صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة حوادث الزمان
المؤلف : اليافعي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وفيها توفي العلامة شيخ الأدباء رشيد الدين رشيد بني كامل الرقي، الشافعي، درس وأفتى، وبرع في الأدب، وحدث عن ابن مسلمة، وابن علان.
وفيها توفي قاضي الحنابلة بمصر سعد الدين مسعود بن أحمد الحارثي حدث وكتب وصنف ودرس، وكان دينا هينا، وافر الجلالة، فصيحا ذكيا. حكم سنين، وكان من أئمة الحديث ومفتيا.
وفيها خر من فوق المنبر يوم الجمعة في هذه الحدود خطيب غرناطة، العلامة محمد عبد الله بن أبي حمزة المرسي، ومات فجاءة عن نيف وثمانين سنة - رحمه تعالى - .
سنة اثنتي عشرة وسبع مائة
فيها قطع خير الأمير مهنا لكونه ساق إليه جماعة من النواب والأمراء، فأجارهم ومسك خلائق من الأمراء وحبسوا، وحدث أحداث كثيرة من عزل وتولية.
وفيها حج السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، قلت: ورأيته يطوف بالكعبة، وعليه ثياب أحرام من صوف، وهو يعرج في مشيته، وحوله جماعة من الأمراء، وبأيدي كثير منهم الطير من أمامه، ومن خلفه وجوانبه، فلما فرغ من طوافه ركع خلف المقام، ثم دخل الحجر، فصلى فيه، ثم جاءه قاضي مكة نجم الدين الطبري، ثم جاءه شيخنا إمام الصلاة والحديث فيها رضي الدين إبراهيم بن محمد الطبري، الشافعي، ولا أدري هل أتيا إليه باستدعاء منه أم بغير استدعاء، وكان دخوله مكة بعد دخول الركب المصري. ساق في أيام يسيرة، وحج وانصرف راجعا قبل الركب.
وفي تلك السنة كان أول حجي عقب بلوغي، ثم رجعت إلى اليمن وعدت إلى مكة سنة ثمان عشرة، ثم أقمت بها، وسمعت الحديث، وازددت من الاشتغال بأنواع من العلوم على جماعة من العلماء، وتأهلت فأولدت من بنات أكابر الحرمين وأئمتهم وقضاتهم.
وفي السنة المذكورة مات شيخ بعلبك الإمام الفقيه الزاهد القدوة بركة الوقت أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد الحنبلي كفا ذكره الذهبي، ومدحه قال: وكان قليل المثل خيرا منورا أمارا بالمعروف نهاء عن الفكر، وذكر أنه حدث عن جماعة سماهم.
وفيها توفي صاحب ماردين المنصور نجم الدين غازي ابن المظفر.
وفيها توفي الملك المظفر شهاب الدين غازي ابن الناصر داود بن المعظم ابن العادل حدث عن الصبر البكري، وخطيب بردا، وكان عاقلا دينا.
وفيها توفيت ست الأجناس بنت عبد الوهاب بن عتيق المصرية عن اثنتين وثمانين سنة، روت عن جماعة، وتفردت بأشياء.
سنة ثلاث عشرة وسبع مائة
وفيها وصل السلطان إلى دمشق من الحج حادي عشر المحرم لابسا عباءة وعمامة مدورة، وصلى جمعتين بالمقصورة.
وفي ربيع الآخر منها مات بمكة المحدث الحافظ فخر الدين أبو عمرو عثمان بن محمد بن محمد بن عثمان التوزري المجاور، سمع السبط، وابن الحميري وعدة، وقرأ ما لا يوصف كثرة، وكان قد تلا بالسبع، قلت: ورأيته في السنة التي قبلها يحدث في المسجد الحرام، وحضرت في بعض مجالسه، وسمعت شيئا من الأحاديث المقروءة عليه.
سنة أربع عشرة وسبع مائة
فيها توفي بمصر العلامة المعمر شيخ الحنفية رشيد الدين إسماعيل بن عثمان بن المعلم القرشي الدمشقي، عن إحدى وسبعين سنة، وسمع من ابن الزبيدي والسخاوي وجماعة، وتفرد وتلا بالسبع على السخاوي، وأفتى ودرس، ثم انجفل إلى القاهرة سنة سبع مائة، ومات قبله ابنه المفتي تقي الدين قبل موته بسنة أو أكثر.
قال الذهبي: ومات بدمشق الشيخ سليمان التركماني المولد، وكان يجلس بسقاية باب البريد، وعليه عباءة نجسة ووسخ ونتن، وهو ساكت قليل الحديث، له كشف وحال من نوع أخبار الكهنة، هكذا قال الذهبي على عادته في اعتقاده في الفقراء المجربين، قال: وللناس فيه اعتقاد زائد، وكان شيخنا إبراهيم مع جلالته يخضع له، ويجلس عنده قلت: يكفي في مدحه ما ذكره عن شيخه المذكور، وذكر أنه كان يأكل في رمضان ولا يصلي.
قلت: ومثل هذا قد شوهد من كثير من المجربين، ومن الجائز أنهم يصلون في أوقات لا يشاهدون فيها، وأنه لا يدخل إلى بطونهم، ولا إلى حلوقهم ما يرى الناس، إنهم يأكلونه بل يمضغون ذلك تجريبا وتسترا، أو غير ذلك من الأحوال المحتملة لفعل الصلاة في وقتها وترك الأكل في رمضان، فللقوم أحوال يحتجبون بها.
وقد ذكرت في كتاب روض الرياحين وغيره ما يؤيد هذا عن قضيب البان، والشيخ ريحان، وغيرهما من المجربين أولى الاصطفاء والعرفان.

(2/238)


وفيها ماتت العاملة الفقيهة الزاهدة القانتة سيدة نساء زمانها، الواعظة أم زينب فاطمة بنت عياش البغدادية الشيخة في ذي الحجة بمصر. عن نيف وثمانين سنة، وشيعها خلائق انتفع بها خلق من النساء، وكانت وافرة العلم، فائقة قانعة باليسير، حريصة على النفع والتذكير، ذات إخلاص وخشية، وأمر بالمعروف انصلح بها نساء دمشق، ثم نساء مصر، وكان لها قبول زائد، ووقع في النفوس. قال الذهبي: زرتها مرة.
وفيها مات بالثغر جمال الدين العدل بن عطية اللخمي المتفرد بكرامات الأولياء عن مظفر الفوي بضم الفاء وتشديد الواو من أبناء الثمانين، قلت: يعني أنه تفرد برواية المذكورة عن الشيخ المذكور.
سنة خمس عشرة وسبع مائة
في أولها سار نائب دمشق بجيوش الشام إلى ملطية، فافتتحها، وسبيت ذراري النساء، وعمد من المسلمات، وعم النهب، وأحرقوا في نواحيها، وفارقوها بعد ثلاث وقتل بملطية عدة من النصارى، ودرس بالأتابكية قاضي القضاة، ابن صصري، وبالظاهرية ابن الزملكاني، وقتل أحمد الرويس الأقناعي، لاستحلاله المحارم، وتعرضه للنبوة، وقوله: أتاني النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحدثني.
وفيها مات سلطان الهند علاء الدين محمود، أو في السنة الماضية، وتسلطن بعده نائبه غياث الدين.
وفيها مات بالموصل السيد ركن الدين الحسن بن محمد العلوي الحسيني، وكان صاحب التصانيف، وكان لا يحفظ القرآن، ولا بعضه، ومع هذا كانت جامكيته، في الشهر ألفا وست مائة درهم.
؟سنة ست عشرة وسبع مائة
فيها ولي قضاء الحنابلة بدمشق شمس الدين ابن سلم بفتح السين واللام وتشديدها.
وفيها مات العلامة نجم الدين سليمان بن عبد القوي الحنبلي النسفي الشاعر، صاحب شرح الروضة، كان على بدعته، كثير العلم، عاقلا، متدينا، مات، ببلد الخليل كهلا.
وفيها ماتت مسندة الوقت، ست الوزراء، بنت عمر بن أسعد التنوخية، في شعبان، فجاءة عن اثنتين وتسعين سنة. روت عن أبيها القاضي شمس الدين وابن الزبيدي، وحدثت بالصحيح، ومسند الشافعي بدمشق، ومصر مرات، وكانت على خير.
وفيها مات سلطان التتار غياث الدين خربنده، ابن أرغون، هلك بمراغة في آخر رمضان، ولم يتكهل، وكانت دولته ثلاث عشرة سنة، وتملك ابنه بعده أبو سعيد.
وفيها توفي المعمر المقرئ السيد صدر الدين أبو الفداء إسماعيل بن يوسف بن مكتوم القيسي الدمشقي، سمع جماعة منهم مكرم، وابن الشيرازي، والسخاوي، وقرأ عليه بثلاث روايات، وكان فقيها مقريا وتفرد بأجزاء.
وفيها ماتت بحماة أم أحمد فاطمة بنت النفيس محمد بن الحسين بن رواحة. روت أجزاءا عن عمها بطرابلس، ومصر. قال الذهبي: سمعنا منها.
وفيها توفي الشيخ العلامة ذو الفنون صدر الدين محمد ابن الوكيل خطيب دمشق.
وفيها توفي زين الدين عمر بن مكي بن المرحل الشافعي بمصر، عن إحدى وخمسين سنة، وأشهر، ولد بدمياط، ونشأ بدمشق، وسمع من ابن غيلان والقاسم الإربلي، وأفتى عن اثنتين وعشرين، وحفظ المقامات في خمسين يوما، وتخرج به الأصحاب، وكان أحد الأذكياء النجاب، وله نظم رائق ومزاح عفا الله عنه.
وفيها مات بسبتة عالمها النحوي ذو العلوم أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد الغافقي، الإشبيلي، سمع التفسير، وبحث كتاب سيبويه، وتلا بالسبع، له تصانيف وجلالة وتلامذة.
وفيها توفي الإمام العلامة المدرس المفتي الشافعي. أحمد بن أحمد بن مهدي المدلجي الكناني المعروف بعز الدين النسائي، كان من أورع أهل زمانه درس وأفتى بالمدرسة الفاضلية بالقاهرة، واشتغل للطلبة، وانتفعوا به، وتوفي بمكة - رحمه الله تعالى - في ذي القعدة، ودفن بالمعلى.
سنة سبع عشرة وسبع مائة
فيها حدثت الزياة العظمى ببعلبك، فغرق في البلد مائة وبضع وأربعون نسمة، وجرف السيل سورها الحجارة مساحة أربعين ذراعا، ثم تزلزل بعد مكانه مسيرة خمس مائة ذراع، وكان ذلك آية بينة، وتهدم من البيوت والحوانيت نحو ست مائة موضع.
وفيها قدم السلطان إلى غزة، وإلى الكرك، ثم رجع.

(2/239)


وفيها ظهر جبلي، وادعى أنه المهدي بجبلة، وثار معه خلق من النصيرية والجهلة، وبلغوا ثلاثة آلاف، فقال: أنا محمد المصطفى، ومرة قال: أنا علي وتارة قال: أنا محمد بن الحسن المنتظر، فزعم أن الناس كفرة، وأن دين النصيرية هو الحق. وأن الناصر صاحب مصر قد مات، وعاثوا في السواحل، واستباحوا جبلة، ورفعوا أصواتهم يقولون: لا إله إلا علي، ولا حجاب إلا محمد، ولا باب إلا سلمان. ولعنوا الشيخين، وخربوا المساجد، وكانوا يحضرون المسلم إلى طاغيتهم، ويقولون: اسجد لإلهك، فسار إليهم عسكر طرابلس، وقتل الطاغية وجماعة ومزقوا.
وفيها مات المحدث الإمام الشيخ علي بن محمد الحسيني الصوفي في المحرم عن سبع وأربعين سنة، روى عن الفخر علي، وتاج الدين الفزاري. كان تقيا دينا مؤثرا، كثير المحاسن.
وفيها مات بدمشق قاضي المالكية المعمر جمال الدين محمد بن سليمان الزواوي وبقي قاضيها ثلاثين سنة.
سنة ثمان عشرة وسبع مائة
فيها كان القحط المفرط بالجزيرة، وديار بكر كلت الميتة، وبيعت الأولاد، ومات بعض الناس من الجوع، وجرى ما لا يعبر عنه، وكان أهل بغداد في قحط أيضا دون ذلك.
وجاءت بأرض طرابلس زوبعة أهلكت جماعة، وحملت الجمال في الجو، وأمسك السلطان جماعة أمراء.
وفيها مات بزاويته الإمام القدوة، بركة الوقت، الشيخ محمد بن عمر ابن الشيخ الكبير أبي بكر بن قوام النابلسي عن سبع وستين سنة، روى عن إسحاق ابن طبرزد، وكان محمود الطريقة، متين الديانة.
وفيها مات بدمشق الإمام الكبير أبو الوليد محمد بن أبي القاسم القرطبي إمام محراب المالكية.
وفيها مات مسند الوقت الصالح أبو بكر بن المنذر بن زين الدين أحمد بن عبد الدائم المقدسي.
وفيها مات العلامة المفتي كمال الدين أحمد ابن الشيخ جمال الدين محمد بن أحمد الشريشي.
وفيها مات شيخ القراء والنحاة مجد الدين أبو بكر محمد بن قاسم المرسي التونسي الشافعي، تخرج به الفضلاء، وكان دينا صينا ذكيا، قال الذهبي: حدثنا عن الفخر علي.
وفيها ماتت بالصالحية زينب بنت عبد الله بن الرضي، عن نيف وثمانين سنة. روت عن الحافظ الضياء، وتفردت بأجزاء.
وفيها مات العلامة قاضي المالكية بدمشق فخر الدين أحمد بن سلامة القضاعي. وكان حميد السيرة بصيرا بالعلم محتشما.
سنة تسع عشرة وسبع مائة
فيها حج السلطان الملك الناصر من مصر، وفيها كانت الملحمة العظمى بالأندلس بظاهر غرناطة، فقتل فيها من الفرنج أزيد من ستين ألفا، ولم يقتل من عرف من عسكر المسلمين سوى ثلاثة عشر نفسا، والحمد لله على نصر دين الإسلام، وعلى سائر أفضاله والأنعام.
وفيها مات مسند الوقت الشرف عيسى بن عبد الرحمن الصالحي المعظم.
وفيها مات بمالقة شيخها العلامة أبو عبد الله محمد بن يحيى القرطبي، عن ثلاث وتسعين سنة، تفرد بالسماع عن الكبار.
سنة عشرين وسبع مائة
فيها حج مع السلطان الأمير عماد الدين الأتوني سلطنة السلطان بحماة، ولقب بالملك المؤيد، وقتل بمصر إسماعيل المقرئ على الزندقة، وسب الأنبياء، وقتل بدمشق عبد الله الرومي الأزرق مملوك الناجي ادعى النبوة وأصر وعمل عقد السلطان على أخت إزبك التي قدمت في البحر، وخلع على الكريم وابن جماعة، وكاتب السر وغيرهم، وغضب السلطان على آل فضل، وأحيط على أقطاعهم بعد أن أعطاهم قناطير من الذهب بحيث أنه أعطاهم في عام أول ألف ألف، وخمس مائة ألف درهم، وغزا الجيش بلاد سيس لكن غرق في نهر خان منهم خلق كثير، وحبس بقلعة دمشق ابن تيمية لإفتائه في الطلاق مخالفا لجماهير أهل السنة، وأمسك نائب غزة الحاوي، وجاء بالسلطانية برد كبار، ووزنت منه واحدة ثمانية عشر درهما، فاستغاث الخلق وبكوا فأبطلت الفاحشة والخمور أجمع بمهمة عليشاه الوزير، وزوج من العواهر خمسة آلاف في نهار واحد، وشقق ألوف من الظروف، وابتنى الجامع الكبير الكريمي بالضبات، وسيق إليه مال كثير، وحج الرحبيون منهم القاضي فخر الدين المصري، وجماعة من العلماء، ووجوه الناس.
وفيها مات المعمر المقرئ الرحلة أبو علي الحسن بن عمر بن عيسى الكردي.
وفيها قتل صاحب مكة حميضة بن أبي نمي الحسني وكان قد نزع عن طاعة السلطان الملك الناصر، وتولى أخوه عطيفة، فقتله جندي التقى به بالبرية غيلة، وهو نائم، ثم قتله السلطان لغدره.

(2/240)


قلت: ويقال: إن ذلك من تحت مكيدة السلطان جاء إليه الجندي في صورة هارب من السلطان.
ورأيت قبيل قتله في المنام. كان القمر في السماء قد احترق بالنار، وأظن أني رأيته سقط إلى الأرض، وكان قبل ذلك بأيام قد جاء بجيش يريد أخذ مكة وقتل جماعة فيها من الفقهاء، والمجاورين على ما قيل، وقد كان مخرجا منها.
ومن جملة المذكورين، القاضي الجليل الإمام الحفيل نجم الدين الطبري، جاءني، وهو خائف يقول: أين أذهب، وعندي بنات. يعني لا أستطيع الذهاب عنهن، فرأيت في المنام، في ضحى ثاني ذلك اليوم الذي قال فيه: ذلك المقال كأني شاهدت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقبلت قدمه الشريفة، وقلت: يا رسول الله نجم الدين، فتبسم صلى الله عليه وآله وسلم، وقال لي: " ما يصيبه شر " فقلت له: أهل مكة، فانقبض عليه السلام، ولم يجبني بجواب، فأعدت عليه ذلك، فلم يجبني، ثم أعدت عليه ثالثا فقال: " ما عليهم إلا خير " يقول ذلك بغير بشاشة منه، ثم أقبل بالجيش عقب هذا المنام إلى أن بلغ بطن مر، فخرج إليه أخوته عطيفة، وعطاف، وآخر من أخوته مع عسكر ضعيف، فنصرهم الله عليه، وكسروه، فانهزم ولم يكن قبل ذلك يكسر، بل كانت العربان تهابه هيبة عظيمة، وكانت له سطوة، وإقبال، وسعادة عاجلة، وكان يقول: كان لأبي نمي خمس فضائل، الشجاعة، والكرم، والحلم والشعر، والسعادة، قال: فورثت هذه الخمس، خمسة من أولاده، فالشجاعة لعطيفة، والكرم لأبي الغيث، والحلم لرميثة، والشعر لسليمة، والسعادة لي حتى لو قصدت جبلا لدهكته، ثم قتل بعد كسرته المذكورة، بعد أيام يسيرة.
سنة إحدى وعشرين وسبع مائة
فيها أطلق ابن تيمية بعد الحبس بخمسة أشهر، وأقبلت الحرامية في جمع كثير، فنهبوا في بغداد علانية سوق الثلاثاء، فانتدب لهم عسكر، فقتلوا فيهم مقتلة نحو المائة، وأسروا جماعة.
ووقع الحريق الكثير بالقاهرة، ودام أياما، وذهبت الأموال، ثم ظهر فاعلوه، وهم جماعة من النصارى، يعملون قوارير ينقدح ما فيها، ويحرق، فقتل جماعة وكان أمرا مزعجا قيل: فعلوه، لإخراب كنيسة لهم، وأخرب ببغداد مواضع الفاحشة، وارتفعت الخمور، وأخربت كنيسة اليهود وحج تائب دمشق، وفي صحبته خطيب البلد القاضي جلال الدين القزويني، وجماعة من العلماء والأكابر.
وفيها مات شيخ الشيعة، وفاضلهم الشمس محمد بن أبي بكر بن أبي القاسم الهمداني، ثم الدمشقي.
وفيها مات بالفيوم خطيبها الرئيس، الأكمل، المحتشم، مجد الدين أحمد بن المعين الهمداني النويري المالكي، صهر الوزير ابن حنا، وكان يضرب به المثل في المكارم، والسؤدد.
وفيها توفي بمكة الشيخ الكبير العالم بالله الشهير، بدر المعارف، ومعدن الكرامات، واللطائف، ذو المواهب السنية، والمقامات العلية، وأنفاس الصادقة، والأحوال الخارقة شيخ عصره، وعلم دهره، نجم الدين عبد الله بن محمد بن محمد الأصبهاني الشافعي، تلميذ الشيخ الكبير أبي العباس المرسي الشاذلي عن ثمان وسبعين سنة. جاور بمكة سنين كثيرة، ومناقبه كثيرة باهرة، وآياته شهيرة ظاهرة، وأيامه منيرة زاهرة، ولو ذهبت أعدد ما اشتهر عنه من الفضائل المشتملة، على العجب العجاب، لخرجت بذلك عن الاختصار المقصود بهذا الكتاب، ولكني أذكر شيئا لطيفا تلويحا بفضله، وتعريفا، فمن ذلك أنه رأى في صغره كأنه خلع عليه إحدى عشر علما فعرض ذلك على عمه وكان من الأكابر، أولى البصائر، فقال: يتبعك أحد عشر وليا.
وقال له: الفقيه الإمام العارف بالله رفيع المقام علي بن إبراهيم اليمني البجلي، في بعض حجاته، تركت ولدي مريضا لعلك تراه في بعض أحوالك، فتخبرني كيف هو فرمق الشيخ نجم الدين في الحال قال: ها هو قد تعافى، وهو الآن لستاك على سرير، وكتبه حوله، ومن صفته وخلقته كذا وكذا، وما كان رآه قبل ذلك، وطلع يوما في جنازة بعض الأولياء، فلما جلس الملقن عند قبره يلقنه. ضحك الشيخ نجم الدين، فسأله تلميذ له عن ضحكه إذ لم يكن الضحك له عادة فزجره، ثم أخبره بعد ذلك أنه سمع صاحب القبر يقول ألا تعجبون من ميت يلقن حيا؟ وكان الملقن من كبار الفقهاء أكره أن أسميه.

(2/241)


ومن كراماته أيضا أني رأيته في منامي يكلم شيخا من المجاورين الصالحين سرا مقبلا عليه في وقت كنت مضرورا فيه لحاجة، فلما انتبهت من منامي أردت أن أبشر ذلك الشيخ بإقباله عليه، وإذا به قد جاءني، وقضى لي تلك الحاجة التي تعسرت علي، ففهمت أنه ما كان يكلمه إلا من شأني، وكنت قد أدركته في حجتي الأولى، وهو صحيح الجسم يعتمر في الجمعة مرتين، ويطوف بالبيت أسابيع كثيرة أظنها سبعة بعد الصبح، وأسبوعا بعد المغرب وأسبوعا بعد العشاء. سمعته يقرأ فيه: " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله " " الإسراء: ا " سورة بني إسرائيل، وأسبوعا قبل الفجر، وسمعت شيئا من كلامه خلف المقام، وأحرمت بالعمرة معه في وقت، وأدركته في الحجة الثانية، وهو متخلف في بيت لوجع في رجله، وكان ذا صورة جميلة، ولحية طويلة، وهيبة عظيمة، وكان قد اشتغل بعلوم كثيرة، وحصل منها محصولا طائلا، وكان كتابه في الفقه الوجيز، وقيل له: هل تزوجت امرأة قط؟ فقال: ولا كلت طعاما طبخته امرأة.
وقال له شيخ في بلاد العجم: ستلقى القطب في الديار المصرية، فخرج في طلبه، فمر في طريقه بحرامية، فأمسكوه وكتفوه، وظنوه جاسوسا وقال بعضهم: نقتله قال: فبت مكتوفا، فنظمت أبياتا ضمنتها قول امرء القيس من ذلك:
وقد أوطيت نعلي كل أرض ... وقد أتعبت نفسي باغتراب
وقد طوفت في الآفاق حتى ... رضيت من الغنيمة بالإياب
قال: فما استتمت الإنشاد حتى انقض علي شيخ كانقضاض البازي على الفريسة، وحل أكتافي، وقال: قم يا عبد الله، فأنا مطلوبك، فذهبت حتى وصلت إلى الديار المصرية، فما عرفت من مطلوبي، ولا أين هو، فلما كان ذات يوم قيل: قدم الشيخ أبو العباس المرسي، فقال الفقراء: اذهبوا بنا نسلم عليه، فلما رأيته تحققت أنه الشيخ الذي حل كتافي، ثم قال: في أثناء كلام له: الحقني يا عبد الله، فما جئت إلا بسببك، ثم خرج من المجلس، والحاضرون لا يدرون من يعني، فتبعته وصحبته إلى أن توفي.
ووقع له عجائب يطول ذكرها، ثم توجه بعد وفاته للحج فمر في طريقه على قبر شيخ شيخه شيخ زمانه أبي الحسن الشاذلي، فكلمه من قبره وقال له: اذهب إلى مكة، وانحبس بها.
قلت: وأخبرني بعض الشيوخ الكبار، وهو ذو الكرامات الشهيرة الخارجة عن الانحصار الذي بإرشاده الضال يهتدي الشيخ محمد المرشدي أن الشيخ نجم الدين لما سافر للحج لم يطعم شيئا حتى بلغ قبر شيخ شيخه أبي الحسن المذكور الذي هو فيه مقبور، ولما بلغ طرف الحرم الشريف سمع هاتفا يقول له: قدمت إلى خير بلد، وشر أهل، أو نحو ذلك من الكلام، ثم لم يزل بمكة ذا جد واجتهاد مواصلة بين الأوراد. مكثرا من الطواف والاعتماد. مشارا إليه بالأنوار والأسرار، ويجتمع به من ورد من الشيوخ الكبار إلى أن توفى، فدفن قريبا من قبر السيد الجليل الذي بجواره بلوغ الأغراض أبي علي الفضيل بن عياض - قدس الله روحهما - ولم ير في الظاهر خارجا من مكة إلى مكان أبعد من عرفة، وأما في الباطن، فالعلم بذلك راجع إلى علماء الباطن.
قد أخبرني بعض الأولياء، وهو الشيخ محمد البغدادي الذي كان ساكنا في بلاد مراغة، قال: لما رجعت من زيارة النبي عليه السلام متوجها إلى مكة. أفكرت في الشيخ نجم الدين المذكور، وعتبت عليه في قلبي في كونه لا يقصد المدينة الشريفة ويزور، قال: ثم رفعت رأسي، فإذا به في الهوى مارا إلى جهة المدينة، وناداني: يا محمد كذا وكذا، وذكر كلاما نسيته.

(2/242)


وبلغني أنه قال له بعض أصحابه: يا سيدي الناس ينكرون عليك ترك زيارة النبي عليه السلام، فقال: لا ينكر ذلك إلا أحد رجلين، إما مشرع، وإما محقق. فأما المشرع. فقل له: هل يجوز للعبد أن يسافر بغير إذن سيده؟ وأما المحقق فقل له: من هو معك في كل حين حاضر هل لطلبه تسافر. وقال الشيخ عبد الملك ابن الشيخ الكبير العارف بالله الشهير أبو محمد المرجاني المغربي - قدس روحه - استأذنت الشيخ نجم الدين في زيارة قبر النبي عليه السلام فقال: مالك طريق إلى ذلك في هذا الوقت، قال: فخالفته وسافرت مع جماعة، فلما صرنا بين الروضة والهمة مشينا ليلتنا فغوينا، فأصبحنا حيث أوينا، ثم مشينا فغوينا كذلك ثلاثة أيام، فعرفت أن سبب غوايتنا مخالفتي للشيخ نجم الدين، فقلت للجماعة: سافروا فما السبب المعوق لكم إلا أنا، ثم رجعت إلى مكة، وسافروا فلما كان بعد مدة استأذنت الشيخ نجم الدين في السفر، فقال لي: سافر، فتسهلت لي الطريق، وارتفع التعويق. هذا يعني كلامه وإن اختلفت العبارة، فلما وصل المدينة الشريفة وجد بعض المجاورين قد توفي، وأوصى له بثياب، فلبسها.
قلت: وقد اقتصرت في ترجمة الشيخ نجم الدين الأصبهاني على هذه النبذة من فضائله، وهذه القطرة من بحر لا يوصل إلى ساحله.
وأما ترجمة الذهبي فغاضة من قدره بل طامسة لنور بدره، حيث يقول في ترجمته: بهذه الألفاظ بعينها، ومات بمكة في جمادى الآخرة العارف الكبير نجم الدين عبد الله بن محمد الأصبهاني الشافعي تلميذ الشيخ أبي العباس المرسي عن ثمان وسبعين سنة. جاور بمكة مدة، وما زار النبي عليه السلام فيها، وانتقد عليه الشيخ علي الزاهد رحمهما الله تعالى.
هذه جميع ترجمته المقصرة في وصفه المنسوب إليه، المنكرة في ترك الزيارة عليه، وقد قدمت التنبيه على أعظم من هذا التمويه في إنكاره على شيخ شيخه أبي الحسن الشاذلي في ترجمته، وإنزاله إلى الحضيض النازل من رفيع مرتبته، فطالع ما تقدم في ترجمته المذكورة ترى العجب العجاب، فتوفق إن شاء الله تعالى في الاعتقاد للصواب.
وفي السنة المذكورة توفي صاحب اليمن شيخ القراءات، ومعدن البركات مقرئ حرم الله تعالى، ومحقق قراءة كتاب الله عز وجل. الشيخ الكبير السيد الشهير أبو محمد عبد الله لمعروف بالدلاوي - رضي الله تعالى عنه - ونفع به. كان من ذوي الكرامات العديدات، والمناقب الحميدات.
يقال: إنه ممن سمع رد السلام من سيد الأنام عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام، ورأيته يطوف في ضحى كل يوم أسبوعا بعد فراغ الطلبة من القراءة عليه، وكان قد انحنى انحناء كثيرا، فإذا جاء إلى الحجر الأسود زال ذلك الإنحناء وقبله، وكان يعد ذلك من كراماته.
ومنها أنه كان عنده طفل غابت أمه عنه، فبكى فدر ثديه باللبن، فأرضع ذلك الطفل حتى سكت، وله كرامات أخرى كثيرة شهيرة.
وفي السنة المذكورة توفي صاحب اليمن الملك المؤيد عزيز الدين داود ابن الملك المظفر يوسف بن عمر، وكانت دولته بضعا وعشرين سنة. قال بعض المؤرخين: وكان عالما فاضلا سائسا شجاعا، وعنده كتب عظيمة نحو مائة ألف مجلد، وكان يحفظ التنبيه وغير ذلك. انتهى.
قلت: وأبوه الملك المظفر، وابنه الملك المجاهد كلاهما في العلوم أكثر من مشاركة فرعا وأصلا، وأذكى قريحة، وأشهر فضلا، وأحسن ملحا، وأظرف وأحلى من ذلك أنه كتب بعض الناس إلى الملك المظفر، قال الله عز وجل: " إنما المؤمنون أخوة " " الحجرات: 10 " وأنا أخوك فلان أطلب منك نصيبي من بيت مال المسلمين، فأرسل إليه الملك المظفر بدرهم، وقال للرسول قل له: " إذا فرقنا بيت مال المسلمين عليهم لم يحصل لك أكثر من هذا أو قال: لعله لا يحصل لك هذا.
وله أربعون حديثا خرجها منتقاة عوالي رويناها عن شيخنا رضي الدين الطبري يحق روايته لها عن الإمام محب الدين الطبري بروايته لها عن الملك المظفر المذكور.
وأما الملك المجاهد، فله أشياء بديعة نظما ونثرا، وديوان شعره، ومعرفة بعلم الفلك، والنجوم، والرمل، وبعض العلوم الشرعية من الفقه وغيره.
وفيها مات بمصر المحدث الرحال تقي الدين محمد بن عبد المجيد الهمداني المصري، الصوفي، عن نيف وسبعين سنة، سمع من جماعة منهم المري، وابن الخير. كذا ذكره الذهبي.
وفيها مات حافظ المغرب الإمام العلامة أبو عبد الله بن رشيد الفهري بفاس.

(2/243)


سنة اثنتين وعشرين وسبع مائة
وفيها توفي شيخنا المحدث الإمام العلامة الراوية صاحب الأسانيد العالية، بركة الوقت، فريد العصر بقية المحدثين الصالحين رضي الدين إبراهيم بن محمد الطبري المالكي إمام المقام في الحرم الشريف، ذو الأوصاف الرضية، والمنصب المنيف، سمع رضي الله تعالى عنه ما يطول عقه من الكتب والأجزاء في الحديث والتفسير، والفقه، والسير، واللغة، والتصوف وغير ذلك من خلائق من الأئمة الكبار، وأجاز له أيضا خلائق من جلة يطول عدهم، ويعلو مجدهم، وكل ذلك مثبت بخطه في بيت محفوظ في كتبه، وتفرد في آخر عمره خصوصا برواية صحيح البخاري، واعترف له الجلة بالجلالة، حتى قال له محدث القدس المتفرد في وقته صلاح الدين العلاني رحمه الله: لي من الشيوخ قريب من ألف ما فيهم مثل شيخك، يعني رضي الدين المذكور.
وبلغني أن إمام اليمن، وبركة الزمن، الفقيه الكبير الولي الشهير، السيد الجليل ذا المناقب الزاهرة، والكرامات الباهرة أحمد بن موسى بن عجيل سأله بعض أهل مكة الدعاء، فقال: عندكم إبراهيم.
وله نظم جيد، وتواليف منها كتاب " الجنة في مختصر شرح السنة " للإمام البغوي، وغير ذلك، وكان رضي الله تعالى عنه مع اتساعه في رواية الحديث له معرفة بالفقه والعربية وغيرهما. وكانت قراءتي عليه في أول سنة إحدى وعشرين إلى أن اشتد مرض موته في شهر صفر من سنة اثنتين وعشرين وقال لي: يا ولدي لقد حصلت علي في هذه السنة ما لم أحصله في سنين كثيرة ومن مقروءاتي عليه صحيح البخاري، ومسلم، وسنن أبي داؤد والترمذي، والنسائي، والدرامي، وابن حبان، ومسند الإمام الشافعي، والشمائل للترمذي وعوارف المعارف للسهروردي، والسيرة لابن هشام، وعلوم الحديث لابن الصلاح، ومنسكه، وخلاصة السيرة، وصفة القراء، والمجالس الملكية، والعوالي من مسموعات الفراوي، والأربعين من سباعياته، والأنباء المنبئة عن فضل المدينة، والأربعون المختارة في صفات الحج والزيارة لابن مسدي، والسداسيات للحافظ السلفي، وخماسيات ابن النقور، وجزء من حديث ابن عرفة، ومقاصد الصوم لابن عبد السلام، والأربعون من أربعين كتابا للهروي، وفضائل شهر شعبان لابن أبي الصيف، وسداسيات الميانسي، وكتاب أعلام الهدى، وعقيدة أرباب التقى للشيخ شهاب الدين السهروردي، ومسلسلات الديباجي، وتساعيات شيخنا رضي الدين المذكور، وكتاب محاسبة النفس لابن أبي الدنيا، وإجارة المجهول والمعموم للحافظ الخطيب، وثمانون للآجري، وأربعون للملك المظفر صاحب اليمن، والأربعون للنواوي، والأربعون الثقفيات، وغير ذلك. وقد أفردت لمعظم ذلك، أشياء كثيرة مثبتا في أوراق عديدة، وأضفت ذلك مجازاتي منه ومقروءاتي على غيره، مالي من تصنيف وتأليف نظما ونثرا في جزء كتبته وقرأه علي ناس كثيرون، وكان آخر ما قرأته على شيخنا المذكور الملخص للمغافري توفي وقراءتي في أثنائه رحمه الله تعالى ورحم سائر مشائخنا، وقد ذكرت كثرهم في الجزء المذكور.
وجل اعتمادي منهم على ثلاثة شيوخ مشهورين بالعلم والصلاح بل بالولايات، والكرامات، وعوالي المناقب، والمكانات. أحدهم الشيخ رضي الدين المذكور، والثاني شيخنا وبركتنا الإمام الفريد ذو الوصف الحميد زين عدن وبركة اليمن مفيد الطلاب، وحليف المحراب، الخاشع الأواب، العالم العامل، الزاهد العابد المفضال جمال الدين محمد بن أحمد المعروف بالنضال الذهبي اليمني الشافعي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ورفع في الجنان قدره وأعلاه، وهو أول من انتفعت به.
والثالث شيخنا، وبركتنا، وسيدنا، وقدرتنا الشيخ الكبير العارف بالله الشهير الخبير، ذو المقامات العلية، والكرامات السنية، والمواهب الجزيلة، والأوصاف الجميلة مطلع الأنوار، وخزانة الأسرار أبو الحسن علي بن عبد الله اليمني الشافعي الصوفي مذهبا المعروف بالطواشي نسبا - قدس الله روحه - ونور ضريحه، وقد ذكرت إلى من نسب في لبس الخرقة من الشيوخ في كتاب نشر الريحان في فضل المتحابين في الله من الأخوان، وذكرت هنالك شيئا من كراماته العظيمة، وفضائله الكريمة، وكلا هذين الشيخين اليمنيين المذكورين توفيا في سنة ثمان وأربعين وسبع مائة، وصلينا عليهما في يوم واحد في المدينة الشريفة، وليس هذا موضع ذكر مناقبهما - رحمة الله تعالى عليهما - وسيأتي ذكرهما إن شاء الله تعالى في السنة المذكورة.

(2/244)


وفيها ماتت بالقدس المعمرة الراحلة أم محمد زينب بنت أحمد بن عمر بن أبي بكر بن سكر المقدسي في ذي الحجة عن أربع وتسعين سنة، وسمعت من غير واحد، وتفردت بالأجزاء الثقفيات.
سنة ثلاث وعشرين وسبع مائة
فيها توفي الفقيه الإمام المدرس المفيد الشافعي، كان من أعيان الأئمة الشافعية، وخيار الفقهاء وكبارهم، درس وأعاد في مدارس، وانتفع به خلق كثير، وصنف في الفقه روايد التعجيز على التنبيه، وثاب في الحكم عن قاضي القضاة الزرعي، ثم عن قاضي القضاة بدر الدين، وتولى وكالة بيت المال، ولم يزل على ذلك إلى أن ليلة الجمعة رابع عشر ذي الحجة من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها أمسك الكريم السلماني وكيل السلطان الملك الناصر، وزالت سعادته التي كانت يضرب به المثل.
وفيها مات بدمشق في ربيع الأول قاضي دمشق، ذو الفضائل ورئيسها الكامل نجم الدين أبو العباس أحمد بن محمد المعروف بابن صصري، الثعلبي، الشافعي، سمع من جماعة، وأفتى ودرس، وله النظم والترسل والخط المنسوب، والمروس الطويلة، والفصاحة وحسن العبارة، والمكارم مع دين، وحسن سريرة ولي القضاء إحدى وعشرين سنة.
وفيها مات مسند الشام بهاء الدين القاسم ابن المظفر ابن تاج الأمناء ابن عساكر.
وفيها مات بالمزة ليلة عرفة، مسند الوقت شمس الدين أبو نصر محمد بن محمد بن محمد بن هبة الله ابن الشيرازي، الدمشقي، سمع من جماعه، وله مشيخة وعوال، وكان ساكنا وقورا منقبضا عن الناس.
سنة أربع وعشرين وسبع مائة
فيها كان الغلاء بالشام، وبلغت الغرارة أزيد من مائتي درهم أياما، ثم جلب القمح من مصر بإلزام السلطان لأمرائه، فنزل إلى مائة وعشرين درهما، ثم بقي أشهرا، ونزل السعر بعد شدة، وأسقط مكس الأقوات بالشام بكتاب سلطاني، وكان على الغرارة ثلاثة ونصف.
قلت هذا الغلاء المذكور في الشام هو عندنا في الحجاز رخص، ولقد بلغ ثمن الغرارة الشامية في مكة وقت كتابتي لذكر هذا الغلاء المذكور في هذا التاريخ فوق ألف وثلاث مائة درهم.
وفيها قدم حاجا ملك التكرور موسى بن أبي بكر بن أبي الأسود في ألوف من عسكره للحج، فنزل سعر الذهب درهمين، ودخل إلى السلطان، فسلم ولم يجلس، ثم أركب حصانا. وأهدى هو إلى السلطان أربعين ألف مثقال وإلى نائبه عشرة آلاف، وهو شاب عاقل، حسن الشكل، راغب في العلم، مالكي المذهب.
قلت: ومن عقله أني رأيته في منزله في الشباك المشرف على الكعبة بحي رباط الحوري، وهو يسكن أصحابه التالدة عند هيجان فتنة ثارت بينهم وبين الترك، وقد شهروا فيها السيوف في المسجد الحرام، وهو مشرف عليهم، فيشير عليهم بالرجوع عن القتال.
شديد الغضب عليهم في تلك الفتنة من رجحان عقله إذ لا ملجأ له، ولا ناصر في غير وطنه وأهله، وإن ضاق الفضاء بخيله ورجله.
وفيها مات بمصر المفتي الإمام الجليل القدر بين الأنام، الزاهد نور الدين علي بن يعقوب البكري الشافعي كهلا، وهو الذي أذى ابن تيميه، وأقدم على الإنكار الغليظ الباهر على السلطان الملك الناصر، وتسلم من بطشه وفتكه القاهر، ولم يزد على الأمر بإبعاده، وإخرإجه من بلاده وقيل: إنه أمر بقطع لسانه، فتلجلج وظهر الخوف في جنانه، فقال السلطان لو ثبت لكان عندي عظيم الشأن.
وفيها مات مخنوقا، الصاحب الكبير، كريم الدين عبد الكريم بن هبة الله القبطي السلماني بأسوان، وكان قد نفي إلى الشويك، ثم إلى القدس، ثم إلى الأسوان، ثم سبق سرا، وكان هو الكل وإليه الحل والعقد بلغ. من الرتبة ما لا مزيد عليه، وجمع أموالا عظيمة، فأعاد أكثرها إلى السلطان. وكان عاقلا ذا هيبة وسماحة، فمرض مرة، فزينت مصر لعافيته، وكان يعظم الدينين، ولم يرو ايثاره.
وفيها مات في ذي الحجة بدمشق، المفتي الزاهد، علاء الدين علي بن إبراهيم بن العطار الشافعي، يلفت بمختصر النووي، سمع من غير واحد، وأصابه فالج أزيد من عشرين سنة، وله فضائل وتأله واتباع، وكان شيخ النورية.
قلت: هكذا ذكر الذهبي، ولم يذكر ما قد عرف واشتهر وشاع، وتقرر عنه أنه من أصحاب الشيخ معتمد الفتاوى محمد محيي الدين النووي، وروى عنه بعض كتبه جامع جزء من مناقبه.

(2/245)


وفيها توفي الشيخ صفي الدين محمد بن عبد الرحيم، الفقيه الإمام العلاء الأصولي الشافعي نزيل دمشق، درس بالظاهرية، وتفقه بجده لأمه، وأخذ عن سراج الدين الأرموي العقليات، وسمع من الفخر علي، وصنف وأفتى ودرس، وكان فيه دين وتعبد ودرس في الجامع، وتخرج به أئمة وفضلاء.
سنة خمس وعشرين وسبع مائة
في جمادى الأولى كاد غرق بغداد المهول حتى بقيت كالسفينة، وساوى الماء الأسود، وغرق الأمم من الفلاحين، وعظمت الاستغاثة بالله، ودام خمس ليال، وعملت سكور فوق الأسوار، ولولا ذلك لغرق جميع البلد، وليس الخبر كالعيان، وقيل: تهد بالجانب الغربي نحو خمس آلاف بيت.
ومن الآيات أن مقبرة الإمام أحمد بن حنبل غرقت سوى البيت الذي فيه ضريحه، فإن الماء دخل في الدهليز علو ذراع، ووقف بإذن الله، وبقيت البواري عليها غبار حول القبر، صح هذا، وجر السيل أخشابا كبارا وحيات غريبة الشكل صعد بعضها في النخل، وله نضب الماء نبت على الأرض شكل بطيخ كعظيم القثاء.
وفيها سار من مصر نحو ألفي فارس نجدة للمجاهد صاحب اليمن على من كان قد استولى على الملك من قرابته، وممن خالف عليه ابن عمه الملك الظاهر، وهو محصور في حسن تعز برمي بالمنجنيق، فيصيب ما حوله من الجدران، ورجع العسكر المذكور، وقد موتت خيلهم، ولم يقضوا حاجة لعسر جبال اليمن، وتحصن أهلها في الحصون العالية، ولكن لما أراد الله تأييد الملك المجاهد خرج من الحصن في نفر يسير، وانتصر، وسار إلى عدن، وأخذها بمساعدة يافع إذ كانوا هم الذين رتبوا في حصونها وجبالها يحرسونها، ولم يزل ذا نجدة وشجاعة يقاتل قدام الجيش، وملكه يزيد ويعلوا إلى أن لزموا أمر مصر في حجته، وساعدهم الشريف عجلان صاحب مكة، وانخذل عسكره، ولم يزل مخذولا بعد ذلك، وملكه يضعف وينزل إلى أن لم يبق له من ملك اليمن شيء يعتد به، وكان قد عاهد الله بعدما لزم أنه يعدل، فلما تخلص من المحن، ورجع إلى اليمن لم يف بذلك، وانعطف بل زاد ظلمه، ولم يزل الظلم يقوى، والملك يضعف إلى أن تلاشى، وذهب بالكلية، ونسأل الله العفو والعافية من كل بلية.
وفيها ضرب بمصر الشهاب بن مري اليمني، وسجن لنهيه عن الاستغاثة والتوصل بأحد غير الله، ومقت لذلك، ثم فر إلى أرض الجزيرة، فأقام هناك سنين، ورجع ملك التكرور موسى، فخلع عليه السلطان خلعة الملك، وعمامة مدورة، وجبة سوداء، وسيفا مذهبا.
وفيها مات بمصر الإمام شيخ القراء تقي الدين محمد بن أحمد بن عبد الخالق المصري الشافعي الخطيب ابن الصائغ عن ثمان وثمانين سنة، تلا بالسبع على الكمالين الضريري، وابن فارس، واشتهر وأخذ عنه خلق، ورحل إليه، وكان ذا دين وخير وفضيلة، ومشاركات قوية.
وفيها مات شيخ الحديث بالمنصررية نور الدين علي بن جابر الهاشمي اليمني الشافعي، حدث عن الزكي البيلقاني، وعرض عليه الوجيز للغزالي، وله مشاركات وشهرة. وفيها مات بالكرك قاضيها العلامة الورع عز الدين محمد بن أحمد بن إبراهيم ابن الأميوطي الشافعي، حكم بالكرك نحوا من ثلاثين سنة، وتفقه به الطلبة، وحدث عن قطب الدين القسطلاني وغيره، وهو والد شرف الدين قاضي بلبيس، ثم قاضي مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وخطيبها وإمامها.
وفيها مات بدمشق الإمام شيخ الإسلام، بقية الفقهاء الزهاد، خطيب العقبية صدر الدين سليمان بن هلال الهاشمي الجعفري الحوراني الشافعي، عن ثلاث وثمانين سنة، تفقه بالشيخين محي الدين، وتاج الدين، وناب عن ابن صصري، وبينه وبين جعفر الطيار ثلاثة عشر أبا، وكان متزهدا في ثوبه، وعمامته الصغيرة، ومأكله. وفيه تواضع، وترك للرياسة والتصنع، وفراغ عن الرعونات، وسماحة ومروءة، ورفق وسعة الخلق، وحمل على الرؤوس، وكان لا يدخل حماما، حدث عن أبي اليسر، والمقداد، وكان عارفا بالفقه، وله حكايات في مشيه إلى شاهد يؤدي عنده، وإلى خصم فقير، وربما نزل في طريق داريا عن حمار له فحمل عليه حزمة حطب لمسكينة رحمه الله تعالى.

(2/246)


وفيها مات الإمام العلامة ذو الفهم الثاقب، والنظر الصائب، قاضي القضاة، الفقي الشافعي، اليمني أبو بكر بن أحمد بن عمر المعروف بابن الأديب، كان نجيبا بارعا رأيته في عدن قاضيا فيها، ثم سكن تعز، وجعله السلطان قاضيا للقضاة، وكان عارفا بالفقه والأصلين. تفقه على إمام الزمن، وبركة اليمن، الفقيه الكبير، الولي الشهير أحمد بن موسى بن عجيل، وعلى الفقيه الإمام العلامة البارع أبي العباس أحمد بن رنبول، بفتح الراء وسكون النون وضم الموحدة اليمنيين وغيرهما، وصار تلميذه الفقيه العلامة نائبه، وقاضي القضاة بعده سلالة البركة، والنور حسن بن أبي السرور اليمني. وكان يقرأ عليه في بعض الفنون، وفي بعضها على القاضي الإمام العلامة شيخنا شرف الدين قاضي عدن، ومفتيها، ومدرسها، ومقريها، وأنا حينئذ أكتب القرآن في اللوح نتسابق في الوقت لأجل القراءة على شيخنا المذكور.
سنة ست وعشرين وسبع مائة
فيها توفي سراج الدين عمر بن أحمد بن خضر الأنصاري الخزرجي، الشافعي المفتي، خطيب المدينة الشريفة وقاضيها، ولد سنة ست وثلاثين، ونشأ بالقاهرة، وتفقه بها على الشيخ سديد الدين، وعلى نصير الدين ابن الطباخ، وعلى الشيخ فخر الدين بن طلحة، وسمع الرشيد العطار، وحضر دروس. الإمام عز الدين بن عبد السلام، ودروس قاضي القضاة تقي الدين بن رزين، وله إجازة من المنفري والمرسي والقسطلاني قدم المدينة الشريفة سنة إحدى وثمانين وست مائة، وأقام بها أربعين عاما قاضيا وخطيبا، ثم تعلل، وسار إلى مصر ليتداوى، فأدركه الموت بالسويس.
وفيها مات ببعلبك شيخها الصدر الكبير قطب الدين موسى ابن الفقيه الشيخ محمد البوسي، صاحب تاريخ سمع وأخبر عن جماعة.
وفيها ماتت المعمرة أمة الرحمن ست الفقهاء بنت الشيخ تقي الدين إبراهيم الواسطي بالصالحية عن ثلاث وتسعين سنة، سمعت وأخبرت عن جمع كثير، وكانت مباركة صالحة، وهي والدة فاطمة بنت الدباسي.
وفيها مات بالحلة ابن المطهر الشيعي حسن، صاحب التصانيف عن ثمانين سنة وأزيد.
وفيها مات الشيخ الكبير حماد القطاني بالعقيبة، وكان يقرأ القرآن، ويحكي عجائب عن الفقراء، ويحضر السماع ويصيح، وله وقع في القلوب. عاش ستا وتسعين سنة.
وفيها مات بالمدينة الشريفة الإمام الزاهد التقي قاضي الحنابلة شمس الدين محمد بن مسلم الصالحي ، وكان من القضاة العدل، بصيرا بمذهبه، عارفا بالعربية، كبير القدر، ولي القضاء إحدى عشر سنة، وحج ثلاثا، وفي الرابعة أدركه أجله.
سنة سبع وعشرين وسبع مائة
فيها حاصر ودي بن حمار المدينة جمعة، وأحرق بابها ودخلها، وقتلوا القاضي هاشم بن علي، وعبدة الله بن الفايد علي بن يحيى، ودخل قوصون نائبه السلطان الملك الناصر.
وفيها كاتبه الإسكندرية، ووخم أهلها أميرها، وإحراقهم الباب، وإخراجهم المسجونين، وبعث السلطان إليهم أربعة أمراء، وأمر بإخرابها وأهانوا أهلها، وصادروهم حتى افتقر خلق كثير، ووسطوا ثلاثين نفسا.
وفيها طلب قاضي حلب ابن الزملكاني إلى مصر ليتولى قضاء دمشق بعد أن عرض قضاء دمشق على أبي اليسر ابن الصائغ، فجاءه الشريف، فصمم وامتنع وبكى، فأعفى تكرما.
وفيها توفي القدوة الزاهد عبد الله بن عبد الحليم بن تيمية الحراني، أخو الإمام الكبير تقي الدين بن تيمية.
وفيها مات الملك الكامل محمد ابن السعيد عبد الملك بن الصالح إسماعيل ابن العادل.
وفيها مات في بلبيس قاضي حلب الملقب بفخر المجتهدين كمال الدين محمد بن علي بن عبد الواحد الأنصاري، الدمشقي، الشافعي، كان سيال الذهن أفتى وصنف وتخرج به الأصحاب، وطلب ليشافهه السلطان لقضاء دمشق، فأدركه الأجل.
سنة ثمان وعشرين وسبع مائة
فيها قدم صاحب الروم ابن حوبان بعسكر إلى السلطان الملك الناصر، ووصل الماء إلى القدس بعد عمل الضياع، ستة أشهر.
وفيها مات ببغداد مفتيها وشيخها جمال الدين عبد الله بن محمد العاقولي الواسطي.
وفيها توفي الإمام الواعظ مسند العراق شيخ المستنصرية عفيف الدين عبد الله بن محمد بن الحسن البغدادي.

(2/247)


وفيها مات بقلعة دمشق الشيخ الحافظ الكبير تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن تيمية معتقلا، ومنع قبل وفاته بخمسة أشهر من الدواة الورق، ومولده في عاشر ربيع الأول يوم الاثنين سنة إحدى وستين وست مائة بحران، سمع من جماعة وبرع في حفظ الحديث والأصلين، وكان يتوقد ذكاء، ومصنفاته قيل: أكثر من مائتي مجلد، وله مسائل غريبة أنكر عليه فيها، وحبس بسببها مباينة لمذهب أهل السنة.
ومن أقبحها نهيه عن زيارة قبر النبي عليه الصلاة والسلام، وطعنه في مشائخ الصوفية العارفين، كحجة الإسلام أبي حامد الغزالي، والأستاذ الإمام أبي القاسم القشيري، والشيخ ابن العريف، والشيخ أبي الحسن الشاذلي، وخلائق من أولياء الله الكبار الصفوة الأخيار وكذلك ما قد عرف من مذهبه كمسألة الطلاق وغيرها، وكذلك عقيدته في الجهة، وما نقل عنه فيها من الأقوال الباطلة، وغير ذلك مما هو معروف في مذهبه ولقد رأيت مناما طويلا في وقت مبارك يتعلق بعضه بعقيدته، ويدل على خطابه فيها، وقد قدمت ذكره في سنة ثمان وخمسين مائة في ترجمة صاحب البيان، فمن أراد أن يطلع على ذلك، فليطالع هناك، فهو من المنامات التي تنشرح بها الصدور، ويطمئن به قلب من رآه، وينفتح لقبول الهدى والنور.
وفيها قتل نائب المشرق حوبان بهراة، ونقل تابوته، فدفن بالبقيع من المدينة الشريفة، ولم يدفن في مدرسته منعهم السلطان من دفنه فيها.
وفيها توفي أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الواحد المعروف بابن نبهان الخزرجي الشافعي.
وفيها توفي الإمام العلامة الأوحد مفتي الشام شيخ الشافعية قاضي القضاة كمال الدين أبو المعالي، سمع من أبي الغنائم وجماعة من الكبار، وكان فصيحا مفوها مسرعا. له خبرة بالمتون، ومعرفة بالمذهب وأصوله والعربية ذكيا فطنا مدركا فقيه النفس له اليد البيضاء في النظم والنثر، تفقه بتاج الدين، وأفتى وهو ابن نيف وعشرين سنة، فكان يضرب بذكائه ومناظرته المثل.
سنة تسع وعشرين وسبع مائة
فيها توفي مدرس البادرائية، ومفتي المسلمين. شيخ الإسلام برهان الدين إبراهيم ابن الإمام شيخ الشافعية تاج الدين عبد الرحمن ابن إمام الرواحية إبراهيم بن سباع بن فركاح الفزاري المصري الأصل وشيعه الخلق يوم الجمعة عند قبر أبيه بالباب الصغير، وله سبعون سنة، حضر على الزين خالد، وسمع من ابن عبد الكريم، وابن أبي اليسر وعدة، وله مشيخة يحدث بالصحيحين، وأعاد لوالده، وخلفه في تدريس البادرانية، وفي حلقته بالجامع، وتخرج له أئمة، وعلق على التنبيه شرحا كبيرا، وكان رأسا في المذهب عارفا بالأصول والنحو والمنطق مع الورع والتقوى والتعفف والكرم، وامتنع من القضاء، وباشر خطابة البلد أياما، ثم ترك، وكان له وقع في القلوب وود.
قلت واجتمعت به عند مسجد الخيف، ورأيت له في المنام رؤيا حسنة فيها بشرى، وكان - رحمه الله تعالى - في حلقة جده، ولقد سأله بعض الناس وأنا عنده حاضر فيمن قال: أحرمت لله بحجة وعمرة مفردة ما حكمه؟ وكان السائل عاميا قد صدر عنه ذلك، فقال: ما قال من العلماء بهذا اللفظ أحد، فقلت له: فإذا كان قد وقع هذا اللفظ من صاحبه. كيف يكون الحكم؟ وما الجواب في ذلك؟ فانزعج انزعاجا شديدا، ولم يجب في ذلك بشيء، والذي أراه أنا إذا سئلنا عن مثل ذلك أن نقول: يحتمل أن يكون محرما بالحج والعمرة معا، فيكون قوله مفردة لفظا باطلا ليس له معنى لحصول قصد الحج والعمرة معا منه، وتعقيبه ذلك بلفظ يناقضه لا يعتبر لأنهما إذا وقعا لا يرتفعان.
ويحتمل أنه قصد الإحرام بحجة مفردة، فسبق لفظه إلى قوله: وعمرة مدخلا لفظ العمرة بسبق لسانه من غير قصد بين الحجة، ووصفها بالإفراد، فيكون محرما بالحج فقط، وإذا احتمل حكمنا بالأحوط، وهو صحة الإحرام بالمتيقن فقط. أعني الداخل في التقديرين معا، وهو الحج، فينبغي له أن يحرم بالعمرة بعد الفراغ من أعمال الحج، ولا يجوز أن يحرم بها قبل ذلك لأنه لا يجوز إدخال العمرة على الحج هذا الذي ظهر لي في ذلك في حال الإملاء، والله أعلم.

(2/248)


وفيها مات بدمشق قاضي القضاة شيخ الشيوخ علاء الدين علي بن إسماعيل بن يوسف التبريزي المعروف بالقونوي الفقيه الشافعي الأصولي الإمام العلامة، سمع من جماعة كثيرة، واشتغل بالعلوم في بلده على جماعة، وحفظ وفهم، ثم قدم دمشق في سنة ثلاث وتسعين وست مائة، وأخذ في الاشتغال والتحصيل أيضا على الشيخ نجم الدين مكي والشيخ شمس الدين الآبجي، وتصدر للاشتغال بجامعها، وولي تدريس الإقبالية، ثم قدم القاهرة، وولي بها المدرسة الشريفية، ومشيخة الشيوخ بالخلفاء المعروف بسعيد السعداء، ومشيخة الميعاد بجامع ابن طولون، وتصدر للفتوى والاشتغال ونفع الطلبة، واشتهر صيته وعلا ذكره، وارتفع محله لفضيلته وعلومه وديانته ورياسته وكثرة تلامذته، وانتفع به خلق كثير، وتخرج به أئمة.
ثم إن الملك الناصر اختاره لقضاء القضاة بالديار الشامية فطلبه عنده وعرض عليه الولاية، فامتنع من ذلك فكرر عليه القول، والآن معه الحديث، وتلطف به حتى قبل الولاية وأضاف إليه مع قضاء القضاة مشيخة الشيوخ أيضا، فتوجه إلى دمشق متوليا ذلك مع تدريس المدرسة العادلية والغزالية، فنظر في ذلك، وأحسن النظر، وتصدى للاشتغال بالعلوم من القيام بوظائفه، وكان للطلبة به نفع، وأقام بدمشق سنين مضبوط الأمر، محفوظ الباب، نزها عفيفا، إلى أن أدركه الأجل بها عن بضع وسبعين سنة لأن مولده سنة ثمان وستين وست مائة، وله من المصنفات شرح الحاوي الصغير في الفقه في أربع مجلدات، ومختصر منهاج الحليمي، وكتاب شرح التعرف لمذهب التصوف وله شيء في الأصول، وحواشي، ونكت، وتعاليق رحمه الله تعالى.
قلت: ولم أر في شروح الحاوي أحسن من شرحه جامعا بين الاقتصاد والتحقيق، وحسن المباحث والقواعد، مشعرا بالتحلي بحليتي العلم والتدقيق.
سنة ثلاثين وسبع مائة
فيها قدم على قضاء دمشق علم الدين الأخنائي، فاستناب مدرس الشامية ابن المرحل، وفيها نقل من طرابلس إلى قضاء حلب الشيخ شمس الدين ابن النقيب رحمه الله.
وفيها مات مسند الدنيا المعمر شهاب الدين أحمد بن أبي طالب بن نعمة الصالحي الحجازي المعروف بابن شحنة، وحدث يوم موته، وله مائة وبضع سنين، سمع ابن الزبيدي، وابن اللتي، وأجاز له ابن روزبه والقطيعي وعدة، ونزل الناس بموته درجة.
وفيها مات بمكة قاضيها ومفتيها، ومدرسها وشيخ حرمها الصدر الكبير الفقيه العالم الشهير الإمام نجم الدين محمد ابن الإمام العالم القاضي جمال الدين ابن الشيخ الإمام الفقيه، المحدث العلامة محب الدين أحمد بن عبد الله الطبري. سمع من جماعة، وتفقه على جده الإمام محب الدين المذكور، وكان فقيها نجيبا بارعا أديبا حليما كريما حسن الاعتقاد في الفقراء والعباد بحسن الأخلاق متصفا متواضعا، وفي البحث منصفا.
ولقد كان مع جلالة قدره، وعلو محله، وجمعه المناصب الكثير، والمناقب الكبيرة، والمحاسن الشهيرة يقول في أثناء قراءتي عليه " كتاب الحاوي " الصغير الحرم الكثير العلم: لقد استفدت معك أكثر مما استفدت معي، ويقول لي: لقد قرأت هذا الكتاب مرارا ما فهمته مثل هذه المرة.
ولما فرغت من قراءته قال في جماعة حاضرين: اشهدوا علي إنه شيخي فيه، وجاءني إلى مكاني في ابتداء قراءته لأقرأه عليه كل ذلك من التواضع، وحسن الاعتقاد، والمحبة في الله والود، وكان قد قرأ الكتاب المذكور، وشرحه على الشيخ الإمام الكبير عز الدين الفاروقي بحق روايته له عن مصنفه الشيخ الإمام عبد الغفار القزويني، وكان القاضي نجم الدين المذكور محفوظه كتاب المحرر للإمام أبي القاسم الرافعي، ولكنه كان معجبا بالحاوي، ويقول: لو جاءنا الحاوي قبل أن أحفظ المحر لم أشتغل بالمحرر.

(2/249)


وله نظم حسن، وقد قدمت في ترجمته الشريف حميضة في سنة عشرين وسبع مائة أني سألت النبي عليه السلام في المنام السلامة له، فتبسم عليه السلام، وقال: " ما يصيبه شر " ، وكان له رحمه الله عليه نصيب وافر من الصالحين، وبلغني أنه قال لبعض الكبار منهم: أريد أن أصحبك مع التخليط، فقال: اصحبني على أي حال كنت، وكانت والدته من الصالحات، وكان قد تمرض في شبابه، فافتجعت عليه فجعا شديدا، فمر بها شيخ لا تعرفه، فقال لها: لا تخافي عليه ما يموت حتى يكون سنه سني سبعين سنة، فلما مرض مرض موته كان يرجو العافية، فدخل عليه صهره إمام المقام أحمد ابن شيخنا رضي الدين، فقال له: ما عليك شر إن شاء الله تعالى قد بشرت والدتك إنك تعيش سبعين سنة، وكان مرضه ذلك بعد كمال السبعين، ولكنه كان غافلا من ذكر ما جرى لوالدته مع الشيخ المذكور، وكان الإمام أحمد جاهلا بكونه قد بلغ السبعين، فلما قال له ذلك صاح القاضي نجم الدين، وأيقن بالموت، فمات في ذلك المرض.
وفيها توفي المعمر زين الدين أيوب بن نعمة النابلسي، ثم الدمشقي الكحال: حدث عن جماعة وتفرد بمصر ودمشق، ونيف على التسعين.
سنة إحدى وثلاثين وسبع مائة
فيها وصل إلى بلاد حلب نهر الساجور وبعد غرامة كثيرة، وحفر زمن طويل في جريانه.
وفيها مات ببلاد المغرب السلطان أبو سعيد عثمان ابن السلطان يعقوب بن عبد الحق المديني، وكانت دولته اثنتين وعشرين سنة، وتملك بعده ابنه السلطان الفقيه الإمام أبو الحسن.
وفيها مات الأمير الكبير نائب السلطان أرغون.
وفيها توفي أقضى القضاة جمال الدين أحمد بن محمد بن القلانسي التميمي الشافعي قاضي العسكر، ووكيل بيت المال، ومدرس الأمينية والظاهرية، وكان عالما محتشما، مليح الشكل، لين الكلمة. حدث عن ابن البخاري.
سنة اثنتين وثلاثين وسبع مائة
فيها جاء بحمص سيل، فغرق خلق منهم في حمام النائب بظاهرها نحو المائتين من نساء وأولاد.
وفي ربيع الآخر تسلطن الملك الأفضل علي بن المؤيد إسماعيل الحموي، وركب بالقاهرة بالغاشية والعصائب، ثم كان عرس محمد ابن السلطان علي بنت الأمير الكبير بكتم. قيل: جهزت بألف ألف دينار، ؤاختلفوا للعرس بما لا يوصف، وأقيمت بالشامية جمعة.
وفيها مات صاحب حماة الملك المؤيد عماد الدين إسماعيل بن الأفضل علي الأيوبي الحموي، صاحب التاريخ، وناظم الحاوي، وله كتاب تقويم البلدان وفضائل وفلسفة.
وفيها مات الولي الكبير الشيخ العارف بالله الشهير ياقوت الحبشي الشاذلي صاحب الأوصاف الحميدة، والكرامات العديدة، والأحوال السنية، والمقامات العلية، والأنفاس الصادقة، والأنوار البارقة تلميذ شيخ الشيوخ صاحب النور القدسي أبي العباس المرسي.
وفيها مات الشيخ قطب الدين السنباطي محمد بن عبد الصمد بن عبد القادر الأنصاري المصري، الفقيه الإمام الشافعي، وكان من أعيان الشافعية، وخيار الفقهاء وكبارهم. حسن الهيئة، بهي المنظر، قليل التكلف، كثير التواضع، حسن الأخلاق، محبا للطلبة. درس بالفاضلية، وأعاد بالصالحية والناصرية، وتصدر للاشتغال، وانتفع به خلق كثير، وصنف في الفقه زوائد التعجيز على التنبيه، وناب في الحكم عن قاضي القضاة جمال الدين الذرعي مدة، ثم عن قاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة، وتولى وكالة بيت المال مستمرا على ذلك إلى موته.
وفيها مات صدر الأكابر والرياسة والمفاخر، فخر الدين محمد بن فضل الله كاتب المماليك، ناظر الجيش المصري، وله جلالة وشهرة وأوقاف وثروة، وأحيط على حواصله.
قلت: ولقد رأيته في المسجد الحرام يمشي معه القاضي الرئيس الكبير قاضي مكة نجم الدين الطبري، وهو يدور على أهل الخير والصلاح من المجاورين، ويفرق عليهم الدنانير، فلما رآني نجم الدين المذكور مال به إلى عندي.
وبلغني أنه حج مع السلطان الملك الناصر في بعض حجاته، وكان قريبا منه، فلما مر بوادي بني سالم السلطان بدا له جبل ورقان، فقال: يا فخر من في رأس هذا الجبل؟ قال: غلمان مولانا. قال: ليس النازلون في هذا الجبل لي بغلمان. يعني أن من كان ساكنا في هذا الجبل المنيع العالي، فليس لي في طاعة، ولا بي مبال، وفي هذا المعنى خطر لي هذان البيتان:
إذا ما كنت في حصن ... علا في رأس ورقان
فإني لا أبالي ... بوال أو بسلطان

(2/250)


وهذا الجبل المذكور يؤتى منه بالعسل الفائق المشكور، وأخبرني من له به خبرة أن فيه أشجارا ونباتا وأزهارا كثيرة يطول في ذكر أسمائها التعداد، ولا يوجد في غيره من البلاد.
وفيها توفي الشيخ الجليل الإمام العلامة المقرئ شيخ القراء برهان الدين إبراهيم بن عمر الجعبري الشافعي، صاحب الفضائل الحميدة، والمباحث المفيدة، والتصانيف العديدة، وجملتها نيف على مائة تصنيف، ومن نظمه:
وإن فسح الله الكريم بمدتي ... وأدركت عمرا ليس في أصله ضعف
سأنشر للطلاب علما كعادتي ... عزيز المعاني فيه من حسنه لطف
وإن صادفتني يا صاحبي منيتيفصبر جميل فالصبور له الوصف
إلهي فحقق لي رجائي تكرما ... فشأنك فينا الصفح والعفو واللطف
وله أيضا في عدة مؤلفاته وتاريخ مولده، وطلب المغفرة من ربه عز وجل:
أيا سائلي عن عدما قد جمعته ... من الكتب في أثناء عمري من العلم
أصخ لي فقد عرفت ذاك بنيف ... على مائة ما بين نثر إلى نظم
ومن عجب زادت على العمر تسعة ... وعشر وما أدري متى منتهى يومي
فخذ منه ما يختار واسمح بنشره ... على طالبيه داعيا لي على رقمي
وخذ مولدي في أربعين مقربا ... وست مئات أو مئين على الرسم
وكان وجودي في الوجود جميعه ... كطيف خيال زار في نوم ذي حلم
إلهي فاختم لي بخير وكفر من ... ذنوبي عسى ألقاك رب بلا إثم
بحق القرآن والنبي محمد ... تقبل دعائي رب شفعه في جرمي
فأنت غني عن عذابي وإنني ... فقير إلى رحماك يا واسع الحلم
وتوفي رحمه الله تعالى وله اثنتان وتسعون سنة. أجاز له ابن خليل، وعرض التعجير على مؤلفه وتلا على الوجوهي وغيره، ورحل القراء إليه رحمه الله تعالى.
وفيها توفي القاضي شمس الدين المعروف بابن القماح الحسن بن محمد بن عبد الرحمن السخاوي الشافعي، الفقيه العلامة النحوي، اللغوي البارع، الفاضل المتفنن ابن الإمام جمال الدين ابن الإمام تقي الدين، تولى القضاء، وكان فاضلا عالما ذكيا فقيها نبيلا حافظا لمقامات الحريري، وديوان المتنبي، وغير ذلك، وكان فيه مكارم، وحسن أخلاق.
ومما روي عنه أنه قال: أنشدني شيخنا زين الدين ابن الرعاد النحوي لما توفي القاضي كمال الدين النسائي، وولي بعده القاضي كمال الدين بن عيسى القليوبي بالعربية هذين البيتين، وكتب بهما إلى عيسى المذكور:
نقل الناس، وهو نقل غريب ... إن بعد الكمال يحدث نقص
وأتانا بعد الكمال كمال ... وأتانا بعد الأعم الأخص
وتوفي رحمه الله تعالى ليلة الجمعة الثامن من شهر شوال.
سنة ثلاث وثلاثين وسبع مائة
فيها توفي شيخ الإسلام الإمام بدر الدين محمد بن إبراهيم ابن جماعة الكناني الحموي الشافعي قاضي القضاة، المفتي العلامة، ذو الفنون والمناقب والرياسة والمناصب، عن أربع وتسعين سنة وشهر.
ولد بحماة سنة تسع وثلاثين وست مائة، وسمع سنة خمسين من شيخ الشيوخ الأنصاري، وبمصر من الرضي بن البرهان، وللرشيد العطار وعدة، وبدمشق من أبي اليسر وطائفة، وأجاز له خلائق، وحدث وتفرد في وقته، وكان قوي المشاركة في فنون الحديث، عارفا بالتفسير والفقه وأصوله، ذكيا يقظا مناظرا متفننا مفسرا خطيبا مفوها ورعا صيتا، تام الشكل، وافر العقل، حسن الهدى، متين الديانة، ذا تعبد وأوراد، وحج اعتمار، وحسن اعتقاد في الأصول، والصالحين من العباد.

(2/251)


وله تصانيف سائرة، وأربعون تساعية درس وأفتى واشتغل، ثم نقل إلى خطابة القدس، ثم طلبه الوزير ابن سلغوس، فولاه قضاء مصر، وارتفع شأنه، ثم بعث على قضاء الشام، ثم ولي خطابة دمشق، وروى الكثير، ثم طلب لقضاء مصر بعد ابن دقيق العيد، وامتدت أيامه، وحمدت أحكامه، وكثرت أمواله، وحسنت أعماله، وترك الأخذ على القضاء عفة، وكان يخطب من إنشائه، ويتثبت في قضائه. ولي مناصب كبارا، وكان قد صرفه السلطان بالماضي جمال الدين الزرعي نحو السنة، ثم أعاده السلطان إلى منصبه، ثم شاخ، ونقل سمعه، ثم أضر وعزل، وأقبل على شأنه، وعلى أستاذه، وتفرد وصنف في علوم الحديث والأحكام وغير ذلك، وله وقع في القلوب، وجلالة في الصدور، وكان والده من كبار الصالحين.
قلت: هكذا ترجم عنه بعض المتأخرين بهذه الترجمة، وهو جدير بها ما خلا ألفاظا يسيرة أدخلتها فيها، وكان حسن الاعتقاد في الصوفية، وبلغني أنه سئل عن ذلك، فقال كلاما معناه أن سبب ذلك أنه كان إذا مر في صغره على فقير في بلاد الشام يقول: مرحبا بقاضي الديار المصرية، وكان من أمره ما كان من السيرة الرضية. رحمه الله تعالى.
وفيها توفي مفتي المسلمين الإمام الأجل شهاب الدين أحمد بن يحيى بن جميل الشافعي، مدرس البادرائية، سمع من الفخر علي، وابن الزين، والفاروثي. وتفقه على شرف الدين ابن المقدسي، وابن الوكيل، وابن النقيب، ولي تدريس الصلاحية في القدس مدة، واشتغل وأفتى، وبرع في الفقه، وولي مشيخة الظاهرية، ثم نقل إلى تدريس البادرائية، وله محاسن وفضائل ومكارم، وفيه خير وتعبد، وحج غير مرة.
قلت: وحصل بيني وبينه اجتماع في حجة في المدرسة الشهابية من المدينة الشريفة لأنه نزل فيها، وكنت قبله نازلا بها، ثم سألته عن مسألة خطرت لي، وهي أني قلت له: في الذكر الوارد في كفارة المجلس. لا يخلون إما أن يكون الشخص صادقا في قوله، وأتوب إليك، أو كاذبا، فإن كان صادقا، فالمغفرة تحصل بمجرد التوبة، ولا تفتقر إلى الذكر المذكور من قوله: سبحانك اللهم، وبحمدك إلى آخره، وإن كان كاذبا فكيف تحصل له مغفرة مع إخباره بتوبة هو كاذب فيها مصرفي نفسه على معاصيها؟ فأجابني بجواب في الحال ليس بشاف في هذا السؤال ليس هو الآن لي على بال.
وفيها مات في بدر الولي الكبير المشغول بالله الشهير، الشيخ علي بن الحسن الواسطي الشافعي محرما متوجها إلى الحج، وكان ذا همة عالية حج مرارا كثيرة واعتمر على ما روى بعضهم أكثر من ألف عمرة، وتلا أزيد من أربعة آلاف ختمة، فطاف مرات في كل ليلة سبعين أسبوعا ورأيته يسرع في طوافة مثل ما يرمل المحرم أو أسرع، وبلغني أن بعض الناس كان ينكر عليه في إسراعه ذلك، فرأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فذكر له ذلك المنكر عليه، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: قل له " إن قدر يزيد على ذلك الإسراع، فليفعل " والذي فهمت منه أنه كان في عدوه ذلك واجد، أو يدل عليه أني رأيته يطوف في شدة الحر، فسألته عن ذلك، فقال: ما أجد حرا، ولعمري إن كل صادق واجد لا ينبغي أن يعترض عليه فيما يفعله، ولهذا رأيت غيره من بعض الصالحين يطوف في حال وجده، وهو يعدو، فنهاه بعض الفقهاء، فلم يلتفت إليه، فأمر بإمساكه، فسلط الله على ذلك الفقيه من أمسكه من ظلمة السلطنة، وضربه على القرب من فعله ذلك، وكان الشيخ علي الواسطي المذكور، شديد المجاهدة، يغتسل لكل فريضة في البرد الشديد وغيره.
وكان قد بلغني أنه رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في اليقظة، فسألته عن ذلك، فأقر به، وكان أول اجتماعي به في الليل في شهر رمضان في المسجد الحرام، فقال: " أجدني أحبك " وأطعمني كسرة من بقية عشائه، والناس يصلون التراويح، فقال لي: " ما تصلي بنا " فقلت له: تقدم بنا تصلي مع الجماعة، فذكر لي كلاما معناه أنه ما يجد الجماع قلبه في مخالطة الناس، وكان في ذلك الوقت ثلاثة رجال واسطيون كلهم ملاح، مع تفاوت طريقتهم في أوصاف الصلاح.
أحدهم الشيخ علي المذكور، وكانت طريقته الانفراد والبعد من الناس كلاهم كأنه أسد، وكان مهنا ملك العرب يحبه ويعظمه، ويقسم برأسه على ما سمعت.

(2/252)


والثاني الشيخ عز الدين الواسطي، وكانت طريقته القرب من كل أحد مطلقا، حتى لو جاءه صغير فصب به حيث شاء، وكان سليم الصدر لا يدري ما عليه الناس، حتى أنه دخل العسكر المدينة مع الشريف روى، فلما رآهم قال: ما هؤلاء. وكانوا قد حاصروا المدينة أياما كثيرة، وما عنده شعور بذلك، وهو في ذلك الوقت إمام الناس في مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكان إذا عرف الإنسان في يومه أنكره من الغد، وكان أكثر مجاورته في المدينة الشريفة، وكان الصلاح ظاهرا عليه، وهو آخر من ألبسني الخرقة بينه وبين الشيخ شهاب الدين السهروردي، وإلباسها واحد، كان يعظم الكعبة المشرفة إذا ذكرها، ويقول قال لله تعالى: " وطهر بيتي " الحج: 26.
والثالث من الواسطيين المذكورين ابن الشيخ أحمد الواسطي، كان مجاورا بمكة، كانت طريقته متوسطة بين طريقتي المذكورين، يتقرب من الفقراء، ويتباعد من أهل الدنيا، وكان صاحب جد واجتهاد، وكان أيضا كثير المودة لي حتى أخبرني الشيخ إبراهيم المقرئ - رحمة الله على الجميع عنه أنه قال: ما لي في الحرم صديق إلا فلان فلي والحمد لله من الثلاثة كلهم نصيب. بل من غيرهم من الصالحين أيضا فقد قال لي الولي الكبير، الوافر النصيب، ذو الأحوال السنية، والهمة العلية الشيخ خالد بن شبيب: رأيت الأولياء كلهم يحبونك داعين مستبشرين.
وكان رضي الله تعالى عنه يجتمع برجال الغيب في البراري كثيرا، وله معهم حكايات عجيبة ليس هذا موضع ذكرها، وكان يبلغني السلام عنهم والإشارة بما أفعله، وما يكون في بعض الأحيان، والحمد لله الجواد المنان.
وفيها ماتت بدمشق المعمرة المسندة أم محمد أسماء بنت محمد بن سالم، سمعت من مكي بن غيلان، وتفردت وحجت مرارا، وتصدقت.
سنة أربع وثلاثين وسبع مائة
قال الذهبي: جاء بطيبة سيل عظيم أخذ الجمال، وعشرين فرسا، خرب أماكن.
هكذا قال في تاريخه، وقد رأيت سيلا عظيما يجري في وادي قناة، واستمر ذلك ستة أشهرا وأكثر، وكان قد طلع في قبة حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه أذرعا، ودار بجبل الرماة من جهة القبة المذكورة المكرمة، ومن جهة المدينة الشريفة المعظمة، وأقمت أياما وليالي كثيرة أتوضأ منه مع الولي المجرد الشيخ المودود ذي الأحوال الباهرة، والكرامات الظاهرة عبد الرحمن الحبشي.
وفي السنة المذكورة توفي الحافظ العلامة المتفنن فتح الدين أبو الفتح محمد بن محمد ابن سيد الناس روى عن جماعة، ورحل وحدث وجمع وصنف، وله النظم والنثر، ومعرفة الرجال، وبراعة الحفظ والخط.
وفيها توفي قاضي القضاة الإمام العلامة أبو إسحاق إبراهيم بن الحسن بن عبد الرفيع الربعي التونسي، عن تسع وتسعين سنة وأشهر، روى عن جماعة.
سنة خمس وثلاثين وسبع مائة
فيها توفي ملك العرب حسام الدين مهنا ابن الملك عيسى بن مهنا الطائي، وأقاموا عليه المأتم، ولبسوا السواد كان فيه خير وتعبد.
وفيها ماتت المعمرة زينب بنت الخطيب يحيى ابن الشيخ عز الدين بن عبد السلام السلمية، عن سبع وثمانين سنة، روت عن جماعة وحدثت بالكثير وتفردت.
وفيها مات الحافظ قطب الدين عبد الكريم بن عبد النور الحلبي تلا بالسبع عن إسماعيل المليحي، وسمع من جماعة وصنف وخرج وأفاد مع الصيانة، والديانة، والأمانة، والتواضع، والعلم، ولزوم الاشتغال والتأليف حج مرات، وعمل تاريخا كبيرا لمصر بيض بعضه، وشرح السيرة لعبد الغني في مجلدين، وعمل أربعين تساعيات، وأربعين متباينات، وأربعين بلديات، وعمل معظم شرح البخاري في عدة مجلدات.
سنة ست وثلاثين وسبع مائة
فيها توفي بدمشق الرحالة أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن محمد بن ممدود البغدادي الصوفي، عن اثنتين وتسعين سنة، سمع وأجازه جماعة وتفرد.
وفيها ماتت عائشة بنت محمد بن مسلم الحرانية عن تسعين سنة، روت حضورا وسماعا عن جماعة وتفردت.
وفيها توفي السلطان الذي ملك بعد أبي سعيد ضربت عنقه صبرا يوم الفطر، وكانت دولته نصف سنة.
وفيها مات الوزير المعظم غياث الدين محمد بن فضل الله الهمداني، وكان وزيرا عادلا عالما محبا في العلم والخير وأهلهما. متصفا بالإنصاف، له مآثر وصدقات ومعروف.

(2/253)


وفيها توفي الصاحب الأمجد عماد الدين إسماعيل بن محمد ابن الصاحب فتح الدين ابن القيسراني، وكان منشيا بليغا رئيسا دينا صيتا نزها، روى عن غير واحد.
سنة سبع ثلاثين وسبع مائة
فيها توفي الشيخ الكبير الولي الشهير، ذو العجائب العظيمة، والكرامات الكريمة، والهمم العالية، والشمائل الرضية، والمكاشفات الجلية، والآيات الباهرة، والأنوار الزاهرة أبو عبد الله محمد بن عبد الله ابن المجد المرشدي في رمضان بقرية مرشد كهلان. كان له عجائب تحير العقول، وغرائب ذكرها يطول. كان لو اجتمع عنده أكثر عسكر في الورى لعجل إليه في الحال ما أحب من القرى يخرج ذلك من خزانة له صغيرة ليس فيها شيء يرى شاهد منه تلك الكرامات الباهرات خلائق لا يحصون.
قلت: حكي لي ذلك من الثقات، وسمعت ذلك عنه من خلائق أدركتهم أخيارا وفضلاء أعيانا، بل رأيت ذلك منه مشاهدة عيانا، وذلك أني لما وردت عليه زائرا، ولم أكن رأيته قبل ذلك دخلت زاويته، فلم أجده فيها، ثم بعد ساعة يسيرة جاءني، فتسالمنا وقال لي: ما أراها إلا غزالية، ثم أخذ بيدي، وأدخلني خلوة له، فكان يحدثني فيها ساعة، ثم يخرج ويتلقى من يزوره ساعة، وكنت صائما، فلم يقرب لي طعاما إلى أن كان بعد صلاة المغرب، وإذا به قد مد عندي سماطا يكفي جماعة كثيرة من الأضياف، من الأطعمة ما يكثر عده من الأنواع والأصناف، وكان في نفسي شهوة طعام مخصوص ما كنت ذقته في جميع عمري أحضره في ذلك السماط، ثم أذن لي في تناول الطعام، فأكلت منه ما اشتهيت، وإذا به قد جاءني، واستأذنني في إدخال جماعة مخصوصين علي ليطعموا معي كأنهم التمسوا ذلك، وهم الفقيه الإمام شرف الدين ابن الصاحب، وأولاده من نسل الوزير الشهير المعروف بابن حنا، وإذا بهم قد أظهروا لي من حسن الاعتقاد، ما يقل مثله في المعتقدين من العباد حتى أخذوا الماء الذي غسلت به يلي فشربوه، ثم لما أصبحت عزمت على السفر هاربا من لقاء من يأتيه من سائر البلدان لما قد اعتادوا عنده ليلة النصف من شعبان، فمنعني عن السمر، وقال: تخرج معنا إلى كوم قرح مكان يجتمع فيه عنده خلائق لا يحصون !غ الليلة المذكورة، ويطعمهم جميعا من الأطعمة الطيبة المشكورة، فكرهت الإقامة الاجتماع بالخلق، واعتذرت إليه في ذلك، فقال: إذا كان لا بد من السفر، فأقم عندنا إلى العشاء فوافقته في ذلك، ثم حدثتني نفسي حينئذ، وقالت لي: إذا أقمت تصوم أو تفطر، فنازعتني في الإفطار، فقال لي: في الحال تصالحها، ثم قال لخادم عنده: هات الطعام، فتباطأ قليلا فشد الشيخ وسطه وجاءني بمائدة عليها الطعام، فأكلت، ثم قال لي: هل لك في مجلس علم؟ اذهب إلى الموضع الفلاني، فذهبت إلى ذلك الموضع، فمكثت فيه يسيرا، وإذ بفتوى قد جاءت من بعض القرى، وحضر عندي حينئذ جماعة من الفقهاء، منهم ابن الصاحب المذكور وغيره فقالوا لي: اكتب عليها، فقلت لهم: أنا تركت ذلك في موضع إقامتي، فكيف أكتب ذلك في بلاد الغربة. فقالوا: لا بد من ذلك، فقلت: إن كان ولا بد. فليحضر صاحبها، فأذكر له ما عندي في ذلك من الجواب، ولا حاجة إلى رقم ذلك في كتاب، فجاء صاحبها، فذكرت له ما ظهر لي من الجواب، ثم وقالوا لي: تقيم عندنا مدة حتى نشتغل عليك في كتاب الحاوي، فاعتذرت من ذلك، وعجبت من إشارة الشيخ فيما وقع من البحث في العلم هنالك، وشاهدت منه هذه الكرامات المذكورات. أعني الطعام الذي اشتهيته، ومصالحة النفس في الفطر، والبحث في العلم.
وأما قوله: ما أراها إلا غزالية، فاسأل الله الكريم أن يمن علي بما كان عليه الإمام أبو حامد الغزالي من السيرة الحميدة في العلوم، والأعمال الصالحات والانعزال عن الخلق، والأنس في الخلوات.

(2/254)


وأخبرني أنه صحب سبعين من الشيوخ. ذكر منهم الشيخ الكبير العارف بالله أبو العباس المرسي، والولي الكبير الفقيه الإمام أحمد بن موسى بن عجيل، وكان قد حفظ القرآن عليه، وقرأ كتاب التنبيه، ثم انقطع في زاوية، ومع هذا، فالناس مختلفون فيه فأكثر الناس يعتقدونه لكثرة ما سمعوا ورأوا من كراماته في مد السماطات العظيمة من غير وجود لأسبابها في الظاهر، والمكاشفات الكثيرة، والتكلم على الباطن، ولا خادم يخدمه، ولا معاون حتى قيل: إنه أطعم في ثلاث ليال متوالية ما قيمته ألف دينار، ولم يزل يتوارد عليه الأمراء والوزراء، وأبناء الدنيا، وأهل المناصب الكبار.
ومع ذلك يقريهم في الحال بما يدهش عقولهم من الأطعمة التي ليس للسلطان على إحضارها في الحال اقتدار، بعض الناس لا يعتقدونه، ويحمل ما يسمعه منه على تأويلات باطلة كما نقل عن ابن تيمية أنه قال: هو مخدوم لما اشتهر عنده، واستفاض كثرة خوارقه للموائد لم يمكنه جحدها، فحملها على هذا الظن الكاذب، والتأويل الفاسد فيه، فإن الجان ليس له اطلاع على بواطن العباد، وما يخطر في بواطنهم، نعوذ بالله من سوء الاعتقاد ومنهم من تشكك فيه.
وبلغني عن الشيخ الكبير الولي الشهير الشيخ عبد الهادي المغربي أنه لما ذكر عنده قال: لا أشك أنه حصل له نصيب من أحوال الفقراء إلا أن الفقراء لا يرضون بشهرة هذه الكرامات التي تظهر منه.
وكذلك بلغني عن سيد الكبير الولي الشهير الشيخ حسين الحاكي أنه قال: لو كنت يظهر على يدي مثل هذا الذي يظهر على يديه لدخلت في سرب تحت الأرض.
وكذلك بلغني عن السيد الجليل الإمام الحفيل، الشيخ خليفة الشاذلي الإسكندراني أنه لما ذكر عنده قال كلاما معناه ترى متى يتفرغ هذا الرجل لذكر الله لشغل أوقاته بمن يأتيه من الأمراء والوزراء وغيرهم من أهل الدنيا.
قال الراوي: فلما سمعنا منه هذا الكلام أتينا الشيخ محمدا نزوره، فقال لنا: قولوا للفقيه خليفة، والله ما شغلوني عن الله طرفة عين، أو قال: والله لو شغلوني عن الله طرفة عين ما سلمت عليهم، أو قال: ما قرأتهم السلام، أو كما قال من الكلام.
قلت: والذي أراه أنه لا ينبغي أن ينكر عليه شيء مما ينسب، فإنه إن كان يتعاطى ذلك بإذن فليس علي من إقامة الحق في مقام. وصرفه فيه تصريف الحكام لأحد معه كلام، ولا اعتراض ولا ملام، ولا يصح أن يكون صدور ذلك منه بغير إذن، فإن الأولياء لا يتعاطون الأشياء بهوى نفوسهم إذ لو فعلوا ذلك ما كانوا أولياء الله، وما كانت تواتيهم الأشياء، ولو أتاهم شيء في وقت بغير ولاية بل بكهانة، أو سحرا وغواية، لظهر ذلك عليهم، وافتضحوا في العواقب، والمرشدي المذكور لم يزل مستورا مشكورا، فظهر، والله أعلم. أن ذلك من تخصيص المواهب.
وفيها توفي الملك المعمر أسد الدين عبد القادر بن عبد العزيز بن السلطان الملك المعظم، روى السيرة، وأجزاء عن خطيب بردى، وتفرد وكان ممتعا بحواسه، مليح الشكل، ما تزوج ولا يسرى.
وفيها قتل صاحب تلمسان أبو تاشفين عبد الرحمن بن موسى، وكان سني السيرة. قتل أباه، وكان قتله له رحمة للمسلمين لما انطوى عليه من خبث السريرة، وكان بطلا شجاعا تملك نيفا وعشرين سنة. حاصره سلطان المغرب أبو الحسن المريني مدة، ثم برز عبد الرحمن ليكبس المريني، فلم يتم له ذلك، فطال عليه الحصار حتى دخلت البلد عليه عنوة، فقاتل على حصانه، حتى قتل في رمضان كهلا.
سنة ثمان وثلاثين وسبع مائة
فيها توفي الصالح المسند أبو بكر بن محمد بن الرضي الصالحي القطان، عن تسع وثمانين سنة، سمع حضورا من خطيب بردا، وعبد الحميد بن عبد الهادي، وسمع عبد الله بن الخشوعي، وابن خليل ابن البرهان، وتفرد، وأكثروا عنه كان له إجازة السبط وجماعة.
وفيها مات في حماة قاضيها صاحب السيرة السديدة، والمحاسن الحميدة، والفضائل العديدة، والتصانيف المفيدة شرف الدين هبة الله ابن القاضي نجم الدين عبد الرحيم القاضي شمس الدين إبراهيم ابن البارزي الجهني الشافعي عن ثلاث وتسعين سنة، روى عن جده وغيره، وله إجازة من جماعة منهم الكمال الضرير، وكان إماما قدوة مصنفا، صاحب فنون، وإكباب على العلم والصلاح، وتواضع حسن، وصحة ذهن تخرج الأصحاب، وانتفع به وأفاد. قال الذهبي: وبلغ رتبة الاجتهاد.

(2/255)


قلت: وكتب إلي في آخر عمره يستشيرني في المجاورة في الحرم الشريف إلى الموت، ثم أدركته المنية على القرب.
ومن تصانيفه شرح الحاوي في مجلدين، وكتاب آخر في حل الحاوي، وكتاب المغني جمع فيه مسائل التنبيه، وزيادات وغير ذلك، وله مسألة تفرد بها أعني ما أفتى به من جواز السفر للحائض قبل طواف الإفاضة مع نحر بدنة كمذهب الحنفية.
قلت: ولقد عجبت من ذهابه إلى الفتوى مع جلالة قدره، ورسوخه في العلم، وقد صح عن سيد الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام أنه قال في زوجته صفية رضي الله تعالى عنها: أحابستنا هي يعني عن السفر حتى تطهر لما قيل له أنها حاضت، فإذا كانت حبيب الرحمن المنسوخ بدينه الأديان ينجس عن السفر بسبب حيض امرأته قبل طوف الإفاضة، كيف يطلق غيره من آحاد الناس هذا خارجا عن الكتاب والسنة والإجماع والقياس. وهذا أقول لا طعنا في جلالة شرف الدين، وعلمه المعتبر، بل تحذيرا من فعل ذلك، فالجواد قد يعثر، وكان رضي الله تعالى عنه حسن الاعتقاد في الصوفية والزهاد العباد من سائر العباد ذا أصل أصيل ومجد أثيل، ووصف جميل يقر له بالفضل كل فضيل.
وقد بلغني أن الشيخ الإمام محيي الدين النووي رحمه الله تعالى مدحه، وقال: ما في البلاد أفقه من هذا الشاب، أو نحو ذلك لما رآه، وبلغني أيضا أن الشيخ محيي الدين المذكور كان يعرض عليه ما يكتبه في كتاب الروضة، حال اختصاره كتاب الإمام أبي القاسم الرافعي، أعني " العزيز " في شرح " الوجيز " للإمام أبي حامد الغزالي قدس الله تعالى أرواح الجميع.
وفي السنة المذكورة توفي قاضي القضاة جمال الدين بن حملة بن يوسف بن إبراهيم الأنصاري، تميز وباحث وأخذ الفقه عن عز الدين الفاروثي، وابن النقيب، وابن الوكيل، وابن الزملكاني، وقرأ النحو، وصار من أعيان الفقهاء، وولي قضاء دمشق وحكم فحمد، وكان ماضي الحكم، ذا هيبة وصولة وشدة وطأة، علي المرتبة، وجرت له أمور، وأوذي، وعزل فالله تعالى يوجره، ثم أعطي تدريس الشامية، وكان شديد البأس على ابن تيمية والمبتدعين، وكان متين الديانة، حسن المعتقد.
وفيها توفي العلامة زين الدين بن المرحل محمد بن عبد الله ابن خطيب دمشق عمر بن مكي القرشي العثماني العبدي الأموي الشافعي تفقه بمصر والشام على عمه الشيخ صدر الدين ابن الوكيل، وعلى الشيخ كمال الدين بن السريشي، وكمال الدين ابن الزملكاني، وتولى هو والشيخ العلامة شمس الدين بن اللبان التدريس في يوم واحد يوم توفي الشيخ صدر الدين المذكور في أواخر سنة ست عشرة وسبع مائة. درس في المجدية فأخذها شمس الدين المذكور، وانتقل هو إلى مشهد الحسين، فدرس فيه سبع سنين، ثم انتقل إلى الشام، ودرس في الشامية الكبرى والعذراوية، ومكث فيها مدرسا ثلاث عشرة سنة، وناب في الحكم عن ابن الأخناي بدمشق، وكان رحمه الله تعالى إماما عالما عاملا بارعا نظارا ذكيا وفيا ورعا زاهدا، لم ير بالشام مثله، ولا مثل عبارته مع طلاقة الوجه، وحسن المحيا رحمه الله تعالى وله مصنفات جليلة، منها كتاب الفوائد في الفرق بين المسائل، ومنها كتاب النظائر، ومنها مختصر الروضة، ومنها في أصول الفقه كتاب التلخيص، وكتاب المخلص، وكتاب الخلاصة، ولم يصنف مثلها فاقت على أصول ابن الحاجب وغيره كذا ذكر بعض أهل الطبقات من الشاميين.
وفيها وقيل: في التي بعدها مات بمصر شيخ الشافعية زين الدين عمر بن أبي الحزم الدمشقي ابن الكنتاني أبو حفص العلامة كبير الشافعية أوحد الأصوليين. تفقه وناظر، ونشأ بدمشق، ثم تحول إلى القاهرة، وكان تام الشكل، حسن الهيئة، جيد الذهن، كثير العلم، إماما في المذهب، مائلا إلى الحجة. خطب ودرس واشتهر اسمه، وسمع جزء الأنصاري، وامتنع من الرواية، وكان يوهن بعض المسائل لضعف دليلها، ويلقي دروسا مفيدة متقنة يدهش من يسمعها ويزجر من يعارضه، وكان متصوفا متدينا، مليح البزة، حسن الشكل، لا يخضع لقاض ولا أمير، ولا تأهل قط. درس بالمنصورية وغيرها. تفقه على البرهان المراغي، فقرأ عليه التحصيل في الأصول وحفظه، وسمع من جماعة، وعين للقضاء لكن في خلقه زعارة وعنده قوة نفس، وقلة إنصاف، وله أخبار في نفوره وزعارته.

(2/256)


قلت: هكذا نقلوا عنه، وأخبرني بعض الفقهاء المصريين أنه كان يقرر المسألة حتى لا يخلي لأحد معه كلاما، فإن جاء أحد يتكلم. فال: إيش تريد تفسر، ومن زعارته ما حكى لي بعض الفقهاء الفضلاء المصريين بعد أن جرى لي معه قضية، وهي أنه جاءني يطلب مني إعارة نسخة كتاب الحاوي، وكانت عندي عارية للقاضي نجم الدين الطبري، وذكر أنه أذن له في أخذها مني، فامتنعت من دفعها إليه، فخرج من عندي مغتاظا، فلقي بعض الفقهاء المكيين، فشكا عليه ذلك، وقال: جئته، فلم يقم لي وامتنع من دفع الكتاب إلي فهون عليه ذلك، وكنت قد قلت له: لو جاء صاحبه ما أعطيته إياه، وقال له: إنه يدل على القاضي يعني له عند القاضي منزلة ومودة، فلما كان بعد ذلك بأيام جاءني وأنا في المسجد الحرام، وعندي جماعة يشرحون على الكتاب المذكور، فقال لي: أحب منك أن تعيرني الكتاب أنت، فأنا أعتقد أنك ما تحتاج إليه، فقلت له عند ذلك بعدما أنعمت له به: ما أنت إلا صبرت على جفائي بجلافة خلقي، فتبسم عند ذلك، وقال ما معناه المدح لي، وبقي ما ذكرت من الخلق المذكور، ثم بعد ذلك شرع يحكي حكاية جرت له مع الشيخ زين الدين المذكور، وقال: جئت مع والحي إليه، فلما قربنا من الباب قال لي والدي: لا تدخل معي بل قف قليلا، ثم ادخل قال: فلما دخل والدي، فسلم سمعته يقول له البعيد: حمار قال: ثم وقفت قليلا، ودخلت فقال لي: إيش أنت، فقلت: يا سيدي جحش ولد ذلك الحمار، فضحك هو، ومن عنده قلت: وبلغني أنه كان يستحضر.
سنة تسع وثلاثين وسبع مائة
هلك في شهر رجب منها ستون نفسا بالزلزلة في طرابلس الشام.
وفي الشهر المذكور قدم الإمام العلامة تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي متوليا قضاء القضاة في البلاد الشامية، وفرح العالم به لدينه وعفته وعلومه الباهرة، وأوصافه الجميلة.
وفيها توفي الإمام العلامة بدمشق، قاضي القضاة جلال الدين محمد بن عبد الرحمن القزويني الشافعي عن ثلاث وسبعين سنة، ذو الفنون، جامع المعقول والمنقول ابن قاضي القضاة سعد الدين ابن قاضي القضاة إمام الدين. أخذ المعقول عن الشيخ شمس الدين الألجي وغيره، وسمع من الفاروثي وطائفة، ثم ولي خطابة البلد مدة، ثم طلبه السلطان الملك الناصر، وشافهه بقضاء دمشق، ووصله بذهب كثير، فحكم مع الخطابة، ثم طلب سنة سبع وعشرين، فولاه قضاء الممالك، وعظم شأنه، وبلغ من الرتبة والعز ما لم يصل إليه غيره، وكان فصيحا حلو العبارة يعرف العربي والعجمي والتركي، مليح الصورة، موطأ الأكناف، سمحا جوادا حليما. جم الفضائل، كثير التحمل. ثم نقل في سنة ثمان وثلاثين إلى قضاء الشام، فتعلل وحصل له طرف من الفالج، ثم حضره الأجل، وله من التصانيف المفيدة الكتابان المشهوران في علم المعاني والبيان.
وفيها توفي الإمام العلامة، الصالح الخاشع، جامع المحاسن العديدة، والسيرة الحميمة الورع المتواضع الخاضع أبو البشر محمد بن محمد الأنصاري الدمشقي، المعروف بابن الصائغ، ولد سنة ست وسبعين وست مائة، وسمع كثيرا من أبيه، وابن شيبان، والفخر علي وعدة وحدث بصحيح البخاري، وحفظ التنبيه، ولازم حلقة الشيخ برهان الدين، وولوه قضاء القضاة فاستعفى، وصمم على الامتناع، فاحترمه الناس وأحبوه لتواضعه ودينه وتعبده. حج غير مرة، وأعطي خطابة بيت المقدس مدة مديدة، ثم تركها.

(2/257)


وكان مقتصدا في لباسه وأموره، كبير القدر حصل في صغره، ودرس وهو أمرد، وزار بيت المقدس عند قرب أجله فتعلل، ثم انتقل إلى دمشق، وفيها انتقل إلى الله تعالى، وكان حسن الاعتقاد، بمن سمع به من أهل الخير، كثير الوداد، ولقد بلغني أنه لما وقف على بعض كتبي، وأظنه كتاب الإرشاد، وضعه على عينه حسن ظن منه. نفعه الله ونفع به، وكذا عادة أهل الخير في حسن الظن ومن ذلك أني لما حكيت للسيد الجليل الزاهد الواعظ المقرئ الشيخ أبي عبد الله المغربي، المعروف بالقصري حكاية الشيخ المشهور، المقرئ المشكور محمد بن زاكي التميمي مع بعض المبتدعين لما قرأ عليه، واجتمع له التحقيق، وحسن الصوت قال له أصحابه: ما أحسن هذا لو كان شيخك منا، فقال: وما على من ذلك أخذت العسيلة، وتركت الظرف، فلما بلغ ابن زاكي ذلك، قال للطلبة: نحب أن ترجع إلينا عسيلتنا، فأنسى ذلك الشخص جميع ما كان يحفظ، وكان قد قرأ السبع، فعرف من أين أتى، واستغفر الله تعالى، وتاب ودخل في مذهب الشيخ ابن الزاكي، وكان شافعيا، وصار يتعلم كما يتعلم المبتدئ إلى أن بلغ خمس روايات، ثم توفي.
وهذه الحكاية مستفيضة في بلاد اليمن، فلما حكيتها للشيخ أبي عبد الله القصري المذكور قال لي: إن كنت قرأت على هذا الشيخ قرأت عليك نقول ذلك من باب حسن الظن كما ذكرت، ولمناسبة أهل الخير والصلاح في حسن الظن ذكرت هذه الحكاية هنا مع كونها دخيلة، وكان - رحمه الله تعالى - يسألني عن مذهب الإمام الشافعي، ويقول: أنا ما أتقيد بمذهب مالك بل آخذ بما رجح فيه الدليل، وكان يسمع بقراءتي سنن أبي داود على شيخنا الإمام رضي الدين الطبري، فلما فرغت قراءة الكتاب، قال: اكتب لي الإجازة، فكتبت وذكرت فيها بعض أوصافه على سبيل المدح، فأخذ القلم، وضرب على ذلك سوى المقرئ الواعظ، فإنه لم يضرب على لفظهما، وقال: صحيح وذلك من شدة ورعه وزهده أعني ضربه على ما نسبت إليه رحمه الله تعالى.
وفيها توفي شيخ بلاد الجزيرة الإمام القدوة شمس الدين محمد المنتسب إلى شيخ الشيوخ، في المجد والمفاخر الذي خضعت لقدمه رقاب الأكابر، الشيخ أبي محمد محيي الدين عبد القادر الجيلي، جده الرابع، أعاد الله من بركاته علينا، وعلى المسلمين، وكان شمس الدين المذكور عالما صالحا وقورا وافر الجلالة، روى عن الفخر علي بدمشق، وحج مرتين.
وفيها توفي صاحب التاريخ الكبير محمد بن إبراهيم ابن الجرزي الدمشقي عن إحدى وثمانين سنة.
وفيها مات بخليص محرما في ذي الحجة الإمام الحافظ محدث الشام علم الدين القاسم بن محمد بن البرزالي الشافعي، صاحب التاريخ، والمعجم الكبير عن أربع وسبعين سنة وأشهر.
قلت: وعليه أمنت الشاميون في الصلاة عليه في خليص بإشارة بعضهم، وكان روى عن خلق كثير، وقرأ وكتب، وتعب وأفاد مع الصدق والتواضع والإتقان، وكثرة المحاسن، ووقف جميع كتبه، وأوصى بثلثه، وحج خمس مرات رحمه الله.
سنة أربعين وسبع مائة
في صفر منها هبت بجبل طرابلس ريح فيها سموم وعواصف على جبل عكا وسقط نجم اتصل نوره بالأرض برعد عظيم، وعلقت منه نار في أراضي الجون أحرقت أشجارا، ويبست أثمارا، وأحرقت منازل، وكان ذلك آية عظيمة ونزلت من السماء نار بقرية الفيحة على قبة خشب أحرقتها وأحرقت ثلاثة بيوت. كل هذا صح واشتهر.

(2/258)


وفيها توفي بمصر الإمام العلامة الصالح المشهور، الخاشع المشكور أبو بكر بن إسماعيل بن عبد العزيز مجد الدين السنكلومي من سنكلوم بالسين المهملة، والنون والكاف، واللام والواو، ثم الميم بلدة من أعمال الشرقية، وبعضهم يقول: السنكلوني بالنون قبل باء النسبة، الفقيه الشافعي، المفيد الورع. قدم القاهرة قريب بلوغه، أو بعد البلوغ، فأخذ الفقه عن الشيخ محيي الدين عبد الرحيم النشائي الفقيه، وكان أكثر اشتغاله واستفادته عليه، ثم اشتغل أيضا على الإمام العلامة عز الدين بن عمر بن أحمد بن المدلجي وغيرهما، وكثر عن عز الدين المذكور، فأخذ عنه الفقه والنحو، وشيئا من الأصول، وقرأ عليه الكافية لابن مالك في النحو، وقرأ الفصول لابن معطي على أبي البقاء خطيب القدس، وأخذ أصول الفقه، وشيئا من علم البيان عن الشيخ علم الدين العراقي، وصنف عدة كتب في الفقه منها انتخابه لكافية النبيه، وشرح التنبيه للإمام نجم الدين بن الرفعة ست مجلدات، وسماه " تحفة النبيه في شرح التنبيه " في أربع مجلدات.
قلت وهذا الكتاب المذكور منتفع به مشكور متداول بين أهل العلم مشهور.
ومنها اللمح العارضة فيما وقع بين الرافعي والنووي من المعارضة في مجلد واحد.
ومنها شرح منهاج النووي في الفقه، ومنها شرح مختصر التبريزي في الفقه أيضا، وابتدأ في شرح التعجيز مختصر الوجيز لابن يونس، وسماه الواضح الوجيز في شرح مختصر الوجيز، وبلغ نحوا من النصف، وسمع الحديث عن جماعة منهم الحافظ الدمياطي، وحدث بالقاهرة، وولي مشيخة الرباط الركني، ثم الخانقاه، ثم التدريس بالقبة من الخانقاه، والإعادة في الفاضلية والقطبية والظاهرية وغيرها من المدارس، وكان كريم النفس، حسن الأخلاق، كثير التواضع، طارحا للتكلف يحمل عيش عياله بنفسه إلى الفرن، كثير الاشتغال للطلبة، متصديا لاشتغالهم وإفادتهم في أكثر أوقاته قلت: وبلغني أن له بعض كرامات، وذكر أن عمره ينيف على الستين رحمه الله تعالى.
وفيها توفيت مسندة الشام أم محمد زينب بنت الكمال أحمد بن عبد الرحيم المقدسية المرأة الصالحة العذراء، عن أربع وتسعين سنة، روت عن جماعة سماعا وإجازة، وتكاثروا عليها، وتفردت وروت كتبا كبارا.
قلت: وإلى هاهنا انتهى تاريخ الذهبي، وكذلك انتهى في نيف وستين وست مائة تاريخ ابن خلكان، ومنهما انتقيت تاريخي هذا وها أنا أذكر بعض من توفي من الأعيان في عشر سنين أخرى التقطتهم مما ذكره بعض المتأخرين.
سنة إحدى وأربعين وسبع مائة
وفيها توفي الإمام العلامة الأوحد شمس الدين أحمد بن يحيى بن محمد القرشي البكري السهروردي الشافعي الكاتب، سمع الحديث، وأخذ الإجازة من جماعة، وشارك في طرف من العلوم، وبرع في اللغة والأدب، وفاق في صناعة الخط، وحسن الكتابة، وتقدم في صناعة الموسيقى، وصار شيخ الكتاب، ورئيس أهل الآداب، حسن الأخلاق، جميل الأعراق، كثير الحياء والإطراق، سديد المقال، مليح الفعال، كريم الطباع، كثير الإطلاع، معمور الأوقات في الاشتغال والأشغال، صاحب رأي وفصاحة، وشرف نفس وبلاغة.
سنة اثنتين وأربعين وسبع مائة
فيها توفي الشيخ شهاب الدين أحمد بن منصور الدمياطي المعروف بابن الحباس الصوفي الأديب الشاعر، ومن شعره:
زاد وجدي فلست أملك صبرا ... أعظم الله لي في الصبر أجرا
راسل الوجد مهجتي فدموعي ... أرسلت رسلها على الخد تترى
صنت سر الهوى، فنم بي الدمع ... فلولا الدموع لم أبد سرا
يا عذولي دع الملام فإني ... أرى موتي على الصبابة أحرى
لا تلمني على الغر أم، ولكن ... خذ من الوجد والصبابة حذرا
مع أبيات أخرى منها قوله:
يا عزيز الجمال رفقا بقلب ... إن فيه ليوسف الحسن مصرا
سنة ثلاث وأربعين وسبع مائة
فيها توفي الإمام العلامة قاضي القضاة عبد الله بن محمد العبيدلي الفرغاني الحنفي البارع العلامة المناظر. يضرب بذكائه ومناظراته المثل. كان إماما بارعا متفننا خرج به الأصحاب بعرف المذهبين الحنفي والشافعي أقرأهما، وصنف فيهما.

(2/259)


وأما الأصول والمعقول، فتفرد فيهما بالإمامة، وله تصانيف منها شرح الغاية في الفقه في مذهب الشافعي، وشرح الطوالع وشرح المصباح، وشرح المنهاج للبيضاوي وغير ذلك من التصانيف، والأمالي، والتعاليق، وولي تبيز وأعمالها إلى أن توفي، وكان الأستاذين في وقته.
سنة أربع وأربعين وسبع مائة
فيها توفي الإمام العلامة تقي الدين أبو الفتح محمد بن عبد اللطيف الأنصاري الشافعي السبكي المصري. نزيل دمشق برع في الفقه والأصلين، وصار علامة زمانه، ورئيس أقرانه مع حسن أخلاق، وكثرة تواضع، وديانة حسنة، وسمع بمصر والشام كثيرا، وله شعر رائق، ونثر فائق، وكتابة جيدة، وذهن ثاقب، وقريحة حسنة، وحسن قراءة الحديث، ودرس وأفتى وصنف.
سنة خمس وأربعين وسبع مائة
فيها توفي الإمام العلامة المفتي الشافعي القاضي شمس الدين محمد بن أبي بكر المعروف بابن النقيب، بقية الشافعية بالديار الشامية، ولي القضاء بمدينة حلب وغيرها، ودرس بالشامية البرانية، وانتفع به المسلمون وأسند وعمر.
؟سنة ست وأربعين وسبع مائة
فيها توفي العلامة الهمام أحد أئمة الأعلام، المقتدي بهم شيوخ الإسلام، المفيدين للطلبة، المفتين للأنام، البارعين في المعقول والمنقول، الجامعين لفنون العلم، الكثيم المحصول فخر الدين أبو المكارم أحمد بن حسن نزيل تبريز الفقيه الشافعي، صاحب المصنفات البديعة، والمؤلفات المفيدة.
منها الحواشي على الكشاف في عشر مجلدات، وشرح المنهاج للبيضاوي في أصول فقه الشافعية، وشرح البزدوي وشرح الهداية للحنفية، وشرح التصريف لابن الحاجب.
سنة سبع وأربعين وسبع مائة
فيها توفي الفقيه القدوة المدرس المفتي، شرف الدين أبو عبد الله محمد ابن الصاحب، الفقيه الزاهد زين الدين أحمد ابن الصاحب، الفقيه فخر الدين بن الصاحب الكبير الشهير الوزير في المحاسن المشكورة، والمكارم المشهورة، بهاء الدين علي ابن محمد المعروف بابن حنا. توفي شرف الدين المذكور ليلة الجمعة ثامن شهر رمضان من السنة المذكورة، وكان مع فضله في العلم صاحب محاسن. متواضعا حسن الاعتقاد في أهل الخير، حريصا على لقاء الصالحين ومجالستهم، وقد قدمت في ترجمة الشيخ محمد المرشدي سنة سبع وثلاثين اجتماعه هو وأولاده بي في زاويته، وما صدر منه من حسن الاعتقاد والتواضع والوداد، وكتابتهم عني قصيدتي الموسومة " بالحلاب الحالي في مدح الحاوي " والتماسهم مني الإقامة عندهم، وإقراء الكتاب المذكور لهم، وأن أكتب خطي في بعض الفتاوى، فأجبت لفظا، واعتذرت عن الخط والإقامة، وما عاينت من الشيخ محمد في ذلك من الكرامة.
سنة ثمان وأربعين وسبع مائة
فيها توفي السيدان الجليلان الإمامان الحفيلان، بركتا الزمن، وزينا اليمن أحدهما شيخنا وسيدنا وبركتنا الشيخ الفقيه الإمام مفتي المسلمين، رفيع المقام، العالم العامل، الورع الزاهد، العابد ذو المحاسن والمحامد والمواهب الجزيلة، والمنزلة الجليلة، والأوصاف الجميلة، والدرجة الرفيعة العلية، والشمائل الحسنة الرضية. المدرس المفيد ذو الفضل العديد، والكرامات الكثيرة، والمناقب الشهيرة جمال الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد الذهيبي بضم الذال المعجمة والموحدة بين المثناتين من تحت مجموع المحاسن المفضال المشهور بالبصال. صحب الشيخ الكبير الولي الشهير، صاحب السيرة الحميدة، والكرامات العديدة. مطلع الأنوار، منبع الأسرار الشيخ عمر المعروف بابن الصفار في مدينة عدن. وانتفع به، وحصل له نصيب وافر، وسكن في قلبه مذ صحبه، وأقرأ، وهذا الشيخ عمر المذكور رأيته في حياته، ودعا لي بعد وفاته في المنام بعد أن سألته، وقلت له: يا سيدي أما مت أنت؟ فقال: العجب أن يقال أني مت.
قلت: وهذا يؤيد ما ذكره بعض مشائخ الصوفية في قوله: الصوفي لا يموت، ثم دعا إلي الشيخ عمر المذكور المشكور في المنام المذكور بعد أن مسح على صدري، وقال: أصلحك الله صلاحا لا فساد له نسأل الله الكريم أن يحقق ذلك.
وقد قدمت في ترجمة الشيخ محيي الدين النواوي أنه دعا لي في المنام أيضا، فقال: وفقك الله، وزادك فضلا، وثبتك بالقول الثابت في الحياة الدنيا، وفي الآخرة. اللهم اقبل ذلك لي، ولسائر أحبائي، والمحبين آمين.

(2/260)


وجالس ذا الأنفاس الصادقة، والكرامات الخارقة، والمواهب السنية، والمقامات العلية شيخنا المشكور الولي المشهور مسعود الجاوي أحد كبار أصحاب الشيخ الفقيه، في المناقب الشهيرة، والكرامات الكبيرة، صاحب موزع المتقدم ذكره في ترجمة الفقيه الإمام في الكرامات العظام العلي المقام محمد بن إسماعيل الحضرمي.
وانتفع الشيخ مسعود المذكور وهو والشيخ عمر بن الصفار بابن الخطيب المذكور انتفاعا عظيما، ونالا منه منالا كريما، والشيخ مسعود هو أول من ألبسني الخرقة. جاءني وأنا منعزل في مكان، وقال لي: وقع الليلة إشارة أني ألبسك الخرقة وألبسنيها، وكان يجتمع هو وشيخنا جمال اللين المذكور، ونحن وجماعة من أصحابهما معهما في أوقات مباركات في عدن، وفي ساحل البحر في بعض الساعات أعني ساحل ضراس بضم الضاد المعجمة، وفي آخره سين مهملة، وقبل الألف راء الذي خلف ساحل حقات، وحقات بضم الحاء المهملة وتشد يد القاف، وفي آخره مثناة من فوق.
وتفقه شيخنا جمال الدين المذكور بالفقيه الفاضل، في المحاسن، والفضائل، والتصوف، والصلاح، والأوصاف الجميلات الملاح، شيخنا في الفرائض في الذوق والوجدان، عبد الرحمن، المعروف بابن سفيان، من ذرية الشيخ الكبير، العارف بالله الشهير، ذي المقامات العالة، والكرامات الغالية، والمناقب الجميلة، والمواهب الجزيلة، الفقيه سفيان الحضرمي اليمني قرأ شيخنا جمال الدين المذكور على ابن سفيان المذكور كتاب التنبيه، وحقق وبحث ودقق، ثم جمع شيخنا جمال الدين المذكور كتابا ينتفع به الفقيه بعضه. يتعلق بشرح النبيه، ذا فوائد عديدة، ونكت مفيدة، رأيته يطالعه وقت ما كنت إليه أتردد ولا يظهره في ذلك الوقت لأحد، وفاق في معرفته شيخه وغيره من الفقهاء النجباء، والفضلاء الأدباء، ودرس وكل من طلبته به انتفع، وعرض عليه قضاء عدن، فامتنع، وكان له صوت في قراءة القرآن يهيج من الخليين الأشجان، وألفاظ تعجب من وعاها، وتطرب من رآها، وعبارة تلين القلب القاسي، وخلوات ترغب في مجالسته الناسي، وزهد يسلي من الدنيا كل حريص، ويغلي به في الآخرة كل رخيص، قرأت عليه القرآن الكريم، وصليت به في رمضان إماما خمس سنين، وقرأت عليه كتاب التنبيه فأولم عند ذلك وليمة كبيرة، وذبح كبشين، وأطعم جماعة كثيرة، وهو أول من انتفعت به، ورأيت بركته من الشيوخ الذين صحبتهم قدس الله أرواحهم، ونور ضريحهم، ورضي عنهم.
والثاني من للشيخين المذكورين شيخنا، وقدوتنا، وسيدنا، وبركتنا الشيخ الكبير، العارف بالله الخبير، خزانة الأسرار، ومطلع الأنوار، الفقيه الناسك، المجذوب السالك، ذو السيرة الجميلة، والمناقب الجليلة، والمحاسن الغالية والمقامات العالية، والأحوال الباهرة، والمكاشفات الظاهرة، والكرامات الخارقة، والأنفاس الصادقة، والمعارف والعلوم الملدتيات، والآداب والأخلاق الرضيات، والتربية في سلوك الطريقة، والجمع بين الشريعة والحقيقة، ذو التخصيص والتمكين، أبو الحسن نور الدين، علي بن عبد الله اليمني الطواشي، نسبا، الشافعي الصوفي مذهبا، قدس الله روحه ونور ضريحه اشتغل رضي الله تعالى عنه بفنون من العلوم حتى في علم الطب، وأكثر اشتغاله بالفقه، وكان الغالب عليه التنسك، وحب الخلوات والانعزال عن المخالطات، وكان يسافر مع أبيه وأخوته، فإذا دخلوا السوق للتجارات، دخل المسجد للعبادات، ملازما للتلاوة والإذكار وزيارة الأولياء الأخيار، حتى حصل له من بعضهم تعليم الاسم الأعظم، الذي من عرفه يقرب ويكرم، وحصل له مع السلوك جذبة من جذبات الحق، وهيبة جلالية حتى هابته الملوك ذو أحوال عظيمة، وظهور كرامات كريمة، وأفاض عليه الحق من فيض فضله، وملأ قلبه من أنوار. قدسه، وهذبه، وزكاه، وطهره من صفات نفسه، وملأ قلبه وقالبه من أنوار قدسه، وهذبه وزكاه وقربه وأدناه، وبالحياة الطيبة أحياه، وكشف له حجاب الجمال والجلال، وأطلعه على مكنون المعارف والأسرار، وغير ذلك مما لا يعرفه الأعارف بالله مجذوب سالك هو بمكان من المقام العالي، والحال الخطير، والناس يبصرونه ضعيف الجسم متواضعا في زي فقير، ويحسبونه من جملة الفقراء المشاركين، ولا يدرون ما عنده من جليل الولاية، وعلو المنزلة والتمكين، وفي هذا قلت:
يرون جسما براه الحب بالتلف ... وليس يدرون درا داخل الصدف

(2/261)


حاكى شيوخا أجلا سادة سلفوا ... أكرم بمن في المعالي لاحق السلف
كنت أعهده رضي الله تعالى عنه منذ سنين عديدة يأتي للحج والزيارة متحليا بحلية حميدة، وكثيرا ما يأتي لذلك، ويسافر وفلاح الصلاح عليه قد لاح وهو ظاهر، وربما أتاني في بعض الأوقات تفضلا منه في مكة شرفها الله تعالى يقال: عندما يأتي للحج، وهو حينئذ من الصالحين، ثم جاءه بعد ذلك نصيب وافر مما أشار إليه الحق سبحانه بقوله تعالى " أتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما " وبقوله عز وجل: " ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم " وبقوله تعالى " يجتبي إليه من يشاء " وغير ذلك، ثم لزم منزله، وصار لا يحدث شيئا من الحركات ألا بأمر وإشارات كل هذا، وما عندي علم حتى سافرت إلى اليمن السفرة الأولى، فتلقاني إلى الساحل في جمع كثير من فقرائه وجيرانه، وإذا الرجل غير الرجل، والوصف غير الوصف ظاهره قد كسي بملابس الأنوار، وباطنه خزانة المعرف والأسرار، يفوح فيه طيب الوصف بالغدو والآصال. ويصدق فيه قول الذي قال:
إلا إن وادي الجزع أضحى ترابه ... من المس كافورا وأعواده رندا
وما ذاك إلا أن هندا عشية ... تمشت وجرت في وجوانبه بردا
وفي انتقاله من حالة البعد والعنا إلى حالة القرب والهنا قلت:
عهدتكم قدما على غير حالة ... بها اليوم أنتم ساده وملوك
أتاكم من الرحمن جذب عناية ... فهان عليكم للوصول سلوك
وفي مشيه إلى عندي قلت مستعير البيت الثاني:
لقد حق لي يا هند أنشد في الهوى ... ولاق بحالي حين جاء سيدي عندي
خليلي هل أبصرتما أو سمعتما ... بأكرم من مولى تمشى إلى عبد
ثم سافرت السفرة الأخيرة، فرأيت ما أدهش عقلي، وحير فكري من الأحوال والمعارف والأسرار والمكاشفات، والأنوار والكرامات، وغير ذلك مما شاهدته منه في حال خلوته في أوقات كثيرة عند ورود أحوال عظيمة تجري على لسانه فيها من عجائب الغيوب ما يحيي القلوب، وفي ذلك قلت على جهة النيابة على لسان حاله:
وما قلت قولا غير أني أعرتها ... لساني فأومت للهوى يتكلم
فأسرارها منها علمت، وعندما ... سكرت جليسي سرها منه يعلم
أعني يعلم الجليس السر المودع في القول الجاري على لسان الغائب بواسطة الهوى المشار إليه بالكلام، فالضمير في منه يعود إلى الهوى، والمعنى أن الله تعالى يجري على لسانه كلاما في حال غيبته بما يريده الله تعالى يسمعه الجليس ليس باختيار من الشخص المذكور.
ومن ذلك قول أبي القاسم الجنيد رضي الله تعالى عنه لما سئل أن يملي كلامه: لو كنت أجريه كنت أمليه، وأما في حال الصحو، فهو في نهاية المحو ينكر ذلك، ولا يظهر منه شيئا أصلا لا قولا ولا فعلا ولا علما ولا حالا. متحقق بقول القائل:
ومستخبر عن سر ليلى رددته ... فأصبح في ليلى بغير يقين
يقولون أخبرنا فأنت أمينها ... وما أنا إن أخبرتهم بأمين
اللهم ألا مجالس تكلم معي فيها في حال الصحو، فكشف الخمار عن وجه كثير من مليحات المعارف والأسرار، ولكن نادر، وأطال البسط معي في ثلاثة مجالس. المجلس الأول مجلس إيناس وتأليف، والمجلس الثاني مجلس تأديب وتخويف، والمجلس الثالث مجلس تبشير وتعريف على ما سبق به القضاء من التقدير والتصريف، وهذا المجلس الثالث هو الذي أشرت إليه في القصيدة بقولي:
ولا سيما يوما أغر مباركا ... به اليمن والبشرى بتبليغ منيتي
ولعل أكثر الناس أو كثيرا منهم له معه مجالسة كثيرة، ولا يظهر لهم منه صغيرة ولا كبيرة، ويعرض عليه أشياء كثيرة قبل أوقاتها. من ذلك قولي في قصيدة مدحته بها:
وطفت ببيت الرب قلب مطهر ... من الجس من كل الصفات الدنية
ومفتتح القصيدة المذكورة قولي:
تخلفت يوم البين عنه بجثتي ... وراحوا بقلبي يوم بانوا أحبتي
وناديت والركب اليماني راحل ... وعندي مقيم في الحشا حر لوعتي
خليلي سيرا بلغا لي تحيتي ... إلى عند سكان الربوع البهية
إذا جئتما حلي ابن يعقوب بمنا ... قليلا إلى حيث العادات حلت

(2/262)


وبثا غرامي في الربوع وقبلا ... رباه وصبا دمعة بعد دمعة
ومنها عند ذكر شيخنا المذكور:
له أسفرت بيض الغلى عن محاسن ... وقالت له: بشراك بشرى برويتي
فمديت طرفي كي أراها فأسبلت ... خمار الهادوني، فمت بحسرتي
فإن أسعدت يوما برفع خمارها ... على الوجه أحيتني بأول نظرة
سقى الله أياما خلوت بسيد ... بها هل تراها سامحات بعودة
فكنا بها في طيب جمع بها الهنا ... وعيش صفا من قبل تكدير فرقة
ولا سيما يوما أغر مباركا ... به اليمن والبشرى بتبليغ منيتي
فشاهدت من أحواله وعلومه وأنواره ... ما تحته كل تحفة
وألبسني عن أمر مولاه خرقة ... كسيت بها فخرا لأمر بيقظة
مولى من الموالي أجل ولاية ... يسل عليها سيف سطوة عزة
به كل جبار من الخلق خاضع ... إلى عزة يأتي مطيعا بذلة
له في معالي المجد منزل سؤدد ... به طربت بيض المعالي وغنت
مع أبيات أخرى في بعضها استعارات، يطرق إليها إنكار من بعض من لا يفهم معاني الاستعارات والمجاز والإشارات، والعجب أن المنكرين هم من أهل السنة مع استحسان إمام الزيدية العلامة الفاضل يحيى بن حمزة للقصيدة المذكورة، فيما أخبرني به بعض حملة كتاب الله من المخبرين المباركين. قال: رأيته في حراز من بلاد اليمن، وقد أتي غازيا الإسماعيلية في جيش كثير قال: فلما - علم أني قاصد الحج: قال: لعلك تأتيني، أو قال: عسى أن تأتيني بشيء من كلام فلان، فقد وقفت له على قصيدتين أعجبتاني إحداهما في مدح شيخه قلت: والعجب كل العجب ممن ينكر ما تضمنته من ذكر الاستعارات، وعلو المقامات مما يستحسنه المخالفون المنكرون للمقامات، فنسأل الله الكريم الوهاب القادر أن يعافينا من عمي البصائر قد وعمني شيخنا المذكور بالجائزة للقصيدة المذكورة، وقال: هي تأتيك، ولو بعد حين، فلا تيئس منها، وإن طال الزمان، ونزل من مقامه العالي في التواضع وغيره، وأنزلني منزلة ليست لي بمكان، وفي ذلك قلت:
وأهلني المولى لما لست أهله ... وأنزلني منه الندا فوق منزلي
وأنزلته في مدحتي دون منزل ... له في العلى في كل ناد ومحفل
قلت: ومن تواضعه المذكور أني رجعت ذات يوم من صلاة الجمعة في حلى، فوافيته خارج القرية يريد الرجوع إلى منزله، وقد أتى بمركوب يركب عليه لحدوث ضعف فيه مع ضعف مزاجه، وضعفه برياضته وعلاجه، فلما راني قال: اركب فامتنعت من ذلك، فألح علي حتى ركبت، وصار هو يمشي بعدي.
ومن ذلك أيضا أنه حصل لي تأديب في وقت هو فيه غائب لحال ورد عليه، فلما أفاق قال لي: قد يؤدب الفاضل على يد المفضول. يعني أنه حصل لموسى عليه السلام أدب على يد الخضر عليه السلام.
وله من المحاسن والسيرة الرضية، والكرامات والمناقب العلية، والتواضع والآداب. ما يضيق عن ذكره كتاب، فالله تعالى يزيده من فضله، ويجزل له الأجر والثواب، وينفعنا والمسلمين به وبالصالحين آمين.
وقد ذكرت في بعض كتبي شيئا من كراماته المشتملة على بشاراته لي بما أرجو حصوله من فضل الله الكريم، وها أنا أذكر هنا بعض ذلك.
ذكر شيء من كرامات شيخنا نور الدين قدس الله روحه على وجه الاختصار.
فمنها ما أخبرني بعض أصحابه وأولاده، واستفاض في جهته وبلاده أنه قال لأمراء زمانه الطاغين في مكانه: إن لم تنتهوا عن كذا وكذا من المظالم والمعاصي جاءتكم النار، فقيل له في ذلك الحال: متى تجيء النار؟ قال: ليلة الجمعة، فلما كان سحر ليلة الجمعة طلع مؤذن الجامع المنارة ليذكر، فرأى نارا مقبلة في الجو مثل المنارة تدنو منهم قليلا قليلا، فصاح ألا جاءكم ما أوعدكم به الشيخ علي، فخرج الأميران في ذلك الوقت قاصدين الشيخ، وكان خارج البلد نازلا في بيت وحده، وأظهر له التوبة، وبكيا وتضرعا ومرغا خدودهما على الرماد بين يديه، وإذا بالنار قد انقسمت نصفين، فذهب أحدهما في جهة، والنصف الآخر في جهة راجعين عن البلد، والحمد لله الرحمن الجواد.

(2/263)


ومنها ما سمعته أيضا غير مرة من غير واحد من تلامذته، واشتهر شهرة عظيمة في بلدته أن إنسانا يقال له: ثابت من بعض البلدان البعيدة ممن أعرفه، وأقام عندنا بمكة أشهرا عديدة، ثم سافر إلى بلاد حلي ابن يعقوب يحبسه العوام من الصالحين المنال. عندهم المطلوب، فأقام زمانا طويلا في القرية، فلما كان يوم الجمعة من جميع ذلك الزمان جاء شيخنا المذكور إلى الجامع ليصلي الجمعة، وإذا بثابت المذكور جالس في طريقه، فلما مر عليه الشيخ أطلق ثابت لسانه فيه وسبه، وهم بعض من هو مع الشيخ بالبطش فيه، فقال الشيخ: دعوه معه ما يكفيه، فاشتغل في الحال نارا فأخذ من حضر ماء، فجعلوا يصبونه على تلك النار لكي تنطفئ، فأحرقت ما شاء الله من جسمه ولحيته، والحمد لله على نعمه وإكرامه لأهل طاعته.
ومنها ما أخبرني بعض الصالحين ممن أعرفه وأعتقده، أن بعض ذرية الفقيه الكبير الولي الشهير، السيد الجليل، أحمد بن موسى بن عجيل - قدس الله روحه - أتى بقافلة اليمن، فلما وصل بلاد الشيخ أرسل بعض الفقهاء من أصحابه إلى الشيخ يسأله عن الأصلح في سفر البر أو البحر خوفا من العربان القطاع أولي الفساد والأطماع، فلما أتاه الرسول وجد الشيخ مقبوضا، فلما لم ير عنده شيئا من البسط والإيناس. قال في نفسه: ليت الفقيه فلانا استشار فلانا رجلا صالحا في القافلة سماه. خطر له ذلك قبل أن يبلغ الرسالة، ولا ذكرها بعد ذلك، فلما خطر له هذا الخاطر قال له الشيخ في الوقت الحاضر: قل للفقيه إن شاء مسافر برا أو بحرا، فما عليهم إلا السلامة، واعلم أن المشهورين في بركة المستورين.
ومنها ما أخبرني بعض شيوخ اليمن المشهورين بالصلاح، والاتصاف بالأوصاف الملاح، في شهر رمضان المبارك في الحرم الشريف، وهو متوجه للإحرام بالعمرة. أنه رأى شيخا المذكور بعد صلاة الصبح منصرفا من حول الكعبة إلى جهة بلاده، وأنه مر عليه، وتبسم في وجهه، وأشار مع السلام بإصبعه إليه، وذكر أنه كان يتعبد معه في بعض السواحل في أيام البداية، وأنه كان يأتي إلى شيخنا كل ليلة ثلاثة أنفس أحدهم الخضر فيتحدثون معه ما شاء الله تعالى من الليل، وأنه كان يتنحى عنهم في ذلك الاجتماع، ويقول لشيخنا: ما جاؤوا إلا إليك اللهم أنفعنا بعبادك الصالحين بحرمتهم عليك.
ومنها ما أخبرني بعض الفقهاء المتقنين المباركين المتنسكين أنه أذن له شيخنا المذكور في الخلوة، فدخل فيها، وكان في بعض الأوقات يتصور له بعض الشياطين يوسوس عليه يراه بعينه ظاهرا، فشكا ذلك إلى الشيخ، فقال له: إذا رأيت شيئا من ذلك ناد باسمي، قال: فلما كان فات ليلة تصور لي الشيطان، فقلت: يا سيدي الشيخ علي فما تم مقالتي إلا والشيخ واقف بباب الخلوة مع بعد منزله عن ذلك المكان، فسبحان الكريم المنان الذي طوى لهم المكان والزمان، وأطلعهم على ما شاء من الغيب حتى شاهدوه بالعيان.
ومنها أنا لما بلغنا في سفر البحر إلى مرسى حلي قال لي أصحابي: تنزل إلى الساحل. قلت: لا، فنزلوا وبقيت في المركب وحدي، ونويت أني إذا بلغت اليمن لزيارة جماعة من الصالحين، ورجعت زرت الشيخ نور الدين المذكور في حلي، فلما كان ضحوة اليوم الثاني من نزول أصحابي حدث عندي داع إلى النزول إلى الساحل، وإذا بزورق، وهو المعروف بالسنبوق في اصطلاح بعض الناس فيه بعض البحارين جاء إلى بعض المراكب المرساة لقضاء حاجة، فأشرت إليه أن يدنو مني، فأتاني، فركبت معه في الزورق إلى الساحل، فلما صرت في البر تمشيت فيه قليلا، وإذا بالشيخ علي المذكور مقبلا إلي في جمع كثير ركبان ورجالة من أصحابه وجيرانه، فسلم علي، وألبسني الخرقة، فعلمت أن الداعي الذي أزعجني إلى النزول في ذلك الوقت بعد أن لم يكن لي فيه نية إنما هو بخاطر الشيخ إذ كان الاجتماع الذي وقع بيننا مقدورا له النزول سبب، والحمد لله على ذلك السبب الذي قدر لي به أني أصحب، وعلى جميع ما أنعم ووهب.

(2/264)


ومنها أني خرجت في بعض الأيام إلى خارج البلد، واخترت موضعا بعيدا عن الناس، فخلوت فيه تحت شجرة خفية بين أشجار البرية بحيث لا يهتدي مكاني أحد، فما شعرت إلا والشيخ معي، فجلس معي قليلا، فسررت بذلك سرورا كثيرا، وحسبت أنه يطيل الجلوس عندي فأتملأ به، واسأله عن كل ما أريد، فورد عليه حال، فقام بعد أن ظهر فيه مبادي السكر، فحصل في باطني عند ذلك تألم واحتراق لعدم حصول ما أملت، فقلت له: عند ذلك ما كان لي بمجيئك حاجة، فقال: ولم قلت؟ لأني فرحت بمجيئك، ثم تألمت بقيامك، فأتى إلي ووضع إصبعه على قلبي، وقال: هذا موضع الألم، فسكن ذلك الألم، وبردت تلك الحرقة كما تبرد النار إذا صبت عليها الماء، وازددت عند ذلك في اعتقاد فضله علما، والحمد لله على المعرفة لهم والصحبة، وعلى ما خلق بيننا وبينهم من المحبة.
ومن هذا الإسكار الذي يفارق به الأغيار، ولا يرضى فيه إلا بمجالسة الملك القهار أني مررت بجنبه في بعض الأحيان، وهو جالس على بعض الكثبان، فناداني إليه، فجلست معه قليلا، وهو منشرح منبسط معي، ثم ورد عليه وارد أخرجه عن ذلك الحال إلى حال آخر ظهر عليه في مبادي السكر، فقبض نفسه فيه، وتنمر ونظر إلي نظرة النشاوي في سكرهم، وقال: من جالس الملوك لم يرض مجالسة غيرهم، فقمت عنه هاربا، ورجعت في طريقي التي كنت فيها ذاهبا، وكان هذا ضحوة النهار، ثم رجعت من وجهي الذي توجهت فيه بعد العصر، فإذا به قد تغير عن ذلك الأسلوب، ورجع إلى الأسلوب الانبساط المحبوب، وقد أتى بمركوب يركبه فأقسم علي أن أركب ذلك المركوب، فركبته، ومشى هو مع جلالته وضعفه، وتباين ما بين طرفي نهاره في هيبته ولطفه متحققا بقول قائلهم:
إذا كنا به تهنا دلالا ... على كل الموالي والعبيد
ولكنا إذا عدنا إلينا ... يعطل دلنا ذل اليهود
ومنها أني حكيت له مرة أني قصدت في أيام الحج رجلا من الصالحين في منى، فطلبته في منزله، فلم أجده، فطلعت بعض جبال منى، وانعزلت بعيدا من الناس تحت بعض الأحجار، فبينا أنا كذلك، لماذا بذلك الرجل الصالح الذي كنت أطلبه معي، فوقف عندي ما شاء الله، فلما حكيت لشيخنا المذكور هذه الحكاية تعجيبا له بذلك في ظني قال لي: عسى كان اجتماعكم في المكان الفلاني، وأشار إلى ذلك المكان بعينه مع عدم تميزه عن غيره تميزا يهتدي به إليه، فلما سمعت منه ذلك تعجبت، وقلت له: الفرسان يمرون علينا، ولا يسلمون، فقال: يسلمون بالقلوب، ثم جمعت بينه وبين الصالح المذكور، وهو الولي الحبيب خالد بن صالح بن شبيب في المسجد الحرام ليلا، فحصل للشيخ خالد بذلك سرور، فلما افترقا قال لي الشيخ علي: هذا من غزة، ولم يكن لهما قبل ذلك اجتماع بل بمعرفة القلوب والكشف والاطلاع رضي الله تعالى عنهم، ونفعنا بهم.
ومنها أنه خطر لي في وقت خلوة من أفضل هو أو شخص آخر، فقال لي: عند خطور هذا الخاطر، ما الفرق بين الرسول والنبي؟ فأردت أن أذكر ما بينهما من الفرق بحسب ما يخطر لي من العبارة، فسبقني وعبر في الفرق بينهما بعبارة حسنة مشتملة على ألفاظ وجيزة جامعة، ومعان حسنة، حاصلها أن الرسول هو الذي يوحي إليه، ويرسل إلى الخلق، ويؤيد بالمعجزات التي تدل على الحق، والنبي غير متصف بهذه الصفات، وكذلك الأولياء منهم من يؤمر بإرشاد المريدين، ويؤيد بالكرامات والبراهين. ومنهم من له فضل في نفسه، وليس له شيء من هذه المذكورات، ففهمت من ذلك أن الفرق بينه وبين ذلك الشخص نسبته نسبة الفرق بين الرسول والنبي على حسب ما بين النبوة والولاية من التفاوت، فهو في أعلى درجات الولاية كما أن الرسول في أعلى درجات النبوة، وذلك الشخص في أسفل درجات الولاية، كما أن النبي في أسفل درجات النبوة، ومفهوم كلامه أنه أفضل من ذلك الشخص، فقلت له في ذلك الحال: هل يتصور أن يصير النبي رسولا. ومرادي أن ذلك الشخص، هل يصير في مرتبة التربية والتأييد بالكرامة، وإرشاد السالك؟ فأشار إلي أنه قد يتصور ذلك، نسأل الله الكريم من فضله العظيم لنا ولأحبابنا والمحبين.

(2/265)


ومنها أنه قال لي بعض الأولياء الكبار ممن له بكثرة الكرامات في بلاد اليمن اشتهار: سلم لي على الشيخ علي يعني شيخنا المذكور، وذلك عقيب صحبتي للشيخ، وكنت في ذلك الوقت زائرا عشرة من الأولياء، فلم يذكر لي أحد منهم بالسلام ولا غيره غير الشيخ علي، فقال: يأخذ كل واحد منكما عن صاحبه تأخذ عنه نورا، ويأخذ عنك علما، فقلت في نفسي متعجبا: كيف يأخذ عني العلم، وهو ممن يفيد العلم وغيره. وأما أخذي عنه النور، فهو أهل لذلك، وأنا مفتقر إليه، فاسأل الله تعالى أن يحقق ذلك، وكان هذا الكلام سرا بيني وبينه لم يطلع عليه أحد غير الله.
فلما قدمت على سيدي الشيخ أخرج لي كتابا من كتب الإمام حجة الإسلام أبي حامد الغزالي، وقال: ما تقول في هذه المسألة؟ وأشار إلى كلام فيه لأبي حامد، فقلت: سبحان الله مثلك يسأل مثلي: فقال لي: إيش قال الشيخ فلان؟ مشيرا إلى ما ذكرت من قول ذلك الشيخ، ويأخذ عنك علما، فلما قال لي ذلك تعجبت، وعلمت أن الرجل صاحب تمكين في الاطلاع على القلوب، وما شاء الله من علم الغيوب، وقوة التصرف النافذ فيما شاء الله من الوجود، بمن الملك المنان ذي الكرم والجود.
ومن قوة تصرفه أن بعض أصحابه كان قد منعه من الأسفار مع رغبته فيها، فقال صاحبه المذكور لشيخ من شيوخ اليمن الكبار: أشتهي منك، ومن فلان شيخ آخر من الكبار أيضا أن تكفياني أمر الشيخ علي في منعه لي من السفر، وتضمنا لي ذلك، فقال له: لا والله يا فلان لا أقدر وأنا وفلان على منع الشيخ علي مما أراد، فإن جنده سفهاء يعني أنه صاحب حال قوي، وتصرف نافذ لا يستطيع رده، ولو اجتمعنا على ذلك. كما أن الجند السفهاء يستطيع أحد مدافعتهم وردهم عما طلبوا.
رجعنا إلى ما كنا فيه من ذكر المسألة، فأخذت الكتاب، ونظرت فيه فإذا هي على غير ظاهر ألفاظها، فقال لي: تقول. قلت: نعم، وإذا به قد ورد عليه وارد غيبه عن الإحساس من واردات الأحوال التي ترد عليه في كثير من الأوقات، وعلى غيره من أرباب القلوب والرجال، فخفق برأسه في حجري، وكان جالسا إلى جنبي، فمكث قليلا، ثم أفاق منشرحا. فقال لي: وفقك الله، فعرفت أنه قد حصل له إطلاع في تلك الغيبة على أن ما ذكرت له من الجواب هو عين الصواب، والحمد لله على ذلك، وعلى جميع الأئمة، وأسأله أن يتقبل ما ذكرت من دعائه، وأن يغفر لنا جميع الذنوب، ويبلغنا من الخيرات كل مطلوب بجاه نبيه المصطفى المكرم صلى الله عليه وآله وسلم، فهذه عشر من كراماته الكبيرة يدل بعضها على فضله عنده من له بصيرة.
وأما ما له من الإشارات التي في ضمنها لي بشارات.
فمنها قوله رضي الله تعالى عنه لي: إني أرجو لك في آخر العمر بعد قولي له أرى فلانا يبشرني، وأنت ما تبشرني.
ومنها قوله لي: لا تيئس من الجائزة فهي تأتيك، وإن طال الزمان يعني على القصيدة التي ذكرته فيها.
ومنها قوله لي: يا ما يخرج الله من هذا الصدر من الحكم مشيرا إلى صدري.
ومنها قوله لي: ما ظنك بعبد بن أشرف المولى عليهما أيردهما خائبين؟ وذلك بعد خلوتي معه في مجلس مبارك، ورد عليه فيه وارد شريف، فأضحكه بشراء بعدما أحزنه تخويفه وأبكاه.
ومنها قوله لي لما قدمت عليه زائرا: رأيتك منصرفا من عندي، وعليك ثوب أبيض.
ومنها قوله لي: أشتهي لك سيفا تضرب به، وفي قوله هذا إشارتان إحداهما أن ذلك الضرب كون فيه محقا، والمضربون مبطلين، ولو لم يكن كذاك لما جاز أن يحب إلي السيف المذكور، والثانية أن تكون لي أعداء كثيرون، نسأل الله أن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين حربا لأعدائه المعتدين، وسلما لأوليائه المهتدين آمين اللهم آمين.
ومنها قوله لي بعد ورود حال عليه مقامك عال حقق الله تعالى ذلك بمنه وكرمه.
ومنها قوله في حال سكره لواردة تواردت عليه الأحوال. في مسجد الخيف خاليا عن الخلق، وسائر الأشغال، في ساعة أؤمل من الله الكريم أن أنال فضلها إما جاء سيل الفضل غسل الأوساخ كلها، فنسأل الله الكريم أن يحقق لما ما ذكر من الغسل بسيل الفضل، وأن يحيي بغيث رحمته ما بقلوبنا من موات المحل، وإلى قوله المذكور أشرت في بعض القصائد حيث أقول:
أؤمل من ذي الفضل ما هو أهله ... وإن لم أكن أهلا لما منه أطلب

(2/266)


عسى سيل فضل منه يغسل كل ما ... بأوساخه كم قد تلطخ مذنب
كما قال نور الدين شيخي وسيدي ... وقد مال من حال به الراح يشرب
إذا جاء سيل الفضل يغسل كل ما ... يلاقي من الأوساخ في الحال يذهب
إلهي بجاه المصطفى سيد الورى ... وملجأهم من كل ما منه يهرب
وتاج العلي بدر الهدى معدن الندى ... طراز جمال الكون أبهج مذهب
أنلني منائي منك يا غاية المنى ... لا ضحى ولي شغل بحبك مذهب
وحقق أرجائي يا جواعا ومنعما ... كريما تعالى للرجال تخيب
ومنها ما في مكاتبته لي من دعوات صالحات، ووصف بصفات جميلات، أسأل الله الكريم المنان المالك، أن يحقق بمنه جميع ذلك، وهذه صورة ما ذكرت من مكاتبة شيخنا العارف بالله القدوة الدليل، مرشد السالكن السيد الجليل، ولفظه بحروفه، والله على ما نقول وكيل.
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه أستعين، الفقير إلى عفو ربه، وإحسانه، خويدم الفقراء علي بن عبد الله سلام الله ورحمته وبركاته. وتحياته على المولى الشيخ الفقيه العالم، العامل الورع الزاهد عبد الله بن أسعد اليافعي زاده الله حكما وعلما ومعرفة وفهما، ورفع في العلم لدرجته، وأظهر على الخصم حجته، ونشر أعلام ولايته، وكلأه بحسن كلايته، وجعله موفقا للصواب، في كل سؤال وجواب، وتصنيف للكتاب، وجعله داعيا إليه، ودالا للسالكين عليه، ثم أوصله به إليه، وبعد فقد ورد الكتاب الكريم، والخبر المبارك المحتوى على الدر النظيم، فنظر فيه المملوك، واستحسنه غاية الإستحسان، وأعجبه ما أودع فيه من الفوائد الإيضاح والبيان، وما طرزه به من الحكم والمعارف، ما يشهد له بصحته كل عارف، فزاده الله من كل فضيلة، وأحله لديه المنزلة الرفيعة الجليلة لكن لو أخلي الكتاب عن ذكر المملوك، وأطلق بعد ذكر المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ذكر أرباب السلوك لكان يتنم حسنه وجماله، ويبقى عليه رونقه وكماله، ولكن كان ذلك في الكتاب مسطورا، وكان أمر الله قدرا مقدورا، جزى الله المولى عن المملوك. وعن الإسلام والمسلمين خيرا، ودفع به عنهم في الدين ضيرا، وختم للجميع بخير، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
وعنها قوله لي في مسجد الخيف في بعض ليالي التشريق: حصلت لي إشارة قصيدتك الفلانية، وقد أمرت ولدي أبا بكر أن يحفظها، وذلك أني رأيت كأني أقرأها في صلاة الصبح يوم الجمعة. قلت: في ذلك إشارة إلى ما اشتملت عليه من تحقيق التوحيد، وصحة العقائد، وغير ذلك مما تضمنته من جمل المقاصد ومدح جمال الوجود سيد ولد آدم صلى الله عليه وآله وسلم وهذه عشر أيضا من البشارات، المشتملات على الإشارات، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وتنزل البركات، أعني إشارات شيخنا المذكور لي.
وأما ما بشرني به غيره من المشائخ والإخوان مما وقع لهم في اليقظة، أو في المنام، من جهة النبي عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام، ومن جهة الأولياء الكرام، فليس هاهنا موضع لذلك الكلام، فلنثن العنان، ولنعد إلى ما نحن بصدده من البيان، لأوصاف شيخنا الجميلات الحسان، وما من علينا بصحبته الحنان المنان.
وله رضي الله عنه تصنيف في الحقيقة محاه، لغرض قبل أن نقف عليه ونراه ليله خشية إني لا يفهم الناس معناه، وله نظم رائق، ونثر فائق، فمن نظمه رضي الله تعالى عنه قوله:
أسفي من هجر سكان الحمى ... تركوني من هواهم في عمي
كلما قدمت يوما قدما ... نحوهم أخرت عنهم قدما
صرت مما فاتني من وصلهم ... أقرع السن عليهم ندما
ليتهم إذ هجروا لم يتلفوا ... بالضنا صبا معنى مغرما
فعسى الدهر يوصل منهم ... يسعف الصب ويشفى السقما
قد جعلت الدمع مني شافعا ... ورجائي وإنكساري سلما

(2/267)


ومن نثره رحمه الله تعالى قوله: ينبغي للفقير الصادق أن يكون كثير الفضائل، الشمائل، ما في يده لا يرد عنه سائل، ولا يخيب منه آمل، أخلاقه ألطف من نسيم السحر، وأوصافه كالمسك إذا فاح وانتشر، طلق الوجه عند لقاء الأخوان، بسام الثغر عند وجود الحدثان، قلبه من الغش والحسد مكنوس، قد طهر ونقى من آفات النفوس، حرفته في الزهادة، وحانوته فيها العبادة، إذا جن عليه الليل فهو قائم، وإذا أصبح النار فهو كثير التلاوة للقرآن، بدمع منحدر كالجمان، دائم الفكرة متواصل الأحزان.
ومنه أيضا: يا هذا لو أخذت كبريت الإخلاص وطبخته بماء الصدق، ثم أطفأته فتسق الصبر، ثم دهن لوز الزهد، ثم دهن بيض القناعة، ثم سحقته على صلابة التقوى بقهر طاعة الموالي، ثم ألقيت منه جزءا على مائة جزء من نحاس نحو سك صار ذاهبا منفى، والله الموفق.
وأما ما ذكرته في لبس الخرقة المذكورة في القصيدة من اكتساء الفخر، فهو من أجل إنه أمر بذلك في اليقظة في حال حال ورد عليه على ساحل البحر، وهو قولي في القصيدة:
وألبسني عن أمر مولاه خرقة ... كسيت بها فخر الأمر بيقظة
وقد ألبسني إياها جماعة أيضا من القوم بعضهم بإشارة أيضا، ولكن ربما وقعت له في اليقظة، وربما وقعت في النوم، ولم أشاهد في أحد منهم من حسن سلوك الطريقة، والجمع بين الشريعة والحقيقة، والجد والاجتهاد، وعلو الهمة، ومواصلة الأوراد، والحرص على متابعة السنة والتورع، والمبالغة في المحو والأدب والتواضع، وكثرة المعارف والمكاشفات، والمحاسن والكرامات، ما شاهدته في الشيخ المذكور، وفى ذلك أنشد وأقول:
وكم عاذل في حب سلمى ومدحها ... يقولون قد أكثرت في الشعر وصفها
يلومونني يا أم عمر وما دروا ... بما أبصرت عيني من الحسن والبها
وأهوى سوا هارب خود خريدة ... ولكن ما شاهدت في الحسن مثلها
والجماعة المذكورون في إلباسهم لي الخرقة، بعضهم أدرك الشيخ أبا الغيث، وبعضهم ينتسب إلى الشيخ محمد بن أبي بكر الحكمي للنسبة من بعض ذريته وبعضهم ينتسب إلى الشيخين الإمامين الحضرميين أعني الفقيه إسماعيل، والشيخ أبا عباد، وبعضهم هو الشيخ محمد بن عمر النهاري، وبعضهم قال لي: هذه يدي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إني أصحب بها عنه، فاصحب بها أنت عني. كل هؤلاء المذكورين يمانيون، ومهم من ينتسب إلى الشيخ أبي مدين شيخ بلاد المغرب رضي الله تعالى عنه، ومنهم من ينتسب إلى الشيخ شهاب الدين السهروردي رضي الله تعالى عنه وعنهم.
وأما شيوخي من جهة العلم، فقد تقدم ذكر بعضهم، وقد ذكرت طريق الخرقة وشروطها وإنها خرقتان خرقة بركة واحترام، وخرقة تحكم والتزام، في كتاب " نشر الريحان في فضل المتحابين في الله من الأخوان " ، وذكرت أن غالب شيوخ اليمن يرجعون في لبسها إلى شيخ الشيوخ في المجد والفاخر، الذي خضعت لقدمه رقاب الأكابر، الشيخ محيي الدين أبي محمد عبد القادر الجيلاني قدس الله روحه، ونور ضريحه، وإلى ذلك أشرت في بعض القصيدات بقول هذه الأبيات:
وفي منهج الأشياخ إلباس خرقة ... لهم سنة أصل روى ذلك عن أصل
ولبس اليمانيين يرجع غالبا ... إلى سيد سام فخارا على الكل
إمام الورى قطب الملا قائل على ... رقاب جميع الأولياء قدمي أعلى
فطأطأ له كل بشرق ومغرب ... رقابا سوى فرد فعوقب بالعزل
الأبيات المقدمات في ترجمته في سنة إحدى وستين وخمس مائه.
وفي شيخي المذكورين رفيعي القدر والمحل، قلت هذه الأبيات مفتتحا لها بالمرثية والغزل:
دعا ذكر هامي دمع طرف مسهد ... بتذكار أطلال لمى ومعهد
وبثاغر أما من حشى مودع الشجى ... غريم الجوى من لوعة الحب موقد
لفرقة أحباب لنا قطعت بهم ... مطايا المنايا فدفدا بعد فدد
فأمسوا بدار لد نأت لا يزورها ... سوى راكب حدبا إلى قعر ملحد
به روضة خضر البر موحد ... وموقدة جمر الطاغ وملحد
ترى ساكنيه تحت أطباق مظلم ... قد استنزلوا عن كل قصر مشيد

(2/268)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية