صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : البداية والنهاية
مصدر الكتاب : الإنترنت
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

صاحب الناقة العضباء (1) في ديار إخوان بني العنقاء، فأجابه هاتف من شماله وهو يقول: بشر الجن وابلاسها * أن وضعت المطي أحلاسها وكلات السماء أحراسها قال فوثبت مذعورا وعلمت أن محمدا مرسل، فركبت فرسي واحتثثت (2) السير حتى انتهيت إليه فبايعته ثم انصرفت إلى ضماد فأحرقته بالنار ثم رجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنشدته شعرا أقول فيه: لعمرك إني يوم أجعل جاهلا * ضمادا لرب العالمين مشاركا وتركي رسول الله والاوس حوله * أولئك أنصار له ما أولئكا كتارك سهل الارض والحزن يبتغي * ليسلك في وعث الامور المسالكا (3) فآمنت بالله الذي أنا عبده * وخالفت من أمسى يريد المهالكا (4) ووجهت وجهي نحو مكة قاصدا * أبايع نبي الاكرمين المباركا نبي أتانا بعد عيسى بناطق * من الحق فيه الفصل فيه كذلكا أمين على القرآن أول شافع * وأول مبعوث يجيب الملائكا تلافى عرى الاسلام بعد انتقاضها * فأحكمها حتى أقام المناسكا عنيتك يا خير البرية كلها * توسطت في الفرعين والمجد مالكا وانت المصفى من قريش إذا سمت * على ضمرها تبقى القرون المباركا إذا انتسب الحيان كعب ومالك * وجدناك محضا والنساء العواركا (5)
قال الخرائطي: وحدثنا عبد الله بن محمد البلوي بمصر، حدثنا عمارة بن زيد، حدثنا إسحاق بن بشر، وسلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، حدثني شيخ من الانصار يقال له:
__________
(1) هي ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(2) في الدلائل: وأجشمت: أي أسرعت (3) الحزن: الارض الصعبة.
(4) خالفت من أمسى: أي تركت عبادة الاصنام، والحجر الذي أوصاه أبوه بعبادته، يعني ضمار.
(5) قال في هامش سيرة ابن كثير ج 1 / 360: على ذلك الشعر - مع ما فيه من ركاكة - علامات الصنعة والافتراء منها: - لم يخص الاوس بالذكر مع أنهم بعد الاسلام لم يعد لهم ذكر مستقل بل هم والخزرج الانصار.
- قوله ووجهت وجهي نحو مكة..مع أنه تحدث عن النبي والاوس حوله وذلك في المدينة، ومع أنه ذكر في حديثه أنه كان بعد رجوع الناس من الاحزاب.
- كيف علم ابن مرداس - وهو حديث الاسلام - أن رسول الله أول شافع.
[ * ]

(2/418)


عبد الله بن محمود من آل محمد بن مسلمة قال بلغني أن رجالا من خثعم كانوا يقولون: إن مما دعانا إلى الاسلام أنا كنا قوما نعبد الاوثان فبينا نحن ذات يوم عند وثن لنا إذ أقبل نفر يتقاضون إليه يرجون الفرج من عنده لشئ شجر بينهم إذ هتف بهم هاتف يقول: يا أيها الناس ذوو الاجسام * من بين أشياخ إلى غلام ما أنتم وطائش الاحلام * ومسند الحكم إلى الاصنام أكلكم في حيرة نيام * أم لا ترون ما الذي أمامي من ساطع يجلو دجى الظلام * قد لاح للناظر من تهام ذاك نبي سيد الانام * قد جاء بعد الكفر بالاسلام أكرمه الرحمن من امام * ومن رسول صادق الكلام
أعدل ذي حكم من الاحكام * يأمر بالصلاة والصيام والبر والصلات للارحام * ويزجر الناس عن الآثام والرجس والاوثان والحرام * من هاشم في ذروة السنام مستعلنا في البلد الحرام قال فلما سمعنا ذلك تفرقنا عنه وآتينا النبي صلى الله عليه وسلم فأسلمنا (1).
وقال الخرائطي: حدثنا عبد الله البلوي، حدثنا عمارة، حدثني عبيد الله بن العلاء، حدثنا محمد بن عكبر، عن سعيد بن جبير، أن رجلا من بني تميم يقال له رافع بن عمير - وكان أهدى الناس للطريق وأسراهم بليل، وأهجمهم على هول، وكانت العرب تسميه لذلك دعموص العرب لهدايته وجراوته على السير - فذكر عن بدء إسلامه قال: إني لاسير برمل عالج (2) ذات ليلة إذ غلبني النوم، فنزلت عن راحلتي ونختها وتوسدت ذراعها، ونمت وقد تعوذت قبل نومي فقلت: أعوذ بعظيم هذا الوادي (3) من الجن من أن أوذى أو أهاج فرأيت في منامي رجلا شايا يرصد ناقتي وبيده حربة يريد أن يضعها في نحرها، فانتبهت لذلك فزعا فنظرت يمينا وشمالا فلم أر شيئا، فقلت هذا حلم ثم عدت فغفوت فرأيت في منامي مثل رؤياي الاولى فانتبهت فدرت حول ناقتي فلم أر شيئا وإذا ناقتي ترعد، ثم غفوت فرأيت مثل ذلك فانتبهت فرأيت ناقتي تضطرب والتفت فإذا أنا برجل شاب كالذي رأيت في المنام بيده حربة ورجل شيخ ممسك بيده يرده عنها وهو يقول: يا مالك بن مهلل بن دثار * مهلا فدى لك مئزري وإزاري
__________
(1) الخبر نقله أبو نعيم في الدلائل ص 33 عن رجل من خثعم مختصرا.
(2) رمل عالج: رمل مرتفع.
(3) وهو قول أهل الجاهلية.
[ * ]

(2/419)


عن ناقة الانسي لا تعرض لها * واختر بها ما شئت من أثواري
ولقد بدا لي منك ما لم أحتسب * ألا رعيت قرابتي وذماري (1) تسمو إليه بحربة مسمومة * تبا لفعلك يا أبا الغفار لولا الحياء وأن أهلك جيرة * لعلمت ما كشفت من أخباري قال فأجابه الشاب وهو يقول: أأردت أن تعلو وتخفض ذكرنا * في غير مزرية أبا العيزار ما كان فيهم سيد فيما مضى * إن الخيار همو بنو الاخيار فاقصد لقصدك يا معكبر أنما * كان المجير مهلهل بن دثار قال فبينما هما يتنازعان إذ طلعت ثلاثة أنوار من الوحش فقال الشيخ للفتى قم يا ابن أخت فخذ أيها شئت فداء لناقة جاري الانسي، فقام الفتي فأخذ منها ثورا وانصرف.
ثم التفت إلى الشيخ فقال يا هذا إذا نزلت واديا من الاودية فخفت هوله فقل أعوذ بالله رب محمد من هول هذا الوادي ولا تعذ بأحد من الجن فقد بطل أمرها، قال فقلت له: ومن محمد هذا ؟ قال نبي عربي، لا شرقي ولا غربي بعث يوم الاثنين.
قلت وأين مسكنه ؟ قال: يثرب ذات النخل.
قال: فركبت راحلتي حين برق لي الصبح، وجددت السير حتى تقحمت المدينة فرآني رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثني بحديثي قبل أن أذكر له منه شيئا ودعاني إلى الاسلام فأسلمت.
قال سعيد بن جبير وكنا نرى أنه هو الذي أنزل الله فيه: (وإنه كان رجال من الانس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا) [ الجن: 6 ] وروى الخرائطي من طريق إبراهيم بن اسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، عن داود بن الحسين، عن عكرمة، عن ابن عباس عن علي ; قال: إذا كنت بواد تخاف السبع فقل: أعوذ بدانيال والجب، من شر الاسد.
وروى البلوي عن عمارة بن زيد، عن إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق: حدثني يحيى بن عبد الله بن الحارث، عن أبيه، عن ابن عباس قصة قتال علي الجن بالبئر ذات العلم التي بالجحفة حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم يستقي لهم الماء فأرادوا منعه وقطعوا الدلو فنزل إليهم، وهي قصة مطولة منكرة جدا.
والله أعلم.
وقال الخرائطي: حدثني أبو الحارث: محمد بن مصعب الدمشقي وغيره، حدثنا
سليمان بن بنت شرحبيل الدمشقي، حدثنا عبد القدوس بن الحجاج، حدثنا خالد بن سعيد، عن الشعبي، عن رجل قال: كنت في مجلس عمر بن الخطاب وعنده جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يتذاكرون فضائل القرآن فقال بعضهم خواتيم سورة النحل، وقال بعضهم سورة يس، وقال علي فأين أنتم عن فضيلة آية الكرسي أما إنها سبعون كلمة في كل كلمة بركة.
قال وفي القوم عمرو بن معدي كرب لا يحير جوابا، فقال أين أنتم عن بسم الله الرحمن الرحيم ؟ فقال عمر
__________
(1) الذمار: ما يلزم حفظه ورعايته.
[ * ]

(2/420)


حدثنا يا أبا ثور.
قال بينا أنا في الجاهلية إذ جهدني الجوع فأقحمت فرسي في البرية فما أصبت الابيض النعام، فبينا أنا أسير إذا أنا بشيخ عربي في خيمة، وإلى جانبه جارية كأنها شمس طالعة ومعه غنيمات له، فقلت له استأسر ثكلتك أمك.
فرفع رأسه إلي وقال: يا فتى إن أردت قرى فانزل ؟ وإن أردت معونة اعناك ؟ فقلت له استأسر فقال: عرضنا عليك النزل منا تكرما * فلم ترعوي جهلا كفعل الاشائم (1) وجئت ببهتان وزور ودون ما * تمنيته بالبيض حز الغلاصم (2) قال ووثب إلي وثبة وهو يقول: بسم الله الرحمن الرحيم.
فكأني مثلت تحته.
ثم قال اقتلك أم أخلي عنك ؟ قلت بل خل عني قال فخلي عني.
ثم إن نفسي جاذبتني بالمعاودة.
فقلت استأسر ثكلتك أمك فقال: ببسم الله والرحمن فزنا * هنالك والرحيم به قهرنا وما تغني جلادة ذي حفاظ * إذا يوما لمعركة برزنا ثم وثب لي وثبة كأني مثلت تحته.
فقال أقتلك أم أخلي عنك ؟ قال: قلت: بل خل عني.
فخلى عني فانطلقت غير بعيد.
ثم قلت في نفسي يا عمرو أيقهرك هذا الشيخ.
والله للموت خير لك من الحياة، فرجعت إليه فقلت له استأسر ثكلتك أمك.
فوثب إلي وثبة وهو يقول بسم الله الرحمن الرحيم، فكأني مثلت تحته، فقال أقتلك أم أخلي عنك ؟ قلت بل خل عني
فقال: هيهات، يا جارية إئتيني بالمدية فأتته بالمدية فجز ناصيتي، وكانت العرب إذا ظفرت برجل فجزت ناصيته استعبدته، فكنت معه أخدمه مدة.
ثم إنه قال يا عمرو أريد أن تركب معي البرية وليس بي منك وجل، فإني ببسم الله الرحمن الرحيم لواثق، قال: فسرنا حتى أتينا واديا أشبا مهولا مغولا.
فنادى بأعلى صوته: بسم الله الرحمن الرحيم.
فلم يبق طير في وكره إلا طار.
ثم أعاد القول فلم يبق سبع في مربضه إلا هرب، ثم أعاد الصوت فإذا نحن بحبشي قد خرج علينا من الوادي كالنخلة السحوق، فقال لي: يا عمرو إذا رأيتنا قد اتحدنا فقل غلبه صاحبي ببسم الله الرحمن الرحيم.
قال فلما رأيتهما قد اتحدا قلت غلبه صاحبي باللات والعزى فلم يصنع الشيخ شيئا، فرجع إلي وقال: قد علمت أنك قد خالفت قولي.
قلت أجل ولست بعائد، فقال إذا رأيتنا قد اتحدنا فقل غلبه صاحبي: ببسم الله الرحمن الرحيم، فقلت أجل فلما رأيتهما قد اتحدا قلت غلبه صاحبي ببسم الله الرحمن الرحيم، فاتكأ عليه الشيخ فبعجه بسيفه باشتق بطنه فاستخرج منه شيئا كهيئة القنديل الاسود ثم قال يا عمرو هذا غشه وغله (3).
ثم قال أتدري من
__________
(1) ارعوى: اهتدى بعد ضلال.
(2) الغلاصم: اللحم بين الرأس والعنق.
والبيض: المراد هنا: ابنته وحريمه.
(3) الغل: الحقد ; والغش.
[ * ]

(2/421)


تلك الجارية ؟ قلت لا، قال تلك الفارعة بنت السليل الجرهمي من خيار الجن.
وهؤلاء أهلها بنو عمها يغزونني منهم كل عام رجل ينصرني الله عليه ببسم الله الرحمن الرحيم.
ثم قال قد رأيت ما كان مني إلى الحبشي.
وقد غلب علي الجوع فائتني بشئ آكله، فأقحمت فرسي البرية فما أصبت الابيض النعام، فأتيته به فوجدته نائما، وإذا تحت رأسه شئ كهيئة الحشبة، فاستللته فإذا هو سيف عرضه شبر في سبعة أشبار، فضربت ساقيه ضربة أبنت الساقين مع القدمين، فاستوى على قفا ظهره وهو يقول قاتلك الله ما اغدرك يا غدار.
قال عمر: ثم ماذا صنعت ؟ قلت فلم أزل أضربه بسيفي حتى قطعته إربا إربا.
قال فوجم لذلك ثم أنشأ يقول:
بالغدر نلت أخا الاسلام عن كثب * ما إن سمعت كذا بي سالف العرب والعجم تأنف مما جئته كرما * تبا لما جئته في السيد الارب (1) إني لاعجب أني نلت قتلته * أم كيف جازاك عند الذنب لم تنب ؟ قرم عفا عنك مرات وقد علقت * بالجسم منك يداه موضع العطب لو كنت آخذ في الاسلام ما فعلوا * في الجاهلية أهل الشرك والصلب إذ لنالتك من عدلي مشطبة * تدعو لذائقها بالويل والحرب (2) قال ثم ما كان من حال الجارية ؟ قلت ثم إني أتيت الجارية.
فلما رأتني قالت: ما فعل الشيخ ؟ قلت: قتله الحبشي، فقالت كذبت بل قتلته أنت بغدرك ثم أنشأت تقول: يا عين جودي للفارس المغوار * ثم جودي بواكفات غزار (3) لا تملي البكاء إذ خانك الد * هر بواف حقيقة صبار وتقي وذي وقار وحلم * وعديل الفخار يوم الفخار لهف نفسي على بقائك عمرو * أسلمتك الاعمار للاقدار ولعمري لو لم ترمه بغدر * رمت ليثا كصارم بتار (4) قال فأحفظني قولها فاستللت سيفي ودخلت الخيمة لاقتلها فلم أر في الخيمة أحدا فاستقت الماشية وجئت إلى أهلي.
وهذا أثر عجيب.
والظاهر أن الشيخ كان من الجان وكان ممن أسلم وتعلم القرآن، وفيما تعلمه بسم الله الرحمن الرحيم.
وكان يتعوذ بها.
__________
(1) الارب: العاقل.
(2) مشطبة: أي مهلكة.
والعدل: الجزاء.
(3) واكفات: الدموع المنسكبة.
(4) أقول: بل هو أسطورة لا سبيل إلى تصديقها ; وإن كان الاقدمون لا يجدون غضاضة في نقل هذه الاخبار وروايتها، فنحن لسنا ملزمين بتصديقها ; إلا بعد نقدها وتمحيصها فمثل هذه الاخبار والاشعار لا تثبت أمام النقد العقلي والعلمي.
[ * ]

(2/422)


وقال الخرائطي: حدثنا عبد الله بن محمد البلوي حدثنا عمارة بن زيد، قال: حدثني عبد الله بن العلاء عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن جدته أسماء بنت أبي بكر قالت: كان زيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل يذكران انهما أتيا النجاشي بعد رجوع أبرهة من مكة، قالا فلما دخلنا عليه قال لنا أصدقائي أيها القرشيان هل ولد فيكم مولود أراد أبوه ذبحه فضرب عليه بالقداح فسلم ونحرت عنه إبل كثيرة ؟ قلنا نعم.
قال فهل لكما علم به ما فعل ؟ قلنا تزوج امرأة يقال لها آمنة بنت وهب تركها حاملا وخرج، قال فهل تعلمان ولد أم لا ؟ قال ورقة بن نوفل أخبرك أيها الملك أني ليلة قد بث عند وثن لنا كنا نطيف به، ونعبده إذ سمعت من جوفه هاتفا يقول: ولد النبي فدلت الاملاك * ونأى الضلال وأدبر الاشراك ثم انتكس الصنم على وجهه.
فقال زيد بن عمرو بن نفيل عندي كخبره أيها الملك.
قال هات قال أتا في مثل هذه الليلة التي ذكر فيها حديثه خرجت من عند أهلي وهم يذكرون حمل آمنة حتى أتيت جبل أبي قيس أريد الخلو فيه لامر رابني إذ رأيت رجلا نزل من السماء له جناحان أخضران، فوقف على أبي قبيس ثم أشرف على مكة فقال: ذل الشيطان وبطلت الاوثان ولد الامين.
ثم نشر ثوبا معه وأهوى به نحو المشرق والمغرب فرأيته قد جلل ما تحت السماء وسطع نور كاد أن يختطف بصري وهالني ما رأيت.
وخفق الهاتف بجناحيه حتى سقط على الكعبة.
فسطع له نور أشرقت له تهامة.
وقال: ذكت الارض وأدت ربيعها.
وأومأ إلى الاصنام التي كانت على الكعبة فسقطت كلها.
قال النجاشي ويحكما أخبر كما عما أصابني، إني لنائم في الليلة التي ذكرتما في قبة وقت خلوتي، إذ خرج على من الارض عنق ورأس، وهو يقول حل الويل بأصحاب الفيل، رمتهم طير أبابيل، بحجارة من سجيل هلك الاشرم المعتدي المجرم، وولد النبي الامي، المكي الحرمي، من أجابه سعد، ومن أباه عتد.
ثم دخل الارض فغاب فذهبت أصيح فلم أطق الكلام، ورمت القيام فلم أطق القيام، فصرعت القبة بيدي ؟ فسمع بذلك أهلي فجاؤوني فقلت
احجبوا عني الحبشة فحجبوهم عني ثم أطلق عن لساني ورجلي.
وسيأتي (1) إن شاء الله تعالي في قصة المورد رؤيا كسرى في سقوط أربع عشرة شرافة من إيوانه، وخمود نيرانه ورؤياه مومذانة، وتفسيره سطيح لذلك على يدي عبد المسيح.
وروى الحافظ أبو القاسم بن عساكر في تاريخه في ترجمة الحارث بن هانئ بن المدلج بن المقداد بن زمل بن عمرو العذري عن أبيه عن جده عن أبيه عن زمل بن عمرو العذري قال: كان لبني عذرة صنم يقال له حمام وكانوا يعظمونه وكان في بني هند بن حرام بن ضبة بن عبد بن كثير (2) بن عذرة وكان سادنه
__________
(1) قد تقدم ذلك، فليراجع في مكانه.
(2) كذا في الاصول والصواب: كبير كما في أسد الغابة 1 / 205 والاصابة ج 1 / [ * ]

(2/423)


رجلا يقال له طارق وكانوا يعترون عنده.
فلما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعنا صوتا يقول يا بني هند بن حرام.
ظهر الحق وأودى صمام ودفع الشرك الاسلام.
قال ففزعنا لذلك وهالنا فمكثنا أياما.
ثم سمعنا صوتا وهو يقول: يا طارق يا طارق.
بعث النبي الصادق، يوحى ناطق، صدع صادع بأرض تهامة، لناصريه السلامة، ولخاذليه الندامة، هذا الوداع مني إلى يوم القيامة.
قال زمل فوقع الصنم لوجهه.
قال فابتعت راحلة ورحلت حتى أتيت النبي صلى الله عليه وسلم مع نفر من قومي وأنشدته شعرا قلته: اليك رسول الله أعملت نصها * وكلفتها حزنا وغورا من الرمل لانصر خير الناس نصرا مؤزرا * وأعقد حبلا من حبالك في حبلي وأشهد أن الله لا شئ غيره * أدين به ما أثقلت قدمي نعلي قال فأسلمت وبايعته.
وأخبرناه بما سمعنا فقال: " ذاك من كلام الجن ".
ثم قال: " يا معشر العرب إني رسول الله إليكم وإلى الانام كافة، أدعوهم إلى عبادة الله وحده، وإني رسوله وعبده، وأن تحجوا البيت وتصوموا شهرا من إثني عشر شهرا وهو شهر رمضان، فمن أجابني فله الجنة نزلا، ومن عصاني كانت النار له منقلبا ".
قال فأسلمنا وعقد لنا لواء.
وكتب لنا كتابا
نسخته: " بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله لزمل بن عمرو ومن أسلم معه خاصة إني بعثته إلى قومه عامدا (1) فمن أسلم ففي حزب الله ورسوله.
ومن أبى فله أمان شهرين.
شهد علي بن أبي طالب ومحمد بن مسلمة الانصاري " (2) ثم قال ابن عساكر: غريب جدا.
وقال سعيد بن يحيى بن سعيد الاموي في مغازيه: حدثني محمد بن سعيد - يعني عمه -.
قال قال محمد بن المنكدر إنه ذكر لي عن ابن عباس قال هتف هاتف من الجن على أبي قبيس فقال: قبح الله رأيكم آل فهر * ما أدق العقول والافهام (3) حين تعصى لمن يعيب عليها * دين آبائها الحماة الكرام حالف الجن جن بصرى عليكم * ورجال النخيل والآطام (4) توشك الخيل أن تردها تهادى * تقتل القوم في حرام بهام (5)
__________
(1) في مكاتيب الرسول: عامة.
(2) في ترجمته في أسد الغابة والاصابة: ذكرا أنه صلى الله عليه وسلم عقد له لواء على قومه وكتب له كتابا ولم يزل معه ذلك اللواء حتى شهد به صفين مع معاوية ; وذكر الكتاب في زاد المعاد وذكرت الكتاب في مجموعة الوثائق منقولا عن رسالات نبوية.
لابن القيم.
(3) في دلائل أبي نعيم ص (30): قبح الله رأي كعب بن فهر * ما أرق العقول والاحلام (4) أي رجال الانصار، والمراد هنا أهل المدينة.
(5) في الدلائل: في بلاد التهام ; أي تهامة.
[ * ]

(2/424)


هل كريم منكم له نفس حر * ماجد الوالدين والاعمام ضارب ضربة تكون نكالا * ورواحا من كربة واغتمام قال ابن عباس فأصبح هذا الشعر حديثا لاهل مكة يتناشدونه بينهم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هذا شيطان يكلم الناس في الاوثان يقال له مسعر، والله مخزيه " فمكثوا ثلاثة
أيام فإذا هاتف يهتف على الجبل يقول: نحن قتلنا في ثلاث مسعرا * إذ سفه الجن وسن المنكرا قنعته سيفا حساما مشهرا * بشتمه نبينا المطهرا (1) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هذا عفريت من الجن اسمه سمج (2) آمن بي سميته عبد الله أخبرني أنه في طلبه ثلاثة أيام " فقال علي جزاه الله خيرا يا رسول الله.
وقد روى الحافظ أبو نعيم في الدلائل قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر حدثنا أبو الفضل محمد بن عبد الرحمن بن موسى بن أبي حرب الصفار.
حدثنا عباس بن الفرج الرياشي، حدثنا سليمان بن عبد العزيز بن أبي ثابت، عن أبيه، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب عن ابن عباس عن سعد بن عبادة قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حضرموت في حاجة قبل الهجرة، حتى إذا كنت في بعض الطريق ساعة من الليل فسمعت هاتفا يقول: أبا عمرو تناوبني (3) السهود * وراح النوم وامتنع الهجود لذكر عصابة سلفوا وبادوا * وكل الخلق قصرهم يبيد تولوا واردين إلى المنايا * حياضا ليس منهلها الورود مضوا لسبيلهم وبقيت خلفا * وحيدا ليس يسعفني وحيد سدى لا أستطيع علاج أمر * إذا ما عالج الطفل الوليد فلايا ما بقيت إلى أناس * وقد باتت بمهلكها ثمود وعاد والقرون بذي شعوب * سواء كلهم إرم حصيد قال ثم صاح به آخر: يا خرعب ذهب بك العجب إن العجب كل العجب بين زهرة
__________
(1) في الاصابة ج 2 / 78 عن الفاكهي في كتاب مكة ورد البيتان: نحن قتلنا مسعرا * لما طغى واستكبرا وصغر الحق وسن المنكرا * بشتمه نبينا المطهرا (2) في الاصابة: سمحج.
والخبر في دلائل النبوة لابي نعيم ص 30 وأخرجه الفاكهي في كتاب مكة عن ابن عباس عن عامر بن ربيعة ومن طريق حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه بنحوه كما في الاصابة ج 2 / 78.
(3) في نسخ البداية المطبوعة: ناوبني، والصواب ما أثبتناه.
[ * ]

(2/425)


ويثرب.
قال وما ذاك يا شاحب ؟ قال نبي السلام، بعث بخير الكلام إلى جميع الانام، فاخرج من البلد الحرام إلى نخيل وآطام.
قال ما هذا النبي المرسل والكتاب المنزل، والامي المفضل ؟ قال رجل من ولد لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة.
قال هيهات فات عن هذا سني، وذهب عنه زمني لقد رأيتني والنضر بن كنانة نرمي غرضا واحدا، ونشرب حلبا باردا، ولقد خرجت به من دوحة في غداة شبمة (1) وطلع مع الشمس وغرب معها، يروى ما يسمع ويثبت ما يبصر.
ولئن كان هذا من ولده لقد سل السيف وذهب الخوف، ودحض الزنا، وهلك الربا.
قال فاخبرني ما يكون ؟ قال ذهبت الضراء والبؤس والمجاعة، والشدة والشجاعة، إلا بقية في خزاعة.
وذهبت الضراء والبؤس، والخلق المنفوس إلا بقية من الخزرج والاوس.
وذهبت الخيلاء والفخر، والنميمة والغدر، إلا بقية في بني بكر.
يعني ابن هوازن.
وذهب الفعل المندم والعمل المؤثم، إلا بقية في خثعم.
قال أخبرني ما يكون ؟ قال إذا غلبت البرة، وكظمت الحرة، فاخرج من بلاد الهجرة، وإذا كف السلام، وقطعت الارحام فاخرج من البلد الحرام.
قال أخبرني ما يكون ؟ قال لولا أذن تسمع، وعين تلمع لاخبرتك بما تفزع.
ثم قال: لا منام هدأته بنعيم * يا ابن غوط ولا صباح أتانا قال ثم صرصر صرصرة كأنها صرصرة حبلى، فذهب الفجر فذهبت لانظر فإذا عظاية (2) وثعبان ميتان.
قال فما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هاجر إلى المدينة إلا بهذا الحديث.
ثم رواه عن محمد بن جعفر عن إبراهيم بن علي عن النضر بن سلمة عن حسان بن عبادة بن موسى عن عبد الحميد بن بهرام عن شهر عن ابن عباس عن سعد بن عبادة.
قال: لما بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة خرجت إلى حضرموت لبعض الحاج، قال فقضيت حاجتي ثم أقبلت حتى إذا كنت
ببعض الطريق نمت، ففزعت من الليل بصائح يقول: أبا عمرو تناوبني السهود * وراح النوم وانقطع الهجود وذكر مثله بطوله.
وقال أبو نعيم: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا إبراهيم بن علي حدثنا النضر بن سلمة حدثنا أبو غزية محمد بن موسى عن العطاف بن خالد الوصابي عن خالد بن سعيد عن أبيه قال سمعت تميما الداري يقول: كنت بالشام حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم، فخرجت لبعض حاجتي فأدركني الليل.
فقلت أنا في جواز عظيم هذا الوادي الليلة.
قال فلما أخذت مضجعي إذا أنا بمناد ينادي - لا أراه - عذبا لله فإن الجن لا تجير أحدا على الله فقلت أيم الله تقول ؟ فقال قد خرج رسول الاميين رسول الله وصلينا خلفه بالحجون (3).
فأسلمنا واتبعناه وذهب كيد الجن ورميت بالشهب.
فانطلق
__________
(1) شبحة: باردة.
(2) عظاية: دويبة ملساء تمشي مشيا سريعا ثم تقف.
(3) الحجون: جبل بأعلى مكة.
وقال السكري: مكان من البيت على ميل ونصف.
ياقوت 2 / 225.
[ * ]

(2/426)


إلى محمد رسول رب العالمين فأسلم.
قال تميم فلما أصبحت ذهبت إلى دير أيوب (1) فسألت راهبا وأخبرته الخبر.
فقال الراهب: قد صدقوك يخرج من الحرم مهاجره الحرم وهو خير الانبياء فلا تسبق إليه.
قال تميم فتكلفت الشخوص حتى جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت.
وقال حاتم بن إسماعيل عن عبد الله بن يزيد الهذلي عن عبد الله بن ساعدة الهذلي، عن أبيه قال: كنا عند صنمنا سواع، وقد جلبنا إليه غنما لنا مائتي شاة قد أصابها حرب، فأدنيناها منه لنطلب بركته فسمعت مناديا من جوف الصنم ينادي قد ذهب كيد الجن، ورمينا بالشهب لنبي اسمه أحمد.
قال فقلت غويت والله.
فصدقت وجه غنمي منجدا إلى أهلي فرأيت رجلا.
فخبرني بظهور النبي صلى الله عليه وسلم.
ذكره أبو نعيم هكذا معلقا ثم قال: حدثنا عمر بن محمد بن جعفر حدثنا إبراهيم بن السندي حدثنا النضر بن سلمة حدثنا محمد بن مسلمة المخزومي حدثنا يحيى بن
سليمان عن حكيم بن عطاء الظفري - من بني سليم من ولد راشد بن عبد ربه - عن أبيه عن جده عن راشد بن عبد ربه قال كان الصنم الذي يقال له سواع بالمعلاة من رهط تدين له هذيل وبنو ظفر بن سليم فأرسلت بنو ظفر راشد بن عبد ربه بهدية من سليم إلى سواع قال راشد فألقيت مع الفجر إلى صنم قبل صنم سواع، فإذا صارخ يصرخ من جوفه: العجب كل العجب من خروج نبي من بني عبد المطلب، يحرم الزنا والربا والذبح للاصنام.
وحرست السماء ورمينا بالشهب العجب كل العجب.
ثم هتف صنم آخر من جوفه ترك الضمار وكان يعبد، خرج النبي أحمد، يصلى الصلاة ويأمر بالزكاة والصيام، والبر والصلات للارحام.
ثم هتف من جوف صنم آخر هاتف يقول: إن الذي ورث النبوة والهدى * بعد ابن مريم من قريش مهتد نبي أتى يخبر بما سبق * وبما يكون اليوم حقا أو غد (2) قال راشد: فألفيت سواعا مع الفجر وثعلبان يلحسان ما حوله، ويأكلان ما يهدي له، ثم يعوجان عليه ببولهما، فعند ذلك يقول راشد بن عبد ربه: أرب يبول الثعلبان برأسه * لقد ذل من بالت عليه الثعالب وذلك عند مخرج النبي صلى الله عليه وسلم ومهاجره إلى المدينة وتسامع الناس به فخرج راشد حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ومعه كلب له، واسم راشد يومئذ ظالم، واسم كلبه راشد فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ما اسمك " قال ظالم.
قال: " فما اسم كلبك ؟ " قال راشد، قال: " اسمك راشد، واسم
__________
(1) دير أيوب: قرية بحوران بنواحي دمشق وبها قبر أيوب عليه السلام.
ياقوب 2 / 499.
(2) البيت الثاني لم يرد في سبل الهدى والرشاد ولا في سيرة ابن هشام وورد قبل البيت الاول بيتان تقدما: قل للقبائل من سليم كلها..أو دى ضماد وكان يعبد مرة.
[ * ]

(2/427)


كلبك ظالم " وضحك النبي صلى الله عليه وسلم.
وبايع النبي صلى الله عليه وسلم وأقام بمكة معه ثم طلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قطيعة برهاط - ووصفها له - فاقطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمعلاة (1) من رهاط (2) شأو الفرس، ورميته ثلاث مرات بحجر، وأعطاه إداوة مملوءة من ماء وتفل فيها وقال له " فرغها في أعلا القطيعة ولا تمنع الناس فضلها " ففعل فجعل الماء معينا يجري إلى اليوم فغرس عليها النخل.
ويقال إن رهاط كلها تشرب منه فسماها الناس ماء الرسول صلى الله عليه وسلم.
وأهل رهاط يغتسلون بها وبلغت رمية راشد الركب الذي يقال له ركب الحجر، وغدا راشد على سواع فكسره.
وقال أبو نعيم: حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا علي بن إبراهيم الخزاعي الاهوازي حدثنا أبو محمد عبد الله بن داود بن دلهاث بن اسماعيل بن مسرع بن ياسر بن سويد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا أبي عن أبيه دلهاث عن أبيه اسماعيل أن أباه عبد الله حدثه عن أبيه مسرع بن ياسر أن أباه ياسر حدثه عن عمرو بن مرة الجهني أنه كان يحدث قال: خرجت حاجا في جماعة من قومي في الجاهلية.
فرأيت في المنام وأنا بمكة نورا ساطعا من الكعبة حتى أضاء في جبل يثرب وأشعر (3) جهينة.
فسمعت صوتا في النور وهو يقول: انقشعت الظلماء، وسطح الضياء، وبعث خاتم الانبياء ثم أضاء إضاءة أخرى حتى نظرت إلى قصور الحيرة وأبيض المدائن.
فسمعت صوتا في النور وهو يقول: ظهر الاسلام وكسرت الاصنام، ووصلت الارحام فانتبهت فزعا، فقلت لقومي والله ليحدثن في هذا الحي من قريش حدث، وأخبرتهم بما رأيت.
فلما انتهينا إلى بلادنا جاءنا رجل فأخبرنا أن رجلا يقال له أحمد قد بعث فأتيته فأخبرته بما رأيت فقال " يا عمرو بن مرة إني (4) المرسل إلى العباد كافة أدعوهم إلى الاسلام، وآمرهم بحقن الدماء وصلة الارحام، وعبادة الله [ وحده ] ورفض الاصنام، وحج البيت.
وصيام شهر من اثني عشر شهرا وهو شهر رمضان، فمن أجاب فله الجنة.
ومن عصى فله النار، فآمن يا عمرو بن مرة يؤمنك من نار (5) جهنم " فقلت أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله.
آمنت بكل ما جئت
__________
(1) المصلاة: موضع بين مكة وبدر بينه وبين بدر الاثيل.
(2) في نسخ البداية المطبوعة وهاط وهو تحريف، والصواب رهاط: قال ابن الكلبي اتخذت هذيل سواعا ربا برهاط من أرض ينبع، وينبع عرض من أعراض المدينة.
وقال عرام رهاط: قرية بقرب مكة على طريق المدينة ياقوت 3 / 107.
(3) أشعر جهينة: في مجمع الزوائد: أسعر.
وهو جبل جهينة بين المدينة والشام ينحدر على ينبع.
ياقوت 1 / 198.
(4) عند الروياني وابن عساكر ومجمع الزوائد: أنا النبي المرسل.
(5) في المصادر السابقة: هول.
[ * ]

(2/428)


به من حلال وحرام، وإن أرغم ذلك كثيرا من الاقوام، ثم أنشدته أبياتا قلتها حين سمعت به وكان لنا صنم وكان أبي سادنا له فقمت إليه فكسرته ثم لحقت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أقول: شهدت بأن الله حق وأنني * لآلهة الاحجار أول تارك فشمرت عن ساقي إزار مهاجر * اليك أدب الغور بعد الدكادك (1) لاصحب خير الناس نفسا ووالدا * رسول مليك الناس فوق الحبائك (2) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " مرحبا بك يا عمرو بن مرة ".
فقلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي إبعث بي إلى قومي، لعل الله أن يمن بي عليهم كما من بك علي، فبعثني إليهم وقال: " عليك بالقول السديد ولا تكن فظا ولا متكبرا ولا حسودا " فأتيت قومي فقلت لهم: يا بني رفاعة ثم يا بني جهينة إني رسول من رسول الله إليكم أدعوكم إلى الجنة، وأحذركم النار، وآمركم بحقن الدماء، وصلة الارحام، وعبادة الله، ورفض الاصنام، وحج البيت، وصيام شهر رمضان، شهر من إثني عشر شهرا.
فمن أجاب فله الجنة.
ومن عصى فله النار.
يا معشر جهينة إن الله - وله الحمد - جعلكم خيار من أنتم منه (3) وبغض اليكم في جاهليتكم ما حبب إلى غيركم من الرفث، لانهم كانوا يجمعون بين الاختين، ويخلف الرجل [ منهم ] على امرأة أبيه، والترات (4) في الشهر الحرام.
فأجيبوا هذا النبي المرسل صلى الله عليه وسلم من بني لؤي بن غالب.
تنالوا شرف الدنيا وكرامة الآخرة، سارعوا
سارعوا في ذلك يكون لكم فضيلة عند الله.
فأجابوا إلا رجلا منهم قام فقال: يا عمرو بن مرة أمر الله عليك عيشك، أتأمرنا أن نرفض آلهتنا ونفرق جماعتنا بمخالفة دين آبائنا إلى ما يدعو هذا القرشي من أهل تهامة ؟ لا ولا مرحبا ولا كرامة، ثم أنشأ [ الخبيث ] يقول: إن ابن مرة قد أتى بمقالة * ليست مقالة من يريد صلاحا إني لاحسب قوله وفعاله * يوما وإن طال الزمان رياحا أتسفه الاشياخ ممن قد مضى * من رام ذلك لا أصاب فلاحا فقال عمرو بن مرة: الكاذب مني ومنك أمر الله عيشه، وأبكم لسانه، وأكمه بصره.
قال عمرو بن مرة والله ما مات حتى سقط فوه وكان لا يجد طعم الطعام، وعمي وخرس.
وخرج عمرو بن مرة ومن أسلم من قومه حتى أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فرحب بهم وحباهم وكتب لهم كتابا هذه نسخته:
__________
(1) في مجمع الزوائد: وشمرت عن ساق الازار مهاجرا * إليك أحوز الفوز بعد الدكادك (2) الحبائك: جمع حبيكة ؟ وهي الطريقة بين النجوم ; والمراد: السماوات.
(3) أي من العرب.
(4) في ابن عساكر ومجمع الزوائد: والغزاة.
[ * ]

(2/429)


" بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله على لسان رسول الله بكتاب صادق، وحق ناطق، مع عمرو بن مرة الجهني لجهينة بن زيد إن لكم بطون الارض وسهولها، وتلاع الاودية وظهورها، ترعون نباته وتشربون صافيه.
على أن تقروا بالخمس، وتصلوا الصلوات الخمس، وفي التبعة والصريمة شاتان إن اجتمعتا، وإن تفرقتا فشاة شاة.
ليس على أهل الميرة صدقة، ليس الوردة اللبقة " (1).
وشهد من حضرنا من المسلمين بكتاب، قيس بن شماس رضي الله عنهم.
وذلك حين يقول عمرو بن مرة:
ألم تر أن الله أظهر دينه * وبين برهان القرآن لعامر (2) كتاب من الرحمن نور لجمعنا * وإحلافنا في كل باد وحاضر (3)
__________
(1) نص الكتاب كما ورد عن ابن عساكر في جمع الجوامع للسيوطي ورسالات نبوية لعبد المنعم خان ومجمع الزوائد 8 / 245.
بسم الله الرحمن الرحيم.
هذا كتاب من الله عزيز على لسان رسول بحق صادق وكتاب ناطق مع عمرو بن مرة، لجهينة بن زيد: إن لكم بطون الارض وسهولها، وتلاع الاودية وظهورها، على أن ترعوا نباتها وتشربوا ماءها.
على أن تؤدوا الخمس.
وتصلوا الخمس.
وفي التبعة والصريمة شاتان إذا اجتمعتا، فإن تفرقتا فشاة شاة.
ليس على أهل المثيرة صدقة ولا على الواردة لبقة ".
والله شهيد على ما بيننا ومن حضر من المسلمين كتاب قيس بن شماس ".
المعاني: - بطون الارض: البطون خلاف الظهر في كل شئ، ويقال للجهة السفلى بطن وللجهة العليا ظهر.
ويقال لكل غامض بطن ولكل ظاهر ظهر.
والمراد أن لكم الوهدة من الارض.
- تلاع الاودية: مسائل الماء من العلو إلى السفل.
فتلاعها ما انحدر من الاودية.
- التيعة: بكسر التاء وسكون الياء، وهي أدنى ما يجب فيه الزكاة ; من الحيوان الحيوان كالخمس في الابل.
- الصريمة: تصغير الصرمة، وهي القطيع من الابل والغنم، قيل من العشرين إلى الثلاثين إلى الاربعين كأنها إذا بلغت هذا القدر تستقل بنفسها، فيقطعها صاحبها عن معظم إبله وغنمه.
والمراد: عن مائة وإحدى وعشرين إلى المائتين إذا اجتمعت ففيها شاتان وإن كانت لرجلين وفرق بينهما فعلى كل واحد منهما شاة.
- المثيرة: لانها تثير الارض وذلك إرفاقا بهم ومداراة.
- ولا على الواردة لبقة: الوارد: الذي يتقدم القوم فيسقي لهم.
واللبقة: بفتح اللام وسكون الباء الظرف أي ليس عليهم أن يعطوا لمن يرد مياههم من المسلمين الظروف ; ولعل المراد: أنه لا يجب عليهم قرى العساكر المسلمين وإعانتهم حتى لبقة للماء التي لا كلفة في إعطائها.
(2) في رسالة من يسمى عمرا من الشعراء لابن الجراح: فرقان الفرقان.
(3) في مجمع الزوائد: كتاب من الرحمن يجعلنا معا * وأخلافنا في كل باد وحاضر [ * ]

(2/430)


إلى خير من يمشي على الارض كلها * وأفضلها عن اعتكار الصرائر (1) أطعنا رسول الله لما تقطعت * بطون الاعادي بالظبي والخواطر (2) فنحن قبيل قد بني المجد حولنا * إذا اجتلبت في الحرب هام الاكابر بنو الحرب نفريها بأيد طويلة * وبيض تلالا في أكف المغاور ترى حوله الانصار تحمي أميرهم * بسمر العوالي والصفاح البواتر (3) إذا الحرب دارت عند كل عظيمة * ودارت رحاها بالليوث الهواصر تبلج منه اللون وازداد وجهه * كمثل ضياء البدر بين الزواهر (4) وقال أبو عثمان سعيد بن يحيى الاموي في مغازيه: حدثنا عبد الله حدثنا أبو عبد الله حدثنا المجالد بن سعيد والاجلح عن الشعبي، حدثني شيخ من جهينة قال: مرض منا رجل مرضا شديدا فنقل حتى حفرنا له قبره وهيأنا أمره فأغمي عليه ثم فتح عينيه وأفاق فقال أحفرتم لي ؟ قالوا نعم، قال فما فعل الفصل - وهو ابن عم له - قلنا صالح مر آنفا يسأل عنك، قال أما إنه يوشك أن يجعل في حفرتي إنه أتاني آت حين أغمي علي فقال ابك هبل ؟ أما ترى حفرتك تنتثل، وأمك قد كادت تثكل ؟ أرأيتك أن حولناها عنك بالمحول، ثم ملاناها بالجندل، وقذفنا فيها الفصل، الذي مضى فأجزأك، وظن أن لن يفعل.
أتشكر لربك، تصل وتدع دين من أشرك وضل ؟ قال قلت نعم.
قال قم قد برئت.
قال فبرئ الرجل.
ومات الفصل فجعل في حفرته.
قال الجهيني: فرأيت الجهيني بعد ذلك يصلي ويسب الاوثان ويقع فيها.
وقال الاموي: حدثنا عبد الله قال بينما عمر بن الخطاب رضي الله عنه في مجلس يتحدثون عن الجن، فقال خريم بن فاتك الاسدي [ لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين ]: ألا أحدثك
كيف كان اسلامي ؟ قال بلى، قال إني يوما في طلب ذود (5) لي أنا منها على أثر تنصب وتصعد، حتى إذا كنت بأبرق العراق (6) انخت راحلتي وقلت أعوذ بعظيم (7) هذه البلدة أعوذ برئيس هذا
__________
(1) الضرائر ; في الوفا ومجمع الزوائد.
واعتكار الصرائر: تمازج الاصول ; والمراد هنا أنه صلى الله عليه وسلم أصفى الناس أصلا وأشرفهم نسبا.
(2) في مجمع الزوائد: بالظباء الخواطر.
(3) في مجمع الزوائد: والسيوف البواتر.
وفي الوفا: يحمون سربه بدل تحمي أميرهم.
(4) في مجمع الزوائد: وازدان بدل وازداد.
(5) في مجمع الزوائد في رواية ابن عباس: في بغاء إبل لي - وفي رواية أبي هريرة: نعم لي.
(6) كذا في الاصل: أبرق العراق وهو تحريف والصواب أبرق العزاف وهو رمل لبني سعد بجبيل هناك (من جبال الدهناء) وإنما سمي العزاف لانهم يسمعون به عزيف الجن وهو صوتهم.
وعن السكري: العزاف على اثني عشر ميلا من المدينة قال حسان: لمن الديار والرسوم العوافي * بين سلع فأبرق العزاف [ * ]

(2/431)


الوادي [ من سفهاء قومه ]، فإذا بهاتف يهتف بي: ويحك، عذ بالله ذي الجلال * والمجد والعلياء والافضال (1) ثم اتل آيات من الانفال * ووحد الله ولا تبالي (2) قال فذعرت ذعرا شديدا ثم رجعت إلى نفسي فقلت: يا أيها الهاتف ما تقول * أرشد عندك أم تضليل ؟ (3) * بين هداك الله ما الحويل * قال: فقال: هذا رسول الله ذو الخيرات * بيثرب يدعو إلى النجاة يأمر بالبر وبالصلاة * ويزع الناس عن الهنات (4)
قال: قلت له: والله لا أبرح حتى آتيه.
وأومن به، فنصبت رجلي في غرز راحلتي وقلت أرشدني أرشدني هديتا (5) * لا جعت ما عشت ولا عريتا ولا برحت سيدا مقيتا * لا تؤثر الخير الذي أتيتا (6)
__________
= مععم البلدان 4 / 118 معجم ما استعجم 3 / 94.
(7) في رواية ابن عباس: بعظيم هذا الوادي ; وهو قول أهل الجاهلية.
(1) في ابن عساكر: والنعماء والافضال.
وفي الاصابة ومجمع الزوائد: منزل الحلال والحرام.
(2) الابيات في مجمع الزوائد: ووحد الله ولا تبالي * ما هول ذي الجن من الاهوال إذ يذكر الله على الاميال * وفي سهول الارض والجبال وصار كبد الجن في سفال * إلا التقى وصالح الاعمال (3) في الاصابة ومجمع الزوائد: يا أيها الداعي ما تحيل.
(4) في رواية ابن عباس: هذا رسول الله ذو الخيرات * جاء بياسمين وحاميمات وسور بعده مفصلات * محرمات ومحللات يأمر بالصوم وبالصلاة * ويزجر الناس عن الهنات قد كن في الايام منكرات في الاصابة جاء البيت الثاني: محرمات محلالات * يأمرنا بالصوم وبالصلاة (5) في دلائل أبي نعيم، أرشدني بها هديتا..(6) في دلائل أبي نعيم: [ * ]

(2/432)


* على جميع الجن ما بقيتا * فقال (1): صاحبك الله وأدى رحلكا * وعظم الاجر وعافا نفسكا آمن به أفلج ربي حقكا * وانصره نصرا عزيزا نصركا قال قلت من أنت عافاك الله، حتى أخبره إذا قدمت عليه ؟ فقال أنا ملك بن ملك (2)، وأنا نقيبه على جن نصيبين.
وكفيت إبلك حتى أضمها إلى أهلك إن شاء الله.
قال فخرجت حتى أتيت المدينة يوم الجمعة والناس أرسال إلى المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم على المنبر كأنه البدر يخطب الناس، فقلت انيخ على باب المسجد حتى يصلى وأدخل عليه فأسلم وأخبره عن إسلامي، فلما انخت خرج إلي أبو ذر فقال مرحبا وأهلا وسهلا قد بلغنا إسلامك، فادخل فصل، ففعلت ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرني باسلامي قلت: الحمد لله.
قال: " أما إن صاحبك قد وفى لك وهو أهل ذلك، وأدى ابلك إلى أهلك " (3).
وقد رواه الطبراني في ترجمة خريم بن فاتك من معجمة الكبير قائلا حدثنا الحسين بن إسحاق اليسيري، حدثنا محمد بن إبراهيم الشامي، حدثنا عبد الله بن موسى الاسكندري، حدثنا محمد بن إسحاق عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة قال قال خريم بن فاتك لعمر بن الخطاب يا أمير المؤمنين ألا أخبرك كيف كان بدء إسلامي، قال بلى ! فذكره غير أنه قال فخرج إلي أبو بكر الصديق فقال أدخل، فقد بلغنا إسلامك، فقلت لا أحسن الطهور، فعلمني فدخلت المسجد فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه البدر وهو يقول: " ما من مسلم توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى صلاة يحفظها ويعقلها إلا دخل الجنة " فقال لي عمر لتأتيني على هذا ببينة أو لانكلن بك، فشهد لي شيخ قريش عثمان بن عفان فأجاز شهادته.
ثم رواه عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة عن محمد بن
__________
= ولا صحبت صاحبا مقيتا * لا يثوين الخير إن ثويتا وفي مجمع الزوائد: ولا برحت سعيدا ما بقيت * ولا تؤثرن على الخير الذي أوتيت
(1) في رواية أبي هريرة: قال فاتبعني وهو يقول: سلمك الله وسلم نفسك * وبلغ الاهل وأدى رحلكا أمر به أفلح ربي حقك * وانصره أعز ربي نصركا (2) عند ابن عساكر: أنا عمرو بن أثال.
وأنا عامله على جن نجد المسلمين.
(3) رواه في مجمع الزوائد 8 / 250 - 251 عن ابن عباس.
وقال رواه الطبراني وفيه من لم أعرفهم.
وأخرجه الحاكم 3 / 621 من طريق الحسن بن محمد بن علي عن أبيه.
قال الذهبي: لم يصح.
وأخرجه محمد بن عثمان بن أبي شيبة في تاريخه وأبو القاسم بن بسران كما في الاصابة ج 3 / 353.
[ * ]

(2/433)


تيم عن محمد بن خليفة عن محمد بن الحسن عن أبيه قال عمر بن الخطاب بن فاتك حدثني بحديث يعجبني فذكر مثل السياق الاول سواء.
وقال أبو نعيم: حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا أبو عبد الملك أحمد بن إبراهيم القرشي الدمشقي، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن ابن بنت شرحبيل، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني عن عبد الله بن الديلمي، قال أتى رجل ابن عباس فقال بلغنا أنك تذكر سطيحا تزعم أن الله خلقه، لم يخلق من بني آدم شيئا يشبهه ؟ قال: قال: نعم إن الله خلق سطيحا الغساني لحما على وضم (1) ولم يكن فيه عظم ولا عصب إلا الجمجمة، والكفان.
وكان يطوي من رجليه إلى ترقوته كما يطوى الثوب، ولم يكن فيه شئ يتحرك إلا لسانه.
فلما أراد الخروج إلى مكة حمل على وضمة فأتي به مكة، فخرج إليه أربعة من قريش عبد شمس، وهاشم ابنا عبد مناف بن قصي، والاحوص بن فهر، وعقيل بن أبي وقاص فانتموا إلى غير نسبهم وقالوا نحن أناس من جمح أتيناك بلغنا قدومك، فرأينا أن إتياننا إياك حق لك واجب علينا وأهدى إليه عقيل صفيحة هندية، وصعدة ردينية، فوضعت على باب البيت الحرام لينظروا، أهل يراها سطيح أم لا.
فقال: يا عقيل ناولني يدك فناوله يده فقال: يا عقيل والعالم الخفية، والغافر الخطية، والذمة الوفية، والكعبة المبنية، إنك للجائي بالهدية، الصفيحة الهندية، والصعدة
الردينية.
قالوا صدقت يا سطيح، فقال والآتي بالفرح، وقوس قزح، وسائر الفرح، واللطيم المنبطح، والنخل والرطب والبلح، إن الغراب حيث مر سنح، فأخبر أن القوم ليسوا من جمح، وإن نسبهم من قريش ذي البطح.
قالوا صدقت يا سطيح نحن أهل البيت الحرام، أتيناك لنزورك لما بلغنا من علمك.
فأخبرنا عما يكون في زماننا هذا وما يكون بعده فلعل أن يكون عندك في ذلك علم قال: الآن صدقتم، خذوا مني ومن إلهام الله إياي، أنتم يا معشر العرب في زمان الهرم، سواء بصائركم وبصائر العجم، لا علم عندكم ولا فهم، وينشو من عقبكم ذوو فهم، يطلبون أنواع العلم، فيكسرون الصنم، ويبلغون الروم، ويقتلون العجم، يطلبون الغنم، قالو ا يا سطيح فمن يكون أولئك ؟ فقال لهم: والبيت ذي الاركان، والامن والسكان لينشؤون من عقبكم ولدان يكسرون الاوثان، وينكرون عبادة الشيطان، ويوحدون الرحمن، وينشرون دين الديان، يشرفون البنيان، ويستفتون الفتيان، قالوا ياسطيح من نسل من يكون أولئك ؟ قال: وأشرف الاشراف، والمفضي للاشراف، والمزعزع الاحقاف، والمضعف الاضعاف، لينشؤون الالاف من عبد شمس وعبد مناف، نشوءا يكون فيه إختلاف.
قالوا يا سوأتاه يا سطيح مما تخبرنا من العلم بأمرهم ومن أي بلد يخرج أولئك ؟ فقال والباقي الابد، والبالغ الامد، ليخرجن من ذا البلد، فتى يهدي إلى الرشد، يرفض يغوث والفند، يبرأ من عبادة الضدد، يعبد ربا انفرد، ثم
__________
(1) الوضم: شرائح من جريد النخل.
[ * ]

(2/434)


يتوفاه الله محمودا، من الارض مفقودا، وفي السماء مشهودا.
ثم يلي أمره الصديق إذا قضي صدق، في رد الحقوق لا خرق ولا نزق ثم يلي أمره الحنيف، مجرب غطريف، ويترك قول العنيف.
قد ضاف المضيف.
وأحكم التحنيف.
ثم يلي أمره داعيا لامره مجربا، فتجتمع له جموعا وعصبا، فيقتلونه نقمة عليه وغضبا، فيؤخذ الشيخ فيذبح أربا فيقوم به رجال خطبا.
ثم يلي أمره الناصر، يخلط الرأي برأي المناكر، يظهر في الارض العساكر، ثم يلي بعده ابنه يأخذ جمعه ويقل حمده.
ويأخذ المال ويأكل وحده، ويكثر المال بعقبه من بعده، ثم يلي من بعده عدة
ملوك، لا شك الدم فيهم مسفوك، ثم بعدهم الصعلوك يطويهم كطي الدرنوك (1).
ثم يلي من بعده عظهور (2) يقضي الحق ويدني مصر، يفتتح الارض افتتاحا منكرا، ثم يلي قصير القامة، بظهره علامة يموت موتا وسلامة.
ثم يلي قليلا باكر، يترك الملك بائر يلي أخوه بسنته سابر (3)، يختص بالاموال والمنابر ثم يلي من بعده أهوج، صاحب دنيا ونعيم مخلج، يتشاوره معاشره وذووه، ينهضون إليه يخلعونه بأخذ الملك ويقتلونه، ثم يلي أمره من بعده السابع، يترك الملك محلا ضائع، بنوه في ملكه كالمشوه جامع، عند ذلك يطمع في الملك كل عريان، ويلي أمره اللهفان.
يرضى نزارا جمع قحطان، إذا التقيا بدمشق جمعان بين بنيان ولبنان، يصنف اليمن يومئذ صنفان.
صنف المشورة، وصنف المخذول.
لا ترى الاحباء محلول.
وأسيرا مغلول.
بين القراب والخيول.
عند ذلك تخرب المنازل وتسلب الارامل، وتسقط الحوامل وتظهر الزلازل، وتطلب الخلافة وائل، فتغضب نزار فتدني العبيد والاشرار، وتقصي الامثال والاخيار.
وتغلو الاسعار في صفر الاصفار يقتل كل حيا منه، ثم يسيرون إلى خنادق وإنها ذات أشعار وأشجار تصد له الانهار ويهزمهم أول النهار، تظهر الاخيار فلا ينفعهم نوم ولا قرار.
حتى يدخل مصرا من الامصار، فيدركه القضاء والاقدار.
ثم يجئ الرماة تلف مشاة، لقتل الكماة، وأسر الحماة.
وتهلك الغواة هنالك يدرك في أعلى المياه.
ثم يبور الدين، وتقلب الامور، وتكفر الزبور، وتقطع الجسور، فلا يفلت إلا من كان في جزائر البحور، ثم تبور الحبوب، وتظهر الاعاريب ليس فيهم معيب على أهل الفسوق والريب في زمان عصيب، لو كان للقوم حيا، وما تغني المنى.
قالوا ثم ماذا يا سطيح ؟ قال ثم يظهر رجل من أهل اليمن كالشطن (4)، يذهب الله على رأسه الفتن.
وهذا أثر غريب كتباه لغرابته وما تضمن من الفتن والملاحم.
وقد تقدم قصة شق وسطيح مع ربيعة بن نصر ملك اليمن، وكيف بشر بوجود رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك تقدم قصة سطيح مع ابن
__________
(1) الدرنوك: نوع من البسط أو الثياب له خمل.
(2) عظهور: في المعاجم: عظير كإردب، وهو القوي الغليظ.
(3) سابر: واضح.
يومئذ صنفان.
صنف المشورة، وصنف المخذول.
لا ترى الاحباء محلول.
وأسيرا مغلول.
بين القراب والخيول.
عند ذلك تخرب المنازل وتسلب الارامل، وتسقط الحوامل وتظهر الزلازل، وتطلب الخلافة وائل، فتغضب نزار فتدني العبيد والاشرار، وتقصي الامثال والاخيار.
وتغلو الاسعار في صفر الاصفار يقتل كل حيا منه، ثم يسيرون إلى خنادق وإنها ذات أشعار وأشجار تصد له الانهار ويهزمهم أول النهار، تظهر الاخيار فلا ينفعهم نوم ولا قرار.
حتى يدخل مصرا من الامصار، فيدركه القضاء والاقدار.
ثم يجئ الرماة تلف مشاة، لقتل الكماة، وأسر الحماة.
وتهلك الغواة هنالك يدرك في أعلى المياه.
ثم يبور الدين، وتقلب الامور، وتكفر الزبور، وتقطع الجسور، فلا يفلت إلا من كان في جزائر البحور، ثم تبور الحبوب، وتظهر الاعاريب ليس فيهم معيب على أهل الفسوق والريب في زمان عصيب، لو كان للقوم حيا، وما تغني المنى.
قالوا ثم ماذا يا سطيح ؟ قال ثم يظهر رجل من أهل اليمن كالشطن (4)، يذهب الله على رأسه الفتن.
وهذا أثر غريب كتباه لغرابته وما تضمن من الفتن والملاحم.
وقد تقدم قصة شق وسطيح مع ربيعة بن نصر ملك اليمن، وكيف بشر بوجود رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك تقدم قصة سطيح مع ابن
__________
(1) الدرنوك: نوع من البسط أو الثياب له خمل.
(2) عظهور: في المعاجم: عظير كإردب، وهو القوي الغليظ.
(3) سابر: واضح.
(4) الشطن: الحبل الطويل، والمراد هنا: الرجل الطويل.
[ * ]

(2/435)


أخته عبد المسيح حين أرسله ملك بني ساسان، لارتجاس الايوان، وخمود النيران، ورؤيا الموبذان.
وذلك ليلة مولد الذي نسخ بشريعته سائر الاديان.
* * * تم الجزء الثاني من البداية والنهاية ويليه الجزء الثالث وأوله باب كيفية بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

(2/436)


البداية والنهاية - ابن كثير ج 3
البداية والنهاية
ابن كثير ج 3

(3/)


البداية والنهاية للامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي المتوفى سنة 774 ه.
حققه ودقق أصوله وعلق حواشيه علي شيري الجزء الثالث دار إحياء التراث العربي

(3/3)


الطبعة الاولى 1408 ه.
1988 م

(3/4)


بسم الله الرحمن الرحيم باب كيف بدأ الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، وذكر أول شئ أنزل عليه من القرآن العظيم كان ذلك وله صلى الله عليه وآله من العمر أربعون سنة.
وحكى ابن جرير (1) عن ابن عباس وسعيد بن المسيب: أنه كان عمره إذ ذاك ثلاثا وأربعين سنة.
قال البخاري (2): حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة رضي الله عنها.
أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وآله من الوحي الرؤيا الصالحة (3) في النوم، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء.
فجاءه الملك
فقال: اقرأ.
فقال: ما أنا بقارئ.
قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني.
فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني.
فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد.
ثم أرسلني فقال: (اقرأ بسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق، اقرأ وربك الاكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم) [ أول سورة العلق ] فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وآله يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد.
فقال: زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع.
فقال لخديجة وأخبرها الخبر - لقد خشيت على نفسي.
فقالت خديجة: كلا والله لا يخزيك الله أبدا.
إنك
__________
(1) تاريخ لطبري ج 2 / 202.
(2) صحيح البخاري - باب كيف كان بدء الوحي - ح 3 صفحة 1 / 3.
(3) من البخاري - وفي الاصول: الصادقة.
(4) يتحنث: قال ابن حجر في فتح الباري: هي بمعنى يتحنف أي يتبع الحنيفية وهي دين إبراهيم.

(3/5)


لتصل الرحم وتقري الضيف، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق (1)، فانطلقت به خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة.
وكان أمرأ قد تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الانجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب.
وكان شيخا كبيرا قد عمي.
فقالت له خديجة: يا ابن عم ! اسمع من ابن أخيك فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى ؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما أري.
فقال له ورقة: هذا الناموس (2) الذي كان ينزل على موسى، يا ليتني فيها جذعا (3)، ليتني أكون حيا، إذ يخرجك قومك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أو مخرجي هم ؟ " فقال: نعم.
لم يأت رجل (4) بمثل ما جئت به إلا عودي.
وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا.
ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي (5) فترة.
حتى حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغنا - حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه تبدى له جبريل فقال: يا محمد إنك رسول الله حقا فيسكن
لذلك جأشه، وتقر نفسه.
فيرجع فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا كمثل ذلك.
قال فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له: مثل ذلك.
هكذا وقع مطولا في باب التعبير من البخاري.
قال ابن شهاب (6): وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد الله الانصاري قال - وهو يحدث عن فترة الوحي - فقال في حديثه: " بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والارض.
فرعبت منه.
فرجعت فقلت: زملوني، زملوني فأنزل الله: (يا أيها المدثر، قم فانذر، وربك فكبر، وثيابك فطهر، والرجز فاهجر) [ سورة المدثر: 1 ] فحمي الوحي وتتابع " ثم قال البخاري تابعه عبد الله بن يوسف، وأبو صالح، يعني عن الليث، وتابعه هلال بن رداد (7) عن الزهري.
وقال يونس ومعمر: بوادره (8).
وهذا الحديث قد رواه الامام البخاري رحمه الله في كتابه في مواضع
__________
(1) نوائب: جمع نائبة وهي الحادثة خيرا أو شرا وإنما قال نوائب الحق لانها تكون في الحق والباطل.
(2) الناموس: صاحب السر، وهو ما جزم به البخاري في أحاديث الانبياء، يقال: نمست السر: كتمته، والمراد هنا جبريل عليه السلام - لان الله خصه بالغيب والوحي.
(3) جذعا: قال ابن حجر في فتح الباري: الجذع: هو الصغير من البهائم: كأنه تمنى أن يكون عند ظهور الدعاء إلى الاسلام شابا ليكون أمكن لنصره.
(4) من صحيح البخاري، وفي الاصول أحد.
(5) هنا تنتهي رواية الصحيح.
(6) تتمة حديث البخاري المتقدم.
(7) من البخاري، وفي الاصول ونسخ البداية المطبوعة داود وهو تحريف.
وهو هلال بن رداد الطائي، أو الكناني الشامي الكاتب مقبول من السابعة.
(تقريب التهذيب) 2 / 130 / 323.
(8) أي ترجف بوادره بدل رواية يرجف فؤاده.
والبوادر جمع بادرة وهي ما بين العنق والمنكب.

(3/6)


منه، وتكلمنا عليه مطولا في أول شرح البخاري في كتاب بدء الوحي اسنادا ومتنا ولله الحمد والمنة.
وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث الليث به، ومن طريق يونس ومعمر عن الزهري كما علقه البخاري عنهما (1)، وقد رمزنا في الحواشي على زيادات مسلم ورواياته ولله الحمد وانتهى سياقه إلى قول ورقة: أنصرك نصرا مؤزرا.
فقول أم المؤمنين عائشة.
أول ما بدئ به من الوحي الرؤيا الصادقة فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، يقوي ما ذكره محمد بن إسحاق بن يسار عن عبيد بن عمر الليثي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " فجاءني جبريل، وأنا نائم، بنمط (2) من ديباج فيه كتاب (3).
فقال: اقرأ، فقلت ما اقرأ ؟ فغتني (4)، حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني " وذكر نحو حديث عائشة سواء، فكان هذا كالتوطئة لما يأتي بعده من اليقظة، وقد جاء مصرحا بهذا في مغازي موسى بن عقبة عن الزهري أنه رأى ذلك في المنام ثم جاءه الملك في اليقظة.
وقد قال الحافظ أبو نعيم الاصبهاني: في كتابه دلائل النبوة حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة حدثنا جناب بن الحارث حدثنا عبد الله بن الاجلح عن إبراهيم عن علقمة بن قيس.
قال: إن أول ما يؤتى به الانبياء في المنام حتى تهدأ قلوبهم، ثم ينزل الوحي بعد، وهذا من قبل علقمة بن قيس نفسه وهو كلام حسن يؤيده ما قبله ويؤيده ما بعده.
عمره صلى الله عليه وسلم وقت بعثته وتاريخها قال الامام أحمد: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن داود بن أبي هند، عن عامر الشعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلت عليه النبوة وهو ابن أربعين سنة، فقرن بنبوته إسرافيل ثلاث سنين، فكان يعلمه الكلمة والشئ، ولم ينزل القرآن، فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل فنزل القرآن على لسانه عشرين سنة عشرا بمكة وعشرا بالمدينة.
فمات وهو ابن ثلاث وستين سنة.
فهذا إسناد
__________
(1) أخرجه البخاري في كتاب التعبير، وفي التفسير وفي كتاب الايمان عن عبد الرزاق وأخرجه مسلم في (1) - كتاب الايمان (73) باب بدء الوحي - والترمذي والنسائي في التفسير والامام أحمد في مسنده 26 - 232، 233 وابن حبان
في صحيحه، كتاب الوحي حديث 34 / 1 / 115.
(2) نمط: وعاء كالسفط.
(3) قال بعض المفسرين: في قوله تعالى: (ذلك الكتاب لا ريب فيه) إنها إشارة إلى الكتاب الذي جاء به جبريل حين قال له: اقرأ (الروض الانف).
(4) كذا في الاصول والطبري، ومعنى غتني: حبس نفسي.
قال ابن الاثير في النهاية: الغت والغط سواء، كأنه أراد عصرني عصرا شديدا، حتى وجدت منه المشقة، كما يجد من يغمس في الماء قهرا.

(3/7)


صحيح إلى الشعبي وهو يقتضي أن اسرافيل قرن معه بعد الاربعين ثلاث سنين ثم جاءه جبريل (1) وأما الشيخ شهاب الدين أبو شامة فإنه قد قال: وحديث عائشة لا ينافي هذا فإنه يجوز أن يكون أول أمره الرؤيا.
ثم وكل به إسرافيل في تلك المدة التي كان يخلو فيها بحراء فكان يلقي إليه الكلمة بسرعة ولا يقيم معه تدريجا له وتمرينا إلى أن جاءه جبريل.
فعلمه بعدما غطه ثلاث مرات، فحكت عائشة ما جرى له مع جبريل ولم تحك ما جرى له مع إسرافيل اختصارا للحديث، أو لم تكن وقفت على قصة إسرافيل.
وقال الامام أحمد حدثنا يحيى بن هشام عن عكرمة عن ابن عباس أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وأربعين فمكث بمكة عشرا وبالمدينة عشرا.
ومات وهو ابن ثلاث وستين، وهكذا روى يحيى بن سعيد وسعيد بن المسيب (2) ثم روى أحمد عن غندر ويزيد بن هارون كلاهما عن هشام عن عكرمة عن ابن عباس قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه القرآن، وهو ابن أربعين سنة فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة وبالمدينة عشر سنين.
ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة.
وقال الامام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أنبأنا عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس، قال: أقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة خمس عشرة سنة سبع سنين يرى الضوء ويسمع الصوت وثماني سنين يوحى إليه، وأقام بالمدينة عشر سنين.
قال أبو شامة: وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى عجائب قبل بعثته فمن ذلك ما في صحيح مسلم عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إني لاعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث إني لاعرفه الآن " (3) انتهى كلامه.
وإنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الخلاء والانفراد عن قومه، لما يراهم عليه من الضلال المبين من عبادة الاوثان والسجود للاصنام، وقويت محبته للخلوة عند مقاربة إيحاء الله إليه صلوات الله
__________
(1) الخبر نقله السيوطي في الخصائص الكبرى 1 / 221 وابن سعد في الطبقات 1 / 191 وقال ابن سعد بعد إيراده الخبر: " فذكرت هذا الحديث لمحمد بن عمر - الواقدي - فقال: ليس يعرف أهل العلم ببلدتنا أن اسرافيل قرن بالنبي صلى الله عليه وسلم..لم يقرن به غير جبريل وقد حكى ابن التين القصة لكن وقع عنده ميكائيل بدل إسرافيل.
(2) قال النووي في شرحه على صحيح مسلم 15 / 99 الصواب أنه صلى الله عليه وسلم بعث على راس الاربعين سنة هذا هو المشهور الذي أطبق عليه العلماء.
وقال ابن قيم الجوزية في زاد المعاد.
بعثه الله - تعالى - على رأس أربعين وهي رأس الكمال، قيل ولها تبعث الرسل 1 / 33.
وقال السهيلي - معلقا - في الروض الانف: إنه الصحيح عند أهل السير، والعلم بالاثر " 1 / 161.
وقال البلقيني: كان سن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جاءه جبريل في غار حراء أربعين سنة على المشهور.
(3) كتاب الفضائل حديث رقم 2 ص 1782.
وأخرجه الترمذي في المناقب 5 / 593 والدارمي في المقدمة.
=

(3/8)


وسلامه عليه.
وقد ذكر محمد بن إسحاق عن عبد الملك بن عبد الله (1) بن أبي سفيان بن العلاء بن حارثة (2) - قال: وكان واعية (3) - عن بعض أهل العلم قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج إلى حراء في كل عام شهرا من السنة يتنسك فيه.
وكان من نسك قريش في الجاهلية، يطعم من جاءه من المساكين حتى إذا انصرف من مجاورته [ وقضائه ] (4) لم يدخل بيته حتى يطوف بالكعبة.
وهكذا روى عن وهب بن كيسان أنه سمع عبيد بن عمير يحدث عبد الله بن الزبير مثل ذلك، وهذا يدل على أن هذا كان من عادة المتعبدين في قريش أنهم يجاورون في حراء للعبادة ولهذا قال أبو طالب في قصيدته
المشهورة: وثور ومن أرسى ثبيرا مكانه * وراق ليرقى في حراء ونازل هكذا صوبه على رواية هذا في البيت كما ذكره السهيلي وأبو شامة وشيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي رحمهم الله، وقد تصحف على بعض الرواة فقال فيه: وراق ليرقى في حر ونازل - وهذا ركيك ومخالف للصواب والله أعلم.
وحراء يقصر ويمد ويصرف ويمنع، وهو جبل بأعلى مكة على ثلاثة أميال منها عن يسار المار إلى منى، له قلة مشرفة على الكعبة منحنية والغار في تلك الحنية وما أحسن ما قال رؤبة بن العجاج: فلا ورب الامنات القطن * ورب ركن من حراء منحني وقوله في الحديث: والتحنث التعبد، تفسير بالمعنى، وإلا فحقيقة التحنث من حيث البنية (5) فيما قاله السهيلي الدخول في الحنث ولكن سمعت ألفاظ قليلة في اللغة معناها الخروج من ذلك الشئ كحنث أي خرج من الحنث وتحوب وتحرج وتأنم وتهجد هو ترك الهجود وهو النوم للصلاة وتنجس وتقذر أوردها أبو شامة.
وقد سئل ابن الاعرابي عن قوله يتحنث أي يتعبد.
فقال: لا أعرف هذا إنما هو يتحنف من الحنيفية دين إبراهيم عليه السلام.
قال ابن هشام: والعرب تقول التحنث والتحنف يبدلون الفاء من الثاء، كما قالوا جدف وجذف كما قال رؤبة [ بن العجاج ]: (هامش 9) = والامام أحمد في مسنده 5 / 89.
(1) في سيرة ابن هشام: عبيدالله.
(2) في سيرة ابن هشام ودلائل البيهقي: جارية وهو الصواب.
(3) واعية: التاء فيه للمبالغة: أي حافظا.
من قولهم وعى العلم يعيه إذا حفظه.
(4) زيادة من دلائل البيهقي.
وفي ابن هشام: فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم جواره وانصرف..(5) في الاصول ونسخ البداية المطبوعة: من حنث البنية وهو تحريف والصواب ما أثبتناه.

(3/9)


* لو كان أحجاري مع الاحذاف (1) * يريد الاجداث.
قال [ ابن هشام ]: وحدثني أبو عبيدة أن العرب تقول فم في موضع ثم.
قلت: ومن ذلك قول بعض المفسرين وفومها أن المراد ثومها.
وقد اختلف العلماء في تعبده عليه السلام قبل البعثة هل كان على شرع أم لا ؟ وما ذلك الشرع فقيل شرع نوح وقيل شرع إبراهيم.
وهو الاشبه الاقوى.
وقيل موسى، وقيل عيسى، وقيل كل ما ثبت أنه شرع عنده اتبعه وعمل به، ولبسط هذه الاقوال ومنا سباتها مواضع أخر في أصول الفقه والله أعلم.
وقوله حتى فجئه الحق وهو بغار حراء أي جاء بغتة على غير موعد كما قال تعالى: (وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك) [ النمل: 86 ] الآية.
وقد كان نزول صدر هذه السورة الكريمة وهي: (اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق اقرأ وربك الاكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم) (2) وهي أول ما نزل من القرآن كما قررنا ذلك في التفسير وكما سيأتي أيضا في يوم الاثنين كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: سئل عن صوم يوم الاثنين ؟ فقال: " ذاك يوم ولدت فيه، ويوم أنزل علي فيه " (3) وقال ابن عباس: ولد نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، ونبئ يوم الاثنين (4).
وهكذا قال عبيد بن عمير وأبو جعفر الباقر وغير واحد من العلماء: إنه عليه الصلاة والسلام أوحى إليه يوم الاثنين، وهذا ما لا خلاف فيه بينهم.
__________
(1) في سيرة ابن هشام: الاجداف.
وزعم ابن جني أن جدف بالفاء لا يجمع على أجداف (أنظر الروض الآنف).
(2) أول سورة العلق.
قال صاحب الظلال: مطلع هذه السورة هو أول ما نزل من القرآن باتفاق، والروايات التي تذكر نزول غيرها ابتداء ليست وثيقة.
هذه البداية حادث ضخم بحقيقته وضخم بدلالته.
فدلالته: في أنه تعالى ذو الفضل الواسع بفيض من عطائه
ورحمته بلا سبب ولا علة.
ودلالته أن الله تعالى أكرم الانسان كرامة لا يكاد يتصورها.
وآثاره في حياة البشرية قد بدأت منذ اللحظة الاولى، في تحويل خط التاريخ، فقد تحددت الجهة التي يتطلع إليها الانسان ويتلقى عنها تصوراته وقيمه وموازينه.
هذه الحقيقة القرآنية الاولى التي تلقاها قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم في اللحظة الاولى هي التي ظلت تصرف شعوره، ولسانه وعمله بعد ذلك طوال حياته بوصفها قاعدة الايمان الاولى.
8 / 618 باختصار.
(3) صحيح مسلم في 13 كتاب الصيام (36) باب حديث رقم 197 ومسند أحمد 5 / 297 - 299 السنن الكبرى للبيهقي 4 / 293.
(4) مسند أحمد ج 1 / 277 وهو في مجمع الزوائد 1 / 196 ونسبه لاحمد والطبراني في الكبير وقال: فيه ابن لهيعة، وهو ضعيف وبقية رجاله ثقات من أهل الصحيح ".

(3/10)


ثم قيل: كان ذلك في شهر ربيع الاول، كما تقدم عن ابن عباس وجابر أنه ولد عليه السلام، وفي الثاني عشر من ربيع الاول يوم الاثنين وفيه بعث وفيه عرج به إلى السماء، والمشهور أنه بعث عليه الصلاة والسلام في شهر رمضان، كما نص على ذلك عبيد بن عمير، ومحمد بن إسحاق وغيرهما.
قال ابن إسحاق مستدلا على ذلك بما قال الله تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس) [ البقرة: 185 ] فقيل في عشره.
وروى الواقدي بسنده عن أبي جعفر الباقر أنه قال: كان ابتداء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان وقيل في الرابع والعشرين منه.
قال الامام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا عمران، أبو العوام، عن قتادة، عن أبي المليح، عن واثلة بن الاسقع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوارة لست مضين من رمضان، والانجيل لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان، وأنزل القرآن لاربع وعشرين خلت من رمضان " (1) وروى ابن مردويه في تفسيره عن جابر بن عبد الله مرفوعا نحوه، ولهذا ذهب جماعة من الصحابة
والتابعين، إلى أن ليلة القدر ليلة أربع وعشرين.
وأما قول جبريل (اقرأ) فقال: " ما أنا بقارئ " فالصحيح أن قوله " ما أنا بقارئ " نفي أي لست ممن يحسن القراءة.
وممن رجحه النووي وقبله الشيخ أبو شامة.
ومن قال إنها استفهامية فقوله بعيد لان الباء لا تزاد في الاثبات (2).
ويؤيد الاول رواية أبي نعيم من حديث المعتمر بن سليمان عن أبيه: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو خائف يرعد - " ما قرأت كتابا قط ولا أحسنه وما أكتب وما أقرأ " فأخذه جبريل فغته غتا شديدا.
ثم تركه فقال له: اقرأ.
فقال محمد صلى الله عليه وسلم: " ما أرى شيئا أقرأه، وما أقرأ، وما أكتب " يروى فغطني كما في الصحيحين وغتني ويروى قد غتني أي خنقني " حتى بلغ مني الجهد " يروى بضم الجيم وفتحها وبالنصب وبالرفع.
وفعل به ذلك ثلاثا.
قال أبو سليمان الخطابي: وإنما فعل ذلك به ليبلو صبره ويحسن تأديبه فيرتاض لاحتمال ما كلفه به من أعباء النبوة، ولذلك كان يعتريه مثل حال المحموم وتأخذه الرحضاء أي البهر والعرق.
وقال غيره: إنما فعل ذلك لامور: منها أن يستيقظ لعظمة ما يلقى إليه بعد هذا الصنيع المشق على النفوس.
كما قال تعالى: (إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا) [ سورة المزمل: 5 ] ولهذا
__________
(1) مسند أحمد ج 4 / 107.
(2) قال الطيبي أنه إنما يفيد التقوية والتأكيد، والتقدير لست بقارئ البتة فإن قيل لم كرر ذلك أجاب أبو شامة بأن يحمل قوله أولا ما أنا بقارئ على الامتناع وثانيا على الاخبار بالنفي المحض وثالثا على الاستفهام ويؤيده قول أبي الاسود في مغازيه عن عروة أنه قال: كيف اقرأ وفي رواية ابن إسحاق ماذا أقرأ وفي دلائل البيهقي: كيف أقرأ.
وكل ذلك يؤيد أنها استفهامية.
وحكى الاخفش جواز دخول الباء بداية - وهو شاذ -.

(3/11)


كان عليه الصلاة والسلام إذا جاءه الوحي يحمر وجهه ويغط كما يغط البكر من الابل ويتفصد جبينه عرقا في اليوم الشديد البرد.
وقوله فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خديجة يرجف فؤاده.
وفي رواية: بوادره، جمع بادرة قال أبو عبيدة: وهي لحمة بين المنكب والعنق.
وقال غيره: هو عروق تضطرب عند الفزع وفي
بعض الروايات ترجف بآدله واحدتها بادلة.
وقيل بادل، وهو ما بين العنق والترقوة وقيل أصل الثدي.
وقيل لحم الثديين وقيل غير ذلك.
فقال: " زملوني زملوني " فلما ذهب عنه الروع قال لخديجة: " مالي ؟ أي شئ عرض لي ؟ " وأخبرها ما كان من الامر.
ثم قال: " لقد خشيت على نفسي " (1) وذلك لانه شاهد أمرا لم يهده قبل ذلك، ولا كان في خلده.
ولهذا قالت خديجة: ابشر، كلا والله لا يخزيك الله أبدا.
قيل من الخزي، وقيل من الحزن، وهذا لعلمها بما أجرى الله به جميل العوائد في خلقه أن من كان متصفا بصفات الخير لا يخزى في الدنيا ولا في الآخرة ثم ذكرت له من صفاته الجليلة ما كان من سجاياه الحسنة.
فقالت: إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث - وقد كان مشهورا بذلك صلوات الله وسلامه عليه عند الموافق والمفارق - وتحمل الكل.
أي عن غيرك تعطي صاحب العيلة ما يريحه من ثقل مؤنة عياله - وتكسب المعدوم أي تسبق إلى فعل الخير فتبادر إلى إعطاء الفقير فتكسب حسنته قبل غيرك.
ويسمى الفقير معدوما لان حياته ناقصة.
فوجوده وعدمه سواء كما قال بعضهم: ليس من مات فاستراح بميت * إنما الميت ميت الاحياء وقال أبو الحسن التهامي، فيما نقله عنه القاضي عياض في شرح مسلم: عد ذا الفقر ميتا وكساه * كفنا باليا ومأواه قبرا وقال الخطابي: الصواب (وتكسب المعدم) أي تبذل إليه أو يكون تكسب المعدم بعطيته (2)
__________
(1) قال القاضي عياض: ليس معناه الشك في أن ما أتاه من الله لكنه كأنه خشي أن لا يقوى على مقاومة هذا الامر.
وقال الحافظ ابن حجر: اختلف العلماء في المراد بالخشية على اثنى عشر قولا: الجنون - وهو باطل - الهاجس - وهو باطل أيضا.
الموت من شدة الرعب - المرض - دوام المرض - العجز عن حمل أعباء النبوة - العجز عن النظر إلى الملك من الرعب - عدم الصبر على أذى قومه - أن يقتلوه - مفارقة الوطن - تكذيبهم إياه - تعييرهم إياه.
قال: وأولى الاقوال وأسلمها من الارتياب الثالث واللذان بعده.
(2) في الاصول: أو يكون تلبس العدم بعطية: وهو تحريف، والصواب ما أثبتناه من سيرة ابن كثير.

(3/12)


مالا يعيش به (1).
واختار شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي أن المراد بالمعدوم ههنا المال المعطى، أي يعطى المال لمن هو عادمه.
ومن قال إن المراد أنك تكسب باتجارك المال المعدوم، أو النفيس القليل النظير، فقد أبعد النجعة وأغرق في النزع وتكلف ما ليس له به علم، فإن مثل هذا لا يمدح به غالبا، وقد ضعف هذا القول عياض والنووي وغيرهما والله أعلم.
وتقري الضيف - أي تكرمه في تقديم قراه، وإحسان مأواه.
وتعين على نوائب الحق ويروى الخير، أي إذا وقعت نائبة لاحد في خير أعنت فيها، وقمت مع صاحبها حتى يجد سدادا من عيش أو قواما من عيش، وقوله: ثم أخذته فانطلقت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل.
وكان شيخا كبيرا قد عمي.
وقد قدمنا طرفا من خبره مع ذكر زيد بن عمرو بن نفيل رحمه الله.
وأنه كان ممن تنصر في الجاهلية ففارقهم وارتحل إلى الشام، هو وزيد بن عمرو وعثمان بن الحويرث، وعبيد الله بن جحش فتنصروا كلهم، لانهم وجدوه أقرب الاديان إذ ذاك إلى الحق، إلا زيد بن عمرو بن نفيل فإنه رأى فيه دخلا وتخبيطا وتبديلا وتحريفا وتأويلا.
فأبت فطرته الدخول فيه أيضا، وبشروه الاحبار والرهبان بوجود نبي قد أزف زمانه واقترب أوانه، فرجع يتطلب ذلك، واستمر على فطرته وتوحيده.
لكن اخترمته المنية قبل البعثة المحمدية (2).
وأدركها ورقة بن نوفل وكان يتوسمها في رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قدمنا بما كانت خديجة تنعته له وتصفه له، وما هو منطو عليه من الصفات الطاهرة الجميلة وما ظهر عليه من الدلائل والآيات، ولهذا لما وقع ما وقع أخذت بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءت به إليه فوقفت به عليه.
وقالت: ابن عم اسمع من ابن أخيك، فلما قص عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى قال ورقة: سبوح سبوح (3)، هذا الناموس الذي أنزل على موسى، ولم يذكر عيسى وإن كان متأخرا بعد موسى، لانه كانت شريعته متممة ومكملة لشريعة موسى عليهما السلام، ونسخت بعضها على الصحيح من قول العلماء.
كما قال: (ولاحل لكم بعض الذي حرم عليكم) [ آل عمران: 50 ].
وقول ورقة هذا كما قالت الجن: (يا قومنا إنا
سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق إلى طريق مستقيم) [ الاحقاف: 30 ].
ثم قال ورقة: يا ليتني فيها جذعا.
أي يا ليتني أكون اليوم شابا متمكنا من الايمان والعلم النافع والعمل الصالح، يا ليتني أكون حيا حين يخرجك قومك يعني حتى أخرج معك وأنصرك ؟ فعندها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أو مخرجي هم ؟ " قال السهيلي وإنما قال ذلك، لان فراق الوطن شديد على النفوس، فقال: نعم ! إنه لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي،
__________
(1) قال التيمي في شرح الكرماني: لم يصب الخطابي إذ حكم على اللفظة الصحيحة بالخطأ فإن الصواب ما اشتهر بين أصحاب الحديث ورواه الرواة.
1 / 37.
(2) تقدم أن زيد بن عمرو بن نفيل قد عادت عليه لخم فقتلوه وكان ذلك قبل المبعث.
راجع سيرة ابن هشام 1 / 244 وما بعدها.
(3) في سيرة ابن هشام: قدوس قدوس، أي طاهر طاهر.

(3/13)


وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا أي أنصرك نصرا عزيزا أبدا.
وقوله: " ثم لم ينشب ورقة أن توفي " أي توفي بعد هذه القصة بقليل (1) رحمه الله ورضي عنه، فإن مثل هذا الذي صدر عنه تصديق بما وجد وإيمان بما حصل من الوحي ونية صالحة للمستقبل.
وقد قال الامام أحمد: حدثنا حسن، عن ابن لهيعة، حدثني أبو الأسود عن عروة عن عائشة.
أن خديجة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ورقة بن نوفل فقال: " قد رأيته فرأيت عليه ثياب بياض فأحسبه لو كان من أهل النار لم يكن عليه ثياب بياض ".
وهذا إسناد حسن لكن رواه الزهري وهشام عن عروة مرسلا فالله أعلم وروى الحافظ أبو يعلى عن شريح بن يونس عن إسماعيل عن مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ورقة بن نوفل فقال: " قد رأيته فرأيت عليه ثياب بياض أبصرته في بطنان الجنة وعليه السندس ".
وسئل عن زيد بن عمرو بن نفيل فقال: " يبعث يوم القيامة أمة وحده ".
وسئل عن أبي طالب فقال: " أخرجته من غمرة من جهنم إلى ضحضاح منها " وسئل عن خديجة لانها ماتت قبل الفرائض
وأحكام القرآن فقال: " أبصرتها على نهر في الجنة في بيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب " (2) إسناد حسن ولبعضه شواهد في الصحيح والله أعلم.
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عبيد بن إسماعيل، حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة.
قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تسبوا ورقة فإني رأيت له جنة أو جنتين " (3) وكذا رواه ابن عساكر من حديث أبي سعيد الاشج عن أبي معاوية عن هشام عن أبيه عن عائشة وهذا إسناد جيد.
وروي مرسلا وهو أشبه.
وروى الحافظان البيهقي وأبو نعيم في كتابيهما دلائل النبوة من حديث يونس بن بكير عن يونس بن عمرو عن أبيه عن عمرو بن شرحبيل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لخديجة: " إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء، وقد خشيت والله أن يكون لهذا أمر ".
قالت: معاذ الله ما كان ليفعل ذلك بك فوالله إنك لتؤدي الامانة، وتصل الرحم، وتصدق الحديث.
فلما دخل أبو بكر وليس
__________
(1) قال ابن اسحاق في السيرة عن هشام بن عروة عن أبيه: 1 / 340 أن ورقة كان يمر ببلال وهو يعذب وهو يقول: أحد أحد..وهذا يقتضي أن ورقة تأخر إلى زمن الدعوة وإلى أن دخل بعض الناس في الاسلام.
وعلق ابن حجر قال: فإن تمسكنا بالترجيح فما في الصحيح أصح.
(2) روى الاحاديث عن جابر الهيثمي في مجمع الزوائد 9 / 416 وقال: رواه أبو يعلى وفيه مجالد وهذا مما مدح من حديث مجالد وبقية رجاله رجال الصحيح.
وأخرج الحاكم جزءا منه وصححه في المستدرك 3 / 439 - 440.
(3) أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 9 / 416 وقال: رواه البزار متصلا ومرسلا.
ورجال المسند والمرسل رجال الصحيح.
وروى عن اسماء بنت أبي بكر أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ورقة فقال يبعث يوم القيامة أمة وحده.
قال: ورواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.

(3/14)


رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكرت له خديجة [ حديثه له ] فقالت: يا عتيق اذهب مع محمد إلى ورقة فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيده أبو بكر.
فقال: انطلق بنا إلى ورقة قال: " ومن أخبرك ؟ " قال
خديجة فانطلقا إليه فقصا عليه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي: يا محمد يا محمد فانطلق هاربا في الارض ".
فقال له لا تفعل.
إذا أتاك فاثبت، حتى تسمع ما يقول لك ثم ائتني فأخبرني.
فلما خلا ناداه يا محمد قل: (بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين) حتى بلغ: " ولا الضالين) قل لا إله إلا الله.
فأتى ورقة فذكر له ذلك، فقال له ورقة: ابشر ثم ابشر.
فأنا أشهد أنك الذي بشر بك ابن مريم، وأنك على مثل ؟ موسى، وأنك نبي مرسل، وأنك ستؤمر بالجهاد بعد يومك هذا.
ولئن أدركني ذلك لاجاهدن معك.
فلما توفي [ ورقة ].
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد رأيت القس في الجنة عليه ثياب الحرير، لانه آمن بي وصدقني " يعني ورقة.
هذا لفظ البيهقي (1) وهو مرسل وفيه غرابة وهو كون الفاتحة أول ما نزل وقد قدمنا من شعره ما يدل على إضماره الايمان وعقده عليه وتأكده عنده، وذلك حين أخبرته خديجة ما كان من أمره مع غلامها ميسرة وكيف كانت الغمامة تظلله في هجير القيظ.
فقال ورقة في ذلك أشعارا قدمناها قبل هذا، منها قوله: لججت وكنت في الذكرى لجوجا * لامر طالما بعث النشيجا (2) ووصف من خديجة بعد وصف * فقد طال انتظاري يا خديجا ببطن المكتين على رجائي * حديثك أن أرى منه خروجا بما خبرتنا من قول قس * من الرهبان أكره أن يعوجا بأن محمدا سيسود قوما * ويخصم من يكون له حجيجا ويظهر في البلاد ضياء نور * يقيم به البرية أن تعوجا (3) فيلقى من يحاربه خسارا * ويلقى من يسالمه فلوجا فيا ليتي إذا ما كان ذاكم * شهدت وكنت أولهم ولوجا ولو كان الذي كرهت قريش * ولو عجت بمكتها عجيجا (4) أرجي بالذي كرهوا جميعا * إلى ذي العرش إذ سفلوا عروجا فإن يبقوا وأبق تكن أمور * يضج الكافرون لها ضجيجا (5)
__________
(1) الحديث في دلائل النبوة للبيهقي ج 1 / 158 - 159 وما بين معكوفين في الحديث من الدلائل.
وعلق البيهقي في آخر الحديث قال: فهذا منقطع، فإن كان محفوظا فيحتمل أن يكون خبرا عن نزولها - أي سورة الفاتحة - بعدما نزلت عليه، اقرأ باسم ربك ويا أيها المدثر والله أعلم.
(2) في سيرة ابن هشام: لهم بدل لامر.
(3) في السيرة: إن تموجا بدل أن تعوجا.
(4) في السيرة: ولوجا في الذي كرهت قريش.
(5) في نسخ البداية المطبوعة يكن أمورا وهو تحريف والصواب اثبتناه من السيرة لابن هشام.
(*)

(3/15)


وقال أيضا في قصيدته الاخرى: وأخبار صدق خبرت عن محمد * يخبرها عنه إذا غاب ناصح (1) بأن ابن عبد الله أحمد مرسل * إلى كل من ضمت عليه الاباطح وظني به أن سوف يبعث صادقا * كما أرسل العبدان هود وصالح وموسى وإبراهيم حتى يرى له * بهاء ومنشور من الحق واضح (2) ويتبعه حيا لؤي بن غالب * شبابهم والاشيبون الجحاجح (3) فإن ابق حتى يدرك الناس دهره * فاني به مستبشر الود فارح وإلا فاني يا خديجة فاعلمي * عن أرضك في الارض العريضة سائح وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال ورقة: فان بك حقا يا خديجة فاعلمي * حديثك إيانا فأحمد مرسل وجبريل يأتيه وميكال معهما * من الله وحي يشرح الصدر منزل يفوز به من فاز فيها بتوبة * ويشقى به العاني الغرير المضلل (4) فريقان منهم فرقة في جنانه * وأخرى بأحواز الجحيم تعلل (5) إذا ما دعوا بالويل فيها تتابعت * مقامع في هاماتهم ثم تشعل (6)
فسبحان من يهوي الرياح بأمره * ومن هو في الايام ما شاء يفعل ومن عرشه فوق السموات كلها * واقضاؤه في خلقه لا تبدل
__________
(1) القصيدة في دلائل النبوة للبيهقي 1 / 127 وذكرها السهيلي في الروض الانف 1 / 127 وقال إنهما: من رواية يونس عن ابن اسحاق وقبله بيتان: أتبكر أم أنت العشية رائح * وفي الصدر من اضمارك الحزن فادح لغرقة قوم لا أحب فراقهم * كأنك عنهم بعد يومين نازح وبعده: بفتاك الذي وجهت يا خير حرة * بغور وبالنجدين حيث الصحاصح إلى سوق بصرى والركاب التي غدت * وهن من الاحمال مقص دوالح يخبرنا عن كل حبر بعلمه * وللحق أبواب لهن مفاتح (2) في الدلائل: من الذكر واضح.
(3) في الدلائل: لؤي جماعة.
(4) في دلائل البيهقي: ويشقى به العاني الغوي المضلل.
(5) في دلائل البيهقي: وأخرى بإخوان الجحيم تغلل وما أثبتناه مناسب أگثر.
(6) في دلائل البيهقي: في هاماتها بدل هاماتهم.
(*)

(3/16)


وقال ورقة أيضا: يا للرجال وصرف الدهر والقدر * وما لشئ قضاه الله من غير حتى خديجة تدعوني لاخبرها * أمرا أراه سيأتي الناس من أخر (1) وخبرتني بأمر قد سمعت به * فيما مضى من قديم الدهر والعصر بأن أحمد يأتيه فيخبره * جبريل انك مبعوث إلى البشر فقلت عل الذي ترجين ينجزه * لك الاله فرجي الخير وانتظري
وأرسليه إلينا كي نسائله * عن أمره ما يرى في النوم والسهر فقال حين أتانا منطقا عجبا * يقف منه أعالي الجلد والشعر إني رأيت أمين الله واجهني * في صورة أكملت من أعظم الصور (2) ثم استمر فكاد الخوف يذعرني * مما يسلم من حولي من الشجر فقلت ظني وما أدري أيصدقني * ان سوف يبعث يتلو منزل السور وسوف يبليك إن اعلنت دعوتهم * من الجهاد بلا من ولا كدر هكذا أورد ذلك الحافظ البيهقي من الدلائل وعندي في صحتها عن ورقة نظر والله أعلم (3).
وقال ابن إسحاق حدثني عبد الملك بن عبيدالله (4) بن أبي سفيان بن العلاء بن جارية الثقفي - وكان واعية (5) - عن بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد الله كرامته وابتدأه بالنبوة، كان إذا خرج لحاجة أبعد حتى تحسر عنه البيوت (6) ويفضي إلى شعاب مكة وبطون أوديتها، فلا يمر بحجر ولا شجر إلا قال السلام عليك يا رسول الله (7).
قال فيلتفت حوله عن
__________
(1) في البيهقي: حتى خديجة تدعوني لاخبرها * وما لها بخفي الغيب من خبر جاءت لتسألني عنه لاخبرها * أمرا أراه سيأتي الناس من أخر (2) في الدلائل: أهيب بدل أعظم.
(3) قال البيهقي في إيراده الابيات: يزعمون أن ورقة قال، وفيه تشكيك لدى البيهقي في نسبتها لورقة.
(4) في نسخ البداية المطبوعة: عبد الله، وما أثبتنا - صوابا من سيرة ابن هشام.
(5) في نسخ البداية: داعية، والصواب اثبتناه في ابن هشام.
(6) في نسخة البداية المطبوعة: لحاجة أبعد حتى يحسر الثوب عنه، وهو تحريف واثبتنا الصواب من سيرة ابن هشام.
(7) قال السهيلي: الاظهر في هذا التسليم أن يكون حقيقة، وأن يكون الله أنطقه انطاقا كما خلق الحنين في
الجذع..إلى أن قال - ولو قدرت صفة قائمة بنفس الحجر والشجر والصوت عبارة عنه لم يكن بد من اشتراط الحياة والعلم مع الكلام والله أعلم أي ذلك كان: أكان كلاما مقرونا بحياة وعلم، فيكون الحجر به مؤمنا، أو = (*)

(3/17)


يمينه وعن شماله وخلفه فلا يرى إلا الشجر والحجارة.
فمكث [ رسول الله صلى الله عليه وسلم ] كذلك يرى ويسمع، ما شاء الله أن يمكث، ثم جاءه جبريل عليه السلام بما جاءه من كرامة الله وهو بحراء في [ شهر ] رمضان قال ابن إسحاق: وحدثني وهب بن كيسان مولى آل الزبير قال: سمعت عبد الله بن الزبير وهو يقول لعبيد بن عمير بن قتادة الليثي: حدثنا يا عبيد، كيف كان بدو ما ابتدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من النبوة، حين جاءه جبريل قال: فقال عبيد وأنا حاضر - يحدث عبد الله بن الزبير ومن عنده من الناس -: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في حراء في كل سنة شهرا بتحنث قال وكان ذلك مما يحبب به قريش في الجاهلية.
والتحنث التبرز.
فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور ذلك الشهر من كل سنة، يطعم من جاءه من المساكين، فإذا قضى جواره من شهره ذلك، كان أول ما يبدأ به، إذا انصرف من جواره، الكعبة، قبل أن يدخل بيته، فيطوف بها سبعا أو ما شاء الله من ذلك، ثم يرجع إلى بيته حتى إذا كان الشهر الذي أراد الله [ تعالى ] به فيه ما أراد من كرامته، من السنة التي بعثه فيها وذلك الشهر [ شهر ] رمضان، خرج [ رسول الله صلى الله عليه وسلم ] إلى حراء كما كان يخرج لجواره ومعه أهله، حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته، ورحم العباد به، جاءه جبريل بأمر الله تعالى.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فجاءني [ جبريل ] وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب.
فقال اقرأ ؟ قلت ما أقرأ ؟ قال فغتني حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني فقال: اقرأ، [ قال ]: قلت ما أقرأ ؟ قال فغتني حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني، فقال اقرأ، قلت ما أقرأ ؟ قال فغتني حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني.
فقال اقرأ قلت: ماذا اقرأ ؟ ما أقول ذلك إلا افتدا منه أن يعود لي بمثل ما صنع (1) بي فقال: (اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق اقرأ وربك الاكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم).
قال فقرأتها ثم انتهى وانصرف عني وهببت من نومي فكأنما كتب في قلبي كتابا (2).
قال فخرجت حتى
إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتا من السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله وأنا جبريل، قال: فرفعت رأسي إلى السماء أنظر فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله وأنا جبريل.
فوقفت أنظر إليه فما أتقدم وما أتأخر، وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء، فما أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك، فما زلت واقفا ما أتقدم أمامي وما أرجع ورائي حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي، فبلغوا [ أعلى ] مكة ورجعوا إليها وأنا واقف في مكاني ذلك ثم انصرف عني.
وانصرفت راجعا إلى أهلي حتى أتيت خديجة
__________
= كان صوتا مجردا غير مقترن بحياة، وفي كلا الوجهين هو علم من أعلام النبوة.
(1) العبارة في الدلائل البيهقي: وما أقرأ وما أقولها إلا تنجيا أن يعود لي بمثل الذي صنع، وفي نسخ البداية المطبوعة: اقتداء وهو تحريف.
(2) زاد البيهقي: ولم يكن في خلق الله أحد أبغض إلي من شاعر أو مجنون فكنت لا أطيق أنظر إليهما..راجع دلائل النبوة ج 2 / 147 - 148.

(3/18)


فجلست إلى فخذها مضيفا (1) إليها، فقالت: يا أبا القاسم أين كنت ؟ فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا مكة ورجعوا إلي.
ثم حدثتها بالذي رأيت، فقالت أبشر يا ابن العم وأثبت فوالذي نفس خديجة بيده إني لارجو أن تكون نبي هذه الامة.
ثم قامت فجمعت عليها ثيابها، ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل فأخبرته بما أخبرها به رسول الله صلى الله عليه وآله فقال ورقة: قدوس قدوس، والذي نفس ورقة بيده لئن كنت صدقتني يا خديجة لقد جاءه الناموس الاكبر الذي كان يأتي موسى، وأنه لنبي هذه الامة، وقولي له: فليثبت.
فرجعت خديجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بقول ورقة فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم جواره وانصرف، صنع كما كان يصنع، بدأ بالكعبة فطاف بها فلقيه ورقة بن نوفل وهو يطوف بالكعبة فقال: يا ابن أخي أخبرني بما رأيت وسمعت فأخبره، فقال له ورقة: والذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الامة، ولقد جاءك الناموس الاكبر الذي جاء موسى، ولتكذبنه ولتؤذينه ولتخرجنه ولتقاتلنه، ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لانصرن الله نصرا
يعلمه.
ثم أدنى رأسه منه فقبل يافوخه ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزله " (2).
وهذا الذي ذكره عبيد بن عمير كما ذكرناه كالتوطئة لما جاء بعده من اليقظة كما تقدم من قول عائشة رضي الله عنها فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح.
ويحتمل أن هذا المنام كان بعد ما رآه في اليقظة صبيحة ليلتئذ ويحتمل أنه كان بعده بمدة والله أعلم.
وقال موسى بن عقبة: عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، قال: وكان فيما بلغنا أول ما رأى - يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم - أن الله تعالى أراه رؤيا في المنام، فشق ذلك عليه فذكرها لامرأته خديجة فعصمها الله عن التكذيب، وشرح صدرها للتصديق، فقالت: أبشر فإن الله لم يصنع بك إلا خيرا، ثم إنه خرج من عندها ثم رجع إليها فأخبرها أنه رأى بطنه شق ثم غسل وطهر، ثم أعيد كما كان، قالت: هذا والله خير فابشر، ثم استعلن له جبريل وهو بأعلى مكة فأجلسه على مجلس كريم معجب كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول أجلسني على بساط كهيئة الدرنوك (3) فيه الياقوت واللؤلؤ فبشره برسالة الله عزوجل حتى اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له جبريل اقرأ فقال كيف اقرأ فقال: (اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق اقرأ وربك الاكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم).
قال: ويزعم ناس أن " يا أيها المدثر " أول سورة نزلت عليه والله أعلم.
قال فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم رسالة ربه واتبع ما جاءه به جبريل من عند الله فلما انصرف منقلبا إلى بيته جعل لا يمر على شجر ولا حجر إلا سلم عليه فرجع إلى أهله مسرورا موقنا أنه قد رأى أمرا
__________
(1) مضيفا: أي ملتصقا، يقال أضفت إلى الرجل: إذا ملت نحوه ولصقت به.
(2) الخبر بطوله رواه ابن إسحاق في السيرة ج 1 / 250 وما بعدها.
وأخرجه البيهقي في الدلائل ج 2 / 146 وما بعدها.
وابن سعد في الطبقات 1 / 157 والذهبي في تاريخ الاسلام 2 / 71 والترمذي في المناقب 5 / 593 والدارمي في المقدمة، وأحمد في مسنده 5 / 89.
(3) الدرنوك: ستر له حمل وجمعه درانك (*).

(3/19)


عظيما فلما دخل على خديجة قال أرأيتك التي (1) كنت حدثتك أني رأيته في المنام فإنه جبريل استعلن
إلي، أرسله إلي ربي عزوجل وأخبرها بالذي جاءه من الله وما سمع منه، فقالت: أبشر فوالله لا يفعل الله بك إلا خيرا، وأقبل الذي جاءك من أمر الله فإنه حق وأبشر فإنك رسول الله حقا.
ثم انطلقت من مكانها فأتت غلاما لعتبة بن ربيعة بن عبد شمس نصرانيا من أهل نينوى يقال له عداس، فقالت له: يا عداس أذكرك بالله إلا ما أخبرتني هل عندك علم من جبريل فقال: قدوس قدوس، ما شأن جبريل يذكر بهذه الارض التي أهلها أهل الاوثان.
فقالت: أخبرني بعلمك فيه.
قال فإنه أمين الله بينه وبين النبيين وهو صاحب موسى وعيسى عليهما السلام.
فرجعت خديجة من عنده فجاءت ورقة بن نوفل فذكرت له ما كان من أمر النبي صلى الله عليه وسلم وما ألقاه إليه جبريل.
فقال لها ورقة: يا بنية أخي (2) ما أدري لعل صاحبك النبي الذي ينتظر أهل الكتاب الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل، وأقسم بالله لان كان إياه ثم أظهر دعواه وأنا حي لا بلين الله في طاعه رسوله وحسن مؤازرته للصبر والنصر.
فمات ورقة رحمه الله.
قال الزهري فكانت خديجة أول من آمن بالله وصدق رسوله صلى الله عليه وسلم.
قال الحافظ البيهقي (3) بعد إيراده ما ذكرناه والذي ذكر فيه من شق بطنه، يحتمل أن يكون حكاية منه لما صنع به في صباه، يعني شق بطنه عند حليمة، ويحتمل أن يكون شق مرة أخرى ثم ثالثة حين عرج به إلى السماء والله أعلم.
وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة ورقة بإسناده إلى سليمان بن طرخان التيمي.
قال: بلغنا أن الله تعالى بعث محمدا رسولا على رأس خمسين سنة من بناء الكعبة وكان أول شئ اختصه به من النبوة والكرامة رؤيا كان يراها فقص ذلك على زوجته خديجة بنت خويلد فقالت له: أبشر فوالله لا يفعل الله بك إلا خيرا فبينما هو ذات يوم في حراء وكان يفر إليه من قومه إذ نزل عليه جبريل فدنا منه فخافه رسول الله صلى الله عليه وسلم مخافة شديدة فوضع جبريل يده على صدره ومن خلفه بين كتفيه.
فقال: اللهم احطط وزره، واشرح صدره، وطهر قلبه، يا محمد أبشر ! فإنك نبي هذه الامة.
اقرأ فقال له نبي الله: وهو خائف يرعد - ما قرأت كتابا قط، ولا أحسنه وما أكتب وما أقرأ فأخذه جبريل فغته غتا شديدا ثم تركه، ثم قال له اقرأ فأعاد عليه مثله فأجلسه على بساط كهيئة الدرنوك فرأى فيه من صفائه وحسنه كهيئة اللؤلؤ والياقوت وقال له: (إقرأ باسم ربك
الذي خلق) الآيات ثم قال له لا تخف يا محمد إنك رسول الله ثم انصرف وأقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم همه فقال كيف أصنع وكيف أقول لقومي ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو خائف فأتاه
__________
(1) في دلائل البيهقي: الذي، وهو مناسب أكثر.
(2) الثابت أن خديجة ابنة عم ورقة، فهي بنت خويلد بن أسد وورقة بن نوفل بن أسد.
وما قوله: يا بنية أخي إلا دليلا على مدى احترامها وتقديرها له، والمكانة التي له في نفسها.
(3) دلائل النبوة ج 2 / 146.
(*)

(3/20)


جبريل من أمامه وهو في صعرته (1) فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرا عظيما ملا صدره فقال له جبريل لا تخف يا محمد: جبريل رسول الله جبريل رسول الله إلى أنبيائه ورسله فأيقن بكرامة الله فإنك رسول الله فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمر على شجر ولا حجر إلا هو ساجد يقول السلام عليك يا رسول الله.
فاطمأنت نفسه وعرف كرامة الله إياه فلما انتهى إلى زوجته خديجة أبصرت ما بوجهه من تغير لونه فأفزعها ذلك، فقامت إليه فلما دنت منه جعلت تمسح عن وجهه وتقول لعلك لبعض ما كنت ترى وتسمع قبل اليوم، فقال يا خديجة: أرأيت الذي كنت أرى في المنام، والصوت الذي كنت أسمع في اليقظة وأهال منه فإنه جبريل قد استعلن لي وكلمني واقرأني كلاما فزعت منه ثم عاد إلي فأخبرني أني نبي هذه الامة، فأقبلت راجعا فأقبلت على شجر وحجارة فقلن السلام عليك يا رسول الله.
فقالت خديجة: أبشر فوالله لقد كنت أعلم أن الله لن يفعل بك إلا خيرا وأشهد أنك نبي هذه الامة الذي تنتظره اليهود، قد أخبرني به ناصح غلامي وبحيري الراهب، وأمرني أن أتزوجك منذ أكثر من عشرين سنة.
فلم تزل برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى طعم وشرب وضحك ثم خرجت إلى الراهب وكان قريبا من مكة فلما دنت منه وعرفها.
قال: مالك يا سيدة نساء قريش ؟ فقالت: أقبلت إليك لتخبرني عن جبريل ؟ فقال: سبحان الله ربنا القدوس ما بال جبريل يذكر في هذه البلاد التي يعبد أهلها الاوثان جبريل أمين الله ورسوله إلى أنبيائه ورسله وهو صاحب موسى وعيسى، فعرفت كرامة الله لمحمد ثم أتت عبدا لعتبة بن ربيعة يقال له عداس
فسألته فأخبرها بمثل ما أخبرها به الراهب وأزيد.
قال: جبريل كان مع موسى حين أغرق الله فرعون وقومه، وكان معه حين كلمه الله على الطور، وهو صاحب عيسى بن مريم الذي أيده الله به.
ثم قامت من عنده فاتت ورقة بن نوفل فسألته عن جبريل فقال لها مثل ذلك ثم سألها ما الخبر فأحلفته أن يكتم ما تقول له فحلف لها فقالت له إن ابن عبد الله ذكر لي وهو صادق أحلف بالله ما كذب، ولا كذب أنه نزل عليه جبريل بحراء، وأنه أخبره أنه نبي هذه الامة، وأقرأه آيات أرسل بها.
قال: فذعر ورقة لذلك وقال لئن كان جبريل قد استقرت قدماه على الارض لقد نزل على خير أهل الارض، وما نزل إلا على نبي وهو صاحب الانبياء والرسل، يرسله الله إليهم وقد صدقتك عنه، فارسلي إلي ابن عبد الله أسأله وأسمع من قوله وأحدثه فإني أخاف أن يكون غير جبريل فإن بعض الشياطين يتشبه به ليضل به بعض بني آدم ويفسدهم حتى يصير الرجل بعد العقل الرضي مدلها مجنونا.
فقامت من عنده وهي واثقة بالله أن لا يفعل بصاحبها إلا خيرا فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما قال ورقة فأنزل الله تعالى: (ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون) الآيات.
فقال لها: كلا والله إنه لجبريل فقالت له أحب أن تأتيه فتخبره لعل الله أن يهديه فجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له ورقة هذا الذي جاءك جاءك في نور أو ظلمة ؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صفة جبريل وما رآه من عظمته وما أوحاه إليه.
فقال ورقة:
__________
(1) صعرته: أي عظمته.
(*)

(3/21)


أشهد أن هذا جبريل وأن هذا كلام الله فقد أمرك بشئ تبلغه قومك وإنه لامر نبوة فإن أدرك زمانك أتبعك ثم قال أبشر أبن عبد المطلب بما بشرك الله به.
قال: وذاع قول ورقة وتصديقه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فشق ذلك على الملا من قومه قال وفتر الوحي.
فقالوا: لو كان من عند الله لتتابع ولكن الله قلاه فأنزل الله والضحى وألم نشرح بكمالهما.
وقال البيهقي حدثنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس عن ابن إسحاق [ قال ]: حدثني إسماعيل بن أبي حكيم مولى آل الزبير أنه حدثه عن
خديجة بنت خويلد أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بينه (1) مما أكرمه الله به من نبوته: يا ابن عم تستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك.
فقال نعم ! فقالت: إذا جاءك فأخبرني.
فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عندها إذ جاء جبريل فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال: يا خديجة ! هذا جبريل فقالت: أتراه الآن ؟ قال: نعم ! قالت: فاجلس إلى شقي الايمن، فتحول فجلس، فقالت أتراه الآن ؟ قال: نعم ! قالت فتحول فاجلس في حجري فتحول [ رسول الله صلى الله عليه وسلم ] فجلس في حجرها فقالت هل تراه الآن ؟ قال: نعم ! فتحسرت رأسها فشالت (2) خمارها ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في حجرها فقالت هل تراه الآن ؟ قال: لا.
قالت ما هذا بشيطان إن هذا لملك يا ابن عم فاثبت وأبشر، ثم آمنت به وشهدت أن ما جاء به هو الحق.
قال ابن إسحاق: فحدثت عبد الله بن حسن هذا الحديث، فقال: قد سمعت أمي فاطمة بنت الحسين تحدث بهذا الحديث عن خديجة إلا أني سمعتها تقول أدخلت رسول الله صلى الله عليه وسلم بينها وبين درعها فذهب عندك ذلك جبريل عليه السلام.
قال البيهقي: وهذا شئ كان من خديجة تصنعه (3) تستثبت به الامر احتياطا لدينها وتصديقا.
فأما النبي صلى الله عليه وسلم فقد كان [ قد ] وثق بما قال له جبريل وأراه من الآيات التي ذكرناها مرة بعد أخرى، وما كان من تسليم الشجر والحجر عليه صلى الله عليه وسلم (4) تسليما.
وقد قال مسلم في صحيحه حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا يحيى بن بكير حدثنا إبراهيم بن طهمان حدثني سماك بن حرب عن جابر بن سمرة رضي الله عنه.
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إني
__________
(1) في دلائل البيهقي: تثبته.
(2) في البيهقي: فألقت.
(3) في البيهقي: كانت خديجة - رضي الله عنها - تصنعه.
(4) زاد البيهقي: وما كان من إجابة الشجر لدعائه وذلك بعدما كذبه قومه وشكاهم إلى جبريل عليه السلام فأراد أن يطيب قلبه.
الحديث أخرجه أبو نعيم في الدلائل ص 172 و 174.
والبيهقي في دلائله ج 2 / 151 - 152.
(*)

(3/22)


لاعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث إني لاعرفه الآن " (1).
وقال أبو داود الطيالسي حدثنا سليمان بن معاذ عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن بمكة لحجرا كان يسلم علي ليالي بعثت.
إني لاعرفه إذا مررت عليه " (2).
وروى البيهقي من حديث إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير، عن عباد بن عبد الله، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فخرج في بعض نواحيها فما استقبله شجر ولا جبل إلا قال: السلام عليك يا رسول الله (3).
وفي رواية لقد رأيتني أدخل معه [ يعني النبي صلى الله عليه وسلم - ] الوادي فلا يمر بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليكم يا رسول الله.
وأنا أسمعه.
فصل قال البخاري في روايته المتقدمة ثم فتر الوحي حتى حزن النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه تبدى له جبريل فقال: يا محمد، إنك رسول الله حقا فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك.
وفي الصحيحين (4) من حديث عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: سمعت أبا سلمة عبد الرحمن، يحدث عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث عن فترة الوحي قال: فبينما أنا أمشي سمعت صوتا من السماء، فرفعت بصري قبل السماء فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء [ والارض ] فجثيت منه فرقا حتى هويت إلى الارض فجئت أهلي فقلت زملوني زملوني فأنزل الله: (يا أيها المدثر قم فانذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر) [ المدثر: 1 - 5 ] قال ثم حمي الوحي وتتابع فهذا كان أول ما نزل من القرآن بعد فترة
__________
(1) تقدم تخريجه فليراجع.
(2) رواه الترمذي في المناقب (5 / 593) والدارمي في المقدمة وأحمد في مسند 5 / 89 وابن سعد في الطبقات 1 / 157، وابن هشام في السيرة 1 / 252 - 253.
(3) دلائل النبوة للبيهقي ج 2 / 153 - 154 وأخرجه الترمذي في 50 كتاب المناقب حديث 3626 وفيه: " عباد بن أبي يزيد عن علي بن أبي طالب " وقال: هذا حديث غريب.
(4) البخاري في 65 كتاب التفسير (4) باب فتح الباري 8 / 678 و (5) باب.
ومسلم في 1 كتاب الايمان (73) باب بدء الوحي حديث 253 وحديث 255.
صحيح مسلم 1 / 143.
وأخرجه الترمذي في تفسير سورة المدثر.
وأحمد في مسنده 3 / 325.
- فترة الوحي: يعني احتباسه وعدم تتابعه وتواليه في النزول.
فجثيت، هكذا بالاصول وفي الطبري: فجثثت وفي رواية: فجثثت.
وفي البخاري فرعبت، وفي مسلم فجثثت: أي فزعت وخفت كما في نهاية غريب الحديث.
(*)

(3/23)


الوحي لا مطلقا (1)، ذاك قوله: (اقرأ باسم ربك الذي خلق) وقد ثبت عن جابر أن أول ما نزل (يا أيها المدثر) واللائق حمل كلامه ما أمكن على ما قلناه فإن في سياق كلامه ما يدل على تقدم مجئ الملك الذي عرفه ثانيا بما عرفه به أولا إليه.
ثم قوله: يحدث عن فترة الوحي دليل على تقدم الوحي على هذا الايحاء والله أعلم.
وقد ثبت في الصحيحين من حديث علي بن المبارك وعند مسلم والاوزاعي كلاهما عن يحيى بن أبي كثير قال سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن أي القرآن أنزل قبل ؟ فقال: (يا أيها المدثر) فقلت (واقرأ باسم ربك) فقال سألت جابر بن عبد الله أي القرآن أنزل قبل فقال (يا أيها المدثر) فقلت (واقرأ باسم ربك) فقال [ أحدثكم ما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إني جاورت بحراء شهرا فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت الوادي فنوديت، فنظرت بين يدي وخلفي وعن يميني وعن شمالي، فلم أر شيئا ثم نظرت إلى السماء فإذا هو على العرش في الهواء فأخذتني رعدة - أو قال وحشة - فأتيت خديجة فأمرتهم فدثروني فأنزل الله: (يا أيها المدثر) حتى بلغ (وثيابك فطهر) (2) - وقال في رواية - فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والارض فجثيت منه " وهذا صريح في تقدم إتيانه إليه وإنزاله الوحي من الله عليه كما ذكرناه والله أعلم.
ومنهم زعم أن أول ما نزل بعد
فترة الوحي سورة: (والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى) إلى آخرها.
قاله محمد بن إسحاق.
وقال بعض القراء: ولهذا كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في أولها فرحا وهو قول بعيد يرده ما تقدم من رواية صاحبي الصحيح من أن أول القرآن نزولا بعد فترة الوحي: (يا أيها المدثر قم فأنذر) ولكن نزلت سورة والضحى بعد فترة أخرى كانت ليالي يسيرة كما ثبت في الصحيحين (3) وغيرهما من حديث الاسود بن قيس عن جندب بن عبد الله البجلي، قال: اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقم ليلة أو ليلتين أو ثلاثا فقالت امرأة ما أرى شيطانك إلا تركك فأنزل الله: (والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى) وبهذا الامر حصل الارسال إلى الناس وبالاول حصلت النبوة.
وقد قال بعضهم كانت مدة الفترة قريبا من سنتين أو سنتين ونصفا، والظاهر والله أعلم أنها المدة التي اقترن معه ميكائيل كما قال الشعبي وغيره، ولا ينفي هذا تقدم إيحاء جبريل إليه أولا: (اقرأ باسم ربك الذي خلق) ثم اقترن به جبريل بعد نزول: (يا أيها المدثر قم فأنذر
__________
(1) أي أن أول ما نزل مطلقا هو اقرأ.
(2) أخرجه مسلم في صحيحه 1 كتاب الايمان حديث 257 / 1 / 144.
وفيه: أخذتني رجفة شديدة: قال القاضي: ورواه، السمرقندي وجفة، والمعنى الاضطراب.
وأخرجه البخاري في 65 كتاب التفسير (74) باب حديث 4922 وأعاده في تفسير سورة العلق عن سعيد بن مروان في قصة فتور الوحي.
وفي كتاب بدء الخلق.
ورواه الطبري في تاريخه 2 / 20 8 دار القاموس الحديث.
(3) أخرجه البخاري في أبواب التهجد الحديث 1125 فتح الباري 3 / 8 وفي 65 كتاب التفسير الحديث 4950 فتح الباري 8 / 710 وأخرجه مسلم في الصحيح 1 / 143.
(*)

(3/24)


وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر) وثم حمي الوحي بعد هذا وتتابع - أي تدارك شيئا بعد شئ - وقام حينئذ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرسالة أتم القيام وشمر عن ساق العزم ودعا إلى الله القريب والبعيد، والاحرار والعبيد، فآمن به حينئذ كل لبيب نجيب سعيد، واستمر على مخالفته وعصيانه كل جبار عنيد، فكان أول من بادر إلى التصديق من الرجال الاحرار أبو بكر الصديق، ومن
الغلمان علي بن أبي طالب، ومن النساء خديجة بنت خويلد زوجته عليه السلام، ومن الموالي مولاه زيد بن حارثه الكلبي رضي الله عنهم وأرضاهم (1).
وتقدم الكلام على إيمان ورقة بن نوفل بما وجد من الوحي ومات في الفترة رضي الله عنه.
فصل في منع الجان ومردة الشياطين من استراق السمع حين أنزل القرآن لئلا يختطف أحدهم منه ولو حرفا واحدا فيلقيه على لسان وليه فيلتبس الامر ويختلط الحق فكان من رحمة الله وفضله ولطفه بخلقه أن حجبهم عن السماء كما قال الله تعالى إخبارا عنهم في قوله: (وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا.
وإنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا، وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الارض أم أراد بهم ربهم رشدا) [ الجن: 8 - 10 ].
وقال تعالى: (وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون إنهم عن السمع لمعزولون) [ الشعراء: 210 - 211 ].
قال الحافظ أبو نعيم: حدثنا سليمان بن أحمد - وهو الطبراني - حدثنا عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم، حدثنا محمد بن يوسف الفريابي، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
قال: كان الجن يصعدون إلى السماء يستمعون الوحي فإذا حفظوا الكلمة زادوا فيها تسعا فأما الكلمة فتكون حقا وأما ما زادوا فتكون باطلا، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم منعوا مقاعدهم فذكروا ذلك لابليس ولم تكن النجوم يرمى بها قبل ذلك فقال لهم إبليس هذا لامر قد حدث في الارض، فبعث جنوده فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما يصلي بين جبلين فأتوه فأخبروه فقال: هذا الامر الذي قد حدث في
__________
(1) قال الطبري: اختلف السلف فيمن اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمن به وصدقه.
بعد زوجته خديجة، فقال بعضهم كان أول ذكر آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب عليه السلام.
2 / 210 ونقل عن الواقدي قال: اجتمع أصحابنا على أن أول أهل القبلة استجاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة ثم اختلف عندنا في ثلاثة نفر في أبي بكر وعلي وزيد بن حارثة أيهم أسلم أول.
2 / 215.
وقال ابن إسحاق: أسلم علي وكتم إسلامه ولم يظهره قريبا من شهر
وقال القرظي أول من أظهر الاسلام أبو بكر وكان علي يكتم إسلامه..(أنظر الطبري 2 / 210 وما بعدها ودلائل سيرة ابن هشام 1 / 262 - البيهقي 2 / 160 وما بعدها).
(*)

(3/25)


الارض (1).
وقال أبو عوانة عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
قال: [ ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن وما رآهم ] (2) انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عامدين إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين، وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا ما لكم ؟ قالوا حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب، فقالوا: ما ذاك إلا من شئ حدث (3) فاضربوا مشارق الارض ومغاربها، فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة وهو بنخل عامدين إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء فرجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا: (إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا) [ الجن: 2 ] فأوحى الله إلى نبيه صلى الله عليه وسلم: (قل أوحى إلي أنه استمع نفر من الجن) [ أول سورة الجن ] الآية.
أخرجاه في الصحيحين (4) وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا محمد بن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
قال: إنه لم تكن قبيلة من الجن إلا ولهم مقاعد للسمع فإذا نزل الوحي سمعت الملائكة صوتا كصوت الحديدة ألقيتها على الصفا (5)، قال: فإذا سمعت الملائكة خروا سجدا فلم يرفعوا رؤسهم حتى ينزل، فإذا نزل قال بعضهم لبعض: ماذا قال ربكم ؟ فإن كان مما يكون في السماء قالوا الحق وهو العلي الكبير، وإن كان مما يكون في الارض من أمر الغيب أو موت أو شئ مما يكون في الارض تكلموا به فقالوا يكون كذا وكذا فتسمعه الشياطين فينزلونه على أوليائهم فلما بعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم دحروا بالنجوم فكان أول من علم بها ثقيف فكان ذو الغنم منهم ينطلق إلى غنمه فيذبح كل يوم شاة، وذا الابل فينحر كل يوم بعيرا فأسرع الناس في أموالهم فقال بعضهم لبعض: لا تفعلوا فإن كانت النجوم التي يهتدون بها وإلا فإنه لامر حدث فنظروا فإذا النجوم التي يهتدى بها كما هي لم يزل منها شئ فكفوا وصرف الله الجن فسمعوا القرآن فلما حضروه قالوا:
انصتوا وانطلقت الشياطين إلى إبليس فأخبروه.
فقال: هذا حدث حدث في الارض فأتوني من كل أرض بتربة فأتوه بتربة تهامة (6) فقال ههنا الحدث.
ورواه البيهقي والحاكم من طريق حماد بن (هامش 26) (1) أخرجه أحمد في مسنده.
(2) من صحيح مسلم.
ولم ترد العبارة في البحاري.
(3) العبارة في دلائل البيهقي: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شئ حدث.
(4) صحيح البخاري: 65 كتاب التفسير تفسير سورة الجن فتح الباري 8 / 669.
صحيح مسلم في 4 كتاب الصلاة 33 باب ح 149 ص: 1 / 3331.
وأخرجه الترمذي في تفسير سورة الجن وقال: حسن صحيح.
وأخرجه النسائي في سننه في كتاب التفسير.
(5) في البيهقي: صوت كإمرار السلسلة على الصفوان.
(6) في البيهقي: بتربة مكة رواه البيهقي بتغيير في التعابير والالفاظ في الدلائل ج 2 / 240 - 241.
(*)

(3/26)


سلمة عن عطاء بن السائب.
وقال الواقدي: حدثني أسامة بن زيد بن أسلم، عن عمر بن عبدان العبسي، عن كعب قال: لم يرم بنجم منذ رفع عيسى حتى تنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فرمى بها فرأت قريش أمرا لم تكن تراه فجعلوا يسيبون أنعامهم ويعتقون أرقاءهم يظنون أنه الفناء، فبلغ ذلك من فعلهم أهل الطائف ففعلت ثقيف مثل ذلك فبلغ عبد ياليل بن عمرو ما صنعت ثقيف.
قال: ولم فعلتم ما أرى ؟ قالوا رمى بالنجوم فرأيناها تهافت من السماء فقال: إن إفادة المال بعد ذهابه شديد فلا تعجلوا وانظروا: فإن تكن نجوما تعرف فهو عندنا من فناء الناس وإن كانت نجوما لا تعرف فهو لامر قد حدث فنظروا فإذا هي لا تعرف فأخبروه فقال الامر فيه مهلة بعد هذا عند ظهور نبي.
فما مكثوا إلا يسيرا حتى قدم عليهم أبو سفيان بن حرب إلى أمواله فجاء عبد ياليل فذاكره أمر النجوم فقال أبو سفيان: ظهر محمد بن عبد الله يدعي أنه نبي مرسل، فقال عبد
ياليل فعند ذلك رمى بها.
وقال سعيد بن منصور عن خالد عن (1) حصين عن عامر الشعبي.
قال: كانت النجوم لا يرمى بها حتى بعث [ الله ] (2) رسول الله صلى الله عليه وسلم [ فرمي بها ] (2) صلى الله عليه وسلم فسيبوا أنعامهم وأعتقوا رقيقهم.
فقال عبد ياليل: أنظروا فإن كانت النجوم التي تعرف فهي (3) عند فناء الناس وإن كانت لا تعرف فهو لامر قد حدث فنظروا فإذا هي لا تعرف.
قال: فأمسكوا فلم يلبثوا إلا يسيرا حتى جاءهم خروج النبي صلى الله عليه وسلم.
وروى البيهقي والحاكم من طريق العوفي (4) عن ابن عباس قال: لم تكن سماء الدنيا تحرس في الفترة بين عيسى ومحمد صلوات الله عليهما وسلامه.
فلعل مراد من نفى ذلك أنها لم تكن تحرس حراسة شديدة ويجب حمل ذلك على هذا لما ثبت في الحديث من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن علي بن الحسين عن ابن عباس رضي الله عنهما: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس [ في نفر من أصحابه ] (5) إذ رمى بنجم فاستنار فقال: " ما كنتم تقولون (6) إذا رمى بهذا ؟ " قال كنا نقول مات عظيم، وولد عظيم فقال: " لا ولكن ".
فذكر الحديث كما تقدم عند خلق السماء وما فيها من الكواكب في أول بدء الخلق ولله الحمد (7).
وقد ذكر ابن إسحاق في السيرة قصة رمي النجوم وذكر عن كبير ثقيف أنه قال لهم في النظر
__________
(1) في نسخ البداية المطبوعة " بن " وهو تحريف وما أثبتناه من دلائل النبوة للبيهقي حيث نقل الخبر.
(ج 2 / 241).
(2) من دلائل النبوة.
(3) في نسخ البداية المطبوعة: " فهو " وهو تحريف، وأثبتنا ما في الدلائل.
(4) في دلائل البيهقي 2 / 241: قال أخبرنا محمد بن سعد بن محمد العوفي، قال حدثني أبي، قال: حدثني عمر الحسين بن الحسن بن عطية قال: حدثني أبي عن أبيه عطية بن سعد عن ابن عباس.
(5) ما بين معكوفين استدركت من الدلائل.
(6) أي ما كنتم تقولون في الجاهلية ؟ (7) راجع الحديث في سيرة ابن هشام ج 1 / 220.
وتفسير قوله (لا ولكن).
(*)

(3/27)


في النجوم: إن كانت أعلام السماء أو غيرها ولكن سماه عمرو بن أمية (1) فالله أعلم.
وقال السدي لم تكن السماء تحرس إلا أن يكون في الارض نبي أو دين لله ظاهر وكانت الشياطين قبل محمد صلى الله عليه وسلم قد اتخذت المقاعد في سماء الدنيا يستمعون ما يحدث في السماء من أمر فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم نبيا رجموا ليلة من الليالي، ففزع لذلك أهل الطائف.
فقالوا: هلك أهل السماء لما رأوا من شدة النار في السماء واختلاف الشهب فجعلوا يعتقون أرقاءهم، ويسيبون مواشيهم.
فقال لهم عبد ياليل بن عمرو بن عمير: ويحكم يا معشر أهل الطائف أمسكوا عن أموالكم وانظروا إلى معالم النجوم فإن رأيتموها مستقرة في أمكنتها فلم يهلك أهل السماء وإنما هو من ابن أبي كبشة، وإن أنتم لم تروها فقد أهلك أهل السماء فنظروا فرأوها فكفوا عن أموالهم وفزعت الشياطين في تلك الليلة فأتوا إبليس فقال: ائتوني من كل أرض بقبضة من تراب فأتوه فشم فقال صاحبكم بمكة فبعث سبعة نفر من جن نصيبين فقدموا مكة فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد الحرام (2) يقرأ القرآن، فدنوا منه حرصا على القرآن حتى كادت كلا كلهم تصيبه ثم أسلموا فأنزل الله أمرهم على نبيه صلى الله عليه وسلم.
وقال الواقدي: حدثني محمد بن صالح عن ابن أبي حكيم - يعني إسحاق - عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال: لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أصبح كل صنم منكسا فأتت الشياطين فقالوا له ما على الارض من صنم إلا وقد أصبح منكسا، قال هذا نبي قد بعث فالتمسوه في قرى الارياف فالتمسوه فقالوا: لم نجده، فقال: أنا صاحبه فخرج يلتمسه فنودي عليك بجنبة الباب - يعني مكة - فالتمسه بها فوجده بها عند قرن الثعالب فخرج إلى الشياطين فقال: إني قد وجدته معه جبريل فما عندكم ؟ قالوا: نزين الشهوات في عين أصحابه ونحبها إليهم قال: فلا آسى إذا.
وقال الواقدي حدثني طلحة بن عمرو عن ابن أبي مليكة عن عبد الله بن عمرو قال لما كان اليوم الذي تنبأ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم منعت الشياطين من السماء ورموا بالشهب فجاؤا إلى إبليس فذكروا ذلك له فقال: أمر قد حدث هذا نبي قد خرج عليكم بالارض المقدسة مخرج بني إسرائيل، قال: فذهبوا إلى الشام ثم رجعوا إليه فقالوا ليس بها أحد فقال إبليس أنا صاحبه فخرج في طلبه بمكة فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحراء منحدرا معه جبريل فرجع إلى أصحابه فقال: قد بعث أحمد ومعه
جبريل فما عندكم ؟ قالوا: الدنيا نحببها إلى الناس قال فذاك إذا.
قال الواقدي: وحدثني طلحة بن عمرو عن عطاء عن ابن عباس.
قال: كانت الشياطين يستمعون الوحي فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم منعوا فشكوا ذلك إلى إبليس فقال: لقد حدث أمر فرقي فوق أبي قبيس - وهو أول جبل وضع على وجه الارض - فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي خلف المقام.
فقال: اذهب فاكسر عنقه.
فجاء يخطر وجبريل عنده، فركضه جبريل ركضة طرحه في كذا وكذا فولى الشيطان هاربا.
ثم
__________
(1) نقل الخبر ابن سعد في الطبقات 1 / 163 عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الاخنس، وفيه عمرو بن أمية.
(2) في دلائل البيهقي من رواية عطية بن سعد عن ابن عباس: ببطن نخلة.
والخبر في سبل الهدى والرشاد 2 / 267.
(*)

(3/28)


رواه الواقدي وأبو أحمد الزبيري كلاهما عن رباح بن أبي معروف، عن قيس بن سعد، عن مجاهد فذكر مثل هذا وقال فركضه برجله فرماه بعدن.
فصل في كيفية إتيان الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تقدم كيفية ما جاءه جبريل في أول مرة، وثاني مرة أيضا وقال مالك عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها.
إن الحارث بن هشام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي ؟ فقال: " أحيانا يأتيني مثل صلصلة (1) الجرس - وهو أشده علي - - فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا يكلمني فأعي ما يقول ".
قالت عائشة رضي الله عنها: ولقد رأيته صلى الله عليه وسلم ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه وأن جبينه ليتفصد عرقا أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك به (2) ؟ ورواه الامام أحمد عن عامر بن صالح عن هشام بن عروة به نحوه.
وكذا رواه عبدة بن سليمان وأنس بن عياض عن هشام بن عروة، وقد رواه أيوب السختياني عن هشام عن أبيه عن الحارث بن هشام أنه قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت كيف يأتيك الوحي ؟ فذكره، ولم يذكر عائشة.
وفي حديث الافك قالت
عائشة: فوالله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه.
فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء حتى أنه كان يتحدر منه مثل الجمان من العرق، وهو في يوم شات من ثقل الوحي الذي نزل عليه.
وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرني يونس بن سليم، قال: أملى علي يونس بن يزيد، عن ابن شهاب عن عروة عن (3) عبد الرحمن بن عبدالقاري سمعت عمر بن الخطاب يقول: كان إذا نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي يسمع عند وجهه كدوي النحل،
__________
(1) في نسخة البداية المطبوعة صلصلة وهو تحريف، وما أثبتنا من صحيح البخاري.
(2) صحيح البخاري - كتاب بدء الوحي 2 باب حديث 2 فتح الباري 1 / 14.
ومسلم في 43 كتاب الفضائل 23 باب ح 87 ص 1817.
ومالك في الموطأ في 15 كتاب القرآن 4 باب.
- صلصلة الجرس: في الاصل: صوت وقوع الحديد بعضه على بعض.
وقال الخطابي: يريد أنه صوت متدارك يسمعه ولا يتبينه أول ما يسمعه حتى يفهمه بعد.
وقيل هو صوت حفيف أجنحة الملك.
- فيفصم عني، وعند مسلم: ثم يفصم عني.
قال الخطابي: " قال العلماء: الفصم هو القطع من غير إبانة.
وأما القصم فهو القطع مع الابانة والانفصال.
ومعنى الحديث: ان الملك يفارقة على أن يعود، ولا يفارقه مفارقة قاطع لا يعود ".
(3) في نسخ البداية المطبوعة: عروة بن عبد الرحمن وهو تحريف، وفي دلائل البيهقي: عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن.
(*)

(3/29)


وذكر تمام الحديث (1) في نزول: (قد أفلح المؤمنون) وكذا رواه الترمذي والنسائي من حديث عبد الرزاق، ثم قال النسائي: منكر لا نعرف أحدا رواه غير يونس بن سليم، ولا نعرفه (2).
وفي صحيح مسلم وغيره من حديث الحسن عن حطان بن عبد الله الرقاشي عن عبادة بن الصامت.
قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي كربه ذلك وتربد وجهه - وفي رواية وغمض عينيه - وكنا نعرف ذلك منه (3).
وفي الصحيحين حديث زيد بن ثابت حين نزلت: (لا
يستوى القاعدون من المؤمنين) فلما شكى ابن أم مكتوم ضرارته نزلت: (غير أولى الضرر) (4).
قال وكانت فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي وأنا أكتب فلما نزل الوحي كادت فخذه ترض فخذي.
وفي صحيح مسلم من حديث همام بن يحيى، عن عطاء، عن يعلى بن أمية.
قال: قال لي عمر: أيسرك أن تنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يوحى إليه ؟ فرفع طرف الثوب عن وجهه وهو يوحى إليه بالجعرانة، فإذا هو محمر الوجه.
وهو يغط كما يغط البكر.
وثبت في الصحيحين من حديث عائشة لما نزل الحجاب، وأن سودة خرجت بعد ذلك إلى المناصع ليلا، فقال عمر: قد عرفناك يا سودة.
فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته وهو جالس يتعشى والعرق في يده، فأوحى الله إليه والعرق في يده، ثم رفع رأسه فقال: " إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن ".
فدل هذا على أنه لم يكن الوحي يغيب عنه إحساسه بالكلية، بدليل أنه جالس ولم يسقط العرق أيضا من يده صلوات الله وسلامه دائما عليه.
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا عباد بن منصور، حدثنا عكرمة، عن ابن عباس.
قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه الوحي تربد لذلك جسده ووجهه وأمسك عن أصحابه ولم يكلمه أحد منهم.
وفي مسند أحمد وغيره من حديث ابن لهيعة حدثني يزيد بن أبي حبيب عن عمرو بن الوليد عن عبد الله بن عمرو قلت: يا
__________
(1) تمام الحديث في مسند أحمد ج 1 / 34.
(2) عبارة النسائي: لا أعرفه، والمعنى هنا يقتضي إدخال الترمذي فيه، والحديث رواه الترمذي في جامعه 4 / 151 - 152 وقال: من سمع عبد الرزاق قديما فإنهم يذكرون فيه عن يونس بن يزيد وبعضهم لا يذكر فيه عن يزيد بن يونس ومن ذكر فيه يونس بن يزيد فهو أصح ".
ويونس " الصنعاني " ذكره ابن حبان في الثقات، قال في التهذيب عن النسائي: ثقة.
وصحح الحديث الحاكم ووافقه الذهبي وهذا دليل على توثيق يونس بن سليم الذي روى عن يونس بن يزيد.
(3) صحيح مسلم في 43 كتاب الفضائل 23 باب ح 88 ص 4 / 1817، وأعاده مسلم في 29 كتاب الحدود 3 باب ح 13 ص 3 / 1316.
وأخرجه أحمد في مسنده 5 / 317 - 318 - 331 - 337.
- تريد وجهه: يعني تغير وعلته غبرة وإنما حصل ذلك لعظم موقع الوحي وشدته.
(4) رواه الهيثمي عن زيد بن أرقم في مجمع الزوائد 7 / 9 وقال رواه الطبراني ورجاله ثقات.
ورواه أيضا عن ابن عباس وفيه: أنها في قوم كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يغزون معه لاسقام وأمراض وأوجاع وآخرون أصحاء..فكان المرضى في عذر من الاصحاء وقال: رواه الطبراني من طريقين ورجال أحدهما ثقات.

(3/30)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية