صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : البدء والتاريخ
المؤلف : ابن المطهر
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

قالوا وبنى المسجد في طول مائة ذراع مربعا أساسه الحجر وجدرانه اللبن وسقفه الجريد وعمده خشب النخل وثلاثة أبواب فقيل له ألا تسقفه فقال لا عرش كعرش موسى وتمام الشان أعجل من ذلك فهذا كان من أمر المسجد في عهد رسول الله صلعم وأمر أن يحصب فمات قبل ذلك فحصبه عمر رضه وزاد فيه دار العباس ثم زاد عثمان وجعل سقفه من الساج وحيطانه بالحجارة المنقوشة ثم لما استعمل الوليد بن عبد الملك عمرو بن عبد العزيز على المدينة كتب إليه أن يوسع المسجد ويدخل فيه بيوت أزواج النبي صلعم وبعث إليه بفعلة من الروم والقبط وأربعين ألف مثقال من ذهب فسوره وبطنه بالفسيفساء وألوان الزجاج ثم زاد فيه المهدي ثم المأمون بعده فهو اليوم على ما فعله المأمون، بيت المقدس وزعم وهب أن يعقوب النبي عم كان يمر في بعض حاجاته فأدركه النوم في موضع المسجد فرأى في المنام كأن سلما منصوبا إلى السماء والملائكة تعرج فيه وتنزل وأوحى الله عز وجل إني قد ورثتك هذه الأرض المقدسة ولذريتك من بعدك فابن لي فيها مسجدا فاختط عليه يعقوب ثم بعده قبة ايليا وهو الخضر ثم بنى بعده داود وأتمه سليمان وخربه بخت نصر فاوحى الله عز وجل إلى كوشك ملك من ملوك فارس فعمرها ثم خربها ططس الرومي الملعون فلم يزل خرابا إلى أن قام الإسلام وعمره عمر بن الخطاب رضه ثم معاوية بن أبي سفيان وبه بايعوه للخلافة وليس ببيت المقدس ماء جار وإنما يشربون ماء الأمطار في الجباب إلا عيينة تسمى عين سلوان فيه ملوحة يزعمون أن الله عز وجل أظهرها لمريم حين أرادت أن تغتسل وظهر المسجد مغطى بصفائح من رصاص وأرض المسجد مفروشة بالرخام لئلا يضيع ماء المطر وللمسجد أبواب باب داود وباب سليمان وباب الأسباط وباب البقر والمسجد من أحد جوانبه يفضى إلى وادي جهنم وفيه مقابر ومزارع وفي وسط المسجد قبة الصخرة وعلى باب المدينة باب داود يصعد إليه بدرجات وفي المدينة مسجد لعمر بن الخطاب رضه وفيه كنائس اليهود والنصارى منها كنيسة يقال لها جلجلة وفيها قبر آدان أبي زكريا عم ومنها كنيسة صهيون التي كان يتعبد فيها داود عم وكنيسة القيامة في الموضع الذي يزعم النصارى أن المسيح لما قتل دفن فيه ثم قام وصعد إلى السماء ومن رملة إلى بيت المقدس ثمانية عشر ميلا وفي نصف الطريق قرية شنا يقال لها قرية العنب ومن بيت المقدس إلى بيت لحم فرسخ وفيه مولد المسيح عم بجنبها كنيسة الصبيان يزعمون أن الملك هيروذوس قتل بها صبيانا على اسم المسيح ومن بيت لحم إلى قبر الخليل عم فرسخان، طور سينا يخرج الرجل من مصر إلى قلزم في ثلاثة أيام ومن قلزم إلى الطور طريقان أحدهما في البحر والآخر في البر وهما جميعا يؤديان إلى فاران وهي مدينة العمالقة ثم يسير منها إلى الطور في يومين فإذا انتهى إليه صعد ست آلاف وست مائة وستا وستين مرقاة وفي نصف الجبل كنيسة لايليا النبي وفي قلة الجبل كنيسة مبنية باسم موسى عم بأساطين من رخام وأبواب من صفر وهو الموضع الذي كلم فيه الله عز وجل موسى وقطع منه الألواح للتورية ولا يكون فيها إلا راهب واحد للخدمة ويزعمون أنه لا يقدر أحد أن يبيت فيها فيهيئ له بيت صغير من خارج ينام فيه، مسجد الكوفة بناه سعد بن أبي وقاص رضه بأمر عمر بن الخطاب رضه بالآجر وزاد فيه المأمون ويقال من موضعه فار التنور من الغرق، مسجد البصرة بناه عتبة بن غزوان بالقصب ثم بناه عبد الله بن عامر بالطين ثم بناه زياد بن أبيه بالآجر وزاد فيه المأمون وفيه موضع الحكم الذي كان يقضي فيه علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، مسجد مصر بناه عمر بن العاص زمن إمارته بها، مسجد دمشق بناه الوليد بن عبد الملك ويقال أنه أحد عجائب الدنيا، مسجد الرملة يقال فيه قبر كذا نبي والله أعلم وأحكم

(1/212)


الطريق من العراق إلى مكة حرسها الله يقال من الكوفة إلى مكة مائتان وثلاثة وخمسون فرسخا والفرسخ ثلاثة أميال يخرج من الكوفة إلى القادسية ثم إلى العذيب وهي كانت مسلحة للفرس بينها وبين القادسية حائطان متصلان بينهما نخل وهي ستة أميال فإذا خرجت منها البادية ثم المغيثة ثم القرعا ثم واقصه ثم العقبة ثم القاع ثم زبالة وبها حصن وجامع ثم الشقوق ثم قبر العبادي ثم الثعلبية وهي ثلث الطريق ثم الخزيمية ثم الاجفر ثم فيد وهي نصف الطريق وبها حصن وجامع والبلد لطيئ ثم سميرا ثم الحاجر ثم النقرة ومنها يفترق الطريق إلى المدينة فمن أراد مكة أخذ المغيثة ثم الربذة ثم السليلة ثم العمق ثم معدن بني سليم ثم أفيعية ثم المسلح ثم الغمرة ومنها يحرم الناس إلا الجمالين فإنها يحرمون من ذات عرق ثم بستان بني عامر ومن البستان إلى مكة ثمانية فراسخ أربعة وعشرون ميلا ومن أراد المدينة من النقرة أخذ العسيلة ثم بطن النخل عمرها مصعب بن الزبير ثم الطرف ثم المدينة ومن المدينة إلى مكة ثلث طرق الجادة والساحل وطريق المخالف ولكل قوم طريق ومنازل مغدودة فلا فائدة في حفظها لغير أهلها، ذكر الثغور والرباطات أعلم أن لكل قوم عدوا يحاذرونهم فلأهل الشام واذربيجان والجزيرة عدوهم الروم وارمينية وثغورهم السواحل وطرسوس والمصيصة وعين زربة وقاليقلا وسميساط واخلاط وكذلك عدو المغاربة الروم وعدو أهل الجبل وجرجان والجيل والديلم الغزية الترك وكانت قزوين ثغر الديلم ودهستان ثغر الترك فأسلمت الديالمة وتباعدت عنهم الترك وعدو كرمان البلوص وعدو أهل بلخ وباميان وجوزجان الهند وأهل خراسان عدوهم الترك وعدو أهل مكران البارج وخاشت وثغورهم تيز وأهل زرنج وبست الغور وكثير من الثغور قد تباعد عنها العدو وأسلموا مثل قزوين أسلمت الديلم ومثل ويسكرد أسلمت راشت والتحرز من المسلمين أولى من غيرهم

(1/213)


ذكر ما يحكى من عجائب الأرض وأهلها قد ذكر في الكتب أن عجائب الدنيا أربع شجر الزرزور ومنارة الاسكندرية وكنيسة الرها ومسجد دمشق ومن العجائب الهرمان بمصر ارتفاعهما في السماء أربع مائة وخمسون ذراعا في انخراط مكتوب عليهما من ادعى قوة فليهدمهما فإن الهدم أسهل من البناء ومنها قنطرة بختن معقودة من رأس جبل إلى جبل عقدها أهل الصين في الدهر ومنها جبل تبت يقال له جبل السم إذا مر به الناس أخذ بأنفاسهم فمنهم من يموت ومنهم من ينغل لسانه ومنها أن قتيبة بن مسلم لما افتتح ويكند أصاب بها قدورا عظاما يصعد إليها بالسلاليم فتذكروا أنها مما عملته الشياطين لسليمان عم بقوله تعالى يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات ومنها ما يحكى أن في مطلع الشمس أرضا ينبت الذهب قطعا كالنبات يظهر عند انفجار الصبح كالسرج ثم يغوص إذا دنا طلوع الشمس وفي تلك الأرض دابة على صورة النمل تأكل الناس قالوا ولما أغزى كشتاسب بت لهراسب اسفنديار فسار في أرض الترك حتى خرج من وراء الروم في أقصى الغرب وضع ثم صنما ونقش فيه ليس وراء هذا أحد يقاتل ولما فتح طارق بن زياد الأندلس في ولاية الوليد بن عبد الملك أصاب بها مائدة بثلاثة أطواق لؤلؤ وزبرجد وياقوت فذكر أهل الكتاب أنهما مما استخرجه الشياطين من البحر لسليمان بن داود ومنها أن من دخل تبت لم يزل مسرورا ضاحكا حتى يخرج كما يزعمون من غير علة ومنها أساطين انصنا مرأى الصعيد وغضائر السروج ومنها البحر المغربي لا تجري به السفن لأن فيه جبالا من حجر المغناطيس إذا انتهت إليه السفن جذبت ما فيها من المسامير فانتقضت قالوا وفي بحر الهند حيتان يبتلعون القارب وفيه سمك طيارة وفي بحر المغرب سمك على صورة الناس سواء وبأرض الهند شجر تقود فروعها إلى الأرض فتغوص فيها ثم تخرج رؤوسها من موضع آخر فإذا صارت شجرا عادت رؤوسها إلى الأرض ثم لا يزال كذلك حتى بلغت فراسخ ويغلب على بلدان كثيرة بعروقها وفروعها وزعموا أن قصب الخيزران يسير تحت الأرض خمسة فراسخ أو ستة وبها شجر يقال لها وقواق فيزعمون أن صورة ثمره على صورة وجوه الناس وأما الحمات والنيران الظاهرة ومخارق الريح التي لا تسكن أبدا ومساقط الثلوج التي لا تخلو طول السنة ومستنقعات المياه المختلفة والطعوم والأرائيح والتراب المختلفة التي لا تحصى ولا تعد وقد ذكر محمد بن زكريا في كتاب الخواص منه طرفا صالحا فمما زعموا أن بارض الترك جبلا إذا انتهوا إليه شدوا في حوافر دوابهم اللبد والصوف لئلا يثير عجاجا فيمطرون قالوا ويحملون معهم من حجارة ذلك الجبل فإذا عطشوا حركوها في الماء فيمطرون في الحال وفي كتاب المسالك والممالك حكاية أن بأقصى الترك مما يلي شمالهم نهرا عظيما يدخل في نقب جبل عظيم ولا يدري أحد أين مخرج ذلك الماء ومصبه وأن رجلا منهم اتخذ ضغثا ودخل في زق عظيم وأمر أن ينفخ فيه واستوثق من رأسه ثم شد الزق على الضغث وطرح في الماء قالوا أنه غاص يومين أو ثلثة ثم خرج ببسيط من الأرض فلما أحس بضوء النهار شق عنه الزق فإذا هو بأرض ذات شجر وحيوان لم يرى مثلها في طولها وعرضها وعظمها وناس طوال القامات عراض الأجسام على دواب عظام فلما بصروا به جعلوا يضحكون تعجبا منه ومن خلقته وجسمه هكذا الحكاية فلا أدري من أي طريق عاد إليهم هذا الرجل وأخبرهم بالخبر ومن أراد معرفة هذه الأشياء فلينظر في طبائع الحيوان وطبائع الأحجار وطبائع النبات ويزده علما ومعرفة وخبرة

(1/214)


ومن عجائب أصناف الناس قد جاء في الأخبار من صفة ياجوج وماجوج وما ذكرناه في موضعه وكذلك من صفة النسناس بأرض وبار وصنف منهم بناحية بامير وهي مفازة بين قشمير وتبت ووخان والصين ناس وحشية مشعرة جميع أبدانهم إلا الوجه ينقزون نقز الظباء وحدثني غير واحد من أهل وخان أنهم يصطادونه ويأكلونه قالوا وفي غياض سرنديب ناس وحشية يصفر بعضها لبعض وينفرون من الناس وبالزنج في أقاصيها قوم ليس لهم طعام إلا ما أحرقت الشمس من دواب البحر عند غروبها ولا لهم لباس غير ورق الشجر ولا لهم بناء إلا أكنان تحت الأرض وهم يأكلون بعضهم بعضا ولا يعرف أحد منهم أباه ولا نكاح فيهم قالوا وفي ناحية الترك قوم إذا خرجوا إلى عدوهم أخذوا الملح معهم فمن قتلوه ملحوه وأكلوه وقالوا في نواحي خرخيز أمة وحشية لا يخالطون الناس ولا يفهمون عنهم لباسهم وأوانيهم من جلود الوحش يتناكحون على أربع كالوحش والبهائم وإذا مات منهم ميت علقوه على الشجر حتى يبلى قالوا وفي جهة الشمال أمة في طباع السباع والزعرة هم سباع الناس وحدثني غير واحد من الغواصين بأنهم يرون حيونا في البحر على صورة الناس يكلم بعضهم بعضا وفي كتاب المسالك أن في جزيرة من جزائر الهند قوما عظام الأجسام قدم أحدهم ذراع يأكلون الناس يقول الله عز وجل ويخلق ما لا تعلمون وروينا عن عبد الله بن عمر أنه قال ربع من لا يلبس الثياب من السودان أكثر من جميع الناس وقد قال رسول الله صلعم ما أنتم بالناس إلا كالرقمة في ذراع البكر وروى إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود وروى أنه قال لما ذكر أهل النار أما ترضون أن يكون من ياجوج وماجوج تسع مائة وتسعة وتسعون ومنكم واحد قالوا وأعدل أقسام الأرض وأصفاها وأطيبها إيران شهر وهو المعروف باقليم بابل ما بين نهر بلخ إلى نهر الفرات في الطول ومابين بحر عابسكين إلى بحر فارس واليمن في العرض ثم إلى مكران وكابل وطخارستان ومنتهى اذربيجيان صفوة الأرض وسرتها لاعتدال ألوان أهلها واستواء أجسامهم وسلامة عقولهم وذلك أنهم سلموا من شقرة الروم وفظاظة الترك ودمامة الصين وقصر ياجوج وماجوج وسواد الحبشان وخبل الزنوج ولذلك سمي إيران شهر يعنون قلب البلدان وإيران هو القلب بلسان أهل بابل في القديم وهي أرض الحكماء والعلماء وفيهم السخاء والرحمة والتمييز والفطنة وكل خصلة محمودة التي عدمها الناس من سكان الأرض ويحسبك معرفة هذه البلاد أنه لا يحمل إليها أحد من غيرها ولا يقع إليها بنفسه فيشتاق بعد ذلك إلى أرضه أن يعود إليها وليس كذلك حال هذه البلاد والله أعلم

(1/215)


ذكر ما بلغنا من المدن والقرى ومن بناها ذكر في الأخبار أن أول قرية بنيت على وجه الأرض بعد الطوفان بقرذى وسوق ثمانين وذلك أن نوحا عم لما خرج إلى السفينة وكانوا ثمانين إنسانا هذه الرواية أربعون رجلا وأربعون امرأة بنى لهم تلك القرية وسموها سوق ثمانين وجاء أن أول بناء بني على وجه الأرض بيت الله الكعبة وبناه شيث بن آدم وفي كتب العجم أن المدائن بناها هوشنك وسماه كرد بنداذ معمولا وجد فكأنه كان بناء قبله ثم درس فبناه زاب الملك وهو الذي حفر الزابين ثم بناه الاسكندر ثم بناه شابور ذو الاكتاف قالوا وبنى طهمروث بابل وهي المدينة العتيقة وابريز بأرض اذربيجيان واواق على رأس جبل شاهق بأرض الهند وقهندز مرو بأرض خرسان قالوا بنو جم شاذ همذان بأرض الجبل واصطخر بأرض فارس والمذار بأرض بابل وطوس بأرض خراسان قالوا وبني كيلهراسب الجبار بلخ الحسناء بأرض الهند وقهندز بأرض مكران قالوا وبني بهمن حول اصطخر بناء عجيبا وبنى دارا دارابجرد بأرض فارس وبنى دارا بن دارا دارا بأرض الجزيرة وبنى اوشهنج مدينة بابل ومدينة السوس بأرض الأهواز ومعناه حسن ثم بنى بعدها تستر ومعناه أحسن وبنى شابور بن اردشير جندى شابور بأرض الأهواز والأنبار بأرض العراق وبنى هرمز البطل دسكرة الملك وبنى يزدجرد الجشن بناء بباب ارمينية وبناء بأرض جرجان وبنى شابور ذو الاكتاف نيسابور بخراسان وبنى الاسكندر عشر مدن سرنديب بأرض الهند والاسكندرية بأرض اليونان وجى بأرض اصبهان وهراة ومروة وسمرقند بأرض خراسان ومن يحصي بناء المدن وواضعي القرى ومن يعلم مبادئ إنشائها إلا الله عز وجل وهبنا أخبرنا بمدن فارس على نحو ما نجده في كتبهم والمدن التي أحدثت في الإسلام بقرب العهد وجدة التأريخ فمن لنا بمدن الهند والصين والروم والترك وليس كل مدينة أو قرية مبنية منسوبة إلى بانيها لأنه قد تسمى المدينة باسم الباني أو باسم لها قبل حدوثها أو باسم ماء أو شجر أو شيء ما وقد يجوز أن يجتمع قوم بموضع من المواضع فيصير ذلك مدينة فهذا يبين لك أن كل مدينة لا يوجب بانيا لها قاصدا إليها وقد قيل أن قسطنطينية مدينة ملك الروم بناها قسطنطين فسميت به ونيسابور بناها سابور فسميت به وافريقية بناها افريقس فسميت به وحران نزلها هاران بن آزر أخو إبراهيم عم فسميت به وسمرقند خربها شمر ملك من ملوك اليمن فقيل شمر كند ثم عرب وغمدان بناها غمدان الملك باليمن فسميت به وصنعاء سميت بجودة الصنعة وعدن سميت بالمقام قالوا وسميت مكة لازدحام الناس بها وسميت المدينة لاجتماع الناس فيها وهي تسمى يثرب وسماها رسول الله صلع طيبة وسميت المجحفة بسيل أتى فيها فجحف من فيها والكوفة مصرها سعد بن أبي وقاص وكان بها رمل فسميت به ويقال لها الكوفان والبصرة مصرها عتبة بن غزوان وسماها بحجارة بيض كانت في موضعها وأواسط بناها الحجاج ويقال لذلك وسط القصب ويقال بل توسطت البصرة والكوفة وهي سهلية جبلية برية بحرية يوجد بها الرطب والثلج والقمح والسمك وبغداد سميت باسم موضع كان قبلها ويقال لها الزوراء ويقال أبغ اسم صنم وسمتها الخلفاء مدينة السلام وأول من بناها أبو جعفر المنصور بنى بها قصر الخلد وسر من رأى بناها المعتصم وذلك أنه تنحى عن مدينة السلم ليبني في السراة الذين تجمعوا بديار ربيعة ومضر فنزلها وهي ضاحية على جهة مناخ العسكر لا سور عليها ولا خندق ولا ميرة ولا ماء ثم عطلت وكان أبو العباس نزل الأنبار فبناها وبنى المتوكل المتوكلية وانتقل إليها فقتل بها وطرسوس بني في أيام هارون الرشيد والمصيصة بناها المنصور وعسكر مكرم نزلها بن مطرف اللخمي فصارت مدينة ونسبت إليه فاعلم أن المدن تبنى على ثلاثة أشياء على الماء والكلاء والحطب فإذا فقدت واحدة من هذه الثلاثة لم تبق

(1/216)


ذكر ما جاء في خراب البلدان في كتاب أبي حذيفة عن مقاتل أنه قال قرأت في كتب الضحاك بعد موته وهي الكتب المخزونة عنده في قوله عز وجل وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في الكتاب مسطورا أما القرى مكة فيخربها الحبشان فذلك عذابهم وأما المدينة فالجوع يخربها وأما البصرة فالغرق وأما الكوفة فالترك وخراب الشام من قبل الملحمة بالكدى عند فتح القسطنطينية وخراب الأندلس وطنجة من قبل الريح وخراب الافريقية من قبل الأندلس وخراب مصر من انقطاع النيل وخراب اليمن من الجراد والحبش وخراب ارمينية من الصواعق والرواجف وخراب اذربيجيان بسنابك الخيل وخراب الجبل بالصواعق وخراب الري واصفهان وهمذان على أيدي الديالمة والطبرية وهلاك حلوان بهلاك الزوراء قال وهلاك الزوراء بريح ساكنة تمر بها فيصبح أهلها قردة وخنازير وأما الكوفان فيخربهما رجل من آل عنبسة بن أبي سفيان يعني السفياني وخراب سجستان برياح ورمال وحيات وأما خراسان فانها تهلك بأصناف العذاب وبلخ يصيبها رجة وهدة فيغلب عليها الماء فتهلك وبذخشان يغلب عليها أقوام عليهم الدواويح المشقوقة فيتركونها كجوف الحمار والترمذ يموتون بجارف الصغانية تهلك بقتل صريع ولهم من عدو سمرقند والشاش وفرغانة واسبيجاب وخوارزم يغلب عليها بنو قيطورا بن كركر وأما بخارا فأرض الجبابرة يصيبهم نحو ما يصيب خوارزم ثم يموتون قحطا وجوعا ومن الجملة خراب ما وراء النهر بالترك قالوا ويضيق بهم الأمر حتى لو نبح كلب على شاطئ آمل من على شط الفرات أنه مكان ذلك الكلب وخراب كرمان وفارس واصفهان من قبل عدو لهم وخراب مرو بالرمل ونيسابور بالريح وخراب هراة بالحيات قال تمطر عليهم الحيات فتأكلهم وقال مقاتل وخراب السند من قبل الهند وخراب خراسان من قبل تبت وخراب تبت من قبل الصين وكذا الروية والله أعلم فقد روى من خراب البلدان عن الصحابة فمن ذلك ما روى أبو هريرة أن النبي صلعم قال للمدينة لتركها أهلها على حين ما كانت مذللة للعوافى وما روى عن علي عم أنه قال ليخرب البصرة وليفرقن حتى يصير المسجد كأنه جؤجؤ سفينة،
الفصل الرابع عشر
في ذكر أنساب العرب وأيامها
المشهورة على غاية هذا الكتاب من الإيجاز والاختصار
اختلف الناس في نسب العرب فقال بعضهم كلهم من ولد اسماعيل بن إبراهيم وقال آخرون ليست النمر من ولد اسماعيل ولكنها من ولد قحطان بن عابر بن شالخ بن ارفخشد بن سام بن نوح فهم أنسب وأقرب من غيرهم ولذلك تفتخر أعراب اليمن على غيرها من العرب وقال ابن اسحق لم أجد أحد من نساب اليمن له علم إلا وهو يزعم أنهم ليسوا من ولد اسماعيل ويقولون نحن العرب العاربة كنا قبل اسماعيل وإنما تكلم اسماعيل بلساننا لما جاورته جرهم إلا هاذين الحيين الأنصار وخزاعة فإنهم يزعمون أنهم من ولد اسماعيل عم قالوا أخو قحطان يقطر بن عامر بن عابر فولد يقطر جرهم وجزيلا فلم يبق في جزيل بقية فنزلت جرهم مكة فنكح فيها اسماعيل عم وقد قال رجل من قحطان بن هميسع بن نابت بن اسماعيل والنساب على أنه قحطان بن عابر بن شالخ بن ارفخشد بن سام بن نوح والله أعلم وقحطان ونزار هما جرثومتان لأنه نسبة ولد اسماعيل من نزار ونسبة اليمن من قحطان هذا هو الأصل قال الشاعر
بجيلة حين جاءت ليس تدري ... أقحطان أبوها أم نزار
ونزار نزاران فهذا نزار بن معد بن عدنان والثاني نزار بن انمار ثم اختلفوا في نسب عدنان فقال بعضهم عدنان بن أدد بن يخنوخ بن مقوم بن ناحور بن تيرخ بن يعرب بن يشجب بن اسماعيل هذا قول محمد بن اسحق وقال بعضهم عدنان بن مبدع بن يسع بن الأدد بن كعب بن يشجب بن يعرب بن الهميسع بن حميل بن سليمان بن ثابت بن قيدر بن اسماعيل وقد روى ابن عباس رضه أن النبي صلعم انتسب فلما بلغ إلى عدنان وقف وقال كذب النسابون وقد روى ابن اسحق عن يزيد بن رومان عن عائشة أن النبي صلعم قال استقامت نسبة الناس إلى عدنان ويدلك على هذا القول لبيد
فإن لم نجد من دون عدنان والدا ... ودون معد فلترعك العواذل

(1/217)


فولد عدنان عك بن عدنان ومعد بن عدنان فأما عك فأول من تبدى في البادية والعدد في معد فولد معد بن عدنان ثمانية نفر يذكر منهم أربعة قضاعة بن معد واياد بن معد ونزار بن معد والعدد في نزار فولد نزار ثلثة نفر ربيعة ومضر وانمارا فأما انمار فإنه ولد خثعم وبجيلة فصاروا إلى اليمن فأما مضر فولد الياس ويقال لولد الياس خندف ينسبون إلى أمهم وولد الياس ثلثة نفر مدركة بن الياس وطابخه بن الياس وقمعة بن الياس فأما قمعة فزعم بعض الناس أنهم في اليمن ورجعت خندفها إلى مدركة وطابخة وأما الياس ابن مضر فهو قيس بن عيلان فمضر ترجع كلها إلى هاذين الحيين خندف وقيس وولد مدركة بن الياس هذيل وولد سعد تميم بن معاوية بن تميم وقد ولدوا غير ما نذكره غير أنا نذكر من له العدد وولد خزيمة بن مدركة أسد بن خزيمة فمنه تفرقت بطون العرب وهم بنو أسد والهون بن خزيمة فولد الهون القارة الذي يقال في المثل قد أنصف القارة من رماها ومن القارة عضل وديش وكنانة بن خزيمة فولد كنانة النضر بن كنانة ومالك بن كنانة وملكان بن كنانة وعبد مناة بن كنانة فأما النضر بن كنانة فهو أبو قريش كلها وولد النضر بن كنانة مالك بن النضر والصلت بن النضر فصارت الصلت في اليمن ورجعت قريش كلها إلى مالك بن النضر فولد مالك فهر بن مالك والحارث بن مالك فمن بني الحارث المطيبون والخلج وأما فهر فمنه تفرقت قبائل قريش وولد فهر غالب بن فهر ومحارب بن فهر فولد الغالب لؤي بن غالب وتميم بن غالب فأما تميم فهم بنو الادرم من أعراب قريش ليس منهم بمكة أحد وفيهم يقول الشاعر
إن بني الادرم ليسوا من أحد ... ولا توفاهم قريش في العدد
فأما لؤي بن غالب فإليه ينتهي عدد قريش وشرفها وولد لؤي سبعة نفر منهم كعب بن لؤي فولد كعب مرة بن كعب فمن عدي عمر بن الخطاب رضه ومن مرة أبو بكر الصديق رضه وولد مرة بن كعب كلاب بن مرة وولد كلاب قصي بن كلاب وزهرة بن كلاب فأما قصي فاسمه زيد وإنما سمي قصيا لأنه تقصى مع أبيه وتسمية قريش مجمعا لأنه جمع قبائل قريش وأنزلها مكة وبنى بها دار الندوة وأحذ مفتاح البيت من خزاعة وكان قريش قبل ذلك حلولا فمن ذلك قريش الاباطح كانوا ينزلون الأبطح ومنهم قريش الظواهر كانوا ينزلون بظاهر مكة فجمعهم قصي وفيه يقول الشاعر
أبوكم قصي كان يدعى مجمعا ... به جمع الله القبائل من فهر
وأنتم بنو زيد وزيد أبوكم ... به زيدت البطحاء فخرا على فخر
فتزوج قصي بن كلاب ابنة حليل بن حبش الخزاعي فولدت له أربعة نفر عبد مناف وعبد الدار وعبد العزي وعبدا فأما عبد فبادوا كلهم وعبد الدار فإنهم قتلوا يوم أحد إلا عثمان ابن طلحة فإنه أسلم ودفع بالنبي صلعم المفتاح إليه يوم فتح مكة ثم دفعه إلى شيبة فهو في ولده إلى اليوم وأما عبد العزي فبقوا ومنهم خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزي وأما عبد مناف فولد عشرة نفر منهم هاشم والحارث وعباد ومخرمة وعبد شمس والمطلب ونوفل واسم عبد مناف المغيرة وكانوا يسمونه الغمر لجوده وفضله وإليه صار السودد بعد قصي فأما عبد شمس بن عبد مناف فانه ولد أولادا يسمون العبلات لأن اسم أمهم عبلة ويقال أيضا أمية الأصغر لأن لعبد مناف ولدا يقال له أمية الأكبر وولد يقال له عبد العزي والربيع يقال له جرو البطحاء وولد الربيع أبا العيص بن الربيع زوج بنت رسول الله صلعم ابن أخت خديجة وأما أمية الأكبر فإنه ولد حربا وأبا حرب وسفيان وعمروا وأبا عمرو يقال لهم العنابس شبهوا بالأسد والعاص وأبا العاص وأبا العيص ويقال لهم الأعياص فأما حرب بن أمية فولد أبا سفيان بن حرب وأما أبو العاص فولد أبا عثمان بن عفان وأما أبو العيص فقالوا ولد أسيدا أبا عتاب بن أسيد أمير مكة وأما هاشم بن عبد مناف فاسمه عمرو وسمي هاشما لأنه هشم الخبز ويقال كثر الخبز بالرحلتين بينهما في الصيف إلى الشام وفي الشتاء إلى اليمن وفيه يقول الشاعر
عمرو الذي هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مسنتون عجاف

(1/218)


وإليه صار السودد بعد عبد مناف وولد هاشم ولدا لم يعقب منهم أحد غير أسيد بن هاشم وعبد المطلب بن هاشم وهلك هاشم بغزة من أرض الشام وكان وافاها في تجارة له ومات المطلب بردمان من أرض اليمن ومات نوفل بسلمان من أرض العراق ومات عبد شمس بمكة وفيه يقول مطرود بن كعب
منيت بردمان ومنيت بسل مان ومنيت بين غزات
ومنيت أسكن اللحد لدى ... المحجوب شرقي البنيات
فهولاء بنو عبد مناف ثم صار الأمر إلى عبد المطلب بن هاشم بعد عمه المطلب بن عبد مناف، قصة عبد المطلب واسمه شيبة الحمد وذلك أن هاشم بن مناف خرج إلى الشام في تجارة فمر بالمدينة وتزوج بسلمى بنت عمرو النجارية فحملت بشيبة ورحل هاشم فمات بأرض الشام وولدته سلمى وترعرع الغلام وصار وصيفا فقدم ثابت بن المنذر أبو حسان بن ثابت الشاعر مكة فقال للمطلب بن عبد مناف لو رأيت ابن أخيك لرأيت جمالا وشرفا ورأيته بين آطام بني قنيقاع يناضل فتيانا من أخواله فيدخل في مرماتية جميعا في مثل راحتي هذه والمرماة السهام وكانوا إذ ذاك يرمون بسهمين فخرج المطلب حتى قدم المدينة ومكث يرقب شيبة فلما أبصره عرفه بالشيبة ففاضت عينه ثم دعاه فكساه حلة وردة إلى أمه وانشأ يقول
عرفت شيبة والنجار قد جعلت ... أناءها حوله بالنبل تنتضل
عرفت أجلاده منا وشيمته ... ففاض مني عليه واكف سبل
ثم أتي أمه فضنت به فلم يزل بها يقبل في الغارب والسنام حتى دفعه إليه فاحتمله وقفل راجعا إلى مكة وهو رديفه ولم يكن للمطلب ولد فقيل هذا عبده فنشب اللقب عليه ثم لما هلك المطلب بن عبد مناف قام بالأمر عبد المطلب بن هاشم وكثرت أمواله وتأثلت مواشيه فأجمع أن يحفر بئرا، قصة حفر عبد المطلب زمزم قد بينا في قصة اسماعيل وهاجر ما ذكر من أمر زمزم فمن قائل أنها ركضة جبرئيل وآخر أنها همزة اسمعيل بكعبه ثم عورتها السيول وعفتها الأمطار روى ابن اسحق عن علي بن أبي طالب عم أن عبد المطلب بينا هو نائم في الحجر إذ أتي فأمر بحفر زمزم فقال ما زمزم فقال لا ينزف ولا يذم، لتسقى الحجيج الأعظم، وهي بين الفرث والدم، وعند نقره الغراب الأعصم ، فغدا عبد المطلب ومعه الحارث ابنه ليس له يومئذ ولد غيره فوجد الغراب ينقر بين اساف ونائلة فحفر منه فلما بدا الطى كبر فاستشركته قريش وقالوا انها بئر أبينا اسمعيل ولنا فيها حق فأبى أن يعطيهم حتى تحاكموا إلى كاهنة بنى سعد بأشراف الشام فركبوا وساروا حتى إذا كانوا ببعض الطريق نفذ ماءهم فظمئوا وأيقنوا بالهلاك فانفجرت من تحت خف راحلة عبد المطلب عين من ماء فشربوا منه وعاشوا وقالوا قد والله قضى لك علينا لا نخاصمك فيها أبدا إن الذي سقاك الماء بهذه الفلاة لهو الذي سقاك زمزم فانصرفوا وحفر زمزم فوجد فيها غزالين من ذهب كانت جرهم دفنتهما عند خروجهم من مكة ووجد فيها أسيافا قلعيه ودروعا فضرب الغزلين في باب الكعبة وأقام عبد المطلب سقاية زمزم للحجاج وفيه يقول حذيفة بن غانم
وساقي الحجيج ثم للخبز هاشم ... وعبد مناف ذلكم سيد فهر
طوى زمزما عند المقام فأصبحت ... سقايته فخرا على كل ذي فخر

(1/219)


قصة ذبح عبد المطلب ابنه عبد الله أبا رسول الله صلعم قالوا وكان عبد المطلب نذر لله عز وجل حيث كان لقي من قريش ما لقي عند حفرة زمزم لئن ولد له عشرة نفر يمنعونه ممن يريده لينحرن أحدهم لله عز وجل عند الكعبة شكرا له فلما توافى بنوه العشرة جمعهم فأخبرهم بنذره قالوا شأنك وما نذرت قال ليأخذ كل رجل منكم قدحا ثم ليكتب فيه اسمه ثم ليأتني به ففعلوا فقام ودخل بهم على هبل في جوف الكعبة وضرب عليهم قداحهم فخرج قداح عبد الله أبي رسول الله وهو أصغرهم فأخذ بيده وحدد الشفرة وجره إلى المذبح فقامت قريش من أنديتها وقالوا لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه لئذ فعلت هذا لا يزال الرجل يأتي بابنه فيذبحه فما بقاء الناس على هذا ولكن انطلق إلى الحجاز فإن بها عرافة لها تابع فسلها فرحل عبد المطلب فقص عليها القصص فقالت صاحبكم وعشرا من الإبل ثم اضربوا عليها بالقداح فان خرجت على صاحبكم فزيدوا حتى يرضى ربكم فرجعوا إلى مكة وقربوا الإبل هبل ولم يزالوا يضربون عليها بالقداح وعلى عبد الله والقداح تخرج عليه حتى بلغت الإبل مائة ثم خرج على الإبل فأمر فنحرت بالبطحاء وفي شعاب مكة فجاجها وعلى رؤوس الجبال حتى أكلها الناس والطير وفيه يقول أبو طالب
وتطعم حتى تترك الطير سورها ... إذا جعلت أيدي المفيضين ترعد
ثم أخذ عبد المطلب بيده عبد الله حتى أتى وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي فزوجه ابنته آمنة بنت وهب وأم آمنة برة بنت عبد العزي ابن قصي ابن كلاب فحملت آمنة بالنبي صلعم وهلك أبوه عبد الله بالمدينة والرسول حمل في بطن أمه فرثته آمنة بنت وهب أم الرسول صلعم فما يروى
عفا جانب البطحاء من آل هاشم ... وجاور لحدا مدرجا بالغماغم
دعته المنايا دعوة فأجابها ... وما تركت في الناس مثل ابن هاشم
قي أبيات غيرها قالوا ثم مات وهب بن عبد مناف فرثته ابنة آمنة أم رسول الله صلعم
أني لباكية وهبا فمعولة ... وهب بن عبد مناف سيد الناس
فقد رزئت كريما غير مؤتشب ... ضخم الدسيعة حناسا لحناس
ماضي العزيمة لا يخشى غوائله ... من جوهر من قريش غير أنكاس
في أبيات أخر ثم توفي عبد المطلب ورسول الله صلعم ابن ثمان سنين أو أقل، نسب أهل اليمن لا خلاف أنهم من ولد قحطان وإنما الخلاف في قحطان وهو قحطان أبو يعرب وولد يعرب يشجب وولد يشجب سبأ واسم سبأ عبد شمس بن يشجب وإنما سمي به لأنه أول من سبا بالعرب وولد سبأ سبعة نفر الأشعر بن سبأ ومنه رهط وأبي موسى الأشعري وحمير بن سبأ وانمار بن سبأ وعاملة بن سبأ ومرة بن سبأ فولد مرة بن سبأ شعبان بن مرة وولد الأشعر بن سبأ والأشعريين وولد عمرو بن سبأ عدي بن عمرو فولد عدي لخما وجذاما وجذام قبائلها وبطونها منهم جديس وغنم وجشم وغطفان ونفائة ومدالة والدار التي تنسب إليها الداريون وولد انمار بن سبأ ولدا فخالفوا خثعما وبجيلمة وقال نساب مضر أن خثعما وبجيلمة ابنا انمار ابن نزار فجر انمار بن سبأ نسبهم باسم أبيهم يتمنى به وقد قال جرير بن عبد الله البجلي نافرا لفرافصة الكلبي إلى الأقرع بن حاجس
يا أقرع بن حابس يا أقرع ... إنك إن يصرع أخوك تصرع
وقال أيضا
ابنى نزار ابصر أخاكما ... إن أبي وجدته أباكما
لن يغلب اليوم أخ والاكما
وبجيلة امرأة نسبت القرية إليها ومن بطون بجيلة قسر رهط خالد بن عبد الله القسري وولد عاملة بن سبأ قبائل ويزعم نساب مضر إنهم من ولد قاسط وقال الأعشى
أعامل حتى متى يذهبن ... إلى غير والدك الأكرم
ووالدكم قاسط فارجعوا ... إلى النسب الأبلد الأقدم
وولد حمير بن سبأ ست نفر مالك بن حمير وعامر بن حمير وعوف بن حمير وسعد بن حمير ووائلة بن حمير وعمرو بن حمير فولد مالك بن حمير قضاعة بن مالك وولد قضاعة قبائل منها كلب بن وبرة ومصاد وبنوا القين وتنوخ وجرم بن زياد وراسب وبهراء وبلى ومهرة وعذرة وسعد هذيم وهذيم عبد حبشي نسب إليه والشائعة منه الكلاع وذو النواس وذو اصبح وذو وجدن وذو يزن وبطون كثيرة وفيها يقول الفاكهي
الحسب المعروف غير المنكر ... قضاعة بن ملك بن حمير

(1/220)


وولد كهلان بن سبأ زيد بن كهلان فولد زيد بن كهلان ملك بن زيد وادد بن زيد فولد ادد طى بن ادد والغوث بن ادد ومن طى بنو نبهان الذي يذكره أبو تمام الطائي
تنبهت لبني نبهان حين ثوى ... يد الزمان فعاثت فيهم وفمه
ويقول في افتخاره بهم
لنا جوهر زيدية اددية ... إذا نجمت ذلت لها الانجم الزهر
ومن طي بنمو ثعل الذي يذكره امرؤ القيس
رب رام من بني ثعل ... مخرج كفينه من ستره
ومن طي بنو سنبس الذين يذكرهم الأعشى
فصبحها القانص السنبسي ... فشلى كلابا بإسادها
وولد مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ يحابر بن مالك وقر ابن مالك ومربع بن مالك فولد يحابر مذحج وولد مذحج مرادا وجلدا وعنسا وسعد العشيرة وإنما سمي سعد العشيرة لأنه شهد الموسم ومعه بنون عشرة فقيل له من هولاء فقال هم العشيرة وولد سعد العشيرة جعفى بن سعد وحبيب ابن سعد وصعب بن سعد وعائذ الله بن سعد وفيه يقول مهلهل الشاعر
أنكحها فقدها الأراقم في ... جنب وكان الخباء من أدم
لو بأبانين جاء يخطبها ... ضرج ما انف خاطب بدم
وفي الجملة اكثر قبائل العرب من اليمن فمنهم السكون وخولان والأزد ومازن بن الأزد وميدعان بن الأزد والهنو بن الأزد ورماد بن سلامان ومنهم آل العنقاء والفراهيد وقسامل وبلادس وثهلان وحرحنة وبطون كثيرة قد كتب دونت في كتب الأنساب حتى ما تسقط قبيلة ولا فخذ ولا رهط ولا بطن ، نسب الأوس والخزرج وهم الأنصار وهم من بلد كهلان بن سبأ الأوس والخزرج ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر بن حارثة ابن ثعلبة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن عبد الله بن الأزد بن غوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ ابن يشجب بن يعرب بن قحطان وأمهم قيلة فيقال للأنصار أبناء قيلة فولد الخزرج بن حارثة خمسة نفر جشم بن الخزرج وعوف بن الخزرج وهما الخرطومان يقال إن سرك العز فحجيج في جشم والحارث بن الخزرج وكعب بن الخزرج وعمرو بن الخزرج وكان يقال لهم القواقل وذلك أن الرجل كان إذا استجار بيثرب قيل له قوقل حيث شئت فقد أمنت ومن ولد عمرو بن الخزرج النجار ويقال لهم بنو النجار واسمه تيم اللات ابن ثعلبة ويقال سمي بذلك لأنه نجر وجه رجل بالقدوم ويقال اختتن بالقدوم وولد أوس بن حارثة مالك ابن أوس فمن مالك تفرقت قبائل الأوس كلها وبطونها فمنها عمرو بن عوف أهل قبا ومنهم جحجبي بن كلفه رهط أحيحة بن الجلاح زوج سلمى قبل هاشم ومنهم الجعادرة يقال لهم أوس الله ومنهم اليست وجردس وبنو عبد الأشهل وبنو الحبلى رهط عبد الله بن أبي ابن سلول ومنهم جفنة بن عمرو وآل القعقاع وآل محرق وهم ملوك غسان بالشام واسم محرق بالشام الحارث بن عمرو وإنما سمي محرقا لأنه كان يعاقب بالنار وفيهم يقول حسان
أولاد جفنة عند قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل
يسقون من ورد الرحيق عليهم ... بردا يصفق بالرحيق السلسل
يؤتون منهم ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل
بيض الوجوه كريمة أخلاقهم ... شم الأنوف من الطراز الأول
إن التي ناولتني فشربتها ... قتلت قتلت فهاتها لم تقتل
يزعمون أن عند ما أرسل الله عز وجل على أهل سبأ سيل العرم فلما قال عمرو بن عامر في كهانته ومن كان منكم يريد الراسيات في الوحل المطعمات في المحل فليلحق بيثرب ذات النخل فكانت الأوس والخزرج وقد قال سويد بن صامت
أنا ابن مزيقيا عمرو وجدي ... أبوه عامر ماء السماء
وقال المنذر بن حرام جد حسان بن ثابت بن المنذر في الجاهلية العمياء يذكر نسبهم إلى غسان ثم إلى نابت بن مالك ثم إلى نبت بن اسمعيل بن ابرهيم
ورثنا من البهلول عمرو بن عامر ... وحارثة الغطريف مجدا موثلا
موارث من أبناء نبت بن مالك ... ونبت بن اسمعيل ما أن تحولا
قالوا وولد واثلة بن حمير الشكاشك بن واثلة والعدد من حمير في واثلة

(1/221)


ذكر قيس بن عيلان بن مضر بن النزار بن معد ومن قيس فهم وعدوان واعصر وغني بن اعصر وسعد بن أعصر وهو أبو باهلة وباهلة امرأة من همدان ومنبه بن اعصر فهم الطعاوه وبنو اصمع رهط الأصمعي ومن بني باهلة قتيبة بن مسلم ومن قيس بنو وائل ومن بني وائل وثقيف وهولاء كلهم من مضر، ذكر ربيعة وأما ربيعة بن نزار بن معد فأنه ولد أسد بن ربيعة واكلب بن ربيعة وضبيعة بن ربيعة فهولاء قبيلة وبطون كثيرة فمنهم جديلة ودعمى وشن ولكيز ونكرة وهم أهل البحرين ومنهم الغدق وهنب بن افصى والاراقم وفدوكس رهط الأخطل الشاعر وبكر بن وائل وعجل وحنيفة وسدوس وقبائل كثيرة وبطون مشهورة مذكورة في الكتب ومن قبائل مضر بنو الأخيل رهط ليلى الأخيلية والمجنون الشاعر وعامر رهط لبيد بن ربيعة العامري ومنهم القرطاء قرط وقريط ومقرطة ومن يعد قبائلهم إلا النساب وفي مقدار ما ذكرناه كفاية فإن علم الأنساب من صناعة الأعراب والعرب كلها من قحطان وعدنان فأما قحطان فأبو اليمن ومن عددنا في جملتهم وأما عدنان فأبو سائر العرب وهم يرجعون إلى ابني نزار مضر وربيعة وقد ذكرنا بعضهم وثقيف بن مضر وهم فرقتان بنو مالك والأحلاف، ذكر رؤساء مكة جاء في الخبر أن إبراهيم عم لما حمل اسمعيل وأمه إلى مكة جاء جرهم وقطورا من اليمن وهما ابنا عم فرأيا بلد ذا ماء وشجر فنزلا ونكح اسمعيل في جرهم فلما توفى ولي البيت بعده نبت بن اسمعيل وهو أكبر ولده ثم ولي بعده مضاض بن عمرو الجرهمي خال ولد اسمعيل ما شاء الله أن يليه ثم تنافس جرهم وقطورا الملك فخرج جرهم في قعيقعان وهي أعلى مكة وعليهم مضاض بن عمرو وخرجت قطورا في اجياد وهي أسفل مكة وعليهم السميدع فالتقوا بفاضح واقتتلوا قتالا شديدا وقتل السميدع فسميت تلك البقعة فاضحا لأن قطورا فضحت وسمى اجيادا لما كان معهم من جياد الخيل وسميت قعيقعان لتقعقعة السلح ثم تداعوا إلى الصلح واجتمعوا في الشعب وطبخوا القدور واصطلحوا فسمي المطابخ قالوا ونشر الله عز وجل ولد اسمعيل فكثروا وربلوا ثم تنشروا في البلاد لا يطأون أرضا إلا ظهروا على أهلها بدينهم ثم أن جرهما بغوا بمكة واستحلوا حراما من الحرمة فظلموا من دخلها وأكلوا مال الكعبة وكانت مكة تسمى الناسة لا تقر ظلما ولا بغيا ولا يبغي فيها أحد على أحد إلا أخرجته وكانت بنو بكر بن عبد مناة وغبشان ابن خزاعة حلولا حول مكة فأدنوهم بالقتال فاقتتلوا عمرو بن الحارث بن مضاض الأصغر وليس هو بمضاض الأكبر يقول، لا هم إن جرهما عبادك، الناس طرف وهم تلادك، فغلبتهم خزاعة ونفتهم عن مكة نفية يقول عمرو بن الحارث بن مضاض الأصغر
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر
بلى نحن كنا أهلها فازالنا ... صروف الليالي والجدود العواثر
وكنا ولاة البيت من بعد نابت ... نطوف بباب البيت والخير ظاهر
فأخرجنا منها المليك بقدرة ... كذاك على الباقين تجري المقادر
وصرنا أحاديثا وكنا بغبطة ... كما عضت الأولى السنون الغوابر

(1/222)


في أبيات أخر ووليت خزاعة البيت ثلاث مائة سنة يتوارثون ذلك كابرا عن كابر حتى كان آخرهم حليل بن حبش الخزاعي وقريش اذذاك صريح ولد اسمعيل حلول وصرم وبيوتات متفرقة إلى أن أدرك قصي وتزوج بحبى بنت حليل بن حبش وولدت له عبد مناف وعبد العزي وعبدا وكثر ولده وعظم شرفه وهلك حليل بن حبش فرأى قصي أنه أولى بالكعبة من خزاعة فأخذ ما بأيديهم وقصي أول من أصاب ملكا من العرب من قريش بعد ولد اسمعيل وذلك في زمن المنذر بن النعمان على الحيرة والملك بهرام جور في الفرس فقطع قصي مكة أرباعا وبنى بها دار الندوة فلا يتزوج امرأة إلا في دار الندوة ولا يعقد لواء ولا يعذر غلام ولا تدرع جارية إلا فيها وسميت الندوة لأنهم ينتدون فيها للخير والشر وكانت قريش تؤدي الرفادة إلى قصي وهي خرج يخرجونه من أموالهم يترافدون فيه فصنع طعاما وشرابا للحاج أيام الموسم وكانت صوفة وهي قبيلة من جرهم بقيت بمكة تلي الاجازة بالناس من عرفة وخزاعة كانت تحجب البيت فإذا أفاض الناس أخذت صوفة بجانبي العقبة وقالت اجيزي صوفة فإذا نفدت صوفة وجازت خلوا سبيل سائر الناس حتى إذا كان العام الذي أراد الله عز وجل أن يظهر أمر قصي ففعلت صوفة كما يفعله فأتاهم قصي في من معه من قريش وقاتلوا صوفة فهزمهم وولي قصي البيت والرفادة والسقاية والندوة واللواء فلما كبر قصي ودق عظمه جعل الأمر إلى عبد الدار لأنه أكبر ولده وهلك قصي وأقامت على ذلك زمانا ثم إن بنى عبد مناف أجمعوا أن يأخذوا ما بأيدي عبد الدار وهموا بالقتال ثم تداعوا إلى الصلح على أن يعطوا بنو عبد مناف السقاية والرفادة وأن يكون الحجابة واللواء والندوة لبني عبد الدار وتعاقدوا ذلك حلفا حلفا مؤكدا لا ينقضونه ما بل بحر صوفة فأخرجت بنو عبد مناف جفنة مملؤة طيبا وغمسوا فيها أيديهم ومسحوا بها الكعبة توكيدا على أنفسهم فسموا المطيبين فأخرجت بنو عبد الدار جفنة من دم وغمسوا فيها أيديهم ومسحوا بها الكعبة فسموا الأحلاف ولم يزالوا على ذلك حتى جاء الله عز وجل بالإسلام فقال النبي صلعم ما كان من حلف في الجاهلية فإن الإسلام لم يزده إلا شدة فأول من أصاب قريش ملكا قصي بن كلاب ثم ابنه عبد الدار وبنوه إلى أن قاسمهم بنو عبد مناف ثم هاشم بن عبد مناف واسمه عمرو وإنما سمي هاشما لهشمه الثريد اللحاج وذلك أنه قال يا معشر قريش أنتم جيران الله وأهل بيته يأتيكم في الموسم زوار الله شعثا غبرا من كل فج وعميق على ضوامر كأنهم القداح قد ارصفوا ونهكوا وثقلوا وارملوا فاكرموا ضيف الله فترافدت قريش مالا عظيما كل سنة حتى كان يخرج أهل اليسار منهم مائة دينار هرقلية فكان يأمر بالحياض فبضرب ويترع من البئار ويطعم الناس اللحم والسويق والتمر إلى أن صدروا وفيه يقول الشاعر
يا أيها الرجل المحول رجله ... هلا سالت عن آل عبد مناف
كانت قريشا بيضة فتفلقت ... فالمح خالصها لعبد مناف
عمرو الذي هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مسنتون عجاف
نسبت إليه الرحلتان كلاهما ... سفر الشتاء ورحلة الأصياف
فهلك هاشم بأرض غزة فصار الأمر إلى عبد المطلب بن هاشم صاحب زمزم وساقي الحجيج ومطعم الوحش ثم هلك وولي الأمر أبو طالب ثم وليه العباس ثم أقر رسول الله صلعم المفتاح في يدي عثمان بن طلحة والسقاية في يدي العباس فهو في ولدهم إلى اليوم

(1/223)


ذكر رؤساء المدينة ووقوع قريظة والنضير إليها في الخبر أن ططوس بن استيانوس الرومي الكافر لما خرب بيت المقدس إحدى المرتين وتفرقت بنو إسرائيل جاءت قريظة والنضير وهما من صريح ولد هارون بن عمران أخى موسى بن عمران حتى نزلوا يثرب في الفترة وكان نزول الأوس والخزرج إياها زمن سيل العرم لا شك ويقال أن مسقط يهود إليها من عهد موسى بن عمران عم وذلك أنه بعث جيشا إلى يثرب وأمرهم أن يقتلوا كل من وجدوا على قامة السوط قال فقتلوا إلا غلاما لم يروا أحسن منه فإنهم استبقوه وانصرفوا إلى الشام وإذا موسى قد هلك وتبرأت بنو إسرائيل من هذه الطبقة لمخالفة أمر موسى واستحيائهم من هذا الغلام فاقبلوا راجعين إليها واستوطنوا بها فإن كان هذا حقا فقد سبقوا الأوس والخزرج إلى يثرب والله أعلم قالوا وكان الملك في اليهود وملكهم قيطون وكان يبدأ بالعروس قبل زوجها حتى قتله مالك بن عجلان بن زيد بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج كما ذكرنا في قصة ملوك اليمن وملك مالك فصارت الرياسة له والشرف ثم جعلت الأوس والخزرج يتوارثون الرياسة إلى أن هاجر إليهم النبي صلعم فصارت الرياسة للإسلام وأهله والسلم،
الفصل الخامس عشر
في ذكر مولد النبي
صلى الله عليه وسلم ومنشأه ومبعثه إلى هجرته
هذا نسب رسول الله صلعم في رواية محمد بن اسحق المطلبي وقد بينا اختلاف الناس في نسبه عدنان وما فوقه في فصل الأنساب، محمد صلعم بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم ابن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بن ادد ابن مقوم بن ناحور بن تيرح بن يعرب بن يشجب بن نابت بن اسمعيل بن ابراهيم بن تارح بن ناحور بن ساروح بن رعو بن شالخ بن عابر بن فالج بن ارفخشد بن سام بن نوح بن لامك بن متوشلح بن اخنوخ بن يارد بن مهلايل بن قينان بن شيث بن آدم عم

(1/224)


ذكر مولد النبي صلعم ولد بمكة عام الفيل بعد قدوم ابرهة بخمسين ليلة وكان أول يوم من المحرم عام الفيل يوم الجمعة وقدم الفيل يوم الأحد لسبع عشرة ليلة خلت من المحرم سنة ثماني مائة واثنين وثمانين للاسكندر الرومي وستة عشر ومائتين من تأريخ العرب الذي أوله حجة الغدر وسنة أربع وأربعين من ملك انوشروان بن قباذ ملك العجم فيما يروى وكان مولده صلعم يوم الاثنين لثماني ليال خلون من ربيع الأول وقال ابن اسحق لاثني عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول قالوا وكان طالع النبي صلعم برج الأسد والقمر فيه بثماني عشرة درجة ودقائق والشمس في الثور بدرجة وهو يوم السابع عشر من دى ماه ويوم العشرين في الأرض التي تعرف بابن يوسف بمكة فصيرتها الخيزران بنت عطاء امرأة المهدي مسجدا ويدل خبر عبد الله بن كيسان عن عكرمة عن ابن عباس رضه أن رسول الله صلعم وضع ليلا لأنه قال كان أهل الجاهلية إذا ولد لهم مولود من تحت الليل رموه تحت الإناء فلا ينظرون إليه حتى يصبحوا فلما ولد رسول الله صلعم رموه تحت البرمة فلما أصبحوا إذا هي قد انفلقت بيتين وعيناه إلى السماء فعجبوا من ذلك وأرسلوا إلى عبد المطلب فجاء فنظر إليه فقال ارفعوا ابني هذا فإنه منا ودفع إلى امرأة من بني سعد بن بكر فلما ارضعته دخل عليها الخير من كل جانب وكانت لها شويهات فنمت وازدادت زيادة حسنة هذا الصحيح من خبر حليمة قال ابن اسحق والتمس الرضعاء لرسول الله صلعم فاسترضع في بني سعد بن بكر بثدي حليمة بنت أبي ذؤيب وزوجها الحارث بن عبد العزي واخوة رسول الله صلعم من الرضاعة عبد الله بن الحارث وانيسة بنت الحارث والشيماء بنت الحارث فكان عند ظئره سنتين إلى أن فطمته وردته إلى أمه ثم عادت إلى بلادها فلما تمت له خمس سنين حملته إلى أمه فكان عند أمه سنة حملته إلى بني عدي بن النجار تريد اياهم للخؤولة التي كانت لهم فكان مصيرها به إلى منصرفها شهر وتوفيت آمنة بنت وهب أم رسول الله صلعم بالأبواء منزل بين مكة والمدينة وهي راجعة إلى مكة ورسول الله صلعم ابن ست سنين فحملته أم أيمن وهي حاضنته ومولاة أبيه إلى مكة فكان في حجر عبد المطلب فلما بلغ ثماني سنين توفي عبد المطلب وهلك انوشروان في هذه السنة كما يدل عليه التأريخ ثم ضمه أبو طالب إلى نفسه وأقام عنده أربع سنين فلما بلغ اثنتي عشرة سنة عرض لأبي طالب الخروج إلى الشام في تجارة فخرج بالنبي صلعم صبابة به ورقة قالوا حتى إذا كانوا ببصرى أشرف عليهم راهب يقال له بحيرا فرأى علامة من علامات النبوة فاتخذ طعاما ودعا الركب إليه فحضروه وخلفوا النبي في رحالهم لحداثة سنه فقال بحيرا لا يتخلفن أحد عن طعامي فدعوه فلما أبصره بحيرا توسم فيه مخائل النبوة وعرف دلائلها فاحتضنه وضمه إلى نفسه وقال لأبي طالب من هذا الغلام منك قال هو ابني قال ما ينبغي له أن يعيش أبوه قال ابن أخي قال ارجع بابن أخيك واحذر عليه من اليهود فانه كائن لابن أخيك شأن عظيم فقضي أبو طالب تجارته وأسرع به إلى مكة وفيه يقول
ألم يكون لقريش آية عجب ... فيما يقول بحيرة وعداس

(1/225)


قالوا فشب رسول الله صلعم شبابا حسنا يكلؤه الله عز وجل ويحوطه من اقذار الجاهلية لما يريد به من كرامته حتى كان اسمه في قومه الصدوق الأمين فلما بلغ عشرين سنة هاجت حرب الفجار في رواية ابن اسحق والواقدي وروى أبو عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء قال هاجت الفجار ورسول الله عليه الصلوات والسلم ابن أربع عشرة سنة أو خمس عشرة سنة وقال النبي صلعم كنت أنبل إلى أعمامي في الفجار قالوا وإنما سميت هذه الحرب الفجار وكانت وقعات لما صنعوا فيها من الفجور في الشهر الحرام وذلك أن النعمان بن المنذر عامل ابرويز على الحيرة كان يبعث كل سنة بلطيمة إلى سوق عكاظ في جور رجل من العرب فلما كان في هذه السنة قال من يجير هذه العير قال عروة بن عتبة بن جعفر بن كلاب الرحال أنا أيها الملك وقال البراض بن قيس وكان خليعا والخليع من خلع حلفاءه فمن قتله فدمه هدر أنا أيها الملك فقال أتجيرها على أهل الشيح والقيصوم وأنت كالكلب الخليع إنما أنت أضيق إستا من ذلك فقال البراض أتجيرها على كنانة قال نعم وعلى الخلق جميعا فسلم النعمان اللطيمة إلى عروة وتبعه البراض حتى إذا كان بتيمن ذى طلال أصاب فرصة من عروة فوثب عليه فقتله في الشهر الحرام وقال في ذلك
وداهية يهم الناس قتلي ... شددت لها بني بكر ضلوعي
هدمت بها بيوت بني كلاب ... وأرضعت الموالى بالضروع
قتلت به بتيمن ذى طلال ... فخر يميد كالجدع الصريع
وتسامع الناس به فخرج كنانة وقريش بطلب ثأر عروة وخرجت قيس بن عيلان لأجل البراض واقتتلوا قتالا شديدا بعكاظ في الشهر الحرام ثم تحاجزوا وتداغشوا إلى الصلح ورهن حرب بن أمية ابنه أبا سفيان بن حرب في ذلك الصلح وفيه يقول الشاعر
قد بعثنا الحجار من كل حي ... وقمعنا الفجار يوم الفجار
قالوا أن رجلا تاجر قدم مكة وباع سلعته من العاص ابن وائل السهمي فمطلة حتى أجهده فصعد الرجل جبل أبي قبيس ونادى
يا للرجال لمظلوم بضاعته ... ببطن مكة نائي الأهل والنفر
إن الحرام لمن تمت حرامته ... ولا حرام لمثوى لابس الغدر
فاجتمعت قريش في دار عبد الله بن جدعان وتحالفوا على أن يكونوا يدا واحدا على المظلوم حتى يأخذوا له حقه فسمته قريش حلف الفضول وقد قال رسول الله صلعم لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم ولو أدعي به في الإسلام لاجبت وما كان من حلف في الجاهلية فإن الإسلام لم يزده إلا شدة، خروج النبي صلعم إلى الشام في مال خديجة رضها قالوا وكانت خديجة بنت خويلد بن اسد بن عبد العزي بن قصي من مياسير قريش وتجارها تستأجر الرجال وتبعثهم في مالها وذكر الواقدي أن أبا طالب قال يا ابن أخي أنا رجل لا مال لي وقد الحت علينا سنون منكرة فلو جئت خديجة وعرضت عليها نفسك لأسرعت إليك بما يبلغها من صدقك وعظم أمانتك فقال رسول الله صلعم فلعلها ترسل إلي في ذلك وبلغ خديجة خبر أبي طالب وما فاوض ابن أخيه فارسلت وسألته أن يخرج معه ميسرة غلام لها فخرج وباع سلعتها واشترى ما أراد أن يشتري وأقبل قافلا إلى مكة فباعت الحمولات فأضعفت وأثمرت فرغبت في نكاح رسول الله صلعم

(1/226)


نكاح خديجة رضها قالوا ولما ظهر لها من بركة رسول الله صلعم وعظم أمانته وصدق وفائه رغبت في نكاحه قال الواقدي فأرسلت نفيسة مولاة لها دسيسا فقالت يا محمد ما يمنعك أن تتزوج قال ما بيدي شئ ما أتزوج فقالت نفيسة فإن كفيت ذلك ألا تجيب قال ومن هي قالت خديجة فذكر رسول الله صلعم لأعمامه ذلك فخرج معه حمزة بن عبد المطلب فخطبها إلى أبيها خويلد بن أسد ومعه ثمل فلما أصبح وصحا قال ما هذا الخلوق وهذه الحلة قالوا كساكها محمد ابن عبد الله فقد أنكحته خديجة ودخل بها فانتهرهم قال وأصدقها عشرين بكرة وروى الواقدي أنه أنكحها عمها عمرو بن أسد وكان رسول الله صلعم خمسة وعشرين سنة يوم تزوجها وخديجة بنت أربعين سنة ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت وكانت قبله تحت عتيق بن عبد الله ويقال ابن عابد وولدت له جارية ثم خلف عليها بعد عتيق أبو هالة هند بن زرارة فولدت له هند بن هند وولدت لرسول الله صلعم جميع ولده إلا ابرهيم بن مارية فإنه من القبطية فأكبر ولده القاسم وبه كان يكنى أبا القاسم ثم الطيب ثم الطاهر ثم رقية ثم زينب ثم أم كلثوم ثم فاطمة قال الواقدي ولم أر أصحابنا يثبتون الطيب ويقولون هو الطاهر وفي رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة أنها ولدت لرسول الله صلعم عبد مناف في الجاهلية وولدت له في الإسلام غلامين وأربع بنات القاسم وعبد الله فماتا صغيرين وفي كتاب ابن اسحق أن إبنيه هلكا في الجاهلية وأن بناته أدركن الإسلام وهاجرن والله أعلم، ذكر بنيان الكعبة قالوا ولما بلغ رسول الله صلعم خمسا وثلاثين سنة اجتمعت قريش لبنيان الكعبة ليرفعوها ويقفوها وإنما كانت رضما فوق القامة فجاء سيل فهدمه وفي جوفها بئر يحرز فيه كنز الكعبة وما يهدى لها فسرق منها رجل يقال له دويك فقطعت قريش يده وتهيأوا لبناء الكعبة وكان البحر قد رمى بسفينة إلى جدة فتحطت فأخذوا خشبها وكان بمكة رجل قبطي نجار فسوى لهم ذلك وبنوها ثماني عشرة ذرعا فلما انتهوا إلى موضع الركن اختصموا وأراد كل قوم أن يكونوا هم الذين يلونه ويرفعونه إلى موضعه وتفاقم الأمر بينهم وتوعدوا للقتال ثم تحاجزوا وتناصفوا على أن يجعلوا بينهم أول طالع من باب المسجد يقضي بينهم فكان ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلم فقال هلم ثوبا فأتى به فوضع الركن فيه ثم قال ليأخذ كل فئة بناحية من الثوب ثم ليرفعوه ففعلوا حتى إذا رفعوه إلى موضعه أخذ الحجر بيده فوضعه في الركن فرضوا بذلك وأنهوا عن الشر

(1/227)


ذكر المبعث ونزول الوحي قالوا فلما بلغ رسول الله صلعم أربعين سنة بعثه الله تعالى رحمة للعالمين وهدى للخلق أجمعين وكان في مبتدأ الأمر يرى الرؤيا ويسمع الصوت ويتمثل له الخيال فراع لذلك وذعر وروينا عن عكرمة أنه قال أنزلت النبوة على محمد صلعم وهو ابن أربعين سنة فقرن بنبوته اسرافيل ثلاث سنين فكان يترأى له ويلقى الكلمة إليه ولم ينزل القرآن على لسانه ثم قرن بنبوته جبريل عم فنزل القرآن عشرين سنة عشرا بمكة وعشرا بالمدينة وروى ابن اسحق عن الزهري عن عائشة أن أول ما ابتدى رسول الله صلعم من النبوة الرؤيا الصادقة فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح ثم حببت إليه الخلوة فلم يكن شيء أحب إليه أن يخلو وحده ثم جاءه الملك قالوا وكان قريش يتحنثون بحراء في رمضان وكان رسول الله صلعم يفعل ذلك لأنه من البر فبينما هو عاكف بحراء ومعه التمر واللبن يطعم الناس ويسقيهم إذ استعلق له جبرائيل ليلة السبت وليلة الأحد ثم أتاه بالرسالة يوم الاثنين لسبع عشرة خلت من شهر رمضان بقول الله تعالى شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن وهو الخامس والعشرون من ابان ماه والتاسع من شباط وذلك في سنة عشرين من ملك ابرويز وأهل الأخبار على أن أول ما أنزل القرآن خمس آيات من سورة أقرأ باسم ربك الذي خلق إلى قوله علم الإنسان ما لم يعلم وذكر بعضهم أنه صلعم قال أتاني رجل وفي يده سمط ديباج وأنا نائم فركضني برجله وقال اقرأ ففعل ذلك مرة أو مرتين ثم قال باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم ثم قال ابشر فأنا جبريل وأنت نبي هذه الأمة وصلى به ركعتين وفي رواية عبيد بن عمير الليثي أنه أتاه وهو نائم ولم يذكر أنه ركضه برجله قال فأتيت وقد هالني من رأيت وكأنما كتاب كتب في قلبي وقلت أخشى أن أكون شاعرا أو مجنونا قالت وما ذاك ابن أخي فقصصت عليها القصة فقالت ابشر فانك تطعم الطعام وتصل الرحم وتصدق الحديث وتؤدي الأمانة لا يصنع الله بك إلا خيرا ثم جمعت عليها ثيابها وانطلقت إلى ابن عمها ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزي ابن قصي وكان نصرانيا قد قرأ الكتب فقصت عليه الخبر فلما ذكرت جبريل قال قدوس قدوس مالك تذكرين الروح الأمين بهذا الوادي الذي أهله عبدة الأوثان لئن كنت صدقتني لقد حاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى بن عمران فقولي له فليتثبت وإذا جاءه فتحسري بين يديه فإن كان شيطانا ثبت وإن كان ملكا لا تراه حينئذ فرجعت خديجة إلى رسول الله صلعم وقالت إذا أتاك صاحبك فناد بي فبينما هو عندها إذ جاءه جبريل عم فقال النبي عم هاهو يأخذ بي فقالت فقم واقعد على فخذى وحسرت عن رأسها وقالت تراه قال لا قالت ابشر فإنه والله ملك وما هو شيطان ولو كان شيطانا ما استحيى فآمنت به وصدقته وكثير من الناس يقولون أن أول الناس إيمانا بالنبي صلعم خديجة وروينا عن أبي رافع انه قال صلى رسول الله صلعم غداة يوم الاثنين وصلت خديجة في آخر ذلك اليوم قالوا ونزلت في هذه القصة ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون قال ورقة قال ورقة بن نوفل فيما روى ابن اسحق عنه
لججت وكنت في الذكرى لجوجا ... لهم طالما بعث النشيجا
ووصف من خديجة بعد وصف ... فقد طال انتظاري ياخديجا
بما خبرتنا من قول قس ... من الرهبان أكره أن يعوجا
بأن محمدا سيسود يوما ... ويخصم من يكون له حجيجا
فيا ليتى إذا ما كان ذاكم ... شهدت فكنت أولهم ولوجا
ولوجا في الذي كرهت قريش ... ولو عجت بمكتها عجيجا
فإن تبقوا وأبق يكن أمور ... يضج الكافرون لها ضجيجا
وإن أهلك فكل فتى سيلقى ... من الأقدار متلفة خروجا
قال الزهري فهلك ورقة بن نوفل قبل الوحي وقبل إظهار النبي صلعم الدعوة والله أعلم بصدقه

(1/228)


انقضاض الكواكب رأيت في بعض كتب التأريخ أنه كان بين مبعث رسول الله صلعم وإلى أن رأت قريش النجوم يرمي بها في السماء عشرون يوما وقال الله عز وجل إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظا من كل شيطان مارد لا يستمعون إلى الملأ الأعلى ويقذفون من كل جانب دحورا ولهم عذاب واصب ألا من خطف الخطفة فاتبعته شهاب ثاقب فدل بقوله حفظا من كل شيطان مارد أنها لم تزل محفوظة مذ خلقت الكواكب لها زينة وقد سئل الزهري عن انقضاض الكواكب في الجاهلية فقال قد كان ذلك فلما بعث رسول الله صلعم شدد وغلظ ألا ترى إلى قول الشاعر
فأنقض كالكوكب الدري يتبعه ... نقع يخال على أرجائه الطنبا
وقد روى أخبار هذا الباب والذي يشبه الحق أنه قد كان قبل ذلك انقضاض الكواكب وأنه قرن به عند الوحي ضرب من العذاب يقضى به الخاطف المستمع والله أعلم، ذكر فترة الوحي قالوا ثم فتر الوحي عن رسول الله صلعم حتى شق عليه مشقة شديدة وفي رواية ابن عباس رضه أنه كان يعدو مرة إلى ثبير ومرة إلى حراء يريد أن يلقى نفسه منها فبينا هو كذلك إذ سمع صوتا فرفع صوته فإذا هو بالملك الذي جاءه بحراء بين السماء والأرض قال فخشيت رعبا ورجعت إلى أهلي فقلت زملوني فألقوا علي قطيفة سوداء وصبوا علي ماء بارد فنزل يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر، ذكر اختلافهم أول من أسلم قيل خديجة رضها صلى رسول الله صلعم غداة يوم الاثنين وصلت خديجة آخر اليوم وقيل علي بن أبي طالب صلى رسول الله صلعم يوم الاثنين وصلى يوم الثلثاء وقيل زيد بن حارثة وقيل أبو بكر الصديق رضه وأما ابن اسحق فإنه يقول أول من ذكر من الناس آمن بمحمد صلعم علي بن أبي طالب عم ثم زيد بن حارثة ثم أبو بكر الصديق وأسلم بدعائه عثمان بن عفان ثم سعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وطلحة بن عبيد الله فهولاء النفر الثمانية الذين سبقوا بالإسلام وروى الواقدي أن سعد بن أبي وقاص قال لقد أتى على يوم واني لثالث الإسلام وعن عمرو بن عنبسة كنت ثالثا أو رابعا في الإسلام وعن خالد بن سعيد بن العاص كنت خامسا في الإسلام وممن سبق إسلامه أبو عبيدة بن الجراح والزبير بن العوام وعثمان بن مظعون وقدامة بن مظعون وعبيدة بن الحارث وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن جحش وأخوه أبو أحمد بن جحش وأبو سلمة بن عبد الأسد وواقد بن عبد الله وخنيس بن حذافة ونعيم بن عبد الله النحام وخباب بن الارت وعامر بن فهيرة رضهم أجمعين ومن النساء أسماء بنت عميس الخثعمية امرأة جعفر ابن أبي طالب وفاطمة بنت الخطاب امرأة سعيد بن زيد بن عمرو وأسما بنت أبي بكر وعائشة وهي صغيرة فكان إسلام هولاء في ثلاث سنين ورسول الله صلعم يدعو في خفية قبل أن يدخل دار أرقم بن أبي الأرقم ثم أسلم صهيب بن سنان وعمار ابن ياسر وكان إسلامهما بعد إسلام بضعة وثلاثين رجلا ثم فشا بمكة وتحدث به وأمر الله عز وجل رسوله بإظهار الدعوة فقال فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين وذلك في السنة الرابعة من النبوة

(1/229)


ذكر إظهار الدعوة إلى الإسلام قالوا فجهر رسول الله صلعم بدينه ودعا الخلق إليه و أبدى الصفحة لهم فلم يبعد عليه قومه ولا عابوا عليه رأيه لما عرفوه من صدق الحديث وحسن الجوار وتحرى الخير والتواضع للخلق وكمال العقل والشرف وعلو البيت وطهارة النسب حتى سب آلهتهم و سفه أحلامهم وضلل أراءهم ونقض دينهم فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه وقد حدب عليه عمه أبو طالب وقام يناضل دونه ويحامي عليه فتضاغن القوم وتوامروا ومشوا إلى أبي طالب منهم أشراف قريش عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف و أخوه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة و أبو سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس و أبو جهل بن هشام بن المغيرة المخزومي وكنيته أبو الحكم و أبو البختري بن هشام و الوليد بن المغيرة بن عبد الله المخزومي والعاص بن وائل السهمي فقالوا يا أبا طالب إن لك سنا وشرفا وإن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل أباءنا فإما أن تكفه وإما أن ننازله وإياك فقال له أبو طالب اتق علي وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق فظن رسول الله صلعم أن أبا طالب قد تركه وأنه قد ضعف عن نصرته وهو خاذله فاستعبر ثم قال يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني و القمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله وأهلك دونه ما تركته فقال أبو طالب لا تخذله فمشوا إليه بعمارة بن الوليد فقالوا هذا أنهد فتى قريش وأجمله فخذه واتخذه ولدا وسلم إلينا ابن أخيك هذا الصابئ الذي خالف ديننا وفرق جماعتنا نقتله فقال أبو طالب تعطوني ابنكم أغذوه لكم و أعطيكم ابني تقتلونه هذا مما لا يكون فتنابذ القوم وتنادوا بعضهم بعضا وأقبلوا على من في القبائل من المسلمين يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم ومنع الله عز وجل رسوله بعمه أبي طالب أن تخلصوا في شعره وبشره غير أنهم يرمونه بالسحر والشعر والكهانة والجنون والقرآن ينزل عليهم بتكذيبهم والرد عليهم ورسول الله صلعم قائم بالحق ما يثنيه ذلك عن الدعاء إلى الله عز وجل سرا وجهرا حتى لحق أبو طالب بالله عز وجل فتخطوا إليه بالمكروه ونالوا منه ما كانوا يجمحون عنه من جنانه قالوا ولما أسلم حمزة بن عبد المطلب عز به النبي صلعم و أهل الإسلام فشق ذلك على المشركين فعدلوا عن المنابذة إلى المعاتبة وأقبلوا عليه يرغبونه في المال والأنعام ويعرضون عليه الأزواج فنزل قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى فلما أعياهم أمره ويئسوا أن يستنزلوه عن دينه بشئ من حطام الدنيا أخذوا في طلب الآيات والتماس المعجزات كما حكى الله عز وجل عنهم في القرآن وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا الآيات وتواصوا على من أسلم يعذبونهم جهارا ويقاتلونهم سرا فأمر رسول الله صلعم بالهجرة إلى الحبشة فرارا بدينهم وهي الهجرة الأولى سنة خمس من البعث، ذكر الهجرة الأولى إلى الحبشة قالوا فخرج أحد عشر رجلا وأربع نسوة و أميرهم عثمان بن عفان ومعه زوجته رقية بنت رسول الله صلعم وخرجت قريش في أثرهم فلم يلحقوهم ومروا القوم إلى الحبشة فآمنوا واطمأنوا قالوا وتلا رسول الله صلعم سورة النجم فالقى الشيطان في أمنيته تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى فسجد المشركين وسروا بذلك وقالوا ما إن لابن أبي كبشة يذكر آلهتنا بخير وبلغ الخبر عثمان بن عفان ومن معه بأن قريشا قد أسلموا فأقبلوا راجعين فلما دنوا من مكة أخبروا أن ذلك باطلا فلم يدخل منهم مكة أحد إلا مستخفيا أو بجواز فاشتد الأمر وأطبق البلاء بالمسلمين فأمرهم النبي صلعم بالخروج ثانيا إلى الحبشة، ذكر الهجرة الثانية إلى أرض الحبشة قالوا فخرجوا وأميرهم جعفر بن أبي طالب وتتابع المسلمون حتى اجتمعوا بأرض الحبشة ثلاثة وثمانين رجلا فقال عبد الله بن الحارث بن قيس يذكر لهم ما فيه من الأمن والدعة
يا راكبا بلغن عني مغلغة ... من كان يرجو بلاغ الله والدين
كل امرئ من عباد الله مضطهد ... ببطن مكة مقهور ومفتون
إنا وجدنا بلاد الله واسعة ... تنجى من الذل والمخزاة والهون
فلا تقيموا على ذل الحياة ولا ... خزي الممات وعيب غير مأمون

(1/230)


وخرج أبو بكر الصديق رضه حتى بلغ برك الغماد فلقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة فقال إلى أين يا أبا بكر قال أخرجني قومي فأسيح في الأرض وأعبد ربي فقال ابن الدغنة مثلك لا يخرج تكسب المعدوم وتصل الرحم و تقري الضيف وتحمل الكل وتعين على نوائب الحق فرجع أبو بكر في جواره فقال ابن الدغنة يا معشر قريش إني أجرت أبا بكر قالوا فمره يعبد ربه في بيته ولا يفسد علينا صبياننا قالوا وبعثت قريش بعمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة مع هدايا إلى النجاشي ملك الحبشة على أن يسلم المسلمين إليهما فقدما وأوصلا الهدية قال إنه قد ضوى إلى بلدك غلمان من عندنا سفهاء فارقوا دينهم ولم يدخلوا في دينكم فبعثنا اشرافنا إليكم لتردهم إليهم فقال النجاشي حتى أسئلهم عما يقولون ثم استدعى أصحاب رسول الله صلعم فجآؤه وقد جمع أساقفته وبطارقته وفرشوا مضاجعهم فقال لهم ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم فقال جعفر ابن أبي طالب رضه إنا كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام و نأكل الميتة ونهريق الدماء ونأتي الفاحش حتى بعث الله عز وجل إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته فدعانا إلى الله عز وجل لنوحده و نعبده و نخلع الحجارة والأوثان و أمرنا بصدق الحديث وصلة الرحم و حسن الجوار ونهانا عن الفواحش و المحارم فعذوا علينا ليردونا إلى عبادة الأصنام و الأوثان فهربنا إلى بلادك واخترناك على من سواك فقال لهم انطلقوا فو الله لا أرسلكم إليهم أبدا فخرجا من عنده مقبوحين فقال عمرو لأتينه بما يستأصل به خضرآؤهم ثم غدا إليهم من الغد فقال أيها الملك إنهم يقولون في عيسى قولا عظيما فأرسل فاسألهمم ما يقولون في عيسى فقال جعفر بن أبي طالب رضه نقول فيه ما جاء به نبينا أنه عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم فضرب النجاشي يده إلى الأرض وتناول منها عودا وقال ما عدا عيسى ما قلتم هذا العود ثم قرأ عليه جعفر بن أبي طالب صدر سورة كهيعص فآمن بالنبي صلعم ورد هدية عمرو وعبد الله و صرفهما إلى مكة ثم لما هاجر رسول الله صلعم إلى المدينة وكان المسلمون يخرجون إليه وكان آخرهم جعفر أدرك النبي صلعم وهو بخيبر قالوا ولما خرج رجع عمرو وعبد الله وجدوا أن عمر بن الخطاب رضه قد أسلم وكان رجلا ذا شكيمة لا يرام ما وراء ظهره فامتنع رسول الله صلعم به وبحمزة بن عبد المطلب حتى عادوا قريشا و كاثروهم ثم وقع الحصار في السنة السادسة من النبوة وبقي ثلاث سنين، ذكر الحصار قالوا واجتمعت قريش على بني هاشم وبني عبد المطلب وتعاقدوا على أن لا يبايعونهم ولا يخالطوهم و لا ينكحوا منهم و لا ينكحوهم حتى يتبرؤا من صاحبهم و يسلمونه للقتل و كتبوا صحيفة كاتبها منصور بن عكرمة بن عامر و علقوها في الكعبة فانحازت بنو هاشم وبنو عبد المطلب فدخلوا الشعب وخرج من بني هاشم أبو لهب عبد العزي بن عبد المطلب وحده وضاق الأمر عليهم لا يصل إليهم شئ من الطعام إلا سرا وبقوا فيه ثلاث سنين فلما كان في السنة التاسعة من النبوة قال النبي صلعم لأبي طالب هل شعرت بأن ربي قد سلط الأرضة على الصحيفة فلم تدع لله اسما إلا اثبتته ونفت القطيعة والظلم فقام أبو طالب حتى أتى المسجد فقال يا معشر قريش إن ابن أخي أخبرني بكذا وكذا فهلموا صحيفتكم فإن كان كما قال فانتهوا عن ظلمنا وقطيعتنا فإن كان كاذبا دفعته إليكم قالوا رضينا فنظروا فإذا هو كما قال صلعم فزادهم ذلك شرا ثم اجتمع نفر من قريش وقالوا يا قومنا تأكلون الطعام وتشربون الشراب وتلبسون الثياب وبنو هاشم هلكى لا يبايعون ولا يناكحون والله لا نقعد حتى نشق هذه الصحيفة الظالمة لقاطعة فقام إليها مطعم بن عدي فشقها فقال أبو طالب
الاهل أتى بحرينا صنع ربنا ... على نأيهم والله بالناس أرود
ألم يأتهم أن الصحيفة مزقت ... وأن كل ما لم يرضه الله مفسد
جزى الله رهطا بالحجون تبايعوا ... على ملأ يهدى لحزم ويرشد
قضوا ما قضوا من ليلهم ثم أصبحوا ... على مهل وسائر الناس رقد
فخرجوا من الشعب

(1/231)


ذكر خروجهم من الشعب قال الواقدي مات أبو طالب وخديجة في السنة العاشرة من النبوة بعد خروج بني هاشم من الشعب بيسير وكان بين موت خديجة إلى أن مات أبو طالب شهر وخمسة أيام وقيل كان بينهما ثلاثة أيام فتشابعت على رسول الله صلعم المصائب واستكلبت عليه شوكة المشركين وبالغوا في الأذى وكان أشده عليه عمه أبو لهب عليه اللعنة وأبو جهل وعقبة وأبي بن خلف فمنهم من يقدر ببابه ومنهم من يطرح الأذى في برمته إذا نصبت ومنهم من يطرح رحم الشاة إذا سجد على ظهره ومنهم من يطأ برجليه على عنقه ومنهم من يذر التراب على رأسه ومنهم من يبزق في وجهه وجعلوا يستهزؤن به ويتضاحكون منه ورسول الله صابر محتسب على الأذى ثم خرج رسول الله صلعم إلى الطائف يستنصره، خروج النبي صلعم إلى الطائف قالوا وخرج مع زيد بن حارثة على حمار من هذه الدناية يلتمس النصر والمنعة وأقام بها عشرة أيام فلم يدع أحد من أشراف ثقيف إلا جاءه وكلمه وكانت رؤساء ثقيف ثلاثة أخوة عبد ياليل بن عمرو وحبيب بن عمرو ومسعود بن عمرو فجاءهم رسول الله صلعم وسألهم أن يمنعوه حتى يبلغ من الله عز وجل أمره فقال أحدهم انا امرط ثياب الكعبة إن الله أرسلك نبيا وقال الآخر أما وجد الله أحدا يرسله غيرك وقال الثالث لا أكلمك أبدا فقام رسول الله صلعم وقد يئس من نصرتهم فقال أكتموا على وكره أن يبلغ ذلك قومه فيذأرهم عليه فلم يفعلوا وأغروا به سفهاءهم وصبيانهم وعبيدهم فجعلوا يسبونه ويغطغطون وراءه ويرمونه بالحجارة حتى التجأ إلى ظل حبلة في جنب حائط فجلس فيه ودعا دعوات فسأل ربه النصر والصبر وانصرف وكان مقامه بالطائف عشرة أيام فلما بلغ في منصرفه بطن نخل استمع إليه نفر من الجن، قصة الجن الأولى قالوا وقام رسول الله صلعم من خوف الليل يصلي فمر به سبعة نفر من جن نصيبين يقال أسماءهم حسا ومسا وشارصه وناحر ولاورد وسار وسان والأحقب فآمنوا به ورجعوا إلى قومهم منذرين كما قال الله عز وجل وإذا صرفنا إليك نفرا من الجن الآيات وسار رسول الله صلعم من نخلة يريد مكة حتى أتى حراء وبعث إلى سهيل بن عمرو والأخنس بن شريق أدخل في جواركما فأبيا عليه وأرسل إلى مطعم بن عدي فأجاره وأمر بنيه فلبسوا السلاح ووقفوا عند خروجه إلى البيت فدخل رسول الله صلعم مكة وكان غيبته من خروجه إلى مرجعه خمسة وعشرين يوما ويقال شهرا وفيه يقول حسان بن ثابت
فلو كان مجد يخلد اليوم واحدا ... من الناس أبقى مجده اليوم مطعما
أجرت رسول الله فيهم فأصبحوا ... عبيدك ما لبي ملب وأحرما
قصة الجن الثانية قالوا ولما انصرف النفر من نصيبين إلى قومهم وأنذروهم جاءت جماعة منهم زهاء ثلثمائة رجل وخرج رسول الله صلعم إلى الحجون فقرأ عليهم ودعاهم إلى الله عز وجل فآمنوا به وصدقوه ثم صلى بهم وقرأ في الصلاة تبارك الملك وسورة الجن وهي فسمي ليلة الجن ثم هاجت الأزمة وهي الجوع فدعا النبي صلعم عليهم حتى أكلوا العلهز والقد والعظام المحرقة والكلاب الميتة وحتى كان الرجل يرى بينه وبين السماء كهيئة الدخان فجاءه أبو سفيان بن حرب وقال يا محمد جئت بصلة الرحم وقومك قد هلكوا فادع الله لهم فلما دخلت سنة احدى عشرة سنة من النبوة دعا رسول الله صلعم فكشف عنهم بقول الله عز وجل إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون ثم كان انشقاق القمر بقول الله عز وجل اقتربت الساعة وانشق القمر ثم غلبت الروم بقول الله عز وجل آلم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين

(1/232)


قصة الروم وذلك أن ابرويز لما انهزم من بين يدي بهرام جوبينة مضى إلى الروم واستنجد بملكهم موريقيس فأمده بالرجال و المال و زوجه ابنته مريم وانصرف وقاتل بهرام فنفاه إلى أقصى خراسان ووثبت الروم على ملكهم فقتلوه فسرح إليهم ابرويز شهرابراز الفارسي وجندا من الفرس فدخلوا قسطنطينة واحتووا على خزانتها وأموالها وقتلوا المقاتلة وسبوا الذرية وحملوا الخشبة التي يزعم النصارى أن المسيح عم صلب عليها وذلك في سنة احدى عشرة من النبوة قبل الهجرة بسنتين وأخبر الله عز و جل نبيه صلى الله عليه آلم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون وسر المشركين به وجادلوا المسلمين وقالوا تزعمون أنكم تغلبوننا لأنكم أهل كتاب وهذه المجوس قد ظهرت على الروم وهم أهل كتاب فنزل وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين فأنكروا ذلك و جحدوه فناجب أبو بكر أبي بن خلف على ذود من الإبل ليظهرن الروم على فارس إلى خمس سنين فقال النبي صلعم زده في الخطر ومده في الأجل فجعل الخطر ذودين والأجل سبع سنين فلما كان يوم الحديبية انكشف شهرابراز عن الروم حتى سار هرقل إلى العراق فأغار عليه وصدق وعد الله ثم كان بعد غلبة الروم المسرى، ذكر المسرى والمعراج أعلم أنه لا شيء أكثر من اختلاف هذه القصة أما المعراج فينكره بعض الناس وبعض يزعم أن المعراج هو المسرى ثم اختلفوا في كيفية المسرى فكانت عائشة ومغوية يقولان ما فقد جسد رسول الله صلى الله عليه ولكن الله أسرى بروحه وكان الحسن رضه يقول كانت رؤيا ويحتج بقوله وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس وبقول ابراهيم إني أرى في المنام أني أذبحك ثم مضى على ذلك فعرفت أن الوحي يأتي الأنبياء أيقاظا ونياما وكان النبي صلعم يقول تنام عيناي ولا ينام قلبي قال ابن اسحق والله أعلم أي ذلك كان ونحن نذكر في ذلك طرفا كما جاء في الخبر قال الواقدي أسرى به قبل الهجرة بسنة وكان المعراج قبل ذلك بثمانية عشر شهر قال النبي صلعم فاستلقاني على قفاي ثم شقا بطني واستخرجا حشوي ومعهما طست من ذهب يغسل فيه بطون الأنبياء فكان جبريل يختلف بالماء من زمزم وميكائيل يغسل جوفي فقال جبرائيل لميكائيل شق قلبه فشق قلبي فأخرج علقة سوداء فالقاها ثم أدخل هرمه ثم ذر عليه من ذرور كان معه وقال وقلب وكيع له عينان بصيرتان وأذنان سميعتان أنتم قشر المغفل الحاشر ثم قال ببطني هكذا فالتأم وقالا ملئ حكمة وإيمانا ثم وثبت قائما فأتيت بالمعراج فإذا هو أحسن ما رأيت منظرا ألم تروا إلى ميتكم إذا احتضر كيف يشخص ببصره إليه فإنه إنما ينظر إلى حسن المعراج فقال عرجا بي إلى السماء الدنيا فلما انتهينا إلى باب الحفظة وعليه ملك يقال له اسمعيل تحت يده سبعون ألف ملك ما منهم ملك إلا وهو على مائة ألف فقال من هذا قالوا محمد قال وقد بعث قال نعم قال فتبادروا واجتمعوا وفتحوا ورحبوا ودعوا بالبركة قال ورأيت في السماء الدنيا رجلا أعظم الناس جهة فقلت من هذا يا جبريل قال أبوك آدم وإذا أرواح ذريته تعرض عليه فإذا عرض عليه روح المؤمن قال ريح طيبة وروح طيب جعلوا كتابه في عليين وإذا عرض عليه روح الكافر قال ريح خبيثة وروح خبيث جعلوا كتابه في سجين ثم وصف السموات ومن فيهن ووصف الجنة والنار وأهلها قال ثم انتهيت إلى السماء السابعة فلم أسمع شيئا إلا صرير الأقلام ورأيت جبريل يتضاءل حتى كان فرخ طائر ما أكاد أتأمله وسمعت وحيه فقال لي جبرائيل اسجد فسجدت ودنوت قاب قوسين أو أدنى فأوحى الله إلى عبده ما أوحى ثم قال ارفع رأسك يا محمد وقد فرض الله عليك خمسين صلاة قال فرجعت إلى موسى عم ولم يزل يرده حتى حطه إلى خمس صلوات قال موسى ارجع إلى ربك واسئله أن يخفف عن أمتك فإن أمتك ضعيفة قال فقلت قد استحييت من ربي ولأصبرن على هذه الخمس قال فنوديت إني قد أمضيت فريضتي وخففتها على عبادي واجزي الحسنة بعشرة أمثالها هذا من رواية الواقدي وأما ابن اسحق فإنه روى أن النبي صلعم لما حدث عن المسرى وما بالمسجد الأقصى قال فلما فرغت مما كان في بيت المقدس أتى المعراج ولم أر شيئا احسن منه وأصعدني صاحبي حتى انتهى بي إلى باب من أبواب السماء ثم ساق قصة شبيهة بما ساق الواقدي وسنذكر اختلاف الناس والكشف عن وجه الحق في آخر هذا الفصل

(1/233)


قصة المسرى قال ابن اسحق ثم أسرى برسول الله صلعم وكان فيه بلاء وتمحيض وأمر من الله عز وجل فيه عبرة وهدى ورحمة وكيف شاء ليريه من آياته فكان ابن مسعود يقول أتى رسول الله صلعم بالبراق وهي الدابة التي كان يحمل عليها الأنبياء قبله تضع حافرها منتهى طرفها فحمل عليها ثم خرج صاحبه يريه الآيات فيما بين السماء والأرض حتى انتهى إلى بيت المقدس فوجد فيه ابراهيم وموسى وعيسى في نفر من الأنبياء فصلى بهم ثم أتى بثلاث أوان اناء فيه لبن واناء فيه خمر واناء في ماء قال فسمعت حين عرضت علي قائلا يقول إن أخذ الماء غرق وغرقت أمته وإن أخذ الخمر غوى وغويت أمته وإن أخذ اللبن هدي وهديت أمته قال فأخذت اللبن فشربته وكان الحسن يقول أن النبي صلعم قال بينما أنا نائم في الحجر إذ أتاني جبريل فهمزني برجله فجلست ولم أر فيه شيئا فعدت إلى مضجعي فجاءني الثانية فهمزني بقدمه فأخذ بعضدي وخرج بي إلى باب المسجد فإذا أنا بدابة أبيض بين البغل والحمار وفي فخذيه جناحان ومضى في حديثه مثل حديث ابن مسعود وزاد قال لما شربت اللبن حرمت عليكم الخمر فلما أصبح عدا على قريش فقالوا إن هذا والله لبين أن العير ليطرد شهرا من مكة إلى الشام مدبرة وشهرا مقبلة فيذهب ذلك محمد في ليلة واحدة ويرجع فارتد كثير ممن كان أسلم وذهب الناس إلى أبي بكر فقالوا إن صاحبكم يزعم كذا وكذا فقال أبو بكر لئن كان قاله فقد صدق فما يعجبكم من ذلك أنه يخبر الخبر من السماء إلى الأرض في ساعة فأصدقه قال وقال رسول الله صلعم فرفع بي حتى نظرت إليه فجعل يصفه وأبو بكر يصدقه وروى الواقدي عن جابر بن عبد الله أن النبي صلعم قال لما كذبني قريش قمت بالحجر فخيل إلي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه وروى عن أم هاني بنت أبي طالب أنها قالت نام رسول الله صلعم عندي وفي بيتي تلك الليلة فلما كان الصبح أهبنا وقال لقد صليت عشاء الآخرة والفجر بهذا الوادي وصليت ما بينهما بالبيت المقدس وقد نشر لي الأنبياء فصليت بهم ثم قص القصة والوجه في هذا وما أشبه أن لا يجاوز فيه نص الكتاب ومستفيض السنة مع المخالف المنكر المستعظم لما يخرج عن العادة المعهودة والطبع القديم قال الله سبحانه سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير فالمسرى قد يكون بالروح والجسم ثم قال ما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ولا خلاف بين أهل اللغة أن الرؤيا في المنام لا غير وإن كان جاء في التفسير أنه رؤية العين فحكم العاقل أن يخاطب كلا على قدر فهمه وأي تفضيل يلحق النبي في رفع جسمه وجثته أو ليس قد أخبر أنه قد رأى في السماوات ابراهيم وموسى وعيسى وآدم وغير مختلف أنهم لم يرفعوا بأجسامهم مع أنا لا ننكر أن يرفع الله ما يشاء من جبل وحجر فكيف أنبياءه ورسله ولكن ذكرنا ما ذكرنا ليهون عليك ما يرد من كلام الخصوم ولتقصيد الاشبه بالمتعالم المعروف والله أعلم

(1/234)


ذكر مقدمات الهجرة وأول من هاجر قالوا وكان رسول الله صلعم يوافي كل موسم سوق عكاظ وسوق ذي المجاز وسوق المجنة يتبع القبائل في رحالها ويغشاها في أنديتها يدعوهم إلى أن يمنعوه ليبلغ رسالة ربه فلا يجد أحدا ينصره حتى كانت سنة إحدى عشرة من النبوة لقي ستة نفر من الأوس عند العقبة فدعاهم الرسول صلعم إلى الإسلام وعرض عليهم أن يمنعوه فعرفوه وقالوا هذا النبي الذي يوعدنا يهودنا به وهموا يقتلوننا قتل عاد وإرم فأمنوا به وصدقوه وهم أسد بن زرارة وقطبة بن عامر بن حديدة ومعاذ بن عفراء وجابر بن عبد الله بن رئاب وعوف بن عفراء وعقبة بن عامر وأول من أسلم فيهم أسعد بن زرارة وقطبة بن عامر وكان يقول في الجاهلية لا إله إلا الله ويقال بل أول من أسلم أبو الهيثم بن التيهان وكان لا يقرب في الجاهلية الأوثان فانصرفوا إلى المدينة وذكروا أمر رسول الله صلى الله عليه فأجابهم ناس وفشا فيهم الإسلام لما كانت اثني عشرة من النبوة وافى الموسم منهم اثنا عشر رجلا هولاء الستة وستة أخر أسماءهم أبو الهيثم بن التيهان وعبادة بن الصامت وعويم بن ساعدة ورافع بن مالك وذكوان بن عبد القيس وأبو عبد الرحمن بن ثعلبة فآمنوا وأسلموا وواعدوا رسول الله صلى الله عليه العام القابل وسألوه أن يبعث معهم من يصلي بهم ويعلمهم القرآن فبعث معهم مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف فتى قريش كلها يدعوا الناس إلى الإسلام وكان يدعى المهدي في زمن رسول الله صلعم فأسلم بدعائه بشر كثير وكان في من أسلم سعد بن معاذ وأسيد بن حضير سيد الأوس والخزرج فلما كان سنة ثلاث عشرة من النبوة قدم من الأنصار سبعون رجلا وامرأتان أم عامر وأم منيع ورئيسهم البراء بن معرور فجاءهم رسول الله صلعم عند العقبة وبايعوه على المنع والنصرة قال الواقدي واختلفوا في أول من ضرب يده على يد رسول الله صلعم فقيل البراء بن معرور وقيل أسعد بن زرارة وقيل أسيد بن حضير وقيل أبو الهيثم بن التيهان فقال لهم النبي صلعم اخرجوا إلى اثني عشر نقيبا يكونوا على قومهم وأخذ عليهم الميثاق والعهد والوفاء كنقباء بني إسرائيل فأخرجوا تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس فمن الخزرج أسعد بن زرارة وسعد بن الربيع وسعد بن عبادة والبراء بن معرور وعبادة بن الصامت وعبد الله بن رواحة ورافع بن مالك بن عجلان والمنذر بن عمر بن خنيس ومن الأوس أسيد بن حضير وسعد بن خيثمة وأبو الهيثم بن التيهان فقال كعب بن مالك يذكر تلك البيعة في قصيدة طويلة
فابلغ أبيا أنه قال رأيه ... وحان غداة الشعب والحين واقع
وابلغ أبا سفيان أن بدا لنا ... بأحمد نور من الهدى الله ساطع
فلا تزهدن في حشد أمر تريده ... والب واجمع كل ما أنت جامع
ودونك فاعلم أن نقض عهودنا ... أباه عليك الرهط حتى يبايعوا
وانصرف الأنصار إلى المدينة وأمر رسول الله صلعم بالهجرة وكان هاجر إليها قبل بيعة العقبة أبو سلمة بن عبد الأسد بسنة وهو أول من هاجر إلى المدينة ثم هاجر بعده عبيدة بن الحارث وعثمان بن مظعون ومسطح بن أثاثه ثم هاجر بعدهم عمر بن الخطاب رضه وعياش بن أبي ربيعة وهو أخو أبي جهل بن هاشم فنذرت أمه أن لا يظلها سقف بيت حتى يرتد فخرج أبو جهل ابن هشام والحارث بن هشام فرداه فلم يزالا يعذبانه حتى فتناه عن دينه وفيه نزلت ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذى في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ثم هاجر بعد ذلك وأسلم ثم خرج سائر المسلمين وبقي النبي صلى الله عليه وعلي بن أبي طالب وأبو بكر ومن لا قوة له في الحركة من ضعف وفاقة فلما رأت قريش أن شيعة النبي صلعم قد خرجوا فزعوا من ذلك وعلموا أنه إن خرج واقع بهم فاجتمعوا في دار الندوة وتشاوروا في أمره وروى أن الشيطان صرخ على العقبة يا أهل الأخشاب هل لكم في محمد وأصحابه فقد اجتمعوا لحربكم

(1/235)


ذكر دار الندوة قالوا فاجتمع رؤساء قريش في دار الندوة ومنهم أبو جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبه بن ربيعة والعاص بن وائل وأبو سفيان بن حرب ونبيه ومنبه ابنا الحجاج قال بعضهم فاعترض لهم ابليس في صورة شيخ جليل عليه إتب فقالوا من الشيخ قال شيخ من أهل نجد سمع بالذي اتعدتم فحضر ليسمع ما تقولون وعسى أن لا يعدمكم منه رأيا فقام خطيبهم فقال إن هذا الرجل قد كان من أمره ما كان وانا لا نأمنه على الوثوب بنا فاجمعوا فيه رأيا فقال قائل منهم أرى أن تقتلوه بحديد أو أن تغلقوا عليه الباب حتى يموت فقال ابليس ما هذا برأي لأنكم لو فعلتم ذلك لأوشك أن ينزعه أصحابه من أيديكم فقال آخر أرى أن تربطوه على ظهر راحلة ثم اضربوا وجهها تهيم في الأرض حيث شاءت فقال ابليس ما هذا برأي ألم تروا إلى حسن لفظه وحلاوة منطقه ولا يحل بحي ولا بلد إلا سحرهم بكلامه فقال أبو جهل أرى أن نجمع من كل قبيلة منا فتى شبيبا نشيطا ثم نعطي كل واحد منهم سيفا صقيلا فيعمدون إليه فيضربونه ضربة رجل واحد ويفرقون دمه في القبائل فلا يقدر بنو عبد مناف على الإقادة بجميع الناس فقال ابليس هذا الرأي وقد حكى في ذلك شعر ومنهم من ينسبه إلى ابليس
الرأي رأيان رأي ليس يعرفه ... غاو ورأي كحد السيف معروف
يكون أول بشرى لآخره ... حقا وآخره مجد وتشريف
فتفرقوا على هذا وجمعوا من فتيان قريش أربعين شابا وأعطوهم السيوف وأمروهم أن يغتالوا النبي صلعم ويقتلوه، ذكر ليلة الدار قالوا فأتوا داره وأحاطوا به يرصدونه حتى ينام فيبيتون به وأتاه الخبر من السماء فثبت حتى أمسى ثم اضطجع على فراشه وتجلل ريطة له خضراء والرصد يرون ما صنعه ويترقبون نومه فدعا عليا وقال نم على فراشي فإنه لا يخلص إليك شيء تكرهه وإن أتاك أبو بكر فاخبره أني قد خرجت إلى ثور أطحل وهو غار بأسفل مكة ومرة فليلحق بي وخرج رسول الله صلى الله عليه وقد أخذ حفنة من التراب فجعل ينثر على رؤوسهم وهو يتلوا هذه الآيات يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم إلى قوله فاغشيناهم فهم لا يبصرون ومر إلى الغار وقد أخذ الله عز وجل أبصارهم عنه فأتاهم آت فقال ما مقامكم ننتظر نوم محمد لنثور عليه قال إن محمدا قد مر وما ترك أحدا منكم إلا وضع التراب على رأسه قالوا فها هو نائم قال ذاك علي بن أبي طالب فاقتحموا الدار ونصوا الحلة فإذا هو علي فسقط في أيديهم وفيه نزل وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين، ذكر حديث الغار قالوا وكان أبو بكر قد ابتاع راحلتين وحبسهما في الدار يعلفهما إعدادا لذلك الأمر فاستأجر دليلا يقال له عبد الله بن اريقط الليثي ويقال ابن ارقد ليأخذ بهما على الجادة وأمر غلامه عامر بن فهيرة أن يروح عليه يستحثه مغسفا وسوت له أسماء سفرة فحملها ومر إلى الغار فأقاما فيه ثلاثا وروى ابن اسحق أن النبي صلعم لما خرج من داره أتى إلى دار أبي بكر وخرج معه من ظهر بيته إلى ثور فاكتتما فيه قال قائل وصرخ صارخ أن محمدا قد خرج فخرج المشركون في إثرهما فكانا يريانهم ولا يرورنهما وروى الواقدي أن الله عز وجل بعث العنكبوت فضرب على باب الغار ونهى رسول الله صلعم عن قتل العنكبوت فلما أكدت قريش وخابت وجعلت مائة ناقة لمن رده فخرج سراقة بن مالك وكان من فرسان القوم وأشدائهم، ذكر خروج سراقة في إثرهما قالوا وخرج في إثرهما وروى بعد ما أسلم قال فلما بدى لي القوم عثر بي فرسي وذهبت يداه في الأرض وسقطت عنه قال ثم انتزع يديه وتبعهما دخان كالإعصار فعرفت أنه حق فناديتهم انظروني أكلمكم فو الله لا آذيتكم فقال النبي صلعم لأبي بكر سل ما يطلب قال ما تبتغي منا قال قلت تكتب لي كتابا يكون آية بيني وبينك فأمر أبا بكر فكتب لي كتابا في رقعة أو قال في عظم فلما كان يوم فتح مكة أتيته بالكتاب فقال اليوم يوم وفاء وبر ادن مني فأسلم فدنوت أسلمت وقد روى في هذا الخبر أنه ساخت قوائم دابته ثم خرجت ولها عثار

(1/236)


ذكر خروج النبي عم وأبي بكر من الغار إلى المدينة قال ابن اسحق وخرج بهما دليلهما أسفل مكة ثم مضى بهما على الساحل أسفل من عسفان فهبط بهما العرج ثم لزم الجادة إلى المدينة وذكر حديث أم معبد بطوله قال وكان المسلمون بالمدينة لما سمعوا بخروج رسول الله صلعم من مكة يخرجون كل يوم إلى الحرة ينتظرونه فإذا ارتفع النهار وعلا انصرفوا إلى بيوتهم حتى كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله صلعم وكانوا قد انتظروه ورجعوا فرآه رجل من يهود فصرخ بأعلى صوته يا بني قيلة هذا جدكم قد جاء فخرج الناس وثاروا إلى أسلحتهم وأسرعوا يتلقونه وكان ذلك يوم الاثنين لثلاث عشرة خلت من شهر ربيع الأول فيما روى ابن اسحق حين اشتد الضحى وكادت الشمس تعتدل وكان الزبير بن العوام لقيه في الطريق مقبل من الشام فطرح على رسول الله صلعم ثيابا بيضا فنزل رسول الله صلعم وأبو بكر بقبا في ظل نخلة وهي قرية بني عمرو بن عوف

(1/237)


في ذكر اختلاف الناس في هذا الفصل أعلم أن ما كان في هذه الأخبار من المعجزات فكلها مصدقة مقبولة إذا صحت الرواية والنقل أو شهد لها نص القرآن والدلالة عليها كذهاب قوائم فرس سراقة في الأرض وكإنزال شاة أم معبد اللبن بعد يبسها وكأخذ الله بأبصار الفتكة عن نبيه وككلام ابليس في دار الندوة وكخبر المعراج والمسرى وقصة الروم والجن ولحس الأرضة الصحيفة ونزول جبريل بالوحي وتظليل الغمام والطير له في سفره وإخبار بحيرا وعداس وورقة بأمره وما ذكر من العجائب في مولده في ظئره حليمة من نزول اللبن في ضرعها وفي ضرع شاتها وغير ذلك مما يوصف ويحكى مع ما ذكر من هذه الخصال كلها داخل في حد الجواز والإمكان بعد أن كنا مجيزين للممتنع في الطبع والعادة للأنبياء وفي أيامهم فكيف الممكن المتوهم من ذلك وقد ناقض المنكرون لهذه الحال لخروجها عن العادة المجيزين لها بأنه قد تسوخ القوائم في السهلة والسباخ وفي نافقاء اليرابع والجرذان ويعود اللبن في الضرع بعد ذهابه وجفوفه بتغير الطبع وزوال العلة ووجود قوة حادثة كما قد يبصر الإنسان بعد العمى ويسمع بعد الصمم بحدوث سبب أو معنى دواء الطعام ويأخذ الله بأبصار قوم بأن يأتي عليهم النعاس أو يخفي شخص المار بهم فلا يرونه وكلام ابليس غير عجيب لأنه قد يقال لمن عمل بعمل ابليس هذا ابليس وكذلك لمن تكلم بكلام ابليس يوسوس ابليس بمثله وقد سمى الله عز وجل من اقتدى بالشيطان شيطانا فقال وإذا خلوا إلى شياطينهم وابليس شيطان وأما المعراج والمسرى فكفاك حجة على الخصم عدم اختلاف أهل الملة فيه وخبر الروم ولحس الأرضة والصحيفة وغير ذلك مما أخبر النبي صلعم من أخبار الغيب فمن وحي الله وتنزيله ومع أن ذلك ممكن معرفته من جملة الخبر وأما كيفية نزول جبريل بالوحي وظهوره له فإن الواجب أن لا يكلم الخصم إلا بإيجاب الوحي كيف شاء لأن الوحي على وجوه وحي إلهام ووحي إلقاء ووحي تلقين ووحي رؤيا وقد سئل النبي صلعم كيف يأتيك الوحي فقال أحيانا يأتيني مثل صلصة الجرس يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني رواه الواقدي ونحن بحمد الله مصدقون بكل ما جاء على ظاهره وجدنا له مثلا وشبها أو لم نجد ومقرون بنزول الملك على الأنبياء سفيرا بينهم وبين الله عز وجل وواسطة قال هذا المناقض في حجاجته فإن قال الملحد إذ كان الأمر كما زعمت وكان كل ذلك ممكنا لعامة الناس فلم سميتها معجزات الأنبياء وخصصتهم بها قيل قد يكون الشيء معجزة في وقت وهو بعينه غير معجزة في وقت آخر ويكون معجزة لقوم وغير معجزة لقوم ويكون الشيء باجتماع أجزائه معجزة ويكون كل جزء منه على الانفراد غير معجزة وقال ذلك قولنا أن النبي صلعم نصر ببدر في قلة عددهم فلو وجد مثله في زماننا أو في بلد الشرك لجاز ذلك وكان ممكنا ثم لا يجوز أن يسمى معجزة وقد كان لرسول الله صلعم معجزة عظيمة في زمانه لأنه قد يقع بالاتفاق ما لا يرجى كونه ووقوعه قال القرآن معجزة عظيمة لهم قال فاتفاق تلك المعاني للنبي صلعم وتناسقها في زمانه معجزة أتاحها الله عز وجل وقدرها علامة لنبوته هذا يرحمك الله باب كان الله أغنى هذا المتكلف عن الخوض فيه والتمرس به وما أراه ابلى عنا في الإسلام أو رد عنه عادية إن لم يكن فتح عليهم باب شنعة وتلبيس وسبيل المعجزات للأنبياء في خروجها عن العادة سبيل إيجاد أعيان الخلق لا من سابقه فكما أن إيجاد الخلق لا من شيء لا مفهوم ولا معقول ولكن بعرف وتعلم بقيام الأدلة عليه كذلك معجزات الأنبياء عم غير موهومة ولا معقولة وإنما بعلم بقيام الأدلة عليها ولذلك جعلت مسألة الرسالة تابعة لمسألة التوحيد ومرتبة عليها وقد مضى من هذا في فصله ما كفى وأغنى ولله الحمد والمنة والحول والقوة والتوفيق والهداية،
الفصل السادس عشر
في مقدم رسول الله
وسراياه وغزواته إلى وقت وفاته صلعم

(1/238)


قال قدم رسول الله صلعم المدينة يوم الاثنين حين اشتد الضحى لاثني عشرة خلت من ربيع الأول وكان خرج من الغار ليلة الخميس غرة شهر ربيع الأول ودخله يوم الاثنين وأقام فيه ثلاثا وبقى في الطريق اثنتي عشرة ليلة فكان من خروجه من مكة إلى دخوله المدينة خمسة عشر يوما فنزل تحت ظل نخلة بقبا فطفق الناس يأتونه وينظرونه وكان أبو بكر معه في مثل سنه فما كان يعرفه إلا من كان رآه فلما زال الظلم قام أبو بكر فأظله بردائه فعرفه حينئذ من لم يكن يعرفه ثم نزل على كلثوم بن هدم ويقال على سعد بن خيثمه وأقام عندهم يوم الاثنين والثلثاء والأربعاء والخميس ولم تكن المدينة يومئذ ممصرة وإنما كانت آطاما وحوائط وكان بنو عمرو بن عوف ينتابونه عند كلثوم بن هدم فأول ما أمر فيهم بالأصنام أن تكسر فجعلوا يكسرونها ويوقدون النار فيها وأسس مسجد قبا وصلى فيه ثم خرج يوم الجمعة فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف فصلاها في بطن الوادي وهي أول جمعة صلاها في الإسلام وبنى في مصلاه مسجدا واستقبله الناس فجعل يقول كل قبيلة اقم عندنا في العدة والعدد ويقول خلوا سبيلها فإنها مأمورة قالوا فلما انتهت إلى بيت أبي أيوب الأنصاري بركت ووضعت جيرانها في الأرض فنزل رسول الله صلعم على أبي أيوب وأقام عنده سبعة أشهر إلى أن بنى المسجد في فضل البلدان قالوا وبعث رسول الله صلى الله عليه أبا رافع مولاه وزيد بن الحارثة يقدمان بعياله وأعطاهما بعيرين وخمسة مائة درهم وأخذها من أبي بكر الصديق فقدما بفاطمة وأم كلثوم ابنتي رسول الله وسودة بنت زمعه زوجة رسول الله صلعم وأما زينب بنت رسول الله فإن زوجها أبا العاص بن الربيع حبسها وأما رقية بنت رسول الله صلعم فإنها هاجرت قبله مع زوجها عثمان بن عفان وكانت هاجرت معه إلى الحبشة وقدم عبد الله بن أبي بكر بأختيه عائشة وأسما بنتي أبي بكر وأم رومان امرأة أبي بكر وكان رسول الله صلعم لما خرج خلف عليا بمكة وأمره أن يرد الودائع التي كانت عند رسول الله للناس إلى أهلها ففعل علي وخرج في إثره بعد ثلاث وفرضت الصلاة أربعا أربعا بعد الهجرة بشهر وكانوا يصلون قبلها ركعتين ركعتين ثم آخى بين المهاجرين والأنصار وأقطع الدور وخط الخطط فلبثوا فيها وكتب كتابا وادع اليهود وأقرهم على دينهم وشرط لهم أن لا يهيجهم ولا يباديهم وشرط عليهم أن ينصروه ممن دهمه ولا يظاهروا عليه عدوا فلما رأت اليهود ظهور أمره واستجابة الناس له نقضوا العهد وأخفروا الذمة وناصبوه بغيا وحسدا فجعلوا يغشونه ويسألونه عن الأغلوطات منهم حي بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب وجدي بن أخطب وزيد بن تابوة وعبد الله بن صورى ومحاض بن عابور والربيع بن أبي الحقيق وكعب بن الاشرف وشاس بن عمرو وفردم بن كردم وغيرهم من أشرافهم ونافق رهط من أهل المدينة وظاهروهم على ذلك منهم خذام بن خالد الذي أخرج مسجد الضرار من داره وجارية بن عامر وبحزج بن عمرو وعبد الله بن الأزعر وهم الذين بنوا مسجد الضرار ومجمع بن جارية وهو الذي كان يصلي بهم وأوس بن قيظي وهو الذي كان يوم الخندق إن بيوتنا عورة وأبيرق سارق الدرع ووديعة بن ثابت ومتعب بن قشير هما اللذان قالا إنما نخوض ونلعب وجد بن قيس الذي قال ائذن لي ولا تفتني وعبد الله بن أبي ابن سلول الخزرجي رأس النفاق وكان القرآن ينزل فيهم ويعبر عن خبث عقيدتهم ودرن سرائرهم إلى أن أذن الله لرسوله في السيف ونزل أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله فاخذ في تسريب السرايا وبعث الجيوش وكانت سراياه ووفائعه أربعا وسبعين غزاة ويقال خمسا وسبعين في مهاجرة عشر سنين منها التي غزا بنفسه سبع وعشرين وقع منها في تسع القتال في بدر وأحد والمريسع والخندق وقريظة وخيبر والفتح وحنين والطائف ويقال أنه قاتل في بني النضير وكانت سنو الهجرة عشر سنين السنة الأولى سنة الهجرة والثانية سنة الأمر بالقتال والثالثة سنة التمحيص والرابعة سنة الترفيه والخامسة سنة الزلازل والسادسة سنة الاستئناس والسابعة سنة الاستغلاب والثامنة سنة الاستواء والتاسعة سنة البراءة والعاشرة سنة حجة الوداع ثم دخلت سنة إحدى عشرة من الهجرة مضى منها شهران واثنا عشر يوما ولحق بربه صلعم أما السنة إحدى من الهجرة فإن رسول الله صلعم قدم

(1/239)


المدينة فاقام بها بقية ربيع وربيعا وجماديين ورجبا وشعبان فلما دخل رمضان عقد لواء أبيض لحمزة بن عبد المطلب وهو أول لواء عقد في الإسلام وبعثه في ثلاثين راكبا من المهاجرين والأنصار يعترض عير القريش جاءت من الشام فلقي أبا جهل بن هشام في ثلثمائة راكب وحجز بينهم مجدي بن عمرو الجهنى فانصرفوا ولم يكن بينهما قتال فهذه أول سرية سرت بالإسلام وفي سبيل الله ولما دخل شوال بعث عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب في ستين راكبا من المهاجرين والأنصار فلقي جمعا عظيما من قريش بسيف البحر وعليهم عكرمة بن أبي جهل فانصرفوا ولم يكن بينهما قتال إلا أن سعد بن أبي وقاص رمى بسهم وهو أول سهم رمي في الإسلام ثم لما دخل ذو العقدة بعث سعد بن أبي وقاص في ثمانية رهط من المهاجرين فرجع ولم يلق كيدا وفي هذه السنة بنى بعائشة وكان تزوجها بمكة وفيها ولد عبد الله بن الزبير وهو أول مولود ولد في الإسلام بعد الهجرة وفيها ولد النعمان بن بشير وهو أول مولود ولد في الأنصار بعد الإسلام وأما سنة اثنتين من الهجرة فإن رسول الله صلعم لما مضى المحرم منها ودخل صفر خرج غازيا بنفسه حتى بلغ ودان بينهما وبين الأبواء ستة أميال فوادعته بنو ضمرة فانصرف ولم يلق كيدا وهي أول غزاة غزاها رسول الله صلعم فلما دخل ربيع الأول غزا بواط وهو موضع في طريق الشام يعترض عيرا لقريش فرجع ولم يلق كيدا ثم أغار كرز بن جابر الفهري على سرح المدينة فخرج بإثره حتى بلغ سفوان من ناحية بدر الأولى فرجع ولم يدركه وذاك في جمادى الأول ثم غزا ذا العشيرة في جمادى الآخرة وفي تلك الغزاة قال لعلي يابا تراب أشقى الناس رجلان أحمير ثمود والذي يخضب هذا من هذا ووضع يده على رأسه ولحيته ثم بعث عبد الله بن جحش في ثمانية رهط من المهاجرين في شهر جمادى الآخرة منهم أبو حذيفة بن عتبة وسعد بن أبي وقاص وعكاشة بن محصن الأسدي وعتبة بن غزوان وواقد بن عبد الله وكتب له كتابا أمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين حتى يقرأه على أصحابه ولا يستكره منهم أحد فسار عبد الله بن جحش يومين ثم فتح الكتاب فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم سر على اسم الله وبركته حتى تنزل نخلة فترصد بها عير قريش لعلك تأتينا منهم بخبر فسار عبد الله بأصحابه حتى نزلوا نخلة فمرت العير تحمل زبيبا وأدما وفيها عمرو بن عبد الله الحضرمي والحكم بن كيسان ونوفل بن عبد الله المخزومي وأخوه عثمان بن عبد الله فلما رآهم هابوا فتشاور أصحاب رسول الله صلعم قبل أن يهل الهلال وكان آخر يوم من جمادى الآخرة على زعم الكلبي فحلقوا رأس عكاشة بن محصن فأشرف لهم فلما رأوه أمنوا وقال قوم عمار ولا بأس عليكم فرمى واقد بن عبد الله الحنظلي عمرو بن الحضرمي فقتله واستاسر الحكم بن كيسان وعثمان بن عبد الله وأعجزهم نوفل على فرس له وأقبل عبد الله بن جحش بالعير والأسارى وهو أول غنيمة غنمت في الإسلام وأول قتيل قتله المسلمون وأول أسير أسروه فخاض الناس في ذلك وقالوا استحل محمدا العير وأتى منه شيئا وقال ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام فقالوا يا رسول الله قتلناهم ثم نظرنا إلى رجب فنزلت يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل فأباح الله عز وجل القتل في الشهر الحرام وأبطل ما كان قبل ذلك قالوا وجعلت يهود يتفألون به ويقولون واقد وقدت الحرب والحضرمي حضرت الحرب وروى في المغازى هذا الشعر لأبي بكر الصديق رضه، فاقام بها بقية ربيع وربيعا وجماديين ورجبا وشعبان فلما دخل رمضان عقد لواء أبيض لحمزة بن عبد المطلب وهو أول لواء عقد في الإسلام وبعثه في ثلاثين راكبا من المهاجرين والأنصار يعترض عير القريش جاءت من الشام فلقي أبا جهل بن هشام في ثلثمائة راكب وحجز بينهم مجدي بن عمرو الجهنى فانصرفوا ولم يكن بينهما قتال فهذه أول سرية سرت بالإسلام وفي سبيل الله ولما دخل شوال بعث عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب في ستين راكبا من المهاجرين والأنصار فلقي جمعا عظيما من قريش بسيف البحر وعليهم عكرمة بن أبي جهل فانصرفوا ولم يكن بينهما قتال إلا أن سعد بن أبي وقاص رمى بسهم وهو أول سهم رمي في الإسلام ثم لما دخل ذو العقدة بعث سعد بن أبي وقاص في ثمانية رهط من المهاجرين فرجع ولم يلق كيدا وفي هذه السنة بنى بعائشة وكان تزوجها بمكة وفيها ولد عبد الله بن الزبير وهو أول مولود ولد في الإسلام بعد الهجرة وفيها ولد النعمان بن بشير وهو أول مولود ولد في الأنصار بعد الإسلام وأما سنة اثنتين من الهجرة فإن رسول الله صلعم لما مضى المحرم منها ودخل صفر خرج غازيا بنفسه حتى بلغ ودان بينهما وبين الأبواء ستة أميال فوادعته بنو ضمرة فانصرف ولم يلق كيدا وهي أول غزاة غزاها رسول الله صلعم فلما دخل ربيع الأول غزا بواط وهو موضع في طريق الشام يعترض عيرا لقريش فرجع ولم يلق كيدا ثم أغار كرز بن جابر الفهري على سرح المدينة فخرج بإثره حتى بلغ سفوان من ناحية بدر الأولى فرجع ولم يدركه وذاك في جمادى الأول ثم غزا ذا العشيرة في جمادى الآخرة وفي تلك الغزاة قال لعلي يابا تراب أشقى الناس رجلان أحمير ثمود والذي يخضب هذا من هذا ووضع يده على رأسه ولحيته ثم بعث عبد الله بن جحش في ثمانية رهط من المهاجرين في شهر جمادى الآخرة منهم أبو حذيفة بن عتبة وسعد بن أبي وقاص وعكاشة بن محصن الأسدي وعتبة بن غزوان وواقد بن عبد الله وكتب له كتابا أمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين حتى يقرأه على أصحابه ولا يستكره منهم أحد فسار عبد الله بن جحش يومين ثم فتح الكتاب فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم سر على اسم الله وبركته حتى تنزل نخلة فترصد بها عير قريش لعلك تأتينا منهم بخبر فسار عبد الله بأصحابه حتى نزلوا نخلة فمرت العير تحمل زبيبا وأدما وفيها عمرو بن عبد الله الحضرمي والحكم بن كيسان ونوفل بن عبد الله المخزومي وأخوه عثمان بن عبد الله فلما رآهم هابوا فتشاور أصحاب رسول الله صلعم قبل أن يهل الهلال وكان آخر يوم من جمادى الآخرة على زعم الكلبي فحلقوا رأس عكاشة بن محصن فأشرف لهم فلما رأوه أمنوا وقال قوم عمار ولا بأس عليكم فرمى واقد بن عبد الله الحنظلي عمرو بن الحضرمي فقتله واستاسر الحكم بن كيسان وعثمان بن عبد الله وأعجزهم نوفل على فرس له وأقبل عبد الله بن جحش بالعير والأسارى وهو أول غنيمة غنمت في الإسلام وأول قتيل قتله المسلمون وأول أسير أسروه فخاض الناس في ذلك وقالوا استحل محمدا العير وأتى منه شيئا وقال ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام فقالوا يا رسول الله قتلناهم ثم نظرنا إلى رجب فنزلت يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل فأباح الله عز وجل القتل في الشهر الحرام وأبطل ما كان قبل ذلك قالوا وجعلت يهود يتفألون به ويقولون واقد وقدت الحرب والحضرمي حضرت الحرب وروى في المغازى هذا الشعر لأبي بكر الصديق رضه

(1/240)


يعدون قتل في الحرام عظيمة ... وأعظم منه لو يرى الرشد راشد
صدودهم عما يقول محمد ... وكفر به والله راء وشاهد
وإخراجهم من مسجد الله أهله ... لئلا يرى لله في البيت ساجد
فإنا وإن عيرتمونا بقتله ... وأرجف في الإسلام باغ وحاسد
سقينا من ابن الحضرمي رماحنا ... بنخلة لما أوقد الحرب واقد
دما وابن عبد الله عثمان عندنا ... ينازعه غل من القد عاند
ولما دخل شعبان صرفت القبلة لنصف منه وقال ابن اسحق صرفت في رجب ورأى عبد الله بن زيد الأذان فلما دخل رمضان فرض الصيام وكان فيه بدر العظمى

(1/241)


ذكر قصة بدر قالوا بلغ رسول الله صلعم أن أبا سفيان بن حرب مقبل من الشام في عير لقريش زهاء ألف بعير لا أحد بمكة ممن له طعمة إلا وله فيها تجارة ومعها ثلاثون راكبا فندب المسلمين وقال اخرجوا لعل الله عز وجل أن ينفلكموها فخف بعض الناس وثقل بعض لأنهم لم يظنوا أنهم يلقون حربا وبلغ الخبر أبا سفيان بن حرب فبعث ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة يستنفزهم ورأت عاتكة بنت عبد المطلب قبل قدوم ضمضم بمن عمرو بثلاث كأن واقفا وقف بالأبطح فصرخ بأعلى صوته الا أنفروا إلى مصارعكم إلى ثلاث يا أهل غدر ثم مشى به بعيره على ظهر أبي قبيس فصرخ مثل ذلك ثم حمل صخرة فأرسلها فأقبلت تهوي حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت فما بقيت دار من دور مكة إلا وقعت فيها فلقة وفشت الرؤيا بمكة فلقي أبو جهل العباس بن عبد المطلب فقال ما حدثت فيكم هذه النبية يا بني هاشم أما ترضون أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم ولكن نتربص بكم هذه الثلاث فإن كان كما قالت وإلا كتبنا عليكم كتابا أنكم أكذب أهل بيت في العرب قال فلما كان يوم الثالث إذا ضمضم بن عمرو ببطن الوادي قد جدع بعيره وثوبه و حول رحله يصرخ اللطيمة اللطيمة قد عرض لها محمد ألا أنفروا و ما أراكم تدركونها فخرجت قريش سراعا حتى نزلوا الجحفة وخرج رسول الله صلعم من المدينة لثمان خلون من شهر رمضان وبعث بعدي بن أبي الزغباء و بسبس بن عمرو يتجسسان خبر أبي سفيان فجاءا حتى نزلا ببدر فوجدا الخبر بأن العير يستقدم غدا وبعد غد فانصرفا بالخبر إلى النبي صلعم وأقبل سفيان حتى وقف على مناخهما ففت أبعار بعيريهما فقال علائف يثرب والله فانصرف وضرب وجه العير عن الطريق وساحل به ونزل بدرا على سيارة وأرسل إلى قريش أنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم وقد نجاها الله فارجعوا فقال أبو جهل لا نرجع و الله حتى نرد بدرا وكان موسما من مواسم العرب فنعكف عليها وننحر الجزور ونسقي الخمور وتعزف علينا القيان وتسمع العرب بنا وبمسيرنا هذا فلا يزالون يهابوننا أبدا فرجع طالب ابن أبي طالب والاخنس بن شريق في مائة رجل وسار الباقون وهم تسع مائة وخمسون رجلا أشراف قريش وأعلام العرب حتى نزلوا بالعدوة القصوى من الوادي وسار رسول الله صلعم وهم ثلثمائة وأربعة عشر رجلا حتى أتى بدرا ونزل بالعدوة الدنيا وكان معهم سبعون من نواضح يثرب يعتقبونها وكان رسول الله صلعم وعلي ومرثد بن أبي مرثد الغنوى يعتقبون بعيرا ولم يكن من الخيل إلا فرس للمقداد بن الأسود الكندي ومن السلاح إلا سبعون سيفا فأمر النبي صلعم فبنوا حوضا وملؤوه ماء وقذفوا فيه الآنية وأمر بسائر القلب فعورت وضربوا له عريشا يكون فيه وجاءت قريش تضور من الكثيب فقال النبي صلعم هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها واستشار الناس في القتال فقام أبو بكر رضه فتكلم وأحسن ثم قام عمر فتكلم وأحسن فقال النبي أشيروا علي فقام المقداد بن الأسود فقال امض بنا فإنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى عم فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون والذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجادلنا معك من دونه حتى تبلغه فقال له النبي صلعم خيرا ودعا له ثم قال اشيروا علي وإنما يريد الأنصار وذلك أنهم كانوا بايعوه عند العقبة على أنا براء من ذمتك حتى تصل إلى ديارنا فإذا وصلت فأنت في ذمتنا وكان يتخوف أن الأنصار لا يرون له نصرة إلا ممن دهمه بالمدينة فقام سعد ابن معاذ لعلك تريدنا يا رسول الله فقال نعم فقال إنا آمنا بك وصدقناك فامض بنا لما أردت فلو استعرضت بنا على هذا البحر لخضناه معك إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء فقال النبي صلعم تهيأوا و ابشروا فإن الله عز وجل قد وعدنى احدى الطائفتين والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم فمشى القوم إلى القتال والتقوا وحميت الحرب بينهم ورسول الله صلعم يناشد ربه و يدعوه قالوا فخرج الأسود بن عبد الأسد المخزومي و كان شرسا سيئ الخلق فقال أعاهد الله لأشربن من حوضهم ولأهمدنه أو لأموتن دونه وقصد الحوض ليمنع المسلمين الماء فشد عليه أسد الله وأسد رسوله حمزة بن عبد المطلب فضربه ضربة الحن قدمه فخر على وجهه وجعل يحبو إلى الحوض وقد قال بعض أهل العلم أن حمزة لما قطع رجله حملها الأسود فرمى بها رجلا من المسلمين فقتله والله أعلم ثم خرج عتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة ودعوا إلى البراز

(1/242)


فخرج إليهم عوف بن عفراء ومعوذ بن عفراء وعبد الله بن رواحة فقالوا لهم من أنتم قالوا نحن رهط من الأنصار قالوا لا حاجة بنا إليكم ونادوا يا محمد اخرج إلينا أكفاءنا من قومنا فخرج عبيدة بن الحارث إلى عتبة بن ربيعة و حمزة بن عبد المطلب إلى شيبة بن ربيعة وعلى بن أبي طالب إلى الوليد ابن عتبة فتجادلوا وتطاردوا واختلف الضرب بينهم فأما علي فلم يمهل صاحبه أن قتله وقتل حمزة شيبة وكان عبيدة بن الحارث اسن القوم وأضعفهم وقد بارزه عتبة بن ربيعة فاختلف بينهما ضربتان أثبت كل واحد منهم صاحبه فكر علي وحمزة على عتبة فذففا عليه واحتملا عبيدة إلى أصحابهما ثم رمى المشركون مهجع بن عبد الله بسهم فقتلوه وهو أول من قتل في الحرب من المسلمين وخرج أبو جهل وهو يرتجزخرج إليهم عوف بن عفراء ومعوذ بن عفراء وعبد الله بن رواحة فقالوا لهم من أنتم قالوا نحن رهط من الأنصار قالوا لا حاجة بنا إليكم ونادوا يا محمد اخرج إلينا أكفاءنا من قومنا فخرج عبيدة بن الحارث إلى عتبة بن ربيعة و حمزة بن عبد المطلب إلى شيبة بن ربيعة وعلى بن أبي طالب إلى الوليد ابن عتبة فتجادلوا وتطاردوا واختلف الضرب بينهم فأما علي فلم يمهل صاحبه أن قتله وقتل حمزة شيبة وكان عبيدة بن الحارث اسن القوم وأضعفهم وقد بارزه عتبة بن ربيعة فاختلف بينهما ضربتان أثبت كل واحد منهم صاحبه فكر علي وحمزة على عتبة فذففا عليه واحتملا عبيدة إلى أصحابهما ثم رمى المشركون مهجع بن عبد الله بسهم فقتلوه وهو أول من قتل في الحرب من المسلمين وخرج أبو جهل وهو يرتجز
ماتنقم الحرب العوان مني ... بازل عامين حديث سني
لمثل هذا ولدتني أمي
وحقق حقيقه فرأى الملائكة فانتبه وقال ابشر يا أبا بكر أتاك النصر هذا جبريل يقود فرسه على ثناياه النقع ثم خرج إلى الصفوف فحرضهم ورغبهم وأخذ حفنة من الحصا فاستقبل بها القوم وقال شاهت الوجوه و أذراها على وجوههم وقال لأصحابه شدوا فكان نفحهم بها ووضع المسلمون أيديهم يقتلون ويأسرون حتى أسروا اثنين وأربعين رجلا ويقال اثنين وسبعين رجلا وقتلوا سبعين رجلا ويقال خمسين رجلا وقال النبي صلعم إن فيهم رجالا من بني هاشم قد أخرجوا إكراها فمن لقي منهم أحدا فلا يقتله وأسروا من بني هاشم خمسة نفر العباس بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب ونعمان ابن عمرو بن علقمة بن عبد المطلب والسائب بن عدي بن زيد بن هاشم وأسروا أبا العاص زوج زينب بنت رسول الله صلعم وقال أبو جهل اللهم اقطعنا للرحم وأتانا بما لا نعرف فكان هو المستفتح بقول الله عز وجل أن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح الآية فأدركه معاد بن عمرو بن الجموح فضربه ضربة أطبقت قدمه فكر عليه عكرمة بن أبي جهل فضربه على عاتقه فطرح يده ثم مر بأبي جهل معوذ بن عفراء فضربه حتى أثبته ووجده عبده بن مسعود بآخر رمقه فوضع رجله على عنقه قال ففتح عينه وقال لقد ارتقيت مرتقى صعبا لمن الدبرة قال قلت لله ورسوله ألم يخزك الله يا عدو الله قال أعار على سيد قتله قومه ثم اختز رأسه وجاء به إلى النبي صلعم فألقاه بين يديه واستشهد ذلك اليوم من المسلمين ثمانية نفر ثم أمر رسول الله صلعم بالقتلى فالقوا بالقليب وهو يقول يابا جهل يا عتبة يا شيبة يا فلان ويا فلان يدعوهم بأسمائهم هل وجدتم ما وعد ربكم حقا فإني وجدت ما وعدني ربي حقا قال ابن اسحق حدثني حميد الطويل عن أنس أن أصحاب رسول الله صلعم قالوا يا رسول الله تنادي قوما قد حتفوا فقال ما أنتم بأسمع ما أقول منهم ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوا وفيه يقول حسان
يناديهم رسول الله لما ... قذفناهم كباكب في القليب
فما نطقوا ولو نطقوا لقالوا ... صدقت وكنت ذي رأي مصيب

(1/243)


ومر رسول الله في العسكر وكر راجعا إلى المدينة فملا خرج من مضيق الصفراء قسم هناك النفل وقتل عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث من بين الأسارى وقدم المدينة واستشار أصحابه في الأسارى فقال أبو بكر أهلك عشيرتك وبنو أبيك ابق عليهم واستأن بهم وقال عمر بل انظروا واديا ملتفا أشبا فاضرمه عليهم فقال العباس قطعت رحمك يا ابن الخطاب ثم فاداهم وكان الفداء أربعين اوقية من الذهب وألزم العباس فدائيين وقيل له افد ابن أخيك عقيلا فقال تركني يا محمد أسأل الناس ما عشت قال ما فعلت الدنانير التي دفعتها إلى أم الفضل عند خروجك وقلت إن حدث لي حادث كانت لك ولولدك فقال من أخبرك به فو الله ما كان غيري وغيرها ثالثا قال أخبرني بذلك ربي فأسلم العباس وافتدى واختلفوا في الغنائم والنفل فنزلت سورة الأنفال بأسرها في يوم بدر يقول حسان بن ثابت
سرنا وساروا إلى بدر لحينهم ... لو يعلمون يقين العلم ما ساروا
وقال إني لكم جار فأوردهم ... سرى الموارد فيه الخزي والعار
قالوا ولما رجع فل قريش إلى مكة قال عمير بن وهب الجمحي قبح الله العيش بعد قتلى بدر ولولا دين علي وعيال لي لرحت إلى محمد وقتلته فقال له صفوان بن أمية على دينك وعيالك ثم حمله وجهزه وصقل سيفا شحيذا وسمه وضرب راحلته حتى أتى المدينة فعقل بباب المسجد ودخل إلى رسول الله صلعم فصاح عمر بن الخطاب رضه وقال اتقوا الكلب فإنه حرش بيننا وحزرنا للمشركين يوم بدر فأخذوه وقدموه إلى النبي فقال ما أقدمك يا عمير قال قدمت لأجل أسيري قال فما بال السيف في رقبتك قال نسيته قال فماذا شرطت صفوان في دينك وعيالك ففزع عمير وعلم أن أمره الحق فآمن به وأسلم وحسن إسلامه وفي هذا الشهر هلك أبو لهب بمكة وأبو احيحة سعيد بن العاص بالطائف وكان أبو لهب فأمر أبا العاص بن هشام أخا أبي جهل ابن هشام فقعره ماله ونفسه وأسلمه حدادا ثم وجهه بدلا منه إلى بدر فقتل كافرا ومات أبو لهب بالعدسة ثم كانت سرية عصماء بنت مروان وكانت امرأة كافرة بذية اللسان وتهجو النبي صلعم وتحرض المسلمين فبعث النبي صلعم إليها عمير بن عدي الأنصاري فقتلها وقال عم لا ينتطح فيها عنزان وفي هذا الشهر أمر بإخراج زكوة الفطر قبل الفطر بيوم وخرج يوم الفطر إلى المصلى فصلى وخطب وهو أول عيد في الإسلام ثم بعث سرية سالم بن عمير إلى أبي عفك في شوال وعفك رجل منافق يهجو النبي صلعم ويحرض عليه ويقول ما أهدى قوم إلا رحالهم شرا من هذه الحرمى الذي أخرجته لحمته وبنو أبيه وهذه الأبيات من هجائه فيما يروى
لقد عشت دهرا وما إن أرى ... من الناس دارا ولا مجمعا
ابر عهودا وأوفي لمن ... تعاقد فيهم إذا ما رعى
من أولاد قيلة في جمعهم ... تهدى الخيال ولن أخضعا
فصدعهم راكب جاءهم ... حرام حلال لشيء معا
فلو أن بالعز صدقتم ... أو الملك بايعتم إن معا
قال النبي صلعم من لي بهذا الخبيث فخرج سالم بن عمير أحد البكائين فقتله على فراشه وكان قد بلغ من السن مائة وعشرين سنة وفيه يقول
حباك حنيف آخر الليل طعنة ... أبا عفك خذها على كبر السن
غزوة يهود بني قنيقاع في شوال وذلك أنه لما قدم الرسول إلى المدينة وادع اليهود وعاهدهم فكان هولاء أولهم نقضا وهاجروا بالعداوة وقالوا يا معشر المسلمين لا يغركم أنكم لقيتم قوما اغمارا لا علم لهم بالحرب فأصبتم منهم إنكم لو خاصمتمونا لعلمتم أننا رجال الحرب فسار إليهم رسول الله صلعم وحاصرهم في ديارهم حتى نزلوا في حكمه فهم بضرب أعناقهم فقام عبد الله بن أبي وكانوا حلفاؤه فقال أربع مائة حاسر وثلاث مائة دارع قد منعوني من الأحمر والأسود أدعك تحصدهم في غداة واحدة فقال عم هم لك وكان لسعد بن عبادة من حلفهم مثل ما لعبد الله بن أبي ويقال لعبادة بن الصامت فقال إني أبرأ إلى الله ورسوله منهم ويقال فيهم نزلت إنما وليكم الله ورسوله واللذين آمنو الآية

(1/244)


ذكر غزوة السويق في ذي الحجة وذلك أن أبا سفيان جاء في مايتي راكب فحرق في اصوار من النخل وقتل رجلين من الأنصار ودخل المدينة فبات عند سلام بن مشكم سيد بني النضير فسقاه وقراه وبطن له من خبر الناس ثم رجع من الليل إلى مكة وخرج النبي في إثره ففاته وأصاب المسلمون من أزوادهم ما طرحوها يتخففون بها للنجاء فبذلك سميت غزوة السويق وفي هذا الشهر توفيت رقية بنت النبي وفيه بنى علي بفاطمة وفيه مات مطعم بن عدي بمكة وفيه ضحى رسول الله صلعم وذبح شاتين بيده ثم دخلت سنة ثلاث للهجرة وهي سنة التمحيص والبلاء فخرج رسول الله صلعم إلى بني سليم حتى بلغ الكدر ثم رجع ولم يلق كيدا تسمى غزاة الكدر وكانت في المحرم ثم بعث سرية محمد بن مسلمة الأنصاري إلى كعب بن الأشرف فقتله، ذكر مقتل كعب بن الأشرف قالوا ولما أصيب أهل بدر قال كعب قد قتل محمد أشرف الناس فبطن الأرض خير من ظهرها فنقض العهد وخرج إلى مكة في أربعين راكبا فناح على قتلى بدر وبكاهم وحرض المشركين على رسول الله صلعم فبعث النبي محمد بن مسلمة وسلكان بن سلامة في نفر فأتوه في جوف الليل وهو فوق حصنه فناداه سلكان إن هذا الرجل قد يطالبنا بالصدقة وجئتك برهن لتقرضني طعاما فوثب كعب بن ملحفته فتعلقت امرأته بناحية ثوبه إني لأرى حمرة الدم في هذا الصوت فقال دعيني فلو دعى ابن حرة بليل إلى طعنة لأجاب فنزل إليهم فأخذ سلكان تحت كشحة بداسه وضربوه بأسيافهم حتى برد وفيه يقول كعب بن مالك
فغودر منهم كعب صريعا ... فذلت بعد مصرعه النضير
ثم غزا رسول الله صلعم نجدا يريد غطفان حتى نزل بطن نخل وذلك في شهر ربيع الأول ولم يلق كيدا وفيه كان حديث دعثور بن الحارث المحاري ثم غزا بني سليم في جمادى الأول فرجع ولم يلق كيدا ثم بعث سرية القردة وأميرهم زيد بن حارثة فأصاب عيرا لقريش مقبلة من الشام فأعجزه الرجال فقدم به وبلغ الخمس عشرين ألفا ثم كانت غزوة أحد لست خلون من شوال يوم الجمعة خرج من المدينة ويوم السبت كانت الواقعة

(1/245)


قصة أحد قالوا ولما أصيب المشركون ببدر ورجع فلهم إلى مكة مشي أشراف قريش إلى أبي سفيان بن حرب فقالوا إن محمدا وترنا وقتل خيارنا فأعلنا نطلب بثأرنا ونعين بهذا المال يعنون العير فاجتمعت قريش وجمعت أحابيشها ومن أطاعهم من القبائل وخرجت بظعنها التماس الحفيظة قائدهم أبو سفيان بن حرب ومعه زوجته بنت عتبة وقد نذرت لئذ أمكنها الله من دم حمزة لتشربنه ولتأكلن كبده وجاؤا حتى نزلوا بعينين موضع مقابل المدينة ورأى النبي صلعم في منامه رؤيا فقصها على أصحابه فقال رأيت بقرا يصرع ورأيت في ذباب سيفي ثلما ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينه قالوا وما تأويلها يا رسول الله قال أما البقرة فهم قوم من أصحابي يقتلون وأما السيف رجل من بيتي يقتل وأما الدرع الحصينة فإني أولتها بالمدينة وكان رأيه أن يقيم بالمدينة وقالوا إن دخلوا قاتلناهم في وجوههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم وإن نزلوا نزلوا بشر مجلس فقال رجال ممن أكرمهم الله بالشهادة وكان فاتهم بدر يتمنون ما وصف الله عز وجل به الشهداء من الثواب والحياة وأخرج بنا إلى أعداء الله لئلا يرون أنا جبنا عنهم وعن لقائهم وكان ذلك اليوم يوم الجمعة فصلى بالناس ودخل منزله ولبس لأمته ثم خرج وقد ندم الناس فقال استكرهناك ولم يكن لنا ذلك فإن شئت فاقعد فقال ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يخلعها حتى يقاتل وخرج من المدينة بألف رجل والمشركون ثلاثة آلاف وزيادة فسار حتى إذ كان بالشوط وهو على ميل من المدينة وانجزل عبد الله بن سلول رأس المنافقين بثلث الناس وقال أطاعهم وعصاني علام نقتل أنفسنا انصرفوا فتبعهم عمرو بن حرام وقال أناشدكم الله في حرمكم ونبيكم ما ثم قتال لو نعلم قتالا لاتبعناكم كما حكى عنهم وهمت بنو سلمة وبنو حارثة بالانصراف فعزم الله لهم على الرشد ثم ذكر نعمته عليهم فقال إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما ومضى رسول الله صلعم بأصحابه حتى نزل الشعب من أحد وأمر عبد الله بن جبير أمير الرماة وكان في خمسين ناشبا أن يبيتوا على فم الشعب وأن ينضحوا الخيل بالنبل لئلا يأتيهم من ورائهم ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير بن هاشم ونشبت الحرب بين الفريقين فدعت هند بنت عتبة وحشيا غلام جبير بن مطعم بن عدي وكان طعيمة بن عدي قتل ببدر فقالت إن أنت قتلت حمزة يأبي عتبة بن ربيعة فلك قلبي وسواري وقلائدي وخلخالي وشنفي وقال له جبير بن مطعم إن أنت قتلت حمزة بعمى طعيمة ابن عدي فأنت عتيق ثم قامت هند في صواحباتها يضربن بالدفوف ويحرضن الرجال وهي تقول، ويها بني عبد الدار، ويها حماة الاذمار، ضربا بكل سيار، وقالت أيضا، نحن بنات الطارق، نمشي على النمارق، إن تقبلوا نعانق، أو تدبروا نفارق، فراق غير مواق، وحميت الحرب فقتل مصعب بن عمير فدفع النبي صلعم اللواء إلى علي بن أبي طالب عم فأنزل الله عز وجل نصره حتى كانت هزيمة القوم لا شك فترك الرماة مركزهم وأقبلوا على النهب غير أميرهم عبد الله بن جبير فإنه ثبت مكانه حتى استشهد وعطف عليهم خالد بن الوليد على الخيل فانقلبت الدبرة على المسلمين واكتمن الوحشي لحمزة حتى مر به فأتاه من ورائه وضربه بحربته فقتله وأصاب العدو من المسلمين وكان يوم بلاء وتمحيص وانثالوا على رسول الله صلعم ودث بالحجارة حتى وقع لشقه وشج وجهه وكلمت شفتيه وكسرت رباعيته ودخلت حلقة من الدرع في وجهه ووقع حفرة من الحفر التي عملها أبو عامر الفاسق وكان مظاهر درعين وصرخ صارخ من أعلى الجبل الا أن محمد قد قتل فانهزم المسلمون وأخذ علي وطلحة بيد رسول الله صلعم فانتاشاه من الحفر وأكب أبو دجانة عليه بنفسه يقيه النبل وروى أن نشابة أصابت إصبعه فقال
هل أنت إلا إصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت
وقال صلعم من رجل يشرى لنا نفسه فقام زياد بن السكن في نفر من الأنصار فقاتلوا دونه رجلا رجلا حتى قتلوا عن آخرهم ثم فاءت فيه المسلمون فكشفوهم عن رسول الله صلعم وهو يناول السهم سعد بن أبي وقاص وقال ارم فداك أبي وأمي والذي ضرب رسول الله صلعم أخوه عتبة بن أبي وقاص وفيه يقول حسان
فأخزاك ربي يا عتيب بن مالك ... ولقاك قبل الموت إحدى الصواعق
بسطت يمينا للنبي محمد ... فأدميت فاه قطعت بالبوائق

(1/246)


ثم نهضوا بالشعب ومر على علي المهراس فملأ حجفته ماء وجاء يغسل الدم عن وجه رسول الله صلعم وهو يقول كيف يفلح قوم أدموا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى الله عز وجل ثم قام مالك بن سنان الخدري أبو أبي سعيد فمص الدم من وجه رسول الله صلعم من مس دمه دمى لم تمسه النار ويقال أن النبي صلعم ضربه عبد الله بن قميئة وروى بعضهم أنه قتل مصعب بن عمير وهو يظنه رسول الله صلعم ووقعت هند عليها اللعنة ومن معها على القتلى فمثلن بهم جدع الأنوف وتبك الآذان ويتخذان خدما وقلائد وعمدت إلى بطن حمزة فبعجتها واستخرجت حشوته وكبده ولاكته ولم تسغه ثم علت على صخرة وهي تقول
نحن جزيناكم بيوم بدر ... والحرب بعد الحرب ذات السعر
ما كان من عتبة لي من مضر ... ولا أخيه لا ولا من صهر
شفيت نفسي وقضيت نذري ... فشكر وحشي على عمر
حتى ترام أعظمي في قبري
فأجابتها هند بنت أثاثة بن عبد المطلب
جزيت في بدر وبعد بدر ... يا أبنت وقاع عظيم الكفر
في أبيات وفيها يقول حسان بن ثابت
لعن الإلاه وزوجها معها ... هند الهنود طويلة البظر
ثم صرخ أبو سفيان انعمت وقال إنما الحرب سجال يوم بيوم أعل تعل فقال النبي لعمر بن الخطاب أجبه فقال الله أعلى وأجل ولا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار فقال أبو سفيان أنشدك الله يا عمر هل قتل محمد قال لا والله ليسمع قال أنه قد كانت هناة ما أمرت بها ولا رضيت وإن موعدكم بدر فقال النبي لعمر قل إن شاء الله وألقى في قلوبهم الرعب فجنبوا الخيل وامتطوا الإبل وتوجهوا إلى مكة وتفرع المسلمون لقتلاهم يدفنونهم ووقف رسول الله صلعم على حمزة ونظر إلى ما مثل به فقال لن أصبت بمثلك أبدا ثم صلى على القتلى السبعين صلاة واحدة وانصرف إلى المدينة وأستشهد يوم أحد من المسلمين سبعون رجلا ويقال خمسة وستون رجلا منهم حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله ومصعب بن عمير العبدي وعبد الله بن جبير أمير الرماة وحنظلة بن أبي عامر غسيل الملائكة وسعد بن الربيع أحد النقباء وقتل من المشركين اثنان وعشرون رجلا ورجع رسول الله إلى المدينة ثم خرج في أثرهم يوم الأحد مرهبا لهم ويريهم أن به قوة حتى بلغ حمراء الأسد في ستين راكبا منهم أبو بكر وعمر وعلي وعبد الله بن ابن مسعود فمر به معبد بن أبي معبد الخزاعي وكانت خزاعة عيبة رسول الله صلعم فلقى أبا سفيان بن حرب بالروحاء قد أجمع على الرجعة إلى المدينة وذلك أنهم لما انصرفوا سقط في أيدهم وقالوا قد كنا أجهضنا محمدا وأصحابه وأشرفنا على استئصالهم لو صبرنا فقالوا لمعبد بن أبي معبد ما وراءك قال لقد خرج محمد وأصحابه في جمع لم أر مثله يحرقون عليكم أنيابهم من الحنق قال وأين هم قال هم يصبحونكم من حمراء الأسد فثنى ذلك أبو سفيان عن عزمه وفت في عضده ومر به راكب من عبد القيس يقال له نعيم الأشجعي يريد المدينة للميرة فقال بلغ محمدا أنا قد أزمعنا المسير إليهم فلما قال ذلك للنبي قال النبي صلعم حسبنا الله ونعم الوكيل وانصرفوا إلى المدينة ونزلت ستون آية من سورة آل عمران في قصة أحد من قوله وإذ غدوت من أهلك تبؤ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم وقالوا في أحد أشعار كثيرة فمنها قول كعب بن مالك يذكر عزيمة أبي سفيان على الرجوع ومبلغ عددهم
إذا جاء منهم راكب كان قوله ... اعدوا لما يزجى ابن حرب ويجمع
ونحن أناس لا نرى القتل سبة ... على كل من يحمى الذمار ويمنع
بني الحرب أن نظفر فلسنا بمفحش ... ولا نحن في اظفارها نتوجع
فجئنا إلى موج من البحر وسطه ... أحابيش منهم حاسر ومقنع
ثلاثة آلاف ونحن نصيبه ... ثلاث مإين إن كثرنا وأربع
وفيه يقول ابن الزبعري
يا غراب البين أنعمت فقل ... إنما تنطق شيئا قد فعل
نضع الأسياف في أكتافهم ... وكذاك الحرب أحيانا دول
إن للخير وللشر مدى ... وكلا ذاك وجيه وقبل
والعطيات خساس بينهم ... وسواء قبر مثر ومقبل
كل عيش ونعيم زائل ... وبنات الدهر يلعبن بكل

(1/247)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية