صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : مروج الذهب
المؤلف : المسعودي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

قال الهيثم بن عدي: كنت في مجلس المهدي، فأتاه الحاجب فقال: ابن أبي حفصة بالباب، فقال: لا تأذن له فأنه منافق كذاب، فكلمه الحسن بن قحطبة فيه، فأدخله، فقال له المهدي: يا فاسق ألست القائل في معن:
جبل تلوذ به نزار كلها ... صعب الذرى متمنع الأركان
قال: بل أنا الذي أقول فيك يا أمير المؤمنين:
يا ابن الذي ورث النبي محمدا ... دون الاقارب من ذوي الأرحام
وأنشده الأبيات كلها، فرضي عنه وأجازه.
بين المهدي وسفيان الثوري
وقال القعقاع بن حكيم: كنت عند المهدي، واتى سفيان الثوري، فلما دخل عليه سلم تسليم العامة، ولم يسلم تسليم الخلافة، والربيع قائم على رأسه متكىء على سيفه يرقب أمره، فأقبل المهدي بوجه طلق وقال له: يا سفيان، تفر منا ههنا وههنا وتظن أنا لواردناك بسوء لم نقدر عليك، فقد قدرنا عليك الان، أفما تخشى ان نحكم فيك بهوانا؟ قال سفيان: ان تحكم في يحكم فيك ملك قادر يفرق بين الحق والباطل، فقال له الربيع: يا أمير المؤمنين، ألهذا الجاهل ان يستقبلك بمثل هذا؟ ائذن لي ان أضرب عنقه، فقال له: اسكت ويلك، ما يريد هذا وأمثاله الا ان نقتلهم فنشقى بسعادتهم، اكتبوا بعهده على قضاء الكوفة، على ان لا يعترض عليه في حكم، فكتب عهمه ودفعه إليه، فأخذه وخرج ورمى به في الدجلة وهرب، فطلب في كل بلد، فلم يوجد.
رؤيا المهدي قبيل وفاته
وقال علي بن يقطين: كنا مع المهدي بما سبذان، فقال لي يوما: أصبحت جائعا فأتني بأرغفة ولحم بارد، ففعلت، فأكل ثم دخل البهو ونام، وكنا نحن في الرواق، فأنتبهنا لبكائه، فبادرنا إليه مسرعين، فقال أما رأيتم ما رأيت. قلنا: ما رأينا شيئا، قال: وقف علي رجل لو كان في ألف رجل ماخفي على صوته ولا صورته فقال:
كأني بهذا القصر قد باد أهله ... واوحش منه ربعه ومنازله
وصارعميد القوم من بعد بهجة ... وملك إلى قبرعليه جنادله
فلم يبق إلاذكره وحديثه ... تنادي عليه معولات حلائله
قال علي: فما أتت على المهدي بعد رؤياه إلا عشرة أيام حتى توفي.
وفاة زفر بن الهذيل وجماعة من العلماء
قال المسعودي: وكانت وفاة زفر بن الهذيل ألفقيه صاحب أبي حنيفة النعمان بن ثابت سنة ثمان وخمسين ومائة، وفيها كانت بيعة المهدي كما قدمناه.
ومات سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري بالبصرة، وكان من تميم، وهو ابن ثلاث وستين سنة، ويكنى أبا عبد الله، في أيام المهدي، وذلك في سنة احدى وستين ومائة.
ومات ابن أبي ذئب، وهو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة، ويكنى أبا الحارث، بالكوفة سنة تسع وخمسين ومائة، وذلك في أيام المهدي.
وفي سنة ستين ومائة مات شعبة بن الحجاج، ويكنى أبا بسطام، وهو مولى لبني شقرة من الأزد، وفيها توفي عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، وفي سنة ست وستين ومائة مات حماد بن سلمة في أيام المهدي.
قال المسعودي: وللمهدي أخبار حسان، ولما كان في أيامه من الكوائن والحروب وغيرها، قد أتينا على مبسوطه في الكتاب الأوسط، وكذلك من مات في سلطانه من الفقهاء وأصحاب الحديث وغيرهم، وبالله التوفيق.
ذكر خلافة موسى الهادي
وبويع موسى بن محمد الهادي يوم الخميس لسبع بقين من المحرم، وهو ابن أربع وعشرين سنة وثلاثة اشهر، صبيحة الليلة التي كانت فيها وفاة ولده المهدي، وذلك في سنة تسع وستين ومائة، وتوفي بعيسا باذ نحو مدينة السلام سنة سبعين ومائة، لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول من هذه السنة، وكانت خلافته سنة وثلاثة اشهر، وكان يكنى أبا جعفر، وأمه الخيزران بنت عطاء، أم ولد حرشية، وهي أم الرشيد، وأتته البيعة وهو ببلاد طبرستان وجرجان في حرب كانت هناك، فركب البريد وقد أخذا له أخوه هارون البيعة. وفي ذلك يقول بعض الشعراء:
لما أ تت خير بني هاشم ... خلافه الله بجرجان
شمرللحرب سرابيله ... برأي لا غمرولا وان
ذكر جمل من أخباره وسيره
ولمع مما كان في أيامه
أوصاف الهادي

(1/492)


كان موسى قاسي القلب، شرس الاخلاق، صعب المرام، كثير الأدب، محبا له، وكان شديدا، شجاعا بطلا جوادا، سخيا. حدث يوسف بن إبراهيم الكاتب وكان صاحب إبراهيم بن المهدي، عن إبراهيم، أنه كان واقفا بين يديه وهو على حمار له ببستانه المعروف به ببغداد إذ قيل له: قد ظفر برجل من الخوارج، فأمر بادخاله، فلما قرب منه الخارجي أخذا سيفا من بعض الحرس، فأقبل يريد موسى، فتنحيت وكل من معي عنه، وأنه لواقف على حماره ما يتحلحل، فلما أن قرب منه الخارجي صاح موسى: أضربا عنقه، وليس وراءه أحد، فأوهمه، فألتفت الخارجي لينظر، وجمع موسى نفسه ثم ظهر عليه فصرعه، فأخذ السيف من يده، فضرب عنقه، قال: فكان خوفنا منه أكثر من الخارجي، فوالله ما انكر علينا تنحينا، ولا عذلنا على ذلك، ولم يركب حمارا بعد ذلك اليوم، ولا فارقه سيفه.
بين المهدي وعيسى بن دأب
وكان عيسى بن دأب يجالسه، وكان من أهل الحجاز، وكان أكثر أهل عصره أدبا وعلما ومعرفة بأخبار الناس، وأيامهم، وكان المهدي يدعو له مئكأ ولم يكن غيره يطمع منه في ذلك، وكان يقول له: يا عيسى، ما استطلت بك يوما ولا ليلة، ولا غبت عني الا ظننت إني لا أرى غيرك.
جريمة غلام سندي
وذكر عيسى بن دأب أنه رفع إلى الهادي أن رجلا من بلاد المنصورة - من بلاد السند من أشرافهم وأهل الرياسة فيهم من آل الملهب بن أبي صفرة - ربى غلاما سنديا او هنديا، وان الغلام هوي مولاته، فراودها عن نفسها فأجابته فدخل مولاه فوجدها معه بجب ذكر الغلام وخصاه، ثم عالجه إلى ان برىء فأقام مدة، وكان لمولاه ابنان أحدهما طفل والاخر يافع، فغاب الرجل عن منزله وقد أخذا السندي الصبيين فصعد بهما إلى أعالي سور الدار إلى ان دخل مولاه فرفع رأسه فأذا هو بابنيه مع الغلام على السور، فقال: يا فلان، عرضت ابني للهلاك، فقال: دع ذا عنك، والله لو لم تحب نفسك بحضرتي لارمين بهما، فقال له: الله الله في وفي ابني، قال: دع عنك هذا، فوالله ماهي الا نفسي، وإني لاسمح بها من شربة ماء، واهوى ليرمي بهما، فأسرع مولاه فأخذا مدية فجب نفسه، فلما رأى الغلام أنه قد فعل رمى بالصبيين فتقطعا، وقال: ذاك الذي فعلت لفعلك بي، وقتل هذين زيادة، فأمر الهادي بالكتاب إلى صاحب السند بقتل الغلام وتعذيبه بأفظع ما يمكن من العذاب، وأمر باخراج كل سندي في مملكته، فرخص في أيامه حتى كانوا يتداولون بالثمن اليسير.
وزراء الهادي
وكان الهادي قد استوزر الربيع، وضم إليه ما كان لعمر بن بزيع من الزمام ثم إنه ولى عمر بن بزيع الوزارة وديوان الرسائل، وافرد الربيع بالزمام، فمات الربيع في هذه السنة، وقيل: ان الهادي سقاه شربة لأجل جارية كان قد وهبها له المهدي قبل ذلك للربيع، وقيل غير ذلك.
ظهور الحسين بن علي بن الحسين
وظهر في أيامه الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، وهو المقتول بفخ، وذلك على ستة أميال من مكة، يوم التروية وكان على الجيش الذي حاربه جماعة من بني هاشم: منهم سليمان بن أبي جعفر، ومحمد بن سليمان بن علي، وموسى بن عيسى، والعباس بن محمد بن علي، في أربعة آلاف فأرس، فقتل الحسين وأكثر من كان معه، وأقاموا ثلاثة أيام لم يواروا حتى أكلتهم السباع والطير، وكان معه سليمان بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي، فأسر في هذا اليوم وضربت رقبته بمكة صبرا، وقتل معه عبد الله بن إسجاق بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي، وأسر الحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي وضرب عنقه صبرا، وأخذا لعبد الله بن الحسن بن علي وللحسين بن علي الأمان، فحبسا عند جعفربن يحى بن خالد بن برمك، وقتلا بعد ذلك، فسخط الهادي على موسى بن عيسى لقتل الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن وترك المصير به إليه ليحكم فيه بما يرى وقبض أموال موسى، وأظهر الذين أتوا بالرأس الاستبشار، فبكى الهادي وزجرهم، وقال: أتيتموني مستبشرين كأنكم أتيتموني برأس رجل من الترك او الديلم، أنه رجل من عترة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألا إن اقل جزائكم عندي ألا اثيبكم شيئا.
من مراثي الحسين بن علي صاحب فخ

(1/493)


وفي الحسين بن علي صاحب فخ، يقول بعض شعراء ذلك العصر من أبيات:
فلأ بكين عل الحسين بعولة وعلى الحسن
وعلى ابن عاتكة الذي ... أ ثووه ليس له كفن
تركوا بفخ غدوة ... في غيرمنزلة الوطن
كانوا كراماقتلوا ... لاطائشين ولاجبن
غسلوا المذلة عنهم ... غسل الثياب من الدرن
هدي العباد بجدهم ... فلهم على الناس المنن
طاعة الهادي لأمه الخيزران
وكان الهادي كثير الطاعة لأمه الخيزران، مجيبا لها فيما تسأل من الحوائج للناس، فكانت المواكب لا تخلو من بابها، ففي ذلك يقول أبو المعافي:
يا خيزران هناك ثم هناك ... أن العباك يسوسهم إبناك
فكلمته ذات يوم في أمر، فلم يجد إلى إجابتها فيه سبيلا، فاعتل عليها بعلة، فقالت: لا بد من إجابتي، قال: لا أفعل، قالت: فأني قد ضمنت هذه الحاجة لعبد الله بن مالك، فغضب الهادي، وقال: ويل لابن الفاعلة، قد علمت أنه صاحبها، والله لاقضيتها لك، قالت: إذا والله لا أسالك حاجة أبدا، قال: إذا والله لا أبالي وحمي وقامت وهي مغضبة، فقال: مكانك، فأستوعبي كلامي، والله، وإلا نفيت من قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لئن بلغني أنه وقف ببابك أحد من قوادى، او من خاصتي، او من خدمي، لاضربن عنقه، ولاقبضن ماله، فمن شاء فليلزم ذلك، ما هذه المواكب التي تغدو إلى بابك كل يوم، أما لك مغزل يشغلك، او مصحف يذكرك، او بيت يصونك. أياك ثم أياك ان تفتحي فاك في حاجة لمسلم ولاذمي، فأنصرفت وما تعقل ما تطأ، فلم تنطق عنده بحلو ولا مر بعدها.
أخذا العباسيون ثأر بني هاشم من بني مروان
وذكر ابن دأب، قال: دعاني الهادي في وقت من الليل لم تجر العادة أنه يدعوني في مثله، فدخلت إليه، فإذا هو جالس في بيت صغير شتوي، وقدامه جزء صغيرينظر فيه، فقال لي: يا عيسى، قلت: لبيك يا أمير المؤمنين، قال: إني أرقت في هذه الليلة، وتداعت الي الخواطر، واشتملت علي الهموم، وهاج لي ما جرت إليه بنو أمية من بني حرب وبني مروان في سفك دمائنا، فقلت: يا أمير المؤمنين، هذا عبد الله بن علي قد قتل منهم على نهرأبي فطرس فلانا وفلانا حتى أتيت على تسمية أكثرمن قتل منهم، وهذا عبد الصمد بن علي قد قتل منهم بالحجاز في وقت نحو ما قتل عبد الله بن علي، وهو القائل بعد سفكه دماءهم:
ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها ... أخذي بثأري من بني مروان
ومن آل حرب، ليت شيخي شاهد ... سفكي دماء بني أبي سفيان
قال ابن دأب: فسر والله الهادي، وظهرت منه أريحية، فقال: يا عيسى داود بن علي هو ألف القائل ذلك والقاتل لمن ذكرت بالحجاز، ولقد اذكرتنيهما، حتى كإني ما سمعتهما، قلت: يا أمير المؤمنين، وقد قيل: أنهما لعبد الله بن علي قالهما على نهرأبي فطرس، قال: قد قيل ذلك.
بعض فضائل مصر وبعض أخبارها وبعض عيوبها

(1/494)


قال ابن دأب: ثم تغلغل بنا الكلام والحديث إلى أخبار مصر وعيوبها وفضائلها وأخبار نيلها، فقال لي الهادي: فضائلها أكثر، قلت: يا أمير المؤمنين هذه دعوى المصريين لها بغير برهان اوردوه، والبينة على الدعوى، وأهل العراق يأبون هذه الدعوى، ويذكرون ان عيوبها أكثر من فضائلها، قال: مثل مإذا. قلت: يا أمير المؤمنين من عيوبها أنها لا تمطر، وإذا أمطرت كرهوا ذلك، وابتهلوا إلى الله بالدعاء وقد قال عز وجل: " وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته " فهذه رحمة مجللة لهذا الخلق وهم لها كارهون، وهي لهم ضارة غير موافقة لا يزكو عليها زرعهم ولا تخضب عليها أرضهم، ومن عيوبها الريح الجنوبية التي يسمونها المريسية، وذلك ان أهل مصر يسمون أعالي الصعيد إلى بلاد النوبة مريس، فإذا هبت الريح المريسية - وهي الجنوبية - ثلاثة عشر يوما تباعا اشترى أهل مصر الأكفان والحنوط وأيقنوا بالوباء القاتل، والبلاء الشامل،.ثم من عيوبها اختلاف هوائها، لأنهم في يوم واحد يغيرون ملابسهم مرارا كثيرة، فيلبسون القمص مرة، والمبطنات أخرى، والحشو مرة، وذلك لاختلاف جواهر الساعات بها، ولتباين مهاب الهواء فيها في سائر فصول السنة من الليل والنهار، وهي تمير ولا تمتار، فأذا اجدبوا هلكوا. وأما نيلها نكفاك الذي هو عليه من الخلاف لجميع الأنهار، من الصغار والكبار، وليس بالفرات ولا الدجلة ولا نهر بلخ ولا سيحان ولا جيحان شيء من التماسيح، وهي في نيل مصرضارة بلامنفعة، ومفسدة غير مصلحة، وفي ذلك يقول الشاعر:
أظهرت للنيل هجرانا ومقلية ... إذ قيل لي إنما التمساح في النيل
فمن رأى النيل رأي الحين من كثب ... فما أرى النيل إلا في النواقيل
قال: ويحك!! ما النواقيل التي ترى النيل فيها. قلت: القلال والكيزان يسمونها بهذا الاسم، قال: وما مراد الشاعر فيما وصف، قال: لأنه لا يتمتع بالماء إلا في الآنية، لخوف مباشرة الماء في النيل من التمساح، لأنه يختطف الناس وسائر الحيوان، قال: ان هذا النهر قد منع هذا النوع من الحيوان مصالح الناس منه، وقد كنت متشوقا إلى النظر إليها، فلقد زهدتني عنها بوصفك لها.
قال ابن دأب: ثم سالذي الهادي عن مدينة دنقلة، وهي دار مملكة النوبة، كم المسافة بينها وبين اسوان، قلت: قد قيل أربعون يوما على شاطىء النيل عمائرمتصلة.
بين البصرة والكوفة:
قال ابن دأب: ثم قال لي الهادي: أيها يا ابن دأب، دع عنك ذكر المغرب وأخباره، وهلم بنا إلى ذكر فضائل البصرة والكوفة وما زادت به كل واحدة منهما على الأخرى، قال: ذكر عن عبد الملك بن عمير، أنه قال: قدم علينا الاحنف بن قيس الكوفة مع مصعب بن الزبير، فما رأيت شيخا قبيحا إلا ورأيت في وجه الاحنف منه شبها، كان صعل الرأس، أجخى العين، أعصف الاذن، باخق العين، ناتىء الوجه، مائل الشدق، متراكب الاسنان، خفيف العارضين، أحنف الرجل، ولكنه كان إذا تكلم جلى على نفسه، فجعل يفاخرنا ذات يوم بالبصرة ونفاخره بالكوفة، فقلنا الكوفة اغذى وأمرا وافسح وأطيب، فقال له رجل: والله ما اشبه الكوفة الا بشابة صبيحة الوجه كريمة الحسب ولا مال لها، فإذا ذكرت ذكرت حاجتها، فكف عنها طالبها، وما أشبه البصرة إلا بعجوز ذات عوارض موسرة، فإذا ذكرت ذكر يسارها، وذكرت عوارضها، فكف عنها طالبها، فقال الأحنف: أما البصرة فإن أسفلها قصب، وأوسطها خشب، وأعلاها رطب، نحن أكثر ساجا وعاجا وديباجا، ونحن أكثر قندا، ونقدا، والله ما أتي البصرة إلا طائعا، ولا أخرج منها الا كارها، قال: فقام إليه شاب من بكربن وائل فقال: يا أبا بحر، بم بلغت في الناس ما بلغت. فوالله ما أنت بأ جملهم، ولا بأ شرفهم، ولا بأشجعهم، قال: يا ابن أخي، بخلاف ما أنت فيه، قال: وما ذاك، قال: بتركي ما لا يعنيني كما عناك من أمري ما لا ينبغي ان يعنيك.
قال المسعودي: ولابن دأب مع الهادي أخبار حسان يطول ذكرها، ويتسع علينا شرحها، ولا يتأتى لنا أيراد ذلك في هذا الكتاب، لاشتراطنا فيه على أنفسنا الإختصار والإيجاز بحذف الاسإنيد وترك إعادة الألفاظ.

(1/495)


ولأهل البصرة وأهل الكوفة ومن شرب من دجلة مناظرات كثيرة في مياههم ومنافعها ومضارها، منها ما عاب به أهل الكوفة أهل البصرة، فقالوا: ماؤكم كدر زهك زفر، فقال لهم أهل البصرة: من أين يأتي ماءنا الكدروماء البحر صاف وماء البطيحة صاف، وهما يمتزجان وسط بلادنا، قال الكوفيون: من طباع الماء العذب الصافي إذا خالط ماء البحر صارا جميعا إلى الكدورة، وقد يروق الإنسان ماء أربعين ليلة، فإن جعل شه شيئا في قارورة أ زبد وتكدر.
وقد افتخر أهل الكوفة بمائهم - الذي هو الفرات - على ماء دجلة، - هو ماء البصرة! فقالوا: ماؤنا أعذب المياه وأغذاها، وهو أصح للاجسام من ماء دجلة، والفرات خير من النيل، فأما دجلة فأن ماءها يقطع شهوة لرجال، ويذهب بصهيل الخيل، ولا يذهب بصهيلها إلا مع ذهاب نشاطها، ونقصان قواها، وان لم يتدسم النازلون عليها اصابهم قحول في عظامهم ويبس في جلودهم، وسائر من نزل من العرب على دجلة لا يكادون يسقون خيلهم منها ويسقونها من الأبار والركاء، لاختلاط مياهها - واختلاف أنواعها إذ ليست بماء واحد لمصب الأنهار إليها كالزابين غيرهما، وسبيل المشروب غير المأكول، لان اختلاف الماكل غير ضار، واختلاف الأشربة كالخمر والنبيذ وغيره من الأنبذة إذا شربه الإنسان كان ضارا، وإذا كان فضيلة مائنا على دجلة فما ظنك بفضيلته على ماء البصرة هو يختلط بماء البحر، ومن الماء المستنقع في أصول القصب الهروي،وقد قال الله تعإلى: " هذا عذب فرات، وهذا ملح أجاج " والفرات أعذب المياه عذوبة، وإنما اشتق الفرات لكل ماء عذب من ماء الكوفة.
وقد طعن أيضا أهل الكوفة على أهل البصرة، فقالوا: البصرة أسرع الأرض خرابا، وأخبثها ترابا، وأبعدها من السماء، وأسرعها غرقا.
وقد أجاب أهل البصرة أهل الكوفة عما سألوا عنه وعابوهم به، وكذلك من شرب من دجلة، وعابوا أهل الكوفة، وذكروا عيوبها، وما يؤثر عن سكانها من الشح على المأكول والمشروب والغدر وقلة الوفاء.
وقد أتينا على وصف جميع ذلك في كتابنا أخبار الزمان وكذلك أتينا على خواص الأرض والمياه، وفصول السنة، وانقسام الآقاليم، وما لحق بهذه المعاني، فيما سلف من كتبنا على الشرح والإيضاح، وذكرنا في هذا الكتاب من جميع ذلك لمعا.
فلنزجع الآن إلى أخبار الهادي ونعدل عن هذا السانح.
رغبة الهادي في خلع الرشيد من ولاية العهد
وقد كان الهادي أرادا ان يخلع أخاه الرشيد من ولاية العهد، ويجعلها لابنه جعفر بن موسى، وحبس يحيى بن خالد البرمكي، وأرادا قتله، فقال له يحيى وكان القيم بأمر الرشيد: يا أمير المؤمنين، أرأيت ان كان ما أسال الله ان يعيذنا منه، وان لا يبلغناه، وينسأ في أجل أمير المؤمنين، أيظن ان الناس يسلمون لجعفربن أمير المؤمنين الأمر ولم يبلغ الحنث، ويرضون به لصلاتهم وحجهم وغزوهم. قال: ما اظن ذلك، قال: فثأمن أن يسموا إليها جلة أهل بيتك فتخرج من ولد أبيك إلى غيرهم. فتكون قد حملت الناس على النكث، وهونت عليهم أيمانهم، ولو تركت بيعة أخيك على حالها، وبويع لجعفر بعده كان آكد، فإذا بلغ مبلغ الرجال سألت أخاك أن يقدمه على نفسه، قال: نبهتني والله على أمر لم اكن قد أنتبهت له، ثم عزم بعد ذلك على خلعه رضي أم كره، وأمر بالتضييق عليه في الأكثر من أموره، فأشار عليه يحيى أن يستأذنه في الخورج إلى الصيد، وان يطيل التشاغل بذلك، فإن مدة موسى قصيرة على ما أوجبته قضية

(1/496)


المولد، واستأذنه الرشيد، فأذن له، فسار إلى شاطىء الفرات من بلاد الأنبار وهيت، وتوسط البر مما يلي السماوة، وكتب الهادي إليه يأمره بالقدوم فأكثر الرشيد التعلل، وبسط الهادي لسانه في شتمه، وسنح للهادي الخروج نحو بلاد الحديثة، فمرض هناك، وانصرف وقد ثقل في العلة، فلم يجسر أحد من الناس على الدخول عليه إلاصغار الخدم، ثم أشار إليهم أن يحضروا الخيزران أمه، فصارت عند رأسه، فقال لها: أنا هالك في هذه الليلة، وفيها يلي أخي هارون، وأنت تعلمين ما قضى به أصل مولدي بالري، وقد كنت أمرتك بأشياء ونهيتك عن أخرى، مما اوجبته سياسة الملك، لا موجبات الشرع من برك، ولم اكن بك عاقا، بل كنت لك صائنا وبرا واصلا، ثم قضى قابضا على يدها، واضعا لها على صدره. وكان مولده بالري: وكذلك مولد هرون الرشيد، فكانت تلك الليلة فيها وفاة الهادي، وولآية الرشيد، ومولد المأمون.
الهادى ورجل ذو ذنوب
ويقال: إن الهادي أوقف بين يديه رجلا من أولياء الدولة ذا أجرام كثيرة، فجعل الهادي يذكره ذنوبه، فقال له الرجل: يا أمير المؤمنين، اعتذاري مما تقرعني به رد عليك، وإقراري بما ذكرت يوجب ذنبا علي، ولكني أقول:
فإن كنت ترجو في العقوبة راحة ... فلا تزهدن عند المعافاة في الأجر
فأطلقه ووصله.
بين الهادي والرشيد
وحدث عدة من الأخباريين من ذوي المعرفة بأخبار الدولة، أن موسى قال لهارون أخيه: كأنى بك تحدث نفسك بتمام الرؤيا، وتؤمل ما أنت عنه بعيد، ومن دون ذلك خرط القتاد، فقال له هارون: يا أمير المؤمنين من تكبر وضع، ومن تواضع رفع، ومن ظلم خذل، وإن وصل الأمر إلي وصلت من قطعت، وبررت من حرمت، وصيرت أولادك أعلى من أولادي، وزوجتهم بناتي، وقضيت بذلك حق الإمام المهدي، فأنجلى عن موسى الغضب، وبان السرور في وجهه، وقال: ذلك الظن بك يا أب جعفر، ادن مني، فقام هارون فقبل يده، ثم ذهب ليعود إلى مجلسه، فقال موسى: والشيخ الجليل، والملك النبيل، لا جلست إلا معي في صدر المجلس، ثم قال: يا خزاني! احمل إلى أخي الساعة ألف ألف دينار، فإذا فتح الخراج فاحمل إليه نصفه، فلما أرادا هارون الانصراف قدمت دابته إلى البساط.
رؤيا المهدي لولديه الهادي والرشيد
قال عمرو الرومي: فسألت الرشيد عن الرؤيا، فقال: قال المهدي: رأيت في منامي كأني دفعت إلى موسى قضيبا، وإلى هارون قضيبا، فأما قضيب موسى فأورق أعلاه قليلا: وأما قضيب هارون فأورق من أوله إلى آخره، فقص الرؤيا على الحكيم بن إسجاق الصيمري، وكان يعبرها، فقال له: يملكان جميعا، فأما موسى فتقل أيامه، وأما هارون فيبلغ أخر ما عاش خليفة، وتكون أيامه أحسن الأيام، ودهره احسن الدهور.
قال عمرو الرومي: فلما أفضت الخلافة إلى هارون زوج حمدونة ابنته من جعفربن موسى، وفاطمة من إسماعيل بن موسى، ووفى له ما وعده.
حاز الهادي سيف عمرو بن معد يكرب الصمصامة
المهدي موسى الهادي سيف عمرو بن معد يكرب الصمصامة فدعا به موسى بعد ما ولي الخلافة، فوضعه بين يديه، وملء مكتل دنإنير، وقال لحاجبه: ائذن للشعراء، فلما دخلوا أمرهم أن يقولوا في السيف، فبدأهم ابن يامين البصري فقال:
حاز صمصأمة الزبيدي عمرو ... من جميع الأنام موسى الأمين
سيف عمرو، وكان فيما سمعنا ... خيرما أغمدت عليه الجفون
اوقدت فوقه الصواعق نارا ... ثم شابت فيه الذعاف المنون
وإذا ما شهرته تبهر الشمس ... ضياء فلم تكد تستبين
وكأن الفرند والجوهر الجا ... ري في صفحتيه ماء معين
ما يبالي إذا الضريبة حانت ... أشمال سطت به أم يمين
وهي أبيات كثيرة، فقال له الهادي: لك السيف والمكتل، فخذهما، ففرق المكتل على الشعراء، وقال: دخلتم معي وحرمتم من أجلي، وفي السيف عوض، ثم بعث إليه الهادي فأشترى منه السيف بخمسين ألفا.

(1/497)


وللهادي أخبار حسان وإن كانت أيامه قصرت، وقد أتينا على ذكرها في كتابينا أخبار الزمان والأوسط، وبالله التأييد.
ذكر خلافة هارون الرشيد
بويع هارون الرشيد بن المهدي يوم الجمعة صبيحة الليلة التي مات فيها الهادي، بمدينة السلام، وذلك لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ربيع الأول سنة سبعين ومائة، ومات بطوس بقرية يقال لها سناباذ، يوم السبت لأربع ليال خلون من جمادي الاخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة، فكانت ولآيته ثلاثا وعشربن سنة وستة اشهر، وقيل: ثلاثا وعشرين سنة وشهرين وثمانية عشر يوما وولي الخلافة وهو ابن أحدى وعشرين سنة وشهرين ومات وهو ابن أربع وأربعين سنة وأربعة اشهر.
ذكر جمل من أخباره وسيره
ولمع مما كان في أيامه
الرشيد يستوزر يحيى بن خالد البرمكي
ولما افضت الخلافة إلى الرشيد دعا بيحيى بن خالد فقال له: يا ابت، أنت أجلستني في هذا المجلس ببركتك ؤيمنك وحسن تدبيرك، وقد قلدتك الأمر، ودفع خاتمه إليه، ففي ذلك يقول الموصلي:
ألم ترأن الشمس كانت سقيمة ... فلما ولى هارون أشرق نورها
بيمن أمين الله هارون ذي الندى ... فهرون واليها، ويحيى وزيرها
وماتت ريطة بنت أبي العباس السفاح لشهور خلت من أيام الرشيد، وقيل: في آخر أيام الهادي، وماتت الخيزران أم الهادي والرشيد في سنة ثلاث وسبعين ومائة، ومشى الرشيد أمام جنازتها، وكانت غلة الخيزران مائة ألف ألف وستين ألف ألف درهم، وفيها مات محمد بن سليمان، وقبض الرشيد أمواله بالبصرة وغيرها، فكان مبلغها نيفا وخمسين ألف ألف درهم سوى الضياع والدور والمستغلات، وكان محمد بن سليمان يغل كل يوم مائة ألف درهم.
محمد بن سليمان وسوار القاضي يعترضهما مجنون
وحكي أن محمد بن سليمان ركب يوما بالبصرة وسوار القاضي يسايره في جنازة ابنة عم له، فأعترضه مجنون كان بالبصرة يعرف. برأس النعجة، فقال له: يا محمد، أمن العدل أن تكون نحلتك في كل يوم مائة ألف درهم وأنا اطلب نصف درهم فلا أقدر عليه؟ ثم التفت إلى سوار فقال: إن كان هذا عدلا فأنا أكفر به، فأسرع إليه غلمان محمد، فكفهم عنه، وأمر له بمائة درهم، فلما انصرف محمد وسوار معه اعترضه رأس النعجة فقال له: لقد كرم الله منصبك، وشرف أبوتك، وحسن وجهك، وعظم قدرك، وأرجو أن يكون ذلك لخير يريده الله بك، ولان يجمع الله لك الدارين، فدنا منه سوار فقال: يا خبيث، ما كان هذا قولك في البداءة، فقال له: سألتك بحق الله وبحق الأمير إلاما أخبرتني في أي سورة هذه الآية: " فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون " قال: في براءة، قال: صدقت، فبرىء الله ورسوله منك، فضحك محمد ابن سليمان حتى كاد يسقط عن دابته.
ولما بنى محمد بن سليمان قصره على بعض الأنهار دخل إليه عبد الصمد بن شيب بن شبة، فقال له محمد: كيف ترى بنائي؟ قال: بنيت أجل بناء، بأطيب فناء، وأوسع فضاء، وأرق هواء، على احسن ماء، بين صراري وحسان وظباء، فقال محمد: بناء كلامك أحسن من بنائنا، وقيل: أن صاحب الكلام والباني للقصر هو عيسى بن جعفر، على ما حدث به محمد بن زكرياء الغلابي، عن الفضل بن عبد الرحمن بن شبيب بن شبة، وفي هذا القصر يقول ابن أبي عيينة:
زروادي القصر، نعم القصر والوادي ... لا بد من زورة من غير ميعاد
زره فليس له شبه يقاربه ... من منزل حاضر ان شئت أو باد
ترقى قراقيره والعيس واقفة ... والضب والنون والملاح والحادي
وفي سنة خمس وسبعين ومائة مات الليث بن سعد، المصري، الفهمي، ويكنى أبا الحارث، وهو ابن اثنتين وثمانين سنة، وكان قد حج سنة ثلاث عشرة ومائة وسمع من نافع.
موت شريك النخعي القاضي

(1/498)


وفي سنة خمس وسبعين ومائة مات شريك بن عبد الله بن سنان النخعي القاضي، وكان يكنى أبا عبد الله، وهو ابن اثنتين وثمانين سنة، وكان مولده ببخارى، وليس بشريك بن عبد الله بن أبي أنمر الليثي، لان ابن أبي أنمر مات في سنة أربعين ومائة، وإنما ذكرنا ذلك لأنهما يتشابهان في الأباء والأمهات، وبينهما تسع وثلاثون سنة، وكان شريك بن عبد الله النخعي يتولى القضاء بالكوفة أيام المهدي، ثم عزله موسى الهادي، وكان شريك مع فهمه وعلمه ذكيا فطنا، وكان قد جرى بينه وبين مصعب بن عبد الله كلام بحضرة المهدي فقال له مصعب: أنت تنتقص أبا بكر وعمرو، فقال: ولله ما أنتقص صلك وهو دونهما.
وذكر معاوية عند شريك بالحلم، فقال: ليس بحليم من سفه الحق وقاتل علي بن أبي طالب.
وشم من شريك رائحة النبيذ، فقال له أصحاب الحديث: لوكانت هذه الرائحة منا لاستحيينا، فقال: لأنكم أهل الريبة.
موت مالك بن أنس الإمام
ومات في أيام الرشيد أبو عبد الله مالك بن انس بن أبي عأمر، الأصبحي، وهو ابن تسعين سنة، وحمل به ثلاث سنين، وذلك في ربيع الأول، وقيل: أنه صلى عليه ابن أبي ذئب، على ما ذكر من التنازع في وفاة ابن أبي ذئب، وذكر الواقدي أن مالكا كان يأتي المسجد، ويشهد الصلوات والجمع والجنائز، ويعود المرضى، ويقضي الحقوق، ثم ترك ذلك كله، ثم قيل له فيه، فقال: ليس كل انسان يقدرأن يتكلم بعذره.
وسعى به إلى جعفربن سليمان، وقيل له: أنه لا يرى أيمان بيعتكم شيئا فضربه بالسياط، ومذ لذلك حتى انخلع كتفأه.
وفي السنة التي مات فيها مالك كانت وفاة حماد بن زيد، وهي سنة تسع وسبعين ومائة.
وفي سنة إحدى وستين ومائة مات عبد الله بن المبارك، المروزي، الفقيه، بهيت بعد منصرفه من طرسوس.
القاضي أبو يوسف
وفي سنة اثنتين وثمانين ومائة مات أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم القاضي وهو ابن تسع وستين سنة، وهو رجل من الأنصار، وولي القضاء سنة ست وستين ومائة في أيام خروج الهادي إلى خرجان، وأقام على القضاء إلى ان مات خمس عشرة سنة.
قال المسعودي: وقد كانت أم جعفر كتبت مسألة إلى أبي يوسف تستفتيه فيها، فأفتاها بما وافق مرادها على حسب ما أوجبته الشريعة عنده وأداه اجتهاده إليه، فبعثت إليه بحق فضة فيه حقان من فضة في كل حق لون من الطيب، وجام ذهب فيه دراهم، وجام فضة فيه دنإنير، وغلمان وتخوت من ثياب، وحمار وبغل، فقال له بعض من حضره: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من أهديت له هدية فجلساؤه شركاؤه فيها " فقال أبو يوسف: تأولت الخبر على ظاهره، والاستحسان قد منع من إمضائه، ذاك إذ كان هدايا الناس التمر واللبن، لا في هذا الوقت وهدايا الناس اليوم العين والورق وغيره، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
بين عبد الله بن مصعب الزبيري وموسى بن عبد الله بن الحسن الطالبي
بحضرة الرشيد
وذكر الفضل بن الربيع قال: صار إلي عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، فقال: إن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي قد أراداني على البيعة له، فجمع الرشيد بينهما، فقال الزبيري لموسى: سعيتم علينا وأردتم نقض دولتنا، فالتفت إليه موسى فقال: ومن أنتم؟ فغلب على الرشيد الضحك حتى رفع رأسه إلى السقف حتى لا يظهر منه، ثم قال موسى يا أمير المؤمنين، هذا الذي ترى المشنع علي خرج والله مع أخي محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسنبن علي علي جدك المنصور، وهو القائل من أبيات:
قوموا ببيعتكم ننهض بطاعتنا ... إن الخلافة فيكم يا بني حسن

(1/499)


في شعر طويل، وليس سعايته يا أمير المؤمنين حبا لك، ولا مراعاة لدولتك، ولكن بغضا لنا جميعا أهل البيت، ولو وجد من ينتصر به علينا جميعا لكان معه، وقد قال باطلا وأنا مستحلفه، فأن حلف إني قلت ذلك فدمي لأمير المؤمنين حلال فقال الرشيد احلف له يا عبد الله، فلما أراده موسى على اليمين تلكأ وامتنع، فقال له الفضل: لم تمنع وقد زعمت آنفأ أنه قال لك ما ذكرته، قال عبد الله: فأنا أحلف له، قال موسى: قل تقلدت الحول والقوة دون حول الله وقوته إلى حولي وقوتي إن لم يكن ما حكيته عني حقا، فحلف له، فقال موسى: الله اكبر، حدثني أبي عن جدي عن أبيه عن جده علي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه قال " ما حلف أحد بهذه اليمين وهو كاذب إلا عجل الله له العقوبة قبل ثلاثة " والله ما كذبت ولا كذبت، وها أنا يا أمير المؤمنين بين يديك وفي قبضتك، فتقدم بالتوكيل علي، فإن مضت ثلاثة أيام ولم يحدث على عبد الله بن مصعب حادث فدمي لأمير المؤمنين حلال، فقال الرشيد للفضل: خذ بيد موسى فليكن عندك حتى أنظرفي أمره.
قال الفضل: فوالله ما صليت العصر من ذلك اليوم حتى سمعت الصراخ من دار عبد الله بن مصعب، فأمرت من يتعرف خبره، فعرفت إنه قد أصابه الجذام، وإنه قد تورم واسود، فصرت إليه، فوالله ما كدت أعرفه لإنه صار كالزق العظيم ثم اسود حتى صار كالفحم، فصرت إلى الرشيد فعرفته خبره، فما إنقضى كلامي حتى أتى خبر وفاته، فبادرت بالخروج، وأمرت بتعجيل أمره والفراغ منه، وتوليت الصلاة عليه، فلما دلوه في حفرته لم يستقر فيها حتى انخسفت به وخرجت منه رائحة مفرطة النتن، فرأيت أحمال شوك تمر في الطريق فقلت: علي بذلك الشوك، فأتيت به، فطرح في تلك الوهدة، فما استقر حتى انخسفت ثانية، فقلت علي بألواح ساج، فطرحت على موضع قبره، ثم طرح التراب عليها، وانصرفت إلى الرشيد فعرفته الخبر وما عاينت من الأمر فأكثر التعجب من ذلك، وأمرني بتخلية موسى بن عبد الله رضي الله عنه، وإن أعطيه ألف دينار، وأحضر الرشيد موسى فقال له: لم عدلت عن اليمين المتعارفة بين الناس؟ قال: لإنا روينا عن جدنا رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم " من حلف بيمين مجد الله فيها استحيا الله من تعجيل عقوبته. وما من أحد حلف بيمين كاذبة نازع الله فيها حوله وقوته إلا عجل الله له العقوبة قبل ثلاث " .
وقيل: إن صاحب هذا الخبر هو يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي أخو موسى بن عبد الله، ورضوان الله عليهم!.
وكان يحيى قد سار إلى الديلم مستجيرا، فباعه صاحب الديلم من عامل الرشيد بمائة ألف درهم، فقتل، رحمه الله!.
وقد روي من وجه آخر على حسب تباين النسخ وطرق الرواية في ذلك في كتب الأنساب والتواريخ إن يحيى ألقي في بركة فيها سباع قد جوعت، فأمسكت عن أكله، ولاذت بناحية، وهابت الدنو إليه، فبنى عليه ركن بالجص والحجر وهو حي.
ظهور محمد بن جعفر، ثم هربه إلى المغرب
وقد كان محمد بن جعفربن يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي كرم الله وجهه سار إلى مصر، فطلب، فدخل المغرب، واتصل ببلاد تهرت السفلى، واجتمع إليه خلق من الناس، فظهر فيهم بعدل وحسن استقامة، فمات هنالك مسموما، وقد أتينا على كيفية خبره وما كان من أمره في كتاب حدائق الأذهان، في أخبار أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وتفرقهم في البلدان.
الرشيد يحج آخر حجة
وفي سنة ثمانية وثمانين ومائة حج الرشيد، وهي آخر حجة حجها، فذكر عن أبي بكر بن عياش وكان من عليه أهل العلم إنه قال وقد اجتاز الرشيد بالكوفة فدب حال منصرفه من هذه الحجة: لا يعود إلى هذه الطريق، ولا خليفة من بني العباس بعده أبدا، فقيل له: أضرب من الغيب؟ قال: نعم، قيل: بوحي؟ قال: نعم، قيل: إليك؟ قال: لا، إلى محمد صلى الله عليه وسلم وكذلك أخبر عنه علي رضي الله عنه المقتول في هذا الموضع، وأشار إلى الموضع الذي قتل فيه علي بالكوفة، رضي الله عنه
موت الكسائي ومحمد بن الحسن الشيباني

(1/500)


وفي سنة تسع وثمانين ومائة وذلك في أيام الرشيد مات علي بن حمزة الكسائي صاحب القراءات، ويكنى أبا الحسن، وكان قد شخص مع الرشيد إلى الري فمات بها، وكذلك مات محمد بن الحسن الشيباني القاضي، ويكنى أبا عبد الله، ودفن بالري وهو مع الرشيد، وتطير من وفاة محمد بن الحسن لرؤيا كان رأها في نومه.
يحيى بن خالد سخط الرشيد على عبد الملك بن صالح
وفي هذه السنة كانت وفاة يحيى بن خالد بن برمك.
وفي سنة ثمان وثمانين ومائة كان سخط الرشيد على عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، فحدث يموت بن المزرع عن الرياشي، قال: سمعت الأصمعي يقول: كنت عند الرشيد، وأتى بعبد الملك بن صالح يرفل في قيوده، فلما نظر إليه قال: هيه يا عبد الملك، كأني والله أنظر إليك وشؤبوبها قد همع، وإلى عارضها قد لمع، وكأني بالوعيد قد أقلع عن براجم بلا معاصم، ورؤوس بلا غلاصم، مهلا مهلا بني هاشم، والله سهل لكم الوعر، وصفا لكم الكدر، وألقت إليكم الأمور أزمتها، فخذوا حذركم مني قبل حلول داهية خبوط باليد والرجل، فقال له عبد الملك: أفذا أتكلم أم توأما؟ فقال: توأما، قال: فاتق الله يا أمير المؤمنين فيما ولاك وراقبه في رعاياك التي استرعاك، قد سهلت لك والله الوعور، وجمعت على خوفك ورجائك الصدور، وكنت كما قال أخو جعفر بن كلاب.
ومقام ضيق فرجته ... بلسان أو بيان أوجدل
لو يقوم الذيل أو فياله ... زل عن مثل مقامي أوزحل
قال: فأرادا يحيى بن خالد البرمكي أن يضع من مقام عبد الملك عند الرشيد، فقال له: يا عبد الملك، بلغني إنك حقود، فقال: أصلح الله الوزير!! إن يكن الحقد هو بقاء الخير والشر عندي إنهما لباقيان في قلبي، فالتفت الرشيد إلى الأصمعي، فقال: يا أصمعي حررها فوالله ما احتج أحد للحقد بمثل ما احتج به عبد الملك، ثم أمر به فرد إلى محبسه، ثم التفت إلى الأصمعي، فقال: والله والله يا أصمعي لقد نظرت إلى موضع السيف من عنقه مرارا، يمنعني من ذلك إبقائي على قومي في مثله.
أهديت للرشيد سمكة فمنعها عنه ابن يختيشوع الطبيب
حدث يوسف بن إبراهيم بن المهدي، قال: حدثني سليمان الخادم الخراساني مولى الرشيد، إنه كان واقفا على رأس الرشيد بالحيرة وهو يتغدى إذ دخل عون العبادي، وكان صاحب الحيرة، وفي يده صحفة فيها سمكة منعوتة بالسمن فوضعها بين يديه ومعه محبس قد أتخذ لها، فحاول الرشيد أكل شيء منها فمنعه جبريل بن بختيشوع، وأشار جبريل إلى صاحب المائدة أن يشيلها عن المائدة ويعزلها له، ففطن له الرشيد، فلما رفعت المائدة وغسل الرشيد يده وخرج جبريل أمرني الرشيد باتباعه وإن أكبسه في منزله وهو يأكل فأرجع إليه بخبره، ففعلت ما أمرني به وأحسب إن أمري لم يخف على جبريل فيما تبينت من تحرزه، فإنه صار إلى موضع من دار عون، ودعا بالطعام فأحضر له، وفيه السمكة، فدعا بأقداح ثلاثة، فجعل في واحد منها قطعة من السمك وصب عليها خمرا من خمر طير ناباذ وهي قرية بين الكوفة والقادسية ذات كروم وأشجار ونخل ورياض تخرقها الأنهار من كل القاع من الفرات، شرابها موصوف بالجودة كوصف القطربلي فصبه على السمكة وقال: هذا أكل جبريل، وجعل في قدح آخر قطعة منها، وصب عليها ماء بثلج شديد البرودة، وقال: هذا أكل أمير المؤمنين أعزه الله إن لم يخلط السمك بغيره، وجعل في القدح الثالث قطعة من السمكة وجعل قطعا من اللحم من الوان مختلفة، من شواء ومن حلوى ومن بوارد ويقول، ومن سائر ما قدم إليه من الألوان، من كل واحد منها جزأ يسيرا مثل اللقمة، واللقمتين، وصب عليها ماء بثلج، وقال:

(2/1)


هذا أكل أمير المؤمنين خلط السمك بغيره، من الطعام ودفع الثلاثة الأقداح إلى صاحب المائدة، وقال: احتفظ بها إلى أن ينتبه أمير المؤمنين أعزه الله، ثم أقبل جبريل على السمكة فأكل منها حتى تضلع، وكان كلما عطش دعا بقدح من الخمر الصرف فشربه، ثم نام، فلما انتبه الرشيد من نومه سالذي عما عندي من خبر جبريل، وهل أكل من السمكة شيئا أم لم يأكل، فأخبرته بالخبر، فأمر بإحضار الأقداح الثلاثة فوجد ما في القدح الأول وهو الذي ذكر جبريل إنه أكله وصب عليه الخمر الصرف قد تفتت وانماع واختلط، ووجد ما في القدح الثاني الذي قال جبريل إنه أكل أمير المؤمنين وصب عليه الماء بالثلج قد ربا وصار على النصف مما كان، ونظر إلى القدح الثالث الذي قال جبريل وهذا أكل أمير المؤمنين إن خلط السمك بغيره قد تغيرت رائحته وحدثت له سهوكة شديدة كاد الرشيد أن يتقايأ حين قرب منه، فأمرني بحمل خمسة آلاف دينار إلى جبريل وقال: من يلومني على محبة هذا الرجل الذي يدبرني بهذا التدبير؟ فأوصلت إليه المال.
رؤيا للرشيد يؤمر بالتخلية عن موسى بن جعفر
وذكر عبد الله بن مالك الخزاعي وكان على دار الرشيد وشرطته قال:أاتاني رسول الرشيد في وقت ما جاءني فيه قط، فانتزعني من موضعي، ومنعني من تغيير ثيابي، فراعني ذلك منه فلما صرت إلى الدار سبقني الخادم، فعرف الرشيد خبري، فأذن لي في الدخول عليه، فدخلت، فوجدته قاعدا على فراشه، فسلمت، فسكت ساعة، فطار عقلي وتضاعف الجزع علي ثم قال لي: يا عبد الله، أتدري لم طلبتك في هذا الوقت؟ قلت: لا والله يا أمير المؤمنين، قال: إني رأيت الساعة في منامي كأن حبشيا قد أتاني ومعه حربة فقال لي: إن تخل عن موسى بن جعفر الساعة وإلا نحرتك بهذه الحربة، فاذهب فخل عنه، فقلت: يا أمير المؤمنين أطلق موسى بن جعفر؟ ثلاثا، قال: نعم امض الساعة حتى تطلق موسى ابن جعفر واعطه ثلاثين ألف درهم، وقل له: إن أحببت المقام قبلنا فلك عندي ما تحب، وإن أحببت المضي إلى المدينة فالإذن في ذلك إليك قال: فمضيت إلى الحبس لآخرجه، فلما رأني موسى وثب إلي قائما وظن إني قد أمرت فيه بمكروه. فقلت: لا تخف، وقد أمرني أمير المؤمنين بإطلاقك، وأن أدفع إليك ثلاثين ألف درهم، وهو يقول لك: إن أحببت المقام قبلنا فلك ما تحب، وإن أحببت الإنصراف إلى المدينة فالأمر في ذلك مطلق إليك. وأعطيته الثلاثين ألف درهم، وخليت سبيله، وقلت لقد رأيت من أمرك عجبا، قال: فإني أخبرك: بينما أنا نائم إذ اتاني النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا موسى، حبست مظلوما فقل هذه الكلمات فإنك لا تبيت هذه الليلة في الحبس، فقلت: بأبي وأمي ما أقول؟ فقال: قل يا سامع كل صوت، ويا سابق الفوت، ويا كاسي العظام لحما ومنشرها بعد الموت أسألك بأسمائك الحسنى وبإسمك الأعظم الأكبر المخزون المكنون الذي لم يطلع عليه أحد من المخلوقين، يا حليما ذا أناة لا يقوي على أناته ياذا المعروف الذي لا ينقطع أبدا، ولا يحصى عمدا، فرج عني، فكان ما ترى.
إبراهيم بن المهدي يغني لأسود
وذكر حماد بن إسحاق بن إبراهيم الموصلي، قال: قال إبراهيم و المهدي: حججت مع الرشيد، فبينا نحن في الطريق وقد إنفردت أسير وحدي وأنا على دابتي، إذ غلبتني عيناي، فسلكت بي الدابة غير الطريق، فانتبهت وأنا على غير الجادة، فاشتد بي الحر، فعطشت عطث شديدا، فارتفع لي خباء، فقصدته، فإذا بقبة وبجنبها بئر ماء بقرب مزرعة، وذلك بين مكة والمدينة، ولم أر بها إنسيا، فاطلعت في القبة فإذا أنا بأسود نائم، فأحس بي ففتح عينيه كأنهما إجانتا دم، فاستوى جالسا، وإذا هو عظيم الصورة، فقلت: يا أسود، اسقني من هذا الماء،: فقال يا أسود اسقني من هذا الماء، محاكيا لي، وقال: إن كنت عطشانا فأنزل واشرب، وكان تحتي برذون خبيث نفور، فخشيت أن أنزل عنه فينفر، فضربت رأس البرذون، وما نفعني الغناء قط إلا في ذلك، وذلك إني رفعت عقيرتي وأنا أغني:
كفنوني إن مت في درع أروى ... واستقوا لي من بئرعروة ماء
فلها مربع بجنب أجاج ... ومصيف بالقصر قصر قباء
سخنة في الشتاء، باردة في ال ... صيف، بدز في الليلة الظلماء

(2/2)


فرفع الأسود رأسه إلي، وقال: أيما أحب إليك: إن أسقيك ماء،وحده أو ماء وسويقا، قلت: الماء والسويق، فآخرج قعبا له فصب السويق في القدح فسقاني، وأقبل يضرب بيده على رأسه وصدره، ويقول: واحر صدراه، وانارات اللهب في فؤادي، يا مولاي زدني وأنا ازيدك، وشربت السويق، ثم قال لي: يا مولاي، إن بينك وبين الطريق أميالا،ولست أشك إنك تعطش، لكن أملأ قربتي هذه واحملها قدامك، فقلت: افعل قال: فملأ قربته وسار قداأمي وهو يحجل في مشيته غير خارج عن الإيقاع، فإذا أمسكت لاستريح أقبل علي فقال: يا مولاي، أما عطشت، فأغنيه النصب، إلى إن أوقفني على الجادة، ثم قال لي: سر رعاك الله ولا سلبك ما كساك من هذه النعم، بكلام عجمي معناه هذا الدعاء، ضقت بالقافلة والرشيد كان قد فقدني، وقد بث البخت والخيل في البر يطلبونني، فسر بي حين رأني، فأتيته، فقصصت عليه الأمر، فقال: علي بأسود، فما كان إلا هنيهة حتى مثل بين يديه، فقال له: ويلك!! ما حر صدرك، فقال: يا مولاي ميمونة، قال: ومن ميمونة؟ قال: بنت حبشية، قال: ومن حبشية؟ قال: بنت بلال يا مولاي، فأمر من يستفهمه، فإذا الأسود عبد لبني جعفر الطيار، وإذا السوداء التي يهواها لقوم من ولد الحسن بن علي، فأمر الرشيد بابتياعها له، فأبى مواليها أن يقبلوا لها ثمنا، ووهبوها للرشيد، فاشترى الأسود وأعتقه، وزوجه منها، ووهب له من ماله بالمدينة حديقتين وثلثمائة دينار.
ودخل ابن السماك على الرشيد يوما وبين يديه حمامة تلتقط حبا، فقال له: صفها وأوجز، فقال: كأنما تنظر من ياقوتتين، وتلتقط بدرتين، وتطأ على عقيقتين، وأنشدونا لبعضهم:
هتفت هاتفة آ ... ذنها ألف ببين
ذات طوق مثل ع ... طف السنون أقنى الطرفين
وتراها ناظرة ... نحوك من ياقوتتين
ترجع الأنفاس من ث ... قبين كاللؤلؤتين
وترى مثل الب ... ساتين لها قادمتين
ولها لحيان كالصد ... غين من عرعرتين
ولها ساقان حمرا ... وان متل الوردتين
نسجت فوق جناح ... يها لها برنوستين
وهي طاووسية ال ... لون بنان المنكبين
تحت ظل من ظلال الأي ... ك صافي الكتفين
فقدت إلفا فناجت ... من تباريح وبين
فهي تبكيه بلا دم ... ع جمود المقلتين
وهي لاتصبغ عينا ... ها كما تصبغ عيني
بين الرشيد ومعن بن زائدة
ودخل معن بن زائدة على الرشيد وقد كان وجد عليه، فمشى فقارب الخطو فقال له هارون: كبرت والله يا معن، قال: في طاعتك يا أمير المؤمنين قال: وإن فيك على ذلك لبقية، قال: هي لك يا أمير المؤمنين، قال: وإنك لجلد، قال: على أعدائك يا أمير المؤمنين. فرضي عنه وولاه.
قال: وعرض كلامه هذا على عبد الرحمن بن زيد زاهد أهل البصرة فقال: ويح هذا ا! ما ترك لربه شيئا.
وقال الرشيد يوما لمعن بن زائدة: إني قد أعددتك لأمر كبير، فقال: يا أمير المؤمنين، إن الله قد أعد لك مني قلبا معقودا بنصيحتك، ويدا مبسوطة بطاعتك، وسيفأ مشحوذا على عدوك، فإن شئت فقل، وقيل: إن هذا الجواب من كلام يزيد بن مزيد.
بين الرشيد والكسائي

(2/3)


وقال الكسائي : دخلت على الرشيد، فلما قضيت حق التسليم والدعاء وثبت للقيام، فقال: اقعد، فلم أزل عنده حتى خف عامة من كان في مجلسه، ولم يبق إلا خاصته، فقال لي: يا علي، ألا تحب أن ترى محمدا وعبد الله، قلت: ما أشوقني إليهما يا أمير المؤمنين، وأسرنى بمعاينة نعمة الله على أمير المؤمنين فيهما، فأمر بإحضارهما، فلم ألبث أن أقبلا ككوكبي أفق يزينهما هدوء ووقار، وقد غضا أبصارهما، وقاربا خطوهما حتى وقفا على باب المجلس، فسلما على أبيهما بالخلافة، ودعوا له بأحسن الدعاء. فأمرهما بالدنو منه فدنوا فصير محمدا عن يمينه وعبد الله عن يساره، ثم أمرني ان استقرئهما وأسألهما، ففعلت، فما سألتهما عن شيء إلا أحسنا الجواب فيه والخروج منه، فسر بذلك الرشيد حتى تبينته فيه. ثم قال لي: يا علي، كيف ترى مذهبهما وجوابهما. فقلت: يا أمير المؤمنين هما كما قال الشاعر:
أرى قمري مجد وفرعي خلافة ... يزينهما عرق كريم ومحتد
يا أمير المؤمنين هما فرع زكا أصله، وطاب مغرسه، وتمكنت في الثرى عروقه، وعذبت مشاربه، أبوهما أغر، نافذ الأمر، واسع العلم، عظيم الحلم، يحكمان بحكمه، ويستضيئان بنوره، وينطقان بلسانه، ويتقلبان في سعادته، فأمتع الله أمير المؤمنين بهما، وأنس جميع الأمة ببقائه وبقائهما ثم قلت لهما: هلى ترويان من الشعر شيئا؟ فقالا: نعم، ثم أنشدني محمد:
وإني لعف الفقر مشترك الغنى ... وتارك شكل لايوافقه شكلي
وأجعل مالي دون عرضي جنة ... لنفسي، ومفضال بما كان من فضل
ثم انشد عبد الله:
بكرت تلومك مطلع الفجر ... ولقد تلوم بغير ماتدري
ملك الأمورعلي مقتدر ... يعطي إذا ماشاء من يسر
ولرب مغتبط بمرزئة ... ومفجع بنوائب الدهر
وترى قناتي حين يغمدها ... عض الثقاف بطيئة الكسر
فما رأيت أحدا من أولاد الخلفاء وأغصان هذه الشجرة المباركة أذرب السنا ولا أحسن ألفاظا ولا أشد اقتدارا على تأدية ما حفظا منهما، ودعوت لهما دعاء كثيرا، وأمن الرشيد على دعائي، ثم ضمهما إليه، وجمع يده عليهما، فلم يبسطها حتى رأيت الدموع تنحدر على صدره، ثم أمرهما بالخروج، فلما خرجا أقبل علي فقال: كأنك بهما وقد حم القضاء، ونزلت مقادير السماء، وبلغ الكتاب أجله، شد تشتتت كلمتهما، واختلف أمرهما، وظهر تعاديهما، ثم لم يبرح ذلك بهما حتى تسفك الدماء، وتقتل القتلى، وتهتك ستور النساء، ويتمنى كثير من الأحياء أنهم في عداد الموتى، قلت: أيكون ذلك يا أمير المؤمنين لأمر رؤي في أصل مولدهما أو لأثر وقع لأمير المؤمنين في مولدهما، فقال: لا والله إلا بأثر واجب حملته العلماء عن الأوصياء عن الأنبياء.
وصية الرشيد لمؤدب الأمين الأحمر النحوي
قال الأحمر النحوي: بعث إلي الرشيد لتأديب ولده محمد الأمين، فلما دخلت قال: يا أحمر، إن أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه، وثمرة قلبه، فصير يدك عليه مبسوطة، وطاعتك عليه واجبة، فكن له بحيث وضعك أمير المؤمنين، اقرئه القرآن، وعرفه الأثار، وروه الأشعار، وعلمه السنن، وبصره مواقع الكلام وبدأه، وامنعه الضحك إلا في أوقاته، وخذه بتعظيم مشايخ بني هاشم إذا دخلوا إليه، ورفع مجالس القواد إذا حضروا مجلسه، ولا تمرن بك ساعة إلا وأنت مغتنم فيها فائدة تفيده إياها، من غير أن تخرق به فتميت ذهنه، ولا تمعن في مسامحته فيستحلي الفراغ ويألفه، وقومه ما استطعت بالقرب والملاينة، فإن أباهما فعليك بالشدة والغلظة.
العماني عند الرشيد يحرضه على تجديد العهد للأمين

(2/4)


ويقال: أن العماني الشاعر قام بحضرة الرشيد خطيبا فلم يزل يقرظ محمدا ويحرضه على تجديد العهد له، فلما فرغ من كلامه قال له: أبشر يا عماني بولاية العهد له، فقال: إي والله يا أمير المؤمنين سرور العشب بالغيث، والمراة البنور بالولد، والمريض المدنف بالبرء، لأنه نسيج وحده، وحامي مجده، وشبيه حده، قال: فما تقول في عبد الله؟. قال: مرعى ولا كالسعدان فتبسم الرشيد وقال: قاتله الله! من أعرابي ما أعرفه بمواضع الرغبة، أما والله إني لأتعرف في عبد الله حزم المنصور، ونسك المهدي، وعز نفس الهادي، والله لو شاء الله أن أنسبه إلى الرابعة لنسبته إليها.
حرص الرشيد على ولاية عهده
قال الأصمعي: بينما أنا أسامر الرشيد ذات ليلة إذ رأيته قد قلق قلقا شديدا فكان يقعد مرة ويضطجع مرة ويبكي آخرى ثم أنشا يقول:
قلد أمورعباد الفه ذا ثقة ... موحد الرأي لا نكس ولا برم
واترك مقالة أقوام ذوي خطل ... لا يفهمون إذا ما معشر فهموا
فلما سمعت منه ذلك علمت أنه يريد أمرا عظيما، ثم قال لمسرور الخادم: علي بيحيى، فما لبث أن أتاه فقال: يا أبا الفضل، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات في غير وصية والإسلام جذع، والإيمان جديد، وكلمة العرب مجتمعة، قد آمنها الله تعالى بعد الخوف، وأعزها بعد الذل، فما لبث إن ارتد عامة العرب على أبي بكر، وكان من خبره ما قد علمت، وأن أبا بكر صير الأمر إلى عمر، فسلمت الأمة له، ورضيت بخلافته، ثم صيرها عمر شورى فكان بعده ما قد بلغك من الفتن حتى صارت إلى غير أهلها، وقد عنيت بتصحيح هذا العهد وتصييره إلى من أرضى سيرته، وأحمد طريقته، وأثق بحسن سياسته، وأمن ضعفه ووهنه، وهو عبد الله، وبنو هاشم مائلون إلى محمد بأهوائهم، وفيه ما فيه من الإنقياد لهواه، والتصرف مع طويته، والتبذير لما حوته يده، ومشاركة النساء والإماء في رأيه، وعبد الله المرضي الطريقة، الأصيل الرأي، الموثوق به في الأمر العظيم، فإن ملت إلى عبد الله أسخطت بني هاشم، وإن أفردت محمدا أبالأمر لم أمن تخليطه على الرعية. فأشر علي في هذا الأمر برأيك مشورة يعم فضلها ونفعها، فإنك بحمد الله مبارك الرأي لطيف النظر، فقال: يا أمير المؤمنين، إن كل زلة مستقالة وكل رأي يتلافى خلا هذا العهد، فإن الخطأ فيه غير مأمون، والزلة فيه لا تستدرك، وللنظر فيه مجلس غير هذا، فعلم الرشيد أنه يريد الخلوة، فأمرني بالتنحي، فقمت وقعدت ناحية بحيث أسمع كلامهما، فما زالا في مناجاة ومناظرة طويلة حتى مضى الليل، وافترقا على إن عقد الأمر لعبد الله بعد محمد.
ودخلت أم جعفر على الرشيد فقالت: ما أنصفت ابنك محمدا حيث وليته العراق وأعريته عن العمد والقواد، وصيرت ذلك إلى عبد الله دونه، فقال لها: وما أنت وتميز الاعمال واختبار الرجال؟ إني وليت ابنك السلم، وعبد الله الحرب، وصاحب الحرب أحوج إلى الرجال من المسالم، ومع هذا فإنا نتخوف ابنك على عبد الله، ولا نتخوف عبد الله على إبنك إن بويع.
الرشيد يعلق كتاب العهد في الكعبة
وفي سنة ست وثمانين ومائة خرج الرشيد حاجا ومعه وليا عهده: الأمين والمأمون، وكتب الشرطين بينهما وعلقهما في الكعبة.
وحكي عن ابراهيم الحجبي إن الكتاب لما رفع ليعلق بالكعبة وقع، فقلت في نفسي: وقع قبل أن يرتفع، إن هذا الأمر سريع إنتقاضه قبل تمامه.
وحكي عن سعيد بن عامر البصري قال: حججت في هذه السنة وقد استعضم الناس أمر الشرط والإيمان في الكعبة، فرأيت رجلا من هذيل يقود بغيره وهو يقول:
وبيعة قد نكثت أيمانها ... وفتنة قد سعرت نيرانها
فقلت له: ويحك ما تقول؟! قال: أقول إن السيوف ستسل، والفتنة ستقع، والتنازع في الملك سيظهر قلت: وكيف ترى ذلك؟ قال: أما ترى البعير واقفا والرجلان يتنازعان والغراأبان قد وقعا على الدم والتطخا به، والله لا يكون آخر هذا الأمر إلا محاربة وشرا.

(2/5)


ويروى إن الأمين لما حلف للرشيد بما حلف له به، وأرادا الخروج من الكعبة رد جعفر بن يحيى، وقال له: فإن غدرت بأخيك خذلك الله حتى فعل ذلك ثلاثا في كلها يحلف له، وبهذا السبب اضطغنت أم جعفر على جعفر بن يحيى، فكانت أحد من حرض الرشيد على أمره وبعثته على ما نزل به.
قال المسعودي: وفي سنة سبع وثمانين ومائة بايع الرشيد لإبنه القاسم بولاية العهد بعد المأمون، فإذا افضت الخلافة إلى المأمون كان أمره إليه، إن شاء إن يقره أقره، وإن شاء أن يخلعه خلعه.
وفاة الفضيل بن عياض
وفي هذه السنة وهي سنة سبع وثمانين ومائة توفي الفضيل بن عياض ويكنى أبا علي، وكان مولده بخراسان، وقدم الكوفة، وسمع من المنصور ابن المعتمر وغيره، ثم تعبد وانتقل إلى مكة فأقام بها إلى أن مات.
حدث سفيان بن عيينة قال: دعانا الرشيد، فدخلنا عليه ودخل الفضيل أخرنا مقنعا رأسه بردائه، فقال لي: يا سفيان، أيهم أمير المؤمنين؟ فقلت: هذا، وأومأت إلى الرشيد، فقال له: أنت يا حسن الوجه، الذي أمر هذه الأمة في يدك وعنقك، لقد تقلدت أمرا عظيما، فبكى الرشيد، ثم أتى كل رجل منا ببدرة، فكل قبلها إلا الفضيل، فقال له الرشيد: يا أبا علي، إن لم تستحلها فأعطها ذادين، وأشبع بها جائعا واكس بها عريانا، فاستعفى منها، فلما خرجنا قلت له: يا أبا علي، اخطأت، ألا أخذتها وصرفتها في أبواب البر، فأخذا بلحيتي ثم قال: يا أبا محمد، أنت فقيه البلد والمنظور إليه وتغلط مثل هذا الغلط؟ لو طابت لأولئك لطابت لي.
موت موسى بن جعفر الطالبي
وقبض موسى بن جعفربن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب ببغداد مسموما، لخمس عشرة سنة خلت من ملك الرشيد، سنة ست وثمانين ومائة، وهو ابن أربع وخمسين سنة، وقد ذكرنا في رسالة بيان أسماء الأئمة القطعية من الشيعة: أسماءهم، وأسماء أمهاتهم، ومواضع قبورهم، ومقادير أعمارهم، وكم عاش كل واحد منهم مع أبيه ومن أدرك من أجداده رضي الله عنهم.
من شعر العتابي في الرشيد.
ولكلثوم العتابي في الرشيد من أبيات:
إمام له كف يضم بنانها ... عصا الدين ممنوع من البر عودها
وعين محيط بالبرية طرفها ... سواء عليها قربها وبعيدها
وأسمع يقظانا يبيت مناجيا ... له في الحشا مستودعات يكيدها
سميع إذا ناداه من قعر كربة ... مناد كفته دعوة لا يعيدها
حدث يموت بن المزرع قال: حدثني خالد عن عمرو بن بحر الجاحظ قال:
العتابي ينال من أبي نواس
كان كلثوم يضع من قدر أبي نواس، فقال له راوية أبي نواس يوما: كيف تضع من قدر أبي نواس وهو الذي يقول:
إذا نحن أثنينا عليك بصالح ... فأنت الذي نثني وفوق الذي نثني لغيرك
وإن جرت الألفاظ منا بمدحة ... لغيرك إنسانا فأنت الذي نعني
قال العتابي: هذا سرقه، قال: ممن؟ قال: من أبي الهذيل الجمحي قال: حيث يقول ماذا؟ قال: حيث يقول:
وإذا يقال لبعضهم نعم الفتى ... فإبن المغيرة ذلك النعم
عقم النساء فلا يجئن بمثله ... إن النساءبمثله عقم
قال: فقد أحسن في قوله:
فتمشت في مفاصلهم ... كتمشي البرء في السقم
قال: سرقة أيضا، قال له: وممن؟ قال: من شوسة الفقعسي، قال: حيث يقول ماذا؟ قال: حيث يقول:
إذا ماسقيم حل عنها وكاءها ... تصعدفيه برؤه اوتصوبا
وإان خالطت منه الحشا خلت أنه ... على سالف الأيام لم يبق موصبا
قال: فقد أحسن في قوله:
وما خلقت إلا لبذل أكفهم ... وأقدامهم إلا لأعواد منبر
قال: قد سرقه أيضا، قال: ممن؟ قال: من مروان بن أبي حفصة، قال: حيث يقول ماذا؟ قال: حيث يقول:
وماخلقت إلا لبذل أكفهم ... وأالسنهم إلالتحبير منطق

(2/6)


فيوما يبارون الرياح سماحة ... ويوما لبذل الخاطب المتشدق
قال: فسكت الراوية، ولو أتى بشعره كله لقال سرقه.
أبو العتاهية وعتبة
وحدث أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب قال: كان أبو العتاهية قد أكثر مسألة الرشيد في عتبة، فوعده بتزويجها أانه يسألها في ذلك: فإن أجابت جهزها وأعطاه مالا عظيما، ثم إن الرشيد سنح له شغل استمر به، فحجب أبو العتاهية عن الوصول إليه، فدفع إلى مسرور الخادم الكبير ثلاث مراوح، فدخل بها على الرشيد وهو يتبسم، وكانت مجتمعة، فقرأ على واحدة منها مكتوبا:
ولقد تنسمت الرياح لحاجتي ... فإذا لها من راحتيه شميم
فقال: أحسن الخبيث، وإذا على الثانية:
أعلقت نفسي من رجائك ماله ... عنق يحث إليك بي ورسيم
فقال: قد أجاد، وإذا على الثالثة:
ولربما استيأست ثم أقول: لا ... إن الذي ضمن النجاح كريم
فقال: قاتله الله!! ما أحسن ما قال، ثم دعا به، وقال: ضمنت لك يا أبا العتاهية وفي غد نقضي حاجتك إن شاء الله، وبعث إلى عتبة إن لي إليك حاجة فانتظريني الليلة في منزلك، فأكبرت ذلك وأعظمته، وصارت إليه تستعفيه، فحلف أن لا يذكر لها حاجته إلا في منزلها، فلما كان في الليل سار إليها ومعه جماعة من خواص خدمه، فقال لها: لست أذكر حاجتي أو تضمنين قضاءها، قالت: أنا امتك وأمرك نافذ في ما خلا أمر أبي العتاهية فإني حلفت لأبيك رضي الله عنه بكل يمين يحلف بها بر وفاجر وبالمشي إلى بيت الله الحرام حافية كلما انقضت عني حجة وجبت علي أخرى لا أقتصر منها على الكفارة، وكلما أفدت شيئا تصدقت به إلا ما أصلي فيه، وبكت بين يديه، فرق لها ورحمها وانصرف عنها، وغدا عليه أبو العتاهية وهو لا يشك في الظفر بها فقال له الرشيد: والله ما قصرت في أمرك، ومسرور وحسين ورشيد وغيرهم شهود لي بذلك، وشرح له الخبر، قال أبو العتاهية: فلما أخبرني بذلك مكثت مليا لا أدري أين أنا، ثم قلت: الآن يئست منها إذ ردتك، وعلمت إنها لا تجيب أحدا بعدك، فلبس ابو العتاهية الصوف، وقال في ذلك من أبيات:
قطعت منك حبائل الآمال ... وحططت عن ظهر المطي رحالي
ووجدت برد اليأس بين جوانحي ... فغنيت عن حل وعن ترحال
وذكر إنه لما اتصل بالرشيد قول أبي العتاهية في عتبة:
ألا إن ظبيا للخليفة صادني ... ومالي على ضبي الخليفة من عدوى
غضب الرشيد وقال: أسخر منا فعبث، وأمر بحبسه، فدفعه إلى تنجاب صاحب عقوبته، وكان فظا غليظا، فقال أبو العتاهية:
تنجاب لا تعجل ... علي فليس ذا من رائه
ماخلت هذا في مخا ... يل ضو ءبرق سمائه
وكان من أشعاره في الحبس بعد ما طال مكثه:
إنما أنت رحمة وسلامه ... زادك الله غبطة وكرامه
قيل لي: قد رضيت عني، فمن لي ... أن أرى لي على رضاك علامه
فقال الرشيد: لله أبوه! لو رأيته ما حبسته، وإنما سمحت نفسي بحبسه لأنه كان غائبا عني، وأمر بإطلاقه: وأبو العتاهية الذي يقول:
نراع لذكر الموت ساعة ذكره ... ونغتر بالدنيا فنلهو ونلعب
ونحن بنو الدنيا خلقنا لغيرها ... وماكنت فيه فهوشيء محبب
وهو الذي يقول أيضا:
حتوفهارصد، وعيشها رنق ... وكدها نكد، وملكها دول
وهو الذي يقول:
المرء في تأخير مدته ... كالثوب يبلى بعد جدته
عجبا لمنتبه يضيع ما ... يحتاج فيه ليوم رقدته
وقال:
لا تأمن الدنيا على غدرها ... كم غدرت قبل بأمثالكا
قد أجمع الناس على ذمها ... وما أرى منهم لها تاركا
إنما أنت مستعير لما سو ... ف تردن، والمعار يرد

(2/7)


كيف يهوى امرؤ لذاذة أيا ... م عليه الانفاس فيها تعد
وقال:
حياتك أنفاس تعد، فكلما ... مضى نفس منهانقصت به جزءا
يميتك ما يحييك في كل ساعة ... ويحدوك حاد ما يريد بك الهزءا
ألا يا موت لم أر منك بدا ... أتيت بما يخيف ولا تحابي
كأنك قد هجمت على مشيبي ... كما هجم المشيب على شبابي
نسيت الموت فيما قد نسيت ... كأني لم أجد أحدا يموت
أليس الموت غاية كل حي ... فمالي لا أبادر ما يفوت
وقال:
وعظتك أجداث صمت ... وبكتك ساكنة خفت
وتكلمت عن أعظم ... تبلى وعن صور سبت
وأرتك قبرك في القبو ... ر وانت حيئ لم تمت
ومشيد دارا ليسكن ظلها ... سكن القبور، وداره لم يسكن
إسحاق الموصلي يغني للرشيد: حدث إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال: بينا أنا ذات ليلة عند الرشيد أغنيه إذ طرب لغنائي، وقال: لا تبرح، ولم أزل أغنيه حتى نام، فأمسكت، ووضعت العود في حجري،، جلست مكاني، فإذا بشاب صبيح الوجه حسن القد عليه مقطعأت خز وهيئة جميلة، فدخل وسلم وجلس، فجعلت أعجب من دخوله في ذلك الوقت إلى ذلك الموضع بغير استئذان، ثم قلت في نفسي: عسى بعض ولد الرشيد ممن لا نعرفه ولم نره، فضرب بيده إلى العود، فأخذه ووضعه في حجره وجسه، فرأيت أنه جس أحسن خلق الله، ثم أصلحه إصلاحا ما أدري ما هو، ثم ضرب ضربا، فما سمعت أذني صوتا أجود منه، ثم إندفع يغني:
ألا عللاني قبل إن نتفرفا ... وهات اسقني صرفا شرابا مروقا
فقد كاد ضوء الصبح أن يفضح الدجى ... وكاد قميص الليل أن يتمزقا
ثم وضع العود من حجره، وقال: يا عاض بظر أمه، إذا فنيت فغن هكذا، ثم خرج، فقمت على أثره، فقلت للحاجب: من الفتى الذي خرج الساعة؟ فقال: ما دخل هنا أحد ولا خرج قلت: نعم الساعة مر بين يدي فتى صفته كيت وكيت، قال: لا والله ما دخل أحد ولا خرج فبقيت متعجبا، فبقي متعجبا، وقال: لقد صادفت شيطانا، ثم قال: أعد علي الصوت، فأعدته عليه، فطرب طربا شديدا، وأمر لي بجائزة، وانصرفت.
جماعة المغنين عند الرشيد

(2/8)


وحدث إبراهيم الموصلي قال: جمع الرشيد ذات يوم المغنين، فلم يبق أحد من الرؤساء إلا حضر، وكنت فيهم، وحضر معنا مسكين المدني، ويعرف بأبي صدقة، وكان يوقع بالقضيب، مطبوعا حذذقا، طيب العشرة، مليح البادرة، فاقترح الرشيد وقد عمل فيه النبيذ صوتا، فأمر صاحب الستارة ابن جامع أن يغنيه، ففعل، فلم يطرب عليه، ثم فعل مثل ذلك بجماعة ممن حضر، فلم يحرك منه أحد، فقال صاحب الستار لمسكين المدني: يأمرك أمير المؤمنين إن كنت تحسن هذا الصوت فغنيه؟ قال إبراهيم: فاندفع فغناه، فأمسكنا جميعا متعجبين من جراءة مثله على الغناء بحضرتنا في صوت قد قصرنا فيه عن مراد الخليفة، قال إبراهيم: فلما فرغ منه سمعت الرشيد يقول وقد رفع صوته: يا مسكين أعده، فأعاده بقوة ونشاط واجتماع قلب، فأحسن فيه كل الإحسان فقال الرشيد: أحسنت والله يا مسكين وأجملت، ورفعت الستارة بيننا وبينه قال مسكين: يا أمير المؤمنين إن لهذا الصوت خبرا عجيبا قال: وما هو؟ قال: كنت عبدا خياطا لبعض آل الزبير، وكان لمولاي علي ضريبة أدفع إليه كل يوم درهمين، فإذا دفعت ضريبتي تصرفت في حوائجي، وكنى مولعا بالغناء محبا له فخطت يوما قميصا لبعض الطالبيين، فدفع إلي درهمين وتغديت عنده وسقاني أقداحا، فخرجت وأنا جذلان، فلقيتني سوداء على رقبتها جرة وهي تغني هذا الصوت، فأذهلني عن كل مهم وأنساني كل حاجة، فقلت: بصاحب هذا القبر والمنبر إلا ألقيت علي هذا الصوت، فقالت: وحق صاحب هذا القبر والمنبر لا ألقيته عليك! إلا بدرهمين، فأخرجت والله يا أمير المؤمنين الدرهمين فدفعتهما إليها فأنزلت الجرة عن عاتقها واندفعت، فما زالت تردده حتى كأنه مكتوب في صدري، ثم انصرفت إلى مولاي، فقال لي هلم خراجك، فقلت: كان وكان، فقال: يا ابن اللخناء. ألم أتقدم إليك إني لا أقبل لك عذرا في حبة تكسرها. وبطحني وضربني خمسين جريدة بأشد ضرب يكون وحلق لحيتي ورأسي، فبت يا أمير المؤمنين من أسوأ خلق الله حالا، وأنسيت االصوت مما نالذي فلما أصبحت غدوت نحو الموضع الذي لقيتها فيه وبقيت متحيرا لا أعرف اسمها ولا منزلها، إذ نظرت بها مقبلة، فانسيت كل ما نالذي وملت إليها، فقالت: أنسيت الصوت ورب الكعبة، فقلت: الأمر كما ذكرت، وعرفتها ما مر بي من حلق الرأس واللحية، فقالت: وحق القبر ومن فيه لا فعلت إلا بدرهمين، فأخرجت جلمي ورهنته على درهمين، فدفعتهما إليها، فأنزلت الجرة عن رأسها واندفعت، فمرت فيه ثم قالت: كأني بك وقد أخذات مكان الآربعة دراهم أربعة ألاف دينار، من الخليفة، ثم إندفعت تغنيه وتوقع على جرتها، فلم تزل تردده حتى رسخ في صدري، ثم مضت، وانصرفت إلى مولاي وجلا، فقال: هلم خراجك، فلويت لساني، فقال: يا ابن اللخناء، ألم يكفك ما مر عليك بالأمس، فقلت: إني أعرفك إني اشتريت بخراجي أمس واليوم هذا الصوت، واندفعت أغنيه، فقال لي: ويحك معك هذا الصوت منذ يومين ولم تعلمني، امرأته طالق لو كنت قلته أمس لاعتقتك فأما حلق الرأس واللحية فلا حيلة لي فيهما، وأما خراجك فقد وهبه الله لك إلى إن ينبت شعرك، قال: فضحك الرشيد وقال: ويلك!! ما أدري أيما أحسن: حديثك، أم غناؤك؟ وقد أمرت لك بما ذكرته السوداء، فقبضه وانصرف! والشعر:
قف بالمنازل ساعة فتأمل ... هل بالديار لرائد من منزل؟
ما بالديار من البلى فلقد أرى ... فلسوف أحمل للبلى في محمل
الرشيد يجري حلبة الخيل

(2/9)


واجرى الرشيد الخيل يوما بالرقة، فلما أرسلت صار إلى مجلسه في صدر الميدان حيث توافى إليه الخيل، فوقف على فرسه وكان في اوائلها سوابق من خيله يقدمها فرسان في عنان واحد لا يتقدم أحدهما صاحبه، فتأملها فقال: فرسي والله، ثم تأمل الأخر فقال: فرس ابني المأمون، قال: فجاءا يحتكان أمام الخيل، وكان فرسه السابق وفرس المأمون الثانية، فسر بذلك، ثم جاء الخيل بعد ذلك، فلما إنقضى المجلس وهم بالانصراف قال الأصمعي وكان حاضرا وقد تبين سرور الرشيد للفضل بن الربيع: يا أبا العباس، هذا يوم من الأيام فأحب أن توصلني إلى أمير المؤمنين، وقام الفضل فقال: يا أمير المؤمنين، هذا الأصمعي يذكر شيئا من أمر الفرسين يزيد الله به أمير المؤمنين سرورا، قال: هاته، فلما دنا قال: ما عندك يا أصمعي؟ قال: يا أمير المؤمنين، كنت وابنك اليوم في فرسيكما كما قالت الخنساء :
جارى أباه فأقبلا وهما ... يتنازعان ملاءة الحضر
وهما كأنهما وقد برزا ... صقران قد حطا على وكر
برزت صفيحة وجه والده ... ومضى على غلوائه يجري
أولى فأولى أن يقاربه ... لولا جلال السن والكبر
طبق سمك يتكلف ألف درهم
حدث إبراهيم بن المهدي قال: استزرت الرشيد بالرقة، فزارني، وكان يأكل االطعام الحار قبل البارد، فلما وضعت البوارد رأى فيما قرب إليه منها جام قريص مثل قريص السمك، فاستصغر القطع، وقال: لم صغر طباخك تقطيع السمك؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، هذه ألسنة السمك، قال: فيشبه أن يكون في هذا الجام مائة لسان، فقال مراقب خادمه: يا أمير المؤمنين، فيها أكئر من مائة وخمسين، فاستحلفه عن مبلغ ثمن السمك، فأخبره إنه قام بأكثر من ألف درهم، فرفع الرشيد يده وحلف أن لا يطعم شيئا دون أن يحضره ألف درهم فلما حضر المال أمر أن يتصدق به. وقال: أرجو أن يكون كفارة لسرفك في إنفاقك على جام سمك ألف درهم، ثم ناول الجام بعض خدمه وقال: أخرج من دار أخي، ثم إنظر أول سائل تراه فادفعه إليه، قال إبراهيم: وكان شراء الجام على الرشيد بمائتين وسبعين دينارا، فغمزت بعض خدمي للخروج مع الخادم ليبتاع الجام ممن يصير إليه، وفطن الرشيد فقال له: يا غلام إذا دفعته إلى سائل فقل له يقول لك أمير المؤمنين إحذر أن تبيعه بأقل من مائتي دينار فإنه خير منها، ففعل الخادم ذلك، فوالله ما أمكن خادمي أن يخلصه من السائل إلا بمائتي دينار.
أحسن الأسماء وأسمجها
وقال إبراهيم بن المهدي: كنت أنا والرشيد على ظهر حراقة وهو يريد نحو الموصل والمدادون يمدون، والشطرنج بين أيدينا، فلما فرغنا قال لي الرشيد: يا إبراهيم ما أحسن الأسماء عندك؟ قلت: اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فما الثاني بعده؟ قلت: اسم هرون اسم أمير المؤمنين، قال: فما أسمجها، قلت: إبراهيم، فزارني وقال: ويلك!! أليس هو اسم إبراهيم خليل الرحمن جل وعز، قلت بشؤم هذا الإسم لقي ما لقي من نمرود، قال: وإبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: لا جرم لما سمي بهذا الاسم لم يعش، قال: فإبراهيم الإمام، قلت: بحرفة اسمه قتله مروان الجعدي في جراب النورة، وأزيدك يا أمير المؤمنين إبراهيم بن الوليد خلع، وإبراهيم بن عبد الله بن الحسن قتل، ولم أجد أحدا سمي بهذا الاسم إلا رأيته مقتولا أو مضروبا أو مطرودا، فما انقضى كلامي حتى سمعت ملاحا على بعض الحراقات يهتف بأعلى صوته: يا إبراهيم يا عاض كذا وكذا من أمه مد، فالتفت إلي الرشيد فقلت: يا أمير المؤمنين، أصدقت قولي إن اشأم الأسماء إبراهيم فضحك حتى فحص برجله.
أدب مخاطبة الأمراء

(2/10)


قال: وكنت يوما عنده فإذا رسول عبد الله قد أتى، ومعه أطباق خيزران عليها مناديل، ومعه كتاب، فجعل الرشيد يقرأ الكتاب ويقول: بره الله ووصله فقلت: يا أمير المؤمنين من هذا الشي أطنبت في شكره حتى نشركك في جميل شكره؟ قال: هذا عبد الله بن صالح، ثم كشف المنديل، فإذا أطباق بعضها فوق بعض: في أحدها فستق، وفي الأخر بندق، إلى غير ذلك من الفاكهة، فقلت: يا أمير المؤمنين ما في هذا البر ما يستحق به هذا الدعاء، إلا أن يكون في الكتاب شيء قد خفي علي، فنبذه إلي، فإذا فيه: دخلت يا أمير المؤمنين بستانا لي في داري عمرته بنعمتك، وقد أينعت فواكهه، فأخذت من كل شيء، وصيرته في أطباق قضبان ووجهته إلى أمير المؤمنين ليصل إلي من بركة دعائه مثل ما وصل إلي من نوافل بره، قلت: ولا والله ما في هذا أيضا ما يستحق به هذا، فقال: يا غبي أما ترى كيف كنى بالقضبان عن الخيزران إعظاما لأمنا رحمها الله تعالى.
رجل يتعرض للرشيد بقصة فيثيبه بأربعة ألاف دينار
ويروي إنه وقف رجل من بني أمية للرشيد على الطريق وبيده كتاب كالقصة، فإذا فيه أربعة أبيات، وهي:
يا أمين الله، إني قائل ... قول في لب وصدق وحسب
لكم الفضل علينا، ولنا ... بكم الفضل على كل العرب
عبد شمس كان يتلو هاشما ... وهما بعد لأم ولأب
فصل الأرحام منا، إنما ... عبد شمس عم عبد المطلب
فاستحسن ذلك الرشيد فأمر له لكل بيت بألف دينار، وقال: لو زدتنا لزدناك.
السكر أطيب أو المشان
وكان الرشيد ذات يوم وأبو يوسف القاضي وعبد الوهاب الكوفي في مجلسه، فتذاكروا الرطب، فقال أبو يوسف: السكر أطيب من المشان، وقال عبد الوهاب: المشان أطيب، فقال الرشيد، ليحضر الطعام، ودعا بعدة من بني هاشم كانوا هناك، فاقبلوا جميعا على السكر، وتركوا المشان، فقال الرشيد: قضوا عليك يا أبا عبد الرحمن وهم لا يعلمون، فقال أبو عبد الرحمن: إني لم أر مشان قط أردأ من هذا، فقال له أبو يوسف: هكذا هما إذا اجتمعا.
ودخل عبد الملك بن صالح على الرشيد، فقال له الحاجب: إن أمير المؤمنين قد أصيب في هذه الليلة بولد وولد له ولد، فعزوهن، فلما مثل قال: يا أمير المؤمنين، سرك الله فيما ساءك، وجعل هذه لهذه ثوابا للصابر وجزاء للشاكر.
علة الرشيد
ولما اشتدت علة الرشيد وصار إلى طوس سنة ثلاث وتسعين ومائة هون عليه الأطباء علته، فأرسل إلى متطبب فارسي كان هناك، فأراه ماءه مع قوارير شتى، فلما إنتهى إلى قارورته قال: عرفوا صاحب هذا الماء إنه هالك فليوص فإنه لا براء له من هذه العلة، فبكى الرشيد وجعل يردد هذين البيتين:
إن الطبيب بطبه ودوائه ... لايستطيع دفاع محذور القضا
ماللطبيب يموت بالداء الذي ... قد كان يبرىء مثله فيما مضى؟
واشتد ضعفه، وأرجف الناس بموته، فدعا بحمار ليركبه، فلما صار عليه سقطت فخذاه فلم يثبت على السرج، فقال: إنزلوني صدق المرجفون، ثم دعا بأكفان فاختار منها ما أرادا، وأمر بحفر قبر، فلما اطلع فيه قال: ما أغنى عني ماليه، هلك عني سلطانيه ثم دعا بأخي رافع، فقال: أزعجتموني حتى تجشمت هذه الأسفار مع علتي وضعفي، وكان أخو رافع ابن الليث ممن خرج عليه، قال: لأقتلنك قتلة ما قتل مثلها أحد قبلك، ثم أمر ففصل عضوا عضوا، واستأمن من رافع بعد ذلك على المأمون، وقد ذكرنا خبره في غير هذا الكتاب، ثم دعا من كان بعسكره من بني هاشم فقال: إن كل مخلوق ميت، وكل جديد بال، وقد نزل بي ما ترون وأنا أوصيكم بثلاث: الحفظ لأمانتكم، والنصيحة لأئمتكم، واجتماع كلمتكم وانظروا محمدا وعبد الله فمن بغى منهما على صاحبه فردوه عن بغيه وقبحوا له بغيه ونكثه، وأقطع في ذلك اليوم أموالا كثيرة وضياعا ورباعا.
شعر لأبي العتاهية يبكي الرشيد

(2/11)


قال الرياشي: قال الأصمعي: دخلت على الرشيد وهو ينظر في كتاب ودموعه تنحدر على خديه، فظللت قائما حتى سكن، وحان منه التفاتة فقال: أجلس يا أصمعي، أرأيت ما كان؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قال: أما والله لو كان لأمر الدنيا ما رأيت هذا، ورمى بقرطاس فإذا فيه شعر لأبي العتاهية بخط جليل، وهو:
هل أنت معتبر بمن خليت ... منه غداة مضى دساكره
وبمن أذل الموت مصرعه ... فتبرأت منه عشائره
وبمن خلت منه أسرته ... وبمن خلت منه منابره
أين الملوك وأين غيرهم؟ ... صاروا مصيرا أنت صائره
يا مؤثر الدنيا بلذته ... والمستعد لمن يفاخره
نل ما بدا لك إن تنال من الدنيا فإن الموت آخره
ثم قال الرشيد: كأني والله أخاطب بذلك دون الناس فلم يلبث بعد إلا يسيرا حتى مات.
قال المسعودي: قد ذكرنا جملا وجوامع من أخبار الرشيد فيما سلف من كتبنا، وفي هذا الكتاب، ولم نذكر فيما سلف من أخبار الرشيد في هذا الكتاب شيئا من أخبار البرامكة، فلنذكر الأن جملا من أخبارهم في باب نفرعه له، نذكر فيه السعود من أيامهم والنحوس، وإن كنا قد أتينا على سائر أخبارهم والزهر من أيامهم فيما سلف من كتبنا والله ولي التوفيق.
ذكر جمل من أخبار البرامكة
وما كان منهم في أيامهم
أسماهم خالد بن برمك
لم يبلغ مبلغ خالد بن برمك أحد من ولده في جودة رأيه وبأسه وجميع خلاله، لا يحيى في رأيه ووفور عقله ولا الفضل في جوده وبراعته ولا جعفر بن يحيى في كتابته وفصاحته، ولا محمد بن يحيى في سروه وبعد همته، ولا موسى بن يحيى في شجاعته وبأسه، وفيمن ذكرنا يقول أبو الغول الشاعر:
أولاد يحيى بن خالد وهم ... أربعة سيد ومتبوع
الخير فيهم إذا سألت بهم ... مفرق فيهم ومجموع
سبب نكبتهم
ولما أفضت الخلافة إلى الرشيد استوزر البرامكة، فاحتازوا الأموال دونه حتى كان يحتاج إلى اليسير من المال فلا يقدر عليه، وكان إيقاعه بهم في سنة سبع وثمانين ومائة، واختلف في سبب ذلك: فقيل احتياز الأموال، وأنهم أطلقوا رجلا من آل أبي طالب كان في أيديهم، وقيل غير ذلك، والله أعلم.
الفضل بن يحيى يتشاغل بالصيد فيزجره أبوه بأمر الرشيد
ويحكى أنه ورد على الرشيد يوما كتاب صاحب إلي يد بخراسإن، ويحيى بن خالد بين يديه، يذكر فيه إن الفضل بن يحيى تشاغل بالصيد وادمان اللذات عن النظر في أمور الرعية، فلما قرأه الرشيد رمى به ليحيى، وقال له: يا أبت اقرأ هذا الكتاب، واكتب إليه كتابا يردعه عن مثل هذا، فمد يده إلى دواة الرشيد وكتب إلى الفضل على ظهر كتاب صاحب البريد: حفظك الله يا بني، وأمتع بك، قد انتهى إلى أمير المؤمنين ما أنت عليه من التشاغل بالصيد ومداومة اللذات عن النظر في أمور الرعية ما أنكره، فعاود ما هو أزين بك، فإنه من عاد إلى ما يزينه أو يشينه لم يعرفه أهل دهره إلا به، والسلام، وكتب في أسفله هذه الأبيات:
أنصب نهارا في طلاب العلا ... واصبرعلى فقد لقاء الحبيب
حتى إذا الليل بدا مقبلا ... واستترت فيه وجوه العيوب
فبادر الليل بما تشتهي ... فإنما الليل نهار الأريب
كم من فتى تحسبه ناسكا ... يستقبل الليل بأمرعجيب
ألقى عليه الليل أستاره ... فبات في لهو وعيش خصيب
ولذة الأحمق مكشوفة ... يسعى بها كل عدو رقيب
والرشيد ينظر إلى ما يكتب يحيى فلما فرغ قال له: أبلغت يا أبت، فلما ورد الكتاب على الفضل لم يفارق المسجد نهارا إلى أن إنصرف عن عمله قال إسجاق بن إبراهيم الموصلي: كنت عند الرشيد يوما، وأحضر البرامكة الشراب، وأحضر يحيى بن خالد جارية فغنت:
أرقت حتى كأني أعشق الأرقا ... وذبت حتى كان السقم لي خلقا
وفاض دمعي على قلبي فأغرقه ... يا من رأى غرقا في الماء محترقا

(2/12)


فقال الرشيد: لمن هذا، فقيل: لخالد بن يزيد الكاتب قال: علي به قال خالد: فأحضرت، فقال للجارية: أعيدي، فأعادت، فقال لي: لمن هذا؟ فقلت: لي يا أمير المؤمنين، فبينا نحن كذلك إذ أقبلت وصيفة معها تفاحة عليها مكتوب بغإلية:
سرورك ألهاك عن موعدي ... فصيرت تفاحتي تذكره
فأخذ الرشيد تفاحة آخرى وكتب عليها:
تقاضيت وعدي ولم أنسه ... فتفاحتي هذه معذره
ثم قال له: ياخالد، قل في هذا شيئا، فقال:
تفأحة خرجت بالدرمن فيها ... أشهى إلي من الدنيا وما فيها
بيضاء في حمرة غلت بغالية ... كأنما قطفت من خد مهديها
جعفر البرمكي عند الأصمعي: حدث الجاحظ عمن أخبره عن أنس بن أبي شيخ، قال: ركب جعفر بن يحيى ذات يوم، وأمر خادما له أن يحمل معه ألف دينار، وقال له: سأجعل طريقي على الأصمعي، فإذا حدثني فرأيتني ضحكت فأجعلها بين يديه، ونزل جعفر عند الأصمعي، فجعل الأصمعي يحدثه بكل أعجوبة ونادرة تطرب وتضحك، فلم يضحك.، وخرج من عنده، فقال له أنس بن أبي شيخ: رأيت منك عجبا، أمرت بألف دينار للأصمعي وقد حركك بكل مضحكة، وليس من عادتك أن ترد إلى بيت مالك ما قد خرج عنه، فقال له: ويحك!! إنه قد وصل إليه من أموالنا مائة ألف درهم قبل هذه المرة، فرأيت في داره حبا مكسورا وعليه دراعة خلق، ومقعدا وسخا، وكل شيء رأيته عنده رثا، وأنا أرى إن لسان النعمة أنطق من لسانه، وإن ظهور الصنيعة أمدح وأهجى من مدحه وهجائه، فعلى أي وجه أعطيه إذا كانت الصنيعة لم تظهر عنده ولم تنطق النعمة بالشكر عنه.
وفي الرشيد وجعفر بن يحيى يقول الشاعر:
ليهن الرشيد خلافاته ... وأمر الذي قد وهى عقده
أضاف إلى بيعة بيعة ... فقام بها جعفر وحده
بنو برمك أسسوا ملكه ... وشدوا لوارثه عهده
مجلس عند يحيى بن خالد
وقد كان يحيى بن خالد ذا علم ومعرفة وبحث ونظر، وله مجلس يجتمع فيه أهل الكلام من أهل الإسلام وغيرهم من أهل الأراء والنحل، فقال لهم يحيى وقد اجتمعوا عنده: قد أكثرتم الكلام في الكمون والظهور، والقدم والحدوث، والإثبات والنفي، والحركة والسكون، والمماسة والمباينة، والوجود والعدم، والجر والطفرة، والأجسأم والأعراض، والتعديل والتجريح ونفي الصفات وإثباتها، والاستطاعة والأفعال والكمية والكيفية، والمضاف، والإمامة أنص هي أم اختيار، وسائر ما توردونه من الكلام في الأصول والفروع، فقولوا الآن في العشق على غير منازعة، وليورد كل واحد منكم ما سنح له فيه، وخطر إيراده بباله.
حديث لهم عن العشق
فقال علي بن هيثم وكان أمامي المذهب من المشهورين من متكلمي الشيعة: أيها الوزير، العشق ثمرة المشاكلة، وهو دليل تمازج الروحين، وهومن بحر اللطافة، ورقة الصنيعة، وصفاء الجوهر وليس يحد لسعته، والزيادة فيه نقصان من الجسد.
وقال أبو مالك الحضرمي، وهو خارجي المذهب وهم الشراة: أيها الوزير، العشق نفث السحر، وهو أخفى وأحر من الجمر، ولا يكون إلا بازدواج الطبعين، وامتزاج الشكلين، وله نفوذ في القلب كنفوذ صيب المزن في خلل الرمل وهو ملك على الخصال تنقاد له العقول، وتستكين له الأراء.
وقال الثالث: وهو محمد بن الهذيل العلاف، وكان معتزلي المذهب وشيخ البصريين: أيها الوزير، العشق يختم على النواظر، ويطبع على آلأفئدق، مرتقى في الأجساد، ومسرعة في الأكباد، وصاحبه متصرف الظنون، متغير الأوهام، لا يصفو له، ولا يسلم له موعود، تسرع إليه النوائب، وهو جرعة من نقيع الموت، وبقية من حياض الثكل، غير إنه من أريحية تكون في الطبع، وطلاوة توجد في الشمائل، وصاحبه جواد لا يصغي إلى داعية المنع، ولا يسنح به نازع العذل.

(2/13)


وقال الرابع: وهو هشام بن الحكم الكوفي شيخ الأمامية في وقته وكبير الصنعة في عصره: أيها الوزير، العشق حبالة نصبها الدهر فلا يصيد بها إلا أهل التخالص في النوائب، فإذا علق المحب في شبكتها ونشب في اثنائها فأبعد به أن يقوم سليما أو يتخلص وشيكا، ولا يكون إلا من اعتدال الصورة، وتكافؤ في الطريقة، وملاءمة في الهمة، له مقتل في صميم الكبد، ومهجة القلب، يعقد اللسان الفصيح، ويترك المالك مملوكا والسيد خولا حتى يخضع لعبد عبده.
وقال النظام إبراهيم بن يسار المعتزلي وكان نظار البصريين في عصره: أيها الوزير العشق أرق من السراب، وأدب من الشراب، وهو من طينة عطرة عجنت في إناء الجلالة، حلو المجتنى ما اقصد، فإذا أفرط عاد خبلا قاتلأ، وفسادا معضلأ، لا يطمع في إصلاحه، له سحابة غزيرة تهمي على القلوب، فتعشب شعفا، وتثمر كلفا، وصريعه دائم اللوعة، ضيق المتنفس، مشارف الزمن، طويل الفكر، إذا أجنه الليل أرق، وإذا أوضحه النهار قلق، صومه البلوى، وإفطاره الشكوى.
ثم قال السادس والسابع والثامن والتاشع والعاشر ومن يليهم، حتى طال الكلام في العشق بألفاظ مختلفة ومعان تتقارب وتتناسب، وفيما مر دليل عليه.
العشق وعلة وقوعه
قال المسعودي: تنازع الناس ممن تقدم وتآخر في ابتداء وقوع الهوى وكيفيته، وهل ذلك من نظر وسماع، واختيار واضطرار، وما علة وقوعه بعد إن لم يكن، وزواله بعد كونه، وهل ذلك فعل النفس الناطقة أو الجسم وطباعه، فقال بقراط: هو امتزاج النفسين، كما لو امتزج الماء بماء مثله عسر تخليصه بحيلة من الإحتيال، والنفس ألطف من الماء، وأرق مسلكا، فمن أجل ذلك لا تزيله الليإلي، ولا تخلقه الدهور ولا يدفعه دافع دق عن الأوهام مسلكه، وخفى عن الأبصار موضعه وحارت العقول عن كيفية تمكنه غير أن ابتداء حركته من القلب، ثم تسير إلى سائر الأعضاء، فتظهر الرعدة في الأطراف، والصفرة في الألوان، واللجلجة في الكلام، والضعف في الرأي والويل والعثار حتى ينسب صاحبه إلى النقص.
وذهب بعض الأطباء إلى أن العشق طمع يتولد في القلب وينمى وتجتمع إليه مواد من الحرص فإذا قوي زاد بصاحبه الإهتياج واللجاج والتمادي والتفكر والأماني والهيمان والأحزان وضيق الصدر وكثرة الفكر وقلة الطعم وفساد العقل ويبس الدماغ، وذلك إن التمادي في الطمع للدم محرق، " فإذا احترق استحال إلى السوداء، فإذا قويت جلبت الفكر فتستعلي الحرارة، وتلتهب الصفراء، ثم تستحيل الصفراء إلى الفساد فتلحق حينئذ بالسوداء، وتصير مادة لها، فتقوى، ومن طبائع السوداء الفكر، فإذا فسد الفكر اختلطت الكيموسات بالفساد، ومع الإختلاط تكون الفدامة ونقصان العقل ورجاء ما لا يكون ولا يتم فحينئذ يشتد ما به، فيموت أو يقتل نفسه، وربما شهق فتخفى روحه أربعا وعشرين ساعة فيظن إنه مات فيقبرونه حيا، وربما تنفس الصعداء فتخفى روحه في تامور قلبه، وينضم القلب ولا ينفرج حتى يموت، وربما ارتاح وتشوق بالنظر، ويرى من يحب فجاة، وأنت ترى العاشق إذا سمع ذكر من يحب كيف يهرب دمه ويحول لونه.
وقال بعضهم: إن الله خلق كل روح مدورة على هيئة الكرة، وجزأها أنصافا، وجعل في كل جسد نصفأ، فكل جسد لقي الجسد فيه النصف الذي قطع من النصف الذي معه كان بينهما عشق ضرورة للمناسبة القديمة. وتفاوت أحوال الناس في ذلك من القوة والضعف على قدر طبائعهم.
ولأهل هذه المقالة خطب طويل فيما ذكرنا. وإن النفوس نورية جوهر بسيط نزل من علو إلى هذه الأجساد فسكنها، وإن النفوس تلي بعضا على حسب مجاورتها في عالم النفس في القرب والبعد، وذهب إلى هذا المذهب جماعة ممن يظهر الإسلام، واعتلوا بدلائل من القرآن والسنن ودلائل القياس عند أنفسهم. من ذلك قوله عز وجل: " يأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية، فادخلي في عبادي وادخلي جنتي " قالوا: فالرجوع إلى الحال لا يكون إلا بعد كون متقدم، ثم قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه سعيد بن أبي مريم قال: أخبرنا يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه قال: " الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف " .

(2/14)


وذهب إلى هذا القول جماعة من الأعراب، ففي ذلك يقول جميل ابن عبد الله بن معمر العذري في بثينة:
تعلق روحي روحها قبل خلقنا ... ومن قبل ماكنا نطافا، وفي المهد
فزاد كما زدنا، فأصبح ناميا ... وليس وإن متنا بمنتقض العهد
ولكنه باق على كل حالة ... وزائرنا في ظلمة القبر واللحد
وقال جالينوس: المحبة تقم بين العاقلين لتشاكلهما فى العقل، ولا تقع بين الأحمقين وإن كانا شكلين في الحمق، لأن العقل يجري على ترتيب، فيجوز أن يتفق فيه إثنان على طريق واحدة، والحمق لا يجري على ترتيب، ولا يجوز أن يتفق فيه إثنان.
وقسم بعض العرب الهوى فقال:
ثلأثة أحباب، فحب علأقةوحب تملاق، وحب هو القتل
وقال الصوفية من البغداديين: إن الله عز وجل إنما امتحن الناس بالهوى ليأخذوا أنفسهم بطاعة من يهوونه، ليشق عليهم سخطه، ويسرهم رضاه. فيسبتدل بذلك على قدر طاعة الله، إذ كان لا مثل له، ولا نظير وهو خالقهم غير محتاج إليهم، ورازقهم مبتدئا بالمن عليهم فإذا أوجبوا على أنفسهم طاعة سواه، كان تعالى أحرى أن يتبع رضاه.
وللباطنية المتصوفة في هذا كلام كثير وخطب طويل.
وقال أفلاطون: ما أدري ما الهوى، غير إنه جنون إلهي، والهوى لا محمود ولا مذموم.
وكتب بعض ظرفاء الكتاب إلى أخ له: إني صادفت منك جوهر نفسي، فأنا غير محمود على الإنقياد إليك بغير زمام لأن النفس يتبع بعضها بعضا.
وللناس ممن خلف وسلف من الفلاسفة والفلكيين والإسلاميين وغيرهم كلام كثير في العشق، وقد أتينا على ذلك في كتابنا أخبار الزمان ومن أباده الحدثان، من الامم الماضية والأجيال الخالية، والممالك الداثرة وإنما خرجنا مما كنا فيه أنفا من أخبار البرامكة عند ذكرنا العشق، فتغلغل بنا الكلام إلى إيراد لمع مما قيل في ذلك.
فلنرجع الآن إلى ما كنا فيه من أخبارهم، واتساق أيامهم، وانتظامها لهم بالسعود، ثم انعكاسها إلى النحوس.
الرشيد يزوج اخته العباسة لجعفر البرمكي

(2/15)


ذكر ذو معرفة بأخبار البرامكة أنه لما بلغ جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك ويحيى بن خالد والفضل وغيرهم من آل برمك ما بلغوا من الملك، وتناهوا إليه من الرياسة، واستقامت لهم، الأمور، حتى قيل: أن أيامهم عروس وسرور دائم لا يزول، قال الرشيد لجعفر بن يحيى: ويحك يا جعفر!! إنه ليس في الأرض طلعة أنا بها آنس، ولا إليها أميل، وأنا بها أشد استمتاعا وآنسا مني برؤيتك وأن للعباسة أختي مني موقعا ليس بدون ذلك، وقد نظرت في أمري معكما، فوجدتني لا أصبر عنك ولا عنها، ورأيتني ناقص الحظ والسرور منك يوم أكون معها، وكذاك حكمي منك في يوم كوني معك دونها، وقد رأيت شيئا يجتمع لي به السرور، وتتكاثف لي به اللذة والآنس، فقال: وفقك الله يا أمير المؤمنين! وعزم لك على الرشد في أمورك كلها! قال الرشيد: قد زوجتكما تزويجا تملك به مجالستها والنظر إليها والاجتماع بها في مجلس أنا معكما فيه لا سوى ذلك فزوجه الرشيد بعد امتناع كان من جعفر إليه في ذلك، وأشهد له من حضره من خدمه وخاصة مواليه، وأخذ الرشيد عليه عهد الله ومواثيقه وغليظ أيمانه أنه لا يخلو بها، ولا يجلس معها، ولا يظله وأياها سقف بيت إلا وأمير المؤمنين الرشيد ثالثهما، فحلف له جعفر على ذلك، ورضي به، وألزمه نفسه، وكانوا يجتمعون على هذه الحالة التي وصفناها وجعفر في ذلك صارف بصره عنها، مزور بوجهه هيبة لأمير المؤمنين، ووفاء بعهده وأيمانه ومواثيقه على ما وافقه الرشيد عليه وعلقته العباسة، وأضمرت الاحتيال عليه وكتبت إليه رقعة، فرد رسولها وشتمه وتهدده، وعادت فعاد لمثل ذلك، فلما استحكم اليأس عليها قصدت لأمه، ولم تكن بالحازمة، فاستمالتها بالهدايا من نفيس الجواهر والألطاف، وما أشبه ذلك من كثرة المال وألطاف الملوك، حتى إذا ظننت أنها لها في الطاعة كالأمة، وفي النصيحة والإشفاق كالوالدة، ألقت إليها طرفأ من الأمر الذي تريده، وأعلمتها ما لها في ذلك من حميد العاقبة، وما لإبنها من الفخر والشرف بمصاهرة أمير المؤمنين، وأوهمتها أن هذا الأمر إذا وقع كان به أمان لها ولولدها من زوال النعمة وسقوط مرتبته، فاستجابت لها أم جعفر، ووعدتها بأعمال الحيلة في ذلك، وأنها تلطف لها حتى تجمع بينهما، فأقبلت على جعفر يوما فقالت له: يا بني، قد وصفت لي وصيفة في بعض القصورمن تربية الملوك قد بلغت من الأدب والمعرفة والظرف والحلاوة مع الجمال الرائع والقد البارع والخصال المحمودة ما لم ير مثله، وقد عزمت على اشترائها لك، وقد قرب الأمر بيني وبين مالكها، فاستقبل جعفر كلامها بالقبول، وعلفقت بذلك قلبه، وتطلعت إليها نفسه، وجعلت تمطله، حتى اشتد شوقه، وقويت شهوته، وهو في ذلك يلح عليها بالتحريك والإقتضاء، فلما علمت أنه قد عجز عن الصبر واشتد به القلق قالت له: أنا مهديتها إليك ليلة كذا وكذا.

(2/16)


وبعثت إلى العباسة فأعلمتها بذلك، فتأهبت بمثل ما تتأهب به مثلها وسارت إليها في تلك الليلة، وانصرف جعفرفي تلك الليلة من عند الرشيد، وقد بقي في نفسه من الشراب فضلة لما قد عزم عليه، فدخل منزله، وسأل عن الجارية، فخبر بمكانها، فأدخلت على فتى سكران لم يكن بصورتها عالما، ولا على خلقها واقفا، فقام إليها فواقعها، فلما قضى حاجته منها قالت له: كيف رأيت حيل بنات الملوك، قال: وأي بنات الملوك تعنين، وهو يرى أنها من بعض بنات الروم، فقالت له: أنا مولاتك العباسة بنت المهدي، فوثب فزعا قد زال عنه سكره ورجع إليه عقله، فأقبل على أمه وقال: لقد بعتني بالثمن الرخيص، وحملتني على المركب الوعر، فانظري ما يؤول إليه حالي، وانصرفت العباسة مشتملة منه على حمل، ثم ولدت غلاما، فوكلت به خادما من خدمها يقال له رياش وحاضنة تسمى برة، فلما خافت ظهور الخبر وانتشاره وجهت الصبي والخادم والحاضنة إلى مكة، وأمرتهما بتربيته، وطالت مدة جعفر، وغلب هو وأبوه وأخوته على أمر المملكة، وكانت زبيدة أم جعفر زوج الرشيد من الرشيد بالمنزلة التي لا يتقدمها أحد من نظرائها، وكان يحيى بن خالد لا يزال يتفقد أمر حرم الرشيد ويمنعهن من خدمة الخدم، فشكت زبيدة إلى الرشيد. فقال ليحيى بن خالد: يا أبت، ما بال أم جعفر تشكوك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، أمتهم أنا في حرمك وتدبير قصرك عندك، فقال: لا والله، لا تقبل قولها، قال الرشيد: فلست أعاودك، فازداد يحيى لها منعا، وعليها في ذلك غلظة، وكان يأمر بقفل أبواب الحرم بالليل، ويمضي بالمفاتيح إلى منزله، فبلغ ذلك من أم جعفر كل مبلغ، فدخلت ذات يوم على الرشيد فقالت: يا أمير المؤمنين، ما يحمل يحيى على ما لا يزال يفعله من منعه إياي من خدمي ووضعه إياي في غيرموضعي، فقال لها الرشيد: يحيى عندي غيرمتهم في حرمي، فقالت: إن كان كذلك لحفظ ابنه مما ارتكبه، فقال: وما ذاك؟ فخبرته بالخبر وقصت عليه قصة العباسة مع جعفر، فسقط في يده، وقال لها: هل لك على ذلك من دليل أو شاهد؟ قالت: وأي دليل أدل من الولد؟ قال: وأين الولد؟ قالت: قد كان ههنا، فلما خافت ظهور أمره وجهته إلى مكة، فقال لها: أفيعلم هذا أحد غيرك؟ قالت: ما في قصرك جارية إلا وقد علمت به، فأمسك عن ذلك، وطوى عليه كشحا، وأظهر أنه يريد الحج، فخرج هو وجعفر بن يحيي، وكتبت العباسة إلى الخادم والحاضنة أن يخرجا بالصبي إلى اليمن.
فلما صار الرشيد إلى مكة وكل من يثق به بالفحص والبحث عن أمر الصبي والداية والخادم فوجد الأمر صحيحا، فلما قضى حجه ورجع أضمر في البرامكة على إزالة نعمهم، فأقام ببغداد مديدة، ثم خرج إلى الأنبار، فلما كان في اليوم الذي عزم فيه على قتل جعفر دعا بالسندي بن شاهك، فأمره بالمضي إلى مدينة السلام والتوكيل بدور البرامكة ودور كتابهم وأبنائهم وقراباتهم، وأن يجعل سرا من حيث لا يكلم به أحدا حتى يصل إلى بغداد، ثم يفضي بذلك لمن يثق به من أهله وأعوانه، فامتثل السندي ذلك، وقعد الرشيد وجعفر عنده في موضع يعرف في الأنبار بالعمر، فأقاما يومهما بأحسن هيئة وأطيب عيش، فلما انصرف جعفرمن عنده خرج الرشيد حتى ركب مشيعا له ثم رجع الرشيد فجلس على كرسي، وأمر بما كان بين يديه فرفع فمضى جعفر إلى منزله وفيه فضلة من الشراب، ودعا بأبي زكار المغني الطنبوري وابن أبي شيخ كاتبه ومدت ستارة، وجلس جواريه خلفها يضربن ويغنين، وأبو زكار يغنيه:
مايريد الناس منا ... ما ينام الناس عنا
إنما همتهم أن ... يظهروا ما قد دفنا

(2/17)


وأمر الرشيد من ساعته ياسرا خادمه المعروف برخلة فقال له: إني أندبك لأمر ما أرى محمدا ولا القاسم له أهلا ولا موضعا، ورأيتك به مستقلا ناهضا، فحقق ظني، واحذر أن تخالف أمري فيكون ذلك سببا لسقوط منزلتك عندي وفساد حالك لدي فقال: يا أمير المؤمنين، لو أمرتني أن أدخل السيف في بطني وآخرجه من ظهري بين يديك لفعلت، فمرني بأمرك فإني والله مسرع، فقال: ألست تعرف جعفر بن يحيى البرمكي؟ قال: يا أمير المؤمنين وهل أعرف سواه، أو ينكر مثل جعفر؟ قال: ألم تر تشييعي إياه عند خروجه؟ قال: بلى، قال: فامض الساعة إليه فأتني برأسه على أي حالة تجلى عليها، فأرتج على ياسر الكلام وأخذته رعدحة ووقف لا يحير جوابا، فقال: يا ياسر، ألم أتقدم إليك بترك الخلاف علي؟ قال: بلى يا أمير المؤمنين، ولكن الخطب أجل من ذلك، والأمر الذي ندبني إليه أمير المؤمنين وددت لو أني كنت مت قبل أن يجري على يدي منه شيء فقال: دع عنك هذا وامض لما قد أمرتك فمضى ياسر حتى دخل على جعفر وهو على حال لهوه، فقال له: إن أمير المؤمنين قد أمرني فيك بكيت وكيت، فقال جعفر: إن أمير المؤمنين يمازحني بأصناف من المزاح فأحسب أن هذا جنس منه، فقال: والله ما رأيته إلا جادا، قال: فإن يكن الأمر كما قلت فهو إذا سكران، قال: لا والله ما افتقدت من عقله شيئا، ولا ظننته شرب نبيذا في يومه مع ما رأيت من عبادته، قال له: فإن لي عليك حقوقا لم تجد لها مكافأة في وقت من الأوقات إلا هذا الوقت، قال: تجدني إلى ذلك سريعا إلا فيما خالف أمير المؤمنين، قال: فارجع إليه فأعلمه أنك قد نفذت ما أمرك به فإن أصبح نادما كانت حياتي على يديك جارية، وكانت لك عندي نعمة مجددة، وان أصبح على مثل هذا الرأي نفذت ما أمرت به في غد، قال: ليس إلى ذلك سبيل، قال: فأصبر معك إلى مضرب أمير المؤمنين حتى أقف بحيث اسمع كلامه ومراجعته أياك، فإذا ابديت عذرا ولم يقنع إلا بمصيرك إليه برأسي خرجت فأخذت رأسي من قرب، قال له: أما هذا فنعم، فمضيا جميعا إلى مضرب الرشيد فدخل إليه ياسر فقال: قد أخذت رأست، يا أمير المؤمنين، وها هو ذا بالحضرة، فقال له: ائتني به وإلا والله قتلتك قبله، فخرج فقال له: أسمعت الكلام، قال: فشأنك وما أمرت به، فأخرج جعفر من كمه منديلا صغيرا فعصب به عينيه ومد رقبته فضربها ياسر وأدخل رأسه إلى الرشيد فلما رأى الرأس بين يديه أقبل عليه، وجعل يذكره بذنوبه، ثم قال: يا ياسر ائتني بفلان وبفلان، فلما أتى بهم قال لهم: اضربوا عنق ياسر، فإني لا أقدر أن أنظر إلى قاتل جعفر.
وقال الاصمعي: وجه إلي الرشيد في تلك الليلة، فلما أدخلت إليه قال: يا أصمعي، قد قلت شعرا فأسمعه، قلت: نعم يا أمير المؤمنين، فأنشد:
لو ان جعفر هاب أسباب الردى ... لنجا بمهجته طمرملجم
ولكان من حذر المنون بحيث لا ... يسمو إليه به العقاب القشعم
لكنه لما تقارب وقته ... لم يدفع الحدثان عنه منجم
مدة سلطان البرامكة ورثاء الشعراء لهم
قال الأصمعي: ورجعت إلى منزلي فلم أصل إليه حتى تحدث الناس بقتل جعفر، وأصيب على باب قصر علي بن عيسى بن ماهان بخراسان في صبيحة الليلة التي قتل فيها جعفروأوقع بالبرامكة مكتوب بقلم جليل:
إن المساكين بنو برمك ... صبت عليهم غيرالدهر
إن لنا في أمرهم عبرة ... فليعتبرساكن ذا القصر
قال المسعودي: وكان مدة دولة البرامكة وسلطانهم وأيامهم النضرة الحسنة من استخلاف هارون الرشيد إلى أن قتل جعفر بن يحيى بن خالد ابن برمك سبع عشرة سنة وسبعة أشهروخمسة عشريوما، وقد رثتهم الشعراء بمراث كثيرة، وذكرت أيامهم فمن ذلك قول علي بن أبي معاذ:
يا أيها المغتر بالدهر ... والدهر ذو صرف وذو غدر
لا تامن الدهر وصولاته ... وكن من الدهر على حذر
إن كنت ذا جهل يتصريفه ... فانظر إلى المصلوب بالجسر
فإن فيه عبرة،فاعتبر ... يا ذا الحجا والعقل والفكر

(2/18)


وخذ من الدنيا صفا عيشها ... وأجر مع الدهر كما يجري
كان وزير القائم المرتضى ... وذا الحجا والفضل والذكر
وكانت الدنيا بأقطارها ... إليه في البروفي البحر
يشيد الملك بآرائه ... وكان فيه نافذ الأمر
فبينما جعفر في ملكه ... عشية الجمعة بالعمر
يطيرفي الدنيا بأجناحه ... يأمل طول الخلد والعمر
إذ عثر الدهر به عثرة، ... يا ويلنا من عثرة الدهر
وزلت النعل به زلة ... كانت له قاصمة الظهر
فغودرالبائس في ليلة ال ... سبت قتيلا مطلع الفجر
وأصبح الفضل بن يحيى وقد ... أحيط بالشيخ ومايدري
وجيء بالشيخ وأولاده ... يحيى معا في الغل والأسر
والبرمكيين وأتباعهم ... من كان في الآفاق والمصر
كأنما كانوا علي موعد ... كموعد الناس إلى الحشر
وأصبحوا للناس أحدوثة ... سبحان ذي السلطان والأمر
وممن رثاهم فا ستحسن قوله أشجع السلمي، فقال من قصيدة:
ألان أرحنا واستراحت ركابنا ... وأمسك من يجدي ومن كان يجتدي
فقل للمطايا: قد أمنت من السرى ... وطي الذيافي فدفدا بعد فدفد
وقل العطايا بعد فضل: تعطلي ... وقل للرزايا: كل يوم تجددي
ودونك سيفا برمكيا مهندا ... أصيب بسيف هاشمي مهند
وقال فيهم سلم الخاسر:
خوت أنجم الجدوى وشلت يد الندى ... وغاضت بحارالجود بعد البرامك
هوت أنجم كانت لأبناء برمك ... بها يعرف الهادي قويم المسالك
وقال فيهم صالح الأعرابي:
لقد خان هذا الدهرأبناء برمك ... وأي ملوك لم تخنها دهورها؟
ألم يك يحيى والي الأرض كلها ... فأضحى كمن وارته منها قبورها
وقال فيهم أبو حزرة الأعرابي، وقيل أبو نواس:
مارمى الدهرآل برمك لما ... أن رمى ملكهم بأمربديع
إن دهرا لم يرع حقا ليحيى ... غيرراع حقا لآل الربيع
وقال فيه بعض الشعراء فأحسن:
يابني برمك واها لكم ... ولأيامكم المقتبله
كانت الدنيا عروسا بكم ... وهي اليوم ثكول أرمله
وقال أشجع فيهم:
ولى عن الدنيا بنو برمك ... فلو توالى الناس ما زادا
كأنما أيامهم كلها ... كانت لأهل الأرض أعيادا
ولآخر فيهم من أبيات:
كأن أيامهم من حسن بهجتها ... مواسم الحج والأعياد والجمع
وقال منصور النمري:
أندب بني برمك لدنيا ... تبكي عليهم بكل واد
كانت بهم برهة عروسا ... فاضحت إليوم في حداد
وقال دعبل الخزاعي:
ألم ترصرف الدهرفي آل برمك ... وفي ابن نهيك والقرون التي تخلو
لقد غرس القوم النخيل تمكنا ... فماحصدوا إلاكماحصد البقل
وقال أشجع فيهم أيضا:
قد ساردهر ببني برمك ... ولم يدع فيهم لنا بقيا
كانوا أولي الخيروهم أهله ... فارتفع الخيرعن الدنيا
ولما قتل جعفروقبض على يحيى والفضل، وضيق عليهما المحابس، واشتد بهما الجهد،وترادف عليهما البلاء قال الفضل بن يحيى يذكرماهما فيه:
إلى الله فيما نابنا نرفع الشكوى ... ففي يده كشف المضرة والبلوى
خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها ... فلا نحن في الأموات فيها ولا الأحيا

(2/19)


إذا جاءنا السجان يوما لحاجة ... عجبنا وقلنا: جاء هذا من الدنيا
وكان الرشيد كثيرا ما ينشد بعد نكبة البرامكة:
إن استهانتها إذاوقعت ... لبقدرما تعلو بها رتبه
وإذا بدت للنمل أجنحة ... حتى يطيرفقددنا عطبه
وقال محمد بن عبد الرحمن الهاشمي: دخلت على والدتي يوم نحر، فوجدتها وعندها أمراة برزة متكلمة في اثواب رثة فقالت لي: أتعرف هذه؟ قلت: لا، قالت: هذه عبادة أم جعفر بن يحيى، فأقبلت عليها بوجهي أحدثها وأعظمها ثم قلت لها: يا أماه ما اعجب ما رأيت؟ قالت: يا بني لقد أتى عيد مثل هذا وأنا على رأسي أربعمائة وصيفة، وإني لأعد ابني عاقالي ولقد أتى علي هذا العيد وما أتمنى سوى جلد شاتين افترش أحدهما وألتحف الآخر، قال: فدفعت إليها خمسمائة درهم، فكادت تموت فرحا بها، ولم تزل تختلف إلينا حتى فرق الموت بيننا.
وحكي عن بعض عمومة الرشيد انه صار إلى يحيى بن خالد عند تغير الرشيد له قبل الايقاع بهم، فقال له: ان أمير المؤمنين قد أحب جمع الأموال، وقد كثر ولده فهو يريد ان يعقد لهم الضياع، وقد كثر عليك وعلى أصحابك عنده فلو نظرت إلى ضياعهم واموالهم فجعلتها لولد أمير المؤمنين، وتقربت إليه بها رجوت أن يكون لك السلامة، وان يرجع لك أمير المؤمنين، فقال له يحيى: والله لأن تزول النعمة عني أحب إلي من أن أزيلها عن قوم كنت سببها إليهم.

(2/20)


وذكر الخليل بن الهيثم الشعبي - وكان قد وكله الرشيد بيحيى والفضل في الحبس - قال: أتاني مسرور الخادم ومعه جماعة من الخدم، ومع خادم منهم منديل ملفوف، فسبق إلى نفسي ان الرشيد قد تعطف عليهم، فوجه إليهم بلطف، فقال لي مسرور: آخرج الفضل بن يحيى، فلما مثل بين يديه قال له: ان أمير المؤمنين يقول لك: إني قد أمرتك ان تصدقني عن أموالكم فزعمت أنك قد فعلت، وقد صح عندي أنك ابقيت لك أموالا، وقد أمرت مسرورا ان لم تطلعه عليها ان يضربك مائتي سوط، فقال له الفضل: قتلت والله يا أبا هاشم، فقال له مسرور: يا أبا العباس أرى لك أنك لا تؤثر مالك على مهجتك، فأني لا آمن أن أنفذ ما أمرت به فيك أن إلي على نفسك، فرفع الفضل رأسه إلى السماء وقال له: يا أبا هاشم، ما كذبت بأمير المؤمنين، ولو كانت الدنيا لي وخيرت بين الخروج منها وبين أن اقرع مقرعة لا خترت الخروج منها، وأمير المؤمنين يعلم. وأنت تعلم أنا كنا نصون أعراضنا بأموالنا، وكيف صرنا اليوم نصون أموالنا منكم بأنفسنا، فأن كنت أمرت بشيء فامض له، فأمر بالمنديل فنفض، فسقط منه أسواط بأثمارها، فضرب مائتي سوط، وتولى ضربه أولئك الخدم، فضربوه أشد الضرب الذي يكون بغير معرفة، فكادوا يأتون على نفسه، فخافنا عليه الموت، فقال الخليل بن الهيثم لوكيله المعروف بأبي يحيى: أن هنا رجلا قد كان في الحبس، وهو بصير بالعلاج لمثل هذا أو شبهه، فصر إليه وأسأله أن يعالجه، قال: فأنهيت إليه ذلك، فقال: لعلك تريد أن تعالج الفضل بن يحيى، فقد بلغني ما صنع به. فقلت: أياه أريد، قال: فامض بنا إليه حتى اعالجه، فلما رآه قال: أحسبه ضربه خمسين سوطا، قال: أنه ضربه مائتي سوط، قال: ما اظن الا أن هذا اثر خمسين سوطا، ولكن يحتاج أن ينام على بارية وأدوس صدره ساعة، فجزع الفضل من ذلك، ثم أجاب إليه، ففعل ذلك به، ولم يزل يدوس صدره، ثم أخذا بيده فجذبه حتى أقامه عن البارية، فتعلق بها من لحم ظهره شيء كثير، ثم جعل يختلف إليه ويعالجه إلى أن نظريوما إليه فخر ساجدا، فقلت: ما لك. فقال: يا أبا يحيى، قد برىء أبو العباس،ادن مني حتى ترى، قال: فدنوت منه فأراني في ظهره لحما نابتا، ثم قال لي: أتحفظ قولي هذا اثر خمسين سوطا. قلت: نعم، قال: والله لو ضرب ألف سوط ما كان اثرها بأشد من ذلك الاثر، وأنما قلت ذلك لكي تقوى نفسه فيعينني على علاجه، فلما خرج الرجل قال لي الفضل: يا أبا يحيى، قد احتجت عشرة آلاف درهم، فسر إلى المعروف بالنسائي وأعلمه حاجتي إليها، قال: فأتيته بالرسالة، فأمر بحملها إليه، فقال: يا أبا يحيى، أحب أن تمضي بها إلى هذا الرجل، وتعتذر إليه، وتسأله قبول ما وجهت به، قال: فمضيت إليه فوجدته قاعدا على حصير وطنبور له معلق ودساتيج فيها نبيذ وأداة رثة، فقال: ما حاجتك يا أبا يحيى: فأقبلت أعتذر عن الفضل، واذكر ضيق الأمر عليه، وأعلمته بما وجه به إليه، فامتعض من ذلك ونحر حتى أفزعني، وقال: عشرة آلاف درهم، يرددها، فجهدت كل الجهد أن يقبلها، فأبى، فصرت إلى الفضل، فأعلمته، فقال لي: استقلها والله، ثم قال لي الفضل: أحب أن تعود إلى النسائي ثأنية وتعلمه أني احتجت إلى عشرة آلاف درهم آخرى، فإذا دفعها إليك فسر بالكل إلى الرجل، قال: فقبضت من النسائي عشرة آلاف آخرى ورجعت إلى الرجل ومعي المال، وعرفته الخبر، فأبى أن يقبل شيئا منه، فقال:أنا أعالج فتى من الأبناء بكراء. إذهب عني، فوالله لو كانت عشرين ألف ما قبلتها، فرجعت إلى الفضل واخبرته الخبر، فقال لي: يا أبا يحيى، حدثني بأحسن ما رأيت أو بلغك من أفعالنا، قال: فجعلت أحدثه مليا، فقال: دع عنك هذا، فوالله أن ما فعله هذا الرجل أحسن من كل ما فعلناه في أيامنا كلها.
وقتل جعفربن يحيى وهو ابن خمس وأربعين سنة، وقيل اقل من ذلك ومات يحيى بن خالد بالرقة في سنة تسع وثمانين ومائة على ما قدمنا.
قال المسعودي: وللرشيد أخبار حسان وسير، وقد قدمنا ذكرها فيما سلف من كتبنا في ذكر أخبار ملوك الروم بعد ظهور الاسلام، وما كان بينه وبين نقفورفيما تقدم من هذا الكتاب.

(2/21)


وللبرامكة أخبار حسان، وما كان منهم من الإفضال بالمعروف واصطناع المكارم، وغير ذلك من عجائب أخبارهم وسيرهم وما مدحتهم الشعراء به، ومراثيهم، وقد أتينا على جميع ذلك في كتابنا أخبار الزمان والكتاب الأوسط، وأنما نورد في هذا الكتاب لمعا من الأخبار لم يتقدم لها أيراد في ما تقدم من كتبنا، وكذلك ذكرنا بدء أخبارهم قبل ظهور الاسلام. وكونهم على بيت النوبهار، وهو بيت النار ببلخ المقدم ذكرها فيما سلف من هذا الكتاب، وعلة تسميته برمك، وخبر برمك الأكبر مع ملوك الترك، وخبرهم بعد ظهور الإسلام، وما كان منهم في أيام بني أمية كهشام بن عبد الملك وغيره، وما كان منهم في أيام المنصور، واكتفينا بما ذكرناه في هذا الكتاب من هذه التلويحات من أخبارهم واللمع من آثارهم.
ذكر خلافة محمد الأمين
وبويع محمد بن هارون في اليوم الذي مات فيه هارون الرشيد، وهو يوم السبت لأربع ليال خلون من جمادي الأولى، بطوس، سنة ثلاث وتسعين ومائة، وتقدم ببيعته رجاء الخادم، وكان القيم ببيعته الفضل بن الربيع، وكان محمد يكنى بأبي موسى. وأمه زبيدة ابنة جعفر بن أبي جعفر بالرصافة وكان مولده بالرصافة. وقتل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة وستة أشهر وثلاثة عشر يوما. ودفنت جثته ببغداد. وحمل رأسه إلى خراسان. وكانت خلافته أربع سنين وستة أشهر وقيل: تسعة أشهر، وقيل: ثمانية أشهر وستة أيام، على حسب ما وجدنا من اختلاف التواريخ وتباينها. وقيل: أن محمدا افضت الخلافة إليه وهو ابن اثنتين وعشرين سنة وسبعة أشهر وأحد وعشرين يوما، وكان أصغر من المأمون بستة أشهر، وكانت أيامه في الحصار من خلعه إلى مقتله سنة ونصفا وثلاثة عشريوما، حبس فيها يومين.
ذكر جمل من أخباره وسيره
ولمع مما كان في أيامه
كيف جاءه خبر الولاية
قبض الرشيد والمأمون بمرو، وبعث صالح بن الرشيد رجاء الخادم مولى محمد الأمين، إلى محمد، فأتاه بالخبر في اثني عشر يوما إلى مدينة السلام يوم الخميس للنصف من جمادي الآخرة.
رؤيا زبيدة أيام خملت بالأمين وعند مولده وبعده
وذكر جماعة من الأخباريين وممن عني بأخبار العباسيين كالمدائني، والعتبي وغيرهما أن زبيدة رأت في المنام ليلة علقت بمحمد كأن ثلاث نسوة دخلن عليها وهي بمجلس، قعدت اثنتان عن يمينها وواحدة عن يسارها، فدنت أحداهن، فجعلت يدها على بطن أم جعفر، ثم قالت: ملك فخم عظيم، ثقيل الحمل، نكد الأمر، ثم فعلت الثانية كما فعلت الأولى، وقالت: ملك ناقص الجد، مفلول الحد، ممذوق الود، تجور أحكامه، وتخونه أيامه، ثم فعلت الثالثة كما فعلت الثانية، وقالت: ملك قصاف، عظيم إلايلاف، كثير الخلاف، قليل الأنصاف، قالت: فأستيقظت وأنا فزعة، فلما كان في الليلة التي وضعت فيها محمدا دخلن علي وأنا نائمة كما كن دخلن. فقعدن عند رأسي، ونظرن في وجهي، ثم قالت إحداهن: شجرة نضرة، وريحانة حسنة، وروضة زاهرة، ثم قالت الثانية: عين غدقة قليل لبثها سريع فناؤها عجل ذهابها وقالت الثالثة:عدو لنفسه، ضعيف في بطشه، سريع إلى غشه، مزال عن عرشه، فأستيقظت من نومي وأنا فزعة بذلك، وأخبرت بذلك بعض قهارمتي، فقالت: بعض ما يطرق النائم، وعبث من عبث التوابع، فلما تم فصاله أخذت مرقدي ليلة ومحمد أمامي في مهلى، إذ بهن قد وقفن على رأسي وأقبلن على ولدي محمد، فقالت أحداهن: ملك جبار، متلاف مهذار، بعيد الآثار، سريع العثار، ثم قالت الثانية: ناطق مخصوم، ومحارب مهزوم، وراغب محروم، وشقي مهموم، وقالت الثالثة: احفروا قبره، ثم شقوا لحده، قدموا أكفانه، وأعدوا جهازه، فإن موته خير من حياته. قالت: فأستيقظت وأنا مضطربة وجلة، وسألت مفسري الاحلام والمنجمين، فكل يخبرني بسعادته وحياته وطول عمره، وقلبي يأبى ذلك، ثم زجرت نفسي وقلت: وهل يدفع إلاشفاق والحذر وإلاحتراز واقع القدر، أو يقدر أحد أن يدفع عن أحبابه الأجل؟.
موت ابن عياش وعزم الأمين على خلع أخيه
وفي سنة ثلاث وتسعين ومائة مات أبو بكر بن عياش الكوفي الأسدي وهوابن ثمان وتسعين سنة، بعد موت الرشيد بثماني عشرة ليلة.

(2/22)


ولما هم محمد بخلع المأمون شاور عبد الله بن حازم، فقال له: أنشدك الله يا أمير المؤمنين، إلا تكون أول الخلفاء نكث عهدي، ونقض ميثاقه. واستخف بيمينه، فقال: اسكت أسكت الله فاك، فعبد الملك بن صالح كان أفضل منك رأيا حيث يقول: لا يجتمع فحلان في هجمة. وجمع القواد وشاورهم فأتبعوه في مراده إلى أن بلغ إلى هرثمة بن حازم، فقال: يا أمير المؤمنين: لن ينصحك من كذبك، ولن يغشك من صدقك، لا تجرىء القواد على الخلع فيخلعوك، ولا تحملهم على نكث العهد فينكثوا عهدك وبيعتك، فأن الغادر مخذول، والناكث مغلول. ودخل علي. بن عيسى بن ماهان، فتبسم محمد وقال: لكن شيخ هذه الدعوة، وباب هذه الدولة، لا يخالف إمامه، ولا يوهن طاعته، ثم رفعا إلى موضع ما رفعه إليه فيما مضى، فكان علي بن عيسى أول من أجاب إلى خلع المأمون، فسيره في عظيم نحو خراسان، فلما قرب من الري قيل له: إن طاهر بن الحسين مقيم بها، وقد كان يظن أن طاهرا لا يثبت له، فقال: والله ما طاهر إلا شوكة من أغصاني وشرارة من ناري، وما مثل طاهريؤمر على جيش، وما بينه وبين الموت إلا أن تقع عينه على سوادكم، فإن السخال لا تقوى على نطاح الكباش، والثعالب لا تقدر على لقاء الاسد، فقال له ابنه: ابعث طلائع وارتد موضعا لعسكرك، فقال: ليس مثل طاهر يستعد له بالمكايد ويستظهر له بالاحتراز والتحفظ، أن حال طاهر يؤدي إلى أمرين: إما أن يتحصن بالري فيثب به أهلها ويكفونا مؤنته، أو يخليها ويدبر راجعا، لو قد قربت خيولنا منه، فقال له ابنه: إن الشرارة ربما صارت ضراما، فقال: اسكت إن طاهرا ليس قرنا في هذا الموضع، وأنما تحترس الرجال من أقرانها، وسار علي بن عيسى حتى دنت عساكره من الري، وتبين ما عليه طاهر من الجد وأهبة الحرب وضم الأطراف، فعدل إلى رستاق من رساتيق الري متياسرا عن الطريق، فنزل به، وانبسطت عساكره، وأقبل طاهر في نحو من أربعة آلاف فارس، فأشرف على عساكرعلي بن عيسى وتبين كثرتها وعدة ما فيها، فعلم أن لا طاقة له بذلك الجيش، فقال لخواص من معه: نجعلها خارجية، وكردس خيله كراديس، وصمد في نحو القلب في سبعمائة من الخوارزمية وغيرهم من فراسن خراسان، وخرج إليه من القلب العباس بن الليث مولى المهدي، وكان فارسا، فقصده طاهر وضم يديه على سيفه فأنثنى العباس وأنضم المعروف بداود سياه إلى علي بن علي وقد اختلط الناس، فضربه ضربة فأتى عليه، وكان علي في ذلك الوقت على برذون كميت أرجل، وتمالأ على رأسه الرجال، وتنازعوا في خاتمه ورأسه، فذبحه رجل يعرف بطاهربن الراجي، وقبض آخر على خصلة من شعر لحيته، وآخر على خاتمه، وكان سبب هزيمة الجيش ضربة طاهر بيديه جميعا للعباس بن الليث، وبذلك سمي طاهر ذا اليمينين، لجمعه يديه على السيف.
وذكر أحمد بن هشام - وكان من وجوه القواد - قال: جئت إلى مضرب طاهروقد توهم أني قتلت في المعركة ومعي رأس علي وقد شد، فقال: البشرى، هذه خصلة من رأس علي مع غرمي في المخلاة، فطرحة قدامه، ثم أتى بجثته، وقد شدت يداه ورجلاه، كما يفعل بالدواب إذ مالت، فأمر به طاهر فألقي في بئر، وكتب إلى في الرياستين الفضل بن سهل بالخبر، فكان في الكتاب: أطال الله بقاءك، وكبت أعداءك، كتابي إليك، ورأس علي بن عيسى بين يدي وخاتمه في أصبعي، والحمد لله رب العالمين، فسر المأمون بذلك، وسلم عليه في ذلك الوقت بالخلافة. وقد كانت أم جعفر لا تعلق من الرشيد، فشاور بعض مجالسيه من الحكماء وشكا ذلك إليه، فأشار عليه بأن يغيرها، فأن إبراهيم الخليل عليه السلام كانت عنده سارة، فلم تكن تعلق منه، فلما وهبت له هاجر علقت منه بإسماعيل فغارت سارة عند ذلك، فعلقت بإسحاق، فأشتر الرشيد أم المأمون، فاستخلاها، فعلقت بالمأمون، فغارت أم جعفر عند ذلك فعلقت بمحمد.

(2/23)


قال المسعودي: وقد قدمنا التنازع في ذلك - أعني قصص إبراهيم وإسماعيل وإسحاق عليهم السلام، وقول من ذهب إلى أن إسحاق هو المأمور بذبحه، ومن قال: بل إسماعيل، وما ذكر كل فريق منهم في ذلك، وقد تناظر في ذلك السلف والخلف، فمن ذلك ما جرى بين عبد الله بن عباس وبين مولاه عكرمة، وقد قال عكرمة: من المأمور بذبحه، فقال: إسماعيل، واحتج بقول الله عز وجل: " ومن وراء إسحاق، يعقوب " إلا ترى أنه بشر إبراهيم بولادة إسحاق فكيف يأمره بذبحه فقال له عكرمة:أنا أوجدك أن الذبيح إسحاق من القرآن، واحتج بقول الله عز وجل: " وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث، ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب، كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق " فنعمته على إبراهيم: أن نجاه من النار، ونعمته على إسحاق: أن فداه بالذبح، وكانت وفاة عكرمة مولى ابن العباس سنة خمس ومائة، ويكنى أبا عبد الله، مات في اليوم الذي مات فيه كثير عزة، فقال الناس: مات عظيم الفقهاء وأهل العلم وكبير الشعراء، وفيها كانت وفاة الشعبي.
الأمين ينصب مجلس غناء وهومحاصر
وحدث يوسف بن إبراهيم الكاتب قال: حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن المهدي قال: بعث إلي الأمين محمد، وهو محاصر، فصرت إليه، فإذا هوجالس في طارمة خشبها من عود وصندل عشرة في عشرة، وإذا سليمان بن أبي جعفر المنصور معه في جوف الطارمة، وهي قبة كان أتخذ لها فراشا مبطنا بأنواع الحرير والديباج المنسوج بالذهمب الأحمر وغير ذلك من أنواع الإبريسم، فسلمت فإذا قدامة قدح بلور مخروز فيه شراب ينفذ مقداره خمسة أرطال، وبين يحيى سليمان قدح مثله، فجلست بإزاء سليمان، فأتيت بقدح كالأول والثاني، قال: فقال: أنما بعثت إليكما لما بلغني قدوم طاهر بن الحسين إلى النهروان، وما قد صنع في أمرنا من المكروه، وقابلن! به من الإساءة، فدعوتكما لافرج بكما وبحديثكما، فأقبلنا نحدثه ونؤنسه حتى سلا عما كان يجده وفرح، ودعا بجارية من خواص جواريه تسمى ضعفا، قال: فتطيرت من اسمها ونحن على تلك الحال، فقال لها: غنينا، فوضعت العود في حجرها وغنت:
كليب لعمري كان أكثرناصرا ... وأكثرحزما منك ضرج بالدم
فتطير من قولها، ثم قال لها: اسكتي قبحك الله، ثم عاد إلى ما كان عليه من الغم والإقطاب فأقبلنا نحادثه ونبسطه، إلى أن سلا وضحك، ثم أقبل عليها وقال لها: هات ما عندك، فغنت،
همم قتلوه كي يكونوا مكانه ... كما غدرت يوما بكسرى مرازبه
فأسكتها وزأرها وعاد إلى الحالة الأولى، فسليناه حتى عاد الى الضحك، فأقبل عليها الثالثة فقال: غني، فغنت:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمربمكة سامر
بلى نحن كنا أهلها فأبادنا ... صروف الليالي والجدود العوائر
وقيل: بل إنها غنت:
أما ورب السكون والحرك ... إن المنايا كثيرة الشرك
فقال لها: قومي عني فعل الله بك كذا وكذا وصنع بك، فقامت فعثرت بالقدح الذي كان بين يديه فكسرته، فأنهرق الشراب، وكانت ليل قمراء، ونحن على شاطىء دجلة في قصره المعروف بالخلد: فسمعنا قائل يقول قضي الأمر الذي فيه تستفتيان قال ابن المهدي: فقمت وقد وثب. فسمعت منشدا من ناحية القصر ينشد هذين البيتين:
لاتعجبن من العجب ... قدجاءمايقضي العجب
قد جاء أمر فادخ فيه لذي عجب عجب
قال: فما قعدنا معه بعدها إلى أن قتل.
وكان الأمين معجبا بأم ولده نظم وهي أم موسى الذي كان سما الناطق بالحق، وأرادا خلع المأمون والعقد له من بعده، فهلكت أم موسى نظم، فجزع عليها جزعاا شديدا، فلما اتصل الخبر بأم جعفر زبيدة قالت: احملوني إلى أمير المؤمنين، فحملت إليه، فأستقبلها وقال: يا سيدتي ماتت نظم، فقالت:
نفسي فداؤك لا يذهب بك اللهف ... ففي بقائك مماقدمضى خلف
عوضت موسى فهانت كل مرزئة ... مابعدموسى على مفقودة أسف
لهو الأمين وقت الحصار

(2/24)


وذكر إبراهيم بن المهدي قال: استأذنت على الأمين يوما، وقد اشتد الحصار عليه من كل وجه، فأبوا أن يأذنوا لي بالدخول عليه، إلى أن كاثرت ودخلت، فإذا هو قد تطلع إلى دجلة بالشباك، وكان في وسط قصره بركة عظيمة لها مخترق إلى الماء في دجلة، وفي المخترق شباك حديد، فسلمت عليه وهو مقبل على الماء والخدم، والغلمان قد أنتشروا إلى تفتيش الماء، وهو كالواله، فقال لي وقد ثنيت بااسلام وكررت: لا تدري يا عمي، فمقرطتي قد ذهبت في البركة إلى دجلة، والمقرطة: سمكة كانت قد صيدت له وهي صغيرة فقرطها حلقتين من ذهب فيهما حبتا در وقيل: ياقوت قال: فخرجت وأنا آيس من فلاحه، وقلت: لو ارتدع من وقت لكان هذا الوقت.
صفات الأمين
وكان محمد في نهاية الشدة والقوة والبطش والبهاء والجمال، إلا أنه كان عاجز الرأي ضعيف التدبير، غير مفكر في أمره.
وحكي أنه اصطبح يوما، وقد كان خرج أصحاب اللبابيد والحراب على البغال - وهم الذين كانوا يصطادون السباع - إلى سبع كان بلغهم خبره بناحية كوثى والقصر، فاحتالوا في السبع إلى أن أتوا به في قفص من خشب على جمل،بختي، فحط بباب القصر وأدخل، فمثل في صحن والأمين مصطبح، فقال: خلوا عنه وشيلوا باب القفص، فقيل له: يا أمير المؤمنين، أنه سبع هائل أسود وحش، فقال: خلوا عنه، فشالوا باب القفص، فخرج سبع أسود له شعرعظيم مثل الثور، فزأروضرب بذنبه إلى الأض، فتهارب الناس، وغلقت الأبواب في وجهه، وبقي الأميز وحده جالسا في موضعه غير مكترث بالأسد، فقصده الأسد حتى دنا منه، فضرب الأمين بيده إلى مرفقة أرمنية، فأمتنع منه بها، ومد السبع يد إليه، فجذبها الأمين وقبض على أصل إذنيه، وغمزه ثم هزه أو دفع به الى خلف فوقع السبع ميتا على مؤخره، وتبادر الناس الأمين فإذا أصابعا ومفاصل يديه قد زالت عن مواضعها، فأتى بمجبر بند عظام أصابعه الى مواضعها، وجلس كأنه لم يعمل شيئا، فشقوا بطن الأسد فإذا مرارته قد أنشقت عن كبده.
نبوءة بخلع الأمين
وحكي أن المنصور جلس ذات يوم ودخل إليه بنو هاشم من أهله، فقال لهم وهو مستبشر، أما علمتم أن محمدا المهدي ولد البارحة له ولى ذكر، وقد سميناه موسى، فلما سمع القوم ذلك وجموا وكأنما حثا في وجوههم الرماد، وسكتوا ولم يحيروا جوابا، فنظر إليهم المنصور فقال لهم: هذا موضع دعاء وتهنئة، وأراكم قد سكتم، ثم استرجع، فقال لهم: كأني بكم لما أخبرتكم بتسميتي أياه موسى اغتممتم به، لأن المولود المسمى بموسى ابن محمد هو الذي على رأسه تختلف الكلمة وتسفك الدماء وتنتهب الخزائن، ويضطرب الملك، ويقتل أبوه، وهو المخلوع من الخلافة، ليس هو ذا، لا، ولا هذا زمانه، والله أن جد هذا المولود يعني هرون الرشيد - لم يولد بعد، قال: فدعوا له وهنوه وهنوا المهدي. وكان هذا موسى الهادي أخا الرشيد.
وكان العهد الذي كتبه الرشيد بين الأمين والمأمون وأودعه الكعبة أن الغادر منهما خارج من الأمر، أيهما غدر بصاحبه، والخلافة للمغدور وذكر ياسر خادم أم جعفر، وكان من خواصها أنه لما أحيط بمحمد دخلت عليه أم جعفر باكيه، فقال لها: مه، أنه ليس بجزع النساء وهلعهن عقدت التيجان، وللخلافة سياسة لا تسعها صدور المراضع، وراءك وراءك.
ويقال: أن محمدا قصف عند طاهر، فبينا طاهر في بستانه إذ ورد كتاب من محمد بخطه، فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم، أعلم أنه ما قام لنا مذ قمنا قائم بحقنا وكان جزاؤه منا إلا السيف، فأنظر لنفسك أو دع قال: فلم يزل والله يتبين موقع الكتاب من طاهر، فلما رجع إلى خراسان آخرجه إلى خاصته، وقال لهم: والله ما هذا كتاب مضعوف، ولكنه كتاب مخذولي.
ولم يكن فيمن سلف من الخلفاء إلى وقتنا هذا - وهوسنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - من أبوه وأمه من بني هاشم، إلا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، ومحمد بن زبيدة.
وفي محمد بن زبيدة يقول أبو الغول:
ملك أبوه وأمه من نبعة ... منهاسراج الأمة الوهاج
شربت بمكة من ذرى بطحائها ... ماءالنبوة ليس فيه مزاج
وفي سنة أربع وتسعين ومائة كان ابتداؤه بالغدر بالمأمون.
عبد الملك بن صالح بن علي

(2/25)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية