صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : مروج الذهب
المؤلف : المسعودي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

فأرسل يمينا أن رمحك ناله ... وأكرم أن تحلف وأنت أمير
وقد تنازع أهل الأخبار والسير في جرير والمثنى: فمن الناس من ذهب إلى أن جريرا كان هو المولى على الجيش، ومنهم من رأى أن جريرا على قومه والمثنى على قومه.
ولما قتل مهران أعظمت الفرس ذلك، وسار شيرازاد في جمع فارس الأعظم وكنيته بوران؛ وقد كانت جمهرة الأساورة تقدمت وتقدم أمامه رستم، فتنحى المسلمون لما بلغهم مسيره، فلحق جرير بكاظمة فنزلها، وسار المثنى بقومه من بكر بن وائل فنزل بسيراف، وبها ابار كثيرة بين الكوفة وزبالة على ثلاثة أميال من المنزل المعروف بواقصة، وكان المثنى قد أصيب بجراحات كثيرة في بدنه يوم الجسر وغيره فمات بسيراف، رحمه الله تعالى!.
سعد بن أبي وقاص
ولما ورد كتاب عمر على سعد بن أبي وقاص نزل زبالة على حسب ما أمره به عمر، ثم أتى سيراف، وأتاه الناس من الشام وغيرها، ثم سار فنزل العذيب وهو على فم البر وطرف السواد مما يلي القادسية، فالتقى جيش المسلمين وجيش الفرس وعليهم رستم، والمسلمون يومئذ في ثمانية وثمانين ألفا وقيل: إن من اسهم له ثلاثون ألفا والمشركون في ستين آلفا، أما جيوشهم الفيلة عليها الرجال، وحرض الناس بعضهم بعضا، وبرز أهل النجدات، فأشبوا القتال وخرج إليهم أقرانهم من صناديد فارس، فاعتوروا الضرب والطعن، وخرج غالب بن عبد الله الأسدي في من خرج ذلك اليوم وهو يقول:
قد علمت واردة المسالح ... ذات البنان واللبان الواضح
أني سمام البطل المشايح ... وفارج الأمر المهم الفادح
فخرج إليه هرمز - وكان من ملوك الباب والأبواب، وكان متوجا - فأسره غالب آسرا، فأتى به سعدا، وكر راجعا إلى المطاردة، وحمي الوطيس، وخرج عاصم بن عمرو وهو يقول:
قد علمت بيضاء صفراء اللبب ... مثل اللجين يتغشاه الذهب
أني أمرؤ لا من يعنيه السبب ... مثلى على مثلك يغريه العتب
فبرز إليه عظيم من أساورتهم، فجالا، ثم إن الفارسي ولى، واتبعه عاصم حتى لجأ إلى صفوفهم، وعموه، وغاص عاصم بينهم حتى أيس الناس منه، ثم خرج في مجنبات القلب، وقدامة بغل عليه صناديد موكبية بالة حسنة، فأتى به سعد بن مالك وعلى البغل رجل عليه مقطعات ديباج وقلنسوة مذهبة، وإذا هو خباز الملك، وفي الصناديق لطائف الملك من الأخبصة والعسل المعقود، فلما نظر إليه سعد قال: انطلقوا به إلى أهل موقفه، وقولوا: إن الأمير قد نفلكم هذا فكلوه ففعلوا.
أيام القادسية
وكانت وقعة القادسية في المحرم سنة أربع عشرة، ومال من الفيلة سبعة عشر فيلا على كل فيل عشرون رجلا، وعلى الفيلة تجافيف الحديد - القرون مجللة بالديباج والحرير نحو بجيلة، وحول الفيلة الرجال الخيول، فبعث سعد إلى بني أسد لما نظر إلى المراكب والفيول قد مالت لى بجيلة، فأمرهم بمعونتهم، ومالت عشرون فيلا نحو القلب، فخرج طلحة بن خويلد الأسدي مع فرسان بني أسد فقتل منهم خمسمائة رجل سوى من قتل من غيرهم فباشروا قتال الفيلة حتى أوقفوها، واشتد الجلاد على بني أسد في هذا اليوم من سائر الناس، وهذا اليوم يعرف بيوم غواث.

(1/295)


فلما أصبح الناس في اليوم الثاني أشرف على الناس خيول لمسلمين من الشام، والإمداد سائرة قد غطت بأسنتها الشمس عليها هاشم بن عتبة بن أبي وقاص في خمسة آلاف فارس من بني ربيعه ومضر إلف من اليمن، ومعهم القعقاع بن عمرو، وذلك بعد فتح دمشق بشهر، وقد كان عمر رضي الله عنه كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح بصرف أصحاب خالد بن الوليد إلى العراق، ولم يذكر في كتابه خالدا، فشح أبو عبيدة بتخلية خالد عن يده، وبعث برجاله وعليهم هاشم بن عتبة على ما ذكرنا، إذ كان في نفس عمر على خالد أشياء من أيام أبي بكر في قصة مالك بن نويرة، وغير ذلك، وكان خالد بن الوليد خال عمر، فتقدم القعقاع في أوائك المدد، فأيقن أهل القادسية بالنصر على فارس، وزال عنهم ما لحقهم بالأمس من القتل والجراح، وبرز القعقاع حين وروده أمام الصف ونادى: هل من مبارز؛ فبرز إليه عظيم منهم، فقال له القعقاع: من أنت؟ قال: أنا بهمن بن جاذويه، وهو المعروف بذي الحاجب، فنادى القعقاع: يالثارات أبي عبيد وسليط وأصحابهم يوم الجسر!! وقد كان ذو الحاجب مبارزا لهم على ما ذكرنا من قتله إياهم، فجالا، فقتله القعقاع قتل في ذلك اليوم ثلاثين رجلا في ثلاثين حملة، كل حملة يقتل فيها رجلا، وكان آخر من قتل - عظيما من عظمائهم يقال له بزرجمهر، ففيه يقول القعقاع:
حبوته جياشة بالنفس ... هدارة مثل شعاع الشمس
في يوم أغواث قتيل الفرس ... أنخس بالقوم أشد نخس
حتى يفيض معشري ونفسي
وبارز في ذلك اليوم الأعور بن قطبة شهريار سجستان فقتل كل واحد منهما صاحبه فقال أخو الأعور في ذلك:
لم أر يوما كان إحدى وأمر ... من يوم أغواث إذا افتر الثغر
من غير ضحك كان أسوا وأبر
واعتل سعد فتخلف في حصن العذيب، وجلس في أعلاه يشرف على الناس، وقد تواقف الفريقان جميعا، وأمسى الناس ينتمون، فلما سمع ذلك سعد قال لمن كان عنده في أعلى القصر: إن تم الناس على الانتماء فلا توقظوني فإنهم أقوياء على عدوهم، وإن سكتوا فأيقظوني فإن ذلك شر، واشتد القتال في الليل.
أبو محجن الثقفي
وكان أبو محجن الثقفي محبوسا في أسفل القصر، فسمع انتماء الناس إلى آبائهم وعشائرهم، ووقع الحديد وشدة البأس، فتأسف على ما يفوته من تلك المواقف، فحبا حتى صعد إلى سعد ستشفعه وشتقيله، وسأله أن يخلي عنه ليخرج، فزجره سعد ورده، فانحدر راجعا، فنظر إلى سلمى بنت حفصة زوجة المثنى بن حارثة الشيباني، وقد كان سعد تزوجها بعده، فقال: يا بنت حفصة، هل لك في خير؟ فقالت: وما ذاك؟ قال: تخلين عني وتعيريني البلقاء ولله علي إن سلمني الله أن أرجع إليك حتى أضع رجلي في القيد، فقالت: وما أنا وذلك؟ فرجع يرسف في قيده وهو يقول:
كفى حزنا أن ترتدي الخيل بالقنا ... وأترك مشدودا علي وثاقيا
إذا قمت عناني الحديد فأغلقت ... مصاريع من دوني تصم المناديا
وقد كنت ذا مال كثير و ثروة ... فقد تركوني واحدا لا أخاليا
فلله عهد لا أخيس بعهده ... لئن فرجت أن لا أزور الحوانيا

(1/296)


فقالت سلمى: إني استخرت الله ورضيت بعهدك، فأطلقته، وقالت: شأنك وما أردت، فاقتاد بلقاء سعد، وأخرجها من باب القصر الذي يلي الخندق، فركبها ثم دب عليها، حتى إذا كان بحيال ميمنة المسلمين كبر، ثم حمل على ميسرة القوم يلعب برمحه وسلاحه بين الصفين، فأوقف ميسرتهم وقتل رجالا كثيرا من فتاكهم، ونكس آخرين، والفريقان يرمقونه بأبصارهم، وقد تنوزع في البلقاء فمنهم من قال: إنه ركبها عريا، ومنهم من قال: بل ركبها بسرج، ثم غاص في المسلمين، فخرج في ميسرتهم، وحمل على ميمنة القوم فأوقفهم، وجعل يلعب برمحه وسلاحه لا يبدو له فارس إلا هتكه، فأوقفهم، وهابته الرجال، ثم رجع فغاص في قلب المسلمين، ثم برز أم أمه م ووقف بإزاء قلب المشركين، ففعل مثل أفعاله في الميمنة والميسرة، وأوقف القلب حتى لم يبرز منهم فارس إلا اختطفه، وحمل عن المسلمين الحرب، فتعجب الناس منه، وقالوا: من هذا الفارس الذي لم نره في يومنا؟ فقال بعضهم: هو ممن قدم علينا من إخواننا من الشام من أصحاب هاشم بن عتبة المرقال، وقال بعضهم: إن كان الخضر عليه السلام يشهد الحرب فهذا هو الخضر قد من الله به علينا وهو علم بصرنا على عدونا، وقال قائل منهم: لولا أن الملائكة لا تباشر الحروب لقلنا إنه ملك، وأبو محجن كالليث الضرعام قد هتك الفرسان كالعقاب يجول عليهم، ومن حضر من فرسان المسلمين مثل عمرو بن معد يكرب وطلحة بن خويلد والقعقاع بن عمرو وهاشم بن عتبة المرقال وسائر فتاك العرب وأبطالها ينظرون إليه، وقد حاروا في أمره، وجعل سعد يفكر ويقول وهو مشرف على الناس من فوق القصر؛والله لولا محبس أبي محجن لقلت هذا أبو محجن وهذه البلقاء، فلما انتصف الليل تحاجز الناس، وتراجعت الفرس على أعقابها وتراجع المسلمون إلى مواضعهم على بقيتهم ومصافهم، وأقبل أبو محجن حتى دخل القصرمن حيث خرج ولا يعلم به، ورد البلقاء إلى مربطها وعاد في محبسه ووضع رجله في القيد، ورفع عقيرته وهو يقول:
لقد علمت ثقيف غير فخر ... بأنا نحن أكرمهم سيوفا
وأكرمهم دروعا سابغات ... وأصبرهم إذا كرهوا الوقوفا
وليلة قاعس لم يشعروا بي ... ولم أشعر بمخرجي الزحوفا
وأنا رفدهم في كل يوم ... فإن عتبوا فسل بهم عريفا
فإن أحبس فذلكم بلائي ... وإن أترك أذيقهم الحتوفا
فقالت له سلمى: يا أبا محجن، في أي شيء حبسك هذا الرجل؟ تعني سعدا، قال: وأنا امرؤ شاعر يدب الشعر على لساني فأصف القهوة وتداخلني أريحية فألتذ بمدحي إياها، فلذلك حبسني لأني قلت فيها:
ذا مت فادفني إلى جنب كرمة ... روي عظامي بعد موتي عروقها
لا تدفنني بالفلاة فإنني ... خاف إذا ما مت أن لا أذقها
وهي أبيات.
وقد كان بين سلمى وسعد كلام كثير وجب غضبه عليها، لذكرها المثنى عند مختلف القنا، فأقامت مغاضبة له عشية أغواث وليلة الهرير وليلة السواد، حتى إذا أصبحت أتته فترضته وصالحته، ثم أخبرته خبرها مع أبي محجن، فدعابه، فأطلقه وقال: اذهب فما أنا مؤاخذ بشيء تقوله حتى تفعله، قال: لا جرم والله لا أجبت لساني إلى صفة قبيح أبدا.
يوعماس
وأصبح الناس في اليوم الثالث وهم على مصافهم، وهو يوم عماس، وأصبحت الأعاجم على مواقفها، وأصبح بين الفريقين كالرجلة الحمراء - يعني الحرة - في عرض ما بين الصفين، وقد قتل من المسلمين ألفان وخمسمائة ما بين رثيث وميت، وقت من الأعاجم ما لا يحصى، فقال سعد: أيها الناس، من شاء غسل الشهيد الميت والرثيث، ومن شاء فليدفنهم بدمائهم، وأقبل المسلمون على قتلاهم فأحرزوهم وجعلوهم وراء ظهورهم، وكان ا لنساء والصبيان يدفنون الشهيد ويحملون الرثيث إلى النساء ويعالجونهم من كلومهم، وكان بين موضع الوقعة مما يلي القادسية وبين حصن العذيب نخلة، فإذا حمل الجريح وفيه تمييز وعقل ونظر إلى تلك النخلة - ولم يكن هنالك يومئذ نخلة غيرها، واليوم بها نخل كثير - قال لحامله: قد قربت من السوداء، فأريحوني تحت ظل هذه النخلة، فيراح تحتها ساعة، فسمع رجل من الجرحى يقال له بجير من طيى، وهو يجود بنفسه ويقول:

(1/297)


ألا يا اسلمي يا نخلة بين قاس ... وبين العذيب، لا يجاورك النخل
وسمع آخر من بني تيم الله - وقد أريح تحتها وحشوته خارجة من جوفه - وهو يقول:
أيا نخلة الجرعا، ويا نخلة العدا ... سقتك الغوادي والغيوث الهواطل
وأنخن الأعور بن قطبة، فحمل من المعركة، فسأل حماله أن يريحه تحتها حتى إذا بلغ إليها قال:
أيا نخلة بين العذيب فتلعة ... سقتك الغوادي الدجنات من النخل
وأصبح الناس صبيحة يوم القادسية، وهي صبيحة ليلة الهرير وهي: تسمى ليلة القادسية من تلك الأيام، والناس حيارى ولم يغمضو ليلتهم كلها، وحرض رؤساء القبائل عشائرهم، واشتد الجلاد إلى أن جاء وقت الزوال، فكان أول من زال حين قام قائم الظهيرة الهرمزان والنيرمران، فتأخرا، وثبتا حيث أنتهيا، وانفرج القلب حين قام قاف الظهيرة، وهبت ريح عاصف فقطعت طيارة رستم عن سريره، فهوت في نهر العتيق والريح دبور، فمال الغبار عليهم وانتهى القعقاع وأصحابه إلي سرير رستم فعثروا به وقد قام رستم عنه حين طارت الريح بالطيارة إلى بغال قد قدمت عليهم بمال يومئذ فهي واقفة فاستظل في ظل بغل منها وحمله وضرب هلال بن علقمة الحمل الذي رستم في ظله فقطع حباله، ووقع على رستم أحد العدالين ولا يراه هلالى ولا يشعر به، فأزال من ظهم فقارة وضربه هلال ضربة فنفخت مسكا، ومضى رستم إلى نحو نهر العتيق فرمى بنفسه فيه، واقتحم هلال عليه فتناوله برجله، ثم خرج به إلى الخندق وضربه بالسيف حتى قتله، ثم جاء به يجره حتى رماه بين أرجل البغال وصعد السرير ونادى: قتلت رستم ورب الكعبة، إلي إلي، فطاف به الناس لا يحسون السرير ولا يرونه، وتنادوا، وتجبنت قلوب المشركين عندها وانهزموا وأخذهم السيف، فمن غريق وقتيل، وقد كان ثلاثون ألفا منهم قرنوا أنفسهم بعضهم إلى بعض بالسلاسل والحبال وتحالفوا بالنور وبيوت النيران لا يبرحون حتى يقتحموا أو يقتلوا، فجثوا على الركب، وقرع بين أيديهم قناديل النشاب، فقتل القوم جميعا.
وقد تنوزع فيمن قتل رستم: فذهب الأكثر إلى أن قاتله هلال بن علقمة من تيم الرباب على ما قدمنا، ومنهم من رأى أن قاتله رجل من بني أسد، ولذلك يقول شاعرهم في ذلك اليوم - وهو عمرو بن شاس الأسدي - من أبيات:
جلبنا الخيل من أكناف نيق ... إلى كسرى فوافقهارعالا
تركن بهم على الأقسام شجوا ... وبالحقوين أياما طوالا
قتلنا رستما و بنيه قسرا ... تثير الخيل فوقهم الهيال
تركنا منهم حيث التقينا ... قياما لا يريدون ارتحالا
وأخذ ضرار بن الخطاب في ذلك اليوم من فارس الرايه العظمى المقدم ذكرها أنها من جلود النمور المعروفة بمرفش كاويان، وكانت مرصعة بالياقوت واللؤلؤ وأنواع الجواهر، فعوض منها بثلاثين ألفا، وكانت قيمتها الفى ألف ومائتي ألف، وقتل في ذلك اليوم حول هذه الراية - غير ما ذكرنا من المقرنين وغيرهم - عشرة آلاف.
تحديد تاريخ القادسية

(1/298)


وقد تنازع الناس - ممن سلف وخلف في عام القادسية والعذيب فذهب كثير من الناس إلى أن ذلك كان في سنة ست عشرة، وهذا قول الواقدي عن آخرين من الناس، ومنهم من ذهب إلى أن ذلك كانفيسنة خمس عشرة، ومنهم من رأى أنه كان في سنة أربع عشرة، والذي قطع عليه محمد بن إسحاق أنها كانت في سنة خمس عشرة، وقال: في سنة أربع عشرة أمر عمر بن الخطاب بالقيام في شهر رمضان لصلاة التراويح والذين ذهبوا إلى أن وقعة القادسية كانت في سنة أربع عشرة احتجوا بهذ الرواية، وكتب عمر إلى الأمصار بإقامة صلاة التراويح، وذهب كثير من الناس منهم المدائني وغيره أن عمر أنفذ عتبة بن غزوان في سنة أربع عشرة إلى البصرة فنزلها ومصرها، وذهب كثير من الناس أنها مصر تفير بيع سنة ست عشرة، وأن عتبة بن غزوان إنما خرج إليها من المدائن بعد فراغ سعد بن أبي وقاص من حرب جلولاء وتكريت، وأن عتبة قدم البصيره وهي يومئذ تدعى أرض الهند وفيها حجارة بيض فنزل موضع الخريبة ومصر سعد بن أبي وقاص الكوفة في سنة خمس عشرة، ودلهم على موضعها ابن نفيلة الغساني، وقال لسعد: أدلك على أرض ارتفعت ع البر وانحدرت عن الفلاة، فدله على موضع الكوفة اليوم.
أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة
قال المسعودي: وكان عمر لا يترك أحدا من العجم يدخل المدينة فكتب إليه المغيرة بن شعبة: إن عندي غلاما نقاشا نجارا حدادا فيه منافع لأهل المدينة، فإن رأيت أن تأذن لي في الإرسال به فعلت، فأذن له، وقد كان المغيرة جعل عليه كل يوم درهمين، وكان يدعى أبا لؤلؤة، وكان مجوسيا من أهل نهاوند، فلبث ما شاء الله، ثم أتى عمر يشكو إليه ثقل خراجه، فقال له عمر: وما تحسن من الأعمال؟ قال: نقاش نجار حداد، فقال له عمر: ما خراجك بكثير في كنه ما تحسن من الأعمال، فمضى عنه وهو يتذمر، قال: ثم مر بعمر يوما آخر وهو قاعد، فقال له عمر: ألم احدث عنك أنك تقول: لو شئت أن أصنع رحا تطحن بالريح لفعلت، فقال أبو لؤلؤة: لأصنعن لك رحا يتحدث الناس بها، ومضى أبو لؤلؤة، فقال عمر: أما العلج فقد توعدني انفا، فلما أزمع بالذي أوعد به أخذ خنجرا فاشتمل عليه ثم قعد لعمر في زاوية من زوايا المسجد في الغلس، وكان عمر يخرج في السحر فيوقظ الناس للصلاة، فمر به، فثار إليه فطعنه ثلاث طعنات إحداهن تحت سرته وهي التي قتلته، وطعن اثني عشر رجلا من أهل المسجد فمات منهم ستة وبقي ستة، ونحر نفسه بخنجره فمات، فدخل عليه ابنه عبد الله بن عمر وهو يجود بنفسه، فقال له: يا أمير المؤمنين، استخلف على أمة محمد؛ فإنه لو جاءك راعي إبلك أو غنمك وترك إبله أو غنمه لا راعي لها للمته وقلت له: كيف تركت أمانتك ضائعة؟ فكيف يا أمير المؤمنين بآمة محمد؟ فاستخلف عليهم، فقال: إن أستخلف عليهم فقد استخلف عليهم أبو بكر، وإن أتركهم فقد تركهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيئس منه عبد الله حين سمع ذلك منه.
وكان إسلام عمر قبل الهجرة بأربع سنين وكان يخضب بالحناء والكتم.
أولاد عمر
وكان له من الولد: عبد الله، وحفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وعاصم، وعبيد الله، وزيد، من أم، وعبد الرحمن، وفاطمة، وبنات آخر، وعبد الرحمن الأصغر - وهو المحدود في الشراب، وهو المعروف بأبي شحمة - من ام.
عمر وابن عباس

(1/299)


وذكر عبد الله بن عباس أن عمر أرسل إليه فقال: يا ابن عباس، إن عامل حمص هلك، وكان من أهل الخير، وأهل الخير قليل، وقد رجوت أن تكون منهم، وفي نفسي منك شيء لم أره منك، وأعياني ذلك، فما رأيك في العمل؟ قال: لن أعمل حتى تخبرني بالذي في نفسك، قال: وما تريد إلى ذلك؟ قال: أريده، فإن كان شيء أخاف منه على نفسي خشيت منه عليها الذي خشيت، وإن كنت بريئا من مثله علمت أني لست من أهله، فقبلت عملك هنالك، فإني قلما رأيتك طلبت شيئا إلا عاجلته، فقال: يا ابن عباس، إني خشيت أن يأتى علي الذي هو ات وأنت في عملك فتقول: هلم إلينا، ولا هلم إليكم دون غيركم، إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل الناس وترككم، قال: والله قد رأيت من ذلك، فلم تراه فعل ذلك؟ قال: والله ما أدري أضن بكم عن العمل فأهل ذلك أنتم، أم خشي أن تبايعوا بمنزلتكم منه فيقع العتاب، ولا بد من عتاب، وقد فرغت لك من ذلك، فما رأيك؟ قال: قلت: أرى أن لا أعمل لك، قال: ولم؟ قلت: إن عملت لك وفي نفسك ما فيها لم أبرح قذى في عينك، قال: فأشر علي، قلت: إني أرى أن تستعمل صحيحا منك صحيحا لك.
عمر يستعمل النعمان بن مقرن غازيا لنهاوند
وذكر علقمة بن عبد الله المزني، عن معقل بن يسار، أن عمر بن الخطاب شاور الهرمزان في فارس وإصبهان وأذربيجان، فقال له: أصبهان الرأس، وفارس وأذربيجان الجناحان، فإن قطعت أحد الجناحين ناء الرأس بالجناح الأخر، وإن قطعت الرأس وقع الجناحان، فأبدا بالرأس، فدخل المسجد فإذا هو بالنعمان بن فقرن يصلي، فقعد إلى جنبه، فلما قضى صلاته قال: ما أراني إلا مستعملك، قال: أما جابيا فلا، ولكن غازيا، قال: فإنك غاز، فوجهه وكتب إلى أهل الكوفة أن يمدوه، وبعث معه الزبير بن العوام، وعمرو بن معد يكرب، وحذيفة، وابن عمرو، والأشعث بن قيس، فأرسل النعمان المغيرة بن شعبة إلى ملكهم، وهو يقال له ذو الجناحين، فقطع إليهم نهرهم، فقيل لذي الجناحين: إن رسول العرب هاهنا، فشاور أصحابه، فقال: ما ترون؟ فقالوا: اقعد له في بهجة الملك أو أقعد له في هيئة الحرب، فقال: بل أقعد له في بهجة الملك، فصعد على سريره ووضع التاج على رأسه وأقعد أبناء الملوك سماطين عليهم الأقراط وأسورة الذهب والديباج، وأذن للمغيرة، فأخذ بضبعيه رجلان ومعه سيفه ورمحه قال: فجعل المغيرة يطعن برمحه في بسطهم يخرقها لينظروا فيغضبهم بذلك حتى قام بين يديه وجعل يكلمه والترجمان يترجم بينهما. فقال: إنكم معشر العرب أصابكم جهد، فإن شئتم مرناكم ورجعتم، فتكلم المغيرة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إنا معشر العرب كنا أذلة يطؤنا الناس ولا نطؤهم، ونأكل الكلاب والجيف، ثم إن الله تعالى بعث منا نبيا في شرف منا أوسطنا حسبا وأصدقنا حديثا، وبعث النبي صلى الله عليه وسلم ببعثه، وأخبرنا بأشياء وجدناها كما قال لنا، وإنه وعدنا فيما وعدنا به أنا سنملك ما هاهنا ونغلب عليه، وإني أرى هاهنا هيئة وبزة ما من خلفي بتاركها حتى يصيبوها أو يموتوا، فقالت لي نفسي: لوجمعت جزاميزك ووثبت فقعدت مع العلج على سريره حتى يتطير، قال: فوثبت وثبة فإذا أنا معه على سريره، فجعلوا يلكزونني بأرجلهم ويجذبونني بأيديهم. فقلت لهم: إنا لا نفعل برسلكم، وإن كنت قد فجرت واستخففت فلا تؤاخنوني، فإن الرسل لا يصنع بها هكذا، فقال الملك:

(1/300)


إن شئتم قطعنا إليكم وإن شئتم قطعتم إلينا، قلت: بل نقطع إليكم، فقطعنا إليهم، قال: فتسللوا كل خمسة وستة حتى لا يفروا. فدنوا إليهم فضايقناهم، فرشقونا حتى أشرعوا فينا، فقال المغيرة للنعمان: إنه قد أشرع في الناس وقد جرحوا، فلو حملت، فقال النعمان: إنك لذو مناقب، وقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم القتال، وكان إذا لم يقاتل أول النهار انتظر حتى تزول الشمس وتهب الرياح وينزل النصر، ثم قال: إنى هاز لوائي ثلاث. مرات، فأما أول هزة فليقض الرجل حاجته وليتوضأ، وأما الثانية فلينظر الرجل إلى شسمعه وليلزم سلاحه، فإذا هززت الثالثة فاحملوا ولا يلوين أحد على أحد، وإن قتل النعمان، وإني داع إلى الله بدعوة، وأقسمت على كل أمرىء منكم لما أمن عليها، وقال: اللهم ارزق النعمان اليوم شهادة في نصر وفتح عليهم. فأمن القوم فهز لواءه ثلاثا، ثم أدنى درعه وحمل ثم حمل الناس فكان أول صريع، قال معقل: فأتيت عليه فذكرت عزيمته ألا أقف عليه، وأعلمت غلمانه لأعرف مكانه، وأمعنا القتل فيهم، ووقع ذو الجناحين عن بغلة له شهباء فانشق بطنه، وفتح الله على المسلمين، فأتيت إلى مكان النعمان فصادفته وبه رمق، فأتيته بإداوة فغسلت وجهه، فقال: من هذا؟ قلت: معقل ابن يسار، قال ما فعل الله بالناس؟ قلت: فتح الله عليهم، قال: الحمد الله كثيرا اكتبوا بذلك إلى عمر، وفاضت نفسه، واجتمع الناس إلى الأشعث بن قيس، وأرسلوا إلى أم ولده: هل عهد إليك النعمان عهدا له أم عندك كتاب؟قالت: بل سفط فيه كتاب، فأخرجوه فإذا فيه: إذا قتل النعمان ففلان وإن قتل فلان ففلان، وإن قتل فلان ففلان، فامتثلوا، وفتح الله على المسلمين فتحا عظيمأ.
شهداء نهاوند
قال المسعودي رحمه الله: وهذه وقعة نهاوند، وقد كان للأعاجم فيها جمع كثير وقتل هنالك خلق كثير: منهم النعمان بن مقرن، وعمرو بن معد يكرب، وغيرهما، وقبورهم إلى هذا الوقت بينة معروفة على نحو فرسخ من نهاوند فيما بينها وبين الدينور وقد أتينا على وصف هذه الواقعة فيما سلف من كتبنا.
عمر يسأل عمرو بن معد يكرب عن قبائل من العرب

(1/301)


وذكر أبو مخنف لوط بن يحيى قال: لما قدم عمرو بن معد يكرب من الكوفة على عمر سأله عن سعد بن أبي وقاص، فقال فيه ما قال من الثناء، ثم سأله عن السلاح، فأخبره بما علم، ثم سأله عن قومه، فقال له: أخبرني عن قومك مذحج ودع طيئا قال: سلني عن أيهم شئت، قال: أخبرني عن علة بن جلد، قال: هم فرسان أغراضنا، وشفاة أمراضنا، وهم أعتقنا، وأنجبنا، وأسرعنا طلبا، وأقلنا هربا، وهم أهل السلاح والسماح والرماح، قال عمر: فما أبقيت لسعد العشيرة؟ قال: هم أعظمنا خميسا، وأسخانا نفوسا، وخير نارنا رئيسا، قال: فما أبقيت لمراد؟ قال: هم أوسعنا دارا، وخيرنا جارا، وأبعدنا آثارا، وهم الأتقياء البررة، والساعون الفخرة، قال: فأخبرني عن بني زبيد، قال: أنا عليهم ضنين، ولو سألت الناس عنهم لقالوا هم الرأس والناس الأذناب، قال: فأخبرني عن طيء، قال: خصوا بالجود، وهم جمرة العرب، قال: فما تقول في عبس؟ قال: حجم عظيم، وزبن أثير، قال: أخبرني عن حمير، قال: رعوا العفو، وشربوا الصفو، قال: فأخبرني عن كندة، قال: ساسوا العباد، وتمكنوا من البلاد. قال: فأخبرني عن همدان. قال: أبناء الليل، وأهل النيل، يمنعون الجار، ويوفون النمار ويطلبون الثار قال: فأخبرني عن الأزد. قال: هم أقدمنا ميلادا. وأوسعنا بلادا، قال: فأخبرني عن الحارث بن كعب، قال: هم الحسكة المسكة، تلقى المنايا أطراف رماحهم. قال: فأخبرني عن لخم. قال: أخرنا ملكا، وأولنا هلكا، قال: فأخبرني عن جذام. قال: أولئك كالعجوز الغبراء، وهم أهل مقال وفعال، قال: فأخبرني عن غسان. قال: أرباب في الجاهلية نجوم في الإسلام، قال: فأخبرني عن الأوس والخزرج. قال هم الأنصار وهم أعزنا دارا، وأمنعنا ذمارا، وقد كفانا الله مدحهم إذا يقول: " والذين تبوؤا الدار والأيمان " الآية - قال: فأخبرني عن خزاعة. قال: أولئك مع كنانة لنا نسبهم، وبهم نصرنا. قال: فأي العرب أبغض من مذحج، وأما من سعد فعدي من فزارة، ومرة من ذبيان، وكلاب من عامر، وشيبان من بكر بن وائل. ثم لوجلت بفرسي على مياه معد ما خفت هيج أحد ما لم يلقني حراها وعبداها. قال: ومن حراها ومن عبداها؟ قال: أما حراهأ فعامر بن الطفيل وعيينة بن الحارث بن شهاب التميمي، وأما عبداها فعنترة العبسي وسليك المقانب.
ويسأله عن الحرب
ثم سأله عن الحرب فقال: سألت عنها خبيرا، هي والله يا أمير المؤمنين مرة المذاق، إذا شمرت عن ساق، من صبر فيها ظفر، ومن ضعف فيها هلك، ولقد أحسن واصفها فأجاد:
الحرب أول ماتكون فتية ... تبدو بزينتها لكل جهول
حتى إذا حميت وشب ضر أمه ا ... عادت عجوزا غير ذات حليل
شمطاء جزت رأسها وتنكرت ... مكروهة للثم والتقبيل
ثم سأله عن السلاح، فأخبره بما عرف حتى بلغ السيف، قال: هنالك قارعتك أمك عن ثكلها، فعلاه عمر الدرة، وقال: بل أمك قارعتك عن ثكفها، والله إني لأهم أن أقطع لسانك، فقال عمرو: الحمى أضرعتني لك اليوم، وخرج من عنده وهو يقول:
أتوعدني كأنك ذو رعين ... بأنعم عيشة أو ذونواس
فكم قد كان قبلك من مليك ... عظيم ظاهرم الجبروت قاس
فأصبح أهله بادوا، وأمسى ... ينقل من أناس في أناس
فل ايغررك ملكك، كل ملك ... يصير مذلة بعد الشماس
قال: فاعتذر عمر إليه، وقال: ما فعلت ما فعلته إلا لتعلم أن الإسلام أفضل وأعز من الجاهلية، وفضله على الوفد.
عمرو يحدث عمر عن فراره ذات مرة

(1/302)


وقد كان عمر آنس عمرا بعد ذلك، وأقبل يسأله ويذاكره الحروب وأخبارها في الجاهلية، فقال له عمر: يا عمرو، هل انصرفت عن فارس قط في الجاهلية هيبة له؛ قال: نعم، والله ما كنت أستحل الكذب في الجاهلية فكيف أستحله في الإسلام؟ لأحدثنك حديثا لم أحدث به أحدا قبلك، خرجت في جريدة خيل لبني زبيد أريد الغارة، فأتينا قوما سراة؟ فقال عمر: وكيف عرفت أنهم سراة؛ قال: رأيت مزاود وقدورا مكفأة وقباب حمرا ونعما كثيرا وشاء، قال عمرو: فأهويت إلى أعظمها قبة بعدما حوينا السبي، وكان متبددا من البيوت، وإذا امرأة بادية الجمال على فرش لها، فلما نظرت إلي وإلى الخيل استعبرت، فقلت: ما يبكيك؟ قالت: والله ما أبكي على نفسى، ولكني أبكي حسدا لبنات عمي يسلمن وأبتلي أنا من بينهن، فظننت والله أنها صادقة، فقلت لها: وأين هن؛ قالت: في هذا الوادي، فقلت لأصحابي: لا تحدثوا شيئا حتى آتيكم، ثم همزت فرسي حتى علوت كثيبا، فإذا أنا بغلام أصهب الشعر أهذب أقنى أقب يخصف نعاله وسيفه بين يديه وفرسه عنده، فلما نظر إلي رمى النعل من يده ثم أحضر غير مكترث، فأخذ سلاحه وأشرف على ثنية، فلما نظر إلى الخيل محيطة ببيته ركب ثم أقبل نحوي وهو يقول:
أقول لما منحتني فاها ... وألبستني بكرة رداها
إني سأحوي اليوم من حواها ... فليت شعري اليوم من دهاها
فحملت عليه وأنا أقول:
عمرو على طول الردى دهاها ... بالخيل يبقيها على وجاها
حتى إذا حل بها حواها
ثم حملمت عليه بالفرس فإذا هو أروغ من هر، فراغ عني، ثم حمل علي فضربني بسيفه ضربة جرحتني، فلما أفقت من ضربته حملت عليه، فراغ والله، ثم حمل علي، تها صرعني، ثم استاق ما في أيدينا، ثم استويت على فرسي، فلما رأني أقبل وهو يقول:
أنا عبيد الله محمود الشيم ... وخير من يمشي بساق وقدم
عدوه يفديه من كل السقم
فحملت عليه وأنا أقول:
أنا ابن في التقليد في الشهر الأصم ... أنا ابن في الإكليل قتال البهم
من يلقني يودي كما أودت أرم ... أتركه لحما على ظهر وضم
فراغ والله عني، ثم حمل علي فضربني ضربة أخرى، ثم صرخة صرخة، ورأيت الموت والله يا أمير المؤمنين ليس دونه شيء، وخفته خوفا لم أخف قط أحدا مثله، وقلت له: من أنت ثكلتك أمك؟؟ فو الله ما أجترأ علي أحد قط إلا عامر بن الطفيل لإعجابه بنفسه، وعمرو بن كلثوم لسنه وتجربته فمن أنت؟ قال: بل من أنت؟ خبرني وإلا قتلتك، قلت: أنا عمرو بن معد يكرب، قال: وأنا ربيعه بن مكدم، قلت: أختر مني إحدى ثلاث خصال: إن شئت اجتلدنا بسيفينا حتى يموت الأعجز منا، وإن شئت اصطرعنا، وإن شئت السلم، وأنت يا ابن أخي حدث وبقومك إليك حاجة، قال: بل هي إليك، فاختر لنفسك، واخترت السلم، ثم قال انزل عن فرسك، قلت: يا ابن أخي قد جرحتني جراحتين ولا نزول لي فوالله ما كف عني حتى نزلت عن فرسي، فأخذ بعنانه، ثم أخذ بيدي في يده وانصرفنا إلى الحي وأنا أجرر رجلي، حتى طلعت علينا الخيل فلما رأوني همزوا خيولهم إلي فناديتهم: إليكم وأرادوا ربيعه، فمضى والله كأنه ليث حتى شقهم، ثم أقبل علي فقال: يا عمرو، لعل أصحابك يريدون غير الذي تريد، فصمت والله القوم ما فيهم أحد ينطق، وأعظم ما رأوا منه، فقلت: يا ربيعه بن مكدم لا يريدون إلا خيرا، وإنما سمت ليعرفه القوم، فقال لهم: ما تريدون؟ فقالوا: وما تريد؟ قد جرحت فارس العرب، وأخذت سيفه وفرسه، ومضى ومضينا معه، حتى نزل، فقامت إليه صاحبته وهي ضاحكة تمسح وجهه، ثم أمر بإبل فنحرت، وضربت علينا قباب، فلما أمسينا جاءت الرعاء ومعهم أفراس لربيعه لم أرى مثلها قط فلما رأى نظري إليها قال: كيف ترى هذه الخيول؟ قلت: لم أرى مثلها قط، قال: أما لو كان عندي بعضها ما لبثت في الدنيا إلا قليلأ، فضحكت وما ينطق أحد من أصحابي، فأقمنا عنده يومين ثم انصرفنا.
عمرو بن معد يكرب يغير على بني كنانة

(1/303)


قال: وقد كان عمرو بن معد يكرب بعد ذلك بزمان أغار على كنانة في صناديد قومه، فأخذ غنائمهم، وأخذ امرأة ربيعه بن مكدم، فبلغ ذلك ربيعه - وكان غير بعيد - فركب في الطلب على فرس عري ومعه رمح بلا سنان حتى لحقه، فلما نظر إليه قال: خل عن الظعينة وما معك فلم يلتفت إليه، ثم أعاد عليه، فلم يلتفت إليه، فقال: يا عمرو، إما أن تقف لي وإما أن أقف لك فوقف عمرو، وقال: لقد أنصف القارة من راماها، قف لي يا ابن أخي، فوقف له ربيعه، فحمل عمرو وهو يقول:
أنا أبو ثور ووقاف الزلق ... لست بمأفون ولا في خرق
وأسد القوم إذا أحمر الحدق ... إذا الرجال عضهم ناب الفرق
وجدتني بالسيف هتاك الحلق
حتى إذا ظن أنه خالطه السنان إذا هو لبب لفرسه، ومر السنان على ظهر الفرس، ثم وقف له عمرو، فحمل عليه ربيعه وهو يقول:
أنا الغلام ابن الكناني لا بذخ ... كم من هزبر قد رأني فانشدخ
فقرع بالرمح رأسه، ثم قال: خذها إليك يا عمرو، ولولا أني أكره قتل مثلك لقتلتك، فقال عمرو: لا ينصرف إلا أحدنا، فقف لي، فحمل عليه حتى إذا ظن أنه خالطه السنان إذا هو حزام لفرسه ومر السنان على ظهر الفرس ثم حمل عليه ربيعه فقرع بالرمح رأسه أيضا، وقال: خذها إليك يا عمرو ثانية، وإنما العفو مرتان، وصاحت به امرأته: السنان لله درك، فأخرج سنانا من سنخ إزاره كأنه شعلة نار، فركبه على رمحه، فلما نظر إليه عمرو، وذكر طعنته بلا سنان قال له عمرو: يا ربيعه خذ الغنيمة، قال: دعها وانج، فقالت بنو زبيد: أنترك غنيمتنا لهذا الغلام؟ فقال لهم عمرو: يا بني زبيد، والله لقد رأيت الموت الأحمر في سنانه، وسمعت صريره في تركيبه، فقالت بنو زبيد: لا يتحدث العرب أن قوما من بني زبيد فيهم عمرو بن معد يكرب تركوا غنيمتهم لمثل هذا الغلام، قال عمرو: إنه لا طاقة لكم به، وما رأيت مثله قط، فانصرفوا عنه، وأخذ ربيعه امرأته والغنيمة وعاد إلى قومه.
قال المسعودي رحمه الله تعالى: ولعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أخبار كثيرة في أسفاره في الجاهلية إلى الشام والعراق مع كثير من ملوك العرب والعجم، وسير في الإسلام، وأخبار وسياسات حسان، وما كان في أي أمه من الكوائن والأحداث وفتوح مصر والشام والعراق وغيرها من الأمصار، قد أتينا على مبسوطها في كتابنا أخبار الزمان والكتاب الأوسط، وإنما نذكر في هذا الكتاب لمعا مما لم نذكره فيما سلف من كتبنا، وبالله التوفيق.
ذكر خلافة عثمان بن عفان
رضي الله تعالى عنه
بويع عثمان يوم الجمعة غرة المحرم لليلة بقيت من في الحجة سنة ثلاث وعشرين وقتل لاثنتي عشرة ليلة مضت من في الحجة سنة خمس وثلاثين، وقيل غير ذلك مما سنورده بعد هذا الموضع إلا أنه في في الحجة؛فجميع ما ولي اثنتا عشرة سنة إلا ثمانية أيام، وقتل وهو ابن اثنتين وثمانين سنة، ودفن بالمدينة بموضع يعرف بحش كوكب وكانت خلافته رضي الله تعالى عنه اثنتي عشرة سنة إلا ثمانية أيام.
ذكر نسبه ولمع من أخباره وسيره
نسبه وأولاده
هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، ويكنى بأبي عبد الله وأبي عمرو، والأغلب منهما أبو عبد الله، و أمه أروى بنت كريز بن جابر بن حبيب بن عبد شمس، وكان له من الولد: عبد الله الأكبر، وعبد الله الأصغر، أمه ما رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبان، وخالد، وسعيد، والوليد، والمغيرة، وعبد الملك، وأم أبان، وأم سعيد، وأم عمرو، وعائشة، وكان عبد الله الأكبر يلقب بالمطرف لجماله وحسنه. وكان كثير التزوج، كثير الطلاق، وكان أبان أبرص أحول، قد حمل عنه أصحاب الحديث عدة من السنن، وولي لبني مروان مكة وغيرها. وكان سعيد أحول بخيلا. وقتل في زمن معاوية وكان الوليد صاحب شراب وفتوة ومجون. وقتل أبوه وهو مخلق الوجه سكران عليه مصبغات واسعة. وبلغ عبد الله الأصغر من السن ستا وسبعين عاما. فنقره ديك في عينه، فكان ذلك سبب موته، وعبد الملك مات صغيرا ولا عقب له.
صفاته

(1/304)


وكان عثمان في نهاية الجود والكرم والسماحة والبذل في القريب والبعيد. فسلك عماله وكثير من أهل عصره طريقته، وتأسوا به في فعله. وبنى فيداره في المدينة وشيدها بالحجر والكلس، وجعل أبوابها من الساج والعرعر واقتنى أموالا وجنانا وعيونا بالمدينة.
ثروته
وذكر عبد الله بن عتبة أن عثمان يوم قتل كان له عند خازنه من المال خمسون ومائة ألف دينار وألف ألف درهم، وقيمة ضياعه بوادي القرى وحنين وغيرهما مائة ألف دينار، وخلف خيلا كثيرا وإبلا.
ثروة الزبير بن العوام
وفي أيام عثمان اقتنى جماعة من الصحابة الضياع والحور: منهم الزبير بن العوام، بنى داره بالبصرة، وهي الكوفة في هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - نزلها التجار وأرباب الأموال وأصحاب الجهاز من البحريين وغيرهم، وابتنى أيضا دورا بمصر والكوفة والإسكندرية، وما ذكرنا من دوره وضياعه فمعلوم غير مجهول إلى هذه الغاية.
وبلغ مال الزبير بعد وفاته خمسين ألف دينار، وخلف الزبير ألف فرس، وألف عبد وأمة، وخططا بحيث ذكرنا من الأمصار.
ثروة طلحة بن عبيد الله
وكذلك طلحة بن عبيد الله التيمي: ابتنى داره بالكوفة المشهورة به هذا الوقت، المعروفة بالكناسة بدار الطلحيين، وكان غلته من العراق كل يوم ألف دينار، وقيل أكثر من ذلك، وبناحية الشراة أكثر مما ذكرنا، وشيد داره بالمدينة وبناها بالآجر والجص والساج.
ثروة عبد الرحمن بن عوف
وكذلك عبد الرحمن بن عوف الزهري: ابتنى داره ووسعها، وكان على مربطه مائة فرس، وله ألف بعير، وعشرة آلاف شاة من الغنم، وبلغ بعد وفاته ربع ثمن ماله أربعة وثمانين ألفا.
ثروة قوم من الصحابة
وابتنى سعد بن أبي وقاص داره بالعقيق، فرفع سمكها، ووسع فضاءها، وجعل أعلاها شرفات.
وقد ذكر سعيد بن المسيب أن زيد بن ثابت حين مات خلف الذهب والفضة ما كان يكسر بالفؤوس، غير ما خلف من الأموال والضياع بقيمة مائة ألف دينار.
وابتنى المقداد داره بالمدينة في الموضع المعروف بالجرف على أميال من المدينة وجعل أعلاها شرفات، وجعلها مجصصة الظاهر والباطن.
ومات يعلى بن منية، وخلف خمسمائة ألف دينار، وديونا علم الناس، وعقارات، وغير ذلك من التركة ما قيمته ثلاثمائة ألف دينار.
وهذا باب يتسع ذكره ويكثر وصفه، فيمن تملك من الأموال في أيأمه ، ولم يكن مثل ذلك في عصر عمر بن الخطاب، بل كانت جادة واضحة وطريقة بينة.
وحج عمر فأنفق في ذهابه ومجيئه إلى المدينة ستة عشر دينارا، وقال لولده عبد الله: لقد أسرفنا في نفقتنا في سفرنا هذا.
ولقد شكا الناس أميرهم بالكوفة سعد بن أبي وقاص - وذلك في سنة إحدى وعشرين - فبعث عمر محمد بن مسلمة الأنصاري حليف بني عبد الأشهل، فحرق عليه باب قصر الكوفة، وعرضه في مساجد الكوفة يسألهم عنه؛فحمده بعضهم، وشكاه بعض، فعزله وبعث إلى الكوفة عمار بن ياسر على الثغر، وعثمان بن حنيف على الخراج، وعبد الله بن مسعود على بيت المال، وأمره أن يعلم الناس القرآن ويفقههم في الدين وفرض لهم في كل يوم شاة، فجعل شطرها وسواقطها لعمار بن ياسر والشطر الأخر بين عبد الله بن مسعود وعثمان بن حنيف، فأين عمر ممم ذكرنا؛ وأين هو عما وصفنا؟.
عمال عثمان
وقدم على عثمان عمه الحكم بن أبي العاص وابنه مروان وغيرهما من بني أمية - والحكم هو طريد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي غربه عن المدينة، ونفاه عن جواره - وكان عماله جماعة منهم الوليد بن عقبة بن أبي معيط على الكوفة، وهو ممن أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه من أهل النار، وعبد الله بن أبي سرح على مصر، ومعاوية بن أبي سفيان على الشام، وعبد الله بن عامر على البصرة، وصرف عن الكوفة الوليد بن عقبة، وولاها سعيد بن العاص.
الوليد بن عقبة

(1/305)


وكان السبب في صرف الوليد بن عقبة وولاية سعيد - على ما روي - أن الوليد بن عقبة كان يشرب مع ندمائه ومغنيه من أول الليل إلى الصباح، فلما آذنه المؤذنون بالصلاة خرج متفضلا في غلائله، فتقدم إلى المحراب في صلاة الصبح، فصلى بهم أربعا، وقال: أتريحون أن أزيدكم؟ وقيل: إنه قال في سجوده وقد أطال: أشرب واسقني، فقال له بعض من كان خلفه في الصف الأول: ما تزيد لازادك الله من الخير. والله لا اعجب إلا ممن بعثك إلينا واليا وعلينا أميرا، وكان هذا القائل عتاب بن غيلان الثقفي.
وخطب الناس الوليد فحصبه الناس بحصباء المسجد، فدخل قصره يترنح، ويتمثل بأبيات لتأبط شرا:
ولست بعيدا عن مدام وقينة ... ولا بصفا صلد عن الخير معزل
ولكنني أروي من الخمر هامتي ... وأمشي الملا بالساحب المتسلسل
وفي ذلك يقول الحطيئة:
شهد الحطيئة يوم يلقى ربه ... أن الوليد أحق بالعذر
نادى وقد تفت صلاتهم ... أ أزيدكم؟ ثملا وما يدري
ليزيدهم أخرى، ولو قبلوا ... لقرنت بين الشفع والوتر
حبسوا عنانك في الصلاة، ولو ... خلوا عنانك لم تزل تجري
وأشاعوا بالكوفة فعله، وظهر فسقه ومداومته على شرب الخمر، فهجم عليه جماعة من المسجد منهم أبو زينب بن عوف الأزدى وجندب زهير الأزدي وغيرهما، فوجدوه سكران مضطجعا على سريره لا يعقل، فأيقظوه من رقدته، فلم يستيقظ، ثم تقايأ عليهم ما شرب من الخمر، فانتزعوا خاتمه من يده وخرجوا من فورهم إلى المدينة، فأتوا عثمان بن عفان، فشهدوا عنده على الوليد أنه شرب الخمر، فاقال عثمان: وما يريكما أنه شرب خمرا؟ فقالا: هي الخمر التي كنا نشربها في الجاهلية، وأخرجا خاتمه فدفعاه إليه، فزجرهما ودفع في صدروهما، وقال: تنحيا عني، فخرجا من عنده وأتيا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأخبراه بالقصة، فأتى عثمان وهو يقول: دفعت الشهود، وأبطلت الحدود، فقال له عثمان: فما ترى؟ قال: أرى أن تبعث إلى صاحبك فتحضره فإن أقاما الشهادة عليه في وجهه ولم يدرأ عن نفسا بحجة أقمت عليه الحد، فلما حضر الوليد دعاهما عثمان: فأقاما الشهادة عليه ولم يدل بحجة فألقى عثمان السوط إلى علي، فقال علي لابنه الحسن: قم يا بني فأقم عليه ما أوجب الله عليه، فقال: يكفينيه بعض من ترى، فلما نظر إلى امتناع الجماعة عن إقامة الحد عليه توقيا لغضب عثمان لقرابته منه أخذ علي السوط ودنا منه، فلما أقبل نحوه سبه الوليد، وقال: يا صاحب مكس، فقال عقيل بن أبي طالب وكان ممن حضر: إنك لتتكلم يا ابن أبي معيط كأنك لا تحري من أنت، وأنت علج من أهل صفورية - وهي قرية بين عكاء واللجون، من أعمال الأردن، من بلاد طبرية، وكان ذكر أن أباه كان يهوديا منها - فأقبل الوليد يروغ من علي، فاجتذبه علي فضرب به الأرض، وعلاه بالسوط، فقال عثمان: ليس لك أن تفعل به هذا، قال: بل وشرا من هذا إذا فسق ومنع حق الله تعالى أن يؤخذ منه.
سعيد بن العاص

(1/306)


وولي الكوفة بعده سعيد بن العاص، فلما دخل سعيد الكوفة واليا أبى أن يصعد المنبر حتى يغسل، وأمر بغسله، وقال: إن الوليد كان نجسأ رجسا، فلما أتصلت أيام سعيد بالكوفة ظهرت منه أمور منكرة، فاستبد بالأموال، وقال في بعض الأيام أو كتب به عثمان: إنما هذا السواد قطين لقريش، فقال له الأشتر، وهو مالك بن الحارث النخعي: أتجعل ما أفاء الله علينا بظلال سيوفنا ومراكز رماحنا بستانا لك ولقومك؟ ثم خرج إلى عثمان في سبعين راكبا من أهل الكوفة فذكروا سوء سيرة سعيد بن العاص، وسألوا عزله عنهم، فمكث الأشتر وأصحابه أياما لا يخرج لهم من عثمان في سعيد شيء، وامتدت أي أمه م بالمدينة، وقدم على عثمان أمراؤه من الأمصار منهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح من مصر ومعاوية من الشام وعبد الله بن عامر من البصرة وسعيد بن العاص من الكوفة، فأقاموا بالمدينة أياما لا يردهم إلى أمصارهم، وكراهة أن يرد سعيدا إلى الكوفة، وكره أن يعزله، حتى كتب إليه من بأمصارهم يشكون كرة الخراج وتعطيل الثغور، فجمعهم عثمان وقال: ما ترون؟ فقال معاوية: أما أنا فراض بي جندي، وقال عبد الله بن عامر بن كريز: ليكفك امرؤ ما قبله أكفك ما قبلي، وقال عبد الله بن سعد بن أبي سرح: ليس بكثير عزل عامل للعامة وتولية غيره، وقال سعيد بن العاص: إنك إن فعلت هذا كان أهل الكوفة هم الذين يولون ويعزلون، وقد صاروا حلقا في المسجد ليس لهم غير الأحاديث والخوض، فجهزهم في البعوث حتى يكون هم أحدهم أن يموت على ظهر دابته، قال: فسمع مقالته عمرو بن العاص فخرج إلى المسجد، فإذا طلحة والزبير جالسان في ناحية منه، فقالا له: تعالى إلينا، فصار إليهما، فقالا: ما وراءك؟ قال: الشر، ما ترك شيئا من المنكر إلا أتى به وأمره به، وجاء الأشتر فقالا له: إن عاملكم الذي قمتم فيه خطباء قد رد عليكم وأمر بتجهيزكم في البعوث وبكذا وبكذا، فقال الأشتر: والله لقد كنا نشكو سوء سيرته وما قمنا فيه خطباء، فكيف وقد قمنا؟! وايم الله على ذلك لولا أني أنفدت النفقة وأنضيت الظهر لسبقته إلى الكوفة حتى أمنعه دخولها، فقالا له: فعندنا حاجتك التي تقوم بك في سفرك قال: فأسلفاني إذا مائة ألف درهم، قال: فأسلفه كل واحد منهما خمسين ألف درهم، فقسمها بين أصحابه، وخرج إلى الكوفة فسبق سعيدا، وصعد المنبر وسيفه في عنقه ما وضعه بعد، ثم قال: أما بعد، فإن عاملكم الذي أنكرتم تعدية وسوء سيرته قد رد عليكم، وأمر بتجهيزكم في البعوث، فبايعوني على أن لا يدخلها، فبايعه عشرة آلاف من أهل الكوفة وخرج راكبا متخفيا يريد المدينة أو مكة، فلقي سعيدا بواقصة فأخبره بالخبر، فانصرف إلى المدينة، وكتب الأشتر إلى عثمان: أنا والله ما منعنا عاملك الدخول لنفسد عليك عملك، ولكن لسوء سيرته فينا وشدة عذابه، فابعث إلى عملك من أحببت، فكتب إليهم: انظروا من كان عاملكم أيام عمر بن الخطاب فولوه، فنظروا فإذا هو أبو موسى الأشعري، فولوه.
بدء الطعن على عثمان وسببه
وفي سنة خمس وثلاثين كثر الطعن على عثمان رضي الله عنه، وظهر عليه التنكير لأشياء ذكروها من فعله: منها ما كان بينه وبين عبد الله بن مسعود، وانحراف هذيل عن عثمان من أجله.
ومن ذلك ما نال عمار بن ياسر من الفتن والضرب، وانحراف بني مخزوم عن عثمان من أجله.
الوليد بن عقبة يهودى مشعوذ

(1/307)


ومن ذلك فعل الوليد بن عقبة في مسجد الكوفة، وذلك أنه بلغه عن رجل من اليهود من ساكني قرية من قرى الكوفة مما يلي جسر بابل يقال لها زرارة يعمل أنواعا من الشعبذة والسحر يعرف ببطروني فأحضره فأراه في المسجد ضربا من التخييل، وهو أن أظهر له في الليل قيلا عظيما على فرس يركض في صحن المسجد، ثم صار اليهودي ناقة يمشي على حبل، ثم أراه صورة حمار دخل من فيه ثم خرج من دبره، ثم ضرب عنق رجل ففرق بين جسمه و رأسه، ثم أمر السيف عليه فقام الرجل، وكان جماعة من أهل الكوفة حضورا منهم جندب بن كعب الأزدي، فجعل يستعيذ بالله من فعل الشيطان، ومن عمل يبعد من الرحمن، وعلم أن ذلك هو ضرب من التخييل والسحر، فاخترط سيفه وضرب به اليهودي ضربة أدار رأسه ناحية من بدنه، وقال " جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا " ، وقد قيل: إن ذلك كان نهارا، وإن جندبا خرج إلى السوق ودنا من بعض الصياقلة وأخذ سيفا ودخل فضرب به عنق اليهودي، وقال: إن كنت صادقأ فأحي نفسك، فأنكر عليه الوليد ذلك، وأراد أن يقيده به، فمنعته الأزد، فحبسه، وأراد قتله غيلة، ونظر السجان إلى قيامة ليله إلى الصبح، فقال له: انج بنفسك، فقال له جندب: تقتل بي، قال: ليس ذلك بكثير في مرضاة الله والدفع عن ولي من أولياء الله فلما أصبح الوليد دعا به وقد استعد لقتله فلم يجده، فسأل السجان، فأخبره بهربه، فضرب عنق السجان، وصلبه بالكناسة.
بين عثمان وأبي ذر

(1/308)


ومن ذلك ما فعل بأبي ذر ، وهو أنه حضر مجلسه ذات يوم فقال عثمان: رأيتم من زكى ماله هل فيه حق لغيره؟ فقال كعب: لا يا أمير المؤمنين، فدفع أبو ذر في صد كعب، وقال له: كذبت يا ابن اليهودي، ثم تلا: " ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب " الآية - فقال عثمان: أترون بأسا أن نأخذ مالا من بيت مال المسلمين فننفقه فيما ينو بنا من أمورنا ونعطيكموه؟ فقال كعب: لا بأس بذلك، فرفع أبو ذر العصا فدفع بها في صدر كعب وقال: يا ابن اليهودي ما أجراك على القول في ديننا! فقال له عثمان: ما أكثر أذاك لي! غيب وجهك عني فقد آذيتنا، فخرج أبو ذر إلى الشام، فكتب معاوية إلى عثمان: إن أبا ذر تجتمع إليه الجموع، ولا آمن أن يفسدهم عليك، فإن كان لك في القوم حاجة فاحمله إليك، فكتب إليه عثمان بحمله، فحمله على بعير عليه قتب يابس معه خمسة من الصقالبة يطيرون به، حتى أتوا به المدينة وقد تسلخت بواطن أفخاذه وكاد أن يتلف، فقيل له: إنك تموت من ذلك، فقال: هيهات لن أموت حتى أنفى، وذكر جوامع ما ينزل به بعد، ومن يتولى دفنه، فأحسن إليه عثمان في داره أياما، ثم دخل إليه فجلس على ركبتيه وتكلم بأشياء، وذكر الخبر في ولد أبي العاص إذا بلغوا ثلاثين رجلا اتخذوا عباد الله خولا، ومر في الخبر بطوله وتكلم بكلام كثير، وكان في ذلك اليوم قد أتى عثمان بتركة عبد الرحمن بن عوف الزهري من المال، فنثرت البدر حتى حالت بين عثمان وبين الرجل القائم، فقال عثمان: إني لأرجو لعبد الرحمن خيرا؛ لأنه كان يتصدق، ويقري الضيف، وترك ما ترون، فقال كعب الأحبار، صدقت يا أمير المؤمنين، فشال أبوذر العصا، فضرب بها رأس كعب، ولم يشغله ما كان فيه الألم وقال: يا ابن اليهودي تقول لرجل مات وترك هذا المال: إن الله أعطاه خير الدنيا وخير الأخرة، وتقطع على الله بذلك، وأنا سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " ما يسرني أن أموت وأدع ما يزن قيراطا " فقال له عثمان: وارعني وجهك، فقال: أسير إلى مكة، قال: لا والله، قال: فتمنعني من بيت ربي أعبده فيه حتى أموت؟ قال: أي والله، قال: فإلى الشام، قال: لا والله قال البصرة؟ قال: لا والله، فاختر غير هذه البلدان، قال: لا والله ما أختار غير ما ذكرت لك، ولو تركتني في دار هجرتي ما أردت شيئا من البلدان، فسيرني حيث شئت من البلاد، قال: فإني مسيرك إلى الربذة، قال: الله كبر، صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبرني بكل ما أنا لاق، قال! عثمان: وما قال لك. قال: أخبرني بأني أمنع عن مكة والمدينة وأموت بالربذة، ويتولى مواراتي نفر ممن يردون من العراق نحو الحجاز، وبعث أبو ذر إلى جمل له فحمل عليه امرأته - وقيل: ابنته - وآمر عثمان أن يتجافاه الناس حتى يسير إلى الربذة، فلما طلع عن المدينة ومروان يسير عنها طلع عليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومعه ابناه الحسن والحسين وعقيل أخوه وعبد الله بن جعفر وعمار بن ياسر، فاعترض مروان فقال: يا على إن أمير المؤمنين قد نهى الناس أن يصحبوا أبا ذر في مسيره ويشيعوه، فإن كنت لم تدر بذلك فقد أعلمتك، فحمل عليه علي بن أبي طالب بالسوط وضرب بين أذني راحلته، وقال: تنح نحاك الله إلى النار، ومضى مع أبي ذر فشيعه ثم ودعه وانصرف، فلما أراد علي الانصراف بكى أبو ذر، وقال: رحمكم الله أهل البيت، إذا رأيتك يا أبا الحسن وولدك ذكرت بكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكا مروان إلى عثمان ما فعل به علي بن أبي طالب، فقال عثمان: يا معشر المسلمين من يعذرني من علي؟: رد رسولي عما وجهته له، وفعل كذا، والله لنعطينه حقه، فلما رجع علي استقبله الناس، فقالوا له: إن أمير المؤمنين عليك غضبان لتشييعك أبا ذر، فقال علي: غضب الخيل على اللجم.

(1/309)


فلما كان بالعشي جاء إلى عثمان، فقال له: ما حملك على ما صنعت بمروأن ولم اجترأت علي ورددت رسولي وأمري؟ قال: أما مروان فإنه استقبلني يردني فرددته عن ردي، وأما أمرك فلم أرده، قال عثمان: ألم يبلغك أني قد نهيت الناس من أبي نر وعن تشييعه؟ فقال علي: أوكل ما أمرتنا به من شيء نرى طاعة الله والحق في خلافه أتبعنا فيه أمرك؟ بالله لا نفعل، قال عثمان: أقد مروان، قال: ومم أقيده؟ قال: ضربت بين أذني راحلته وشتمته، فهو شاتمك وضارب بين أذني راحلتك قال علي: أما راحلتي فهي تلك فإن أراد أن يضربها كما ضربت راحلته فليفعل. وأما أنا فوالله لئن شتمني لاشتمنك أنت مثلها بما لا أكذب فيه ولا أقول إلا حقا. قال عثمان: ولم لا يشتمك إذا شتمته، لله ما أنت عندى بأفضل منه؛! فغضب علي بن أبي طالب وقال: ألي تقول هذا القول؟ وبمروان تعدلني؟ فأنا والله أفضل منك، وأبى أفضل من أبيك، وامي أفضل من أمك، وهذه نبلي قد نثلتها، وهلم فانثل بنبلك، فغضب عثمان واحمر وجهه، فقام ودخل داره، وانصرف علي، فاجتمع إليه أهل بيته،ورجال من المهاجرين والأنصار.
فلما كان من الغد واجتمع الناس إلى عثمان شكا إليهم عليا وقال: إنه يعيبني ويظاهر من يعيبني، يريد بذلك أبا ذر وعمار بن ياسر وغيرهما، فدخل الناس بينهما حتى اصطلحا وقال له علي: والله ما أردت بتشييع أبي ذر إلا الله تعالى.
عمار بن ياسر
وقد كان عمار حين بويع عثمان بلغه قول أبي سفيان صخر بن حرب في دار عثمان عقيب الوقت الذي بويع فيه عثمان ودخل داره ومعه بنو أمية فقال أبى سفيان: أفيكم أحد من غيركم؟ وقد كان عدي، قالوا: لا، قال يا بني أمية، تلقفوها تلقف الكرة، فوا لذي يحلف به أبو سفيان ما زلت أرجوها لكم ولتصيرن إلى صبيانكم وراثة، فانتهره عثمان، وساءه ما قال، ونمي هذا القول إلى المهاجرين والأنصار وغير ذلك الكلام فقام عمار في المسجد فقال: يا معشر قريش، أما إذ صرفتم هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم ههنا مرة وهنا مرة فما أنا بآمن من أن ينزعه الله منكم فيضعه في غيركم كما نزعتموه من أهله ووضعتموه في غير أهله وقام المقداد فقال: ما رأيت مثل ما أودى به أهل هذا البيت بعد نبيهم، فقال له عبد الرحمن بن عوف: وما أنت وذاك يا مقداد بن عمرو؟ فقال: إني والله لأحبهم لحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم، وإن الحق معهم وفيهم، يا عبد الرحمن أعجب من قريش - وإنما تطولهم على الناس بفضل أهل هذا البيت - قد اجتمعوا على نزع سلطان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده من أيديهم أما ولايم الله يا عبد الرحمن لو أجد على قريش أنصارا لقاتلتهم كقتالي إياهم مع النبي عليه الصلاة والسلام يوم بدر، وجرى بينهم من الكلام خطب طويل قد أتينا على ذكره في كتابنا أخبار الزمان في أخبار الشورى والدار.
الثورة على عثمان

(1/310)


ولما كان سنة خمس وثلانين سار مالك بن الحارث النخعي من الكوفة في مائتي رجل، وحكيم بن جبلة العبدي في مائة رجل من أهل البصرة، ومن أهل مصر ستمائة رجل عليهم عبد الرحمن بن عديس البلوي، وقد ذكر الواقدي وغيره من أصحاب السير أنه ممن بايع تحت الشجرة، إلى آخرين ممن كان بمصر مثل عمرو بن الحمق الخزاعي وسعد بن حمران التجيبي، ومعهم محمد أبي بكر الصديق، وقد كان تكلم بمصر، وحرض الناس على عثمان لأمر يطول ذكره كان السبب فيه مروان بن الحكم، فنزلوا في الموضع المعروف بذي الخشب فلما علم عثمان بنزولهم بعث إلى علي بن أبي طالب فأحضره، وسأله أن يخرج إليهم ويضمن لهم عنه كل ما يريدون من العدل وحسن السيرة، فسار علي إليهم، فكان بينهم خطب طويل، فأجابوه إلى ما أراد وانصرفوا، فلما صاروا إلى الموضع المعروف بحسمى إذا هم بغلام على بعير وهو مقبل من المدينة، فتأملوه فماذا هو ورش غلام عثمان، فقرروه، فأقر وأظهر كتابأ إلى ابن أبي سرح صاحب مصر وفيه إذا قدم عليك الجيش فاقطع يد فلان، واقتل فلانا، وافعل بفلان كذا، واحصى كثر من في الجيش، وأمر فيهم بما أمر وعلم القوم أن الكتاب بخط مروان، فرجعوا إلى المدينة، واتفق رأيهم ورأي من قدم من العراق، ونزلوا المسجد وتكلموا، وذكروا ما نزل بهم من عمالهم، ورجعوا إلى عثمان فحاصروه في داره، ومنعوه الماء، فأشرف على الناس وقال: ألا أحد يسقينا؟ وقال: بم تستحلون قتلي وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يحل دم آمري مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس " ؟ والله ما فعلت ذلك في جاهلية أو إسلام، فبلغ عليا طلبه للماء، فبعث إليه بثلاث قرب ماء، فما وصل إليه ذلك حتى خرج جماعة من موالي بني هاشم وبني أمية، وارتفع الصوت، وكثر الضجيج، وأحدقوا بداره بالسلاح وطالبوه بمروان، فأبى أن يخلي عنه، وفي الناس بنو زهرة لأجل عبد الله بن مسعود لأنه كان من أحلافها، وهذيل لأنه كان منها، وبنو مخزوم وأحلافها لعمار، وغفار وأحلافها لأجل أبي ذر، وتيم بن مرة مع محمد بن أبي بكر، وغير هؤلاء ممن لا يحمل كتابنا ذكره، فلما بلغ عليا أنهم يريدون قتله بعث بابنيه الحسن والحسين مع مواليه بالسلاح إلى بابه لنصرته، وأمرهم أن يمنعوه منهم، وبعث الزبير ابنه عبد الله، وبعث طلحة ابنه محمدا، وأكثر أبناء الصحابة أرسلهم آباؤهم إقتداء بمن ذكرنا، فصدوهم عن الدار، فرمى من وصفنا بالسهام، واشتبك القوم، وجرح الحسن، وشبئ قنبر، وجرح محمد بن طلحة، فخشي القوم أن يتعصب بنو هاشم وبنو أمية، فتركوا القوم في القتال على الباب، ومضى نفر منهم إلى دار قوم من الأنصار فتسوروا عليها، وكان ممن وصل إليه محمد بن أبي بكر ورجلان آخران، وعند عثمان زوجته، وأهله؛ ومواليه مشاغيل بالقتال، فأخذ محمد بن أبي بكر بلحيته، فقال: يا محمد، والله لو رآك أبوك لساءه مكانك فتراخت يده، وخرج عنه إلى الدار، ودخل رجلان فوجداه فقتلاه، وكان المصحف بين يديه يقرأ فيه، فصعدت امرأته فصرخت وقالت: قد قتل أمير المؤمنين، فدخل الحسن والحسين ومن كان معهما من بني أمية، فوجده قد فاضت نفسه رضي الله عنه، فبكوا، فبلغ ذلك عليا وطلحة والزبير وسعدا وغيرهم من المهاجرين والأنصار، فاسترجع القوم، ودخل علي الدار، وهو كالواله الحزين، وقال لابنيه: كيف قتل أمير المؤمنين وأنتما على الباب. ولطم الحسن وضرب صدر الحسين، وشتم محمد بن طلحة، ولعن عبد الله بن الزبير، فقال له طلحة: لا تضرب أبا الحسن، ولا تشتم، ولا تلعن، لو دفع إليهم مروان ما قتل، وهرب مروان وغيره من بني أمية، وطلبوا ليقتلوا فلم يوجدوا، وقال على لزوجته نائلة بنت الفراقصة: من قتله وأنت كنت معه؟ قالت: دخل إليه رجلان وقصت خبر محمد بن أبي بكر، فلم ينكر ما قالت، وقال: والله لقد دخلت عليه وأنا أريد قتله، فلما خاطبني بما قال خرجت، ولا أعلم بتخلف الرجلين عني، والله ما كان لي في قتله من سبب، ولقد قتل وأنا لا أعلم بقتله.
وكانت مدة ما حوصر عثمان في داره تسعا وأربعين يوما، وقيل: أكثر من ذلك.
مقتله، وقتلته

(1/311)


وقتل في ليلة الجمعة لثلاث بقين من في الحجة، وذكر أن أحد الرجلين كنانة بن بشر التجيبي، ضربه بعمود على جبهته، والأخر منهما سعد بن حمران المرادى، ضربه بالسيف على حبل عاتقه فحله.
وقد قيل: إن عمرو بن الحمق طعنه بسهام تسع طعنات، وكان فيمن مال عليه عمير بن ضابىء البرجمي التميمي، وخضخض سيفه في يطنه.
مدفنه
ودفن على ما وصفنا في الموضع المعروف بحش كوكب، وهذا الموضع فيه مقابر بني أمية، ويعرف أيضا بحلة، وصلى عليه جبير بن مطعم وحكيم بن حزام وأبو جهم بن حذيفة.
ولما حوصر عثمان كان أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه يصلي بالناس، ثم امتنع، فصلى بهم سهل بن حنيف، فلما كان يوم النحر صلى بهم علي، وقيل: إن عثمان قتل ومعه في الدار من بني أمية ثمانية عشر رجلا منهم مروان بن الحكيم.
ما قيل فيه من الرثاء
وفي مقتله تقول زوجته نائلة بنت الفرافصة:
ألا إن خير الناس بعد ثلاثة ... قتيل التجيبي الذي جاء من مصر
ومالي لا أبكي وتبكي قرابتي ... وقد غيبوا عني فضول أبي عمرو
وقال حسان بن ثابت فيمن تخلف عنه وخذله من الأنصار وغيرهم، وأعان عليه وعلى قتله، والله أعلم بما قاله، من أبيات:
خذلته الأنصار إذ حضر المو ... ت وكانت ولاية الأنصار
من عذيري من الزبير ومن طلحة إذ جاء أمر له مقدار
فتولى محمد بن أبي بكر عيانا، وخلفه عمارأ
في شعر له طويل يذكر فيه غير من ذكرنا، وينسبهم إلى التمالؤعلى قتله، والرضا بما فعل به، والله أعلم، وكان حسان عثمانيا منحرفا عن غيره، وكان عثمان إليه محسنا، وهو المتوعد للأنصار في قوله في شعره:
يا ليت شعري وليت الطير تخبرني ... ما كان شأن علي وابن عفانا
لتسمعن وشيكا في ديارهم ... الله أكبر، يا ثارات عثمانا
وكان عثمان رضي الله عنه كثيرا ما ينشد أبياتا قالها ويطيل ذكرها لا تعرف لغيره، منها:
تفنى اللذافة ممن نال صفوتها ... من الحرام ويبقى الإثم والعار
يلقى عواقب سوء من مغبتها ... لاخير في لذة من بعدها النار
وكان الوليد بن عقبة بن أبي معيط أخا عثمان ل أمه ، فسمع في الليلة الثانية من مقتل عثمان يندبه، وهو يقول:
بني هاشم، إنا وما كان بيننا ... كصدع الصفا ما يومض الدهر شاعبه
بني هاشم، كيف الهوادة بيننا ... وسيف ابن أروى عندكم وحرائبه
بني هاشم، ردوا سلاح ابن أختكم ... ولاتنهبوه، لاتحل مناهبه
غدرتم به كيما تكونوا مكانه ... كما غدرت يوما بكسرى مرازبه
وهي أبيات: فأجابه عن هذا الشعر، وفيما رمى به بني هاشم ونسبه إليهم، الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب فقال:
فلا تسألونا سيفكم؛ إن سيفكم ... أضيع، وألقاه لور الروع صاحبه
سلوا أهل مصر عن سلاح ابن أختنا ... فهم سلبوه سيفه وحرائبه
وكان ولي الأمر بعد محمد ... علي، وفي كل المواطن صاحبه
علي ولي الله أظهردينه ... وأنت مع الأشقين فيما تحاربه
وأنت امرؤ من أهل صفواء نازح ... فمالك فينا ممت حميم تعاتبه
وقد أنزل الرحمت أنك فاسق ... فمالك في الإسلام سهم تطالبه
قال المسعودي رحمه الله: ولعثمان أخبار وسير ومآثر حسان، قد أتينا على ذكرها في كتابنا أخبار الزمان والكتاب الأوسط، وكذلك ما كان في أي أمه من الكوائن والأحداث والفتوح والحروب مثل الروم وغيرهم والله ولي التوفيق، وصلى الله علي سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
ذكر خلافة أمير المؤمنين علي بن أبى طالب
كرم الله وجهه

(1/312)


بويع علي بن أبي طالب في اليوم الذي قتل فيه عثمان بن عفان رضي الله عنه، فكانت خلافته إلى أن استشهد أربع سنين وتسعة أشهر وثمانية أيام وقيل: أربع سنين وتسعة أشهر إلا يوما، وكانت الفرقة بينه وبين معاوية ابن أبي لسفيان على ما ذكرنا في خلافته، وكان مولده في الكعبة، وقيل: إن خلافته كانت خمس سنين وثلاثة أشهر وسبع ليال، واستشهد وهو ابن ثلاث وستين سنة، و!عاش بعد الضربة الجمعة والسبت،؛ وتوفى في ليلة الأحد، وقد قيل في مقدار عمره أقل مما ذكرنا، وقد تنوزع في موضع قبره؛فمنهم من قال: إنه دفن في مسجد الكوفة، ومنهم من قال: به حمل إلى المدينة فدفن عند قبر فاطمة، ومنهم من قال: إنه حمل في تابوت على جمل، وإن الجمل تاه ووقع إلى وادي بطيء، وقد قيل من الوجوه غير ما ذكرنا، وقد أتينا على ذلك في كتابنا أخبار الزمان والكتاب الأوسط.
ذكر نسبه ولمع من أخباره وسيره
نسبه وأخوته وأخواته
هو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، ويكنى أبا الحسن، و أمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، ولم يكن من عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى وقتنا هذا من خلافة المتقي ممن ولي الخلافة من اسمه علي غيره، وغير المكتفي بالله علي بن المعتضد، وكان أول من ولده هاشميان من الخلفاء، وقد قيل: إنه بويع البيعة العامة بعد قتل عثمان بأربعة أيام، وقد ذكرنا البيعة الأولى فيما سلف من هذا الكتاب، وتنازع الناس في اسم أبي طالب أبيه، وولد أبي طالب بن عبد المطلب أربعة ذكور وابنتان فطالب وعقيل وجعفر وعلي وفاختة وجمانة لأب وأم، أمه م فاطمة بنت أسد بن هاشم، وبين كل واحد من البنين عشر سنين: فطالب الأكبر وبينه وبين عقيل عشر سنين، وبين عقيل وجعفر سنتان، وبين جعفر وعلي عشر سنين، وأخرج مشركو قريش طالب بن أبي طالب يوم بدر إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم كرها، ومضى ولم يعرف له خبر، وحفظ من قوله في هذا اليوم:
يارب إما خرجوا بطالب ... في مقنب من تلكم المقانب
فاجعلهم المغلوب غير الغالب ... والرجل المسلوب غير السالب
وكان زوج فاختة بنت أبي طالب أبو وهب هبيرة بن عمرو بن عائد بن عمرو بن مخزوم، وخلف عليها ابنا وبنتا، وهاجرت، ومات زوجها بنجران مشركا، وفيها يقول ببلاد نجران من أبيات كثيرة:
أشاقتك هند أم شآك سؤالها؟ ... كذاك النوى أسبابها وانتقالها
وأرقني في رأس حصن ممرد ... بنجران يسري بعد نوم خيالها
فإن تك قد تابعت دين محمد ... وقطعت الأرحام منك حبالها
وهي طويلة، وكانت تكنى أم هانىء، وقد استعمل علي - حين أفضت الخلافة إليه - ابنها جعدة بن هبيرة، وجعدة هو القائل:
أي من بني مخزوم ان كنت سائلا ... ومن هاشم أمي لخير قبيل
فمن ذا الذي يبأى علي بخاله ... وخالي علي ذو الندى وعقيل
وجمانة بنت أبي طالب كان بعلها سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وهي أول هاشمية ولدت لهاشمي، كذلك ذكر الزبير بن بكار في كتابه في أنساب قريش وأخبارها، وهاجرت وماتت بالمدينة في أيام النبي صلى الله عليه وسلم.
مسيره إلى البصرة
وكان مسير علي إلى البصرة في سنة ست وثلاثين، وفيها كانت وقعة الجمل، وذلك في يوم الخميس لعشر خلون من جمادي الأول منها، وقتل فيها من أصحاب الجمل من أهل البصرة وغيرهم ثلاثة عشر ألفا، وقتل من أصحاب على خمسة آلاف، وقد تنازع الناس في مقدار من قتل من الفريقين: فمن مقلل ومكثر، فالمقلل يقول: قتل منهم سبعة آلاف والمكثر يقول: عشرة آلاف على حسب ميل الناس وأهوائهم إلى كل فريق منهم، وكانت وقعة واحدة في يوم واحد.
وقيل: إنه بين خلافة علي إلى وقعة الجمل خمسة أشهر وأحد وعشرون يوما، بين وقعة الجمل وأول الهجرة خمس وثلاثون سنة وخمسة أشهر وعشرة أيام، وبين ذلك وبين دخول علي إلى الكوفة شهر، وبين ذلك وبين أول الهجرة خمس وثلاثون سنة وستة أشهر وعشرة أيام، وبين دخول علي والتقائه مع معاوية للقتال بصفين ستة أشهر وثلاثة عشر يوما، وبين ذلك وأول الهجرة ست وثلاثون سنة وثلاثة عشر يوما.
قتلى صفين وأي أمه ا

(1/313)


وقتل بصفين سبعون ألفا: من أهل الشام خمسة وأربعون آلفا، ومن أهل العراق خمسة وعشرون ألفا، وكان المقام بصفين مائة يوم وعشرة أيام، وقتل بها من الصحابة ممن كان مع علي خمسة وعشرون رجلا: منهم عمار بن ياسر أبو اليقظان المعروف بابن سمية وهو ابن ثلاث وسبعين سنة.
وكانت عدة الوقائع بين أهل العراق والشام سبعون وقعة.
التقاء الحكمين
وفي سنة ثمان وثلاثين كان التقاء الحكمين - وهما عمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري - بأرض البلقاء من أرض دمشق، وقيل: بحومة الجندل، وهي على نحو عشرة أميال من دمشق، وكان من أمرهما ما قد شهر، وسنورد في هذا الكتاب جوامع ما ذكرنا، وإن كنا قد أتينا على مبسوط ذلك فيما سلف من كتبنا.
وفي هذه السنة حكمت الخوارج وتحكمت، وهم الشراة.
وكان ممن شهد صفين مع علي من أصحاب بدر سبعة وثمانون رجلا: منهم سبعة عشر من المهاجرين، وسبعون من الأنصار، وشهد معه من الأنصار ممن بايع تحت الشجرة وهي بيعة الرضوان من المهاجرين والأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعمائة، وكان جميع من شهد معه من الصحابة ألفينا وثمانمائة.
حربه مع الخوارج
وفي سنة ثمان وثلاثين كان حربه مع أهل النهروان من الخوارج، وقعد عن بيعته جماعة عثمانية لم يروا إلا الخروج عن الأمر: منهم سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وبايع يزيد بعد ذلك والحجاج لعبد الملك بن مروان، ومنهم قدامة بن مظعون، وأهبان بن صيفي، وعبد الله بن سلام، والمغيرة بن شعبة الثقفي، وممن اعتزل من الأنصار كعب بن مالك، وحسان بن ثابت، وكانا شاعرين، وأبو سعيد الخدري، ومحمد بن مسلمة حليف بني عبد الأشهل، ويزيد بن ثابت، ورافع بن خديج، ونعمإن بن بشير و فصالة بن عبيد، وكعب بن عجرة ومسلمة " بن خالد، في آخرين ممن لم نذكرهم من العثمانية من الأنصار وغيرهم من بني أمية وسواهم.
وانتزع علي أملاكا كان عثمان أقطعها جماعة من لمسلمين، وقسم ما في بيت المال على الناس، ولم يفضل أحدا على أحد، وبعثت أم حبيبة بنت أبي سفيان إلى أخيها معاوية بقميص عثمان مخضبا بدمائه مع النعمان بن بشير الأنصاري، واتصلت بيعة علي بالكوفة وغيرها من الأنصار، وكان أهل الكوفة أسرع إجابة إلى بيعته، وأخذ له البيعة على أهلها أبو موسى الأشعري، حتى تكاثر الناس عليه، وكان عليها عاملا لعثمان.
بنو أمية عند علي
وأتاه جماعة ممن تخلف عن بيعته من بني أمية: منهم سعيد بن العاص، ومروان بن الحكم، والوليد بن عقبة بن أبي معيط، فجرى بينه وبينهم خطب طويل، وقال له الوليد: أنا لم نتخلف عنك رغبة عن بيعتك، ولكنا قوم وترنا الناس، وخفنا على نفوسنا، فعذرنا فيما نقول واضح، أما أنا فقتلت أبي صبرا، وضربتني حدا، وقال سعيد بن العاص كلاما كثيرا، وقال له الوليد: أما سعيد فقتلت أباه، وأهنت مثو وأما مروان فإنك شتمت أباه، وعبت عثمان في ضمه إياه.
وقد ذكر أبو مخنف لوط بن يحيى أن حسان بن ثابت وكعب بن مالك والنعمان بن بشير - قبل نفوذه بالقميص - أتوا عليا في آخرين من العثمانية فقال كعب بن مالك: يا أمير المؤمنين، ليس مسيئا من عتب، وخير كفر ما محاه عذر، في كلام كثير، ثم بايع وبايع من ذكرنا جميعا.
عمرو بن العاص
وقد كان عمرو بن العاص انحرف عن عثمان لانحرافه عنه وتوليته مصر غيره، فنزل الشام، فلما اتصل به أمر عثمان وما كان من بيعة علي، كتب إلى معاوية يهزه ويشير عليه بالمطالبة بدم عثمان، وكان فيما كتب به إليه: ما كنت صانعا إذا قشرت من كل شيء تملكه فاصنع ما أنت صانع، فبعث إليه معاوية، فسار إليه، فقال له معاوية: بايعني، قال: لا والله لا أعطيك من ديني حتى أنال من دنياك، قال: سل، قال: مصر طعمة. فأجابه إلى ذلك، وكتب له به كتابا؛ وقال عمرو بن العاص في ذلك:
معاوي لا أعطيك ديني ولم أنل ... به منك دنيا؛ فانظرن كيف تصنع
فإن تعطني مصر افأربح بصفقة ... أخذت بها شيخا يضر و ينفع
المغيرة بن شعبة ينصح عليا ثم يرجع

(1/314)


وأتى المغيرة بن شعبة عليا، فقال له: إن لك حق الطاعة والنصيحة، وإن الرأي اليوم تحوز به ما في غد، وإن المضاع اليوم تضيع به ما في غد، أقرر معاوية على عمله، وأقرر ابن عامر على عمله، وأقرر العمال على أعمالهم، حتى إذا أتتك طاعتهم وطاعة الجنود استبدلت أو تركت، قال: حتى أنظر، فخرج من عنده وعاد إليه من الغد، فقال: إني أشرت عليك بالأمس برأي وتعقبته برأي، وإنما الرأي أن تعاجلهم بالنزع فتعرف السامع من غيره وتستقبل أمرك، ثم خرج من عنده فتلقاه ابن عباس خارجا وهو داخل، فلما انتهى إلى علي قال: رأيت المغيرة خارجا من عندك ففيم جاءك؟ قال: جاءني أمس بكيت وكيت؛وجاءني اليوم بذيت وذيت؛فقال: أما أمس فقد نصحك؛وأما اليوم فقد غشك،قال: فما الرأي. قال: كان الرأي أن تخرج حين قتل عثمان، أو قبل ذلك، فتأتي مكة فتدخل دارك فتغلق عليك بابك،فإن كانت العرب مائلة مضطرة في أثرك لا تجد غيرك،فأما اليوم فإن بني أمية سيحسنون الطلب بأن يلزموك شعبة من هذا الأمر، ويشبهون فيك على الناس، وقال المغيرة: نصحته فلم يقبل، فغششته، وذكر أنه قال: والله ما نصحته قبلها، ولا أنصحه بعدها.
قال المسعودي: ووجدت في وجه آخر من الروايات أن ابن عباس قال: قدمت من مكة بعد مقتل عثمان بخمس ليال، فجئت عليا أدخل عليه، فقيل لي: عنده المغيرة بن شعبة، فجلست بالباب ساعة، فخرج المغيرة، فسلم علي، وقال: متى قدمت؟ قلت: الساعة، ودخلت على علي وسلمت عليه، فقال: أين لقيت الزبير وطلحة؟ قلت: بالنواصب، قال: ومن معهما؟ قلت: أبو سعيد بن الحارث بن هشام في فتية من قريش، فقال علي: أما إنهم لم يكن لهم بعد أن يخرجوا يقولون نطلب بدم عثمان، والله يعلم أنهم قتلة عثمان، فقلت: أخبرني عن شأن المغيرة، ولم خلا بك؛ قال: جاءني بعد مقتل عثمان بيومين، فقال: أخلني، ففعلت، فقال: إن النصح رخيص وأنت بقية الناس، وأنا لك ناصح، وأنا أشير عليك أن لا ترد عمال عثمان عامك هذا، فاكتب إليهم بإثباتهم على أعمالهم، فإذا بايعوا لك واطمأن أمرك عزلت من أحببت وأقررت من أحببت، فقلت له: والله لا أداهن في ديني، ولا أعطي الرياء في أمري، قال: فإن كنت قد أتيت فانزع من شئت واترك معاوية فإن له جراءة وهو في أهل الشام مسموع منه، ولك حجة في إثباته فقد كان عمر ولاه الشام كلها، فقلت له: لا والله لا أستعمل معاوية يومين أبدا، فخرج من عندي على ما أشار به، ثم عاد، فقال: إني أشرت عليك بما أشرت به وأبيت علي، فنظرت في الأمر، وأذا أنت مصيب لا ينبغي أن تأخذ أمرك بخدعة، ولا يكون فيه دلسة، قال ابن عباس: فقلت له: أما أول ما أشار به عليك فقد نصحك، وأما الأخر فقد غشك، وأنا أشير عليك أن تثبت معاوية فإن بايع لك فعلي أن أقلعه من منزله، قال: لا، والله لا أعطيه إلا السيف، ثم تمثل:
فما ميتة إن متها غير عاجز ... بعار، إذا ما غالت النفس غولها
فقلت: يا أمير المؤمنين، أنت رجل شجاع، أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " الحرب خدعة " ؛ فقال علي: بلى، قلت: أما والله لئن أطعتني لأصدرن بهم بعد ورود، ولأتركهم ينظرون في أدبار الأمور، ولا يدرون ما كان وجهها، من غير نقص لك، ولا إثم عليك، فقال لي: يا ابن عباس، لست من هنياتك ولا هنيات معاوية في شيء تشير به علي برأي، فإذا عصيتك فأطعني، فقلت أنا: أفعل، فإن أيسر مالك عندي الطاعة، والله ولي التوفيق.
ذكر الأخبار عن يوم الجمل
وبدئه وما كان فيه من الحرب وغير ذلك
تدبير الخروج على علي

(1/315)


ودخل طلحة و الزبير مكة، وقد كانا استأذنا عليا في العمرة، فقال لهما، لعلكم تريدان البصرة أو الشام، فأقسما أنهما لا يقصدان غير مكة، وقد كانت عائشة رضي الله عنها بمكة، وقد كان عبد الله بن عامر عامل عثمان على البصرة هرب عنها حين أخذ البيعة لعلي بها على الناس حارثة بن قدامة السعدي، ومسير عثمان بن حنيف الأنصاري أليها على خراجها من قبل علي رضي الله عنه! وانصرف عن اليمن عامل عثمان وهو يعلى بن منية، فأتى مكة وصادف بها عائشة وطلحة والزبير ومروان بن الحكم في آخرين من بني أمية، فكان ممن حرض على الطلب بدم عثمان، وأعطى عائشة وطلحة والزبير أربعمائة ألف درهم، ودرعا وسلاحا، وبعث إلى عائشة بالجمل المسمى عسكرا.، وكان شراؤه عليه باليمن مائتي دينار، فأرادا الشام، فصدهم ابن عامر، وقال: إن به معاوية، ولا ينقاد إليكم ولا يطيعكم، لكن هذه البصرة لي بها صنائع وعدد؛ فجهزهم بألف ألف درهم ومائة من الإبك وغير ذلك.
المسير إلى البصرة
وسار القوم نحو البصرة في ستمائة راكب، فانتهوا في الليل إلى ماء لبني كلاب يعرف بالحواب، عليه ناس من بني كلاب، فعوت كلابهم على الركب، فقالت عائشة: ما اسم هذا الموضع؟ فقال لها السائق أجملها: الحواب، فاسترجعت وذكرت ما قيل لها في ذلك، فقالت: ردوني إلى حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا حاجة لي في المسير، فقال الزبير: بالله ما هذا الحواب، ولقد غلط فيما أخبرك به، وكان طلحة في ساقة الناس، فلحقها فأقسم أن ذلك ليس بالحوأب، وشهد معهما خمسون رجلا ممن كان معهم، فكان ذلك أول شهادة زور أقيمت في الإسلام، فأتوا البصرة فخرج إليهم عثمان بن حنيف فمانعهم، وجرى بينهم قتال، ثم إنهم اصطلحوا بعد ذلك على كف الحرب إلى قدوم علي، فلما كان في بعض الليالي بيتوا عثمان بن حنيف فأسروه وضربوه ونتفوا لحيته، ثم إن القوم استرجعوا وخافوا على مخلفيهم بالمدينة من أخيه سهل بن حنيف وغيره من الأنصار، فخلوا عنه، وأرادوا بيت المال فمانعهم الخزان والموكلون به وهم السبابجة، فقتل منهم سبعون رجلا غير من جرح، وخمسون من السبعين ضربت رقابهم صبرا من بعد الأسر، وهؤلاء أول من قتل ظلما في الإسلام وصبرا، وقتلوا حكيم بن جبلة العبدي، ؤكان من سادات عبد القيس وزهاد ربيعه ونساكها، وتشاح طلحة والزبير في الصلاة بالناس، ثم اتفقوا على أن يصلي بالناس عبد الله بن ألزبير يوما، ومحمد بن طلحة يوما، في خطب طويل كان بين طلحة والزبير إلى أن اتفقا على ما وصفنا.
مسير علي إلى العراق
وسار علي من المدينة بعد أربعة أشهر، وقيل غير ذلك، في سبعمائة راكب منهم أربعمائة من المهاجرين والأنصار منهما سبعون بدريا وباقيهم من الصحابة، وقد كان استخلف على المدينة سهل بن حنيف الأنصاري، فانتهى إلى الربذة بين الكوفة ومكة من طريق الجادة، وفاته طلحة وأصحابه، وقد كان علي أرادهم، فانصرف حين فاتوه إلى العراق في طلبهم، ولحق بعلي من أهل المدينة جماعة من الأنصار فيهم خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، وأتاه من طيى ستمائة راكب، وكاتب علي من الربذة أبا موسى الأشعري ليستنفر الناس، فثبطهم أبو موسى، وقال: إنما هي فتنة، فنمي ذلك إلى علي، فولى علي الكوفة قرظة بن كعب الأنصاري، وكتب إلى أبي موسى: اعتزل عملنا يا ابن الحائك مذموما مدحورا، فما هذا أول يومنا منك، وإن لك فينا لهنات وهنيات. وسار علي بمن معه حتى نزل بني قار، وبعث بابنه الحسن وعمار بن ياسر إلى الكوفة يستنفران الناس، فسارا عنها ومعهما من أهل الكوفة نحو من سبعة الاف، وقيل: ستة آلاف وخمسمائة وستون رجلا منهم الأشتر فانتهى علي إلى البصرة وراسل القوم وناشدهم الله، فأبوا إلا قتاله.
قدوم علي البصرة

(1/316)


وذكر عن المنزر بن الجارود فيما حدث به أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي عن ابن عائشة عن معن بن عيسى عن المنزر بن الجارود قال: لما قدم علي رضي الله عنه البصرة دخل مما يلي الطف، فأتى الزاوية فخرجت أنظر إليه، فورد موكب في نحو ألف فارس يتقدمهم فارس على - فرس أشهب عليه قلنسوة وثياب بيض متقلد سيفا ومعه راية، وإذا تيجان القوم الأغلب عليها البياض والصفرة مدججين في الحديد والسلاح، فقلت: من هذا؟ فقيل: هذا أبو أيوب الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء الأنصار وغيرهم، ثم تلاهم فارس آخر عليه عمامة صفراء وثياب بيض متقلد سيفا متنكب قوسا معه رأية على فرس أشقر في نحو ألف فارس، فقلت: من هذا؟ فقيل: هذا خزيمة بن ثابت الأنصاري ذو الشهادتين، ثم مر بنا فارس أخر على فرس كميت معتم بعمامة صفراء من تحتها قلنسوة بيضاء وعليه قباء أبيض مصقول متقلد سيفا متنكب قوسا في نحو ألف فارس من الناس ومعه راية، فقلت: من هذا؟ فقيل لي: أبو قتاعة بن ربعي، ثم مر بنا فارس أخر على فرس أشهب عليه ثياب بيض وعمامة سوداء قد سدلها من بين يديه ومن خلفه شديد الأدمة عليه سكينة ووقار رافع صوته بقراءة القرآن متقلد سيفا متنكب قوسا معه راية بيضاء في ألف من الناس مختلفي التيجان حوله مشيخة وكهول وشباب كأنما قد أقفوا للحساب، أثر السجود قد أثر في جباههم، فقلت: من هذا؟ فقيل: عمار بن ياسر في عدة من الصحابة من المهاجرين والأنصار وأبنائهم، ثم مر بنا فارس على فرس أشقر عليه ثياب وقلنسوة بيضاء وعمامة صفراء متنكب قوسا متقلد سيفا تخط رجلاه في الأرض في ألف من الناس الغلب على تيجانهم الصفرة والبياض معه راية صفراء، قلت: من هذا؟ قيل: هذا قيس بن سعد بن عبادة في عدة من الأنصار وأبنائهم وغيرهم من قحطان، ثم مر بنا فارس على فرس أشهل ما رأينا أحسن منه، عليه ثياب بيض وعمامة سوداء قد سدلها من بين يديه بلواء، قلت: من هذا؟ قيل: هو عبد الله بن العباس في وفده وعدة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تلاه موكب آخر فيه فارس أشبه بالناس بالأولين، قلت: من هذا؟ قيل: عبيد الله بن العباس، ثم تلاه موكب آخر فيه فارس أشبه الناس بالأولين، قلت: من هذا قيل؟: قثم بن العباس، أو معبد بن العباس ثم أقبلت المواكب والرايات يقدم بعضها بعضا، واشتبكت الرماح، ثم ورد موكب فيه خلق من الناس عليهم السلاح والحديد مختلفو الريات في أوله راية كبيرة يقدمهم رجل كأنما كسر وجبر قال ابن عائشة: وهذه صفة رجل شديد الساعدين نظره إلى الأرض أكثر من نظره إلى فوق، وكذلك تخبر العرب في وصفها إذا أخبرت عن الرجل أنه كسر وجبر كأنما على رؤوسهم الطير، وعن يمينه شاب حسن الوجه، وعن يساره شاب حسن الوجه وبين يديه شاب مثلهما قلت: من هؤلاء قيل: هذا علي بن أبي طالب، وهذان الحسن والحسين عن يمينه وشماله، وهذا محمد بن الحنفية بين يديه معه الراية العظمى، وهذا الذي خلفه عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وهؤلاء ولد عقيل وغيرهم من فتيان بني هاشم، وهؤلاء المشايخ هم أهل بدر من المهاجرين والأنصار.
فساروا حتى نزلوا الموضع المعروف بالزاوية، فصلى أربع ركعات، وعفر خديه على التراب، وقد خالط ذلك دموعه، ثم رفع يديه يدعو: اللهم رب السموات وما أظلت، والأرضين وما أقلت، ورب العرش العظيم، هذه البصرة أسألك من خيرها، وأعوذ بك من شرها، اللهم أنزلنا فيها خير منزل وأنت خير المنزلين، اللهم إن هؤلاء القوم قد خلعوا طاعتي، وبغوا علي ونكثوا بيعتي، اللهم احقن دماء المسلمين.
وبعث إليهم من يناشدهم الله في الدماء، وقال: علام تقاتلونني؟ فأبوا إلا الحرب، فبعث إليهم رجلا من أصحابه يقال له مسلم معه مصحف يدعوهم إلى الله، فرموه بسهم فقتلوه، فحمل إلى علي وقالت أمه :
يارب إن مسلما أتاهم ... يتلو كتاب الله لا يخشاهم
فخضبوا من دمه لحاهم ... و أمه قائمة تراهم
مبدأ القتال

(1/317)


وأمر علي رضي الله عنه أن يصافوهم، ولا يبدءوهم بقتال، ولا يرموهم بسهم ولا يضربوهم بسيف ولا يطعنوهم برمح، حتى جاء عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي من الميمنة بأخ له مقتول، وجاء قوم الميسرة برجل قد رمي بسهم فقتل فقال علي: اللهم أشهد، واعذروا إلى القوم.
ثم قام عمار بن ياسر بين الصفين فقال: أيها الناس، ما أنصفتم نبيكم حين كففتم عقائلكم في الخدور وأبرزتم عقليته للسيوف، وعائشة على جمل في هودج من دفوف الخشب قد ألبسوه المسوح وجلود البقر، وجعلوا دونه اللبود، وقد غشي على ذلك بالدروع، فدنا عمار من موضعها، فنادى: إلى ماذا تدعين؟ قالت: إلى الطلب بدم عثمان، فقال: قاتل الله في هذا اليوم الباغي والطالب بغير الحق، ثم قال: أيها الناس، إنكم لتعلمون أينا الدم إلى في قتل عثمان. ثم أنشأ يقول وقد رشقوه بالنبل:
فمنك البكاء، ومنك العويل ... ومنك الرياح، ومنك المطر
وأنت أمرت بقتل الإمام ... وقاتله عندنا من أمر
وتواتر عليه الرمي واتصل، فحرك فرسه، وزال عن موضعه وأتى عليا فقال: ماذا تنتظر يا أمير المؤمنين - وليس لك عند القوم إلا الحرب؟!.
خطبة لعلي قبل الإلتحام
فقام علي رضي الله عنه في الناس خطيبا رافعا صوته فقال: أيها الناس إذا هزمتموهم فلا تجهزوا على جريح ولا تقتلوا أسيرا، ولا تتبعوا موليا، ولا تطلبوا مدبرا، ولا تكشفوا عورة، ولا تمثلوا بقتيل، ولا تهتكوا سترا، ولا تقربوا شيئا من أموالهم إلا ما تجدونه في عسكرهم من سلاح أوكراع أو عبد أو أمة، وما سوى ذلك فهو ميراث لورثتهم على كتاب الله.
بين علي والزبير
وخرج علي بنفسه حاسرا على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا سلاح عليه فنادى: يا زبير، أخرج إلي، فخرج إليه الزيير شاكا في سلاحه، فقيل ذلك لعائشة، فقالت: واثكلك يا أسماء، فقيل لها: إن عليا حاسر، فطمأنت، واعتنق كل واحد منهما صاحبه، فقال له علي: ويحك يا زبير! ما الذي أخرجك؟ قال: دم عثمان، قال: قتل الله أولانا بدم عثمان، أما تذكر يوم لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني بياضة وهو راكب حماره، فضحك إلي رسول الله، وضحكت إليه، وأنت معه، فقلت أنت: يا رسول الله، ما يدع علي زهوه، فقال لك ليس به زهو: أتحبه يا زبير فقلت: إني والله لأحبه، فقال لك إنك والله ستقاتله وأنت له ظالم فقال الزبير: أستغفر الله، والله لو ذكرتها ما خرجت، فقال له: يا زبير ارجع، فقال: وكيف أرجع الآن وقد التقت حلقتا البطان؟؛ هذا والله العار الذي لا يغسل، فقال: يا زبير ارجع بالعار قبل أن تجمع العار والنار فرجع الزبير وهو يقول:
اخترت عارا على نأر مؤججة ... ما إن يقوم لها خلق من الطين
نادى علي بأمر لست أجهله ... عار لعمرك في الدنيا وفي الدين
فقلت: حسبك من عذل أبا حسن ... فبغض هذا الذي قد قلت يكفيني
مقتل الزبير ورثاؤه
فقال ابنه عبد الله: أين تذهب وتدعنا؟ فقال: يا بني أذكرني أبو الحسن بأمر كنت قد أنسيته. فقال: لا والله، ولكنك فررت من سيوف بني عبد المطلب، فإنها طوال حداد، تحملها فتية أنجاد، قال: لا والله، ولكني ذكرت ما أنسانيه الدهر، فاخترت العار على النار، أبا لجبن تعيرني.

(1/318)


لا أبا لك؟ ثم أمال سنانه وشد في الميمنة فقال علي: افرجوا له فقد هاجوه، ثم رجع فشد في الميسرة، ثم رجع فشد في القلب، ثم عاد إلي ابنه، فقال: أيفعل هذا جبان؟ ثم مضى منصرفا، حتى أتى وادي السباع والأحنف بن قيس معتزل في قومه من بني تميم، فأتاه آت فقال له: هذا الزبير مارا، فقال: ما أصنع بالزبير وقد جمع بين فئتين عظيمتين من الناس يقتل بعضهم بعضا وهو مار إلى منزله سالما؟! فلحقه نفر من بني تميم فسبقهم إليه عمرو بن جرموز، وقد نزل الزبير إلى الصلاة فقال: أتؤمني أو أومك؟! فأمه الزبير فقتله عمرو في الصلاة، وقتل الزبير رضي الله عنه ول خمس وسبعون سنة، وقد قيل: إن الأحنف بن قيس قتله بإرساله من أرسل من قومه وقد رثته الشعراء وذكرت غدر عمرو بن جوموزبه، وممن رثاه زوجته عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل أخت سعيد بن زيد، فقالت:
غدر ابن جرموز بفارس بهمة ... يوم اللقاء، وكان غير مسدد
يا عمرو، لو نبهته لوجدته ... لاطائشا رعش الحنان ولا اليد
هبلتك إن قلت لمسلما ... حلت عليك عقوبة المتعمد
ما إن رأيت ولاسمعت بمثله ... فيمن مضى ممن يروح ويغتدي
وأتى عمرو عليا بسيف الزبير وخاتمه ورأسه، وقيل: إنه لم يأت برأسه، فقال علي: سيف طالما جلا الكرب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنه الحين ومصارع السوء، وقاتل ابن صفية في النار، ففي ذلك يقول عمرو بن جرموز التميمي في أبيات:
أتيت عليا برأس الزبير ... وقد كنت أرجوبه الزلفه
فبشر بالنار قبل العيان ... وبئس بشارة ذي التحف
لسيان عندي قتل الزبير ... وضرطة عنز بذي الجحفه
بين علي وطلحة
ثم نادى علي رضي الله عنه طلحة حين رجع الزبير: يا أبا محمد، ما الذي أخرجك؟ قال: الطلب بدم عثمان، قال علي: قتل الله أولانا بدم عثمان، أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه " وأنت أول من بايعني ثم نكثت، وقد قال الله عز وجل: " ومن نكث فإنما ينكث على نفسه " فقال: أستغفر الله، ثم رجع، فقال مروان بن الحكم: رجع الزبير ويرجع طلحة، ما أبالي رميت ههنا أم ههنا، فرماه في أكحله فقتله، فمر به علي بعد الوقعة في موضعه في شنطرة قرة، فوقف عليه، فقال: أنا لله وأنا إليه راجعون، والله لقد كنت كارها لهذا أنت والله كما قال القائل:
فتى. كان يدنيه الغنى من صديقه ... إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر
شأن الثريا علقت في يمينه ... وفي خده الشعرى، وفي الأخر البدر
وذكر أن طلحة رضي الله عنه لما ولي سمع وهو يقول:
ندامة ما ندمت وضل حلمي ... ولهفي ثم لهف أبي وأمي
ندمت ندامة الكسعي لما ... طلبت رضا بني جرم بزعمي
وهو يمسح عن جبينه الغبار ويقول: " ووكان أمر الله قدرا مقدورا " قيل: إنه سمع وهو يقول هذا الشعر وقد جرحه في جبهته عبد الملك رماه مروان في أكحله وقد وقع صريعا يجود بنفسه.
رجمة طلحة
وهو طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عبيد الله بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، وهو ابن عم أبي بكر الصديق، ويكنى أبا محمد، و أمه الصعبة، وكانت تحت أبي سفيان صخر بن حرب، كذلك ذكر الزبير بن بكار في كتابه في أنساب قريش، وقتل وهو ابن أربع وستين سنة، وقيل غير ذلك، ودفن بالبصرة، وقبره ومسجده فيها مشهور إلى هذه الغاية، وقبر الزبير بوادي السباع.
مقتل محمد بن طلحة
وقتل محمد بن طلحة مع أبيه في ذلك اليوم، ومر به علي فقال هذا رجل قتله بره بأبيه وطاعته له و!أن يدعى بالسجاد، وقد تنوزع في كنيته، فقال الواقدي: كان يكنى بأبي سليمان، وقال الهيثم بن عدي كان يكنى بأبي القاسم، وفيه يقول قاتله:
وأشعث سجاد بايات ربه ... قليل الأذى فيما ترى العين مسلم
شككت له بالرمح جيب قميصه ... فخر صريعا لليدين وللفم

(1/319)


على غير شيء غير أن ليس تابعا ... عليا، ومن لايتبع الحق يندم
يذكرني حاميم والرمح شارع ... فهلا تلا حاميم قبل التقدم
وقد كان أصحاب الجمل حملوا على ميمنة علي وميسرته فكشفوها فأتاه بعض ولد عقيل وعلي يخفق نعاسا على قربوس سرجه، فقال له يا عمر، قد بلغت ميمنتك وميسرتك حيث ترى، وأنت تخفق نعاسا؟ قال: اسكت يا ابن أخي، فإن لعمك يوما لا يعدوه، والله ما يبالي عمك وقع على الموت أو وقع الموت عليه، ثم بعث إلى ولده محمد بن الحنفية، وكان صاحب رايته: أحمل على القوم فأبطأ محمد بحملته وكان بإزائه قوم من الرماة ينتظر نفاد سه أمه م، فأتاه علي فقال: ها حملت، فقال: لا أحد متقدما إلا على سهم أو سنان، وإني منتظر نفاد سه أمه م وأحمل، فقال له: احمل بين الأسنة؛ فأن الموت عليك جنة، فحمل محمد، فشك بين الرماح والنشاب فوقف، فأتاه علي فضربه بقائم سيفه وقال: أدركك عرق من أمك، وأخذ الراية وحمل، وحمل الناس معه، فما كان القوم إلا كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، وأطافت بنو ضبة بالجمل وأقبلوا يرتجزون ويقولون:
نحن بنو ضبة أصحاب الجمل ... ننازل الموت إذا الموت نزل
ردوا علينا شيخنا ثم بجل ... ننعى ابن عفان بأطراف الأسل
والموت أحلى عندنا من العسل
وقطع علي خطام الجمل سبعون يدا، من بني ضبة منهم سعد بن مود القاضي متقلدا مصحفا، كلما قطعت يد واحد منهم فصرع قام آخر أخذ الخطام وقال: أنا الغلام الضبي، ورمي الهودج بالنشاب والنبل حتى صار كأنه قنفذ، وعرقب الجمل وهو لا يقع وقد قطعت أعضاؤه وأخذته أسيوف حتى سقط، ويقال: إن عبد الله بن الزبير قبض على خطام أجمل، فصرخت عائشة - وكانت خالته - : واثكل أسماء، خل الخطام، ناشدته، فخلى عنه، ولما سقط الجمل ووقع الهودج جاء محمد بن أبي بكر، فأدخل يده فقالت: من أنت؟ قال: أقرب الناس منك قرابة، أبغضهم إليك، أنا محمد أخوك، يقول لك أمير المؤنين هل أصابك شيء؟ قالت: ما أصابني إلا سهم لم يضرني، فجاء علي حتى وقف عيها، فضرب الهودج بقضيب، وقال: يا حميراء، رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرك بهذا؟ ألم يأمرك أن تقري في بيتك؟ والله ما أنصفك الذين أخرجوك إذ صانوا عقائلهم وأبرزوك، وأمر أخاها محمدا فأنزلها في دار صفية بنت الحارث بن طلحة العبدي وهي أم طلحة الطلحات ووقع الهودج والناس متفرقون يقتتلون، والتقى الأشتر مالك بن الحارث النخعي وعبد الله بن الزبير فاعتركا وسقطا على الأرض عن فرسيهما وطال اعتراكهما على وجه الأرض، فعلاه الأشتر ولم يجد سبيلا إلى قتله لشدة اضطرابه من تحته والناس حولهما يجولون، وابن الزبير ينادي:
اقتلوني ومالكا ... واقتلوا مالكا معي
فلا يسمعه أحد لشدة الجلاد ووقع الحديد على الحديد ولا يراهما راء لظلمة النقع، وترادف العجاج، وجاء ذو الشهادتين خزيمة بن ثابت إلى علي فقال: يا أمير المؤمنين، لا تنكس اليوم رأس محمد، واردد إليه الراية، فدعا به، ورد عليه الراية، وقال:
اطعنهم طعن أبيك تحمد ... لاخير في الحرب إذا لم توقد
بالمشرفي والقنا المسرد
ثم استسقى، فأتى بعسل وماء، فحسا منه حسوة، وقال: هذا الطائفي، وهو غريب بهذا البلد، فقال له عبد الله بن جعفر: أما شغلك ما نحن فيه عن علم هذا؟ قال: إنه والله يا بني ما ملأ صدر عمك شيء قط من أمر الدنيا.
دخول علي البصرة
ثم دخل البصرة، وكانت الوقعة في الموضع المعروف بالخريبة وذلك يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الأخرة سنة ست وثلاثين، على حسب ما قدمنا آنفا من التاريخ، وخطب الناس بالبصرة خطبته الطويلة التي يقول فيها: يا أهل السبخة يا أهل، المؤتفكة ائتفكت بأهلك من الدهر ثلاثا، وعلى الله تمام الرابعة، يا جند المرأة، يا أتباع البهيمة، رغا فأجبتم، وعقر فانهزمتم، أخلاقكم رقاق، وأعمالكم نفاق، ودينكم زيغ وشقاق، وماؤكم أجاج وزعاق، وقد ذم علي أهل البصرة بعد هذا الموقف مرارا كثيرة.
بين ابن عباس وعائشة

(1/320)


وبعث بعبد الله بن عباس إلى عائشة يأمرها بالخروج إلى المدينة، فدخل عليها بغير إذنها، واجتذب وسادة فجلس عليها، فقالت له: يا ابن عباس أخطأت السنة المأمور بها، دخلت إلينا بغير إذننا، وجلست على رحلنا بغير أمرنا فقال لها: لو كنت في البيت الذي خلفك فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما دخلنا إلا بإذنك، وما جلسنا على رحلك إلا بأمرك، وإن أمير المؤمنين يأمرك بسرعة الأوبة، والتأهب للخروج إلى المدينة، فقالت: أبيت ما قلت وخالفت ما وصفت، فمضى إلى علي، فخبره بامتناعها، فرده إليها، وقال: إن أمير المؤمنين يعزم عليك أن ترجعي، فأنعمت وأجابت إلى الخروج، وجهزها علي وآتاها في اليوم الثاني ودخل عليها ومعه الحسن والحسين وباقي أولاده وأولاد إخوته وفتيان أهله من بني هاشم وغيرهم من شيعته من همدأن؛ فلما بصرت به النسوان صحن في وجهه وقلن: يا قاتل الأحبة، فقال: لو كنت قاتل الأحبة لقتلت من في هذا البيت، وأشار إلى بيت من تلك البيوت قد اختفى فيه مروان بن الحكم وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عامر وغيرهم، فضرب من كان معه بأيديهم إلى قوائم سيوفهم لما علموا من في البيت مخافة أن يخرجوا منه فيغتالوه، فقالت له عائشة بعد خطب طويل كان بينهما: إني أحب أن أقيم معك فأسير إلى، قتال عدوك عند سيرك، فقال: بل ارجعي، الذي، البيت الذي تركك فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألته أن يؤمن ابن أختها عبد الله بن الزبير، فأمنه، وتكلم الحسن والحسين في مروان، فأمنه، وأمن الوليد بن عقبة وولد عثمان وغيرهم من بني أمية، وأمن الناس جميعا، وقد كان نادى يوم الوقعة: من ألقى سلاحه فهو آمن، ومن دخل داره فهو آمن.
حزن علي على القتلى
واشتد حزن علي على من قتل من ربيعه قبل وروده البصرة، وهم الذين قتلهم طلحة والزبير من عبد القيس وغيرهم من ربيعه، وجدد حزنه قتل زيد بن صوحان العبدي قتله في ذلك اليوم عمرو بن سبرة، ثم قتل عمار بن ياسر عمرو بن سبرة في ذلك اليوم أيضا، وكان علي يكثر من قوله:
يالهف نفسي على ربيعه ... ربيعه السامعة المطيعه
وخرجت امرأة من عبد القيس تطوف في القتلى، فوجدت ابنين لها قد قتلا، وقد كان قتل زوجها وأخوان لها فيمن قتل قبل مجيء علي البصرة، فأنشأت تقول:
شهدت الحروب فشيبنني ... فلم أر يوما كيوم الجمل
أضر على مؤمن فتنة ... وأقتله لشجاع بطل
فليت الظعينة في بيتها ... وليتك عسكر لم ترتحل
وقد ذكر المدائني أنه رأى بالبصرة رجلا مصطلم الأذن، فسأله عن قصته، فذكر أنه خرج يوم الجمل ينظر إلى القتلى، فنظر إلى رجل منهم يخفض رأسه ويرفعه وهو يقول:
لقد أوردتنا حومة الموت امنا ... فلم تنصرف إلا ونحن رواء
أطعنا بني تيم لشقوة جدنا ... وما تيم إلا أعبد وإماء
فقلت: سبحان الله! أتقول هذا عند الموت؟ قل لا إله إلا الله، فقال: يا ابن اللخناء، إياي تأمر بالجزع عند الموت؟ فوليت عنه متعجبا منه، فصاح بي ادن منى ولقني الشهادة، فصرت إليه، فلما قربت منه استدناني، ثم التقم أذني فذهب بها، فجعلت ألعنه وأدعو عليه، فقال: إذا صرت إلى أمك فقالت من فعل هذا بك؟ فقل عمير بن الأهلب الضبي مخدوع المرأة التي أرادت أن تكون أمير المؤمنين.
خروج عائشة من البصرة

(1/321)


وخرجت عائشة من البصرة، وقد بعث معها علي أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر وثلاثين رجلا وعشرين امرأة من ذوات الدين من عبد القيس وهمدان وغيرهما، ألبسهن العمائم وقلدهن السيوف، وقال لهن: لا تعلمن عائشة أنكن نسوة وتلثمن كأنكن رجال، وكن اللاتي تلين خدمتها وحملها، فلما أتت المدينة قيل لها: كيف رأيت مسيرك؟ قالت: كنت بخير والله، لقد أعطى علي بن أبي طالب فأكثر، ولكنه بعث معي رجالا أنكرتهم فعرفها النسوة أمرهن، فسجدت وقالت: ما ازددت والله يا ابن أبي طالب إلا كرما، وددت أني لم أخرج وإن أصابتني كيت وكيت من أمور ذكرتها شاقة، وإنما قيل لي: تخرجين فتصلحين بين الناس، فكان ما كان، وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب أن الذي قتل من أصحاب علي في ذلك اليوم خمسة الاف نفس ومن أصحاب الجمل وغيرهم من أهل البصرة وغيرهم ثلاثة عشر ألفا، وقيل غير ذلك.
ووقف علي على عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية وهو قتيل يوم الجمل فقال: لهفي عليك يعسوب قريش، قتلت الغطاريف من بني عبد مناف، شفيت نفسي وجدعت أنفي، فقال له الأشتر: ما أشد جزعك عليهم يا أمير المؤمنين وقد أرادوا بك ما نزل بهم! فقال: إنه قامت عني وعنهم نسوة لم يقمن عنك وقد كان قتله في ذلك اليوم الأشتر النخعي وأصيب كف ابن عتاب بمنى وقيل باليمامة ألقتها عقاب وفيها خاتم نقشه عبد الرحمن بن عتاب وكان اليوم الذي وجد فيه الكف بعد يوم الجمل بثلاثة أيام.
ودخل علي بيت مال البصرة في جماعة من المهاجرين والأنصار، فنظر إلى ما فيه من العين والورق فجعل يقول: يا صفراء، غري غيري ويا بيضاء، غري غيري وأدام النظر إلى المال مفكرا، ثم قال: أقسموه بين أصحابي ومن معي خمسمائة خمسمائة، ففعلوا فما نقص درهم واحد، وعدد الرجال اثنا عشر ألفا.
وقبض ما كان في معسكرهم من سلاح ودابة ومتاع وآلة وغير ذلك فباعه وقسمه بين أصحابه، وأخذ لنفسه كما أخذ لكل واحد ممن معه من أصحابه وأهله وولده خمسمائة درهم، فأتاه رجل من أصحابه فقال: يا أمير المؤمنين إني لم آخذ شيئا، وخلفني عن الحضور كذا، وأدلى بعذر، فأعطاه الخمسمائة التي كانت له.
وقيل لأبي لبيد الجهضمي من الأزد: أتحب عليا؟ قال: وكيف أحب رجلا قتل من قومي في بعض يوم ألفين وخمسمائة، وقتل من الناس حتى لم يكن أحد يعزي أحدا، واشتغل أهل كل بيت بمن لهم؟
مسيره إلى الكوفة
وولى علي على البصرة عبد الله بن عباس، وسار إلى الكوفة، فكان دخوله إليها لأثنتي عشرة ليلة مضت من رجب؛ وبعث إلى الأشعث بن قيس يعزله عن أذربيجان وأرمينية، وكان عاملا لعثمان عليها، وصرف عن همدان جرير بن عبد الله البجلي، وكان عاملا لعثمان، فكان في نفس الأشعث على علي ما ذكرنا من العزل، وما خاطبه به حين قدم عليه فيما اقتطع هنالك من الأموال.
علي يبعث إلى معاوية

(1/322)


ووجه بجرير بن عبد الله إلى معاوية وقد كان الأشتر حذره من ذلك، وخوفه من جرير، وقد كان جرير قال لعلي: ابعثني إليه، فإنه لم يزل لي مستنصحا ووادا، فاتيه وأدعوه إلى أن يسلم لك هذا الأمر، وأدعوا أهل الشام إلى طاعتك، فقال الأشتر: لا تبعثه ولا تصدقه، فوالله إني لأظن هواه هواهم ونيته نيتهم، فقال علي: دعه حتى ننظر ما يرجع به إلينا، فبعث به وكتب إلى معاوية معه يعلمه مبايعة المهاجرين والأنصار إياه واجتماههم عليه، ونكث الزبير وطلحة، وما أوقع الله بهما، ويأمره بالدخول في طاعته، ويعلمه أنه من الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة، فلما قدم عليه جرير دافعه وساءله أن ينتظره وكتب إلى عمرو بن العاص على ما قدمنا فقدم عليه فأعطاه مصر طعمة على ما قدمنا في صدر هذا الباب، فأشار إليه عمرو بالبعث إلى وجوه الشام وأن يلزم عليا دم عثمان، ويقاتله بهم؛ فقدم جرير على علي فأخبره خبرهم، واجتماع أهل الشام مع معاوية على قتاله، وأنهم يبكون على عثمان ويقولون: إن عليا قتله، واوى قتلته ومنع منهم، وإنهم لا بد لهم من قتاله حتى يفنوه أو يفنيهم، فقال الأشتر: قد كنت أخبرتك يا أمير المؤمنين بعداوته وغشه، ولو بعثتني لكنت خيرا من هذا الذي أرخى خناقه وأقام حتى لم يدع بابا نرجو روحه إلا فتحه، ولا بابا يخاف منه إلا أغلقه، فقال جرير: لو كنت ثم لقتلوك، والله لقد ذكروا أنك من قتلة عثمان، قال الأشتر: لو أتيتهم والله يا جرير لم يعيني جوابهم، ولا ثقل علي خطابهم، ولحملت معاوية على خطة أعجلته فيها عن الفكر، ولو أطاعني أمير المؤمنين فيك لحبسك وأشباهك في محبس فلا تخرجون منه حيت يستقيم هذا الأمر.
فخرج جرير عند ذلك إلي بلاد قرقيسيا والرحبه من شاطئ الفرات، وكتب إلى معاوية يعلمه بما نزل به، وأنه أحب مجاورته والمقام في داره، فكتب إليه معاوية يأمره بالمسير إليه.
بين المغيرة ومعاوية
وبعث معاوية إلى المغيرة بن شعبة الثقفي - عند منصرف علي من الجمل، وقبل مسيره إلى صفين - بكتاب يقول فيه: لقد ظهر من رأي ابن أبي طالب ما كان تقدم من وعده لك في طلحة والزبير، فما الذي بقي من رأيه فينا؟ وذلك أن المغيرة بن شعبة لما قتل عثمان وبايع الناس عليا دخل عليه المغيرة فقال: يا أمير المؤمنين، إن لك عندي نصيحة، فقال: وما هي؟ قال: إن أردت أن يستقيم لك ما أنت فيه فاستعمل طلحة بن عبيد الله على الكوفة، والزبير بن العوام على البصرة، وابعث إلى معاوية بعده على الشام حتى تلزمه طاعتك، فإذا استقر قرارها رأيت فيه رأيك، قال: أما طلحة والزبير فسأرى رأي فيهما، وأما معاوية فلا والله لا يراني الله أستعين به ما دام على حاله أبدا، ولكني أدعوه إلى ما عرفته، فإن أجاب وإلا حاكمته إلى الله، فانصرف المغيرة مغضبا وقال:
نصحت عليا في ابن هند مقالة ... فردت، فلا يسمع لها الدهر ثانيه
وقلت له: أرسل إليه بعهده ... على الشام، حتى يستقر معاوية
ويعلم أهل الشام أن قد ملكته ... وأم ابن هند عند ذلك هاويه
فلم يقبل النصح الذي جئته به ... وكانت له تلك النصيحة كافيه
قال المسعودي رحمه الله: وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب ما كان من المغيرة مع علي، وما أشار به، وهذا أحد الوجوه المروية في ذلك.
فهذه جوامع ما يحتاج إليه من أخبار يوم الجمل وما كان فيه، دون الإكثار والتطويل وتكرار الأسانيد في ذلك والله ولي التوفيق.
ذكر جوامع مما كان بين أهل العراق
وأهل الشام بصفين
قال المسعودي رحمه الله: قد ذكرنا جملا وجوامع من أخبار علي رضي الله عنه بالبصرة، وما كان يوم الجمل؛ فلنذكر الآن جوامع من سيره إلى صفين، وما كان فيها من الحروب، ثم نعقب ذلك بشأن الحكمين والنهروان، ومقتله عليه السلام.
مسيره إلى صفين
وكان سير علي من الكوفة إلى صفين لخمس خلون من شوال سنة ست وثلاثين، واستخلف على الكوفة أبا مسعود عقبة بن عامر الأنصاري فاجتاز في مسيره بالمدائن، ثم أتى الأنبار، وسار حتى نزل الرقة، فعقد له هنالك جسر، فعبر إلى جانب الشام.
عدد جيشه

(1/323)


وقد تنوزع في مقدأرما كان معه من الجيش، فمكثر و مقلل، والمتفق عليه من قول الجميع تسعون ألفا، وقال رجل من أصحاب علي لما استقروا مما يلي الشام من أبيات كتب بها إلى معاوية حيث يقول:
اثبت معاوي قد أتاك الحافل ... تسعون ألفا كلهم مقاتل
عما قليل يضمحل الباطل
جيش معاوية
وسار معاوية من الشام، وقد تنوزع في مقدار من كان معه أيضا فكثر ومقلل، والمتفق عليه من قول الجميع خمس وثمانون ألفا، فسبق عليا إلى صفين، وعسكر في موضع سهل أفيح اختاره قبل قدوم علي، على شريعة لم يكن على الفرات في ذلك الموضع أسهل منها للوارد إلي الماء، وما عداها أخراق عالية، ومواضع إلى الماء وعرة، ووكل أبا الأعور السلمي بالشريعة مع أربعين ألفا، وكان على مقدمته، وبات علي وجيشه في البر عطاشا قد حيل بينهم وبين الورود إلى الماء فقال عمرو بن العاص لمعاوية: إن عليا لا يموت عطشا هو وتسعون ألفا من أهل العراق وسيوفهم على عواتقهم، ولكن دعهم يشربون ونشرب، فقال معاوية: لا والله يموتوا عطشا كما مات عثمان، وخرج علي يدور في عسكره بالليل. فسمع قائلا وهو يقول:
أيمنعنا القوم ماء الفرات ... وفينا علي وفينا الهدى؟
وفينا الصلاة، وفينا الصيام ... وفينا المناجون تحت الدجى
ثم مر بآخر عند راية ربيعه، وهو يقول:
أيمنعنا القوم ماء الفرات ... وفينا الرماح وفينا الحجف
وفينا علي له صولة ... إذا خوفوه الدرى لم يخف
ونحن غادة لقينا الزبير ... وطلحة خضنا غمارالتلف
فما بالنا أمس أسد العرين ... وما بالنا اليوم شاء النجف
وألقى في فسطاط الأشعث بن قيس رقعة فيها:
لئن لم يجل الأشعث اليوم كربة ... من الموت فيها للنفوس تفلت
فنشرب من ماء الفرات بسيفه ... فهبنا اناسا قبل كانوا فموتوا
فلما قرأها حمي وأتى عليا رضي الله عنه، فقال له: أخرج في أربعة آلاف من الخيل حتى تهجم بهم في وسط عسكر معاوية فتشرب وتستقي أصحابك أو تموتوا عن أخركم، وأنا مسير الأشتر في خيل ورجالة وراءك، سار الأشعث في أربعة آلاف من الخيل وهو يقول مرتجزا:
وردن خيلي الفراتا ... شعث النواصي أو يقال ماتا
ثم دعا علي الأشتر فسرحه في أربعة آلاف من الخيل والرجالة، صار يؤم الأشعث وصاحب رايته وهو رجل من النخع وهو يرتجز ويقول:
أشتر الخيرات يا خير النخع ... وصاحب النصر إذا عم الفزع
قد جزع القوم وعموا بالفزع ... إن تسقنا اليوم فما هو بالبدع
ثم سار علي رضي الله عنه وراء الأشتر بباقي الجيش، ومضى الأشعث فما رد وجهه أحد حتى هجم على عسكر معاوية، فأزال أبا الأعور عن الشريعة، وغرق منهم بشرا وخيلا، وأورد خيله الفرات، وذلك أن الأشعث داخلته الحمية في هذا اليوم، وكان يقدم رمحه ثم يحث أصحابه فقول: ازحموهم مقدار هذا الرمح، فيزيلوهم عن ذلك المكان، فبلغ ذلك من فعل الأشعث عليا، فقال: هذا اليوم نصرنا فيه بالحمية، وفي ذلك يقول رجل من أهل العراق:
كشف الأشعث عنا ... كربة الموت عيانا
بعد ما طارت طلاقا ... طيرة مست لهانا
فله المن علينا ... وبه دارت رحانا
وارتحل معاوية عن الموضع، وورد الأشتر، وقد كشف الأشعث القوم عن الماء، وأزالهم عن مواضعهم، وورد علي فنزل في الموضع الذي كان فيه معاوية فقال معاوية لعمرو بن العاص: يا أبا عبد الله، ما ظنك بالرجل أتراه يمنعنا الماء لمنعنا إياه؟ وقد كان انحاز بأهل الشام إلى، ناحية في البرنائية عن الماء، فقال له عمرو: لا، إن الرجل جاء لغير هذا، وإنه لا يرضى حتى تدخل في طاعته أو يقطع حبل عاتقك، فأرسل إليه معاوية يستأذنه في وروده مشرعته واستقاء الناس من طريقه ودخول رسله في عسكره، فأباحه علي كل مل أسأل وطلب منه.

(1/324)


ولما كان أول يوم من ذي الحجة - بعد نزول علي على هذا الموضع بيومين - بعث إلى معاوية يدعوه إلى اتحاد الكلمة والدخول في جماعة المسلمين، وطالت المراسلة بينهما، فاتفقوا على الموادعة إلى آخر المحرم من سنة سبع وثلاثين، وامتنع المسلمون عن الغزو في البحر والبر لشغلهم بالحروب، وقد كان معاوية صالح ملك الروم على مال يحمله إليه لشغله بعلي، ولم يتم بين علي ومعاوية صلح على غير ما اتفقا عليه من الموادعة في المحرم، وعزم القوم على الحرب بعد انقضاء المحرم ففي ذلك يقول حابس بن سعد الطائي صاحب راية معاوية:
فما دون المنايا غير سبع ... بقين من المحرم أوثمان
مبدأ الحرب
ولما كان في اليوم الأخر من المحرم قبل غروب الشمس بعث علي إلى أهل الشام: إني قد احتججت عليكم بكتاب الله، ودعوتكم إليه، وإني قد نبذت إليكم على سواء، إن الله لا يهدى كيد الخائنين، فلم يردوا عليه جوابا إلا السيف بيننا وبينك أو يهلك الأعجز منا.
وأصبح علي يوم الأربعاء - وكان أول يوم من صفر - فعبأ الجيش، وأخرج الأشتر أمام الناس، وأخرج إليه معاوية - وقد تصاف أهل الشام وأهل العراق - حبيب بن مسلمة الفهري، وكان بينهم قتال شديد سائر يومهم، وأسفرت عن قتلى من الفريقين جميعا، وانصرفوا.
فلما كان يوم الخميس - وهو اليوم الثاني - أخرج علي هاشم بن عتبة بن أبي وقاص الزهري المرقال، وهو ابن أخي سعد بن أبي وقاص، وإنما سمي المرقال لأنه كان يرقل في الحرب، وكان أعور ذهبت عينه يوم اليرموك، وكان من شيعة علي، وقد أتينا على خبره في اليوم الذي ذهبت فيه عينه، وحسن بلائه في ذلك اليوم، في الكتاب الأوسط في فتوح الشام، فأخرج إليه معاوية أبا الأعور السلمي وهو سفيان بن عوف وكان من شيعة معاوية والمنحرفين عن علي، فكانت بينهم الحرب سجالا، وانصرفوا في آخر يومهم عن قتلى كثير.
وأخرج علي في اليوم الثالث - وهو يوم الجمعة - أبا اليقظان عمار بن ياسر في عدة من البدريين وغيرهم من المهاجرين والأنصار فيمن تسرع منعهم من الناس، وأخرج إليه معاوية عمرو بن العاص في تنوخ وبهراء وغيرهما من أهل الشام، فكانت بينهم سجالا إلى الظهر، ثم حمل عمار بن ياسر فيمن ذكرنا، فأزال عمرا عن موضعه وألحقه بعسكر معاوية، وأسفرت عن قتلى كثيرة من أهل الشام ودونهم من أهل العراق.
وأخرج علي في اليوم الرابع - وهو يوم السبت - ابنه محمد بن الحنفية في همدان وغيرها ممن خف معه من الناس، فأخرج إليه معاوية عبيد الله بن عمر بن الخطاب في حمير ولخم وجذام، وقد كان عبيد الله بن عمر لحق بمعاوية خوفا من علي أن يقيدة بالهرمزان - وذلك أن أبا لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة قاتل عمر، وكان في أرض العجم غلاما للهرمزان، فلما قتل عمر شد عبيد الله على الهرمزان فقتله، وقال: لا أترك بالمدينة فارسيا ولا في غيرها إلا قتلته بأبي، وكان الهرمزان عليلا في الوقت الذي قتل فيه عمر - فلما صارت الخلافة إلى علي أراد قتل عبيد الله بن عمر بالهرمزان لقتله إياه ظلما من غير سبب استحقه فلجأ إلى معاوية، فاقتتلوا في ذلك اليوم، وكانت على أهل الشام، ونجا ابن عمر في اخر النهار هربا.
وأخرج علي في اليوم الخامس - وهو يوم الأحد - عبد الله بن العباس فأخرج إليه معاوية الوليد بن عقبة بن أبي معيط، فاقتتلوا، وأكثر الوليد من سب بني عبد المطلب بن هاشم، فقاتله ابن عباس قتالا شديدا، وناده ابرز إلي يا صفوان، وكان لقب الوليد، وكانت الغلبة لابن عباس، وكان يوما صعبا.
وأخرج علي في اليوم السادس - وهو يوم الاثنين - سعيد بن قيس الهمداني، وهو سيد همدان يومئذ، فأخرج إليه معاوية ذا الكلاع، وكان بينهما إلى أخر النهار، وأسفرت عن قتلى، وانصرف الفريقان جميعا.
وأخرج علي في اليوم السابع - وهو يوم الثلاثاء - الأشتر في النخع وغيرهم، فأخرج إليه معاوية حبيب بن مسلمة الفهرى، فكانت الحرب بينهم سجالا، وصبر كلا الفريقين وتكافئوا وتواقفوا للموت ثم انصر الفريقان وأسفرت عن قتلى منهما، والجراح في أهل الشام أعم.
خروج علي للقتال
وخرج في اليوم الثامن - وهو يوم الأربعاء - علي رضي الله تعالى - بنفسه في الصحابة من البدريين وغيرهم من المهاجرين والأنصار وربيعه وهمدان.

(1/325)


قال ابن عباس: رأيت في هذا اليوم عليا وعليه عمامة بيضاء، وكان عينيه سراجا سليط، وهو يقف على طوائف الناس في مراتبهم يحثهم و يحرضهم، حتى انتهى إلي وأنا في كثيف من الناس، فقال: يا معشر المسلمين، عموا الأصوات، وأكملوا الأمة، واستشعروا الخشية، أقلقوا السيوف في أجفان قبل السلة، والحظوا الشزر، واطعنوا لهبره، ونافخوا بالظباء، وصلوا السيوف بالخط والنبال بالرماح، طيبوا عن أنفسكم أنفسا، فإنكم بعين الله، ومع ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، عاودوا لكر، واستقبحوا الفر، فإنه عار في الأعقاب، ونار يوم الحساب ودونكم هذا السواد الأعظم، والرواق المطنب، فاضربوا نهجه، فإن الشيطان راكب صعيده، مفترش ذراعيه، قد قدم للوثبة يدا وأخر للنكوص رجلأ، فصبرا جميلا حتى تنجلي عن وجه الحق، وأنتم الأعلون والله معم ولن يتركم أعمالكم.
وتقدم علي للحرب على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم الشهباء، وخرج معاوية في عدد أهل الشام، فانصرفوا عند المساء وكل غير ظافر.
وخرج في اليوم التاسع - وهو يوم الخميس - علي، وخرج معاوية، فتتلوا إلى ضحوة من النهار، وبرز أمام الناس عبيد الله بن عمر بن لخطاب في أربعة آلاف من الخضرية معممين بشقاق الحرير الأخضر مقدمين للموت يطلبون بدم عثمان، وابن عمر يقدمهم وهو يقوك:
أنا عبيد الله ينميني عمر ... خير قريش من مضى ومن غبر
غير نبي الله والشيخ الأغر ... قد أبطأت في نصر عثمان مضر
والربعيون، فلا اسقوا المطر
فناداه علي: ويحك يا ابن عمر، علام تقاتلني؟ والله لو كان أبوك حيا ما قاتلني، قال، أطالب بدم عثمان، قال: أنت تطلب بدم عثمان والله يطلبك بدم الهرمزان، وأمر علي الأشتر النخعي بالخروج إليه فخرج الأشتر إليه وهو يقول:
إني أنا الأشتر معروف السير ... إني أنا الأفعى العراقي الذكر
لست من الحي ربيع أو مضر ... لكنني من مذحج البيض الغرر
فانصرف عنه عبيد الله ولم يبارزه، وكثرت القتلى يومئذ.
عمار بن ياسر
وقال عمار بن ياسر: إني لأرى وجوه قوم لا يزالون يقاتلون حتى يرتاب المبطلون، والله لو هزمونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لكنا على الحق وكانوا على الباطل.
وتقدم عمار فقاتل ثم رجع إلى موضعه فاستسقى، فأتته امرأة نساء بني شيبان من مصافهم بعس فيه لبن، فدفعته إليه، فقال: الله أكبر الله أكبر، اليوم ألقى الأحبة تحت الأسنة، صدق الصادق، وبذلك أخبرني الناطق، وهو اليوم الذي وعدت فيه، ثم قال: أيها الناس، ! من رائح إلى الله تحت العوالي؟ والذي نفسي بيده لنقاتلنهم على تأويله كما قاتلناهم على تنزيله، وتقدم وهو يقول:
نحن ضربناكم على تنزيله ... قاليوم نضربكم على تأويله
ضربا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله
أو يرجع الحق إلى سبيله
فتوسط القوم، واشتبكت عليه الأسنة، فقتله أبو العادية العاملي وابن جون السكسكي، واختلفا في سلبه،فاحتكما إلى عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال لمهما: أخرجا عني، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، أو قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وولعت قريش بعمار " ما لهم ولعمار؟ يدعوهم إلى جنة ويدعونه إلى النار " وكان قتله عند المساء وله ثلاث وتسعون سنة، قبره بصفين وصلى عليه علي عليه السلام ولم يغسله، وكان يغير شيبه. قد تنوزع في نسبه فمن الناس من ألحقه ببني مخزوم، ومنهم من رأى أنه من خلفائهم، ومنهم من رأى غير ذلك، وقد أتينا على خبره في كتاب أخر الأخبار وطرائف الآثار عند ذكرنا الاشتراط الخمسين الذين بايعوا عليا على الموت، وفي قتله يقول الحجاج ابن عزية الأنصاري أبياتا رثاه بها:
يا للرجال لعين دمعها جاري ... قد هاج حزني أبو اليقظان عمار
أهوى إليه أبوحوا فوارسه ... يدعو السكون وللجيشين إعصار
فاختل صدر أبي اليقظان معترضا ... للرمح، قد وجبت فينا له النار

(1/326)


الله عن جمعهم لاشك كان عفا ... أتت بذلك آيات وآثار
من ينزع الله غلا من صدورهم ... على الأسرة لم تمسسهم النار
قال النبي له تقتلك شرذمة ... سيطت لحومهم بالبغي، فجار
فاليوم يعرف أهل الشام أنهم ... أصحاب تلك وفيها النار والعار
ولما صرع عمار تقدم سعيد بن قيس الهمداني في همدان، وتقدم قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري في الأنصار وربيعه، وعدي بن حاتم في طيى وسعيد بن قيس الهمداني في أول الناس، فخلطوا الجمع بالجمع، واشتد القتال وحطمت همدان أهل الشام حتى قذفتهم إلى معاوية، وقد كان معاوية صمد فيمن كان معه لسيعيد بن قيس ومن معه من همدان، وأمر علي الأشتر أن يتقدم باللواء إلى أهل حمص وغيرهم من أهل قنسرين، فأكثر القتل في أهل حمص وقنسرين بمن معه من القراء، وأبلى المرقال يومئذ بمن معه فلا يقوم له شيء، وجعل يرقل كما يرقل الفحل في قيده، وعلي وراءه يقول له: يا أعور، لا تكن جبانا، تقدم، والمرقال يقول:
قد أكثر القوم وما أقلا ... أعور يبغي أهله محل
ا قد عالج الحياة حتى ملا ... لا بد أن يفل أو يفلا
أشلهم بذي الكعوب شلا
ثم صمد هاشم بن عتبة المرقال لذي الكلاع وهو في حمير، فحمل عليه صاحب لواء ذي الكلاع، وكان رجلا من عذرة وهو يقول:
أثبت فإني لست من فرعي مضر ... نحن اليمانيون ما فينا ضجر
كيف ترى وقع غلام من عذر ... ينعى ابن عفان ويلحى من غدر
يا أعور العين رمى فيها العور ... سيان عندي من سعى ومن أمر
مصرع هاشم المرقال
فاختلفا طعنتين، فطعنه هاشم المرقال فقتله، وقتل بعده تسعة عشر رجلا، وحمل هاشم المرقال وحمل ذو الكلاع ومع المرقال جماعة من أسلم قد ألوا أن لا يرجعوا أو يفتحوا أو يقتلوا، فاجتلد الناس، فقتل هاشم المرقال، وقتل ذو الكلاع جميعا، فتناول ابن المرقال اللواء حين قبل أبوه في وسط المعركة وكر في العجاج وهو يقول:
يا هاشم بن عتبة بن مالك ... أعزز بشيخ من قريش هالك
خبطه الخيلات بالسنابك ... أبشر بحور العين في الأرائك
والروح والزيحان عند ذلك
ووقف علي رضي الله عنه عند مصرع المرقال ومن صرع حوله من الإسلاميين وغيرهم، فدعا لهم وترحم عليهم، وقال من أبيات:
جزى الله خيرا عصبة أسلمية ... صباح الوجوه صرعوا حول هاشم
يزيد وعبد الله بشر بن معبد ... وسفيان وابنا هاشم ذي المكأرم
وعروة لا ينفد ثناه وذكره ... إذا اخترطت يوما خفاف الصوأرم
حذيفة بن اليمان، وابناه
واستشهد في ذلك اليوم صفوان وسعد ابنا حذيفة بن اليمان، وقد كان حذيفة عليلا بالكوفة في سنة ست وثلاثين، فبلغه قتل عثمان وبيعة الناس لعلي فقال: أخرجوني وادعوا الصلاة جامعة فوضع على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي وعلى اله، ثم قال: أيها الناس، إن الناس قد بايعوا عليا فعليكم بتقوى الله وانصروا عليا ووازروه؛ فوالله إنه لعلى الحق أخرا وأولا، وإنه لخير من مضى بعد نبيكم ومن بقي إلى يوم القيامة، ثم أطبق يمينه على يساره ثم قال: اللهم أشهد، إني قد بايعت عليا، وقال: الحمد لله الذي أبقاني إلى هذا اليوم، وقال لا بنيه صفوان وسعد، احملاني وكونا معه، فستكون له حروب كثيرة فيهلك فيها خلق من الناس، فاجتهدا أن تستشهدا معه، فإنه والله على الحق، ومن خالفه على الباطل، ومات حذيفة بعد هذا اليوم بسبعة أيام، وقيل: بأربعين يوما واستشهد عبد الله بن الحارث النخعي أخو الأشتر واستشهد فيه عبد الله وعبد الرحمن ابنا بديل بن ورقاء الخزاعي في خلق من خزاعة، وكان عبد الله في ميسرة علي وهو يرتجز و يقول:
م يبق إلى الصبر و التوكل ... وأخذك الترس وسيف مصقل
ثم التمشي في الرعيل الأول
فقتل ثم قتل عبد الرحمن أخوه بعده، فيمن ذكرنا من خزاعة.

(1/327)


ولما رأى معاوية القتل في أهل الشام وكلب أهل العراق عليهم استدعى بالنعمان ابن جبلة التنوخي - وكان صاحب راية قومه في تنوخ وبهراء - وقال له لقد هممت أو أولي قومك من هو خير منك مقدما، وأنصح منك دينا، فقال له النعمان: آنا لو كنا ندعو قومنا إلى جيش مجموع لكان في كسع الرجال بعض الأناة فكيف ونحن ندعوهم إلى سيوف قاطعة، وردينية شاجرة، وقوم ذوي بصائر نافذة، والله لقد نصحتك على نفسي، وآثرت ملكك على ديني، وتركت لهواك الرشد وآنا أعرفه، وجدت عن الحق وأنا أبصره، وما وفقت لرشد حين أقاتل على ملكك ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأول مؤمن به ومهاجر معه، ولو أعطيناه ما أعطيناك لكان أرأف بالرعية، وأجزل في العطية، ولكن قد بذلنا ذلك الأمر ولا بد من أتم أمه كان غيا أو رشدا، وحاشا أن يكون رشدا وسنقاتل عن تين الغوطة وزيتونها إذ حرمنا أثمار الجنة وأنهارها، وخرج إلى قومه، وصمد إلى الحرب.
مقتل عبيد الله بن عمر
وكان عبيد الله بن عمر إذا خرج إلى القتال قام إلية نساؤه فشددن عليه سلاحه، ما خلا الشيبانية بنت هانى بن قبيصة، فخرج في هذا اليوم، وأقبل على الشيبانية، وقال لها: إني قد عبأت اليوم لقومك، وأيم الله إني لأرجو أن أربط بكل طنب من إطناب فسطاطي سيدا منهم، فقالت له: ما أبغض إلا أن تقاتلهم قال: ولم؛ قالت: لأنه لم يتوجه إليهم صنديد في جاهلية ولا إسلام وفي رأسه صعر إلا أبادوه، وأخاف أن يقتلوك، وكأني بك قتيلا وقد أتيتهم أسألهم أن يهبوا لي جيفتك، فرماها بقوس فشجها وقال لها: ستعلمين بمن آتيك من زعماء قومك، ثم توجه فحمل عليه حريث بن جابر الجعفي فطعنه فقتله، وقيل: إن الأشتر النخعي هو الذي قتله، وقيل: إن عليا ضربه ضربة فقطع ما عليه من الحديد حتى خالط سيفه حشوة جوفه، وإن عليا قال حين هرب فطلبه ليقيد منه بالهرمزان: لئن فاتني في هذا اليوم لا يفوتني في غيره، وكلم نساؤه معاوية في جيفته، فأمر أن تأتين ربيعه فتبذلن في جيفته عشرة آلاف، ففعلن ذلك، فاستأمرت ربيعه عليا، فقال لهم: إنما جيفته جيفة كلب لا يحل بيعها، ولكن قد أجبتهم إلى ذلك؛ فاجعلوا جيفته لبنت هانئ بن قبيصة الشيباني زوجته، فقالوا لنسوة عبيد الله: إن شئتن شددناه إلى ذنب بغل ثم ضربناه حتى يدخل إلى عسكر معاوية، فصرخن وقلن: هذا أشد علينا، وأخبرن معاوية بذلك، فقال لهن: ائتوا الشيبانية فسلوها أن تكلمهم في جيفته، ففعلن، وأتت القوم وقالت: أنا بنت هانئ بن قبيصة وهذا زوجي القاطع الظالم وقد حذرته ما صار إليه فهبوا إلي جيفته، ففعلوا، وألقت إليهم بمطرف خز فأدرجوه فيه ودفعوه إليها فمضت به، وكان قد شد في رجله إلى طنب فسطاط من فساطيطهم.
ولما قتل عمار ومن ذكرنا في هذا اليوم حرض علي عليه السلام الناس وقال لربيعه: أنتم درعي ورمحي، فانتدب له ما بين عشرة آلاف إلى أكثر من ذلك من ربيعه وغيرهم، قد جادوا بأنفسهم الله عز وجل، وعلي أم أمه م على البغلة الشهباء، وهو يقول:
من أي يومي من الموت أفر ... أيوم لم يقدر أم يوم قدر
وحمل وحملوا معه حملة رجل واحد، فلم يبق لأهلي الشام صف إلا انتفض، وأهمدوا كل ما أتوا عليه، حتى أتوا إلى قبة معاوية، وعلي لا يمر بفارس إلا قده وهو يقول:
أضربهم ولا أرى معاويه ... الأخزر العين العظيم الحاويه
تهوي به في النار أم الهويه
وقيل: إن هذا الشعر لبديل بن ورقاء، قاله في ذلك اليوم.
ثم نادى علي: يا معاوية، علام يقتل الناس بيني وبينك؟ هلم أحاكمك إلى الله فآينا قتل صاحبه استقامت له الأمور، فقال له عمرو: قد أنصفك الرجل، فقال له معاوية: ما أنصفت، وإنك لتعلم أنه لم يبارزه رجك قط إلا قتله أو أسره، فقال له عمرو: وما يحمل بك إلا مبارزته، فقال له معاوية: طمعت فيها بعدي، وحقدها عليه.
وقد قيل في بعض الروايات: إن معاوية أقسم على عمر ولما أشار عليه بهذا أن يبرز إلى علي، فلم يجد عمرو من ذلك بدا، فبرز، فلما التقيا عرفه علي وشال السيف ليضربه به، فكشف عمرو عن عورته، وقال: مكره أخوك لا بطل فحول علي وجهه عنه، وقاك: قبحت! ورجع عمرو إلى مصافه.

(1/328)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية