر بعدي بن حاتم عبد الله بن مسعود، ويقال: أبو قتادة الانصاري رضي الله عنه * وذلك على رأس
__________
(1) في ذلك قال الحارث بن مالك الطائي: وفينا وفاء لم ير الناس مثله * وسربلنا مجدا عدي بن حاتم (*)

(6/345)


ستين ليلة من متوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم * ثم قدم أسامة بن زيد بعد ذلك بليال، فاستخلفه أبو بكر
على المدينة، وأمرهم أن يريحوا ظهرهم، ثم ركب أبو بكر في الذين كانوا معه، في الوقعة المتقدمة، إلى ذي القصة، فقال له المسلمون: لو رجعت إلى المدينة وأرسلت رجلا، فقال: والله لا أفعل، ولاواسينكم بنفسي، فخرج في تعبئته، إلى ذي حسى وذي القصة، والنعمان وعبد الله وسويد بنو مقرن على ما كانوا عليه، حتى نزل على أهل الربذة بالابرق (1) وهناك جماعه من بني عبس وذبيان، وطائفة من بني كنانة، فاقتتلوا فهزم الله الحارث وعوفا وأخذ الحطيئة أسيرا فطارت بنو عبس وبنو بكر، وأقام أبو بكر على الابرق أياما وقد غلب بني ذبيان على البلاد، وقال: حرام على بني ذبيان أن يتملكوا هذه البلاد، إذ غنمناها الله وحمى الابرق بخيول المسلمين، وأرعى سائر بلاد الربذة.
ولما فرت عبس وذبيان صاروا إلى مؤازرة طلحة وهو نازل على بزاخة (2)، وقد قال في يوم الابرق زياد بن حنظلة: ويوم بالابارق قد شهدنا * على ذبيان يلتهب التهابا أتيناهم بداهية نسوف * مع الصديق إذ ترك العتابا خروجه إلى ذي القصة حين عقد ألوية الامراء الاحد عشر وذلك بعد ما جم جيش أسامة واستراحوا، ركب الصديق أيضا في الجيوش الاسلامية شاهرا سيفه مسلولا، من المدينة إلى ذي القصة، وهي من المدينة على مرحلة، وعلي بن أبي طالب يقود براحلة الصديق رضي الله عنهما، كما سيأتي، فسأله الصحابة، منهم علي وغيره، وألحوا عليه أن يرجع إلى المدينة، وأن يبعث لقتال الاعراب غيره ممن يؤمره من الشجعان الابطال، فأجابهم إلى ذلك، وعقد لهم الالوية لاحد عشر أميرا، على ما سنفصله قريبا إن شاء الله * وقد روى الدار قطني من حديث عبد الوهاب بن موسى الزهري عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر قال: لما برز أبو بكر إلى القصة واستوى على راحلته، أخذ علي بن أبي طالب بزمامها وقال: إلى أين يا خليفة رسول الله ؟ أقول لك ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد: لم سيفك ولا تفجعنا بنفسك، وارجع إلى المدينة، فوالله لئن فجعنا بك لا يكون للاسلام نظام أبدا، فرجع * هذا حديث غريب من طريق مالك، وقد رواه زكريا الساجي من حديث عبد الوهاب عن
موسى بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف [ و ] الزهري أيضا عن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: خرج أبي شاهرا سيفه راكبا على راحلته إلى وادي
__________
(1) الابرق: منزل من منازل بني عمرو بن ربيعة.
(2) بزاخة: ماء لبني أسد كانت به وقعة عظيمة في أيام أبي بكر الصديق مع طليحة بن خويلد الاسدي (معجم البلدان).
(*)

(6/346)


القصة، فجاء علي بن أبي طالب فأخذ بزمام راحلته فقال: إلى أين يا خليفة رسول الله ؟ أقول لك ما قال رسول الله يوم أحد: لم سيفك ولا تفجعنا بنفسك فوالله لئن أصبنا بك لا يكون للاسلام بعدك نظام أبدا، فرجع وأمضى الجيش * وقال سيف بن عمر عن سهل بن يوسف عن القاسم بن محمد: لما استراح أسامة وجنده، وقد جاءت صدقات كثيرة تفضل عنهم، قطع أبو بكر البعوث، وعقد الالوية: فعقد أحد عشر لواء، عقد لخالد بن الوليد وأمره بطليحة بن خويلد، فإذا فرغ سار إلى مالك بن نويرة بالبطاح إن أقام له.
ولعكرمة بن أبي جهل، وأمره بمسيلمة.
وبعث شرحبيل بن حسنة في أثرة إلى مسيلمة الكذاب، ثم إلى بني قضاعة.
وللمهاجر بن أبي أمية، وأمره بجنود العنسي ومعونة الابناء على قيس بن مكشوح (1) * قلت: وذلك لانه كان قد نزع يده من الطاعة، على ما سيأتي.
قال: ولخالد بن سعيد بن العاص (2) إلى مشارف الشام.
ولعمرو بن العاص إلى جماع قضاعة ووديعة والحارث.
ولحذيفة بن محصن الغطفاني وأمره بأهل دبا وبعرفجة وهرثمة (3) وغير ذلك.
لطرفة بن حاجب (4) وأمره ببني سليم ومن معهم من هوازن.
ولسويد بن مقرن، وأمره بتهامة اليمن.
وللعلاء بن الحضرمي، وأمره بالبحرين رضي الله عنهم * وقد كتب لكل أمير كتاب عهده على حدته، ففصل كل أمير بجنده من ذي القصة، ورجع الصديق إلى المدينة، وقد كتب معهم الصديق كتابا إلى الربذة (5) وهذه نسخته.
" بسم الله الرحمن الرحيم.
من أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من بلغه كتابي هذا، من
عامة وخاصة، أقام على إسلامه أو رجع عنه، سلام على من أتبع الهدى، ولم يرجع بعد الهدى إلى الضلالة والهوى (6)، فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، نقر بما جاء به، ونكفر من أبى ذلك ونجاهده.
أما بعد فإن الله أرسل [ محمدا ] بالحق من عنده، إلى خلقه بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بأذنه وسراجا منيرا، لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين، فهدى الله بالحق من أجاب إليه، وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم [ بإذنه ] من أدبر عنه، حتى صار إلى الاسلام طوعا أو كرها، ثم توفى الله رسوله، وقد نفذ لامر الله، ونصح لامته، وقضى الذي عليه، وكان الله قد بين له ذلك، ولاهل الاسلام
__________
(1) زاد في الطبري والكامل لابن الاثير: ثم يمضي إلى كندة بحضرموت.
(2) في الطبري: إلى الحمقتين من مشارف الشام.
(3) في الطبري والكامل لابن الاثير: ولعرفجة بن هرثمة وأمره بمهرة.
(4) في الطبري: لطرفة بن حاجز، وفي الكامل لابن الاثير: لمعن بن حاجز.
(5) في الطبري: وكتب إلى من بعث إليه من جميع المرتدة كتابا واحدا.
وفي الكامل: وكتب إلى جميع المرتدين نسخة واحدة.
(6) في الطبري: والعمى.
(*)

(6/347)


في الكتاب الذي أنزل فقال * (إنك ميت وإنهم ميتون) * [ الزمر: 30 ] وقال: * (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفأن مت فهم الخالدون) * [ الانبياء: 34 ] وقال للمؤمنين * (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفأن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين) * [ آل عمران: 144 ] فمن كان إنما يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان إنما يعبد الله [ وحده ] فإن الله حي لا يموت، ولا تأخذه سنة ولا نوم، حافظ لامره، منتقم من عدوه.
وإني أوصيكم بتقوى الله وحظكم ونصيبكم وما جاءكم به نبيكم صلى الله عليه وسلم، وأن تهتدوا بهداه، وأن تعتصموا بدين الله، فإن كل من لم يهده الله ضال، وكل من لم يعنه الله
مخذول، ومن هداه غير الله كان ضالا (1)، قال الله تعالى * (من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا) * [ الكهف: 17 ] ولن يقبل له في الدنيا عمل حتى يقربه، ولم يقبل له في الآخرة صرف ولا عدل، وقد بلغني رجوع من رجع منكم عن دينه بعد أن أقر بالاسلام، وعمل به، اغترارا بالله وجهلا بأمره، وإجابة للشيطان، قال الله تعالى: * (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا) * [ الكهف: 50 ] قال: * (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعوه حزبه ليكونوا من أصحاب السعير) * [ فاطر: 6 ] وإني بعثت إليكم في جيش من المهاجرين والانصار، والتابعين بأحسان، وأمرته أن لا يقبل من أحد إلا الايمان بالله، ولا يقتله حتى يدعوه إلى الله عز وجل، فإن أجاب وأقر وعمل صالحا قبل منه، وأعانه عليه وإن أبى حاربه عليه حتى يفئ إلى أمر الله، ثم لا يبقي على أحد منهم قدر عليه، وأن يحرقهم بالنار وأن يقتلهم كل قتلة، وأن يسبي النساء والذراري ولا يقبل من أحد غير الاسلام، فمن اتبعه فهو خير له، ومن تركه فلن يعجز الله، وقد أمرت رسولي أن يقرأ كتابه في كل مجمع لكم، والداعية الاذان فإذا أذن المسلمون فكفوا عنهم، وإن لم يؤذنوا فسلوهم ما عليهم، فإن أبوا عاجلوهم، وإن أقروا حمل منهم على ما ينبغي لهم (2) * رواه سيف بن عمر عن عبد الله بن سعيد عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك.
فصل في مسيرة الامراء من ذي القصة على ما عوهدوا عليه وكان سيد الامراء ورأس الشجعان الصناديد أبو سليمان خالد بن الوليد * روى الامام أحمد من طريق وحشي بن حرب، أن أبا بكر الصديق لما عقد لخالد بن الوليد عل قتال أهل الردة،
__________
(1) العبارة في الطبري: فمن هداه الله كان مهتديا ومن أضله كان ضالا.
(2) نص الكتاب في الطبري 3 / 226 وفي آخره زاد ابن الاعثم في الفتوح 1 / 6: وقد أعذر من أنذر، السلام على عباد الله المؤمنين، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
(*)

(6/348)


قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: نعم عبد الله وأخو العشيرة، خالد بن الوليد، سيف من سيوف الله سله الله على الكفار والمنافقين، ولما توجه خالد من ذي القصة وفارقه الصديق، واعده أنه سليقاه من ناحية خيبر بمن معه من الامراء - وأظهروا ذلك ليرعبوا الاعراب - وأمره أن يذهب أولا إلى طليحة الاسدي، ثم يذهب بعده إلى بني تميم، وكان طليحة بن خويلد في قومه بني أسد، وفي غطفان، وانضم إليهم بنو عبس وذبيان، وبعث إلى بني جديلة والغوث وطئ يستدعيهم إليه، فبعثوا أقواما منهم بين أيديهم، ليلحقوهم على أثرهم سريعا، وكان الصديق قد بعث عدي بن حاتم قبل خالد بن الوليد، وقال له: أدرك قومك لا يلحقوا بطليحة فيكون دمارهم، فذهب عدي إلى قومه بني طئ فأمرهم أن يبايعوا الصديق، وأن يراجعوا أمر الله، فقالوا: لا نبايع أبا الفضل أبدا - يعنون أبا بكر رضي الله عنه - فقال: والله ليأتينكم جيش فلا يزالون يقاتلونكم حتى تعلموا أنه أبو الفحل الاكبر، ولم يزل عدي يفتل لهم في الذروة والغارب حتى لانوا، وجاء خالد في الجنود وعلى مقدمة الانصار الذين معه ثابت بن قيس بن شماس، وبعث بين يديه ثابت بن أقرم (1)، وعكاشة بن محصن طليعة، فتلقاهما طليحة وأخوه سلمة فيمن معهما، فلما وجدا ثابتا وعكاشة تبارزوا فقتل عكاشة جبال بن طليحة، وقيل: بل كان قتل جبالا قبل ذلك وأخذ ما معه، وحمل عليه طليحة فقتله وقتل هو وأخوه سلمة، ثابت بن أقوم، وجاء خالد بمن معه فوجدوهما صريعين، فشق ذلك على المسلمين وقد قال طليحة في ذلك: عشية غادرت ابن أقرم ثاويا * وعكاشة العمي تحت مجال أقمت له صدر الحمالة إنها * معودة قبل الكماة نزال فيوم تراها في الجلال مصونة * ويوم تراها في ظلال عوالي وإن يك أولاد أصبن ونسوة * فلم يذهبوا فرغا بقتل حبال ومال خالد إلى بني طئ، فخرج إليه عدي بن حاتم فقال: أنظرني ثلاثة أيام، فأنهم قد استنظروني حتى يبعثوا إلى من تعجل منهم إلى طليحة حتى يرجعوا إليهم، فإنهم يخشون إن تابعوك
أن يقتل طليحة من سار إليه منهم، وهذا أحب إليك من أن يعجلهم إلى النار، فلما كان بعد ثلاث جاءه عدي في خمسمائة مقاتل ممن راجع الحق، فانضافوا إلى جيش خالد وقصد خالد بني جديلة فقال له: يا خالد، أجلني أياما حتى آتيهم فلعل الله أن ينقذهم كما أنقذ طيئا، فأتاهم عدي فلم يزل بهم حتى تابعوه، فجاء خالدا باسلامهم، ولحق بالمسلمين منهم ألف راكب، فكان عدي خير مولود وأعظمه بركة على قومه، رضي الله عنهم، قالوا: ثم سار خالد حتى نزل بأجأ وسلمى (2)، وعبى جيشه (3) هنالك والتقى مع طليحة الاسدي بمكان يقال له: بزاخة،
__________
(1) في الفتوح: أرقم وزاد عليهما: سعيد بن عمرو المخزومي.
ولم يذكره الطبري.
(2) قال ابن الاعثم: وجعل خالد بن الوليد يتأتى بطليحة ويرسل إليه الرسل ويحذره سفك دماء أصحابه، وطليحة = (*)

(6/349)


ووقفت أحياء كثيرة من الاعراب ينظرون على من تكون الدائرة، وجاء طليحة فيمن معه من قومه ومن التف معهم وانضاف إليهم، وقد حضر معه عيينة بن حصن في سبعمائة من قومه، بني فزارة، واصطف الناس، وجلس طليحة ملتفا في كساء له يتنبأ لهم ينظر ما يوحى إليه فيما يزعم، وجعل عيينة يقاتل ما يقاتل، حتى إذا ضجر من القتال يجئ إلى طليحة وهو ملتف في كسائه فيقول: أجاءك جبريل ؟ فيقول: لا، فيرجع فيقاتل، ثم يرجع فيقول له مثل ذلك ويرد عليه مثل ذلك، فلما كان في الثالثة قال له: هل جاءك جبريل ؟ قال نعم، قال: فما قال لك ؟ قال: قال لي إن لك رحاء كرحاه، وحديثا لا تنساه، قال يقول عيينة، أظن أن قد علم الله سيكون لك حديث لا تنساه، ثم قال: يا بني فزارة انصرفوا، وانهزم وانهزم الناس عن طليحة، فلما جاءه المسلمون ركب على فرس كان قد أعدها له، وأركب امرأته النوار على بعير له، ثم انهزم بها إلى الشام وتفرق جمعه، وقد قتل الله طائفة ممن كان معه، فلما أوقع الله بطليحة وفزارة ما أوقع، قالت بنو عامر وسليم وهوازن: ندخل فيما خرجنا منه، ونؤمن بالله ورسوله، ونسلم لحكمه في أموالنا وأنفسنا * قلت: وقد كان طليحة الاسدي ارتد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم قام بمؤازرته عيينة بن حصن من بدر، وارتد عن الاسلام، وقال لقومه: والله لنبي من
بني أسد أحب إلي من نبي من بني هاشم، وقد مات محمد وهذا طليحة فاتبعوه، فوافق قومه بنو فزارة على ذلك، فلما كسرهما خالد هرب طليحة بامرأته إلى الشام، فنزل على بني كلب (1)، وأسر خالد عيينة بن حصن، وبعث به إلى المدينة مجموعة يداه إلى عنقه، فدخل المدينة وهو كذلك فجعل الولدان والغلمان يطعنونه بأيديهم، ويقولون: أي عدو الله، ارتددت عن الاسلام ؟ فيقول: والله ما كنت آمنت قط، فلما وقف بين يدي الصديق استتابه وحقن دمه، ثم حسن إسلامه بعد ذلك، وكذلك من على قرة بن هبيرة، وكان أحد الامراء مع طليحة، فأسره مع عيينة، وأما طليحة فإنه راجع الاسلام بعد ذلك أيضا، وذهب إلى مكة معتمرا أيام الصديق، واستحيى أن يواجهه مدة حياته، وقد رجع فشهد القتال مع خالد، وكتب الصديق إلى خالد: أن استشره في الحرب ولا تؤمره - يعني معاملته له بنقيض ما كان قصده من الرياسة في الباطن - وهذا من فقه الصديق رضي الله عنه وأرضاه، وقد قال خالد بن الوليد لبعض أصحاب طليحة ممن أسلم وحسن إسلامه: أخبرنا عما كان يقول لكم طليحة من الوحي، فقال: إنه كان يقول: الحمام واليمام والصرد والصوام، قد صمن قبلكم بأعوام ليبلغن ملكنا العراق والشام، إلى غير
__________
= يأبى ذلك ولج في طغيانه، قال: فعندها عزم خالد على حرب القوم.
(3) في الفتوح: وكان على ميمنته عدي بن حاتم، وعلى ميسرته زيد الخيل، وعلى الجناح الزبرقان بن بدر التميمي.
(1) في الطبري: ومضى طليحة حتى نزل في كلب على النقع.
وفي الكامل: ثم نزل على كلب وفي فتوح ابن الاعثم: حتى صار إلى بني جفنة.
وفي تاريخ اليعقوبي: وجاور في بني حنيفة.
(*)

(6/350)


ذلك من الخرافات والهذيانات السمجة * وقد كتب أبو بكر الصديق إلى خالد بن الوليد حين جاءه أنه كسر طليحة ومن كان في صفه وقام بنصره فكتب إليه: لنردك ما أنعم الله به خيرا واتق الله في أمرك، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، جد في أمرك ولا تلن ولا تظفر بأحد من المشركين قتل من المسلمين إلا نكلت به، ومن أخذت ممن حاد الله أو ضاده ممن بري أن في ذلك
صلاحا فاقتله * فأقام خالد ببزاخة شهرا، يصعد فيها ويصوب ويرجع إليها في طلب الذين وصاه بسلبهم الصديق، فجعل يتردد في طلب هؤلاء شهرا يأخذ بثأر من قتلوا من المسلمين الذين كانوا بين أظهرهم حين ارتدوا، فمنهم من حرقه بالنار، ومنهم من رضخه بالحجارة، ومنهم من رمى به من شواهق الجبال، كل هذا ليعتبر بهم من يسمع بخبرهم من مرتدة العرب، رضي الله عنه * وقال الثوري عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: لما قدم وفد بزاخة - أسد وغطفان - على أبي بكر يسألونه الصلح، خيرهم أبو بكر بين حرب مجلية حطة مخزية، فقالوا: يا خليفة رسول الله أما الحرب المجلية فقد عرفناها، فما الحطة المخزية ؟ قال: تؤخذ منكم الحلقة والكراع وتتركون أقواما يتبعون أذناب الابل حتى يرى الله خليفة نبيه والمؤمنين أمرا يعذرونكم به، وتؤدون ما أصبتم منا، ولا نؤدي ما أصبنا منكم، وتشهدون أن قتلانا في الجنة وأن قتلاكم في النار، وتدون قتلانا ولا ندي قتلاكم، فقال عمر: أما قولك: تدون قتلانا، فإن قتلانا قتلوا على أمر الله لا ديات لهم، فامتنع عمر وقال عمر في الثاني: نعم ما رأيت * رواه البخاري من حيث الثوري بسنده مختصرا.
وقعة أخرى كان قد اجتمع طائفة كثيرة من الفلال يوم بزاخة من أصحاب طليحة، من بني غطفان فاجتمعوا إلى امرأة يقال لها: أم زمل - سلمى بنت ملك بن (1) حذيفة - وكانت من سيدات العرب، كأمها أم قرفة، وكان يضرب بأمها المثل في الشرف لكثرة أولادها وعزة قبيلتها وبيتها، فلما اجتمعوا إليها ذمرتهم لقتال خالد، فهاجوا لذلك، وناشب إليهم آخرون من بني سليم وطئ وهوازن وأسد، فصاروا جيشا كثيفا وتفحل أمر هذه المرأة، فلما سمع بهم خالد بن الوليد سار إليهم، واقتتلوا قتالا شديدا وهي راكبة على جمل أمها الذي كان يقال له من يمس جملها فله مائة من الابل وذلك لعزها، فهزمهم خالد وعقر جملها وقتلها وبعث بالفتح إلى الصديق رضي الله عنه.
قصة الفجاءة
واسمه إياس بن عبد الله بن عبد ياليل بن عميرة بن خفاف من بني سليم، قاله ابن إسحاق،
__________
(1) في الطبري والكامل: مالك.
(*)

(6/351)


وقد كان الصديق حرق الفجاءة بالبقيع في المدينة، وكان سببه أنه قدم عليه فزعم أنه أسلم، وسأل منه أن يجهز معه جيشا يقاتل به أهل الردة، فجهز معه جيشا، فلما سار جعل لا يمر بمسلم ولا مرتد إلا قتله وأخذ ماله، فلما سمع الصديق بعث وراءه جيشا فرده، فلما أمكنه بعث به إلى البقيع، فجمعت يداه إلى قفاه وألقي في النار فحرقه وهو مقموط.
قصة سجاح وبني تميم كانت بنو تميم قد اختلفت آراؤهم أيام الردة، فمنهم من ارتد ومنع الزكاة، ومنهم من بعث بأموال الصدقات إلى الصديق، ومنهم من توقف لينظر في أمره، فبينما هم كذلك إذ أقبلت سجاح بنت الحارث بن سويد بن عقفان التغلبية من الجزيرة، وهي من نصارى العرب، وقد ادعت النبوة ومعها جنود من قومها ومن التف بهم، وقد عزموا على غزو أبي بكر الصديق، فلما مرت ببلاد بني تميم دعتهم إلى أمرها، فاستجاب لها عامتهم، وكان ممن استجاب لها مالك بن نويرة التميمي، وعطارد بن حاجب، وجماعة من سادات أمراء بني تميم، وتخلف آخرون منهم عنها، ثم اصطلحوا على أن لا حرب بينهم، إلا أن مالك بن نويرة لما وادعها ثناها عن عودها، وحرضها على بني يربوع، ثم اتفق الجميع على قتال الناس، وقالوا: بمن نبدأ ؟ فقالت لهم فيما تسجعه: أعدوا الركاب، واستعدوا للنهاب، ثم أغيروا على الرباب، فليس دونهم حجاب، ثم إنهم تعاهدوا على نصرها، فقال قائل منهم (1): أتتنا أخت تغلب في رجال (2) * جلائب من سراة بني أبينا وأرست دعوة فينا سفاها * وكانت من عمائر آخرينا فما كنا لنرزيهم زبالا * وما كانت لتسلم إذ أتينا ألا سفهت حلومكم وضلت * عشية تحشدون لها ثبينا
وقال عطارد بن حاجب في ذلك: أمست نبيتنا أنثى نطيف بها * وأصبحت أنبياء الناس ذكرانا ثم إن سجاح قصدت بجنودها اليمامة، لتأخذها من مسيلمة بن حبيب الكذاب، فهابه قومها، وقالوا: إنه قد استفحل أمره وعظم، فقالت لهم فيما تقوله: عليكم باليمامة * دفوا دفيف الحمامة * فأنها غزوة صرامة * لا تلحقكم بعدها ملامة * قال: فعمدوا لحرب مسيلمة، فلما سمع بمسيرها إليه خافها على بلاده، وذلك أنه مشغول بمقاتلة ثمامة بن أثال، وقد ساعده عكرمة بن أبي جهل بجنود المسلمين، وهم نازلون ببعض بلاده ينتظرون قدوم خالد كما سيأتي، فبعث إليها يستأمنها ويضمن لها أن يعطيها نصف الارض الذي كان لقريش لو عدلت، فقد رده
__________
(1) هو الاصم التميمي كما في الطبري.
(2) في الطبري: أتتنا أخت تغلب فاستهدت.
(*)

(6/352)


الله عليك فحباك به، وراسلها ليجتمع بها في طائفة من قومه، فركب إليها في أربعين من قومه، وجاء إليها فاجتمعا في خيمة، فلما خلا بها وعرض عليها ما عرض من نصف الارض، وقبلت ذلك، قال مسيلمة: سمع الله لمن سمع، وأطمعه بالخير إذا طمع، ولا يزال أمره في كل ما يسر مجتمع، رأكم ربكم فحياكم، ومن وحشته أخلاكم، ويوم دينه أنجاكم فأحياكم، علينا من صلوات معشر أبرار، لا أشقياء ولا فجار، يقومون الليل ويصومون النهار لربكم الكبار، رب الغيوم والامطار * وقال أيضا: لما رأيت وجوههم حسنت، وأبشارهم صفت وأيديهم طفلت، قلت لهم: لا النساء تأتون، ولا الخمر تشربون، ولكنكم معشر أبرار تصومون (1)، فسبحان الله إذا جاءت الحياة كيف تحيون، وإلى ملك السماء كيف ترقون، فلو أنها حبة خردلة لقام عليها شهيد يعلم ما في الصدور، ولاكثر الناس فيها الثبور * وقد كان مسيلمة لعنه الله شرع لمن اتبعه أن الاعزب يتزوج فإذا ولد له ذكر فيحرم عليه النساء حينئذ، إلا أن يموت ذلك الولد الذكر، فتحل له النساء حتى يولد له ذكر، هذا مما أقترحه لعنه الله، من تلقاء نفسه * ويقال: إنه لما خلا
بسجاح سألها ماذا يوحي إليها ؟ فقالت: وهل يكون النساء يبتدئن ؟ بل أنت ماذا أوحى إليك ؟ فقال: ألم تر إلى ربك كيف فعل بالحبلى ؟ أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق وحشا.
قالت: وماذا ؟ فقال: إن الله خلق للنساء أفراجا، وجعل الرجال لهن أزواجا، فنولج فيهن قعسا إيلاجا، ثم نخرجها إذا نشاء إخراجا، فينتجن لنا سخالا إنتاجا.
فقالت: أشهد أنك نبي، فقال لها: هل لك أن أتزوجك وآكل بقومي وقومك العرب ؟ قالت: نعم، فقال: ألا قومي إلى النيك * فقد هيئ لك المضجع * فإن شئت ففي البيت * وإن شئت ففي المخدع وإن شئت سلقناك * وإن شئت على أربع * وإن شئت بثلثيه * وإن شئت به أجمع فقالت: بل به أجمع، فقال: بذلك أوحي إلي، وأقامت عنده ثلاثة أيام، ثم رجعت إلى قومها فقالوا: ما أصدقك ؟ فقالت: لم يصدقني شيئا، فقالوا: إنه قبيح على مثلك أن تتزوج بغير صداق فبعثت إليه تسأله صداقا، فقال: ارسلي إلى مؤذنك، فبعثته إليه - وهو شبت بن ربعي - فقال: ناد في قومك: إن مسيلمة بن حبيب رسول الله قد وضع عنكم صلاتين مما أتاكم به محمد - يعني صلاة الفجر وصلاة العشاء الآخرة - فكان هذا صداقها عليه لعنهما الله * ثم انثنت سجاح راجعة إلى بلادها وذلك حين بلغها دنو خالد من أرض اليمامة فكرت راجعة إلى الجزيرة بعدما قبضت من مسيلمة نصف خراج أرضه.
فأقامت في قومها بني تغلب، إلى زمان معاوية فأجلاهم منها عام الجماعة كما سيأتي بيانه في موضعه.
__________
(1) في الطبري: تصومون يوما وتكلفون يوما.
(*)

(6/353)


فصل في خبر مالك بن نويرة اليربوعي التميمي كان قد صانع سجاح حين قدمت من أرض الجزيرة، فلما اتصلت بمسيلمة لعنهما الله، ثم ترحلت إلى بلادها - فلما كان ذلك - ندم مالك بن نويرة على ما كان من أمره، وتلوم في شأنه، وهو نازل بمكان يقال له: البطاح، فقصدها خالد بجنوده وتأخرت عنه الانصار، وقالوا: إنا قد
قضينا ما أمرنا به الصديق، فقال لهم خالد: إن هذا أمر لا بد من فعله، وفرصة لا بد من انتهازها، وإنه لم يأتني فيها كتاب، وأنا الامير وإلي ترد الاخبار، ولست بالذي أجبركم على المسير، وأنا قاصد البطاح.
فسار يومين ثم لحقه رسول الانصار يطلبون منه الانتظار، فلحقوا به، فلما وصل البطاح وعليها مالك بن نويرة، فبث خالد السرايا في البطاح يدعون الناس، فاستقبله أمراء بني تميم بالسمع والطاعة، وبذلوا الزكوات، إلا ما كان مالك بن نويرة فأنه متحير في أمره، متنح عن الناس، فجاءته السرايا فأسروه وأسروا معه أصحابه، واختلفت السرية فيهم، فشهد أبو قتادة - الحرث بن ربعي الانصاري - أنهم أقاموا الصلاة، وقال آخرون: إنهم لم يؤذنوا ولا صلوا، فيقال إن الاسارى باتوا في كبولهم في ليلة شديدة البرد، فنادى منادي خالد: أن أدفئوا أسراكم (1)، فظن القوم أنه أراد القتل، فقتلوهم، وقتل ضرار بن الازور (2) مالك بن نويرة، فلما سمع الداعية خرج وقد فرغوا منهم، فقال: إذا أراد الله أمرا أصابه * واصطفى خالد امرأة مالك بن نويرة، وهي أم تميم ابنة المنهال، وكانت جميلة، فلما حلت بني بها، ويقال: بل استدعى خالد مالك بن نويرة فأنبه على ما صدر منه من متابعة سجاح، وعلى منعه الزكاة، وقال: ألم تعلم أنها قرينة الصلاة ؟ فقال مالك: إن صاحبكم كان يزعم ذلك، فقال: أهو صاحبنا وليس بصاحبك ؟ يا ضرار اضرب عنقه، فضربت عنقه، وأمر برأسه فجعل مع حجرين وطبخ على الثلاثة قدرا، فأكل منها خالد تلك الليلة ليرهب بذلك الاعراب، من المرتدة وغيرهم، ويقال: إن شعر مالك جعلت النار تعمل فيه إلى أن نضج لحم القدر ولم تفرغ الشعر لكثرته، وقد تكلم أبو قتادة مع خالد فيما صنع وتقاولا في ذلك حتى ذهب أبو قتادة فشكاه إلى الصديق، وتكلم عمر مع أبي قتادة في خالد: وقال للصديق: اعزله فإن في سيفه رهقا، فقال أبو بكر لا أشيم سيفا سله الله على الكفار، وجاء متمم بن نويرة فجعل يشكو إلى الصديق خالدا، وعمر يساعده وينشد الصديق ما قال في أخيه من المراثي، فوداه الصديق من عنده، ومن قول متمم في ذلك: وكنا كندمانى جذيمة برهة (3) * من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
__________
(1) ادفئوا اسراكم: في لغة كنانة تعني القتل.
(2) في الطبري: عبد بن الازور الاسدي، وعند الكلبي وابن الاثير فكالاصل.
(3) في الكامل لابن الاثير: حقبة.
(*)

(6/354)


فلما تفرقنا كأني ومالكا * لطول اجتماع لم نبت ليلة معا وقال أيضا: لقد لامني عند العبور على البكى * رفيقي لتذراف الدموع السوافك وقال أتبكي كل قبر رأيته * لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك فقلت له إن الاسى يبعث الاسى * فدعني فهذا كله قبر مالك والمقصود أنه لم يزل عمر بن الخطاب رضي الله عنه يحرض الصديق ويذمره على عزل خالد عن الامرة ويقول: إن في سيفه لرهقا، حتى بعث الصديق إلى خالد بن الوليد فقدم عليه المدينة، وقد لبس درعه التي من حديد، وقد صدئ من كثرة الدماء، وغرز في عمامته النشاب المضمخ بالدماء، فلما دخل المسجد قام إليه عمر بن الخطاب فانتزع الاسهم من عمامة خالد فحطمها، وقال: أرياء قتلت امرأ مسلما ثم نزوت على امرأته، والله لارجمنك بالجنادل (1).
وخالد لا يكلمه، ولا يظن إلا أن رأى الصديق فيه كرأي عمر، حتى دخل على أبي بكر فاعتذر إليه فعذره وتجاوز عنه ما كان منه في ذلك وودى مالك بن نويرة، فخرج من عنده وعمر جالس في المسجد، فقال خالد: هلم إلي يا ابن أم شملة (2)، فلم يرد عليه وعرف أن الصديق قد رضي عنه، واستمر أبو بكر بخالد على الامرة، وإن كان قد اجتهد في قتل مالك بن نويرة وأخطأ في قتله، كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى أبي جذيمة فقتل أولئك الاسارى الذين قالوا: صبأنا صبأنا، ولم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فوداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رد إليهم مليغة الكلب، ورفع يديه وقال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد، ومع هذا لم يعزل خالد على الامرة.
مقتل مسيلمة الكذاب لعنه الله
لما رضي الصديق عن خالد بن الوليد وعذره بما اعتذر به، بعثه (3) إلى قتال بني حنيفة باليمامة: وأوعب معه المسلمون، وعلى الانصار ثابت بن قيس بن شماس، فسار لا يمر بأحد من المرتدين إلا نكل بهم، وقد اجتاز بخيول لاصحاب سجاح فشردهم وأمر باخراجهم من جزيرة العرب، وأردف الصديق خالدا بسرية لتكن ردءا له من ورائه وقد كان بعث قبله إلى مسيلمة عكرمة بن أبي جهل، وشرحبيل بن حسنة، فلم يقاوما بني حنيفة، لانهم في نحو أربعين ألفا من المقاتلة، فجعل عكرمة قبل مجئ صاحبه شرحبيل، فناجزهم فنكب، فانتظر خالدا، فلما سمع
__________
(1) في الطبري والكامل: بأحجارك.
(2) في الكامل لابن الاثير: سلمة.
(3) قال ابن الاعثم في الفتوح 1 / 23 أن خالدا أقام بالبطاح من أرض بني تميم بعد قتله مالك بن نويرة ينتظر أمر أبي بكر - ومعه امرأته أم تميم - وثم كتب أبو بكر إلى خالد.
انظر نصه في كتاب الفتوح 1 / 26.
(*)

(6/355)


مسيلمة بقدوم خالد عسكر بمكان يقال له: عقربا في طرف اليمامة والريف وراء ظهورهم، وندب الناس وحثهم، فحشد له أهل اليمامة، وجعل على مجنبتي جيشه المحكم بن الطفيل، والرجال بن عنفوه بن نهشل، وكان الرجال هذا صديقه الذي شهد له أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أنه قد أشرك معه مسيلمة بن حبيب في الامر، وكان هذا الملعون من أكبر ما أضل أهل اليمامة، حتى أتبعوا مسيلمة، لعنهما الله، وقد كان الرجال هذا قد وفد إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقرأ البقرة، وجاء زمن الردة إلى أبي بكر فبعثه إلى أهل اليمامة يدعوهم إلى الله ويثبتهم على الاسلام، فارتد مع مسيلمة وشهد له بالنبوة * قال سيف بن عمر عن طلحة عن عكرمة عن أبي هريرة: كنت يوما عند النبي صلى الله عليه وسلم في رهط معنا الرجال بن عنفوة، فقال: إن فيكم لرجلا ضرسه في النار أعظم من واحد، فهلك القوم وبقيت أنا والرجال وكنت متخوفا لها، حتى خرج الرجال مع مسيلمة وشهد له بالنبوة، فكانت فتنة الرجال أعظم من فتنة مسيلمة * رواه ابن إسحاق عن شيخ عن أبي هريرة * وقرب خالد وقد جعل على المقدمة شرحبيل بن حسنة، وعلى المجنبتين زيدا وأبا
حذيفة، وقد مرت المقدمة في الليل بنحو من أربعين، وقيل ستين فارسا (1)، عليهم مجاعة بن مرارة، وكان قد ذهب لاخذ ثأر له في بني تميم وبني عامر وهو راجع إلى قومه فأخذوهم فلما جئ بهم إلى خالد عن آخرهم فاعتذروا إليه فلم يصدقهم، وأمر بضرب أعناقهم كلهم، سوى مجاعة فإنه استبقاه مقيدا عنده - لعلمه بالحرب والمكيدة - وكان سيدا في بني حنيفة، شريفا مطاعا، ويقال: إن خالدا لما عرضوا عليه قال لهم: ماذا تقولون يا بني حنيفة ؟ قالوا: نقول منا نبي ومنكم نبي، فقتلهم إلا واحدا اسمه سارية، فقال له: أيها الرجل إن كنت تريد عدا بعدول هذا خيرا أو شرا فاستبق هذا الرجل - يعني مجاعة بن مرارة - فاستبقاه خالد مقيدا، وجعله في الخيمة مع امرأته، وقال: استوصى به خيرا، فلما تواجه الجيشان قال مسيلمة لقومه: اليوم يوم الغيرة، اليوم إن هزمتم تستنكح النساء سبيات، وينكحن غير حظيات، فقاتلوا على أحسابكم وامنعوا نساءكم، وتقدم المسلمون حتى نزل بهم خالد على كثيب يشرف على اليمامة، فضرب به عسكره، وراية المهاجرين مع سالم مولى أبي حذيفة، وراية الانصار مع ثابت بن قيس ين شماس، والعرب على راياتها، ومجاعة بن مرارة مقيد في الخيمة مع أم تميم امرأة خالد، فاصطدم المسلمون والكفار فكانت جولة وانهزمت الاعراب حتى دخلت بنو حنيفة خيمة خالد بن الوليد وهموا بقتل أم تميم، حتى أجارها مجاعة وقال: نعمت الحرة هذه، وقد قتل الرجال بن عنفوة لعنه الله في هذه الجولة، قتله زيد بن الخطاب، ثم تذامر الصحابة بينهم وقال ثابت بن قيس بن شماس: بئس ما عودتم أقرانكم، ونادوا من كل جانب: اخلصنا يا خالد، فخلصت ثلة من المهاجرين والانصار وحمى البراء بن معرور - وكان إذا رأى الحرب أخذته العرواء فيجلس على ظهر الرجال حتى يبول في سراويله، ثم يثور كما يثور الاسد، وقاتلت بنو حنيفة قتالا لم يعهد مثله،
__________
(1) في ابن الاعثم: ثلاثة وعشرون رجلا.
(*)

(6/356)


وجعلت الصحابة يتواصون بينهم ويقولون: يا أصحاب سورة البقرة، بطل السحر اليوم، وحفر ثابت بن قيس لقدميه في الارض إلى أنصاف ساقيه، وهو حامل لواء الانصار بعدما تحنط وتكفن،
فلم يزل ثابتا حتى قتل هناك، وقال المهاجرون لسالم مولى أبي حذيفة: أتخشى أن نؤتى من قبلك ؟ فقال: بئس حامل القرآن أنا إذا، وقال زيد بن الخطاب: أيها الناس عضوا على أضراسكم واضربوا في عدوكم وامضوا قدما، وقال: والله لا أتكلم حتى يهزمهم الله أو ألقى الله فأكلمه بحجتي، فقتل شهيدا رضي الله عنه * وقال أبو حذيفة: يا أهل القرآن زينوا القرآن بالفعال، وحمل فيهم حتى أبعدهم وأصيب رضي الله عنه، وحمل خالد بن الوليد حتى جاوزهم، وسار لجبال مسيلمة وجعل يترقب أن يصل إليه فيقتله، ثم رجع ثم وقف بين الصفين ودعا البراز، وقال: أنا ابن الوليد العود، أنا ابن عامر وزيد، ثم نادى بشعار المسلمين - وكان شعارهم يومئذ يا محمداه - وجعل لا يبرز لهم أحد إلا قتله، ولا يدنو منه شئ إلا أكله، ودارت رحى المسلمين ثم اقترب من مسيلمة فعرض عليه النصف والرجوع إلى الحق، فجعل شيطان مسيلمة يلوي عنقه، لا يقبل منه شيئا، وكلما أراد مسيلمة يقارب من الامر صرفه عنه شيطانه، فانصرف عنه خالد وقد ميز خالد المهاجرين من الانصار من الاعراب، وكل بني أب على رايتهم، يقاتلون تحتها، حتى يعرف الناس من أين يؤتون، وصبرت الصحابة في هذا الموطن صبرا لم يعهد مثله، ولم يزالوا يتقدمون إلى نحور عدوهم حتى فتح الله عليهم، وولى الكفار الادبار، واتبعوهم يقتلون في أقفائهم، ويضعون السيوف في رقابهم حيث شاءوا، حتى ألجأوهم إلى حديقة الموت، وقد أشار عليهم محكم اليمامة - وهو محكم بن الطفيل لعنه الله - بدخولها، فدخلوها وفيها عدو الله مسيلمة لعنه الله، وأدرك عبد الرحمن بن أبي بكر محكم بن الطفيل فرماه بسهم في عنقه وهو يخطب فقتله (1)، وأغلقت بنو حنيفة الحديقة عليهم، وأحاط بهم الصحابة، وقال البراء بن مالك: يا معشر المسلمين ألقوني عليهم في الحديقة، فاحتملوه فوق الجحف ورفعوها بالرماح حتى ألقوه عليهم من فوق سورها، فلم يزل يقاتلهم دون بابها حتى فتحه، ودخل المسلمون الحديقة من حيطانها وأبوابها يقتلون من فيها من المرتدة من أهل اليمامة، حتى خلصوا إلى مسيلمة لعنه الله، وإذا هو واقف في ثلمة جدار كأنه جمل أورق، وهو يريد يتساند، لا يعقل من الغيظ، وكان إذا اعتراه شيطانه أزبد حتى يخرج الزبد من شدقيه، فتقدم إليه وحشي بن حرب مولى جبير بن
مطعم - قاتل حمزة - فرماه بحربته فأصابه وخرجت من الجانب الآخر، وسارع إليه أبو دجانة سماك بن خرشة، فضربه بالسيف فسقط، فنادت امرأة من القصر: وا أمير الوضاءة، قتله العبد الاسود، فكان جملة من قتلوا في الحديقة وفي المعركة قريبا من عشرة آلاف مقاتل، وقيل: أحد وعشرون ألفا (2)، وقتل من المسلمين ستمائة، وقيل: خمسمائة (3)، فالله أعلم، وفيهم من
__________
(1) في الفتوح: قتله ثابت بن قيس الانصاري.
(2) في الطبري والكامل: وقتل من بني حنيفة في الفضاء سبعة الآف وفي حديقة الموت سبعة الآف.
وفي الطلب = (*)

(6/357)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية