صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : مختصر تاريخ دمشق
المؤلف : ابن منظور
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

قال الحسن: رأيت عثمان نائما في المسجد، ورداؤه تحت رأسه، فيجيء الرجل فيجلس إليه، ثم يجيء الرجل فيجلس إليه، ويجيء الرجل فيجلس إليه كأنه أحدهم.
وعن محمد بن هلال المديني عن أبيه عن جدته: أنها كانت تدخل على عثمان بن عفان، ففقدها يوما فقال لأهله: ما لي لا أرى فلانة؟ فقالت امرأته: يا أمير المؤمنين ولدت الليلة غلاما، قالت: فأرسل إلي بخمسين درهما وشقيقة سنبلانية، ثم قال: هذا عطاء ابنك، وهذه كسوته، فإذا مرت به سنة رفعناه إلى مئة.
وعن الحسن قال: أدركت عثمان على ما نقموا عليه، قلما يأتي على الناس يوم إلا وهم يقتسمون فيه خيرا، فقال لهم: يا معشر المسلمين، اغدوا على أعطياتكم. فيأخذونها وافرة، ثم قال لهم: اغدوا على أرزاقكم. فيأخذونها وافرة، ثم يقال لهم: اغدوا على السمن والعسل؛ الأعطيات جارية والأرزاق دارة، والعدو منفي، وذات البين حسن، والخير كثير، وما مؤمن يخاف مؤمنا، من لقيه فهو أخوه من كان، ألفته ونصيحته ومودته، قد عهد إليهم أنها ستكون أثرة، فإذا كانت أن يصبروا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأسيد بن حضير: ستلقون بعدي أثرة. قال: فما تأمرنا؟ قال: أن تصبروا حتى تلقوا الله ورسوله.
قال الحسن: لو أنهم صبروا حين رأوها وأخذوها بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لوسعهم ما كانوا فيه من العطاء والرزق والخير الكثير. قالوا: لا والله ما نصابرها، فو الله ما ردوا ولا سلموا، والأخرى كان السيف مغمدا عن أهل الإسلام، ما على الأرض مؤمن يخاف أن يسل مؤمن عليه سيفا حتى سلوه على أنفسهم، فو الله ما زال مسلولا إلى يوم الناس هذا، وأيم الله إني لأراه سيفا مسلولا إلى يوم القيامة.
وعن حكيم بن عباد بن حنيف قال: أول منكر ظهر بالمدينة حين فاضت الدنيا، وانتهى سمن الناس، طيران الحمام والرمي على الجلاهقات، فاستعمل عليها عثمان من بني ليث سنة ثمان، فقصها وكسر الجلاهقات.
وزاد في حديث: وحدث بين النشو قتال بالعصي، فأرسل عثمان طائفا يطوف عليهم فمنعهم من ذلك، ثم استن الناس بإفشاء الحدود، وساء ذلك عثمان، وشكا ذلك إلى الناس، فاجتمعوا على أن يجلدوا في النبيذ، فأخذ نفرا منهم فجلدوا.
وعن الحسن قال: شهدت عثمان بن عفان يأمر في خطبته بقتل الكلاب وذبح الحمام.
وعن ابن داب قال: قال ابن سعيد بن يربوع بن عنكثة المخزومي: انطلقت وأنا غلام في الظهيرة ومعي طير أرسله من المسجد يبنى، فإذا شيخ جميل حسن الوجه نائم، تحت رأسه لبنة أوبعض لبنة، فقمت أنظر إليه أتعجب من جماله! ففتح عينيه فقال: من أنت يا غلام؟ فأخبرته، فنادى غلاما نائما قريبا منه فلم يجبه، فقال لي: ادعه، فدعوته فأمره بشيء، وقال لي: اقعد، قال: فذهب الغلام فجاء بحلة وجاء بألف درهم، فنزع ثوبي وألبسني الحلة، وجعل الألف درهم فيها، فرجعت إلى أبي فأخبرته فقال: يا بني، من فعل هذا بك؟ فقلت: لا أدري، إلا أنه رجل في المسجد نائم، لم أر قط أحسن منه! قال: ذلك أمير المؤمنين عثمان بن عفان.
حدث الأصمعي قال: استعمل ابن عامر قطن بن عوف الهلالي على كرمان، فأقبل جيش من المسلمين أربعة آلاف، وجرى الوادي فقطعهم عن طريقهم، وخشي قطن الفوت فقال: من جاز الوادي فله ألف درهم. فحملوا أنفسهم على العظم، فكان إذا جاز الرجل منهم قال قطن: أعطوه جائزته. حتى جازوا جميعا، وأعطاهم أربعة آلاف ألف درهم، فأبى ابن عامر أن يحسبها، فكتب بذلك إلى عثمان بن عفان، فكتب عثمان أن احسبها له، فإنه إنما أعان المسلمين في سبيل الله، ففي ذلك اليوم سميت الجوائز لإجازة الوادي، وقال الكناني في ذلك: من الوافر
فدى للأكرمين بني هلال ... على علاتهم أهلي ومالي.
هم سنوا الجوائز في معد ... فعادت سنة أخرى الليالي.
رماحهم تزيد على ثمان ... وعشر قبل تركيب النصال.
قال أبو العباس محمد بن إسحاق يعني السراج: قال لي أبو إسحاق القرشي يوما: من أكرم الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: عثمان بن عفان، قال: كيف وقعت على عثمان من بين الناس؟ قلت: لأني رأيت الكرم في شيئين: في المال والروح، فوجدت عثمان جاد بماله على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جاد بروحه على أقاربه، قال: لله درك ياأبا العباس.

(5/196)


ابتاع عثمان بن عفان حائطا من رجل فساومه حتى قاومه على الثمن الذي رضي به البائع، فقال: أرنا يدك، قال: وكانوا لا يستوجبون البيع إلا بالصفقة، فلما رأى ذلك الرجل قال: لا أبيعك حتى تزيدني عشرة آلاف، فالتفت عثمان إلى عبد الرحمن بن عوف قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الله عز وجل أدخل الجنة رجلا كان سمحا بائعا ومبتاعا قاضيا ومقتضيا " . اذهب فقد زدتك العشرة آلاف لأستوجب بها هذه الكلمة التي سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن ابن عمر في قوله: " أمن هو قانت آناء الليل " الآية، قال: نزلت في عثمان بن عفان.
وعن عبد الرحمن بن عثمان التيمي قال: قلت: لأغلبن الليلة على المقام، قال: فسبقت إليه، فبينا أنا قائم أصلي إذ وضع رجل يده على ظهري، فنظرت فإذا هو عثمان بن عفان، وهو خليفة، فتنحيت عنه فقام، فما برح قائما حتى فرغ من القرآن في ركعة لم يزد عليها، فلما انصرف قلت: يا أمير المؤمنين، إنما صليت ركعة!؟ قال: أجل هي وتري.
وعن عامر بن عبدة قال: قمت ذات ليلة خلف المقام فإذا رجل شديد بياض الثياب طيب الريح يصلي، ورجل يفتح عليه إذا أخطأ، وإذا هو عثمان بن عفان.
وعن عطاء بن أبي رباح: أن عثمان بن عفان صلى بالناس ثم قام خلف المقام فجمع كتاب الله في ركعة كانت وتره، فسميت البتيراء.
وعن محمد بن سيرين قال: لما أطافوا بعثمان يريدون قتله قالت امرأته: إن تقتلوه أو تدعوه، فقد كان يحيي الليلة بركعة يقرأ فيها القرآن.
وكان عثمان لا يوقظ أحدا من أهله إذا قام من الليل إلا أن يجده يقظان، فيدعوه فيناوله وضوءه، وكان يصوم الدهر.
وكان عثمان يقوم من الليل فيأخذ وضوءه، فقالت له امرأة من أهله: يا أمير المؤمنين، لو أيقظت بعض الخدم فناولك وضوءك؟ فقال: لهم الليل يستريحون.
وذكر عند الحسن حياء عثمان قال: إن كان ليكون جوف البيت، والباب عليه مغلق، فيضع ثوبه ليفيض عليه الماء، فيمنعه الحياء أن يرفع صلبه قال عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي: لما بويع عثمان خرج إلى الناس فخطبهم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، إن أول مركب صعب، وإن بعد اليوم أياما، وإن أعش تأتكم الخطبة على وجهها، وما كنا خطباء وسيعلمنا الله.
وعن الحسن قال: لما كان من بعض هيج الناس ما كان، جعل رجل يسأل عن أفاضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل لا يسأل أحدا إلا دله سعد بن مالك، قال: فقيل له: إن سعدا رجل إذا أنت رفقت به كنت قمنا أن تصيب منه حاجتك، وإن أنت خرقت به كنت قمنا أن لا تصيب منه شيئا. فجلس أياما لا يسأله عن شيء حتى استأنس به فذكر الحديث قال: أخبرني عن عثمان؟ قال: كنا إذ نحن جميع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أحسننا وضوءا، وأطولنا صلاة وأعظمنا نفقة في سبيل الله.
ذكر أبو الزناد: أن رجلا من ثقيف جلد في الشراب في خلافة عثمان بن عفان قال: وكان لذلك الرجل مكان من عثمان ومجلس في خلوته، فلما جلد أراد ذلك المجلس فمنعه إياه عثمان، وقال: لا نعود إلى مجلسك أبدا إلا ومعنا ثالث.
قال الحسن: قال: قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان: لو أن قلوبنا طهرت ما شبعنا من كلام ربنا، وإني لأكره أن يأتي علي يوم لا أنظر في المصحف، وما مات عثمان حتى خرق مصحفه من كثرة ما كان يديم النظر فيه.
وعن علي: أنه قال لعثمان: إن سرك أن تلحق بصاحبيك فأقصر الأمل، وكل دون الشبع، وانكس الإزار، وارقع القميص، واخصف النعل، تلحق بهما.
قال: والمحفوظ أن عليا قال ذلك لعمر، يعني بصاحبيه: النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر.

(5/197)


حدث أنس بن مالك: أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان بن عفان، وكان يغزو مع أهل العراق قبل إرمينية في غزوهم ذلك فيمن اجتمع من أهل العراق وأهل الشام فتنازعوا في القرآن حتى سمع حذيفة من اختلافهم فيه ما يكره، فركب حذيفة حتى قدم على عثمان فقال: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في القرآن اختلاف اليهود والنصارى في الكتب، ففزع لذلك عثمان بن عفان، فأرسل إلى حفصة بنت عمر أن أرسلي إلي بالصحف التي جمع فيها القرآن، فأرسلت إليه بها حفصة، فأمر عثمان زيد بن ثابت وسعيد بن العاص وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن ينسخوها في المصاحف، وقال لهم: إذا اختلفتم وزيد بن ثابت في عربية من عربية القرآن فاكتبوها بلسان قريش، فإن القرآن إنما نزل بلسانهم. ففعلوا، حتى كتبت المصاحف، ثم رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل جند من أجناد المسلمين بمصحف، وأمرهم أن يحرقوا كل مصحف يخالف المصحف الذي أرسل به. فذلك زمان حرقت فيه المصاحف بالنار.
قال يزيد بن معاوية الأشجعي: إني لفي المسجد زمن الوليد بن عقبة في حلقة فيها حذيفة، قال: فليس إذ ذاك حجزة ولا جلاوزة، إذ هتف هاتف: من كان يقرأ على قراءة أبي موسى فليأت الزاوية التي عند أبواب كندة، ومن كان يقرأ على قراءة عبد الله بن مسعود فليأت هذه الزاوية التي عند دار عبد الله، فاختلفا في آية في سورة البقرة، قرأ هذا " وأتموا الحج والعمرة للبيت " ، وقرأ هذا " وأتموا الحج والعمرة لله " فغضب حذيفة واحمرت عيناه، ثم قام فغرز قميصه في حجزته وهو في المسجد وذلك في زمن عثمان فقال: إما أن تركب إلى أمير المؤمنين، وإما أن أركب، فهكذا كان من قبلكم، ثم أقبل فجلس فقال: إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم فقاتل بمن أقبل من أدبر حتى أظهر الله دينه، ثم إن الله قبضه فطعن الناس في الإسلام طعنة جوادا ثم إن الله استخلفأبا بكر، فكان ما شاء الله، ثم إن الله قبضه فطعن الناس في الإسلام طعنة جوادا، ثم إن الله استخلف عمر، فنزل وسط الإسلام، ثم إن الله قبضه فطعن الناس في الإسلام طعنة جوادا، ثم إن الله استخلف عثمان، وأيم الله ليوشكن أن تطعنوا فيه طعنة تحلقونه كله.

(5/198)


وعن محمد وطلحة قالا: وصرف حذيفة عن غزو الري إلى غزو الباب مددا لعبد الرحمن بن ربيعة، وخرج معه سعيد بن العاص، فبلغ معه أذربيجان، فأقام حتى قفل حذيفة ثم رجعا. قال له حذيفة: إني سمعت في سفرتي هذه أمرا لئن ترك الناس ليضلن القرآن ثم لا يقومون عليه أبدا، قال: رأيت أمداد أهل الشام حين قدموا علينا، فرأيت أناسا من أهل حمص يزعمون لأناس من أهل الكوفة أنهم أصوب قراءة منهم، وأن المقداد أخذها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول الكوفيون مثل ذلك، ورأيت من أهل دمشق قوما يقولون لهؤلاء: نحن أصوب منكم قراءة وقرآن، ويقول هؤلاء لهم في مثل ذلك. فلما رجع إلى الكوفة دخل المسجد فحذر الناس مما سمع في غزاته، فساعده على ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أخذ عنهم وعامة التابعين، وقال له قوم ممن قرأ على عبد الله: وما تنكر؟ ألسنا نقرأ على قراءة ابن أم عبد؟ وأهل البصرة يقرؤون على قراءة أبي موسى ويسمونها لباب الفؤاد، وأهل مصر يقرؤون على قراءة المقداد وسالم؟ فغضب حذيفة من ذلك وأصحابه وأولئك التابعون، وقالوا: إنما أنتم أعراب، وإنما بعث عبد الله إليكم ولم يبعث إلى من هو أعلم منه، فاسكتوا فإنكم على خطأ. وقال حذيفة: والله لئن عشت حتى آتي أمير المؤمنين لأشكون إليه ذلك، ولأشيرن عليه أن يحول بينهم وبين ذلك حتى ترجعوا إلى جماعة المسلمين والذي عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة. وقال الناس مثل ذلك، فقال عبد الله: والله إذا ليصلين الله وجهك نار جهنم. فقال سعيد بن العاص: أعلى الله تألى والصواب مع صاحبك؟ فغضب سعيد وقام، وغضب ابن مسعود فقام، فغضب القوم فتفرقوا، وغضب حذيفة فرحل إلى عثمان فأخبره بالذي حدث في نفسه من تكذيب بعضهم بعضا بما يقرأ، ويقول: أنا النذير العريان فأدركوا. فجمع عثمان الصحابة، وأقام حذيفة فيهم بالذي رأى وسمع، فأعظموا ذلك، ورأوا جميعا مثل الذي رأى، قالوا: إن يتركوا ويمضي هذا القرن لا يعرف القرآن. فسأل عثمان: مالباب الفؤاد؟ فقيل: مصحف كتبه أبو موسى، وكان قرأ على رجال كثير ممن لم يكن جمع على النبي صلى الله عليه وسلم. وسأل عن مصحف ابن مسعود فقيل له: قرأ على مجمع بن جارية وخباب بن الأرت، وجمع القرآن بالكوفة، فكتب مصحفا وسأل عن المقداد فقيل له: جمع القرآن بالشام، فلم يكونوا قرؤوا على النبي صلى الله عليه وسلم إنما جمعوا القرآن في أمصارهم، فاكتتب المصاحف وهو بالمدينة، وفيها الذين قرؤوا القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم وبثها في الأمصار، وأمر الناس أن يعمدوا إليها وأن يدعوا ما يعلم في الأمصار. فكل الناس عرف فضل ذلك، أجمعوا عليه وتركوا ما سواه إلا ما كان من أهل الكوفة، فإن قراء قراءة عبد الله نزوا في ذلك حتى كادوا يتفضلون على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وعابوا الناس، فقام فيهم ابن مسعود فقال: ولا كل هذا، إنكم قد سبقتم سبقا بينا، فاربعوا على ظلعكم.
ولما قدم المصحف الذي بعث به عثمان على سعيد، وأجمع عليه الناس، وفرح به أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعث سعيد إلى ابن مسعود يأمره أن يدفع إليه مصحفه، فقال: هذا مصحفي، تستطيع أن تأخذ ما في قلبي؟ فقال له سعيد: يا عبد الله، ما أنا عليك بمسيطر، إن شئت تابعت أهل دار الهجرة وجماعة المسلمين، وإن شئت فارقتهم، وأنت أعلم.
قال مصعب بن سعد: قام عثمان فخطب الناس فقال: أيها الناس، عهدكم بنبيكم صلى الله عليه وسلم منذ ثلاث عشرة وأنتم تمترون في القرآن، وتقولون قراءة أبي وقراءة عبد الله، يقول الرجل: والله ما تقيم قراءتك، فأعزم على رجل منكم ماكان معه من كتاب الله شيء لما جاء به، فكان الرجل يجيء بالورقة والأديم فيه القرآن، حتى جمع من ذلك كثرة، ثم دخل عثمان فدعاهم رجلا رجلا فناشدهم: أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أمله عليك؟ فيقول: نعم. فلما فرغ من ذلك عثمان قال: من أكتب الناس؟ قالوا: كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت. قال: فأي الناس أعرب؟ قالوا: سعيد بن العاص، قال: عثمان: فليمل سعيد وليكتب زيد، فكتب مصاحف ففرقها في الناس، فسمعت بعض أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يقول: " قد أحسن " .

(5/199)


وعن علي قال: رحم الله عثمان لقد صنع في المصاحف شيئا لو وليت الذي ولي قبل أن يفعل في المصاحف ما فعل لفعلت كما فعل.
ولما نسخ عثمان المصاحف قال له أبو هريرة: أصبت ووفقت، أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن أشد أمتي حبا لي قوم يأتون من بعدي، يؤمنون بي ولم يروني، يعملون بما في الورق المعلق. فقلت: أي ورق؟ حتى رأيت المصاحف، فأعجب ذلك عثمان وأمر لأبي هريرة بعشرة آلاف، وقال: والله ما علمت إنك لتحبس علينا حديث نبينا صلى الله عليه وسلم.
وعن علي كرم الله وجهه أنه قال: إياكم والغلو في عثمان، تقولون: حرق المصاحف، والله ما حرقها إلا عن ملأ من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ولو وليت مثلما ولي فعلت مثل الذي فعل.
وعن إسماعيل بن أبي خالد قال: لما نزل أهل مصر الجحفة يعاتبون عثمان صعد عثمان المنبر فقال: جزاكم الله يا أصحاب محمد عني شرا، أذعتم السيئة، وكتمتم الحسنة، وأغريتم بي سفهاء الناس، أيكم يأتي هؤلاء القوم فيسألهم ما الذي نقموا، وما الذي يريدون؟ ثلاث مرات لا يجيبه أحد، فقام علي فقال: أنا، فقال عثمان: أنت أقربهم رحما وأحقهم بذلك، فأتاهم فرحبوا به وقالوا: ما كان يأتينا أحد أحب إلينا منك، فقال: ما الذي نقمتم؟ قالوا: نقمنا أنه محا كتاب الله، وحمى الحمى، واستعمل أقرباءه، وأعطى مروان مئة ألف، وتناول أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. فرد عليهم عثمان: أما القرآن فمن عند الله، إنما نهيتكم لأني خفت عليكم الاختلاف، فاقرؤوا على أي حرف شئتم، وأما الحمى فوالله ما حميته لإبلي ولا غمني، وإنما حميته لإبل الصدقة لتسمن وتصلح وتكون أكثر ثمنا للمساكين، وأما قولكم: إني أعطيت مروان مئة ألف فهذا بيت مالهم فليستعملوا عليه من أحبوا، وأما قولهم: تناول أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فإنما أنا بشر أغضب وأرضى، فمن ادعى قبلي حقا أو مظلمة فهذا أنا، فإن شاء قود، وإن شاء عفو، وإن شاء أرضي، وفرضي الناس واصطلحوا ودخلوا المدينة، وكتب بذلك إلى أهل البصرة وأهل الكوفة فمن لم يستطع أن يجيء فليوكل وكيلا.
وعن سعيد بن جمهان عن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك " . قال لي سفينة: أمسك خلافة أبي بكر وعمر وخلافة عثمان ثم قال: عمل بما عمل صاحباه ست سنين، وكان في ست فيه وفيه، غفر الله لنا وله ورحمنا وإياه وخلافة علي، فنظرنا فوجدناها ثلاثين سنة.
قال الشعبي: كان عثمان في قريش محببا، يوصون إليه، ويعظمونه، وإن كانت المرأة من العرب لترقص صبيها، وهي تقول: من المجتث
أحبك والرحمان ... حب قريش عثمان
قال الزهري: لما ولي عثمان عاش اثنتي عشرة سنة أميرا، يعمل ست سنين لا ينقم الناس عليه شيئا، وإنه لأحب إلى قريش من عمر بن الخطاب لأن عمر كان شديدا عليهم، فلما وليهم عثمان لان لهم ووصلهم، ثم توانى في أمرهم واستعمل أقرباءه أهل بيته في الست الأواخر، وكتب لمروان بخمس مصر، وفي نسخة أخرى بخمس إفريقية، وأعطى أقرباءه المال وتأول في ذلك الصلة التي أمر الله بها، واتخذ المال واستسلف من بيت المال، وقال: إن أبا بكر وعمر تركا من ذلك ما هو لهما، وإني أخذته فقسمته في أقربائي، فأنكر الناس عليه ذلك.
وعن عروة قال: استخلف عثمان ففتح الله عليه إفريقية وخراسان، فعزل عمير بن سعد عن حمص، وجمع الشام لمعاوية، ونزع عمرو بن العاص عن مصر وأمر عليها عبد الله بن سعد ابن أبي سرح، أحد بني عامر بن لؤي، ونزع أبا موسى الأشعري عن البصرة وأمر عليها عبد الله بن عامر بن كريز، ونزع المغيرة بن شعبة عن الكوفة وأمر عليها سعيد بن العاص، فلم يزل أميرها حتى استعرت الفتنة في الناس، ففصل سعيد من عند عثمان إلى الكوفة، فلقيته خيل أهل الكوفة بالعذيب، فردوه فرجع إلى عثمان، فلم تزل الفتنة تستعر حتى قتل عثمان.

(5/200)


وعن سالم بن أبي الجعد قال: دعا عثمان ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم عمار بن ياسر، فقال: إني سائلكم وإني أحب أن تصدقوني: نشدتكم الله أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤثر قريشا على سائر الناس، ويؤثر بني هشام على سائر قريش؟ فسكت القوم، فقال عثمان: لو أن بيدي مفاتيح الجنة لأعطيتها بني أمية حتى يدخلوا من عند آخرهم.
زاد في حديث غيره: ولأستعملنهم على رغم من رغم. فقال عمار: فإن ذلك يرغم بأنفي؟ قال: أرغم الله بأنفك. قال: بأنف أبي بكر وعمر؟ قال: فغضب فقام إليه فوطئه فأجفله الناس عنه.
قال: فبعث إلى طلحة والزبير فقال: ائتيا هذا الرجل فخيراه بين ثلاث: بين أن يقتص أو يأخذ أرشا، أو يعفو. فأتياه فقالا: إن هذا الرجل قد أنصف فخيرك بين أن تقتص أو تأخذ أرشا أو تعفو. قال: لا والله، لا أقبل منهن واحدة حتى ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشكو إليه. قال: وجمع عثمان بني أمية فقال: يا ذبان الطمع، والله ما زلتم بي على هذا الرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى خشيت أن أكون قد أهلكته وهلكت. قال عثمان: أما إنه لا يمنعني أن أحدث ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، أقبلت أنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نتماشى بالبطحاء فإذا أنا بعمار وأبي عمار وأم عمار يعذبون في الشمس، فقال ياسر: يا رسول الله، الدهر هكذا؟ فقال: اصبر، اللهم اغفر لآل ياسر.
حدث عباد بن زاهر أبو رواع قال: سمعت عثمان يخطب فقال: أما والله قد صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر والحضر، فكان يعود مرضانا، ويشيع جنائزنا، ويغزو معنا، ويواسينا بالقليل والكثير، وإن ناسا يعلموني به عسى أن لا يكون أحدهم رآه قط. قال: فقال له أعين ابن امرأة الفرزدق: يا نعثل! إنك قد بدلت. فقال: من هذا؟ فقالوا: أعين. قال بل أنت أيها العبد. قال: فوثب الناس إلى أعين، قال: وجعل رجل من بني ليث يزعهم عنه حتى أدخله الدار.
وعن عبد الصمد بن عبد الرحمن بن أبي ذباب عن أبيه: أن عثمان بن عفان صلى بمنى أربع ركعات، فأنكر الناس عليه، قال: يا أيها الناس، إني تأهلت بمكة منذ قدمت، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من تأهل في بلد فليصل صلاة المقيم.
قال أبو سعيد مولى أبي أسيد الأنصاري: سمع عثمان بن عفان أن وفد أهل مصر قد أقبلوا فاستقبلهم، فلما سمعوا به أقبلوا نحوه، قال: وكره أن يقدموا عليه المدينة فأتوه فقالوا له: ادع بالمصحف فافتتح السابعة وكانوا يسمون سورة يونس السابعة فقرأها حتى أتى على هذه الآية " قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل الله أذن لكم أم على الله تفترون " . قالوا له: قف، أرأيت ما حميت من الحمى الله أذن لك أم على الله تفتري؟ فقال: امضه نزلت في كذا وكذا، فأما الحمى فإن عمر حمى الحمى قبلي لإبل الصدقة، فلما وليت زادت إبل الصدقة فزدت في الحمى لما زاد في الصدقة.
وعن شقيق قال: لقي عبد الرحمن بن عوف الوليد بن عقبة فقال له الوليد: ما لي أراك قد جفوت أمير المؤمنين عثمان؟ فقال: أبلغه أني لم أفر يوم عينين قال عاصم: هو يوم أحد ولم أتخلف يوم بدر، ولم أترك سنة عمر. فانطلق يخبر ذلك عثمان، فقال عثمان: أما قوله: يوم عينين فكيف يعيرني بذنب قد عفا الله عنه! فقال عز وجل: " إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم " ، وأما قوله إني تخلفت يوم بدر فإني كنت أمرض رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ماتت، وقد ضرب لي سهمي، ومن ضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهم فقد شهد، وأما قوله إني أترك سنة عمر فإني لا أطيقها أنا ولا هو، فأته فحدثه بذلك.

(5/201)


قال صهيب مولى العباس: أرسلني العباس إلى عثمان أدعوه، فأتيته فإذا هو يغدي الناس، فدعوته فأتاه، فقال: أفلح الوجه أبا الفضل. قال: ووجهك. قال: إن رسولك أتاني وأنا في دار القضاء، ففرغت من شأني ثم أتيتك، فحاجتك؟ قال لا والله إلا أنه بلغني أنك أردت أن تقوم بعلي و أصحابه فتشكوهم إلى الناس، وعلي ابن عمك وأخوك في دينك، وصاحبك مع نبيك صلى الله عليه وسلم قال: أجل، فوالله لو أن عليا شاء أن يكون أدنى الناس لكان وفي رواية أخرى: إن عليا لو شاء ما كان أحد دونه، ولكنه أبى إلا رأيه قال: ثم أرسلني إلى علي، فأتيته فقلت: أبا الفضل يدعوك، فلما جاءه قال: إنه بلغني أن عثمان أراد أن يقوم بك وأصحابك، وعثمان ابن عمك وأخوك في دينك وصاحبك مع نبيك صلى الله عليه وسلم، فقال: علي: والله لو أن عثمان أمرني أن أخرج من داري لفعلت. زاد في آخر: فأما أداهن ألا يقام بكتاب الله فلم أكن لأفعل.
وعن ابن الحنيفة قال: ما سمعت عليا ذاكرا عثمان بسوء قط، ولو كان ذاكرة بسوء لذكره يوما، وسأخبر: كان الناس أتوا عليا يشكون إليه سعاة عثمان، فأرسلني أبي فقال: يا بني خذ هذا الكتاب فإن فيه عشر النبي صلى الله عليه وسلم والصدقة، فاذهب به إلى عثمان. قال: فأتيته فأخبرته به فقال: انطلق فلا حاجة لنا به. فأتيت أبي فأخبرته فقال: لا عليك ضعه حيث أخذته.
قال سفيان: لم يجد علي بدا حين كان عنده علم أن ينهيه إليه، ونرى أن عثمان إنما رده أن عنده من ذلك علم فاستغنى عنه.
وعن أبي هريرة قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنة فقالوا: يا رسول الله، فما المخرج منها؟ قال: عليكم بالأمين وأصحابه. يعني عثمان بن عفان.
وعن مرة بن كعب البهزي قال: كنت جالسا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الفتن، فمر رجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا يومئذ ومن معه على الحق. فقمت إليه فأخذت بردائه، فلفت بوجهه فإذا هو عثمان بن عفان، فقلت: هذا يا نبي الله؟ قال: هذا.
وعن عبد الله بن حوالة قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم، وعنده كاتب يكتب فقال: يا عبد الله بن حوالة، ألا أكتبك؟ فقلت: في أي شيء؟ فأعرض عني، ثم قال: يا عبد الله بن حوالة، ألا أكتبك؟ قلت: في أي شيء؟ فأعرض عني. قال: فنظرت في الكتاب فإذا فيه أبو بكر وعمر، أو أحدهما، فقلت في نفسي: ما كتب أبو بكر وعمر إلا في خير. قال يا عبد الله، ألا أكتبك؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: يا عبد الله، كيف بك إذا ظهرت فتنة في أطراف الأرض كأنها صياصي بقر؟ قلت: ما خار الله لي ورسوله. قل: فكيف بك يا عبد الله إذا ظهرت فتنة أخرى كأنها انتفاجة أرنب؟ قلت: ما خار الله ورسوله. قال: ومر رجل متقنع قال: هذا يومئذ على الهدى. قال: فتبعته فأخذت بمنكبه، فأقبلت به على النبي صلى الله عليه وسلم فكشفت قناعه، قلت: هذا؟ قال: هذا. فإذا هو عثمان بن عفان.
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر فتنة، فمر رجل فقال: يقتل هذا يومئذ مظلوما. قال ابن عمر: فنظرت إليه فإذا هو عثمان بن عفان.
وعن النعمان بن بشير قال: حججت فأتيت عائشة أم المؤمنين لأسلم عليها فقالت: من أنت؟ فقلت: أنا النعمان. فقالت: ابن عمرة؟ فقلت: نعم. فقالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوما لعثمان: إن كساك الله ثوبا فأرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه. قال النعمان: فقلت: غفر الله لك يا أم المؤمنين ألا ذكرت هذا حين جعلوا يختلفون إليك؟ فقالت: أنسيته حتى بلغ الله عز وجل فيه أمره.
وفي حديث آخر بمعناه: فأخبرته معاوية بن أبي سفيان فلم يرض بالذي أخبرته حتى كتب إلى أم المؤمنين أن اكتبي إلي به، فكتبت إليه به كتابا.
وعن عائشة قالت: ما استمعت على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مرة فإن عثمان جاءه في نحر الظهيرة وزاد في رواية: فظننت أنه جاءه في أمر النساء، فحملتني الغيرة على أن أصغيت إليه فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الله ملبسك قميصا تريدك أمتي على خلعه فلا تخلعه. فلما رأيت عثمان يترك لهم كل شيء إلا خلعه علمت أنه عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
زاد في رواية: فإن أنت خلعته لم ترح رائحة الجنة.

(5/202)


ومن حديث: فلنا كان يوم الدار وحصر قلنا: يا أمير المؤمنين، ألا نقاتل؟ قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهدا إلي عهدا، وإني صابر نفسي عليه.
وعن عثمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك ستبتلى بعدي فلا تقاتلن.
وعن أبي بكر العدوي قال: سألت عائشة: هل عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد من أصحابه عند موته؟ قالت: معاذ الله غير أني سأخبرك، ثم أقبلت على حفصة فقالت: يا حفصة، أنشدك بالله أن تصدقيني بباطل وأن تكذبيني بحق. قالت عائشة: هل تعلمين رسول الله صلى الله عليه وسلم أغمي عليه؟ فقلت: أفرغ؟ فقلت: لا أدري. فقال: ائذنوا له، فقلت: أبي؟ فسكت، فقلت أنت: أبي؟ فسكت ثم أغمي عليه أشد من الأولى، فقلت: أفرغ؟ فقلت: لا أدري. ثم أفاق فقال: ائذنوا له. فقلت: أبي فسكت، فقلت أنت: أبي؟ فسكت، ثم أغمي عليه إغماءة أشد من الأوليين حتى ظننا أنه قد فرغ. فقلت: أفرغ؟ فقلت: لا أدري. ثم أفاق فقال: ائذنوا له. فقلت: أبي؟ فسكت، فقلت أنت: أبي؟ فسكت. فقالت إحداهما: ليس لأبي ولا أبيك. فقلت: أتعلمين أن على الباب رجلا؟ ائذنوا له. فإذا عثمان وكان من أشد هذه الأمة حياء وهو على الباب، فأذنوا له فدخل، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ادنه. فدنا، فقال: ادنه. فدنا، فقال: ادنه. فدنا حتى أمكن يده رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلها وراء عنقه ثم ساره، فلما فرغ قال: أفهمت؟ قال: سمعته أذناي ووعاه قلبي. ثم وضع يده وراء عنقه ثم ساره، فلما فرغ قال: سمعت؟ قال: سمعته أذناي ووعاه قلبي. ثم وضع يده وراء عنقه ثم ساره، فلما فرغ قال: سمعت؟ قال:سمعته أذناي ووعاه قلبي، ثم قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت عائشة: أخبره أنه مقتول، وأمره أن يكف يده.
وعن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كانت قاعدة وعائشة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وددت أن معي بعض أصحابي نتحدث فقالت عائشة: أرسل إلى أبي بكر يتحدث معك؟ قال: لا. قال حفصة: أرسل إلى عمر يتحدث معك؟ قال لا، ولكن أرسل عثمان. فجاء عثمان فدخل، فقامتا فأرختا الستر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان: إنك مقتول مستشهد، فاصبر صبرك الله، ولا تخلعن قميصا قمصك الله ثنتي عشرة سنة وستة أشهر حتى تلقى الله وهو عليك. قال عثمان: إن دعا النبي صلى الله عليه وسلم لي بالصبر وفي رواية: قال عثمان: ادع لي بالصبر فقال: اللهم صبره. فخرج عثمان، فلما أدبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صبرك الله فإنك سوف تستشهد وتموت وأنت صائم وتفطر معي.
وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ياعثمان، إنك ستؤتى الخلافة من بعدي، وسيريدك المنافقون على خلعها فلا تخلعها، وصم في ذلك اليوم تفطر عندي.
وعن عائشة قالت: دخل عثمان على النبي صلى الله عليه وسلم وهو محلل الأزرار، فزرها النبي صلى الله عليه وسلم وقال: كيف أنت يا عثمان إذا لقيتني يوم القيامة وأوداجك تشخب دما، فأقول: من فعل بك هذا؟ فتقول: بين خاذل وقاتل وآمر، فبينما نحن كذلك إذ ينادي مناد من تحت العرش: إن عثمان قد حكم في أصحابه. فقال عثمان: لا حول ولا قوة إلا بالله. وزاد في رواية: العلي العظيم.
وعن ابن حوالة الأسدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: من نجا من ثلاث فقد نجا: موتي، وخروج الدجال، وقتل الخليفة قوام مصطبر بالحق يعطيه.
وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد أحدا، فتبعه أبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم فقال: اثبت أحد، نبي وصديق وشهيدان. وفي رواية عنه: حراء أو أحدا. الحديث.

(5/203)


وعن محمد بن سيرين: أن رجلا قال بالكوفة: هو يشهد أن عثمان قتل شهيدا، فأخذته الزبانية فرفعوه إلى علي، وقالوا: لولا أن تنهانا أو نهيتنا ألا نقتل أحدا لقتلنا هذا، زعم أنه يشهد أن عثمان قتل شهيدا. فقال الرجل لعلي: وأنت تشهد، أتذكر أني أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته فأعطاني، وأتيت أبا بكر فسألته فأعطاني، فأتيت عمر فسألته فأعطاني، وأتيت عثمان فسألته فأعطاني. قال: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يبارك لي، فقال صلى الله عليه وسلم: وكيف لا يبارك لك وأعطاك نبي وصديق وشهيدان، وأعطاك نبي وصديق وشهيدان وأعطاك نبي وصديق وشهيدان.
وعن البراء بن عازب قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم " : تدرون ما على العرش مكتوب؟ مكتوب لا إله إلا الله محمد الله صلى الله عليه وسلم، أبو بكر الصديق، وعمر الفاروق، وعثمان الشهيد، علي الرضا " .
وفي حديث عن نعيم بن أبي هند قال: كان الناس بالكوفة إذا سمعوا أحدا يذكر عثمان بخير ضربوه، فقال لهم علي: لا تفعلون، ولكن ائتوني به. قال: فقال أعرابي: قتل عثمان شهيدا، فأتوا به عليا، وساق بقية الحديث بمعناه.
وعن أبي عون الأنصاري قال: بلغ عثمان بن عفان أن ابن مسعود يحدث بحديث كان عثمان عرفه، فبعث إليه عثمان، فاعتذر إليه ابن مسعود ببعض العذر، فقال عثمان: إني قد سمعت كما سمعت وحفظت، وليس كما تقول، إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " سيكون أمير يقتل، ثم يكون بعده متنزي، فإذا رأيتموه فاقتلوه، وإنما قتل عمر رجل واحد، وإنه سيجتمع علي وأنا المقتول، والمتنزي يكون من بعدي.
كان مبدأ الطعن على أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه إفساد عبد الله بن سبأ الذي تنسب إليه السبئية، ويعرف بابن السوداء.
قال يزيد الفقعسي: لما خرج ابن السوداء إلى مصر نزل على كنانة بن بشر مرة، وعلى سودان بن حمران مرة، وانقطع إلى الغافقي فشجعه الغافقي، فتكلم وأطاف به خالد بن ملجم وعبد الله بن زرير وأشباه لهم، فصرف لهم القول فلم يجدهم يجيبون إلى شيء مما يجيبون إلى الوصية، فقال: عليكم ناب العرب وحجرهم ولسنا من رجاله، فأروه أنكم تزرعون ولا تزرعون العام شيئا حتى تنكسر مصر، فتشكونه، فيعزل عنكم ونسأل من هو أضعف منه، ونخلو بما نريد، ونظهر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكان أسرعهم إلى ذلك محمد بن أبي حذيفة، وهو ابن خال معاوية، وكان يتيما في حجر عثمان، وفلما ولي استأذنه في الهجرة إلى بعض الأمصار، فخرج إلى مصر، وكان الذي دعاه إلى ذلك أنه سأل العمل فقال: لست هناك. ففعلوا ما أمرهم به ابن السوداء، ثم إنهم خرجوا وشكوا عمرا واستعفوا منه، وكلما نهنه عثمان عن عمر وقوما وسكنهم وأرضاهم وقال: إنما هو أمين انبعث آخرون بشيء آخر، وكلهم يطلب عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فقال لهم عثمان: أما عمرو فسننزعه عنكم إلى ما زعمتم أنه أفسد، وأما الحرب فسنقره عليها ونولي من سألتم، فولى عبد الله ابن سعد خراجهم خراج مصر، وترك عمرا على صلاتها، فمشى في ذلك سودان بن حمران وكنانة بن بشر وخارجة وأشباههم فيما بين عمرو وعبد الله بن سعد، وأغروا بينهما حتى احتمل كل واحد منهما على صاحبه، وتكاتبا على قدر ما أبلغوا كل واحد منهما، فكتب عبد الله بن سعد: إن خراجي لا يستقيم ما دام عمرو على الصلاة. وخرجوا فصدقوه واستعفوا من عمرو، وسألوا عبد الله، فكتب عثمان إلى عمرو: إنه لا خير لك في صحبة من يكرهك، فأقبل. وجمع مصر لعبد الله صلاتها وخراجها، فقدم عمرو فقال له عثمان: أبا عبد الله ما شأنك استحيل رأيك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، دعني فوالله ما أدري أين أتيت وما أتهم عبد الله بن سعد، وإن كنت لأهل عملي كالوالدة، وما قدر العارف الشاكر على معونتي.

(5/204)


قال الحسن البصري: كان عمر قد حجر على أعلام قريش من المهاجرين الخروج في البلدان إلا بإذن وأجل، فشكوه فبلغه فقام فقال: ألا إني قد سننت الإسلام سن البعير، يبدأ فيكون جذعا، ثم ثنيا، ثم رباعيا، ثم سدسيا، ثم بازلا، فهل ينتظر بالبازل إلا النقصان، ألا وإن الإسلام قد بزل، ألا وإن قريشا يريدون أن يتخذوا مال الله مغويات دون عباده، ألا فأما وابن الخطاب حي فلا، إني قائم دون شعب الحرة آخذ بحلاقيم قريش وحجزها أن يتهافتوا في النار.
قالوا: فلما ولي عثمان لم يأخذهم بالزي الذي كان أخذهم به عمر، فانساحوا في البلاد، فلما رأوها ورأوا الدنيا ورآهم الناس انقطع من لم يكن له طول ولا مزية في الإسلام، وكان مغمورا في الناس، وصاروا أوزاعا إليهم، وأملوهم وتقدموا في ذلك، وقالوا: يملكون فنكون قد عرفناهم وتقدمنا في التقرب والانقطاع إليهم، فكان ذلك أول وهن دخل على الإسلام، وأول فتنة كانت في العامة، ليس إلا ذلك.
قال الشعبي: لم يمت عمر حتى ملته قريش، وقد كان حصرهم بالمدينة، وأسبغ عليهم وقال: إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة انتشاركم في البلاد، فإن كان الرجل ليستأذنه في الغزو وهو ممن حبس في المدينة من المهاجرين، ولم يكن فعل ذلك بغيرهم من أهل مكة فيقول: قد كان لك في غزوك مع النبي صلى الله عليه وسلم ما يبلغك، وخير لك من غزوك اليوم ألا ترى الدنيا ولا تراك. فلما ولي عثمان خلى عنهم فاضطربوا في البلاد، وانقطع إليهم الناس، وكان أحب إليهم من عمر.
قال بن سعد بن أبي وقاص: قدم عمار من مصر وأبي شاك، فبلغه فبعثني إليه أدعوه، فقام معي ليس عليه رداء، وعليه قلنسوة من شعر، معتم عليها بعمامة وسخة، وجبة فراء يمانية، فلما دخل على سعد وهو متكئ، استلقى ووضع يده على جبهته، ثم قال: ويحك يا أبا اليقظان، إن كنت فينا لمن أهل الخير، فما الذي بلغني من سعيك في فساد بين المسلمين والتأليب على أمير المؤمنين؟ أمعك عقلك أم لا؟ فأهوى عمار إلى عمامته، وغضب فنزعها وقال: خلعت عثمان كما خلعت عماتي هذه، فقال سعد: إنا لله وإنا إليه راجعون، ويحك، حين كبر سنك، ودق عظمك، ونفد عمرك، ولم يبق منك إلا ظمء كظمء الحمار، خلعت ربقة الإسلام من عنقك وخرجت من الدين عريانا كما ولدتك أمك؟ فقام عمار مغضبا موليا، وهو يقول: أعوذ بربي من فتنة سعد، فقال سعد " ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين " اللهم: زد عثمان بعفوه وحلمه عندك درجات، حتى خرج عمار من الباب. وأقبل علي سعد يبكي له حتى أخضل لحيته، وقال: من يأمن الفتنة؟ يا بني، لا يخرجن منك ما سمعت فإنه من الأمانة، وإني أكره أن يتعلق به الناس عليه فيتناولونه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحق مع عمار ما لم تغلب عليه دلهة الكبر. فقد دله وخرف، وكان بعد يكثر أن يقول: ليت شعري كيف يصنع الله بعمار مع بلائه وقدمه في الإسلام وحدثه الذي أحدث؟ قال مبشر: سألت سالم بن عبد الله عن محمد بن أبي بكر ما دعاه إلى ركوب عثمان فقال: الغضب والطمع. فقلت: ما الغضب والطمع؟ قال: كان من الإسلام بالمكان الذي هو به، وغره أقوام فطمع، وكانت له دالة، ولزمه حق فأخذه عثمان من ظهره ولم يدهن، فاجتمع هذا إلى هذا فصار مذمما بعد أن كان محمدا.
بعثت ليلى بنت عميس إلى محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر فقالت: إن المصباح يأكل نفسه ويضيء للناس فلا تأثما في أمر تسوقانه إلى من لا يأثم فيه، فإن هذا الأمر الذي تحاولان اليوم لغيركم غدا، فاتقوا أن يكون عملكم اليوم حسرة عليكم غدا. فلجا وخرجا مغضبين يقولان: لا تنسي ما صنع بنا عثمان، وتقول: ما صنع بكما إلا ما ألزمكما الله. فلقيهما سعيد بن العاص، وقد كان بين محمد بن أبي بكر وبينه شيء، فتمثل له في تلك الحال بيتا فأذكره حين لقي خارجا من عند ليلى متمثلا من الكامل:
استبق ودك للصديق ولا تكن ... قتبا يعض بغارب ملحاحا
فأجابه سعيد متمثلا: من الطويل
ترون إذا ضربا صميما من الذي ... له جانب ناء عن الحزم معور

(5/205)


كتب عثمان إلى أهل الأمصار: أما بعد، فإني آخذ العمال بموافاتي في كل موسم، وقد سلطت الأمة منذ وليت على الائتمار بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا يرفع إلي شيء علي ولا على أحد من عمالي إلا أعطيته، وليس لي ولا لعمالي حق قبل الرعية إلا متروك لهم، وقد رفع إلي أهل المدينة أن أقواما يشتمون، وآخرين يضربون، فيا من ضرب سرا وشتم سرا، من ادعى شيئا من ذلك فليواف الموسم، وليأخذ بحقه كيف كان، مني أو من عمالي، أو يصدقوا، فإن الله يجزي المتصدقين. فلما قرىء في الأمصار أبكى الناس، ودعوا لعثمان وقالوا: إن الأمة لتمخض بشر، فإلى ما ذاك مسلمها؟ وما يدرون ما باب تلك الإذاعة وما حيلتها. وبعث إلى عمال الأمصار فقدموا عليه: عبد الله بن عامر، ومعاوية، وعبد الله بن سعد، وأدخل معهم في المشورة سعيدا وعمرا، فقال: ويحكم ما هذه الشكاة؟ وما هذه الإذاعة؟ إني والله لخائف أن تكونوا مصدوقا عليكم، وما يعصب هذا إلا بي. فقالوا له: ألم نبعث؟ ألم نرفع إليك الخبر عن العوام؟ ألم يرجعوا وما يشافههم أحد بشيء؟ لا والله ما صدقوا ولا بروا ولا نعلم لهذا الأمر أصلا، وما كنت لتأخذ به أحدا، ونقيمتك على شيء، وما هي إلا الإذاعة، ما يحل الأخذ بها ولا الانتهاء إليها. قال: فأشيروا علي، فقال سعيد بن العاص: هذا أمر مصنوع يصنع في السر، فيلقى به غير المعرفة فيخبر به فيتحدث به الناس في مجالسهم. قال: فما دواء ذلك؟ قال: طلب هؤلاء القوم، ثم قتل الذين يخرج هذا من عندهم. وقال عبد الله بن سعد: خذ من الناس الذي عليهم إذا أعطيتهم الذي لهم، حتى الأدب، فإنه خير من تدعهم. وقال معاوية: قد وليتني فوليت قوما لا يأتيك عنهم إلا الخير، الرجلان أعلم بنا بناحيتهما. قال: فما الرأي؟ قال: حسن الأدب. قال: فما ترى يا عمرو؟ قال: أرى أنك قد لنت لهم وتراخيت عنهم، وزدتهم على ما كان يصنع عمر، وأرى أن تلزم طريقة صاحبيك، فتشد في موضع الشدة، وتلين في موضع اللين، إن الشدة لا ينبغي عمن لا يألو الناس شرا، وتلين لمن يخاف البأس بالنصح، وقد فرشتهما جميعا اللين.
وقام عثمان فحمد الله وأثنى عليه وقال: كل ما أشرتم به علي قد سمعت، ولكل أمر باب يؤتى منه، إن هذا الأمر الذي يخاف على الأمة كائن وإن بابه الذي يغلق عليه، ويكفكف به، اللين والمؤاتاة والمتابعة، إلا في حدود الله التي لا يستطيع أحد أن ينادي بعيب أحدهما، فإن سده شيء فذاك، ووالله ليفتحن، وليست لأحد علي حجة حق، وقد علم الله أني لم آل الناس خيرا ولا نفسي، ووالله إن رحى الفتنة لدائرة، فطوبى لعثمان إن مات ولم يحركها، كفكفوا الناس وهبوا لهم حقوقهم واغتفروا لهم، وإذا تعوطيت حقوق الله فلا تدهنوا فيها.
فلما نفر عثمان شخص معاوية وعبد الله بن سعد معه إلى المدينة، ورجع ابن عامر وسعيد معه. ولما استقل عثمان رجز به الحادي من مشطور الرجز:
قد علمت ضوامر المطي
وضمرات عوج القسي
أن الأمير بعده علي
وفي الزبير خلف مرضي وطلحة الحامي لها ولي فقال كعب وهو يسير خلف عثمان: الأمير والله بعده صاحب البغلة وأشار إلى معاوية.
قالوا: فما زال معاوية يطمع فيها بعد ذلك، ولما بلغه هذا الحداء سأله عن الذي بلغه فقال: نعم، أنت الأمير بعده، ولكنها لا تصل إليك حتى تكذب بحديثي هذا. فوقعت في نفس معاوية.

(5/206)


فلما ورد عثمان إلى المدينة رد الأمراء إلى أعمالهم فمضوا جميعا، وأقام سعيد بعدهم، وفلما ودع معاوية عثمان خرج من عنده وعليه ثياب السفر، متقلدا سيفه متنكبا قوسه، فإذا هو بنفر من المهاجرين، فيهم طلحة والزبير وعلي، فقام عليهم فتوكأ على قوسه بعد ما سلم عليهم، ثم قال: إنكم قد علمتم أن هذا الأمر كان إذ الناس يتغالبون إلى رجال، فلم يكن منهم أحد وفي قبيلته من يرأسه، ويستبد عليه، ويقطع الأمر دونه، ولا يشهده ولا يؤامره، حتى بعث الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم، وأكرم به من اتبعه فكانوا يرأسون من جاء بعدهم، وأمرهم شورى بينهم، يتفاضلون فيه بالسابقة والقدمة والاجتهاد، فإن أخذوا بذلك وقاموا به كان الأمر أمرهم والناس لهم تبع، وإن صغوا إلى الدنيا، وطلبوها بالتغالب سلبوا ذلك، ورده الله إلى من جعل له الغلب، وكان يرأسهم أولا، فليحذروا الغير فإن الله على البدل قادر، وله المشيئة في ملكه وأمره، إني قد خلفت فيكم شيخا فاستوصوا به خيرا، وكانفوه تكونوا أسعد منه بذلك. ثم ودعهم ومضى، فقال علي: إن كنت لأرى في هذا خيرا. فقال الزبير: لا والله ما كان قط أعظم في صدرك وصدورنا منه الغداة.
وقد كان معاوية قال لعثمان غداة ودعه وخرج: يا أمير المؤمنين، انطلق معي إلى الشام قبل أن يهجم عليك من لا قبل لك به، فإن أهل الشام على الأمر لم يزولوا عنه. فقال: أنا أبيع جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء وإن كان قطع خيط عنقي؟؟؟ قال: فأبعث إليك جندا منهم يقيم بين ظهراني المدينة لنائبة إن نابت المدينة أو إياك؟ قال: أنا أقتر على جيران رسول الله صلى الله عليه وسلم الأرزاق بجند يساكنهم، وأضيق على أهل دار الهجرة والنصرة؟ قال: يا أمير المؤمنين، والله لتغتالن ولتغزن، فقال: حسبي الله ونعم الوكيل.
وقال معاوية: يا أيسار الجزور، وأين أيسار الجزور؟ ثم خرج حتى وقف على النفر ثم مضى.
وكان أهل مصر بايعوا أشياعهم من أهل الكوفة وأهل البصرة وجميع من أجابهم أن ينووا خلاف أمرائهم، واتعدوا يوما حيث شخص أمراؤهم فلم يستقم ذلك لأحد منهم، ولم يتمم عليه إلا أهل الكوفة، فإن يزيد بن قيس الأرحبي ثار فيها واجتمع إليه أصحابه، وعلى الحرب يومئذ القعقاع بن عمرو، فأتاه وأحاط الناس بهم فناشدوهم، وقال يزيد للقعقاع: ما سبيلك علي وعلى هؤلاء؟ فوالله إني لسامع مطيع وهم، وإني للازم لجماعتي وهم، إلا أني أستعفي ومن ترى من إمارة سعيد، فقد يستعفي الخاصة من أمر قد رضيته العامة. قال: فذاك إلى أمير المؤمنين. فتركهم والاستعفاء، ولم يستطيعوا أن يظهروا غير ذلك. واستقبلوا سعيدا فردوه من الجرعة، واجتمع الناس على أبي موسى، وأقره عثمان.
ولما رجع الأمراء لم يك للسبئية سبيل إلى الخروج من الأمصار، فكاتبوا أشياعهم من أهل الأمصار أن يتوافوا بالمدينة لينظروا فيما يريدون، وأظهروا أنهم يأتمرون بالمعروف، ويسألون عثمان عن أشياء ليطير في الناس ولتحقق عليه. فتوافوا بالمدينة، وأرسل عثمان رجلين: مخزومي وزهري، فقال: انظرا ما يريدون، واعلما علمهم، وكانا ممن ناله من عثمان أدب، فاصطبرا للحق ولم يضطغنا، فلما رأوهما باثوهما وأخبرو هما بما يريدون، فقالا: من معكم على هذا من أهل المدينة؟ قالوا: ثلاثة نفر، فقالا: هل إلا؟ قالوا: لا، قالا: فكيف تريدون أن تصنعوا؟ قالوا: نريد أن نذكر له أشياء قد زرعناها في قلوب الناس، ثم نرجع إليهم فنزعم لهم أنا قد قررناه بها فلم يخرج منها ولم يتب، ثم نخرج كأننا حجاج حتى نقدم فنحيط به فنخلعه، فإن أبى قتلناه، وكانت إياها. فرجعا إلى عثمان بالخبر، فضحك وقال: اللهم سلم هؤلاء النفر، فإنك إن لم تسلمهم شقوا، فأما عمار، فحمل علي ذنب ابن أبي لهب وعركه بي، وأما محمد بن أبي بكر فإنه أعجب حتى رأى أن الحقوق لا تلزمه، وأما ابن سارة فإنه يتعرض للبلاء.

(5/207)


وأرسل إلى المصريين والكوفيين ونادى الصلاة جامعة، وهم عنده في أصل المنبر فأقبل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحاطوا بهم، فحمد الله وأثنى عليه، وأخبرهم خبر القوم، وقام الرجلان فقالوا جميعا: اقتلهم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من دعا إلى نفسه أو إلى أحد وعلى الناس إمام فعليه لعنة الله، فاقتلوه. وقال عمر بن الخطاب: لا أحل لكم إلا ما قتلتموه وأنا شريككم. فقال عثمان: بل نعفو ونقبل ونبصرهم بجهدنا، ولا نحاد أحد حتى يركب حدا أو يبدي كفرا، إن هؤلاء ذكروا أمورا قد علموا منها مثل الذي علمتم، إلا أنهم زعموا أنهم يذاكرونيها ليوجبوها علي، عقد من لا يعلم.
وقالوا: أتم الصلاة في السفر، وكانت لا تتم، ألا وإني قدمت بلدا فيه أهلي فأتممت لهذا من الأمر، أفكذلك؟ قالوا: اللهم نعم.
قالوا: وحميت حمى، وإني ما حميت إلا ما حمي قبلي، والله ما حموا شيئا لأحد، ما حموا إلا ما غلب عليه أهل المدينة، ثم لم يمنعوا من رعية أحد، واقتصروا لصدقات المسلمين مويها لئلا يكون بين من يليها وبين أحد تنازع، ثم ما منعوا ولا نحن منها أحدا إلا من ساق دهما، ومالي من بعير غير راحلتين، ومالي ثاغية، وإني قد وليت وإني لأكثر العرب بعيرا وشاة، فمالي اليوم شاة ولا بعير غير بعيرين لحجي، أكذاك؟ قالوا: اللهم نعم.
قال: وقالوا: كان القرآن كتبا فتركها إلا واحدا، ألا وإن القرآن واحد، جاء من عند واحد، وإنما أنا في ذلك تابع لهؤلاء، أفكذلك؟ قالوا: اللهم نعم. وسألوه أن يقتلهم.
وقالوا: إني رددت الحكم وقد سيره رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحكم مكي سيره رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى الطائف، ثم رده رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم سيره، ورسول الله صلى الله عليه وسلم رده، أفكذلك؟ قالوا: نعم. وقالوا: اسمعت الأحداث، ولم أستعمل إلا مجتمع محتمل مرضي، وهؤلاء أهل عمله فسلوهم عنه، وهؤلاء أهل بلده، وقد ولى من قبلي أحدث منه، وقيل في ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أشد مما قيل لي في استعماله أسامة، أكذاك؟ قالوا: نعم. يعيبون للناس مالا يفسرون.
وقالوا: إني أعطيت ابن أبي سرح ما أفاء الله عليه، وإني إنما نفلته خمس ما أفاء الله عليه من الخمس فكان مئة ألف، قد نفل مثل ذلك أبو بكر وعمر، فزعم الجند أنهم يكرهون ذلك فرددته عليهم، وليس ذلك لهم، أكذاك؟ فقالوا: نعم.
وقالوا: إني أحب أهل بيتي وأعطيتهم، فأما حبي فإنه لم يمل معهم على جور، بل أحمل الحقوق عليهم، وأما إعطاؤهم فإني إنما أعطيهم من مالي، ولا أستجل أموال المسلمين لنفسي ولا لأحد من الناس، ولقد كنت أعطي العطية الكبيرة والرغيبة من صلب مالي أزمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، وأنا يومئذ شحيح حريص، أفحين أتيت على أسنان أهل بيتي، وفني عمري، ووزعت الذي لي في أهلي قال الملحدون ما قالوا، إني والله ما حملت على مصر من الأمصار فضلا فيجوز ذلك لمن قاله، ولقد رددته عليهم، ولا قدم علي الأخماس، ولا يحل لي منها شيء فولي المسلمون وضعها في أهلها دوني ولا تبلغت من مال الله عز وجل بفلس فما فوقه، ولا أتبلغ به، ما آكل إلا في مالي.
قالوا: أعطيت الأرض رجالا، وإن هذه الأرضين شاركهم فيها المهاجرون والأنصار أيام افتتحت، فمن أقام بمكة من هذه الفتوح فهو أسوة أهله، ومن رجع إلى أهله لم يذهب ذلك ما حوى الله عز وجل له. فنظرت في الذي يصيبهم مما أفاء الله عليهم فبعته لهم بأمرهم من رجال أهل عقار ببلاد العرب، فنقلت إليهم نصيبهم، فهو في أيديهم دوني.
وكان عثمان قد قسم ماله وأرضه في بني أمية، وجعل ولده كبعض من يعطي، فبدأ ببني أبي العاص، فأعطى آل الحكم رجالهم عشرة آلاف، عشرة آلاف، فأخذوا مئة ألف، وأعطي بني عثمان مثل ذلك، وقسم في بني العاص وفي بني العيص وفي بني حرب، ولانت حاشية عثمان لأولئك الطراء، وأبى المسلمون إلا قتلهم، وأبى إلا تركهم، فذهبوا فرجعوا إلى بلادهم على أن يغزوهم مع الحجاج كالحجاج، وتكاتبوا وقالوا: موعدكم ضواحي المدينة في شوال.

(5/208)


قالوا وكتب عثمان إلى الناس بالذي كان وبكل ما صبر عليه من الناس إلى ذلك اليوم، وبما عليهم، فما كتب به: بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد: فإن أقواما ممن كان يقول في هذا الحديث أظهروا للناس، أنما يدعون إلى كتاب الله والحق، ولا يريدون الدنيا ولا منازعة فيها، فلما عرض عليهم الحق إذا الناس في ذلك شتى، منهم آخذ للحق ونازع عنه من يعطاه، ومنهم تارك للحق رغبة في الأمر، يريدون أن يبتزوه لغير الحق، وقد طال عليهم عمري وراث عليهم أملهم في الأمور، واستعجلوا القدر، وإني جمعتهم والمهاجرين والأنصار فنشدتهم فأدوا الذي علموا، فكان أول ما شهدوا به أن يقتل كل من دعا إلى نفسه أو أحد.
وفسر لهم ما اغتدوا به عليه، وما أجابهم فيه وشهد له عليه. ورجع إليهم الذين شخصوا، لا يستطيعون أن يظهروا شيئا حتى إذا دخل شوال خرجوا كالحجاج فنزلوا قرب المدينة.
قالوا: ولما كان في شوال سنة خمس وثلاثين خرج أهل مصر في أربع رفاق على أربعة أمراء، المقلل يقول: ست مئة، والمكثر يقول: ألف، ولم يجترئوا أن يعلموا الناس بخروجهم إلى الحرب إنما خرجوا كالحجاج، ومعهم ابن السوداء، وخرج أهل الكوفة في أربع رفاق، وعددهم كعدد أهل مصر، وخرج أهل البصرة في أربع رفاق، وعددهم كعدد أهل مصر، فأما أهل مصر فإنهم يشتهون عليا، وأما أهل البصرة فإنهم كانوا يشتهون طلحة، وأما أهل الكوفة فإنهم يشتهون الزبير فخرجوا وهم على الخروج جميع، في التأمير شتى، لا تشك كل فرقة إلا أن الفلج معها، وأن أمرها سيتم دون الأخرى، فخرجوا حتى إذا كانوا من المدينة على ثلاث تقدم أناس من أهل البصرة فنزلوا ذا خشب، وأناس من الكوفة فنزلوا الأعوص، وجاءهم أناس من أهل مصر، وتركوا عامتهم بذي المروة.
ومشى فيما بين أهل مصر وأهل البصرة زياد بن النضر وعبد الله بن الأصم، وقالوا: لا تعجلوا حتى ندخل لكم المدينة ونرتاد، فإنه قد بلغنا أنهم قد عسكروا لنا، فوالله إن كان أهل المدينة قد خافونا واستحلوا قتالنا ولم يعلموا علمنا، لهم علينا إذا علموا علمنا أشد وإن أمرنا هذا لباطل، وإن لم يستحلوا قتالنا ووجدنا الذي بلغنا باطلا لنرجعن إليكم بالخبر، قالوا: اذهبوا، فدخل الرجلان فلقوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وطلحة والزبير وعليا، وقالوا: إنما نؤم هذا البيت، ونستعفي هذا الوالي من بعض عمالنا، ما جئنا إلا لذلك، واستأذنوهم للناس بالدخول فكلهم أبي ونهى وقال: بيض ما يفرخن: فرجعا إليهم.
فاجتمع من أهل مصر نفر فأتوا عليا، ومن أهل البصرة نفر فأتوا طلحة، ومن أهل الكوفة نفر فأتوا الزبير، وقال كل فريق منهم: إن بايعنا صاحبنا وإلا كدناهم وفرقنا جماعتهم، ثم كررنا حتى نبتغهم. فأتى المصريون عليا وهو في عسكر عند أحجار الزيت، عليه حلة أفواف معتم بشقيقة حمراء يمانية، متقلد السيف، ليس عليه قميص، وقد سرح الحسن إلى عثمان فيمن اجتمع إليه، والحسن جالس عند عثمان، وعلي عند أحجار الزيت فسلم عليه المصريون وعرضوا له، فصاح بهم واطردهم وقال: لقد علم الصالحون أن جيش ذي المروة وذي خشب والأعوص ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، فارجعوا لا صحبكم الله. قالوا: نعم. فانصرفوا من عنده على ذلك.
وأتى البصريون طلحة وهو في جماعة أخرى إلى جنب علي عليه السلام وقد أرسل بنيه إلى عثمان، فسلم البصريون عليه وعرضوا به، فصاح بهم واطردهم، وقال: لقد علم المؤمنون أن جيش ذي المروة وذي خشب والأعوص ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم.
وأتى الكوفيون الزبير وهو جماعة أخرى، وقد سرح عبد الله إلى عثمان، فسلموا عليه وعرضوا له فصاح بهم واطردهم، وقال: لقد علم المسلمون أن جيش ذي المروة وذي خشب والأعوص ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم.
فخرج القوم وأروهم أنهم يرجعون، فانقشوا عن ذي خشب حتى أتوا عساكرهم، وهي ثلاث مراحل، كي يفترق أهل المدينة ثم يكرون، فافترق أهل المدينة لخروجهم، فلما بلغ القوم عساكرهم كروا بهم فبغتوهم، فلم يفجأ أهل المدينة إلا والتكبير في نواحي المدينة، فنزلوا في مواضع عساكرهم وأحاطوا بعثمان وقالوا: من كف يده فهو آمن.

(5/209)


وصلى عثمان بالناس أياما، ولزم الناس بيوتهم، ولم يمنعوا أحد من كلام، فأتاهم الناس فكلموهم، وفيهم علي فقال علي: ما ردكم بعد ذهابكم ورجوعكم عن رأيكم؟ قالوا: وجدنا مع يزيد كتابا بقتلنا. وأتاهم طلحة فقال البصريون مثل ذلك، وأتاهم الزبير فقال الكوفيون مثل ذلك، وقال الكوفيون والبصريون: فنحن ننصر إخواننا ونمنعهم، فقالوا جميعا كأنما كانوا على ميعاد، كيف علمتم يا أهل الكوفة ويا أهل البصرة بما لقي أهل مصر، وقد سرتم مراحل ثم طويتم نحونا؟ هذا والله أمر أبرم بالمدينة، قالوا: فضعوه على ما شئتم، لا حاجة لنا في هذا الرجل، ليعتزلنا. وهو في ذلك يصلي بهم وهم يصلون خلفه، ويغشى من شاء عثمان، وهم أدق في عينيه من التراب، وكانوا لا يمنعون أحدا الكلام، وكانوا زمرا بالمدينة يمنعون الناس من الاجتماع.
وكتب عثمان إلى أهل مصر يستمدهم: أما بعد، فإن الله بعث محمدا بالحق بشيرا ونذيرا، وبلغ عن الله ما أمر به ثم مضى، وقد قضى الذي عليه وخلف فينا كتابه، فيه حلاله وحرامه، وبيان الأمور التي قدر، فأمضاها على ما أحب العباد وكرهوا، فكان الخليفة أبو بكر ثم عمر، ثم أدخلت في الشورى عن غير علم ولا مسألة عن ملأ من الأمة، ثم اجتمع أهل الشورى عن ملأ منهم ومن الناس عن غير طلب مني ولا محبة، فعملت فيهم بما يعرفون ولا ينكرون، تابعا غير مستتبع، متبعا غير مبتدع، مقتديا غير متكلف، فلما انتهت الأمور وانتكث الشر بأهله، وبدت ضغائن وأهواء على غير اجترام ولا ترة فيما مضى إلا إمضاء الكتاب، وطلبوا أمرا وأعلنوا غيره بغير حجة ولا عذر، فعابوا علي أشياء مما كانوا يرضون، وأشياء عن ملأ من أهل المدينة، لا يصلح غيرها، فصبرت لهم نفسي وكففتها عنهم منذ سنين، وأنا أرى وأسمع، فازدادوا على الله جرأة، حتى أغاروا علينا في جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرمه وأرض الهجرة، وثابت إليهم الأعراب، فهم كالأحزاب أيام الأحزاب، أو من غزانا بأحد إلا ما يظهرون، فمن قدر على اللحاق بنا فليلحق.
فأتى الكتاب أهل الأمصار فخرجوا على الصعبة والذلول.
ولما جاءت الجمعة على أثر نزول المصريين مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم خرج عثمان فصلى بالناس، ثم قام على المنبر فقال: يا هؤلاء الغزاء، الله الله، فوالله إن أهل المدينة ليعلمون إنكم لملعونون على لسن محمد صلى الله عليه وسلم، فامحوا الخطأ بالصواب، فإن الله لا يمحو السيء إلا بالحسن.
فقام محمد بن مسلمة فقال: أنا أشهد بذلك، فأخذ حكيم بن جبلة فأقعده، فقام زيد بن ثابت فقال: أبغى الكتاب؟ فثار إليه في ناحية أخرى محمد بن أبي قتيرة فأقعده وقال فأقظع، وثار القوم بأجمعهم فحصبوا الناس حتى أخرجوهم، وحصنوا عثمان حتى صرع عن المنبر مغشيا عليه، فاحتمل فأدخل داره. وكان المصريون لا يطمعون في أحد من أهل المدينة أن يساعدهم إلا في ثلاثة نفر، فإنهم كانوا يراسلونهم: محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر، وعمار بن ياسر، وشرى أناس من الناس فاستقتلوا، منهم سعد بن مالك وأبو هريرة وزيد بن ثابت والحسن بن علي، فبعث إليهم بعزمه لما انصرفوا، فانصرفوا، وأقبل علي حتى دخل عثمان، وأقبل طلحة حتى دخل عليه، وأقبل الزبير حتى دخل عليه يعودونه من صرعته ويشكون بثهم، ثم رجعوا إلى منازلهم.
وفي حديث عن الحسن أن عثمان يخطب يوم الجمعة فقام رجل فقال: أسألك كتاب الله. فقال عثمان: أو ما لكتاب الله طالب غيرك؟ اجلس، فجلس، فقال الحسن: كذبت يا عدو نفسه، لو كنت تطلب كتاب الله لم تطلبه يوم الجمعة والإمام يخطب، ثم قام الثانية والثالثة، فقال عثمان: أما لهذا أحد يجلسه؟ قال: فتخاصبوا حتى ما أرى أديم السماء، قال: فكأني أنظر إلى ورقات مصحف رفعته امرأة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وهي تقول: إن الله قد برأ نبيه صلى الله عليه وسلم من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا، قال: فذاك أول ما عقلت الأحاديث، وخالطت الناس فقال لي بعض أصحابي: تلك أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم.

(5/210)


وعن جابر بن عبد الله: أن المصريين لما أقبلوا من مصر يريدون عثمان بذي خشب، دعا عثمان بن محمد مسلمة فقال: اذهب إليهم فارددهم عني وأعطهم الرضى، وأخبرهم أني فاعل وفاعل بالأمور التي طلبوا ونازع عن كذا الأمور التي تكلموا فيها فركب محمد بن مسلمة إلى ذي خشب، وأرسل معه عثمان خمسين راكبا من الأنصار أنا فيهم، وكان رؤساؤهم أربعة: عبد الرحمن بن عديس البلوي، وسودان بن حمران المرادي، وابن البياع، وعمرو بن الحمق الخزاعي، لقد كان الاسم غلب حتى كان يقال: جيش ابن الحمق، فأتاهم محمد بن مسلمة وقال: إن أمير المؤمنين يقول كذا ويقول كذا وأخبرهم بقوله، فلم يزل بهم حتى رجعوا، فلما كانوا بالبويب رأوا جملا عليه ميسم الصدقة فأخذوه فإذا غلام لعثمان، فأخذوا متاعه ففتشوه فوجدوا قصبة من رصاص، فيها كتاب في جوف الإداوة في الماء إلى عبد الله بن سعد أن افعل بفلان كذا وبفلان كذا من القوم الذين شرعوا في عثمان. فرجع القوم ثانية حتى نزلوا بذي خشب، فأرسل عثمان إلى محمد بن مسلمة وقال: اخرج فارددهم عني، فقال: لا أفعل، قال: فقدموا فحصروا عثمان.
وقال سفيان بن أبي العوجاء: أنكر عثمان أن يكون كتب ذلك الكتاب أو أرسل ذلك الرسول، وقال: فعل ذلك دوني؟ وقيل: إنهم لما أخذوا ميثاقه وكتبوا عليه، وأخذ عليهم ألا يشقوا عصا ولا يفارقوا جماعة ما أقام لهم بشرطهم، ثم رجعوا راضين، فبينا هم بالطريق إذا راكب يتعرض لهم ثم يفارقهم ثم يرجع إليهم ثم يفارقهم، فقالوا له: مالك؟ قال: أنا رسول أمير المؤمنين إلى عامله بمصر. ففتشوه فإذا هم بالكتاب على لسان عثمان، عليه خاتمه إلى عامل مصر أن يصلبهم أو يقتلهم أو يقطع أيديهم وأرجلهم، فأقبلوا حتى قدموا المدينة، فأتوا عليا فقالوا: ألم تر عدو الله؟ إنه كتب فينا بكذا وكذا، وإن الله أحل دمه، فقم معنا إليه، فقال: والله لا أقوم معكم. قالوا: فلم كتبت إلينا؟ قال: والله ما كتبت إليكم كتابا. فنظر بعضهم إلى بعض، وخرج علي من المدينة. فانطلقوا إلى عثمان فقالوا: كتبت فينا بكذا وكذا، فقال: إنما هما اثنتان: تقيمون رجلين من المسلمين أو يميني بالذي لا إله إلا هو ما كتبت ولا أمليت ولا علمت، وقد يكتب الكتاب على لسان الرجل، وينقش بالخاتم على الخاتم. فقالوا: قد أحل الله دمك، ونقض العهد والميثاق، وحصروه في القصر.
وحدث ابن عون عن محمد قال: لما كان حيث نزل بابن عفان، جمعهم فاستشارهم في القوم الذين حصروه، فأرسل إليهم عليا ورجلا آخر، فعرض عليهم كتاب الله، فشادهم وشادوه مرتين أو ثلاثا، ثم قالوا: ابن عم رسول الله صلى عليه وسلم ورسول أمير المؤمنين يعرض عليكم كتاب الله، قال: فقبلوه واشترطوا خمسا، فكتبوهن في الكتاب، وثنتين لم يكتبوها في الكتاب: المنفي يقلب والمحروم يعطى، ويوفر الفيء، ويعدل في القسم، ويستعمل ذو الأمانة والقوة، ويرد ابن عامر على أهل البصرة فإنهم به راضون، ويستعمل الأشعري على الكوفة. فذهبوا.
قال ابن عون: فلا أدري أين بلغوا، ثم رجعوا فقعدوا ناحية فقالوا: لا يكلمنا أحد، ولا يدنون منا أحد. فأرسل إليهم المغيرة، فأتاهم فقالوا: لا تدنون منا يا أعور، لا تكلمنا يا أعور، فأتى ابن عفان فقال: إني رأيت الناس فما رأيت قوما ألج من العرب، فلو خرجت في كتيبتك فعسى أن يروها فيرجعوا فخرج ابن عفان في كتيبته فنسل من أولئك رجل، ومن هؤلاء رجل، فانطلقا بسيفيهما، فحانت منه التفاتة فقال: في بيعتي وتأميري، فرجع فدخل الدار، فما أعلمه خرج بعد ذلك اليوم حتى قتل.
قال محمد: فلقد قتل وفي الدار لسبع مئة فيهم الحسن بن علي وعبد الله بن الزبير، ولو أذن لهم لضربوهم حتى يخرجوهم من أقطار المدينة.
وعن عبد الله بن سلام قال: بينما أمير المؤمنين عثمان يخطب ذات يوم فقام رجل فنال منه، فوذأته فاتذأ لي، فقال رجل: لا يمنعك مكان ابن سلام أن تسب نعثلا فإنه من شيعته، فقلت له: لقد قلت القول العظيم في يوم القيامة في الخليفة من بعد نوح.

(5/211)


قوله: فوذأه فاتذأ له يقال: وذأت الرجل إذا زجرته وقمعته، وقوله: اتذأ يعني انزجر. وقوله: نعثلا، قيل: إنه يشبه برجل من أهل مصر اسمه نعثل، وكان طويل اللحية، وكان عثمان إذا نيل منه وعيب يشبه بذلك لطول لحيته، لم يكونوا يجدون عيبا غير هذا. وقيل: من أهل أصبهان، وقيل: نعثل إنه الذكر من الضباع، وأما قوله: الخليفة من بعد نوح، فقد اختلف فيه، فقيل: إنه أراد بنوح عمر بن الخطاب لحديث النبي صلى الله عليه وسلم حين استشار أبا بكر في أسارى بدر، فأشار عليه أبو بكر بالمن عليهم، وأشار عليه عمر بقتلهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم وأقبل على أبي بكر: إن إبراهيم كان ألين في الله من الدهن باللبن. ثم أقبل على عمر فقال: إن نوحا كان أشد في الله من الحجر.
قال أبو عبيد: شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر بإبراهيم وعيسى حين قال: " إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم " ، وشبه عمر بنوح حين قال: " لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا " فأراد أن عثمان خليفة عمر.
وقيل: إن قوله الخليفة من بعد نوح، إنه لم يرد عمر إنما أراد نوح النبي صلى الله على نبينا وعليه، جعله مثلا له، أن الناس في زمن نوح كانوا في عافية، فكان هلاكهم في دعوة نوح، فأراد في قتل عثمان سل السيف والفتن إلى يوم القيامة.
وقوله: يوم القيامة أراد يوم الجمعة، وذلك أن الخطبة كانت يوم الجمعة.
وروى عن كعب أنه رأى رجلا يظلم رجلا يوم الجمعة فقال: ويحك! أتظلم رجلا يوم القيامة؟! وروي في الأحاديث أن الساعة تقوم يوم الجمعة فلذلك سمي يوم الجمعة يوم القيامة.
ولما حصر عثمان قام إليه فلان بن سعيد الغفاري وهو جهجاه حتى أخذ القضيب من يده قضيب النبي صلى الله عليه وسلم، فوضعها على ركبته ليكسرها بشعبها، وصاح به الناس، فنزل عثمان حتى دخل داره، ورمى الله الغفاري في ركبتيه فلم يحل عليه الحول حتى مات. وفي حديث آخر: فوقعت في ركبتيه الأكلة.
وعن صعصعة بن معاوية التميمي قال: أرسل عثمان وهو محصور إلى علي وطلحة والزبير وأقوام من الصحابة فقال: احضروا غدا، فكونوا حيث تسمعون ما أقول لهذه الخارجة. ففعلوا وأشرف عليهم فقال: أنشد الله من سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " من يشتري هذا المربد ويزيده في مسجدنا وله الجنة، وأجره الدنيا ما بقي درجات له؟ " فاشتريته بعشرين ألفا وزدته في المسجد، قالوا " اللهم نعم. وقال الخوارج: صدقوا ولكنك غيرت. ثم قال: أنشد الله من سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من يجهز جيش العسرة وله الجنة؟ " فجهزتهم حتى ما فقدوا عقالا ولا خطاما؟ قالوا: نعم. فقال الخوارج: صدقوا ولكنك غيرت. قال: أنشد الله من سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " : من يشتري رومة وله الجنة؟ فاشتريتها، فقال: اجعلها للمساكن ولك أجرها والجنة؟ قالوا: اللهم نعم. قال الخوارج: صدقوا ولكنك غيرت. وعدد أشياء، وقال: الله أكبر، ويلكم خصمتم والله، كيف يكون من يكون هذا له مغيرا؟ يا أيها النفر من أهل الشورى اعلموا أنهم سيقولون لكم غدا كما قالوا لي اليوم. فلما خرجوا بعد على علي، جعل ينشد الناس عن مثل ذلك ويشهد له به فيقولون: صدقوا ولكنك غيرت. فقال: ما اليوم قتلت ولكن يوم قتل ابن بيضاء. قال: هذا حديث غريب.

(5/212)


وعن ثمامة بن حزن القشيري قال: شهدت الدار، فأشرف عليهم عثمان فقال: ائتوني بصاحبيكم هذين اللذين ألباكم. قال: فجيء بهما كأنهما جملان أو كأنهما حماران، قال: فأشرف عليهم عثمان فقال: أنشدكم الله والإسلام هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وليس فيها ما يستعذب غير بئر رومة، فقال: من يشتري بئر رومة فيكون دلوه فيها مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة؟ فاشتريتها من صلب مالي، فأنتم اليوم تمنعوني أن أشرب منها حتى أشرب من ماء البحر؟ قالوا: اللهم نعم زاد في حديث غيره: قال: فعلى ما تمنعوني أن أشرب منها حتى أفطر على ماء البحر؟ قال: أنشدكم الله والإسلام، هل تعلمون أن المسجد كان ضاق بأهله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يشتري بقعة آل فلان بخير له منها في الجنة؟ فاشتريتها من مالي أو قال: من صلب مالي فزدتها في المسجد وأنتم اليوم تمنعوني أن أصلي فيها ركعتين به قالوا: اللهم نعم. قال: أنشدكم الله والإسلام هل تعلمون أني جهزت جيش العسرة من مالي؟ قالوا اللهم نعم. قال: أنشدكم الله والإسلام، هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على ثبير مكة هو وأبو بكر وعمر وأنا، فتحرك الجبل حتى تساقطت حجارته بالحضيض قال: فركضه برجله قال: اسكن ثبير، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان؟ قالوا: اللهم نعم. فقال: الله أكبر شهدوا لي ورب الكعبة أني شهيد، والله أكبر شهدوا لي ورب الكعبة أني شهيد. قالها ثلاثا.
زاد في حديث آخر بمعناه ولكن طال عليكم عمري فاستعجلتم وأردتم خلع سربال سربلنيه الله، وإنه لا أخلعه حتى أموت أو أقتل.
وعن الهزيل قال: إني بالمدينة جالس في حلقة من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذ جاء أعرابي فقال: يا صاحب محمد، ما تقول في قتل هذا الرجل يعني عثمان؟ فقام من مجلسه ذلك حتى فعل ذلك ثلاثا، إذ مر طلحة بن عبيد الله، فقلنا له: هذا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فسله، فقام الأعرابي فقال: يا صاحب محمد ما تقول في قتل هذا الرجل؟ قال طلحة: ها أنذا داخل عليه. فقال له الأعرابي: فأدخلني معك. قال: نعم. فدخل على عثمان ومعه الأعرابي فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال له عثمان: وعليك. ثم قال: أنشدك الله يا طلحة هل تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على حراء فقال: اقرر حراء، فإن عليك نبيا أو صديقا أو شهيدا. فكان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وأنا وعلي وأنت والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن مالك وسعيد بن زيد، ثم قال: أنشدك بالله يا طلحة أتعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " :النبي في الجنة، وأبو بكر في الجنة وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن في الجنة، وسعد بن مالك في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة؟ " قال: اللهم نعم. قال: أنشدك بالله أتعلم أن سائلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فأعطاه أربعين درهما، ثم سأل أبا بكر فأعطاه أربعين درهما، ثم سأل عمر فأعطاه أربعين درهما، ثم سأل عليا فلم يكن عنده شيء فأعطيته أربعين عن علي وأربعين عني، فجاء بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ادع الله لي بالبركة. فقال: وكيف لا يبارك لك، وإنما أعطاك نبي أو صديق أو شهيد؟ قال: اللهم نعم.
وعن زيد بن أسلم عن أبيه قال: شهدت عثمان حين حوصر والناس عنده موضع الجنائز، فلو أن حصاة ألقيت ما سقطت إلا على رأس رجل، فنظرت إلى عثمان حين أشرف من الخوخة التي تلي مقام جبريل، فقال للناس: أفيكم طلحة؟ قال: فسكتوا، قال: أفيكم طلحة؟ فسكتوا، ثم قال: أفيكم طلحة؟ فسكتوا، قال: أفيكم طلحة؟ فقام طلحة بن عبيد الله فقال له عثمان: ألا أراك ها هنا! ما كنت أراك تكون في جماعة قوم تسمع ندائي آخر ثلاث مرات ثم لا تجيبني! أنشدك يا طلحة، أما تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بمكان كذا وكذا سمى الموضع وأنا وأنت معه ليس معه من أصحابه غيري وغيرك فقال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لكل نبي رفيقا من أمته معه في الجنة، وإن عثمان هذا رفيقي معي في الجنة. يعنيني؟ فقال طلحة: اللهم نعم. قال: فانصرف طلحة.

(5/213)


وحدث عبيد الله بن عبيد الحميري عن أبيه قال: كنت فيمن حصر عثمان، فأشرف ذات يوم فقال: ها هنا طلحة؟ فقال: طلحة نعم. فقال: نشدتك بالله أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا ذات يوم ونحن عنده: " ليأخذ كل رجل منكم بيد جليسه، فإنه جليسه ووليه في الدنيا والآخرة " . فأخذت أنت بيد فلان بيد فلان، وفلان بيد فلان، حتى أخذ كل رجل بيد جليسه، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: هذا جليسي ووليي في الدنيا والآخرة؟ قال طلحة: اللهم نعم.فقال الحميري: كيف نقاتل رجلا قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا فيه؟ قال: فرجع في سبع مئة من قومه.
وعن ابن لبيبة: أن عثمان بن عفان لما حصر أشرف عليهم من كوة في الطمار، فقال: أفيكم طلحة؟ قالوا: نعم. قال: أنشدك الله هل تعلم أنه لما آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار آخى بيني وبين نفسه؟ فقال طلحة: اللهم نعم. فقيل لطلحة في ذلك، فقال: نشدني وأمر رأيته ألا أشهد به؟! وحدث محمد بن عبد الرحمن بن محيريز عن أبيه عن جده: أن عثمان لما أشرف على الذين حصروه فسلم عليهم فلم يردوا عليه، فقال عثمان: أفي القوم طلحة؟ قال طلحة: نعم. قال: فإنا لله وإنا إليه راجعون، أسلم على قوم وأنت فيهم فلا يردون! قال: قد رددت. قال: ما هكذا الرد، أسمعك ولا تسمعني؟ يا طلحة، نشدتك الله أسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يحل دم المسلم إلا واحد من ثلاث: أن يكفر بعد إيمانه، أو يزني بعد إحصانه، أو يقتل نفسا فيقتل بها؟ " قال اللهم نعم. قال: فكبر عثمان فقال: والله ما أنكرت الله منذ عرفته، ولا زنيت في جاهلية ولا إسلام، وقد تركته في الجاهلية تكرما وفي الإسلام تعففا، وما قتلت نفسا يحل بها قتلي.
وعن قتادة قال: فأشرف عليهم عثمان حين حصر فقال أخرجوا رجلا أكلمه، فأخرجوا صعصعة بن صوحان، قال عثمان: ما نقمتم؟ قال: أخرجنا من ديارنا بغير حق إلا أن قلنا: ربنا الله. قال عثمان: كذبت، لستم أولئك، نحن أولئك، أخرجنا أهل مكة، وقال الله: " الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر " فكان ثناء قبل بلاء. وعن حنظلة بن قنان من بني عامر ذهل قال: أشرف علينا عثمان فقال: أفيكم ابنا مخدوج؟ فقال: أنشدكما الله، ألستما تعلمان أن عمر قال: إن ربيعة فاجر وغادر، وإني والله لا أجعل فرائضهم وفرائض قوم جاؤوا من مسيرة شهر، وإنما مهاجر أحدكم عند طنبه، وإني زدتهم في غداة واحدة خمس مئة حتى ألحقتهم بهم؟ قالوا: بلى. قال: أذكركما الله ألستما تعلمان أنكما أتيتماني فقلتما: إن كندة أكلة رأس، وإن ربيعة هم الرأس، وإن الأشعث بن قيس قد أكلهم فنزعته واستعملتكما؟ قالا: بلى. قال: اللهم إن كانوا كفروا معروفي وبدلوا نعمتي فلا ترضهم عن إمام ولا ترض إماما عنهم.
قالوا: وقال عثمان: إن وجدتم في الحق أن تضعوا رجلي في القيود فضعوهما.
وعن مجاهد قال: أشرف عثمان علة الذين حاصروه فقال: يا قوم! لا تقتلونني فإني وال وأخ مسلم فوالله إن أردت إلا الإصلاح ما استطعت، أصبت أو أخطأت، وإنكم إن تقتلوني لا تصلون جميعا أبدا، ولا تغزون جميعا أبدا، ولا يقسم فيئكم بينكم، قال: فلما أبو قال: أنشدكم الله هل دعوتم عند وفاة أمير المؤمنين بما دعوتم به وأمركم جميعا لم يتفرق، وأنتم أهل دينه وحقه، فتقولون: إن الله لم يجب دعوتكم، أم تقولون: هان الدين على الله، أم تقولون: إني أخذت هذا الأمر بالسيف والغلبة ولم آخذه عن مشورة من المسلمين، أم تقولون: إن الله لم يعلم من أول أمري شيئا لم يعلمه من آخره، فلما أبو قال: اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا ولا تبق منهم أحدا.
قال مجاهد: فقتل الله منهم من قتل في الفتنة، وبعث يزيد إلى أهل المدينة عشرين ألفا فأباحوا المدينة ثلاثا يصنعون ما شاؤوا لمداهنتهم.

(5/214)


وعن أبي ليلى الكندي قال: رأيت عثمان أشرف على الناس وهو محصور في الدار فقال: يا أيها الناس، لا تقتلوني واستعتبوني، فو الله لئن قتلتموني لا تصلون جميعا أبدا، ولا تجاهدون عدوا جميعا أبدا، ولتختلفن حتى تصيروا هكذا، وشبك بين أصابعه " يا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح، وما قوم لوط منكم ببعيد " . قال: وأرسل إلى عبد الله بن سلام فسأله، فقال: الكف الكف، فإنه أبلغ لك في الحجة، فدخلوا عليه فقتلوه وهو صائم.
حدث قيس بن رمانة عن يوسف بن عبد الله بن سلام: وكان قيس يكرم ولد يوسف إذا نزلوا، فقال له يوسف: إني لا أدري ما أكرمك به إذا نزلت بي لما كنتم تصنعون إلى من نزل بكم. ألا حديث أحدثكموه، فاحفظه مني: إن عبد الله بن سلام كان مع عثمان في الدار فقال لعثمان: لو شئت خرجت ففثأت الناس عنك، فإني خارج، أغنى عنك مني عندك. قال: فقال عثمان: فافعل، فخرج عبد الله بن سلام، فلما رآه الناس صاحوا في وجهه، فقالوا: الناموس، الناموس ثلاث مرات عبد الله بن سلام. فقال علي بن أبي طالب: أيها الناس، دعوا عبد الله بن سلام فليتكلم، فخذوا من حديثه ما شئتم، ودعوا ما شئتم، فتركوه فتكلم فقال: أيها الناس، دعوا عثمان لا تقتلوه خمس عشرة ليلة، فإن لم يمت أو يقتل إلى خمس عشرة ليلة من ذي الحجة فقدموني فاضربوا عنقي. فقال الناس: الناموس، الناموس، الناموس عبد الله بن سلام. فأخذ بيدي أبي فقال: يا بني، رفع سلطان الدرة ووقع سلطان السيف، لا يرفع عنهم إلى يوم القيامة. ثم قال: إن لهؤلاء القوم سلطانا لن يزول حتى تزول الجبال، حتى يتفرقوا فيما بينهم، فإذا فعلوا ذلك خرجوا عصبة بسواد العراق، يخرج فيهم أمير العصب، لا يوجهون لشيء إلا فتح لهم، لا والذي لا إله إلا هو ما أنزل الله في توراة ولا إنجيل ولا قرآن أفضل مما جعل لأولئك القوم، فإن وجدت من العدة والنشاط فلا تقاتل أحدا أبدا حتى ترى ذلك، قال: قلت: ألا إن ذلك بعيد. قال: فوالله ما أراه إلا قد كان، ألا ترى ما كان من سليمان والوليد؟! فإن أدركته فسوف ترى، وإلا فاحفظ عني ما قلت لك.
وعن عبد الله بن مغفل قال: كان عبد الله بن سلام يجيء من أرض له على أتان أو حمار يوم الجمعة يذكر، فإذا قضيت الصلاة أتى أرضه، فلما هاج الناس بعثمان قال: أيها الناس، لا تقتلوا عثمان واستعتبوه، فوالله الذي نفسي بيده ما قتلت أمة نبيها فأصلح ذات بينهم حتى يهريقوا دم سبعين ألفا، وما قتلت أمة خليفتها فيصلح الله بينهم حتى يهريقوا دم أربعين ألفا، وما هلكت أمة حتى يرفعوا القرآن على السلطان. ثم قال: لا تقتلوه واستعتبوه. فلم ينظروا فيما قال وقتلوه، فجلس على طريق علي بن أبي طالب، حتى أتى عليه فقال: أين تريد؟ قال: العراق. قال: لا تأت العراق، وعليك بمنبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فالزمه، فوالذي نفسي بيده لئن تركته لا تراه أبدا. قال: فقال من حوله: دعنا فلنقتله. فقال علي: دعوا عبد الله بن سلام فإنه رجل صالح.
فقال ابن مغفل: وكنت استأمرت عبد الله بن سلام في أرض إلى جنب أرضه أشتريها، فقال بعد ذلك: هذه رأس أربعين سنة، وسيكون بعدها صلح فاشترها.
فقال سليمان: قلت لحميد: كيف يرفعون القرآن على السلطان؟ قال: ألم تر إلى الخوارج كيف يتأولون القرآن على السلطان؟! وعن عبد الله بن سلام: أنه قال للمصريين: لا تقتلوه فإن الله قد رفع عنكم سيف الفتنة منذ بعث نبيه صلى الله عليه وسلم، فلا يزال مرفوعا عنكم حتى تقتلوا إمامكم، فإن قتلتموه سل عليكم سيف الفتنة، ثم لم يرفعه عنكم حتى يخرج عيسى بن مريم، والثانية أن مدينتكم لم تزل محفوظة بملائكة منذ نزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولئن قتلتموه ليرتفعن عنها، ثم لا يحفونها حتى تلتقوا عند الله تعالى، والثالثة: تا الله لقد حق له عليكم ما يحق للوالد على ولده، إن رآه نائما لا يوقظه، والرابعة: أنه لا يستكمل ذا الحجة حتى يأتي على أجله، ولولا ما على العلماء لعلمت أن ما هو كائن سيكون. فشتموه وهموا به، فانصرف عنهم.
وعن أبي سلمة قال: قال عبد الله بن سلام للناس وناشدهم في قتل عثمان: لا تقتلوه فإنكم إن قتلتموه فإنما مثلكم في كتاب الله كمثل قرقور في البحر، مرة يستقيم ومرة لا يستقيم.

(5/215)


وعن مسلم أبي سعيد قال: ما سمعت عبد الله بن مسعود قائلا في عثمان سبة قط، ولقد سمعته يقول: لئن قتلوه لا يستخلفوا بعده مثله.
وعن عمرو بن العاص قال لعثمان وهو على المنبر: يا عثمان، إنك قد ركبت بهذه الأمة نهابير من الأمر، فتب وليتوبوا معك. قال: فحول وجهه إلى القبلة فرفع يديه فقال: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك، ورفع الناس أيديهم.
دخل ابن عمر على عثمان وعنده المغيرة بن الأخنس فقال: انظر ما يقول هؤلاء. قال: يقولون اخلعها ولا تقتل نفسك. فقال ابن عمر: إذا خلعتها أمخلد أنت في الدنيا؟ قال: لا، قال: فإن لم تخلعها هل يزدون على أن يقتلوك؟ قال: لا، قال: فهل يملكون لك جنة ونارا؟ قال: لا. قال: فلا أرى لك أن تخلعها، ولا أرى لك أن تخلع قميصا قمصكه الله، فيكون سنة، كلما كره قوم إمامهم أو خليفتهم خلعوه.
دخل عبد الله بن سلام على عثمان في آخر ما دخل عليه الناس فقال: ما ترى في القتال والكف؟ قال: الكف أبلغ للحجة،وإنا لنجد في كتاب يوم القيامة أمير على القاتل والآمر.
قال طاوس: سئل عبد الله بن سلام حين قتل عثمان: كيف تجدون صفة عثمان في كتبكم؟ قال: نجده يوم القيامة أميرا على القاتل والخاذل.
وكان وفد أهل مصر لما قدموا المدينة أتو عليا فقالوا: قم معنا، قال: والله لا أقوم معكم، قالوا: فلم كتبت إلينا؟ قال: والله ما كتبت إليكم كتابا قط. فنظر بعضهم إلى بعض ثم قالوا: ألهذا تغضبون! أم لهذا تقاتلون!؟ قال: وخرج علي فنزل خارجا من المدينة.
قال أبو جعفر القارئ مولى ابن عياش المخزومي: كان المصريون الذين حصروا عثمان ست مئة، والذين قدموا من الكوفة والذين قدموا من البصرة مئة رجل، وكانوا يدا واحدة في الشر، وكان حثالة من الناس ضووا إليهم، قد مرجت عهودهم وأماناتهم، مفتونون، وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين خذلوه كرهوا الفتنة، وظنوا أن الأمر لا يبلغ قتله، فندموا على ما صنعوا في أمره، ولعمري لو قاموا أو قام بعضهم فحثا في وجوههم التراب لا نصرفوا خاسئين.
قال محمد بن الحسن: لما كثر الطعن على عثمان تنحى علي إلى ماله بينبع، فكتب إليه عثمان: أما بعد، فقد بلغ الحزام الطبيين، وخلف السيل الزبى، وبلغ الأمر فوق قدره، وطمع الأمر من لا يدفع عن نفسه: من الطويل
فإن كنت مأكولا فكن خير آكل ... وإلا فأدركني ولما أمزق.
قوله: بلغ السيل الزبى، زبى الأسد التي تحفر لها، وجعلت مثلا في بلوغ السيل إليها، لأنها تجعل في الروابي ولا تكون في المنحدر، ولا يبلغها إلا سيل عظيم. وقوله: جاوز الحزام الطبيين: يعني أنه قد اضطرب من شدة السير حتى خلف الطبيين من اضطرابه، مثلا للأمر الفظيع الفادح. والبيت لشاعر من عبد القيس جاهلي يقال له: الممزق، وإنما سمي ممزقا لهذا البيت.
وعن قنبر مولى علي عليه السلام قال: دخلت مع علي على عثمان، فأحبا الخلوة، فأومى علي إلي بالتنحي، فتنحيت غير بعيد، فجعل عثمان يعاتب عليا، وعلي مطرق، فأقبل عليه عثمان فقال: مالك لا تقول؟ قال: إن قلت لم أقل إلا ما تكره، وليس لك عندي إلا ما تحب. قال أبو العباس: تأويل ذلك أني إن تكلمت اعتددت عليك بمثل ما اعتددت به علي. فلدغك عتابي، وعقدي ألا أفعل وإن كنت عاتبا إلا ما تحب.
قال القاضي أبو الفرج: وفيه تأويل آخر: وهو أن يكون أراد أنه إن شرع في مخاطبته بما استدعى أن يخاطبه فيه ذكر له أنه أتى بخلاف الأصوب عنده، وترك ما كان الأولى به أن يفعله، إلا أنه لإشفاقه عليه مع إيثاره النصيحة له، آثر محبته، وكره إظهار ما فيه تثريب عليه، أو لائمة له. وهذا التأويل أصح من الأول، وقد ورد في هذا المعنى أن عثمان بعث إلى ابن عباس وهو محصور، فأتاه وعنده مروان بن الحكم، فقال عثمان: يابن عباس، أما ترى إلى ابن عمك، كان هذا الأمر في بني تيم وعدي، فرضي وسلم، حتى إذا صار الأمر إلى ابن عمه بغانا الغوائل. قال ابن عباس: فقلت له: إن ابن عمك والله ما زال عن الحق ولا يزول، ولو أن حسنا وحسينا بغيا في دين الله الغوائل لجاهدهما في الله حق جهاده، ولو كنت كأبي بكر وعمر لكان ذلك كما كان لهما، بل كان لك أفضل لقرابتك ورحمك وسنك، ولكنك ركبت الأمر وهاباه. قال ابن عباس: فاعترضني مروان فقال: دعنا من تخطئتك يابن عباس، فأنت كما قال الشاعر: من الوافر

(5/216)


دعوتك للغياث ولست أدري ... أمن خلفي المنية أم أمامي.
فشققت الكلام رخي بال ... وقد جل الفعال عن الكلام.
إن يكن عندك غياث لهذا الرجل فأغثه، وإلا فما أشغله عن التفهم لكلامك والفكر في جوابك. قال ابن عباس: فقلت له: هو والله كان عنك وعن أهل بيتك أشغل إذ أوردتموه ولم تصدروه. قم أقبلت على عثمان فقلت له: من الوافر
جعلت شعار جلدك قوم سوء ... وقد يجزى المقارن بالقرين.
فما نظروا لدنيا أنت فيها ... بإصلاح ولا نظروا لدين.
ثم قلت له: إن القوم غير قابلين إلا قتلك أو خلعك، فإن قتلت قتلت على ما قد عملت وعلمت، وإن تركت فإن باب التوبة مفتوح.
فهذا الخبر يؤيد التأويل الثاني.
وعن محمد بن جبير بن مطعم قال: أرسل عثمان إلى علي: أن ابن عمك مقتول وإنك مسلوب.
حدث عبد الله بن رافع عن أمه قال: خرجت الصعبة بنت الحضرمي فسمعاها تقول لابنها طلحة بن عبيد الله: إن عثمان قد اشتد حصره فلو كلمت فيه حتى يرفه عنه وطلحة يغسل أحد شقي رأسه فلم يجبها، فأدخلت يديها في كم درعها فأخرجت ثدييها وقالت: أسألك بما حملتك وأرضعتك إلا فعلت. فقام ولوى شعر شق رأسه حتى عقده وهومغسول، ثم خرج حتى أتى عليا وهو جالس في جنب داره، فقال طلحة ومعه أمه وأم عبد الله بن رافع: لو رفهت عن هذا فقد اشتد حصره، قال: فنقر بقدح في يده ثلاث مرار ثم رفع رأسه فقال: والله ما أحب من هذا شيئا تكرهه.
قال جبير بن مطعم: لما حصر عثمان بن عفان حتى والله ما يشرب إلا من الفقير، فقير الدار، قال جبير: فدخلت على علي بن أبي طالب فقلت: يابن أبي طالب، أقد رضيت بهذا أن يحصر ابن عمك حتى والله ما يشرب إلا من فقير الدار؟ فقال: سبحان الله! وقد بلغوا هذا منه؟ قال: نعم وأشد من هذا. قال: فحمل الروايا حتى أدخلها عليه وسقاه.
ذكر عدي بن حاتم الطائي قريشا وما رزقوا من الفصاحة والبيان فقال: أما الرسول صلى الله عليه وسلم فهو ينطق بالوحي، ولا ينطق عن الهوى، وأما سائر قريش في الجاهلية والإسلام فإنهم فاقوا الناس، ولقد كنت عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إذ وردت عليه رقعة من عثمان بخطه من الطويل:
تجنى علي كي يقارضني ذنبا ... وأبدى عتابا فامتلأت له عتبي.
فلو لي قلوب العالمين بأسرها ... لما تركت لي من معاتبة قلبا.
معاتبة السلفين تحسن مرة ... فإن أكثرا إدمانها أفسدا الحبا
وقد قال في بعض الأقاويل قائل ... أراد به العتبى ولم يرد العتبا.
إذ شئت أن تقلى فزر متتابعا ... وإن شئت أن تزداد حبا فزر غبا
وقال هشام بن عروة: كان عثمان أروى الناس للبيت والبيتين والثلاثة إلى الخمسة.
وعن أبان لن عثمان: أنه أتى عليا فقال: يا عم أهلكتنا الحجارة، فجاء علي حتى دخل، فلم يزل يرميهم بيمينه حتى وهنت، ثم لم يزل يرميهم بشماله حتى وهنت، فقال: يابن أخي اجمع حشمك وافعل كما تراني أفعل.
قال محمد بن علي: لما كان يوم الدار أرسل عثمان إلى علي أن يأتيه فتعلقوا به ومنعوه، فألقى عمامة له سوداء على رأسه وجعل يقول: اللهم إني لا أرضى قتله ولا آمر به.
وفي حديث آخر: والله ما قتلت عثمان ولا مالأت في قتله.
وعن أبي إدريس الخولاني قال: لما كان اليوم الذي قتل فيه عثمان أرسل عثمان إلى سعد ابن أبي وقاص، فأتاه فكلمه فقل له سعد: أرسل إلى علي فإنه إن أتاك ورضي صلح هذا الأمر، قال: فأنت رسولي إليه، فأتاه فقام معه علي يريد أن يأتي عثمان، فمر بمالك الأشتر في أهل الكوفة، فقال مالك: أين يريد هذا؟ قالوا: يريد عثمان. فقال لأصحابه: والله لئن دخل عليه لتقتلن عن آخركم، فقام إليه في أصحابه حتى اختلجه عن سعد، وأجلسه في أصحابه، وأرسل إلى أهل مصر: إن كنتم تريدون قتله فافرغوا، فدخلوا فقتلوه.

(5/217)


وروي أن عليا عليه السلام جاء عثمان فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين. فأعرض عنه، ثم قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين فأعرض عنه، ثم قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين. فرد عليه ضعيفا، فقال: أما تعلم أنا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على حرى فتحرك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اسكن حراء فإنه ليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد؟ فقال: بلى، فقال علي: فوالله لتقتلن ولا قتلن معك. قال ذلك ثلاث مرات.
حدث أبو عمرو عن الحسن قال: قلت: تعقل مقتل عثمان رضي الله عنه؟ قال: نعم، قلت: فهل تعرف أحدا أقام بذلك؟ قال: نعم، قهر الرجل فلم يجد ناصرا، فجاء أبو هريرة وسعد بن مالك فجثيا بحيالهم وناديا: أبد لنا صفحتك، فأشرف عليهما وقال: والله لا تقتلان أنفسكما إن رأيتما الطاعة فانصرفا، فو الله ليضربنهم الله بذل، ولا ينال إبليس مني أمرا يدخل به على سلطان الله عز وجل دخلا.
وعن ابن عباس، وابن الزبير، والمسور بن مخرمة قالوا: بعث عثمان بن عفان المسور بن مخرمة إلى معاوية، يعلمه أنه محصور، ويأمره أن يبعث إليه جيشا سريعا يمنعونه، فلما قدم على معاوية وأبلغه ذلك، ركب معاوية نجائبه ومعه معاوية بن حديج ومسلم بن عقبة، فسار من دمشق إلى عثمان عشرا فدخل المدينة نصف الليل، فدق باب عثمان، فدخل، فأكب عليه فقبل رأسه، فقال عثمان: فأين الجيش؟ فقال معاوية: لا والله ما جئتك إلا في ثلاثة رهط. فقال عثمان: لا وصل الله رحمك ولا أعز نصرك ولا جزاك عني خيرا: فو الله ما أقتل إلا فيك، ولا ينقم علي إلا من أجلك. فقال معاوية: بأبي أنت وأمي، إني لو بعثت إليك جيشا فسمعوا به عاجلوك فقتلوك قبل أن يبلغ الجيش إليك، ولكن معي نجائب لا تساير، ولم يشعر بي أحد، فاخرج معي فوالله ما هي إلا ثلاث حتى نرى معالم الشام، فإنها أكثر الإسلام رجالا وأحسنه فيك رأيا. فقال عثمان: بئس ما أشرت به. وأبى أن يجيبه إلى ذلك، فخرج معاوية إلى الشام راجعا، وقدم المسور يريد المدينة فلقي معاوية بذي المروة راجعا إلى الشام، فقدم المسور على عثمان وهو ذام لمعاوية غير عاذر له، فلما كان في حصره الآخر بعث المسور أيضا إلى معاوية، فأغذ السير حتى قدم عليه، فقال: إن عثمان بعثني إليك لتبعث إليه بالرجال والخيول وتنصره بالحق وتمنعه من الظلم. فقال: إن عثمان أحسن فأحسن الله به، ثم غير فغير الله به. فشددت عليه فقال: يا مسور، تركتم عثمان حتى إذا كانت نفسه في حنجرته قلتم اذهب فادفع عنه الموت، وليس ذلك بيدي، ثم أنزلني في مشربة على رأسه، فما دخل علي داخل حتى قتل عثمان رحمة الله ورضوانه عليه.
وعن المسور: قال: قال لي معاوية: يا مسور، أنت ممن قتل عثمان. فقال المسور: أنا والله يا معاوية نصحته واعتزلته، وأنت والله غششته وخذلته، فإن شئت أخبرت القوم خبرك بأمر عثمان وخبري حين قدمت عليك الشام، فقال معاوية: لا يا أبا عبد الرحمن.
ولما أتى الخبر معاوية بحصر عثمان أرسل إلى حبيب بن مسلمة الفهري فقال: إن عثمان قد حصر فأشر علي برجل ينفذ لأمري ولا يقصر، فقال: ما أعرف ذلك غيري، فقال: أنت لها، فأشر علي برجل أبعثه على مقدمتك، لا يتهم رأيه ولا نصيحته، وعجله في سرعان الناس، فقال: أمن جندي أم من غيرهم؟ فقال: من الشام. فقال: إن أرته من جندي أشرت به عليك، وإن كان من غيرهم فإني أكره أن أغرك بمن لا علم لي به، فقال: فهاته من جندك، فال: يزيد بن شجعة الحميري، فإنه كما تحب. فإنهم لفي ذلك إذ قدم الكتاب بالحصر، فدعاهما فقال لهما: النجاء، سيرا فأغيثا أمير المؤمنين، وتعجل أنت يا يزيد، فإن قدمت يا حبيب وعثمان حي فهو الخليفة والأمر أمره، فانفذ لما يأمرك به، وإن وجدته قد قتل فلا تدعن أحدا أشار إليه ولا أعان عليه إلا قتلته، وإن أتاك شيء قبل أن تصل إليه حتى أرى من رأيي.

(5/218)


وبعث يزيد بن شجعة فأمضاه على المقدمة في ألف فارس على البغال يقودون الخيل، معهم الإبل عليها الروايا، وأتبعهم حبيب بن مسلمة وهو على الناس، وخرجوا جميعا، وأغذ يزيد السير، فانتهى إلى ماء بين خيبر والسقيا فلقيه الخبر، ثم لقيه النعمان بن بشير، معه القميص الذي قتل عثمان مخضب بالماء وأصابع امرأته، وأخبره الخبر. فرجع يزيد إلى حبيب ومعه النعمان، فأمضى حبيب النعمان إلى معاوية، وأقام، فأتاه رأيه فرجع حتى قدم دمشق، ولما قدم النعمان على معاوية فأخرج القميص وأصابع نائلة بنت الفرافصة، إصبعان قد قطعتا ببراجمها وشيء من الكف، وإصبعان مقطوعتان من أصلهما مفترقتان ونصف الإبهام، وأخبره الخبر. فوضع معاوية القميص على المنبر وكتب بالخبر إلى الأجناد، وثاب إليه الناس، وبكوا سنة وهو على المنبر والأصابع معلقة فيه، والرجال من أهل الشام لا يأتون النساء ولا يمسون الغسل إلا من الاحتلام، ولا ينامون على الفرش حتى يقتلوا قتلة عثمان، ومن عرض دونهم أو تفنى أرواحهم، فمكثوا يبكون حول القميص سنة، والقميص يوضع كل يوم على المنبر، ويجلل أحيانا فيلبسه، وعلق في أردانه أصابع نائلة رحمها الله.
وعن المغيرة بن شعبة: أنه دخل على عثمان وهو محصور فقال: إنك إمام العامة، وقد نزل بك ما ترى، وإني أعرض عليك خصالا ثلاثة اختر إحداهن: إما أن تخرج فتقاتلهم، فإن معك عددا وقوة وأنت على الحق وهم على الباطل، وإما أن تخرق لك بابا سوى الباب الذي هم عليه، فتقعد على رواحلك فتلحق بمكة، فإنهم لن يستحلوك وأنت بها، وإما تلحق بالشام، فإنهم أهل الشام وفيهم معاوية. فقال عثمان: أما أن أخرج فأقاتل، فلن أكون أول من خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته بسفك الدماء، وأما أن أخرج إلى مكة فإنهم لن يستحلوني بها، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " يلحد رجل من قريش بمكة يكون عليه نصف عذاب العالم " . فلن أكون أنا، وأما أن ألحق بالشام فإنهم أهل الشام وفيهم معاوية، فلن أفارق دار هجرتي ومجاورة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعن جندب بن عبد الله البجلي قال: بلغني عن حذيفة بعض الشيء ذكره في عثمان، فغدوت عليه فاستأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي، فرجعت، فأدركني الرسول فردني، فأذن لي فدخلت، فقال: ما رجعك؟ قلت: استأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي فظننتك نائما. قال: ما كنت لأنام حتى أعلم من أين تطلع الشمس. ثم قال: ما غدا بك؟ قلت: بعض الشيء بلغني أنك ذكرت به أمير المؤمنين عثمان.فقال: وما أنكرت من ذاك؟ فقلت: أنكرت ذاك من مثلك لمثله. فقال: أما إنهم قد ساروا إليه وهم قاتلوه. قلت: أين هو إن قتلوه؟ قال: في الجنة، قلت: في الجنة؟ قال: إي والله. قلت فأين قتلته؟ قال: في النار. قلت: في النار؟ قال: إي والله. قال: ثم تكون فتنة لأنا أعلم بها مني بطريق قرية كذا وكذا وطريق قرية كذا لقريتين من قرى المدائن، وكان عاملا قلت: فما تأمرني؟ قال: انظر الذي أنت عليه اليوم فالزمه ولا تفارقه فتضل. " وعن ابن عمر: أن عثمان أصبح يحدث الناس قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم الليلة في المنام فقال: يا عثمان، أفطر عندنا غدا. فأصبح صائما وقتل من يومه.
وعن كثير بن الصلت قال: أغفى عثمان بن عفان في اليوم الذي قتل فيه، فاستيقظ فقال: لولا أن يقول الناس تمنى عثمان أمنية لحدثتكم. قال: قلنا: أصلحك الله حدثنا، فلسنا نقول ما يقول الناس. فقال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامي هذا فقال: إنك شاهد معنا الجمعة.
وعن مسلم أبي سعيد مولى عثمان بن عفان: أن عثمان أعتق عشرين مملوكا ودعا بسراويل فشدها عليه، ولم يلبسها في جاهلية ولا إسلام وقال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم البارحة في المنام، ورأيت أبا بكر وعمر، وإنهم قالوا لي: اصبر فإنك تفطر عندنا القابلة، ثم دعا بمصحف فنشره بين يديه، فقتل وهو بين يديه.

(5/219)


وعن عبد الله بن سلام قال: أتيت عثمان لأسلم عليه وهو محصور، فدخلت عليه فقال: مرحبا بأخي، ما يسرني أني كنت وراءك، رأيت في هذه الليلة رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الخوخة، في خوخة من البيت، فقال لي: يا عثمان حصروك؟ قلت: نعم. قال: أعطشوك؟ قلت نعم. قال: فدلى لي دلوا، فشريت منه حتى رويت، وإني لأجد برد ذلك الماء بين ثديي وبين كتفي، فقال لي: إن شئت أفطرت عندنا وإن شئت نصرت عليهم. فاخترت أن أفطر عنده. فقتل في ذلك اليوم.
وفي حديث عن نائلة بنت الفرافصة الكلبية امرأة عثمان: أنه كان صائما لما حصر، فلما كان عند إفطاره سألهم الماء العذب، فأبو عليه وقالوا: دونك ذاك الركي، قال: وركي في الدار يلقى فيه التبن، قالت: فبات من غير أن يفطر، فلما كان عند السحر أتيت جارات لي على أجاجير متواصلة، فسألتهم الماء العذب، فأعطوني كوزا من ماء، فجئت به فنزلت فإذا عثمان قد وضع رأسه أسفل الدرجة وهو نائم يغط، فحركته فانتبه فقلت: هذا ماء عذب، أتيتك به، فرفع رأسه إلى السماء، فنظر إلى الفجر فقال: إني أصبحت صائما. قلت: ومن أين ولم أر أحدا بطعام ولا شراب؟! فقال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم اطلع علي من هذا السقف ومعه دلو من ماء فقال: اشرب يا عثمان. فشربت حتى رويت. ثم قال: ازدد. فشربت حتى نهلت. ثم قال: أما إن القوم سيكثرون عليك، فإن قاتلتهم ظفرت، وإن تركتهم أفطرت عندنا. قالت: فدخلوا عليه من يومه فقتلوه.
قال ابن سيرين: لقد قتل عثمان وما أعلم أحدا يتهم عليا في قتله. وقال: لقد قتل عثمان يوم قتل وإن الدار يومئذ لغاصة، فيهم عبد الله بن عمر، وفيهم الحسن بن علي في عنقه السيف، ولكن عثمان عزم عليهم ألا يقاتلوا.
وحدث زهير عن كنانة قال: كنت فيمن حمل الحسن بن علي بن أبي طالب جريحا من دار عثمان. وكان الحسن بن علي آخر من خرج من عند عثمان.
وعن ابن عمر: أنه لبس الدرع مرتين، فأتى عثمان فقال: صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفت له حق الرسالة وحق النبوة، وصحبت أبا بكر فعرفت له حق الولاية، وصحبت عمر فكنت أعرف له حق الوالد وحق الولاية، وأنا أعرف لك مثل ذلك، فقال له عثمان: جزاكم الله خيرا من أهل بيت، اقعد في بيتك حتى يأتيك أمري.
ودخل ابن عمر على عثمان يعرض نصرته ويذكر بيعته فقال: أنتم في حل من بيعتي وفي حرج من نصرتي، وإني لأرجو أن ألقى الله سالما مظلوما.
قال أبو هريرة: أتيت عثمان يوم الدار فقلت: جئت أقاتل معك، قال: أيسرك أن يقتل الناس كلهم.
وفي حديث آخر: وإياي معهم؟ قلت: لا. قال: فإنك إن قتلت نفسا واحدة كأنك قتلت الناس كلهم. فقال: انصرف مأذونا غير مأزور. ثم جاء الحسن بن علي بن أبي طالب فقال: جئت يا أمير المؤمنين أقاتل معك، فأمرني بأمرك. فالتفت إليه عثمان فقال: انصرف مأذونا لك، مأجورا غير مأزور، جزاكم الله من أهل بيت خيرا.
قال عبد الله بن عامر بن ربيعة: كنت مع عثمان في الدار فقال: أعزم على كل من رأى لنا عليه طاعة إلا كف يده وسلاحه، فإن أفضلكم عندي غناء من كف يده وسلاحه، ثم قال: قم يا ابن عمر فاحرس الناس، فقام ابن عمر وقام معه رجاله من بني عدي وابن سراقة وابن مطيع ففتحوا الباب وخرج، ودخل الناس فقتلوا عثمان.
وعن جابر بن عبد الله: أن عليا أرسل عثمان أن معي خمس مئة دارع فأذن لي فأمنعك من القوم، فإنك لم تحدث شيئا يستحل به دمك، قال: جزيت خيرا، ما أحب أن يهراق دم في سببي.
خرج سعد بن أبي وقاص حتى دخل عثمان وهو محصور، ثم خرج من عنده فرأى عبد الرحمن بن عديس، ومالك بن الأشتر، وحكيم بن جبلة، فصفق بيديه إحداهما على الأخرى،ثم استرجع ثمأظهر الكلام فقال: والله إن أمرا هؤلاء رؤساؤه لأمر سوء.

(5/220)


قال أبو قتادة: دخلت على عثمان وهو محصور أنا ورجل من قومي نستأذنه في الحج، فأذن لنا، فلما خرجت استقبلني الحسن بن علي بالباب، فدخل وعليه سلاحه، فرجعت معه، فدخل فوقف بين يدي عثمان، قال: يا أمير المؤمنين، ها أنذا بين يديك فمرني بأمرك، فقال له عثمان: يا بن أخي وصلتك رحم، إن القوم ما يريدون غيري، ووالله لا أتوقى بالمؤمنين ولكن أوقي المؤمنين بنفسي. فلما سمعت ذلك منه قلت: يا أمير المؤمنين، إن كان من أمرك كون فما تأمر؟ قال: انظر ما اجتمعت عليه أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فإن الله لا يجمعهم على ضلالة، كونوا مع الجماعة حيث كانت. قال بشار: فحدثت به حماد بن زيد فرق ودمعت عيناه، وقال: رحم الله أمير المؤمنين حوصر نيفا وأربعين ليلة لم تبد منه كلمة يكون لمبتدع فيها حجة.
ولما ضرب عثمان والدماء تسيل على لحيته جعل يقول: " لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين " اللهم إني أستعديك عليهم، وأستعينك على جميع أموري، وأسألك الصبر على ما ابتليتني.
وعن عبد الله بن سلام: انه قال لمن حضر تشحط عثمان في الموت حين ضربه أبو رومان الأصبحي: ماذا كان قول عثمان وهو يتشحط؟ قالوا: سمعنا يقول: اللهم اجمع أمة محمد، ثلاثا، قال: والذي نفسي بيده لو دعا الله على تلك الحال ألا يجتمعوا أبدا، ما اجتمعوا إلى يوم القيامة.
ومن حديث أن عثمان كتب إلى أهل الشام يستمدهم حين حصر، فضرب معاوية بعثا على أهل الشام، على أربعة آلاف، وكان قائدهم أسد بن كرز، جد خالد بن عبد الله القسري، فبلغ الذين حصروه أنه قد استغاث بأهل الشام، وقد أقبل إليه أربعة آلاف مددا، فخافوا أن يكون بينهم وبين أهل الشام قتال، فعجلوا، فأحرقوا باب عثمان، فلما وقع الباب ألقوا عليه التراب والحجارة، وكان في الدار مع عثمان قريب من مئتي رجل، فيهم الحسن بن علي بن أبي طالب وعبد الله بن الزبير، فاستعمل عثمان على أهل الدار عبد الله بن الزبير، وفلان بن الأخنس الثقفي على أهل الميمنة ومروان على الميسرة، وهم بالقتال، فلما رأى الباب قد أحرق خرج إليهم فقال: جزاكم الله خيرا، قد وفيتم بالبيعة، وقد بدا لي ألا ولا تراق أقاتل في محجمة دم، ففتح لهم سدة في داره فخرجوا منها، وغضب مروان بن الحكم فاختبأ في بعض بيوت الدار، فلما أحرق الباب وألقي عليه التراب والحجارة رجع عثمان ففتح المصحف يقرؤه إذ دخلت عليه جماعة ليس فيهم من أصحاب رسول الله ولا من أبنائهم أحد، فلما وصلوا إليه قاموا خلفه عليهم السلاح فقالوا: بدلت كتاب الله وغيرته، قال عثمان: كتاب الله بيني وبينكم. فضربه رجل منهم على منكبه فندر منه الدم على المصحف، وضربه آخر، فلما كثر الضرب غشي عليه، ونساؤه مختلطون مع الرجال، فضج النساء وغشي عليه، وجيء بماء فمسح على وجهه فأفاق، فدخل محمد بن أبي بكر عند ذلك وهو يرى أنه قتل، فلما رآه قاعدا قال: لا أراكم قياما حول نعثل، وأخذ بلحيته فجره من البيت إلى باب الدار وهو يقول: بدلت كتاب الله وغيرته يا نعثل. فقال عثمان: لست بنعثل ولكني أمير المؤمنين، وما كان أبوك يأخذ بلحيتي.فقال محمد: لا يقبل منا يوم القيامة أن نقول: " أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيل " ودخل رجل من كندة من أهل مصر مخترط السيف فقال: أفرجوا. فأفرجوا، فطعن في بطنه، وخلفه امرأته بنت الفرافصة الكلبية تمسك السيف، فقطع أصابعها.
وفي حديث آخر: أن محمد بن أبي بكر أخذ بلحية عثمان فقال بها حتى سمعت وقع أضراسه، فقال: ما أغنى عنك معاوية؟ ما أغنى عنك ابن عامر، ما أغنت عنك كتبك؟ فقال: أرسل لي لحيتي الحديث.

(5/221)


وفي حديث آخر: أن محمد بن أبي بكر أخذ بلحيته، وأهوى بمشاقص معه ليلجأ بها في حلقه، فقال: مهلا يا بن أخي فوالله لقد أخذت مأخذ ما كان أبوك ليأخذ به، فتركه وانصرف مستحييا نادما، فاستقبله القوم على باب الصفة فردهم طويلا حتى غلبوه، فدخلوا، وخرج محمد راجعا فأتاه رجل بيده جريدة، تقدمهم حتى قام عثمان، فضرب بها رأسه فشجه، فقطر دمه على المصحف حتى لطخه، ثم تغاووا عليه، فأتاه رجل فضربه على الثدي بالسيف، فسقط، ووثبت نائلة بنت الفرافصة الكلبية فصاحت وألقت نفسها عليه وقالت: يا بنت شيبة، أيقتل أمير المؤمنين؟! فأخذت السيف، فقطع الرجل يدها، وانتهبوا متاع البيت، ومر رجل على عثمان ورأسه مع المصحف، فضرب رأسه برجله ونحاه عن المصحف وقال: ما رأيت كاليوم وجه كافر أحسن ولا مضجع كافر أكرم. فلا والله ما تركوا في داره شيئا حتى الأقداح إلا ذهبوا به.
وفي حديث أن محمد بن أبي بكر لما أخذ بلحيته هزها حتى سمع صرير أضراسه بعضها على بعض، فقال: يا بن أخ، دع لحيتي فإنك لتجذب ما يعز على أبيك أن يؤذيها.
وقال في آخر الحديث: وانتهبوا بيته، فهذا يأخذ الثوب، وهذا يأخذ المرآة، وهذا يأخذ الشيء.
وعن كنانة مولى صفية بنت حيي قال: شهدت مقتل عثمان رضي الله عنه وأنا ابن أربع عشرة سنة، قلت: هل أندى محمد بن أبي بكر بشيء من دمه؟ فقال: معاذ الله، دخل عليه فقال عثمان: يا بن أخي، لست بصاحبي فخرج، ولم يند من دمه بشيء، فقلت لكنانة: من قتله؟ قال: رجل من أهل البصرة، وقيل من أهل مصر يقال له: جبلة بن الأيهم، وقيل جبلة بن الأهتم، وقيل: من أهل مصر يقال له: حمار.
وعن عائشة قالت: دخل محمد بن أبي بكر على عثمان متأبطا سيفه، قد علق كنانته في همياته حتى جلس بين يديه فقال: يا نعثل، فقال: لست بنعثل ولكني عثمان أمير المؤمنين. فأهوى بيده إلى لحيته، فقال: مه يا بن أخي! كف يدك عن لحية عمك وأجلها، فإن أباك كان يجلها. فغضب فأخذ مشقصا من كنانته فضربه في ودجه، فأسرع السهم فيه، ثم دخل التجيبي ومحمد بن أبي حذيفة فضرباه بأسيافهما حتى أثبتاه وهو يقرأ المصحف، فوقعت نضحة من دمه على قوله: " فسيكفيكهم الله " .
وفي حديث آخر: أن محمد بن أبي بكر تسور إلى عثمان من دار عمرو بن حزم ومعه كنانة ابن بشر بن عتاب وسودان بن حمران وعمرو بن الحمق، فوجروا عثمان عند امرأته نائلة، وهو يقرأ في المصحف في سورة البقرة، فتقدمهم محمد بن أبي بكر فأخذ بلحية عثمان فقال: قد أخزاك الله يا نعثل، فقال عثمان: لست بنعثل ولكني عبد الله وأمير المؤمنين. فقال محمد: ما أغنى عنك معاوية وفلان وفلان؟ فقال عثمان: يا بن أخي، دع عنك لحيتي، فما كان أبوك ليقبض على ما قبضت عليه. فقال محمد: ما أريد بك أشد من قبضي على لحيتك. فقال عثمان: أستنصر الله عليك وأستعين به. ثم طعن جبينه بمشقص في يده، ورفع كنانة بن بشر ابن عتاب مشاقص كانت في يده فوجأ بها في أصل أذن عثمان، فمضت حتى دخلت في حلقه، ثم علاه بالسيف حتى قتله.
قالوا: وضرب كنانة بن بشر جبينه ومقدم رأسه بعمود حديد فخر لجنبه، وضربه سودان بن حمران المرادي بعدما خر لجنبه فقتله. وأما عمرو بن الحمق فوثب على عثمان فجلس على صدره وبه رمق فطعنه تسع طعنات، وقال: أما ثلاث منهن فإني طعنتهن لله، وأما ست فإني طعنته إياهن لما كان في صدري عليه.
وحدث الحسن عن سياف عثمان: أن رجلا من الأنصار دخل على عثمان فقال: ارجع يا بن أخي فلست بقاتلي. قال: وكيف علمت ذاك؟ قال: لأنه أتي بك النبي صلى الله عليه وسلم يوم سابعك فحنكك ودعا لك بالبركة قال ثم دخل عليه رجل آخر من الأنصار فقال: ارجع ابن أخي فلست بقاتلي، قال: بم تدري ذلك؟ قال: لأنه أتي بك النبي صلى الله عليه وسلم يوم سابعك فحنكك ودعا لك بالبركة.قال: ثم دخل عليه محمد بن أبي بكر فقال: أنت قاتلي. قال: وما يدريك يا نعثل؟ قال: لأنه أتي بك النبي صلى الله عليه وسلم يوم سابعك ليحنكك ويدعو لك بالبركة فخريت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوثب على صدره وقبض على لحيته، فقال: إن تفعل، كان يعز على أبيك أو يسوؤه. قال: فوجأه في نحره بمشاقص كانت في يده.

(5/222)


وعن المغيرة بن شعبة قال: قلت لعلي: إن هذا الرجل مقتول، وإنه إن قتل وأنت بالمدينة ألحدوا فيك، فاخرج فكن في مكان كذا وكذا فإنك إن فعلت فكنت في غار باليمن طلبك الناس.
فأبى، وحصر عثمان اثنتين وعشرين يوما، ثم أحرقوا الباب وفي الدار أناس كثير، فيهم عبد الله بن الزبير ومروان. فقالوا: ائذن لنا: فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلي عهدا فأنا صابر عليه، وإن القوم لم يحرقوا باب الدار إلا وهم يطلبون ما هو أعظم منه، فأخرج على رجل يستقتل ويقاتل. وخرج الناس كلهم، ودعا بالمصحف فقرأ فيه والحسن عنده، فقال: إن أباك الآن لفي أمر عظيم من أمرك فأقسمت عليك لما خرجت، وأمر عثمان أبا كرب رجلا من همدان وآخر من الأنصار أن يقوما على باب المال، وليس فيه إلا غرارتين من ورق، فلما طفئت النار بعدما ناوشهم ابن الزبير ومروان، وتوعد محمد بن أبي بكر ابن الزبير ومروان، فلما دخل على عثمان هربا. ودخل محمد بن أبي بكر على عثمان فأخذ بلحيته، فقال: أرسل لحيتي فلم يكن أبوك ليتناولهم. فأرسلها، ودخلوا عليه، منهم من يجؤه بنعل سيفه، وآخر يلكزه، ووجأه رجل بمشاقص معه في ترقوته، فسال الدم على المصحف، وهم في ذلك يهابون قتله، وكان كبيرا وغشي عليه، ودخل آخرون فلما رأوه مغشيا عليه جروا برجله، فصاحت نائلة وبناته وجاء التجيبي مخترطا سيفه ليطعنه في بطنه، فوقته نائلة، فقطع يدها، واتكأ بالسيف عليه في صدره، وقتل الرجل قبل غروب الشمس، ونادى مناد، ما يحل دمه ويحرم ماله! فانتهبوا كل شيء، ثم تنادوا: المال المال، فألقى الرجلان المفاتح ونجيا وقالا: الهرب الهرب، هذا ما طلب القوم.
وعن أبي سعيد مولى أبي أسيد قال:: فتح عثمان الباب، ووضع المصحف بين يديه، فدخل عليه رجل، وقال: بيني وبينك كتاب الله. فخرج وتركه، ثم دخل عليه آخر فقال: بيني وبينك كتاب الله فأهوى إليه بالسيف، فاتقاه بيده فقطعها، فلا أدري أبانها أم قطعها ولم يبنها، فقال: أم والله إنها لأول كف خطت المفصل. قال: ودخل عليه رجل من بني سدوس يقال له: الموت الأسود، فخنقه وخنقه قبل أن يضرب بالسيف، فقال: والله ما رأيت شيئا ألين من حلقه، لقد خنقته حتى رأيت نفسه مثل الجان، تردد في جسده.
وفي غير هذا الحديث: ودخل التجوبي فأشعره مشقصا، فانتضح الدم على قوله: " فسيكفيكهم الله " فإنها في المصحف ما حكت.
وقيل: قتله سودان بن رومان المرادي.
وعن المسيب بن دارم قال: إن الذي قتل عثمان قام في قتال العدو سبع عشرة كرة، يقتل من حوله، لا يصيبه شيء حتى مات على فراشه.
ولما ضربه بالمشاقص قال عثمان: بسم الله، توكلت على الله، وإذا الدم يسيل على لحيته، فقطر والمصحف بين يديه، فاتكأ على شقه الأيسر وهو يقول: سبحان الله العظيم، وهو في ذلك يقرأ المصحف والدم يسيل على المصحف، حتى وقف الدم عند قوله " فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم " وأطبق المصحف، وضربوه جميعا ضربة واحدة، فضربوه والله كان يحيي الليل في ركعة، ويصل الرحم، ويطعم الملهوف، ويحمل الكل، فرحمه الله.
قال الزهري: قتل عثمان عند صلاة العصر، وشد عبد لعثمان على كنانة بن بشر فقتله، وشد سودان على العبد فقتله، ودخلت الغوغاء دار عثمان، فصاح إنسان منهم: أيحل دم عثمان ولا يحل ماله! فانتهبوا متاعه، فقامت نائلة فقالت: لصوص ورب الكعبة! يا أعداء الله ما ركبتم من دم عثمان أعظم، أما والله لقد قتلتموه صواما قواما يقرأ القرآن في ركعة.
وخرج الناس من دار عثمان، وأغلق بابه على ثلاثة قتلوا: عثمان، وعبد عثمان الأسود، وكنانة بن بشر.
وقال عبد الله بن سعيد بن ثابت: رأيت مصحف عثمان ونضح الدماء فيه على أشياء من الوعد والوعيد، فكان ذلك عند الناس من الآيات.
قال كنانة: كنت أقود بصفية بنت حيي، لترد عن عثمان، فلقيها الأشتر فضرب وجه بغلتها حتى مالت، فقالت: ردوني لا يفضحني هذا الكلب. قال: فوضعت خشبا بين منزلها وبين منزل عثمان، تنقل عليه الطعام والشراب.

(5/223)


قال محمد بن شهاب الزهري: قلت لسعيد بن المسيب: هل أنت مخبري كيف كان قتل عثمان؟ ما كان شأن الناس وشأنه؟ ولم خذله أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم؟ فقال: قتل عثمان مظلوما، ومن قتله كان ظالما، ومن خذله كان معذورا. قلت: كيف كان كذلك؟ قال: إن عثمان لما ولي، كره ولايته نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، لأن عثمان كان يحب قومه، فولي الناس اثنتي عشرة سنة، وكان كثيرا مما يولي بني أمية ممن لم يكن له مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صحبة، فكان يجيء من أمرائه ما ينكره أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وكان عثمان يستعتب فيهم فلا يعزلهم، فلما كان في الست حجج الأواخر استأثر بني عمه فولاهم وما أشرك معهم، وأمرهم بتقوى الله، ولى عبد الله بن أبي سرح مصر، فمكث عليها سنين فجاء أهل مصر يشكونه ويتظلمون منه، وقد كان قبل ذلك من عثمان هنات إلى عبد الله بن مسعود، وأبي ذر، وعمار بن ياسر، فكان بنو هذيل وبنو زهرة في قلوبهم ما فيها لحال ابن مسعود، وكانت بنو غفار وأحلافها ومن غضب لأبي ذر في قلوبهم ما فيها، وكانت بنو مخزوم قد حنقت على عثمان لحال عمار بن ياسر. وجاء أهل مصر يشكون ابن أبي سرح، فكتب إليه كتابا يتهدده فيه، فأبى ابن أبي سرح يقبل ما نهاه عنه عثمان، وضرب بعض من أتاه من قبل عثمان من أهل مصر ممن كان أتى عثمان فقتله، فخرج من أهل مصر سبع مئة رجل فنزلوا المسجد، وشكوا إلى أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في مواقيت الصلاة ما صنع ابن أبي سرح بهم، فقام طلحة بن عبيد الله فكلم عثمان بن عفان بكلام شديد، وأرسلت عائشة إليه فقالت: تقدم إليك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وسألوك عزل هذا الرجل، فأبيت إلا واحدة! فهذا قد قتل منهم رجلا، فأنصفهم من عاملك. ودخل عليه علي بن أبي طالب عليه السلام وكان متكلم القوم فقال: إنما يسائلونك رجلا مكان رجل، وقد ادعوا قبله دما، فاعزله عنهم واقض بينهم فإن وجب عليه حق فأنصفهم منه. فقال لهم: اختاروا رجلا أوليه عليكم مكانه، فأشار الناس عليه بمحمد بن أبي بكر، فقال: أستعمل عليه محمد بن أبي بكر. فكتب عهده وولاه، وخرج معهم عدد من المهاجرين والأنصار ينظرون فيما بين أهل مصر وابن أبي سرح، فخرج محمد ومن معه، فلما كان على مسيرة ثلاث من المدينة إذا هم بغلام أسود على بعير يخبط البعير خبطا، كأنه رجل يطلب أو يطلب، فقال له أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: ما قصتك وما شأنك كأنك هارب أو طالب؟ فقال لهم: أنا غلام أمير المؤمنين، وجهني إلى عامل مصر، فقال له رجل: هذا عامل مصر، قال: ليس هذا أريد، فأخبر بأمره محمد بن أبي بكر فبعث في طلبه رجلا فأخذه، فجيء به إليه فقال: غلام من أنت؟ فأقبل مرة يقول: أنا غلام أمير المؤمنين، ومرة يقول: أنا غلام مروان، حتى عرفه رجل أنه لعثمان، فقال له محمد: إلى من أرسلت؟ إلى عامل مصر، قال: بماذا: قال برسالة، قال معك كتاب؟ قال: لا، ففتشوه فلم يجدوا معده كتابا، وكانت معه إداوة قد يبست، فيها شيء يتقلقل، فحركوه ليخرج فلم يخرج، فشقوا الإداوة فإذا فيها كتاب من عثمان إلى ابن أبي سرح، فجمع محمد من كان عنده من المهاجرين والأنصار وغيرهم، ثم فضوا فك الكتاب بمحضر منهم، فإذا فيه: إذا أتاك فلان ومحمد وفلان فاحتل قتلهم وأبطل كتابه، وقر على عملك حتى يأتيك رأيي، واحبس من يجيء إلي يتظلم منك ليأتيك رأيي في ذلك إن شاء الله.
فلما قرؤوا الكتاب فزعوا وأزمعوا فرجعوا إلى المدينة، وختم محمد الكتاب بخواتيم نفر كانوا معه، ودفع الكتاب إلى رجل منهم، وقدموا المدينة فجمعوا طلحة والزبير وعليا وسعدا ومن كان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم فضوا الكتاب بمحضر منهم وأخبروهم بقصة الغلام، وأقرؤوهم الكتاب، فلم يبق أحد من المدينة إلا حنق على عثمان، وزاد ذلك من كان غضب لابن مسعود وأبي ذر وعمار حنقا وغيظا. وقام أصحاب محمد صلى الله عيله سلم فلحقوا بمنازلهم، ما منهم أحد إلا وهو مغتم لما قرؤوا الكتاب.

(5/224)


وحاصر الناس عثمان، وأجلب عليه محمد بن أبي بكر بيتي تيم وغيرهم، فلما رأى ذلك علي بعث إلى طلحة والزبير وسعد ونفر من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، كلهم بدري، ثم دخل على عثمان ومعه الكتاب والغلام والبعير، فقال له علي: هذا الغلام غلامك؟ قال: نعم. قال: والبعير بعيرك؟ قال: نعم. قال: فأنت كتبت هذا الكتاب؟ قال: لا. وحلف بالله ما كتبت هذا الكتاب ولا أمر ولا علم به، قال له علي: فالخاتم خاتمك؟ قال: نعم. قال: فكيف يخرج غلامك ببعيرك، بكتاب عليه خاتمك ولا تعلم به؟ فحلف بالله ما كتبت ولا أمرت به ولا وجهت هذا الغلام إلى مصر قط. وأما الخط فعرفوا أنه خط مروان، وشكوا في أمر عثمان، وسألوه أن يدفع إليهم مروان فأبى، وكان مروان عنده في الدار، فخرج أصحاب محمد من عنده غضابا، وشكوا في أمره، وعلموا أن عثمان لا يحلف بباطل، إلا أن قوما قالوا: لن يبرأ عثمان من قلوبنا إلا أن يدفع إلينا مروان حتى نبحثه ونعرف حال الكتاب، وكيف يؤمر بقتل رجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بغير حق؟ فإن يكن عثمان كتبه عزلناه، وإن يكن مروان كتبه على لسان عثمان نظرنا ما يكون منا في أمر مروان.
ولزموا بيوتهم، وأبى عثمان أن يخرج إليهم وخشي عليه القتل، وحاصر الناس عثمان، ومنعوه الماء، فأشرف على الناس فقال أفيكم علي؟ فقالوا: لا. قال: أفيكم سعد؟ قالوا: لا. قال: فسكت، ثم قال: ألا أحد يبلغ فسيقينا ماء؟ فبلغ ذلك عليا فبعث إليه بثلاث قرب مملوءة ماء، فما كادت تصل إليه، وجرح في سببها عدة من موالي بني هاشم وبني أمية، حتى وصل الماء إليه، فبلغ عليا أن عثمان يراد قتله، فقال: إنما أردنا منه مروان، فأما قتل عثمان فلا. وقال للحسن والحسين اذهبا بسيفيكما حتى تقوما على باب عثمان، فلا تدعا أحدا يصل إليه. وبعث الزبير ابنه، وبعث طلحة ابنه، وبعث عدة من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أبناءهم، يمنعون الناس أن يدخلوا على عثمان، ويسألونه إخراج مروان، فلما رأى ذلك محمد بن أبي بكر، ورمى الناس عثمان بالسهام حتى خضب الحسن بالدماء على بابه، وأصاب مروان سهم وهو في الدار، وخضب محمد بن طلحة، وشج قنبر مولى علي، فخشي محمد بن أبي يكر أن يغضب بنو هاشم لحال الحسن والحسين فيثيرونها فتنة، فأخذ بيد الرجلين فقال: إن جاءت بنو هاشم فرأوا الدماء على وجه الحسن كشفوا الناس عن عثمان وبطل ما نريد، ولكن مروا بنا حتى نتسور عليه الدار فنقتله من غير أن يعلم أحد. فتسور محمد وصاحباه من دار رجل من الأنصار، حتى دخلوا على عثمان ولا يعلم أحد ممن كان معه، لأن كل من كان معه كانوا فوق البيوت، ولم يكن معه إلا امرأته، فقال لهما محمد: مكانكما فإن معه امرأته حتى أبداكما بالدخول، فإذا أنا ضبطته فادخلا، فتوجاه حتى تقتلاه. فدخل محمد فأخذ بلحيته، فقال له عثمان: والله لو رآك أبوك لساءه مكانك مني. فتراخت يده، ودخل الرجلان عليه فتوجاه حتى قتلاه، وخرجوا هاربين من حيث دخلوا، وصرخت امرأته فلم يسمع صراخهما لما كان في الدار من الجلبة، وصعدت امرأته إلى الناس فقالت: إن أمير المؤمنين قد قتل.

(5/225)


فدخل الحسن والحسين ومن كان معهما فوجدوا عثمان مذبوحا، فانكبوا عليه يبكون، وخرجوا، ودخل الناس فوجدوه مذبوحا، وبلغ علي بن أبي طالب الخبر وطلحة والزبير وسعدا ومن كان بالمدينة، فخرجوا وقد ذهبت عقولهم للخبر الذي أتاهم، حتى دخلوا على عثمان فوجدوه مقتولا، فاسترجعوا، وقال علي لابنتيه: كيف قتل أمير المؤمنين وأنتما على الباب؟! ورفع يده فلطم الحسن وضرب صدر الحسين، وشتم محمد بن طلحة ولعن عبد الله بن الزبير، وخرج علي وهو غضبان، فلقيه طلحة فقال: مالك يا أبا الحسن ضربت الحسن والحسين؟ فقال: عليك وعليهما لعنة الله! إلا أن يسوءني ذلك! يقتل أمير المؤمنين رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بدري لم تقم عليه بينة ولا حجة! فقال طلحة: لو دفع مروان لم يقتل. فقال علي: لو أخرج إليكم مروان قتل قبل أن يثبت عليه حكومة. وخرج علي فأتى منزله، وجاء الناس كلهم يهرعون إلى علي، وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم، كلهم يقول: أمير المؤمنين علي حتى دخلوا عليه داره فقالوا له: نبايعك فمد يدك، فلا بد من أمير. فقال علي: ليس ذلك إليكم إنما ذلك لأهل بدر، فمن رضي به أهل بدر فهو خليفة. فلم يبق أحد من أهل بدر إلا أتى عليا فقالوا: ما نرى أحد أحق بها منك، مد يدك نبايعك. فقال: أين طلحة والزبير؟ فكان أول من بايعه طلحة بلسانه وسعد بيده، فلما رأى ذلك علي خرج إلى المسجد فصعد المنبر، فكان أول من صعد إليه طلحة فبايعه بيده، ثم بايعه الزبير وسعد وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جميعا، ثم نزل فدعا الناس وطلب مروان، فهرب منه، وطلب نفرا من ولد مروان وبني أبي معيط فهربوا منه. وخرجت عائشة باكية تقول: قتل عثمان. وجاء علي إلى امرأة عثمان فقال لها: من قتل عثمان؟ قالت: لا أدري، دخل عليه رجلان لا أعرفهما إلا أن أرى وجوههما، وكان معهما محمد بن أبي بكر، وأخبرت عليا والناس ما صنع محمد، فدعا محمدا فسأله عما ذكرت امرأة عثمان، فقال محمد: لم تكذب، قد دخلت عليه وأنا أريد قتله فذكر لي أبي، فقمت عنه، وأنا تائب إلى الله تعالى، والله ما قتلته ولا أمسكته، فقالت امرأته: صدق ولكنه أدخلهما.
قال يزيد بن أبي حبيب: كان عمر بن الخطاب أمر على الشام بعد يزيد بن أبي سفيان معاوية ابن أبي سفيان وعمير بن سعد الأنصاري، وأمر على الكوفة المغيرة بن شعبة الثقفي، وأمر على البصرة أبا موسى الأشعري عبد الله بن قيس، وأمر على أهل مصر عمرو بن العاص، فقتل عمر ولم يخلع أحدا منهم، فاستخلف عثمان فنزع عمير بن سعد، وجمع الشام لمعاوية كله، ثم نزع عمرو بن العاص، وأمر عبد الله بن سعد، فقال أناس: نزع عمرا وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره، وأمر ابن سعد، فكانت تلك فتنة في أنفسهم، ثم نزع أبا موسى الأشعري، وأمر الوليد بن عقبة، قالوا: أمر الفاسق وخلع أبا موسى!. وأظهر الناس ذلك قالة سوء.

(5/226)


وكتب أهل الآفاق بذلك بعضهم إلى بعض، ثم إن عثمان أمر عبد الله بن سعد على أهل الشام وأهل مصر غزوة ذات الصواري، ففتح الله لأهل الإسلام يومئذ فتحا عظيما، وكان معاوية بن حديج غزا تلك السنة بغزاوة أمره عليها عثمان، ففتح ذلك الحصن، وأمر له عثمان بالخمس مما أصاب لنفسه، وذلك سنة أربع وثلاثين، ثم إن عبد الله بن سعد وفد عثمان برجال من أهل مصر، فأخبروه بالذي فتح الله لهم ولأهل الإسلام، فكتب عثمان بذلك الفتح إلى الأجناد، واستخلف عبد الله بن سعد على أهل مصر حين وفد عثمان السائب بن هشام، ورجلا من بني عامر بن لؤي، وجعل الخاتم بيد سليمان بن عتر التجيبي، فبينا عبد الله بن سعد عند عثمان ومعه وفد، إذ أقبل راكب بعثه صاحب منهل من مناهل المدينة، حتى دخل إلى عثمان فأخبره أن ركبا من أهل مصر مروا بنا معهم السلاح والخيل، فراعنا ذلك، فأشفق عثمان، فأرسل إلى عبد الله بن سعد فقال: يا أبا يحيى، أخبرني كيف تركت أهل مصر؟ قال: تركتهم على ما يحب أمير المؤمنين في طاعتهم، فهل بلغك يا أمير المؤمنين شيء؟ ثم قال راكب آخر بعثه صاحب ذي المروة، فأخبر عثمان أن راكبا من أهل مصر نزلوا ذا المروة معهم السلاح والخيل، قد احتقبوا الدروع، عليهم رجل يقال له: عبد الله بن بديل، فلما بلغ ذلك عثمان استيقن إنما يراد نفسه، فأرسل إلى عمر بن العاص وهو بالمدينة، قد أنكحه عثمان أخته لأمه أم كلثوم ابنة عقبة بن أبي معيط، فقال له: يا أبا عبد الله، ما بال ركب من أهل مصر نزلوا ذا المروة؟ فهون عليه عمرو و قال: لعلهم عتبوا على ابن سعد في أنه وفد برجال وترك آخرين، ويقال: إنما قدم الركب على ملأ من علي وعمرو لأنه نزعه عن مصر، فقال له عثمان: انطلق إليهم فارددهم بما أحبوا. وبعث معه عثمان أربع مئة راكب، فسار لهم عمرو، فلما دنا منهم نزل ونزلوا، فلما جن الليل قال مسلمة بن مخلد وكان في وفد عبد الله بن سعد: جاءني عين لي فقال: يا أبا سعيد، قد جاء علي الآن مختفيا. فانطلق هو وعمرو إلى الركب سرا، فرصدهم مسلمة فإذا الأمر كذلك، ثم أمرنا عمرو بالانصراف، وما ندري ما قال عمرو للقوم وما ردوا عليه، فذكر الركب الذين خرجوا من مصر أن عمرو بن العاص قال لهم: ما الذي قدمتم له؟ قالوا: أردنا قتل عثمان. قال: لستم في عدد كعدد من مع عثمان، ولكن ارجعوا واقبلوا من الرجل ما أعطاكم حتى تستوثقوا ممن خلفكم وترجعوا إليه ثانية وأنتم في كثف. فقال له ابن بديل وهو أحد خزاعة: يا عمرو، أما علمت أن الله يقول في كتابه: " كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين " فقال عمرو: يا بن بديل، إنه يكون من قضاء الله كم من فئة كثيرة غلبت فئة قليلة والله مع الصابرين، وأيم الله لو أعلم أن من وراءكم على مثل رأيكم، ثم كنت في أربعة آلاف أخذت منهم الحرمة، فما شعر عثمان حتى نغشاه بالخيل.
ورجع الركب من ذي المروة إلى مصر، فأعطاهم ما سألوا، فلما قدم عمرو المدينة قام عثمان على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد: يا أهل المدينة، فقد بلغني أنكم أكثرتم في الركب، وإني بعثت إليهم عمرو بن العاص، فأخبرني بأمر هو دون ما تذكرون. فقال عمرو بن العاص رافعا صوته: أتريد أن تجعلها بي يا عثمان؟ كلا والله بل قدموا في أمر جسيم من أمور أهل الإسلام، يا عثمان، إنك قد ركبت بأمتك نهابير وركبوها، فتب ولتتب أمتك. فقال أهل المدينة عند ذلك: نشهد بالله ونشهد من حضر من المسلمين أنا وأهل مصر على أمر واحد. فجالوا حتى حالوا بين عثمان والمنبر، فنزل، فدخل عليه نفر من قومه فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن عمرا هو الذي أغرى بك. فأخرجه عثمان، فطلق عمرو امرأته، ونزل السبع من أرض فلسطين، فقال عمرو حين أخرج: من الوافر:
لنخضب لحية غدرت وخانت ... بأحمر من دماء الجوف قاني.

(5/227)


ثم إن عثمان خرج إلى الناس فقال: أيها الناس، ما هذا الأمر الذي عتبتم علي فيه؟ قالوا: نعتب عليك أنك نزعت أبا نوسى الأشعري ووليت الفاسق، قد علمت ذلك ونزعت عمرا وأمرت ابن سعد وقد علمت ما قيل في ابن سعد، وقد بلغنا أن الوليد يخرج سكرانا لا يعقل. فقال عثمان: معاذ الله أن أعلم هذا منه وأؤمره، فانظروا من رجل أمين نبعث، فيعلم لنا علمه؟ فقال أهل المدينة: قد رضينا جبلة بن عمرو. فبعثوه، فنزل على رجل من الأنصار يقال له: قرظة بن كعب، فقال له: ألا يتقي الله عثمان! يجعل علينا رجلا يخرج إلى الصلاة لا يعقل؟! فقال له جبلة: اتق الله، اعلم ما تقول فإن عليك طاعة. ثم جمع مع ذلك أنه أخ لأمير المؤمنين، فقال له: أتراني كاذبا؟ فوالله ما كذبتك. فقال له: كيف لي أن أعلم ذلك منه مثل ما علمت؟ فقال: إن صاحب شرابه يألف وليدة لنا، وهي تخبرنا. فلم يزل حتى أخبرته الوليدة أنه الآن سكران لا يعقل، فدخل عليه جبلة بن عمرو فانتزع خاتمه وهو لا يشعر، فقدم عثمان فسأله، فقال له: يا أمير المؤمنين، بيني وبينك، فقال أهل المدينة: كلا والله إلا علانية. فلما قص قصته على عثمان قال عثمان: كذبت، فقد أخبرت خبرك قبل خروجك. فأمر به عثمان فسجن، فجعل أهل المدينة يأتونه في السجن، ثم إن أناسا من أهل المدينة دخلوا على أهل السجن فأخرجوا جبلة بن عمرو، فخرج جبلة عند ذلك إلى مصر، ولما رجع ابن بديل وأصحابه من ذي المروة بما أحبوا عارضهم رجل على جمل يسير بأعلى الطريق، وذلك ببطن النخل، فأرابهم أمره ففتشوا متاعه فإذا بصحيفة من عثمان إلى خليفة عبد الله بن سعد يأمره أن يقطع أيديهم وأرجلهم، ووجدوا الكتاب في إداوة، والجمل جمل عثمان، فقدموا بالجمل وبالغلام مصر وبالكتاب، فأقرؤوه إخوانهم، وقام جبلة خطيبا بين ظهريهم، حرضهم، وأخبر من أمره، وأنكر عثمان أن يكون كتب، ولعن الكاتب والمرسل في ذلك، فانتزى محمد بن أبي حذيفة على الإمارة، فتأمر على مصر وبايعه أهلها طرا. إلا أن تكون عصابة، فيهم معاوية بن حديج وبسر بن أبي أرطأة.
قالوا: وقام عمار بن ياسر بمصر فقال: خلعت عثمان كما أخلع كور عمامتي هذه فأعطاه محمد بن أبي حذيفة أربعين ألف دينار وتوابعها.
ومن حديث يزيد بن أبي حبيب قال: ثم إن ابن عديس دخل المسجد فبينا هو محتبي فيه إذ رمي من دار عثمان بسهم، فوقع عند حبوته ، فانتزع السهم وانطلق حتى دخل بيت بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ثم خرج ودخل المسجد فتراسل عثمان وعلي وطلحة والزبير، ولم يزالوا حتى دعاهم عثمان إلى أن اجتمعوا في بيت عائشة، ثم يعتبهم وينزع عما كرهوا، فاجتمعوا وأرسلت عائشة إلى صفية لتحضرها وتسمع مقالتهم، فأقبلت ومعها سليم مولاها، فدخلت على عائشة، وبينها وبين الملأ ستر، فتجاولوا طويلا وكثر كلامهم، وكان أشد القوم على عثمان صوتا جبلة بن عمرو الأنصاري، فقالت صفية وضعوها مع عثمان: من هذا الذي يرفع صوته على أمير المؤمنين؟ فقالت عائشة: هذا جبلة بن عمرو الأنصاري، فصاحت صفية: يا جبيلة، أترفع صوتك على أمير المؤمنين؟ فقالت عائشة وضعوها مع الملأ الذين حصروا عثمان: لم تصغرين اسمه؟ ادعيه يا جبلة، فإن الله لم ينقصه ولم ينقص اسمه، فاستوسق أمرهم على أن أجابهم عثمان إلى ما أحبوا، ونزع كما كرهوا دون الخلو لهم من الولاية، فرفضوا بذلك وافترقوا، فقال لها سليم مولاها: الحمد لله الذي أصلح أمر هذه الأمة وألف بينهم. فقالت له صفية: إنهم ليسوا بالذين يرضون منه بما أعطاهم من نفسه، وقد ركبوا ما ركبوا، وإني سمعت من كلامهم اليوم ما سمعت. ثم إن عبد الرحمن بن عديس أشار إلى أصحابه يحصروا عثمان. وانصرف علي فاختبأ في المسجد وعنده سعد بن أبي وقاص في ناس كثير، وألط القوم وكثر حردهم، فخرج سعد في وجوههم فقال: الله الله يا معشر المسلمين، تركتم عثمان حتى إذا غسلتموه وصار مثل الثوب الرحيض أردتم قتله، أفلا بوسخه فعلتم ذلك به! فقالوا: ما لنا ولك يا سعد. فشدوا على سعد حتى خر من قيامه، وخلص إلى عثمان بينهم فناشدهم عثمان في قتله، ونبذ إليهم مفاتيح الخزائن، فأقبلوا بها إلى طلحة بن عبيد الله فقال: لا والله لا نرضى بذلك منه حتى نسله من الولاية مثل الشعرة من العجين فكان أول من دخل عليه حتى تناوله محمد بن أبي بكر. الحديث

(5/228)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية