صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة حوادث الزمان
المؤلف : اليافعي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وفيها توفي الشيخ أبو المعالي أحمد بن عبد السلام المعروف بابن أبي عصرون التميمي الشافعي صاحب تونس محمد بن يحيى بن عبد الواحد، وكان ملكا صاحب سياسة، وعلو همة، شديد البأس، جوادا ممدوحا تزف إليه كل ليلة جارية. تملك تونس بعد أبيه، ثم قتل عميه وجماعة من الخوارج عليه فتمهد له الملك.
سنة ست وسبعين وست مائة
في أولها قدم السلطان الملك الظاهر، فنزل نحو سفة الأبلق، ثم مرض يوم نصف المحرم، وتوفي بعد ثلاثة عشر يوما، فأخفي موته، وسار ابنه وهو يوهم أن السلطان مريض إلى أن دخل مصر بالجيش، فأظهر موته، وعمل العزاء، وحلفت الأمراء للملك السعيد، والملك الظاهر هو ركن الدين أبو الفتوح شوس التركي الصالحي النجمي صاحب مصر والشام اشتراه الأمير علاء الدين الصالحي، فقبض الملك الصالح على علاء الدين المذكور، وأخذه، وكان من جملة مماليكه، ثم طلع شجاعا فارسا إلى أن بهر أمره وبعد صيته، وشهد وقعة المنصورة بدمياط، ثم صار أميرا في الدولة المعزية، وتقلبت به الأحوال إلى أن ولي السلطنة في سابع عشر في القعدة سنة ثمان وخمسين وست مائة، وكان ملكا سريا غازيا مجاهدا مؤيدا عظيم الهيبة خليقا للملك، يضرب بشجاعته المثل له أيام بيض في الإسلام، وفتوحات مشهورة، ومواقف مشهورة، ولولا ظلمه وجبروته في بعض الأحيان لعد من الملوك العادلين، والسلاطين الممدوحين بحسن السيرة المشكورين. انتقل إلى عفو الله ورحمته في الثامن والعشرين من المحرم بقصره بدمشق، وخلف من الأولاد الملك السعيد محمد، والخضر وسلامس، وسبع بنات، ودفن بتربة أنشأها ابنه.
وفي سنة ست وسبعين المذكورة توفي إمام اليمن، وبركة الزمن قدوة الفريقين، وشيخ الطريقين الفقيه الكبير الولي الشهير صاحب الكرامات الباهرة، والبركات الظاهرة، والأنفاس الصالحة، والمواهب المانحة، والهداية والصفا، والعناية والاصطفا أبو الذبيح إسماعيل ابن السيد الجليل الولي الحفيل الحافظ المحدث إمام عصزه وبركة دهره محمد بن إسماعيل المشهور بالحضري، كان من أعلى الفقهاء مرتبة في العلم والصلاح والزهد والكرامات. اشتغل بعلم الفقه على والده المذكور، وتبخر فيه وبرع في معرفة المذهب، وشرح كتاب المهذب، وله كلام في الفقه والتصوف، وفتاوى مجموعة، وبعض تواليف أخرى، منها مختصر صحيح مسلم، وكتاب نفائس العرائس، وسمع الحديث والتفسير وما يدل على ذلك إجازته بخطه الذي وقفت عليه وهو ما صورته.
" بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على النبي وآله وأصحابه وسلم، ثم قال: في أثناء كلامه حصل على المولى الفقيه والولد المحبوب في الله تعالى إبراهيم بن محمد بن سعيد جميع كتاب التنبيه في الفقه بقراءته، وقراءة غيره، وقد أجزت له روايته بروايتي عن والدي رحمه الله بروايته عن الإمام العالم العابد محمد بن كبانة. بضم الكاف وفتح الموحدة قبل الألف، والنون بعدها بروايته عن الإمام العالم يحيى بن عطية بروايته عن الإمام محمد بن عبدويه، عن المصنف، وقد أجزت له روايته عني، وأن يروى عني جميع ما يجوز لي روايته من كتب الحديث والتفسير والفقه، وجميع ما جمعته ولأولاده وإخوته، ولجميع قراباته نفع الله الجميع بذلك، وغفر للجميع، وتاب على الجميع، وكتب إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الحضرمي، وكان ذلك في شهر شوال سنة سبع وستين وست مائة، وصلى الله تعالى على النبي وآله وسلم " انتهى.

(2/207)


وتفقه به جماعة كبار منهم الفقيه القدوة النجيب الولي العارف بالله وافر الحظ والنصيب ذو المحاسن والكرامات العديدة، والفضائل والسيرة الحميدة عبد الله بن أبي بكر الخطيب اليمني المدفون في موزع بفتح الميم والزاي قدس الله روحه، وهو أول من اشتغل عليه، وأخص أصحابه، ومنهم العلامة المفيد الكبير المحصول الماهر في الفقه البارع أحمد المعروف بابن الزنبول. اشتغل عليه مدة طويلة في الفقه، ثم حصل بينهما بعض شيء نفر منه، قلت: ابن الزنبول فانقطع عنه، وكان في خلقه بقور فجاءه الفقيه إسماعيل مع جلالته، وفضله المشهور واسترضاه، فقال له ابن الزنبول: أتحسب أني لا أجد مثلك؟ فبكى إسماعيل، ولبس حلة المحاسن والإنصاف والتواضع والاعتراف والتنزل إلى منزلة الإنصاف، وقال له: بلى يا أحمد تجد مثلي، ولا أجد مثلك، ومنهم الإمام العلامة القاضي جمال الدين أحمد بن علي العامري شارح التنبيه وقاضي المهجم ومنهم الفقيه علي بن أحمد بن سليمان العبسي الجحفي وغيرهم.
قلت: وبلغني أن رجلا سأله عن مسألة في أفتيا جاء بها إليه بعد أن جاء بها السائل إلى الفقيه الإمام الحفيل الولي الشهير الجليل أحمد بن موسى بن عجيل رضي الله تعالى عنه وعن الجميع، فأجابه الفقيه إسماعيل بجواب مخالف لجواب الفقيه أحمد، فبقي الرجل متحيرا بأي الجوابين يأخذ، فقال إسماعيل، خذ بجوابنا، فدباغنا في الفقه أقوى من دباغهم. قلت: لقد أحسن في هذا المقال باستعارته الدباغ للاشتغال، وبلغني أيضا أن الفقيهين المذكورين المشهورين كان أحدهما أفقه من الآخر، والآخر أكثر نقلا منه، وقد جمع عنهما كلام في الفقه في جزء لطيف، وكلاهما كان يحضر مجلس شيخ الشيوخ الأكابر بحر الحقائق المواج الزاخر. صاحب السيف الماضي الصيقل شيخ زمانه أبي الغيث بن جميل قدس الله روحه، ولكن الفقيه إسماعيل أكثر حضورا وملازمة للشيخ المذكور، وإليه كان ينسب في التصوف حتى بلغني عنه أنه قيل له كلام معناه ما نقول عنك إذا سألنا أفقيه أنت أم صوفي فقال: بل صوفي وشيخي في التصوف الشيخ أبو الغيث بن جميل. وله رضي الله تعالى عنه من الكرامات العظام ما يطول في ذكرها الكلام، وقد ذكرت بعضها في غير هذا الكتاب.
منها وقوف الشمس له حتى بلغ مقصده لما أشار إليها يالوقوف في آخر النهار، وهذه الكرامة مما شاع في بلاد اليمن، وكثر فيها الانتشار.
ومنها أنه شوهدت الكعبة في الليل تطوف بسريره في حال يقظة المشاهد. ومنها أنه نادته سدرة والتمست منه أن يكل هو وأصحابه من ثمرها، ومنها شفاعته في قوم سمعهم يعذبون في المقابر، ومنها أن الملك المظفر صاحب اليمن كان يقول لحجابه: لا تخلوه يدخل علي حتى تستأذنوني خوفا من أن يراه ملابسا بما ينكر عليه، فما يشعر إلا وقد دخل عليه من حيت لا يراه البواب، ولا يشعر الحجاب، وكاد الجله من العلماء وعيرهم يقبلون قدمه لإشارة اشتهرت عنه في ذلك.
وقد أخبرني الفقيه الإمام القاضي نجم الدين الطبري رحمه الله أنه زاره هو وجده الإمام العلامة محب الدين الطبري، وأنهما قبلا قدمه.
وأخبرني القاضي نجم الدين رحمه الله المذكور أنه نعى بمكة، والسيد المشهور ابن عجيل المذكور يومئذ فيها، فقال: أرجو من الله أن يفديه بمائة فقيه، ثم جاء الخبر أنه حي لم يمت، وكان قد ولاه الملك المظفر قاضيا على قضاة اليمن، ولكن كان هو السلطان ما أمر به السلطان كان، وكان كتب إليه في شقف من خزف: يا يوسف فما تبه إلى سلطان في ذلك، وقال: هب أنك موسى، ولست بموسى وهب أني فرعون، ولست بفرعون، وفي رواية أخرى أرسل من هو خير منك إلى من هو شر مني، وأمر الله تعالى باللطف به، واللين إليه فقال تعالى: " قولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى " " سورة طه: 44 " إما تكتب إلي في ورقة بفلس، وكان إذا كشف له أن الحق في جانب من ترجحت حجة خصمه في ظاهر الشرع يصرفها إلى حاكم آخر. قلت: وهذا حسن جدا، فإنه لا يمكنه أن يحكم بالحكم الباطن، وقد أمر الشوع أن يحكم بالظاهر بخلاف ما يظهر، له بالعلم الباطن، فترك الحكم بهما جميعا احتياطا وأدبا مع الشرع، وأرى هذا أحسن وأسلم مما كان يفعله غيره من القضاة من أكابر الأولياء من الحكم مما يكشف له من علم الباطن.

(2/208)


ومنهم السيد الكبير الولي الشهير الشيخ عبد الرحمن النويري رضي الله تعالى عنه، فإنه كان يقول: ما يمكنني إذا قالت لي البقرة: أنا لفلان أحكم بها لخصمه، وكان سبب ولاية إسماعيل المذكور قضاء القضاة أن الملك المظفر استدعى به، وبابن العجيل، وبابن الهرمل، فسار إليه هو وابن الهرمل، ومرا على ابن العجيل، فقال لهما: لو قد عزمتما كان رأيي أن لا تذهبا إليه، ولكن إذ قد عزمتما فلي إليكما حاجة، وهي أن لا تذكر أني عنده، فإن ذكرني، فقولا له: هو في عش في البادية: فإن تركته وإلا سافر إلى بلاد الحبشة، وخلي لك البلاد، فقال له إسماعيل: يا فقيه أحمد إن الله قد استرعانا عليه، كما استرعاه على الرعية، فنحن نأمره وننهاه، فإن قبل منا فهو المطلوب، وإلا كنا قد خرجنا عن العهدة، ثم سافر إليه إلى تعز فلما اجتمعا به استقضى الفقيه إسماعيل، فأقام قاضيا للقضاة مدة، ثم عزل نفسه، وكان مع كبر شأنه وزهده في الدنيا كثير التزوج جدا، حتى قال لبعض ذريته: لا تتزوجوا من نساء زبيد، فإني أخشى أن تقعوا في بعض المحارم لكم.
وروي عنه أنه قال: كل شيء قدرت على الزهد فيه إلا المرأة الحسناء، والدابة النفيسة.
وقال: رضي الله تعالى عنه: حصل لي اجتماع بجماعة من المشائخ المتقدمين في حال اليقظة، وكل واحد منهم أفادني فائدة، ومجموع ذلك من لم يفارق تعب ومن نظر إلى نفسه بعين المراءاة عطب، إن وجدت في الحنيا ما يبقى لك وتبقى له، فاعكف عليه من وقف مع العوائق لحظة أو ثقته ما تبقى من السم قاتل وإلا فممرض إنك ميت وإنهم ميتون، فلا يتعلق بهم من لم يكفه لفظه لم ينتفع بالقناطير المقنطرة. والجماعة المذكورون أصحاب سبع الوصايا هم هؤلاء السبعة أبو يزيد، وذو النون، وبشر الحافي، والجنيد، والسري، والشبلي، وأبو أيوب رضي الله تعالى عنهم، ونفع بهم كل واحد منهم جاء بكلمة من الكلمات المذكورات.
ومما وجد بخطه رضي الله تعالى عنه من الخطاب الذي سمعه، فارق الناس أحسن ما كانوا عليه، وتتبع خلوات الفلاح في زاوية الجوع والعطش تجني عند ذلك، وأبغض خراب الاهتمام، وسمعني أطيط رحال المفارقة في بيداء الثقة بي، والتوكل علي وحنين الشوق، وأنين الخوف أفلت أكوانك كلها، ونحن عندك بالفضا وقوف، وانقطع الكلام.
ومما وقع له أيضا من الخطابات المشهورة عنه: يا إسماعيل إنا مشتاقون إليك فهل أنت مشتاق إلينا؟ أو فما هذا التخلف؟ فقاد: يا رب عوقتني الذنوب، فقال: قد غفرنا لك ولأهل تهامة من أجلك.
وكان رضي الله تعالى عنه في بدايته معتزلا عن الناس، مختليا بنفسه، قيل: وكان يقتات من النبق أوقات البداية، وكان ابن عجيل مع جلالة قدره يتأدب معه، ويقول: نحن محبون، وهو محبوب، وتلقاه في وقت وسار معه ماشيا وهو راكب، وحجا معا في سنة واحدة، ومعهما ركب اليمن، فلما قربوا من مكة تلقاهم الشريف أبو تمي، وكان ابن عجيل معروفا يعرفه الشريف وغيره لكثرة تردده إلى مكة والمدينة، وكان أبو تمي عليه ثياب حرير، فانقض عليه الفقيه إسماعيل كانقضاض البازي على الفريسة، وأخذ بطوقه، وقال: أتلبس هذا الذي لا يلبسه إلا من لا خلاق له في الآخرة؟ أو قال: عند الله فبقي الشريف المذكور مبهوتا ينظر إلى ابن عجيل، وكان إذ ذاك مستقلا بولاية مكة، وسلطنتها، فقال له: يا شريف أتدري من هذا؟ هذا الفقيه إسماعيل الأرعن على ربه لو تغير علينا هلكنا جميعا كلنا.
قلت: وله من الفضائل والمحاسن والمفاخر ما يطول ذكره بل يتعذر حصره، ولا تحتمل بعضه العقول القواصر، وإليه ينتسب بعض شيوخنا رضي الله تعالى عنهم، وإلى ذلك أشرت بقولي في بعض قصائدي.
وذا قول إسماعيل شمس الهدى الولي:
مقر الهدى المشهور شيخ شيوخنا ... إمام الفريقين الحبيب المدلل
هو الحضري المشهور من وقفت له ... يقول: قفي شمس لأبلغ منزلي
إليه الإشارة أيضا بقولي في أخرى في أثناء التغزل بشيوخ اليمن.
وجود الضحى شمس الضحى حضرمية ... مدللة تزهو بعالي المنازل
وقولي: وجود الضحى هو بفتح الضاد المعجمة، وكسر الحاء المهملة اسم القرية الساكن فيها، وقولي: أيضا في الغزل: بأخرى في الشيخ أبي الغيث وفيه وفي ابن عجيل:
يبيت ذو عطاء عيطبول ... حرود بحبه جود الزمان

(2/209)


وجود في الضحى أضحت بحسن ... زها تختال فاقت للغواني
كجود للمغاربة اغتراها ... حصان في حيا حسن رزان
وإليه أشرت أيضا في أخرى بقولي:
هو الحضرمي نجل الولي محمد ... إمام الهدى نجل الإمام الممجد
له كم خطت كم ذللت، ثم عللت ... عنايات فضل ليس تدرك باليد
مدل ومحبوب، وفي كلفة العنا ... عظيم كرامات بجاه وسؤدد
ومن جاهه أومي إلى الشمس أن قفي ... فلم تمش حتى أنزلوه بمقصد
توفي رحمه الله تعالى في قريته المعروفة بالضحى من أعمال تهامة المهجم.
وفي السنة المذكورة توفي الفقيه الإمام شيخ الإسلام مفتي الأنام المحدث المتقن المحقق المدقق النجيب الحبر المفيد القرب البعيد محرر المذهب، ومهذبه وضابطه، ومرتبه أحد العباد الورعين الزهاد العالم العامل المحقق الفاضل الولي الكبير السيد الشهير المحاسن العديدة، والسيرة الحميدة، والتصانيف المفيدة الذي فاق جميع الأقران، وسارت بمحاسنه الركبان، واشتهرت فضائله في سائر البلدان، وشوهدت منه الكرامات، وارتقى في على المقامات ناصر السنة، ومعتمد الفتاوى الشيخ محيي الدين النواوي يحيى بن شرف بن مري بن حسن الشافعي مؤلف الروضة والمنهاج والمناسك، وتهذيب الأسماء واللغات، وشرح صحيح مسلم، وشرح المهذب، وكتاب التبيان، وكتاب الإرشاد، وكتاب اليسير والتقريب، وكتاب رياض الصالحين، وكتاب الأذكار كتاب الأربعين، وكتاب طبقات الفقهاء الشافعية، اختصره من كتاب ابن صلاح، وزاد عليه أسماء نبه عليها، وغير ذلك مما اشتهر في سائر الجهات، وظهر به النفع والبركات.
قال بعض المؤرخين وأهل الطبقات: ولد سنة إحدى وثلاثين وست مائة، في العشر الأوسط من المحرم، وقدم دمشق في سنة تسع وأربعين، وقرأ التنبيه في أربعة أشهر ونصف، وحفظ ربع المهذب في بقية السنة، ومكث قريبا من سنتين لا يضع جنبه على الأرض، وكان يقرأ في اليوم اثني عشر درسا على المشائخ شرحا وتصحيحا في المهذب، والوسيط والجمع بين الصحيحين، وصحيح مسلم وأسماء الرجال، " واللمع " لأبي إسحاق في أصول الفقه، " واللمع " لابن جني في النحو وإصلاح المنطق لابن السكيت في التصريف، والمنتخب في أصول الفقه وكتاب آخر في الأصول لم يسموه، وكان له في الوسيط درسان.
حكوا عنه أنه قال: عزمت مرة على الاشتغال بالطب، فاشتريت القانون، فأظلم على قلبي، وبقيت أياما لا أشتغل بشيء فتفكرت، فإذا هو من القانون، فبعته في الحال. قالوا: وكان لا يدخل الحمام، ولا يكل من فواكه دمشق، ولا يأكل في اليوم والليلة سوى أكلة بعد العشاء، ولا يشرب شربة إلا في وقت السحر، وكان كثير السهر في العبادة والتلاوة والتصيف. صابرا على خشونة العيش والورع الذي لم يبلغنا عن أحد في زمانه ولا قبله، وكان نزوله في المدرسة الرواحية.
قلت: وسمعت من غير وأحد أنه إنما اختار النزول بها على غيرها لحلها إذا هي من بناء بعض التجار. قالوا: وحفظ التنبيه في سنة خمسين وست مائة، وحج مع أبيه سنة إحدى وخمسين، وذكر والده أنه حم من حين خروجه من بلده إلى يوم عرفة، فما تأوه ولا تفجر، ولزم الاشتغال ليلا ونهارا حتى فاق الأقران، وتقدم على جميع الطلبة، وحاز قصب السبق في العلم والعمل، ثم أخذ في التصنيف من حدود الستين وست مائة إلى أن مات.
وسمع الكثير من القاضي الرضي بن برهان الدين ابن خالك، وشيخ الشيوخ عبد العزيز الحموي، وجماعة منهم شيخه الكمال، وإسحاق بن أحمد المغربي، وسمع صحيحي البخاري ومسلم، وسنن أبي داؤد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، والدارقطني، وشرح السنة ومسند الإمام الشافعي، والإمام أحمد وأشياء كثيرة، وأخذ علم الحديث عن عز الدين بن خالد، وروى عنه جماعة من أئمة الفقهاء والحفاظ. منهم الإمام علاء الدين بن العطار، والشيخ أبو الحجاج المزرعي والقاضي محي الدين المزرعي، والإمام شمس الدين ابن النقيب، وهو آخر من بقي من أعيان أصحابه وخلق كثير.

(2/210)


قلت: ومنهم الشيخ المبارك الناسك جبرائيل الكردي، وعليه سمعت الأربعين قالوا: وكان الشيخ محيي الدين النواوي متبحرا في العلوم متسعا في معرفة الحديث والفقه واللغة، وغير ذلك مما قد سارت به الركبان رأسا في الزهد، قدوة في الورع عديم النظير في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يواجه الأمراء والملوك بذلك، ويصدع بالحق، ولقد أنكر على الملك الظاهر حتى أغضبه وهم به البطش، فوقاه الله شره، ثم قبل منه وعظمه حتى كان يقول: أنا أفزع منه قالوا: وكان لا يؤبه له بين الناس. قانعا باليسير، راضيا عن الله، والله عنه راض مقتصد إلى الغاية في ملبسه ومطعمه وأثاثه، ولي مشيخة دار الحديث، وكان لا يتناول من معلومها شيئا بل يقتنع بالقليل مما يبعث به إليه أبوه.
قلت: ورأيت لابن العطار جزءا في مناقبه. ذكر فيه أشياء عزيزة من فضائله ومحاسنه وكراماته، واشتغاله بالعلم، واستعماله، وجميل سيرته، وشدة ورعه وزهادته، وغير ذلك مما لم يعرف لأحد من العلماء بعده.
قلت لعمري إنه عديم النظير في زهده وورعه وآدابه، وجميل سيرته، وسائر محاسنه فيمن بعده من العلماء. اللهم إلا أن يكون السيد الجليل ذو المجد الأثيل، والوصف الجميل الفقيه الإمام ذو الآيات العظام زين اليمن، وبركة الزمن من أحمد بن موسى المعروف بابن عجيل الآتي ذكره في سنة تسعين، وقل وعز أن يعرف لهما قبلهما أيضا نظير في ما اتصفا به من سائر المحاسن مع صغر سنهما، ولا شك أن الإمام محيي الدين النواوي مبارك له في عمره، ولقد بلغني أنه حصلت له نظرة جمالية من نظرات الحق سبحانه بعد موته، فظهرت بركتها على كتبه، فحظيت بقبول العباد والنفع في سائر البلاد، وقد اختلف الناس فيما اختلف فيه هو والإمام الرافعي والفقهاء في بعض الجهات. يرجحون قول الرافعي. وفي بعضها يرجحون قوله، والذي أراه أن كلما اعتضد فيه بحديث يصح الاحتجاج به، فقوله: مقدم لا سيما، وقد صح عن الإمام الشافعي رضي الله عنه أنه قال: إذا صح الحديث، فهو مذهبي، وكذلك إن لم يعتضد بحديث لكن تكافأت الأدلة لكونه موافقا مؤيدا مباركا مسددا. وإن ترجحه الأدلة في أحد الطرفين، فالراجح من الحكم ما رجحه دليله، والله أعلم.
وذكروا أن ترك كله لفواكه دمشق إنما هو ورع لما في بساتينها من الشبه في ضمانها، والحيلة فيه صرح هو رضي الله عنه بذلك، ومن المشهور أنه كان يقتدي ببعض المشائخ من الصوفية، وهو الشيخ الشهير العارف بالله الخبير الولي الكبير ياسين المزين، ويتأدب معه، ويجالسه ويقبل إشارته.
وأخبرني بعض العلماء الشاميين أنه أشار عليه قبل موته بقليل يرد ما عنده من الكتب المستعارة، وزيارة أهله في بلده، ففعل ذلك، ثم توفي عندهم في الرابع والعشرين من رجب سنة ست وسبعين وست مائة، وفي لحيته شعرات بيض.
قلت: واعتقاد هذا السيد الكبير المتضلع من علوم المشائخ الصوفية، وصحبتهم ومحبتهم على العموم من أقوى الحجج الظاهرة على المنكرين عليهم من الخصوم، ومن كل طاعن فيهم محروم، وقد صرح في كتابه الأذكار المشتمل على الفضائل الجمة يكون الصوفية من صفوة هذه الأمة، وقد رأيت له مناما يدل على عظم شأنه، ودوام ذكره لله، وحضوره وعمارة أوقاته، وشدة هيبته، وتعظيم وعلى تعالى ووعيده، وحياته بعد موته، وكلمني ودعا لي، وغير ذلك مما لا تضبطه العبارة مما تميز به عن العلماء والعبادة.
وقد أشرت إلى شيء من ذلك في كتاب الإرشاد قدس الله روحه، ونور ضريحه ودعاءه الذي دعا لي هو هذا، وفقك الله وزادك فضلا أو قال: من فضله وثبتك بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
وممن دعا لي أيضا من الأولياء بعد وفاته شيخ شيخنا السيد الجليل المقدار الذي جمع من المحاسن ما لا يدخل تحت الإنحصار أبو الخطاب عمر بن علي المعروف بابن الصفار رحمه الله تعالى، وهذا دعاؤه: أصلحك الله صلاحا لا فساد له، أو لا فساد معه في منام رأيته. أسأل الله الكريم أن يتقبل ذلك منهما، وأن يرزقنا بركتهما آمين آمين. رجعنا إلى ذكر الشيخ محيي الدين، ولقد بلغني أنه كان تجري دموعه على خده في الليل ثم ينشد.
لئن كان هذا الدمع يجري صبابة ... على غير ليلى، فهو لا شك ضائع
ورثاه غير واحد من الشعراء بمراثي حسنة رحمه الله تعالى، ونفعنا ببركته.

(2/211)


وفي السنة المذكورة توفي السلطان الملك الظاهر كما تقدم.
وفيها توفي الجريدلة الظاهري نائب سلطنة مولاه، وكان نبيلا عالي الهمة، وافر العقل محببا إلى الناس منطويا على دين ومروءة ومحبة للعلماء والصلحاء، ونظر في العلم والتواريخ رقاه أستاذه إلى أعلى المراتب، واعتمد عليه في مهماته.
قيل إن شمس الدين الفارقاني الذي ولي نيابة السلطنة، سقاه السم باتفاق مع أم الملك السعيد، فأخذه قولنج عظيم بقي به أياما، ثم توفي بمصر.
وفيها توفي الشيخ خضر بن أبي بكر المهراني العدوي شيخ الملك الظاهر؛ كان له حال وكشف قيل: مع سفه فيه، ومردكه ومزاح. تغير عليه للسلطان بعد شدة خضوعه له، وانقياده لإرادته، وعقد له مجلسا، وأحضر من خافقه، ونسب إليه أمورا فظيعة، وأشاروا فيها بقتله، والله أعلم. بصحة ذلك، فقال للسلطان: إن بيني وبينك في الموت شيئا يسيرا، فوجم لها السلطان، وحبسه في سنة إحدى وسبعين إلى أن توفي في سادس محرم السنة المذكورة، وتوفي السلطان المذكور في الثامن والعشرين عن المحرم كما تقدم.
وفيها توفي الزكي بن الحسن المعروف بالبيلقاني أبو أحمد الشافعي الفقيه البارع المناظر؛ كان متقدما في الأصولين، وغيرهما من المعقولات. أخذ عن الإمام فخر الذين الرازي، وسمع من المؤيد الطوسي، وكان صاحب ثروة وتجارة، وعمر دهرا، وسكن اليمن، وتوفي بعدن قلت: وقد رأيت بعض فريته بها ناظرا للسلطان، له عند أهل الدنيا صورة وكبرشان كذا قال بعض المؤرخين.
وقال بعض أهل الطبقات البيلقاني أبو المعالي الفقيه الشافعي الأصولي العلامة الشهير الأوحد شمس الدين. تفقه بجماعة منهم الإمام فخر الأنام محمد بن أبي بكر التوقاني. قرأ عليه كتاب الوجيز بقراءته على شيخه الإمام نور الدين محمد بن محمد التوقاني بقراءته على شيخه الإمام العلامة الشهيد أبي سعيد محمد بن يحيى النيسابوري بقراءته له على شيخه، ومصنفه الإمام حجة الإسلام أبي حامد الغزالي، وتفنن في العلوم بالعلامة قطب الدين إبراهيم بن علي الأندلسي المعروف بالمصري، وعاش خمسا وتسعين سنة، وتفقه به جماعة، وانتفعوا به ورووا عنه.
قلت: وبلغني فيما أظن أن بركه الزمن، وزين اليمن الإمام العلامة عالي المقامات، وعظيم الكرامات أبا الفدا إسماعيل ابن الشيخ الإمام علي المقام محمد بن إسماعيل الحضرمي قرأ على البيلقاني المذكور، والله أعلم.
سنة سبع وسبعين وست مائة
فيها قدم الملك السعيد، وعمرت القباب، ودخل القلعة، فأسقط ما وضعه أبوه على الأمراء، فسر الناس ودعوا له.
وفيها توفي الفارقاني شمس الدين أقسنقر الظاهري أستاذ دار الملك الظاهر. جعله الملك السعيد نائبه، فلم ترض خاصة السعيد بذلك، ووثبوا على الفارقاني واعتقلوه، ولم يقدر السعيد على مخالفتهم، فقيل: إنهم خنقوه، وكان وسيما جسيما شجاعا نبيلا ذا خبرة ورأي، ومهابة ووقار، وفيه ديانة وايثار.
وفيها توفي الأديب البارع نجم الدين محمد بن نوار الشيباني الدمشقي الفقير صاحب الحريري، المعروف بابن إسرائيل، كان روح المشاهد، وريحانة المجامع فقيرا ظريفا نظيفا لطيفا مليح النظم، رائق المعاني، وبعض الفقهاء ينكر عليه، ويقول: في بعض نظمه التصريح، وفي بعضه التلويح بالإلحاد.
وفيها توفي شيخ الحنفية قاضي القضاة أبو الفضل سليمان بن أبي العز الأذرعي أحد من انتهت إليه رياسة المذهب في زمانه.
وفيها توفي ابن حباء الوزير الأوحد الشهير علي بن محمد المصري الكاتب الملقب بهاء الدين أحد رجال الدهر حزما ورأيا وجلالة ونبلا وقياما بأعباء الأمور مع الدين والفقه، والسيرة الحميدة، والمحاسن العديدة، والثروة الكثيرة، والفتوة الشهيرة ابتلى بفقد ولديه الصدر بن فخر الدين، ومحي الدين، فصبر وتجلد، وله من المناقب والمفاخر حظ وافر كثير.
سنة ثمان وسبعين وست مائة

(2/212)


فيها اختلف خواص الملك السعيد عليه، وخرج بعضهم عن الطاعة، وتابعه نحو أربع مائة من الظاهرية، فعسكر بالقطيفة ينتظر الجيش الذين ساروا للإغارة على بلاد " سيس " مع الأمير سيف الدين قلاوون، فقدموا ونزل الكل في بعض المنازل، وراسلوا الملك السعيد، ثم اجتمع مقدم الخارجين عن الطاعة سيف الدين قلاوون، وغيره من كبار الجيش، وأفسد نياتهم، واستمروا كلهم إلى مصر، فسار وراءهم، وبعث خزاينه إلى الكرك، ثم دخل قلعة القاهرة بعد مناوشة وحروب، قتل جماعة، ثم حاصروه بالقلعة حتى ذل لهم، وخلع نفسه من السلطنة، وقنع بالكرك، ورتبوا في السلطنة أخاه سلامش بالسين المهملة في أوله والمعجمة في آخره، وعمره سبع سنين، وجعلوا أتابك سيف الدين قلاوون، وجعل نيابة دمشق لسنقر الأشقر، ثم ترتب في السلطنة الملك المنصور سيف الدين قلاوون الصالحي في الحادي والعشرين من رجب من غير نزاع ولا قتال، ولا اختلف عليه اثنان، وحلف له أمراء الشام، وسئل من الوسط سلامش، وفي أواخر ذي الحجة. ركب سنقر بعد العصر من الدار المسماة عندهم دار السعادة، وهجم القلعة، فملكها، وحلفوا له وأعلنوا بالبشائر والأفراح في الحال، ولقبوه بالسلطان الملك الكامل شمس الدين سنقر الصالحي، وقبض على نائب القلعة حسام الدين لاجين وغيره ممن لم يحلف له من الأمراء.
وفيها توفي شيخ الشيوخ شرف الدين عبد الله ابن شيخ الشيوخ تاج الدين عبد الله بن عمر الجويني.
وفيها توفي الشيخ نجم الدين ابن الحكيم عبد الله بن محمد الحموي الصوفي، كان زاوية بحماة، وفيه أخلاق حميمة، وتواضع وخدمة للفقراء. صحب الشيخ إسماعيل الكوراني، وتوفي بدمشق اتفاقا، فدفن بمقابر الصوفية.
وفيها توفي الشيخ عبد السلام بن أحمد ابن الشيخ القدوة غانم بن علي المرسي الواعظ أحد المبرزين في الوعظ، والنظم والنثر.
وفيها توفي السلطان الملك السعيد ناصر الدين أبو المعالي محمد ابن الملك الظاهر، وكان كريما حسن الطباع فيه عدل ولين وإحسان ومحبة للخير خلوه من الأمر كما تقدم مات بقلعة كرك، ثم نقل بعد سنة ونصف إلى تربة والده، وتملك بعد الكرك أخو خضر.
سنة تسع وسبعين وست مائة
فيها تحارب المصريون والشاميون، وقاتل سنقر الأشقر بنفسه قتالا ظهرت في شجاعته. لكن خامر عليه كثر عسكره وخذلوه، وبقي في طائفة قليلة، فانصرف ولم يتبعه أحد، ونزل المصريون في خيام الشاميين، وحكم مقدم مهنا بدمشق، وسار سنقر إلى الرحبة، وجاء تقليد دمشق لحسام الدين لاجين المنصوري وجعل للسفح من السلطان عمن قام مع سنقر، ثم توجه هو إلى سواحل الشام، فاستولى على بلدان كثيرة، ثم بعد أيام وصلت التتار إلى حلب، فماتوا ووضعوا السيف، ورموا النار في المدارس، وأحرقوا منبر الجامع، وأقاموا يومين، ثم ساقوا المواشي والغنائم.
وفي آخر السنة سار السلطان إلى الشام غازيا فنزل قريبا من عكا، فخضع له أهلها، وراسلوه في الهدنة، وجاء إلى خدمته عيسى بن مهنا، وصفح عنه وكرمه.
وفيها توفي محمد بن داود البعلبكي الحنبلي وفيها توفي الفقيه المعمر أبو بكر بن هلال الحنفي رحمهما الله تعالى.
وفيها توفي أبو القاسم بن الحسين الحلبي الرافضي، الفقيه المتكلم شيخ الشيعة، وعالمهم. سكن حلب مدة، وصفع بها لكونه سب الصحابة.
سنة ثمانين وست مائة
فيها قبض السلطان على جماعة من الأمراء، فهرب السعدي والهاروني إلى عند سنقر، ودخل السلطان دمشق، وبعث عسكرا حاصروا شيراز، وأخذوها فرضي سنقر، وصالح السلطان، فأطلق له عدة بلدان منها أنطاكية وغيرها.

(2/213)


وفي رجب كانت وقعة حمص. أقبل سلطان التتار يطوي البلاد بجيوشه من ناحية حلب، وسار السلطان بجيوشه، فالتقوا شمالي تربة خالد بن وليد، وكان ملك التتار في مائة ألف، والمسلمون في خمسين ألفا أو دونها، فحملت التتار، واستظهروا واضطربت ميمنة المسلمين، ثم انكسرت الميسرة مع طرف القلب، وثبت السلطان بحلقته، واستمرت الحرب من أول النهار إلى اصفرار الشمس، وحملت الأبطال بين يدي السلطان عدة حملات، وتبين يومئذ فوارس الإسلام الذين لم يخلفهم الوقت مثل سنقر، والوزيري السعدي، وأزدمر حسام الدين لاجين، وعلم الدويداري وغيرهم قال: واستغاث الخلق والأطفال، وتضرعوا إلى الله تعالى، فنزل المدد من الله تعالى والنصر وفتح الله، فانكسر أعداء الله، وأصيب ملكهم بطعنة يقال أنها من يد الشهيد أزدمر، وطلع من جهة الشرق عيسى بن مهنا، فاستحكمت هزيمتهم، وركب المسلمون أقفيتهم والحمد لله.
وفيها توفي الشيخ المفسر العلامة المقرئ المحقق الزاهد القدوة موفق الدين أبو العباس يوسف بن حنين الشيباني الموصلي الكواشي. ولد بكواشة قلعة من نواحي الموصل، واشتغل حتى برع في القراءات والتفسير والعربية، وكان منقطع القرين ورعا وزهدا وصلاحا وتبتلا، وله كشف وكرامات.
وفيها توفي الزاهد القدرة الشافي أبو الحسين علي بن أحمد الجوزي. صاحب حال وكشف وعبادة وتبتل.
وفيها توفي ابن بنت الأعز قاضي القضاة صدر الدين عمر ابن قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب العلائي الشافعي المصري، ولي قضاء الديار المصريه نحو سنه، ثم عزل وتوفي يوم عاشوراء.
وفيها توفي ابن سني الدولة قاضي القضاة أحمد ابن قاضي القضاة يحيى الدمشقي الشافعي، ولي القضاء، ثم عزل بعد سنة بابن خلكان، ثم سكن مصر وصودر، ثم و قضاء حلب، وكان يعد من كبار الفقهاء العارفين بالمذهب مع الهيبة والتحري.
وفيها توفي شيخ الإسلام قاضي القضاة المعروف بابن رزين تقي الدين أبو عبد محمد بن الحسين العامري الحموي الشافعي، ولد سنة ثلاث وست مائة، واشتغل من الصغر، وحفظ التنبيه والوسيط والمفصل والمستصفى للغزالي وغير ذلك، وبرع في الفقه والعربية والأصول، وشارك في المنطق والكلام والحديث وفنون من العلوم وأفتى، وله ثمان عشر سنة، أخذ الفقه عن ابن الصلاح، والقراءات عن السخاوي، وكان يفتي بدمشق في أيام ابن الصلاح، ويؤم بدار الحديث، ثم ولي الوكالة في أيام الناصر مع تدريس الشامية، ثم تحول إلى مصر، واشتغل ودرس بالظاهرية، ثم ولي قضاء القضاة، فلم يأخذ عليه رزقا وتدينا وورعا، وتفقه به عدة أئمة، وانتفعوا بعلمه وهديه وشيمه وورعه، وتوفي في ثالث رجب.
وفيها توفي الحافظ أبو حامد المعروف بابن الصابوني محمد بن علي شيخ دار الحديث النورية حصل الأصول، وجمع وصنف.
وفيها توفي الشاعر المشهور يوسف بن لؤلؤ من كبار شعراء الدولة الناصرية.
سنة إحدى وثمانين وست مائة
وفيها توفي قاضي القضاة شمس الدين أبو العباس أحمد بن محمد الإربلي الشافعي المعروف بابن خلكان صاحب التاريخ، ولد سنة ثمان وست مائة، وسمع البخاري من مكرم، وأجاز له المؤيد الطوسي وجماعة، وتفقه بالموصل على الكمال بن يونس، وبالشام على ابن شداد، ولقي كبار العلماء، وبرع في الفضائل والآداب، وسكن مصر مدة، وناب في القضاء، ثم ولي قضاء الشام عشر سنين معزولا به عز الدين ابن الصائغ، وعزل بعز الدين المذكور، فأقام سبع سنين معزولا بمصر، ثم رد إلى قضاء الشام، وعزل به ابن الصباغ وتلقاه يوم دخوله نائب السلطنة، وأعيان البلد، وكان يوما مشهودا قل أن رأى قاض مثله. وكان عالما بارعا عارفا بالمذهب وفنونه. شديد الفتاوى جيد القريحة. وقورا رئيسا، حسن المذاكرة، حلو المحاضرة، بصيرا بالشعر، جميل الأخلاق سريا ذكيا إخباريا عارفا بأيام الناس. له كتاب وفيات الأعيان، وهو من أحسن ما صنف في هذا الفن.

(2/214)


قلت: ومن طالع تاريخه المذكور، طلع على كثرة فضائل مصنفه، وما رأيته يتتبع في تاريخه إلا الفضلاء، ويطنب في تعديد فضائلهم من العلماء خصوصا علماء الأدب والشعراء، وأعيان أولى الولايات، وكبراء الدولة من الملوك والوزراء والأمراء، ومن له شهرة وصيت في الورى. لكنه لم يذكر فيه أحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ولا من التابعين رحمة الله عليهم، إلا جماعة يسيرة تدعو حاجة كثيرة من الناس إلى معرفة أحوالهم. كذا قال في خطبته قال: وكذلك الخلفاء لم أذكر أحدا منهم اكتفاء بالمصنفات الكثيرة في هذا الباب.
قلت: كأنه يعني بالخلفاء المذكورين الخلفاء الأربعة رضي الله تعالى عنهم، وما كان حاجة إلى ذكرهم، فإنه قد ذكر أنه لم يذكر أحدا من الصحابة، وكان حقهم أن يذكرهم قبل التابعين. بل قبل الصحابة، وكلامه هذا يوهم أنه لم يذكر أحدا من الخلفاء الذين هم الملوك من بني العباس وغيرهم، ولي كذلك بل قد ذكرهم، فليفهم ذلك فإنه موهم.
رجعنا إلى تمام كلامه قال: لكن ذكرت جماعة من الأفاضل الذين شاهدتهم، ونقلت عنهم، أو كانوا في زمني، ولم أرهم ليطلع على حالهم من يأتي من بعدي.
قلت: وكلامه هذا أيضا ليس بصائب، فانه يوهم أنه لم ينقل إلا عن الذين عاصرهم، وليس بصحيح، فإنه لم يقتصر على ذلك بل هو كما ذكر في خطبته قبل هذا قال: ولم أقصر هذا المختصر على طائفة مخصوصة مثل العلماء والملوك والأمراء والوزراء والشعراء، بل كل من كان له شهرة بين الناس، ويقع السؤال عنه قال: وذكرت من محاسن كل شخص ما يليق به من مكرمه، أو نادرة شعر أو رسالة ليتفقه متأمله، ولا يراه مقصورا على أسلوب واحد، فيمله والدواعي إنما تنبعث لتصفح الكتاب إن كان د.

(2/215)


وذكر أنه كان ترتيبه لتاريخه المذكور في شهور سنة أربع وخمسين وست مائة بالقاهرة المحروسة. ثم قال في آخره: نجز الكتاب بحمد الله وعونه في يوم الاثنين من جمادى الآخرة سنة اثنتين وسبعين وست مائة بالقاهرة المحروسة، ثم قال: يقول الفقير إلى الله تعالى أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر ابن خلكان مؤلف هذا الكتاب: إنني كنت قد شرعت في هذا الكتاب في التاريخ المذكور في أوله على الصورة التي شرحتها هناك مع استغراق الأوقات في فصل القضايا الشرعية والأحكام الدينية بالقاهرة المحروسة، فلما انتهيت فيه إلى آخر ترجمة يحيى بن خالد حصلت لي حركة إلى الشام المحروس في خدمة الركاب الشريف العالي المولوي السلطان المؤيدي المنصوري الغياثي المالكي الظاهري بيبرس قسيم أمير المؤمنين حمد الله تعالى سلطانه، وشيد بدوام دولته قواعد الملك، وثبت أركانه، فدخلنا دمشق سابع ذي القعدة من سنة تسع وخمسين وست مائة، وقلدني الأحكام بالبلاد الشامية يوم الخميس ثامن ذي الحجة من السنة المذكورة، فتراكمت الأشغال، وكثرت الموانع الصارفة عن إتمام هذا الكتاب، فاقتصرت على ما كان قد أثبته من ذلك، وختمت الكتاب، واعتذرت في آخره بهذه الشواغل عن إكماله، وقلت: إن قدر الله تعالى مهلة في الأجل، وتسهيلا في العمل استأنفت كتابا يكون جامعا لجميع ما تدعو الحاجة إليه، ثم حصل الانفصال عن الشام والرجوع إلى الديار المصرية، وكانت مدة المقام بدمشق المحروسة عشر سنين لا تزيد ولا تنقص، فلما وصلت إلى القاهرة صادفت بها كتبا كنت أوثر الوقوف عليها، وما كنت أتفرغ لها، فلما صرت أفرغ من حجام ساباط بعد أن كنت أشغل من ذات النحيين كما يقال في هذين المثلين. طالعت تلك الكتب وأخذت منها حاجتي، ثم تصديت لإتمام هذا الكتاب حتى كمل على هذه الصورة، وأنا على عزم الشروع في الكتاب الذي وعدت به إن قدر الله عز وجل ذلك، والله تعالى يعين عليه، ويسهل الطريق المؤدية إليه. فمن وقف على هذا الكتاب من أهل العلم، ورأى فيه شيئا من الخلل، فلا يعجل بالمؤاخذة، فإني توخيت فيه الصحة حسب ما ظهر لي مع أنه كما يقال: أبى الله أن يصح إلا كتابه. لكن هذا جهد المقل، وبذل الاستطاعة، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، ولا يكلف الإنسان ما لا تصل قدرته إليه، وفوق كل في علم عليم، فالله يستر عيوبنا بكرمه الضافي، ولا يكدر علينا ما منحنا به من مشرع إعطائه النمير الصافي. إن شاء الله تعالى. انتهى كلامه مع حذفي لألفاظ يسيرة منه كقوله السلطان الماجدي المرابطي الشاعري المنعمي المحسني مما يطنب فيه من مدح أهل الدنيا من الملوك وغيرهم، وألفاظ أخرى لا تدعو الحاجة إلى استيعابها ذكرا، وغفرانك اللهم غفرا، ثم عزل القاضي شمس الدين المذكور بابن الصباغ ثانيا واستمر معزولا وبيده المدرسة الأمينية والنجيبية إلى أن توفي في شهر رجب في السنة المذكورة، وشيعه خلق كثير.
وقد روى عنه قاضي القضاة نجم الدين ابن صصري وبه تخرج الشيخ أبو الحجاج المزي، ومؤرخ الشام الحافظ علم الدين البرزالي وخلق، ومن شعر القاضي شمس الدين ابن خلكان:
أي ليل على المحب أطاله ... سائق الظعن يوم زم رحاله
يزجر العيس طاويا يقطع المهمه ... عسفا سهوله ورماله
يسأل الربع عن ظباء المصلى ... ما على الربع لو أجاب سؤاله
هذه سنة المحبين يبكون ... على كل منزل لا محاله
مع أبيات أخرى منها.
يا عريب الحمى اعذروني فإني ... ما تجنبت أرضكم عن ملاله
فصلونا إن شئتم، أو فصدوا ... لا عدمناكم على كل حاله
وفي السنة المذكورة توفي الشيخ عبد الله بن أبي بكر الخريبي، بقية شيوخ العراق. كان صاحب أحوال وكرامات، وله أصحاب وأتباع، تفقه وسمع الحديث قال الذهبي: كان شيخنا شمس الدين الدباهي يحكى عنه عجائب كرامات.

(2/216)


وفيها توفي الشيخ الإمام زين الدين عبد السلام بن علي المالكي القاضي المقري شيخ المقرئين، برع في الفقه وعلوم القران والزهد والإخلاص، وقرأ القراءات على السخاوي، وولي مشيخة الإقراء بتربة أم الصالح اثنتين وعشرين سنة، وقرأ عليه خلق كثير، وولي القضاء تسعة أعوام، ثم عزل نفسه يوم موت رفيقه شمس الدين بن عطار، واستمر على التدريس والإقراء، وتوفي في رجب رحمه الله تعالى.
وفيها هلك طاغية التتار والمغل، كان نصرانيا خرج يوم المصاف على حمص، وحصل له ألم وغم بالكسرة، واعتراه فيما قبل صرع متدارك كما اعترى أباه هولاكو، وهلك في أوائل المحرم إلى لعنة الله تعالى.
سنة اثنتين وثمانين وست مائة
فيها توفي الشهاب ابن تيمية أبو حامد عبد الحليم بن عبد السلام الحزاني الحنبلي، تفقه على والده، ثم انتقل ورحل في صغره، فسمع بحلب من جماعة، وصار شيخ حران وحاكمها وخطيبها بحد موت والده، ثم انتقل بآله وأصحابه إلى بلاد الشام.
وفيها توفي الشيخ الإمام شمس الدين عبد الرحمن ابن القدوة الزاهد محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي الحنبلي تفقه على عمه الموفق، وبحث عليه المقنع وعرضه، وصنف له شرحا في عشر مجلدات، قيل: وكان منقطع القرين عديم النظير علما وفضلا وجلالة، وقد جمع المحدث نجم اللين إسماعيل بن الخباز له سيرة في مائة وخمسين جزءا لكن ثلاثة أرباعها لا تعلق له بترجمته الأعلى سبيل الاستطراد.
وفيها توفي العماد الموصلي أبو الحسن بن يعقوب المقرئ الشافعي، انتهت إليه رياسة الإقراء، وكان فصيحا مفوها فقيها مناظرا. كرر على الوجيز للغزالي.
وفيها توفي الرشيد الصدر الأوحد المحيي ابن القلانسي أبو الفضل يحيى بن علي التميمي الدمشقي المقدسي.
وفيها توفي المفتي شمس الدين أحمد الشافعي، مدرس الشامية، ولي نيابة القضاء عن ابن الصائغ، وكان بارعا في المذهب. متين الديانة خيرا ورعا رحمه الله.
سنة ثلاث وثمانين وست مائة
في شعبان كانت الزيادة الهائلة بدمشق بالليل هكذا هو الزيادة في الأصل الذي وقفت عليه من الذهبي، وما يظهر لي معنى صحيح، ولعله الزلزلة، والله أعلم، فخربت البيوت وانطمت الأنهار.
وفيها توفي ابن المنير الإمام العلامة ناصر الدين أحمد بن محمد الجذامي الاسكندراني المالكي قاضي الإسكندرية وفاضلها في الفقه والأصول والعربية والبلاغة، وصنف التصانيف.
وفيها توفي ابن البارزي قاضى القضاة، وابن قاضيها، وأبو قاضيها نجم الدين عبد الرحيم بن إبراهيم بن هبة الله الجهني، الشافعي، كان بصيرا في الفقه والأصول والكلام والأدب، وله شعر بديع، وديانة متينة، وصدق وتواضع، توفي بتبوك في ذي القعدة، فحمل إلى المدينة الشريفة.
وفيها توفي عيسى بن مهنا ملك العرب بالشام، ورئيس أهل الفضل؛ كانت له المنزلة العالية عند السلطان، وصيت شائع في البلدان قلت: ومن صيته الشهير والتفخيم له والتعظيم ما وقع له من بعض قومه في بعض الأيام، وفلك أتي كنت يوما مارا إلى القرافة ، فلما بلغت تحت قلعة السلطان، رأيت جماعة كثيرين مجتمعين على شيء، فاستشرفت نفسي إلا الإطلاع على ذلك الشيء، فإذا هو رباب يسمعها عرب مهنا من واحد منهم، فلما دنوت منهم أنكرت، فقلت له: اسكت فما سكت به صاحب الرباب، وعرفت أنه لا يلتفت إلى قولي لكوني فقيرا حقيرا لا أعرف في ذلك المكان، وهم وفد عزيز كريم على السلطان، فهولت عليه بالصياح في قولي له اسكت مع تكرير هذه الكلمة حتى أوهمته أن لي شوكة فرفع رأسه إلي وسكت، فقلت له: أما علمت أن هذا الفعل حرام، فقال: من حرمه، فقلت: الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: إلا على آل عيسى، فعجبت من قوله، وشدة جهله، وعرفت أن ما لعلته طبا شافيا، ولا طبيبا مداويا، فذهبت وخليتهم، توفي عيسى المذكور في الربيع الأول، وقام بعده ولده الأمير حسام الدين مهنا صاحب تدمر.

(2/217)


وفيها توفي ابن الصائغ قاضي القضاة أبو المفاخر محمد بن عبد القادر الأنصاري الدمشقي الشافعي، كان عارفا بالمذهب بارعا في الأصول والمناظرة، درس بالشامية مشاركة مع شمس الدين المقدسي، ثم ولي وكالة بيت المال، ثم ولي قضاء الشام، وعزل به ابن خلكان، وظهر منه نهضة وشهامة وقيام في الحق بكل ممكن مع زعارة وفظاظة وإهمال بجانب أكابر من أهل زمانه، فقاموا عليه ناهضين لخفض شأنه، متعرضين له مقابلين بالبغضاء ساعين فيه حتى عزل عن القضاء بالذي عزل به ابن خلكان، وأنشد لسان حال الزمان: أيها الإنسان كما تدين تدان، وذلك في سنة سبع وسبعين، ثم أعيد إلى منصبه في سنة ثمانين، ثم أنهم قاموا له أيضا وعرضوه بجمر الغضا. نعوذ بالله من سوء القضا فامتحن في سنة اثنتين وثمانين، وأركبوه متن الأخطار، وأخرجوا عليه محضرا بنحو مائة ألف دينار، ولم يزل يلقى منهم شدة وبلاء إلى أن خلصه الله تعالى، وولوا مكانه القاضي بهاء الدين ابن الزكي، وانقطع هو بمنزله بعد ما تمت فصول على ما حكي في ربيع الآخر، وابن خلكان في سنة إحدى كما تقدم بتقدير في الحكمة البالغة، والحكم المحكم.
وفيها توفي الملك المنصور صاحب حماة ناصر الدين محمد ابن الملك المظفر تقي الدين محمود بن المنصور محمد بن عمر ابن شاهنشاه بن أيوب، تملك بعد أبيه سنة اثنتين وأربعين، وعمره عشر سنين رعاية لأمه الصاحبة بنت الكامل، وكان مذموما في ديانته على ما قيل الله تعالى يسامحه.
وفيها توفي السيد الإمام الكبير الشأن، القدوة المشكور الشيخ أبو عبد الله محمد بن موسى بن النعمان التلمساني قدم شابا فسمع بها من محمد بن عمار والصفراوي، كان عارفا بمذهب مالك راسخ القدم في العبادة والنسك سالكا في محاسن المسالك، قال الذهبي: كان أشعريا منحرفا على الحنابلة، هذه عبارة فيها من الغض له ما فيها كما عرف من عادته من التنقيص من أئمة منهج الحق وسادته، وكانت وفاته في رمضان، ودفن بالقرافة، وشيعه أمم قدس الله روحه، قلت: وله مناقب مشهور ومشكورة.
سنة أربع وثمانين وست مائة
فيها توفي النسفي الإمام العلامة برهان الدين محمد بن محمد بن محمد الحنفي المتكلم صاحب التصانيف في الخلاف يتخرج به خلق، وطالت حياته. كان مولده في ست ست مائة.
وفيها توفيت ست الغرب أم الخير بنت يحيى الدمشقية الكندية، سمعت من مولاهم التاج الكندي، وحضرت سماع الغيلانيات على ابن طبرزد.
وفيها توفي الصائن مقرئ بلاد الروم المجود الضرير أبو عبد الله محمد البصري، قرأ القراءة، وكان بصيرا بمذهب الشافعي خيرا صالحا.
وفيها توفي شبل الدولة الطواشي الأمير أبو المسك كافور الصوابي الصالحي خزندار قلعة دمشق، روى عن جماعة، وكان محبا للحديث عاقلا دينا.
وفيها توفي ابن شداد الرئيس المنشئ البليغ محمد بن إبراهيم الأنصاري، الحلبي الذي جمع السيرة للملك الظاهر، وجمع تاريخا لحلب.
وفيها توفي الحراني الأمير ناصر الدين محمد ابن الافتخار، والي دمشق ومشيد الأوقاف، كان من عقلاء الرجال والبهائم مع الفضيلة والديانة والمروءة، الكاملة النافذة في الدولة استعفى من الولاية، فأعفي، ثم أكره على نيابة حمص، فلم تطل مدته بها، وتوفي فنقل إلى دمشق.
وفيها توفي الشيخ الجليل شرف الدين محمد بن الحسن الإخميمي، نزيل سفح قاسيون، كان صاحب توجه وتعبد وزهد، وللناس فيه عقيدة عظيمة.
سنة خمس وثمانين وست مائة
فيها أخذت الكرك من الملك مسعود خضر ابن الملك الظاهر، ونزل منها وسار إلى مصر .
وفيها توفي الشريشي العلامة جمال الدين محمد بن أحمد البكري الموامكي الأندلسي الفقيه المالكي الأصولي المفسر كان بارعا في ذلك مهذبا محققا للعربية، عارفا بالكلام والنظر، جيد المشاركة في العلوم، ذا زهد وتعبد وجلالة.
وفيها توفي ابن الزكي قاضي القضاة محيي الدين أبو المعالي محمد ابن قاضي القضاة زكي الدين علي ابن قاضي القضاة منتجب الدين محمد بن يحيى القرشي الدمشقي الشافعي.
سنة ست وثمانين وست مائة

(2/218)


فيها توفي ابن عساكر ذو المجد والمفاخر الإمام الزاهد المحدث الماهر أمين الدين أبو اليمن. عبد الصمد بن عبد الوهاب بن زين الأمناء الدمشقي. المجاور بمكة روى عن جده، وعن الشيخ الموفق وطائفة، وكان صالحا خيرا قوي المشاركة في العلم بديع النظم، طيف الشمائل، صاحب توجه وصدق جاونى أربعين سنة، وتوفي وقد نيف على السبعين، قلت: ومن نظمه وقد دعاه الوزير ذو المحاسن والغرائب الحسناء الموصوف المعروف بابن حنا إلى التدريس لما بلغه من فضله وجميل وصفه الأسنى قصيدة من جملتها هذه الأبيات:
يا من دعاني إلى أبوابه كرما ... إني إلى باب بيت الله أدعوكا
ومن حداني إلى تدريس مدرسة ... إني إلى السعي والتطواف أحدوكا
أبيت لله جارا لا ألوذ بما ... شيء سواه، وهذا القدر يكفيكا
وأنثني طائفا من حول كعبته ... أرى ملوك الدنا عندي مماليكا
وفيها توفي قطب الدين ابن القسطلاني الكبير المحدث الشهير محمد بن أحمد بن علي المكي ثم المصري، ولد سنة أربع عشرة وست مائة، وسمع من شيخ عصره عارف بالله إمام الطريقة، ولسان الحقيقة شهاب الدين السهروردي، ومن الإمام المحدث أبي الحسن علي بن البنا وجماعه، وتفقه وأفتى، ثم رحل سنة تسع، وسمع ببغداد ومصر والشام والجزيرة حتى بلغني أن له ألف شيخ، وكان ممن جمع بين العلم والعمل والورع وخوف الله عز وجل، وولي مشيخة دار الحديث الكاملية بالقاهرة بعد قدومه إلى الديار المصرية بعد أن طلب من مكة المشرفة على ما ذكر بعض من له بالتواريخ معرفة، وأبوه الشيخ أبو العباس القسطلاني المتقدم ذكره، المعروف بزاهد مصر، تلميذ الشيخ الكبير الولي الشهير أبي عبد الله القرشي، وأمه المرأة الولية الصالحة زوجة الشيخ القرشي المذكور. تزوجها أبوه بعد وفاة الشيخ بإشارة من الشيخ بعد موته، فولدت له ولدا مباركا، كان مكاشفا من صغره، ثم توفي فلما حضرته الوفاة حزنوا عليه، فقال لهم: لا تحزنوا، فسوف يأتي بعدي لكم ولد عالم صالح يكون من صفته كذا وكذا، فولدت أمه بعده الشيخ الإمام قطب الدين المذكور ذا المحاسن، والفضل المشهور.
وفيها توفي البدر بن مالك أبو عبد الله حمد ابن العلامة جمال الدين محمد بن عبد الله بن مالك الطائي المجياني، ثم الدمشقي، شيخ العربية وإمام أهل اللسان، وقدوة أرباب المعاني والبيان. قال الذهبي: كان ولده الملقب بدر الدين المذكور ذكيا عارفا بالمنطق والأصول والنظر، لكنه كان لعابا معاشرا توفي بالقولنج في ثامن المحرم، ولم يتكهل.
قلت: هكذا ذكر الذهبي، وهو خلاف ما رأيت من ترجمته في شرح الألفية، فإنه مكتوب فيه شرح الخلاصة في النحو للشيخ الإمام العالم العامل الورع الزاهد حجة العرب لسان الأدب قدوة البلغاء والفصحاء بدر الدين محمد ابن الإمام العالم حجة العرب أبي عبد الله بن مالك الطائي، هكذا رأيت في الشرح المذكور، والله أعلم به بجمع الأمور، وعلى الجملة فقط أخطأ أحد المترجمين إذ لا يمكن الجمع بين وصفين متناقضين، فإن كان كما ذكره القادح، فكان حق المادح أن يمدحه بما فيه من العلم دون ما ذكر من كونه عاملا ورعا زاهدا، وإن كان كما ذكره المادح، فالذام الواصف له بالوصف المذكور مرتكب إثما عظيما، فإن مدحه فيه يبقى على تعاقب الدهور، لكن الذهبي معروف بمعرفة علم التاريخ، وأحوال أوصاف الناس الظاهرة، ولكن كان ينبغي على تقدير صحة قوله أن يعرض بذمه، ووصفه القبيح، ولا يصرح به هذا التصريح.
سنة سبع وثمانين وست مائة
فيها توفي الإمام المحدث الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن عبد العزيز الرعيني الأندلسي المالكي، سمع من جماعة، وسكن دمشق، وقرأ الفقه، وتقدم في الحديث مع الزهد، والعبادة والإيثار، والصفات الحميدة، والحرمة والجلالة ناب في القضاء، ثم ولي مشيخة دار الحديث الظاهرية.
وفيها توفي الشيخ إبراهيم بن معصار أبو إسحاق الجعبري الزاهد الواعظ المذكور، روى عن السخاوي، وسكن القاهرة، وكان لكلامه وقع في القلوب لصدقه وإخلاصه، وصدعه بالحق.

(2/219)


قلت: هذه ترجمه الذهبي بحروفها، وهي ناقصة في حقه قاصرة، بلى غاضة من قدره ومناقبه الفاخرة، فإنه الشيخ الكبير الولي الشهير العارف بالله. الخبير ذو المقامات العلية، والأحوال السنية، والأنفاس الصادقة، والكرامات الخارقة، والآيات الباهرة، والمناقب الزاهرة، واللسان البارع، والمقال الصادع، والنور الساطع، والسيف القاطع سيرته مشكورة، وكراماته مشهورة، وله بدايات هائلة ونهايات طائلة.
ومن كراماته أنه جاء قبل موته إلى موضع قبره، ثم قال: يا قبير قد جاءك زبير، ومكث هنالك ليس به علة ولا مرض، ثم توفي عن قريب، ووصل إلى المنى بلقاء الله تعالى عز وجل والفرض.
وحضر يوما ميعاده الشيخ العارف ذو المعارف واللطائف أبو محمد المرجاني مستخفيا. فقال في أثناء كلامه: جاءكم المرجاني، وكان بعض الأمراء قد ترك ولازم مجالسته مده من الزمان، فقطعوا خيره من الديوان، فقال له الأمير المذكور: إيش ترى في هذا اسكت عنهم في هذا الأمر أم أتكلم. فقال له الشيخ: لا ما تسكت، ثم استدعى الشيخ بورقة، وكتب فيها، أيتها الكلاب الزويرية اتركن من اللحم على العظم بقية تأكلها الكلاب البلدية، ثم أرسل بها إلى أهل الدولة، وكان السلطان هو الملك الظاهر، فوقف عليها كبراء الدولة، ثم أوقفوا عليها السلطان المذكور، فغضب وهم للسطوة، فقيل له: إن هذا الشيخ من صفته كيت وكيت، فسكت وأعادوا لذلك الأمير خيره هذا معنى القضية، وإن اختلف بعض الألفاظ، وكان مذهبه المحو الكلي، وإظهار الإفلاس والعدم، وهو القائل في معارضة قول الشيخ عبد القادر رضي الله تعالى عنه:
أنا بلبل الأفراح املأ دوحها ... طربا وفي العلياء باز أشهب
وهذا البيت من جملة أبيات كثيرة قدمتها في ترجمة الشيخ عبد القادر رضي الله عنه فقال الشيخ المذكور في معارضة البيت المذكور:
أنا صرد المرحاض أملأ بيره ... نتنا وفي البيداء كلب أجرب
ودخل عليه يوما بعض أصحابه، فقال له: يا سيدي سمعت بيتين من منشد فأعجباني.
فقال له: ما هما فقال:
وقائلة أنفقت عمرك مسرفا ... على مسرف في تيهه ودلاله
فقلت لها: كفي عن اللوم أنني ... شغلت به عن هجره ووصاله
فقال له الشيخ: ما هذا مقامك ولا مقام شيخك فأطرق التلميذ، ثم رفع رأسه، وقال له يا سيدي وقع لي بيتان غيرهما فقال: قلهما. فقال:
وقائلة طال انتسابك دائما ... إليه فهل يوم خطرت بباله
فقلت لها: ما كنت أهلا لهجره ... فما تعتريني شبهة في وصاله
ومما روينا له ما أنشدنا عنه ولده السيد الجليل الشيخ ناصر الدين:
أحن إلى لمع السراب بأرضكم ... فكيف إلى ربع به مجمع السرب
فوا أسفي دون السراب وإنني ... أخاف بأن يقضي على ظمأي نحبي
ومذبان ذاك الركب عني لم أزل ... أعفر من الخد في أثر الترب
قلت: فهذا ما اقتصرت عليه في ترجمته، وهو قدر حقير في وصف جلالته مخل، فذكر محاسنه يحتاج إلى تصنيف مستقل.
وفيها توفي السيد الجليل الولي المشكور المشهور بالأسرار والكرامات والإكرام الشيخ ياسين المغربي الحجام، كان من أولى أنفاس الصادقة والأحوال والكشوفات الخارقة، متسترا بالحجامة عن ظهور الولاية والكرامة، وكان جراحا على باب الجابية، وكان السيد الجليل الشيخ الإمام محيي الدين النواوي رحمة الله تعالى يزوره، ويتبرك به ويتلمذ له، ويقبل إشاراته، ويمثل ما أمره به.
ومن جملة إشاراته المباركة أنه أمر الشيخ محيي الدين رحمه الله تعالى أن يرد الكتب المستعارة إلى أهلها، وأن يعود إلى بلاده ويزور أهله، ففعل ذلك، ثم توفي عند أهله رحمه الله تعالى قلت: ومثل هذا السيد الذي كان الشيخ الإمام العالي المقام الممدوح بين الأنام محيي الدين النواوي يتبرك به ويتلمذ له ويتأدب معه ينبغي أن يفخم ويعظم ويبجل ويكرم، وأما قول الذهبي: والحاج ياسين المغربي الحجام الأسود، كان جراحا، وكان النواوي يزور ويتلمذ له بغير لائق بقدرهما.
وكانت وفاة الشيخ ياسين المذكور في شهر ربيع الأول، وقد قارب الثمانين نفعنا الله به، وبجميع الصالحين آمين.

(2/220)


وفيها توفي ابن النفيس العلامة علاء الدين علي بن أبي الحزام القرشي الدمشقي شيخ الطب بالديار المصرية، وصاحب التصانيف، وأحد من انتهت إليه معرفة الطب مع الذكاء المفرط، والذهن الخارق، والمشاركة في الفقه والأصول والحديث والعربية والمنطق.
سنة ثمان وثمانين وست مائة
في ربيع الأول منها نزل السلطان الملك المنصور مدينة طرابلس، ودام الحصار والقتال، ورمى بالمجانيق والكبار، وحفر النقوب ليلا ونهارا إلى أن افتتحها بالسيف في رابع ربيع الآخر، وغنم المسلمون أموالا لا تحد ولا توصف، وكان سورها منيعا قليل المثل، وهي من أحسن المدائن وأطيبها، فأخربها وتركها خاوية على عروشها، ثم أنشأوا مدينة على ميل من شرقيها، وجاءت ردية الهوا والمزاج على ما ذكر بعضهم.
وفيها يوم عرفة توفي الشيخ العماد أحمد بن العماد إبراهيم المقدسي الصالحي، سمع من جماعة، واشتغل وتفقه، ثم تفقر وتجرد وصار له أتباع ومريدون طعن فيهم الذهبي، والله أعلم.
وفيها توفي العلم ابن الصاحب أبو العباس أحمد بن يوسف المصري اشتغل ودرس وتميز، ثم تفقر وتجرد وغض منه الذهبي أيضا، ثم قال: ونوادره مشهورة، وروائده حلوة، وله أولاد رؤساء.
وفيها توفيت زينب بنت مكي الحراني ابن علي ابن الكامل، الشيخة المعمرة العابدة أم أحمد، سمعت من حنبل، وابن طبرزد، وست الكتبة وطائفة، وازدحم عليها الطلبة، وعاشت أربعا وستين سنة.
وفيها توفي الفخر البعلبكي المفتي عبد الرحمن بن يوسف، سمع من القزويني وابن الزبيدي، وجماعة، وتفقه بدمشق على النقي بن العز وغيره، وعرض كتاب علوم الحديث على مؤلفه الشيخ الإمام ابن الصلاح، وأخذ الأصول عن السيف الآمدي، وتخرج به جماعة، وكان من العلماء الصالحين العاملين.
وفيها توفي شمس الدين الأصفهاني الأصولي المتكلم العلامة أبو عبد الله محمد بن محمود نزيل مصر. صاحب التصانيف، له كتاب القواعد في العلوم الأربعة الأصلين والخلاف والمنطق وكتاب غاية المطلب في المنطق، وله يد طولى، في العربية. درس في مشهد الشافعي، ومشهد الحسين، وتخرج والمصريون، وتوفي في رجب منيفا على السبعين.
سنة تسع وثمانين وست مائة
فيها توفي السلطان الملك المنصور سيف الدين أبو المعالي، وفيها توفي أبو الفتوح قلاوون التركي الصالحي النجمي، كان من أكابر الأمراء زمن الظاهر، وتملك في رجب سنة ثمان وسبعين، وكسر التتار على الحمص، وغزا الفرنج غير مرة، وتوفي في سادس ذي القعدة بالمخيم بظاهر القاهرة، وقد عزم على الغزاة، ثم دفن بتربته بين القصرين.
وفيها توفي خطيب دمشق عبد الكافي بن عبد الملك الدمشقي الشافعي المفتي، سمع من ابن صباح، وابن الزبيدي وجماعة، وناب في القضاء مدة، وكان دينا حسن السمت للناس فيه عقيدة كبيرة.
وفيها توفي الرشيد الفارقي أبو حفص عمر بن إسماعيل بن مسعود الشافعي الأديب. سمع من الفخر، وابن الزبيدي وغيرهما، وكان أديبا بارعا منشئا بليغا شاعرا مفلقا لغويا محققا. درس بالناصرية مدة، ثم بالظاهرية، وتصدر للإفادة، وخنق في بيته بالظاهرية، وأخذ ماله ودرس بعده علاء الدين ابن بنت الأغر.
سنة تسعين وست مائة
دخلت والسلطان هو الملك الأشرف ابن المنصور، وقد فوض الوزارة إلى شمس الدين بن سعلوس، ونيابة الملك إلى بدر الدين بيدرا، فسار بالجيوش إلى الشام، ونزل إلى عكا في رابع ربيع الآخر، وجد المسلمون في حصارها، واجتمع عليها أمم لا يحصون، فلما استحكمت النقوب، وتهيأت أسباب الفتح أخذ أهلها في الهزيمة في البحر، فافتتحت بالسيف بكرة الجمعة سابع عشر جمادى الأولى، وصير المسلمون سماءها أرضا، وطولها عرضا، وأخذ المسلمون بعد يومين مدينة صور بلا قتال لكون أهلها هربوا في البحر لما علموا بأخذ عكا، وسلمها الرعية بالأمان، وأخربت أيضا، ثم افتتح الشجاعي صيدا في رجب وأخربت، ثم افتتح بيروت بعد أيام وهدمها، فلما رأى أهل حصن عثليث بالمثلثة بعد العين المهملة مكررة في آخره خلو الساحل من عباد الصليب. أحرقوا حواصلهم، فهربوا في البحر، فهدمه المسلمون، وكذلك فعل بأهل طرسوس، فتسلمها الطباخي، ولم يبق للنصارى بأرض الشام معقل ولا متحصن.

(2/221)


وفيها توفي عن اثنتين وثمانين سنة الإمام الجليل السيد الجليل ذو المجد الأثيل بركة الزمن، وفقيه اليمن المعروف، بابن عجيل الولي الكبير العارف بالله الشهير ذو السيرة الحميدة، والمناقب العديدة، والبركات الظاهرة، والكرامات الباهرة أبو العباس أحمد بن موسى بن علي بن عمر الذوالي بالذال المعجمة؛ كان أبوه عالما بأصول الفقه وفروعه، وانتهت إليه رياسة الفقه والفتوى، حتى كان يقول شيخه الكرماني في إجازته علامة اليمن، وأعجوبة الزمن، وكان عمه محمد فقيها في الفرائض والحساب، وكان عمه وشيخه إبراهيم عالما بالحديث والعربية والفقه وأصوله، وكان أبوه موسى المذكور يصحب الشيخ والفقيه، وكان إذا زارهما يقولان له أو أحدهما: أرحب يا أبا أحمد، ويبشرانه أنه يولد له ولد يكون له شأن عظيم.
قلت: وبلغني أن الشيخ الحكمي قال له: يكون أحمد شمس زمانه لا كشموسنا، وبلغني أيضا أنهما أتيا يوم السابع عن ولادة الفقيه أحمد المذكور، وأسرا إليه كلاما في أذنه لم يدر الحاضرون ما هو، حتى سئل الفقيه أحمد عنه بعدما كبر. ما هو؟ فقال: أوصياني بذريتهما، وكان رضي الله تعالى عنه قد نشأ نشوءا عجيبا، وظهرت فيه النجابة، ولاح عليه الفلاح، واستفاض في الناس أنه ما لعب ولا صبا، ولم يعرف له سوى الورع والزهد والعبادة، والاشتغال بالعلم، والاستفادة والإفادة. اشتغل على عمه إبراهيم ولازمه اثنتي عشرة سنة يقرأ فيها الفنون التي قد أتقنها مع خلو البال، والاعتزال لا يبطل الاشتغال في يوم جمعة ولا غيره، فبرع في العلوم خصوصا الفقه، وله شيوخ غير عمه أخذ عنهم في مكة وهم جماعة.
منهم الإمام محمد بن يوسف بن مسدي بفتح الميم وسكون السين وكسر الدال المهملتين المهلبي، والإمام سليمان بن خليل العسقلاني، والإمام إسحاق بن أبي بكر طبري وفي اليمن الفقيه الإمام محمد بن إبراهيم الفشلي، كل هؤلاء المذكورين خطوطهم في كتبه مسطورة.
وأخذ عنه خلائق منهم الفقيه العلامة السيد الكبير الولي الشهير ذو المناقب الجليلة، المواهب الجزيلة، والكرامات الباهرة، والمحاسن الزاهرة أبو الحسن علي بن إبراهيم البجلي اليمني الساكن في شجينة بضم الشين المعجمة، وفتح الجيم، والنون وبينهما مثناة من تحت ساكنه قرية من تهامة اليمن، كان يحج بقوافل اليمن بعد شيخه ابن عجيل المذكور أدركته وحججت معه، ولعلي المذكور كرامات يطول ذكرها، وفضائل يجل قدرها.
قيل خرج من تحت يده نيف وثمانون مدرسا، وكان فقه كتاب المهذب على ذهنه، وله ولد اسمه إبراهيم أعني التلميذ المذكور، كان في العلم والصلاح والكرامات بمكان رفيع وفضل وسيع.
ومن كراماته ما بلغني أنه زار مع أبيه مساجد الفتح غربي المدينة الشريفة، فنبحهم كلب هناك، فالتفت إليه إبراهيم المذكور، فتفل في وجهه، فمات الكلب، فغضب عليه أبوه لإظهاره مثل هذه الكرامة العظيمة من غير ضرورة دعت إلى ذلك.
ومن كرامات والده الفقيه علي المذكور الداعية إليها الضرورة أن بعض الناس أودع امرأة وديعة، فماتت الامرأة، ولم يعلم بها أحد أين تركت الوديعة، فجاء صاحب الوديعة، فطلبها، فلم يجد من يعلمه بها، فجاؤوا إلى الفقيه علي المذكور، وذكروا له الحال، فقال: أروني قبرها، فذهبوا به إلى القبر، فوقف عليه ساعة واحدة، ثم سأل هل في بيتها شجرة حناء. قيل: نعم قال: احفروا تحت الشجرة، فالوديعة هناك.
وكان رضي الله عنه يحج ويزور في شبابه على رجليه سنينا كثيرة، وقدم في بعضها المدينة الشريفة وابن عجيل فيها، فخرج للقائه بأمر النبي عليه السلام له بذلك، فوجده عند المصلى سابع سبعة وقربته علي ظهره في قصة طويلة هذا مختصرها، وكانت له أيام زاهرة، وبركات ظاهرة، وإليه أشرت بقولي في ذكر شجينة قريته:
وكم شجن قد حل بي من شجينة ... بحسن مليحات حوتها فواضل

(2/222)


وممن أخذ عن ابن عجيل أيضا الفقيه الإمام العالم العلامة أبو الحسن علي بن أحمد، المعروف بابن الصريدح، كان فقيها فاضلا صالحا مفيدا منتفعا به. مررت عليه عند زيارتي لقبر ابن عجيل المذكور، وكان قويبا منه، فوجدته يدرس جماعة من الطلبة، فألقيت عليهم ثلاث مسائل، فوقفوا عن جوابها، ثم استمررت في سفري إلى مكة، ثم إلى المدينة، ثم بعد سنين كثيرة قدم حاجا بعض طلبته، وهو الفقيه الفاضل الصالح العالم العامل أبو بكر، المعروف بدعسين بفتح الدال والسين، وسكون العين بينهما مهملات، وسكون المثناة من تحت قيل: النون، وهو لا يعرفني ولا أعرفه، فقال: قدم علينا شاب، وسألنا عن ثلاث مسائل، فلم نعرف جوابها، وفتشنا الكتب، فوجدنا جواب واحدة منها، وواحدة وجدنا فيها وجهين، وواحدة لم نجد لها جوابا، فضحكت عند ذلك، فعرف حيئذ أني كنت ذلك السائل، وابن الصريدح المذكور من بني الصريدح.
ومنهم الفقيه عبد الله بن أحمد الصريدح. تفقه على جد ابن عجيل المذكور علي بن عمر بن عجيل رحمهم تعالى.
وممن أخذ عن ابن عجيل أيضا الفقيه الإمام العلامة ذو الفهم الثاقب، والعلو والمناقب الفاضل البارع النجيب، قاضي القضاة رضي الدين الأديب اليمني اللخمي.
ومنهم الفقيه الأجل العالم البارع المتفنن أبو الحسن علي بن عبد الله الجبرتي المشهور بالفرضي البارع في علم الفرائض، كثير من الناس يسمونه الزيلعي ومنهم ولد ابن عجيل المذكور الفقيه القدوة الصالح إبراهيم بن أحمد، وقد أدركته، وزرته، ووجدته يقرئ بنية له صغيرة.
وممن روى عن ابن عجيل المذكور شيخنا الرواية إمام الحديث في زمانه رضي الدين إبراهيم بن محمد الطبري إمام المقام الشريف بمكة يروي عنه كتاب " المصابيح " في الحديث وهو يرويه عن عمه بسنده المثبت في الطباق، وكان يشير إلى شيخنا المذكور إذا طلب منه الدعاء بعض أهل مكة، ويقول: عندكم إبراهيم، وكان كثير التردد إلى الحج والزيارة.
وله كرامات عديدة، وسيرة حميدة، وزهد وورع دقيق، واتقان للعلوم، وتحقيق وقدر كبير، وصيت شهير صارت بفضله الركبان إلى شاسع البلدان، ولعله كان يزيد على الشيخ الإمام رفيع المقام محيي الدين النواوي في ورعه وأدبه، وزهده، وتقشفه، فمعيشته كانت من الذرة الحمراء، والقطيب والمخيض من اللبن على تعاقب الدهور، وطول الزمن.
وقد قال بعضهم في مثل أحمد بن موسى: في الأولياء كيحيى بن زكرياء في الأنبياء.
كأنه أشار إلى ما ورد ما منا إلا من عصي أو هم بمعصية إلا يحيى بن زكرياء، وكان رضي الله تعالى عنه فيه من المحاسن والآداب ما يحتاج ذكره إلى تصنيف كتاب.
ونقتصر من ذكر كراماته الكثيرة على واحدة منها شهيرة، وهي أنه جاءه بعض الناس يلتمس بركته، وفي يده سلعة، فقال له: يا سيدي هذه السلعة درت بها على الصالحين ليدعوا لي في ذهابها، فلم تذهب، وأنت إن لم تدع لي وتذهب بدعائك وإلا ما بقيت أحسن ظني بأحد من الصالحين، فقال له: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قرأ عليها، وقال: اربط عليها بخرقة، ولا تفتحها حتى تصل إلى بلادك، ففعل ما أمر به، ثم سافر إلى أن بلغ بعض الطريق، وحضر وقت الغداء، ومعه رفقة، فقالوا: تعالوا نتغذى في هذه القرية، فاشتروا خبزا ولبنا، وفتوه وعادة أهل اليمن يكلون الخبز واللبن إذا كان مفتوتا بالكف، ففتح الخرقة وأكل بكفه ناسيا لما أوصاه به من ترك فتحها إلى بلاده، فلما فرغ من الأكل ذكر ما أوصاه به، ونظر إلى يده، فإذا السلعة التي كانت فيها قد ذهبت، ولم يزل رضي الله تعالى عنه مع ما هو متصف به من مشاهدات الأنوار والإطلاع على الأسرار يشغل الطلبة بالعلوم بالليل والنهار، حتى بمقامات الحريري على ما بلغني، وأصله من عرب يقال لهم: المعازبة بالعين المهملة قبل الألف، وبعدها زاي وموحدة قبل الهاء يسكنون قريبا من زبيد، وإلى انتسابه إليهم، وحسن سيرته وأدبه أشرت بقولي في بعض قصائدي عند الغزل لشيوخ اليمن وعادتي أجمعه مع الفقيه الإمام الولي الكبير الرفيع المقام إسماعيل بن محمد الحضرمي المتقدم ذكره في سنة ست وسبعين، حيث قلت مشيرا أيضا إلى مسكن الحضرمي ودلاله وحلاله:
وجود في الضحى أضحت بحسن ... زها تختال فاقت للغواني
كجود للمعازبة اعتراها ... حصان في حيا حسن رزان

(2/223)


وكم من جوهر صادفته في ... حقير من جناد صدف صان
وفي أخرى تشتمل على ذكر مائة شيخ من أكابر الأولياء المشهورين الأفراد في اليمن وغيره من أقطاب البلاد. تنيف على ثلاث مائة بيت في التعداد. قلت: أيضا مشيرا إليهما:
أنا راسما مجد المعالم والعلى ... وصار أهدى للحائر المتردد
وليان كل كم له من كرامة ... عليان كل في مقام مشيد
خليلان كل صادق في وداده ... جليلان كل في ردا المجد مرتد
ذوا مجد أكرام الولاية معلما ... بنور الهدى يزهو به كل مسعد
هما الحضرمي نجل الولي محمد ... إمام الهدى نجل الإمام الممجد
له خطب كم ذللت ثم عللت ... عنايات فضل ليس تدرك باليد
مدل ومجوب وفي كلفة العنا ... عظيم كرامات وجاه وسؤدد
ومن جاهه أومى إلى الشمس أن قفي ... فلم تمشي حتى أنزلوه بمقصد
ونجل عجيل كم مواهب عجلت ... له وسعادات ومجد مجدد
نحلي حلا يزهو الوجود بحسنها ... ويرفل في ثوب الجمال المنجد
كان حلاه حلة الشمس معلم ... بهاها على كم الزمان بعسجد
مشى سيرة محمودة لا يسيرها ... سوى كل صديق بحفظ مؤيد
عظيم كرامات عزيز وجودها ... بها شهرة كانت لذكر معدد
هو القمر الثاني البهي ليت نظرة ... إلى بحر حسن في الدجى متهجد
وفي أخرى أيضا موسومة بباهية المحيا في مدح الشيوخ الأصفياء، والرد على بعض المنكرين الأغبياء بمعرفة الأصول والعربية، وطريق السالكين الأولياء أشرت إليهما في غزلها بقولي:
وجود الضحى شمس الضحى حضرمية ... مدللة تزهو بعالي المنازل
وذات إليها الحسنا عجيليه زهت ... بها سارت الركبان من كل راحل
وأشرت إليهما أيضا، وإلى الشيخ الكبير اليمني الأصل والبلاد أبي العباس أحمد المعروف بالصياد فيها عند ذكر أسمائهم بالتصريح بعد الكناية بالغزل والتلويح فقلت:
وأكرم بإسماعيل شيخ شيوخنا ... هو الحضري المشهور زين المحافل
ورين الزمان ابن العجيل شهيرهم ... وصيادهم سامي العلا والفضائل
ومن محاسن أدب السيد المذكور ابن عجيل المشهور المذكور احترازه في جوابه المشكور وقد سئل عن سماع الصوفية أن أبحه، فلست من أهله، وإن أنكره، فقد سمعه من هو خير مني، وقد نقلت هذا الجواب في بعض كتبي، فلما قرئ ذلك الكتاب على ابن ابنه الفقيه العالم في الفضائل والمكارم أبي العباس أحمد بن أبي بكر في الحرم الشريف، ووقف على جواب جده المذكور. قال: هكذا هو عندنا مسطور، فزادني ذلك طمأنينة في العلم والتحقيق، وقد اقتصرت في ترجمته على هذه النبذة اليسيرة، وبالله التوفيق.
وفيها توفي السويدي الحكيم العلامة شيخ الأطباء أبو اسحاق إبراهيم بن محمد بن طرخان الأنصاري الدمشقي، سمع من طائفة، وأخذ الأدب عن ابن معطي، والطب عن المهذب، وبرع فيه، وصنف وفاق على الأقران، وكتب الكثير بخطه المليح، ونظر في التعليقات، وألف كتاب الباهر في الجواهر والتذكرة في الطب وعاش تسعين سنة.
وفيها توفي سلامش بالمهملة في أوله والمعجمة في آخره الملك العادل ابن الملك الظاهر بيبرس الصالحي الذي سلطنوه عند خلع الملك السعيد، ثم نزعوه بعد ثلاثة أشهر، فبقي خاملا بمصر، فلما تسلطن الأشرف أخذه وأخاه الملك خضرا وأهلهم وجهزهم إلى بلاد الأسكري، فمات بها.
وفيها توفي التلمساني سليمان بن علي الأديب الشاعر الملقب بعفيف الدين.
قال الذهبي: أحد زنادقة الصوفية، وقد قيل له مرة: أنت نصيري قال: النصيري بعض مني.
قال: وأما شعره، ففي الذروة العليا من حيث البلاغة والبيان لا من حيث الإلحاد.

(2/224)


قلت: وهذا أيضا مع ما تقدم يدل على سوء عقيدة الذهبي في الصوفية، أما كان يكفيه إن كان كما ذكر زنديقا أن يقول: أحد الزنادقة، ولا يضيف إلى الصوفية الصفوة أهل الصدق والتصديق، والحق والتحقيق كل فاجر زنديق. وهل كل من كان متصفا بالوصف المذكور أو غيره من وصف غير مشكور ينسب إلى الصوفية أهل الصفا والنور؟ وكأنه ما يصدق متى يصادف رخصة يتخذها فرصة في الطعن في الساعة الأحباب العارفين أولى الألباب، وليت هذا إذ حزم التوفيق في حسن الظن، ومشابهة الولي الإمام محي الدين النواوي الجليل المقدار، حيث ذكر في كتابه الحفيل الموسوم بالإذكار، إن الصوفية من صفوة هذه الأمة نعوذ بالله من حرمان التوفيق والعصمة، فلم يكن لهم معتقدا أمسك عنهم، ولم يكن فيهم منتقدا لكنه سارع إلى القدح فيهم ترا، والطعن فيهم مرة بعد أخرى، كأنه قد شرب من ما جيرانه المعروف بالوخم الطاعنين في الصوفية أولى الأحوال السنية، ومحاسن الأوصاف والشيم، والجد والاجتهاد وعوالي العزائم والهمم، ورفض ما سوى الله، والإقبال على الله في الفضل والجود والكرم، وما أحسن التوفيق للسكوت فيما لا يدريه الإنسان، كما تقدم من جواب السيد الجليل الكبير الشأن، ابن العجيل لما سئل عن السماع حيث تورع فبم الجواب، ولم ينسبه إلى الزيغ والابتداع، وكيف وضع نفسه عن مشابهة من سمعه مع رخصه الله به ورفعه، فقال: إن أبحه، فلست من أهله، وإن أنكره، فقد سمعه من هوي مني.
قلت: وقد نص الشيوخ العارفون بالله من الصوفية أولى المقامات العلية إن الفرق الخارجة عن سنن الهدى ليسوا من الصوفية، وإن ادعوا ذلك، ولبسوا في الرسوم والزخارف، وممن نص على ذلك شيخ عصره الإمام شهاب الدين في العوارف.
وفيها توفي الإمام فقيه الشام، وشيخ الإسلام المشهور بالفضل والخير والاتباع أبو محمد عبد الرحمن بن إبراهيم الفزاري الشافعي المعروف ابن صباغ تاج الدين الملقب بالفركاح لحنف في رجليه العلامة شيخ المذهب على الإطلاق في زمانه والد الشيخ الإمام العلامة برهان الدين، سمع من طائفة منهم ابن الزبيدي، وتفقه على الإمامينابن عبد السلام، وابن الصلاح، واشتغل وأفتى، وكان مع فرط ذكائه، وتوقد ذهنه ملازما للاشتغال، مقدما في المناظرة، متبحرا في الفقه وأصوله، وانتهت إليه رياسة المذهب - رحمه الله تعالى - له عبارات حسنة جزلة فصيحة، وخطابة بليغة، له الفوائد الجمة والفنون المهمة، والمصنفات البديعة، محببا إلى الناس لعفته، ودينه، وفضله، وعقله، وعلمه، ورياسته، وتواضعه، وكرمه، ونصحه للمسلمين، ومن مصنفاته كتاب الإقليد في درر التقليد علقه على أبواب التنبيه من نظر فيه علم محل الرجل من العلم، وكان - رحمه الله تعالى - لطيف الطبع يميل إلى استماع السماع، ويحضره ويرخص فيه، وله اختيارات في المذهب مشى على أكثرها ولده، وله فضائل كثيرة، ومحاسن عديدة، وشعر جيد، وخرج له الحافظ علم الدين البرزالي مشيخة على مائة شيخ في عشرة أجزاء، فسمعها عليه جماعة من الأعيان، منهم الشيخ العلامة ابنه برهان الدين، والشيخ الإمام العلامة تقي الدين ابن تيمية، والحافظ أبو الحجاج المزي، وقاضي القضاة نجم الدين ابن صصري، والشيخ علاء الدين ابن العطار وغيرهم. وتخرج به جماعة كثيرون، وخلائق لا يحصون، وكانت فنونه في العلوم الشرعية، وتأسف الناس على فراقه.
قلت: وبلغني أن ولده الشيخ برهان الدين كان يرخص في السماع أيضا بشروط كوالده، وإن والده ما حضره إلا بعد أن رأى كرامة من بعض المشائخ الصوفية.
وفيها توفي ابن الزملكاني الإمام المفتي علاء الدين أبو الحسن ابن العلامة البارع كمال الدين عبد الواحد بن عبد الكريم الأنصاري الدمشقي الشافعي.
سنة إحدى وتسعين وست مائة

(2/225)


في جمادى الأولى منها قدم السلطان الملك الأشرف في دمشق، وقد فرغ الشجاعي من بناء الطارمية، والرواق، وقاعة الذهب، والقبة الزرقاء بقلعة دمشق، فرغ جميع ذلك في سبعة أشهر، قيل: وجاء في غاية الحسن، ثم سار السلطان ونازل قلعة الروم في جمادى الأخرى، فنصب عليها المجانيق، وجد في حصارها، وفتحت بعد خمسة وعشرين يوما، وأهلها نصارى من تحت طاعة التتار، فلما رأوا أن التتار لا ينجدونهم ذلوا، وما أحسن ما قال الشهاب محمود في كتاب الفتح: فسطا جيش الإسلام يوم السبت على أهل الأحد، فبارك الله للأمة في سبتها وخميسها.
وفيها توفي أبو حفص عمر بن مكي بن عبد الصمد الشافعي الأصولي المتكلم، خطيب دمشق، وولي بعده الخطابة الشيخ عز الدين الفاروثي.
سنة اثنتين وتسعين وست مائة
فيها أسلم صاحب شيس قلعة بهنسا للسلطان صفوا لم يلق ضربا ولا طعنا فضربت البشائر في رجب.
وفيها توفي الإمام أعلم العلماء الأعلام ذو التصانيف المفيدة المحققة، والمباحث الحميدة المدققة قاضي القضاة ناصر الدين عبد الله ابن الشيخ الإمام قاضي القضاة إمام الدين عمر ابن العلامة قاضي القضاة فخر الدين محمد ابن الإمام صدر الدين علي القدوة الشافعي البيضاوي، تفقه بأبيه، وتفقه والده بالعلامة مجير الدين محمود بن أبي المبارك البغدادي الشافعي، وتفقه مجير الدين بالإمام معين الدين أبي سعيد منصور بن عمر البغدادي وتفقه هو بالإمام زين الدين حجة الإسلام أبي حامد الغزالي رحمهم الله تعالى.
قلت: ونسبة الغزالي في الفقه إلى الشافعي معروفة، وكذلك نسبته ونسبة أخيه الشيخ الإمام الغزالي في التصوف معروفتان، وقد ذكرت شيوخ الخرقة في كتاب نشر الريحان في فضل المتحابين في الله الاخوان، وللقاضي ناصر الدين المذكور مصنفات عديدة، ومؤلفات مفيدة، منها الغاية القصوى في الفقه على مذهب الشافعي، وله شرح المصابيح وتفسير القرآن والمنهاج في أصول الفقه، والطوالع في أصول الدين، وكذلك المصباح، وله المطالع في المنطق وغير ذلك مما شاع في البلدان، وسارت به الركبان، وتخرج به أئمة كبار - رحمه الله تعالى رحمة الأبرار - .
وفيها توفي القاضي جمال الدين أبو إسحاق إبراهيم بن داود بن ظافر العسقلاني ثم الدمشقي المقرئ صاحب السخاوي، ولي مشيخة الإقراء بتربة أم الصالح مدة، وسمع من ابن الزبيدي جماعة، وكتب الكثير.
وفيها توفي الشيخ الجليل القدوة إبراهيم ابن الشيخ القدوة عبد الله الأرموي روى عن الشيخ الموفق وغيره. توفي في المحرم، وحضره ملك الأمراء والقضاة، وحمل على الرؤوس، وكان صالحا قانتا لله، منيبا عليه سيماء السعادة، متصفا بالزهد والعبادة، معدودا من الأولياء السادة.
وفيها توفي ابن الواسطي العلامة الزاهد القدوة مسند الوقت أبو اسحاق إبراهيم بن علي الصالحي، سمع وتفقه وأتقن، ودرس بالمدرسة الصالحية، وكان فقيها زاهدا، عابدا، مخلصا. صاحب جد وصدق، وقول بالحق، وهيبة في النفوس.
وفيها توفي الشيخ الكبير السيد الشهير صاحب القلب المستنير، العارف بالله الخبير الذي شاع فضله واشتهر، المعروف بالمكين الأسمر عبد الله بن منصور الإسكندراني شيخ القراء بالإسكندرية.
قلت: وممن أثنى عليه بالنور والاطلاع شيخ زمانه أبو الحسن الشيخ الشاذلي الذي اشتهر فضله وشاع، وكذلك الشيخ الإمام علي المقام تاج الدين ابن عطاء الله الشاذلي، وقال: كنت أنا وهو معتكفين في العشر الأواخر من رمضان، فلما كانت ليلة ست وعشرين قال: أرى الملائكة في تهيئة وتعبية كما تهيأ أهل العرس قبله بليلة، فلما كانت ليلة سبع وعشرين، وهي ليلة جمعة قال: رأيت الملائكة تنزل من السماء، ومعها أطباق من نور، فلما كانت ليلة ثماني وعشرين قال: رأيت هذه الليلة كالمتغيظة، وهي تقول: هب إن لليلية القمر حقا أمالي حق يرعى. أو كما قال انتهى كلامه.
قلت: لعل تغيظها على الناس من أجل تركهم إحياءها، واهتمامهم بليلة القدر دونها كونها جارة لها، وحق الجار أن يكرم بشيء مما أكرم به جاره.
وأما أطباق النور المذكور، فلعلها هدية إلى من أحيى ليلة القدر. المذكورة، ومن أناله الله تعالى شيئا من بركتها والخيرات المقسومة فيها، والله أعلم.
سنة ثلاث وتسعين وست مائة

(2/226)


في سابع المحرم منها قتل السلطان ببروجه في الصيد، ثم قتل نائبه بيدرا وخلفوا للسلطان الملك الناصر محمد بن المنصور، وهو ابن تسع سنين، وجعل نائبه كتبغا، وبسط العذاب على الوزير ابن سلغوس حتى مات وأخذت أمواله ثم قتل الشجاعي.
وفيها توفي الملك الأشرف صلاح الدين خليل ابن الملك المنصور سيف الدين قلاوون ولي السلطنة بعد والده في ذي القعدة سنة تسع وثمانين، وقتله في المحرم بيدرا ولاجين وجماعة، وتسلطن بيدرا، ولقب بالملك القاهر فأقبل كتبغا والجاشكير، وحملوا على بيدرا فقتلوه.
وفيها توفي قاضي القضاة شهاب الدين ابن قاضي القضاة شمس الدين أحمد الخليل بن سعادة بن جعفر الشافعي روى عن ابن المقير وطائفة، وكان من أعلم أهل زمانه وأكثرهم تفننا، وأحسنهم تصنيفا، وأحلاهم مجالسة، ولي القضاء بحلب مدة، ثم ولي قضاء الشام هكذا قال بعضهم، ولم يقل قضاء دمشق، وتوفي في العشر الأخير من شهر رمضان.
وفيها توفي الملك الحافظ غياث الدين محمد ابن شاهنشاه، وصاحب بعلبك الملك الأمجد، روى صحيح مسلم، ونسخ الكثير بخطه.
وفيها توفي الدمياطي شمس الدين محمد بن عبد العزيز المقرئ أخذ القراءة من الصخاوي، وتصدر واحتيج إلى علو روايته، وقرأ عليه جماعة.
وفيها توفي الوزير سلغوس المدعو بالوزير الكامل، مدبر الممالك شمس الدين محمد بن عثمان التنوخي الدمشقي التاجر الكاتب ولي حسبة دمشق، فاستصغره الناس عليها، فلم ينشب أن ولي الوزارة، ودخل دمشق في موكب عظيم لم يعهد مثله. مات بعد أن أنتن جسده من شدة الضرب، وقطع منه اللحم الميت نسأل الله الكريم العافية.
سنة أربع وتسعين وست مائة
في المحرم تسلطن الملك العادل كتبغا المنصوري، وزينت مصر والشام، وله نحو من خمسين سنة يومئذ سبي يوم وقعت حمص من التتار.
وفيها توفي الفاروثي الإمام العالم الواعظ المقرئ المفسر الخطيب عز الدين أبى العباس أحمد بن إبراهيم الواسطي الشافعي الصوفي شيخ العراق، كان إماما متفننا متضلعا من العلوم والآداب، حسن التربية للمريدين، لبر الخرقة من الشيخ العارف أستاذ زمانه شهاب الدين السهروري، وسمع منه ومن جماعة، وأسمع الكثير في الحرمين والعراق ودمشق، وجاور مدة، وعليه قرأ كتاب الحاوي الصغير شيخنا الفقيه الإمام العلامة نجم الدين قاضي الحرم الشريف وشيخه ومدرسه محمد بن محمد الطبري، والفاروثي يرويه عن مصنفه الشيخ عبد الغفار القزويني، ثم قدم بعد المجاورة إلى الشام في سنة إحدى وتسعين، فولي بها مشيخة دار الحديث الظاهرية، وإعادة الناصرية، وتدريس النجيبية، ثم ولي خطابة البلد بعد زين الدين بن المرجل، وكان خطيبا بليغا، فإذا نزل وصلى ربما خرج بالخلعة السوداء وشيع الجنائز، وزار بعض أصحابه من الأكابر، وهو لابسها، وكان إماما بارعا فاضلا فقيها مقريا، حسن الاعتقاد، جيد الديانة، ظريفا حلو المجالسة، لطيف الشكل، صغير العمامة يرتدي برداء، وكان كثير الاشتغال والعبادات، وعنده كتب كثيرة جدا نحو من ألفي مجلد أو أكثر، ذا كرم وسعة صدر ووجاهة عند الكبراء والأمراء، واتفق أنه عزل بعد سنة بالخطيب الموفق، فسافر مع الحجاج، ودخل العراق، وتوفي بواسط وقد نيف على الثمانين - رحمه الله تعالى - .
وفيها توفي المحب الطبري شيخ الحرم الإمام العلامة الحافظ الرواية ذو التصانيف الكثيرة، والفضائل الشهيرة أبو العباس أحمد بن عبد الله بن محمد بن أبي بكر المكي الشافعي، ولد سنة خمس عشرة وست مائة، وسمع من ابن المقري، وابن الحميري وجماعة، وصنف كتبا عديدة في الحديث، وله في الفقه مبسوطات ومختصرات، ومن المبسوطات كتاب في الأحكام في عدة مجلدات أجاد فيه وأفاد وأكثر وأطنب، وجمع الصحيح والحسن، ولكن ربما أورد فيه الأحاديث الضعيفة، ولم يبين ضعفها، وكان فقيها بارعا محدثا حافظا درس وأفتى وأسمع، وروى، وكان محدث الحجاز في زمانه، وشيخ الشافعية هنالك.

(2/227)


وتوفي قبله بأيام ولده النجيب الفاضل جمال الدين محمد قاضي مكة مؤلف كتاب التشويق إلى البيت العتيق، ومن تصانيف محب الدين شرح كبير مبسوط للتنبيه جيد إلا أنه ربما يختار الوجوه الضعيفة، وله مختصرات للتنبيه وغير ذلك، وكتاب " القرى " بكسر القاف، ومختصر السيرة وغير ذلك لكنها لم تشتهر ولم تنتشر في البلدان إلا كتاب " الأحكام " المذكور فإنه في البلدان مشهور، وكان له جاه عظيم؟ وحظ كريم عند الملك المظفر صاحب اليمن، وكان مشغولا بالعلم مستفيدا ومفيدا، وعنه أخذ خلائق من الفضلاء من أكابر المحدثين والفقهاء، وكان له صحبة من الشيخ الكبير العارف بالله الخبير ذي المناقب والكرامات السنية، والأحوال والمقامات العلية أبي العباس أحمد المورقي الغربي المدفون في الطائف قدس الله روحه، وله معه حكايات عجيبة، منها أنه لما قدم الملك المظفر صاحب اليمن طلب منه قرابته وأصحابه أن يشفع لهم عنده وطمعوا أن يحصل لهم منه نفع، وكان عادة السلطان المذكور أن يطلب محب الدين في كل وقت، فلما قدم مكة لم يطلبه، ولم يجتمع به سوى عند قدومه فحصل لمحب الدين من ذلك قبض، ولم يزل كذلك إلى أن فرغ من أعمال الحج، ثم لقيه الشيخ أبو العباس المذكور، فسأله عن حاله، فأخبره إنما هو غير منشرح بسبب عدم ما كان يرتجي من النفع على يديه، واشتغال السلطان عنه، فقال له الشيخ أبو العباس عند ذلك: أنا الذي شغلته عنك خشية أن يشغلك عن أعمال الحج، ولكن الآن أطلقه حتى يلتفت إليك، ويطلبك كما كان. فعند ذلك أرسل السلطان يطلبه، وقضى له ما أراد من حوائجه وحوائج من تعلق به من الناس.
وفيها توفي ابن المقدسي خطيب دمشق ومفتيها، وشيخ الشافعية بها الإمام العلامة شرف الدين أبو العباس أحمد بن نعمة الشافعي، سمع من السخاوي وابن الصلاح، وتفقه على ابن عبد السلام، وبرع في الفقه والأصول والعربية، وناب في الحكم مدة، ودرس بالشامية والغزالية، وكتب الخط المنسوب الفائق، وألف كتابا في الأصول، وكان كيسا متواضعا متنسكا، ثاقب الذهن، مفرط الذكاء، طويل النفس في المناظرة. توفي في رمضان - رحمه الله تعالى - .
وفيها توفي صاحب اليمن الملك المظفر ابن الملك المنصور عمر. توفي في رجب، وبقي في السلطنة نيفا وأربعين سنة، وملك أبوه قبله نيفا وعشرين سنة، وكان الملك المظفر المذكور له بعض مشاركة في بعض العلوم، وكان كيسا ظريفا يحب مجالسة العلماء، ويعتقد الصالحين، وجاء إلى شيخ اليمن، وبركة الزمن، والبحر الزاخر الذي يغرق فيه كل ماهر السيد الجليل أبي الغيث بن جميل - قدس الله روحه - ونعله في حلقه، فقال الشيخ: ما تطلب؟ الملك قال: وليتك.
وكان أبوه قد قتل خادم الشيخ أبي الغيث، فلما بلغه قتل خادمه قال: مالي ولمحراسه أنا أنزل عن أمشباب، وأترك أمزرع، فقتل عند ذلك الملك المنصور، واستعار في ذلك استعارة حسنة، وهي أنه جعل الخلق كالزرع، وهو كالحارس له، والمشباب بكسر الميم، وسكون الشين المعجمة، وتكرير الموحدة قبل الألف وبعدها. خشبات تنصب في وسط الزرع، ويجعل عليها عريش يقعد الحارس عليه، فإذا نزل عنه ضاع الزرع يترك الحراسة، فنزل به التلف من سارق، أو آكل بهائم، أو صيد، أو وحش مبذلا لام التعريف بالميم كما هي لغة بعض اليمانيين، وكما هو مشهور في كتب النحويين بل في كتب المحدثين أعني قولهم: يرمي ورائي بأمسهم وأمسلمة.
وما روي من قوله عليه السلام: " ليس من أمير مصيام في أمسفر، مجيبا لقول السائل أمن أمير أمصيام في أمسفر " ، سمع الملك المظفر المذكور على الشيخ محب الدين الطبري المذكور، وكان لمحب الدين تردد إلى اليمن، واجتماع كثير معه في اليمن، وفي مكة لما حج أعني الملك المظفر، وكان في صحبته إلى الحج خمس مائة فارس، أخبرني بذلك من حج معه من أهل الخير والصلاح، وكان محببا إلى الناس.
وله حكايات ظريفة منها: أنه كتب إليه بعض الناس كتابا على وجه المزح والكياسة.
قال فيه: قال الله تعالى: " إنما المؤمنون إخوة " " الحجرات: 10 " ، وأخوك بالباب يطلب نصيبه من بيت المال، فرد عليه الجواب، وأرسل إليه بدرهم، فقال في جوابه: إخواني المؤمنون كثير في الدنيا، ولو قسمت عليهم بيت المال ما حصل لكل واحد منهم درهم.

(2/228)


ومنها أنه أرسل إليه إنسان، وهو يقول: أنا كاتب أحسن الخط الظريف، والكشط اللطيف، أو كما قال، فقال في جوابه: ما ذكرته من حسن كشطك يدلى على كثرة غلطك.
ومنها أن جماعة من الديوان، وأهل الدولة أرادوا أن يجتمعوا في عدن على اللعب والشراب، وملأوا أزيارا كثيرة خمرا، فأراقها الشيخ الكبير الولي الشهير الوافر الفضل، والنصيب عبد الله بن أبي بكر الخطيب المدفون في موزع، شيخ شيوخنا. - قدس الله روحه - فغضب أمير عدن وغيره من أهل الدولة، ولم يقدروا على الانتقام من الشيخ المذكور، فكتبوا إلى الملك المظفر بذلك، فرد عليهم الجواب، وهو يقول فيه: هذا لا يفعله إلا أحد رجلين، إما صالح، وإما مجنون، وكلاهما ما لنا معه كلام.
وفيها توفي الشيخ الكبير الولي الشهير ذو البركات الشهيرة، والكرامات الكثيرة، والهمة العالية، والمحاسن الباهية أبو الرجال بن مري. توفي يوم عاشوراء منيفا على الثمانين، كان صاحب كشف وأحوال له موقع في النفوس وإجلال.
وفيها توفي الإمام مظفر الدين أحمد بن علي، المعروف بابن الساعاتي شيخ الحنفية.
كان ممن يضرب به المثل في الذكاء، والفصاحة، وحسن الخط، وله مصنفات في الفقه وأصوله، وفي الأدب مجادة مفيدة، وكان مدرسا لطائفة الحنفية بالمستنصرية في بغداد.
سنة خمس وتسعين وست مائة
استهلت وأهل الديار المصرية في قحط شديد، ووباء مفرط، حتى أكلوا الجيف، وأما الموت، فيقال: أنه أخرج في يوم واحد ألف وخمس مائة جنازة، وكانوا يحفرون الحفائر الكبار، ويدفنون فيها الجماعة الكثيرة، وبلغ الخبز كل رطل، وثلث بالمصرية بدرهم، وبلغ في دمشق كل عشرة أواق بدرهم في جمادى الآخرة، وارتفع فيه الوباء والقحط عن مصر ونزل الأردن إلى خمسة وثلاثين.
وفيها قدم الشام شيخ الشيوخ صدر الدين إبراهيم ابن الشيخ سعد الدين بن حمم الجويني، فسمع الحديث، روى عن أصحاب المؤيد الطوسي، وأخبر أن ملك التتار غازان ابن أرغون أسلم على يده بواسطة نائبه بوروز بالراء بين الواوين، والزاي في آخره، كان يوما مشهورا.
وفيها توفيت بنت علي الواسطي أم محمد الزاهدة العابدة الصالحة، روت عن الشيخ الموفق، وقد قاربت التسعين.
وفيها توفي ابن رزين الإمام صدر الدين قاضي القضاة.
وفيها توفي ابن بنت الأعز قاضي الديار المصرية تقي الدين عبد الرحيم ابن قاض القضاة تاج الدين عبد الوهاب الشافعي، وولي بعده الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد.
سنة ست وتسعين وست مائة
فيها توجه الملك العادل إلى مصر، فلما بلغ بعض الطريق، وثب حسام الدين لاجين على اثنين من أمرائه كانا جناحيه، فقتلهما، فخاف العادل، وركب سرا، وهرب في أربعة مماليك، وساق إلى دمشق، فلم ينفعه ذلك، وزال ملكه، وخضع المصريون لحسام الدين ولم يختلف عليه اثنان، ولقب بالملك المنصور، وأخذ العادل، فأسكن بقلعة صرخد، وقنع بها غير مختار.
وفيها توفي محي الدين يحيى بن محمد بن عبد الصمد الزيداني مدرس مدرسة جدة.
سنة سبع وتسعين وست مائة
فيها توفي مسند العراق عبد الرحمن بن عبد اللطيف البغدادي المقرئ شيخ المستنصرية.
وفيها توفيت عائشة بنت المجد عيسى ابن الشيخ موفق الدين المقدسي، كانت مباركة صالحة عابدة، روت عن جدها، وابن راجح.
وفيها توفي الإمام العلامة شمس الدين محمد بن أبي بكر الفارسي الشافعي الأصولي المتكلم، توفي في رمضان في مرة، وهو من أبناء السبعين، درس مدة بالغزالية، ثم تركها.
سنة ثمان وتسعين وست مائة
فيها قتل الملك المنصور صاحب مصر والشام حسام الدين لاجين المنصوري السيفي هجم عليه سبعة أنفس، وهو يلعب بعد العشاء بالشطرنج ما عنده إلا قاضي القضاة حسام الدين الحنفي، والأمير عبد الله ويزيد البدوي، وإمامة ابن العسال، قال القاضي حسام الدين الحنفي: رفعت رأسي، فإذا سبعة أسياف تنزل عليه، ثم قبضوا على نائبه، فذبحوه من الغد، ونودي للملك الناصر، وأحضروه من الكرك، فاستناب في المملكة سلار، ثم ركب بخلعة الخليفة وتقليده، وكانت سلطنة لاجين بسنتين، وكان فيه دين وعدل.
وفيها توفي صاحب حماة الملك المظفر تقي الدين محمود ابن الملك الممنصور آخر ملوك حماة.
وفيها توفي الملك الأوحد يوسف بن الناصر صاحب الكرك ابن المعظم توفي بالقدس، - وسمع وروى عنه الديماطي في معجمه.

(2/229)


وفيها توفي ابن النحاس العلامة حجة العرب أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الحلبي، شيخ العربية بالديار المصرية.
سنة تسع وتسعين وست مائة
في أوائلها قصد التتار للشام، فوصل السلطان الملك الناصر إلى دمشق، وانحفل الناس من كل وجه، وهجموا على وجوههم، وسار الجيش، وتضرع الخلق إلى الله تعالى، والتقى الجمعان بين حمص وسلمية، فاستظهر المسلمون، وقتل من التتار نحو عشرة آلاف وثبت ملكهم غازان، ثم حصل تخاذل، وولت الميمنة بعد العصر، وقاتلت الحاصكية أشد قتال إلى الغروب، وكان السلطان آخر من انصرف بحاشيته نحو بعلبك، وتفرق الجيش، وقد ذهبت أمتعتهم ونهبت أموالهم، ولكن قل من قتل منهم، وجاء الخبر إلى دمشق من غد، فحار الناس وأبلسوا وأخذوا يتسلون بإسلام التتار، ويرجون اللطف، فتجمع أكابر البلد، وساروا إلى خدمة غازان، فرأى لهم ذلك، وفرح بهم، وقال: نحن قد بعثنا - بالأمان قبل أن تأتون.
ثم انتشرت جيوش التتار بالشام طولا وعرضا، وذهب للناس من الأهل والمال والمواشي ما لا يحصى، وحمى الله دمشق من النهب والسبي والقتل، ولكن صودروا مصادرة عظيمة، ونهب ما حول القلعة لأجل حصارها، وثبت متوليها علم الدين ثباتا كليا لا مزيد عليه، حتى هابه التتار، ودام الحصار أياما عديدة، وأخذت الدواب جميعها، واشتد العذاب، في المصادرة مع الغلاء والجوع وأنواع الهم والفزع، لكنهم بالنسبة إلى ما جرى بجبل الصالحية من السبي والقتل أحسن حالا، فقيل: إن الذي وصل إلى ديوان غازان من البلد ثلاثة آلاف ألف وست مائة سوى ما أخذ في الرسيم والبرطيل ولبس المسوح، وكان إذا ألزم التاجر بألف درهم ألزمه عليها فوق المائين ترسيما يأخذه التتار، ثم أعان الله، فرحل غازان في ثاني عشر جمادى الأولى، وكان قدومه ومحاربته في أواخر ربيع الأول، ثم ترحل بقية التتار بعد ترحله بعشرة أيام، ودخلت جيوش المسلمين القاهرة في غاية الضعف، ففتحت بيوت المال، وأنفق عليهم نفقة لم يسمع بمثلها، ومدة انقطاع خطبة الناصر من خوف التتار مائة يوم.
وفيها توفي من شيوخ الحديث بدمشق والجبل أكثر من مائة نفس، وقتل بالجبل، ومات بردا وجوعا نحو أربع مائة نفس، وأسر نحو أربعة آلاف منهم سبعون من قرية الشيخ أبي عمرو.
وفيها توفي الإمام المحدث الحافظ أحمد بن فرج الإشبيلي، تفقه على الإمام عز الدين بن عبد السلام، وحدث عن ابن عبد الدائم وطبقته، وكان ذا ورع وعبادة وصدق له حلقة اشتغال لجامع دمشق.
وفيها توفي العلامة نجم الدين أحمد بن مكي، كان أحد أذكياء الرجال وفضلائهم في الفقه، والأصول، والطب، والفلسفة، والعربية، والمناظرة.
وفيها توفيت خديجة بنت يوسف، وخديجة بنت المفتي محمد بن محمود أم محمد، روت عن ابن الزبيدي، وتكنى أمة العز روت عن طائفة، وقرأت غير مقدمة في النحو، وجودت الخط على جماعة، وحجت وتوفيت في رجب، وكانت عالمة فاضلة - رحمها الله تعالى - .
وفيها توفيت صفية بنت عبد الرحمن بن عمرو الفرا المنادي، روت في الخامسة عن الشيخ الموفق، وعدمت بالجبل.
وفيها توفي ابن الزكي قاضي القضاة عز الدين عبد العزيز ابن قاضي القضاة محيي الدين بن محمد القرشي درس في العزيزية، وقد ولي نظر الجامع وغير ذلك، ومات كهلا. وفيها توفي إمام الدين قاضي القضاة أبو القاسم عمر بن عبد الرحمن القزويني الشافعي كان مجموع الفضائل، تام الشكل توفي بالقاهرة.
وفيها توفي ابن غانم الإمام شمس الدين محمد بن سليمان المقدسي الشافعي المواقع، سبط الشيخ غانم، وفيها حمل الأمير سيف الدين نائب السلطنة بطرابلس مرات، وقتل جماعة، ثم قتل، وكان ذا دين وخبرة وشجاعة.
وفيها توفيت هدية بنت عبد الحميد المقدسية الصالحية، روت الصحيح عن ابن الزبيدي، وتوفيت بالجبل.
وفيها توفي أبو محمد المرجاني الشيخ الكبير، الولي الشهير، القدوة العارف معدن الأسرار؛ والمعارف والمواهب واللطائف، علم الوعاظ، المعلم المنطق بالمعارف والحكم عبد الله بن محمد المرجاني المغربي أحد المشائخ الإسلام، وأكابر الصوفية السادات الكرام. توفي بتونس كان مفتوحا عليه في العلوم الربانية والأسرار الإلهية.

(2/230)


ومما بلغني عنه أنه قيل له: قال فلان: رأيت عمود نور ممتدا من السماء إلى فم الشيخ أبي محمد المرجاني في حال كلامه، فلما سكت ارتفع ذلك العمود، فتبسم الشيخ، وقال: ما عرف يعثر بل لما ارتفع العمود سكت.
قلت يعني رضي الله تعالى عنه أنه كان يتكلم بالأسرار عن مدد من الأنوار، فلما انقطع المدد بالنور الممدود انقع النطق بالكلام المحمود.
ومما بلغني من كراماته أنه حضر مجلسه بعض المنكرين بنية الاعتراض عليه في كلامه، وكان ذلك الشخص المنكر أعور، فقال الشيخ أبو محمد المذكور في أثناء كلامه: قبل أن يضيء النهار الله أكبر، حتى العوران جاؤوا للاعتراض والإنكار، أو كما قال من الكلام الصادر عن النور في وقت الظلام، وكان من عادته أنه لا يقوم من مجلسه حتى يرتفع النهار، فبقي ذلك الأعور في حياء وخجل وحزن ووجل خوفا من أن يقوم ويخرج، فيعلم الحاضرون أنه المراد، ويقعد فيعرف إذا طلع النهار أنه المنكر السيئ الاعتقاد، فبينا هو متحير بين هاتين الفضيحتين إذ أطفأ الشيخ القنديل، وانقض المجلس، ولم يعلم الأعور من صاحب العينين الصحيحتين، وكان قصر المجلس في ذلك الوقت على خلاف العادة سترا منه، وفتوة على جاري عادة الصفوة السادة، وإليه الإشارة في البيت العاشر من هذه الأبيات من قصيدتي المشتملة على ذكر مائة من كبار الشيوخ السادات، وعلى نيف وثلاث مائة من الأبيات، وأول العشرة المذكورات قولي في أثنائها:
وكم قد حبا حالي حباها جنيدهم ... فسرى السري جند الجنيد المسود
وكم رفعت لابن الرفاعي من علا ... له في نواحي الأرض كم من ممجد
وأعلت مقام الدين للعارف الفتى ... أبي مدين بدربه القوم يقتدي
وكم شم منها الشاذلي ذكي شذى ... ففي متهم الأتباع فاح ومنجد
فارسي لدى المرسى مراكب سيرها ... فلم تمش في التصريف غير مقلدي
بها الأصبهاني صار نجم سمائها ... وبدر هداها سيفها غوث مجحد
وحلى الفتى ياقوت ياقوت نحرها ... بعقد على جيد السلوك منضد
ولابن عطا أعطت لواء ولاية ... وترياق داء للضلالة مبعد
فداوى به داود حتى الفتى شفي ... فصار شفاء المعضل المتمرد
ومرجانيا من حلى مرجان بحرها ... حلت برد أحسن اللطائف مرتد
جنيدية موروثة عن معارف ... زها حسنها في الدهر يجلو لمفرد
وما نال إلا واحد بعد واحد ... حلا حسنها الغالي فطوبى لمسعد
وله رضي الله تعالى عنه من المواهب، والمناقب، والمحاسن الغراب، ما يحتاج في ذكره إلى تصنيف كتاب.
وأما قول الذهبي في ترجمته: وأبو محمد عبد الله المرجاني الواعظ المذكور أحد مشائخ الإسلام علما وعملا مقتصرا على هذه الألفاظ من غير زيادة، فغض من قدره كما هو عادته في مشائخ الصوفية السادة الصفوة أولى الأسرار والأنوار الذين في حقهم التفخيم والتنويه بعظم الجلالة والمقدار.
سنة سبع مائة
فيها حصلت أراجيف بالتتار، وجاء غازان بجيشه للفرات،. وقصد حلب، فتشوشت الخواطر، وهج الخلق على وجوههم في الوحل والأمطار، وأكريت المحارة إلى مصر بخمس مائة درهم، وبيع اللحم بتسعة دراهم، وبقي الخوف أياما، ثم رجع غازان لما ناله من المشاق بكثرة الثلوج والأمطار كل هذا في أوائل السنة.
وفي شعبان لبست اليهود والنصارى بمصر والشام العمائم الصفر والزرق والحمر، ومنعوا من ركوب الخيل بالسروج، وسائر الشروط العمرية.
وفيها توفي أبو العلاء محمود بن أبي بكر البخاري الصوفي الحافظ، كان إماما في الفرائض، مصنفا فيها له حلقة اشتغال، وسمع الكثير بخراسان والعراق والشام ومصر، وكتب الكثير، ووقف أجزاءه، وراح مع التتار قيل: من خوف الغلا، فأقام بماردين أشهرا، وأدركه أجله بها.
وفيها توفي الشيخ إسماعيل بن إبراهيم الصالحي شيخ البكرية، له أصحاب وفيه خير، وله سيرة محمودة.
وفيها توفيت أم الخير زينب بنت قاضي القضاة محيي الدين يحيى بن محمد الزكي القرشي الدمشقي، روت عن ابن المقير وجماعة.
سنة إحدى وسبع مائة

(2/231)


وفيها توفي أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد العباسي، ودفن عند السيدة نفيسة رضي الله عنها، وكانت خلافته أربعين سنة وأشهرا، وعهد بالخلافة إلى ولده المستكفي بالله أمير المؤمنين، وقوي بتقليده بعد عزاء والده، وخطب له على المنابر.
وفيها توفي المحدث الإمام أبو الحسين علي بن محمد التونسي ببعلبك شهيدا من جروح في دماغه من مجنون وثب عليه بسكين.
وفيها خنق شيخ الحنفية العلامة ركن الدين عبد الله بن محمد السمرقندي مدرس الظاهرية، وألقي في بركتها، وأخذ ماله، ثم ظهر أن قاتله هو قيم الظاهرية، فشنق على ظاهرها.
وفيها وقعت جراد لم يسمع بمثله إلى دمشق تركت غالب الغوطة غصنا مجردة، وأيبست أشجارا خارجة عن الانحصار.
سنة اثنتين وسبع مائة
فيها طرق قازان الشام، فالتقى تركه، وترك الإسلام بعرض، ونصر الله المسلمين، وقتل في التتار خلق كثير، وأسر مقدمان، وكان العدو نحو أربعة آلاف، والمسلمون في ألف وخمس مائة فارس، وتأخر جند الأطراف إلى حمص، ثم جهز قازان جيوشه مع نائبه خطلوشاه، فساروا إلى مرج دمشق، وتأخر المسلمون، وبات أهل دمشق في بكاء، واستغاثة بالله، وخطب شديد، وقدم السلطان، وانضمت إليه جيوشه والحفال، وكان المصاف علم سفحت، فهزم العدو الميمنة، واستشهد رأس الميمنة الحسام أستاذ دار في جماعة أمراء وثبت السلطان كعوائده، ونزل النصر، وشرع التتار في الهزيمة، فتبعهم المسلمون قتلا وأسرا، ومزقوا كل ممزق، وتخطفهم الناس إلى الفرات، وسلم شطرهم في ضعف شديد وجوع، وحفاء، ووقوف جبل، ثم دخل السلطان والخليفة راكبين، والحمد لله، ومن الشهداء الفقيه إبراهيم بن عبدان، والأمير صلاح الدين ابن الكامل، والأمير علاء الدير الحاكي، والأمير حسام الدين قرمان وغيرهم.
وفي ذي القعدة تزلزلت مصر، وتساقطت الدور، ومات بالإسكندرية تحت الردم نحو المائتين، وكانت آية.
وافتتحت جزيرة أرواد، وأسر من الفرنج نحو خمس مائة.
وفيها توفي عبد الحميد بن أحمد بن حولان البنا.
ومات في القاهرة شيخها وقاضيها شيخ الإسلام تقي الدين أبو الفتح محمد بن علي بن وهب ابن دقيق العيد القشيري الشافعي، صاحب كتاب " الإلمام " ، وكتاب " الإمام " . " شرح العمدة " عن سبع وسبعين سنة. يروي عن ابن الحميري وغيره، وكان رأسا في العلم والعمل عديم النظير أجل علماء وقته، وأكبرهم قدرا، وأكثرهم دينا وعلما وورعا واجتهادا في تحصيل العلم ونشره، والمداومة عليه في ليله ونهاره مع كبر سنه، وشغله بالحكم. ولد بمدينة ينبع من أرض الحجاز في شعبان سنة خمس وعشرين وست مائة، ونشأ بديار مصر، واشتغل أولا بمذهب مالك، ودرس فيه بمدينة قوص، ثم اختار مذهب الإمام الشافعي، ومال إليه، فاشتغل به وتبحر فيه حتى بلغ فيه الغاية دارية ورواية، وحفظا، واستدلالا، وتقليدا، واستقلالا حتى قيل إنه آخر المجتهدين، وبرع في علوم كثيرة لا سيما في علم الحديث. فاق فيه على أقرانه، وبرز على أهل زمانه، ورحل إليه الطلبة من الآفاق، ووقع على علمه وزهده وورعه الاتفاق - رحمه الله تعالى - ، وكان له اعتقاد حسن في المشائخ، وأهل الصلاح حتى بلغني أنه كان يزور بعض المشائخ، فإذا بلغ إلى بابه نزل عن البغلة، ونزع الطيلسان والعمامة، ودخل عليه بطاقية على رأسه، وإنه شكا إلى بعض الفقراء من أرباب القلوب، وسوسة يجدها في الصلاة، فقال له: أف لقلب يكون فيه غير الله فقال ابن دقيق: العيد، وقد ذكر هذا الفقير المذكور هو عندي خير من ألف فقيه.

(2/232)


ومن المشهور أنه ركبته ديون كثيرة، ولم يجد لها وفاء، فرحل إلى الشيخ الكبير ذي الكرامات والمجد والمفاخر، العارف بالله الشهير ابن عبد الظاهر - قدس الله روحه - فلما وصل إليه سلم عليه، فقدم له الشيخ مأكولا، ومن جملته سميط. وكان من عادته لا يأكل السميط لأنه شوي وفيه أثر الدم، فلما وضع بين يديه قال له تلميذ له: يا سيدي هذا سميط، فقال له: ليس هذا موضع ذاك، يعني الموضع الذي ننكره ونترك أكله فيه. يريد أن هذا موضع موافقة الشيخ في كل ما يفعله واحترامه وإجلاله، فأكل من ذلك، فلما فرغ من الأكل إذا بالفقراء قد قدموا آلة السماع، وكان من عادته لا يحضر السماع، فقال له تلميذه: يا سيدي أراهم قد قدموا آلة السماع، فقال له: اسكت ما هذا موضع ذاك بل هذا موضع ما قدمنا ذكره من الاحترام والتسليم، فسمعالفقراء وهو حاضر ساكت، فلما انقضى سماعهم. قال الشيخ منشدا البيت المشهور للمتنبي:
وفي النفس حاجات، وفيك فطانة ... سكوتي بيان عندها وخطاب
فقال له الشيخ رضي الله تعالى عنه: انقضت الحاجة، فخرج من عنده، ورجع إلى القاهرة، فوجد ديونه قد قضيت، وردت الدفاتر التي كتب فيها الدين، وذلك أن الوزير الكبير الشهير ذو المكارم الشهير المعروف بابن حناء سأل عنه، فقالوا: فصد الشيخ ابن عبد الظاهر لدين عليه، فاستدعى بأرباب الديون، فأعطاهم ديونهم، وأخذ منهم الأوراق المكتوبة بذلك.
قلت: وقد جعله بعضهم مجدد الدين الأمة على رأس المائة السابعة، وقد قدمت ذكر الأئمة المجدد بهم دين الأمة على رأس المائين الست قبله، فيما تقدم من هذا التاريخ، وفي كتاب المرهم، والشاش المعلم وغير ذلك من كتبي.
وفي السنة المذكورة أخذ من دمشق قاضيها ابن جماعة، وتولى مكانه ابن صصري.
وفيها توفي المسند بدر الدين الحسن بن علي بن الجلال الدمشقي. حدث عن جماعة منهم مكرم، وابن الشيرازي، وابن المقير، وكريمة وغيرهم، وتفرد بالرواية رحمه الله تعالى.
وفيها توفي كمال الدين ابن عطار، وفيها توفي متولي حماة الملك العادل كتبغا. تسلطن بمصر عامين وخلع.
وفيها توفي المقرئ شمس الدين محمد بن قيماز، قرأ على السخاوي بالسبع، وسمع من ابن صباغ، وابن الزبيدي وكان خيرا متواضعا.
وفيها توفي مسند العرب الإمام الأديب أبو محمد عبد الله بن محمد بن هارون الطائي القرطبي عن مائة عام، سمع الموطأ وكامل المبرد في سنة عشرين، وعمر دهرا.
؟سنة ثلاث وسبع مائة
فيها توفي القدوة الزاهد العلامة بركة الوقت الشيخ إبراهيم بن أحمد الرقي الحنبلي، كان من أولياء الله تعالى، ومن كبار المذكورين، وله تصانيف محركة إلى الله حدث عن عبد الصمد بن أبي الحسن، وله نظم كثير، وخبرة بالطب، ومشاركات في العلوم.
وفيها توفيت المعمرة أم أحمد ست أهل بيت علوان البعلبكية بدمشق مكثرة عن البهاء عبد الرحمن صالحة خيرة.
وفيها توفي مفيد الطلبة نجم الدين إسماعيل بن إبراهيم المعروف بابن الخباز.
وفيها توفي المفتي شيخ دار الحديث، وخطيب البلد زين الدين عبد الله بن مروان الفارقي روى عن السخاوي، وكريمة وابن رواحة، وابن خليل.
سنة أربع وسبع مائة
فيها تكلم ابن النقيب وغيره في فتاوى لابن العطار فيها تخبيط، وسموا إلى القضاة فحار ابن العطار، وأرعب وبادر إلى الحاكم ابن الحريري، فأسلم بدعوى صورت، فحقن دمه، ثم ندم ولامه أصحابه، وبلغ النائب، فغضب من الفتن، واعتقل ابن النقيب أربع ليال فأنكروا.
وفيها توفي المحدث المشهور ومفيد دمشق أبو الحسن علي بن مسعود بن نفيس الموصلي، ثم الحلبي بدمشق.
وفيها مات بالمدينة الشريفة النبوية صاحبها حمار بن سبخة الحسيني.
وفيها توفي الضياء عيسى بن أبي محمد شيخ المغارة.
وفيها توفي المعمر ركن الدين أحمد بن عبد المنعم بن أبي الغنائم الطاووسي، كبير الصوفية بدمشق.
وفيها توفي شيخ البطائحة تاج الدين ابن الرفاعي بقرية أم عبيدة عن سن كبيرة، وشهرة كثيرة.
وفيها توفي الشيخ أبو عبد الله محمد بن يوسف الإربلي، ثم الدمشقي كبير الراهبين.
وفيها توفي بالإسكندرية شيخها الإمام المحدث تاج الدين علي بن أحمد الحسيني العراقي.
وفيه توفي بمصر عالمها المعلم العراقي عبد الكريم بن علي الأنصاري المصري الشافعي المفسر.
سنة خمس وسبع مائة

(2/233)


فيها وقعت فتنة شيخ الحنابلة ابن تيمية، وسؤالهم عن عقيدته، وعقدوا له ثلاث مجالس، وقرنت عقيدته الملقبة بالواسطية وضايقوه، وثارت غوغاء الفقهاء له وعليه، ثم إنه طلب على البريد إلى مصر، وأقيمت عليه دعوى عند قاضي المالكية، فاستخصمه ابن تيمية المذكور، وقاموا، فسجن هو وأخوه بضعة عشر يوما، ثم أخرج، ثم حبس بحبس الحاكم، ثم أبعد إلى الإسكندرية، فلما تمكن السلطان سنة تسع طلبه، فاحترمه وصالح بينه وبين الحاكم، وكان الذي ادعى به عليه بمصر أنه يقول: إن الرحمن على العرش استوى حقيقة، يتكلم بحرف وصوت، ثم نودي بدمشق وغيرها من كان على عقيدة ابن تيمية حل ماله ودمه.
وفيها جاء تقليد بالخطابة للشيخ برهان الدين بعد عمه، وباشر وخطب، ثم ترك واختار بقاءه بالنادرية بعد أن صلى خمسة أيام.
وفيها مات بحلب قاضيها وخطيبها العلامة شمس الدين محمد بن محمد بن بهرام الدمشقي الشافعي، وهو الذي عزل بزين الدين ابن قاضي الخليل من الحكم، وكان مشهورا بدري المذهب.
وفيها مات بمصر المعمر أبو عبد الله محمد بن عبد المنعم بن شهاب.
وفيها مات بالإسكندرية الإمام المعمر شرف الدين يحيى بن أحمد بن عبد العزيز الصواف الجذامي المالكي، عن ست وتسعين سنة، سمع منه قاضي القضاة السبكي وجماعة يروي عن ابن العماد والصفراوي، وتلا عليه بالسبع.
وفيها توفي بدمشق خطيبها الإمام الكبير شرف الدين أحمد بن إبراهيم بن سماع الفزاري الشافعي، شهده ملك الأمراء والأعيان تلا بالسبع، وأحكم العربية، وقرأ الحديث، وكان فصيحا، عديم اللحن، طيب الصوت، روى عن السخاوي والعز النسابة، والتاج القرطبي، وأقرأ زمانا مع الكيس والتواضع والتصوف.
وفيها مات حافظ الوقت العلامة شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدمياطي الشافعي سمع من ابن المقير، وابن رواحة، وإبراهيم بن الخير، وابن مختار وغيرهم ممن في طبقتهم، وصنف التصانيف المهذبة قيل: ولم يخلف في معناه مثله - رحمه الله تعالى - .
وفيها توفيت المعمرة زينب بنت سليمان بن رحمة الأشعري بمصر، عن بضع وثمانين سنة، سمعت ابن الزبيدى، والشيخين أحمد بن عبد الواحد البخاري، وعلي بن حجاج وجماعة، وتفردت بأشياء.
وفيها توفي صاحب بلاد المغرب أبو يعقوب يوسف ابن السلطان يعقوب بن عبد الحق المريني.
سنه ست وسبع مائة
فيها قدم عن الشرق براق العجمي في جمع نحو المائة، وفي رؤوسهم قرون لتأييده، ولحاهم دون الشوارب محلقة، وعليهم أجراس، فدخلوا في هيئة محزون بشهامة، فنزلوا بالمتسع، ثم زاروا القدس، وشيخهم من أبناء الأربعين فيه إقدام، وقوة نفس، وصولة، فما مكنوا من المضي إلى مصر، وكان يدق له نوبة، ونفذ إليهم الكبار غنما ودراهم.
وفيها توفى الإمام العلامة ضياء الدين أبو محمد عبد العزيز بن محمد الطوسي شارح الحاوي الصغير، والمختصر في الأصول، وكان عالما فاضلا. درس وأعاد في عدة مدارس في دمشق، ومات بها - رحمه الله تعالى - .
وفيها مات ببغداد الإمام العلامة المتفنن نصير الدين عبد الله بن عمر الفاروقي الشيرازي الشافعي مدرس المستنصرية. قدم دمشق، وظهرت فضائله في العقليات.
سنة سبع وسبع مائة
قال الذهبي فيها عقد مجلس بالقصر، فاستتيب النجم ابن خلكان من العبارات القبيحة، ودعا ومبيحة الدم، وادعاء نبوة، فاختلف فيه الأمراء، ومال إلى الرفق به الشيخ برهان الدين فتاب.
وفيها مات بمكة في آخر العام الشيخ الكبير محمد بن أحمد بن أبي بكر الحراني القزاز، وكان كثير التلاوة، شهير الزهادة، وروى عن عبد الله ابن التجار وجماعة، وتفرد بالرواية، قال الذهبي: وكتبنا عنه.
وفيها مات بمصر رئيسها الصاحب تاج الدين محمد ابن الصاحب فخر الدين محمد بن الوزير بهاء الدين علي بن محمد بن حنا، حدث عن سبط السلفي، وكان محتشما وسيما شاعرا متمولا من رجال الكمال.
وفيها مات بمكة شيخها الإمام القدوة الكبير العارف بالله، الشهير ذو المقامات العلية، والكرامات السنية، والأحوال الخارقة، والأنوار البارقة، والأنفاش الصادقة أبو عبد الله محمد بن حجاج بن إبراهيم الحضري الإشبيلي، المعروف بابن المطرف الأندلسي في رمضان عن نيف وتسعين سنة، وكان يطوف في اليوم والليلة خمسين أسبوعا، وحمل نعشه صاحب مكة حميضة.

(2/234)


قلت: ومن كراماته العظيمة ما أخبرني به بعض أصحاب الشيخ الكبير أبي محمد اليشكري المغربي الذي لما مات قال الشيخ الكبير نجم الدين الأصبهاني: مات الفقير من الحجاز أنه لما عزم الشيخ أبو محمد المذكور على السفر من مكة لزيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم جاء إلى الشيخ أبي عبد الله ابن مطرف المذكور مودعا فقيل له: عزمت، قال: نعم قال: بلغني أن لفقير ما فيه ماء، وستلقون شدة، ثم تغاثون، قال الراوي فسافرت مع رابع أربعة، فلما بلغنا الفقير وجدناه كما ذكر يعني فقيرا من الماء.
وذكر أنهم قدموا إلى طرف البرامين، واشتد عليهم الحر، ولم يكن معهم من الماء إلا شيء يسير، فذهب أحدهم ليشرب، فقال له الشيخ أبو محمد: إن شربته مت، ولكن بل حلقك. قال: ثم قاسينا شدة من شدة الحر، وشدة العطش، ولم نجد ظلا نستظل له، فقال له الشيخ أبو محمد: ما قال لكم الشيخ أبو عبد الله ابن مطرف، قلنا: قال: ستلقون شدة فقال: وهل شدة أشد مما نحن فيه؟ ثم قال، وما كان آخر كلامه. قلنا: قال: ثم تغاثون فقال: أبشروا بالغوث وإذا بسحابة بدت لنا من بعض الآفاق، ولم تزل ترتفع حتى استوت فوق رؤوسنا، ثم صبت علينا حتى سال ما حولنا، فشربنا، ثم توضأنا، واغتسلنا، واستقينا، ثم مشينا خطوات فلم نجد للمطر شيئا من الأثر قلت: وهذه الآية من أعظم العبر هذا معنى ما ذكر، وإن لم يكن لفظه بعينه هذا المتسطر.
وفي السنة المذكورة مات ببغداد مسندها الإمام رشيد الدين محمد بن أبي القاسم المقرئ، شيخ المستنصرية، روى عن جماعة، وتفرد وشارك في الفضائل واشتهر.
وفيها مات بتبريز عالمها شمس الدين عبد الكافي العبيدي، شيخ الشافعية، وقد أحسن، وخلف كتبا تساوي ستين ألفا.
وفيها توفي بدمشق مسندها شهاب الدين محمد بن عبد العزيز بن مشرف بن بيان الأنصاري شيخ الزاوية، بالدار الأشرفية عن ثمان وثمانين سنة، حدث عن ابن الزبيدي والناصح، وابن صباغ وغيرهم، وتفرد واشتهر.
سنة ثمان وسبع مائة
فيها أطلقت حماة لنائبها فيحق، فسار السلطان إلى الكرك ليحج، فدخلها، وبعث نائبها جمال الدين إلى مصر، وزهد في ملكه لحجر عليها فيها، ولوح بعزل نفسه بيبرس الجاشنكير، وتسلطن، ولقب بالمظفر، وأقر على نيابته الملك سلار، وحلف له أمر النواحي، وجاء كتاب الناصر من الكرك. أنه لم يول أحدا، وقد اختار الانقطاع، أو العزلة بالكرك، وإن له عليهم بيعة بالطاعة، وقد أمرهم بالطاعة لمن يتولى، وبشرط الاتفاق وما فيه تصريح بعزل نفسه.
وفيها توفي الشيخ الكبير القدوة عثمان الحانوني، وكانمن الصعيد، وطلع النائب والقضاة إلى جنازته، وكان ذا كشف وتوجه وجذ برك الخبز سنين.
وفيها توفي رئيس الطب بمصر العلم ابن أبي خليفة، قيل: تركته ثلاث مائة ألف دينار.
وفيها ماتت المعمرة أم عبد الله فاطمة بنت سليمان بن عبد الكريم الأنصاري عن قريب التسعين بدمشق، لها إجازة من جماعة، وسمعت المسلم المازني، وكريمة، وابن رواحة، وكانت صالحة روت الكثير، ولم تتزوج.
ومات في رجب الملك المسعود نجم الدين خضر بن الطاهر في أول الكهولة وفي فجاءة.
وفيها مات بمكة شيخ الحرم ظهير الدين محمد بن عبد الله بن منعة البغدادي عن بضع وسبعين سنة. جاور أربعين سنة، وحدث عن الشرف المرسي توفي بناحية اليمن " بالمهجم " .
وفيها توفي الحافظ مفيد مصر شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن شامة الطائي.
وفيها توفي بدمشق مسند الشام أبو جعفر محمد بن علي السلمي العباسي الدمشقي، كان متزهدا، حج مرارا وجاور، تفرد عن أبي القاسم بن صصري، والبهاء عبد الرحمن، ورحل إليه، توفي عن أربع وتسعين سنة.
وفيها ماتت بحماة الجليلة أم عمر خديجة بنت عمر بن أحمد في عشر التسعين. روت عن الركن إبراهيم الحنفي.
وفيها مات بغرناطة عالمها الحافظ المقرئ النحوي، ذو العلوم أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي.
سنة تسع وسبع مائة
فيها بعث بابن تيمية مع مقدم الإسكندرية، فاعتقل ببرج، ومن أراد دخل عليه، وأبطلت الخمور والفواحش من السواحل.

(2/235)


وفي وسط السنة سار أمراء، وهموا بقتل السلطان المظفر بيبرس فتجوز، فساقوا على حمينة إلى العريش، ثم دخلوا الكرك وحركوا همة السلطان، وكان رأسهم ثقبة المنصوري، وهم فوق المائة، فسار السلطان قاصدا دمشق، وأرسل الأفرام، فتوقف، وقال: كيف هذا وقد حلفنا للمظفر؟ ثم خذل وفر إلى السقيفة، ثم دخل السلطان إلى قصر الميدان، فأتاه مسرعا نائب حلب قراسنقر، ونائب حماة فيحق، ونائب الساحل استعدو، والتقت إليه جميع عسكر الشام، ثم سار بهم بعد أيام في أهبه عظيمة نحو مصر، فبرز المظفر في جيوشه، فحام عليه جماعة من الأمراء، فخارت قوته، فانهزم نحو المغرب، ودخل السلطان إلى مقر ملكه يوم الفطر بلا ضربة ولا طعنة، ثم أمسك عدة أمراء عتاة، وخذل المظفر، فجاء إلى خدمة السلطان، فوبخه، ثم خنقه، وأباد جماعة من رؤوس الشر، وتمكن وهرب نائبه سلار نحو تبوك، ثم خدع، فجاء برجله إلى أجله، فأميت جوعا، وأخذ من أمواله ما يضيق عنه الوصف من الجواهر، والعين، والملابس، والزركش، والخيل المسومة ما قيمته أزيد من ثلاثة آلاف ألف دينار قل: اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء، وتنتزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء، وتذل من تشاء. بيدك الخير إنك على كل شيء قدير، وأظهر خربنده بمملكته الرفض، وغير الخطبة، وشمخت الشيعة، وجرت فتن كبار.
وفيها توفي الشيخ الكبير العارف بالله الخبير إمام الفريقين، وموضح الطريقين، ودليل الطريقة، ولسان الحقيقة ركن الشريعة المظفرة الرفيعة تاج الدين بن عطاء الله الشاذلي الإسكندري، صاحب أبي العباس المرسي. كان فقيها عالما ينكر على الصوفية، ثم جذبته العناية إلى إتباع طريقتهم الرضية، فصحب شيخ الشيوخ أبا العباس المرسي، وانتفع به وفتح له على يديه بعد أن كان من المنكرين عليه، وسيرته معه، وما جرى له هجرا ووصلا وقولا وفعلا مذكورة في كتابه الموسوم بالطائف المنن في مناقب أبي العباس المرسي وشيخه أبي الحسن الشاذلي.
وله عدة تصانيف مشتملة على أسرار ومعارف وحكم ولطائف نثرا ونظما كلها في غاية من الجودة، ومن نظمه:
وكنت قديما أطلب الوصل منهم ... فلما أتاني الحلم وارتفع الجهل
تبينت أن العبد لا طلب له ... فإن قربوا فضل وإن بعدوا عدل
وإن أظهروا لم يظهروا غير وصفهم ... وإن ستروا فالستر من أجلهم يحلو
وله في شيخة أبي العباس عدة قصائد، وما أحسن قوله في بعضها:
فكم قلوب قد أميتت بالهوى ... أحيى بها من بعدما أحياها
وكان شيخه المذكور يكثر من استنشاده هذا البيت مرة بعد أخرى، ومن أراد الاطلاع على فضائله وفضائل شيخه، وشيخ شيخه، وما لهم من المناقب، فليطالع كتبه، واشتملت عليه من المواهب.
وقد اقتصرت من ترجمته على هذه الألفاظ تاركا عن بحره الذاخر الذي لا يخاض، ولم أقتصر على قول الذهبي في ترجمته الخافض من رفيع مرتبته. أعني قوله: وفيها مات بمصر الشيخ العارف المذكور تاج الدين أحمد بن محمد بن عطاء الله الإسكندرني صاحب أبي العباس المرسي. انتهى كلامه.
وقد قدمت في ترجمة أبي الحسن الشاذلي ما فيه كفاية من التنويه بمرتبته العلية، والرد على من غض من جلالة قدره من الطائفة الحشوية لسوء اعتقادهم بمشائخ الصوفية.
وفي السنة المذكورة. مات بمكة مسندها المعمر الصالح أبو العباس أحمد بن أبي طالب الحمامي البغدادي الزاسكي، المجاور عن بضع وثمانين سنة.
وفيها ماتت بحلب المعمرة شهدة بنت الصاحب كمال الدين عمر بن العديم العقيلي، ولدت يوم عاشوراء لها حضور وإجازة من جماعة من الشيوخ، وكانت تكتب وتحفظ أشياء، وتتزهد وتتعبد، وذكر الذهبي أنه ممن سمع منها.
وفيها مات بدمشق المقرئ المعمر أبو إسحاق إبراهيم بن أبي الحسن بن صدقة المخرمي.
سنة عشر وسبع مائة
دخلت وسلطان الوقت الملك الناصر محمد، ونائبه يكتمر أمير جندار والوزير فخر الدين عمر الخليلي، وناب بدمشق قراسنقر.
وفيها عزل ابن جماعة من القضاء نيابة جمال الدين الزرعي، لكونه امتنع يوم عقد المجلس لسلطنة المظفر قراها له السلطان، ثم بعد عام أعيد ابن جماعة إلى المنصب، ثم جاء كتاب بعزل ابن الوكيل.
وولي بدمشق الشهاب الكاشغري الشريف، وفي نيسان نزل مطر أحمر، وماتت ببغداد ست الملوك فاطمة بنت علي بن علي.

(2/236)


وفيها توفي قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن إبراهيم السروجي الحنفي وعزل وطلب من دمشق ابن الحريري، فولي مكانه، وتوفي السروجي بعده بأيام في ربيع الآخر، وله ثلاث وسبعون سنة.
صنف التصانيف، واشتهر وهلك جوعا كما استفاض نائب الممالك سيف الدين سلار المغلي، وقد بلغ من الجاه والعز والمال ما لا مزيد عليه تمكن أحد عشر سنة، وكان من اقطاعه نحوا من أربعين طبلخاناة، وكان عاقلا ذا هيبة، قليل الظلم.
وفيها مات بحماه الأمير الكبير سيف الدين قجق المنصوري أحد الشجعان الأبطال، وكان تركيا، ثام الشكل، محببا إلى الرعية، ويقال: سقي السم.
ومات في رمضان المسند العالم كمال الدين إسحاق بن أبي بكر بن إبراهيم الأسدي الحلبي ابن النحاس الحنفي، عن بضع وسبعين سنة أو ثمان، سمع ابن يعيش، وابن قميرة، وابن رواحة.
وفيها مات بتبريز عالم العجم العلامة قطب الدين محمد بن مسعود بن مصلح الشيرازي، عن ست وسبعين سنة، وله تصانيف، وتلامذة، وذكاء باهر، ومزاح ظاهر. وفيها توفي الإمام العلامة حامل لواء الشافعية في عصره نجم الدين أحمد بن محمد، المعروف بابن الرفعة، أحد الأئمة الجلة علما وفقها ورياسة شرح التنبيه شرحا حفيلا لم يسبق على التنبيه نظيره جاء فيه بالغرائب المفيدة لكل طالب بل لكل عالم في فهم ثاقب، وكذلك شرح الوسيط، وأودعه علوما جمة، ونقلا كثيرا، ومناقشات حسنة بديعة، وهو شرح بسيط جدا، ولم يكمل.
سمع الحديث من غير واحد، وحدث بشيء يسير من تصنيفه في أمر الكنائس وتخريبها، وولي حسبة الديار المصرية، ودرس بالمغربية بها، وكان مولده في سنة خمس وأربعين وست مائة، وكان في عرف بعض الفقهاء قد وقع الاصطلاح على تلقيبه بالفقيه حتى صار علما عليه إذا أشير إليه قلت: وكذلك صار هذا اللفظ في بعض بلاد اليمن علما على شمس الدين، والفقيه الكبير الولي الشهير أحمد بن موسى، المعروف بابن عجيل.
وفيها توفي العالم المتفنن الشيخ علي بن أسمح اليعقوبي، كان له عدة محفوظات منها مصابيح البغوي، والمفصل، والمقامات، وركب البغلة، ثم تزهد وهاجر إلى دمشق، وائتذر بدلق وميزر صغير أسود، وتردد إلى المدارس، وأقرأ العربية.
وفيها توفي الإمام العلامة القاضي بدر الدين، المعروف بابن رزين عبد اللطيف بن محمد الحموي، ثم المصري الشافعي ابن شيخ الشافعية. قاضي القضاة تقي الدين كان إماما متقنا، عارفا بالمذهب درس وأفتى وأعاد لأبيه، وولي قضاء العسكر، ودرس بالظاهرية وغيرها، وخطب بجامع الأزهر، وحدث عن جماعة.
سنة إحدى عشرة وسبع مائة
فيها عزل عن دمشق نائبها قراسنقر المنصوري، وأعيد إلى القضاء ابن جماعة، وجعل الزرعي قاضي العسكر.
وفيها مات في الثغر الإمام الناظم الزاهد العابد أبو حفص عمر بن عبد البصير السهمي القرشي عن ست وتسعين سنة، حدث بدمشق عن ابن المقير، وابن الحميري، وحج مرات. وفيها مات بدمشق المسند الفاضل فخر الدين بن إسماعيل بن نصر الله بن تاج الأمنا أحمد ابن عساكر، وحدث عن جماعة، وتبعه الكبراء وشيوخه نحو التسعين، وكان مكثرا، وفيه خفة مع تدين، وتذاكر بأشياء.
وفيها ماتت الصالحة المسندة أم محمد فاطمة بنت الشيخ إبراهيم بن محمود بن جوهر البطائحي، روت الصحيح عن ابن الزبيدي مرات، وسمعت صحيح مسلم من غيره، وكانت صالحة متعبدة.
وفيها توفي الإمام القدوة الشيخ شمس الدين محمد بن أحمد الدماهي الصوفي الحنبلي، وكان ذا تأله، وصدق وعلم.
وفيها توفي الإمام العارف القدوة عماد الدين أحمد ابن شيخ الحرامية إبراهيم بن عبد الرحمن الواسطي، صاحب التواليف في التصوف عن أربع وخمسين سنة، وكان من سادات السالكين، وله مشاركة في العلوم، وعبارة عذبة، ونظم جيد.
وفيها توفي الشيخ القدوة العارف بالبركة شعبان بن أبي بكر الإربلي، شيخ مقصورة الحلبيين عن سبع وثمانين سنة، وكانت جنازته مشهودة، وكان خيرا متواضعا، وافر الحرمة.
وفيها توفي القاضي المنشئ جمال الدين محمد بن مكرم الأنصاري الرويفعي يروي عن مرتضى، وابن المقير، ويوسف بن المحبلي، وابن الطفيل. وحدث بدمشق واختصر تاريخ ابن عساكر، وله نظم ونثر قيل: وفيه شائبة تشيع.

(2/237)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية