صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : مختصر تاريخ دمشق
المؤلف : ابن منظور
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

إذا رأته قريش قال قائلها ... إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
ينمى إلى ذروة العز التي قصرت ... عن مثلها عرب الإسلام والعجم
يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
يغضي حياء ويغضى عن مهابته ... فما يكلم إلا حين يبتسم
وليس قولك من هذا بضائره ... العرب تعرف من أنكرت والعجم
بكفه خيرزان ريحها عبق ... من كف أروع في عرنينه شمم
مشتقة من رسول الله نبعته ... طابت عناصرها والخيم والشيم
ينجاب نور الهدى عن نور غرته ... كالشمس ينجاب عن إشراقها القتم
حمال أثقال أقوام إذا فدحوا ... حلو الشمائل تحلو عنده نعم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله ... بجده أنبياء الله قد ختموا
الله فضله قدما وشرفه ... جرى بذاك له في لوحه القلم
من جده دان فضل الأنبياء له ... وفضل أمته، دانت له الأمم
عم البرية بالإحسان فانقشعت ... عنها الغياية والإملاق والظلم
كلتا يديه غياث عم نفعهما ... يستوكفان ولا يعروهما العدم
سهل الخليقة لا تخشى بوادره ... تزينه اثنتان الحلم والكرم
لا يخلف الوعد ميمون نقيبته ... رحب الفناء أريب حين يعتزم
من معشر حبهم دين وبغضهم ... كفر، وقربهم منجى ومعتصم
يستدفع السوء والبلوى بحبهم ... ويسترب به الإحسان والنعم
مقدم بعد ذكر الله ذكرهم ... في كل ذكر ومختوم به الكلم
إن عد أهل التقى كانوا أئمتهم ... أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم
لا يستطيع جواد بعد غايتهم ... ولا يدانيهم قوم وإن كرموا
هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت ... والأسد أسد الشرى والبأس محتدم
يأبى لهم أن يحل الذم ساحتهم ... خيم كريم وأيد بالندى هضم
لا ينقص العسر بسطا من أكفهم ... سيان ذلك إن أثروا وإن عدموا
أي الخلائق ليست في رقابهم ... لأولية هذا أو له نعم
من يشكر الله يشكر أولية ذا ... فالدين من بيت هذا ناله الأمم
قال: فغضب هشام، وأمر بحبس الفرزدق، فحبس بعسفان بين مكة والمدينة، فبلغ ذلك علي بن الحسين، فبعث إلى الفرزدق باثني عشر ألف درهم، وقال: اعذر أبا فراس، لو كان عندنا أكثر منها لوصلناك بها. فردها وقال: يا بن رسول الله: ما قلت الذي قلت إلا غضبا لله ولرسوله ما كنت لأرزأ عليها شيئا. فردها إليه، وقال: بحقي عليم لما قبلتها، فقد رأى الله مكانك، وعلم نيتك، فقبلها وهجا هشاما، فكان مما قال فيه: من الطويل
يحبسني بين المدينة والتي ... إليها قلوب الناس يهوي منيبها
يقلب رأسا لم تكن رأس سيد ... وعينين حولاوين باد عيوبها
سئل علي بن الحسين عن صفة الزاهد في الدنيا فقال: يتبلغ بدون قوته، ويستعد ليوم موته، ويتبرم بحياته.
قال الزهري: سمعت علي بن الحسين سيد العابدين يحاسب نفسه، ويناجي ربه، ويقول: يا نفس حتام إلى الدنيا غرورك؟، وإلى عمارتها ركونك؟ أما اعتبرت بمن مضى من أسلافك؟ ومن وارته الأرض من ألافك؟ ومن فجعت به من إخوانك؟ ونقل إلى البلى من أقرانك؟ من الطويل
فهم في بطون الأرض بعد ظهورها ... محاسنهم فيها بوال دواثر
خلت دورهم منهم وأقوت عراصهم ... وساقتهم نحو المنايا المقادر
وخلوا عن الدنيا وما جمعوا لها ... وضمتهم تحت التراب الحفائر
كم تخرمت أيدي المنون من قرون بعد قرون؟ وكم غيرت الأرض ببلاها؟ وغيبت في ثارها ممن عاشرت من صنوف الناس، وشيعتهم إلى الأرماس؟
وأنت على الدنيا مكب منافس ... لخطائها فيها حريص مكاثر

(5/352)


على خطر تمسي وتصبح لاهيا ... أتدري بماذا لو عقلت تخاطر
وإن أمرأ يسعى لدنياه دائبا ... ويذهل عن أخراه لا شك خاسر
فحتام على الدنيا إقبالك؟ وبشهواتها اشتغالك؟ وقد وخطك القتير، وأتاك النذير، وأنت عما يارد بك ساه، وبلذة نومك لاه؟
وفي ذكر هول الموت والقبر والبلى ... عن اللهو واللذات للمرء زاجر
أبعد اقتراب الأربعين تربص ... وشيب قذال منذر لك كاسر
كأنك تعنى بالذي هو صائر ... لنفسك عمدا أو عن الرشد جائر
انظر إلى الأمم الماضية والملوك الفانية، كيف أفنتهم الأيام، ووافاهم الحمام؛ فانمحت من الدنيا آثارهم، وبقيت فيها أخبارهم.
وأضحوا رميما في التراب وعطلت ... مجالس منهم أقفرت ومعاصر
وحلوا بدار لا تزاور بينهم ... وأنى لسكان القبور تزاور
فما إن ترى إلا جثى قد ثووا بها ... مسطحة تسفي عليها الأعاصر
كم من ذي منعة وسلطان، وجنود وأعوان، تمكن من دنياه، ونال فيها ما تمناه، وبنى القصور والدساكر، وجمع الأعلاق والذخائر.
فما صرفت كف المنية إذ أتت ... مبادرة تهوي إليه الذخائر
ولا دفعت عنه الحصون التي بنى ... وحف بها أنهاره والدساكر
ولا قارعت عنه المنية حيلة ... ولا طمعت في الذب عن العساكر
أتاه من الله ما لا يرد، ونزل به من قضائه ما لا يصد، فتعالى الله الملك الجبار المتكبر القهار، قاصم الجبارين ومبير المتكبرين.
مليك عزيز لا يد قضاؤه ... حكيم عليم نافذ الأمر قاهر
عنا كل ذي عز لعزة وجهه ... فكل عزيز للمهيمن صاغر
لقد خضعت واستسلمت وتضاءلت ... لعزة ذي العرش الملوك الجبابر
فالبدار البدار، والحذار الحذار من الدنيا ومكائدها، وما نضبت لك من مصائدها، وتحلت لك من زينتها، وأظهرت لك من بهجتها.
وفي دون ما عنيت من فجعاتها ... إلى رفضها داع، وبالزهد آمر
فجد ولا تغفل فعيشك زائل ... وأنت إلى دار الإقامة صائر
ولا تطلب الدنيا فإن طلابها ... وإن نلت منها غبة لك صائر
وهل يحرص عليها لبيب؟ أو يسر بها أريب؟ وهو على ثقة من فنائها، وغير طامع في بقائها؟ أم كيف تنام عينا من يخشى البيات؟ وتسكن نفس من يتوقع الممات؟
ألا لا ولكنا نغر نفوسنا ... وتشغلنا اللذات عما نحاذر
وكيف يلذ العيش من هو موقن ... بموقف عدل يوم تبلى السرائر
كأنا نرى أن لا نشور أو أننا ... سدى مال لنا بعد الممات مصائر
وما عسى أن ينال صاحب الدنيا من لذتها، ويتمتع به من بهجتها، مع صنوف عجائبها، وكثرة تعبه في طلبها، وما يكابد من أسقامها وأوصابها وآلامها؟
وما قد ترى في كل يوم وليلة ... يروح علينا صرفها ويباكر
تعاورنا آفاتها وهمومها ... وكم قد ترى يبقى لها المتعاور
فلا هو مغبوط بدنياه آمن ... ولا هو عن بطلانها النفس قاصر
كم قد غرت الدنيا من مخلد إليها، وصرعت من مكب عليها، فلم تنعشه من غرته، ولم تقمه من صرعته، ولم تشفه من ألمه، ولم تبره من سقمه؟
بلى أوردته بعد عز ومنعة ... موارد سوء ما لهن مصادر
فلما رأى أن لا نجاة وأنه ... هو الموت لا ينجيه منه التحاذر
تندم إذ لم تغن عنه ندامة ... عليه وأبكته الذنوب الكبائر
بكى على ما سلف من خطاياه ... وتحسر على ما خلف من دنياه
حين لا ينفعه الاستعبار، ولا ينجيه الاعتذار، عند هول المنية، ونزول البلية.
أحاطت به أحزانه وهمومه ... وأبلس لما أعجزته المعاذر
فليس له من كربة الموت فارج ... وليس له مما يحاذر ناص ر
وقد جشأت خوف المنية نفسه ... ترددها منه اللها والحناجر

(5/353)


هنالك خف عنه عواده، وأسلمه أهله وأولاده، فارتفعت الرنة بالعويل، وأيسوا من برء العليل، فغمضوا بأيديهم عينيه، ومدوا عند خروج نفسه رجليه.
فكم موجع يبكي عليه ومفجع ... ومستنجد صبرا وما هو صابر
ومسترجع داع له الله مخلصا ... يعدد منه خير ما هو ذاكر
وكم شامت مستبشر بوفاته ... وعما قليل كالذي صار صائر
فشق جيوبها نساؤه، ولطم خدودها إماؤه، وأعول لفقده جيرانه، وتوجع لرزئه إخوانه، ثم أقبلوا على جهازه، وشمروا لإبرازه.
وظل أحب القوم كان لقربه ... يحث على تجهيزه ويبادر
وشمر من قد أحضروه لغسله ... ووجه لما قام للقبر حافر
وكفن في ثوبين واجتمعت له ... مشيعة إخوانه والعشائر
فلو رأيت الأصغر من أولاده. وقد غلب الحزن على فؤاده، وغشي من الجزع عليه، وخضبت الدموع خديه، وهو يندب أباه يقول: يا ويلاه.
لعاينت من قبح المنية منظرا ... يهال لمرآه ويرتاع ناظر
أكابر أولاد يهيج اكتئابهم ... إذا تناساه البنون الأصاغر
ورنة نسوان عليه جوازع ... مدامعهم فوق الخدود عوزار
وقد حثوا بأيديهم التراب، وأكثروا التلدد عليه والانتحاب، ووقفوا ساعة عليه، وآيسوا من النظر إليه.
فولوا عليه معولين وكلهم ... لمثل الذي لاقى أخوه محاذر
كشاء رتاع آمنات بدا لها ... بمدننة بادي الذراعين حاسر
فريعت ولم ترتع قليلا وأجفلت ... فلما نأى عنها الذي هو جازر
عادت إلى مرعاها، ونسيت ما في أختها دهاها، أفبأفعال البهائم اقتدينا؟ أم على عادتها جرينا؟ عد إلى ذكر المنقول إلى دار البلى والثرى، المدفوع إلى هول ما ترى.
ثوى مفردا في لحده وتوزعت ... مواريثه أرحامه والأواصر
وأخنوا على أمواله يقسمونها ... بلا حامد منهم عليها وشاكر
فيا عامر الدنيا ويا ساعيا لها ... ويا آمنا من أن تدور الدوائر
كيف أمنت هذه الحالة، وأنت صائر إليها لا محالة؟! أم كيف تهنأ بحياتك، وهي مطيتك إلى مماتك؟! أم كيف تسيغ طعامك، وأنت منتظر حمامك؟!
ولم تتزود للرحيل وقد دنا ... وأنت على حال وشيكا مسافر
فيا لهف نفسي كم أسوف توبتي ... وعمري فان والردى لي ناظر
وكل الذي أسلفت في الصحف مثبت ... يجازي عليه عادل الحكم قادر
فكم ترقع بآخرتك دنياك؟ وتركب في ذلك هواك؟ أراك ضعيف اليقين يا مؤثر الدنيا على الدين، أبهذا أمرك الرحمن؟ أم على هذا أنزل القرآن؟
تخرب ما يبقى وتعمر فانيا ... فلا ذاك موفور ولا ذاك عامر
وهل لك إن وافاك حتفك بغتة ... ولم تكتسب خيرا لدى الله عاذر
أترضى بأن تفنى الحياة وتنقضي ... ودينك منقوص ومالك وافر
قال علي بن الحسين لابنه، وكان من فضل بني هاشم: يا بني اصبر على النوائب، ولا تتعرض للحقوق، ولا تجب أخاك إلى الأمر الذي مضرته عليك أكثر من منفعته له.
قيل لعلي بن الحسين: من أعظم الناس خطرا؟ قال: من لم يرض الدنيا خطرا لنفسه.
قال علي بن الحسين: الفكرة مرآة تري المؤمن حسناته وسيئاته.
قال أبو جعفر محمد بن علي: قال لي أبي: يا بني انظر، خمسة لا تحادثهم ولا تصاحبهم، ولا تر معهم في طريق. قلت: يا أبت، من هؤلاء الخمسة؟ قال: إياك ومصاحبة الفاسق فإنه بائعك بأكلة وأقل منها، قلت: وما أقل منها؟ قال: الطمع فيها ثم لا ينالها. وإياك ومصاحبة البخيل فإنه يخذلك في ماله أحوج ما تكون إليه. وإياك ومصاحبة الكذاب، فإنه بمنزلة السراب، يقرب منك البعيد ويباعد عنك القريب. وإياك ومصاحبة الأحمق، فإنه يحضرك، يريد أن ينفعك فيضرك. وإياك ومصاحبة القاطع لرحمه، فإن وجدته ملعونا في كتاب الله في ثلاثة مواضع: في الذين كفروا: " فهل عسيتم إن توليتم " إلى آخر الآية، وفي الرعد: " الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه " الآية، وفي البقرة: " إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا " إلى آخر الآيتين.
قال علي بن الحسين:

(5/354)


لقد استرقك بالود من سبقك إلى الشكر.
قال علي بن الحسين: فقد الأحبة غربة.
وكان يقول: اللهم إني أعوذ بك أن تحسن في لوامع العيون علانيتي، وتقبح في خفيات الغيوب سريرتي. اللهم كما أسأت وأحسنت إلي وإذا عدت فعد علي.
وكان يقول: إن قوما عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وآخرين عبدوه رغبة فتلك عبادة التجار، وقوما عبدوا الله شكرا فتلك عبادة الأحرار.
قال علي بن الحسين: إن للحق دولة على العقل، وللمنكر دولة على المعروف، وللشر دولة على الخير، وللجهل دولة على الحلم، وللجزع دولة على الصبر، وللخرق دولة على الرفق، وللبؤس دولة على الخصب، وللشدة دولة على الرخاء، وللرغبة دولة على الزهد، وللبيوتات الخبيثة دولة على بيوتات الشرف، وللأرض السبخة دولة على الأرض العذبة، وما من شيء إلا وله دولة، حتى تنتضى دولته، فتعوذوا بالله من تلك الدول، ومن الحيات في النعمات.
قال محمد بن علي: كان أبي علي ين الحسين إذا مرت به جازة يقول: من الوافر
نراع إذا الجنائز قابلتنا ... ونلهو حين تمضي ذاهبات
كروعة ثلة لمغار سبع ... فلما غاب عادت راتعات
وعن أبي جعفر قال: أوصى علي بن حسين: لا تؤذنوا بي أحدا، وأن يكفن في قطن، ولا يجعلوا في حنوطه مسكا.
وتوفي وهو ابن سبع وخمسين سنة. وقيل: ثمان وخمسين سنة.
قال أبو نعيم: مات علي بن الحسين سنة اثنتين وتسعين، وقيل: سنة أربع وتسعين، وقيل: سنة ثلاث وتسعين، وقيل: سنة خمس وتسعين، ودفن بالبقيع.
وقيل: توفي سنة تسع وتسعين، وقيل: سنة مئة.
قال محمد بن عمرو: قولهم: إنه توفي وعمره ثمان وخمسون سنة، يدلك على أنه كان مع أبيه وهو ابن ثلاث أو أربع وعشرين سنة، وليس قول من قال: إنه كان صغيرا ولم يكن ليثبت، بشيء. ولكه كان يومئذ مريضا فلم يقاتل، وكيف يكون يومئذ لم يثبت وقد ولد له أبو جعفر محمد بن علي، ولقي أبو جعفر جابر بن عبد الله، وروى عنه، وإنما مات جابر سنة ثمان وسبعين؟!
علي بن الحسين بن محمد بن هاشم
أبو الحسن البغدادي، الوراق حدث بدمشق.
روى عن أبي العباس أ؛مد بن عمر بن زنجويه القطان بسنده إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله عز وجل قرأ طه ويس، قبل أن يخلق آدم بألف عام، فلما سمع الملائكة القرآن قالوا: طوبى لأمة ينزل عليها هذا، وطوبى لأجواف تحمل هذا، وطوبى لألسن تكلم بهذا " .
علي بن الحسين بن محمد المغربي
ابن يوسف بن بخز بن بهرام بن المرزبان بن ماهان بن باذام بن ساسان الحرون ابن بلاس ابن حاتناسف بن فيروز بن يزدجرد بن بهرام بن جور بن جرد أبو القاسم المعروف بابن المغربي الوزير ولد بحلب ونشأ بها، ووزر لأميرها أبي المعالي بن سيف الدولة بن حمدان المعروف بسعد الدولة، ثم غضب عليه، فهرب إلى مصر سنة إحدى وثمانين وثلاث مئة، ثم خرج إلى الشام مع تنجوتكين التركي حين ولاه العزيز إمرة جيوش الشام. ودخل معه دمشق سنة ثلاث وثمانين وثلاث مئة.
حدث عن هارون بن عبد العزيز الأوراجي بسنده إلى حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر " .
ومن شعر أبي القاسم بن المغربي: من الوافر
ونفسك فز بها إن خفت ضيما ... وخل الدار تندب من بكاها
فإنك واجد أرضا بأرض ... ولست بواجد نفسا سواها
ولأحمد بن عبيد الله في أبي الحسن علي بن الحسين المغربي، وقد اعتل ثم عوفي: من المتقارب
شكا لتشكيك يا بن الحسي ... ن جسم العلاء ونفس الكرم
وكادت صروف الليالي التي ... صرفت تلم لذاك الألم
فلا فجع الله فيك الزمان ... فقد كان قطب ثم ابتسم
توفي أبو القاسم علي بن الحسين الوزير سنة ثمان عشرة وأربع مئة.
وذكر أن الحاكم أمر بقتل علي ومحمد ابني الحسين بن المغربي بعد التسعين وثلاث مئة.
علي بن الحسين بن محمد بن مهدي
أبو الحسن ابن أبي الفوارس البصري الصوفي أحد شيوخ الصوفية الجوالين.
قدم دمشق، وحدث بها في المحرم سنة إحدى وتسعين وأربع مئة.

(5/355)


روى عن أي الحسن الخلعي بسنده إلى أبي مسعود عقبة بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ثلاث هن سحت، ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن " .
قال الحافظ المصنف: دخلت على أبي الحسن البصري ببغداد مع أبي المعمر الأنصاري، وكان متمرضا، فقال له أبو المعمر: نريد أن نقرأ عليك خمسة أحاديث، فأذن لنا، فقرأت عليه خمسة، وشرعت في السادس، فقال: ينبغي لصاحب الحديث أن يتعلم الصدق أولا، فأتممت السادس وقمت.
علي بن الحسين بن محموية بن زيد
أبو الحسن النيسابوري الصوفي حدث عن أبي عبد الملك محمد بن أحمد الصوري بسنده إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه " .
كان علي بن الحسين بن محموية من أعيان أهل البيوتات ومن العباد المجتهدين، أنفق أموالا ورثها عن آبائه على العباد والمستورين، وخرج إلى الشام، وصحب أبا الخير الأقطع وأكابر المشايخ، وانصرف إلى نيسابور على التجريد، وحدث ولزم جده أبي علي بن زيد، والجامع على العبادة والفقر، إلى أن توفي في سنة أربع وثمانين وثلاث مئة، وهو ابن ثمان وثمانين سنة.
علي بن الحسين بن هندي
أبو الحسن الحمصي القاضي أديب فاضل، له شعر حسن، ولد سنة أربع مئة.
ومن شعره يرثي جعفر بن ميسر: من الكامل
الورد مهلكة فكيف المصدر ... والأمر يقضى والمنون المعبر
لا يرسل الباغي عنان جواده ... فلسوف يقصر تحته أو يعثر
وليرتقب يوما عقيما ماله ... من ليلة أو ليلة لا تسحر
إن الذي هو بالسوية بيننا ... سيان فيه مقدم ومؤخر
يا ضاحكا بمن استقل غباره ... سيثور عن قدميك ذاك العثير
متقارب إلا مناح تعلل ... ركب إذا بكروا وركب هجروا
أمد الحياة ولو تطاول رقدة ... والمرء في حلم بها لا يغبر
يا منكر الأيام في بداوتها ... راجع فإنك عارف ما تنكر
زمن بخيل يسترد هباته ... أبدا ويطوي صرفه ما ينشر
لو أن آثار الليالي نطقت ... صغر العظيم وقل ما يستكثر
تسطو بعزك في ديار معاشر ... كانوا بها وهم أعز وأقدر
متبدلا ما شئت إصغارا لهم ... ولو أن أعينهم ترى لم يصغروا
فاحفظ حياءك إن رأيت رسومهم ... واسترع حسن حديثهم إن خبروا
قد خاطبوك وإن هم لم ينطقوا ... ورأيتهم فيها وإن لم يحضروا
لا فرق عند ذوي البصائر بين مو ... جود تراه وممكن يتصور
عمروا المنازل والزمان خلالها ... ويوهي من الأعمار ما لا يعمر
لا فارس بجنودها منعت ردى ... كسرى ولا للروم خلد قيصر
جدد، مضى عاد وجرهم بعدهم ... وتلاه كهلان وعقب حمير
وسطا بغسان الملوك وكندة ... فلها دماء عنده لا تثأر
وحجر وعمرو والطريد وحارث ... ومحرق ومزيقياء الأكبر
وثنى إلى لخم سنانا شارعا ... أودى به نعمانها والمنذر
وخلت قرون بعد ذلك مالها ... أثر يبين ولا حديث يؤثر
لعبت بهم فكأنهم لم يخلقوا ... ونسوا بها فكأنهم لم يذكروا
أين الألى ولدوك من لد آدم ... وهلم حتى بعثم وميسر
وإذا الأصول تهشمت فلقلما ... يبقى على أغصانها ما يثمر
من ذا يرى شجرا تجذ عروقها ... ويغره ورق عليها أخضر
قد كنت تكثر في الحياة تعجبي ... ولما بدا لي عند موتك أكثر
فرأيت رضوى وهو يستر بالثرى ... والبحر في بحر المنية يغمر
ولربما غمرت هباتك معشرا ... حاروا بها أن يعرفوا أو ينكروا

(5/356)


فغدت عيونهم تحول تفرسا ... في جعفر فكأنما هو جعفر
يا برمكي الجود إلا أنه ... قلب ويحيى كسروي أحمر
لا أدعي بكما السواء وإنما ... عود صميمي وعود أحور
يا من تنزل من صليبة قومه ... وسطا بحيث يناط منها الأبهر
يا من تتيه به مساعيه كما ... يزهى بتيجان الملوك الجوهر
يا من له صدر الندي إذا اجتبى ... وله إذا عد الكرام الخنصر
ما لي ولليل البهيم يهيجني ... ويسوقني وجه الصباح المسفر
عجبا لمعمور الفناء أنيسه ... كيف اطمأن به العراء المقفر
ولعفر خدك بالتراب وطالما ... عبق العبير به وصال العنبر
ماذا على بلد وقبرك جاره ... ألا يمر به السحاب الممطر
فلقد تضمن راحة يجري بها ... ماء الندى فتفيض منه أبحر
أتزورني في النوم زورة عاتب ... تبدي إلي من الرضا ما تضمر
وجه تريد به القطوب وبشره ... يطفو على ماء الحياء فيظهر
وتقول لي قولا يذيب بحره ... قلبا يكاد من الصبابة يقطر
تمضي بباب الدار غير مسلم ... فترى بها أثري فلا تستعبر
من أين لي من بعد يومك مقلة ... تجري عليك دموعها أو تبصر
كنت السواد لها إذا ما استيقظت ... وإذا غفوت بها فأنت المحجر
بيني وبين الهم بعدك حرمة ... لا تستباح وذمة لا تخفر
أرتاح ساحة قبره فأزورها ... والهجر من غير الزيارة ينظر
لا أسمع الشكوى ولا أجلو القذى ... وأراه مهضوما فلا أتذمر
بأبي الأعزة أصبحوا وأسيرهم ... لا يفتدى، وذليلهم لا ينصر
عهدي به غرضا بطول مقامه ... كيف البراح ومن دمشق المحشر
يقف الفتى والحادثات تسوقه ... والمرء يقدر والمنايا تسخر
فاختط منها منزلا من فوقه ... تسفي أعاصير وتمضي أعصر
يرتاع آنسه ويرتع حوله ... من نافرات الوحش ما لا ينفر
لم يخل ظهر الأرض ممن ذكره ... من بين أثناء الصحائف يظهر
إن سترت تلك المحاسن بالثرى ... فمن الحديث محاسن لا تستر
أو أسرعت في محوهن يد البلى ... فيداك تملي والليالي تسطر
ولقد نظرت إلى الزمان وجوره ... فأبيت عشية من يضام ويقهر
ورغبت عن دار سحاب همومها ... غدق ونكباء النوائب صرصر
دار يسوءك منعها وعطاؤها ... وتذم منها غب ما تتخير
تأتي فيؤلمك انتظار فراقها ... وتروغ عنك إلى سواك فتحشر
فالناس إما حاذر مترقب ... أو حاصل منها على ما يحذر
وإذا رأيت العيش في إقبالها ... نكدا فكيف تظنه إذ يدبر
إن طبت الدنيا عليك بقربها ... فلقد علمنا أن حظك أكبر
فارقتها فأمنت هول فراقها ... وتكرمت عيناك عما تنظر
وهجرت قوما طالما صاحبتهم ... لك عاذر إن كان شيء يعذر
ما عفتهم حتى وردت حياضهم ... وخبرتهم فصدقت عما تخبر
فثويت تأمن منهم ما يتقى ... وتنام عن غير الزمان وتسهر
من أصغر الدنيا فذاك عظيمها ... لا من تراه بعزها يستكبر
يبدي إذا افتقر الخضوع بقد رما ... يختال في ثوب الرخاء ويبطر
من لم يهن فيما لديه ما صفا ... عز العزاء عليه فيما يكدر
يا حبذا أدب الحكيم فإن ... لا عابس كز ولا مستبشر

(5/357)


يا من ترى ما لا تراه عينه ... ويغيب بعض القوم عما تحضر
الحي من تلقاه حيا عقله ... والميت ميت الجهل لا من يقبر
من للخطوب إذا تدانى وردها ... وبدا من الأمر الجناب الأزعر
كانت تسر وجوهها ووعيدها ... فالآن تطرح القناع وتجهر
فلربما أصدرتها فثنيتها ... رغما وصدر الهول فيها موغر
ولمحضر أحسنت فيه خلافتي ... حتى اشرأب لما وصفت الحضر
رديتني رداء فضلك فانثنى ... أدبي به زهوا يميس ويخطر
ولمحفل 1و العلم بين شهوده ... متحفظ وأخو البلاغة محصر
أسكت ناطقه بقول فيصل ... أعيت نقائضه على من ينكر
لا جاهل الأقوام ثم مقدم ... وهو الكمي ولا الوجيه موقر
فيود من ترك التأدب للغنى ... لو أن نقص مكسبيه الأوفر
ولمرهف الجنبات يركب رأسه ... فيظل ينظم في الطروس وينثر
وتراه إن لبس الكلام دروعه ... يعتل في زرد الدلاص فينحر
يمضي بحيث المشرفية تنثني ... ويطول حيث السمهرية تقصر
فكأنما المعنى الخفي معرض ... وكأنه لدن بكفك أسمر
إن ضن طرف لا يراك بدمعه ... فلاي يوم بعد يومك يدخر
يا صاحبي أرى الوفاء يشوبه ... هفوات قلب محافظ لا يغدر
قولا لقلبك ما لوجدك حائرا ... لا الشوق مغلوب ولا هو يظفر
قصر ارتياحك قيل: ما طول المدى ... فإذا تطاول فارتياحك أقصر
يا من كأن الدهر يعشق ذكره ... فلسانه من وصفه لا يفتر
بأبي ثراك وما تضمنه الثرى ... كل يموت وليس كل يذكر
ومن شعره: من البسيط
تخلق حسن إن لم يكن خلق ... تروع حسن إن لم يكن ورع
فما أرى قيمة الدنيا وإن عظمت ... أن يأتي الحر ما من نفسه يضع
توفي ابن هندي سنة خمسين وأربع مئة بدمشق، وخلف ستة عشر ألف درهم، وكان من الإمساك والضبط على غاية، وقيل سنة إحدى وخمسين وأربع مئة.
وكان قاضي حمص وولد سنة أربع مئة.
علي بن الحسين الجعفري
حدث بداريا عن عبد الله بن أحمد بن أبي الحواري عن حميد بن هشام الرازي قال: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: يوحي الله عز وجل إلى جبريل عليه وعلى نبينا محمد الصلاة والسلام: " اسلب عبدي ما رزقته من لذة طاعتي، فإن افتقدها فردها إليه، وإن لم يفتقدها فلا تردها عليه أبدا أبدا " .
علي بن الحسين
أبو الحسن القرشي الحراني حدث بدمشق عن أبي اليقظان بن عبد الرحمن بن مسلم الحراني عن أبيه عبد الرحمن بن مسلم قال: دخلت أنطاكية إلى مسجد الجامع، فإذا أنا بشيخ جليل جميل، فسلمت وجلست، فقال لي: من أين أنت؟ قلت: أنا من أهل حران، قال: أما أنا فمن مدينة إبراهيم الخليل، ولا يزال فيها رجل من الأبدال إلى أن تقوم الساعة.
قال: قلت: حدثني رحمك الله بحديث أحدث به عنك قال: إني لست أحدثك حتى تعطيني عهد الله وميثاقه أنك لا جلست إلى قوم من أهل لا إله إلا الله إلا حدثتهم به؛ قلت: أفعل ذلك إن شاء الله، قال: أتيت البصرة، فأقمت بها أربع حجج في طلب العلم، وكان العلماء متوافرين بالبصرة، فكتبت بها علما كثيرا، فقال لي رجل: منذ كم تكتب معنا الحديث؟ لقد كتبت علما كثيرا، ولقد فاتك كلام رجل والنظر إليه، قد لقي أنس بن مالك خادم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: قلت: وأين منزله؟ قال: في رحبة اليهود بالبصرة.

(5/358)


قال: فانطلقت حتى أتيت قصره، فإذا أنا بقصر مشيد، له باب من حيدي، وعلى باب القصر مشايخ ما رأيت أجمل منهم، فلما رأيتهم هالني أمرهم، فسلمت فردوا ورحبوا وقربوا، وقالوا: هل لك من حاجة؟ قلت: نعم، أنا شيخ من أهل الشام، خرجت إلى بلدكم في طلب العلم، وأنا مقيل فيه من أربع حجج، وقد بلغني عن والدكم أنه لقي أنس بن مالك، خادم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال صلى الله عليه وسلم: " طوبى لمن رآني ومن رأى من رآني " ، وأبوكم رأى من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا لي: نعم، وكرامة، إنا ندخل عليه في كل غداة فنسلم، ولا ندخل إلا من غد، ولنا أخ هو أصغر منا سنا يكنى بأبي الطيب، فنسأله يدخلك معه عليه، على أن نشرط عليك: أن لا تتكلم، تنظر إليه، وهو لا ينظر إليك. قال: فدعوت لهم، فقالوا لي: ادخل إلى هذا المسجد، فإذا صليت العصر فصر إلينا نسأله يدخلك.
فلما دخلت المسجد شممت رائحة المسك، وأن المسجد قد وزر بالخلوق والمسك، فسلمت وصليت ركعتين، وسألت الله عز وجل أن يسهل لي النظر إلى وجه وليه.
فلما فرغت من الدعاء إذا بشيخ طوي القامة عظيم الهامة، عليه جبة صوف، مقطوع الكمين، مشدود وسطه بحبل لمن ليف، على عاتقه مر ومجرفة، ورسل، فوضعها في زاوية المسجد، ثم سلم وكبرن وصلى ركعة واحدة، فقلت: سبحان الله، لعله قد سها، فقال لي مجيبا: وبحمده. قلت: إنك لم تصل إلا ركعة، فقال: تحية المسجد، إنما هي تطوع.
قال: قلت: من حدثك أن ركعة تجزئ تحية المسجد؟ قال: مولاي صاحب هذا القصر.
قلت: ومملوك أنت؟ قال: كنت مملوكا، ولكن الله أعتق رقبتي منذ خمسين سنة، وأنا أحفر القبور منذ خمسين سنة.
قلت: وما الذي حملك على حفر القبور؟ قال: بحديث حدثني مولاي هذا عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من حفر قبرا لأخيه المسلم، ولم يأخذ عليه جزاء، بنى الله تعالى له بيتا في الفردوس الأعلى، فيه قبة خضراء، يرى باطنها من ظاهرها، وظاهرها من باطنها " .
وسمعته يقول: من غسل أخاه المسلم ولم يأخذ عليه أجرا، وكتم ما يرى منه غفر الله عز وجل له ذنوبه في ظلمة قبره ووحشته، إذا خلا فردا وحيدا مرتهنا بعمله، ووكل به ملك بيده مصباح من نور، فهو يؤنسه في قبره إلى أن ينفخ الله في الصور.
فهو الذي حملني على حفر القبور، وغسل الموتى، وحرسي القبور.
قلت: ما اسمك؟ قال: صالح.
قلت: بالله حدثني بأعجب شيء رأيته في ظلمات الليل، وأنت تحفر القبور من خمسين سنة، قال: إني لست أحدثك أو تعطيني عهد الله وميثاقه، أنت لا تجلس إلى قوم من أهل لا إله إلا الله إلا حدثتهم به، قلت: أفعل إن شاء الله.
قال: ماتت بنت قاضي البصرة، ولم يكن بالبصرة امرأة أجمل منها، فجزع عليها أبوها جزعا شديدا، فدخلت عليه وهو يبكي أحر البكاء، فسلمت عليه وقلت: إن الموت حتم على الخلق،وإن الله عز وجل قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: " إنك ميت وإنهم ميتون " .
فقال: يا صالح، إنه لم يكن بالبصرة امرأة أجمل من ابنتي، ولا أكثر مالا، مات عنها زوجها ولم ترزق منه ولدا، وورثت منه مالا عظيما، وقد أوصت إلي أن أخرج من ثلثها ثلاثة آلاف دينار، ويعطى لحرس قبرها ألف دينار يحرس سنة اثني عشر شهرا.
قال:قلت: أما أنا فإنني أعطيت عهد الله وميثاقه أنني لا آخذ لحرس قبر، ولا لحفر قبر، ولا لغسل مست شيئا أبدا. فقال لي: سبحان الله! ترزق رزقا حلالا وترده؟! قلت: نعم، وأشير عليك بشيء يسعدك الله به، ويدخل على ابنتك في قبرها السرور والرحمة؛ فقال: تكلم.
قلت: إن الميت لا ينتفع أن يكفن بألف دينار، فإنه يبلى في التراب والصديد والدود، ولكن تكفن بمئة دينار، وتضيف تسع مئة إلى الألفين، فتشتري بها الثياب والخبز والماء، فتكسو العاري، وتشبع الجائع، وتروي الظمآن، فإني أرجو أن يعتق الله ابنتك من النار، ويدخل عليه في قبرها السرور والرحمة. فقال لي: وفقت وأشرت بخير.
قال: فكفنها بمئة، وتصدق بالباقي عنها.

(5/359)


قال صالح، فحرست قبرها ثلاث ليال، أصلي عند قبرها ألف ركعة، فلما كان في الليلة الرابعة، وقد طلع الفجر، وأصبت نعسة، وأذن المؤذن، فأخذت لبنة فوضعتها تحت رأسي، فما هو إلا أن ذهبت في النوم، فإذا بنت القاضي قائمة بين يدي، عليها ثياب أهل الجنة وحلي أهل الجنة.
قلت: يا هذه، من أنت التي قد ألبسها الله البهاء والنور؟ قال: صاحبة القبر بنت القاضي، جئت أشكرك، نور الله قبرك، وجزاك عني أفضل الجزاء كما أشرت بالخير في الصدقة عني، إن الله تبارك وتعالى قد نور قبري، وأدخل قبري السرور والرحمة، قم حتى أريك ما أعد الله تعالى لمن مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله.
فنهضت معها وفي يدها مصباح من بلور، والقبر روضة خضراء كأحسن ما يكون، وإن القبور قد أقبل أهلها، وقد جلس كل ميت على شفير قبره، قد ألبسهم الله البهاء والنور. قالت: هؤلاء الذين ماتوا وهم يشهدون أن لا إله إلا الله، ادن منهم، وكلمهم فإنهم يكلمونك.
قلت: يا سبحان الله! موتى موتى يكلمون الأحياء؟! قالت: وأنا ميتة، وقد أذن الله لي وكلمتك.
فلما دنوت منهم قالوا بأجمعهم: جزاك الله خيرا من مؤنس، إنا نسمع قرآنك ودعاءك لا نقدر أن نجيبك، وأنتم يا معشر الأحياء تعملون الخيرات، ولا تدرون ما لكم عند الله عز وجل من الدرجات، فإذا أصبحت فأت المسجد الجامع فأقرئ أهالينا السلام، وقل لهم: موتاكم يقرؤون عليكم السلام ويقولون: جزاكم الله عنا خيرا، فإن هداياكم تأتينا بكرة وعشيا، فقلت: وما الهدايا؟ قالوا: الدعاء والصدقة، إن الصدقة شيء عظيم يطفئ غضب الرب، ودعاء الأحياء يدعون لنا الله عز وجل فيستجيب الله لهم فينا، فيدخل علينا في قبورنا السرور والرحمة.
قال: فبينا أنا فرح بهم إذ نظرت إلى رجل مشوه الوجه رث الكفن، في عنقه سلسلة من نار، ورجل بيده سوط من نار، يضرب حر وجهه وظهره وبطنه، وهو يصيح: يا ويلاه! من نار لا تطفأ، وعذاب لا يبلى.
قال: فتقطع قلبي رحمة له، فقلت: يا هذا أيش حالك من بين أصحابك هؤلاء الذين ألبسم الله البهاء والنور؟ قال: جرمي عظيم، كان لي مال عظيم، وكنت لا أزكي فيه، فنالني هذا بعقوق والدي في الدنيا. قلت: وكيف ذلك؟ قال: مات أبي وخلف مالا عظيما، ولم يكن بالبصرة امرأة أجمل من والدتي، ولا أكثر مالا، فرغب ملوك البصرة فيها، فخطبها بعض الملوك فأجابته، فبلغني ذلك فداخلتني الغيرة. فقلت: يا أمه، بلغني أنك تريدين التزويج. قالت: التزويج حلال؛ فرفعت يدي، فلطمت حر وجهها، فخرت مغشيا عليها، فسال من وجهها الدم. فلما أفاقت من غشيتها رفعت يدها ورأسها إلى السماء فقالت: يا بني لا أقالتك الله عثرتك، ولا آنس في القبر وحشتك. فلما أن مت صرت في قبري إلى نار لا تطفأ، وعذاب لا يبلى، وكذلك القبر من اليوم إلى يوم القيامة، فإذا أصبحت فأت والدتي وأقرئها السلام، وأعلمها بما رأيت من سوء حالي لعلها ترحمني.
قال: فانتبهت فإذا رائحة المسك من مسجدي، وكأنما ضوء المصباح في مسجدي وبين عيني.
قال: قلت: هذه رؤيا من الله، لآتين المسجد الجامع، فلأؤدين الرسالة، ولآتين أم المسكين، فأخبرها بما رأيت من سوء حاله.
فخرجت إلى المسجد، فصليت مع الإمام، فلما سلم قمت فقلت: السلام عليكم يا أهل المسجد ورحمة الله وبركاته، إني رأيت موتاكم في النوم بأحسن منظر، وهم يقرئونكم السلام، ويقولون لكم: جزاكم الله عنا خيرا أفضل الجزاء، فإن هداياكم تأتينا بكرة وعشيا؛ فلم يبق في المسجد شيخ ولا شاب إلا علا نحيبه، ولم يبق أحد منهم إلا تصدق عن حبيبه ذلك اليوم، وكانت رؤيا رحمة على الأحياء والأموات.
قال: ومضيت إلى باب أم المسكين، فإذا على الباب شيخ جميل بيده مصحف، يقرأ فيه، وحوله وصائف يقرئهم القرآن. فلما رآني مقبلا أمر الوصائف فدخلن القصر، فسلمت، فصافحني، وعانقني، ورد السلام، وقال: هل من حاجة؟ قلت: أما إليك فلا، ولكن إلى أهلك! فقال: يا سبحان الله! ما في مالي، ولا فيما خولني الله ما أقضي حاجتك؟ قلت: " إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها " ؛ فقال: صدقت، يا غلام، ادخل إلى ستك فقل لها؟ تسبل الستر حتى يدخل صالح تنظر أيش حاجته.

(5/360)


قال: فدخل الغلام، وأسبل الستر، ودخل زوجها ودخلت معه، فقلت: السلام عليك يا أمة الله، من لك في المقابر؟ قال: فبكت حتى خرت مغشيا عليها، وبكى زوجها وكل من في القصر معها، وبكيت أنا رحمة لها.
قالت: وما ذاك يا صالح؟ قلت: رأيت في المنام كذا وكذا، فبكت بكاء شديدا، وقالت: ذاك ولدي، واحسرتاه، على ما فرطت فيك يا بني، ثم جيئت بكيس فقالت: خذه واشتر بما فيه الثياب والخبز والماء، فاكس العاري، وأشبع الجائع، وارو الظمآن، ثم قالت: اللهم إن هذا صدقة عن ولدي، اللهم فارض عنه.
قال زوجها: أحسنت وأصبت ووصلت رحمك، وما كنا لنتركك تسبقينا إلى الخير. وجيء بكيس فقال: خذه وأضفه إلى الآخر، اللهم إن هذه صدقة عن ابن العجوز، اللهم فارض عنه وعن والديه وما ولد، وعن جميع المسلمين.
قال صالح، فأخذت الكيسين، وفعلت ما قالاه، وهممت أن أقوم، فسقط مني، رغيف، فقلت: لا أبرح حتى أنقذه، فإن قليل الأمانة وكثيرها عند الله سواء.
فبينا أنا كذلك إذ خرج من بعض دروب البصرة شيخ كبير منحن، ما يرفع رأسه من الكبر، يحرك شفتيه بالتحميد والتسبيح، وهو يقول: يا سيدي ومولاي خدمتك منذ ثلاثة أيام، فلما دنا قلت: يا شيخ، قال: يا سعديك، قلت: ما أرى معك أحدا، فلمن تناجي؟ قال: أناجي سيد السادات، ومالك الملوك، ومولى المولى، قد عودني في كل ثلاثة أيام قرصا أفطر عليه، وهذا حاجتي إليه. قلت: إن الله عز وجل قد أجاب دعوتك. ودفعت إليه الرغيف، فقال: رضي الله عنك وعمن تصدق به عن جميع المسلمين.
قال صالح: ومضيت في الليلة الرابعة لأحرس قبر ابنه القاضي، فلما قرأت حزبي وصليت وردي نمت، فإذا أنا بابن العجوز على أحسن الناس وجها، وأطيب رائحة، فقال: نور الله قبرك، وجزاك عني أفضل الجزاء، إن الله عز وجل قد نور قبري، وأدخله السرور والرحمة بدعاء والدتي ودعاء الفقراء لي. إن الصدقة شيء عجيب تطفئ غضب الرب، فإذا أصبحت فأقرئ والدتي السلام، وأعلمها أن الصدقة وصلت، وقل لها: لا تقطعي الصدقة، فإن قليل الخير عند الله كثير.
قال: فانتبهت فرحا، وصرت إلى والدته، فأخبرتها، فسرت بذلك، وآلت على نفسها أنها تتصدق عنه في كل يوم.
قلت: يا صالح قد وعدني مواليك هؤلاء أن يدخلوني على مولاك. قال: هيهات: ما أطمع لك في ذلك لأنه كبير قد أتى عليه مئة وعشرون سنة، وقد احتجب عن الناس منذ عشر سنين. قلت: وعدوني أن يكلموا ابنه الأصغر. فقال: نعم ليس في أولاده أصبح وجها منه، ولا أرق قلبا، ولا أرحم بالغريب، وإن للشيخ من صلبه سبعين ذكرا.
قال: فصليت العصر وخرجت، وخرج صالح، فسلمت، فردوا السلام، والتفتوا إلى أخيهم الأصغر، فقالوا: يا أبا الطيب: إنا نعرضك إلى الأجر، وهذا الرجل مقيم في بلدنا منذ أربع حجج، وقد سألنا أن ندخله إلى والدنا؛ لينظر إليه نظرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " طوبى لمن رآني ورأى من رآني " . قال: نعم وكرامة، فنهض ودق الباب، فخرج خادم ففتح باب القصر، فلما فتحه شممت رائحة المسك والزعفران والياسمين، فسألت الله الجنة، ثم دخلنا من قصر إلى قصر، فإذ الشيخ متكئ على فرش مشيدة، ووجهه كالقمر ليلة البدر. قال: فقلت: هذا وجه من وجوه أهل الجنة، فوقف ابنه بين يديه وقال: السلام عليك يا أبه ورحمة الله وبركاته؛ فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، رضي الله عنك وعن والديك وما ولدا، وعن جميع المسلمين.
قال: فقلت في نفسي: والله لا فاتني كلام ولي الله؛ فقلت: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فرد علي السلام، واحمر وجهه، ثم التفت إلى ابنه فقال: يا أبا الطيب من هذا الذي أدخلته علي من غير إذن؟ فقال: يا أبه، هذا شيخ من أهل الشام، مقيم معنا في بلدنا منذ أربع حجج، وقد سألنا أن ندخله عليك، لينظر إليك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " طوبى لمن رآني، ومن رأى من رآني " . وأنت يا أبه، قد رأيت من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وخدمه.

(5/361)


قال: لا بأس، وطابت نفسه، ثم التفت فقال لي: يا شامي من أي الشام أنت؟ قلت: من أهل أنطاكية. فقال: مرحبا بك وأهلا، أنت من المدينة التي منها الرجل الصالح حبيب النجار، بعث الله تعالى المسلمين إلى أنطاكية، فجاء رجل من أقصى المدينة يسعى، قال: يا قوم اتبعوا المرسلين. وكانت قدومه على عاتقه، فعلوه بالقدوم حتى قتلوه، ووطئوا بطنه، حتى خرجت بيضته من دبره، فإذا كان يوم القيامة: " قال: يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين " .
قال: قلت: حدثني رحمك الله بحديث أحدث به عنك، وأشكرك عليه، ويثيبك الله تعالى الجنة، فقال: إني قد آليت على نفسي أن لا أحدث أحدا، ولم احدث أحدا منذ عشرين سنة، وكني أكفر عن يميني وأحدثك إن شاء الله، فأخرجت الألواح المسودة، فقال: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم حدثني أنس بن مالك خادم النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أمتي أمة مرحومة، جعلها الله تعالى في الأمم كالقمر ليلة البدر، فمحسنها يدخل الجنة بلا حساب، ومسيئها يغفر له بشفاعتي " . قال: ثم قرأ مصداقه من القرآن: " ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله، ذلك هو الفضل الكبير " ، فسابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له.
قال: فكتبت عنه حديثا يسوى الدنيا وما فيها، قلت: زدني رحمك الله قال: اكتب يا شامي: بسم الله الرحمن الرحيم حدثني أنس بن مالك خادم النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أمتي الأمة المرحومة، ولولا الرحمة ما خلقهم الله " . قال: ثم قرأ مصداقه من القرآن: " انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا " لمن عمل، " اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون " ، " نعم أجر العاملين " .
قال: فكتبت عنه حديثين يسويان الدنيا وما فيها.
قلت: زدني رحمك الله قال: ما أعرفني بكم يا أصحاب الحديث، ما يشبعكم شيء؛ اكتب: حدثني أنس بن مالك خادم النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أمتي الأمة المرحومة، جعل الله عز وجل عذابها في الدنيا بالسيف والقتل، وذلك أني سألت الله عز وجل ثلاثا فأعطاني: سألته أن لا يهلكنا بما أهلك به الأمم من قبلنا فأعطانيها، وسألته أن لا يظهر علينا عدوا من غيرنا فأعطانيها، وسألته أن لا يلبسنا شيعا " . ثم قرأ مصداقه من القرآن: " أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض " . يعني السيف والقتل. فإذا كان يوم القيامة أعطى الله تعالى كل رجل من المسلمين رجلا من المشركين: إما مجوسيا وإما يهوديا وإما نصرانيا، فيقول: يا ولي الله، هذا عدو الله فداؤك من النار، فإذا صعد أحدكم على فراشه فليقل: اللهم اجعل فلان بن فلان فدائي من النار، فإذا كان يوم القيامة أتاه ملك قابض على ناصيته حتى يوقفه بين يدي ولي الله، فيقول له: يا ولي الله، هذا فداؤك من النار، قال: فيكب الكافر على منخريه في النار، ويؤمر بالمؤمن إلى الجنة. ثم قرأ مصداقه من القرآن: " وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم، وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون " .
علي بن الحصين بن مالك بن الخشخاش
العنبري البصري وفد على عمر بن عبد العزيز، وشهد دفن ابنه عبد الملك بن عمر.
حدث علي بن الحصين قال: شهدت عمر بن عبد العزيز تتابعت عليه مصائب: مات أخ له، ثم مات مزاحم، ثم مات عبد الملك، فلما مات عبد الملك تكلم، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أنا دفعته إلى النساء في الخرق، فما زلت أرى فيه السرور وقرة العين إلى يومي هذا، فما رأيت فيه أمرا قد أقر لعيني من أمر رأيته فيه اليوم.
علي بن حمزة بن عبد الله بن الحسين بن حمزة
ابن الحسن بن حمدان بن ذكوان أبو الحسن بن أبي الكرام العطار المعروف بابن أبي فجة حدث عن جده أبي محمد عبد الله بن الحسين بن حمزة بسنده إلى أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو بهذه الدعوات:

(5/362)


" خلقت ربنا فسويت، وقدرت ربنا فهديت، وعلى عرشك استويت، وأمت وأحييت، وأطعمت وأسقيت، وأشبعت وأرويت، وحملت في برك وبحرك، وعلى فلكك ودوابك وأنعامك، فلك الحمد على ما قضيت، اللهم اجعل لي عندك قربة واجعل لي عندك وسيلة، واجعل لي عندك زلفى وحسن مآب، واجعلني من يخاف مقامك، ويخاف وعيدك، وممن يرجو لقاءك، ويرجو أيامك، واجعلني أتوب إليك توبة نصوحا، وأسألك عملا متقبلا، وعملا نجيحا، وسعيا مشكورا، وتجارة لا تبور " .
توفي أبو الحسن بن فجة سنة ثلاث وأربعين وخمس مئة، وهي السنة التي نزل فيها ملك لمند الفرنجي على دمشق ورجع عنها خائبا.
علي بن حمزة بن علي
أبو الحسن الهاشمي حدث بجامع بدمشق عن محمد بن موسى بن فضالة بسنده إلى جابر قال: جاء سليك الغطفاني، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا سليك، قم فاركع ركعتين وتجوز فيهما " .
ورواه الحافظ من طريق آخر بسنده إلى جابر قال: جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فجلس، فقال رسو الله صلى الله عليه وسلم: " إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، والإمام يخطب، فليصل ركعتين ثم ليجلس " .
علي بن أبي حملة
أبو نصر القرشي مولى لآل الوليد بن عتبة بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف.
أدرك معاوية بن أبي سفيان، كان على دار الضرب بدمشق في خلافة عمر بن عبد العزيز.
حدث عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها، فيرى من في باطنها من في ظاهرها " ، قيل: لمن هي يا رسول الله؟ قال: " لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وبات لله قائما والناس نيام " .
قال علي بن أبي حملة: رأيت واثلة زمن الطاعون بدمشق يشهد الجنائز على حمار، فيقدمونه فيصلي على الجنائز.
توفي علي بن أبي حملة سنة ست وخمسين ومئة. وقيل: سنة ست وستين ومئة. قال: والأول أصح.
علي بن حوشب
أبو سليمان الفزاري ويقال: السلمي من أهل دمشق.
حدث أنه سمع مكحولا يحدث عن بريدة قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: " وتعيها أذن واعية " فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " سألت الله أن يجعلها أذنك " ، قال علي: فما نسيت شيئا بعد ذلك.
وحدث علي بن حوشب أنه سمع أبا سلام يحدث عن عبادة بن الصامت قال: بصر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل في مؤخر المسجد عليه ملحفة معصفرة. قال: ألا رجل يستر بيني وبين هذه النار؟ ففعل ذلك الرجل.
وحدث علي بن حوشب عن أبي قبيل عن سالم عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تتخذوا المساجد طرقا إلا لذكر أو صلاة " .
وحدث عن مكحول قال: لما كر علي وحمزة على شيبة بن ربيعة غضب المشركون وقالوا: اثنان بواحد، فاشتعل القتال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم إنك أمرتني بالقتال، ووعدتني بالنصر، ولا خلف لوعدك " . وأخذ قبضة من حصى فرمى بها في وجوههم فانهزموا بإذن الله، فذلك قوله: " وما رميت إذ رميت، ولكن الله رمى " .
وحدث عنه قال: إذا رأيت راية هاشمية فلا تعرض لها، فإن ذؤابتها طويلة.
وحدث علي بن حوشب: أنه كان يرى مكحولا يزيل عمامته حتى يسجد على الأرض.
علي بن حيدرة بن جعفر بن المحسن
أبو طالب العلوي الحسيني الحقني، المعروف بابن علوية كان أبوه نقيب العلويين بدمشق.
حدث بكفرسوسة عن أبي القاسم علي بن محمد بن أبي العلاء بسنده إلى عبد الله قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لو كنت متخذا خليلا لاتخذت ابن أبي قحافة خليلا " .
توفي أبو طالب سنة إحدى وخمسين وخمس مئة.
علي بن الحضر بن الحسن
أبو الحسن العثماني الحاسب صنف كتبا في الحساب.
حدث عن رشأ بن عبد الله المقرئ بسنده إلى أبي عثمان المازني قال: دخلت على الواثق فقال لي: يا مازني، لك ولد؟ قلت: لا، ولكن لي أخت بمنزلة الولد، قال: فما قالت لك؟ قلت: ما قالت بنت الأعشى للأعشى: من المتقارب
فيا أب لا تنسنا غائبا ... فإنا بخير إذا لم ترم
أرانا إذا أضمرتك البلا ... د نجفى وتقطع منا الرحم
قال: فما قلت لها؟ قال: قلت لها ما قال جرير: من الوافر

(5/363)


ثقي بالله ليس له شريك ... ومن عند الخليفة بالنجاح
قال: أحسنت، أعطه خمس مئة دينار.
ولد أبو الحسن العثماني سنة إحدى وعشرين وأربع مئة، وتوفي سنة تسع وخمسين وأربع مئة.
علي بن الخضر بن سليمان بن سعيد
أبو الحسن السلمي، الصوفي الوراق حدث عن الشيخ أبي نصر حديد بن جعفر بن محمد الأنباري بسنده إلى عبد الله بن مسعود قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزلت هذه الآية: " فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام " . قال: إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح، قالوا: فهل لذلك من آية يعرف بها؟ قال: الإنابة إلى دار الخلود، والتنحي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل الموت.
توفي أبو الحسن علي بن الخضر سنة خمس وخمسين وأربع مئة.
علي بن الخضر بن عبدان بن أحمد
ابن عبدان بن احمد بن زياد بن ورد أزاد بن عبد بن شبة ابن أحمد بن عبد الله بن عبدان المعدل الصفار حدث عن أبي محمد بن أبي نصر بسنده إلى بريدة قال: لما كان يوم خيبر أخذ أبو بكر اللواء، فلما كان من الغد أخذه عمر، وقيل: محمود بن مسلمة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لأدفعن لوائي إلى رجل لم يرجع حتى يفتح عليه " . فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الغداة، ثم دعا باللواء، فدعا عليا وهو يشتكي عينيه، فمسحهما، ثم دفع إليه اللواء فافتتح.
قال بريدة: إنه كان صاحب مرحب.
توفي أبو الحسن علي بن الخضر سنة سبعين وأربع مئة.
علي بن الخضر بن محمد بن سعيد
أبو الحسن الحلبي المؤدب إمام مسجد سوق الخشابين بدمشق.
حدث عن أبي الحسن علي بن إبراهيم المعروف بابن النجاد بسنده إلى عائشة رضي الله عنها، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " اللهم حاسبني حسابا يسيرا " . قالت: يا رسول الله، فما الحساب اليسير؟ قال: " أن ينظر في كتابه، إنه من نوقش الحساب يا عائشة هلك، وكل ما يصيب المؤمن يكفر به عن سيئاته، حتى الشوكة تشوكه " .
وحدث عن أبي طاهر محمد بن أحمد بسنده إلى الجريري قال: كنت أطوف مع أبي الطفيل، فقال: ما بقي أحد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم غيري، قلت: رأيته؟ قال: نعم. قلت: وكيف كانت صفته؟ قال: أبيض مليحا مقصرا.
قال الحافظ: عاش أبو الطفيل بعد النبي صلى الله عليه وسلم ثمانيا وتسعين سنة، وتوفي سنة ثمان ومئة، بعد مولد سفيان بن عيينة بسنة.
علي بن خليد أبو الحسن الدمشقي
حدث عن أحمد بن مسكين قال: خرجت في طلب بشر بن الحارث من باب حرب، فإذا به جالس وحده، فأقبلت نحوه، فلما رآني مقبلا خط بيده على الجدار وولى، فأتيت موضعه، فإذا به قد خط بيده: من المنسرح
الحمد لله لا شريك له ... في صبحه دائما وفي غلسه
لم يبق لي مؤنس فيؤنسني ... إلا أنيس أخاف من أنسه
فاعتزل الناس يا أخي ولا ... تركن إلى من تخاف من دنسه
وحدث علي ين خالد الدمشقي عن عباس العنبري قال: سمعت بشر بن الحارث يقول: من السريع
أقسم بالله لرضخ النوى ... وشرب ماء القلب المالحه
أعز للإنسان من حرصه ... ومن سؤال الأوجه الكالحه
فاستغن بالله تكن ذا غنى ... مغتبطا بالصفقة بالرابحه
اليأس عز والتقى سؤدد ... ورغبة النفس لها فاضحه
من كانت الدنيا به برة ... فإنها يوما له ذابحه
علي بن داود بن أحمد
أبو الحسن الورثاني الأذربيجاني المعلم سكن المزة، وكان يعلم بها.
حدث عن أبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن أبي الدنيا بسنده إلى أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " معلم الخير والعامل به شريكان، يصلي عليهما كل شيء حتى الدواب في الأرض ومطر السماء ونون البحر " .
وحدث عن الحسن بن صلام السواف بسنده إلى أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من أتت عليه ستون سنة، فقد أعذر الله إليه في العمر " .
وحدث بالنيرب سنة ثمان وثلاثين وثلاث مئة عن حامد بن سهل بسنده إلى علي قال: خير بئر بئر زمزم، وشر بئر بئر بحضرموت برهوت، فيها أرواح الكفار.

(5/364)


وحدث عن ابي الحسن القرشي قال: أنشدني عبد الله بن محمد الخراساني: من الطويل
أتعمى عن الدنيا وأنت بصير ... وتجهل ما فيها وأنت خبير
وتصبح تبنيها كأنك خالد ... وأنت غدا عما بنيت تسير
فلو كان ينهاك الذي أنت عارف ... لقد كان فيما قد بلوت نذير
فدونك فاصنع كل ما أنت صانع ... فإن بيوت المترفين قبور
علي بن داود بن عبد الله
أبو الحسن الداراني المقرئ القطان إمام جامع دمشق، وكان يؤم أهل داريا، فمات إمام جامع دمشق، فخرج أهل دمشق إلى داريا ليأتو به للصلاة بالناس في جامع دمشق، فمنعهم أهل داريا، وكان فيمن خرج معهم القاضي أبو عبد الله بن النصيبي الحسيني، وجلة شيوخ البلد كأبي محمد بن أبي نصر، وقال: يا أهل داريا أما ترضون أن يسمع في البلاد أن أهل دمشق احتاجوا إلى إمام أهل داريا يصلي بهم؟ فقالوا: إنا رضينا، وألقوا السلاح، فقدمت له بغلة القاضي ليركبها، فلم يفعل، وركب حمارة كانت له، فلما ركب التفت إلى ابن النصيبي، فقال: أيها القاضي الشريف، مثلي يصلح أن يكون إمام الجامع، وأنا علي بن داود، كان أبي نصرانيا فأسلم، وليس لي جد في الإسلام؟ فقال له القاضي: قد رضي بك المسلمون.
ورحل معهم، وسكن في أحد بيوت المنارة الشرقية، وكان يصلي بالناس ويفرقهم في شرقي الرواق الأوسط من الجامع، ولا يأخذ على صلاته أجرا، ولا يقبل ممن يقرأ عليه برا، ويقتات من غلة أرض له بداريا، ويحمل من الحنطة ما يكفيه من الجمعة إلى الجمعة، ويخرج بنفسه إلى طاحونة كسملين خارج باب السلامة، فيطحنه ويعجنه ويخبزه ويقتاته طول الأسبوع.
وكان يقرأ عليه رجل مبخل، له أولاد، كانوا يشتهون عليه القطائف مدة وهو يمطلهم، فألقي في روع أبي الحسن بن داود أمرهم، فسأله أن يتخذ له قطائف، فبادر الرجل إلى ذلك، لأن أبا الحسن لم يكن له عادة بطلب شيء ممن يقرأ عليه، ولا بقبوله، واشترى سكرا ولوزا، واتخذها في إناء واسع، ثم أكل منها، فوجد لوزها مرا، فمنعه بخله من عمل غيرها، وحمله إلى ابن داود متغفلا، فأكل منها واحدة، ثم قال له: احملها إلى صبيانك، فجاء بها بيته فوجدها حلوة، فأطعمها أولاده.
توفي أبو الحسن سنة اثنتين وأربع مئة، وكان ثقة مأمونا، وكان يذهب إلى مذهب أبي الحسن الأشعري.
علي بن داود الدمشقي
حدث عن محمد بن زياد بسنده إلى حذيفة بن اليمان قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر، فلما انفتل من صلاته، قال: " أين الصديق أبو بكر؟ " فلم يجبه أحد، فقام قائما على قدميه فقال: " أين الصديق أبو بكر؟ " فأجابه من آخر الصفوف: يا لبيك، يا لبيك يا رسول الله. قال: " افرجوا لأبي بكر، ادن مني يا أبا بكر " . فدنا أبو بكر من النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: " يا أبا بكر لحقت معي الركعة الأولى؟ " قال: يا رسول الله كنت معك في الصف الأول فكبرت وكبرت، واستفتحت الحمد وقرأتها، فوسوس إلي شيء من الطهور، فخرجت إلى باب المسجد، فإذا أنا بهاتف يهتف ويقول: وراءك، فالتفت فإذا بقدير من ذهب مملوء ماء أبيض من اللبن وأعذب من الشهد، وألين من الزبد، عليه منديل أخضر مكتوب عليه: لا إله إلا الله محمد رسول الله، الصديق أبو بكر، فأخذت المنديل، فوضعته على منكبي، فتوضأت للصلاة، وأسبغت الوضوء، ورددت المنديل على القدمين، فلحقتك وأنت راكع الركعة الأولى، فتممت صلاتي معك يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " يا أبا بكر أبشر، إن الذي وضأك للصلاة جبريل، والذي مندلك ميكائيل، والذي أمسك بركبتي حتى لحقت الركوع إسرافيل عليهم السلام " .
علي بن رباح بن قصير بن القشب
ابن تبيع بن أردة بن حجر بن جزيلة بن لخم أبو عبد الله، ويقال: أبو موسى اللخمي، المصري والد موسى بن علي الذي يقال في اسمه: علي بالضم.
وقد على معاوية، ووفد على عبد الملك غير مرة، وكان بدمشق حين قتل عبد الملك عمرو بن سعيد بن العاص.
قال علي بن رباح: سمعت عقبة بن عامر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تعلموا كتاب الله وتعاهدوه وتغنوا به، فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتا من المخاض من العقل " .
قال علي بن رباح:

(5/365)


وفدنا مع معاوية بن حديج على معاوية بن أبي سفيان من إفريقية، فجعل معاوية يسأل ابن حديج عن أهل مصر، ويخبره عنهم، فقال معاوية بن أبي سفيان: يا بن حديج، إني وجدت أهل مصر على ثلاثة أصناف: فثلث ناس، وثلث أشبه الناس بالناس، وثلث لا ناس. فقال معاوية بن حديج: فسر لنا يا أمير المؤمنين هذا. قال: أما الثلث الذين هم الناس فالعرب، والثلث الذين يشبهون الناس فالموالي، والثلث الذين لا ناس فالمسالمة.
قال علي بن رباح: خرجت مع عبد العزيز بن مروان إلى الشام يوم انتفض بهم عمرو بن سعيد، فلما فرغوا منه انصرف عبد العزيز قافلا لا ينزل منزلا إلا غشيه جماعة من الناس يسألونه، ويذكرون بلاءهم، فأنكرت ذلك من صنيعهم، فقلت لعبد العزيز: لقد أظهر الناس من المسألة وأجازوها فيما بينهم، وما كان الناس يرضون بذلك لأنفسهم، ولا يجيزونها فيما بينهم. فقال عبد العزيز: إنه كان للناس أبواب من المعاش مفتحة لهم، كانت تغنيهم عن المسألة، فلما أغلقت عليهم تلك الأبواب اضطرهم ذلك إلى المسألة. فقلت: وما يمنع أمير المؤمنين وأنت أيها الأمير إذ عرفتم ذلك أن تفتحوها فيكفيهم ذلك عن المسألة؟ قال: إنك أحمق، إن الناس صاروا تجارا بدينهم، ألا ترى إلى عمرو بن سعيد أغار على دمشق باثني عشر ألفا على زيادة عشرة عشرة؟ ولد أبو عبد الله سنة خمس عشرة عام اليرموك، وكان أعور ذهبت عينه يوم الصواري في البحر مع عبد الله بن سعد بن أبي سرح، سنة أربع وثلاثين.
وكان يفد لليمانية من أهل مصر على عبد الملك بن مروان، وكانت له من عبد العزيز بن مروان منزلة، وهو الذي زف أم البينين ابنة عبد العزيز بن مروان إلى الوليد بن عبد الملك، ثم عتب عليه عبد العزيز فأغزاه إفريقية، فلم يزل بإفريقية إلى أن توفي بها.
ويقال: إن وفتها كانت في سنة أربع وعشرة ومئة.
وكان يلقب بعلي، وكان اسمه عليا، وكان يحرج على من سماه عليا بالتصغير. ورباح: بفتح الراء والباء الموحدة. وكان يقول: لا أجعل في حل من سماني عليا، فإن اسمي علي.
قال أبو عبد الرحمن المقرئ: كانت بنو أمية إذا سمعوا بمولود اسمه علي قتلوه، فبلغ ذلك رباحا فقال: هو علي. وكان يغضب من علي.
وقيل: توفي علي بن رباح سنة سبع عشرة ومئة.
وثقه جماعة.
قال الحارث بن زيد الحضرمي: دخلت على علي بن رباح وهو في الشمس، وعنده جارية علجة، وهو يقول: قال عمرو بن العاص، قال فلان، قال فلان، فقلت له: تحدث مثل هذه بهذه الأحاديث؟ فقال: ليست هي بي، إنما أستذكر حديثي.
علي بن ربيعة البيروتي
حدث عن الأوزاعي بسنده إلى عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الحمى من فيح جهنم فأطفئوها بالماء " .
فكان ابن عمر يقول: اللهم اكشف عنا الرجز.
علي بن أبي رجاء أبو الحسن
حدث عن أبي مسلمة إسحاق بن سعيد بن الأركون بسنده إلى أبي هريرة أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: " لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها، ولقاب قوس أحدكم من الجنة خير مما بين السماء والأرض " .
قال الحافظ: هذا وهم، وأبو الحسن بن أبي الرجاء هذا اسمه أحمد بن نصر بن شاكر، دمشقي مشهور ولعله كان في الأصل غير مسمى، فسماه بعض الرواة عليا، لأن الغالب في هذه الكنية أن تكون لعلي، والله أعلم.
علي بن زكريا بن يحيى
أبو الحسن القاضي البغدادي حدث عن أبي الحسن أحمد بن سليمان بن أيوب بن حذلم القاضي الأسدي بسنده إلى ابن عمر: أنه كان يوتر على بعيره، ويذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك.
علي بن زيد بن عبد الله بن زهر
أبي مليكة بن عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة أبو الحسن التيمي القرشي البصري الفقيه قدم على عمر بن عبد العزيز.
حدث عن أنس بن مالك: أن أكيدر دومة أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبة، فعجب الناس من حسنها، فقال: والذي نفسي بيده إن مناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن منها.
وحدث عن زرارة بن أوفى بسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(5/366)


" من ضم يتيما ابن مسلمين في طعامه وشرابه حتى يستغني عنه وجبت له الجنة البتة، ومن أدرك والديه أو أحدهما، ثم لم يبرهما، ثم دخل النار فأبعده الله، وأيما مسلم أعتق مسلمة كانت فكاكه من النار " .
قال علي بن زيد: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول: لقد تمت حجة الله على ابن الأربعين، ومات لها رحمه الله.
وقال: سمعت عمر بن عبد العزيز بخناصرة يخطب وهو يقول: أيها الناس إن أفضل العبادة أداء فرائض الله واجتناب محارم الله.
وأم علي بن زيد أم ولد، وولد علي بن زيد وهو أعمى، وكان كثير الحديث، وفيه ضعف، لا يحتج به.
قال علي بن زيد بن جدعان: لا ينبغي للوالي أن يلي حتى يكون فيه خمس خصال، إن أخطأته واحدة لا ينبغي أن يكون واليا: حتى يجمع المال من قبل وجهه، فإذا جمعه عف عنه، ثم قسمه في حقه، ثم يكون شديدا في غير جرأة، ولينا في غير وهن.
قال علي بن زيد: قال لي بلال بن أبي بردة: اغد إلي غدوة حتى أرسلك فتخطب علي هند بنت المهلب. فلما أردت الغدو قال لي أهلي: عندنا تين، فلو أصبت منه قبل أن تذهب، فإنك لا تدري متى ترجع؛ فأتوني بسلة عظيمة، فأتيت على ما فيها أجمع. وغدوت على بلال، فقال: انطلق فاخطب علي هندا، ثم قال: لا تبرح حتى تغدى؛ فدعا بغداء كثير، فأكلت. ثم مضيت فأتيت هندا فكلمتها، فقالت: ما عنه رغبة، وإنه لكفء كريم، وهذا كتاب خالد بن عبد الله القسري فلو أردت التزويد لم أعدل به. فنهضت، فقالت: لا تخرج وقد دخلت منزلي حتى تغدى، فأتوني بطعام كثير. وخرجت فمررت ببني شيبان، وبين أيديهم تمر ولبن، يتمجعون به، فدعوني فأصبت معهم، ومضيت. فصحبني زياد العنبري، فحدثني فقال: يا أبا الحسن، والله لعلل الموت أخفى من وشي برد، فقلت وأنا مكروب مما أجد في بطني: أنا والله في بعض تلك العلل.
قالوا: وكان علي بن زيد رفاعا.
قال الترمذي: وعلي بن زيد صدوق، إلا أنه ربما يرفع الشيء الذي يوقفه غيره.
قال شعبة: حدثنا علي بن زيد قبل أن يختلط.
وقال يحيى بن معين: ما اختلط علي بن زيد قط.
قال يزيد بن رزيغ: رأيت علي بن زيد ولم أحمل عنه، فإنه كان رافضيا، وكان علي بن زيد يتشيع، وكان الطاعون بالبصرة.
علي بن زيد بن علي
أبو الحسن السلمي الدواجي المؤدب كان يؤدب في مسجد السلالين رأس درب التبان، صلى في مسجد درب الحجر نحو خمسين سنة احتسابا، وكان عفيفا مستورا.
حدث عن نصر بن إبراهيم المقدسي بسنده إلى أبي هريرة قال: أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث لا أدعهن: سبحة الضحا في الحضر والسفر، وأن أصوم ثلاثة أيام من كل شهر وقال: إنه صيام الدهر وأن لا أنام إلا على وتر.
ولد سنة إحدى وخمسين وأربع مئة. وتوفي سنة تسع وثلاثين وخمس مئة.
علي بن زيد أبو الحسن الدمشقي
حدث عن أيوب بن سويد بسنده إلى سعيد بن المسيب قال: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين سنة.
قال ذلك عروة عن عائشة.
علي بن سراح بن عبد الله
أبو الحسن بن أبي الأزهر المصري الحرسي مولاهم، الحافظ حدث عن محمد بن عبد الرحمن بن الأشعث بسنده إلى أبي هريرة: أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني كنت أصلي فدخل علي رجل فأعجبه الحال التي رآني عليها. فقال: لك أجران: " أجر السر وأجر العلانية " .
توفي علي ين سراح بعد سنة ثلاث مئة، قيل: سنة ثمان وثلاث مئة. وكان يشرب المسكر ويسكر.
قال محمد بن المظفر: رأيت علي بن سراح المصري سكران على ظهر رجل يحمله من ماخور.
وقال الدارقطني: هو صالح.
علي بن سعيد بن بشير بن مهران
أبو الحسن الرازي الحافظ، يعرف بعليك عليك: بفتح العين.
حدث بدمشق عن الهيثم بن مروان الدمشقي بسنده إلى عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه مر بصنم من نحاس فضرب ظهره بظهر كفه، ثم قال: خاب وخسر من عبدك من دون الله، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم جبريل ومعه ملك، فتنحى الملك؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ما شأنه تنحى؟ " قال: إنه وجد منك زنخ نحاس وإنا لا نستطيع زنخ النحاس.
قال حمزة بن يوسف:

(5/367)


سألت الدارقطني عن عليك الرازي فقال: ليس في حديثه كذلك، وإنما سمعت بمصر أنه كان والي قرية، وكان يطالبهم بالخراج، فما كانوا يعطونه، قال: فجمع الخنازير في المسجد. فقتل له: إنما أسأل كيف هو في الحديث، فقال: قد حدث بأحاديث لم يتابع عليها، ثم قال: في نفسي منه، وقد تكلم فيه أصحابنا بمصر،وأشار بيده وقال: هو كذا وكذا، كأنه ليس ثقة.
توفي سنة تسع وتسعين ومئتين.
علي بن سعيد بن جرير
أبو الحسن النسوي محدث مشهور، له رحلة.
حدث عن محمد بن المبارك بسنده عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد.
حدث علي بن سعيد النسوي بنيسابور سنة ست وخمسين ومئتين.
علي بن سعيد بن عبد الله
أبو الحسن الأزدي العريفي حدث بأطرابلس عن خيثمة بن سليمان بن حيدرة بسنده عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه " .
علي بن سليمان بن سلمة
أبو الحسن المري، المعروف بالطبري حدث عن أبي بكر أحمد بن محمد بن الوليد المري بسنده إلى أبي رجاء المري عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لا يذكر اسم الله عليه، ولا يؤمن بالله من لا يؤمن بي، ولا يؤمن بي من لا يحب الأنصار " .
علي بن سليمان بن علي
ابن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي من وجوه بني العباس.
قدم مع المهدي دمشق،وولي له الجزيرة: خراجها وحربها وصلاتها، وعدة ولايات.
قال خليفة: سنة ثمان وستين كتب المهدي إلى علي بن سليمان بن علي يأمره ببناء مدينة الحدث، فوجه علي المسيب بن زهير فأقام بنيانها.
خرج المهدي وعلي بن سليمان إلى الصيد ومعهما أبو دلامة، فرمى المهدي ظبيا فشكه، ورمى علي بن سليمان، وهو يريد ظبيا فأصاب كلبا فشكه؛ فضحك المهدي وقال: يا أبا دلامة قل في هذا، فقال: من الرمل
قد رمى المهدي ظبيا ... شك بالسهم فؤاده
وعلي بن سليما ... ن رمى كلبا فصاده
فهنيئا لكما كل امرئ يأكل زاده
فأمر له بثلاثين ألف درهم.
في سنة اثنتين وسبعين ومئة توفي إبراهيم وعلي ابنا سليمان بن علي.
علي بن سليمان بن الفضل
أبو الحسن النحوي، المعروف بالأخفش الصغير البغداي أنشد أبو الحسن: من البسيط
يا ليتني كنت فيمن كان شاهده ... إذ ألبسوه ثياب الفرقة الجددا
وطيبوه فما ظنوا بطيبهم ... طيبا لعمرك لم تمدد إليه يدا
حتى إذا صيروه دون صفهم ... وأمهم قارئ صلى وما سجدا
قالوا وهم عصب يستغفرون له ... قول الأحبة لا تبعد وقد بعدا
كان إبراهيم بن المدبر طلب من أبي العباس المبرد جليسا يجمع مع مجالسيه يعلم ولده، فندب علي بن سليمان، وبعثه إلى مصر، وكتب معه: قد أنفذت إليك فلانا، وجملة أمره كما قال الشاعر: من الوافر
إذا زرت الملوك فإن حسبي ... شفيعا عندهم أن يخبروني
فقدم مصر سنة سبع وثمانين ومئتين، وخرج عنها سنة ثلاث مئة. وتوفي ببغداد سنة خمس عشرة وثلاث مئة.
علي بن سليمان بن كيسان
أبو نوفل الكسائي الكلبي، مولاهم ولد بالكوفة وسكن دمشق.
حدث عن هشام بن حسان عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فلم يقل لشيء فعلته: مالك فعلت كذا وكذا؟ أو لشيء لم أفعله: لم لم تفعل كذا وكذا؟ وحدث عن الأعمش بسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " فضل العلم كفضل العبادة، وخير دينكم الورع " .
كان ثقة.
علي بن سهل بن بكر الصيداني
وقيل: الصيدلاني حدث عن محمد بن السري الرملي عن أبيه عن عطاء السلمي قال:

(5/368)


مررت في أزقة الكوفة، فرأيت عليان المجنون على طبيب يضحك منه، وما كان لي عهد بضحكه، فقلت: ما يضحكك؟ قال من هذا العليل السقيم الذي يداوي غيره، وهو مسقام. قلت: فهل تعرف له دواء ينجيه مما هو فيه؟ قال: نعم، شربة، إن هو شربها رجوت برأه. قلت: صفها، قال: خذ ورق الفقر وعذق الصبر وهليلج التواضع ويلنلج المعرفة وغاريقون الفكر ودقها دقا ناعما بهاون الندم، واطبخها في طبخة التقى، وصب عليها ماء الحياة، وأوقد تحتها حطب المحبة حتى يرغو الزبد، ثم أفرغها في جام الرضا، وروحها بمروحة الجهد، واجعلها في قدح القكرة، وذقها بملعقة الاستغفار، فلن تعود إلى المعصية أبدا، قال: فشهق الطبيب وخر مغشيا عليه، وفارق الدنيا.
قال عطاء: ثم رأيت عليان بعد حولين في الطواف، فقلت له: وعظت رجلا فقتلته، قال: بل أحييته، قلت: وكيف؟ قال: رأيته في منامي بعد ثلاث من وفاته، عليه قميص أخضر ورداء، وبيده قضيب من قضبان الجنة، قلت له: حبيبي، ما فعل الله بك؟ قال: يا عليان، وردت على رب رحيم، غفر ذنبي، وقبل توبتي، وأقالني عثرتي.
علي بن شريح بن حميد
ويقال: ابن شريح بن عبد الكريم أبو الحسن الأملوكي الحمصي حدث بدمشق عن أبي عبد الله أحمد بن عابد الخولاني بسنده إلى أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أكثر أهل الجنة البله " .
علي بن شيبان بن بنان
أبو الحسن الجوهري أصله من البصرة، سكن دمشق، وحدث بها.
روى عن علي بن داود القنطري بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر على مسلم في الدنيا ستر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه " .
وحدث عن محمد بن عبيد الله المنادي بسنده إلى أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تفترق أمتي على فرقتين، فتمرق بينهما مارقة يقتلها أولى الطائفتين بالحق " .
وحدث عن محمد بن عبد الرحمن الدينوري عن رجل أظنه الربيع بن شيبان، قال: قال الشافعي: سمعت سفيان بن عيينة يقول: إن العالم لا يماري ولا يداري، ينشر حكمة الله، فإن قبلت حمد الله، وإن ردت حمد الله.
توفي ابن بنان الجوهري سنة سبع وعشرين وثلاث مئة. وقيل: سنة ثمان وعشرين وثلاث مئة.
وقال: قال أبو سليمان: سنة عشرين ومئتين: فيها مات علي بن شيبان.
علي بن أبي طالب عليه السلام
واسم أبي طالب عبد مناف، بن عبد المطلب واسمه شيبة، بن هاشم واسمه عمرو، بن عبد مناف واسمه المغيرة، بن قصي واسمه زيد أبو الحسن الهاشمي ابن عم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وختنه على ابنته، وأخوه وأبو سبطيه الحسن والحسين.
من المهاجرين الأولين، شهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها، وبويع بالخلافة بعد قتل عثمان بن عفان، يوم الجمعة لثمان عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وكانت بيعته في دار عمرو بن محصن الأنصاري، ثم بويع للعامة من الغد يوم السبت في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقدم الجابية مع عمر بن الخطاب، وذكر الواقدي أنه لم يخرج مع عمر.
حدث أبو الطفيل عامر بن واثلة قال: كنت عند علي بن أبي طالب فأتاه رجل فقال: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يسر إليك؟ فغضب، ثم قال: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يسر إلي شيئا كتمه عن الناس، غير أنه قد حدثني بكلمات أربع، قال: فقال: ما هن يا أمير المؤمنين؟ قال: قل: " لعن الله من لعن والديه، ولعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من آوى محدثا، ولعن الله من غير منار الأرض " .
وعن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: كنت رجلا مذاء، فجعلت أغتسل في الشتاء حتى تشقق ظهري، قال: فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، أو ذكر له، فقال: " لا تفعل إذا رأيت المذي فاغتسل ذكرك، وتوضأ وضوءك للصلاة، فإذا فصحت الماء فاغتسل " .
وعن علي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " أحبب حبيبك هونا ما، عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما، عسى أن يكون حبيبك يوما ما " .
وعن نافع أن عظيم أنباط الشام قال:

(5/369)


يا أمير المؤمنين إنا قد صنعنا لك وللمسلمين طعاما، فإن رأيت أن تحضره، فقال: وأين؟ فقال: في الكنيسة، فقال عمر: إن في كنائسكم الصور، والملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة، وإنا لا ندخل بيتا لا تدخله الملائكة.
وفي رواية قالوا: يا أمير المؤمنين قد أنفقنا عليك نفقة، وكلفنا فيه مؤنة. فقال عمر: يا علي انطلق فتغد وغد الناس، ففعل علي، فجعل يتغدى ويغدي الناس، وعلي ينظر إلى تلك الصور التي في كنيستهم ويقول: ما كان على أمير المؤمنين أن لو دخل وتغدى.
وجعفر وعلي وعقيل بنو أبي طالب، أمهم فاطمة بنت أسد بن هاشم، وهي أول هاشمية ولدت لهاشمي، وأسلمت وهاجرت إلى الله وإلى رسوله بالمدينة وماتت بها، وشهدها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأم فاطمة بنت أسد فاطمة بنت هزم بن رواحة بن حدر بن عبد بن معيص بن عامر.
ويقال: إن عليا أول ذكر آمن بالله ورسوله. ويقال: أبو بكر الصديق أول ذكر آمن بالله ورسوله.
وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار يتوارثون، فآخى عليا يوارثه حتى نزلت: " وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله " ، فرجعت الوراثة إلى الأرحام.
وهو أحد أصحاب الشورى الستة الذين شهد لهم عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي وهو عنهم راض.
وله يقول أسيد بن أبي إياس بن زنيم بن محييه بن عبد بن عدي بن الديل وهو يحرض مشركي قريش على قتله ويغريهم: من الكامل
في كل مجمع غاية أخزاكم ... جذع أبر على المذاكي القرح
لله دركم ألما تنكروا ... قد ينكر الحي الكريم ويستحي
هذا ابن فاطمة الذي أفناكم ... ذبحا وقتلة قعصة لم يذبح
أعطوه خرجا واتقوا بمصيبة ... فعل الذليل وبيعة لم تربح
أين الكهول وأين كل دعامة ... في المعضلات وأين زين الأبطح
أفناهم قعصا وضربا يقتري ... بالسيف يعمل حده لم يصفح
وكان علي عليه الصلاة والسلام ربعة آدم، وقيل: أحمر ضخم المنكبين طويل اللحية أصلع عظيم البطن أبيض الرأس واللحية.
قال عروة: أسلم علي وهو ابن ثمان سنين، ويقال: سبع سنين.
قال زهر بن معاوية: كان علي يكنى أبا قضم، وكان رجلا آدم شديد الأدمة، ثقيل العينين عظيمهما، ذا بطن، أصلع، وهو إلى القصر أقرب.
وكان خلافته أربع سنين وثمانية أشهر وتسعة عشر يوما، وقبض النبي صلى الله عليه وسلم وعلي ابن سبع وعشرين سنة.
وعلي أول من صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني هاشم، وشهد المشاهد معه، وجاهد معه، ومناقبه أشهر من أن تذكر، وفضائله أكثر من أن تحصى.
توفيت أمه فاطمة مسلمة قبل الهجرة. وقيل: إنها هاجرت، وصلى عليها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودفنها وبكى عليها، فإنها كانت بارة به، قيمة بأمره.
وكان علي أصغر بني أبي طالب، كان أصغر من جعفر بعشر سنين، وكان جعفر أصغر من عقيل بعشر سنين، وكان عقيل أصغر من طالب بعشر سنين.
وكان علي من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنزلة هارون من موسى، وصلى القبلتين جميعا، وهاجر الهجرة الأولى، وشهد المشاهد كلها إلا تبوك، رده سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " اخلفني في أهلي " ، قال: " ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ " .
وقال يوم خيبر: لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله. فتطاول لها أصحاب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ادعوا لي عليا، فأتي به أرمد، فبصق في عينه، ودفع إليه الراية، ففتح الله تعالى عليه.
ولما نزلت: " ندع أبناءنا وابناءكم " دعا عليا وفاطمة وحسنا وحسينا وقال: وقال صلى الله عليه وسلم: " إنه أقضى الأمة " .
وشهد له سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة. ومات وهو عنه راض، رحمه الله وسلم عليه وحشرنا في زمرته.
وقال علي عليه السلام يوم خيبر: من الرجز
أنا الذي سمتني أمي حيدره ... كليث غابات كريه المنظره
أوفيهم بالصاع كيل السندره

(5/370)


فسره ابن قتيبة أن علي بن أبي طالب ولد وأبو طالب غائب، وسمته فاطمة أمه أسدا باسم أبيها، فلما قدم أبو طالب كره هذا الاسم الذي سمته أمه به، وسماه عليا، فلما رجز علي يوم خيبر ذكر الاسم الذي سمته به أمه.
وحيدرة من أسماء الأسد، وهي أشجعها، كأنه قال: أنا الأسد، والسندرة: شجر تعمل منها القسي والنبل.
قال سهل بن سعد: استعمل على المدينة رجل من آل مروان، فدعا سهل بن سعد فأمره أن يشتم عليا فأبى سهل، فقال له: أما إذ أبيت فقل: لعن الله أبا تراب، فقال سهل: ما كان لعلي اسم أحب إليه من أبي تراب، وأن كان ليفرح إذا دعي به، فقال له: أخبرنا عن قصته، لم سمي أبا تراب؟ قال: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت فاطمة فلم يجد عليا في البيت، فقال: " أين ابن عمك؟ " فقالت: كان بينين وبينه شيء فغاظني، فخرج ولم يقل عندي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لإنسان: " انظر أين هو؟ " فجاء فقال: يا رسول الله، هو في المسجد راقد، فجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع، قد سقط رداؤه عن شقه فأصابه تراب، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسحه عنه، ويقول: " قم أبا تراب، قم أبا تراب " .
وفي حديث آخر: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بين الناس، ولم يؤاخ بينه وبين أحد، فخرج مغضبا حتى أتى كثيبا من رمل فنام عليه، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " قم يا أبا تراب " ، وجعل ينفض التراب عن ظهره وبرديه ويقول: " قم يا أبا تراب، أغضبت أن آخيت بين الناس ولم أؤاخ بينك وبين أحد؟ " قال: نعم، فقال: " أنت أخي، وأنا أخوك " .
وعن أبي الطفيل قال: جاء النبي صلى الله عليه وسلم وعلي عليه السلام نائم في التراب، فقال: " أحق أسمائك أبو تراب، أنت أبو تراب " . وفي حديث بمعنى حديث سعد في مغاضبة فاطمة عليها السلام: فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد، فإذا هو نائم في التراب فقال له: " يا أبا تراب ما ينيمك في التراب؟ والله، حجرة بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من التراب " ، فقام.
قال أبو رجاء العطاردي: رأيت علي بن أبي طالب ربعة ضخم البطن، عظيم اللحية قد ملأت صدره، في عينيه خفش، أصلع شديد الصلع، كثير شعر الصدر والكتفين، كأنما اجتاب إهاب شاة.
وفي حديث الشعبي: أصلع على رأسه زغبات، له ضفيرتان.
وفي حديث: إلى القصر ما هو، دقيق الذراعين، لم يصارع أحدا قط إلا صرعه، ومن أحاديث: كأنما كسر ثم جبر، لا يغير شيبه، خفيف المشي على الأرض، ضحوك السن، وكان من أحسن الناس وجها.
ولما دعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام كان ابن تسع سنين، ويقال: دون التسع، ولم يعبد الأوثان قط لصغره.
قال مجاهد: أول من صلى علي وهو ابن عشر سنين، وقيل: أسلم وهو ابن إحدى عشرة سنة، وقيل: ابن ثلاث عشرة سنة، وقيل: ابن أربع عشرة سنة، وكانت له ذؤابة، يختلف إلى الكتاب.
وقيل: إنه أول من أسلم بعد خديجة، وهو ابن خمس عشرة أو ست عشرة سنة.
وروي عن ابنعباس قال: أول من أسلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة ثم أناس ثم علي، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وخلع الأنداد واللات والعزى، وأمرهم بالصلاة.
قال أبو نافع: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أول يوم الاثنين، وصلت خديجة آخر يوم الاثنين، وصلى علي يوم الثلاثاء من الغد، وصلى مستخفيا قبل أن يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم أحد سبع سنين وأشهر.
قال أنس: بعث النبي صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، وأسلم علي يوم الثلاثاء.
قال علي عليه السلام: عبدت الله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يعبد رجل من هذه الأمة خمس سنين، أو سبع سنين.
وعن علي عليه السلام قال: أنا أول من أسلم.
وعنه قال: أنا أول من صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم.
قال حبة العرني: رأيت عليا ضحك ضحكا لم أره ضحك ضحكا أكثر منه حتى بدت نواجذه وهو على المنبر، فقال: بينا أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم نرعى ببطن نجلة، فنحن نصلي إذ وجدنا أبو طالب فقال: ماذا تصنعان يا بن أخ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أسلم " ، وكلمه، فقال: ما أدري ما تقول! وفي رواية فقال:

(5/371)


ما بما تقولان بأس، ولكن والله لا يعلوني استي. قال: فضحك لقول أبيه، ثم قال: اللهم لا أعرف عبدا لك من هذه الأمة عبدك قبلي غير نبيها صلى الله عليه وسلم، ثلاث مرار، ثم قال: لقد صليت قبل أن يصلي أحد سبعا. قال: والله ما قال سبعة أيام، ولا سعة أشهر ولا سبع سنين.
قالت معاذ العدوية: سمعت علي بن أبي طالب على منبر البصرة يخطب يقول: أنا الصديق الأكبر، آمنت قبل أن يؤمن أبو بكر، وأسلمت قبل أن يسلم.
قال الحارث: سمعت عليا يقول: أول من أسلم من الرجال أبو بكر، وأول من صلى القبلة من الرجال مع النبي صلى الله عليه وسلم علي.
قال علي بن أبي طالب: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يصلي معه أحد من الناس ثلاث سنين، وكان مما عهد إلي أن لا يبغضني مؤمن ولا يحبني كافر أو منافق، والله ما كذبت ولا كذبت، ولا ضللت ولا ضل بي، ولا نسيت ما عهد إلي.
قال عفيف: جئت في جاهلية إلى مكة، وأنا أريد أن أبتاع لأهلي من ثيابها وعطرها، فأتيت العباس بن عبد المطلب، وكان رجلا تاجرا، وأنا عنده جالس حيث أنظر إلى الكعبة، وقد حلقت الشمس في السماء فارتفعت، فذهبت، إذ أقبل شاب فرمى ببصره إلى السماء، ثم قام مستقبل الكعبة، فلم ألبث إلى يسيرا حتى جاء غلام، فقام عن يمينه، ثم لم ألبث إلا يسيرا حتى جاءت امرأة، فقامت خلفهما، فركع الشاب فركع الغلام والمرأة، فرفع الشاب فرفع الغلام والمرأة، فسجد الشاب فسجد الغلام والمرأة، فقتل: يا عباس، أمر عظيم! فقال العباس: أمر عظيم! تدري من هذا الشاب؟ قلت: لا، قال: هذا محمد بن عبد الله ابن أخي، تدري من هذا الغلام؟ هذا ابن أخي علي، تدري من هذه المرأة؟ هذه خديجة بنت خويلد زوجته. إن ابن أخي هذا حدثني عن أن ربه رب السماوات والأرض أمره بهذا الدين الذي هو عليه، والله، ما على الأرض كلها أحد على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة.
قال ابن عباس: أول من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم علي، ومن النساء خديجة.
وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " علي أول من آمن بي وصدقني " .
وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " صلت الملائكة علي وعلى علي بن أبي طالب سبع سنين " ، قالوا: ولم ذاك يا رسول الله؟ قال: " لم يكن معي من الرجال غيره " .
قال مالك بن الحويرث: كان علي أول من أسلم من الرجال، وخديجة أول من أسلم من النساء.
قال زيد بن أرقم: أول من أسلم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب، فذكرت ذلك لإبراهيم فأنكره، قال: أول من أسلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر.
قال إبراهيم القرظي: كنا جلوسا في دار المختار ليالي مصعب، معنا زيد بن أرقم، فذكروا عليا، فأخذوا يتناولونه، فوثب زيد وقال: أف أف، والله إنكم لتتناولون رجلا قد صلى قبل الناس بسبع سنين.
وعن أبي أيوب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد صلت الملائكة علي وعلى علي سبع سنين، لأنا كنا نصلي ليس معنا أحد يصلي غيرنا " .
وعن أنس بن مالكقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " صلى علي الملائكة وعلى علي بن أبي طالب سبع سنين، ولم تصعد أو ترتفع شهادة أن لا إله إلا الله من الأرض إلى السماء إلا مني ومن علي بن أبي طالب " .
وعن سلمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وأنكم ورودا على الحوض أولكم إسلاما: علي بن أبي طالب " .
وعن سلمان وأبي ذر قالا: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد علي فقال: " ألا إن هذا أول من آمن بي، وهذا أول من يصافحني يوم القيامة، وهذا الصديق الأكبر، وهذا فاروق هذه الأمة، يفرق بين الحق والباطل، وهذا يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب الظالمين " .
وفي رواية: " والمال يعسوب الكفار " .
قال أبو سخيلة: حججت أنا وسلمان، فنزلنا بأبي ذر، فكنا عنده ما شاء الله، فلما حان منا خفوف قلت: يا أبا ذر، إني أرى أمورا قد حدثت، وإني خائف أن يكون في الناس اختلاف، فإن كان ذلك فما تأمرني؟ قال: الزم كتاب الله عز وجل وعلي بن أبي طالب، فأشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " علي أول من آمن بي، وأول من يصافحني يوم القيامة، وهو الصديق الأكبر، وهو الفاروق يفرق بين الحق والباطل " .

(5/372)


وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأم سلمة: " يا أم سلمة، إن عليا لحمه من لحمي، ودمه من دمي، وهو مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبي بعدي " .
وعن قال: ستكون فتنة، فإن أدركهما أحد منكم فعليه بخصلتين: كتاب الله وعلي بن أبي طالب؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو آخذ بيد علي: " هذا أول من آمن بي، وأول من يصافحني يوم القيامة، وهو فاروق هذه الأمة، يفرق بين الحق والباطل، وهو يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب الظالمين، وهو الصديق الأكبر، وهو بابي الذي أوتى منه، وهو خليفتي من بعدي " .
وعن سلمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الصديقون ثلاثة: حبيب النجار مؤمن آل ياسين الذي قال: " يا قوم اتبعوا المرسلين " . وحزقيال مؤمن آل فرعون الذي قال: " أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله " ، وعلي بن أبي طالب، وهو أفضلهم " .
وعن عبد الرحمن بن عوف: في قوله عز وجل: " والسابقون الأولون " قال: هم عشرة من قريش كان أولهم إسلاما علي بن أبي طالب.
وعن عمر مولى غفرة قال: سئل محمد بن كعب: من أول من أسلم علي بن أبي طالب أبو بكر؟ قال: سبحان الله! علي أولهما إسلاما، وإنما اشتبه على الناس لأن عليا أول من أسلم كان يخفي إسلامه من أبي طالب، وأسلم أبو بكر فأظهر إسلامه، فكان أبو بكر أول من أظهر إسلامه، وكان علي أولهم إسلاما فاشتبه على الناس.
وفي حديث بمعناه عن محمد بن كعب القرظي: كان علي يكتم الإسلام فرقا من أبيه، حتى لقيه أبو طالب، فقال: أسلمت؟ فقال: نعم، فقال: وازر ابن عمك وانصره. وقال: أسلم علي قبل أبي بكر.
وحدثت ليلى الغفارية قالت: كنت أخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مغازيه، فأداوي الجرحى، وأقوم على المرضى، فلما خرج علي بالبصرة خرجت معه، فلما رأيت عائشة واقفة دخلني شيء من الشك، فأتيتها فقلت: هل سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فضيلة في علي؟ قالت: نعم. دخل علي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مع عائشة وهو على فريش لي، وعله جرد قطيفة فجلس بينهما فقالت له عائشة: أما وجدت مكانا هو أوسع لك من هذا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " يا عائشة، دعي لي أخي، فإنه أول الناس بي إسلاما، وآخر الناس بين عهدا عند الموت، وأولى الناس بي يوم القيامة " .
وعن علي قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة وهو بمكة، فاتخذت له طعاما، ثم قال لعلي: " ادع لي بني عبد المطلب " ، فدعا أربعين، فقال لعلي: " هلم طعامك " ، قال علي، فأتيتهم بثريدة، إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها، فأكلوا منها جميعا حتى أمسكوا، ثم قال: " اسقهم " ، فسقيتهم بإناء هو ري أحدهم، فشربوا منه حتى صدروا، فقال أبو لهب: لقد سحركم محمد، فتفرقوا ولم يدعهم. فلبثوا أياما ثم صنع لهم مثله، ثم أمرني فجمعتهم، فطعموا، ثم قال لهم: " من يؤازرني على ما أنا عليه؟ ويتابعني على أن يكون أخي وله الجنة؟ " فقلت: أنا يا رسول الله، وإني لأحدثهم سنا وأحمشهم ساقا، فسكت القوم، ثم قالوا: يا أبا طالب ألا ترى ابنك؟ قال: دعوه فلن يألو من ابن عمه خيرا.
وفي حديث بمعناه فقال: " يا بني عبد المطلب: إني بعثت إليكم خاصة، وإلى الناس عامة، وقد رأيتم من هذه الآية ما رأيتم، فأيكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي؟ " قال: فلم يقم إليه أحد. قال: فقمت إليه وكنت أصغر القوم، قال: فقال: " اجلس " ، قال ثلاث مرات، كل ذلك أقوم إليه، فيقول لي: " اجلس " ، حتى كان في الثالثة ضرب بيده على يدي.
وعن علي: أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع قريشا. ثم قال: " لا يؤدي أحد عني ديني إلا علي " .
وعن علي قال: لما نزلت: " وأنذر عشيرتك الأقربين " دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من أهل بيته، إن كان الرهط منهم لآكلا الجذعة، وإن كان لشاربا فرقا، فقدم إليهم رجل يعني شاة، فأكلوا حتى شبعوا، ثم قال لعلي: " تقضي ديني وتنجز موعدي " .
وعن علي قال:

(5/373)


لما نزلت: " وأنذر عشيرتك الأقربين " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا علي اصنع لي رجل شاة بصاع من طعام، وأعد قعبا من لبن، وكان القعب قدر ري رجل " . قال: ففعلت، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا علي اجمع بني هاشم " ، وهم يومئذ أربعون رجلا، أو أربعون غير رجل. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطعام فوضعه بينهم، فأكلوا حتى شبعوا، وإن منهم ليأكل الجذعة بآدامها. ثم تناولوا القدح، فشربوا حتى رووا، وبقي فيه عامته، فقال بعضهم: ما رأينا كاليوم في السحر، يرون أنه أبو لهب.
فقال الثالثة: " اصنع رجل شاة بصاع من طعام، واغد بقعب من لبن " ، ففعلت، فقال: " اجمع بني هاشم " ؛ فجمعتهم، فأكلوا وشربوا فبدرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكلام، فقال: " أيكم يقضي ديني، ويكون خليفتي ووصيي من بعدي؟ " قال: فسكت العباس مخافة أن يحيط ذلك بماله، فأعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم الكلام الثانية، وسكت العباس مخافة أن يحيط ذلك بماله، فأعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم الكلام الثالثة، قال: وإني يومئذ لأسوؤهم هيئة، إني يومئذ لأحمش الساقين، أعمش العينين، ضخم البطن، فقلت: أنا يا رسول الله، قال: " أنت يا علي، أنت يا علي " .
وعن علي قال: لما نزلت هذه الآية: " وأنذر عشيرتك الأقربين " فضقت بذلك ذرعا، وعرفت أني متى أناديهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره، فصمت عليها حتى جاءني جبريل فقال: يا محمد، إنك إن لم تفعل ما تؤمر به، سيعذبك ربك. " فاصنع لنا صاعا من طعام واجعل عليه رجل شاة، وأمل لنا عسا من لبن، واجمع لي بني عبد المطلب حتى أبلغهم " . فصنع لهم الطعام، وحضروا، فأكلوا وشبعوا، وبقي الطعام. قال: ثم تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " يا بني عبد المطلب، إني والله ما أعلم شابا من العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وإني ربي أمرني أن أدعوكم، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟ " فأحجم القوم عنها جميعا، وإني لأحدثهم سنا، فقلت: أنا، يا نبي الله أكون وزيرك عليه، فأخذ برقبتي، ثم قال: " هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا " . فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لعلي وتطيع.
وفي حديث بمعناه: فقال لهم: " يا بني عبد المطلب: إن الله لم يبعث رسولا إلا جعل له من أهله أخا ووزيرا ووارثا ووصيا ومنجزا لعدته وقاضيا لدينه، فمن منكم يبايعني على أن يكون أخي ووزيري ووصيي ومنجز عداتي وقاضي ديني؟ " فقام إليه علي بن أبي طالب، وهو يومئذ أصغرهم، فقال له: " اجلس " . فقدم إليهم الجذعة والفرق من اللبن فصدروا عنه حتى أنهلهم وفضل منه فضلة.
فلما كان في اليوم الثاني أعاد عليهم القول، ثم قال: " يا بني عبد المطلب كونوا في الإسلام رؤوسا، ولا تكونوا أذنابا، فمن منكم يبايعني على أن يكون أخي ووزيري ووصيي ومنجز عداتي، وقاضي ديني؟ " فقام إليه علي بن أبي طالب، فقال: " اجلس " .
فلما كان اليوم الثالث، أعاد عليهم القول، فقام علي بن أبي طالب فبايعه بينهم فتفل في فيه فقال أبو لهب: بئس ما جبرت به ابن عمك إذ أجابك إلى ما دعوته إليه، ملأت فاه بصاقا.
وعن أبي رافع قال: كنت قاعدا بعدما بايع الناس أبا بكر، فسمعت أبا بكر يقول للعباس: أيدك الله، هل تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بني عبد المطلب وأولادهم وأنت فيهم، وجمعكم دون قريش فقال: " يا بني عبد المطلب إنه لم يبعث الله نبيا إلا جعل له من أهله أخا ووزيرا ووصيا وخليفة في أهله، فمن يقوم منكم يبايعني على أن يكون أخي ووزيري ووصيي وخليفتي في أهلي؟ " . فلم يقم منكم أحد؟ فقال: " يا بني عبد المطلب كونوا في الإسلام رؤوسا ولا تكونوا أذنابا، والله ليقومن قائمكم، أو ليكونن في غيركم، ثم لتندمن " ، فقام علي من بينكم فبايعه على ما شرط له ودعاه إليه، أتعلم هذا له من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم.
عن ابن عمر قال: حين آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه جاء علي تدمع عيناه فقال: ما لي لم تؤاخ بيني وبين أحد من إخواني؟ فقال: " أنت أخي في الدنيا والآخرة " .
وعن أنس بن مالك قال:

(5/374)


آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المسلمين، فقال لعلي: " أنت أخي وأنا أخوك " . وآخى بين أبي بكر وعمر، وآخى بين المسلمين جميعا.
وعن أسماء بنت عميس قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أقول كما قال أخي موسى: " رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري " " واجعل لي وزيرا من أهلي " عليا أخي " اشدد به أزري " " إلى آخر الآيات.
وعن زيد بن أوفى قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجده، فقال: " أين فلان؟ أين فلان؟ " فجعل ينظر في وجوه أصحابه، فذكر الحديث في المؤاخاة، وفيه: فقال علي: لقد ذهب روعي وانقطع ظهري حين رأيتك فعلت بأصحابك ما فعلت غيري، فإن كان هذا من سخطك علي فلك العتبى والكرامة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والذي بعثني بالحق، ما أخرتك إلا لنفسي، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي، وأنت أخي ووارثي " . قال: وما أرث منك يا نبي الله؟ قال: " ما ورثت الأنبياء من قبلي " . قال: وما ورثت الأنبياء من قبلك؟ قال: " كتاب ربهم وسنة نبيهم، وأنت معي في قصري في الجنة مع فاطمة ابنتي، وأنت أخي ورفيقي " . ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إخوانا على سرر متقابلين " المتحابين في الله ينظر بعضهم إلى بعض.
وعن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: " يا علي أنت مني وأنا منك، وأنت أخي وصاحبي " .
وعن محدوج بن زيد الهذلي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما آخى بين المسلمين أخذ بيد علي فوضعها على صدره ثم قال: " يا علي، أنت أخي، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي، أما تعلم أن أول من يدعى به يوم القيامة يدعى بي، فأقام عن يمين العرش في ظله، فأكسى حلة خضراء من حلل الجنة، ثم يدعى بأبيك إبراهيم عليه السلام، فيقام عن يمين العرش، فيكسى حلى خضراء من حلل الجنة، ثم يدعى بالنبيين والمرسلين بعضهم على إثر بعض، فيقومون سماطين، فيكسون حللا خضرا من حلل الجنة، وأنا أخبرك يا علي أنه أول من يدعى من أمتي يدعى بك لقرابتك مني ومنزلتك عندي، فيدفع إليك لوائي وهو لواء الحمد، يستتر به آدم وجميع من خلق الله عز وجل من الأنبياء والمرسلين، فيستظلون بظل لوائي، فتسير باللواء بين السماطين، الحسن بن علي عن يمينك، والحسين عن يسارك حتى تقف بيني وبين إبراهيم في ظل العرش فتكسى حلة خضراء من حلل الجنة، فينادي مناد من عند العرش: يا محمد، نعم الأب أبوك إبراهيم، ونعم الأخ أخوك، وهو علي، يا علي، إنك تدعى إذا دعيت، وتحيا إذا حييت وتكسى إذا كسيت " .
وعن جعفر قال: سمعت أبا ذر وهو مستند إلى الكعبة، وهو يقول: أيها الناس، استووا أحدثكم مما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ يقول لعلي كلمات، لو تكون لي إحداهن أحب إلي من الدنيا وما فيها، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: " اللهم أعنه واستعن به! اللهم انصره وانتصر له، فإنه عبدك وأخو رسولك " .
وعن علي قال: طلبني النبي صلى الله عليه وسلم فوجدني في جدول نائما، فقال: " قم، ما ألوم الناس يسمونك أبا تراب " قال: فرآني كأني قد وجدت في نفسي من ذلك، فقال: " قم، فوالله لأرضينك، أنت أخي وأبو ولدي، تقاتل عن سنتي، وتبرئ عن ذمتي، من مات في عهدي فهو كنز الله، ومن مات في عهدك فقد قضى نحبه، ومن مات يحبك بعد موتك ختم الله له بالأمن والإيمان ما طلعت شمس أو غربت، ومن مات يبغضك مات ميتة الجاهلية، وحوسب بما عمل في الإسلام " .
وعن ابن عباس: أن عليا كان يقول في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يقول: " أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم " والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، والله إن مات أو قتل لأقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت، والله إني لأخوه ووليه وابن عمه.
وعن أنس بن مالك قال:

(5/375)


كنا إذا أردنا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا علي بن أبي طالب أو سلمان الفارسي أو ثابت بن معاذ الأنصاري؛ لأنهم كانوا أجرأ أصحابه على سؤاله، فلما نزلت: " إذا جاء نصر الله والفتح " وعلمنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعيت إليه نفسه، قلنا لسلمان: سل رسول الله صلى الله عليه وسلم: من نسند إليه أمورنا ويكون مفزعنا، ومن أحب الناس إليه؟ فلقيه فسأله، فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، فخشي سلمان أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مقته ووجد عليه. فلما كان بعد لقيه، فقال: " يا سلمان، يا أبا عبد الله ألا أحدثك عما كنت سألتني؟ " فقال: يا رسول الله، خشيت أن تكون قد مقتني ووجدت علي، قال: " كلا يا سلمان، إن أخي ووزيري وخليفتي في أهل بيتي، وخير من تركت بعدي، يقضي ديني ونجز موعدي علي بن أبي طالب " .
قال الخطيب: في سنده مطير، وهو مجهول.
وعن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا علي، أخصمك بالنبوة ولا نبوة بعدي، وتخصم الناس بسبع، ولا يحاجك فيهم أحد من قريش، اللهم إنك أولهم إيمانا بالله، وأوفاهم بعهد الله، وأقومهم بأمر الله، وأقسمهم بالسوية، وأعدلهم في الرعية، وأبصرهم بالقضية، وأعظمهم عند الله مزية " .
وعن ابن عباس قال: قال عمر بن الخطاب: كفوا عن علي: فإني سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه خصالا، لو أن خصلة منها في جميع آل الخطاب كان أحب إلي مما طلعت عليه الشمس؛ إني كنت ذات يوم وأبو بكر وعبد الرحمن وعثمان بن عفان وأبو عبيدة بن الجراح في نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانتهينا إلى باب أم سلمة إذا نحن بعلي متكئ على نجف الباب فقلنا: أردنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هو في البيت يخرج عليكم الآن، قال: فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فثرنا حوله، واتكأ على علي، ثم ضرب يده على منكبيه، وقال: " اكس ابن أبي طالب، فإنك مخاصم فتخصم بسبع خصال، ليس لأحد بعدهن إلا فضلك: إنك أول المؤمنين معي إيمانا، وأعلمهم بأيام الله، وأوفاهم بعهده، وأرأفهم بالرعية، وأقسمهم بالسوية، وأعظمهم عند الله مزية. وسقطت منه واحدة.
وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مكتوب على باب الجنة: لا إله إلا الله محمد رسول الله علي أخو رسول الله، قبل أن تخلق السماوات والأرض بألفي عام " .
وعن عبد الله بن ثمامة قال: سمعت عليا يقول: أنا عبد الله وأخو رسوله، ولم يقلها أحد قبلي، ولا يقولها أحد بعدي إلا كذاب.
وعن يعلى بن مرة الثقفي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بين الناس، فترك عليا في آخرهم، لا يرى أن له أخا، فقال: يا رسول الله، آخيت بين الناس وتركتني؟ قال: " ولم ترى تركتك؟ إنما تركتك لنفسي، أنت أخي وأنا أخوك " ، قال: " فإن حاجك أحد فقل: إني عبد الله وأخو رسوله، لا يدعيها أحد بعدك إلا كذاب " .
قال زيد بن وهب: كنا ذات يوم عند علي، فقال: أنا عبد الله وأخو رسوله، لا يقولها بعدي إلا كذاب، فقال رجل من غطفان: والله لأقولن لكم كما قال هذا الكذاب، أنا عبد الله وأخو رسوله، قال: فصرع، فجعل يضطرب، فحمله أصحابه، فاتبعتم حتى انتهينا إلى دار عمارة، فقلت لرجل منهم، أخبرني عن صاحبكم فقال: ماذا عليك من أمره؟ فسألتهم بالله، فقال بعضهم: لا والله، ما كنا نعلم به بأسا حتى قال تلك الكلمة، فأصابه ما ترى، فلم يزل كذلك حتى مات.
قال الحارث الهمداني: رأيت عليا جاء حتى صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: قضاء قضاه الله على لسان نبيكم النبي الأمي صلى الله عليه وسلم أنه لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق، وقد خاب من افترى.
وعن علي قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا علي، أنت أخي وصاحبي ورفيقي في الجنة " .
وعن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا علي أنت مني وأنا منك " .
وعن جعفر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خلقت أنا وهارون بن عمران ويحيى بن زكريا وعلي بن أبي طالب من طينة واحدة " .
وعن جابر بن عبد الله قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لعلي:

(5/376)


" الناس من شجر شتى، وأنا وأنت من شجرة واحدة " ، ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم: " وجنات من أعناب وزرع صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد " بالياء.
وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن في الفردوس لعينا أحلى من الشهد، والين من الزبد، وأرد من الثلج، وأطيب من المسك، فيها طينة خلقنا الله منها، وخلق منها شيعتنا، فمن لم يكن من تلك الطينة فليس منا، ولا من شيعتنا، وهي الميثاق الذي أخذ الله عز وجل عليه ولاية علي بن أبي طالب " .
وعن علي بن أبي طالب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " خلق الناس من أشجار شتى، وخلقت أنا وعلي من شجرة واحدة، فأنا أصلها وعلي فرعها، فطوبى لمن استمسك بأصلها، وأكل من فرعها " .
وعن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خلق الأنبياء من أشجار شتى، وخلقني وعليا من شجرة واحدة، فأنا أصلها وعلي فرعها، وفاطمة لقاحها، والحسن والحسين ثمرها، ثمن تعلق بغصن من أغصانها نجا، ومن زاغ هوى، ولو أن عبدا عبد الله بين الصفا والمروة ألف عام ثم ألف عام ثم ألف عام، ثم لم يدرك محبتنا إلا أكبه الله على منخريه في النار " ، ثم تلا: " قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى " .
زاد في حديث آخر: " وأشياعنا أوراقها " .
وفي آخر: " يا علي، لو أن أمتي صاموا حتى يكونوا كالحنايا، وصلوا صلوا حتى يكونوا كالأوتاد، ثم أبغضوك، لأكبهم الله في النار " .
وعن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " خلق الله قضيبا من نور قبل أن يخلق الله الدنيا بأربعين ألف عام، فجعله أمام العرش حتى كان أول مبعثي، فشق منه نصفا فخلق منه نبيكم، والنصف الآخر علي بن أبي طالب " .
وعن سلمان قال: سمعت حبي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " كنت أنا وعلي نورا بين يدي الله مطيعان يسبح الله ذلك النور ويقدسه قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام، فلما خلق الله آدم ركز ذلك النور في صلبه، فلم يزل في شيء واحد حتى افترقنا في صلب عبد المطلب، فجزء أنا وجزء علي " .
وعن عبد الله بن عباس قال: أنام رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا في فراشه ليلة انطلق إلى الغار، فجاء أبو بكر يطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره علي أنه قد انطلق فاتبعه أبو بكر، وباتت قريش تنظر عليا، وجعلوا يرمونه، فلما أصبحوا إذا هم بعلي، فقالوا: أين محمد؟ قال: لا علم لي به، فقالوا: قد أنكرنا تضورك، كنا نرمي محمدا فلا يتضور، وأنت تضور، وفيه نزلت الآية: " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله " .
وعن أبي رافع: أن عليا كان يجهز النبي صلى الله عليه وسلم حين كان بالغار ويأتيه بالطعام، واستأجر له ثلاث رواحل: للنبي صلى الله عليه وسلم ولأبي بكر ودليلهم ابن أريقط، وخلفه النبي صلى الله عليه وسلم فخرج إليه أهله، فخرج وأمره أن يؤدي عن أمانته، ووصايا من كان يوصي إليه، وما كان يؤتمن عليه من مال، فأدى علي أمانته كلها، وأمره أن يضطجع على فراشه ليلة خرج، وقال: " إن قريشا لن يفقدوني ما رأوك " . فاضطجع على فراشه، وكانت قريش تنظر إلى فراش النبي صلى الله عليه وسلم فيرون عليه رجلا يظنونه النبي صلى الله عليه وسلم، حتى إذا أصبحوا رأوا عليه عليا فقالوا: لو خرج محمد خرج بعلي معه، فحبسهم الله عز وجل بذلك عن طلب النبي صلى الله عليه وسلم حين رأوا عليا، ولم يفقدوا النبي صلى الله عليه وسلم.
وأمر النبي صلى الله عليه وسلم عليا أن يلحقه بالمدينة، فخرج علي في طلبه، بعدما أخرج إليه أهله، يمشي الليل ويكمن النهار حتى قدم المدينة، فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم قدومه، قال: " ادعوا لي عليا " ، قيل: يا رسول الله لا يقدر أن يمشي، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم اعتنقه، وبكى رحمة لما بقدميه من الورم، وكانتا تقطران دما، فتفل النبي صلى الله عليه وسلم في يديه، ثم مسح بهما رجليه، ودعا له بالعافية، فلم يشتكهما علي حتى استشهد.
وعن علي قال:

(5/377)


لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة في الهجرة أمرني أن أقيم بعده حتى أؤدي ودائع كانت عنده للناس، وإنما كان يسمى الأمين، فأقمت ثلاثا، وكنت أظهر، ما تغيبت يوما، ثم خرجت، فجعلت أتبع طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قدمت بني عمرو بن عوف، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مقيم، فنزلت على كلثوم بن الهرم، وهنالك منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعن علي أنه قال: قيل لي يوم بدر ولأبي بكر، قيل لأحدنا: معك جبريل، وقيل للآخر: معك ميكائيل وإسرافيل، ملك عظيم يشهد القتال ولا يقاتل، ويكون في الصف.
قال ابن عباس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دفع الراية إلى علي يوم بدر، وهو ابن عشرين.
قال أبو جعفر محمد بن علي: نادى مناد في السماء يوم بدر يقال له رضوان: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي قال الحافظ: هذا مرسل وكنا ننفل النبي صلى الله عليه وسلم ذا الفقار يوم بدر، ثم وهبه لعلي بعد ذلك.
وعن ابن عباس: أن راية المهاجرين كانت مع علي في المواقف كلها، يوم بدر ويوم أحد ويوم خيبر ويوم الأحزاب ويوم فتح مكة، ولم تزل معه في المواقف كلها.
وعن ابن عباس قال: لعلي أربع خصال: هو أول عربي وعجمي صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي كان لواؤه معه في كل زحف، وهو الذي صبر معه يوم المهراس، انهزم الناس كلهم غيره، وهو الذي غسله، وهو الذي أدخله قبره.
قال الشعبي: رأى أبو بكر عليا فقال: من سره أن ينظر إلى أعظم الناس منزلة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقربه قرابة، وأفضله دالة، وأعظمه غناء عن نبيه، فلينظر إلى هذا. فسمع علي قول أبي بكر، فقال: أما إنه إن قال ذلك إنه لأواه، وإنه لأرحم للأمة، وإنه لصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار، وإنه لأعظم الناس غناء عن نبيه في ذات يده.
وعن سعيد بن المسيب قال: كانت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد مرطا أسود كان لعائشة، وراية الأنصار يقال لها: العقاب، وعلى ميمنته علي بن أبي طالب، وعلى الميسرة المنذر بن عمرو الساعدي، والزبير بن العوام على الرجال، ويقال: المقداد وحمزة بن عبد المطلب على القلب، واللواء مع مصعب بن عمير أخي بني عبد الدار بن قصي، فقتل؛ فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا.
ويقال: كانت له ثلاثة ألوية: لواء المهاجرين إلى مصعب بن عمير، ولواء إلى علي بن أبي طالب، والمنذر بن عمرو جميعا من الأنصار.
وكان علي بن أبي طالب يوم بدر معلما بصوفة بيضاء.
وعن جابر بن سمرة قال: قالوا: يا رسول الله، من يحمل رايتك يوم القيامة؟ قال: " ومن عسى أن يحملها يوم القيامة إلا من كان يحملها في الدنيا؟ علي بن أبي طالب " .
قال معمر بن المثنى: كان لواء المشركين يوم بدر مع طلحة بن أبي طلحة، فقتله علي بن أبي طالب، وفي ذلك يقول الحجاج بن علاط السلمي: من الكامل
لله أي مذبب عن حرمة ... أعني ابن فاطمة المعم المخولا
جادت يداك له بعاجل طعنة ... تركت طليحة للجبين مجدلا
وشددت شدة باسل فكشفتهم ... بالحق إذ يهوين أخول أخولا
وعللت سيفك بالدماء ولم تكن ... لترده حران حتى ينهلا
قال أبو رافع: لما كان يوم أحد نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى نفر من قريش، فقال لعلي: " احمل عليهم " ، فحمل عليهم، فقتل هاشم بن أمية المخزومي وفرق جماعتهم، ثم نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى جماعة من قريش فقال لعلي: " احمل عليهم " ، فحمل عليهم، ففرق جماعتهم، وقتل فلانا الجمحي، ثم نظر إلى نفر من قريش، فقال لعلي: " حمل عليهم " ، فحمل عليهم ففرق جماعتهم وقتل أحد بني عامر بن لؤي، فقال له جبريل عليه السلام: إن هذه للمواساة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إنه مني وأنا منه " ، فقال له جبريل: وأنا منكم يا رسول الله.
وفي مقتل عمرو بن عبد ود قالوا: إن فوارس من قريش فيهم عمرو بن عبد ود، وعكرمة بن أبي جهل، وضرار بن الخطاب، وهبيرة بن أبي وهب، تلبسوا للقتال، وخرجوا علي خيولهم حتى مروا بمنازل بني كنانة، فقالوا: تهيؤوا للحرب، يا بني كنانة، فستعلمون من الفرسان اليوم.

(5/378)


ثم أقبلوا تعنق بهم خيلهم حتى وقفوا على الخندق، فقالوا: والله، إن هذه لمكيدة، ما كانت العرب تكيدها، ثم تيمموا مكانا من الخندق ضيقا، فضربوا خيولهم فاقتحمت، فجالت في سبخة بين الخندق وسلع، وخرج علي في نفر من المسلمين حتى أخذ عليهم الثغرة التي منها اقتحموا، فأقبلت الفوارس تعنق نحوهم.
وكان عمرو بن عبد فارس قريش، وكان قد قاتل يوم بدر حتى ارتث، واثبتته الجارحة، فلم يشهد أحدا، فلما كان يوم الخندق خرج معلما ليرى مشهده، فلما وقف هو وخيله، قال له علي: يا عمرو، قد كنت تعاهد الله لقريش ألا يدعوك رجل إلى خلتين، إلا قبلت منه إحداهما. فقال له علي: فإني أدعوك إلى الله ورسوله وإلى الإسلام. قال: لا حاجة لي في ذلك. فقال: فإني أدعوك إلى النزال. فقال له: يا بن أخي، لم؟ فوالله ما أحب أن أقتلك. فقال له علي: لكني والله أحب أن أقتلك؛ فحمي عمرو، فاقتحم عن فرسه فعقره، ثم أقبل، فجاء إلى علي، فتنازلا وتجاولا، فقتله علي، وخرجت خيله منهزمة هاربة حتى اقتحمت من الخندق.
وكان فيمن خرج يوم الخندق هبيرة بن أبي وهب المخزومي، واسم أبي وهب جعدة، وخرج نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي، فسأل المبارزة؛ فخرج إليه الزبير بن العوام، فيضربه ضربة؛ فيشقه باثنتين، حتى فل في سيفه فلا، فانصرف وهو يقول:
إني امرؤ أحمي وأحتمي ... عن النبي المصطفى الأمي
وخرج عمرو بن عبد، فنادى من يبارز؟ فقام علي وهو مقنع في الحديد، فقال: أنا لها يا نبي الله، فقال: " إنه عمرو، اجلس " ، ونادى عمرو: ألا رجل؟ وهو يؤنبهم ويقول: أين جنتكم التي تزعمون أنه من قتل منكم دخلها؟ أفلا تبرزون إلي رجلا؟ فقام علي فقال: أنا يا رسول الله، فقال: " اجلس " .
وفي رواية: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هل يبارزه أحد؟ " فقام علي فقال: أنا يا رسول الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اجلس " ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هل يبارزه أحد؟ " فقام علي فقال: دعني يا رسول الله، فإنما أنا بين حسنتين: إما أن أقتله فيدخل النار، وإما أن يقتلني فأدخل الجنة. قال: ثم نادى الثالثة، فقال:
" ولقد بححت من الندا ... ء بجمعكم هل من مبارز "
" ووقفت إذ جبن المشجع موقف القرن المناجز "
" وكذاك إني لم أزل ... متسرعا قبل الهزاهز "
" إن الشجاعة في الفتى ... والجود من خير الغرائز "
فقام علي فقال: يا رسول الله، أنا، فقال: " إنه عمرو " ، فقال: إن كان عمرو!! فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمشى إليه علي حتى أتاه وهو يقول:
لا تعجلن فقد أتا ... ك مجيب صوتك غير عاجز
ذو نية وبصيرة ... والصدق منجى كل فائز
إني لأرجو أن أقيم عليك نائحة الجنائز
من ضربة نجلاء يبقى ذكرها عند الهزاهز
فقال له عمرو: من أنت؟ قال: أنا علي بن أبي طالب، وقال: أنا ابن عبد مناف، فقال: غيرك يا بن أخي من أعمامك، من هو أسن منك، فإني أكره أن أهريق دمك، فقال علي: لكني والله ما أكره أن أهريق دمك؛ فغضب؛ فنزل وسل سيفه كأنه شعلة نار، ثم أقبل نحو علي كرم الله وجهه مغضبا، واستقبله علي بدرقته، فضربه عمرو في الدرقة فقدها، وأثبت فيها السيف، وأصاب رأسه فشجه، فضربه علي عليه السلام على حبل العاتق، فسقط، وثار العجاج، وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم التكبير، فعرف أن عليا قد قتله، فثم يقول علي عليه السلام: من الكامل
أعلي تقتحم الفوارس هكذا ... عني وعنهم أخبروا أصحابي
اليوم يمنعني الفرار حفيظتي ... ومصمم في الرأس ليس بنابي
آدى عمير حين أخلص صقله ... صافي الحديدة يستفيض ثوابي
وغدوت ألتمس القراع بمرهف ... عضب مع البتراء في أقرابي
آلى ابن عبد حين شد ألية ... وأليت فاستمعوا من الكذاب
ألا أصد ولا يهلل فالتقى ... رجلان يضطربان كل ضراب
فصددت حين تركته متجدلا ... كالجذع بين دكادك وروابي
وعففت عن أثوابه ولو أنني ... كنت المقطر بزني أثوابي

(5/379)


عبد الحجارة من سفاهة عقله ... وعبد رب محمد بصواب
ثم أقبل علي نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجهه يتهلل، فقال عمر بن الخطاب: هلا سلبته درعه؟ وإنه ليس للعرب درع خير منها، فقال: ضربته فاتقاني بسواده، فاستحييت ابن عمي أن أسلبه، وخرجت خيله منهزمة حتى اقتحمت من الخندق.
قال سمرة بن جندب: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه الفأل الحسن، فسمع عليا وهو يقول: هذه خضرة، فقال: " يا لبيك، قد أخذنا فألنا من فيك، فاخرجوا بنا إلى خضرة " ، قال: فخرجوا إلى خيبر، فما سل سيف إلا سيف علي بن أبي طالب.
وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر: " لأعطين هذه الراية رجلا يحب الله ورسوله، يفتح الله عليه " . قال عمر بن الخطاب: فما أحببت الإمارة إلا يومئذ، قال: فتشارفت لها رجاء أن أدعى لها. قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب، فأعطاه إياها قال: " امش ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك " .
قال: فسار علي شيئا ثم وقف ولم يلتفت، فصرخ: يا رسول الله، على ماذا أقاتل؟ قال: " قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله عز وجل " .
وعن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر: " لأعطين هذه الراية رجلا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله " ، قال: فبات الناس يذكرون ليلتهم أيهم يعطاها، فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: " أين علي بن أبي طالب؟ " قالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه. قال: " فأرسلوا إليه " . فأتى به، فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه، ودعا له، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية. فقال علي: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ قال: " انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله، لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم " .
وفي رواية: " فوالله، لأن يسلم على يديك رجل خير لك من أن يكون لك حمر النعم " .
وفي حديث سلمة بن الأكوع قال: كان علي قد تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيبر، وكان رمد العين، فقال: أنا أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! فخرج علي فلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم، فلما كان مساء الليلة التي فتحها الله صباحها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله " ، أو قال: " يحبه الله ورسوله " ، يفتح الله عليه، فإذا نحن بعلي، وما نرجوه، فقالوا: هذا علي. وأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم الراية ففتح الله عليه.
وفي حديث إياس بن سلمة عن أبيه: " لأعطين هذا اللواء رجلا يحبه الله ورسوله، أو هو من أهل الجنة " ، وكان علي أرمد، فدعاه، فبصق في عينيه، ودعا له، ثم أعطاه اللواء. الحديث.
وفي حديث آخر عنه: فخرج مرحب يخطر بسيفه، فقال: من الرجز
قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب
إذا الحروب أقيلت تلهب ... أطعن أحيانا وحينا أضرب
فقال علي بن أبي طالب:
أنا الذي سمتني أمي حيدره ... كليث غابات كريه المنظره
أوفيهم بالصاع كيل السندره
وقال في آخر: فاختلف هو وعلي ضربتين، فضربه علي على هامته حتى عض السيف منه بيض رأسه.
وفي رواية: وعض السيف بالأضراس، وسمع أهل العسكر صوت ضربته، فما تتام آخر الناس مع علي حتى فتح الله لهم وله.
وفي حديث سلمة بن الأكوع قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر الصديق برايته إلى بعض حصون خيبر، فقاتل ثم رجع، ولم يكن فتح وقد جهد، ثم بعث الغد عمر بن الخطاب، فقاتل ثم رجع ولم يكن فتح وقد جهد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، يفتح الله على يديه ليس بفرار " .
قال سلمة: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وهو أرمد، فتفل في عينيه، ثم قال: " خذ هذه الراية فامض بها حتى يفتح الله عليك " .

(5/380)


قال: يقول سلمة: فخرج، والله، بها يهرول هرولة، وإنا لخلفه نتبع أثره حتى ركز رايته في رجم من حجارة تحت الحصن، فاطلع اليهودي من رأس الحصن، فقال: من أنت؟ قال علي بن أبي طالب. قال: فقال اليهودي: غلبتم وما أنزل التوراة على موسى، أو كما قال: فما رجع حتى فتح الله على يديه.
وفي حديث بريدة الأسلمي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى اللواء عمر بن الخطاب، فنهض معه من نهض من الناس، فلقوا أهل خيبر، فانكشف عمر وأصحابه، فرجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يجبنه أصحابه ويجبنهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لأعطين اللواء غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، فلما كان الغد تصادر لها أبو بكر وعمر، فدعا عليا وهو أرمد، فتفل في عينه وأعطاه اللواء. الحديث.
وفي حديث ابن عمر قال: جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن اليهود قتلوا أخي، فقال: " لأدفعن الراية غدا إلى رجل يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، فيفتح الله عليه؛ فيمكنك من قاتل أخيك " ، فتطاول لها أبو بكر وعمر وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل إلى علي، فعقد له اللواء، فقال: يا رسول الله: إني أرمد كما ترى، وكان يومئذ أرمد، فتفل في عينيه، قال علي: ما رمدت بعد يومئذ، فمضى علي لذلك الوجه فما تتام لآخرنا حتى فتح لأولنا، فأخذ علي قاتل الأنصاري فدفعه إلى أخيه فقتله.
قال عمرو بن ميمون: إني لجالس إلى ابن عباس إذ أتاه تسعة رهط، فقالوا: إما أن تقوم معنا يا بن عباس، وإما أن تحلونا يا هؤلاء، قال: وهو يومئذ صحيح قبل أن يعمى قال: بل أقوم معكم، فابتدؤوا فتحدثوا، فلا أدري ما قالوا، فجاء وهو ينفض ثوبه، وهو يقول: أف تف، يقعون في رجل له عشر، وقعوا في رجل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لأبعثن رجلا يحب الله ورسوله، لا يخزيه الله أبدا " ، قال: فاستشرف لها من استشرف، فقال: " أين علي؟ " قالوا: هو في الرحى يطحن وما كان أحدكم ليطحن فدعاه، وهو أرمد ما يكاد أن يبصر، فنفث في عينه، ثم هز الراية ثلاثا فدفعها إليه، فجاء بصفية بنت حبي.
وبعث أبا بكر بسور التوبة، وبعث عليا خلفه فأخذها منه، فقال أبو بكر: لعل الله ورسوله. فقال: " لا، ولكن لا يذهب بها رجل إلا رجلا هو مني وأنا منه " .
وقال لبني عمه: " أيكم يواليني في الدنيا والآخرة؟ " قال: وعلي معهم، فأبوا، فقال علي: أنا أواليك في الدنيا والآخرة، فقال: " أنت وليي في الدنيا والآخرة " ، فتركه، ثم أقبل على رجل رجل منهم فأبوا، فقال علي: أنا أواليك في الدنيا والآخرة، فقال: " أنت وليي في الدنيا والآخرة " .
قال: ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن والحسين وعليا وفاطمة عليهم السلام، ومد عليهم ثوبا ثم قال: " اللهم هؤلاء أهل بيتي وحامتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا " .
قال: وكان أول من أسلم من الناس بعد خديجة، وشرى علي بنفسه، ولبس ثوب النبي صلى الله عليه وسلم، ونام مكانه، فجعل المشركون يرمونه كما يرمون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم يحسبون أنه نبي الله، قال: فجاء أبو بكر فقال: يا نبي الله؟ فقال علي: إن نبي الله قد ذهب نحو بئ ميمون، فأدركه، فدخل معه الغار.
قال: وكان المشركون يرمون عليا وهو يتضور حتى أصبح فكشف عن رأسه، قال: فقالوا له: إنك للئيم، كنا نرمي صاحبك فلا يتضور وأنت تضور، قد استنكرنا ذلك.
قال: وقد خرج بالناس في غزوة تبوك، فقال علي: أخرج معك؟ فقال: " لا " . قال: فبكى، قال: فقال: " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنك لست بنبي؟ " قال: نعم. قال: " وإنك خليفتي في كل مؤمن " .
قال: وسد أبواب المسجد غير باب علي، وكان يدخل المسجد وهو جنب، وهو طريقه، ليس له طريق غيره.
قال: وقال: " من كنت وليه فإن عليا وليه " .
قال: وقال ابن عباس: وأخبرنا الله في القرآن أنه قد رضي عن أصحاب الشجرة فهل حدثنا بعد أنه سخط عليهم؟ قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر حين قال: ائذن لي، فلأضرب عنقه، قال أبو موسى: يعني حاطبا: " وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " .

(5/381)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية