صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : البداية والنهاية
مصدر الكتاب : الإنترنت
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

وهو ابن ثلاث وستين سنة.
قال الامام أبو عبد الله أحمد بن حنبل: الثابت عندنا ثلاث وستون.
قلت وهكذا: روى مجاهد، عن الشعبي، وروى من حديث إسماعيل بن أبي خالد عنه.
وفي الصحيحين: من حديث روح بن عبادة، عن زكريا بن إسحاق، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث بمكة ثلاث عشرة وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة.
وفي صحيح البخاري: من حديث روح بن عبادة أيضا عن هشام عن عكرمة عن ابن عباس.
قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لاربعين سنة فمكث بمكة ثلاث عشرة ثم أمر بالهجرة فهاجر عشر سنين ثم مات وهو ابن ثلاث وستين.
وكذلك رواه الامام أحمد: عن روح بن عبادة، ويحيى بن سعيد، ويزيد بن هارون كلهم عن هشام بن حسان عن عكرمة عن ابن عباس به.
وقد رواه أبو يعلى الموصلي، عن الحسن بن عمر بن شقيق، عن جعفر بن سليمان، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن ابن عباس فذكر مثله.
ثم أورده من طرق عن ابن عباس مثل ذلك.
ورواه مسلم من حديث حماد بن سلمة، عن أبي حمزة عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام بمكة ثلاث عشرة يوحى إليه: وبالمدينة عشرا ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة.
وقد أسند الحافظ ابن عساكر من طريق مسلم بن جنادة، عن عبد الله بن عمر، عن كريب عن ابن عباس.
قال: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث
وستين.
ومن حديث أبي نضرة، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عباس مثله وهذا القول هو الاشهر وعليه الاكثر.
وقال الامام أحمد: ثنا إسماعيل عن خالد الحذاء، حدثني عمار مولى بني هاشم سمعت ابن عباس يقول: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن خمس وستين سنة.
ورواه مسلم من حديث خالد الحذاء به.
وقال أحمد ثنا حسن بن موسى، ثنا حماد بن سلمة، عن عمارة بن أبي عمار عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام بمكة خمس عشرة سنة ثماني سنين - أو سبع - يرى الضوء ويسمع الصوت، وثمانية أو سبعا يوحى إليه، وأقام بالمدينة عشرا.
ورواه مسلم من حديث حماد بن سلمة به.
وقال أحمد أيضا: حدثنا عفان، ثنا يزيد بن زريع، ثنا يونس، عن عمار مولى بني هاشم.
قال: سألت ابن عباس كم أتى لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مات ؟ قال: ما كنت أرى مثلك في قومه يخفى عليك ذلك.
قال قلت: إني قد سألت فاختلف علي فأحببت أن أعلم قولك فيه.
قال أتحسب ؟ قلت: نعم ! قال: أمسك أربعين بعث لها وخمس عشرة أقام بمكة يأمن ويخاف وعشرا مهاجرا بالمدينة.
وهكذا رواه مسلم من حديث يزيد بن زريع وشعبة بن الحجاج كلاهما عن يونس بن عبيد عن عمار عن ابن عباس بنحوه.
وقال الامام أحمد ثنا ابن نمير، ثنا العلاء بن صالح، ثنا المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير.
أن رجلا أتى ابن عباس فقال: أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم عشرا بمكة وعشرا بالمدينة.
فقال من يقول ذلك ؟ لقد أنزل عليه بمكة خمس عشرة.
وبالمدينة عشرا خمسا وستين وأكثر وهذا من إفراد أحمد إسنادا ومتنا.
وقال الامام أحمد: ثنا هشيم، نثا علي بن زيد، عن يوسف بن مهران عن ابن عباس.
قال: قبض النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن خمس وستين سنة تفرد به أحمد وقد روى الترمذي في كتاب الشمائل وأبو يعلى الموصلي والبيهقي: من حديث

(5/279)


قتادة، عن الحسن البصري عن دغفل بن حنظلة الشيباني النسابة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قبض وهو ابن خمس وستين.
ثم قال الترمذي: دغفل لا يعرف له سماعا عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد كان في زمانه رجلا.
وقال البيهقي: وهذا يوافق رواية عمار ومن تابعه عن ابن عباس.
ورواية الجماعة عن ابن عباس في ثلاث وستين أصح فهم أوثق وأكثر وروايتهم توافق الرواية الصحيحة عن عروة عن عائشة
وإحدى الروايتين عن أنس والرواية الصحيحة عن معاوية وهي قول سعيد بن المسيب، وعامر الشعبي، وأبي جعفر محمد بن علي رضي الله عنهم.
قلت: وعبد الله بن عقبة، والقاسم بن عبد الرحمن، والحسن البصري وعلي بن الحسين وغير واحد.
ومن الاقوال الغريبة ما رواه خليفة بن خياط: عن معاذ بن هشام، حدثني أبي عن قتادة.
قال: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن اثنتين وستين سنة.
ورواه يعقوب بن سفيان: عن محمد بن المثنى، عن معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة مثله.
ورواه زيد العمي، عن يزيد عن أنس.
ومن ذلك ما رواه محمد بن عابد، عن القاسم بن حميد، عن النعمان بن المنذر الغساني، عن مكحول.
قال: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن اثنتين وستين سنة وأشهر.
ورواه يعقوب بن سفيان: عن عبد الحميد بن بكار، عن محمد بن شعيب، عن النعمان بن المنذر، عن مكحول.
قال: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن اثنتين وستين سنة ونصف.
وأغرب من ذلك كله ما رواه الامام أحمد عن روح، عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، عن الحسن.
قال: نزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثماني سنين بمكة وعشرا بعدما هاجر.
فإن كان الحسن ممن يقول بقول الجمهور وهو أنه عليه السلام أنزل عليه القرآن وعمره أربعون سنة فقد ذهب إلى أنه عليه السلام عاش ثمانيا وخمسين سنة.
وهذا غريب جدا، لكن روينا من طريق مسدد عن هشام بن حسان، عن الحسن.
أنه قال: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ستين سنة.
وقال خليفة بن خياط: حدثنا أبو عاصم، عن أشعث عن الحسن قال: بعث رسول الله وهو ابن خمس وأربعين، فأقام بمكة عشرا وبالمدينة ثمانيا وتوفي وهو ابن ثلاث وستين.
وهذا بهذا الصفة غريب جدا.
والله أعلم.
صفة غسله عليه السلام قد قدمنا أنهم رضي الله عنهم اشتغلوا ببيعة الصديق بقية يوم الاثنين وبعض يوم الثلاثاء فلما تمهدت وتوطدت وتمت شرعوا بعد ذلك في تجهيز رسول الله صلى الله عليه وسلم مقتدين في كل ما أشكل عليهم بأبي بكر الصديق رضي الله عنه.
قال ابن إسحاق: فلما بويع أبو بكر أقبل الناس على جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الثلاثاء وقد تقدم من حديث ابن إسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه عن
عائشة: أن رسول الله توفي يوم الاثنين ودفن ليلة الاربعاء.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا أبو معاوية، ثنا أبو بردة، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة عن أبيه.
قال: لما أخذوا في غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناداهم مناد من الداخل أن لا تجردوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصه.
ورواه ابن ماجه من حديث أبي معاوية عن أبي بردة - واسمه عمرو بن يزيد التميمي كوفي.
وقال محمد بن

(5/280)


إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، سمعت عائشة تقول: لما أرادوا غسل النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: ما ندري أنجرد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثيابه، كما نجرد موتانا أم نغسله وعليه ثيابه ؟ فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم حتى ما منهم أحد إلا وذقنه في صدره، ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو، أن غسلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه ثيابه، فقاموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسلوه وعليه قميص يصبون الماء فوق القميص فيدلكونه بالقميص دون أيديهم.
فكانت عائشة تقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نساؤه (1).
رواه أبو داود من حديث ابن إسحاق.
وقال الامام أحمد، حدثنا يعقوب، ثنا أبي، عن ابن إسحاق: حدثني حسين بن عبد الله، عن عكرمة عن ابن عباس.
قال: اجتمع القوم لغسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس في البيت إلا أهله، عمه العباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب، والفضل بن عباس وقثم بن العباس، وأسامة بن زيد بن حارثة وصالح مولاه.
فلما اجتمعوا لغسله نادى من وراء الناس أوس بن خولي الانصاري أحد بني عوف بن الخزرج - وكان بدريا - علي بن أبي طالب.
فقال: يا علي ننشدك الله وحظنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال له علي: أدخل فدخل فحضر غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يل من غسله شيئا، فأسنده علي إلى صدره وعليه قميصه، وكان العباس وفضل وقثم يقلبونه مع علي.
وكان أسامة بن زيد وصالح مولاه هما يصبان الماء، وجعل علي يغسله ولم ير من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا مما يرى من الميت.
وهو يقول: بأبي وأمي ما أطيبك حيا وميتا، حتى إذا فرغوا من غسل رسول الله، - وكان يغسل بالماء والسدر - جففوه ثم صنع به ما يصنع بالميت.
ثم أدرج في ثلاثة أثواب ثوبين أبيضين وبرد حبرة، قال ثم دعا العباس رجلين.
فقال: ليذهب أحدكما إلى أبي
عبيدة بن الجراح - وكان أبو عبيدة يضرح لاهل مكة.
وليذهب الآخر إلى أبي طلحة بن سهل الانصاري - وكان أبو طلحة يلحد لاهل المدينة.
قال: ثم قال العباس حين سرحهما: اللهم خر لرسولك ! قال فذهبا فلم يجد صاحب أبي عبيدة أبا عبيدة ووجد صاحب أبي طلحة أبا طلحة فلحد لرسول الله صلى الله عليه وسلم انفرد به أحمد (2).
وقال يونس بن بكير: عن المنذر بن ثعلبة، عن الصلت عن العلباء بن أحمر قال: كان علي والفضل يغسلان رسول الله.
فنودي علي أرفع طرفك إلى السماء وهذا منقطع.
قلت: وقد روى بعض أهل السنن عن علي بن أبي طالب.
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: " يا علي لا تبد فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت ".
وهذا فيه إشعار بأمره له في حق نفسه.
والله أعلم.
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا محمد بن يعقوب، ثنا
__________
(1) رواه البيهقي في الدلائل 7 / 242، وأخرجه الحاكم في المستدرك 3 / 59 وقال: " هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ".
ونقله السيوطي في الخصائص الكبرى 2 / 27 وعزاه لابن سعد ولابي داود والبيهقي.
(2) مسند أحمد حديث رقم 2358 والقسم الاخير منه في سيرة ابن هشام ج 4 / 270.
(*)

(5/281)


يحيى بن محمد بن يحيى، ثنا ضمرة (1) ثنا عبد الواحد بن زياد، ثنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب.
قال قال علي غسلت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهبت أنظر ما يكون من الميت فلم أر شيئا، وكان طيبا حيا وميتا صلى الله عليه وسلم.
وقد رواه أبو داود في المراسيل وابن ماجه من حديث معمر به، زاد البيهقي في روايته قال سعيد بن المسيب: وقد ولي دفنه عليه السلام أربعة علي والعباس والفضل وصالح مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لحدوا له لحدا ونصبوا عليه اللبن نصبا.
وقد روى نحو هذا عن جماعة من التابعين منهم عامر الشعبي، ومحمد بن قيس وعبد الله بن الحارث وغيرهم بألفاظ مختلفة يطول بسطها ها هنا.
وقال البيهقي: وروى أبو عمرو بن كيسان، عن يزيد بن بلال سمعت عليا يقول: أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يغسله أحد غيري.
فإنه لا يرى أحد عورتي إلا طمست عيناه.
قال علي: فكان العباس وأسامة يناولاني الماء من وراء الستر.
قال علي: فما تناولت عضوا إلا كأنه يقلبه معي ثلاثون رجلا حتى فرغت من غسله (2).
وقد اسند هذا الحديث الحافظ أبو بكر البزار في مسنده.
فقال: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، ثنا عبد الصمد بن النعمان، ثنا كيسان أبو عمرو عن يزيد بن بلال.
قال: قال علي بن أبي طالب: أوصاني النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يغسله أحد غيري فإنه لا يرى أحد عورتي إلا طمست عيناه.
قال علي: فكان العباس وأسامة يناولاني الماء من وراء الستر.
قلت: هذا غريب جدا.
وقال البيهقي: أنبأنا محمد بن موسى بن الفضل، ثنا أبو العباس الاصم، ثنا أسيد بن عاصم، ثنا الحسين بن حفص (3) عن سفيان، عن عبد الملك بن جريج: سعمت محمد بن علي - أبا جعفر - قال: غسل النبي صلى الله عليه وسلم بالسدر ثلاثا، وغسل وعليه قميص، وغسل من بئر كان يقال لها الغرس (4) بقباء كانت لسعد بن خيثمة، وكان رسول الله يشرب منها، وولي غسله علي والفضل يحتضنه، والعباس يصب الماء، فجعل الفضل يقول ارحني قطعت وتيني إني لاجد شيئا يترطل علي.
وقال الواقدي: ثنا عاصم بن عبد الله الحكمي، عن عمر بن عبد الحكم.
قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " نعم البئر بئر غرس هي من عيون الجنة وماؤها أطيب المياه ".
وكان رسول الله يستعذب له منها وغسل من بئر غرس.
وقال سيف بن عمر عن محمد بن عون، عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما فرغ من القبر وصلى الناس الظهر، أخذ العباس في غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فضرب عليه كلة (5) من ثياب يمانية صفاق في جوف البيت، فدخل الكلة ودعا عليا والفضل فكان إذا ذهب إلى الماء ليعاطيهما دعا أبا سفيان بن الحارث فأدخله ورجال من بني هاشم من وراء الكلة، ومن أدخل من الانصار حيث ناشدوا أبي وسألوه: منهم أوس بن خولى رضي الله عنهم أجمعين.
ثم
__________
(1) في الدلائل 7 / 243: حدثنا مسدد.
(2) انظر الخبر في الدلائل ج 7 / 244 وطبقات ابن سعد 2 / 277 ونقله السيوطي في الخصائص 2 / 276.
(3) في الدلائل 7 / 244: جعفر.
(4) في الدلائل: الغرث، والصواب ما أثبتناه وهي بئر معروفة بالمدينة.
(5) كلة: غشاء رقيق يتوقى به من البعوض.
(*)

(5/282)


قال سيف، عن الضحاك بن يربوع الحنفي عن ماهان الحنفي عن ابن عباس، فذكر ضرب الكلة وأن العباس أدخل فيها عليا والفضل وأبا سفيان وأسامة، ورجال من بني هاشم من وراء الكلة في البيت، فذكر أنهم ألقى عليهم النعاس فسمعوا قائلا يقول لا تغسلوا رسول الله فإنه كان طاهرا فقال العباس ألا بلى وقال أهل البيت صدق فلا تغسلوه، فقال العباس: لا ندع سنة لصوت لا ندري ما هو ؟ وغشيهم النعاس ثانية فناداهم أن غسلوه وعليه ثيابه.
فقال أهل البيت ألا لا.
وقال العباس إلا نعم ! فشرعوا في غسله وعليه قميص ومجول مفتوح، فغسلوه بالماء القراح وطيبوه بالكافور في مواضع سجوده ومفاصله، واعتصر قميصه ومجوله ثم أدرج في أكفانه، وجمروه عودا وندا (1) ثم احتملوه حتى وضعوه على سريره وسجوه وهذا السياق فيه غرابة جدا.
صفة كفنه عليه الصلاة والسلام قال الامام أحمد: ثنا الوليد بن مسلم، ثنا الاوزاعي، حدثني الزهري، عن القاسم عن عائشة.
قالت: أدرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثوب حبرة ثم أخر عنه.
قال القاسم: إن بقايا ذلك الثوب لعندنا بعد.
وهذا الاسناد على شرط الشيخين.
وإنما رواه أبو داود عن أحمد بن حنبل والنسائي عن محمد بن مثنى ومجاهد بن موسى فروهما كلهم عن الوليد بن مسلم به.
وقال الامام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: ثنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة.
قالت: كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة (2).
وكذا رواه البخاري: عن إسماعيل بن أبي أويس عن مالك.
وقال الامام أحمد: حدثنا سفيان، عن هشام، عن أبيه عن عائشة: كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب سحولية بيض.
وأخرجه مسلم: من حديث سفيان بن عيينة.
وأخرجه البخاري: عن أبي نعيم، عن سفيان الثوري كلاهما عن هشام بن عروة به.
وقال أبو داود: ثنا قتيبة، ثنا حفص بن غياث، عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب بيض يمانية من كرسف، ليس فيها قميص ولا عمامة.
قال: فذكر لعائشة قولهم: في ثوبين وبرد حبرة، فقالت قد أتى بالبرد ولكنهم ردوه ولم
يكفنوه فيه.
وهكذا رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن حفص بن غياث به.
وقال البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ أنبأنا أبو الفضل محمد بن إبراهيم، ثنا أحمد بن سلمة (3) ثنا هناد بن السري، ثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة.
قالت: كفن رسول الله في ثلاثة
__________
(1) الند: العنبر، وقيل أي نوع من الطيب.
(2) الحديث أخرجه البخاري في كتاب الجنائز (19) باب.
ومسلم في كتاب الجنائز 130 باب.
ومالك في الموطأ في كتاب الجنائز (2) باب.
والنسائي وابن ماجه في الجنائز.
وأحمد في مسنده: 6 / 40، 93، 118، 123، 231.
(3) في نسخ البداية المطبوعة: مسلم تحريف.
(*)

(5/283)


أثواب بيض، سحولية من كرسف، ليس فيها قميص ولا عمامة، فأما الحلة فإنما شبه على الناس فيها إنما اشتريت له حلة ليكفن فيها فتركت.
وأخذها عبد الله بن أبي بكر فقال: لاحبسنها حتى أكفن فيها.
ثم قال: لو رضيها الله لنبيه صلى الله عليه وسلم لكفنه فيها، فباعها وتصدق بثمنها.
رواه مسلم في الصحيح عن يحيى بن يحيى وغيره عن أبي معاوية، ثم رواه البيهقي: عن الحاكم، عن الاصم عن أحمد بن عبد الجبار، عن أبي معاوية عن هشام عن أبيه عن عائشة.
قالت: كفن رسول الله في برد حبرة كانت لعبد الله بن أبي بكر، ولف فيها ثم نزعت عنه (1)، فكان عبد الله بن أبي بكر قد أمسك تلك الحلة لنفسه، حتى يكفن فيها إذا مات.
ثم قال بعد أن أمسكها: ما كنت أمسك لنفسي شيئا منع الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يكفن فيه، فتصدق بثمنها عبد الله.
وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر، عن الزهري، عن عروة عن عائشة قالت: كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب سحولية بيض.
ورواه النسائي: عن إسحاق بن راهويه، عن عبد الرزاق.
قال الامام أحمد: حدثنا مسكين بن بكير، عن سعيد يعني ابن عبد العزيز قال قال مكحول حدثني عروة عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب رياط يمانية.
انفرد به أحمد.
وقال أبو يعلى الموصلي: ثنا سهل بن حبيب الانصاري، ثنا عاصم بن هلال، إمام مسجد أيوب، ثنا أيوب عن نافع عن
ابن عمر.
قال: كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية.
وقال سفيان، عن عاصم بن عبيد الله عن سالم عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب، ووقع في بعض الروايات، ثوبين صحاريين (2) وبرد حبرة.
وقال الامام أحمد: ثنا ابن إدريس، ثنا يزيد عن مقسم عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب في قميصه الذي مات فيه، وحلة نجرانية - الحلة ثوبان - ورواه أبو داود عن أحمد بن حنبل وعثمان بن أبي شيبة وابن ماجه عن علي بن محمد ثلاثتهم عن عبد الله بن أدريس عن يزيد بن أبي زياد عن مقسم عن ابن عباس بنحوه.
وهذا غريب جدا.
وقال الامام أحمد أيضا: حدثنا عبد الرزاق، ثنا سفيان عن ابن أبي ليلى، عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس: قال: كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثوبين أبيضين وبرد حمراء.
انفرد به أحمد من هذا الوجه.
وقال أبو بكر الشافعي: ثنا علي بن الحسن، ثنا حميد بن الربيع، ثنا بكر - يعني ابن عبد الرحمن - ثنا عيسى - يعني المختار - عن محمد بن عبد الرحمن هو ابن أبي ليلى عن عطاء عن ابن عباس عن الفضل بن عباس.
قال: كفن رسول الله في ثوبين أبيضين وبرد حمراء.
وقال أبو يعلى: ثنا سليمان الشاذ كوني، ثنا يحيى بن أبي الهيثم، ثنا عثمان بن عطاء، عن أبيه عن ابن عباس عن الفضل.
قال: كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثوبين أبيضين سحوليين، زاد فيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وبرد أحمر.
وقد رواه غير واحد عن إسماعيل المؤدب عن يعقوب بن عطاء، عن أبيه عن ابن عباس عن
__________
(1) في البيهقي: في بردين حبرة...ولف فيهما ثم نزعا عنه (7 / 248).
(2) صحاريين: نسبة إلى صحار وهي مدينة باليمن كما في لسان العرب، وفي معجم ما استعجم: هي بلاد بني تميم من اليمامة أو ما يليها.
(*)

(5/284)


الفضل.
قال: كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثوبين أبيضين وفي رواية سحولية.
فالله أعلم.
وروى الحافظ ابن عساكر: من طريق أبي طاهر المخلص، ثنا أحمد بن إسحاق البهلول، ثنا عباد بن يعقوب.
ثنا شريك عن أبي إسحاق.
قال: وقعت على مجلس بني عبد المطلب وهم متوافرون، فقلت لهم: في كم كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا: في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ولا قباء ولا عمامة قلت: كم أسر
منكم يوم بدر ؟ قالوا: العباس ونوفل وعقيل.
وقد روى البيهقي من طريق الزهري عن علي بن الحسين زين العابدين أنه قال: كفن رسول الله في ثلاثة أثواب أحدها برد حمراء حبرة.
وقد ساقه الحافظ ابن عساكر من طريق في صحتها نظر عن علي بن أبي طالب.
قال: كفنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثوبين سحوليين وبرد حبرة.
وقد قال أبو سعيد بن الاعرابي: حدثنا إبراهيم بن الوليد ثنا محمد بن كثير، ثنا هشام، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة.
قال: كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ريطتين وبرد نجراني.
وكذا رواه أبو داود الطيالسي عن هشام وعمران القطان عن قتادة عن سعيد، عن أبي هريرة به.
وقد رواه الربيع بن سليمان عن أسد بن موسى، ثنا نصر بن طريف، عن قتادة ثنا ابن المسيب عن أم سلمة: أن رسول الله كفن في ثلاثة أثواب أحدها برد نجراني.
وقال البيهقي: وفيما روينا عن عائشة بيان سبب الاشتباه على الناس وأن الحبرة أخرت عنه.
والله أعلم، ثم روى الحافظ البيهقي من طريق محمد بن إسحاق بن خزيمة، ثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، عن حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، عن حسن بن صالح، عن هارون بن سعيد.
قال: كان عند علي مسك فأوصى أن يحنط به، وقال هو من فضل حنوط رسول الله صلى الله عليه وسلم (1).
ورواه من طريق إبراهيم بن موسى عن حميد عن حسن عن هارون عن أبي وائل عن علي فذكره.
كيفية الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم وقد تقدم الحديث الذي رواه البيهقي من حديث الاشعث بن طليق، والبزار من حديث الاصبهاني كلاهما عن مرة عن ابن مسعود: في وصية النبي صلى الله عليه وسلم أن يغسله رجال أهل بيته، وأنه قال: كفنوني في ثيابي هذه أو في يمانية أو بياض مصر، وأنه إذا كفنوه يضعونه على شفير قبره ثم يخرجون عنه حتى تصلي عليه الملائكة، ثم يدخل عليه رجال أهل بيته فيصلون عليه، ثم الناس بعدهم فرادى.
الحديث بتمامه وفي صحته نظر كما قدمنا.
والله أعلم.
وقال محمد بن إسحاق: حدثني الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن عكرمة عن ابن عباس.
قال: لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم أدخل الرجال فصلوا عليه بغير إمام أرسالا حتى فرغوا، ثم أدخل النساء فصلين عليه، ثم أدخل الصبيان فصلوا عليه، ثم أدخل العبيد فصلوا عليه أرسالا، لم يأمهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحد (2).
وقال الواقدي: حدثني أبي بن عياش بن سهل بن سعد، عن أبيه عن جده قال: لما أدرج
__________
(1) أخرجه البيهقي في الدلائل ج 7 / 249.
(2) رواه ابن هشام في السيرة ج 4 / 314.
والبيهقي في الدلائل ج 7 / 250.
(*)

(5/285)


رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكفانه وضع على سريره، ثم وضع على شفير حفرته، ثم كان الناس يدخلون عليه رفقاء رفقاء لا يؤمهم عليه أحد.
قال الواقدي: حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم قال: وجدت كتابا بخط أبي، فيه أنه لما كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضع على سريره، دخل أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، ومعهما نفر من المهاجرين والانصار بقدر ما يسع البيت.
فقالا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وسلم المهاجرون والانصار كما سلم أبو بكر وعمر ثم صفوا صفوفا لا يؤمهم أحد.
فقال أبو بكر وعمر - وهما في الصف الاول حيال رسول الله صلى الله عليه وسلم - اللهم إنا نشهد أنه قد بلغ ما أنزل إليه، ونصح لامته، وجاهد في سيبل الله حتى أعز الله دينه وتمت كلمته، وأومن به وحده لا شريك له، فاجعلنا إلهنا ممن يتبع القول الذي أنزل معه، وأجمع بيننا وبينه حتى تعرفه بنا وتعرفنا به، فإنه كان بالمؤمنين رؤوفا رحيما، لا نبتغي بالايمان به بديلا، ولا نشتري به ثمنا أبدا.
فيقول الناس: آمين آمين ويخرجون ويدخل آخرون حتى صلى الرجال، ثم النساء، ثم الصبيان (1).
وقد قيل إنهم صلوا عليه من بعد الزوال يوم الاثنين إلى مثله من يوم الثلاثاء، وقيل إنهم مكثوا ثلاثة أيام يصلون عليه كما سيأتي بيان ذلك قريبا.
والله أعلم.
وهذا الصنيع، وهو صلاتهم عليه فرادى لم يؤمهم أحد عليه أمر مجمع عليه لا خلاف فيه، وقد اختلف في تعليله.
فلو صح الحديث الذي أوردناه عن ابن مسعود لكان نصا في ذلك، ويكون من باب التعبد الذي يعسر تعقل معناه.
وليس لاحد أن يقول لانه لم يكن لهم إمام، لانا قد قدمنا أنهم إنما شرعوا في تجهيزه عليه السلام بعد تمام بيعة أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه، وقد قال بعض العلماء إنما لم يؤمهم أحد ليباشر كل واحد من الناس الصلاة عليه منه إليه، ولتكرر صلاة المسلمين عليه مرة بعد مرة من كل فرد فرد من آحاد الصحابة رجالهم ونساءهم وصبيانهم حتى العبيد
والاماء.
وأما السهيلي فقال ما حاصله: إن الله قد أخبر أنه وملائكته يصلون عليه، وأمر كل واحد من المؤمنين أن يباشر الصلاة عليه منه إليه، والصلاة عليه بعد موته من هذا القبيل.
قال وأيضا: فإن الملائكة لنا في ذلك أئمة.
فالله أعلم.
وقد اختلف المتأخرون من أصحاب الشافعي في مشروعية الصلاة على قبره لغير الصحابة.
فقيل نعم ! لان جسده عليه السلام طري في قبره لان الله قد حرم على الارض أن تأكل أجساد الانبياء كما ورد بذلك الحديث في السنن وغيرها فهو كالميت اليوم، وقال آخرون: لا يفعل لان السلف ممن بعد الصحابة لم يفعلوه، ولو كان مشروعا لبادروا إليه ولثابروا عليه.
والله أعلم.
صفة دفنه عليه السلام وأين دفن قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، ثنا ابن جريج أخبرني أبي - وهو عبد العزيز بن جريج:
__________
(1) رواه الواقدي في آخر مغازيه 3 / 1120.
(*)

(5/286)


أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، لم يدروا أين يقبروا النبي صلى الله عليه وسلم.
حتى قال أبو بكر: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لم يقبرني إلا حيث يموت، فأخروا فراشه وحفروا تحت فراشه صلى الله عليه وسلم.
وهذا فيه انقطاع بين عبد العزيز بن جريج وبين الصديق فإنه لم يدركه.
لكن رواه الحافظ أبو يعلى: من حديث ابن عباس وعائشة عن أبي بكر الصديق رضي الله عنهم.
فقال: حدثنا أبو موسى الهروي، ثنا أبو معاوية، ثنا عبد الرحمن بن أبي بكر، عن ابن أبي مليكة عن عائشة.
قالت: اختلفوا في دفن النبي صلى الله عليه وسلم حين قبض، فقال أبو بكر: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يقبض النبي إلا في أحب الامكنة إليه " فقال أدفنوه حيث قبض.
وهكذا رواه الترمذي عن أبي كريب عن أبي معاوية عن عبد الرحمن بن أبي بكر المليكي عن ابن أبي مليكة عن عائشة قالت: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في دفنه فقال أبو بكر سمعت من رسول الله شيئا ما نسيته.
قال: " ما قبض الله نبيا إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه ".
أدفنوه في موضع فراشه، ثم إن الترمذي ضعف المليكي ثم قال وقد روى هذا الحديث من غير هذا الوجه رواه ابن عباس عن أبي بكر الصديق عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال الاموي عن أبيه عن ابن
إسحاق عن رجل حدثه عن عروة عن عائشة: إن أبا بكر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إنه لم يدفن نبي قط إلا حيث قبض " قال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثني محمد بن سهل التميمي، ثنا هشام بن عبد الملك الطيالسي، عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: كان بالمدينة حفاران فلما مات النبي صلى الله عليه وسلم قالوا أين ندفنه ؟ فقال أبو بكر رضي الله عنه في المكان الذي مات فيه، وكان أحدهما يلحد والآخر يشق، فجاء الذي يلحد فلحد للنبي صلى الله عليه وسلم.
وقد رواه مالك بن أنس عن هشام بن عروة عن أبيه منقطعا.
وقال أبو يعلى: حدثنا جعفر بن مهران، ثنا عبد الاعلى، عن محمد بن إسحاق حدثني حسين بن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس قال لما أرادوا أن يحفروا للنبي صلى الله عليه وسلم وكان أبو عبيدة الجراح يضرح كحفر أهل مكة، وكان أبو طلحة زيد بن سهل هو الذي كان يحفر لاهل المدينة وكان يلحد، فدعا العباس رجلين فقال لاحدهما: اذهب إلى أبي عبيدة: وقال للآخر اذهب إلى أبي طلحة.
اللهم خره لرسولك.
قال: فوجد صاحب أبي طلحة أبا طلحة فجاء به فلحد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلما فرغ من جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الثلاثاء، وضع على سريره في بيته، وقد كان المسلمون اختلفوا في دفنه.
فقال قائل ندفنه في مسجده.
وقال قائل: ندفنه مع أصحابه.
فقال أبو بكر إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ما قبض نبي إلا دفن حيث قبض ".
فرفع فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي توفي فيه فحفروا له تحته، ثم أدخل الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون عليه أرسالا [ دخل ] (1) الرجال حتى إذا فرغ منهم، أدخل النساء حتى إذا فرغ النساء، أدخل الصبيان ولم يؤم الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد.
فدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أوسط الليل ليلة الاربعاء.
وهكذا رواه ابن ماجه عن نصر بن علي الجهضمي، عن وهب بن جرير، عن أبيه عن محمد بن إسحاق فذكر بإسناده مثله.
وزاد في آخره ونزل في حفرته علي بن أبي طالب
__________
(1) من سيرة ابن هشام ج 4 / 314.
(*)

(5/287)


والفضل وقثم ابنا عباس وشقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال أوس بن خولى - وهو أبو ليلى - لعلي بن أبي طالب: أنشدك الله ! وحظنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال له علي: انزل وكان شقران مولاه أخذ
قطيفة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسها فدفنها في القبر وقال والله لا يلبسها أحد بعدك ! فدفنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد رواه الامام أحمد: عن حسين بن محمد، عن جرير بن حازم، عن ابن إسحاق مختصرا.
وكذلك رواه يونس بن بكير وغيره عن إسحاق به.
وروى الواقدي عن ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين عن عكرمة، عن ابن عباس عن أبي بكر الصديق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما قبض الله نبيا إلا ودفن حيث قبض ".
وروى البيهقي: عن الحاكم، عن الاصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين (1) أو محمد بن جعفر بن الزبير.
قال: لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في دفنه فقالوا: كيف ندفنه، مع الناس أو في بيوته ؟ فقال أبو بكر إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ما قبض الله نبيا إلا دفن حيث قبض ".
فدفن حيث كان فراشه رفع الفراش وحفر تحته.
وقال الواقدي: حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن عثمان بن محمد الاخنسي، عن عبد الرحمن بن سعيد - يعني ابن يربوع - قال: لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم اختلفوا في موضع قبره.
فقال قائل: في البقيع فقد كان يكثر الاستغفار لهم، وقال قائل: عند منبره، وقال قائل: في مصلاه.
فجاء أبو بكر فقال: إن عندي من هذا خبرا وعلما، سمعت رسول الله يقول: " ما قبض نبي إلا دفن حيث توفي ".
قال الحافظ البيهقي: وهو في حديث يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، وفي حديث ابن جريج عن أبيه كلاهما عن أبي بكر الصديق عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا.
وقال البيهقي: عن الحاكم عن الاصم عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن سلمة بن نبيط بن شريط، عن أبيه عن سالم بن عبيد - وكان من أصحاب الصفة -.
قال: دخل أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث مات ثم خرج، فقيل له: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: نعم ! فعلموا أنه كما قال وقيل له: أنصلي عليه وكيف نصلي عليه ؟ قال: تجيئون عصبا عصبا فتصلون فعلموا أنه كما قال.
قالوا: هل يدفن وأين ؟ قال: حيث قبض الله روحه فإنه لم يقبض روحه إلا في مكان طيب، فعلموا أنه كما قال (2).
وروى البيهقي: من حديث سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد الانصاري عن سعيد بن المسيب.
قال: عرضت عائشة على أبيها رؤيا وكان من أعبر الناس، قالت: رأيت ثلاثة أقمار وقعن في حجري، فقال لها: إن صدقت رؤياك
دفن في بيتك من خير أهل الارض ثلاثة، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يا عائشة: هذا خير أقمارك (3).
ورواه مالك عن يحيى بن سعيد عن عائشة منقطعا.
وفي الصحيحين عنها أنها قالت:
__________
(1) في الدلائل 7 / 260: الحسين.
والحديث نقله السيوطي 2 / 278 عن ابن سعد وعن البيهقي، وقال: له عدة طرق موصولة ومرسلة.
(2) دلائل البيهقي 7 / 259 وابن سعد 2 / 275 ونقله السيوطي في خصائصه 2 / 278.
(3) دلائل النبوة 7 / 262.
وأخرجه الحاكم في المستدرك 3 / 60 وقال: " هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ".
(*)

(5/288)


توفي النبي صلى الله عليه وسلم في بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري وجمع الله بين ريقي وريقه في آخر ساعة من الدنيا، وأول ساعة من الآخرة.
وفي صحيح البخاري، من حديث أبي عوانة من هلال الوراق، عن عروة عن عائشة.
قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه يقول: " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ".
قالت عائشة، ولولا ذلك لابرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا.
وقال ابن ماجه: حدثنا محمود بن غيلان، ثنا هاشم بن القاسم، ثنا مبارك بن فضالة حدثني حميد الطويل، عن أنس بن مالك.
قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان بالمدينة (1) رجل يلحد والآخر يضرح فقالوا نستخير الله ونبعث إليهما فأيهما سبق تركناه، فأرسل إليهما فسبق صاحب اللحد فلحدوا للنبي صلى الله عليه وسلم.
تفرد به ابن ماجه، وقد رواه الامام أحمد: عن أبي النضر هاشم بن القاسم به.
وقال ابن ماجه أيضا: حدثنا عمر بن شبة عن عبيدة بن زيد (2) ثنا عبيد بن طفيل، ثنا عبد الرحمن بن أبي مليكة، حدثني ابن أبي مليكة عن عائشة.
قالت: لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في اللحد والشق حتى تكلموا في ذلك وارتفعت أصواتهم.
فقال عمر: لا تصخبوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حيا ولا ميتا - أو كلمة نحوها - فأرسلوا إلى الشقاق واللاحد جميعا فجاء اللاحد فلحد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم دفن، تفرد به ابن ماجه.
وقال الامام أحمد: حدثنا وكيع، ثنا العمري عن نافع، عن ابن عمر وعن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه عن عائشة.
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألحد له
لحد تفرد به أحمد من هذين الوجهين.
وقال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن شعبة، وابن جعفر، ثنا شعبة، حدثني أبو حمزة عن ابن عباس.
قال: جعل في قبر النبي صلى الله عليه وسلم قطيفة حمراء، وقد رواه مسلم والترمذي والنسائي من طرق عن شعبة به.
وقد رواه وكيع عن شعبة وقال وكيع: كان هذا خاصا برسول الله صلى الله عليه وسلم رواه ابن عساكر.
وقال ابن سعد: أنبأنا محمد بن عبد الله الانصاري، ثنا أشعث بن عبد الملك الحمراني عن الحسن: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بسط تحته قطيفة حمراء كان يلبسها، قال: وكانت أرضا ندية.
وقال هشيم بن منصور عن الحسن قال: جعل في قبر النبي صلى الله عليه وسلم قطيفة حمراء كان أصابها يوم حنين قال الحسن: جعلها لان المدينة أرض سبخة.
وقال محمد بن سعد: ثنا حماد بن خالد الخياط، عن عقبة بن أبي الصهباء سمعت الحسن يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " افرشوا لي قطيفة في لحدي فإن الارض لم تسلط على أجساد الانبياء " (3).
وروى الحافظ البيهقي: من حديث مسدد، ثنا عبد الواحد، ثنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال قال علي: غسلت النبي صلى الله عليه وسلم فذهبت أنظر إلى ما يكون من الميت فلم أر شيئا، وكان طيبا حيا وميتا.
قال: وولي دفنه عليه الصلاة والسلام وإجنانه دون الناس أربعة، علي والعباس والفضل وصالح مولى النبي صلى الله عليه وسلم، ولحد للنبي صلى الله عليه وسلم لحدا، ونصب عليه اللبن نصبا.
وذكر البيهقي عن بعضهم: أنه نصب
__________
(1) في سنن ابن ماجه: لما توفي النبي صلى الله عليه وآله كان بالمدينة.
حديث: 1557.
(2) من ابن ماجه، وفي الاصل يزيد تحريف.
(3) خبر القطيفة في ابن سعد ج 2 / 299.
(*)

(5/289)


على لحده عليه السلام تسع لبنات.
وروى الواقدي: عن ابن أبي سبرة، عن [ عباس بن ] (1) عبد الله بن معبد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم موضوعا على سريره من حين زاغت الشمس من يوم الاثنين، إلى أن زاغت الشمس يوم الثلاثاء، يصلي الناس عليه، وسريره على شفير قبره.
فلما أرادوا أن يقبروه عليه السلام نحوا السرير قبل رجليه، فأدخل من هناك.
ودخل في حفرته العباس وعلي وقثم والفضل وشقران.
وروى البيهقي من حديث إسماعيل
السدي، عن عكرمة عن ابن عباس.
قال: دخل قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم العباس وعلي والفضل وسوى لحده رجل من الانصار وهو الذي سوى لحود قبور الشهداء يوم بدر.
قال ابن عساكر: صوابه يوم أحد.
وقد تقدم رواية ابن إسحاق عن حسين بن عبد الله، عن عكرمة عن ابن عباس.
قال: كان الذين نزلوا في قبر رسول الله علي والفضل وقثم وشقران، وذكر الخامس وهو أوس بن خولى، وذكر قصة القطيفة التي وضعها في القبر شقران.
وقال الحافظ البيهقي: أخبرنا أبو طاهر المحمد آبادي، ثنا أبو قلابة، ثنا أبو عاصم، ثنا سفيان بن سعيد هو الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي قال حدثني أبو مرحب.
قال: كأني أنظر إليهم في قبر النبي صلى الله عليه وسلم أربعة أحدهم عبد الرحمن بن عوف.
وهكذا رواه أبو داود: عن محمد بن الصباح، عن سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد به.
ثم رواه أحمد بن يونس، عن زهير، عن إسماعيل عن الشعبي حدثني مرحب أو أبو مرحب: أنهم أدخلوا معهم عبد الرحمن بن عوف، فلما فرغ علي قال: إنما يلي الرجل أهله.
وهذا حديث غريب جدا.
وإسناده جيد قوي ولا نعرفه إلا من هذا الوجه.
وقد قال أبو عمر بن عبد البر في استيعابه أبو مرحب: اسمه سويد بن قيس، وذكر أبا مرحب آخر وقال لا أعرف خبره.
قال ابن الاثير في [ أسد ] الغابة: فيحتمل أن يكون راوي هذا الحديث أحدهما أو ثالثا غيرهما.
ولله الحمد.
آخر الناس به عهدا عليه الصلاة والسلام قال الامام أحمد: ثنا يعقوب، ثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني أبي إسحاق بن يسار، عن مقسم، أبي القاسم مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل عن مولاه عبد الله بن الحارث.
قال: اعتمرت مع علي في زمان عمر أو زمان عثمان فنزل على أخته أم هانئ بنت أبي طالب، فلما فرغ من عمرته رجع فسكبت له غسلا فاغتسل، فلما فرغ من غسله دخل عليه نفر من أهل العراق فقالوا: يا أبا حسن جئناك نسألك عن أمر نحب أن تخبرنا عنه.
قال: أظن المغيرة بن شعبة يحدثكم أنه كان أحدث الناس عهدا برسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: أجل ! عن ذلك جئنا نسألك.
قال (2): أحدث الناس عهدا برسول الله صلى الله عليه وسلم قثم بن عباس.
تفرد به أحمد من هذا الوجه.
وقد رواه يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق به مثله سواء إلا أنه قال قبله عن ابن إسحاق: وكان المغيرة بن شعبة يقول:
__________
(1) من ابن سعد والبيهقي في روايتهما عن الواقدي.
(الدلائل 7 / 253 - طبقات ابن سعد 2 / 291).
(2) في ابن هشام والبيهقي عنه.
فقال: كذب.
(*)

(5/290)


أخذت خاتمي فألقيته في قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلت حين خرج القوم: إن خاتمي قد سقط في القبر، وإنما طرحته عمدا لامس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكون آخر الناس عهدا به.
قال ابن إسحاق فحدثني والدي إسحاق بن يسار عن مقسم عن مولاه عن عبد الله بن الحارث.
قال: اعتمرت مع علي فذكر ما تقدم.
وهذا الذي ذكر عن المغيرة بن شعبة لا يقتضي أنه حصل له ما أمله فإنه قد يكون علي رضي الله عنه لم يمكنه من النزول في القبر بل أمر غيره فناوله إياه، وعلى ما تقدم يكون الذي أمره بمناولته له قثم بن عباس.
وقد قال الواقدي: حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة.
قال: ألقى المغيرة بن شعبة خاتمه في قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال علي: إنما ألقيته لتقول نزلت في قبر النبي صلى الله عليه وسلم فنزل فأعطاه أو أمر رجلا فأعطاه (1).
وقد قال الامام أحمد: حدثنا بهز وأبو كامل.
قالا: ثنا حماد بن سلمة، عن أبي عمران الجوني عن أبي عسيب (2) أو أبي غنم قال بهز: إنه شهد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: كيف نصلي ؟ قال: ادخلوا أرسالا أرسال، فكانوا يدخلون من هذا الباب فيصلون عليه ثم يخرجون من الباب الآخر، قال فلما وضع في لحده قال المغيرة: قد بقي من رجليه شئ لم تصلحوه قالوا: فادخل فأصلحه فدخل وأدخل يده فمس قدميه عليه السلام.
فقال: اهيلوا علي التراب فأهالوا عليه حتى بلغ إلى أنصاف ساقيه ثم خرج.
فكان يقول: أنا أحدثكم عهدا برسول الله صلى الله عليه وسلم.
متى وقع دفنه عليه الصلاة والسلام وقال يونس عن ابن إسحاق: حدثتني فاطمة بنت محمد (3) امرأة عبد الله بن أبي بكر وأدخلني عليها حتى سمعته منها من عمرة عن عائشة.
إنها قالت: ما علمنا بدفن النبي صلى الله عليه وسلم حتى سمعنا صوت المساحي في جوف ليلة الاربعاء.
وقال الواقدي حدثنا ابن أبي سبرة، عن الحليس بن هشام، عن عبد الله بن وهب، عن أم سلمة.
قالت بينا نحن مجتمعون نبكي لم ننم ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيوتنا
ونحن نتسلى برؤيته على السرير، إذا سمعنا صوت الكرازين (4) في السحر.
قالت أم سلمة: فصحنا وصاح أهل المسجد فارتجت المدينة صيحة واحدة، وأذن بلال بالفجر، فلما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وبكى وانتحب، فزادنا حزن، وعالج الناس الدخول إلى قبره فغلق دونهم، فيا لها من مصيبة ما أصبنا بعدها بمصيبة إلا هانت إذا ذكرنا مصيبتنا به صلى الله عليه وسلم.
وقد روى الامام أحمد: من حديث محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي يوم الاثنين ودفن ليلة الاربعاء وقد تقدم مثله في غير ما حديث.
وهو الذي نص عليه غير واحد من الائمة سلفا وخلفا،
__________
(1) في رواية لابن سعد قال: أمر علي ابنه الحسن فدخل فناول المغيرة خاتمه.
(2 / 302).
(2) في ابن سعد: أبو عسيم 2 / 302.
(3) في ابن هشام: فاطمة بنت عمارة، عن عمرة بنت عبد الرحمن بن اسعد بن زرارة.
(4) الكرازين جمع كرزين وهو الفأس الكبيرة.
(*)

(5/291)


معهم سليمان بن طرخان التيمي، وجعفر بن محمد الصادق، وابن إسحاق، وموسى بن عقبة وغيرهم.
وقد روى يعقوب بن سفيان، عن عبد الحميد (1) بن بكار عن محمد بن شعيب عن الاوزاعي أنه قال: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين قبل أن ينتصف النهار، ودفن يوم الثلاثاء.
وهكذا روى الامام أحمد: عن عبد الرزاق، عن ابن جريج قال: أخبرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات في الضحى يوم الاثنين ودفن من الغد في الضحى.
وقال يعقوب (2) حدثنا سفيان، ثنا سعيد بن منصور، ثنا سفيان، عن جعفر بن محمد عن أبيه وعن ابن جريج عن أبي جعفر: أن رسول الله توفي يوم الاثنين، فلبث ذلك اليوم وتلك الليلة ويوم الثلاثاء إلى آخر النهار، فهو قول غريب والمشهور عن الجمهور ما أسلفناه من أنه عليه السلام توفي يوم الاثنين ودفن ليلة الاربعاء.
ومن الاقوال الغريبة في هذا أيضا ما رواه يعقوب بن سفيان، عن عبد الحميد بن بكار، عن محمد بن شعيب، عن أبي النعمان عن مكحول قال: ولد رسول الله يوم الاثنين، وأوحى إليه يوم الاثنين، وهاجر يوم الاثنين، وتوفي يوم الاثنين لثنتين وستين سنة ونصف، ومكث ثلاثة أيام لا يدفن يدخل
عليه الناس أرسالا أرسالا يصلون لا يصفون ولا يؤمهم عليه أحد.
فقوله إنه مكث ثلاثة أيام لا يدفن غريبا، والصحيح أنه مكث بقية يوم الاثنين ويوم الثلاثاء بكماله ودفن ليلة الاربعاء كما قدمنا.
والله أعلم.
وضده ما رواه سيف عن هشام عن أبيه قال: توفي رسول الله يوم الاثنين، وغسل يوم الاثنين ودفن ليلة الثلاثاء.
قال سيف: وحدثنا يحيى بن سعيد مرة بجمعيه عن عائشة به، وهذا غريب جدا.
وقال الواقدي: حدثنا عبد الله بن جعفر، عن ابن أبي عون، عن أبي عتيق عن جابر بن عبد الله.
قال: رش على قبر النبي صلى الله عليه وسلم الماء رشا، وكان الذي رشه بلال بن رباح بقربة، بدأ من قبل رأسه من شقه الايمن حتى انتهى إلى رجليه، ثم ضرب بالماء إلى الجدار لم يقدر على أن يدور من الجدار (3).
وقال سعيد بن منصور عن الدراوردي عن يزيد بن عبد الله بن أبي يمن، عن أم سلمة.
قالت: توفي رسول الله يوم الاثنين، ودفن يوم الثلاثاء، وقال ابن خزيمة: حدثنا مسلم بن حماد، عن أبيه، عن عبد الله بن عمر، عن كريب عن ابن عباس.
قال: توفي رسول الله يوم الاثنين، ودفن يوم الثلاثاء وقال الواقدي حدثني أبي بن عباس (4) بن سهل بن سعد، عن أبيه.
قال: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، ودفن ليلة الثلاثاء وقال أبو بكر بن أبي الدنيا عن محمد بن سعد: توفي رسول الله يوم الاثنين لثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الاول، ودفن يوم الثلاثاء.
وقال عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا، ثنا الحسن بن إسرائيل أبو محمد النهرتيري (5) ثنا
__________
(1) من البيهقي، وفي الاصل عن تحريف.
(2) في البيهقي: حدثنا يعقوب بن سفيان.
(3) نقل الخبر عن الواقدي البيهقي في الدلائل 7 / 264 وابن سعد بعضه 2 / 306.
(4) من ابن سعد عن الواقدي 2 / 272 وفيه: عن أبيه عن جده...وقال: فمكث يوم الاثنين والثلاثاء ودفن يوم الاربعاء.
(5) النهرتيري: نسبة إلى نهر تيرى بلد من نواحى الاهواز.
(*)

(5/292)


عيسى بن يونس، عن إسماعيل بن أبي خالد سمعت عبد الله بن أبي أوفى يقول: مات رسول
الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، فلم يدفن إلا يوم الثلاثاء.
وهكذا قال سعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو جعفر الباقر.
صفة قبره عليه الصلاة والسلام قد علم بالتواتر أنه عليه الصلاة والسلام دفن في حجرة عائشة التي كانت تختص بها شرقي مسجده في الزاوية الغربية القبلية من الحجرة، ثم دفن بعده فيها أبو بكر ثم عمر رضي الله عنهما.
وقد قال البخاري: ثنا محمد بن مقاتل، ثنا أبو بكر بن عياش، عن سفيان التمار: أنه حدثه أنه رأى قبر النبي صلى الله عليه وسلم مسنما، تفرد به البخاري (1).
وقال أبو داود: ثنا أحمد بن صالح، ثنا ابن أبي فديك، أخبرني عمرو بن عثمان بن هاني عن القاسم.
قال: دخلت على عائشة وقلت لها: يا أمه اكشفي لي عن قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه.
فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء.
النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر رضي الله عنه عمر رضي الله عنه تفرد به أبو داود.
وقد رواه الحاكم والبيهقي من حديث ابن أبي فديك عن عمرو بن عثمان عن القاسم.
قال: فرأيت النبي عليه السلام مقدما، وأبو بكر رأسه بين كتفي النبي صلى الله عليه وسلم، وعمر رأسه عند رجل النبي صلى الله عليه وسلم.
قال البيهقي: وهذه الرواية تدل على أن قبورهم مسطحة لان الحصباء لا تثبت إلا على المسطح (2).
وهذا عجيب من البيهقي رحمه الله فإنه ليس في الرواية ذكر الحصباء بالكلية، وبتقدير ذلك فيمكن أن يكون مسنما وعليه الحصباء مغروزة بالطين ونحوه.
وقد روى الواقدي عن الدراوردي، عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: جعل قبر النبي صلى الله عليه وسلم مسطحا.
وقال البخاري ثنا فروة بن أبي المغراء، ثنا علي بن مسهر، عن هشام، عن عروة عن أبيه قال: لما سقط عليهم الحائط في زمان الوليد بن عبد الملك أخذوا في بنائه فبدت لهم قدم ففزعوا فظنوا أنها قدم النبي صلى الله عليه وسلم فما وجد واحد يعلم ذلك حتى قال لهم عروة لا والله ما هي قدم النبي صلى الله عليه وسلم، ما هي إلا
قدم عمر.
وعن هشام عن أبيه عن عائشة: أنها أوصت عبد الله بن الزبير لا تدفني معهم وادفني مع صواحبي بالبقيع لا أزكى به أبدا.
قلت: كان الوليد بن عبد الملك حين ولي الامارة في سنة ست وثمانين قد شرع في بناء جامع
__________
(1) في كتاب الجنائز (96) باب فتح الباري 3 / 255.
(2) وراه البيهقي في الدلائل ج 7 / 263.
(*)

(5/293)


دمشق وكتب إلى نائبه بالمدينة ابن عمه عمر بن عبد العزيز أن يوسع في مسجد المدينة فوسعه حتى من ناحية الشرق فدخلت الحجرة النبوية فيه (1).
وقد روى الحافظ ابن عساكر بسنده عن زاذان مولى الفرافصة، وهو الذي بنى المسجد النبوي أيام ولاية عمر بن عبد العزيز على المدينة، فذكر عن سالم بن عبد الله نحو ما ذكره البخاري، وحكى صفه القبور كما رواه أبو داود.
ما أصاب المسلمين من المصيبة بوفاته صلى الله عليه وسلم قال البخاري: ثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد، ثنا ثابت عن أنس.
قال: لما ثقل النبي صلى الله عليه وسلم جعل يتغشاه الكرب.
فقالت فاطمة: واكرب أبتاه.
فقال لها: " ليس على أبيك كرب بعد اليوم " فلما مات قالت: وا أبتاه أجاب ربا دعاه، يا أبتاه من جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه.
فلما دفن قالت فاطمة: يا أنس أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب (2) ؟ تفرد به البخاري رحمه الله.
وقال الامام أحمد: حدثنا يزيد، ثنا حماد بن زيد، ثنا ثابت البناني.
قال أنس: فلما دفن النبي صلى الله عليه وسلم قالت فاطمة: يا أنس أطابت أنفسكم أن دفنتم رسول الله صلى الله عليه وسلم في التراب ورجعتم.
وهكذا رواه ابن ماجه مختصرا من حديث حماد بن زيد به.
وعنده قال حماد: فكان ثابت إذا حدث بهذا الحديث بكى حتى تختلف أضلاعه.
وهذا لا يعد نياحة بل هو من باب ذكر فضائله الحق عليه أفضل الصلاة والسلام، وإنما قلنا هذا لان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن النياحة.
وقد روى الامام أحمد والنسائي من حديث شعبة، سمعت قتادة، سمعت مطرفا يحدث عن حكيم بن قيس بن عاصم عن أبيه - فيما أوصى به إلى بنيه - أنه قال: ولا تنوحوا علي فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينح
عليه.
وقد رواه إسماعيل بن إسحاق القاضي في النوادر عن عمرو بن ميمون عن شعبة به.
ثم رواه عن علي بن المديني، عن المغيرة بن سلمة، عن الصعق بن حزن، عن القاسم بن مطيب، عن الحسن البصري عن قيس بن عاصم به.
قال: لا تنوحوا علي فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينح عليه، وقد سمعته ينهى عن النياحة.
ثم رواه عن علي، عن محمد بن الفضل، عن الصعق، عن القاسم، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن عاصم به.
وقال الحافظ أبو بكر البزار: ثنا عقبة بن سنان، ثنا عثمان بن عثمان، ثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينح عليه.
وقال الامام أحمد: ثنا عفان، ثنا جعفر بن سليمان، ثنا ثابت، عن أنس.
قال: لما كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شئ، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شئ.
قال: وما نفضنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الايدي حتى أنكرنا قلوبنا (3).
وهكذا رواه الترمذي
__________
(1) في الطبري: أمر الوليد سنة 88 بهدم مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وهدم بيوت أزواج رسول الله صلى الله عليه وآله وادخالها في المسجد.
وفيها ابتدأ عمر بن عبد العزيز في بناء المسجد.
(2) أخرجه البخاري في المغازي (83) باب.
وابن سعد في طبقاته 2 / 311.
(3) رواه البيهقي في الدلائل 7 / 265 ونقله السيوطي في الخصائص 2 / 278 وعزاه لابن سعد والحاكم والبيهقي.
(*)

(5/294)


وابن ماجه جميعا عن بشر بن هلال الصواف عن جعفر بن سليمان الضبعي به وقال الترمذي هذا حديث صحيح غريب.
قلت: وأسناده على شرط الصحيحين، ومحفوظ من حديث جعفر بن سليمان وقد أخرج له الجماعة رواه الناس عنه كذلك.
وقد أغرب الكديمي وهو محمد بن يونس رحمه الله في روايته له حيث قال: ثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي ثنا جعفر بن سليمان الضبعي، عن ثابت، عن أنس.
قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أظلمت المدينة حتى لم ينظر بعضنا إلى بعض، وكان أحدنا يبسط يده فلا يراها - أو لا يبصرها، وما فرغنا من دفنه حتى أنكرنا قلوبنا.
وراه البيهقي من طريقه كذلك، وقد رواه من طريق غيره من الحفاظ عن أبي الوليد الطيالسي كما قدمنا وهو المحفوظ والله
أعلم.
وقد روى الحافظ الكبير وأبو القاسم بن عساكر من طريق أبي حفص بن شاهين، ثنا حسين بن أحمد بن بسطام بالابلة، ثنا محمد بن يزيد الرواسي، ثنا سلمة بن علقمة، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري.
قال: لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة أضاء منها كل شئ، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شئ.
وقال ابن ماجه: ثنا إسحاق بن منصور، ثنا عبد الوهاب بن عطاء العجلي، عن ابن عون عن الحسن عن أبي بن كعب.
قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما وجهنا واحد، فلما قبض نظرنا هكذا وهكذا.
وقال أيضا ثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، ثنا خالد بن (1) محمد بن إبراهيم بن المطلب بن السائب بن أبي وداعة السهمي، حدثني موسى بن عبد الله بن أبي أمية المخزومي، حدثني مصعب بن عبد الله عن أم سلمة بنت أبي أميه زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: كان الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام المصلي يصلي لم يعد بصر أحدهم موضع قدميه، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو بكر فكان الناس إذا قام أحدهم يصلي لم يعد بصر أحدهم موضع جبينه فتوفي أبو بكر وكان عمر فكان الناس إذا قام أحدهم يصلي لم يعد بصر أحدهم موضع القبلة.
فتوفي عمر - وكان عثمان وكانت الفتنة فتلفت الناس يمينا وشمالا.
وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد، ثنا حماد، عن ثابت عن أنس: أن أم أيمن بكت لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل لها ما يبكيك ؟ على النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقالت: إني قد علمت أن رسول الله سيموت، ولكني إنما أبكي على الوحي الذي رفع عنا.
هكذا رواه مختصرا.
وقد قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن نعيم ومحمد بن النضر الجاوردي.
قالا: ثنا الحسن بن علي الخولاني (2) ثنا عمرو بن عاصم الكلابي، ثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس.
قال: ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أم أيمن زائرا وذهبت معه، فقربت إليه شرابا.
فإما كان صائما وأما كان لا يريده، فرده.
فأقبلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم تضاحكه.
فقال أبو بكر بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم
__________
(1) من ابن ماجه حديث رقم 1634، وفي الاصل: ثنا خالي محمد.
تحريف.
(2) في الدلائل 7 / 266: الحلواني.
(*)

(5/295)


لعمر: انطلق بنا إلى أم يمن نزورها، فلما انتهينا إليها بكت.
فقالا لها: ما يبكيك ؟ ما عند الله خير لرسوله.
قالت: والله ما أبكي أن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله، ولكن أبكي أن الوحي انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان (1).
ورواه مسلم منفردا به عن زهير بن حرب عن عمرو بن عاصم به.
وقال موسى بن عقبة في قصة وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخطبة أبي بكر فيها.
قال: ورجع الناس حين فرغ أبو بكر من الخطبة وأم أيمن قاعدة تبكي، فقيل لها ما يبكيك ؟ قد أكرم الله نبيه صلى الله عليه وسلم فأدخله جنته، وأراحه من نصب الدنيا.
فقالت: إنما أبكي على خبر السماء، كان يأتينا غضا جديدا كل يوم وليلة، فقد انقطع ورفع، فعليه أبكي.
فعجب الناس من قولها.
وقد قال مسلم بن الحجاج في صحيحه وحدثت عن أبي أسامة.
وممن روى ذلك عنه إبراهيم بن سعيد الجوهري، ثنا أبو أسامة حدثني يزيد بن عبد الله عن أبي برد عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: " إن الله إذا أراد رحمة أمة من عباده قبض نبيها قبلها فجعله لها فرطا وسلفا يشهد لها، وإذا أراد هلكة أمة عذبها ونبيها حي فأهلكها وهو ينظر إليها فأقر عينه بهلكها حين كذبوه وعصوا أمره ".
تفرد به مسلم إسنادا ومتنا.
وقد قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا يوسف بن موسى، ثنا عبد الحميد بن عبد العزيز بن أبي رواد، عن سفيان، عن عبد الله بن السائب عن زاذان عن عبد الله - هو ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: " إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام ".
قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم، ووفاتي خير لكم تعرض علي أعمالكم، فما رأيت من خير حمدت الله عليه، وما رأيت من شر استغفرت الله لكم ".
ثم قال البزار لم نعرف آخره يروى عن عبد الله إلا من هذا الوجه.
قلت: وأما أوله وهو قوله عليه السلام: " إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام " فقد رواه النسائي من طرق متعددة عن سفيان الثوري وعن الاعمش كلاهما عن عبد الله بن السائب عن أبيه به.
وقد قال الامام أحمد حدثنا حسين بن علي الجعفي، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبي الاسود الصنعاني عن أوس بن أوس.
قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفي النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن
صلاتكم معروضة علي ".
قالوا: يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت - يعني قد بليت -.
قال: " إن الله قد حرم على الارض أن تأكل أجساد الانبياء عليهم السلام ".
وهكذا رواه أبو داود عن هارون بن عبد الله، وعن الحسن بن علي، والنسائي عن إسحاق بن منصور ثلاثتهم عن حسين بن علي به.
ورواه ابن ماجه: عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن حسين بن علي (2)، عن جبر، عن أبي الاشعث عن شداد (3) بن أوس فذكره.
قال شيخنا أبو الحجاج المزي وذلك وهم من
__________
(1) رواه مسلم في كتاب فضائل الصحابة (18) باب.
حديث (103).
(2) في ابن ماجه: عن الحسين بن علي عن عبد الرحمن بن يزيد عن جابر.
(3) في ابن ماجه حديث 1636 عن أوس بن أوس.
(*)

(5/296)


ابن ماجه، والصحيح أوس بن أوس وهو الثقفي رضي الله عنه.
قلت: وهو عندي في نسخة جيدة مشهورة على الصواب.
كما رواه أحمد وأبو داود والنسائي عن أوس بن أوس.
ثم قال ابن ماجه: حدثنا عمرو بن سواد المصري، ثنا عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد بن أيمن، عن عبادة بن نسي عن أبي الدرداء.
قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أكثروا الصلاة علي يوم الجمعة فإنه مشهود تشهده الملائكة، وإن أحدا لن يصلي (1) علي إلا عرضت علي صلاته حتى يفرغ منها ".
قال قلت: وبعد الموت ؟ قال: " إن الله حرم على الارض أن تأكل أجساد الانبياء عليهم السلام - نبي الله حي ويرزق (2) " وهذا من إفراد ابن ماجه رحمه الله.
وقد عقد الحافظ ابن عساكر ها هنا بابا في إيراد الاحاديث المروية في زيارة قبره الشريف صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين، وموضع استقصاء ذلك في كتاب الاحكام الكبير إن شاء الله تعالى.
ما ورد من التعزية به عليه الصلاة والسلام قال ابن ماجه: حدثنا الوليد بن عمرو بن السكين، ثنا أبو همام، وهو محمد بن الزبرقان الاهوازي ثنا موسى بن عبيدة ثنا مصعب بن محمد، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة.
قالت: فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم بابا بينه وبين الناس - أو كشف سترا - فإذا الناس يصلون وراء أبي بكر، فحمد الله على ما رأى من حسن حالهم رجاء أن يخلفه فيهم بالذي رآهم.
فقال: " يا أيها الناس أيما أحد من الناس أو من المؤمنين أصيب بمصيبة فليتعز بمصيبته بي، عن المصيبة التي تصيبه بغيري، فإن أحدا من أمتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشد عليه من مصيبتي " تفرد به ابن ماجه (3).
وقال الحافظ البيهقي: أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الفقيه، ثنا شافع بن محمد، ثنا أبو جعفر بن سلامة الطحاوي، ثنا المزني ثنا الشافعي، عن القاسم بن عبد الله بن عمر بن حفص، عن جعفر بن محمد عن أبيه: أن رجالا من قريش دخلوا على أبيه علي بن الحسين.
فقال: ألا أحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا: بلى ! فحدثنا عن أبي القاسم.
قال: لما أن مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل فقال: يا محمد إن الله أرسلني إليك تكريما لك، وتشريفا لك، وخاصة لك، أسألك عما هو أعلم به منك.
يقول كيف تجدك ؟ قال: " أجدني يا جبريل مغموما، وأجدني يا جبريل مكروبا " ثم جاءه اليوم الثاني فقال له، ذلك فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم كما رد أول يوم، ثم جاءه اليوم الثالث فقال له كما قال أول يوم ورد عليه كما رد، وجاء معه ملك يقال له: إسماعيل على مائة ألف ملك كل ملك على مائة ألف ملك، فاستأذن عليه، فسأل عنه.
ثم قال جبريل: هذا ملك الموت يستأذن عليك، ما
__________
(1) من ابن ماجه وفي الاصل: ليصل.
(2) في ابن ماجه حديث 1637: فنبي الله حي يرزق.
(3) رواه ابن ماجه في الجنائز حديث 1599 وفيه موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف.
(*)

(5/297)


استأذن على آدمي قبلك، ولا يستأذن على آدمي بعدك، فقال عليه السلام: إيذن له فأذن له فدخل فسلم عليه، ثم قال: يا محمد إن الله أرسلني إليك، فإن أمرتني أن أقبض روحك قبضت، وإن أمرتني أن أتركه تركته.
فقال رسول الله: " أو تفعل يا ملك الموت ؟ " قال: نعم ! وبذلك أمرت، وأمرت أن أطيعك.
قال: فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل.
فقال له جبريل: يا محمد إن الله قد اشتاق إلى لقائك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لملك الموت: " امض لما أمرت به " فقبض روحه، فلما توفي
النبي صلى الله عليه وسلم وجاءت التعزية سمعوا صوتا من ناحية البيت، السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل هالك، ودركا من كل فائت، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإنما المصاب من حرم الثواب.
فقال علي رضي الله عنه: أتدرون من هذا ؟ هذا الخضر عليه السلام (1).
وهذا الحديث مرسلا وفي إسناده ضعف بحال القاسم العمري هذا فإنه قد ضعفه غير واحد من الائمة، وتركه بالكلية آخرون.
وقد رواه الربيع عن الشافعي عن القاسم عن جعفر عن أبيه عن جده فذكر منه قصة التعزية - فقط موصولا - وفي الاسناد العمري المذكور قد نبهنا على أمره لئلا يغتر به.
على أنه قد رواه الحافظ البيهقي عن الحاكم عن أبي جعفر البغدادي، حدثنا عبد الله بن الحارث أو عبد الرحمن بن المرتعد الصغاني (2) ثنا أبو الوليد المخزومي ثنا أنس بن عياض، عن جعفر بن محمد [ عن أبيه ] (3) عن جابر بن عبد الله.
قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم [ عزتهم الملائكة ] (4) يسمعون الحس ولا يرون الشخص.
فقال: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته.
إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل فائت، ودركا من كل هالك، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإنما المحروم من حرم الثوب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ثم قال البيهقي: هذان الاسنادان وإن كانا ضعيفين فأحدهما يتأكد بالآخر ويدل على أن له أصلا من حديث جعفر والله أعلم.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو بكر أحمد بن بالويه، ثنا محمد بن بشر بن مطر، ثنا كامل بن طلحة، ثنا عباد بن عبد الصمد، عن أنس بن مالك.
قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدق به أصحابه، فبكوا حوله، واجتمعوا فدخل رجل أشهب اللحية جسيم صبيح، فتخطى رقابهم فبكى، ثم التفت إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن في الله عزاء من كل مصيبة، وعوضا من كل فائت، وخلفا من كل هالك، فإلى الله فأنيبوا وإليه فارغبوا، ونظره إليكم في البلايا فانظروا، فإن المصاب من لم يجبر، فانصرف.
فقال بعضهم لبعض تعرفون الرجل ؟ فقال أبو بكر وعلي: نعم ! هذا أخو رسول الله صلى الله عليه وسلم الخضر، ثم قال البيهقي: عباد بن عبد الصمد ضعيف وهذا منكر بمرة.
وقد روى الحارث بن أبي أسامة، عن محمد بن سعد: أنبأنا هشام بن
__________
(1) دلائل البيهقي 7 / 267 ونقل الخبر السيوطي في الخصائص 2 / 273 وعزاه لابن سعد والبيهقي.
(2) في البيهقي 7 / 269: عبد الله بن عبد الرحمن بن المرتعد الصنعاني.
(3) سقطت من الاصل، واستدركت من الدلائل.
(4) من الدلائل، سقطت من الاصل.
(*)

(5/298)


القاسم، ثنا صالح المري، عن أبي حازم المدني: أن رسول الله حين قبضه الله عز وجل دخل المهاجرون فوجا فوجا يصلون عليه ويخرجون، ثم دخلت الانصار على مثل ذلك، ثم دخل أهل المدينة حتى إذا فرغت الرجال دخلت النساء فكان منهم صوت وجزع كبعض ما يكون منهن، فسمعن هزة في البيت فعرفن (1) فسكتن، فإذا قائل يقول: إن في الله عزاء من كل هالك، وعوض من كل مصيبة، وخلف من كل فائت، والمجبور من جبرة الثواب والمصاب من لم يجبره الثواب.
فصل فيما روي من معرفة أهل الكتاب بيوم وفاته صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عبد الله بن إدريس، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله البجلي.
قال: كنت باليمن، فلقينا رجلين من أهل اليمن، ذا كلاع وذا عمرو، فجعلت أحدثهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فقالا لي: إن كان ما تقول حقا فقد مضى صاحبك على أجله منذ ثلاث.
قال: فأقبلت وأقبلا حتى إذا كنا في بعض الطريق، رفع لنا ركب من [ قبل ] المدينة فسألناهم فقالوا: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر والناس صالحون.
قال فقالا لي: أخبر صاحبك أنا قد جئنا، ولعلنا سنعود إن شاء الله عز وجل.
قال ورجعا إلى اليمن، فلما أتيت أخبرت أبا بكر بحديثهم.
قال أفلا جئت بهم.
فلما كان بعد قال لي ذو عمرو: يا جرير إن لك علي كرامة، وإني مخبرك خبرا، أنكم معشر العرب لن تزالوا بخير ما كنتم إذا هلك أمير تأمرتم في آخر، وإذا كانت بالسيف كنتم ملوكا تغضبون غضب الملوك وترضون رضى الملوك.
هكذا رواه الامام أحمد والبخاري عن أبي بكر بن أبي شيبة وهكذا رواه البيهقي عن الحاكم عن عبد الله بن جعفر عن يعقوب بن سفيان عنه (2).
وقال البيهقي: أنبأنا الحاكم، أنبأنا علي بن
المتوكل (3) ثنا محمد بن يونس، ثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي، ثنا زائدة، عن زياد بن علاقة عن جرير.
قال: لقيني حبر باليمن وقال لي: إن كان صاحبكم نبيا فقد مات يوم الاثنين، هكذا رواه البيهقي.
وقد قال الامام أحمد: حدثنا أبو سعيد، ثنا زائدة، ثنا زياد بن علاقة عن جرير.
قال قال لي حبر باليمن: إن كان صاحبكم نبيا فقد مات اليوم.
قال جرير: فمات يوم الاثنين، وقال البيهقي: أنبأنا أبو الحسين بن بشران المعدل ببغداد، أنبأنا أبو جعفر محمد بن عمرو، ثنا محمد بن الهيثم، ثنا سعيد بن أبي كثير بن عفير [ بن كعب ]، حدثني عبد الحميد بن كعب بن علقمة بن كعب بن عدي التنوخي [ عن عمر بن الحارث بن علقمة بن كعب بن عدي التنوخي ]، عن
__________
(1) من سيرة ابن كثير، وفي الاصل: لعرفنا (2) رواه البخاري في المغازي فتح الباري 8 / 76 والامام أحمد في مسنده 4 / 363 والبيهقي في الدلائل 7 / 270 وفيه عن: أبي عبد الله الحافظ قال: أخبرنا أبو عمرو بن أبي جعفر، قال: أخبرنا الحسن بن سفيان...(3) في الدلائل: المؤمل.
ج 7 / 271.
(*)

(5/299)


عمرو بن الحارث، عن ناعم بن أجيل، عن كعب بن عدي.
قال: أقبلت في وفد من أهل الحيرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
فعرض علينا الاسلام فأسلمنا ثم انصرفنا إلى الحيرة، فلم نلبث أن جاءتنا وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فارتاب أصحابي وقالوا: لو كان نبيا لم يمت.
فقلت: قد مات الانبياء قبله، وثبت على إسلامي ثم خرجت أريد المدينة، فمررت براهب كنا لا نقطع أمرا دونه، فقلت له: أخبرني عن أمر أردته، نفخ في صدري منه شئ.
فقال: إئت باسم من الاسماء فأتيته بكعب فقال: القه في هذا السفر لسفر أخرجه فألقيت الكعب فيه فصفح فيه، فإذا بصفة النبي صلى الله عليه وسلم كما رأيته وإذا هو يموت في الحين الذي مات فيه، قال: فاشتدت بصيرتي في إيماني، وقدمت على أبي بكر رضي الله عنه فأعلمته وقمت عنده، فوجهني إلى المقوقس فرجعت، ووجهني أيضا عن عمر بن الخطاب، فقدمت عليه بكتابه، فأتيته وكانت وقعة اليرموك، ولم أعلم بها فقال لي: أعلمت أن الروم قتلت العرب وهزمتهم ؟ فقلت كلا.
قال: ولم ؟ قلت إن الله وعد نبيه أن يظهره على الدين كله وليس بمخلف
الميعاد قال فإن نبيكم قد صدقكم.
قتلت الروم والله قتل عاد.
قال: ثم سألني عن وجوه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته وأهدى إلى عمر وإليهم.
وكان ممن أهدى إليه علي وعبد الرحمن والزبير - وأحسبه ذكر العباس - قال كعب وكنت شريكا لعمر في البز في الجاهلية، فلما أن فرض الديوان فرض لي في بني عدي بن كعب (1).
وهذا أثر غريب وفيه نبأ عجيب وهو صحيح.
فصل قال محمد بن إسحاق: ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب، واشرأبت اليهودية والنصرانية ونجم النفاق، وصار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية لفقد نبيهم، حتى جمعهم الله على أبي بكر رضي الله عنه.
قال ابن هشام: وحدثني أبو عبيدة وغيره من أهل العلم: أن أكثر أهل مكة لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم هموا بالرجوع عن الاسلام وأرادوا ذلك، حتى خافهم عتاب بن أسيد رضي الله عنه فتوارى.
فقام سهيل بن عمرو رضي الله عنه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: إن ذلك لم يزد الاسلام إلا قوة، فمن رابنا ضربنا عنقه، فتراجع الناس وكفوا عما هموا به، فظهر عتاب بن أسيد.
فهذا المقام الذي أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله لعمر بن الخطاب - يعني حين أشار بقلع ثنيته حين وقع في الاسارى (2) يوم بدر - إنه عسى أن يقوم مقاما لا تذمنه.
قلت: وسيأتي عما قريب إن شاء الله ذكر ما وقع بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الردة في أحياء كثيرة من العرب، وما كان من أمر مسيلمة بن حبيب المتنبئ باليمامة، والاسود العنسي باليمن،
__________
(1) ما بين معكوفين في الحديث من دلائل البيهقي 7 / 271.
ورواه ابن حجر في الاصابة 3 / 298 في ترجمة كعب بن عدي التنوخي، وقال: أخرجه البغوي.
(2) يعني سهيل بن عمرو.
(*)

(5/300)


وما كان من أمر الناس حتى فاؤوا ورجعوا إلى الله تائبين نازعين عما كانوا عليه في حال ردتهم من السفاهة والجهل العظيم الذي استفزهم الشيطان به، حتى نصرهم الله وثبتهم وردهم إلى دينه
الحق على يدي الخليفة الصديق أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه، كما سيأتي مبسوطا مبينا مشروحا إن شاء الله.
فصل وقد ذكر ابن إسحاق وغيره قصائد لحسان بن ثابت رضي الله عنه في وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أجل ذلك وأفصحه وأعظمه، ما رواه عبد الملك بن هشام رحمه الله عن أبي زيد الانصاري أن حسان بن ثابت رضي الله عنه قال يبكي رسول الله صلى الله عليه وسلم: بطيبة رسم للرسول ومعهد * منير وقد تعفو الرسوم وتمهد (1) ولا تمتحى الآيات من دار حرمة * بها منبر الهادي الذي كان يصعد وواضح آيات وباقي معالم * وربع له فيه مصلى ومسجد بها حجرات كان ينزل وسطها * من الله نور يستضاء ويوقد معارف لم تطمس على العهد آيها * أتاها البلا فالآي منها تجدد عرفت بها رسم الرسول وعهده * وقبرا بها واراه في الترب ملحد ظللت بها أبكي الرسول فاسعدت * عيون ومثلاها من الجن تسعد (2) يذكرن آلاء الرسول ولا أرى * لها محصيا نفسي فنفسي تبلد مفجعة قد شفها فقد أحمد * فظلت لآلاء الرسول تعدد وما بلغت من كل أمر عشيره * ولكن لنفسي بعد ما قد توجد أطالت وقوفا تذرف العين جهدها * على طلل القبر الذي فيه أحمد فبوركت يا قبر الرسول وبوركت * بلاد ثوى فيها الرشيد المسدد (3) تهيل عليه الترب أيد وأعين * عليه - وقد غارت بذلك - أسعد لقد غيبوا حلما وعلما ورحمة * عشية علوه الثرى لا يوسد وراحوا بحزن ليس فيهم نبيهم * وقد وهنت منهم ظهور وأعضد ويبكون من تبكي السموات يومه * ومن قد بكته الارض فالناس أكمد
__________
(1) في ابن هشام: 4 / 317، وتهمد.
(2) في ابن هشام: من الجفن تسعد.
(3) بعده في ابن هشام: وبورك لحد منك ضمن طيبا * عليه بناء من صفيح منضد (*)

(5/301)


وهل عدلت يوما رزية هالك * رزية يوم مات فيه محمد تقطع فيه منزل الوحي عنهم * وقد كان ذا نور يغور وينجد يدل على الرحمن من يقتدي به * وينقذ من هول الخزايا ويرشد إمام لهم يهديهم الحق جاهدا * معلم صدق إن يطيعوه يسعدوا عفو عن الزلات يقبل عذرهم * وإن يحسنوا فالله بالخير أجود وإن ناب أمر لم يقوموا بحمله * فمن عنده تيسير ما يتشدد فبيناهم في نعمة الله وسطهم (1) * دليل به نهج الطريقة يقصد عزيز عليه أن يجوروا عن الهدى * حريص على أن يستقيموا ويهتدوا عطوف عليهم لا يثنى جناحه * إلى كنف يحنوا عليهم ويمهد فبيناهم في ذلك النور إذ غدا * إلى نورهم منهم من الموت مقصد فأصبح محمودا إلى الله راجعا * يبكيه جفن المرسلات ويحمد (2) وأمست بلاد الحرم وحشا بقاعها * لغيبة ما كانت من الوحي تعهد قفارا سوى معمورة اللحد ضافها * فقيد يبكيه بلاط وغرقد ومسجده فالموحشات لفقده * خلاء له فيها (3) مقام ومقعد وبالجمرة الكبرى له ثم أوحشت * ديار وعرصات وربع ومولد فبكي رسول الله يا عين عبرة * ولا أعرفنك الدهر دمعك يجمد ومالك لا تبكين ذا النعمة التي * على الناس منها سابغ يتغمد
فجودي عليه بالدموع وأعولي * لفقد الذي لا مثله الدهر يوجد وما فقد الماضون مثل محمد * ولا مثله حتى القيامة يفقد أعف وأوفى ذمة بعد ذمة * وأقرب منه نائلا لا ينكد وأبذل منه للطريف وتالد * إذا ضن معطاء بما كان يتلد وأكرم صيتا في البيوت إذا انتمى * وأكرم جدا أبطحيا يسود وأمنع ذروات وأثبت في العلا * دعائم عز شاهقات تشيد وأثبت فرعا في الفروع ومنبتا * وعودا غذاه المزن فالعود أغيد رباه وليدا فاستتم تمامه * على أكرم الخيرات رب ممجد تناهت وصاة المسلمين بكفه * فلا العلم محبوس ولا الرأي يفند
__________
(1) في ابن هاشم: بينهم.
(2) في ابن هشام: حق المرسلات.
والمرسلات هنا الملائكة.
وتروى جن المرسلات: أي الملائكة المستور أعين الآدميين.
(3) في ابن هشام: فيه.
(*)

(5/302)


أقول ولا يلفي لما قلت (1) عائب * من الناس إلا عازب القول مبعد وليس هوائي نازعا عن ثنائه * لعلي به في جنة الخلد مبعد مع المصطفى أرجو بذاك جواره * وفي نيل ذاك اليوم أسعى وأجهد وقال الحافظ أبو القاسم السهيلي في آخر كتابه الروض: وقال أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يبكي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرقت فبات ليلي لا يزول * وليل أخي المصيبة فيه طول وأسعدني البكاء وذاك فيما * أصيب المسلمون به قليل لقد عظمت مصيبتنا وجلت * عشية قيل قد قبض الرسول
وأضحت أرضنا مما عراها * تكاد بنا جوانبها تميل فقدنا الوحي والتنزيل فينا * يروح به ويغدو جبرئيل وذاك أحق ما سالت عليه * نفوس الناس أو كربت (2) تسيل نبي كان يجلو الشك عنا * بما يوحى إليه وما يقول ويهدينا فلا نخشى ضلالا * علينا والرسول لنا دليل أفاطم إن جزعت فذاك عذر * وإن لم تجزعي ذاك السبيل فقبر أبيك سيد كل قبر * وفيه سيد الناس الرسول باب بيان أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا أمة ولا شاة ولا بعيرا ولا شيئا يورث عنه، بل أرضا جعلها كلها صدقة لله عز وجل.
فإن الدنيا بحذافيرها كانت أحقر عنده - كما هي عند الله - من أن يسعى لها أو يتركها بعده ميراثا صلوات الله وسلامه عليه وعلى إخوانه من النبيين والمرسلين وسلم تسليما كثيرا دائما إلى يوم الدين.
قال البخاري: حدثنا قتيبة، ثنا أبو الاحوص، عن أبي إسحاق عن عمرو بن الحارث.
قال: ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا أمة إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها، وسلاحه، وأرضا جعلها لابن السبيل صدقة (3).
انفرد به البخاري دون مسلم، فرواه في أماكن من صحيحه من طرق متعددة عن أبي الاحوص وسفيان الثوري وزهير بن معاوية، ورواه الترمذي من
__________
(1) في ابن هشام: ولا يلقى لقولي عائب.
(2) من السهيلي، وفي الاصل: كادت تسيل.
(3) رواه البخاري في كتاب فرض الخمس (3) باب - الحديث (3097) فتح الباري 6 / 209.
(*)

(5/303)


حديث إسرائيل، والنسائي أيضا من حديث يونس بن أبي إسحاق كلهم عن أبي إسحاق،
عمرو بن عبد الله السبيعي، عن عمرو بن الحارث بن المصطلق بن أبي ضرار أخي جويرية بنت الحارث أم المؤمنين رضي الله عنهما به.
وقد رواه الامام أحمد: حدثنا أبو معاوية ثنا الاعمش وابن نمير عن الاعمش عن شقيق عن مسروق عن عائشة.
قالت: ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ولا شاة ولا بعيرا ولا أوصى بشئ (1).
وهكذا رواه مسلم منفردا به عن البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه من طرق متعددة عن سليمان بن مهران الاعمش، عن شقيق بن سلمة أبي وائل، عن مسروق بن الاجدع، عن أم المؤمنين عائشة الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله المبرأة من فوق سبع سموات رضي الله عنها وأرضاها.
وقال الامام أحمد: حدثنا إسحاق بن يوسف، عن سفيان، عن عاصم عن زر بن حبيش، عن عائشة قالت: ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ولا أمة ولا عبدا ولا شاة ولا بعيرا.
وحدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن عاصم عن زر عن عائشة: ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ولا شاة ولا بعيرا.
قال سفيان: وأكثر علمي وأشك في العبد والامة.
وهكذا رواه الترمذي في الشمائل عن بندار، عن عبد الرحمن بن مهدي به.
قال الامام أحمد.
وحدثنا وكيع، ثنا مسعر، عن عاصم بن أبي النجود عن زر عن عائشة.
قالت: ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا أمة ولا شاة ولا بعيرا.
هكذا رواه الامام أحمد من غير شك.
وقد رواه البيهقي عن أبي زكريا بن أبي إسحاق المزكى، عن أبي عبد الله محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن عبد الوهاب، أنبأنا جعفر بن عون، أنبأنا مسعر عن عاصم عن زر.
قال قالت عائشة: تسألوني عن ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا وليدة.
قال مسعر: أراه قال ولا شاة ولا بعيرا.
قال: وأنبأنا مسعر، عن عدي بن ثابت عن علي بن الحسين.
قال: ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا وليدة (2) وقد ثبت في الصحيحين من حديث الاعمش، عن إبراهيم، عن الاسود عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى طعاما من يهودي إلى أجل، ورهنه درعا من حديد.
وفي لفظ للبخاري رواه، عن قبيصة، عن الثوري، عن الاعمش، عن إبراهيم عن الاسود عن عائشة رضي الله عنها.
قالت: توفي النبي صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين (3).
ورواه البيهقي: من حديث
يزيد بن هارون، عن الثوري، عن الاعمش، عن إبراهيم عن الاسود عنها.
قالت: توفي النبي صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة بثلاثين صاعا من شعير (4).
ثم قال: رواه البخاري عن محمد بن كثير عن سفيان.
ثم قال البيهقي: أنبأنا علي بن أحمد بن عبدان، أنبأنا أبو بكر محمد بن حمويه (5)
__________
(1) أخرجه مسلم في كتاب الوصية (5) باب الحديث (18) ص 1256.
(2) أخرجه البيهقي في الدلائل - باب ما جاء في تركة رسول الله صلى الله عليه وآله 7 / 274.
(3) زاد في البخاري: أي صاعا من شعير.
(4) الدلائل 7 / 274 والبخاري في كتاب الجهاد (89) باب الحديث (2916) فتح الباري 6 / 99.
(5) في الدلائل 7 / 275: محمويه.
(*)

(5/304)


العسكري، ثنا جعفر بن محمد القلانسي، ثنا آدم، ثنا شيبان عن قتادة، عن أنس.
قال: لقد دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم على خبز شعير، وإهالة سنخة (1).
قال أنس: ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " والذي نفس محمد بيده ما أصبح عند آل محمد صاع بر ولا صاع تمر ".
وإن له يومئذ تسع نسوة، ولقد رهن درعا له عند يهودي بالمدينة، وأخذ منه طعاما فما وجد ما يفتكها به حتى مات صلى الله عليه وسلم.
وقد روى ابن ماجه بعضه من حديث شيبان بن عبد الرحمن النحوي عن قتادة به.
وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد، ثنا ثابت، ثنا هلال، عن عكرمة عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى أحد.
فقال: " والذي نفسي بيد ما يسرني أحدا لآل محمد ذهبا أنفقه في سبيل الله، أموت يوم أموت وعندي منه ديناران إلا أن أرصدهما لدين ".
قال: فمات فما ترك دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا وليدة، فترك درعه رهنا عند يهودي بثلاثين صاعا من شعير وقد روى آخره ابن ماجه عن عبد الله بن معاوية الجمحي، عن ثابت بن يزيد، عن هلال بن خباب العبدي الكوفي به.
ولاوله شاهد في الصحيح من حديث أبي ذر رضي الله عنه.
وقد قال الامام أحمد حدثنا عبد الصمد وأبو سعيد وعفان.
قالوا: حدثنا ثابت - هو ابن يزيد - ثنا هلال - هو ابن خباب - عن عكرمة عن ابن عباس.
أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليه عمرو وهو على حصير قد أثر في جنبه.
فقال: يا نبي الله لو اتخذت فراشا
أوثر من هذا ؟ فقال: " مالي وللدنيا، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها ".
تفرد به أحمد وإسناده جيد.
وله شاهد من حديث ابن عباس عن عمر في المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقصة الايلاء.
وسيأتي الحديث مع غيره مما شاكله في بيان زهده عليه السلام وتركه الدنيا، وإعراضه عنها، وإطراحه لها، وهو مما يدل على ما قلناه من أنه عليه السلام لم تكن الدنيا عنده ببال.
وقال الامام أحمد: حدثنا سفيان، ثنا عبد العزيز بن رفيع.
قال: دخلت أنا وشداد بن معقل، على ابن عباس فقال ابن عباس: ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ما بين هذين اللوحين.
قال ودخلنا على محمد بن علي فقال مثل ذلك.
وهكذا رواه البخاري: عن قتيبة، عن سفيان بن عيينة به.
وقال البخاري حدثنا أبو نعيم، ثنا مالك بن مغول، عن طلحة قال: سألت عبد الله بن أبي أوفى أأوصى النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقال لا.
فقلت كيف كتب على الناس الوصية، أو أمروا (2) بها ؟ قال أوصى بكتاب الله عز وجل.
وقد رواه البخاري أيضا ومسلم وأهل السنن إلا أبا داود من طرق عن مالك بن مغول به.
وقال الترمذي حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث مالك بن مغول.
تنبيه: قد ورد أحاديث كثيرة سنوردها قريبا بعد هذا الفصل في ذكر أشياء كان يختص بها صلوات الله وسلامه عليه في حياته من دور ومساكن نسائه وإماء وعبيد وخيول وإبل وغنم وسلاح وبغلة وحمار وثياب وأثاث وخاتم وغير ذلك مما سنوضحه بطرقه ودلائله، فلعله عليه السلام تصدق
__________
(1) الاهالة: الزيت.
والسنخة: المتغيرة الرائحة.
(2) في البخاري: أو أمروا بالوصية ؟ (*)

(5/305)


بكثير منها في حياته منجزا، وأعتق من أعتق من إمائه وعبيده، وأرصد ما أرصده من أمتعته، مع ما خصه الله به من الارضين من بني النضير وخيبر وفدك في مصالح المسلمين على ما سنبينه إن شاء الله، إلا أنه لم يخلف من ذلك شيئا يورث عنه قطعا لما سنذكره قريبا وبالله المستعان.
باب
بيان أنه عليه السلام قال لا نورث قال الامام أحمد: حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الاعرج عن أبي هريرة، يبلغ به، وقال مرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يقتسم ورثتي دينارا ولا درهما، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة ".
وقد رواه البخاري ومسلم وأبو داود من طرق عن مالك بن أنس عن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان عن عبد الرحمن بن هرمز الاعرج عن أبي هريرة.
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يقتسم ورثتي دينارا، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة " لفظ البخاري.
ثم قال البخاري: حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة: أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أردن أن يبعثن عثمان إلى أبي بكر ليسألنه ميراثهن.
فقالت عائشة: أليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا نورث، ما تركنا صدقة ؟ " وهكذا رواه مسلم عن يحيى بن يحيى وأبو داود عن القعنبي، والنسائي عن قتيبة كلهم عن مالك به.
فهذه إحدى النساء الوارثات - إن لو قدر ميراث - قد اعترفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل ما تركه صدقة لا ميراثا، والظاهر أن بقية أمهات المؤمنين وافقنها على ما روت، وتذكرن ما قالت لهن من ذلك فإن عبارتها تؤذن بأن هذا أمر مقرر عندهن.
والله أعلم.
وقال البخاري: حدثنا إسماعيل بن أبان، ثنا عبد الله بن المبارك، عن يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة.
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا نورث ما تركنا صدقة ".
وقال البخاري (1): باب قول رسول الله لا نورث ما تركنا صدقة: حدثنا عبد الله بن محمد، ثنا هشام، أنبأنا معمر عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: أن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر رضي الله عنه يلتمسان ميراثهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما حينئذ يطلبان أرضه من فدك وسهمه من خيبر.
فقال لهما أبو بكر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " لا نورث ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال ".
قال أبو بكر: والله لا أدع أمرا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعه فيه إلا صنعته، قال: فهجرته فاطمة فلم تكلمه حتى ماتت.
وهكذا رواه الامام أحمد، عن عبد الرزاق، عن معمر، ثم رواه أحمد عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح بن كيسان، عن الزهري عن عروة، عن عائشة أن فاطمة سألت أبا بكر بعد وفاة رسول الله ميراثها مما ترك مما أفاء الله عليه، فقال لها أبو
بكر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: " لا نورث ما تركنا صدقة " فغضبت فاطمة وهجرت أبا بكر فلم تزل مهاجرته حتى توفيت.
قال: وعاشت فاطمة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة أشهر، وذكر تمام
__________
(1) في كتاب الفرائض 3 باب حديث 6725 و 6726.
(*)

(5/306)


الحديث.
هكذا قال الامام أحمد.
وقد روى البخاري هذا الحديث في كتاب المغازي من صحيحه عن ابن بكير، عن الليث، عن عقيل، عن الزهري عن عروة عن عائشة كما تقدم، وزاد، فلما توفيت دفنها علي ليلا ولم يؤذن أبا بكر وصلى عليها، وكان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة، فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته ولم يكن بايع تلك الاشهر، فأرسل إلى أبي بكر إيتنا ولا يأتنا معك أحد، وكره أن يأتيه عمر لما علم من شدة عمر.
فقال عمر: والله لا تدخل عليهم وحدك.
قال أبو بكر: وما عسى أن يصنعوا بي ؟ والله لآتينهم.
فانطلق أبو بكر رضي الله عنه وقال إنا قد عرفنا فضلك وما أعطاك الله، ولم ننفس عليك خيرا ساقه الله إليك، ولكنكم استبددتم بالامر وكنا نرى لقرابتنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لنا في هذا الامر نصيبا، فلم يزل علي يذكر حتى بكى أبو بكر رضي الله عنه.
وقال: والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي أن أصل من قرابتي، وأما الذي شجر بينكم في هذه الاموال فإني لم آل فيها عن الخير، ولم أترك أمرا صنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا صنعته.
فلما صلى أبو بكر رضي الله عنه الظهر رقي على المنبر فتشهد وذكر شأن علي وتخلفه عن البيعة وعذره بالذي اعتذر به، وتشهد علي رضي الله عنه فعظم حق أبي بكر وذكر فضيلته وسابقته، وحدث أنه لم يحمله على الذي صنع نفاسة على أبي بكر، ثم قام إلى أبي بكر رضي الله عنهما فبايعه.
فأقبل الناس على علي فقالوا: أحسنت، وكان الناس إلى علي قريبا حين راجع الامر بالمعروف.
وقد رواه البخاري أيضا ومسلم وأبو داود والنسائي من طرق متعددة عن الزهري عن عروة عن عائشة بنحوه.
فهذه البيعة التي وقعت من علي رضي الله عنه، لابي بكر رضي الله عنه، بعد وفاة فاطمة رضي الله عنها، بيعة مؤكدة للصلح الذي وقع بينهما، وهي ثانية للبيعة التي ذكرناها أولا يوم السقيفة كما رواه ابن خزيمة وصححه مسلم بن الحجاج، ولم يكن علي
مجانبا لابي بكر هذه الستة الاشهر، بل كان يصلي وراءه ويحضر عنده للمشورة، وركب معه إلى ذي القصة كما سيأتي.
وفي صحيح البخاري: أن أبا بكر رضي الله عنه صلى العصر بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بليال، ثم خرج من المسجد فوجد الحسن بن علي يلعب مع الغلمان، فاحتمله على كاهله وجعل يقول: يا بأبي شبه النبي، ليس شبيها بعلي.
وعلي يضحك.
ولكن لما وقعت هذه البيعة الثانية اعتقد بعض الرواة أن عليا لم يبايع قبلها فنفى ذلك، والمثبت مقدم على النافي كما تقدم وكما تقرر.
والله أعلم.
وأما تغضب فاطمة رضي الله عنها وأرضاها على أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه فما أدري ما وجهه، فإن كان لمنعه إياها ما سألته من الميراث فقد اعتذر إليها بعذر يجب قبوله وهو ما رواه عن أبيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " لا نورث ما تركنا صدقة " وهي ممن تنقاد لنص الشارع الذي خفي عليها قبل سؤالها الميراث كما خفي على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حتى أخبرتهن عائشة بذلك، ووافقنها عليه، وليس يظن بفاطمة رضي الله عنها أنها اتهمت الصديق رضي الله عنه فيما أخبرها به، حاشاها وحاشاه من ذلك، كيف وقد وافقه على رواية هذا الحديث عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب، وعبد الرحمن بن عوف،

(5/307)


وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وأبو هريرة، وعائشة رضي الله عنهم أجمعين كما سنبينه قريبا.
ولو تفرد بروايته الصديق رضي الله عنه لوجب على جميع أهل الارض قبول روايته والانقياد له في ذلك، وإن كان غضبها لاجل ما سألت الصديق إذ كانت هذه الاراضي صدقة لا ميراثا أن يكون زوجها ينظر فيها، فقد اعتذر بما حاصله أنه لما كان خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو يرى أن فرضا عليه أن يعمل بما كان يعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويلي ما كان يليه رسول الله، ولهذا قال: وإني والله لا أدع أمرا كان يصنعه فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا صنعته، قال: فهجرته فاطمة فلم تكلمه حتى ماتت.
وهذا الهجران والحالة هذه فتح على فرقة الرافضة شرا عريضا، وجهلا طويلا، وأدخلوا أنفسهم بسببه فيما لا يعنيهم ولو تفهموا الامور على ما هي عليه ليعرفوا للصديق فضله، وقبلوا منه عذره الذي يجب على كل أحد قبوله، ولكنهم طائفة مخذولة، وفرقة
مرذولة، يتمسكون بالمتشابه، ويتركون الامور المحكمة المقدرة عند أئمة الاسلام، من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من العلماء المعتبرين في سائر الاعصار والامصار رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين.
بيان رواية الجماعة لما رواه الصديق وموافقتهم على ذلك قال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، ثنا الليث، عن عقيل عن ابن شهاب: قال أخبرني مالك بن أوس بن الحدثان وكان محمد بن جبير بن مطعم ذكر لي ذكرا من حديثه ذلك، فانطلقت حتى دخلت عليه فسألته فقال: انطلقت حتى أدخل على عمر فأتاه حاجبه يرفا فقال هل لك في عثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد ؟ قال نعم ! فأذن لهم ثم قال: هل لك في علي وعباس ؟ قال نعم ! قال عباس: يا أمير المؤمنين أقض بيني وبين هذا، قال: أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والارض هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا نورث ما تركنا صدقة ؟ " يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه ؟ قال الرهط: قد قال ذلك، فأقبل على علي وعباس فقال: هل تعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال ذلك ؟ قالا: قد قال ذلك.
قال عمر بن الخطاب: فإني أحدثكم عن هذا الامر، إن الله كان قد خص لرسول الله في هذا الفئ بشئ لم يعطه أحدا غيره.
قال: * (ما أفاء الله على رسوله) * [ الحشر: 7 ] إلى قوله: * (قدير) * فكانت خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ما احتازها دونكم، ولا استأثرها عليكم، لقد أعطاكموها وبثها فيكم حتى بقي منها هذا المال، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق على أهله من هذا المال نفقة سنته، ثم يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال الله، فعمل بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حياته أنشدكم بالله هل تعلمون ذلك ؟ قالوا: نعم ! ثم اقل لعلي وعباس: أنشدكما بالله هل تعلمان ذلك ؟ قالا: نعم فتوفى الله نبيه فقال أبو بكر رضي الله عنه: أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبضها فعمل بما عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم توفى الله أبا بكر فقلت أنا ولي ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبضتها سنتين أعمل فيها بما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، ثم جئتماني وكلمتكما واحدة وأمركما جميع، حتى جئتني تسألني نصيبك من ابن أخيك، وجاءني هذا

(5/308)


ليسألني نصيب امرأته من أبيها، فقلت إن شئتما دفعتها إليكما بذلك، فتلتمسان مني قضاء غير ذلك ! فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والارض لا أقضي فيها قضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة، فإن عجزتما فادفعاها إلي فأنا أكفيكماها (1).
وقد رواه البخاري في أماكن متفرقة من صحيحه، ومسلم وأهل السنن من طرق عن الزهري به.
وفي رواية في الصحيحين فقال عمر: فوليها أبو بكر فعمل فيها بما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم والله يعلم أنه صادق بار راشد تابع للحق، ثم وليتها فعملت فيها بما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، والله يعلم أني صادق بار راشد تابع للحق.
ثم جئتماني فدفعتها إليكما لتعملا فيها بما عمل رسول الله وأبو بكر وعملت فيها أنا، أنشدكم بالله أدفعتها إليهما بذلك ؟ قالوا: نعم.
ثم قال لهما.
أنشدكما بالله هل دفعتها إليكما بذلك ؟ قالا: نعم، قال: أفتلتمسان مني قضاء غير ذلك ! لا والذي بإذنه تقوم السماء والارض.
وقال الامام أحمد: حدثنا سفيان، عن عمرو، عن الزهري عن مالك بن أوس قال: سمعت عمر يقول لعبد الرحمن وطلحة والزبير وسعد: نشدتكم بالله الذي تقوم السماء والارض بأمره أعلمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: " لا نورث ما تركنا صدقة ؟ " قالوا نعم ! على شرط الصحيحين.
قلت: وكل الذي سألاه - بعد تفويض النظر إليهما والله أعلم - هو أن يقسم بينهما النظر فيجعل لكل واحد منهما نظر ما كان يستحقه بالارض لو قدر أنه كان وارثا، وكأنهما قدما بين أيديهما جماعة من الصحابة منهم عثمان وابن عوف وطلحة والزبير وسعد، وكان قد وقع بينهما خصومة شديدة بسبب إشاعة النظر بينهما، فقالت الصحابة الذين قدموهم بين أيديهم: يا أمير المؤمنين اقض بينهما، أو أرح أحدهما من الآخر.
فكأن عمر رضي الله عنه تحرج من قسمة النظر بينهما بما يشبه قسمة الميراث ولو في الصورة الظاهرة محافظة على امتثال قوله صلى الله عليه وسلم " لا نورث ما تركنا صدقة " فامتنع عليهم كلهم وأبى من ذلك أشد الاباء رضي الله عنه وأرضاه.
ثم إن عليا والعباس استمرا على ما كانا عليه ينظران فيها جميعا إلى زمان عثمان بن عفان، فغلبه عليها علي وتركها له العباس بإشارة ابنه عبد الله رضي الله عنهما بين يدي عثمان، كما رواه أحمد في مسنده.
فاستمرت في أيدي العلويين.
وقد تقصيت طرق هذا الحديث وألفاظه في مسندي الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله
عنهما، فإني ولله الحمد جمعت لكل واحد منهما مجلدا ضخما ما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورآه من الفقه النافع الصحيح، ورتبته على أبواب الفقه المصطلح عليها اليوم.
وقد روينا أن فاطمة رضي الله عنها احتجت أولا بالقياس وبالعموم في الآية الكريمة، فأجابها الصديق بالنص على الخصوص بالمنع في حق النبي، وأنها سلمت له ما قال.
وهذا هو المظنون بها رضي الله عنها.
وقال الامام أحمد: حدثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة أن فاطمة قالت لابي بكر: من يرثك إذا مت ؟ قال ولدي وأهلي، قالت: فما لنا لا نرث رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال: سمعت
__________
(1) أخرجه البخاري في كتاب الفرائض حديث 6728.
فتح الباري 12 / 6.
(*)

(5/309)


رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن النبي لا يورث " ولكني أعول من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعول وأنفق على من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق.
وقد رواه الترمذي في جامعه: عن محمد بن المثنى عن أبي الوليد الطيالسي، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة عن أبي هريرة، فذكره بوصل الحديث.
وقال الترمذي حسن صحيح غريب.
فأما الحديث الذي قال الامام أحمد: حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، ثنا محمد بن فضيل، عن الوليد بن جميع عن أبي الطفيل.
قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلت فاطمة إلى أبي بكر أأنت ورثت رسول الله أم أهله ؟ فقال: لا بل أهله، فقالت: فأين سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال أبو بكر: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الله إذا أطعم نبيا طعمة ثم قبضه جعله للذي يقوم من بعده " فرأيت أن أرده على المسلمين.
قالت: فأنت وما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهكذا رواه أبو داود: عن عثمان بن أبي شيبة، عن محمد بن فضيل به.
ففي لفظ هذا الحديث غرابة ونكارة، ولعله روي بمعنى ما فهمه بعض الرواة، وفيهم من فيه تشيع فليعلم ذلك.
وأحسن ما فيه قولها أنت وما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الصواب والمظنون بها، واللائق بأمرها وسيادتها وعلمها ودينها، رضي الله عنها.
وكأنها سألته بعد هذا أن يجعل زوجها ناظرا على هذه الصدقة فلم يجبها إلى ذلك لما قدمناه، فتعتبت عليه بسبب ذلك وهي امرأة من بنات آدم تأسف كما يأسفون وليست بواجبة العصمة مع وجود نص رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومخالفة أبي بكر
الصديق رضي الله عنها وقد روينا عن أبي بكر رضي الله عنه: أنه ترضا فاطمة وتلاينها قبل موتها فرضيت رضي الله عنها.
قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن عبد الوهاب، ثنا عبدان بن عثمان العتكي بنيسابور، أنبأنا أبو حمزة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي.
قال: لما مرضت فاطمة أتاها أبو بكر الصديق فاستأدن عليها، فقال علي: يا فاطمة هذا أبو بكر يستأذن عليك ؟ فقالت أتحب أن آذن له ؟ قال: نعم ! فأذنت له فدخل عليها يترضاها فقال: والله ما تركت الدار والمال والاهل والعشيرة إلا ابتغاء مرضاة الله، ومرضاة رسوله، ومرضاتكم أهل البيت، ثم ترضاها حتى رضيت (1).
وهذا إسناد جيد قوي، والظاهر أن عامر الشعبي سمعه من علي، أو ممن سمعه من علي، وقد اعترف علماء أهل البيت بصحة ما حكم به أبو بكر في ذلك.
قال الحافظ البيهقي: أنبأنا محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا أبو عبد الله الصفار، ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، ثنا نصر بن علي، ثنا ابن داود عن فضيل بن مرزوق.
قال: قال زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب: أما أنا فلو كنت مكان أبي بكر لحكمت بما حكم به أبو بكر في فدك (2).
__________
(1) دلائل البيهقي ج 7 / 281.
(2) المصدر السابق والجزء والصفحة.
(*)

(5/310)


فصل وقد تكلمت الرافضة في هذا المقام بجهل، وتكلفوا ما لا علم لهم به، وكذبوا لما لم يحيطوا بعلمه، ولما يأتهم تأويله، وأدخلوا أنفسهم فيما لا يعنيهم، وحاول بعضهم أن يرد خبر أبي بكر رضي الله عنه فيما ذكرناه بأنه مخالف للقرآن حيث يقول الله تعالى * (وورث سليمان داود) * الآية [ النمل: 16 ].
وحيث قال تعالى إخبارا عن زكريا أنه قال: * (فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا) * [ مريم: 5 - 6 ].
واستدلالهم بهذا باطل من وجوه.
أحدها: أن قوله: * (وورث سليمان داود) *.
إنما يعني بذلك في الملك والنبوة، أي جعلناه قائما بعده فيما كان يليه من الملك وتدبير الرعايا، والحكم بين بني إسرائيل، وجعلناه نبيا كريما كأبيه وكما جمع لابيه الملك والنبوة كذلك جعل ولده بعده، وليس المراد بهذا وراثة المال لان داود كما ذكره كثير من المفسرين كان له أولاد كثيرون يقال مائة، فلم اقتصر على ذكر سليمان من بينهم لو كان المراد وراثة المال ؟ إنما المراد وراثة القيام بعده في النبوة والملك، ولهذا قال: * (وورث سليمان داود) * وقال: * (يأيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شئ إن هذا لهو الفضل المبين) * وما بعدها من الآيات.
وقد أشبعنا الكلام على هذا في كتابنا التفسير بما فيه كفاية ولله الحمد والمنة كثيرا.
وأما قصة زكريا فإنه عليه السلام من الانبياء الكرام، والدنيا كانت عنده أحقر من أن يسأل الله ولدا ليرثه في ماله، كيف ؟ وإنما كان نجارا يأكل من كسب يده كما رواه البخاري، ولم يكن ليدخر منها فوق قوته حتى يسأل الله ولدا يرث عنه ماله - أن لو كان له مال - وإنما سأل ولدا صالحا يرثه في النبوة والقيام بمصالح بني إسرائيل، وحملهم على السداد.
ولهذا قال تعالى: * (كهيعص ذكر رحمة ربك عبده زكريا إذ نادى ربه نداء خفيا، قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا، وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا، يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا) * القصة بتمامها.
فقال وليا يرثني ويرث من آل يعقوب، يعني النبوة كما قررنا ذلك في التفسير ولله الحمد والمنة.
وقد تقدم في رواية أبي سلمة عن أبي هريرة عن أبي بكر.
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " النبي لا يورث " وهذا اسم جنس يعم كل الانبياء وقد حسنه الترمذي.
وفي الحديث الآخر " نحن معشر الانبياء لا نورث ".
والوجه الثاني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خص من بين الانبياء بأحكام لا يشاركونه فيها كما سنعقد له بابا مفردا في آخر السيرة إن شاء الله، فلو قدر أن غيره من الانبياء يورثون - وليس الامر كذلك - لكان ما رواه من ذكرنا من الصحابة الذين منهم الائمة الاربعة، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي مبينا لتخصيصه بهذا الحكم دون ما سواه.
والثالث: أنه يجب العمل بهذا الحديث والحكم بمقتضاه كما حكم به الخلفاء، واعترف

(5/311)


بصحته العلماء، سواء كان من خصائصه أم لا.
فإنه قال: " لا نورث ما تركناه صدقة " إذ يحتمل من حيث اللفظ أن يكون قوله عليه السلام " ما تركنا صدقة " أن يكون خبرا عن حكمه أو حكم سائر الانبياء معه على ما تقدم وهو الظاهر، ويحتمل أن يكون إنشاء وصيته كأنه يقول لا نورث لان جميع ما تركناه صدقة، ويكون تخصيصه من حيث جواز جعله ماله كله صدقة، والاحتمال الاول أظهر.
وهو الذي سلكه الجمهور.
وقد يقوي المعنى الثاني بما تقدم من حديث مالك وغيره عن أبي الزناد عن الاعرج عن أبي هريرة.
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تقتسم ورثتي دينارا، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة " (1) وهذا اللفظ مخرج في الصحيحين، وهو يرد تحريف من قال من الجهلة من طائفة الشيعة في رواية هذا الحديث ما تركنا صدقة بالنصب، جعل - ما - نافية، فكيف يصنع بأول الحديث وهو قوله لا نورث ؟ ! وبهذه الرواية " ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة " وما شأن هذا إلا كما حكى عن بعض المعتزلة أنه قرأ على شيخ من أهل السنة * (وكلم الله موسى تكليما) * بنصب الجلالة، فقال له الشيخ: ويحك كيف تصنع بقوله تعالى * (فلما جاء موسى لميقاتنا فكلمه ربه) * والمقصود أنه يجب العمل بقوله صلى الله عليه وسلم " لا نورث ما تركنا صدقة " على كل تقدير احتمله اللفظ والمعنى فإنه مخصص لعموم آية الميراث، ومخرج له عليه السلام منها، إما وحده أو مع غيره من إخوانه الانبياء عليه وعليهم الصلاة والسلام.
باب زوجاته صلوات الله وسلامه عليه وأولاده صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى: * (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا، وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا، واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا) * [ الاحزاب:
32 - 33 ] لا خلاف أنه عليه السلام توفي عن تسع وهن، عائشة بنت أبي بكر الصديق التيمية، وحفصة بنت عمر بن الخطاب العدوية، وأم حبيبة رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية الاموية، وزينب بنت جحش الاسدية، وأم سلمة هند بنت أبي أمية المخزومية، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وسودة بنت زمعة العامرية، وجويرية بنت الحارث بن أبي ضرار المصطلقية، وصفية بنت حيي بن أخطب النضرية الاسرائيلية الهارونية، رضي الله عنهم وأرضاهن.
وكانت له
__________
(1) الحديث أخرجه البخاري في كتاب فرض الخمس (3) باب حديث 3096، وفي كتاب الفرائض حديث 6729.
قال ابن حجر: اختلف في المراد بقوله (عاملي) فقيل الخليفة بعده وهذا هو المعتمد، وقيل يريد بذلك العامل على النخل وبه جزم الطبري.
وقيل المراد: حافر قبره، وهو بعيد.
وقيل خادمه وقيل العامل على الصدقة، والعامل فيها كالاجير.
(*)

(5/312)


سريتان وهما، مارية بنت شمعون القبطية المصرية من كورة أنصنا وهي أم ولده إبراهيم عليه السلام، وريحانة بنت (1) شمعون القرظية أسلمت ثم أعتقها فلحقت بأهلها.
ومن الناس من يزعم أنها احتجبت عندهم.
والله أعلم.
وأما الكلام على ذلك مفصلا ومرتبا من حيث ما وقع أولا فأولا مجموعا من كلام الائمة رحمهم الله فنقول وبالله المستعان.
روى الحافظ الكبير أبو بكر البيهقي: من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
قال: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس عشرة امرأة، دخل منهن بثلاث عشرة، واجتمع عنده إحدى عشرة، ومات عن تسع (2) ثم ذكر هؤلاء التسع اللاتي ذكرناهن رضي الله عنهن.
ورواه سيف بن عمر عن سعيد عن قتادة عن أنس والاول أصح (3).
ورواه سيف بن عمر التميمي، عن سعيد، عن قتادة عن أنس وابن عباس مثله.
وروي عن سعيد بن عبد الله، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عائشة مثله.
قالت فالمرأتان اللتان لم يدخل بهما فهما، عمرة بنت يزيد الغفارية والشنباء (4)، فأما عمرة فإنه خلا بها وجردها فرأى بها وضحا فردها وأوجب لها الصداق وحرمت على غيره، وأما الشنباء فلما أدخلت عليه لم تكن يسيرة فتركها ينتظر بها اليسر، فلما مات ابنه إبراهيم على بغتة ذلك قالت: لو كان نبيا لم
يمت ابنه، فطلقها وأوجب لها الصداق وحرمت على غيره، قالت: فاللاتي اجتمعن عنده، عائشة وسودة وحفصة وأم سلمة وأم حبيبة وزينب بنت جحش وزينب بنت خزيمة وجويرية وصفية وميمونة وأم شريك.
قلت: وفي صحيح البخاري: عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يطوف على نسائه وهن إحدى عشرة امرأة.
والمشهور أن أم شريك لم يدخل بها كما سيأتي بيانه ولكن المراد بالاحدى عشرة اللاتي كان يطوف عليهن التسع المذكورات والجاريتان مارية وريحانة.
وروى يعقوب بن سفيان الفسوي
__________
(1) في هامش الاصل: قوله ريحانة بنت شمعون غلط، قال ابن سعد هي ريحانة بنت زيد بن عمرو بن خنافة بن سمعون بن زيد من بني النضير، وكانت متزوجة رجلا من بني قريضة يقال له الحكم فنسبها الرواة إلى بني قريظة 8 / 129.
(2) الخبر في دلائل النبوة ج 7 / 289.
(3) في هامش الاصل: ورواه بحير بن كثير عن قتادة عن أنس والاول أصح.
(4) اختلف في المرأتين اللتين لم يدخل بهما رسول الله صلى الله عليه وآله قالوا: - قال الزهري فاطمة بنت الضحاك بن سفيان استعاذت منه فطلقها (وافقه عائشة وابن مناح).
- قال ابن أبي عون طلقها لبياض كان بها.
وكذا قال ابن عمر إنما ذكر عمرة بنت يزيد بن عبيد بن رواس بن كلاب.
- قال أبو أسيد الساعدي هي: أسماء بنت النعمان بن أبي الجون الكندي استعاذت منه فطلقها.
ووافقه ابن ابزي، وعبد الله بن جعفر وقال: أمية بنت النعمان.
وذكرها ابن عباس اسماء، تعوذت منه فطلقها.
قال ابن سعد: لم تكن إلا كلابية واحدة اختلفوا في اسمها وهي عمرة بنت يزيد.
استعاذت منه.
(*)

(5/313)


عن الحجاج بن أبي منيع، عن جده عبيد الله بن أبي زياد الرصافي عن الزهري - وقد علقه البخاري في صحيحه عن الحجاج هذا - وأورد له الحافظ ابن عساكر طرفا عنه أن أول امرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزي بن قصي، زوجه إياها أبوها قبل البعثة.
وفي
رواية قال الزهري: وكان عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم تزوج خديجة إحدى وعشرين سنة، وقيل خمسا وعشرين سنة، زمان بنيت الكعبة وقال الواقدي وزاد: ولها خمس وأربعون سنة.
وقال آخرون من أهل العلم: كان عمره عليه السلام يومئذ ثلاثين سنة.
وعن حكيم بن حزام.
قال: كان عمر رسول الله يوم تزوج خديجة خمسا وعشرين سنة، وعمرها أربعون سنة.
وعن ابن عباس كان عمرها ثمانيا وعشرين سنة.
رواهما ابن عساكر.
وقال ابن جرير: كان عليه اسلام ابن سبع وثلاثين سنة، فولدت له القاسم وبه كان يكنى والطيب والطاهر، وزينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة.
قلت: وهي أم أولاده كلهم سوى إبراهيم فمن مارية كما سيأتي بيانه.
ثم تكلم على كل بنت من بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تزوجها، وحاصله: أن زينب تزوجها العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف وهو ابن أخت خديجة أمة هالة بنت خويلد فولدت له ابنا اسمه علي، وبنتا اسمها أمامة بنت زينب، وقد تزوجها علي بن أبي طالب بعد وفاة فاطمة ومات وهي عنده، ثم تزوجت بعده بالمغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب.
وأما رقية فتزوجها عثمان بن عفان فولدت له ابنه عبد الله وبه كان يكنى أولا، ثم اكتنى بابنه عمرو، وماتت رقية ورسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر، ولما قدم زيد بن حارثة بالبشارة وجدهم قد ساووا التراب عليها، وكان عثمان قد أقام عندها يمرضها، فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره.
ثم زوجه بأختها أم كلثوم، ولهذا كان يقال له ذو النورين، فتوفيت عنده أيضا في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما فاطمة فتزوجها ابن عمه علي بن أبي طالب بن عبد المطلب فدخل بها بعد وقعة بدر كما قدمنا، فولدت له حسنا وبه كان يكنى، وحسينا وهو المقتول شهيدا بأرض العراق.
قلت: ويقال ومحسنا.
قال وزينب وأم كلثوم، وقد تزوج زينب هذه ابن عمها عبد الله بن جعفر فولدت له عليا وعونا وماتت عنده، وأما أم كلثوم فتزوجها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فولدت له زيدا ومات عنها، فتزوجت بعده ببني عمها جعفر واحدا بعد واحد، تزوجت بعون بن جعفر فمات عنها، فخلف عليها أخوه محمد فمات عنها، فخلف عليها أخوهما عبد الله بن جعفر
فماتت عنده.
قال الزهري: وقد كانت خديجة بنت خويلد تزوجت قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم برجلين، الاول منهما عتيق بن عابد (1) بن مخزوم فولدت منه جارية (2) وهي أم محمد بن صيفي، والثاني أبو
__________
(1) في رواية ابن هشام وابن سعد: عابد كما في الاصل.
وإنما جعله ابن سعد بعد زواجها أبي هالة.
وفي السهيلي: عائذ.
(2) واسمها هند تزوجها صيفي بن أمية بن عابد وهو ابن عمها فولدت له محمدا (ابن سعد، شرح المواهب).
(*)

(5/314)


هالة التميمي فولدت له هند بن هند (1) وقد سماه ابن إسحاق فقال ثم خلف عليها بعد هلاك عابد أبو هالة (2) النباش بن زرارة أحد بني عمرو بن تميم حليف بني عبد الدار فولدت له رجلا وامرأة ثم هلك عنها، فخلف عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فولدت له بناته الاربع، ثم بعدهن القاسم والطيب والطاهر، فذهب الغلمة جميعا وهم يرضعون.
قلت: ولم يتزوج عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة حياتها امرأة، كذلك رواه عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، عن عروة عن عائشة أنها قالت ذلك.
وقد قدمنا تزويجها في موضعه وذكرنا شيئا من فضائلها بدلائلها.
قال الزهري: ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد خديجة بعائشة بنت أبي بكر عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تميم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، ولم يتزوج بكرا غيرها.
قلت: ولم يولد له منها ولد، وقيل بل أسقطت منه ولدا سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله، ولهذا كانت تكنى بأم عبد الله، وقيل إنما كانت تكنى بعبد الله ابن اختها أسماء من الزبير بن العوام رضي الله عنهم.
قلت: وقد قيل إنه تزوج سودة قبل عائشة، قاله ابن إسحاق وغيره كما قدمنا ذكر الخلاف في ذلك فالله أعلم.
وقد قدمنا صفة تزويجه عليه السلام بهما قبل الهجرة وتأخر دخوله بعائشة إلى ما بعد الهجرة، قال وتزوج حفصة بنت عمر بن الخطاب وكانت قبله تحت خنيس بن حذافة بن قيس بن عدي بن حذافة (3) بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي، مات عنها مؤمنا.
قال وتزوج أم سلمة هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وكانت قبله تحت ابن عمها أبو سلمة عبد الله بن عبد الاسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، قال وتزوج سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبدود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي وكانت قبله تحت السكران بن عمرو أخي سهيل بن عمرو بن عبد شمس مات عنها مسلما بعد رجوعه وإياها من أرض الحبشة إلى مكة رضي الله عنهما، قال وتزوج أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي وكانت قبله تحت عبد الله (4) بن جحش بن رئاب من بني أسد بن خزيمة مات بأرض الحبشة نصرانيا، بعث إليها رسول الله عمرو بن أمية
__________
(1) وهو هند بن أبي هالة التميمي الصحابي راوي حديث صفة النبي صلى الله عليه وآله وله ولد اسمه أيضا هند شرح المواهب 3 / 220، وفي ابن سعد كان لخديجة منه أيضا ولدا اسمه هالة.
(2) ذكر ابن سعد نسبه: أبو هالة واسمه هند بن النباش بن زرارة بن وقدان بن حبيب بن سلامة بن غوي بن جروة بن أسيد بن عمرو بن تميم.
(3) في ابن سعد: سعد.
(4) كذا في الاصل عبد الله، وفي ابن هشام وابن سعد وشرح المواهب عبيد الله.
وهو الصواب.
(*)

(5/315)


الضمري إلى أرض الحبشة فخطبها عليه فزوجها منه عثمان بن عفان، كذا قال.
والصواب عثمان بن أبي العاص وأصدقها عنه النجاشي أربعمائة دينار، وبعث بها مع شرحبيل بن حسنة وقد قدمنا ذلك كله مطولا ولله الحمد.
قال: وتزوج زينب بنت جحش بن رئاب بن أسد بن خزيمة وأمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت قبله تحت زيد بن حارثة مولاه عليه الصلاة والسلام، وهي أول نسائه لحوقا به، وأول من عمل عليها النعش صنعته أسماء بنت عميس عليها كما رأت ذلك بأرض الحبشة، قال وتزوج زينب بنت خزيمة وهي من بني عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة ويقال لها أم المساكين، وكانت قبله تحت عبد الله بن جحش بن رئاب قتل يوم أحد فلم تلبث عنده عليه السلام إلا يسيرا حتى توفيت رضي الله عنها، وقال يونس، عن محمد بن
إسحاق كانت قبله عند الحصين بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف، أو عند أخيه الطفيل بن الحارث (1).
قال الزهري: وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهزم بن رؤيبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة قال: وهي التي وهبت نفسها.
قلت: الصحيح أنه خطبها وكان السفير بينهما أبو رافع مولاه كما بسطنا ذلك في عمرة القضاء.
قال الزهري.
وقد تزوجت قبله رجلين أولهما ابن عبد ياليل، وقال سيف بن عمر في روايته كانت تحت عمير (2) بن عمرو أحد بني عقدة بن ثقيف بن عمرو الثقفي مات عنها، ثم خلف عليها أبو رهم بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبدود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي.
قال وسبى رسول الله صلى الله عليه وسلم جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار (3) بن الحارث بن عامر بن مالك بن المصطلق من خزاعة يوم المريسيع فأعتقها وتزوجها، ويقال بل قدم أبوها الحارث وكان ملك خزاعة فأسلم ثم تزوجها منه، وكانت قبله عند ابن عمها صفوان بن أبي السفر (4).
قال قتادة: عن سعيد بن المسيب والشعبي ومحمد بن إسحاق وغيرهم قالوا: وكان هذا البطن من خزاعة حلفاء لابي سفيان على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولهذا يقول حسان: وحلف الحارث بن أبي ضرار * وحلف قريظة فيكم سواء وقال سيف بن عمر في روايته عن سعيد بن عبد الله، عن ابن أبي مليكة عن عائشة قالت: وكانت جويرية تحت ابن عمها مالك بن صفوان بن تولب ذي الشفر بن أبي السرح بن مالك بن
__________
(1) في رواية ابن هشام كانت قبله عند عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف، وكانت قبل عبيدة عند جهم بن عمرو بن الحارث وهو ابن عمها.
وقال ابن سعد: كانت قبله عند الطفيل بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف فطلقها فتزوجها بعده عبيدة بن الحارث (أخوه) فقتل عنها شهيدا يوم بدر (8 / 115).
(2) في ابن سعد: مسعود بن عمرو، ولم يذكر ابن اسحاق غير أبي رهم فقط.
(3) ذكر ابن سعد في نسبها: ابن حبيب بن عائذ بن مالك بن جذيمة بن المصطلق من خزاعة.
(4) في ابن سعد: مسافع بن صفوان ذي الشفر بن سرح بن مالك بن جذيمة.
(*)

(5/316)


المصطلق.
قال وسبى صفية بنت حيي بن أخطب من بني النضير يوم خيبر وهي عروس بكنانة (1) بن أبي الحقيق، وقد زعم سيف بن عمر في روايته أنها كانت قبل كنانة عند سلام بن مشكم.
فالله أعلم.
قال فهذه إحدى عشرة امرأة دخل بهن، قال: وقد قسم عمر بن الخطاب في خلافته لكل امرأة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اثنا عشر ألفا، وأعطى جويرية وصفية ستة آلاف ستة آلاف، بسبب أنهما سبيتا.
قال الزهري: وقد حجبهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وقسم لهما.
قلت: وقد بسطنا الكلام فيما تقدم في تزويجه عليه السلام كل واحدة من هذه النسوة رضي الله عنهن في موضعه.
قال الزهري: وقد تزوج العالية بنت ظيبان بن عمرو من بني بكر بن كلاب ودخل بها وطلقها.
قال البيهقي: كذا في كتابي وفي رواية غيره ولم يدخل بها فطلقها.
وقد قال محمد بن سعد عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي: حدثني رجل من بني أبي بكر بن كلاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج العالية بنت ظبيان بن عمرو بن عوف بن كعب بن عبد بن أبي بكر بن كلاب فمكثت عنده دهرا ثم طلقها، وقد روى يعقوب بن سفيان، عن حجاج بن أبي منيع، عن جده عن الزهري عن عروة عن عائشة: أن الضحاك بن سفيان الكلابي هو الذي دل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها وأنا أسمع من وراء الحجاب، قال يا رسول الله هل لك في أخت أم شبيب، وأم شبيب مرأة الضحاك.
وبه قال الزهري تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من بني عمرو بن كلاب فأنبئ أنبها بياضا فطلقها ولم يدخل بها.
قلت: الظاهر أن هذه هي التي قبلها.
والله أعلم.
قال: وتزوج أخت بني الجون الكندي (2) وهم حلفاء بني فزارة فاستعاذت منه فقال: " لقد عذت بعظيم، الحقي بأهلك " فطلقها ولم يدخل بها.
قال: وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم سرية يقال لها مارية فولدت له غلاما اسمه إبراهيم، فتوفي وقد ملا المهد، وكانت له وليدة يقال لها ريحانة بنت شمعون من أهل الكتاب من خناقة وهم بطن من بني قريظة (3) أعتقها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويزعمون أنها قد احتجبت.
وقد روى الحافظ ابن عساكر بسنده عن علي بن مجاهد أن رسول الله تزوج خولة بنت الهذيل بن هبيرة التغلبي وأمها حرنق (4) بنت
خليفة أخت دحية بن خليفة فحملت إليه من الشام فماتت في الطريق، فتزوج خالتها شراف بنت
__________
(1) كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق.
(2) سماها السهيلي في الروض: اسماء بنت النعمان بن الجون الكندية، وقال اتفقوا على تزويجها من النبي صلى الله عليه وآله واختلفوا في سبب فراقه لها.
وذكرها ابن سعد: اسماء بنت النعمان بن أبي الجون بن الاسود بن الحارث بن شراحيل بن الجون بن آكل المرار الكندي.
(3) الصواب من بني النضير، وكانت ريحانة قد تزوجت برجل اسمه الحكم من بني قريظة فألحقت بهم لذلك.
(4) قال هشام بن محمد بن السائب الكلبي: أن خرنق بنت خليفة كانت ربيبتها.
(*)

(5/317)


فضالة بن خليفة فحملت إليه من الشام فماتت في الطريق أيضا.
وقال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق: وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج أسماء بنت كعب الجونية فلم يدخل بها حتى طلقها، وتزوج عمرة بنت زيد إحدى نساء بني كلاب ثم من بني الوحيد وكانت قبله عند الفضل بن عباس بن عبد المطلب فطلقها ولم يدخل بها.
قال البيهقي: فهاتان هما اللتان ذكرهما الزهري ولم يسمهما، إلا أن ابن إسحاق لم يذكر العالية.
وقال البيهقي (1): أنبأنا الحاكم، أنبأنا الاصم، أنبأنا أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير، عن زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي قال: وهبن لرسول الله صلى الله عليه وسلم نساء أنفسهن، فدخل ببعضهن وأرجى بعضهن، فلم يقربهن حتى توفي، ولم ينكحن بعده، منهن أم شريك فذلك قوله تعالى: * (ترجى من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك) * [ الاحزاب: 51 ].
قال البيهقي: وقد روينا عن هشام بن عروة عن أبيه.
قال: كانت خولة - يعني بنت حكيم - ممن وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال البيهقي: وروينا في حديث أبي أسيد (2) الساعدي في قصة الجونية التي استعاذت، فألحقها بأهلها أن اسمها أميمة بنت النعمان بن شراحيل، كذا قال.
وقد قال الامام أحمد: حدثنا محمد بن عبد الله الزبيري، ثنا عبد الرحمن بن الغسيل، عن حمزة بن أبي أسيد، عن أبيه وعباس بن سهل عن أبيه قالا: مر بنا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحاب له فخرجنا معه حتى انطلقنا إلى حائط يقال له الشوط حتى انتهينا إلى حائطين
فجلسنا بينهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اجلسوا " ودخل هو وقد أتي بالجونية فعزلت في بيت أميمة بنت النعمان بن شراحيل ومعها داية لها، فلما دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هبي لي نفسك، قالت وهل تهب الملكة نفسها للسوقة، وقالت إني أعوذ بالله منك قال لقد عذت بمعاذ.
ثم خرج علينا فقال: " يا أبا أسيد اكسها دراعتين وألحقها بأهلها ".
وقال غير أبي أحمد امرأة من بني الجون يقال لها أمينة.
وقال البخاري: حدثنا أبو نعيم، ثنا عبد الرحمن بن الغسيل، عن حمزة بن أبي أسيد قال: خرجنا مع رسول الله حتى انطلقنا إلى حائط يقال له الشوط، حتى انتهينا إلى حائطين جلسنا بينهما فقال " اجلسوا ها هنا " فدخل وقد أتي بالجونية فأنزلت في محل في بيت أميمة بنت النعمان بن شراحيل ومعها دايتها حاضنة لها، فلما دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: " هبي لي نفسك ".
قالت: وهل تهب الملكة نفسها لسوقة ؟ ! قال فأهوى بيده يضع يده عليها لتسكن، فقالت أعوذ بالله منك.
قال: " لقد عذت بمعاذ ".
ثم خرج علينا فقال: " يا أبا أسيد أكسها رازقتين وألحقها بأهلها ".
قال البخاري: وقال الحسين بن الوليد عن عبد الرحمن بن الغسيل، عن عباس بن سهل بن سعد، عن أبيه وأبي أسيد.
قالا: تزوج النبي صلى الله عليه وسلم أميمة بنت شراحيل، فلما أدخلت عليه بسط يده إليها، فكأنها كرهت ذلك.
فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين رازقتين.
ثم قال لبخاري: حدثنا عبد الله بن محمد، ثنا إبراهيم بن الوزير ثنا عبد الرحمن بن حمزة، عن أبيه، وعن
__________
(1) دلائل النبوة: 7 / 287.
(2) من الدلائل وابن سعد، وفي الاصل رشيد تحريف.
(*)

(5/318)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية