صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : البداية والنهاية
مصدر الكتاب : الإنترنت
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

شهورا وأياما وحولا محرما * علينا وتأتي حجة بعد قابل (1) وما ترك قوم - لا أبالك - سيدا * يحوط الذمار غير ذرب مواكل (2) وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * نمال (تمال) اليتامى عصمة للارامل يلوذ به الهلاك من آل هاشم * فهم عنده في رحمة وفواضل لعمري لقد أجرى أسيد وتكره * إلى بغضنا وجزانا لآكل (3) وعثمان لم يربع علينا وقنقذ * ولكن أطاعا أمر تلك القبائل (4) أطاعا أبيا وابن عبد يغوثهم * ولم يرقبا فينا مقالة قائل (5) كما قد لقينا من سبينع ونوفل * وكل تولى معرضا لم يجامل (6) فان يلفيا أو يمكن الله منهما * نكل لهما صاعا بصاع المكايل وذاك أبو عمرو أبي غير بغضنا * ليظعننا في أهل شاء وجامل يناحي بنا في كل ممسى ومصبح * فناج أبا عمرو بنا ثم خاتل ويؤلي لنا بالله ما أن يغشنا * بلى قد تراه جهرة غير خائل (7) أضاق عليه بغضنا كل تلعة * من الارض بين أخشب فمجادل
وسائل، أبا الوليد ماذا حبوتنا * بسعيك فينا معرضا كالمخاتل وكنت امرءا ممن يعاش برأيه * ورحمته فينا ولست بجاهل فعتبة لا تسمع بنا قول كاشح * حسود كذوب مبغض ذي دغاول (8) ومر أبو سفيان عني معرضا * كما مر قيل من عظام المقاول يفر إلى نجد وبرد مياهه * ويزعم أني لست عنكم بغافل ويخبرنا فعل المناصح أنه * شفيق ويخفي عارمات الدواخل أمطعم لم أخذ لك في يوم نجدة * ولا معظم عند الامور الجلائل
__________
(1) في السيرة: مجرما بدل محرما، والحول المجرم: الكامل يقال: تجرم العام والشتاء، وتصرم الصيف.
(2) الذرب: الفاحش النطق.
والمواكل: العاجز الذي يكل أموره كلها إلى غيره.
(3) أسيد وبكره: وهو عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف.
(4) عثمان هو بن عبيدالله أخو طلحة.
وقنفذ: بن عمير جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة.
(5) أبي: الاخنس بن شريف حليف بني زهرة بن كلاب وسمي الاخنس - وهو علاج - لانه خنس بالقوم يوم بدر (سيرة ابن هشام).
(6) سبيع ابن خالد، أخو بلحرث بن فهر، ونوفل: بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وهو ابن العدوية.
وكان من شياطين قريش وهو الذي قرن أبا بكر وطلحة بن عبيدالله في حبل حين أسلما.
(7) في ابن هشام: غير حائل.
(8) الدغاول: الغوائل، وقيل: الامور الفاسدة.
(*)

(3/72)


ولا يوم خصم إذ أتوك ألدة * أولى جدل من الخصوم المساجل (1) أمطعم إن القوم ساموك خطة * وإني متى أوكل فلست بوائل جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا * عقوبة شر عاجلا غير آجل يميران قسط لا يخيس شعيرة * له شاهد من نفسه غير عائل (2)
لقد سفهت أحلام قوم تبدلوا * بني خلف قيضا بنا والغياطل (3) ونحن الصميم من ذؤابة هاشم * وآل قصي في الخطوب الاوائل وسهم ومخزوم تمالوا وألبوا * علينا العدى من كل طمل وخامل (4) فعبد مناف أنتم خير قومكم * فلا تشركوا في أمركم كل واغل لعمري لقد وهنتم وعجزتم * وجئتم بأمر مخطئ للمفاصل وكنتم حديثا حطب قدر وأنتم * الآن أحطاب أقدر ومراجل (5) ليهن بني عبد مناف عقوقنا * وخذلاننا وتركنا في المعاقل فإن نك قوما نتئر ما صنعتم * وتحتلبوها لقحة غير باهل (6) فأبلغ قصيا أن سينشر أمرنا * وبشر قصيا بعدنا بالتخاذل (7) ولو طرقت ليلا قصيا عظيمة * إذا ما لجأنا دونهم في المداخل ولو صدقوا ضربا خلال بيوتهم * لكنا أسى عند النساء المطافل فكل صديق وابن أخت نعده * لعمري وجدنا غبة غير طائل سوى أن رهطا من كلاب بن مرة * براء إلينا من معقة خاذل ونعم ابن أخت القوم غير مكذب * زهير حساما مفردا من حمائل (8) أشم من الشم البهاليل ينتمي * إلى حسب في حومة المجد فاضل
__________
(1) المساجل: أصله من المساجلة، وجمعه مسجل بكسر الميم وهو الخصم المدافع وتروى المساحل بالحاء المهملة البلغاء والخطباء.
(2) في ابن هشام: لا يخس: لا ينقص.
ويخيس: من قولهم خاس بالعهد: نقضه.
(3) الغياطل: بنو سهم.
(4) الطمل: الرجل الفاحش، وقيل: اللص.
(5) في السيرة: حطاب بدل أحطاب.
وحطاب جمع حاطب والمراد: كنتم متفقين لا تحطبون إلا لقدور واحدة، فأنتم الآن بخلاف ذلك
(6) لقحة: الناقة ذات اللبن.
والباهل: الناقة التي لا صرار لها على أخلافها فهي مباحة الحلب.
(7) قبله بيتان سقطا من الاصل، وهما في سيرة ابن هشام: وسائط كانت في لؤي بن غالب * نفاهم إلينا كل صقر حلاحل ورهط نفيل شر من وطئ الحصى * وألام حاف من معد وناعل (8) قبله أبيات وردت في ابن هشام ج 1 / 298.
(*)

(3/73)


لعمري لقد كلفت وجدا بأحمد * وإخوته دأب المحب المواصل فمن مثله في الناس أي مؤمل * إذا قاسه الحكام عند التفاضل حليم رشيد عادل غير طائش * يوالي إلها ليس عنه بغافل كريم المساعي ماجد وابن ماجد * له إرث مجد ثابت غير ناصل وأيده رب العباد بنصره * وأظهر دينا حقه غير زائل (1) فوالله لولا أن أجئ بسبة * تجر على أشياخنا في المحافل لكنا تبعناه على كل حالة * من الدهر جدا غير قول التهازل لقد علموا أن ابننا لا مكذب * لدينا ولا يعنى بقول الا باطل فاصبح فينا أحمد في أرومة * يقصر عنها سورة المتطاول (2) حدبت بنفسي دونه وحميته * ودافعت عنه بالذرى والكلاكل قال ابن هشام: هذا ما صح لي من هذه القصيدة وبعض أهل العلم بالشعر ينكر أكثرها.
قلت: هذه قصيدة عظيمة بليغة جدا لا يستطيع يقولها إلا من نسبت إليه، وهي أفحل من المعلقات السبع، وابلغ في تأدية المعنى فيها جميعا، وقد أوردها الاموي في مغازيه مطولة بزيادات أخر والله أعلم.
فصل قال ابن إسحاق: ثم إنهم عدوا على من أسلم واتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه، فوثبت
كل قبيلة على من فيها من المسلمين، فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش، وبرمضاء مكة إذا اشتد الحر، من استضعفوه منهم يفتنونهم عن دينهم، فمنهم من يفتن من شدة البلاء الذي يصيبهم (3) ومنهم من يصلب لهم ويعصمه الله منهم، فكان بلال مولى أبي بكر لبعض بني جمح، مولدا من مولديهم، وهو بلال بن رباح، واسم أمه حمامة، وكان صادق الاسلام طاهر القلب، وكان أمية بن خلف يخرجه إذا حميت الظهيرة، [ فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة ] (4) ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ثم يقول له: لا والله لا تزال هكذا حتى تموت، أو تكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، تعبد اللات والعزى فيقول: - وهو في ذلك - أحد أحد.
قال ابن إسحاق: فحدثني هشام بن عروة عن أبيه قال: كان ورقة بن نوفل يمر به وهو يعذب لذلك، وهو يقول أحد أحد، فيقول أحد أحد والله يا بلال، ثم يقبل على أمية بن خلف، ومن يصنع ذلك به من بني
__________
(1) هذا البيت والذي قبله سقطا من السيرة.
(2) السورة: بفتح السين: الشدة والبطش، وبضمها: المنزلة.
(3) في ابن هشام: يصيبه.
(4) ما بين معقوفتين سقط من الاصل واستدركت من ابن هشام.
ج 1 / 339.
(*)

(3/74)


جمح فيقول: أحلف بالله لئن قتلتموه على هذا لاتخذنه حنانا (1).
قلت: قد استشكل بعضهم هذا من جهة أن ورقة توفي بعد البعثة في فترة الوحي، وإسلام من أسلم إنما كان بعد نزول (يا أيها المدثر) فكيف يمر ورقة ببلال، هو يعذب وفيه نظر (2).
ثم ذكر ابن إسحاق مرور أبي بكر ببلال وهو يعذب، فاشتراه من أمية بعبد له أسود فاعتقه وأراحه من العذاب وذكر مشتراه لجماعة ممن أسلم من العبيد والاماء، منهم بلال، وعامر بن فهيرة، وأم عميس (3) التي أصيب بصرها ثم رده الله تعالى لها، والنهدية وابنتها اشتراها من بني عبد الدار بعثتهما سيدتهما تطحنان لها فسمعها وهي تقول لهما: والله لا أعتقكما أبدا فقال أبو بكر: حل يا أم فلان، فقالت حل أنت أفسدتهما فأعتقهما، قال فبكم هما ؟ قالت بكذا وكذا.
قال قد أخذتهما
وهما حرتان، أرجعا إليها طحينها.
قالتا: أو نفرغ منه يا أبا بكر ثم نرده إليها ؟ قال: [ أو ] ذلك إن شئتما.
واشترى جارية بني مؤمل - حي من بني عدي - كان عمر يضربها على الاسلام.
قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن عبد الله بن أبي عتيق عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن بعض أهله.
قال قال أبو قحافة لابنه أبي بكر: يا بني إني أراك تعتق ضعافا، فلو أنك إذ فعلت ما فعلت أعتقت رجالا جلداء يمنعنونك (يمنعونك) ويقومون دونك ؟ قال فقال أبو بكر: يا أبة إني إنما أريد ما أريد.
قال: فتحدث أنه ما أنزل هؤلاء الآيات إلا فيه وفيما قال أبوه (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى) إلى آخر السورة (4).
وقد تقدم ما رواه الامام أحمد وابن ماجه من حديث عاصم بن بهدلة عن زر عن ابن مسعود.
قال أول من أظهر الاسلام سبعة، رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وعمار، وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعه الله بعمه [ أبي طالب ]، وأبو بكر منعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم أدرع الحديد وصهروهم في الشمس، فما منهم من أحد إلا وقد واتاهم على ما أرادوا إلا بلالا فإنه هانت عليه نفسه في الله تعالى، وهان على قومه فأخذوه فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول: أحد أحد.
ورواه الثوري عن منصور عن مجاهد مرسلا (5).
__________
(1) أي لاجعلن قبره موضع حنان فاتمسح به متبركا.
(2) وقد تقدم التعليق حول وفاة ورقة بعد فترة الوحي، كما جاء في البخاري، وأن ورقة لم يبق إلى إسلام بلال.
فليراجع في مكانه من هذا الجزء.
(3) كذا في الاصول: وفي ابن هشام: أم عبيس، وان التي أصيب بصرها حين أعتقها أبو بكر هي زنيرة - كما عند ابن هشام - فقالت قريش عند ذلك: ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى.
فقالت: كذبوا وبيت الله، فرد الله بصرها.
(راجع ترجمتها في الاستيعاب لابن عبد البر على هامش الاصابة 4: 322 والاصابة ج 4 / 311).
(4) الخبر في سيرة ابن هشام 1 / 339 - 340 - 341.
(5) أخرجه الحاكم في المستدرك 3 / 284 وقال: صحيح الاسناد، ولم يخرجاه.
ووافقه الذهبي.
وأخرجه أبو نعيم في حلية الاولياء 1 / 149 وابن عبد البر في الاستيعاب.
(*)

(3/75)


قال ابن إسحاق: وكانت بنو مخزوم يخرجون بعمار بن ياسر وبأبيه وأمه - وكانوا أهل بيت إسلام - إذا حميت الظهيرة يعذبونهم برمضاء مكة.
فيمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول - فيما بلغني -: " صبرا آل ياسر موعدكم الجنة " (1) وقد روى البيهقي عن الحاكم عن إبراهيم بن عصمة العدل، حدثنا السرى بن خزيمة، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا هشام بن أبي عبيدالله، عن أبي الزبير، عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بعمار وأهله وهم يعذبون فقال: " أبشروا آل عمار وآل ياسر فإن موعدكم الجنة " (2) فأما أمه فيقتلوها فتأبى إلا الاسلام.
وقال الامام أحمد حدثنا وكيع عن سفيان عن منصور عن مجاهد.
قال: أول شهيد كان في أول الاسلام استشهد أم عمار سمية طعنها أبو جهل بحربة في قلبها (3).
وهذا مرسل.
قال محمد بن إسحاق: وكان أبو جهل الفاسق الذي يغري بهم في رجال من قريش، إن سمع برجل قد أسلم له شرف ومنعة أنبه وخزاه وقال: تركت دين أبيك وهو خير منك، لنسفهن حلمك، ولنفيلن (4) رأيك، ولنضعن شرفك.
وإن كان تاجرا قال: والله لنكسدن تجارتك، ولنهلكن مالك.
وإن كان ضعيفا ضربه وأغرى به لعنه الله وقبحه.
قال ابن إسحاق: وحدثني حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير قال: قلت لعبد الله بن عباس: أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم ؟ قال نعم والله ! إن كانوا ليضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه حتى ما يقدر أن يستوي جالسا من شدة الضر الذي [ نزل ] به، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة، حتى يقولوا له، اللات والعزى إلهان من دون الله فيقول نعم ! افتداء منهم بما يبلغون من جهدهم.
قلت: وفي مثل هذا أنزل الله تعالى: (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان ولكن من شرح بالكفر صدره فعليهم غضب من الله ولهم عذاب أليم) [ النحل: 106 ] الآية فهؤلاء كانوا معذورين بما حصل لهم من الاهانة والعذاب البليغ، أجارنا الله من ذلك بحوله وقوته.
وقال الامام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الاعمش، عن مسلم،
عن مسروق، عن خباب بن الارت.
قال: كنت رجلا قينا وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه فقال لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد.
فقلت لا والله لاأكفر بمحمد حتى تموت
__________
(1) سيرة ابن هشام: 1 / 342.
(2) الخبر في دلائل البيهقي 2 / 282 وفيه: أو آل ياسر.
وأخرجه الحاكم في المستدرك 3 / 388 وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.
ووافقه الذهبي.
وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 9 / 293 عن عثمان وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات.
(3) قال البيهقي في الدلائل عن مجاهد قال: أول شهيد كان في الاسلام استشهد أم عمار سمية طعنها أبو جهل بحربة في قبلها (ج 2 / 282 - راجع الاستيعاب 4 / 330 على هامش الاصابة، والاصابة 4 / 335).
(4) في نسخة البداية المطبوعة: ولنفلين رأيك، وهو تحريف.
ونفيلن رأيك: أي نقبحنه ونخطئنه (*).

(3/76)


ثم تبعث.
قال: فإني إذا مت ثم بعثت جئتني ولي ثم مال وولد فأعطيك ؟ فأنزل الله تعالى: (أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لاوتين مالا وولدا) إلى قوله: (ويأتينا فردا) [ مريم: 77 - 80 ] أخرجاه في الصحيحين وغيرهما من طرق عن الاعمش به (1).
وفي لفظ البخاري كنت قينا بمكة، فعملت للعاص بن وائل سيفا فجئت أتقاضاه فذكر الحديث.
وقال البخاري حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا بيان واسماعيل (2).
قالا: سمعنا قيسا يقول سمعت خبابا يقول: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد ببردة وهو في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت [ يا رسول الله ] ألا تدعو الله [ لنا ] ؟ فقعد وهو محمر وجهه.
فقال: " قد كان من كان قبلكم ليمشط بأمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنتين ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمن الله هذا الامر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله عزوجل " زاد بيان " والذئب على غنمه " وفي رواية " ولكنكم تستعجلون " انفرد به البخاري دون مسلم (3).
وقد روى من وجه آخر عن خباب وهو مختصر من هذا والله أعلم.
وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان وابن
جعفر، حدثنا شعبة عن أبي إسحاق، عن سعيد بن وهب عن خباب.
قال شكونا إلى النبي صلى الله عليه وسلم شدة الرمضاء فما أشكانا - يعني في الصلاة - وقال ابن جعفر: فلم يشكنا.
وقال أيضا: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا شعبة عن أبي إسحاق قال: سمعت سعيد بن وهب يقول: سمعت خبابا يقول: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرمضاء فلم يشكنا، قال شعبة يعني في الظهيرة.
ورواه مسلم والنسائي والبيهقي من حديث أبي إسحاق السبيعي عن سعيد بن وهب عن خباب.
قال شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء - زاد البيهقي في وجوهنا وأكفنا - فلم يشكنا.
وفي رواية شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة في الرمضاء فلم يشكنا.
وروا ابن ماجه عن علي بن محمد الطنافسي عن وكيع عن الاعمش عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب العبدي عن خباب.
قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء فلم يشكنا.
والذي يقع لي - والله أعلم - أن هذا
__________
(1) أخرجه الامام أحمد في مسنده 5 / 110 - 111.
وأخرجه الترمذي في التفسير - تفسير سورة مريم.
وأخرجه مسلم في (50) كتاب المنافقين ح (36).
والبخاري في 34 كتاب البيوع 29 باب ح 2091 وفي 15 كتاب الاجارة (15) باب ح 2275 وفي 44 كتاب الخصومات (10) باب ح 2425.
وفي كتاب التفسير - تفسير سورة مريم 3 باب ح 4732 (فتح الباري).
(2) من البخاري والبيهقي.
وفي نسخ البداية المطبوعة: بنان وهو تحريف، وبيان بن بشر وإسماعيل بن أبي خالد.
(3) أخرجه البخاري في 63 كتاب مناقب الانصار 29 باب ح 3852 عن الحميدي.
وقال البيهقي: وأخرجاه من أوجه آخر عن إسماعيل، والخبر ليس في مسلم إنما خرجه البخاري أيضا في الاكراه عن مسدد فتح الباري 12 / 315 وفي علامات النبوة في الاسلام عن إسماعيل فتح الباري 6 / 619.
وأخرجه أبو داود: في الجهاد عن اسماعيل.
وأحمد في مسنده 5 / 109.
(*)

(3/77)


الحديث مختصر من الاول وهو أنهم شكوا إليه صلى الله عليه وسلم ما يلقون من المشركين من التعذيب بحر الرمضاء، وأنهم يسحبونهم على وجوههم فيتقون بأكفهم، وغير ذلك من أنواع العذاب كما تقدم
عن ابن إسحاق وغيره، وسألوا منه صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله لهم على المشركين أو يستنصر عليهم فوعدهم ذلك ولم ينجزه لهم في الحالة الراهنة وأخبرهم عمن كان قبلهم أنهم كانوا يلقون من العذاب ما هو أشد مما أصابهم ولا يصرفهم ذلك عن دينهم، ويبشرهم أن الله سيتم هذا الامر ويظهره ويعلنه وينشره وينصره في الاقاليم والآفاق حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله عز وجل والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون.
ولهذا قال شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء في وجوهنا واكفنا فلم يشكنا، أي لم يدع لنا في الساعة الراهنة، فمن استدل بهذا الحديث على عدم الابراد أو على وجوب مباشرة المصلى بالكف كما هو أحد قولي الشافعي ففيه نظر والله أعلم.
باب مجادلة المشركين رسول الله صلى الله عليه وسلم وإقامة الحجة الدامغة عليهم واعترافهم في أنفسهم بالحق وإن أظهروا المخالفة عنادا وحسدا وبغيا وجحودا قال إسحاق بن راهويه: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب السختياني، عن عكرمة، عن ابن عباس.
أن الوليد بن المغيرة جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه القرآن، فكأنه رق له، فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه فقال يا عم إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا، قال لم ؟ قال ليعطوكه فإنك أتيت محمدا لتعرض ما قبله، قال قد علمت قريش أني من أكثرها مالا، قال فقل فيه قولا يبلغ قومك أنك منكر له [ أو أنك كاره له ].
قال وماذا أقول ؟ فوالله مامنكم رجل أعرف بالاشعار مني، ولا أعلم برجزه، ولا بقصيده مني، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا، ووالله إن لقوله الذي يقوله حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله، وإنه ليعلو ولا يعلى، وإنه ليحطم ما تحته.
قال لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه، قال قف عني حتى أفكر فيه، فلما فكر.
قال: إن هذا إلا سحر يؤثر بأثره عن غيره فنزلت: (ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا) [ المدثر: 11 - 13 ] الآيات هكذا رواه البيهقي عن الحاكم عن عبد الله بن محمد [ بن علي ] الصنعاني بمكة عن إسحاق به.
وقد رواه حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة مرسلا (1).
فيه أنه قرأ عليه: (إن الله يأمر بالعدل
__________
(1) أخرجه البيهقي في الدلائل 2 / 198، وأخرجه الحاكم في المستدرك 2 / 506 وقال: هذا حديث صحيح الاسناد على شرط البخاري ولم يخرجاه.
(*)

(3/78)


والاحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون) [ النحل: 90 ] وقال البيهقي عن الحاكم، عن الاصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، [ قال ]: حدثني محمد بن أبي محمد عن سعيد بن جبير - أو عكرمة عن ابن عباس - أن الوليد بن المغيرة اجتمع ونفر من قريش وكان ذا سن فيهم، وقد حضر الموسم (1) فقال: إن وفود العرب ستقدم عليكم فيه وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا فأجمعوا فيه رأيا واحدا ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا، ويرد قول بعضكم بعضا.
فقيل: يا أبا عبد شمس، فقل، واقم لنا رأيا نقوم به (2)، فقال: بل أنتم فقولوا وأنا أسمع.
فقالوا نقول كاهن ؟ فقال ما هو بكاهن رأيت الكهان.
فما هو بزمزمة الكهان.
فقالوا نقول مجنون ؟ فقال ما هو بمجنون ولقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو بحنقه ولا تخالجه ولا وسوسته.
فقالوا (3) نقول شاعر ؟ فقال ما هو بشاعر قد عرفنا الشعر: برجزه وهزجه، وقريضه ومقبوضه، ومبسوطه فما هو بالشعر.
قالوا فنقول هو ساحر ؟ قال ما هو بساحر قد رأينا السحار وسحرهم فما هو بنفثه ولا بعقده.
قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس ؟ قال: والله إن لقوله لحلاوة، وإن أصله لمغدق، وإن فرعه لجني فما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل، وان أقرب القول لان تقولوا هذا ساحر، فتقولوا هو ساحر يفرق بين المرء ودينه، وبين المرء وأبيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وعشيرته فتفرقوا عنه بذلك، فجعلوا يجلسون للناس حتى قدموا الموسم لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه، وذكروا لهم أمره وأنزل الله في الوليد: (ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا) [ المدثر: 11 - 13 ] الآيات وفي أولئك النفر (الذين جعلوا القرآن عضين، فو ربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون) (4) [ الحجر: 91 - 93 ].
قلت: وفي ذلك قال الله تعالى إخبارا عن جهلهم وقلة عقلهم: (بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليئتنا بآية كما أرسل الاولون) [ الانبياء: 5 ] فحاروا ماذا يقولون فيه فكل شئ يقولونه باطل، لان من خرج عن الحق مهما قاله أخطأ.
قال الله تعالى: (أنظر كيف ضربوا لك الامثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا) [ الاسراء: 48 ].
وقال الامام عبد بن حميد في مسنده حدثني أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا علي بن مسهر عن الاجلح - وهو ابن عبد الله الكندي - عن الذيال بن حرملة الاسدي عن جابر بن عبد الله.
قال: اجتمع قريش يوما فقالوا أنظروا
__________
= وقال البيهقي: وكذلك رواه معمر عن عباد بن منصور عن عكرمة مرسلا، ورواه أيضا معتمر بن سليمان عن أبيه فذكره أتم من ذلك مرسلا.
(1) من البيهقي، وفي نسخة البداية المطبوعة: المواسم وهو تحريف.
(2) في ابن هشام: نقول به بدل نقوم به.
(3) من البيهقي، وفي نسخ البداية المطبوعة: فقال وهو تحريف.
(4) عضين: أي أصنافا.
والخبر رواه البيهقي في الدلائل ج 2 / 198 وما بعدها (*).

(3/79)


أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر فليأت هذا الرجل الذي فرق جماعتنا وشتت أمرنا وعاب ديننا فليكلمه ولينظر ماذا يرد عليه ؟ فقالوا ما نعلم أحدا غير عتبة بن ربيعة.
فقالوا: أنت يا أبا الوليد، فأتاه عتبة فقال: يا محمد أنت خير أم عبد الله فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال: أنت خير أم عبد المطلب ؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال فإن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة التي عبت، وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى نسمع قولك إنا والله ما رأينا سخلة (1) قط أشأم على قومه منك فرقت جماعتنا، وشتت أمرنا، وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحرا، وأن في قريش كاهنا.
والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف حتى نتفانى: أيها الرجل إن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلا، وإن كان إنما بك الباه فأختر أي نساء قريش شئت فلنزوجك عشرا.
فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فرغت ؟ " قال نعم ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون) إلى أن بلغ: " فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود) [ فصلت: 2 - 3 ].
فقال عتبة: حسبك ما عندك غير هذا ؟ قال لا، فرجع إلى قريش فقالوا ما وراءك ؟ قال: ما تركت شيئا أرى أنكم تكلمونه إلا كلمته.
قالوا: فهل أجابك ؟ فقال نعم ! ثم قال لا والذي نصبها بنية ما فهمت شيئا مما قال غير أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود.
قالوا: ويلك يكلمك الرجل بالعربية لا تدري ما قال ؟ قال: لا والله ما فهمت شيئا مما قال غير ذكر الصاعقة.
وقد رواه البيهقي وغيره عن الحاكم عن الاصم عن عباس الدوري عن يحيى بن معين عن محمد بن فضيل عن الاجلح به.
وفيه كلام، وزاد: وإن كنت إنما بك الرياسة عقدنا ألويتنا لك فكنت رأسا ما بقيت وعنده أنه لما قال: (فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود) أمسك عتبة (2) على فيه وناشده الرحم أن يكف عنه، ولم يخرج إلى أهله واحتبس عنهم.
فقال أبو جهل: والله يا معشر قريش ما نرى عتبة إلا صبأ إلى محمد وأعجبه طعامه، وما ذاك إلا من حاجة أصابته، انطلقوا بنا إليه فأتوه.
فقال أبو جهل: والله يا عتبة ما جئنا إلا أنك صبوت إلى محمد وأعجبك أمره، فإن كان بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد.
فغضب وأقسم بالله لا يكلم محمدا أبدا.
وقال: لقد علمتم أني من أكثر قريش مالا، ولكني أتيته - وقص عليهم القصة - فأجابني بشئ والله ما هو بسحر ولا بشعر ولا كهانة، قرأ: (بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم) حتى بلغ: (فان اعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود) فأمسكت بفيه وناشدته الرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب، فخفت أن
__________
(1) السخلة: تطلق على الذكر والانثى من أولاد الضأن.
(2) في نسخ البداية المطبوعة: عقبة وهو تحريف.
(*)

(3/80)


ينزل عليكم العذاب (1).
ثم قال البيهقي: عن الحاكم عن الاصم عن أحمد بن عبد الجبار عن
يونس عن محمد بن إسحاق [ قال: ] حدثني يزيد بن زياد (2) مولى بني هاشم عن محمد بن كعب قال حدثت أن عتبة بن ربيعة (3)، وكان سيدا حليما.
قال - ذات يوم وهو جالس في نادي قريش، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وحده في المسجد -: يا معشر قريش ألا أقوم إلى هذا فأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها ويكف عنا.
قالوا: بلى يا أبا الوليد ! فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث فيما قال له عتبة وفيما عرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم من المال والملك وغير ذلك.
وقال ابن إسحاق (4) فقال عتبة: يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها فنعطيه إياها ويكف عنا وذلك حين أسلم حمزة ورأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيدون ويكثرون.
فقالوا: بلى يا أبا الوليد ! فقم إليه وكلمه.
فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ابن أخي إنك منا حيث قد علمت من السطة (5) في العشيرة والمكان في النسب، وأنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت [ به ] جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم.
فاسمع مني حتى أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها.
قال فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا أبا الوليد اسمع ".
قال: يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الامر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت نريد به شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يتداوى منه - أو كما قال له - حتى إذا فرغ عتبة.
قال له النبي صلى الله عليه وسلم: " أفرغت يا أبا الوليد ؟ " قال نعم ! قال اسمع مني، قال افعل ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حم تنزل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون) فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأها فلما سمع بها عتبة انصت لها وألقى بيديه خلفه أو خلف ظهره معتمدا عليها ليسمع منه حتى انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة فسجدها ثم قال: " سمعت يا أبا الوليد ؟ قال سمعت.
قال: " فأنت وذاك " ثم قام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله
__________
(1) دلائل البيهقي 2 / 203.
(2) من السيرة ودلائل البيهقي، وفي نسخ البداية المطبوعة: بن أبي زياد وهو تحريف.
(3) عتبة بن ربيعة (2000 ه = 624000 م) بن عبد شمس، أبو الوليد: كبير قريش وأحد ساداتها في الجاهلية.
كان موصوفا بالرأى والحلم والفضل، نافذ القول.
نشأ يتيما في حجر حرب ابن أمية، أول ما عرف منه توسطه للصلح في حرب الفجار.
أدرك الاسلام وطغى فشهد بدرا مع المشركين.
أحاط به علي وحمزة وعبيدة بن الحارث فقتلوه.
(4) في نسخ البداية المطبوعة: زياد بن إسحاق وهو تصحيف.
(5) في نسخ البداية المطبوعة: الشطر وهو تحريف، وما أثبتناه من سيرة ابن هشام والسطة: الشرف.
(*)

(3/81)


لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به.
فلما جلسوا إليه قالوا ما وراءك يا أبا الوليد ؟ قال ورائي أني والله قد سمعت قولا ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا الكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي.
خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه واعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ [ عظيم ]، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به.
قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه.
قال: هذا رأيي لكم فاصنعوا ما بدا لكم (1).
ثم ذكر يونس عن ابن إسحاق شعرا قاله أبو طالب يمدح فيه عتبة.
وقال البيهقي (2): أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الاصبهاني أخبرنا أبو قتيبة سلمة بن الفضل الادمي بمكة، حدثنا أبو أيوب أحمد بن بشر الطيالسي، حدثنا داود بن عمرو الضبي حدثنا المثنى بن زرعة عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر.
قال: لما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على عتبة بن ربيعة (حم تنزيل من الرحمن الرحيم) أتى أصحابه فقال لهم: يا قوم أطيعوني في هذا الامر اليوم، وأعصوني فيما بعده، فوالله لقد سمعت من هذا الرجل كلاما ما سمعت أذناي كلاما مثله، وما دريت ما أرد عليه.
وهذا حديث غريب جدا من هذا الوجه.
ثم روى البيهقي عن الحاكم عن الاصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس عن ابن إسحاق حدثني الزهري.
قال:
حدثت أن أبا جهل وأبا سفيان والاخنس بن شريق خرجوا ليلة ليسمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي بالليل في بيته، فأخذ كل رجل منهم مجلسا ليستمع منه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له حتى إذا أصبحوا وطلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق فتلاوموا وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا فلو رأكم بعض سفهائكم لاوقعتم في نفسه شيئا.
ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق، قال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة ثم انصرفوا، فلما كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق، فقالوا لا نبرح حتى نتعاهد أن لا نعود.
فتعاهدوا على ذلك ثم تفرقوا، فلما أصبح الاخنس بن شريق أخذه عصاه ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته فقال أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد ؟ فقال: يا أبا ثعلبة والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها [ وأشياء لا أعرفها ولا أعرف ما يراد بها ] (3) فقال الاخنس: وأنا والذي حلفت به.
ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيته فقال: يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد ؟ فقال ماذا سمعت، تنازعنا
__________
(1) الخبر في سيرة ابن هشام ج 1 / 314 ودلائل البيهقي 2 / 204 - 205 وما بين معقوفتين في الحديث من السيرة والدلائل.
(2) دلائل البيهقي 2 / 206.
(3) ما بين معقوفتين سقط من الاصل والدلائل واستدرك لمقتضى السياق من الاكتفاء للكلاعي.
(*)

(3/82)


نحن وبنو عبد مناف الشرف أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، واعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه ؟ والله لا نسمع (1) به أبدا ولا نصدقه.
فقام عنه الاخنس بن شريق ثم قال البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو العباس حدثنا أحمد حدثنا يونس عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن المغيرة بن شعبة.
قال: إن أول يوم عرفت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أمشي أنا وأبو جهل بن هشام في
بعض أزقة مكة، إذ لقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابي جهل: " يا أبا الحكم، هلم إلى الله وإلى رسوله، أدعوك إلى الله ".
فقال أبو جهل: يا محمد، هل أنت منته عن سب آلهتنا ؟ هل تريد إلا أن نشهد أنك قد بلغت ؟ فنحن نشهد أن قد بلغت ؟ فوالله لو أني أعلم أن ما تقول حق لاتبعتك (2).
فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأقبل علي فقال: والله إني لاعلم أن ما يقول حق، ولكن [ يمنعني ] شئ.
إن بني قصي قالوا: فينا الحجابة.
فقلنا نعم، ثم قالوا فينا السقاية، فقلنا نعم.
ثم قالوا فينا الندوة، فقلنا نعم.
ثم قالوا فينا اللواء، فقلنا نعم.
ثم أطعموا وأطعمنا.
حتى إذا تحاكت الركب قالوا منا نبي، والله لا أفعل (3).
وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب الاصم، حدثنا محمد بن خالد، حدثنا أحمد بن خلف، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق.
قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم على أبي جهل وأبي سفيان، وهما جالسان.
فقال أبو جهل: هذا نبيكم يا بني عبد شمس.
قال أبو سفيان: وتعجب أن يكون منا نبي ؟ فالنبي يكون فيمن أقل منا وأذل.
فقال أبو جهل: أعجب أن يخرج غلام من بين شيوخ نبيا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع.
فأتاهما فقال: " أما أنت يا أبا سفيان، فما لله ورسوله غضبت ولكنك حميت للاصل.
وأما أنت يا أبا الحكم، فوالله لتضحكن قليلا ولتبكين كثيرا " فقال: بئسما تعدني يا ابن أخي من نبوتك.
هذا مرسل من هذا الوجه وفيه غرابة.
وقول أبي جهل - لعنه الله - كما قال الله تعالى مخبرا عنه وعن أضرابه: (وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا، أهذا الذي بعث الله رسولا ؟ إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها.
وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا) [ الفرقان: 41 - 42 ].
وقال الامام أحمد: حدثنا هشيم، حدثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
قال: نزلت هذه الآية ورسول الله صلى الله عليه وسلم متوار بمكة (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها) [ الاسراء: 110 ] قال: كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فلما سمع ذلك المشركون سبوا
__________
(1) في الدلائل: لا نؤمن به.
(2) في الدلائل: ما اتبعتك، وهو مناسب أكثر.
(3) دلائل النبوة 2 / 207.
(*)

(3/83)


القرآن وسبوا من أنزله ومن جاء به، قال فقال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (ولا تجهر بصلاتك) أي بقراءتك فيسمع المشركون فيسبوا القرآن (ولا تخافت بها) عن أصحابك، فلا تسمعهم القرآن حتى يأخذوه عنك (وابتغ بين ذلك سبيلا) وهكذا رواه صاحبا الصحيح من حديث أبي بشر جعفر بن أبي حية به (1).
وقال محمد بن إسحاق (2): حدثني داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جهر بالقرآن - وهو يصلي - تفرقوا عنه وأبوا أن يستمعوا منه، وكان الرجل إذا أراد أن يسمع من رسول الله بعض ما يتلو، وهو يصلي، استرق السمع، دونهم فرقا منهم، فإن رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع ذهب خشية أذاهم فلم يستمع، فإن خفض رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسمع الذين يستمعون من قراءته شيئا، فأنزل الله تعالى: (ولا تجهر بصلاتك) فيتفرقوا عنك (ولا تخافت بها) فلا يسمع من أراد أن يسمعها ممن يسترق ذلك، لعله يرعوي إلى بعض ما يسمع، فينتفع به (وابتغ بين ذلك سبيلا).
باب هجرة أصحاب رسول الله، من مكة إلى أرض الحبشة قد تقدم ذكر أذية المشركين للمستضعفين من المؤمنين، وما كانوا يعاملونهم به من الضرب الشديد.
والاهانة البالغة.
وكان الله عزوجل قد حجرهم عن رسوله صلى الله عليه وسلم، ومنعه بعمه أبي طالب، كما تقدم تفصيله ولله الحمد والمنة.
وروى الواقدي أن خروجهم إليها في رجب سنة خمس من البعثة (3)، وأن أول من هاجر منهم أحد عشر رجلا وأربع نسوة، وأنهم انتهوا إلى البحر ما بين ماش وراكب فاستأجروا سفينة بنصف دينار إلى الحبشة.
وهم عثمان بن عفان، وامرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو حذيفة بن عتبة، وامرأته سهلة بنت سهيل، والزبير بن العوام،
ومصعب بن عمير، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة بن عبد الاسد، وامرأته أم سلمة بنت أبي أمية، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة العنزي، وامرأته ليلى بنت أبي حثمة، وأبو سبرة بن أبي رهم، وحاطب بن عمرو (4)، وسهيل بن بيضاء، وعبد الله بن مسعود، رضي الله عنهم
__________
(1) مسند أحمد ج 1 / 23، 215.
(2) سيرة ابن هشام ج 1 / 335.
(3) نقل البيهقي في الدلائل قال: وأما الهجرة الثانية وهي فيما زعم الواقدي سنة خمس من مبعث النبي 2 / 297.
ووافق الطبري الواقدي في أن مخرجهم في الهجرة الاولى كان في رجب في السنة الخامسة من حين نبئ رسول الله صلى الله عليه وسلم، 2 / 221 دار القاموس الحديث.
ويرى البيهقي أن الهجرة الاولى اقتصرت على عثمان بن عفان وامرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم راجع الدلائل ج 2 / 297.
(4) كذا في الطبري، وفي ابن هشام: يقال: أبو حاطب بن عمرو.
(*)

(3/84)


أجمعين.
قال ابن جرير وقال آخرون بل كانوا اثنين وثمانين رجلا، سوى نسائهم وأبنائهم، وعمار بن ياسر، نشك.
فإن كان فيهم فقد كانوا ثلاثة وثمانين رجلا.
وقال محمد بن إسحاق: فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية، بمكانه من الله عزوجل، ومن عمه أبي طالب، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء.
قال لهم: " لو خرجتم إلى أرض الحبشة ؟ فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق - حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه " فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة، وفرارا إلى الله بدينهم.
فكانت أول هجرة كانت في الاسلام فكان أول من خرج من المسلمين عثمان بن عفان، وزوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم (1).
وكذا روى البيهقي من حديث يعقوب بن سفيان عن عباس العنبري عن بشر بن موسى عن الحسن بن زياد البرجمي، حدثنا قتادة.
قال: أول من هاجر إلى الله تعالى بأهله عثمان بن عفان رضي الله عنه وسمعت النضر بن أنس يقول سمعت أبا حمزة - يعني أنس بن مالك - يقول: خرج
عثمان بن عفان ومعه امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة، فأبطأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرهما فقدمت امرأة من قريش فقالت: يا محمد قد رأيت ختنك ومعه امرأته.
قال: " على أي حال رأيتهما ؟ " قالت رأيته قد حمل امرأته على حمار من هذه الدبابة (2)، وهو يسوقها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " صحبهما الله، أن عثمان أول من هاجر بأهله بعد لوط عليه السلام " (3).
قال ابن إسحاق: وأبو حذيفة بن عتبة، وزوجته سهلة بنت سهيل بن عمرو - وولدت له بالحبشة محمد بن أبي حذيفة - والزبير بن العوام، ومصعب بن عمير، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة بن عبد الاسد، وامرأته أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة - وولدت له بها زينب - وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة - حليف آل الخطاب، وهو من بني عنز بن وائل وامرأته ليلى بنت أبي حثمة، وأبو سبرة بن أبي رهم العامري، وامرأته أم كلثوم بنت سهيل بن عمرو - ويقال أبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر - وهو أول من قدمها فيما قيل - وسهيل بن بيضاء - فهؤلاء العشرة أول من خرج من المسلمين إلى أرض الحبشة فيما بلغني.
قال ابن هشام.
وكان عليهم عثمان بن مظعون، فيما ذكر بعض أهل العلم.
قال ابن إسحاق: ثم خرج جعفر بن أبي طالب ومعه امرأته أسماء بنت عميس، وولدت له بها عبد الله بن جعفر.
وتتابع المسلمون حتى اجتمعوا بأرض الحبشة.
__________
(1) سيرة ابن هشام 1 / 344.
(2) في البيهقي: الدبانة.
(3) دلائل البيهقي 2 / 297 وذكر الحديث الهيثمي في مجمع الزوائد 9 / 80 - 81 وقال: رواه الطبراني وفيه عثمان ابن خالد العثماني وهو متروك.
(*)

(3/85)


وقد زعم موسى بن عقبة أن الهجرة الاولى إلى أرض الحبشة كانت حين دخل أبو طالب ومن حالفه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الشعب، وفي هذا نظر والله أعلم.
وزعم أن خروج جعفر بن أبي طالب إنما كان في الهجرة الثانية إليها.
وذلك بعد عود بعض من كان خرج أولا، حين بلغهم أن
المشركين أسلموا وصلوا، فلما قدموا مكة - وكان فيمن قدم عثمان بن مظعون - فلم يجدوا ما أخبروا به من إسلام المشركين صحيحا، فرجع من رجع منهم ومكث آخرون بمكة.
وخرج آخرون من المسلمين إلى أرض الحبشة، وهي الهجرة الثانية - كما سيأتي بيانه.
قال موسى بن عقبة: وكان جعفر بن أبي طالب فيمن خرج ثانيا.
وما ذكره ابن إسحاق من خروجه في الرعيل الاول أظهر كما سيأتي بيانه والله أعلم.
لكنه كان في زمرة ثانية من المهاجرين أولا، وهو المقدم عليهم والمترجم عنهما عند النجاشي وغيره، كما سنورده مبسوطا.
ثم إن ابن إسحاق سرد الخارجين صحبة جعفر رضي الله عنهم.
وهم عمرو بن سعيد بن العاص، وامرأته فاطمة بنت صفوان بن أمية بن محرث [ بن حمل ] بن شق الكناني.
وأخوه خالد، وامرأته أمينة بنت خلف بن أسعد الخزاعي.
وولدت له بها سعيدا، وأمة التي تزوجها بعد ذلك الزبير، فولدت له عمرا وخالدا.
قال وعبد الله بن جحش بن رئاب، وأخوه عبيد الله، ومعه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان، وقيس بن عبد الله من بني أسد بن خزيمة، وامرأته بركة بنت يسار مولاة أبي سفيان، ومعيقيب بن أبي فاطمة، وهو من موالي سعيد بن العاص قال ابن هشام: وهو من دوس.
قال وأبو موسى [ الاشعري ] (1) عبد الله بن قيس حليف آل عتبة بن ربيعة.
وسنتكلم معه في هذا.
وعتبة بن غزوان، ويزيد بن زمعة بن الاسود، وعمرو بن أمية بن الحارث بن أسد، وطليب بن عمير بن وهب بن أبي كثير (2) بن عبد [ بن قصي ] (3)، وسويبط بن سعد بن حرملة (4)، وجهم بن قيس العبدوي (5)، ومعه امرأته أم حرملة بنت عبد الاسود بن جذيمة (6)، وولداه عمرو بن جهم وخزيمة بن جهم، وأبو الروم بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبدالدار، وفراس بن النضر بن الحارث بن كلدة، وعامر بن أبي وقاص أخو سعد، والمطلب بن أزهر بن عبد عوف الزهري، وامرأته رملة بنت أبي عوف بن ضبيرة.
وولدت بها عبد الله، وعبد الله بن مسعود، وأخوه عتبة، والمقداد بن الاسود، والحارث بن خالد بن صخر التيمي، وامرأته ريطة بنت الحارث بن جبلة (7)، وولدت له بها موسى وعائشة وزينب وفاطمة، وعمرو بن عثمان بن
__________
(1) من سيرة ابن هشام.
(2) من سيرة ابن هشام، وفي نسخ البداية المطبوعة والاستيعاب: كثير.
(3) زيادة من شرح السيرة لابي ذر.
(4) من السيرة وفي نسخ البداية المطبوعة حريملة وهو تحريف.
(5) العبدوي نسبة إلى عبدالدار، وهو بن عبد شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار.
(6) من السيرة وفي نسخ البداية المطبوعة: خزيمة.
(7) في السيرة: جبلة.
(*)

(3/86)


عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، وشماس بن عثمان بن الشريد المخزومي - قال (1) وإنما سمي شماسا لحسنه وأصل اسمه عثمان بن عثمان - وهبار بن سفيان بن عبد الاسد المخزومي، وأخوه عبد الله، وهشام بن أبي حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو (2) بن مخزوم، وسلمة بن هشام بن المغيرة، وعياش بن أبي ربيعة بن المغيرة، ومعتب بن عوف بن عامر - ويقال له عيهامة - وهو من حلفاء بني مخزوم.
قال: وقدامة وعبد الله أخوا عثمان بن مظعون، والسائب بن عثمان بن مظعون، وحاطب بن الحارث بن معمر، ومعه امرأته فاطمة بنت المجلل، وابناه منها محمد والحارث، وأخوه خطاب، وامرأته فكيهة بنت يسار، وسفيان بن معمر بن حبيب، وامرأته حسنة، وابناه منها جابر وجنادة، وابنها من غيره، وهو شرحبيل بن عبد الله - أحد الغوث بن مزاحم بن تميم، وهو الذي يقال له شرحبيل بن حسنة (3)، وعثمان بن ربيعة بن أهبان بن وهب بن حذافة بن جمح، وخنيس بن حذافة بن قيس بن عدي، وعبد الله بن الحارث بن قيس بن عدي بن سعيد (4) بن سهم، وهشام بن العاص بن وائل بن سعيد (4)، وقيس بن حذافة بن قيس بن عدي، وأخوه عبد الله، وأبو قيس بن الحارث بن قيس بن عدي، وإخوته الحارث ومعمر والسائب وبشر وسعيد ابناء الحارث، وسعيد بن قيس بن عدي لامه وهو سعيد بن عمرو التميمي، وعمير بن رئاب بن حذيفة بن مهشم بن سعيد (4) بن سهم، وحليف لبني سهم: وهو محمية بن جزء الزبيدي، ومعمر بن عبد الله العدوي، وعروة بن عبد العزى،
وعدي بن نضلة بن عبد العزى، وابنه النعمان، وعبد الله بن مخرمة العامري، وعبد الله بن سهيل بن عمرو، وسليط بن عمرو، وأخوه السكران، ومعه زوجته سؤدة بنت زمعة، ومالك بن ربيعة، وامرأته عمرة بنت السعدى، وأبو حاطب بن عمرو العامري، وحليفهم سعد بن خولة - وهو من اليمن، وأبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح الفهري، وسهيل بن بيضاء - وهي أمه، واسمها دعد بنت جحدم بن أمية بن ظرب بن الحارث بن فهر، وهو سهيل بن وهب بن ربيعة بن هلال بن ضبة بن الحارث، وعمرو بن أبي سرح بن ربيعة بن هلال بن مالك بن ضبة بن الحارث، وعياض بن زهير بن أبي شداد بن ربيعة بن هلال بن مالك بن ضبة، وعمرو بن الحارث بن زهير بن أبي شداد بن ربيعة، وعثمان بن عبد غنم بن زهير أخوات، وسعيد (5) بن عبد قيس بن لقيط، وأخوه الحارث الفهريون.
قال ابن إسحاق: فكان جميع من لحق بأرض الحبشة وهاجر إليها من المسلمين سوى أبنائهم
__________
(1) القائل: ابن هشام.
كما في السيرة.
(2) في السيرة: عمر.
(3) قاله ابن هشام.
(4) " سعد " في السيرة وقد تقدم التعليق حوله فليراجع.
(5) في السيرة: سعد.
(*)

(3/87)


الذين خرجوا بهم صغارا وولدوا بها - ثلاثة وثمانون رجلا إن كان عمار بن ياسر فيهم، وهو يشك فيه.
قلت: وذكر ابن إسحاق أبا موسى الاشعري فيمن هاجر من مكة إلى أرض الحبشة غريب جدا.
وقد قال الامام أحمد حدثنا حسن بن موسى سمعت خديجا أخا زهير بن معاوية عن أبي إسحاق عن عبد الله بن عتبة عن ابن مسعود.
قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي، ونحن نحوا من ثمانين رجلا، فيهم عبد الله بن مسعود وجعفر، وعبد الله بن عرفطة، وعثمان بن
مظعون، وأبو موسى (1) فأتوا النجاشي.
وبعثت قريش عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد (2) بهدية، فلما دخلا على النجاشي سجدا له ثم ابتدراه عن يمينه وعن شماله ثم قالا له: إن نفرا من بني عمنا نزلوا أرضك ورغبوا عنا وعن ملتنا.
قال فأين هم ؟ قالا: في أرضك، فابعث إليهم، فبعث إليهم، فقال جعفر: أنا خطيبكم اليوم فاتبعوه، فسلم ولم يسجد، فقالوا له: مالك لا تسجد للملك ؟ قال إنا لا نسجد إلا لله عزوجل قال وما ذاك ؟ قال إن الله بعث إلينا رسولا ثم أمرنا أن لا نسجد لاحد إلا لله عزوجل، وأمرنا بالصلاة والزكاة.
قال عمرو: فإنهم يخالفونك في عيسى بن مريم، قال فما تقولون في عيسى بن مريم وأمه ؟ قال نقول كما قال الله: هو كلمته وروحه ألقاها إلى العذراء البتول، التي لم يمسها بشر، ولم يفرضها ولد.
قال فرفع عودا من الارض ثم قال: يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان، والله ما يزيدون على الذي نقول فيه ما سوى هذا، مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده، أشهد أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأنه الذي نجد في الانجيل.
وأنه الرسول الذي بشر به عيسى بن مريم، أنزلوا حيث شئتم، والله لولا ما أنا فيه من الملك لاتيته حتى أكون أنا الذي أحمل نعليه.
وأمر بهدية الآخرين فردت إليهما، ثم تعجل عبد الله بن مسعود حتى أدرك بدرا.
وزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم استغفر له حين بلغه موته.
وهذا إسناد جيد قوي وسياق حسن.
وفيه ما يقتضي أن أبا موسى كان ممن هاجر من مكة إلى أرض الحبشة،
__________
(1) سقط اسم أبي موسى من روايتي البيهقي وعيون الاثر.
وسقط اسم عبد الله بن عرفطة من رواية البيهقي.
(راجع عيون الاثر 1 / 118 دلائل البيهقي 2 / 298).
(2) في رواية ابن اسحاق: لم يذكر مع عمرو إلا عبد الله بن أبي ربيعة في رواية زياد، وفي رواية ابن بكير لعمارة بن الوليد ذكر.
وقيل عمرو بن العاص ذهب إلى الحبشة مرتين مرة قبل بدر مع عمارة ومرة بعد بدر ومعه عبد الله بن أبي ربيعة.
ولعمرو وعمارة خلال وجودهما في الحبشة قصة طويلة رواها كثيرون منهم أبو الفرج الاصفهاني في كتاب الاغاني.
وعبد الله بن أبي ربيعة كان اسمه بحيرى فسماه رسول الله حين أسلم عبد الله وهو والد عمر بن عبد الله بن أبي
ربيعة الشاعر مات في خلافة عثمان.

(3/88)


إن لم يكن ذكره مدرجا من بعض الرواة والله أعلم.
وقد روي عن أبي إسحاق السبيعي من وجه آخر.
فقال الحافظ أبو نعيم في الدلائل حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا محمد بن زكريا الغلابي، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا إسرائيل.
وحدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا محمد بن زكريا، حدثنا الحسن بن علوية القطان حدثنا عباد بن موسى الختلي، حدثنا إسماعيل بن جعفر، حدثنا إسرائيل.
وحدثنا أبو أحمد حدثنا عبد الله بن محمد بن شيرويه حدثنا إسحاق بن إبراهيم - هو ابن راهويه - حدثنا عبيدالله (1) بن موسى، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى.
قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننطلق مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض النجاشي (2)، فبلغ ذلك قريشا فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد، وجمعوا للنجاشي هدية وقدما على النجاشي فأتياه بالهدية، فقبلها وسجدا له ثم قال عمرو بن العاص: إن ناسا من أرضنا رغبوا عن ديننا وهم في أرضك.
قال لهم النجاشي في أرضي ؟ قالا نعم ! فبعث إلينا، فقال لنا جعفر: لا يتكلم منكم أحد.
أنا خطيبكم اليوم، فانتهينا إلى النجاشي، وهو جالس في مجلسه وعمرو بن العاص عن يمينه، وعمارة عن يساره.
والقسيسون جلوس سماطين.
وقد قال له عمرو وعمارة: إنهم لا يسجدون لك.
فلما انتهينا بدرنا (3) من عنده من القسيسين والرهبان: اسجدوا للملك.
فقال جعفر: لا نسجد إلا لله عزوجل.
فلما انتهينا إلى النجاشي قال ما منعك أن تسجد ؟ قال لا نسجد إلا لله.
فقال له النجاشي: وما ذاك ؟ قال إن الله بعث فينا رسولا - وهو الرسول الذي بشر به عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام من بعده اسمه أحمد، فأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا، ونقيم الصلاة ونؤتي الزكاة، وأمرنا بالمعروف ونهانا عن المنكر.
فأعجب النجاشي قوله، فلما رأى ذلك عمرو بن العاص، قال: أصلح الله الملك إنهم يخالفونك في عيسى بن مريم، فقال النجاشي لجعفر: ما يقول صاحبكم في ابن مريم ؟ قال يقول فيه قول الله: هو روح الله وكلمته
أخرجه من العذراء البتول التي لم يقر بها بشر ولم يفرضها ولد: فتناول النجاشي عودا من الارض فرفعه فقال: يا معشر القسيسين والرهبان ما يزيدون هؤلاء على ما نقول في ابن مريم ولا وزن هذه.
مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده، فأنا أشهد أنه رسول الله وأنه الذي بشر به عيسى.
ولولا ما أنا فيه من الملك لاتيته حتى أقبل نعليه، أمكثوا في أرضي ما شئتم، وأمر لنا بطعام وكسوة.
وقال ردوا على هذين هديتهما، وكان عمرو بن العاص رجلا قصيرا، وكان عمارة رجلا جميلا، وكانا أقبلا في البحر، فشربا ومع عمرو امرأته، فلما شربا قال عمارة لعمرو مر امرأتك فلتقبلني.
فقال له عمرو: ألا تستحي ؟ فأخذ عمارة عمرا فرمي به في البحر، فجعل عمرو: يناشد عمارة
__________
(1) في دلائل النبوة لابي نعيم ص 205: عبد الله.
(2) في دلائل أبي نعيم ودلائل البيهقي أرض الحبشة.
(3) في دلائل البيهقي: فزبرنا.
(*)

(3/89)


حتى أدخله السفينة، فحقد عليه عمرو في ذلك.
فقال عمرو للنجاشي: إنك إذا خرجت خلفك عمارة في أهلك، فدعا النجاشي بعمارة فنفخ في إحليله فطار مع الوحش.
وهكذا رواه الحافظ البيهقي في الدلائل من طريق أبي على الحسن بن سلام السواق عن عبيدالله بن موسى فذكر بإسناده مثله إلى قوله: فأمر لنا بطعام وكسوة قال وهذا إسناد صحيح وظاهره يدل على أن أبا موسى كان بمكة، وأنه خرج مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض الحبشة، والصحيح عن يزيد بن عبد الله بن أبي بردة عن جده أبي بردة عن أبي موسى: أنهم بلغهم مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم باليمن فخرجوا مهاجرين في بعض وخمسين رجلا في سفينة، فألقتهم سفينتهم إلى النجاشي بأرض الحبشة، فوافقوا جعفر بن أبي طالب وأصحابه عندهم، فأمره جعفر بالاقامة، فأقاموا عنده حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن خيبر.
قال وأبو موسى شهد ما جرى بين جعفر وبين النجاشي، فأخبر عنه.
قال ولعل الراوي وهم في قوله: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننطلق والله أعلم (1).
وهكذا رواه البخاري في باب هجرة الحبشة.
حدثنا محمد بن العلاء حدثنا أبو أسامة حدثنا
بريد (2) بن عبد الله عن أبي بردة عن أبي موسى.
قال: بلغنا مخرج النبي صلى الله عليه وسلم ونحن باليمن، فركبنا سفينة فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه فأقمنا معه حتى قدمنا فوافينا (3) النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح خيبر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لكم أنتم أهل السفينة هجرتان " وهكذا رواه مسلم عن أبي كريب وأبي عامر عبد الله بن براد [ بن يوسف بن أبي بردة بن أبي موسى ] كلاهما عن أبي أسامة به، وروياه في مواضع أخر مطولا والله أعلم.
وأما قصة جعفر مع النجاشي فإن الحافظ ابن عساكر رواها في ترجمة جعفر بن أبي طالب من تاريخه من رواية نفسه، ومن رواية عمرو بن العاص.
وعلى يديهما جرى الحديث، ومن رواية ابن مسعود كما تقدم.
وأم سلمة كما سيأتي.
فأما رواية جعفر فإنها عزيزة جدا.
رواها ابن عساكر عن أبي القاسم السمرقندي عن أبي الحسين بن النقور عن أبي طاهر المخلص عن أبي القاسم البغوي.
قال حدثنا أبو عبد الرحمن الجعفي عن عبد الله بن عمر بن أبان حدثنا أسد بن عمرو البجلي عن مجالد بن سعيد، عن الشعبي، عن عبد الله بن جعفر، عن أبيه.
قال: بعثت قريش عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بهدية من أبي سفيان إلى النجاشي.
فقالوا له - ونحن عنده -: قد صار إليك ناس من سفلتنا (4) وسفهائنا، فادفعهم إلينا، قال: لا حتى أسمع كلامهم.
قال فبعث إلينا
__________
(1) دلائل النبوة ج 1 / 299 - 300.
(2) في نسخ البداية المطبوعة: يزيد وهو تحريف، وما أثبتناه من البخاري.
(3) في البخاري: فوافقنا.
(4) قال الاستاذ حسن في تاريخ الاسلام السياسي 1 / 87: " لم يفكر الرسول في هجرة المسلمين إلى إحدى القبائل العربية، لانها كانت ترفض دعوته في مواسم الحج مجاملة لقريش أو تمسكا بدينها الوثني، وكذلك لم يفكر في = (*)

(3/90)


فقال: ما يقول هؤلاء ؟ قال قلنا هؤلاء قوم يعبدون الاوثان، وإن الله بعث إلينا رسولا فآمنا به وصدقناه.
فقال لهم النجاشي أعبيد هم لكم ؟ قالوا: لا.
فقال: فلكم عليهم دين ؟ قالوا لا.
قال فخلوا سبيلهم.
قال فخرجنا من عنده فقال عمرو بن العاص إن هؤلاء يقولون في عيسى غير
ما تقول، قال إن لم يقولوا في عيسى مثل قولي لم أدعهم في أرضي ساعة من نهار.
فأرسل إلينا فكانت الدعوة الثانية أشد علينا من الاولى، قال ما يقول صاحبكم في عيسى بن مريم ؟ قلنا يقول: هو روح الله وكلمته ألقاها إلى عذراء بتول، قال فأرسل فقال ادعوا لي فلان القس، وفلان الراهب.
فأتاه ناس منهم فقال: ما تقولون في عيسى بن مريم ؟ فقالوا أنت أعلمنا، فما تقول ؟ قال النجاشي - وأخذ شيئا من الارض - قال ما عدا عيسى ما قال هؤلاء مثل هذا، ثم قال أيؤذيكم أحدا ؟ قالوا: نعم ! فنادى مناد من آذى أحدا منهم فاغرموه أربعة دراهم ثم قال أيكفيكم ؟ قلنا لا، فأضعفها.
قال فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وظهر بها قلنا له إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ظهر وهاجر إلى المدينة، وقتل الذين كنا حدثناك عنهم، وقد أردنا الرحيل إليه، فردنا.
قال نعم ! فحملنا وزودنا.
ثم قال أخبر صاحبك بما صنعت إليكم، وهذا صاحبي معكم أشهد أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله.
وقل له يستغفر لي.
قال جعفر: فخرجنا حتى أتينا المدينة فتلقاني رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتنقني، ثم قال: " ما أدري أنا بفتح خيبر أفرح أم بقدوم جعفر ؟ " ووافق ذلك فتح خيبر، ثم جلس فقال رسول النجاشي: هذا جعفر فسله ما صنع به صاحبنا ؟ فقال نعم فعل بنا كذا وكذا وحملنا وزودنا، وشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله.
وقال لي قل له يستغفر لي.
فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوضأ، ثم دعا ثلاث مرات " اللهم اغفر للنجاشي " فقال المسلمون آمين.
ثم قال جعفر فقلت للرسول انطلق فأخبر صاحبك بما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم قال ابن عساكر حسن غريب.
وأما رواية أم سلمة فقد قال يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق: حدثني الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن حارث بن هشام، عن أم سلمة رضي الله عنها.
أنها قالت: لما ضاقت مكة [ علينا ] وأوذي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفتنوا ورأوا ما يصيبهم من البلاء والفتنة في دينهم،
__________
= الهجرة إلى مواطن أهل الكتاب من اليهود والمسيحيين، لان كلا من الجاليتين اليهودية والمسيحية كانت تنازع الاخرى وتنافسها في النفوذ الادبي ببلاد العرب، فهما والحالة هذه لا تقبلان منافسا ثالثا خصوصا إذا كان من العرب الذين كانوا يحتقرونهم، أما اليمن وكانت مستعمرة للفرس ولم يدينوا بدين سماوي فلم يطمئن الرسول
إلى الالتجاء إليها، وكذلك كان شأن الحيرة التي كانت - في ذلك الوقت - بعيدة عن مكة أما الشام فهي بعيدة كذلك.
فضلا عما كان يسودهما - الشام والحيرة - من الاضطراب، إلى جانب أن لقريش صلات وثيقة ومصالح متبادلة وزيارات متبادلة.
لذلك اتجه الرسول إلى بلاد الحبشة لما كان يعرف في ملكها من العدل والتسامح وقال بروكلمان ص 40: إن النبي كان لا يعتبر أن دينه - في ذلك الوقت - يختلف اختلافا كبيرا عن النصرانية فالنجاشي أقرب ممثل سياسي للنصرانية يمكن أن يحتمي به.
(*)

(3/91)


وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستطيع دفع ذلك عنهم، وكان رسول الله في منعة من قومه ومن عمه لا يصل إليه شئ مما يكره ومما ينال أصحابه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن بأرض الحبشة ملكا لا يظلم أحد عنده فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجا ومخرجا مما أنتم فيه " فخرجنا إليها أرسالا حتى اجتمعنا بها، فنزلنا بخير دار إلى خير جار آمنين على ديننا، ولم نخش فيها ظلما.
فلما رأت قريش أنا قد أصبنا دارا وأمنا، غاروا منا، فاجتمعوا على أن يبعثوا إلى النجاشي فينا ليخرجونا من بلاده، وليردنا عليهم، فبعثوا عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة، فجمعوا له هدايا ولبطارقته، فلم يدعوا منهم رجلا إلا هيئوا له هدية على حدة، وقالوا لهما ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تتكلموا فيهم، ثم أدفعوا إليه هداياه فإن استطعتم أن يردهم عليكم قبل أن يكلمهم فافعلوا.
فقدما عليه فلم يبق بطريق من بطارقته إلا قدموا إليه هديته، فكلموه فقالوا له: إنما قدمنا على هذا الملك في سفهائنا (1)، فارقوا أقوامهم في دينهم ولم يدخلوا في دينكم.
فبعثنا قومهم ليردهم الملك عليهم، فإذا نحن كلمناه فأشيروا عليه بأن يفعل فقالوا نفعل.
ثم قدموا إلى النجاشي هداياه، وكان من أحب ما يهدون إليه من مكة الادم - وذكر موسى بن عقبة أنهم أهدوا إليه فرسا وجبة ديباج - فلما أدخلوا عليه هداياه.
قالوا له: أيها الملك: إن فتية منا سفهاء (2) فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك وجاؤا بدين مبتدع لا نعرفه، وقد لجأوا إلى بلادك، وقد بعثنا إليك فيهم عشائرهم، آباؤهم وأعمامهم وقومهم لتردهم عليهم، فانهم أعلا بهم عينا (3)، فانهم لن
يدخلوا في دينك فتمنعهم لذلك.
فغضب ثم قال: لا لعمر الله ! لا أردهم عليهم حتى أدعوهم، فأكلمهم وأنظر ما أمرهم، قوم لجأوا إلى بلادي واختاروا جواري على جوار غيري فإن كانوا كما يقولون رددتهم عليهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم ولم أدخل (4) بينهم وبينهم، ولم أنعم عينا - [ وذكر موسى بن عقبة أن أمراءه أشاروا عليه بأن يردهم إليهم.
فقال: لا والله ! حتى أسمع كلامهم وأعلم على أي شئ هم عليه ؟ فلما دخلوا عليه سلموا ولم يسجدوا له.
فقال: أيها الرهط ألا تحدثوني مالكم لا تحيوني كما يحييني من أتانا من قومكم ؟ فأخبروني ماذا تقولون في عيسى وما دينكم ؟ أنصارى أنتم ؟ قالوا: لا.
قال أفيهود أنتم ؟ قالوا: لا.
قال: فعلى دين قومكم ؟ قالوا: لا.
قال فما دينكم ؟ قالوا: الاسلام.
قال وما الاسلام ؟ قالوا نعبد الله لا نشرك به شيئا.
قال: من جاءكم بهذا ؟ قالوا جاءنا به رجل من أنفسنا، قد عرفنا وجهه ونسبه، بعثه الله إلينا كما بعث الرسل إلى من قبلنا، فأمرنا بالبر والصدقة والوفاء وأداء الامانة، ونهانا أن نعبد
__________
(1) في الدلائل للبيهقي: في سفهاء من سفهائنا.
(2) في نسخة من الدلائل: من سفهائنا.
(3) في الدلائل: فهم أعلاهم عينا.
أي أبصر بهم.
أي عينهم وأبصارهم فوق عين غيرهم.
(4) في الدلائل: ولم أخل.
والعبارة في ابن هشام: وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما، وأحسنت جوارهم ما جاوروني.
(*)

(3/92)


الاوثان وأمرنا بعبادة الله وحده لا شريك له، فصدقناه وعرفنا كلام الله وعلمنا أن الذي جاء به من عند الله، فلما فعلنا ذلك عادانا قومنا وعادوا النبي الصادق وكذبوه وأرادوا قتله، وأرادونا على عبادة الاوثان، ففررنا إليك بديننا ودمائنا من قومنا.
قال: والله إن هذا لمن المشكاة (1) التي خرج منها أمر موسى.
قال جعفر: وأما التحية فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن تحية أهل الجنة السلام، وأمرنا بذلك فحييناك بالذي يحيي بعضنا بعضا.
وأما عيسى ابن مريم فعبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وابن العذراء البتول.
فأخذ عودا وقال: والله ما زاد ابن مريم على هذا
وزن هذا العود.
فقال عظماء الحبشة: والله لئن سمعت الحبشة لتخلعنك.
فقال: والله لا أقول في عيسى غير هذا أبدا، وما أطاع الله الناس في حين رد على ملكي فأطع الناس في دين الله.
معاذ الله من ذلك.
وقال يونس عن ابن إسحاق ] (2) فأرسل إليهم النجاشي فجمعهم ولم يكن شئ أبغض لعمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة من أن يسمع كلامهم.
فلما جاءهم رسول النجاشي اجتمع القوم فقالوا ماذا تقولون ؟ فقالوا وماذا نقول، نقول والله ما نعرف.
وما نحن عليه من أمر ديننا، وما جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم كائن من ذلك ما كان، فلما دخلوا عليه كان الذي يكلمه منه جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه.
فقال له النجاشي: ما هذا الدين الذي أنتم عليه ؟ فارقتم دين قومكم ولم تدخلوا في يهودية، ولا نصرانية.
فقال له جعفر: أيها الملك كنا قوما على الشرك نعبد الاوثان ونأكل الميتة ونسئ الجوار، يستحل المحارم بعضنا من بعض في سفك الدماء وغيرها، لا نحل شيئا ولا نحرمه.
فبعث الله إلينا نبيا من أنفسنا نعرف وفاءه وصدقه وأمانته فدعانا إلى أن نعبد الله وحده لا شريك له ونصل الارحام ونحمي الجوار ونصلي لله عزوجل، ونصوم له، ولا نعبد غيره.
وقال زياد عن ابن إسحاق: فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والاوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الامانة وصلة الارحام وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام.
قال (3) - فعدد عليه أمور الاسلام - فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به من عند الله، فعبدنا الله وحده لا شريك له ولم نشرك به شيئا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا ليفتنونا عن ديننا ويردونا إلى عبادة الاوثان من عبادة الله، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما
__________
(1) المشكاة: قال صاحب لسان العرب: " وفي حديث النجاشي: إنما يخرج من مشكاة واحدة.
المشكاة: الكوة غير النافذة، وقيل هي الحديدة التي يعلق عليها القنديل " أراد أن القرآن والانجيل كلام الله تعالى، وأنهما من شئ واحد.
(2) ما بين معقوفتين لم يرد في ابن هشام ولا في الدلائل.
(3) في ابن هشام: قالت، أي أم سلمة، عدوا: في الاصل وأثبتنا ما في ابن هشام.
(*)

(3/93)


قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك.
قالت: فقال [ له ] النجاشي: هل معك شئ مما جاء به [ عن الله ] ؟ [ وقد دعا أساقفته فأمرهم فنشروا المصاحف حوله ] (1).
فقال له جعفر ! نعم: قال هلم فاتل علي مما جاء به، فقرأ عليه صدرا من كهيعص فبكى والله النجاشي حتى اخضلت لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم [ حين سمعوا ما تلا عليهم ].
ثم قال [ لهم ]: إن هذا الكلام ليخرج من المشكاة التي جاء بها موسى، انطلقوا راشدين لا والله لا أردهم عليكم ولا أنعمكم عينا (2).
فخرجنا من عنده وكان أتقى (3) الرجلين فينا عبد الله بن [ أبي ] ربيعة.
فقال عمرو بن العاص: والله لآتينه غدا بما استأصل به خضراءهم (4)، ولاخبرته أنهم يزعمون أن إلهه الذي يعبد عيسى بن مريم عبد.
فقال له عبد الله بن أبي ربيعة: لا تفعل فإنهم وإن كانوا خالفونا فإن لهم رحما ولهم حقا.
فقال: والله لافعلن ! فلما كان الغد دخل عليه فقال: أيها الملك إنهم يقولون في عيسى قولا عظيما، فأرسل إليهم فسلهم عنه.
فبعث والله إليهم ولم ينزل بنا مثلها، فقال بعضنا لبعض ماذا تقولون له في عيسى إن هو يسألكم (5) عنه ؟ فقالوا: نقول والله الذي قاله الله فيه، والذي أمرنا نبينا أن نقوله فيه فدخلوا عليه وعنده بطارقته فقال ما تقولون في عيسى بن مريم ؟ فقال له جعفر: نقول هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول.
فدلى النجاشي يده إلى الارض فأخذ عودا (6) بين أصبعيه فقال: ما عدا عيسى بن مريم مما قلت هذا العويد.
فتناخرت بطارقته.
فقال: وإن تناخرتم والله ! اذهبوا فأنتم سيوم في الارض - السيوم الآمنون في الارض، ومن سبكم غرم، من سبكم غرم، من سبكم غرم، ثلاثا ما أحب أن لي دبرا وإني آذيت رجلا منكم - والدبر بلسانهم الذهب.
وقال زياد عن ابن إسحاق ما أحب أن لي دبرا من ذهب.
قال ابن هشام: ويقال زبرا (7) وهو الجبل بلغتهم.
ثم قال النجاشي:
فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي، ولا أطاع الناس في فأطيع الناس فيه.
ردوا عليهما هداياهم فلا حاجة لي بها.
وأخرجا من بلادي فخرجا مقبوحين مردودا عليهما ما جاءا به.
قالت: فأقمنا مع خير جار في خير دار، فلم نشب أن خرج عليه رجل من الحبشة ينازعه في
__________
(1) سقطت من ابن هشام واستدركت من دلائل النبوة للبيهقي.
(2) العبارة في ابن هشام: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة انطلقا، فلا والله لا أسلمهم إليكما، ولا يكادون.
(3) من ابن هشام، وفي الاصول ونسخ البداية المطبوعة: أبقى وهو تحريف.
وفي الدلائل: أبقى.
(4) خضراءهم: شجرتهم التي منها تفرعوا.
(5) في السيرة والدلائل: سألكم.
(6) في الدلائل: عويدا.
(7) في السيرة: ويقال: دبرا من ذهب، والدبر: الجبل.
(*)

(3/94)


ملكه، فوالله ما علمنا حزنا حزنا قط هو أشد منه، فرقا من أن يظهر ذلك الملك عليه فيأتي ملك لا يعرف من حقنا ما كان يعرفه، فجعلنا ندعوا الله ونستنصره للنجاشي فخرج إليه سائرا فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهم لبعض: من يخرج فيحضر الوقعة حتى ينظر على من تكون ؟ وقال الزبير - وكان من أحدثهم سنا - أنا، فنفخوا له قربة فجعلها في صدره، فجعل يسبح عليها في النيل حتى خرج من شقه الآخر إلى حيث التقى الناس، فحضر الوقعة فهزم الله ذلك الملك وقتله، وظهر النجاشي عليه.
فجائا الزبير فجعل يليح (1) لنا بردائه ويقول ألا فابشروا، فقد أظهر الله النجاشي.
قلت: فوالله ما علمنا [ أننا ] فرحنا بشئ قط فرحنا بظهور النجاشي (2) ثم اقمنا عنده حتى خرج من خرج منا إلى مكة، وأقام من أقام.
قال الزهري: فحدثت هذا الحديث عروة بن الزبير عن أم سلمة.
فقال عروة: أتدري ما قوله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي فآخذ الرشوة فيه، ولا أطاع الناس في فأطيع الناس
فيه ؟ فقلت لا ! ما حدثني ذلك أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أم سلمة.
فقال عروة: فإن عائشة حدثتني أن أباه كان ملك قومه، وكان له أخ له من صلبه اثنا عشر رجلا ولم يكن لاب النجاشي ولد غير النجاشي فأدارت الحبشة رأيها بينها فقالوا: لو أنا قتلنا أبا النجاشي وملكنا أخاه فإن له اثنا عشر رجلا من صلبه فتوارثوا الملك، لبقيت الحبشة عليهم دهرا طويلا لا يكون بينهم اختلاف، فعدوا عليه فقتلوه وملكوا أخاه.
فدخل النجاشي بعمه حتى غلب عليه فلا يدبر أمره غيره، وكان لبيبا حازما من الرجال، فلما رأت الحبشة مكانه من عمه قالوا قد غلب هذا الغلام على أمر عمه فما نأمن أن يملكه علينا وقد عرف أنا قتلنا أباه، فلئن فعل لم يدع منا شريفا إلا قتله، فكلموه فيه فليقتله أو ليخرجنه من بلادنا، فمشوا إلى عمه فقالوا: قد رأينا مكان هذا الفتى منك، وقد عرفت أنا قتلنا أباه وجعلناك مكانه وأنا لا نأمن أن يملك علينا فيقتلنا، فأما أن تقتله وإما أن تخرجه من بلادنا.
قال: ويحكم قتلتم أباه بالامس واقتله اليوم.
بل أخرجه من بلادكم.
فخرجوا به فوقفوه في السوق وباعوه من تاجر من التجار قذفه في سفينة بستمائة درهم أو بسبعمائة فانطلق به فلما كان العشى هاجت سحابة من سحائب الخريف فخرج عمه يتمطر تحتها فأصابته صاعقة فقتلته ففزعوا إلى ولده فإذا هم محمقون (3) ليس في أحد منهم خير فمرج (4) على الحبشة
__________
(1) في ابن هشام: يلمع.
(2) العبارة في ابن هشام: ومكن له في بلاده، واستوسق عليه أمر الحبشة، فكنا عنده في خير منزل، حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة.
والخبر بطوله في السيرة ج 1 / 357 - 361 بتغيير طفيف في الالفاظ، وفي دلائل النبوة للبيهقي ج 2 / 303 - 304.
(3) محمقون: المحمق الذي يلد الحمقى.
(4) مرج: قلق واضطراب أمرهم.
وفي هذا دليل على طول المدة في مغيب النشاجي عنهم، راجع الروض الآنف.
(*)

(3/95)


أمرهم.
فقال بعضهم لبعض تعلمون والله أن ملككم الذي لا يصلح أمركم غيره للذي بعتم الغداة، فإن كان لكم بأمر الحبشة حاجة فأدركوه قبل أن يذهب، فخرجوا في طلبه فأدركوه فردوه فعقدوا عليه تاجه واجلسوه على سريره وملكوه، فقال التاجر: ردوا علي مالي كما أخذتم مني غلامي، فقالوا: لا نعطيك.
فقال: إذا والله لاكلمنه، فمشى إليه فكلمه فقال أيها الملك إني ابتعت غلاما فقبض مني الذي باعوه ثمنه، ثم عدوا على غلامي فنزعوه من يدي ولم يردوا علي مالي، فكان أول ما خبر به من صلابة حكمه وعدله أن قال: لتردن عليه ماله، أو لتجعلن يد غلامه في يده فليذهبن به حيث شاء.
فقالوا: بل نعطيه ماله فأعطوه إياه، فلذلك يقول: ما أخذ الله مني الرشوة فآخذ الرشوة حين رد علي ملكي، وما أطاع الناس في فأطيع الناس فيه (1).
وقال موسى بن عقبة: كان أبو النجاشي ملك الحبشة، فمات والنجاشي غلام صغير فأوصى إلى أخيه أن إليك ملك قومك حتى يبلغ ابني، فإذا بلغ فله الملك، فرغب أخوه في الملك فباع النجاشي من بعض التجار (2)، فمات عمه من ليلته وقضى، فردت الحبشة النجاشي حتى وضعوا التاج على رأسه هكذا ذكره مختصرا، وسياق ابن إسحق أحسن وأبسط فالله أعلم.
والذي وقع في سياق ابن إسحاق إنما هو ذكر عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة، والذي ذكره موسى بن عقبة والاموي وغير واحد أنهما عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بن المغيرة وهو أحد السبعة الذين دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تضاحكوا يوم وضع سلا الجزور على ظهره صلى الله عليه وسلم وهو ساجد عند الكعبة.
وهكذا تقدم في حديث ابن مسعود وأبي موسى الاشعري.
والمقصود أنهما حين خرجا من مكة كانت زوجة عمر ومعه وعمارة كان شابا حسنا فاصطحبا في السفينة وكان عمارة طمع في امرأة عمرو بن العاص، فألقى عمرا في البحر ليهلكه فسبح حتى رجع إليها.
فقال له عمارة: لو أعلم أنك تحسن السباحة لما ألقيتك، فحقد عمرو عليه فلما لم يقض لهما حاجة في المهاجرين من النجاشي، وكان عمارة قد توصل إلى بعض أهل النجاشي فوشى به عمرو فأمر به النجاشي فسحر حتى ذهب عقله وساح في البرية مع الوحوش.
- وقد ذكر الاموي - قصة مطولة جدا وأنه عاش إلى زمن أمارة عمر بن الخطاب، وأنه تقصده بعض الصحابة ومسكه فجعل يقول أرسلني أرسلني وإلا
مت فلما لم يرسله مات من ساعته فالله أعلم.
وقد قيل أن قريشا بعثت إلى النجاشي في أمر المهاجرين مرتين الاول مع عمرو بن العاص وعمارة والثانية مع عمرو، وعبد الله بن أبي ربيعة.
نص عليه أبو نعيم في الدلائل والله أعلم.
وقد قيل: إن البعثة الثانية كانت بعد وقعة بدر قاله
__________
(1) سيرة ابن هشام 1 / 364 ودلائل البيهقي 1 / 301.
(2) الخبر في دلائل البيهقي من طريق اسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة 2 / 295 وفيه: فقال التاجر: دعه حتى إذا أردت الخروج فآذني فأدفعه إليك فآذنه التاجر بخروجه فأرسل بالنجاشي حتى أوقفه عند السفينة ولا يدري النجاشي ما يراد به، فأخذ الله عزوجل عمه الذي باعه صعقا فمات.
(*)

(3/96)


الزهري، لينالوا ممن هناك ثأرا فلم يجبهم النجاشي رضي الله عنه وأرضاه إلى شئ مما سألوا فالله أعلم.
وقد ذكر زياد (1) عن ابن إسحاق: أن أبا طالب لما رأى ذلك من صنيع قريش كتب إلى النجاشي أبياتا يحضه فيها على العدل وعلى الاحسان إلى من نزل عنده من قومه: ألا ليت شعري كيف في النأي جعفر * وعمرو وأعداء العدو الاقارب وما نالت أفعال النجاشي جعفرا * وأصحابه أو عاق ذلك شاغب (2) ونعلم، ابيت اللعن، أنك ماجد * كريم فلا يشقى إليك المجانب (3) ونعلم بأن الله زادك بسطة * وأسباب خير كلها بك لازب (4) وقال يونس (5) عن ابن إسحاق: حدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير.
قال: إنما كان يكلم النجاشي عثمان بن عفان رضي الله عنه، والمشهور أن جعفرا هو المترجم رضي الله عنهم.
وقال زياد البكائي عن ابن إسحاق: حدثني يزيد بن رومان عن عروة عن عائشة رضي الله عنها.
قالت: لما مات النجاشي كان يتحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور، ورواه أبو داود عن محمد بن عمرو الرازي عن سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق به لما مات النجاشي رضي الله عنه كنا نتحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور.
وقال زياد عن محمد بن إسحاق:
حدثني جعفر بن محمد عن أبيه.
قال اجتمعت الحبشة فقالوا للنجاشي: إنك فارقت ديننا، وخرجوا عليه، فأرسل إلى جعفر وأصحابه فهيأ لهم سفنا.
وقال: اركبوا فيها وكونوا كما أنتم، فإن هزمت فامضوا حتى تلحقوا بحيث شئتم، وإن ظفرت فاثبتوا.
ثم عمد إلى كتاب فكتب فيه: هو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، ويشهد أن عيسى عبده ورسوله وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم، ثم جعله في قبائه عند المنكب الايمن، وخرج إلى الحبشة وصفوا له.
فقال: يا معشر الحبشة ألست أحق الناس بكم ؟ قالوا: بلى ! قال: فكيف أنتم بسيرتي فيكم ؟ قالوا خير سيرة.
قال: فما بكم ؟ قالوا فارقت ديننا، وزعمت أن عيسى عبده ورسوله.
قال ؟ فما تقولون أنتم في عيسى ؟ قالوا:
__________
(1) هو زياد البكائي راوي السيرة عن ابن هشام.
(2) في ابن هشام: وهل نالت، بدل وما نالت، وفي نسخة لابن هشام: فهل نال أفعال.
(3) في ابن هشام: لديك بدلا من إليك.
أبيت اللعن: تحية كانوا يحيون بها الملوك في الجاهلية.
(4) بعده في ابن هشام: وأنك فيض ذو سجال غزيرة * ينال الاعادي نفعها والاقارب (5) يونس: هو يونس بن بكير راوي السيرة عن ابن هشام.
(*)

(3/97)


يقول هو ابن الله.
فقال النجاشي - ووضع يده على صدره على قبائه -: وهو يشهد أن عيسى بن مريم لم يزد على هذا، وإنما يعني على ما كتب، فرضوا وانصرفوا.
فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما مات النجاشي صلى عليه واستغفر له.
وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وكبر أربع تكبيرات (1).
وقال البخاري: موت النجاشي: حدثنا أبو الربيع حدثنا ابن عيينة عن ابن جريج عن عطاء عن جابر.
قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - حين مات النجاشي - مات اليوم رجل صالح فقوموا فصلوا على أخيكم أصحمة.
(2).
وروى ذلك من حديث أنس بن مالك وابن مسعود وغير واحد
وفي بعض الروايات تسميته أصحمة، وفي رواية مصحمة وهو أصحمة بن بحر (3) وكان عبدا صالحا لبيبا زكيا وكان عادلا عالما رضي الله عنه وأرضاه.
وقال يونس عن ابن إسحاق اسم النجاشي مصحمة وفي نسخة صححها البيهقي أصحم وهو بالعربية عطية قال وإنما النجاشي اسم الملك: كقولك كسرى، هرقل.
قلت: كذا ولعله يريد به قيصر فإنه علم لكل من ملك الشام مع الجزيرة من بلاد الروم، وكسرى علم على من ملك الفرس، وفرعون علم لمن ملك مصر كافة، والمقوقس لمن ملك الاسكندرية وتبع لمن ملك اليمن والشحر، والنجاشي لمن ملك الحبشة وبطليموس لمن ملك اليونان وقيل الهند وخاقان لمن ملك الترك.
وقال بعض العلماء إنما صلى عليه لانه كان يكتم إيمانه من قومه فلم يكن عنده يوم مات من يصلي عليه فلهذا صلى عليه صلى الله عليه وسلم.
قالوا: فالغايب إن كان قد صلي عليه ببلده لاتشرع الصلاة عليه ببلد أخرى ؟ ولهذا لم يصل النبي صلى الله عليه وسلم في غير المدينة، لا أهل مكة ولا غيرهم وهكذا أبو بكر وعمر وعثمان وغيرهم من الصحابة لم ينقل أنه صلى على أحد منهم في غير البلدة التي صلى عليه فيها فالله أعلم.
قلت: وشهود أبي هريرة رضي الله عنه الصلاة على النجاشي، دليل على أنه إنما مات بعد فتح خيبر التي قدم بقية المهاجرين إلى الحبشة مع جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه يوم فتح خيبر ولهذا روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " والله ما أدري بأيهما أنا أسر بفتح خيبر أم بقدوم جعفر بن أبي طالب " وقدموا معهم بهدايا وتحف من عند النجاشي رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وصحبتهم أهل السفينة اليمنية أصحاب أبي موسى الاشعري وقومه من الاشعريين رضي الله عنهم، ومع جعفر
__________
(1) أخرجه البخاري في 23 كتاب الجنائز (4) باب ومسلم في 11 كتاب الجنائز 22 باب ح 62 ومالك في الموطأ في كتاب الجنائز.
(2) المصدر السابق: وكان موت النجاشي في رجب من سنة تسع ونعاه رسول الله، وصلى عليه بالبقيع.
(3) في الاصل أصحمة بن أبجر، وأثبتنا ما في القاموس.
(*)

(3/98)


وهدايا النجاشي ابن أخي النجاشي ذونخترا أو ذو مخمرا أرسله ليخدم النبي صلى الله عليه وسلم عوضا عن عمه رضي الله عنهما وأرضاهما.
وقال السهيلي: توفي النجاشي في رجب سنة تسع من الهجرة وفي هذا نظر والله أعلم.
وقال البيهقي أنبأنا الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الطوسي حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا هلال بن العلاء الرقي حدثنا أبي، العلاء بن مدرك، حدثنا أبو هلال بن العلاء عن أبيه عن أبي غالب عن أبي أمامة.
قال قدم وفد النجاشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام يخدمهم، فقال أصحابه: نحن نكفيك يا رسول الله.
فقال: " إنهم كانوا لاصحابي مكرمين وإني أحب أن أكافيهم ".
ثم قال وأخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الاصبهاني: أنبأنا أبو سعيد بن الاعرابي حدثنا هلال بن العلاء حدثنا أبي، حدثنا طلحة بن زيد، عن الاوزاعي، عن يحي بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي قتادة.
قال: قدم وفد النجاشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يخدمهم فقال أصحابه: نحن نكفيك يا رسول الله.
فقال: " إنهم كانوا لاصحابنا مكرمين وإني أحب أن أكافيهم ".
تفرد به طلحة بن زيد عن الاوزاعي.
وقال البيهقي حدثنا أبو الحسين بن بشران، حدثنا أبو عمرو بن السماك، حدثنا حنبل بن إسحاق، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو.
قال: لما قدم عمرو بن العاص من أرض الحبشة جلس في بيته فلم يخرج إليهم، فقالوا: ما شأنه ماله لا يخرج ؟ فقال عمرو: إن أصحمة يزعم أن صاحبكم نبي.
قال ابن إسحاق: ولما قدم عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة على قريش ولم يدركوا ما طلبوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وردهم النجاشي بما يكرهون، وأسلم عمر بن الخطاب وكان رجلا ذا شكيمة لا يرام ما وراء ظهره امتنع به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبحمزة حتى غاظوا (1) قريشا فكان عبد الله بن مسعود يقول: ما كنا نقدر على أن نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر [ بن الخطاب ] فلما أسلم عمر قاتل قريشا حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه (2).
قلت: وثبت في صحيح البخاري عن ابن مسعود أنه قال: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر بن الخطاب (3).
وقال زياد
البكائي: حدثني مسعر بن كدام عن سعد بن إبراهيم.
قال: قال ابن مسعود: إن إسلام عمر كان فتحا، وإن هجرته كانت نصرا، وإن إمارته كانت رحمة، ولقد كنا وما نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتل قريشا حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه.
قال ابن إسحاق: وكان إسلام عمر بعد خروج من خرج من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى
__________
(1) في السيرة: عازوا: أي غلبوا قريشا.
(2) سيرة ابن هشام: 1 / 366.
(3) في 62 كتاب فضائل الصحابة (6) باب وفي 63 كتاب مناقب الانصار 35 باب والبيهقي في الدلائل عنه ج 2 / 215 (*)

(3/99)


الحبشة.
[ قال ابن إسحاق ] حدثني عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة عن عبد العزيز بن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أمه أم عبد الله (1) بنت أبي حثمة قالت: والله إنا لنترحل إلى أرض الحبشة وقد ذهب عمر في بعض حاجتنا، إذ أقبل عمر فوقف علي وهو على شركه، فقالت: وكنا نلقى منه أذى لنا وشدة علينا، قالت: فقال إنه الانطلاق يا أم عبد الله، قلت نعم ! والله لنخرجن في أرض من أرض الله إذا آذيتمونا وقهرتمونا ؟ حتى يجعل الله لنا مخرجا (2).
قالت فقال صحبكم الله، ورأيت له رقة لم أكن أراها، ثم انصرف وقد أحزنه - فيما أرى - خروجنا.
قالت فجاء عامر بحاجتنا تلك، فقلت له: يا أبا عبد الله لو رأيت عمر آنفا ورقته وحزنه علينا.
قال: أطمعت في إسلامه قالت قلت: نعم ! قال لا يسلم الذي رأيت حتى يسلم حمار الخطاب، قالت: يأسا منه لما كان يرى من غلظته وقسوته على الاسلام (3).
قلت: هذا يرد قول من زعم أنه كان تمام الاربعين من المسلمين فإن المهاجرين إلى الحبشة كانوا فوق الثمانين، اللهم إلا أن يقال إنه كان تمام الاربعين بعد خروج المهاجرين ويؤيد هذا ما ذكره ابن إسحاق ههنا في قصة إسلام عمر وحده رضي الله عنه، وسياقها فإنه قال: وكان إسلام
عمر فيما بلغني أن أخته فاطمة بنت الخطاب وكانت عند سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل كانت قد أسلمت وأسلم زوجها سعيد بن زيد، وهم مستخفون باسلامهم من عمر، وكان نعيم بن عبد الله النحام، رجل من بني عدى قد أسلم أيضا مستخفيا بإسلامه [ فرقا ] من قومه، وكان خباب بن الارت يختلف إلى فاطمة بنت الخطاب يقرئها القرآن فخرج عمر يوما متوشحا سيفه يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورهطا من أصحابه قد ذكروا (4) له أنهم قد اجتمعوا في بيت عند الصفا، وهم قريب من أربعين من بين رجال ونساء ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه حمزة وأبو بكر بن أبي قحافة الصديق، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم، في رجال من المسلمين ممن كان أقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ولم يخرج فيمن خرج إلى أرض الحبشة.
فلقيه نعيم بن عبد الله فقال: أين تريد يا عمر ؟ قال أريد محمدا هذا الصابي الذي فرق أمر قريش، وسفه أحلامها، وعاب دينها، وسب آلهتها فأقتله.
فقال له نعيم: والله لقد غرتك نفسك يا عمر، أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الارض وقد قتلت محمدا ؟ أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم قال: وأي أهل بيتي، قال ختنك وابن عمك سعيد بن زيد وأختك فاطمة فقد والله أسلما وتابعا محمدا صلى الله عليه وسلم على دينه، فعليك بهما فرجع عمر
__________
(1) واسمها: ليلى بنت أبي حثمة بن حذافة بن غانم بن عامر بن عبد الله بن عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب وكانت من المهاجرين الاوائل إلى الحبشة.
(2) وفي نسخة من السيرة: فرجا.
(3) الخبر في سيرة ابن هشام 1 / 367 ودلائل البيهقي 4 / 221.
(4) من ابن هشام وفي الاصل فذكروا.
(*)

(3/100)


عائدا إلى أخته فاطمة، وعندها خباب بن الارت معه صحيفة فيها طه يقريها إياها فلما سمعوا حس عمر تغيب خباب في مخدع (1) لهم - أو في بعض البيت - وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة فجعلتها تحت فخذها، وقد سمع عمر حين دنا إلى الباب قراءة خباب عليها: فلما دخل قال ما هذه الهينمة التي سمعت ؟ قالا (2) له ما سمعت شيئا.
قال بلى والله لقد أخبرت أنكما تابعتما محمدا
على دينه وبطش بختنه سعيد بن زيد.
فقامت إليه أخته فاطمة بنت الخطاب لتكفه عن زوجها فضربها فشجها، فلما فعل ذلك قالت له أخته وختنه: نعم قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله فاصنع ما بدا لك، فلما رأى عمر ما باخته من الدم ندم على ما صنع وارعوى، وقال لاخته أعطيني هذه الصحيفة التي كنتم تقرؤن آنفا أنظر ما هذا الذي جاء به محمدا ؟ وكان عمر كاتبا فلما قال ذلك قالت له أخته إنا نخشاك عليها، قال لا تخافي، وحلف لها بآلهته ليردنها إذا قرأها إليها، فلما قال ذلك طمعت في إسلامه فقالت يا أخي إنك نجس، على شركك، وإنه لا يمسه إلا المطهرون فقام عمر فاغتسل فأعطته الصحيفة وفيها طه فقرأها فلما قرأ منها صدرا.
قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه.
فلما سمع ذلك خباب بن الارت خرج إليه فقال له: والله يا عمر إني لارجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه صلى الله عليه وسلم، فإني سمعته أمس وهو يقول: اللهم أيد الاسلام بأبي الحكم بن هشام - أو بعمر بن الخطاب - فالله الله يا عمر.
فقال [ له ] عند ذلك: فدلني يا خباب على محمد حتى آتيه فأسلم.
فقال له خباب: هو في بيت عند الصفا، معه نفر من أصحابه، فأخذ عمر سيفه فتوشحه، ثم عمد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فضرب عليهم الباب، فلما سمعوا صوته، قام رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر من خلل الباب فإذا هو بعمر متوشح بالسيف فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فزع فقال: يا رسول الله هذا عمر بن الخطاب متوشحا بالسيف، فقال حمزة، فأذن له فإن كان جاء يريد خيرا بذلناه وإن كان يريد شرا قتلناه بسيفه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ايذن له " فأذن له الرجل ونهض إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لقيه في الحجرة فأخذ بحجزته أو بمجمع ردائه ثم جذبه جذبة شديدة فقال ما جاء بك يا ابن الخطاب ؟ فوالله ما أرى أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة، فقال عمر: يا رسول الله جئتك لاومن بالله ورسوله، وبما جاء من عند الله، قال: فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبيرة فعرف أهل البيت أن عمر قد أسلم، فتفرق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكانهم وقد عزوا في أنفسهم حين أسلم عمر مع إسلام حمزة وعلموا أنهما سيمنعان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينتصفون بهما من عدوهم قال ابن إسحاق فهذا حديث الرواة من أهل المدينة عن إسلام عمر حين أسلم رضي الله عنه.
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي نجيح المكي عن أصحابه عطاء ومجاهد وعمن
__________
(1) مخدع: بضم الميم وفتحها، البيت الصغير الذي يكون داخل البيت الكبير (النهاية لابن الاثير).
(2) قالا له: أي فاطمة أخته وزوجها سعيد بن زيد.
(*)

(3/101)


روى ذلك: أن إسلام عمر فيما تحدثوا به عنه أنه كان يقول: كنت للاسلام مباعدا وكنت صاحب خمر في الجاهلية أحبها وأشربها، وكان لنا مجلس يجتمع فيه رجال من قريش بالحزورة (1) فخرجت ليلة أريد جلسائي أولئك فلم أجد فيه منهم أحدا فقلت لو أني جئت فلانا الخمار لعلي أجد عنده خمرا فأشرب منها، فخرجت فجئته فلم أجده قال: فقلت لو أني جئت الكعبة فطفت سبعا أو سبعين، قال فجئت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي، وكان إذا صلى استقبل الشام، وجعل الكعبة بينه وبين الشام، وكان مصلاه بين الركنين الاسود واليماني، قال فقلت حين رأيته والله لو أني استمعت لمحمد الليلة حتى أسمع ما يقول فقلت: لئن دنوت منه لاستمع منه لاروعنه.
فجئت من قبل الحجر، فدخلت تحت ثيابها، فجعلت أمشي رويدا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي يقرأ القرآن، حتى قمت في قبلته مستقبله ما بيني وبينه إلا ثياب الكعبة.
قال: فلما سمعت القرآن رق له قلبي، وبكيت ودخلني الاسلام، فلم أزل في مكاني قائما حتى قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته ثم انصرف، وكان إذا انصرف خرج على دار ابن أبي حسين - وكان مسكنه في الدار الرقطاء التي كانت بيد معاوية -.
قال عمر: فتبعته حتى إذا دخل بين دار عباس ودار ابن أزهر أدركته، فلما سمع حسي عرفني فظن أني إنما اتبعته لاوذيه، فنهمني (2) ثم قال ما جاء بك يا ابن الخطاب هذه الساعة ؟ قال قلت جئت لاومن بالله وبرسوله وبما جاء من عند الله قال فحمد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: " قد هداك الله يا عمر " ثم مسح صدري ودعا لي بالثبات، ثم انصرفت ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته.
قال ابن إسحاق فالله أعلم أي ذلك كان.
قلت: وقد استقصيت كيفية إسلام عمر رضي الله عنه وما ورد في ذلك من الاحاديث والآثار مطولا في أول سيرته التي أفردتها على حدة ولله الحمد والمنة.
قال ابن إسحاق وحدثني نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر.
قال: لما أسلم عمر قال: أي قريش أنقل للحديث ؟ فقيل له: جميل بن معمر الجمحي فغدا عليه، قال عبد الله [ بن عمر ] وغدوت أتبع أثره وأنظر ما يفعل - وأنا غلام أعقل كما رأيت - حتى جاءه فقال له: اعلمت يا جميل أني أسلمت ودخلت في دين محمد صلى الله عليه وسلم ؟ قال فوالله ما راجعه حتى قام يجر رداءه واتبعه عمر، واتبعته أنا حتى قام على باب المسجد صرخ بأعلا صوته: يا معشر قريش - وهم في أنديتهم حول الكعبة - ألا إن ابن الخطاب قد صبا.
قال يقول عمر من خلفه كذب ولكني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وثاروا إليه فما برح يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على رؤوسهم.
قال وطلح (3) فقعد وقاموا على رأسه وهو يقول: افعلوا ما بدا لكم فأحلف بالله أن لو قد
__________
(1) الحزورة: بفتح الحاء وسكون الزاي وفتح الواو: سوق مكة وقد دخلت في المسجد لما زيد فيه.
(2) نهمني، من النهم: الزجر.
(3) طلح: أعيا.
(*)

(3/102)


كنا ثلاثمائة رجل لقد تركناها لكم أو تركتموها لنا.
قال فبينما هم على ذلك إذ أقبل شيخ من قريش عليه حلة حبرة وقميص موشى حتى وقف عليهم فقال ما شأنكم ؟ فقالوا صبأ عمر، قال فمه ؟ رجل اختار لنفسه أمرا فماذا تريدون ؟ أترون بني عدي يسلمون لكم صاحبهم هكذا ؟ خلوا عن الرجل.
قال فوالله لكأنما كانوا ثوبا كشط عنه.
قال فقلت لابي بعد أن هاجر إلى المدينة: يا أبة من الرجل الذي زجر القوم عنك بمكة يوم أسلمت وهم يقاتلونك ؟ قال: ذاك أي بني العاص بن وائل السهمي (1)، وهذا إسناد جيد قوي، وهو يدل على تأخر إسلام عمر لان ابن عمر عرض يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة وكانت أحد في سنة ثلاث من الهجرة وقد كان مميزا يوم أسلم أبوه، فيكون إسلامه قبل الهجرة بنحو من أربع سنين، وذلك بعد البعثة بنحو تسع سنين والله أعلم (2).
وقال البيهقي: حدثنا الحاكم أخبرنا الاصم أخبرنا أحمد بن عبد الجبار حدثنا يونس عن ابن
إسحاق.
قال ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرون رجلا وهو بمكة - أو قريب من ذلك - من النصارى حين ظهر خبره من أرض الحبشة فوجدوه في المجلس، فكلموه وسألوه ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة فلما فرغوا من مساءلتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عما أرادوا، دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله عزوجل وتلا عليهم القرآن، فلما سمعوا فاضت أعينهم من الدمع ثم استجابوا له وآمنوا به وصدقوه وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره، فلما قاموا من عنده اعترضهم أبو جهل في نفر من قريش فقال: خيبكم الله من ركب بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم فتأتونهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه بما قال لكم، ما نعلم ركبا أحمق منكم - أو كما قال - قالوا لهم: لا نجاهلكم سلام عليكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا نألون أنفسنا خيرا.
فيقال إن النفر من نصارى نجران، والله أعلم أي ذلك كان.
ويقال والله أعلم أن فيهم نزلت هذه الآيات: (الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين، أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤن بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون، وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا
__________
(1) الخبر في سيرة ابن هشام 1 / 373 - 374.
(2) في اسلام عمر تعددت الروايات والاحاديث فعن أسلم قال: أسلم في ذي الحجة السنة السادسة من النبوة وعن ابن المسيب قال: أسلم عمر بعد أربعين رجلا وعشر نسوة وقال البيهقي عن ابن اسحق: قال أسلم والمسلمون يومئذ بضع وأربعون رجلا وإحدى عشرة امرأة.
وقال ابن الاثير في الكامل: أسلم بعد تسعة وثلاثين رجلا وثلاث وعشرين امرأة، وكان اسلامه بعد هجرة المسلمين إلى الحبشة.
وقيل في إسلامه غير هذا.
قال بروكلمان: وكان من آثار ذلك أن قرر المكيون التعويض عن هذه الخسارة - إسلام عمر - اللجوء إلى تدابير جديدة اقسى، فقاطعوا محمدا وجميع أتباعه وحاصروهم في الحي الذي يسكنونه في شعب أبي طالب.
(أنظر ابن الاثير الكامل - بروكلمان تاريخ الشعوب الاسلامية).
(*)

(3/103)


أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لانبتغي الجاهلين).
فصل قال البيهقي في الدلائل: باب ما جاء في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي، ثم روى عن الحاكم عن الاصم، عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس عن ابن إسحاق.
قال: هذا كتاب من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي (1) الاصحم عظيم الحبشة، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وأن محمدا عبده ورسوله، وأدعوك بدعاية الله فإني أنا رسوله فأسلم تسلم (يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم.
أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) فإن أبيت فعليك إثم النصارى من قومك.
هكذا ذكره البيهقي بعد قصة هجرة الحبشة وفي ذكره ههنا نظر، فإن الظاهر أن هذه الكتاب إنما هو إلى النجاشي الذي كان بعد المسلم صاحب جعفر وأصحابه، وذلك حين كتب إلى ملوك الارض يدعوهم إلى الله عزوجل قبيل الفتح كما كتب إلى هرقل عظيم الروم قيصر الشام، وإلى كسرى ملك الفرس، وإلى صاحب مصر، وإلى النجاشي.
قال الزهري: كانت كتب النبي صلى الله عليه وسلم إليهم واحدة، يعني نسخة واحدة، وكلها فيها هذه الآية وهي من سورة آل عمران، وهي مدنية بلا خلاف فإنه من صدر السورة، وقد نزل ثلاث وثمانون آية من أولها في وفد نجران كما قررنا ذلك في التفسير ولله الحمد والمنة.
فهذا الكتاب إلى الثاني لا إلى الاول، وقوله فيه إلى النجاشي الاصحم لعل الاصحم مقحم من الراوي بحسب ما فهم والله أعلم.
وأنسب من هذا ههنا ما ذكره البيهقي أيضا عن الحاكم عن أبي الحسن محمد بن عبد الله الفقيه - بمرو - حدثنا حماد بن أحمد حدثنا محمد بن حميد حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق.
قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي في شأن جعفر بن أبي طالب وأصحابه وكتب معه كتابا: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى النجاشي الاصحم ملك الحبشة، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الملك القدوس المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى [ بن مريم ] روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطاهرة الطيبة الحصينة، فحملت
بعيسى فخلقه من روحه ونفخته كما خلق آدم بيده ونفخه، وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له والموالاة على طاعته، وأن تتبعني فتؤمن بي وبالذي جاءني، فإني رسول الله وقد بعثت إليك ابن عمي جعفرا ومعه نفر من المسلمين، فإذا جاؤوك فأقرهم ودع التجبر فإني أدعوك وجنودك إلى الله
__________
(1) في دلائل البيهقي ج 2 / 308 وفي الحاكم 2 / 623: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي الاصحم..وفي الحاكم: النجاشي الاصحم عظيم الجيش.
(*)

(3/104)


عزوجل، وقد بلغت ونصحت فاقبلوا نصيحتي، والسلام على من اتبع الهدى.
فكتب النجاشي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم، إلى محمد رسول الله من النجاشي الاصحم بن أبجر سلام عليك يا نبي الله من الله ورحمة الله وبركاته لا إله إلا هو الذي هداني إلى الاسلام، فقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى، فورب السماء والارض إن عيسى ما يزيد على ما ذكرت، وقد عرفنا ما بعثت به إلينا وقرينا ابن عمك وأصحابه فأشهد أنك رسول الله صادقا ومصدقا وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأسلمت على يديه لله رب العالمين، وقد بعثت إليك يا نبي الله باريحا بن الاصحم بن أبجر فإني لا أملك إلا نفسي وإن شئت أن آتيك فعلت يا رسول الله، فإني أشهد أن ما تقول حق (1).
فصل في ذكر مخالفة قبائل قريش بني هاشم وبني عبد المطلب في نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحالفهم فيما بينهم عليهم، على أن لا يبايعوهم ولا يناكحوهم حتى يسلموا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحصرهم إياهم في شعب أبي طالب مدة طويلة، وكتابتهم بذلك صحيفة ظالمة فاجرة، وما ظهر في ذلك كله من آيات النبوة ودلائل الصدق.
قال موسى بن عقبة عن الزهري: ثم إن المشركين اشتدوا على المسلمين كأشد ما كانوا حتى بلغ المسلمين الجهد، واشتد عليهم البلاء، وجمعت قريش في مكرها أن يقتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم علانية.
فلما رأى أبو طالب عمل القوم جمع بني عبد المطلب وأمرهم أن يدخلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم
شعبهم، وأمرهم أن يمنعوه ممن أرادوا قتله.
فاجتمع على ذلك مسلمهم وكافرهم، فمنهم من فعله حمية، ومنهم من فعله إيمانا ويقينا.
فلما عرفت قريش أن القوم قد منعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأجمعوا (2) على ذلك، اجتمع المشركون من قريش فأجمعوا أمرهم أن لا يجالسوهم ولا يبايعوهم ولا يدخلوا بيوتهم حتى يسلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتل، وكتبوا (3) في مكرهم صحيفة وعهودا ومواثيق لا يقبلوا من بني هاشم صلحا أبدا ولا يأخذهم بهم رأفة حتى يسلموه للقتل.
فلبث بنو هاشم في شعبهم ثلاث سنين (4)، واشتد عليهم البلاء والجهد وقطعوا عنهم الاسواق فلا يتركوا لهم طعاما
__________
(1) دلائل البيهقي ج 2 / 309 - 310.
(2) في دلائل البيهقي: واجتمعوا، وما أثبتناه مناسب أكثر.
(3) كتبها: منصور بن عكرمة العبدري كما في طبقات ابن سعد.
راجع في تعاقد قريش على بني هاشم، وبني المطلب وكتابتهم صحيفة هذا العقد: ابن هشام 1 / 371 ابن سعد 1 / 139 الطبري 2 / 325 النويري 16 / 258 السيرة الحلبية 1 / 449 الدرر في اختصار المغازي والسير، وسبل الهدى والرشاد.
(4) كان هذا العقد والحصار لبني هاشم وبني عبد المطلب في ليلة هلال المحرم سنة سبع من البعثة وظلوا محاصرين إلى السنة العاشرة، وقيل بل إلى السنة التاسعة.
(*)

(3/105)


يقدم مكة ولا بيعا إلا بادروهم إليه فاشتروه يريدون بذلك أن يدركوا سفك دم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان أبو طالب إذا أخذ الناس مضاجعهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فاضطجع على فراشه حتى يرى ذلك من أراد به مكرا واغتيالا له، فإذا نام الناس أمر أحد بنيه أو أخوته أو بني عمه فاضطجعوا على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي بعض فرشهم فينام عليه، فلما كان رأس ثلاث سنين تلاوم رجال من بني عبد مناف ومن قصي ورجال من سواهم من قريش قد ولدتهم نساء من بني هاشم، ورأوا أنهم قد قطعوا الرحم واستخفوا بالحق، واجتمع أمرهم من ليلتهم على نقض ما تعاهدوا عليه من الغدر والبراءة منه، وبعث الله على صحيفتهم الارضة فلحست كلما كان فيها
من عهد وميثاق.
ويقال كانت معلقة في سقف البيت فلم تترك اسما لله فيه إلا لحسته، وبقي ما كان فيها من شرك وظلم وقطيعة رحم، وأطلع الله عزوجل رسوله على الذي صنع بصحيفتهم فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لابي طالب.
فقال أبو طالب: لا والثواقب (1) ما كذبني فانطلق يمشي بعصابته من بني عبد المطلب حتى أتى المسجد، وهو حافل من قريش، فلما رأوهم عامدين لجماعتهم، أنكروا ذلك، وظنوا أنهم خرجوا من شدة البلاء فأتوهم ليعطوهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فتكلم أبو طالب فقال: قد حدثت أمور بينكم لم نذكرها لكم، فأتوا بصحيفتكم التي تعاهدتم عليها فعله (2) أن يكون بيننا وبينكم صلح، وإنما قال ذلك خشية أن ينظروا في الصحيفة قبل أن يأتوا بها.
فأتوا بصحيفتهم معجبين بها لا يشكون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مدفوعا إليهم فوضعوها بينهم.
وقالوا: قد آن لكم أن تقبلوا وترجعوا إلى أمر يجمع قومكم فإنما قطع بيننا وبينكم رجل واحد جعلتموه خطرا لهلكة قومكم وعشيرتكم وفسادهم.
فقالوا أبو طالب: إنما أتيتكم لاعطيكم أمرا لكم فيه نصف (3)، إن ابن أخي أخبرني - ولم يكذبني - إن الله برئ من هذه الصحيفة التي في أيديكم، ومحا كل اسم هوله فيها، وترك فيها غدركم وقطيعتكم إيانا وتظاهركم علينا بالظلم.
فإن كان الحديث الذي قال ابن أخي كما قال فافيقوا فوالله لا نسلمه أبدا حتى يموت من عندنا آخرنا، وإن كان الذي قال باطلا دفعناه إليكم فقتلتموه أو استحييتم.
قالوا: قد رضينا بالذي تقول ففتحوا الصحيفة فوجدوا الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم قد أخبر خبرها، فلما رأتها قريش كالذي قال أبو طالب قالوا والله إن كان هذا قط إلا سحر من صاحبكم، فارتكسوا وعادوا بشر ما كانوا عليه من كفرهم، والشدة على رسول الله صلى الله عليه وسلم [ وعلى المسلمين ] (4) والقيام على رهطه بما تعاهدوا عليه.
فقال أولئك النفر من بني عبد المطلب: إن أولى بالكذب والسحر غيرنا فكيف ترون فإنا
__________
(1) الثواقب: النجوم جمع ثاقب وهو النجم المضئ.
(2) في ابن سعد: فلعله.
(3) نصف: النصف هي المرأة بين الحدثة والمسنة، والمراد هنا: الامر الوسط بيننا وبينكم لا حيف فيه علينا، ولا عليكم.
(4) من دلائل البيهقي.
(*)

(3/106)


نعلم إن الذي اجتمعتم عليه من قطيعتنا أقرب إلى الجبت والسحر من أمرنا، ولولا أنكم اجتمعتم على السحر لم تفسد صحيفتكم وهي في أيديكم طمس [ الله ] ما كان فيها من اسمه وما كان فيها من بغي تركه أفنحن السحرة أم أنتم ؟ فقال عند ذلك النفر من بني عبد مناف وبني قصي ورجال من قريش ولدتهم نساء من بني هاشم منهم أبو البختري والمطعم بن عدي وزهير بن أبي أمية بن المغيرة وزمعة بن الاسود وهشام بن عمرو (1)، وكانت الصحيفة عنده (2) وهو من بني عامر بن لؤي - في رجال من أشرافهم ووجوههم: نحن برءاء مما في هذه الصحيفة.
فقال أبو جهل لعنه الله: هذا أمر قضى بليل وأنشأ أبو طالب يقول الشعر في شأن صحيفتهم ويمدح النفر الذين تبرؤا منها ونقضوا ما كان فيها من عهد ويمتدح النجاشي (3).
قال البيهقي: وهكذا روى شيخنا أبو عبد الله الحافظ - يعني من طريق ابن لهيعة عن أبي الاسود عن عروة بن الزبير - يعني كسياق موسى بن عقبة رحمه الله - وقد تقدم عن موسى بن عقبة أنه قال: إنما كانت هجرة الحبشة بعد دخولهم إلى الشعب عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم في ذلك فالله أعلم.
قلت: والاشبه أن أبا طالب إنما قال قصيدته اللامية التي قدمنا ذكرها بعد دخولهم الشعب أيضا فذكرها ههنا أنسب والله أعلم.
ثم روى البيهقي من طريق يونس عن محمد بن إسحاق.
قال: لما مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على الذي بعث به وقامت بنو هاشم وبنو المطلب دونه، وأبوا أن يسلموه وهم من خلافه على مثل ما قومهم عليه إلا أنهم اتقوا أن يستذلوا ويسلموا أخاهم لما قارفه من قومه.
فلما فعلت ذلك بنو هاشم وبنو المطلب وعرفت قريش أن لا سبيل إلى محمد، اجتمعوا على أن يكتبوا فيما بينهم على بني هاشم وبني (4) عبد المطلب أن لا يناكحوهم ولا ينكحوا إليهم ولا يبايعوهم ولا يبتاعوا منهم وكتبوا صحيفة في ذلك وعلقوها بالكعبة، ثم عدوا على من أسلم فأوثقوهم وآذوهم واشتد عليهم البلاء وعظمت الفتنة وزلزلوا زلزالا شديدا ثم ذكر القصة بطولها
في دخولهم شعب أبي طالب وما بلغوا فيه من فتنة الجهد الشديد حتى كان يسمع أصوات صبيانهم يتضاغون من وراء الشعب من الجوع حتى كره عامة قريش ما أصابهم وأظهروا كراهيتهم لصحيفتهم الظالمة، وذكروا أن الله برحمته أرسل على صحيفة قريش الارضة فلم تدع فيها اسما هو لله إلا أكلته وبقي فيها الظلم والقطيعة والبهتان فأخبر الله تعالى بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبر بذلك
__________
(1) زاد ابن سعد: عدي بن قيس، ولم يأت على ذكر هشام بن عمرو.
(2) قال ابن سعد في الطبقات: علقوا الصحيفة في جوف الكعبة وفي رواية أخرى: كانت عند أم الجلاس بنت مخربة الحنظلية خالة أبي جهل.
(3) الابيات في سيرة ابن هشام 1 / 373 من قصيدة مطلعها: ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا * نبيا كموسى خط في أول الكتب (4) في الدلائل وسيرة ابن هشام: بني المطلب وهو الصواب.
(*)

(3/107)


عمه أبو طالب، ثم ذكر بقية القصة كرواية موسى بن عقبة وأتم.
وقال ابن هشام عن زياد عن محمد بن إسحاق: فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نزلوا بلدا أصابوا منه أمنا وقرارا.
وأن النجاشي قد منع من لجأ إليه منهم، وأن عمر قد أسلم فكان هو وحمزة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وجعل الاسلام يفشو في القبائل فاجتمعوا وأئتمروا على أن يكتبوا كتابا يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني المطلب على أن لا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم ولا يبيعوهم شيئا ولا يبتاعوا منهم فلما اجتمعوا لذلك كتبوا في صحيفة ثم تعاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدا على أنفسهم، وكان كاتب الصحيفة منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبدالدار بن قصي.
قال ابن هشام: ويقال النضر بن الحارث، فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فشل بعض أصابعه.
وقال الواقدي: كان الذي كتب الصحيفة طلحة بن أبي طلحة العبدوي.
قلت: والمشهور أنه منصور بن عكرمة كما ذكره ابن إسحاق، وهو الذي
شلت يده فما كان ينتفع بها وكانت قريش تقول بينها: أنظروا إلى منصور بن عكرمة.
قال الواقدي: وكانت الصحيفة معلقة في جوف الكعبة.
قال ابن إسحاق: فلما فعلت ذلك قريش انحازت بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب فدخلوا معه في شعبه واجتمعوا إليه، وخرج من بني هاشم أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب إلى قريش فظاهرهم.
وحدثني حسين بن عبد الله: أن أبا لهب لقي هند بنت عتبة بن ربيعة، حين فارق قومه، وظاهر عليهم قريشا.
فقال: يا ابنة عتبة هل نصرت اللات والعزى وفارقت من فارقها وظاهر عليها ؟ قالت: نعم ! فجزاك الله خيرا يا أبا عتبة.
قال ابن إسحاق: وحدثت أنه كان يقول - في بعض ما يقول - يعدني محمد أشياء لا أراها، يزعم أنها كائنة بعد الموت، فماذا وضع في يدي بعد ذلك، ثم ينفخ في يده فيقول تبا لكما لا أرى فيكما شيئا مما يقول محمد.
فأنزل الله تعالى: (تبت يدا أبي لهب وتب).
قال ابن إسحاق: فلما اجتمعت على ذلك قريش وصنعوا فيه الذي صنعوا قال أبو طالب: ألا أبلغا عني على ذات بيننا * لؤيا وخصا من لؤي بني كعب ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا * نبيا كموسى خط في أول الكتب وأن عليه في العباد محبة * ولا خير ممن خصه الله بالحب (1)
__________
(1) علق السهيلي على عجز هذا البيت قال: " وهو مشكل جدا لان لا في باب التبرئة لا تنصب مثل هذا إلا منونا، تقول: لا خيرا من زيد في الدار، وإنما تنصب بغير تنوين إذا كان الاسم غير موصول بما بعده.
وأشبه ما يقال في بيت أبي طالب أن خيرا مخفف من خير (كهين وميت) وقوله ممن من متعلقة بمحذوف، كأنه قال: لا خير أخير ممن خصه الله.
وخير وأخير: لفظان من جنس واحد.
فحسن الحذف استثقالا لتكرار اللفظ.

(3/108)


وأن الذي الصقتموا من كتابكم * لكم كائن نحسا كراغية السقب (1) أفيقوا أفيقوا قبل أن يحفر الثرى * ويصبح من لم يجن ذنبا كذي الذنب ولا تتبعوا أمر الوشاة وتقطعوا * أواصرنا بعد المودة والقرب
وتستجلبوا حربا عوانا وربما * أمر على من ذاقه حلب الحرب فلسنا ورب البيت نسلم أحمدا * لعزاء من عض الزمان ولا كرب ولما تبن منا ومنكم سوالف * وأيد أترت بالقساسية الشهب (2) بمعترك ضيق ترى كسر القنا * به والنسور الطخم يعكفن كالشرب (3) كأن مجال (4) الخيل في حجراته * ومعمعة الابطال معركة الحرب أليس أبونا هاشم شد أزره * وأوصى بنيه بالطعان وبالضرب ولسنا نمل الحرب حتى تملنا * ولا نشتكي ما قد ينوب من النكب ولكننا أهل الحفائظ والنهى * إذا طار أرواح الكماة عن الرعب قال ابن إسحاق: فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثا حتى جهدوا ولم يصل إليهم شئ إلا سرا مستخفيا به من أراد صلتهم من قريش، وقد كان أبو جهل بن هشام - فيما يذكرون - لقي حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد، معه غلام يحمل قمحا يريد به عمته خديجة بنت خويلد، وهي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب فتعلق به وقال: أتذهب بالطعام إلى بني هاشم ؟ والله لا تذهب أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة، فجاءه أبو البختري بن هاشم (5) بن الحارث بن أسد.
فقال: مالك وله.
فقال: يحمل الطعام إلى بني هاشم، فقال له أبو البختري: طعام كان لعمته عنده بعثت به إليه أتمنعه أن يأتيها بطعامها ؟ خل سبيل الرجل، قال: فأبى أبو جهل - لعنه الله - حتى نال أحدهما من صاحبه، فأخذ أبو البختري لحى بعير فضربه فشجه ووطئه وطئا شديدا، وحمزة بن عبد المطلب قريب يرى ذلك، وهم يكرهون أن يبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فيشمتون بهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك يدعو قومه ليلا ونهارا وسرا وجهارا مناديا بأمر الله تعالى لا يتقي فيه أحدا من الناس.
__________
(1) راغية السقب: من هو الرغاء، وهو أصوات الابل.
والسقب: ولد الناقة، وأراد به هنا ولده ناقة صالح عليه السلام.
(2) أترت: قطعت.
القساسية سيوف تنسب إلى قساس وهو جبل لبني أسد فيه معدن الحديد.
(3) النسور الطخم: ذات الرؤوس السود.
(4) من ابن هشام، وفي الاصل ونسخ البداية المطبوعة وبعض نسخ ابن هشام: ضحال ولا معنى لها.
(5) من ابن هشام وابن سعد، وفي الاصل: هشام وهو تحريف.
(*)

(3/109)


[ المستهزئون بالنبي صلى الله عليه وسلم وما ظهر فيهم ] (1) فجعلت قريش حين منعه الله منها وقام عمه وقومه من بني هاشم وبني عبد المطلب دونه وحالوا بينهم وبين ما أرادوا من البطش به، يهمزونه ويستهزؤن به ويخاصمونه، وجعل القرآن ينزل في قريش بأحداثهم، وفيمن نصب لعداوته، منهم من سمى لنا، ومنهم من نزل [ فيه ] القرآن في عامة من ذكر الله من الكفار.
فذكر ابن إسحاق أبا لهب ونزول السورة فيه، وأمية بن خلف ونزول قوله تعالى: " ويل لكل همزة لمزة) السورة بكمالها فيه.
والعاص بن وائل ونزول قوله: (أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لاوتين مالا وولدا) [ مريم: 77 ] فيه.
وقد تقدم شئ من ذلك.
وأبا جهل بن هشام وقوله للنبي صلى الله عليه وسلم لتتركن سب آلهتنا أو لنسبن إلهك (2) [ الذي تعبد ] (3) ونزول قول الله فيه: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم) [ الانعام: 108 ] الآية.
والنضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة (4) - ومنهم من يقول علقمة بن كلدة قاله السهيلي - وجلوسه بعد النبي صلى الله عليه وسلم في مجالسه حيث يتلو القرآن ويدعو إلى الله، فيتلو عليهم النضر شيئا من أخبار رستم واسفنديار وما جرى بينهما من الحروب في زمن الفرس، ثم يقول: والله ما محمد بأحسن حديثا مني، وما حديثه إلا أساطير الاولين اكتتبها كما اكتتبها، فأنزل الله تعالى: (وقالوا أساطير الاولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا) [ الفرقان: 5 ] وقوله: (ويل لكل أفاك أثيم) [ الجاثية: 7 ].
قال ابن إسحاق: وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغنا - يوما مع الوليد بن المغيرة في المسجد فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهم [ في المجلس ]، وفي المجلس غير واحد من رجال قريش، فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض له النضر، فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أفحمه، ثم تلا عليه
وعليهم: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون) [ الانبياء: 98 - 100 ].
ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل عبد الله بن الزبعري السهمي حتى جلس.
فقال الوليد بن المغيرة له: والله ما قام والله ما مقام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب آنفا وما قعد، وقد زعم محمد أنا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم (5).
فقال عبد الله بن الزبعري: أما والله لو وجدته لخصمته، فسلوا
__________
(1) سقطت من الاصول: واستدرك لزيادة الايضاح.
(2) من ابن هشام، وفي الاصل آلهتك وهو تحريف.
(3) ما بين معقوفتين استدركت من ابن هشام.
(4) قال الخشني: والصواب علقمة بن كلدة.
(5) حصب جهنم: كل ما أوقدت به.
قال أبو ذؤيب الهذلي: فأطفئ ولا توقد ولا تك محصبا * لنار العداة أن تطير شكاتها (*)

(3/110)


محمدا: أكل من نعبد من دون الله حصب جهنم مع من عبده ؟ فنحن نعبد الملائكة واليهود تعبد عزيرا والنصارى تعبد عيسى.
فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول ابن الزبعري ورأوا أنه قد احتج وخاصم فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال: " كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده في النار، أنهم إنما يعبدون الشياطين، ومن أمرتهم بعبادته " فأنزل الله تعالى: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون) [ الانبياء: 101 - 102 ] أي عيسى وعزير ومن عبد من الاحبار والرهبان الذين مضوا على طاعة الله تعالى.
ونزل فيما يذكرون أنهم يعبدون الملائكة وأنها بنات الله: (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون) [ الانبياء: 26 - 29 ] والآيات بعدها.
ونزل في إعجاب المشركين بقول ابن الزبعري (ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون وقالوا آلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون) [ الزخرف: 57 - 58 ] وهذا الجدل الذي
سلكوه باطل.
وهم يعلمون ذلك لانهم قوم عرب ومن لغتهم أن ما لما لا يعقل، فقوله: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون) إنما أريد بذلك ما كانوا يعبدونه من الاحجار التي كانت صور أصنام، ولا يتناول ذلك الملائكة الذين زعموا أنهم يعبدونهم في هذه الصور، ولا المسيح، ولا عزيرا، ولا أحدا من الصالحين لان اللفظ لا يتناولهم لا لفظا ولا معنى.
فهم يعلمون أن ما ضربوه بعيسى ابن مريم من المثل جدل باطل كما قال الله تعالى: (ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون) ثم قال: (إن هو) أي عيسى (إلا عبد أنعمنا عليه) أي بنبوتنا (وجعلناه مثلا لبني اسرائيل) أي دليلا على تمام قدرتنا على ما نشاء حيث خلقناه من أنثى بلا ذكر، وقد خلقنا حواء من ذكر بلا أنثى، وخلقنا آدم لا من هذا ولا من هذا، وخلقنا سائر بني آدم من ذكر وأنثى كما قال في الآية الاخرى: (ولنجعله آية للناس) أي أمارة ودليلا على قدرتنا الباهرة (ورحمة منا) نرحم بها من نشاء.
وذكر ابن إسحاق: الاخنس بن شريق ونزول قوله تعالى فيه: (ولا تطع كل حلاف مهين) [ نون: 10 ] الآيات، وذكر الوليد بن المغيرة حيث.
قال: أينزل على محمد وأترك وأنا كبير قريش وسيدها، ويترك أبو مسعود عمرو بن عمرو (1) الثقفي سيد ثقيف فنحن عظيما القريتين.
ونزل قوله فيه: (وقال لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) [ الزخرف: 31 ] والتي بعدها، وذكر أبي بن خلف حين قال لعقبة بن أبي معيط: ألم يبلغني أنك جالست محمدا ؟ وسمعت منه وجهي من وجهك حرام [ أن أكلمك - وأستغلظ من اليمين - إن أنت جلست إليه أو سمعت منه ] (2) إلا أن تتفل في وجهه ففعل ذلك عدو الله عقبة - لعنه الله -،
__________
(1) في ابن هشام: عمرو بن عمير.
(2) ما بين معكوفتين من سيرة ابن هشام.
(*)

(3/111)


فأنزل الله: (ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا، يا ويلتنا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا) [ الفرقان: 27 - 28 ] والتي بعدها.
قال ومشى أبي بن خلف بعظم بال قد
أرم (1).
فقال: يا محمد أنت تزعم أن الله يبعث هذا بعد ما أرم، ثم فته بيده ثم نفخه في الريح نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال: نعم ! أنا أقول ذلك، يبعثه الله وإياك بعدما تكونان هكذا ثم يدخلك النار.
وأنزل الله تعالى: (وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم) [ يس: 78 - 79 ] إلى آخر السورة.
قال واعترض رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني وهو يطوف عند باب الكعبة - الاسود بن المطلب، والوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل [ وكانوا ذوي أسنان في قومهم ] (2).
فقالوا: يا محمد هلم فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، فنشترك نحن وأنت في الامر.
فأنزل الله فيهم: (قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون) إلى آخرها.
ولما سمع أبو جهل بشجرة الزقوم.
قال: أتدرون ما الزقوم ؟ هو تمر يضرب بالزبد ثم قال هلموا فلنتزقم فأنزل الله تعالى: (إن شجرة الزقوم طعام الاثيم) [ الدخان: 43 - 44 ] قال: ووقف الوليد بن المغيرة فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم يكلمه وقد طمع في إسلامه فمر به ابن أم مكتوم (3) - عاتكة بنت عبد الله بن عنكثة - الاعمى فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل يستقرئه القرآن، فشق ذلك عليه حتى أضجره، وذلك أنه شغله عما كان فيه من أمر الوليد، وما طمع فيه من إسلامه، فلما أكثر عليه انصرف عنه عابسا، وتركه (4) فأنزل الله تعالى: (عبس وتولى أن جاءه الاعمى) إلى قوله: (مرفوعة مطهرة) وقد قيل ان الذي كان يحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جاءه ابن أم مكتوم أمية بن خلف فالله أعلم (5).
__________
(1) أرم: بلى.
(2) ما بين معقوفتين من ابن هشام.
(3) وكان اسمه عبد الله وقيل عمرو.
(4) الخبر في سيرة ابن هشام ج 1 / 389 وما بعدها.
(5) ذكر البيهقي من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: المستهزئون: الوليد بن المغيرة، والاسود بن عبد يغوث الزهري والاسود بن المطلب أبو زمعة والحارث بن عنطلة السهمي والعاص بن وائل.
- فالاسود بن عبد يغوث بن وهب بن زهرة، ابن خال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال البلاذري عنه: " كان إذا رأى المسلمين قال لاصحابه: قد جاءكم ملوك الارض الذين يرثون ملك كسرى وقيصر، ويقول للنبي صلى الله عليه وسلم: أما كلمت اليوم من السماء يا محمد.
- أما الاسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى فكان هو وأصحابه يتغامزون بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلام شق عليه فدعا عليه أن يعمي الله بصره ويثكله ولده.
- الحارث بن قيس السهمي ابن العنطلة: نسب إلى أمه، نزل فيه في قول: " ارأيت من اتخذ الهه هواه " لانه كان يعبد حجرا فإذا رأى حجرا أحسن منه تركه وأخذ الاحسن.
(*)

(3/112)


ثم ذكر ابن إسحاق من عاد من مهاجرة الحبشة إلى مكة وذلك حين بلغهم إسلام أهل مكة وكان النقل ليس بصحيح، ولكن كان له سبب، وهو ما ثبت في الصحيح وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس يوما مع المشركين، وأنزل الله عليه (والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم) يقرؤها عليهم حتى ختمها وسجد.
فسجد من هناك من المسلمين والمشركين والجن والانس، وكان لذلك سبب ذكره كثير من المفسرين عند قوله تعالى: (وما أرسلنا قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى القى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم) [ الحج: 52 ] وذكروا قصة الغرانيق وقد أحببنا الاضراب عن ذكرها صفحا لئلا يسمعها من لا يضعها على مواضيعها، إلا أن أصل القصة في الصحيح.
قال البخاري حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث حدثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس.
قال: سجد النبي صلى الله عليه وسلم بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والانس انفرد به البخاري دون مسلم.
وقال البخاري حدثنا محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة عن أبي إسحاق سمعت الاسود عن عبد الله.
قال: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم والنجم بمكة، فسجد فيها وسجد من معه غير شيخ أخذ كفا من حصا - أو تراب - فرفعه إلى جبهته وقال: يكفيني هذا، فرأيته بعد قتل كافرا ورواه مسلم وأبو داود والنسائي من حديث شعبة.
وقال الامام أحمد حدثنا إبراهيم حدثنا رباح عن معمر عن ابن
طاووس عن عكرمة بن خالد عن جعفر بن المطلب بن أبي وداعة عن أبيه.
قال قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة سورة النجم، فسجد وسجد من عنده، فرفعت رأسي وأبيت أن أسجد ولم يكن أسلم يومئذ المطلب.
فكان بعد ذلك لا يسمع أحدا يقرأها إلا سجد معه.
وقد رواه النسائي عن عبد الملك بن عبد الحميد عن أحمد بن حنبل به.
وقد يجمع بين هذا والذي قبله بأن هذا سجد ولكنه رفع رأسه استكبارا، وذلك الشيخ الذي استثناه ابن مسعود لم يسجد بالكلية والله أعلم.
والمقصود أن الناقل لما رأى المشركين قد سجدوا متابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أعتقد أنهم قد أسلموا واصطلحوا معه ولم يبق نزاع بينهم، فطار الخبر بذلك وانتشر حتى بلغ مهاجرة الحبشة بها،
__________
= كان يقول: لقد عز محمد نفسه وأصحابه أن وعدهم أن يحيوا بعد الموت والله ما يهلكنا إلا الدهر والاحداث ومرور الايام.
- العاص بن وائل السهمي.
قال الجمهور ومنهم ابن عباس في أكثر الروايات عنه: المستهزئون كانوا خمسة وقال في رواية كانوا ثمانية: وقد عدهم البيهقي كما ذكرنا خمسة أما الثلاثة فهم: مالك بن الطلاطلة بن عمرو بن غبشاف ذكره ابن الكلبي والبلاذري وكان سفيها فدعا عليه رسول الله واستعاذ بالله من شره.
وذكر البلاذري ممن كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبو الاصداء، وكان يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنما يعلمك أهل الكتاب أساطيرهم ويقول للناس هو معلم مجنون فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه لعلى جبل إذا اجتمعت عليه الاروى فنطحته حتى قتلته.
(*)

(3/113)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية