صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : مروج الذهب
المؤلف : المسعودي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وبلغ من إحكامه للسياسة وإتقانه لها واجتذابه قلوب خواصه وعوامه أن رجلا من أهل الكوفة دخل على بعير له إلى دمشق في حالة منصرفهم عن صفين فتعلق به رجل من دمشق فقال: هذه ناقتي، آخذت مني بصفين، فارتفع أمرهما إلى معاوية، وأقام الدمشقي خمسين رجلا بينة يشهدون أنها ناقته، فقضى معاوية على الكوفي، وأمره بتسليم البعير إليه، فقال الكوفي: أصلحك الله! إنه جمل وليس بناقة، فقال معاوية: هذا حكم قد مضى، ودس إلى الكوفي بعد تفرقهم فأحضره، وسأله عن ثمن بعيره، فدفع إليه ضعفه،، وبرة، وأحسن إليه، وقال له: أبلغ عليا إني أقاتله بمائة ألف ما فيهم من يفرق بين الناقة والجمل، وقد بلغ من أمرهم في طاعتهم له أنه صلى بهم عند مسيرهم إلى صفين الجمعة في يوم الأربعاء، وأعاروه رؤوسهم عند القتال وحملوه بها، وركنوا إلى قول عمرو بن العاص: إن عليا هو الذي قتل عمار بن ياسر حين أخرجه لنصرته، ثم ارتقى بهم الأمر في طاعته إلى أن جعلوا لعن علي سنة، ينشأ عليها الصغير؟ ويهلك عليها الكبير.
من غفلة أهل الشام والعراق
. قال المسعودي: وذكر بعض الأخباريين أنه قال لرجل من أهل الشام من زعمائهم وأهل الرأي والعقل منهم: من أبو تراب هذا الذي يلعنه الإمام على المنبر؟ قال: أراه لصا من لصوص الفتن.
وحكى الجاحظ قال: سمعت رجلا من العامة وهو حاج وقد ذكر له البيت يقول: إذا أتيته من يكلمني. منه ؟ وأنه أخبره صديق له أنه قال له رجل منهم وقد سمعه يصلي على محمد صلى الله عليه وسلم : ما تقول في محمد هذا؟ أربنا هو؟.
وذكر ثمامة بن أشرس قال: كنت مارا في السوق ببغداد، فإذا أنا برجل عليه الناس مجتمعون، فنزلت عن بغلتي، وقلت: لشيء ما هذا الاجتماع، ودخلت بين الناس، وإذا برجل يصف كحلا معه أنه ينجح من كل داء يصيب العين، فنظرت إليه فإذا عينه الواحدة برشاء والأخرى مأسوكة، فقلت له: يا هذا، لو كان كحلك كما تقول نفع عينيك!! فقال لي: يا جاهل أهاهنا اشتكت عيناي. إنما اشتكتا بمصر، فقال كلهم: صدق، وذكر أنه ما انفلت من نعالهم إلا بعد كد.
وذكر لي بعض إخواني أن رجلا من العامة بمدينة السلام رفع إلى بعض الولاة الطالبين لأصحاب الكلام على جار له أنه يتزندق، فسأله الوالي عن مذهب الرجل، فقال: إنه مرجىء قدري ناصبي رافضي، فلما قصه عن ذلك قال: إنه يبغض معاوية بن الخطاب الذي قاتل علي بن العاص، فقال له الوالي: ما أدري على أي شيء أحسدك: أعلى علمك بالمقالات، أو على بصرك بالأنساب؟.
وأخبرني رجل من إخواننا من أهل العلم، قال: كنا نقعد نتناظر في أبي بكر وعمر وعلي ومعاوية، ونذكر ما يذكره أهل العلم، وكان قوم من العامة يأتون فيستمعون منا، فقال لي ذات يوم بعضهم وكان من أعقلهم وأكبرهم لحية، كم تطنبون في علي ومعاوية وفلان وفلان، فقلت له: فما تقول أنت في ذلك؟ قال: من تريد؟ قلت: علي، ما تقول فيه قال: أليس هو أبو فاطمة؟ قلت: ومن كانت فاطمة؟ قال: امرأة النبي عليه لسلام بنت عائشة أخت معاوية، قلت: فما كانت قصة علي. قال: قتل في غزاة. حنين مع النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد كان عبد الله بن علي حين خرج في طلب مروان إلى الشام، وكان من قصة مروان ومقتله ما قد ذكر، ونزل عبد الله بن علي الشام، ووجه إلى أبي العباس السفاح أشياخا من أهل الشام من أرباب النعم والرياسة من سائر أجناد الشام فحلفوا لأبي العباس السفاح أنهم ما علموا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قرابة ولا أهل بيت يرثونه غير بني أمية حتى وليتم الخلافة، فقال في ذلك إبراهيم بن المهاجر البجلي:
أيها الناس اسمعوا أخبركم ... عجبا زاد على كل العجب
عجبا من عبد شمس، إنهم ... فتحوا للناس أبواب الكذب
ورثوا أحمد فيما زعموا ... دون عباس بن عبد المطلب
كذبوا والله ما نعلمه ... يحرز الميراث إلا من قرب
متطبب في عهد الرشيد

(1/362)


وقد كان ببغداد رجل في أيام هارون الرشيد متطبب يطبب العامة بصفاته وكان دهريا يظهر أنه من أهل السنة والجماعة ويلعن أهل البدع ويعرف بالسني تنقاد إليه العامة؟ فكان يجتمع إليه في كل يوم بقوارير الماء خلق من الناس، فإذا اجتمعوا وثب قائما على قدميه فقال لهم: معاشر المسلمين، قلتم لا ضار ولا نافع إلا الله فلأي شيء مصيركم إلي تسألونني عن مضاركم ومنافعكم؟ ألجؤا إلى ربكم وتوكلوا على بارئكم حتى يكون فعلكم مثل قولكم، فيقبل بعضهم على بعض فيقولون: إي والله قد صدقنا، فكم من مريض لم يعالج حتى مات، ومنهم من كان يتركه حتى يسكن ثم يريه الماء فيصف له الدواء، فيقول: إيمانك ضعيف، ولولا ذلك لتوكلت على الله كما أمرضك فهو يبرئك، فكان يقتل بقوله هذا خلقا كثيرا لتزهيده إياهم في معالجة مرضاهم.
من أخلاق العامة
ومن أخلاق العامة أن يسودوا غير السيد، ويفضلوا غير الفضل، ويقولوا بعلم غير العالم، وهم أتباع من سبق إليهم من غير تمييز بين، الفاضل والمفضول، والفضل والنقصان، ولامعرفة للحق من الباطل عندهم، ثم انظر هل ترى إذا اعتبرت ما ذكرنا ونظرت في مجالس العلماء هل تشاهدها إلا مشحونة بالخاصة من أولي التمييز والمروءة والحجا، وتفقد العامة في احتشادها وجموعها، فلا تراهم الدهر إلا مرقلين إلى، قائد دب، وضارب بدف على سياسة قرد، أو متشوقين إلى اللهو واللعب، أو مختلفين إلى مشعبذ متنمس مخرق، أو مستمعين إلى قاص كذاب، أو مجتمعين حول مضروب، أو وقوفا عند مصلوب؟ ينعق بهم فيتبعون؟ ويصاح بهم فلا يرتدعون، لا ينكرون منكرا، ولا يعرفون معرفا، ولا يبالون أن يلحقوا البر بالفاجر، والمؤمن بالكافر، وقد بين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيهم حيث يقول: " الناس إثنان: عالم، ومتعلم، وما عدا ذلك همج رعاع لا يعبأ الله بهم " . وكذلك ذكر عن علي وقد سئل عن العامة، فقال همج رعاع أتباع كل ناعق، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق، وأجمع الناس في تسميتهم على أنهم غوغاء، وهم الذين إذا اجتمعوا غلبوا، وإذا تفرقوا لم يعرفوا، ثم تدبر تفرقهم في أحوالهم ومذاهبهم، فانظر إلى إجماع ملئهم، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أقام يدعو الخلق إلى اثنتين وعشرين سنة وهو ينزل عليه الوحي ويمليه على أصحابه، فيكتبونه ويدونونه ويلتقطونه لفظة لفظة، وكان معاوية في هذه المدة بحيث علم الله، ثم كتب له صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بشهور، فأشادوا بذكره، ورفعوا من منزلته، بأن جعلوه كاتبا للوحي، وعظموه بهذه الكلمة، وأضافوه إليها، وسلبوها عن غيره، وأسقطوا ذكر سواه، وأصل ذلك العادة والألف وما ولدوا عليه، وما نشؤا فيه، فألفوا وقت التحصيل والبلوغ، وقد عملت العادة عملها، وبلغت مبالغها، وفي العادة قالت الشعراء وتكلم أهل الدراية والأدباء، قال الشاعر:
لاتهني بعد إذ أكرمتني ... فشديد عادة منتزعة
وقال آخر معاتبا لصاحبه:
ولكن فطام النفس أثقل محملا ... من الصخره الصماء. حين ترومها
وقد قالت حكماء العرب: العادة أملك بالأرب، وقالت حكماء العجم: العادة هي الطبيعة الثانية، وقد صنف أبو عقال الكاتب كتابا في أخلاق العوام يصف فيه أخلاقهم وشيمهم ومخاطباتهم، وسماه بالملهي.
ولولا إني أكره التطويل والخروج عما قصدنا إليه في هذا الكتاب من الإيجاز لشرحت من نوادر العامة وأخلاقها، وطرائف أفعالها عجائب، ولذكرت مراتب الناس في أخلاقهم، وتصرفهم في أحوالها.
فلنرجع الآن إلى أخبار معاوية وسياسته، وما أوسع الناس من أخلاقه، وما أفاض عليهم من بره وعطائه، وشملهم من إحسانه، مما اجتذب به القلوب، واستدعى به النفوس، حتى آثروه على الأصل والقرابات.
عقيل بن أبي طالب ومعاوية

(1/363)


من ذلك أنه وفد عليه عقيل بن أبي طالب منتجعا وزائرا، فرحب به معاوية، وسر بوروده، لاختياره إياه على أخيه، وأوسعه حلما واحتمالا،فقال له: يا أبا يزيد، كيف تركت عليا؟ فقال: تركته على ما يحب الله ورسوله والفيتك على ما يكره الله ورسوله، فقال له معاوية، لولا أنك زائر منتجع جنابنا لرددت عليك أيا يزيد جوابا تألم منه، ثم أحب معاوية أن يقطع كلامه مخافة أن يأتي بشيء يخفضه، فوثب عن مجلسه، وأمر له بنزل، وحمل إليه مالا عظيما، فلما كان من غد جلس وأرسل إليه فأتاه، فقال له: يا أبا يزيد، كيف تركت عليا أخاك؟ قال: تركته خيرا لنفسه منك، وأنت خير لي فنه، فقال له معاوية: أنت والله كما قال الشاعر:
وإذا عددت فخار آل محرق ... فالمجد منهم في بني عتاب
فحمل المجد من بني هاشم منوط فيك يا أبا يزيد ما تغيرك الأيام والليالي، فقال عقيل:
أصبر لحرب أنت جانيها ... لابدأن تصلى بحاميها
وأنت والله يا ابن أبي سفيان كما قال الاخر:
وإذا هوازن أقبلت بفخارها ... يوما فخرتهم بآل مجاشع
بالحاملين على الموالي غرمهم ... والضاربين الهام يوم الفازع
وصف بني صوحان
ولكن أنت يا معاوية إذا افتخرت بنو أمية فبمن تفخر؟ فقال معاوية: عزمت عليك أبا يزيد لما أمسكت، فإني لم أجلس لهذا، وإنما أردت أن أسألك عن أصحاب علي فإنك ذو معرفة بهم، فقال عقيل: سل عما بدا لك: فقال: ميز لي أصحاب علي، وابدأ بآل صوحان فإنهم مخاريق الكلام، قال: أما صعصعة فعظيم الشأن، عضب اللسان، قائد فرسان، قاتل أقران، يرتق ما فتق، ويفتق ما رتق، قليل النظير، وأما زيد وعبد الله فإنهما نهران جاريان، يصب فيهما الخلجان، ويغاث بهما البلدان، رجلا جد لا لعب معه، وبنو صوحان كما قال الشاعر:
إذا نزل العدو فإن عندي ... أسودا تخلس الأسد النفوسا
من صعصعة إلى عقيل:
فاتصل كلام عقيل بصعصعة فكتب إليه بسم الله الرحمن الرحيم، ذكر الله أكبر، وبه يستفتح المستفتحون، وأنتم مفاتيح الدنيا والآخرة؟ أما بعد، فقد بلغ مولاك كلامك لعدو الله وعدو رسوله، فحمدت الله على ذلك، وسألته أن يفيء بك إلى الدرجة العليا، والقضيب الأحمر، والعمود الأسود فإنه عمود من فارقه الدين الأزهر، ولئن نزعت بك نفسك إلى معاوية طلبا لماله إنك لذو علم بجميع خصاله، فاحذر أن تعلق بك ناره فيضلك عن الحجة، فإن الله قد رفع عنكم أهل البيت ما وضعه في غيركم، فما كان من فضل أو إحسان فبكم وصل إلينا، فأجل الله أقداركم، وحمى أخطاركم، وكتب آثاركم، فإن أقداركم مرضية، وأخطاركم محمية، وآثاركم بدرية، وأنتم سلم الله إلى خلقه، ووسيلته إلى طرقه، أيد علية، ووجوه جلية، وأنتم كما قال الشاعر:
فما كان من خير أتوه فإنما ... توارثه آباء آبائهم قبل
وهل ينبت الخطي إلاوشيجه ... وتغرس إلا في منابتها النخل
بين علي ووجوه أصحابه

(1/364)


وحدث الهيثم عن أبي عمرو بن يزيد، عن البراء بن يزيد، عن محمد بن عبد الله بن الحارث الطائي ثم أحد بني عفان، قال: لما انصرف علي من الجمل قال لأذنه: من بالباب من وجوه العرب؟ قال: محمد بن عميربن عطارد التيمي والأحنف بن قيس، وصعصعة بن صوحان العبدي، في رجال سماهم، فقال: ائذن لهم، فدخلوا فسلموا عليه بالخلافة، فقال لهم: أنتم وجوه العرب عندي، ورؤساء أصحابي، فأشيروا علي في أمر هذا الغلام المترف - يعني معاوية - فافتنت بهم المشورة عليه، فقال صعصعة: إن معاوية أترفه الهوى، وحببت إليه الدنيا، فهانت عليه مصارع الرجال، وابتاع آخرتة بدنياهم، فإن تعمل فيه برأي ترشد وتصب، إن شاء الله، والتوفيق بالله وبرسوله وبك يا أمير المؤمنين، والرأي أن ترسل له عينا من عيونك وثقة من ثقاتك، بكتاب تدعوه إلى بيعتك، فإن أجاب وأناب كأن له مالك وعليه ما عليك، وإلا جاهدته وصبرت لقضاء الله حتى يأتيك اليقين، فقال علي: عزمت عليك يا صعصعة إلا كتبت الكتاب بيديك، وتوجهت به إلى معاوية، واجعل صدر الكتاب تحذيرا وتخويفا، وعجزه استتابة واستنابة وليكن فاتحة الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية سلام عليك، أما بعد ثم اكتب ما أشرت به علي، واجعل عنوان الكتاب ألا إلى الله تصير الأمور، قال: أعفني من ذلك، قال. عزمت عليك لتفعلن، قال: أفعل، فخرج بالكتاب وتجهز وسار حتى ورد دمشق، فأتى باب معاوية فقال لآذنه: استأذن لرسول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - وبالباب أزفلة من بني أمية - فأخذته الأيدي والنعال لقوله، وهو يقول أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وكثرت الجلبة واللغط، فاتصل ذلك بمعاوية فوجه من يكشف الناس عنه، فكشفوا، ثم أذن لهم فدخلوا، فقال لهم: من هذا الرجل؟ فقالوا: رجل من العرب يقال له صعصعة بن صوحان معه كتاب من علي، فقال: والله لقد بلغني أمره، هذا أحد سهام علي وخطباء العرب، ولقد كنت إلى لقائه شيقا، ائذن له يا غلام، فدخل عليه، فقال: السلام عليك يا ابن أبي سفيان، هذا كتاب أمير المؤمنين، فقال معاوية: أما إنه لو كانت الرسل تقتل في جاهلية أو إسلام لقتلتك، ثم اعترضه معاوية في الكلام، وأراد أن يستخرجه ليعرف قريحته أطبعا أم تكلفا فقال: ممن الرجل؟ قال: من نزار، قال: وما كان نزار؟ قال: كان إذا غزا نكس، وإذا لقي افترس، وإذا انصرف احترس، قال: فمن أي أولاده أنت. قال: من ربيعة، قال: وما كان ربيعة. قال: كان يطيل النجاد، ويعول العباد، ويضرب ببقاع الأرض العماد، قال: فمن أي أولاده أنت. قال: من جديلة، قال: وما كان جديلة؟ قال: كان في الحرب سيفا قاطعا، وفي المكرمات غيثا نافعا، وفي اللقاء لهبا ساطعا، قال: فمن أي أولاده أنت. قال: من عبد القيس، قال: وما كان عبد القيس. قال كاد خصيبا خضرما أبيض وهابا لضيفه ما يجد، ولا يسأل عما فقد، كثير المرق، طيب العرق، يقوم للناس مقام الغيثمن السماء، قال: ويحك يا ابن صوحان! فما تركت لهذا الحي من قريش مجدا ولا فخرا، قال: بلى والله يابن أبى سفيان، تركت لهم ما لا يصلح إلا بهم، ولهم تركت الأبيض والأحمر، والأصفر والأشقر، والسرير والمنبر، والملك إلى المحشر، وأنى لا يكون ذلك كذلك وهم منار الله في الأرض ونجومه في السماء. ففرح معاوية وظن أن كلامه يشتمل على قريش كلها، فقال: صدقت يا ابن صوحان، إن ذلك لكذلك، فعرف صعصعة ما أراد، فقال: ليس لك ولا لقومك في ذلك إصدار ولا إيراد ويلك يا ابن صوحان! قال: الويل لأهل النار، ذلك لبنى هاشم، قال: قم، فأخرجوه، فقال صعصعة:الصدق ينبيء عنك لا الوعيد، من أراد المشاجرة قبل المحاورة، فقال معاوية: لشيء ما سوده قومه، وددت والله إني من صلبه، ثم التفت إلى بني أمية فقال: هكذا فلتكن الرجال.
معاوية وجماعة من أصحاب علي

(1/365)


وحدث منصور بن وحشي، عن الحارث بن مسمار البهراني، قال: حبس معاوية صعصعة بن صوحان العبدي وعبد الله بن الكواء اليشكري ورجالا من أصحاب علي مع رجال من قريش، فدخل عليهم معاوية يوما فقال: نشدتكم بالله إلا ما قلتم حقا وصدقا، أي الخلفاء رأيتموني؟ فقال ابن الكواء: لولا أنك عزمت علينا ما قلنا لأنك جبار عنيد، لا تراقب الله في قتل الأخيار، ولكنا نقول: إنك ما علمنا واسع الدنيا، ضيق الأخرى، قريب الثرى، بعيد المرعى، تجعل الظلمات نورا، والنور ظلمات، فقال معاوية: إن الله أكرم هذا الأمر بأهل الشام الذابين عن بيضته، التاركين لمحارمه، ولم يكونوا كأمثال أهل العراق المنتهكين لمحارم الله، والمحلين ما حرم الله، والمحرمين ما أحل الله، فقال عبد الله بن الكواء: يا ابن أبي سفيان، إن لكل كلام جواب، ونحن نخاف جبروتك، فإن كنت تطلق ألسنتنا ذببنا عن أهل العراق بألسنة حداد لا تأخذها في الله لومة لائم، وإلا فإنا صابرون حتى يحكم الله ويضعنا على فرجه قال: والله لا يطلق لك لسان، ثم تكلم صعصعة فقال: تكلمت يا ابن سفيان فأبلغت، ولم تقصر عما أردت، وليس الأمر على ما ذكرت، أنى يكون الخليفة من ملك الناس قهرا، ودانهم كبرا، واستولى بأسباب الباطل كذبا ومكرا؟ أما والله. أئا لك في يوم بدر مضرب ولا مرمى وما كنت فيه إلا كما قال القائل: لا حلي ولا سيري ولقد كنت أنت وأبوك في العير والنفير ممن أجلب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما أنت طليق ابن طليق، أطلقكما رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنى تصلح الخلافة لطليق. فقال معاوية: لولا إني أرجع إلى قول أبي طالب حيث يقول:
قابلت جهلهم حلما ومغفرة ... والعفوعن قدرة ضرب من الكرم
لقتلتكم.
صعصعة بن صوحان عند معاوية يصف له أهل البلاد

(1/366)


وحدث أبو جعفر محمد بن حبيب، قال: أخبرنا أبو الهيثم يزيد بن رجاء الغنوي، قال: أخبرنا الوليد بن البختري، عن أبيه، عن ابن مردوع الكلبي قال: دخل صعصعة بن صوحان العبدي على معاوية فقال له: يا ابن صوحان أنت ذو معرفة بالعرب وبحالها، فأخبرني عن أهل البصرة، وإياك والحمل على قوم لقوم، قال: البصرة واسطة العرب، ومنتهى الشرف والسؤدد، وهم أهل الخطط في أول الدهر وآخره، وقد دارت بهم سروات العرب كدوران الرحا على قطبها، قال: فأخبرني عن أهل الكوفة، قال: قبة الإسلام، وذروة الكلام، ومظان ذوي الأعلام، إلا أن بها أجلافا تمنع ذوي الأمر الطاعة، وتخرجهم عن الجماعة، وتلك أخلاق ذوي الهيئة والقناعة، قال: فأخبرني عن أهل الحجاز، قال: أسرع الناس إلى فتنة، وأضعفهم عنها، وأقلهم غناء فيها، غير أن لهم ثباتا في الدين، وتمسكا بعروة اليقين، يتبعون الأئمة الأبرار، ويخلعون الفسقة الفجار، فقال معاوية: من البررة والفسقة؟ فقال: يا ابن أبي سفيان، ترك الخداع من كشف القناع، علي وأصحابه من الأئمة الأبرار، وأنت وأصحابك من أولئك، ثم أحب معاوية أن يمضي صعصعة في كلامه بعد أن بان فيه الغضب، فقال: أخبرني عن القبة الحمراء في ديار مضر، قال: أسد مضر بسلان بين غيلين، إذا أرسلتها افترست، وإذا تركتها احترست، فقال معاوية: هنالك يا ابن صوحان العز الراسي، فهل في قومك مثل هذا. قال: هذا لأهله دونك يا ابن أبي سفيان، ومن أحب قوما حشر معهم. قال: فأخبرني عن ديار ربيعة ولا يستخفنك الجهل وسابقة الحمية بالتعصب لقومك. قال: والله ما أنا عنهم براض، ولكني أقول فيهم وعليهم: هم والله أعلام الليل، وأذناب في الدين والميل لن تغلب رايتها إذا رسخت، خوارج الدين، برازخ اليقين، من نصروه فلج، ومن خذلوه زلج، قال: فأخبرني عن مضر، قال: كنانة العرب، ومعدن العز والحسب، يقذف البحر بها آذيه، والبر دريه، ثم أمسك معاوية، فقال له صعصعة: سل يا معاوية وإلا أخبرتك بما تحيد عنه، قال: وما ذاك يا ابن صوحان؟ قال: أهل الشام، قال: فأخبرني عنهم، قال: أطوع الناس لمخلوق وأعصاهم للخالق، عصاة الجبار، وخلفة الأشرار، فعليهم الدمار، ولهم سوء الدار، فقال معاوية: والله يا ابن صوحان إنك لحامل مديتك " منذ أزمان، إلا أن حلم ابن أبي سفمان يرد عنك، فقال صعصعة: بل أمر الله وقدرته، إن أمر الله كان قدرا مقدورا.
وحدث أبو الهيثم قال: حدثني أبو البشير محمد بن بشر الفزاري، عن إبراهيم بن عقيل البصري، قال: قال معاوية يوما - وعنده صعصعة وكان قدم عليه بكتاب علي وعنده وجوه الناس - : الأرض لله، وأنا خليفة الله، فما آخذ من مال الله فهو لي، وما تركت منه كان جائزا لي، فقال صعصعة:
تمنيك نفسك مالايكو ... ن جهلامعاوي لاتأثم
فقال معاوية: يا صعصعة، تعلمت الكلام، قال: العلم بالتعلم، ومن لا يعلم يجهل، قال معاوية: ما أحوجك إلى أن أذيقك وبال أمرك! قال: ليس ذلك بيدك، ذلك بيد الذي لا يؤخر نفسا إذا جاء أجلها، قال: ومن يحول بيني وبينك. قال: الذي يحول بين المرء وقلبه، قال معاوية: اتسع بطنك للكلام كما اتسع بطن البعير للشعير، قال: اتسع بطن من لا يشبع، ودعا عليه من لا يجمع.
من أخبار صعصعة
قال المسعودي: ولصعصعة بن صوحان أخبار حسان، وكلام في نهاية البلاغة والفصاحة والإيضاح عن المعاني، على إيجاز واختصار.
ومن ذلك خبره مع عبد الله بن العباس، وهو ما حدث به المدائني، عن زيد بن طليح الذهلي الشيباني، قال: أخبرني أبي، عن مصقلة بن هبيرة الشيباني، قال: سمعت صعصعة بن صوحان وقد سأله ابن عباس: ما السؤدد فيكم؟ نقال: إطعام الطعام، ولين الكلام، وبذل النوال، وكف المرء نفسه عن السؤال، والتودد للصغير والكبير، وأن يكون الناس عندك شرعا، قال: فما المروءة. قال: أخوان اجتمعا فإن لقيا قهرا حارسهما قليل، وصاحبهما جليل، يحتاجان إلى صيانة " مع نزاهة وديانة، قال: فهل تحفظ في ذلك شعرا قال: نعم، أما سمعت قول مرة بن ذهل ابن شيبان حيث يقول:
إن السيادة والمروءة علقا ... حيث السماء من السماك الأعزل

(1/367)


وإذا تقابل مجريان لغاية ... عثر الهجين وأسلمته الأرجل
ويجي الصريح مع العتاق معودا ... قرب الجياد فلم يجئه الأفكل
في أبيات، فقال له ابن عباس: لو أن رجلا ضرب آباط إبله مشرقا ومغربا لفائدة هذه الأبيات ما عنفته، إنا منك يا ابن صوحان لعلى علم وحكم واستنباط ما قد عفا من أخبار العرب، فمن الحكيم فيكم؟ قال: من ملك عضبه فلم يعجل، وسعي إليه بحق أو باطل فلم يقبل، ووجد قاتل أبيه وأخيه فصفع ولم يقتل، ذلك الحكيم يا ابن عباس، قال: فهل تجد ذلك فيكم كثيرا. قال: ولا قليلا، وإنما وصفت لك أقواما لا تجدهم إلا خاشعين راهبين لله مريدين ينيلون ولا ينالون، فأما الآخرون فإنهم سبق جهلهم حلمهم، ولا يبالي أحدهم إذا ظفر ببغيته حين الحفيظة ما كان بعد أن يدرك زعمه يقضي بغيته، ولو وتره أبوه لقتل أباه، أو أخوه لقتل أخاه، أما سمعت إلى قول زبان بن عمرو بن زبان، وذلك أن عمرا أباه قتله مالك بن كومة، فأقام زبان زمانا، ثم غزا مالكا، فأتاه في مائتي فارس صباحا وهو في أربعين بيتا فقتله، وقتل أصحابه وقتل عمه فيمن قتل، ويقال: بل كان أخاه، وذلك أنه كان جاورهم، فقيل لزبان في ذلك: قتلت صاحبنا، فقال:
فلو أمي ثقفت بحيث كانوا ... لبل ثيابها علق صبيب
ولو كانت أمية أخت عمرو ... بهذا الماء ظل لها نحيب
شهرت السيف في الأدنين مني ... ولم تعطف أواصرنا قلوب
فقال له ابن عباس: فمن الفارس فيكم؟ حد لي حدا أسمعه منك فإنك تضع الأشياء مواضعها يا ابن صوحان، قال: الفارس من قصر أجله في نفسه، وضغم على أمله بضرسه، وكانت الحرب أهون عليه من أمسه، ذلك الفارس إذا وقدت الحروب، واشتدت بالأنفس الكروب، وتداعوا للنزال، وتزاحفوا للقتل، وتخالسوا المهج، واقتحموا بالسيوف اللجج، قال: أحسنت والله يا ابن صوحان، إنك لسليل أقوام كرام خطباء فصحاء، ما ورثت هذا من كلالة، زدني قال: نعم، الفارس كثير الحذر، مدير النظر، يلتفت بقلبه، ولا يدير خرزات صلبه، قال: أحسنت والله يا ابن صوحان الوصف، فهل في مثل هذه الصفة من شعر؟ قال: نعم، لزهير بن جناب الكلبي يرثي ابنه عمرا حيث يقول:
فارس تكلأ الصحابة منه ... بحسام يمرمر الحريق
لاتراه لدى الوغى في مجال ... يغفل الطرف، لا، ولافي مضيق
من يراه يخله في الحرب يوما ... أنه أخرق مضل الطريق
في أبيات، فقال له ابن عباس: فأين أخواك منك يا ابن صوحان؟ صفهما لأعرف وزنكم. قال: أما زيد فكما قال أخو غني:
فتى لا يبالي أن يكون بوجهه ... إذا سد خلات الكرام شحوب
إذا ما ترا آه الرجال تحفظوا ... فلم ينطقوا العوراء وهو قريب
حليف الندى يدعو الندى فيجيبه ... إليه، ويدعوه الندى فيجيب
يبيت الندى يا أم عمرو ضجيعه ... إذا لم يكن في المنقيات حلوب
كأن بيوت الحي مالم يكن بها ... بسابس مايلفى بهن عريب
في أبيات، كان والله يا ابن عباس عظيم المروءة، شريف الأخوة، جليل الخطر، بعيد الأثر، كميش العروة، أليف البدوة، سليم جوانح الصدر، قليل وساوس الدهر، ذاكرا الله طرفي النهار وزلفامن الليل، الجوع والشبع عنده سيان، لا ينافس في الدنيا، وأقل أصحابه من ينافس فيها، يطيل السكوت، ويحفظ الكلام، وإن نطق نطق بعقام، يهرب منه الدعار الأشرار، ويألفه الأحرار الأخيار، فقال ابن عباس: ما ظنك برجل من أهل الجنة، رحم الله زيدا، فأين كان عبد الله منه. قال: كان عبد الله سيدا شجاعا، مألفا مطاعا، خيره وساع، وشره دفاع، قلبي النحيزة، أحوذي الغريزة، لا ينهنهه منهنة عما أراده، ولا يركب من الأمر إلا عتاده، سماع عدي، وباذل قرى، صعب المقادة، جزل الرفادة، أخو إخوان، وفتى فتيان، وهو كما قال البرجمي عامر بن سنان:
سمام عدى، بالنبل يقتل من رمى ... وبالسيف والرمح الرديني مشغب
مهيب مفيد للنوال معود ... بفعل الندى والمكرمات مجرب

(1/368)


وفي أبيات، فقال له ابن عباس: أنت يا ابن صوحان باقر علم العرب.
ومن أخبار صعصعة ما حدث به أبو جعفر محمد بن حبيب الهاشمي، عن أبي الهيثم يزيد بن رجاء الغنوي، قال: أخبرني رجل من بني فزارة ثم من بني عدي، قال: وقف رجل من بني فزارة على صعصعة، فأسمعه كلاما منه: بسطت لسانك يا ابن صوحان على الناس فتهيبوك، أما لئن شئت لأكونن لك لصاقا، فلا تنطق إلا حددت لسانك بأذرب من ظبة السيف، بعضب قوي، ولسان علي، ثم لا يكون لك في ذلك حل ولا ترحال، فقال صعصعة: لو أجد غرضا منك لرميت، بل أرى شبحا ولا أرى مثالا، إلا مسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، أما لو كنت كفؤا لرميت حصائلك بأذرب من ذلك السنان، ولرشقتك بنبال تردعك عن النضال، ولخطمتك بخطام يخزم منك موضع الزمام، فاتصل الكلام بابن عباس فاستضحك من الفزاري، وقال: أما لو كلف أخو فزارة نفسه نقل الصخور من جبال شمام إلى الهضام، لكان أهون عليه من منازعة أخي عبد القيس، خاب أبوه، ما أجهله!! يستجهل أخا عبد القيس، وقواه المريرة، ثم تمثل:
صبت عليك ولم تنصب من أمم ... إن الشقاء على الأشقين مصبوب
أبو أيوب وصعصعة
وحدث المبرد، عن الرياشي، عن ربيعة بن عبد الله النميري، قال: أخبرني رجل من الأزد، قال: نظرت إلى أبي أيوب الأنصاري، في يوم النهروان، وقد علا عبد الله بن وهب الراسي، فضربه ضربة على كتفه، فأبان يده، وقال: بؤبها إلى النار يا مارق، فقال عبد الله: ستعلم أينا أولى بها صليا، قال: وأبيك إني لأعلم؟ إذ أقبل صعصعة بن صوحان فوقف وقال: أولى بها والله صليا من ضل في الدنيا عميا، وصار إلى الآخرة شقيا، أبعدك الله! وأنزحك! أما والله: لقد أنذرتك هذه الصرعة بالأمس، فأبيت إلا نكوصا على عقبيك، فذق يا مارق وبال أمرك، وشرك أبا أيوب في قتله: ضربه ضربة بالسيف أبان بها رجله، وأدركه بأخرى في بطنه، وقال: لقد صرت إلى نازلا تطفأ، ولا يبوخ سعيرها، كم احتزا رأسه، وأتيا به عليا، فقالا: هذا رأس الفاسق، الناكث، المارق: عبد الله بن وهب، فنظر إليه فقطب، وقال: شاه هذا الوجه! حتى خيل إلينا أنه يبكي، ثم قال: قد كان أخو راسب حافظا لكتاب الله، تاركا لحدود الله، ثم قال لهما: اطلبا لي ذا الثدية، فطلب فلم يوجد، فرجعا إليه وقالا: ما أصبنا شيئا، فقال: والله لقد قتل في يومه هذا، وما كذبني رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا كذبت عليه، قوموا بجمعكم فاطلبوه، فقامت جماعة من أصحابه، فتفرقوا في القتلى، فأصابوه في دهاس من الأرض، فوقه زهاء مائة قتيل، فآخرجوه يجر برجله، ثم أتى به علي، فقال: اشهدوا أنه ذو الثدية، وقد ذكرنا أخبار ذي الثدية فيما سلف من هذا الكتاب.
من قول علي في ربيعة
ولعلي في ربيعة كلام كثير يمدحهم فيه، ويرثيهم شعرا ومنثورا، وقد كانوا أنصاره وأعوانه، والركن المنيع من أركانه، فمن بعض ذلك قوله يوم صفين:
لمن راية سوداء يخفق ظلها ... إذا قيل قدمهاحضين تقدما
فيوردها في الصف حتى يعلها ... حياض المنايا تقطر الموت والدما
جزى الله قوما قاتلوا في لقائه ... لدى الموت قدما ما أعز وأكرما
وأطيب أخبارا، وأكرم شيمة، ... إذا كان أصوات الرجال تغمغمما
ربيعة أعني، إنهم أهل نجدة ... وبأس إذا لاقوا خميسا عرمرما
معاوية وجميل بن كعب
وذكر المدائني أن معاوية أسر جميل بن كعب الثعلبي - وكان من سادات ربيعة وشيعة علي وأنصاره - فلما وقف بين يديه قال: الحمد لله الذي أمكنني منك، ألست القائل يوم الجمل:
أصبحت الأمة في أمرعجب ... والملك مجموع غدا لمن غلب
قد قلت قولا صادقا غيركذب ... إن غدا تهلك أعلام العرب

(1/369)


قال: لا تقل ذلك فإنها مصيبة، قال معاوية: وأي نعمة أكبر من أن يكون اللة قد أظفرني برجل قد قتل في ساعة واحدة عدة من حماة أصحابي؟ اضربوا عنقه، فقال: اللهم أشهد أن معاوية لم يقتلني فيك، ولا لأنك ترضى قتلي، ولكن قتلني على حطام الدنيا، فإن فعل فافعل به ما هو أهله، وإن لم يفعل فافعل به ما أنت أهله، فقال معاوية: قاتلك الله! لقد سببت فأبلغت في السب، ودعوت فبالغت في الدعاء، ثم أمر به فآطلق، وتمثل معاوية بأبيات للنعمان بن المنذر، لم يقل النعمان غيرها، فيما ذكر ابن الكلبي، وهي:
تعفو الملوك عن الجليل من الأمور بفضلها
ولقد تعاقب في اليسير، وليس ذاك لجهلها
إلا ليعرف فضلها ويخاف شدة نكلها
معاوية عند موته
وذكر لوط بن يحيى وابن دأب والهيثم بن عدي وغيرهم من نقلة الأخبار أن معاوية لما احتضر تمثل:
هو الموت، لامنجى من الموت، والذي ... تحاذر بعد الموت أدهى وأفظع
ثم قال: اللهم أقل العثرة، واعف عن الزلة، وجد بحلمك على جهل من لم يرج غيرك، ولم يثق إلا بك، فإنك واسع المغفرة، وليس لذي خطيئة مهرب، فبلغ ذلك سعيد بن المسيب، فقال: لقد رغب إلى من لا مرغوب إليه مثله وإني لأرجو أن لا يعذبه الله.
وذكر محمد بن إسحاق وغيره من نقلة الآثار أن معاوية دخل الحمام في بدء علته التي كانت وفاته فيها، فرأى نحول جسمه، فبكى لفنائه وما قد أشرف عليه من الثور الواقع بالخليقة، وقال متمثلا:
أرى الليالي أسرعت في نقضي ... أخذن بعضي وتركن بعضي
خنين طولي وحنين عرضي ... أقعدنني من بعد طول نهضي
ولما أزف أمره، وحان فراقه، واشتدت علته، وأيس من برئه، أنشأ يقول:
فيا ليتني لم أعن في الملك ساعة ... ولم أك في اللذات أعشى النواظر
وكنت كذي طمرين عاش ببلغة ... من الدهرحتى زار أهل المقابر
قال المسعودي: ولمعاوية أخباركثيرة مع علي وغيره، وقد أتينا على الغرر من أخباره، وما كان في أيامه في كتابينا أخبار الزمان والأوسط، وغيرهما من كتبنا، مما أفرد للآثار، وهذا باب كبير، والكلام فيه وفي غيره مما تقدم وتأخر في هذا الكتاب كثير، ومن ضمن الاختصار لم يجز له الإكثار.
وإنما نذكر في كل باب من هذا الكتاب طرفا من كل نوع من العلوم والأخبار، وما انتخبناه من طرائف الآثار؟ ليستدل الناظر فيه بما ذكرنا على المراد مما تركنا ذكره، وقد تقدم وصفه وبسطه فيما سلف من كتبنا.
وإذ تقدم ما ذكرنا، فلنذكر الآن جملا من فضل الصحابة، وغيرهم، عليهم السلام؟ إذ كانوا حجة على من بعدهم، وقدوة لمن تأخرعنهم، وبالله التأييد.
ذكر الصحابة ومدحهم وعلي والعباس وفضلهما
معاوية وعبد الله بن العباس
دخل عبد الله بن عباس على معاوية وعنده وجوه قريش، فلما سلم وجلس قال له معاوية: إني أريد أن أسألك عن مسائل. قال: سل عما بدا لك، قال: ما تقول في أبي بكر؟ قال: رحم الله أبا بكر، كان والله للقران تاليا، وعن المنكرات ناهيا، وبذنبه عارفا، ومن الله خائفا، وعن الشبهات زاجرا، وبالمعروف آمرا، وبالليل قائما، وبالنهار صائما، فاق أصحابه ورعا وكفافا، وسادهم زهدا وعفافا، فغضب الله على من أبغضه وطعن عليه.
وصف عمر
قال معاوية: أيها يا ابن عباس، فما تقول في عمر بن الخطاب؟. قال: رحم الله أبا حفص عمر، كان والله حليف الإسلام، ومأوى الأيتام، ومنتهى، الإحسان، ومحل الإيمان، وكهف الضعفاء، ومعقل الحنفاء، قام بحق الله عز وجل صابرا محتسبا، حتى أوضح الدين، وفتح البلاد، وأمن العباد، فأعقب الله على من تنقصه اللعنة إلى يوم الدين.
قال: فما تقول في عثمان.
وصف عثمان
قال: رحم أبا عمرو، كان والله أكرم الحفدة، وأفضل البررة، هجادا بالأسحار، كثير الدموع عند ذكر النار، نهاضا عند كل مكرمة، سباقا إلى كل منحة، حييا أبيا وفيا، صاحب جيش العسرة، ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعقب الله على من يلعنه لعنة اللاعنين، إلى يوم الدين.
وصف علي
قال: فما تقول في علي؟

(1/370)


قال: رضي الله عن أبي الحسن، كان والله علي علم الهدى، وكهف التقي، ومحل الحجا، وبحر الندى، وطود النهي، وكهف العلا، للورى داعيا إلى المحجة العظمى، متمسكا بالعروة الوثقى، خير من آمن واتقى، وأفضل من تقمص وارتدى، وأبر من انتعل وسعى، وأفصح من تنفس وقرأ، وأكثر من شهد النجوى، سوى الأنبياء والنبي المصطفى، صاحب القبلتين فهل يوازيه أحد. وهو أبو السبطين فهل يقارنه بشر. وزوج خير النساء فهل يفوقه قاطن بلد. للأسود قتال، وفي الحروب ختال، لم تر عيني مثله ولن ترى، فعلى من انتقصه لعنة الله والعباد إلى يوم التناد.
قال: أيها يا ابن عباس، لقد أكثرت في ابن عمك، فما تقول في أبيك العباس..
وصف العباس
قال: رحم الله العباس أبا الفضل، كان صنو نبي الله صلى الله عليه وسلم، وقرة عين صفي الله، سيد الأعمام، له أخلاق آبائه الأجواد، وأحلام أجداده الأمجاد، تباعدت الأسباب في فضيلته، صاحب البيت والسقاية، والمشاعر والتلاوة، ولم لا يكون كذلك وقد ساسه أكرم من دب؟.
فقال معاوية: يا ابن عباس، أنا أعلم أنك كلماني في أهل بيتك قال: ولم لا أكون كذلك، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم،: " اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل؟.
وصف الصحابة عامة
ثم قال ابن عباس بعد هذا الكلام: يا معاوية، إن الله جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه، خص نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم، بصحابة آثروه على الأنفس والأموال، وبذلوا النفوس دونه في كل حال، ووصفهم الله في كتابه فقال: " رحماء بينهم " الآية، قاموا بمعالم الدين، وناصحوا الاجتهاد للمسلمين، حتى تهذبت طرقه، وقويت أسبابه، وظهرت آلاء الله، واستقر دينه، ووضحت أعلامه، وأذل الله بهم الشرك، وأزال رؤوسه، ومحا دعائمه، وصارت كلمة الله العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، فصلوات اللة ورحمته وبركاته على تلك النفوس الزاكية، والأرواح الطاهرة العالية، فقد كانوا في الحياة لله أولياء، وكانوا بعد الموت أحياء، وكانوا لعباد الله نصحاء، رحلوا إلى الأخرى قبل أن يصلوا إليها، وخرجوا من الدنيا وهم بعد فيها.
فقطع عليه معاوية الكلام، وقال: إيها يا ابن عباس، حديثا في غير هذا.
ذكر أيام يزيد بن معاوية بن أبي سفيان
وبويع يزيد بن معاوية، فكانت أيامه ثلاث سنين وثمانية أشهر إلا ثماني ليال، وأخذ يزيد لابنه معاوية بن يزيد البيعة على الناس قبل موته، ففي ذلك يقول عبد الله بن همام السلولي:
تلقفها يزيد عن أبيه ... فخذها يا معاوي عن يزيدا
لقدعلقت بكم فتلقفوها ... ولاترموا بها الغرض البعيدا
وهلك يزيد بحوارين من أرض دمشق لسبع عشرة ليلة خلت من صفر سنة أربع وستين، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وفي ذلك يقول رجل من عنزة:
يا أيها القبر بحوارينا ... ضممت شر الناس أجمعينا
وقد رثاه الأخطل النصراني، فقال من قصيدة:
لعمري لقد دلى إلى اللحد خالد ... جنازة لا نكس الفؤاد ولا غمر
مقيم بحوارين ليس يريمها ... سقته الغوادي من ثوي ومن قبر
في أبيات.
ذكر مقتل الحسين بن علي بن أبي طالب
عليه السلام ومن قتل معه من أهل بيته وشيعته
أهل الكوفة يدعون الحسين
ولما مات معاوية أرسل أهل الكوفة إلى الحسين بن علي: إنا قد حبسنا أنفسنا على بيعتك، ونحن نموت دونك، ولسنا نحضرجمعة ولا جماعة بسببك. وطولب الحسين بالبيعة ليزيد بالمدينة فسام التأخير، وخرج يتهادى بين مواليه ويقول:
لا ذعرت السوام في فلق ... الصبح مغيرا، ولا دعيت يزيدا
يوم أعطي مخافة الموت ضيما ... والمنايا ترصدنني أن أحيدا
مسلم بن عقيل يتقدم الحسين إلى الكوفة

(1/371)


ولحق بمكة، فأرسل بابن عمه مسلم بن عقيل إلى الكوفة، وقال له: سر إلى أهل الكوفة، فإن كان حقا ما كتبوا به عرفني حتى ألحق بك، فخرج مسلم من مكة في النصف من شهر رمضان حتى قدم الكوفة لخمس خلون من شوال، والأمير عليها النعمان بن بشير الأنصاري، فنزل على رجل يقال له عوسجة مستترا، فلما ذاع خبر قدومه بايعه من أهل الكوفة اثنا عشر ألف رجل، وقيل: ثمانية عشر ألفا، فكتب بالخبر إلى الحسين، وسأله القدوم إليه، فلما هم الحسين بالخروج إلى العراق أتاه ابن العباس، فقال له: يا ابن عم، قد بلغني أنك تريد العراق، وإنهم أهل غدمر، وإنما يدعونك للحرب، فلا تعجل، وإن أبيت إلا محاربة هذا الجبار وكرهت المقام بمكة فاشخص إلى اليمن، فإنها في عزلة، ولك فيها أنصار وإخوان، فأقم بها وبث دعاتك، واكتب إلى أهل الكوفة وأنصارك بالعراق فيخرجوا أميرهم، فإن قووا على ذلك ونفوه عنها، ولم يكن بها أحد يعاديك أتيتهم، وما أنا لغدرهم بآمن، وإن لم يفعلوا أقمت بمكانك إلى أن يأتي الله بأمره، فإن فيها حصونا وشعابا، فقال الحسين: يا ابن عمر، إني لأعلم أنك لي ناصح وعلي شفيق، ولكن مسلم بن عقيل كتب باجتماع أهل المصرعلى بيعتي ونصرتي، وقد أجمعت على المسير إليهم، قال: إنهم من خبرت وجربت وهم أصحاب أبيك وأخيك وقتلتك غدا مع أميرهم، إنك لو قد خرجت فبلغ ابن زياد خروجك استنفرهم إليك، وكان الذين كتبوا إليك أشد من عدوك، فإن عصيتني وأبيت إلا الخروج إلى الكوفة فلا تخرجن نساءك وولدك معك، فوالله إني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه، فكان الذي رد عليه: لأن أقتل والله بمكان كذا أحب إلي من أن أستحل بمكة، فيئس ابن عباس منه، وخرج من عنده، فمر بعبد الله بن الزبير، فقال: قرت عينك يا ابن الزبير، وأنشد:
يا لك من قبرة بمعمر ... خلالك الجو فبيضي واصفري
ونقري ما شت أن تنقري
هذا حسين يخرج إلى العراق ويخليك والحجاز.
الحسين وابن الزبير
وبلغ ابن الزبير أنه يريد الخروج إلى الكوفة وهو أثقل الناس عليه، قد غمه مكانه بمكة، لأن الناس ما كانوا يعدلونه بالحسين، فلم يكن شيء يؤتاه أحب إليه من شخوص الحسين عن مكة، فأتاه فقال: أبا عبد الله ما عندك، فوالله لقد خفت الله في ترك جهاد هؤلاء القوم على ظلمهم واستذلالهم الصالحين من عباد الله، فقال حسين: قد عزمت على إتيان الكوفة، فقال: وفقك الله!! أما لو أن لي بها مثل أنصارك ما عدلت عنها، ثم خاف أن يتهمه فقال: ولو أقمت بمكانك فدعوتنا وأهل الحجاز إلى بيعتك أجبناك وكنا إليك سراعا، وكنت أحق بذلك من يزيد وأبي يزيد.
نصيحة أبي بكر بن هشام
ودخل أبو بكر بن الحارث بن هشام على الحسين فقال: يا ابن عمر، إن الرحم يظائرني عليك، ولا أدري كيف أنافي النصيحة لك، فقال: يا أبا بكر ما أنت ممن يستغش ولا يتهم، فقل، فقال أبو بكر: كان أبوك اقدم سابقة، وأحسن في الإسلام أثرا، وأشد بأسا، والناس له أرجى، ومنه أسمع وعليه أجمع، فسار إلى معاوية والناس مجتمعون عليه إلا أهل الشام وهو أعز منه، فخذلوه، وتثاقلوا عنه، حرصا على الدنيا، وضنا بها، فجرعوه الغيظ، وخالفوه حتى صار إلى ما صار إليه من كرامة الله ورضوانه، ثم صنعوا بأخيك بعد أبيك ما صنعوا، وقد شهدت ذلك كله ورأيته، ثم أنت تريد أن تسير إلى الذين عدوا على أبيك وأخيك تقاتل بهم أهل الشام وأهل العراق ومن أعد منك وأقوى، والناس منه أخوف، وله أرجى، فلو بلغهم مسيرك إليهم لاستطغوا الناس بالأموال، وهم عبيد الدنيا، فيقاتلك من وعدك أن ينصرك، ويخذلك من أنت أحب إليه ممن ينصره، فاذكر الله في نفسك، فقال الحسين: جزاك الله خيرا يا ابن عمر، فقد أجهدك رأيك، ومهما يقض الله يكن، فقال: إنا لله وعند الله نحتسب يا أبا عبد الله، ثم دخل على الحارث بن خالد بن العاص بن هشام المخزومي والي مكة وهو يقول:
كم نرى ناصحا يقول فيعصى ... وظنين المغيب يلفى نصيحا
فقال: وما ذاك. فأخبره بما قال للحسين، فقال: نصحت له ورب الكعبة.
يزيد يستعد

(1/372)


واتصل الخبر بيزيد، فكتب إلى عبيد الله بن زياد بتولية الكوفة، فخرج من البصرة مسرعا حتى قدم الكوفة على الظهر، فدخلها في أهله وحشمه وعليه عمامة سوداء قد. تلثم بها، وهو راكب بغلة والناس يتوقعون قدوم الحسين فجعل ابن زياد يسلم على الناس فيقولون: وعليك السلام يا ابن رسول الله! قدمت خير مقدم، حتى انتهى إلى القصر وفيه النعمان بن بشير، فتحصن فيه، ثم أشرف عليه، فقال: يا ابن رسول الله ما لي ولك. وما حملك على قصد بلدي من بين البلدان. فقال ابن زياد: لقد طال نومك يا نعيم، وحسر اللثام عن فيه، فعرفه، ففتح له، وتنادى الناس: ابن مرجانة، وحصبوه بالحصباء، ففاتهم ودخل القصر، ولما اتصل خبر ابن زياد بمسلم تحول إلى هانىء بن عروة المرادي، ووضع ابن زياد الرصد على مسلم حتى علم بموضعه، فوجه محمد بن الأشعث بن قيس إلى هانىء، فجاءه فسأله عن مسلم، فأنكره، فأغلظ له ابن زياد القول، فقال هانىء: إن لزياد أبيك عندي بلاء حسنا، وأنا أحب مكافأته به، فهل لك في خير. قال ابن زياد: وما هو؟ قال: تشخص إلى أهل الشام أنت وأهل بيتك سالمين بأموالكم، فإنه قد جاء حق من هو أحق من حقك وحق صاحبك، فقال ابن زياد: أدنوه مني، فأدنوه منه، فضرب وجهه بقضيب كان في يده حتى كسر أنفه وشق حاجبه، ونثر لحم وجنته، وكسر القضيب على وجهه ورأسه، وضرب هانىء بيده إلى قائم سيف شرطي من تلك الشرط، فجاذبه الرجل، ومنعه السيف، وصاح أصحاب هانىء بالباب: قتل صاحبنا، فخافهم ابن زياد، وأمر بحبسه في بيت إلى جانب مجلسه، وأخرج إليهم ابن زياد شريحا القاضي، فشهد عندهم أنه حي لم يقتل، فانصرفوا، ولما بلغ مسلما ما فعل ابن زياد بهانىء، أمر مناديا فنادى يا منصور وكانت شعارهم، فتنادى أهل الكوفة بها، فاجتمع إليه في وقت واحد ثمانية عشر ألف رجل، فسار إلى ابن زياد، فتحصن منه، فحصروه في القصر فلم يمس مسلم ومعه غير مائة رجل، فلما نظر إلى الناس يتفرقون عنه سار نحو أبواب كندة، فما بلغ الباب إلا ومعه منهم ثلاثة، ثم خرج من الباب فإذا ليس معه منهم أحد، فبقي حائرا لا يدري أين يذهب، ولا يجد أحدا يدله على الطريق، فنزل عن فرسه ومشى متلددا في أزقة الكوفة لا يدري أين يتوجه، حتى انتهى إلى باب مولاة للأشعث بن قيس، فاستسقاها ماء فسقته، ثم سألته عن حاله، فأعلمها بقضيته، فرقت له وآوته، وجاء ابنها فعلم بموضعه، فلما أصبح غدا إلى محمد بن الأشعث فأعلمه.
قتل مسلم بن عقيل
فمضى ابن الأشعث إلى ابن زياد فأعلمه، فقال: انطلق فأتني به، ووجه معه عبد الله بن العباس السلمي في سبعين رجلا، فاقتحموا على مسلم الدار، فثار عليهم بسيفه، وشد عليهم فأخرجهم من الدار، ثم حملوا عليه الثانية، فشد عليهم وأخرجهم أيضا، فلما رأوا ذلك علوا ظهر البيوت فرموه بالحجارة، وجعلوا يلهبون النار بأطراف القصب، ثم يلقونها عليه من فوق البيوت، فلما رأى ذلك قال: أكل ما أرى من الأحلاب لقتل مسلم بن عقيل. يا نفس أخرجي إلى الموت الذي ليس عنه محيص، فخرج إليهم مصلتا سيفه إلى السكة، فقاتلهم، واختلف هو وبكير بن حمران الأحمري ضربتين: فضرب بكير فم مسلم فقطع السيف شفته العليا وشرع في السفلى، وضربه مسلم ضربة منكرة في رأسه، ثم ضربه أخرى على حبل العاتق فكاد يصل إلى جوفه، وهو يزتجز ويقول:
أقسم لا أقتل إلا حرا ... وإن رأيت الموت شيئا مرا
كل امرىء يوما ملاق شرا ... أخاف أن أكذب أو أغرا
فلما رأوا ذلك منه تقدم إليه محمد بن الأشعث فقال له: فإنك لا تكذب ولا تغر، وأعطاه الأمان، فأمكنهم من نفسه، وحملوه على بغلة وأتوا به ابن زياد، وقد سلبه ابن الأشعث حين أعطاه الأمان سيفه وسلاحه، وفي ذلك يقول بعض الشعراء في كلمة يهجو فيها ابن الأشعث:
وتركت عمك أن تقاتل دونه ... فشلا، ولولا أنت كان منيعا
وقتلت وافد آل بيت محمد ... وسلبت أسيافا له ودروعا
مقتل هانىء بن عروة

(1/373)


فلما صار مسلم إلى باب القصر نظر إلى قلة مبرعة، فاستسقاهم منها، فمنعهم مسلم بن عمرو الباهلي - وهو أبو قتيبة بن مسلم - أن يسقوه، فوجة عمرو بن حريث فأتاه بماء في قدح، فلما رفعه إلى فيه امتلأ القدح دما، فصبه وملأه له الثانية، فلما رفعه إلى فيه سقطت ثناياه فيه وامتلأ دما، فقال: الحمد لله، لو كان من الرزق المقسوم لشربته، ثم ادخل إلى ابن زياد، فلما انقضى كلامه ومسلم يغلظ له في الجواب أمر به فأصعد إلى أعلى القصر، ثم دعا الأحمري الذي ضربه مسلم، فقال: كن أنت الذي تضرب عنقه لتأخذ بثأرك من ضربته، فأصعدوه إلى أعلى القصر، فضرب بكير الأحمري عنقه، فأهوى رأسه إلى الأرض، ثم أتبعوا رأسه جسده، ثم أمر بهانىء بن عروة فأخرج إلى السوق، فضرب عنقه صبرا، وهو يصيح: يا آل مراد، وهو شيخها وزعيمها، وهو يومئذ يركب في أربعة آلاف دارع وثمانية آلاف راجل، وإذا أجابتها أحلافها من كندة وغيرها كان في ثلاثين ألف دارع، فلم يجد زعيمهم منهم أحدا فشلا وخذلانا، فقال الشاعر: وهو يرثي هانىء بن عروة ومسلم بن عقيل ويذكر لما نالهما:
إذا كنت لا تدرين ما الموت فانظري ... إلى هانىء في السوق وابن عقيل
إلى بطل قدهشم السيف وجهه ... وآخر يهوي في طمارقتيل
أصابهما أمر الأمير فأصبحا ... أحاديث من يسعى بكل سبيل
ترى جسدا قد غير الموت لونه ... ونضح دم قد سال كل مسيل
أيترك أسماء المهايج آمنا ... وقد طلبته مذحج بذحول
فتى هو أحيى من فتاة حيية ... وأقطع من ذي شفرتين صقيل
ثم دعا ابن زياد ببكيربن حمران الذي ضرب عنق مسلم فقال: أقتلته؟ قال: نعم، قال: فما كان يقول وأنتم تصعدون به لتقتلوه؟ قال: كان يكبر ويسبح الله ويهلل ويستغفر الله، فلما أدنيناه لنضرب عنقه قال: اللهم احكم بيننا وبين قوم غرونا وكذبونا ثم خذلونا وقتلونا، فقلت: الحمد لله الذي أقادني منك، وضربته ضربة لم تعمل شيئا، فقال لي: أوما يكفيك وفي خدش مني وفاء بدمك أيها العبد، قال ابن زياد: أوفخرا عند الموت. قال: وضربته الثانية فقتلته، ثم أتبعنا رأسه جسده.
وكان ظهور مسلم بالكوفة يوم الثلاثاء لثمان ليال مضين من ذي الحجة سنة ستين، وهو اليوم الذي ارتحل فيه الحسين من مكة إلى الكوفة، وقيل: يوم الأربعاء يوم عرفة لتسع مضين من ذي الحجة سنة ستين.
ثم أمر ابن زياد بجثة مسلم فصلبت، وحمل رأسه إلى دمشق، وهذا أول قتيل صلبت جثته من بني هاشم، وأول رأس حمل من رؤوسهم إلى دمشق.
الحسين يقاتل جيش ابن زياد
فلما بلغ الحسين القادسية لقيه الحر بن يزيد التميمي فقال له: أين تريد يا ابن رسول الله؟ قال: أريد هذا المصر، فعرفه بقتل مسلم وما كان من خبره، ثم قال: ارجع فإني لم أدع خلفي خيرا أرجوه لك، فهم بالرجوع فقال له إخوة مسلم: والله لا نرجع حتى نصيب بثأرنا أو نقتل كلنا، فقال الحسين: لا خير في الحياة بعدكم، ثم سارحتى لقي خيل عبيد الله بن زياد عليها عمرو بن سعد بن أبي وقاص، فعدل إلى كربلاء - وهو في مقدار خمسمائة فارس من أهل بيته وأصحابه ونحو مائة راجل - فلما كثرت العساكر على الحسين أيقن أنه لا محيص له، فقال: اللهم احكم بيننا وبين قوم دعونا لينصرونا ثم هم يقتلوننا، فلم يزل يقاتل حتى قتل رضوان الله عليه، وكان الذي تولى قتله رجل من مذحج واحتزرأسه، وانطلق به إلى ابن زياد وهو يرتجز:
أوقر ركابي فضة وذهبا ... أنا قتلت الملك المحجبا
قتلت خير الناس آما وأبا ... وخيرهم إذ ينسبون نسبا
من قتل مع الحسين
فبعث به ابن زياد إلى يزيد بن معاوية ومعه الرأس، فدخل إلى يزيد وعنده أبو برزه الأسلمي، فوضع الرأس بين يديه، فأقبل ينكت القضيب في فيه ويقول:
نفلق هامامن رجال أحبة ... علينا، وهم كانوا أعق وأظلما

(1/374)


فقال لو أبو برزة: ارفع قضيبك فطال والله ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يضع فمه على فمه يلثمه، وكان جميع من حضر مقتل الحسين من العساكر وحاربه وتولى قتله من أهل الكوفة خاصة، لم يحضرهم شامي، وكان جميع من قتل مع الحسين في يوم عاشوراء بكربلاء سبعة وثمانين، منهم ابنه علي بن الحسين الأكبر، وكان يرتجز ويقول:
أنا علي بن الحسين بن علي ... نحن وبيت الله أولى بالنبي
تالله لا يحكم فينا ابن الدعي
وقتل من ولد أخيه الحسن بن علي: عبد الله بن الحسن، والقاسم بن الحسن، وأبو بكر بن الحسن، ومن إخوته؟ العباس بن علي، وعبد الله بن علي، وجعفر بن علي، وعثمان بن علي، ومحمد بن علي، ومن ولد جعفر بن أبي طالب: محمد بن عبد الله بن جعفر، وعون بن عبد الله بن جعفر، ومن ولد عقيل بن أبي طالب: عبد الله بن عقيل، وعبد الله بن مسلم بن عقيل، وذلك لعشر خلون من المحرم سنة إحدى وستين.
وقتل الحسين وهو ابن خمس وخمسين سنة، وقيل: ابن تسع وخمسين سنة، وقيل غير ذلك.
ووجد بالحسين يوم قتل ثلاث وثلاثون طعنة، وأربع وثلاثون ضربة، ضرب زرعة بن شريك التميمي كفه اليسرى، وطعنه سنان بن أنس النخعي، ثم نزل فاحتز رأسه، وفي ذلك يقول الشاعر:
وأي رزية عدلت حسينا ... غداة تبينه كفا سنان.
وقتل معه من الأنصار أربعة، وباقي من قتل معه من أصحابه - على ما قدمنا من العدة - من سائر العرب، وفي ذلك يقول مسلم بن قتيبة مولى بني هاشم:
عين جودي بعبرة وعويل ... واندبي إن ندبت آل الرسول
واندبي تسعة لصلب علي ... قدأصيبوا، وخمسة لعقيل
وابن عم النبي عونا أخاهم ... ليس فيما ينوب بالمخذول
وسمي النبي غودرفيهم ... قدعلوه بصارم مصقول
واندبي كهلهم فليس إذا ما ... عد في الخيركهلهم كالكهول
لعن الله حيث كان زيادا ... وابنه والعجوز ذات البعول
وأمر عمرو بن سعد أصحابه أن يوطئوا خيلهم الحسين، فانتدب لذلك إسحاق بن حيوة الحضرمي في نفر معه، فوطئوه بخيلهم، ودفن أهل العاضرية - وهم قوم من بني عاضر من بني أسد - الحسين وأصحابه بعد قتلهم بيوم، وكان عدة من قتل من أصحاب عمرو بن سعد في حرب الحسين عليه السلام ثمانية وثمانين رجلا.
ذكر أسماء ولد علي بن أبي طالب
رضي الله عنه
أسماء ولد علي وأمهاتهم
الحسن، والحسين، ومحسن، وأم كلثوم الكبرى، وزينب الكبرى، أمهم فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومحمد وأمه خولة بنت آيا الحنفية، وقيل: ابنة جعفر بن قيس بن مسلمة الحنفي، وعبيد الله، وأبو بكر أمهما ليلى بنت مسعود النهشلي، وعمر، ورقية أمهما تغلبية، ويحيى وأمه أسماء بنت عميس الخثعمية، وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب أن جعفرا الطيار استشهد وخلف عليها عونا ومحمدا وعبد الله، وأن عقب جعفر منها من عبد الله بن جعفر، وأن أبا بكر الصديق تزوجها بعده، وخلف عليها محمدا، ثم تزوجها علي فخلف عليها يحيى، وأنها ابنة العجوز الحرشية التي كانت أكرم الناس أصهارا، وقد تقدم فيما سلف من هذا الكتاب تسمية أصهار العجوز الحرشية، وأن أولهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعفر، والعباس، وعبد الله أمهم أم البنين بنت حرام الوحيدية، ورملة وأم الحسن أمهما أم سعيد بنت عروة بن مسعود الثقفي، وأم كلثوم الصغرى، وزينب الصغرى، وجمانة، وميمونة، وخديجة، وفاطمة، وأم الكرام، ونفيسة، وأم سلمة، وأم أبيها.
وقد أتينا على أنساب آل أبي طالب، ومن أعقب منهم ومصارعهم، وغير ذلك من أخبارهم في كتابنا أخبار الزمان.
ذو العقب من أولاد علي

(1/375)


والعقب لعلي من خمسة: الحسن، والحسين، ومحمد، وعمر، والعباس، وقد استقصى أنسابهم، وأتى على ذكر من لا عقب له منهم ومن له العقب، وأنساب غيرهم من قريش من بني هاشم، وغيرهم: الزبير بن بكار في كتابه في أنساب قريش وأحسن من هذا الكتاب في أنساب آل أبي طالب الكتاب الذي سمع من طاهر بن يحيى العلوي الحسيني بمدينة النبي صلى الله عليه وسلم وقد صنف في أنساب آل أبي طالب كتب كثيرة: منها كتاب العباس من ولد العباس بن علي، وكتاب أبي علي الجعفري، وكتاب المهلوس العلوي من ولد موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
رثاء قتيل الطف
وفي قتيل الطف يقول سليمان بن قتة يرثيه على ما ذكره الزبير بن بكار في كتاب أنساب قريش من أبيات:
فإن قتيل الطف من آل هاشم ... أذ ل رقابا من قريش فذلت
فإن يتبعوه عائذ البيت يصبحوا ... كعاد تعمت عن هداها فضفت
ألم تر أن الأرض أضحت مريضة ... بقتل حسين والبلاد اقشعرت
فلا يبعد الله الديار وأهلها ... وإن أصبحت منهم برغمي تخلت
ذكر لمع من أخبار يزيد وسيره
ونوادر من بعض أفعاله
خروج يزيد لوفود العرب
ولما أفضى الأمر إلى يزيد بن معاوية دخل منزله، فلم يظهر للناس ثلاثا، فاجتمع ببابه أشراف العرب ووفود البلدان وأمراء الأجناد لتعزيته بأبيه وتهنئته بالأمر، فلما كان في اليوم الرابع خرج أشعث أغبر فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن معاوية كان حبلا من حبال الله مده الله ما شاء أن يمده، ثم قطعه حين شاء أن يقطعه، وكان دون من كان قبله، وخير من بعده، إن يغفر الله له فهو أهله، وإن يعذبه فبذنبه، وقد وليت الأمر بعده، ولست أعتذر من جهل، ولا أشتغل بطلب علم، فعلى رسلكم فإن الله لو أراد شيئا كان، أذكروا الله واستغفروه، ثم نزل، ودخل منزله، ثم أذن للناس.
فدخلوا عليه لا يدرون أيهنئونه أم يعزونه، فقام عاصم بن أبي صيفي، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، أصبحت قد رزئت خليفة الله وأعطيت خلافة الله، ومنحت هبة الله، قضى معاوية نحبه، فغفر الله له ذنبه، وأعطيت بعده الرياسة، فاحتسب عند الله أعظم الرزية، واحمده على أفضل العطية، فقال يزيد، ادن مني يا ابن أبي صيفي، فدنا حتى جلس قريبا منه.
ثم قام عبد الله بن مازن فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، رزئت خير الآباء، وسميت خير الأسماء، ومنحت أفضل الأشياء بالعطية، وأعانك على الرعية، فقد أصبحت قريش مفجوعة بفقد سائسها مسرورة بما أحسن الله إليها من الخلافة بك، والعقبى من بعده، ثم أنشأ يقول:
الله أعطاك التي لا فوقها ... وقد أراد الملحدون عوقها
عنك فيأبى الله إلاسوقها ... إليك حتى قلدوك طوقها
فقال له يزيد: أدن مني يا ابن مازن، فدنا حتى جلس قريبا منه. ثم قام عبد الله بن همام فقال: آجرك الله يا أمير المؤمنين على الرزية، وصبرك على المصيبة، وبارك لك في العطية، ومنحك محبة الرعية، مضى معاوية لسبيله غفر الله له، وأورده موارد السرور، ووفقك بعده لصالح الأمور، فقد رزئت جليلا، وأعطيت جزيلا، جئت بعده للرياسة، ووليت السياسة، أصبت بأعظم المصائب، ومنحت أفضل الرغائب، فاحتسب عند الله أعظم الرزية، وأشكره على أفضل العطية، وأحدث لخالقك حمدا، والله يمتعنا بك ويحفظك، ويحفظ بك وعليك، وأنشأ يقول:
أصبر يزيد فقد فارقت ذامقة ... واشكرحباء الذي بالملك أصفاكا
أصبحت لا رزء في الأقوام نعلمه ... كما رزئت ولا عقبى كعقباكا
أعطيت طاعة خلق الله كلهم ... وأنت ترعاهم والله يرعاكا
وفي معاوية الباقي لناخلف ... إمانعيت ولانسمع بمنعاكا
فقال يزيد: ادن مني يا ابن همام، فدنا حتى جلس قريبا منه.

(1/376)


ثم قام الناس يعزونه ويهنئونه بالخلافة، فلما ارتفع عن مجلسه أمر لكل واحد منهم بمال على مقداره في نفسه، ومحله في قومه، وزاد في عطائهم، ورفع مراتبهم، وقد أتينا في كتابنا أخبار الزمان على ما كان من خبر يزيد وغيبته في حال وفاة أبيه معاوية، ومسيره من ناحية حمص حين بلغه ما بأبيه من العلة، ووروده على ثنية العقاب من أرض دمشق، فأغنى ذلك عن إعادة هذا الخبر في هذا الكتاب.
بين يزيد وعبد الملك
وذكر عدة من الأخباريين وأهل السير أن عبد الملك بن مروان دخل على يزيد، فقال: اريضة لك إلى جانب أرض لي، ولي فيها سعة، فأقطعنيها، فقال: يا عبد الملك، إنه لا يتعاظمني كبير، ولا أجزع من صغير، فأخبرني عنها وإلا سألت غيرك، فقال: ما بالحجاز أعظم منها قدرا، قال: قد أقطعتك، فشكره عبد الملك ودعا له، فلما ولى قال يزيد، إن الناس يزعمون أن يصير خليفة، فإن صدقوا فقد صانعناه، وإن كذبوا فقد وصلناه.
فسوق يزيد وعماله
وكان يزيد صاحب طرب وجوارح وكلاب وقرود وفهود ومناذمة على الشراب، وجلس ذات يوم على شرابه، وعن يمينه ابن زياد، وذلك بعد قتل الحسين، فأقبل على ساقيه فقال:
اسقني شربة تروي مشاشي ... ثم مل فاسق مثلها ابن زياد
صاحب السر والأمانة عندي ... ولتسديد مغنمي وجهادي
ثم أمر المغنين فغنوا به.
وغلب على أصحاب يزيد وعماله ما كان يفعله من الفسوق، وفي أيامه ظهر الغناء بمكة والمدينة، واستعملت الملاهي، وأظهر الناس شرب الشراب، وكان له قرد يكنى بأبي قيس يحضره مجلس منادمته، ويطرح له متكأ، وكان قردا خبيثا وكان يحمله على أتان وحشية قد ريضت وذللت لذلك بسرج ولجام ويسابق بها الخيل يوم الحلبة، فجاء في بعض الأيام سابقا، فتناول القصبة ودخل الحجرة قبل الخيل، وعلى أبي قيس قباء من الحرير الأحمر والأصفر مشمر، وعلى رأسه قلنسوة من الحرير ذات ألوان بشقائق، وعلى الأتان سرج من الحرير الأحمر منقوش ملمع بأنواع من الألوان، فقال في ذلك بعض شعراء الشام في ذلك اليوم:
تمسك أبا قيس بفضل عنانها ... فليس عليها إن سقطت ضمان
ألا من رأى القرد الذي سبقت به ... جياد أمير المؤمنين أتان
وفي يزيد وتملكه وتجبره وانقياد الناس إلى ملكه يقوله الأحوص :
ملك تدين له الملوك مبارك ... كادت لهيبته الجبال تزول
تجبى له بلخ ودجلة كلها ... وله الفرات وما سقى والنيل
وقيل: إن الأحوص قال هذا في معاوية بعد وفاته يرثيه:
ماقيل في مقتل الحسين
ولما قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما بكربلاء وحمل رأسه ابن زياد إلى يزيد خرجت بنت عقيل بن أبي طالب في نساء من قومها حواسر حائرات، لما قد ورد عليهن من قتل السادات، وهي تقول:
ماذا تقولون إن قال النبي لكم: ... ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم؟
بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي ... نصف أسارى ونصف ضرجوا بدم
ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم ... أن تخلفوني بشر في ذوي رحمي
وفي فعل ابن زياد بالحسين يقول أبو الأسود الدؤلى من قصيدة:
أقول وذاك من جزع ووجد ... أزال الله ملك بني زياد
وأبعدهم، بما غدروا وخانوا ... كما بعدت ثمي وقوم عاد
أهل المدينة وعمال يزيد

(1/377)


ولما شمل الناس جور يزيد وعماله، وعمهم ظلمه، وما ظهر من فسقه: من قتله ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنصاره، وما أظهر من شرب الخمور، وسيره سيرة فرعون، بل كان فرعون أعدل منه في رعيته، وأنصف منه لخاصته وعامته، أخرج أهل المدينة عامله عليهم - وهو عثمان ابن محمد بن أبي سفيان - ومروان بن الحكم، وسائر بني أمية، وذلك عند تنسك ابن الزبير وتألهه، وإظهار الدعوة لنفسه، وذلك في سنة ثلاث وستين، وكان إخراجهم لما ذكرنا من بني أمية وعامل يزيد عن إذن ابن الزبير، فاغتنمها مروان منهم، إذ لم يقبضوا عليهم ويحملوهم إلى ابن الزبير، فحثوا السير نحو الشام، ونمى فعل أهل المدينة ببني أمية وعامل يزيد إلى يزيد، فسير إليهم بالجيوش من أهل الشام عليهم مسلم بن عقبة المري الذي أخاف المدينة ونهبها، وقتل أهلها، وبايعه أهلها على أنهم عبيد ليزيد، وسماها نتنة، وقد سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم، طيبة، وقال: من أخاف المدينة أخاف الله فسمى مسلم هذا لعنه الله بمجرم ومسرف، لما كان من فعله، ويقال: إن يزيد حين جرد هذا الجيش وعرض عليه أنشأ يقول:
أبلغ أبا بكر إذا الأمر انبرى ... وأشرف القوم على وادي القرى
أجمع السكران من قوم ترى
يريد بهذا القول عبد الله بن الزبير، وكان عبد الله يكنى بأبى بكر، وكان يسمى يزيد السكران الخمير، وكتب إلى ابن الزبير:
أدعو إلهك في السماء فأنني ... أدعو عليك رجال عك وأشعر
كيف النجاة أبا خبيب منهم ... فاحتل لنفسك قبل أتي العسكر
وقعة الحرة
ولما انتهى الجيش من المدينة إلى الموضع المعروف بالحرة وعليهم مسرف خرج إلى حربه أهلها عليهم عبد الله بن مطيع العدوي وعبد الله بن حنظلة الغسيل الأنصاري، وكانت وقعة عظيمة قتل فيها خلق كثير من الناس من بني هاشم وسائر قريش والأنصار وغيرهم من سائر الناس؟ فممن قتل من آل أبي طالب اثنان: عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وجعفر بن محمد بن علي بن أبي طالب، ومن بني هاشم من غيرآل أبي طالب: الفضل بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وحمزة بن عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، والعباس بن عتبة بن أبي لهب بن عبد المطلب، وبضع وتسعون رجلا من سائر قريش، ومثلهم من الأنصار، وأربعة آلاف من سائر الناس ممن أدركه الإحصاء دون من لم يعرف.
وبايع الناس على أنهم عبيد ليزيد، ومن أبى ذلك أمره مسرف على السيف، غير علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب السجاد، وعلي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، وفي وقعة الحرة يقول محمد بن أسلم:
فإن تقتلونا يوم حرة واقم ... فنحن على الإسلام أول من قتل
ونحن تركناكم ببدر أذلة ... وأبنا بأسياف لنا منكم تفل
ونظر الناس إلى علي بن الحسين السجاد وقد لاذ بالقبر وهو يدعو، فأتي به إلى مسرف وهو مغتاظ عليه، فتبرأ منه ومن آبائه، فلما رآه وقد أشرف عليه ارتعد، وقام له، وأقعده إلى جانبه، وقال له: سلني حوائجك، فلم يسأله في أحد ممن قدم إلى السيف إلا شفعه فيه، ثم انصرف عنه، فقيل لعلي: رأيناك تحرك شفتيك، فما الذي قلت. قال: قلت: اللهم رب السموات السبع وما أقللن، والأرضين السبع وما أقللن، رب العرش العظيم، رب محمد وآله الطاهرين، أعوذ بك من شره، وأدرأ بك في نحره، أسألك أن تؤتيني خيره، وتكفيني شره، وقيل لمسلم: رأيناك تسب هذا الغلام وسلفه، فلما أتى به إليك رفعت منزلته، فقال: ما كان ذلك لرأي مني، لقد ملىء قلبي منه رعبا.
وأما علي بن عبد الله بن العباس فإن أخواله من كندة منعوه منه، وأناس من ربيعة كانوا في جيشه، فقال علي في ذلك:
أبي العباس قرم بني لؤي ... وأخوالي الملوك بنو وليعه
هم منعوا ذماري يوم جاءت ... كتائب مسرف وبني اللكيعة
أرادني التي لا عز فيها ... فحالت دونه أيدي ربيعة

(1/378)


ولما نزل بأهل المدينة ما وصفنا من القتل والنهب والرق والسبي وغير ذلك مما عنه أعرضنا من مسرف خرج عنها يريد مكة في جيوشه من أهل الشام، ليوقع بابن الزبير وأهل مكة، بأمر يزيد، وذلك في سنة أربع وستين.
فلما انتهى إلى الموضع المعروف بقديد مات مسرف لعنه الله! واستخلف على الجيش الحصين بن نمير، فسار الحصين حتى أتى مكة وأحاط بها، وعاذ ابن الزبير بالبيت الحرام، وكان قد سمى نفسه العائذ بالبيت، وشهر بهذا حتى ذكرته الشعراء في أشعارها، من ذلك ما قدمنا من قول سليمان بن قتة.
فإن تتبعوه عائذ البيت تصبحوا ... كعاد تعمت عن هداها فضلت
رمي الكعبة بالمجانيق
ونصب الحصين فيمن معه من أهل الشام المجانيق والعرادات على مكة والمسجد من الجبال والفجاج، وابن الزبير في المسجد، ومعه المختار بن أبي عبيد الثقفي. داخلا في جملته، منضافا إلى بيعته، منقاد ا إلى إمامته، على، شرائط شرطها عليه لا يخالف له رأيا، ولا يعصي له أمرا، فتواردت أحجار المجانيق والعرادات على البيت، ورمي مع الأحجار بالناروالنفط ومشاقات الكتان وغير ذلك من المحرقات، وانهدمت الكعبة، واحترقت البنية، ووقعت صاعقة فأحرقت من أصحاب المجانيق أحد عشر رجلا، وقيل : أكثر من ذلك وذلك يوم السبت لثلاث خلون من شهر ربيع الأول من السنة المذكورة، قبل وفاة يزيد بأحد عشر يوما، واشتد الأمر على أهل مكة وابن الزبير، واتصل الأذى بالأحجار والنار والسيف، ففي ذلك يقول أبو وجزة المدني:
آبن نمير بئس ما تولى ... قدأحرق المقام والمصلى
وليزيد وغيره أخبار عجيبة، ومثالب كثيرة: من شرب الخمر، وقتل ابن بنت الرسول، - ولعن الوصي، وهدم البيت وإحراقه، وسفك الدماء، والفسق والفجور، وغير ذلك مما قد ورد فيه الوعيد باليأس من غفرانه، كورده فيمن جحد توحيده وخالف رسله، وقد أتينا على الغرر من ذلك فيما تقدم وسلف من كتبنا، والله ولي التوفيق.
ذكر أيام معاوية بن يزيد بن معاوية
ومروان بن الحكم والمختار بن أبي عبيد وعبد الله بن الزبير ولمع من أخبارهم وسيرهم وبعض ما كان في أيامهم
موجز أخبار معاوية بن يزيد
قال المسعودي: وملك معاوية بن يزيد بن معاوية بعد أبيه، فكانت أيامه أربعين يوما إلى أن مات، وقيل: شهرين، وقيل غير ذلك، وكان يكنى بأبي يزيد، وكني حين ولي الخلافة بأبي ليلى، وكانت هنه الكنية للمستضعف من العرب، وفيه يقول الشاعر:
إني أرى فتنة هاجت مزاجلها ... والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا
ولما حضرته الوفاة اجتمعت إليه بنو أمية فقالوا له: اعهد إلى من رأيت من أهل بيتك، فقال: والله ما ذقت حلاوة خلافتكم فكيف أتقلد وزرها. وتتعجلون أنتم حلاوتها، وأتعجل مرارتها، اللهم إني بريء منها متخل عنها، اللهم إني لا أجد نفرا كأهل الشورى فأجعلها إليهم ينصبون لها من يرونه أهلا لها، فقالت له أمه: ليت إني خرقة حيضة ولم أسمع منك هذا الكلام، فقال لها: وليتني يا أماه خرقة حيض ولم أتقلد هذا الأمر، أتفوز بنو أمية بحلاوتها وأبوء بوزرها ومنعها أهلها؟ كلا! إني لبريء منها وقد تنوزع في سبب وفاته، فمنهم من رأى أنه سقي شربة ومنهم من رأى أنه مات حتف أنفه، ومنهم من رأى أنه طعن، وقبض وهو ابن اثنتين وعشرين سنة، ودفن بدمشق، وصلى عليه الوليد بن عتبة بن أبي سفبان، ليكون الأمر له من بعده، فلما كبر الثانية طعن فسقط ميتا قبل تمام الصلاة، فقدم عثمان بن عتبة بن أبي سفيان، فقالوا: نبايعك؟ قال: على أن لا أحارب ولا أباشر قتالا، فأبوا ذلك عليه، فصار إلى مكة، ودخل في جملة ابن الزبير.
وزال الأمر عن آل حرب فلم يكن فيهم من يرومها، ولا يتشوف نحوها ولايرتجى أحد منهم لها. وبايع أهل العراق عبد الله بن الزبير، فاستعمل على الكوفة عبد الله ابن مطيع العدوي.
المختار في الكوفة

(1/379)


ففال المختار بن أبي عبيد الثقفي لابن الزبير: إني لأعرف قوما لو أن لهم رجلا له رفق وعلم بما يأتي لاستخرج لك منهم جندا تغلب بهم أهل الشام، فقال: من هم. قال: شيعة بني هاشم بالكوفة، قال: كن أنت ذلك الرجل، فبعثه إلى الكوفة، فنزل ناحية منها، وجعل يظهر البكاء على الطالبيين وشيعتهم، ويظهر الحنين والجزع لهم، ويحث على أخذ الثأر لهم، والمطالبة بدمائهم، فمالت الشيعة إليه، وانضافوا إلى جملته، وسار إلى قصرالإمارة فأخرج ابن مطيع منه، وغلب على الكوفة، وابتنى لنفسه دارا، واتخذ بستانا انفق عليه أموالا عظيمة أخرجها من بيت المال، وفرق الأموال على الناس بها تفرقة واسعة، وكتب إلى ابن الزبير يعلمه أنه إنما أخرج بن مطيع عن الكوفة لعجزه عن القيام بها، ويسوم ابن الزبيرأن يحسب له بما أنفقه من بيت المال، فأبى ابن الزبير ذلك عليه، فخلع المختار طاعته، وجحد بيعته، وكتب المختار كتابا إلى علي بن الحسين السجاد يريده على أن يبايع له، ويقول بإمامته، ويظهر دعوته، وأنفذ إليه مالا كثيرا، فأبى علي أن يقبل ذلك منه أو يجيبه عن كتابه، وسبه على رؤوس الملأ في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وأظهر كذبه وفجوره، ودخوله على الناس بإظهار الميل إلى آل أبي طالب، فلما يئس المختار من علي بن الحسين كتب إلى عمه محمد بن الحنفية يريده على مثل ذلك، فأشار عليه علي بن الحسين أن لا يجيبه إلى شيء من ذلك، فإن الذي يحمله على ذلك اجتذابه لقلوب الناس بهم، وتقربه إليهم بمحبتهم، وباطنه مخالف لظاهره في الميل إليهم، والتولي لهم، والبراءة من أعدائهم، بل هو من أعدائهم لا من أوليائهم، والواجب عليه أن يشهر أمره، ويظهر كذبه، على حسب ما فعل هو وأظهر ما من القول في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتى ابن الحنفية ابن عباس فأخبره بذلك، فقال له ابن عباس: لا تفعل، فإنك لا تدري ما أنت عليه من ابن الزبير، فأطاع ابن عباس وسكت عن عيب المختار.
وأشتد أمر المختار بالكوفة، وكثر رجاله، ومال الناس إليه، وأقبل يدعو الناس على طبقاتهم ومقاديرهم في أنفسهم وعقولهم، فمنهم من يخاطبه بإمامة محمد ابن الحنفية، ومنهم من يدفعه عن هذا فيخاطبه بأن الملك يأتيه بالوحي ويخبره بالغيب، وتتبع قتلة الحسين فقتلهم: قتل عمرو بن سعد بن أبي وقاص الزهري، وهو الذي تولى حرب الحسين يوم كربلاء وقتله ومن معه، فزاد ميل أهل الكوفة إليه، ومحبتهم له.
حال ابن الزبير
وأظهر ابن الزبير الزهد في الدنيا والعبادة مع الحرص على الخلافة، وقال: إنما بطني شبر، فما عسى أن يسع ذلك من الدنيا، وأنا العائذ بالبيت، والمستجير بالرب، وكثرت أذيته لبنى هاشم مع شحه بالدنيا على سائر الناس، ففي ذلك يقول أبو وجزة مولى الزبير:
إن الموالي أمست وهي عاتبة ... على الخليفة تشكو الجوع والحربا
ماذا علينا وماذا كان يزؤنا ... أي الملوك على ما حولنا غلبا؟
وفيه لقول بعد مفارقته إياه:
ما زال في سورة الأعراف يقرؤها ... حتى فؤادي مثل الخز في اللين
لو كان بطنك شبرا قد شبعت، وقد ... أفضلت فضلا كثيرا للمساكين
إن آمرأ كنت مولاه فضيعني ... يرجو الفلاح لعمري حق مغبون
وفيه يقول أيضا:
فيا راكبا إما عرضت فبلغن ... كبيربني العوام إن قيل: من تعني
تخبر من لاقيت أنك عائذ ... وتكثر قتلا بين زمزم والركن
وفيه يقول أيضا الضحاك بن فيروز الديلمي:
تخبرنا أن سوف تكفيك قبضة ... وبطنك شبرأوأقل من الشبر
وأنت إذا ما نلت شيئا قضمته ... كماقضمت نارالغضى حطب السدر
فلو كنت تجزي إذ تبيت بنعمة ... قريبا لردتك العطوف على عمرو
ابن الزبير وأخوه عمرو

(1/380)


وذلك أن يزيد بن معاوية كان قد ولى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان المدينة فسرح منها جيشا إلى مكة لحرب ابن الزبير عليه عمرو بن الزبير أخوه، وكان عمرو منحرفا عن عبد الله، فلما تصاف القوم انهزم رجال عمرو وأسلموه، فظفر به أخوه عبد الله، فأقامه للناس بباب المسجد الحرام مجردا، ولم يزل يضربه بالسياط حتى مات.
ابن الزبير والحسن بن محمد بن الحنفية
وحبس عبد الله بن الزبير الحسن بن محمد بن الحنفية في الحبس المعروف بحبس عارم، وهو حبس موحش مظلم، وأراد قتله، فعمل الحيلة حتى تخلص من السجن، وتعسف الطريق على الجبال حتى أتى منى وبها أبوه محمد بن الحنفية ففي ذلك يقول كثير:
تخبر من لاقيت أنك عائذ ... بل العائذ المظلوم في سجن عارم
ومن ير هذا الشيخ بالخيف من منى ... من الناس يعلم أنه غيرظالم
سمي نبي الله وابن وصيه ... وفكاك أغلال وقاضي مغارم
وقد كان ابن الزبيرعمد إلى من بمكة من بني هاشم فحصرهم في الشعب، وجمع لهم خطبا عظيما لو وقعت فيه شرارة من نار لم يسلم من الموت أحد، وفى القوم محمد بن الحنفية.
ابن الزبير وال بيت الرسول
وحدث النوفلي علي بن سليمان، عن فضيل بن عبد الوهاب الكوفي، عن أبي عمران الرازي، عن فطر بن خليفة، عن الديال بن حرملة، قال: كنت فيمن استنفره أبو عبد الله الجدلي من أهل الكوفة من قبل المختار، فنقرنا معه في أربعة آلاف فارس، فقال أبو عبد الله: هذه خيل عظيمة، وأخاف أن يبلغ ابن الزبير الخبر فيعجل على بني هاشم،فيأتي عليهم، فانتدبوا معي، فانتدبنا معه في ثمانمائة فارس جريدة خيل، فما شعر ابن الزبير إلا والرايات تخفق على رأسه، قال: فجئنا إلى بني هاشم، فإذا هم في الشعب، فاستخرجناهم، فقال لنا ابن الحنفية: لا تقاتلوا إلا من قاتلكم، فلما رأي ابن الزبير تنمر ناله وإقدامنا عليه لاذ بأستار الكعبة، وقال: أنا عائذ الله.
وحدث النوفلي في كتابه في الأخبار، عن ابن عائشة، عن أبيه، عن حماد بن سلمة، قال: كان عروة بن الزبير يعذر أخاه إذا جرى ذكر بني هاشم وحصره إياهم في الشعب وجمعه لهم الحطب لتحريقهم، ويقول: إنما أراد بذلك إرهابهم ليدخلوا في طاعته إذ هم أبوا البيعة فيما سلف، وهذا خبر لا يحتمل ذكره هنا، وقد أتينا على ذكره في كتابنا في مناقب أهل البيت وأخبارهم المترجم بكتاب حدائق الأذهان.
الكيسانية وقولهم في ابن الحنفية
وخطب ابن الزبير فقال: قد بايعني الناس، ولم يتخلف عن بيعتي إلا هذا الغلام محمد ابن الحنفية، والموعد بيني وبينه أن تغرب الشمس، ثم أضرم داره عليه نارا، فدخل ابن العباس على ابن الحنفية فقال: يا ابن عم، إني لا آمنه عليك فبايعه، فقال: سيمنعه عني حجاب قوي، فجعل ابن عباس ينظر إلى الشمس، ويفكر في كلام ابن الحنفية، وقد كادت الشمس أن تغرب، فوافاهم أبو عبد الله الجدلي فيما ذكرنا من الخيل، وقالوا لابن الحنفية: ائذن لنا فيه، فأبى، وخرج إلى أيلة فأقام بها سنين، ثم قتل ابن الزبير، كذلك حدث عمر بن شبة النميري، عن عطاء بن مسلم، فيما أخبرنا به أبو الحسن المهراني المصري بمصر، وأبو إسحاق الجوهري بالبصرة، وغيرهما، وهؤلاء الذين وردوا إلى ابن الحنفية هم لشيعة الكيسانية، وهم القائلون بإمامة محمد بن الحنفية، وقد تنازعت الكيسانية بعد قولهم بإمامة محمد بن الحنفية: فمنهم من قطع بموته، ومنهم من زعم أنه لم يمت وأنه حي في جبال رضوى، وقد تنازع كل فريق من هؤلاء أيضا، وإنما سموا بالكيسانية لإضافتهم إلى المختار بن أبي عبيد الثقفي، وكان اسمه كيسان، ويكنى أبا عمرة، وأن علي بن أبي طالب سماه بذلك، ومنهم من رأى أن كيسان أبا عمرة هو غير المختار،. وقد أتينا على أقاويل فرق الكيسانية وغيرهم من فرق الشيعة وطوائف الأمة في كتابنا في المقالات في أصول الديانات وذكرنا قول كل فريق منهم، وما أيد به مذهبه، وقول من ذكر منهم أن ابن الحنفية دخل إلى شعب رضوي في جماعة من أصحابه فلم يعرف لهم خبر إلى هذه الغاية.

(1/381)


وقد ذكر جماعة من الأخباريين أن كثيرا الشاعر كان كيسانيا، ويقول: إن محمد بن الحنفية هو المهدي الذي يملأ الأرض عدلا كما ملئت شرا وجورا.
وحكى الزبير بن بكار في كتابه أنساب قريش في أنساب آل أبي طالب وأخبارهم منه قال: أخبرني عمي، قال: قال كثير أبياتا له يذكر ابن الحنفية رضي الله عنه، وأولها:
هو المهدي خبرناه كعب ... أخو الأحبار في الحقب الخوالي
أقر الله عيني إذ دعاني ... أمين الله يلطف في السؤال
وأثنى في هواي علي خيرا ... وساءل عن بني وكيف حالي
وفيه يقول أيضا كثير:
ألا إن الأئمة من قريش ... ولاة الحق أربعة سواء
علي والثلاثة من بنيه ... هم الأسباط ليس بهم خفاء
فبسط سبط إيمان وبر ... وسبط غيبته كربلاء
وسبط لاتراه العين حتى ... يقود الخيل يتبعها اللواء
تغيب لايرى فيهم زمانا ... برضوي عنده عسل وماء
وفيه يقول السيد الحميري، وكان كيسانيا:
ألا قل للوصي فدتك نفسي ... أطلت بذلك الجبل المقاما
أضر بمعشر والوك منا ... وسموك الخليفة والإماما
وعادوا فيك أهل الأرض طرا ... مغيبك عنهم سبعين عاما
وماذاق ابن خولة طعم موت ... ولا وارت له أرض عظاما
لقد أمسى بمردف شعب رضوى ... تراجعه الملائكة الكلاما
وفيه يقول السيد أيضا:
يا شعب رضوى ما لمن بك لا يرى ... وبنا إليه من الصبابة أولق
حتى متى؟ وإلى متى؟ وكم المدى؟ ... يا ابن الرسول وأنت حي ترزق
وللسيد فيه أشعار كثيرة لا يأتي عليها كتابنا هذا.
وذكر علي بن محمد بن سليمان النوفلي في كتابه الأخبار مما سمعناه من أبي العباس بن عمار، قال: حدثنا جعفر بن محمد النوفلي، قال: حدثنا إسماعيل الساحر، وكان راوية السيد الحميري، قال: ما مات السيد إلا على قوله بالكيسانية، وأنكر قوله في القصيدة التي أولها:
تجعفرت باسم الله، والله أكبر
قال أبو الحسن علي. بن محمد النوفلي عقيب هذا الخبر: وليس يشبه هذا شعر السيد؟ لأن السيد مع فصاحته وجزالة قوله لا يقول تجعفرت باسم الله.
وذكر عمر بن شبه النميري، عن مساور بن السائب، أن ابن الزبير خطب أربعين يوما لا يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: لا يمنعني أن أصلي عليه إلا أن تشمخ رجال بآنافها.
بين ابن عباس وابن الزبير
وذكر سعيد بن جبير أن عبد الله بن عباس دخل على ابن الزبير فقال له ابن الزبير: أنت الذي تؤنبني وتبخلني. قال ابن عباس: نعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: ليس المسلم الذي يشبع ويجوع جاره فقال ابن الزبير: إني لأكتم بغضكم أهل هذا البيت منذ أربعين سنة، وجرى بينهم خطب طويل، فخرج ابن عباس من مكة خوفا على نفسه، فنزل الطائف، فتوفي هنالك، ذكر هذا الخبر عمر بن شبة النميري، عن سويد بن سعيد، يرفعه إلى سعيد بن جبير فيما حدثنا به المهراني بمصر، والكلابي بالبصرة، وغيرهما، عن عمر بن شبة.
بين ابن الحنفية وابن الزبير
وحدث النوفلي في كتابه في الأخبار عن الوليد بن هشام المخزومي، قال: خطب ابن الزبير فنال من علي، فبلغ. ذلك ابنه محمد بن الحنفية فجاء حتى وضع له كرسي قدامه، فعلاه، وقال: يا معشر قريش، شاهت الوجوه! أينتقص علي وأنتم حضور؟ إن عليا كان سهما صادقا

(1/382)


أحد مرامي الله على أعدائه يقتلهم لكفرهم ويهوعهم مآكلهم، فثقل عليهم، فرموه بقرفة الأباطيل، وإنا معشر له على ثبج من أمره بنو النخبة من الأنصار، فإن تكن لنا في الأيام دولة ننثر عظامهم ونحسر عن أجسادهم، والأبدان يومئذ بالية، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، فعاد ابن الزبير إلى خطبته، وقال: عذرت بني الفواطم يتكلمون، فما بال ابن الحنفية. فقال محمد: يا ابن أم رومان، ومالي لا أتكلم. أليست فاطمة بنت محمد حليلة أبي وأم إخوتي. أو ليست فاطمة بنت أسد بن هاشم جدتي. أو ليست فاطمة بنت عمرو بن عائذ جدة أبي. أما والله لولا خديجة بنت خويلد ما تركت في بني أسد عظما إلا هشمته، وإن نالتني فيه المصائب صبرت.
ابن الزبير ينتقص ابن العباس
حدثنا ابن عمار، عن علي بن محمد بن سليمان النوفلي، قال: حدثني ابن عائشة والعتبي جميعا عن أبويهما، وألفاظهما متقاربة، قالا: خطب ابن الزبير فقال: ما بال أقوام يفتون في المتعة، وينتقصون حواري الرسول وأم المؤمنين عائشة، ما بالهم أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم، يعرض بابن عباس، فقال ابن عباس: يا غلام، اصمدني صمده، فقال: يا ابن الزبير:
قد أنصف القارة من راماها ... إنا إذا ما فئة نلقاها
نرد أولاها على أخراها
أما قولك في المتعة فسل أمك تخبرك، فإن أول متعة سطع مجمرها لمجمر سطع بين أمك وأبيك، يريد متعة الحج، وأما قولك أم المؤمنين فبنا سميت أم المؤمنين، وبنا ضرب عليها الحجاب وأما قولك حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد لقيت أباك فى الزحف وأنا مع إمام هدى، فأن يكن على ما أقول فقد كفر بقتالنا، وإن يكن على ما تقول فقد كفر بهربه عنا، فانقطع ابن الزبير ودخل على أمه أسماء، فأخبرها، فقالت: صدق.
قال المسعودي: وفي هذا الخبر زيادات من ذكر البردة والعوسجة،وقد أتينا على الخبر بتمامه وما قاله الناس في متعة النساء ومتعة الحج، وتنازعهم في ذلك وما ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم، من أنه حرمها عام خيبرولحوم الحمر الأهلية وما ذكر في حديث الربيع بن سبرة عن أبيه وقول عمر: كانت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو تقدمت بالنهي لفعلت بفاعل ذلك كذا وكذا. وما روي عن جابر قال: تمتعنا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخلافة أبي بكر، وصدر من خلافة عمر، وغير ذلك من أقاويلهم، في كتابنا المترجم بكتاب الاستبصار وفي كتاب الصفوة وفي كتابنا المترجم بالكتاب الواجب في الفروض اللوازم وما قال الناس في غسل الرجلين، ومسحهما، والمسح على الخفين، وطلاق السنة، وطلاق العدة، وطلاق التعدي، وغير ذلك.
وقد حدث النوفلي، عن أبي عاصم، عن ابن جريج، قال: حدثني منصور بن شيبة، عن صفية بنت أبي عبيد، عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: لما قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، في حجة الوداع أمر من لم يكن معه هدي أن يحل، قال: فأحللت، فلبست ثيابي، وتطيبت، وجئت حتى جلست إلى جنب الزبير، فقال: قومي عني، فقلت: ما تخاف. قال: أخاف أن أثب عليك. فهذا الذي أراد ابن عباس.
وقد ذكر هذا الحديث عن أبي عاصم غير النوفلي، وقد تنازع الناس في ذلك: فمنهم من رأى أنه عنى متعة النساء، ومنهم من رأى أنه أراد متعة الحج، لأن الزبير تزوج أسماء بكرا في الإسلام، زوجه أبو بكر معلنا، فكيف تكون متعة النساء.
بين ابن الزبير والحصين بن نمير

(1/383)


ولما هلك يزيد بن معاوية ووليها معاوية بن يزيد نمي ذلك إلى الحصين بن نمير ومن معه في الجيش من أهل الشام، وهو على حرب ابن الزبير، فهادنوا ابن الزبير، ونزلوا مكة، فلقي الحصين عبد الله في المسجد، فقال له: هل لك يا ابن الزبير أن أحملك إلى الشام وأبايع لك بالخلافة. فقال عبد الله رافعا صوته: أبعد قتل أهل الحرة، لا والله حتى أقتل بكل رجل خمسة من أهل الشام، فقال الحصين: من زعم يا ابن الزبير أنك فى داهية فهو أحمق، أكلمك سرا وتكلمني علانية، أدعوك إلى أن أستخلفك فترفع الحرب وتزعم أنك تقاتلنا، فستعلم أينا المقتول، وانصرف أهل الشام إلى بلادهم مع الحصين، فلما صاروا إلى المدينة جعل أهلها يهتفون بهم، ويتوعدونهم، ويذكرون قتلاهم بالحرة، فلما أكثروا من ذلك وخافوا الفتنة وهيجها صعد روح بن زنباع الجذامي على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان في ذلك الجيش، فقال: يا أهل المدينة، ما هذا الإيعاد الذي توعدوننا؟ إنا والله ما دعوناكم إلى كلب لمبايعة رجل منهم، ولا إلى رجل من بلقين،، ولا إلى رجل من لخم أو جذام، ولا غيرهم من العرب والموالي، ولكن دعوناكم إلى هذا الحي من قريش، يعني بني أمية، ثم إلى طاعة يزيد بن معاوية، وعلى طاعته قاتلناكم، فإيانا توعدون؟ أما والله إنا لأبناء الطعن والطاعون، وفضلات الموت. والمنون، فما شئتم، ومضى القوم إلى الشام.
ابن الزبير يبني الكعبة على قواعد إبراهيم
وحمل إلى ابن الزبير من صنعاء الفسيفساء التي كان بناها أبرهة الحبشي في كنيسته التي اتخذها هنالك، ومعها ثلاث أساطين من رخام فيها وشي منقوش قد حشي السندروس وأنواع الألوان من الأصباغ، فمن رآه ظنه ذهبا، وشرع ابن الزبير في بناء الكعبة، وشهد عنده سبعون شيخا من قريش أن قريشا حين بنت الكعبة جزت نفقتهم فنقصوا من سعة البيت سبعة أذرع من أساس إبراهيم الخليل الذي أسسه هو وإسماعيل عليهما السلام، فبناه ابن الزبير وزاد فيه لأذرع المذكورة، وجعل فيه الفسيفساء والأساطين، وجعل له بابين: بابا يدخل منه، وبابا يخرج منه، فلم يزل البيت على ذلك حتى قتل الحجاج عبد الله بن الزبير، وكتب إلى عبد الملك بن مروان يعلمه بما زاده ابن الزبير في البيت، فأمره عبد الملك بهدمه، ورده إلى ما كان عليه آنفا من بناء قريش وعصر الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن يجعل له بابا واحدا، ففعل الحجاج ذلك.
واستوثق الأمر لابن الزبير، وأخذت له البيعة بالشام، وخطب له على سائر منابر الإسلام، إلا منبر طبرية من بلاد الأردن، فإن حسان بن مالك ابن بجدل أبى أن يبايع لابن الزبير، وأرادها لخالد بن يزيد بن معاوية، وكان القيم بأمر بيعة ابن الزبير بمكة عبد الله بن مطيع العدوي، ففي ذلك يقول قضاعة الأسدي، وكان بايع لابن الزبير ثم نكث:
دعا ابن مطيع للبياع فجئته ... إلى بيعة قلبي لهاغيرالف
فناولني خشناء لمالمستها ... بكفي ليست من أكف الخلائف
عبيد الله بن زياد والخلافة
وهلك يزيد بن معاوية ومعاوية بن يزيد، وعبيد الله بن زياد على البصرة أمير، فخطب الناس وأعلمهم بموتهما، وأن الأمر شورى لم ينصب له أحد، وقال: لا أرض اليوم أوسع من أرضكم، ولا عدد أكثر من عددكم، ولا مال أكثر من مالكم، في بيت مالكم مائة ألف ألف درهم، ومقاتلتكم ستون ألفا، وعطاؤهم وعطاء العيال ستون ألف ألف درهم، فانظروا رجلا ترضونه يقوم بأمركم، ويجاهد عدوكم، وينصف مظلومكم من ظالمكم، ويوزع بينكم أموالكم، فقام إليه أشراف أهلها - ومنهم الأحنف بن قيس التميمي، وقيس بن الهيثم السلمي، ومسمع بن مالك العبدي - فقالوا: ما نعلم ذلك الرجل غيرك أيها الأمير، وأنت أحق من قام على أمرنا حتى يجتمع الناس على خليفة، فقال: أما لو استعملتم غيري لسمعت وأطعت.
الكوفة لأبى الانقياد له

(1/384)


وقد كان على الكوفة عمرو بن حريث الخزاعي عاملا لعبيد الله بن زياد، فكتب إليه عبيد الله يحلمه بما دخل فيه أهل البصرة، ويأمره أن يأمر أهل الكوفة بما دخل فيه أهل البصرة، فصعد عمرو بن حريث على المنبر، فخطب الناس وذكر لهم ما دخل فيه أهل البصرة فقام يزيد بن رويم الشيباني فقال: الحمد لله الذي أطلق أيماننا، لا حاجة لنا في بني أمية، ولا في إمارة ابن مرجانة، وهي أم عبيد الله، وأم أبيه زياد سمية على ما ذكرنا آنفا، إنما البيعة لأهل الحجر - يعني أهل الحجاز - فخلع أهل الكوفة ولاية بني أمية وإمارة ابن زياد وأرادوا أن ينصبوا لهم أميرا إلى أن ينظروا في أمرهم، فقال جماعة: عمرو بن سعد بن أبي وقاص يصلح لها، فلما هموا بتأميره أقبل نساء من همدان وغيرهن من نساء كهلان والأنصار وربيعة والنخع حتى دخلن المسجد الجامع صارخات باكيات معولات يندبن الحسين ويقلن: أما رضي عمرو بن سعد بقتل الحسين حتى أراد أن يكون أميرا علينا على الكوفة، فبكى الناس، وأعرضوا عن عمرو، وكان المبرزات في ذلك نساء همدان، وقد كان علي عليه السلام مائلا إلى همدان مؤثرا لهم، وهو القائل:
فلو كنت بوابا على باب جنة ... لقلت لهمدان ادخلوا بسلام
وقال:
عبييت همدان وعبوا حميرا
ولم يكن بصفين منهم أحد مع معاوية وأهل الشام إلا ناس كانوا بغوطة دمشق، بقرية تعرف بعين ثرما، فيها منهم قوم إلى هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة.
ولما اتصل خبر أهل الكوفة بابن الزبير أنفذ إليهم عبد الله بن مطيع العدوي على ما قدمنا آنفا، فتولى أمرهم حتى وجه المختار في أثره.
تدبير مروان بن الحكم
ونظر مروان بن الحكم في إطباق الناس على مبايعة ابن الزبير، وإجابتهم له، فأراد أن يلحق به وينضاف إلى جملته، فمنعه من ذلك عبيد الله بن زياد عند لحاقه بالشام، وقال له: إنك شيخ بني عبد مناف فلا تعجل، فصار مروان إلى الجابية، من أرض الجولان، بين دمشق والأردن، واستمال الضحاك بن قيس الفهري الناس، ورأسهم، وانحاز عن مروان، وأراد دمشق، فسبقه إليها الأشدق، عمرو بن سعيد بن العاص فدخلها وصار الضحاك إلى حوران والبثنة وأظهر الدعوة لابن الزبير، والتقى الأشدق ومروان، فقال الأشدق لمروان: هل لك فيما أقوله لك فهو خير لي ولك. قال مروان: وما هو. قال: أدعو الناس إليك وآخذك لك على أن تكون لي من بعدك، فقال مروان: لا، بل بعد خالد بن يزيد بن معاوية، فرضي الأشدق بذلك، ودعا الناس إلى بيعة مروان فأجابوا، ومضى الأشدق إلى حسان بن مالك بالأردن، - فأرغبه في بيعة مروان، فجنح لها.
البيعة لمروان
وبويع مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمش بن عبد مناف، ويكنى أبا عبد الملك، وأمه آمنة بنت علقمة بن صفوان، وذلك بالأردن، وكان أول من بايعه أهلها، وتمت بيعته.
وكان مروان أول من أخذها بالسيف كرها على ما قيل بغير رضا من عصبة من الناس، بل كل خوفه إلا عددا يسيرا حملوه على وثوبه عليها، وقد كان غيره ممن سلف أخذها بعدد وأعوان إلا مروان، فإنه أخذها على ماوصفنا! وبايع مروان بعده لخالد بن يزيد، ولعمرو بن سعيد الأشدق بعد خالد، وكان مروان يلقب بخيط باطل، وفي ذلك يقول عبد الرحمن بن الحكم أخوه:
لحا الله قوما أمروا خيط باطل ... على الناس يعطي من يشاء ويمنع
واشترط حسان بن مالك - وكان رئيس قحطان وسيدها بالشام - على مروان ما كان لهم من الشروط على معاوية، وابنه يزيد، وابنه معاوية بن يزيد: منها أن يفرض لهم لالذي رجل الذين الذين، وإن مات قام ابنه أو ابن عمه مكانه، وعلى أن يكون لهم الأمر والنهي، وصدر المجلس، وكل ما كان من حل وعقد فعن رأي منهم ومشورة، فرضي مروان بذلك، فإنقاد إليه، وقال له مالك بن هبيرة اليشكري: إنه ليست لك في أعناقنا بيعة، وليس نقاتل إلا عن عرض دنيا؟ فإن تكن لنا على ما كان لنا معاوية ويزيد نصرناك، وإن تكن الأخرى فوالله ما قريش عندنا إلا سواء، فأجابه مروان إلى ما سأل!.
لقاء مروان والضحاك بن قيس

(1/385)


وسار مروان نحو الضحاك بن قيس الفهري، وقد انحازت قيس وسائر مضر وغيرهم من نزار إلى الضحاك، ومعه أناس من قضاعة عليهم وائل بن عمرو العدوي، وكانت معه راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأبيه، وأظهر الضحاك ومن معه خلافة ابن الزبير، والتقى مروان والضحاك ومن معهما بمرج راهط على أميال من دمشق، فكانت بينهم الحروب سجالا وكثرت اليمانية عليهم وبواديها مع مروان فقتل الضحاك بن قيس رئيس جيش ابن الزبير، قتله رجل من تيم اللات، وقتل من معه من نزار، وأكثرهم من قيس، مقتلة عظيمة لم ير مثلها قط، وفي ذلك يقول مروان بن الحكم:
لما رأيت الناس صاروا حربا ... والمال لا يؤخذ إلا غصبا
دعوت غسانا لهم وكلبا ... والسكسكيين رجالا غلبا
والقين تمشي في الحديد نكبا ... والأعوجيات يثبن وثبا
يحملن سروات ودينا صلبا
وفي ذلك يقول أخوه عبد الرحمن بن الحكم:
أرى أحاديث أهل المرج قد بلغت ... أهل الفرات وأهل الفيض والنيل
وكان زفر بن الحارث العامري، ثم الكلابي، مع الضحاك، فلما أمعن السيف في قومه ولى ومعه رجلان من بني سليم، فقصر فرساهما وغشيتهما اليمانية من خيل مروان، فقالا له: انج بنفسك فإنا مقتولان، فولى راكضا، ولحق الرجلان، فقتلا، وفي هذا اليوم يقول زفر بن الحارث الكلابي من أبيات كثيرة:
لعمري لقد أبقت وقيعة راهط ... لمروان صدعا بينا متناكيا
فقد ينبت المرعى على دمن الثرى ... وتبقى خزازات النفوس كما هيا
أريني سلاحي لا أبا لك إنني ... أرى الحرب لا تزداد إلا تماديا
أتذهب كلب لم تنلها رماحنا ... وتترك قتلى راهط هي ماهيا
فلم ترمني نبوة قبل هذه ... فراري، وتركي صاحبي ورائيا
عشية أغدو في الفريقين لا أرى ... من القوم إلا من علي ولاليا
أيذهب يوم واحد إن أسأته ... بصالح أيامي وحسن بلائيا
أبعد ابن عمرو وابن معن تتابعا ... ومقتل همام امنى الأمانيا
وتلاحق الناس ممن حضر الوقعة بأجنادهم من أرض الشام، وكان النعمان بن بشير واليا على حمص قد خطب لابن الزبير ممالئا للضحاك، فلما بلغه قتله وهزيمة الزبيرية خرج عن حمص هاربا، فسار ليلته جمعاء متحيرا لا يدري أين يأخذ، فأتبعه خالد بن عدي الكلاعي فيمن خف معه من أهل حمص، فلحقه وقتله، وبعث برأسه إلى مروان، وانتهى زفر بن الحارث الكلابي في هزيمته إلى قرقيسيا، فغلب عليها، واستقام الشام لمروان، وبث فيه رجاله وعماله.
وسار مروان في جنوده من الشام إلى أهل مصر، فحاصرها وخندق عليها خندقا مما يلي المقبرة، وكانوا زبيرية عليهم لابن الزبير عبد الرحمن بن عتبة بن جحدم، وسيد الفسطاط يومئذ وزعيمها أبو رشد بن كريب بن أبرهة بن الصباح، فكان بينهم وبين مروان قتال يسير، وتوافقوا على الصلح، وقتل مروان أكيدر بن الحمام صبرا، وكان فارس مضر، فقال أبو رشد لمروان: إن شئت والله أعدناها جذعة، يعني يوم الدار بالمدينة، فقال مروان: ما أشاء من ذلك شيئا، وانصرف عنها وقد استعمل عليها ابنه عبد العزيز.
وقدم مروان الشام فنزل الصميرة على ميلين من طبرية من بلاد الأردن، فأحضر حسان بن مالك، وأرغبه وأرهبه، فقام حسان في الناس خطيبا، ودعاهم إلى بيعة عبد الملك بن مروان بعد مروان، وبيعة عبد العزيز بن مروان بعد عبد الملك، فلم يخالفه في ذلك أحد.
موت مروان بن الحكم

(1/386)


وهلك مروان بدمشق في هذه السنة، وهي سنة خمس وستين، وقد تنازع أهل التواريخ وأصحاب السير ومن عني بأخبارهم في سبب وفاته: فمنهم من رأى أنه مات مطعونا، ومنهم من رأى أنه مات حتف أنفه ومنهم من رأى أن فاختة بنت أبي هاشم بن عتبة أم خالد بن يزيد بن معاوية هي التي قتلته، وذلك أن مروان حين أخذ البيعة لنفسه ولخالد بن يزيد بعده وعمروبن سعيد بعد خالد، ثم بدا له غير ذلك فجعلها لابنه عبد الملك بعده، ثم لابنه عبد العزيز بعد عبد الملك ودخل عليه خالد بن يزيد فكلمه وأغلظ له، فغضب من ذلك وقال: أتكلمني يا ابن الرطبة. وكان مروان قد تزوج بأمه فاختة ليذله بذلك ويضع منه، فدخل خالد على أمه فقبح لها تزوجها بمروان، وشكا إليها ما نزل به منه، فقالت: لا يعيبك بعدها؟ فمنهم من رأى أنها وضعت على نفسه وسادة وقعدت فوقها مع جواريها حتى مات، ومنهم من رأى أنها أعدت له لبنا مسموما فلما دخل عليها ناولته إياه فشرب، فلما استقر في جوفه وقع يجود بنفسه وأمسك لسانه، فحضره عبد الملك وغيره من ولد ة فجعل مروان يشير إلى أم خالد برأسه يخبرهم أنها قتلته، وأم خالد تقول: بأبي وآمي أنت، حتى عند النزع لم تشتغل عني، إنه يوصيكم بي، حتى هلك، فكانت أيامه تسعة أشهر وأياما قلائل، وقيل: ثمانية أشهر، وقيل غير ذلك مما سنورده عند ذكرنا للمدة التي ملكت فيها بنو أمية من الأعوام، فيما يرد من هذا الكتاب، إن شاء الله تعالى.
ترجمة مروان
وهلك مروان وهو ابن ثلاث وستين سنة، وقد ذكر غير ذلك في سنه، وكان قصيرا أحمر، ومولده لسنتين خلتا، من الهجرة، وهلك بعد أخذ البيعة لولده بثلاث أشهر، وقد ذكر ابن أبي خيثمة في كتابه في التاريخ أن النبي صلى الله عليه وسلم، توفي ومروان ابن ثمان سنين، وكان لمروان عشرونأخا وثماني أخوات، وله من الولد أحد عشر ذكرا وثلاث بنات، وهم: عبد الملك، وعبد العزيز، وعبد الله، وأبان، وداود، وعمر، وأم عمر، وعبد الرحمن، وأم عثمان، وعمرو، وأم عمرو، وبشر، ومحمد، ومعاوية، وقد ذكرنا هؤلاء ومن أعقب منهم ومن لم يعقب.
ولد يزيد بن معاوية
وقد كان يزيد بن معاوية خلف من الولد أكثر مما خلف مروان، وذلك أنه خلف: معاوية، وخالدا، وعبد الله الأكبر، وأبا سفيان، وعبد الله الأصغر، وعمر، وعاتكة، وعبد الرحمن، وعبد الله الذي لقبه الأصغر، وعثمان، وعتبة الأعور، وأبا بكر، ومحمدا، ويزيد، وأم يزيد، وأم عبد الرحمن، ورملة.
ولد معاوية
وخلف أبوه معاوية بن أبي سفيان من الولد: عبد الرحمن، ويزيد، وعبد الله، وهندا، ورملة، وصفية.
ذكر أيام عبد الملك بن مروان
وبويع عبد الملك بن مروان ليلة الأحد غرة شهر رمضان من سنة خمس وستين، ثم بعث الحجاج بن يوسف إلى عبد الله بن الزبيرومن معه من الناس بمكة، فقتل عبد الله يوم الثلاثاء لعشر مضين من جمادي الآخرة سنة ثلاث وسبعين، وكانت ولاية ابن الزبير تسع سنين وعشر ليال، وسنذكر مدة ابن الزبير بعد هذا الموضع من هذا الكتاب عند ذكرنا لجامع مدة ملك بني أمية، ثم هاجت فتنة ابن الأشعث في شعبان من سنة اثنتين وثمانين، ثم توفي عبد الملك بن مروان بدمشق يوم السبت لأربع عشرة مضت من شوال سنة ست وثمانين، وكانت ولايته منذ بويع إلى أن توفي إحدى وعشرين سنة وشهرا ونصفا، وبقي بعد عبد الله بن الزبير واجتماع من اجتمع عليه من الناس ثلاث عشرة سنة وأربعة أشهر إلا سبع ليال، وسنذكر ما فعله من وقت استقامة من استقام له من الناس، وقبض وهو ابن ست وستين سنة، وقيل كثر من ذلك، وكان يحب الشعر والفخر والتقريظ والمدح وكان الغالب عليه البخل، وكان له إقدام على الدماء، وكان عماله على مثل مذهبه، كالحجاج بالعراق، والمهلب بخراسان، وهشام بن إسماعيل بالمدينة، وغيرهم، وكان الحجاج من أظلمهم وأسفكهم للدماء، وسنذكر في هذا الكتاب جوامع من ذكره فيما يلي هذا الباب.
ذكر جمل من أفعاله وسيره
ولمع مما كان في أيامه ونوادر من أخباره
منادمة الشعبي لعبد الملك

(1/387)


ولما أفضى الأمر إلى عبد الملك بن مروان تاقت نفسه إلى محادثة الرجال والأشراف على أخبار الناس، فلم يجد من يصلح لمنادمته غير الشعبي، فلما حمل إليه ونادمه وحظي عنده قال له: يا شعبي لا تساعدني على ما قبح، ولا ترد علي الخطأ في مجلسي، ولاتكلفني جواب التشميت والتهنئة، ولا جواب السؤال والتعزية، ودع عنك كيف أصبح الأمير وكيف أمسى، وكلمني بقدر ما أستطعمك واجعل بدل المدح لي صواب الاستماع مني، وأعلم أن صواب الاستماع أكثر من صواب القول، وإذا سمعتني أتحدث فلا يفوتنك منه شيء، وأرني فهمك في طرفك وسمعك، ولا تجهد نفسك في تطرية جوابي، ولا تستدع بذلك الزيادة في كلامي، فإن أسوأ الناس حالا من استكد الملوك بالباطل، وإن أسوأ حالا منهم من استخف بحقهم، واعلم يا شعبي أن أقل من هذا يذهب بسالف الإحسان، ويسقط حتى الحرمة ة فإن الصمت في موضعه ربما كان أبلغ من المنطق في موضعه، وعند إصابته فرصة.
مهب الرياح:
وقال عبد الملك للشعبي يوما: من أين تهب الريح. قال: لا علم لي يا أمير المؤمنين قال عبد الملك: أما مهب الشمال فمن مطلع بنات نعش إلى مطلع الشمس، وأما مهب الصبا فمن مطلع الشمس إلى مطلع سهيل، وأما الجنوب فمن مطلع سهيل إلى مغرب الشمس، وأما الذبور فمن مغرب الشمس إلى مطلع بنات نعش.
حركة للشيعة
وفي سنة خمس وستين تحركت الشيعة بالكوفة، وتلاقوا بالتلاوم والتنادم حين قتل الحسين فلم يغيثوه، ورأوا أنهم قد أخطؤا خطأ كبيرا، بدعاء الحسين إياهم ولم يجيبوه، ولمقتله إلى جانبهم فلم ينصروه، ورأوا أنهم لا يغسل عنهم ذلك الجرم إلا قتل من قتله أو القتل فيه، ففزعوا إلى خمسة نفر منهم: سليمان بن صرد الخزاعي، والمسيب بن نجبة الفزاري، وعبد الله بن سعد بن نفيل الأزدي، وعبد الله بن وال التميمي، ورفاعة بن شداد البجلي، فعسكروا بالنخيلة، بعد أن كان لهم مع المختار بن أبي عبيد الثقفي خطب طويل بتثبيطه الناس عنهم ممن أراد الخروج معهم، ففي ذلك يقول عبد الله بن الأحمر يحرض على الخروج والقتال من أبيات:
صحوت وودعت الصبا والغوانيا ... وقلت لأصحابي: أجيبوا المناديا
وقولوا له إذ قام يدعو إلى الهدى ... وقبل الدعا: لبيك لبيك داعيا
في شعر طويل يحث فيه على الخروج، ويرثي الحسين ومن قتل معه، ويلوم شيعته بتخلفهم عنه، ويذكر أنهم قد تابوا إلى الله وأنابوا إليه من الكبائر التي ارتكبوها إذ لم ينصروه، ويقول أيضا في هذا الشعر:
ألا وانع خير الناس جدا ووالدا ... حسينا لأهل الدين إن كنت ناعيا
ليبك حسينا مرمل ذوخصاصة ... عديم وأيتام تشكى المواليا
فأضحى حسين للرماح دريئة ... وغودرمسلوبا لدى الطف ثاويا
فياليتني إذ ذاك كنت شهدته ... فضاربت عند الشانئين الأعاديا
سقى الله قبرا ضمن المجد والتقى ... بغربية الطف الغمام الغواديا
فيا أمة تاهت وصلت سفاهة ... أنيبوا فأرضوا الواحد المتعاليا
ثم ساروا يقدمهم من سمينا من الرؤساء وعبد الله بن الأحمر يقول:
خرجن يلمعن بنا أرسالا ... عوابسا يحملننا أبطالا
نريد أن نلقي بها الأقيالا ... القاسطين الغدر الضلالا
وقد رفضنا الولد والأموالا ... والخفرات البيض والحجالا
نرضى به ذا النعم المفضالا
موقعة عين الوردة

(1/388)


فانتهوا إلى قرقيسياء من شاطىء الفرات وبها زفر بن الحارث الكلابي، فأخرج إليهم الأنزال، وساروا من قرقيسياء ليسبقوا إلى عين الوردة، وقد كان عبيد الله بن زياد توجه من الشام إلى حربهم في ثلاثين ألفا، وانفصل على مقدمته من الرقة خمسة أمراء، منهم الحصين بن نمير السكوني، وشرحبيل بن في الكلاع الحميري، وأدهم بن محرز الباهلي، وربيعة بن المخارق الغنوي، وجبلة بن عبد الله الخثعمي، حتى إذا صاروا إلى عين الوردة التقي الأقوام، وقد كان قبل ذلك لهم مناوشات في الطلائع، فاستشهد سلمان بن صرد الخزاعي، بعد أن قتل من القوم مقتلة عظيمة، وأبلى وحث وحرض، ورماه يزيد بن الحصين بن نمير بسهم فقتله، فأخذ الراية المسيب بن نجبة الفزاري، وكان من وجوه أصحاب علي رضي الله عنه، وكرعلى القوم وهو يقول:
قد علمت ميالة الذوائب ... واضحة اللبات والترائب
أني غداة الروع والمقانب ... أشجع من ذي لبدة مواثب
فقاتل حتى قتل، واستقتل الترابيون، وكسروا أجفان السيوف، وسالت عليهم عساكر أهل الشام بالليل ينادون الجنة الجنة إلى البقية من أصحاب أبي تراب الجنة الجنة إلى الترابية، وأخذ راية الترابيين عبد الله بن سعد بن نفيل، وأتاهم إخوانهم يحثون السير خلفهم من أهل البصرة وأهل المدائن في نحو من خمسمائة فارس عليهم المثنى بن مخرمة، وسعد بن حذيفة، وهم يقولون: أقلنا ربنا تفريطنا فقد تبنا، فقيل لعبد الله بن سعد بن نفيل وهو في القتال: إن إخواننا قد لحقونا من البصرة والمدائن، فقال: ذاك لو جاءوا ونحن أحياء، فكان أول من استشهد في ذلك الوقت ممن لحقهم من أهل المدائن كثير بن عمرو المدني، وطعن سعد بن أبي سعد الحنفي، وعبد الله بن الخطل الطائي، وقتل عبد الله بن سعد بن نفيل.
فلما علم من بقي من الترابيين: أن لا طاقة لهم بمن بإزائهم من أهل الشام انحازوا عنهم، وارتحلوا، وعليهم رفاعة بن شداد البجلي، وتأخر أبو الحويرث العبدي في جابية الناس، وطلب منهم أهل الشام المكافة والمتاركة، لما رأوا من بأسهم وصبرهم مع قلتهم، فلحق أهل الكوفة بمصرهم، وأهل المدائن والبصرة ببلادهم، وسمع من الترابيين في مسيرهم ورجوعهم من عين الورده قائلا يقول، رافعا عقيرته :
ياعين بكي ابن الصرد ... بكي إذا الليل خمد
كان إذا البأس نكد ... تخاله فيه أسد
مضى حميدا قد رشد ... في طاعة الأعلى الصمد
وقد ذكر أبو مخنف لوط بن يحيى وغيره من أصحاب التواريخ والسير من قتل من الترابيين مع سليمان بن صرد الخزاعي على عين الوردة وأسماءهم، فقللهم.
وحكي أبو مخنف في كتابه في أخبار الترابيين بعين الوردة قصيدة عزاها إلى أعشى همدان طويلة يرثي بها أهل عين وردة من الترابيين ويصف مافعلوه، منها:
توخه من دون الثنية سائرا ... إلى ابن زياد في الجموع الكتائب
فساروا وهم من بين ملتمس التقى ... واخر مما جر بالأمس تائب
فلاقوا بعين الوردة الجيش فاضلا ... عليهم فحيوهم ببيض قواضب
فجاءهم جمع من الشام بعده ... جموع كموج البحرمن كل جانب
فما برحوا حتى أبيدت جموعهم ... ولم ينج منهم ثم غيرعصائب
وغودر أهل الصبر صرعى فأصبحوا ... تعاورهم ريح الصبا والجنائب
وأضحى الخزاعي الرئيس مجدلا ... كأن لم يقاتل مرة ويحارب
ورأس بني شمخ وفارس قومه ... جميعا مع التيمي هادي الكتائب
وعمرو بن عمرو بن بشر وخالد ... وبكر وزيد والحليس بن غالب
أبوا غيرضرب يفلق الهام وقعه ... وطعن بأطراف الأسنة صائب
فيا خير جيش للعراق وأهله ... سقيتم روايا كل اسحم ساكب
فلا تبعدوا فرساننا وحماتنا ... إذا البيض أبدت عن خدام الكواعب
فإن تقتلوا فالقتل أكرم ميتة ... وكل فتى يوما لإحدى النوائب

(1/389)


وما قتلوا حتى أصابوا عصابة ... محلين حورا كالليوث الضوارب
وقيل: إن وقعة عين الوردة كانت في سنة ست وستين.
وصف القرآن لعلي كرم الله وجهه
وفي سنة ست وستين، في أيام عبد الملك بن مروان توفي الحارث الأعور صاحب علي عليه السلام، وهو الذي دخل على علي فقال: يا أمير المؤمنين ألا ترى إلى الناس قد أقبلوا على هذه الأحاديث وتركوا كتاب الله؟ قال: وقد فعلوها؟ قال: نعم، قال: أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: ستكون فتنة قلت: فما المخرج منها يا رسول الله. قال: كتاب الله، فيه نبأ ما كان قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن أراد الهدى في غيره أضله الله، هو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، والصراط المستقيم، وهو الشي لا تزيغ عنه العقول، ولا تلتبس به الألسن، ولا تنقضي عجائبه، ولا يعلم علم مثله، هو الذي لما سمعته الجن قالوا: إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد، من قال به صدق، ومن زال عنه عدا، ومن عمل به أجر، ومن تمسك به هدي إلى صراط مستقيم خذها إليك يا أعور.
مقتل عبيد الله بن زياد
ولما كان من وقعة عين الوردة ما قدمنا سار عبيد الله بن زياد في عساكر الشام يؤم العراق، فلما انتهى إلى الموصل وذلك في سنة ست وستين - التقى هو وإبراهيم بن الأشتر النخعي، إبراهيم على خيل العراق من قبل المختار بالخازر، فكانت بينهم وقعة عظيمة قتل فيها ابن مرجانة عبيد الله بن زياد، والحصين بن نمير، وشرحبيل بن ذي الكلاع، وابن حوشب ذي ظلم، وعبد الله بن آيا السلمي، وأبو أشرس، وغالب الباهلي، وأشراف أهل الشام، وذلك أن عمير بن الحباب السلمي كان على ميمنة ابن زياد في ذلك الجيش، وكان في نفسه ما فعل بقومه من مضر وغيرهم من نزار يوم مرج راهط، فصاح: يا لثارات قيس يا لمضر،يا لنزار، فتزاحمت نزار من مضر وربيعة على من كان معهم في جيشهم من أهل الشام من قحطان، وقد كان عمير كاتب إبراهيم بن الأشتر سرا قبل ذلك، والتقيا، فتوطآ على ما ذكرنا، وحمل إبراهيم بن الأشتر رأس ابن زياد وغيره إلى المختار، فبعث به المختار إلى عبد الله بن الزبير بمكة.
اضطراب في كل ناحية
وقد كان عبد الملك بن مروان سار في جيوش أهل الشام فنزل بطنان ينتظر ما يكون من أمر ابن زياد، فأتاه خبر مقتله ومقتل من كان معه وهزيمة الجيش بالليل، أتاه في تلك الليلة مقتل حبيش بن دلجة، وكان على الجيش بالمدينة لحرب ابن الزبير، ثم جاءه خبر دخول ناتل بن قيس فلسطين من قبل ابن الزبير ومسير مصعب بن الزبير من المدينة إلى فلسطين، ثم جاءه مسير ملك الروم لاوى بن فلنط ونزوله المصيصة يريد الشام، ثم جاءه خبر دمشق، وأن عبيدها. وأوباشها ودعارها قد خرجوا على أهلها، ونزلوا الجبل، ثم أتاه أن من في السجن بدمشق فتحوا السجن وخرجوا منه مكابرة، وأن خيل الأعراب أغارت على حمص وبعلبك والبقاع، وغير ذلك مما نمي إليه من المفظعات في تلك الليلة، فلم يرعبد الملك فى ليلة قبلها أشد ضحكا، ولا أحسن وجها، ولا أبسط لسانا، ولا أثبت جنانا منه تلك الليلة، تجلدا وسياسة للملوك، وترك إظهار الفشل، وبعث بأموال وهدايا إلى ملك الروم، فشغله وهادنه، وسار إلى فلسطين وبها ناتل بن قيس على جيش ابن الزبير، فالتقوا بأجنادين، فقتل ناتل بن قيس وعامة أصحابه، وانهزم الباقون، ونمي خبر قتله وهزيمة الجيش إلى مصعب بن الزبير وهو في الطريق، فولى راجعا إلى المدينة، ففي ذلك يقول رجل من كلب من المروانية:
قتلنا بأجنادين سعدا وناتلا ... قصاصا بما لاقى حبيش ومنذر
ورجع عبد الملك إلى دمشق فنزلها، وسار إبراهيم بن الأشتر فنزل نصيبين، وتحصن منه أهل الجزيرة، ثم استخلف على نصيبين، ولحق بالمختار بالكوفة.
بين مصعب والمختار الثقفي ومقتل المختار

(1/390)


وفي سنة سبع وستين سار مصعب بن الزبير من البصرة، وقد كان أخوه عبد الله بن الزبير أنفذه إلى العراق واليا، فنزل حروراء، والتقى هو والمختار فكانت بينهم حروب عظيمة، وقتل فريع، وانهزم المختار، وقد قتل محمد بن الأشعث وابنان له، ودخل قصر الإمارة بالكوفة وتحصن فيه، وجعل يخرج كل يوم لمحاربة مصعب وأصحابه من أهل الكوفة وغيرهم والمختار معه خلق كثير من الشيعة قد سموا الخشبية من الكيسانية وغيرهم، فخرج إليهم ذات يوم وهو على بغلة له شهباء، فحمل عليه رجل من بني حنيفة يقال له عبد الرحمن بن أسد، فقتله واحتزرأسه، وتنادوا بقتله، فقطعه أهل الكوفة وأصحاب مصعب أعضاء، وأبى مصعب أن يعطي الأمان لمن بقي في القصر من أصحابه، فحاربوا إلى أن أضر بهم الجهد، ثم أمنهم وقتلهم بعد ذلك، فكان ممن قتل مع المختارعبيد الله بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وله خبر مع المختار في تخلصه منه ومضيه إلى البصرة وخوفه على نفسه من مصعب إلى أن خرج معه في جيشه، وقد أتينا على خبره وسائر ما أومأنا إليه في كتابنا أخبار الزمان فكان جملة من أدركه الإحصاء ممن قتله مصعب مع المختار سبعة آلاف رجل، كل هؤلاء طالبون بدم الحسين، وقتلة أعدائه، فقتلهم مصعب، وسماهم الخشبية، وتتبع مصعب الشيعة بالقتل بالكوفة وغيرها، وأتى بحرم المختار فدعاهن إلى البراءة منه ففعلن إلا حرمتين له إحداهما بنت سمرة بن جندب الفزاري والثانية ابنة النعمان بن بشير الأنصاري، وقالتا: كيف نتبرأ من رجل يقول ربي الله؟ كان صائم نهاره قائم ليله، قد بذل دمه لله ولرسوله في طلب قتلة ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأهله وشيعته، فأمكنه الله منهم حتى شفي النفوس، فكتب مصعب إلى أخيه عبد الله بخبرهما وما قالتاه، فكتب إليه إن هما رجعتا عما هما عليه وتبرأتا منه وإلا فاقتلهما، فعرضهما مصعب على السيف، فرجعت بنت سمرة ولعنتة وتبرأت منه، وقالت: لو دعوتني إلى الكفر مع السيف لكفرت: أشهد أن المختار كافر، وأبت ابنة النعمان بن بشير، وقالت: شهادة أرزقها فأتركها. كلا! إنها موتة ثم الجنة والقدوم على الرسول وأهل بيته، والله لا يكون، آتي مع ابن هند فأتبعه وأترك ابن أبي طالب؟ اللهم أشهد إني متبعة لنبيك وابن بنته وأهل بيته وشيعته، ثم قدمها فقتلت صبرا، ففي ذلك يقول الشاعر:
إن من أعجب الأعاجيب عندي ... قتل بيضاء حرة عطبول
قتلوها ظلماعلى غير جرم ... إن لله درها من قتيل
كتب القتل والقتال علينا ... وعلى الغانيات جر الذيول
ولم نتعرض في هذا الكتاب لذكر المهلب وقتله لنافع بن الأزرق، وذلك في سنة خمس وستين، ونافع هو الذي تنسب إليه الأزارقة من الخوارج، إذا كنا أتينا في كتابنا أخبار الزمان على ذكر حروب الخوارج مع المهلب وغيره ممن سلف وخلف، وذكرنا شأن مرداس بن عمرو بن التميمي، وعطية بن الأسي الحنفي، وأبي فديك، وشوذب الشيباني وسويد الشيباني وقطامة الشيباني، والمهذب السكوني، وقطري بن الفجاءة، والضحاك بن قيس الشيباني ووقعة ابن الماحوز الخارجي مع المهلب ومقتله، وظفر المهلب بهم في ذلك اليوم، وخبر عبد ربه وأخبار خوارج اليمن كأبي حمزة المختار بن عوف الأزدي، وابن بيهس الهيصمي، مع ما تقدم من ذكرنا لفرق الخوارج في كتابنا المقالات في أصول الديانات من الأباضية وهم شراة عمان من الأزد وغيرهم من الأزارقة والنجدات والحمرية والجابية والصفرية وغيرهم من فرق الخوارج وبلدانهم من الأرض، مثل بلاد سنجار وتل أعفر من بلاد ديار ربيعة والسن والبوازيج. والحديقة مما يلي بلاد الموصل، ثم من سكن من الأكراد بلاد أذربيجان وهم المعرفون بالشراة منهم، وأسلم المعروف بابن شادلويه، وقد كان تملك على أعمال ابن أبي الساج من بلاد أذربيجان وأران والبيلقان وأرمينية، ومن سكن منهم بلاد سجستان وجبال هراة وكوهستانة وبوشنج من بلاد خراسان ومن بلاد مكران على ساحل البحر بين بلاد السند وكرمان وأكثرهم صفرية وحمرية، ومنهم ببلاد حمران إصطخر وصاهك بين كرمان وفارس، ومنهم ببلاد تيهرت المغرب، ومنهم ببلاد حضرموت وغيرها من بقاع الأرض.
وفاة عبد الله بن العباس

(1/391)


وفي سلطنة عبد الملك مات أبو العباس عبد الله بن العباس بن، عبد المطلب في سنة ثمان وستين، وقيل: في سنه تسع وستين، بالطائف، وأمه لبابة بنت الحارث بن حزن، من ولد عامر بن صعصعة، وله إحدى وسبعون سنة، وقيل: إنه ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، وقد ذكر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا ابن عشر سنين، وصلى عليه محمد ابن الحنفية، وكان قد ذهب بصره لبكائه على علي والحسن والحسين، وكانت له وفرة طويلة يخضب شيبه بالحناء، وهو الذي، يقول:
إن يأخذ الله من عيني نورهما ... ففي لساني وقلبي منهما نور
قلبي ذكي، وعقلي غير مدخل، ... وفي فمي صارم كالسيف مأثور
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم، دعا له حين وضع له الماء للطهور في بيت خالته ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل.
وقيل لابن عباس رضي الله عنه: ما منع عليا رضي الله عنه أن يبعثك مكان أبي موسى في يوم الحكمين. فقال: منعه من ذلك حائل القدر، وقصر ادة، ومحنة الإبتلاء، أما والله لو بعثني مكانه لاعترضت مدارج نفسه، ناقضا لما أبرم ومبرما لما نقض، أسف إذا طار، وأطير إذا أسف، ولكن مضى قدر، وبقي أسف، ومع اليوم غد، وللآخرة خير للمتقين.
وكان لابن عباس من الولد: علي، وهوأبو الخلفاء من بني العباس،، والعباس، ومحمد،والفضل، وعبد الرحمن، وعبيد الله، ولبابة، وأمهم زرعة بنت مشرح الكندية، فأما عبيد الله ومحمد والفضل فلا أعقاب لهم.
مقتل عمرو بن سعيد الأشدق
وفي سنة سبعين قتل عبد الملك بن مروان عمرو بن سعيد بن العاص الأشدق وهو عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وكان ذا شهامة وفصاحة وبلاغة وإقدام، وقد كان بينه وبين عبد الملك محادثات ومكاتبات وخطب طويل طلبا للملك، وكان فيما كتب إليه عبد الملك: إنك لتطمع نفسك بالخلافة، ولست لها بأهل، فكتب إليه عمرو: استدراج النعم إياك أفادك البغي، ورائحة الغدر أورثتك الغفلة، زجرت عما وافقت عليه، وندبت إلى ما تركت سبيله، ولو كان ضعف الأسباب يؤيس الطالب ما انتقل سلطان ولا ذل عزيز، وعن قريب يتبين من صريع بغي وأسير غفلة.
وقد كان عبد الملك سار إلى زفر بن الحارث الكلاني وهو بقرقيسياء وبلاد الرحبة وخلف عمرو بن سعيد بدمشق فبلغه أن عمرا قد دعا الناس إلى بيعته بدمشق، فكر راجعا إليها، فامتنع عمرو فيها، فناشده عبد الملك الرحم وقال له: لا تفسد أمر أهل بيتك وما هم عليه من اجتماع الكلمة، وفيما صنعت قوة لابن الزبير، ارجع إلى بيتك فإني سأجعل لك العهد، فرضي وصالح، ودخل عبد الملك وعمرو متحيز منه في نحو خمسمائة فارس يزولون معه حيث زال.
وقد تنازع أهل السير في كيفية قتل عبد الملك إياه: فمنهم من رأى أن عبد الملك قال لحاجبه: ويحك!! أتستطيع إذا دخل عمرو أن تغلق الباب؟ قال: نعم، قال: فافعل، وكان عمرو رجلا عظيم الكبر لا يرى أن لأحد عليه فضلا، ولا يلتفت وراءه إذا مشى إلى أحد، فلما فتح الحاجب الباب دخل عمرو، فأغلق الحاجب الباب دون أصحابه، ومضى عمرو لا يلتفت، وهو يظن أن أصحابه قد دخلوا معه كما كانوا يدخلون، فعاتبه عبد الملك طويلا، وقد كان وصي صاحب حرسه أبا الزعيزعة بأن يضرب عنقه، فكلمه عبد الملك وأغلظ له القول، فقال: يا عبد الملك، . أتستطيل علي كأنك ترى لك علي فضلا؟ إن شئت والله نقضت العهد بيني وبينك، ثم نصبت لك الحرب فقال عبد الملك: قد شئت ذلك، فقال: وأنا قد فعلت، فقال عبد الملك: يا أبا الزعيزعة شأنك، فالتفت عمرو إلى أصحابه فلم يرهم في الدار، فدنا من عبد الملك، فقال: ما يدنيك مني. قال: لتمسني رحمك، وكانت أم عمرو عمة عبد الملك كانت تحت الحكم بن أبي العاص بن وائل، فضربه أبو الزعيزعة فقتله، فقال له عبد الملك: ارم برأسه إلى أصحابه، فلما رأوا رأسه تفرقوا، ثم خرج عبد الملك فصعد المنبر وذكر عمرا فوقع فيه، وذكر خلافه وشقاقه، ونزل من المنبر وهو يقول:
أدنيته مني لتسكن نفرة ... فأصول صولة حازم مستمكن

(1/392)


غضبا ومحماة لديني، إنه ... ليس المسيء سبيله كالمحسن
وقيل: إن عمرا خرج من منزله يريد عبد الملك، فعثر بالبساط، فقالت له امرأته نائلة بنت قريص بن وكيع بن مسعود: أنشدتك الله أن لا تأتيه، فقال: دعيني عنك فوالله لو كنت نائما ما أيقظني، وخرج وهو مكفر بالدرع، فلما دخل على عبد الملك قام من هناك من بني أمية، فقال عبد الملك وقد أخذت الأبواب: إني كنت حلفت لئن ملكتك لأشدنك في جامعة، فأتى بجامعة فوضعها في عنقه وشدها عليه، فأيقن عمرو أنه قاتله، فقال: أنشدك الله يا أمير المؤمنين فقال له عبد الملك: يا أبا أمية، مالك جئت في الدرع أللقتال.! فأيقن عمرو بالشر فقال: أنشدك الله أن تخرجني إلى الناس في الجامعة، فقال له عبد الملك: وتماكرني أيضا وأنا أمكر منك؟ تريد أن أخرجك إلى الناس فيمنعوك ويستننقذوك من يدي! وخرج عبد الملك إلى الصلاة وأمر أخاه عبد العزيز - وقد كان قدم من مصر في ذلك اليوم - بقتله إذا خرج! وقد قيل: أمر ابنه الوليد بذلك، فلما دنا منه عبد العزيز ناشده عمرو بالرحم فتركه، فلما رجع عبد الملك. من الصلاة ورآه حيا قال لعبد العزيز: والله ما أردت قتله إلا من أجلكم ألا لا يجوزها دونكم، ثم أضجعه، فقال له عمرو: أغدر يا ابن الزرقاء.
فذبحه، ووافى أخو عمرو يحيى بن سعيد إلى الباب بمن معه من رجاله ليكسره، فخرج إليه الوليد وموالي عبد الملك، فاقتتلوا، واختلف الوليد ويحيى؟ فضربه يحيى بالسيف على أليته فانصرع، وألقى رأس عمرو إلى الناس، فلما رأوه تفرقوا من بعد أن ألقي عليهم من أعلى الدار بدر، الدنانير فاشتغلوا بها عن القتال، وقال عبد الملك: وأبيك لئن كانوا قتلوا الوليد فقد أصابوا بثأرهم، وقد كان الوليد فقد حين ضرب، وذلك أن إبراهيم بن عدي احتمله فأدخله بيت القراطيس في المعمعة، وأتى عبد الملك بيحيي بن سعيد ة واجتمعت الكلمة على عبد الملك، وانقاد الناس إليه!.
وقد قيل في مقتله غير ما ذكرنا، وقد أتينا على ذلك في كتابنا أخبار الزمان وقد ذكرنا شعر أخته فيه - وكانت تحت الوليد بن عبد الملك - فيما يرد من هذا الكتاب في أخبار المنصور؟ إذ هو الموضع المستحق له دون هذا الموضع لما تغلغل بنا إليه الكلام، وتسلسل بنا القول نحوه.
وأقام عبد الملك بدمشق بقية سنة سبعين، وقد كان مصعب بن الزبير خرج حين صفا له العراق بعد قتل المختار وأصحابه، حتى انتهى إلى الموضع المعروف بباجميرا مما يلي الجزيرة، يريد الشام لحرب عبد الملك، فبلغه مسير خالد بن عبد الله بن خالد بن اسيد من مكة إلى البصرة في ولده وعدة من مواليه ناكثا لبيعة عبد الله بن الزبير، فنزل بعض نواحي البصرة، وأن قوما قد انضافوا إليه من ربيعة ومضر، ومنهم عبد الله بن الوليد، ومالك بن مسمع البكري، وصفوان بن الأهتم التميمي، وصعصعة بن معاوية عم الأحنف، فكانت لهم بالبصرة حروب كانت آخرا على خالد بن عبد الله؟ فخرج هاربا بابنيه في البر حتى لحقوا بعبد لملك، وانصرف مصعب راجعا إلى البصرة، وذلك في، سنة إحدى وسبعين، ثم عاد من العراق إلى باجميرا؟ ففي ذلك يقول الشاعر:
أبيت يا مصعب إلاسيرا ... في كل يوم لك باجميرا

(1/393)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية