صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الإحاطة في أخبار غرناطة
المؤلف : لسان الدين ابن الخطيب
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

حاله
من العايد: كان رحمه الله حسن التلاوة لكتاب الله، ذا قدم في الفقه، له معرفة بالأصلين، شاعرا مجيدا، بصيرا، بليغا في خطبته، حسن الوعظ، سريع الدمعة. حج ولقى جلة. وأقرأ ببلش زمانا، وانتفع به، ولقى شدايد، أثلها الحسد.
مشيخته
قرأ العلم على الشيخين المقريين، الحجتين، أبي جعفر بن الزيات، وأبي عبد الله بن الكماد، وقرأ العربية والأصلين، على الأستاذ أبي عمرو ابن منظور، ولازمه وانتفع به، وقرأ الفقه على الشيخ القاضي أبي عبد الله ابن عبد السلام بمدينة تونس.
شعره
من شعره قوله في غرض النسيب:
خال على خدك أم عنبر ... ولؤلؤ ثغرك أم جوهر
أوريت نار الوجد طي الحشا ... فصارت النار به تسعر
لو جدت لي منك برشف اللما ... لقلت خمر عسل سكر
دعني في الحب أذب حسرة ... سفك دم العاشق لا ينكر
وقال:
عيناي تفهم من عينيك أسرارا ... وورد خدك يذكي في الحشا نارا
ملكت قلب محب فيك مكتيب ... قد أثر الدمع في خديه آثارا
رضاب ثغرك يروي حر غلته ... يا ليت نفسي تقضي منه أوطارا
أنعم بطيف منك ألمحه ... مإذا عليك بطيف منك لو زارا
نفسي فداؤك من ظبي به كلف ... يصبو له القلب مضطرا ومختارا
وقال:
أيها الظبي ترفق ... بكييب قد هلك
ألذنب تتجنى ... أم لشيء يوصلك
إن روحي لك ملك ... وكذا قلبي لك
إنما أنت هلال ... فلك القلب فلك
ومن مجموع نظمه ونثره ما خاطبني به، وقد طلبت من أدبه لبعض ما صدر عني من المجموعات: يا سيدي أبقاك الله بهجة للأعيان الفضلاء، وحجة لأعلام العلاء، ولا زلت تسير فوق النسر، وتجري في الفضايل على كرم النجر. ذكر لي فلان أنكم أردتم أن يرد على كمالكم، بعض الهذيان، الصادر عن معظم جلالكم، فأكبرت ذلك، ورأيتني لست هنالك، وعجبت أن ينظم مع الدر السبج، أو يضارع العمش الدعج، بيد أن لنظم الدر صناع، والحديث قد يذاع، ولا يضاع، وحين اعتذرت له فلم يعذرني، وانتظرته فلم ينظرني، بعد أن استعفيته فأبى، واستنهضت جواد الإجابة فكبى، وسلك غير طريقي، ولم يبلغني ريقي، وفيت الغرض، وقضيت من إجابته الحق المفترض، ورددت عن تعذاله النصيح، وأثبت هنا ما معناه صحيح، ولفظه غير فصيح:
بريت من حولي ومن قوتي ... بحول من لا حول إلا له
وثقت بالخالق فهو الذي ... يدبر العبد وأفعاله
وقلت بالحرم عند الملتزم من المنظوم في مثل ذلك:
أمولاي بالباب ذو فاقة ... وهذا يحط خطايا الأمم
فجد لي بعفوك عن زلتي ... يجود الكريم بقدر الكرم
ومما أعددته للوفادة على خير من عقدت عليه ألوية السيادة:
حمدت إليك مع الصباح سراها ... وأتتك تطلب من نداك قراها
وسرت إليك مع النسيم يمينها ... شوقا في السرى يسراها
ولولا العجر لوصلت، والعذر لأطلت، لكن ثنيت عناني لثنايك، لحسن اعتنايك، وقلت معتذرا من الصورة لمجدكم، وتاليا سورة حمدكم:
المجد تخبر عن صدق مآثره ... وناظم المجد في العلياء ناثره
والجود إن جد جد المرء ينجده ... وقلما ثم في الأيام ذاكره
من نال ما نلت من مجد ومن شرف ... فليس في الناس شخص يناظره
يا سيدا طاب في العلياء محتده ... ماجدا رسخت فيه أواصره
سريت في الفضل مستنا على ... سنن في الفضل مآربه حقا وسامره
ورثته عن كبير أوحد علم ... كذاك يحمله أيضا أكابره
مبارك الوجه وضاح الجبين له ... نور ينير أغر النور باهره
موفق بكفيل من عنايته مرفع ... العذر سامي الذكر طاهره
رعيت في الفضل حق الفضل مجتهدا مفهوم مجدك هذا الحكم ظاهره
علوت كالشمس إشراقا ومنزلة ... فأنت كالغيث يحيى الأرض ماطره

(1/372)


ينم بالفضل منك الفضل مشتهرا ... كما ينم بزهر الروض عاطره
دم وابق للمجد كهفا والعلا وزرا ... فإنما المجد شخص أنت ناظره
مؤملا منك خيرا أنت صانعه ... وصانع الخير عند الله شاكره
وما وليت وما أوليت من حسن ... فللناس والعالم العلوي ذاكره
بقيت تكسب من والاك مكرمة ... وناصرا أبدا من قل ناصره
عذرا لك الفضل عما جيت من خطإ ... أن يخط مثلي يوما أنت عاذره
ثم السلام على علياك من رجل ... تهدى الذي يخفى ضمايره
دخوله غرناطة: دخلها غير ما مرة، ولقيته بها لتقضي بعض أغراض بباب السلطان، مما يليق بمثله.
مولده: . . . . . . . . .
وفاته: توفي ببلش في أخريات عام خمسين وسبعماية.
ابن عبد الله العبدري
محمد بن عبد الله بن ميمون بن إدريس بن محمد ابن عبد الله العبدري قرطبي، استوطن مدينة مراكش، يكنى أبا بكر.
حاله
كان عالما بالقراءات، ذاكرا للتفسير، حافظا للفقه واللغات والأدب، شاعرا محسنا، كاتبا بليغا، مبرزا في النحو، جميل العشرة، حسن الخلق، متواضعا، فكه المحاضرة، مليح المداعبة. وصنف في غير ما فن من العلم وكلامه كثير مدون، نظما ونثرا.
مشيخته
روى عن أبي بكر بن العربي، وأبي الحسن شريح، وعبد الرحمن ابن بقي، وابن الباذش، ويونس بن مغيث، وأبي عبد الله بن الحاج، وأبي محمد بن عتاب، وأبي الوليد بن رشد، ولازمه عشرين سنة. قرأ عليهم وسمع، وأجازوا له، وسمع أبا بحر الأسدي، وأبوي بكر عياش ابن عبد الملك، وابن أبي ركب، وأبا جعفر بن سانجة، وأبا الحسن عبد الجليل، وأبا عبد الله بن خلف الأيسري، وابن المناصف، وابن أخت غانم، ولم يذكر أنهم أجازوا له، وروى أيضا عن أبوي عبد الله مكي، وابن المعمر، وأبي الوليد بن طريف.
من روى عنه: روى عنه أبو البقاء بعيش بن القديم، وأبو الحسن ابن مؤمن، وأبو زكريا المرجيعي، وأبو يحيى أبو بكر الضرير واختص به.
تواليفه
من مصنفاته مشاحذ الأفكار في مآخذ النظار وشرحاه الكبير والصغير على جمل الزجاجي، وشرح أبيات الإيضاح العضدي، ومقامات الحريري، وشرح معشراته الغزلية، ومكفراته الزهدية، إلى غير ذلك، وهما مما أبان عن وفور علمه، وغزارة مادته، واتساع معارفه، وحسن تصرفه.
دخل غرناطة راويا عن الحسن بن الباذش ومثله.
محنته
كان يحضر مجلس عبد المؤمن مع أكابر من يحضره من العلماء، فيشف على أكثرهم بما كان لديه من التحقيق بالمعارف، إلى أن أنشد أبا محمد عبد المؤمن أبياتا كان نظمها في أبي القاسم عبد المنعم بن محمد ابن تست وهي:
أبا قاسم والهوى جنة ... وها أنا من مسها لم أفق
تقحمت جامح نار الضلوع ... كما خضت بحر دموع الحدق
أكنت الخليل أكنت الكليم ... أمنت الحريق أمنت الغرق
فهجره عبد المؤمن، ومنعه من الحضور بمجلسه، وصرف بنيه عن القراءة عليه، وسرى ذلك في أكثر من كان يقرأ عليه، ويتردد إليه. على أنه كان في الطبقة العليا من الطهارة والعفاف.
شعره
قال في أبي القاسم المذكور، وكان أزرق، وقد دخل عليه ومعه أبو عبد الله محمد بن أحمد الشاطبي، وأبو عثمان سعيد بن قوسرة. فقال ابن قوسرة:
عابوه بالزرق الذي يجفونه ... والماء أزرق والعينان كذلك
فقال أبو عبد الله الشاطبي:
الماء يهدي للنفوس حياتها ... والرمح يشرع للمنون مسالكا
فقال أبو بكر بن ميمون المترجم به:
وكذلك في أجفانه سبب الردى ... ولاكن أرى طيب الحياة هنالكا
ومما استفاض من شعره قوله في زمن الصبا عفا الله عنه:
لا تكثرت بفراق أوطان الصبا ... فعسى تنال بغيرهن سعودا
والدر ينظم عند فقد بحاره ... بجميل أجياد الحسان عقودا
ومن مشهور شعره:
توسلت يا ربي بأني مؤمن ... وما قلت أني سامع ومطيع
أيصلى بحر النار عاص موحد ... وأنت كريم والرسول شفيع
وقال في مرضه:
أيرتجى العيش من عليه ... دلائل للردى جلية

(1/373)


أولها مخبر بثان ... ذاك أمان وذا منية
وفاته: توفي بمراكش يوم الثلاثاء اثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة سنة سبع وستين وخمسماية، ودفن بمقبرة تاغزوت داخل مراكش، وقد قارب السبعين سنة.
محمد بن أرقم النميري
محمد بن عبد الله بن عبد العظيم بن أرقم النميري من أهل وادي آش، يكنى أبا عامر.
حاله
كان أحد شيوخ بلده وطلبته، مشاركا في فنون، من فقه وأدب وعربية، وهي أغلب الفنون عليه، مطرح السمت، مخشوشن الزي، قليل المبالاة بنفسه، مختصرا في كافة شيونه، مليح الدعابة، شديد الحمل، كثير التواضع، وبيته معمور بالعلماء أولي الأصالة والتعين تصدر ببلده للفتيا والتدريس والإسماع.
مشيخته
قرأ على الأستاذ القاضي أبي خالد بن أرقم، والأستاذ أبي العباس ابن عبد النور. وروى عن أبيه مديح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن الوزير العالم أبي عبد الله بن ربيع، والقاضي أبي جعفر بن مسعدة، والأستاذ أبي جعفر بن الزبير، وولي الله الحسن بن فضيلة.
ورحل إلى العدوة، فأخذ بسبتة عن الأستاذ أبي بكر بن عبيدة، والإمام الزاهد أبي عبد الله بن حريث، وأبي عبد الله بن الخضار، وأبي القاسم بن الشاط، وغيرهم.
شعره
وهو من الجزء المسمى بشعر من لا شعر له والحمد لله. فمن ذلك قوله يمدح أبا زكريا العزفي بسبتة، ويذكر ظفره بالأسطول من قصيدة أولها:
أما الوصال فإنه كالعيد ... عذر المتيم واضح في الغد
وفاته: توفي ببلده عام أربعين وسبعماية. ودخل غرناطة، راويا ومتعلما، وغير ذلك.
محمد بن الجد الفهري
محمد بن عبد الله بن يحيى بن عبد الله بن فرج بن الجد الفهري الحافظ الجليل يكنى أبا بكر، جليل إشبيلية، وزعيم وقته في الحفظ. لبلي الأصل، إشبيلي، استدعاه السيد أبو سعيد والي غرناطة، فأقام بها عنده، في جملة من الفضلاء مثله سنين. ذكر ذلك صاحب كتاب ثورة المريدين.
حاله
كان في حفظ الفقه بحرا يغرف من محيط. يقال إنه ما طالع شيئا من الكتب فنسيه، إلى الجلالة والأصالة، وبعد الصيت، واشتهار المحل. وكان مع هذا يتكلم عند الملوك، ويخطب بين يديها، ويأتي بعجاب، وفي كتاب الإعلام شيء من خبره، قال ابن الزبير.
مشيخته
روى عن أبي الحسن بن الأخضر، أخذ عنه كتاب سيبويه وغيره ذلك، وعن أبي محمد بن عتاب، وسمع عليه بعض الموطأ، وعن أبي بحر الأسدي، وأبي الوليد بن طريف، وأبي القاسم بن منظور القاضي، وسمع عليه صحيح البخاري كله، وشريح بن محمد، وأبي الوليد بن رشد، وناوله كتاب البيان والتحصيل. وكتاب المقدمات. لقي هؤلاء كلهم، وأجازوا له عامة. وأخذ أيضا عن مالك بن وهيب.
من حدث عنه
أبو الحسن بن زرقون، وأبو محمد القرطبي الحافظ، وإبنا حوط الله، وغيرهم. وعليه من ختمت به المائة السادسة كأبي محمد بن جمهور، وأبي العباس بن خليل وإخوته الثلاثة أبي محمد عبد الله، وأبي زيد عبد الرحمن، وأبي محمد عبد الحق. قال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير: حدثني عنه ابن خليل وأبو القاسم الجياني، وأبو الحسن بن السراج.
مولده: بلبلة في ربيع الأول سنة ست وثمانين وخمسماية. ذكره ابن الملجوم، وأبو الربيع بن سالم، وابن فرتون.
ابن أحمد بن الفخار الجذامي
محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن علي بن محمد ابن أحمد بن الفخار الجذامي يكنى أبا بكر، أركشي المولد المنشأ، مالقي الاستيطان، شريشي التدرب والقراءة.
حاله
من عايد الصلة: كان رحمه الله خيرا صالحا، شديد الانقباض، مغرقا في باب الورع، سليم الباطن، كثير العكوف على العلم والملازمة، قليل الرياء والتصنع. خرج من بلده أركش عند استيلاء العدو على قصبتها، وكان يصفها، وينشد فيها من شعر أستاذه الأديب أبي الحسن الكرماني:
أكرم بأركش دارا ... تاهت على البدر قدرا
يخاطب المجد عنها ... لقلب تدنى شكرا

(1/374)


واستوطن مدينة شريش، وقرأ بها، وروى بها عن علمائها، واقرأ بها. ولما استولى العدو عليها لحق بالجزيرة الخضراء، فدرس بها، ثم عبر البحر إلى سبتة. فقرأ بها وروى. ثم كر إلى الأندلس، فقصد غرناطة، وأخذ عن أهلها. ثم استوطن مالقة، وتصدر للإقراء بها، مفيد التعليم، متفننه، من فقه وعربية وقراءات وأدب وحديث، عظيم الصبر، مستغرق الوقت، يدرس من لدن صلاة الصبح إلى الزوال. ثم يسند ظهره إلى طاق المسجد بعد ذلك، فيقرى، وتأتيه النساء من خلفه للفتيا، فيفتيهن عل حال سؤالا تهن إلى نصف ما بين العصر والعشاء الأولى. ثم يأتي المسجد الأعظم بعد الغروب، فيقعد للفتيا إلى العشاء الآخرة، من غير أن يقبل من أحد شيئا. ومن أخذ منه بعد تحكيم الورع، أثابه بمثله. ما رئي في وقته أورع منه. وكان يتخذ رومية مملوكة، لا يشتمل منزله على سواها، فإذا أنس منها الضجر للحصر وتمادى الحجاب، أعتقها، وأصحبها إلى أرضها. ونشأت بينه وبين فقهاء بلده خصومة في أمور عدوها عليه، مما ارتكبها لاجتهاده في مناط الفتوى، وعقد لهم أمير المسلمين بالأندلس، مجلسا، أجلى عن ظهوره فيه، وبقاء رسمه، فكانت محنة، وخلصه الله منها. وبلغ من تعظيم الناس إياه، وانحياشهم إليه مبلغا لم ينله مثله، وانتفع بتعليمه، واستفيد منه الأدب، على نسكه وسذاجته.
مشيخته
قرأ ببلده شريش على المكتب الحاج أبي محمد عبد الله بن أبي بكر ابن داود القيسي، وعلى الأستاذ أبي بكر محمد بن الرباح، وعلى الأستاذ أبي الحسن علي بن إبراهيم بن حكيم السكوني الكرماني. أخذ عنه العربية والأدب، وعلى الحافظ أبي الحسن علي بن عيسى المعروف بابن متيوان، وعلى الأصولي الكاتب أبي الحسن هلال بن أبي سنان الأزدي المراكشي، وعلى الخطيب أبي العرب إسمعيل بن إبراهيم الأنصاري، وعلى الفقيه أبي عبد الله الجنيدي المعروف بالغراق؛ وعلى الفقيه العددي أبي عبد الله محمد بن علي بن يوسف المعروف بابن الكاتب المكناسي. وقرأ بالجزيرة الخضراء على الخطيب الصالح أبي محمد الركبي، وروى عنه، وقرأ بها على الخطيب أبي عبيد الله بن خميس، وعلى الأصولي أبي أمية. وقرأ بسبتة على الأستاذ الفرضي إمام النحاة أبي الحسن بن أبي الربيع، وعلى أبي يعقوب المحبساني، وعلى المحدث أبي عمرو عثمان بن عبد الله العبدري، وعلى الفقيه المالكي الحافظ أبي الحسن المتيوي، والأصولي أبي الحسن البصري، والفقيه المعمر الراوية أبي عبد الله محمد الأزدي، والمحدث الحافظ أبي محمد بن الكماد، وعلى الأستاذ العروضي الكفيف أبي الحسن بن الخضار التلمساني. ولقي بغرناطة قاضي الجماعة أبا القاسم ابن أبي عامر بن ربيع، والأستاذ أبا جعفر الطباع، وأبا الوليد إسمعيل ابن عيسى بن أبي الوليد الأزدي، والأستاذ أبا الحسن بن الصايغ. ولقي بمالقة الخطيب الصالح أبا محمد عبد العظيم بن الشيخ، والراوية أبا عبد الله محمد بن علي بن الحسن الجذامي السهيلي. وسمع على الراوية أبي عمرو ابن حوط الله، وعلى الأستاذ أبي عبد الله بن عباس القرطبي.
تواليفه
كان رحمه الله مغري بالتأليف، فألف نحو الثلاثين تأليفا في فنون مختلفة، منها كتاب تحبير نظم الجمان في تفسير أم القرآن، و " انتفاع الطلبة النبهاء في اجتماع السبعة القراء " . و " الأحاديث الأربعون بما ينتفع به القارئون والسامعون " ، وكتاب " منظوم الدرر في شرح كتاب المختصر " و " كتاب نصح المقالة في شرح الرسالة " ، وكتاب " الجواب المختصر المروم في تحريم سكنى المسلمين ببلاد الروم " ، وكتاب " استواء النهج في تحريم اللعب بالشطرنج " ، وكتاب " جواب البيان على مصارمة أهل الزمان " ، وكتاب تفضيل صلاة الصبح للجماعة في آخر الوقت المختار على صلاة الصبح للمنفرد في أول وقتها بالابتجدار " ، وكتاب " إرشاد السالك في بيان إسناد زياد عن مالك " ، وكتاب " الجوابات المجتمعة عن السؤالات المنوعة " ، وكتاب " إملا فوايد الدول في ابتداء مقاصد الجمل " وكتاب " منهج الضوابط المقسمة في شرح قوانين المقدمة " ، وكتاب " التكملة والتبرية في إعراب البسملة والتصلية " ، وكتاب " سح مزنة الانتخاب في شرح خطبة الكتاب " . ومنها اللايح المعتمد عليه في الرد على من رفع الخبر بلا إلى سيبويه، وغير ذلك من مجيد ومقصر.
شعره

(1/375)


وشعره كثير، غريب النزعة، دال على السذاجة، وعدم الاسترابة والشعور، والغفلة المعربة عن السلامة، من ارتكاب الحوشى، واقتحام الضرار، واسعمال الألفاظ المشتركة التي تتشبث بها أطراف الملاحين والمعاريض، ولع كثير من أهل زمانه بالرد عليه، والتملح بما يصدر عنه، منهم القاضي أبو عبد الله بن عبد الملك.
ومن منتخب شعره قوله:
أنظر إلى ورد الرياض كأنه ... ديباج خد في بنان زبرجد
قد فتحته نضارة فبدا له ... في القلب رونق صفرة كالعسجد
حكت الجوانب خدحب ناعم ... والقلب يحكى خد صب مكمد
حدث الفقيه العدل أبو جعفر أحمد بن مفضل المالقى، قال، قال لي يوما الشيخ الأستاذ أبو بكر بن الفخار، خرجت ذات يوم وأنا شاب من حلقة الأستاذ بشريش، أعادها الله للإسلام، في جملة من الطلبة، وكان يقابل باب المسجد حانوت سراج، وإذا فتى وسيم في الحانوت يرقم جلدا كان في يده، فقالوا لي لاتجاوز هذا الباب، حتى تصنع لنا شعرا في هذا الفتى. فقلت:
ورب معذر للحب داع ... يروق بهاء منظره البهيج
وشى في وجنتيه وشيا ... كوشى يديه في أدم السروج
مولده
بحصن أركش بلده، وكان لا خبر به، في ما بين الثلاثين والأربعين وست ماية.
وفاته
توفي بمالقة في عام ثلاثة وعشرين وسبعماية، وكانت جنازته بمالقة مشهورة
ابن العربي
محمد بن علي بن عمر بن يحيى بن العربي الغساني من أهل الحمة من عمل المرية، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن العربي وينتمي في بني أسود من أعيانها.
حاله
من العايد: كان رحمه الله من أهل العلم والدين والفضل، طلق الوجه، حسن السير، كثير الحياء، كأنك إذا كلمته تخاطب البكر العذراء، لا تلقاه إلا مبتسما، في حسن سمت، وفضل هوى، وجميل وقار، كثير الخشوع، وخصوصا عند الدهول في الصلاة، تلوح عليه بذلك، عند تلاوته سيمى الحضور، وحلاوة الإقبال. وكان له تحقق بضبط القراءات، والقيام عليها، وعناية بعلم العربية، مع مشاركة في غير ذلك من الفنون السنية، والعلوم الدينية. انتصب للإقراء والتدريس بالحمة المذكورة، فقرب النجعة على أهل الحصون والقرى الشرقية، فصار مجتمعا لأرباب الطلب من أهل تلك الجهات ومرتفقاتهم. وكان رجلا صالحا، مبارك النية، حسن التعليم، نفع الله به من هنالك، وتخرج على يديه جمع وافر من الطلبة، عمرت بهم ساير الحصون. وكان له منزل رحب للقاصدين، ومنتدى عذب للواردين. تجول في آخرة بالأندلس والعدوة، وأخذ عمن لقى بها من العلماء، وأقام مدة بسبتة، مكبا على قراءة القرآن والعربية. وبعد عوده من تجواله لزم التصدر للإقراء بحيث ذكر، وقد كانت الحواضر فقيرة لمثله، غير آنه آثر الوطن، واختار الاقتصارد.
؟مشيخته
أخذ يألمرية عن شيخها أبى الحسن بن أبى العيش، وبغرناطة عن الأستاذ أبي جعفر بن الزبير، والعدل أبي الحسن بن مستقور. وببلش عن الأستاذ أبي عبد الله بن الكماد، والخطيب أبي جعفر بن الزيات. وبمالقة عن الأستاذ أبي عبد الله بن الفخار، والشيخ أبي عبد الله محمد بن يحيى بن ربيع الأشعري. وبالجزيرة عن خطيبها أبي العباس بن خميس. وبسبتة عن الأستاذ أبي إسحق العافقي، والخطيب أبي عبد الله بن رشيد، والإمام الصالح أبي عبد الله محمد بن محمد بن حريث، والقاضي أبي عبد الله القرطبي، والزاهد أبي عبد الله بن معلى، الشيخ الخطيب أبي عبد الله العغماري. وبمكناسة عن القاضي وارياش. وبفاس من الحاج الخطيب أبي الربيع سليمان بن مفتاح اللجاي، والأستاذ أبي الحسن بن سليمان، والأستاذ أبي عبد الله بن أجروم الصنهاجي، والحاج أبي القاسم بن رجا ابن محمد بن علي وغيرهم، وكل من ذكر أجازله عامة، ألا قاضي مكناسة أبي عبد الله محمد بن علي الكلبي الشهير بوارياش.
مولده: في أول عام اثنين وثمانين وستماية وفاته: توفي بالحمة ليلة الإثنين الثامن عشر لشهر محرم عام ثمانية وأربعين وسبعماية.
اليتيم
محمد بن علي بن محمد العبدري من أهل مالقة، يكنى أبا عبد الله، ويعرف باليتيم
حاله

(1/376)


كان رحمه الله أحد الظرفاء من أهل بلده، مليح الشكل، حسن الشيبة، لوذعيا في وقار، رشيق النظم والنثر، غزلا مع الصون، كثير الدعابة من غير إفحاش، غزير الأدب، حسن الصوت، رايق الخطبن بديع الوراقة، معسول الألفاظ، ممتع المجالسة، طيب العشرة. أدب الصبيان مدة، وعقد الشروط أخرى، وكان يقرأ كتب الحيدث والتفسير والرقايق للعامة بالمسجد الأعظم، بأعذب نغمة، وأمثل طريقة، مذ أزيد من ثلاثين سنة، لم يخل منها وقتا إلا ليلتين، إحداهما بسبب امتساكناب به في نزهة برياض بعض الطلبة. لم يخلف مثله بعده. وخطب بقصبه مالقة، ومال أخيرا إلى نظر الطب، فكان الناس يميلون اليه، وينتفعون به لسياغ مشاركته، وعموم انقياده، وبره، وعمله على التودد والتجمل.
وجرى ذكره في " التاج المحلى " بما نصه: مجموع أدوات حسان، من خط ونغمة ولسان، أوراقه روض تضوع نسماته، وبشره صبح تتألق قسماته، ولايخفى سماته. يقرطس أغراض الدعابة ويصميها، ويفوق سهام الفكاهة إلى مراميها، فكلما صدرت في عصره قصيدة هازلة، أو أبيات منحطة عن الإجادة نازلة، خمس أبياتها وذيلها، وصرف معانيها وسهلها، وتركها سمر الندمان، وأضحوكة الزمان. وهو الآن خطيب المسجد الأعلى من مالقة، متحل بوقار وسكينة، حال من أهلها بمكانة مكينة، لسهولة جانبه، واتضاح مقاصده في الخير ومذاهبه. ، واشتغل لأول أمره بالتعليم والتكتيب، وبلغ الغاية في الوقار والترتيب، وللشباب لم ينصل خضابه، ولا شلت للمشيب عضابه، ونفسه بالمحاسن كلفة، وشأنه كله هوى ومحبة، ولذلك ماخاطبه به بعض أودايه، وكلاهما رمى أهله بدايه، حسبما يأتي خلال هذا المقول وفي أثنايه بحول الله.
شعره
كتبت إليه أسأل منه ماأثبت في كتاب " التاج " من شعره، فكتب إلى:
أما العرام فلم أخلل بمذهبه ... فلم حرمت فؤادي نيل مطلبه
يامعرضا عن فؤاد لم يزل كلفا ... بحبه ذا حذار من تجنبه
قطعت عنه الذي عودته فغدا ... وحظه من رضاه برق خلبه
أيام وصلك مبذول وبرك بي ... مجدد قد صفا لي عذب مشربه
وسمع ودك عن إفك العواذل في ... شغل وبدر الدجى ناس لمغربه
ألأنت تمنعني نيل الرضا كرما ... ولا فؤادي بوان ف يتطلبه
لله عرفك ماأذكى تنسمه ... لو كنت تمنحني استشاق طيبه
أنت الحبيب الذي لم أتخذ بدلا ... منه وحاش لقلبي من تقلبه
يا ابن الخطيب الذي قد فقت كل سنا ... أزال عن ناظري إظلام غيهبه
محمد الحسن في خلق وفي خلق ... كملت باسمك معنى الحسن فازه به
نأيت أو غبت مالي عن هواك غنى ... لانيقص البدر حسنا في بتغيبه
سيان حال التداني والبعاد وهل ... لمبصر البدر نيل في ترقبه
يامن أحسن ظنى في رضاه وما ... ينفك يبدى قبيحا من تغضبه
إن كان ذنبي الهوى فالقلب مني ... لايصغى لسمع ملام من مؤنبه
فأجبته بهذه الرسالة، وهي ظريفة في معناها:

(1/377)


" ياسيدي، الذي إذا رفعت راية ثنايه تلقيتها باليدين، وإذا قسمت سهام وداده على ذوي اعتقاده، كنت صاحب الفريضة والدين، دام بقاؤك لطرفة تبديها، وغريبة تردفها، بأخرى تليها، وعقيلة بيان تحليها ونفس أخذ الحزن بكظمها، وكلف الدهر بشت نظمها، تونسها وتسليها، لم أزل أعزك الله، أشد على بدايعها بد الضنين، وأقتنى درر كلامك، ونفثات أقلامك، اقتناء الدر الثمين، والأيام بلقياك تعد ولا تسعد، وفي هذه الأيام انثالت على سماؤك بعد قحط، وتوالت على آلاوك على شحط، وزارتني من عقايل بيانك كل فاتنة الطرف، عاطرة العرف، رافلة في حلل البيان والظرف، لو ضربت بيوتها بالحجار، لأقرت لنا العرب العاربة بالإعجاز، ماشيت من رصف المبنى، ومطاوعة اللفظ لغرض المعنى، وطيب الأسلوب، والتشبث بالقلوب. غير أن سيدى أفرط في التنزل، وخلط المخاطبة بالتغزل، وراجع الالتفات، ورام استدراك مافات. يرحم الله شاعر المعرة، فلقد أجاد في قوله، وأمكر مناجاة للشوق، بعد انصرام حوله فقال:
أبعد حول تناجي للشوق ناجية ... هلا ونحن على عشر من العشر
وقد تجاوزت في الأمل، وأنسيت أخبار صاحبك عبد الصمد، فأقسم بألفات القدود، وهمزات الجفون السود، وحاملى الأرواح مع الألواح، بالغدو والرواح، لولا بعد مزارك، ماأمنت غايلة ماتحت إزارك ثم إني حققت الغرض، وبحثت عن المشكل الذي عرض، فقلت للخواطر انتقال، ولكل مقام مقال، وتختلف الحوايج باختلاف الأوقات، ثم رفع اللبس خبر الثقات.
ومنها: وتعرفت ما كان من مراجعة سيدي لحرفة التكتيب والتعليم، والحنين إلى العهد القديم، فسررت باستقامة حاله، وفضل ماله، وإن لاحظ الملاحظ ماقال الجاحظ، فاعتراض لا يرد، وقياس لا يضطرد، جبذا والله عيش أهل التاديب، فلا بالضنك ولا بالجديب، معاهدة الإحسان.
ومشاهدة الصور الحسان، يمينا إن المعلمين لسادة المسلمين، وإني لأنظر منهم، كلما خطرت على المكاتب، أمرا فوق المراتب، من كل مسيطرالدرة، متقطب الأسرة، متنمر للوارد تنمر الهرة، يغدو إلى مكتبه، والأمير ف يموكبه، حتى إذا استقل في فرشه، واستولى على عرشه، وترنم بتلاوة قانونه وورشه، أطهر للخلق احتقارا، وأندى بالجبال وقارا، ورفعت إليه الخصوم، ووقف بين يديه الظالم والظلوم، فتقول كسرى في إيوانه، والرشيد في زمانه، والحجاج بين أعوانه. وإذا استولى على البدر السرار، وتبين للشهر القرار، وتحرك إلى الخوج، تحرك القرد إلى الفرج. أستغفر الله مما يشق على سيدي سماعه، وتشمئز من ذكراه طباعه، شيم اللسان، خلط الإساءة بالإحسان، والغفلة من صفات الإنسان.
فأي عيش هذا العيش، وكيف حال أمير هذا الجيش، طاعة معروقة، ووجوه إليه مصروفة، فإن أشار بالإنصات، تتحقق الفصات، فكأنما طمس الأفواه، ولام بين الشفاه. وإنه أمر بالإفصاح، وتلاوة الألواح، علا الضجيج والعجيج، وحف به كما حف بالبيت الحجيج. وكم بين ذلك من رشوة تدمن، وغمزة لاتحس، ووعد يستنجز، وحاجة تستعجل وتحفز. هنا الله سيدي ماخوله، وأنساه بطيب آخره أوله. وقد بعثت بدعابتي هذه مع إجلال قدره، والثقة بسعة صدره، فليتلقها بيمينه، ويفسح لها في المرتبة بينه وبين خدينه، ويفرغ لمراجعتها وقتا من أوقاته، بمقتضى دينه، وفضل يقينه، والسلام.
ومن شعره ما كتب به إلى:
آيات حسنك حج للقال ... في الحب قايمة على العذال
يا من سبا طوعا عقول ذوي النهى ... ببلاغة قد أيدت بجمال
يستعبد الأبصار والأسماع ما ... يجلو ويتلو من سنى مقال
وعليك أهواء النفوس بأسرها ... وقفت فطيرك لا يمر ببال
رفعت لريه في البلاغة راية ... لما احتللت بها وحيد كمال
وغدت تباهي منك بالبدر الذي ... تعنو البدور لنوره المتلال
مإذا ترى يا ابن الخطيب لخاطب ... ودا ينافس فيك كل مقال
جذبته نحو هواك غر محاسن ... مشفوعة أفرادها بمعال
وشمايل رقت لرقة طبعها ... فزلالها يزري بكل زلال
وحلى آداب بمثل نفيسها ... تزهو الحلا ويحل قدر الحال

(1/378)


يستخدم الياقوت عند نظامها ... فمقصر من قاسها بلال
سبق الأخير الأولين بفضلها ... فغدا المقدم تابعا للتال
شغفي بذكر من عقايلها إذا ... تبدو تصان من الحجا بحجال
فابعث بها نلت المنا ممهورة ... طيب الثنا لنقدها والكال
لا زلت شمسا في الفضايل يهتدي ... بسناك في الأفعال والأقوال
ثم السلام عليك يترى ما تلت ... بكر الزمان رواف الآصال
ومن الدعابة، وقد وقعت إليها الإشارة من قبل، ما كتب به إليه صديقه الملاطف أبو علي بن عبد السلام:
أبا عبد الله نداء خل وفي ... جاء يمنحك النصيحة
إلى كم تألف الشبان غيا ... وخذلانا أما تخشى الفضيحة
فأجابه رحمه الله:
فديتك صاحب السمة المليحة ... ومن طابت أرومته الصريحة
ونم قلبي وضعت له محلا ... فما عنه يحل بأن أزيحه
نأيت فدمع عيني في انسكاب ... وأكباد لفرقتكم قريحة
وطرفي لا يتاح له رقاد ... وهل نوم لأجفان جريحة
وزاد تشوقي أبيات شعر ... أتت منكم بألفاظ فصيحة
ولم تقصد بها جدا ولاكن ... قصدت بها مداعبة قبيحة
فقلت أتألف الشبان غيا ... وخذلانا أما تخشى الفضيحة
وفيهم حرفتي وقوام عيشي ... وأحوالي بخلطتهم نجيحة
وأمري فيهم أمر مطاع ... وأوجههم مصابيح صبيحة
وتعلم أنني رجل حصور ... وتعرف ذاك معرفة صحيحة
قال في التاج: ولما اشتهر المشيب بعارضه ولمته، وخفر الدهر لعمود صباه وإذمته، أقلع واسترجع، وتألم لما فرط وتوجع، وهو الآن من جلة الخطباء، طاهر العرض والثوب، خالص من الشوب، باد عليه قبول قابل التوب.
وفاته رحمه الله: في آخر صفر من عام خمسين وسبعماية في وقيعة الطاعون العام، ودخل غرناطة.
ومن الغرباء في هذا الباب
محمد بن مرزوق العجيسي
محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن أبي بكر بن مرزوق العجيسي من أهل تلمسان، يكنى أبا عبد الله، ويلقب من الألقاب المشرقية بشمس الدين
حاله
هذا الرجل من طرف دهره ظرفا وخصوصية ولطافة، مليح التوسل حسن اللقاء، مبذول البشر، كثير التودد، نظيف البزة، لطيف التأتي، خير البيت، طلق الوجه، خلوب اللسان، طيب الحديث، مقدر الألفاظ، عارف بالأبواب، درب على صحبة الملوك والأشراف، متقاض لإيثار السلاطين والأمراء، يسحرهم بخلابة لفظه، ويفتلهم في الذروة والغارب بتنزله، ويهتدي إلى أغراضهم الكمينة بحذقه، ويصنع غاشيتهم بتلطفه، ممزوج الدعابة بالوقار، والفكاهة بالنسك، والحشمة بالبسط، عظيم المشاركة لأهل وده، والتعصب لإخوانه، إلف مألوف، كثير الأتباع والعلق، مسخر الرقاع في سبيل الوساطة، مجدي الجاه، غاص المنزل بالطلبة، منقاد الدعوة، بارع الخط، أنيقه، عذب التلاوة، متسع الرواية، مشارك في فنون، من أصول وفروع وتفسير، يكتب ويشعر ويقيد ويؤلف، فلا يعدو السداد في ذلك، فارس منبر غير جزوع ولا هيابة. رحل إلى المشرق في كنف حشمة نم جناب والده رحمه الله، فحج وجاور، ولقي الجلة، ثم فارقة، وقد عرف بالمشرق حقه، وصرف وجهه إلى المغرب، فاشتمل عليه السلطان أبو الحسن أميره، اشتمالا خلطه بنفسه، وجعله مفضي سره، وإمام جمعته وخطيب منبره، وأمين رسالته، فقدم في غرضها على الأندلس في أواخر عام ثمانية وأربعين وسبعماية، واجذبه سلطانها رحمه الله، وأجراه على تلك الوتيرة، فقلده الخطبة بمسجده في السادس لصفر عام ثلاثة وخمسين وسبعماية، وأقعده للإقراء بالمدرسة من حضرته. وفي أخريات عام أربعة وخمسين بعده أطرف عنه حفن بره، في أسلوب طماح ودالة، وسبيل هوى وقحة، فاغتنم العبرة، وانتهز الفرصة، وأنفذ في الرحيل العزمة، وانصرف عزيز الرحلة، مغبوط المنقلب، في أوايل شعبان عام أربعة وخمسين وسبعماية، فاستقر بباب ملك المغرب، أمير المؤمنين أبي عنان فارس في محل تجلة، وبساط قرب، مشترك الجاه، مجدي التوسط، ناجع الشفاعة، والله يتولاه ويزيده من فضله.
مشيخته

(1/379)


من كتابه المسمى عجالة المتسوفز المستجاز في ذكر من سمع من المشايخ دون من أجاز، من أئمة المغرب والشام والحجاز. فممن لقيه بالمدينة المشرفة على ساكنها الصلاة والسلام، الإمام العلامة عز الدين محمد أبو الحسن ابن علي بن إسمعيل الواسطي صاحب خطتي الإمامة والخطابة بالمسجد النبوي الكريم، وأفرد جزءا في مناقبه. ومنهم الشيخ الإمام جمال الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن خلف بن عيسى الخزرجي السعدي العبادي، تحمل عن عفيف الدين أبي محمد عبد السلام بن مزروع وأبي اليمن وغيره. والشيخ الإمام خادم الوقت بالمسجد الكريم ونائب الإمامة والخطابة به، ومنشد الأمداح النبوية هنالك. وبمكة شرفها الله، الشيخ المعمر الثقة شرف الدين أبو عبد الله عيسى بن عبد الله الحجي المكي. ولا شيخ الصالح شرف الدين خضر بن عبد الرحمن العجمي. والشيخ مقري الحرم برهان الدين إبراهيم بن مسعود بن إبراهيم الآبلي المصري. والشيخ الإمام الصالح أبو محمد عبد الله بن أسعد الشافعي الحجة، انتهت إليه الرياسة العلمية والخطط الشرعية بالحرم. والشيخ قاضي القضاة وخطيب الخطباء عز الدين أبو عمر عبد العزيز بن محمد بن جماعة الكناني قاضي القضاة بمصر. وبمصر الشيخ علاء الدين القونوي. والتقي السعدي، وقاضي القضاة القزويني، والشرف أقضى القضاة الإخميمي، وكثيرون غيرهم. وسمع من عدد عديد آخر من أعلام القضاة والحفاظ والعلماء بتونس، وبجابة، والزاب، وتلمسان.
محنته
اقتضى الخوض الواقع بين يدي تاميل الأمير أبي الحسن رحمه الله، وتوقع عودة الأمر إليه، وقد ألقاه اليم بالساحل بمدينة الجزاير، أن قبض عليه بتلمسان، أمراؤها المتوثبون عليها في هذه الفترة، من بني زيان، إرضاء لقبيلهم، المتهم بمداخلته، وقد رحل عنهم دسيسا من أميرهم عثمن بن يحيى بن عبد الرحمن بن يغمراسن، فصرف مأخوذا عليه طريقه، منتهبا رحله، منتهكة حرمته، وأسكن قرارة مطبق عميق القعر، مقفل المسلك، حريز القفل، ثاني اثنين. ولأيام قتل ثانيه ذبحا بمقربة من شفى تلك الركية، وانقطع لشدة لاثقاف أثره، أيقن الناس بفوات الأمر فيه. ولزمان من محنته ظهرت عليه بركة سلفه، في خبر ينظر بطرقه إلى الكرامة، فنجا ولا تسل كيف، وخلصه الله خلاصا جميلا، وقدم على الأندلس، والله ينفعه بمحنته.
شعره وما وقع من المكاتبة بيني وبينه
ركب مع السلطان خارج الحمراء، أيام ضربت اللوز قبابها البيض، وزينت الفحص العريض، والروض الأريض، فارتجل في ذلك:
أنظر إلى النوار في أغصانه ... يحكى النجوم إذا تبدت في الحلك
حيا أمير المسلمين وقال قد ... عميت بصيرة من بغيرك مثلك
يا يوسفا حزت الجمال بأسره ... فمحاسن الأيام تومي هيت لك
أنت الذي صعدت به أوصافه ... فيقال فيه ذا مليك أو ملك
ولما قدمت على مدينة فاس في غرض الرسالة، خاطبني بمنزل الشاطبي على مرحلة منها بما نصه:
يا قادما وافي بكل نجاج ... أبشر بما تلقاه من أفراح
هذي ذرى ملك الملوك فلذ بها ... تنل المنى وتفز بكل سماح
مغني الإمام أبي عنان يممن ... تظفر ببحر في العلى طفاح
من قاس جود أبي عنان ذي الندى ... بسواه قاس البحر بالضحضاح
ملك يفيض على العفاة نواله ... قبل السوال وقبل بسطة راح
فلجود كعب وابن سعدي في الندى ... ذكر محاه من نداه ماح
ما أن رأيت ولا سمعت بمثله ... من أريحي للندى مرتاح
بسط الأمان على الأنام فأصبحوا ... قد ألحفوا منه بظل جناح
وهمي على العافين سيب نواله ... حتى حكى سح الغمام الساح
فنواله وجلاله وفعاله فاقت ... وأعيت ألسن المداح
وبه الدنا أضحت تروق وأصبحت كل المنى تنقاد بعد جماح
من كان ذا ترح فرؤية وجهه ... متلافة الأحزان والأتراح
فانهض أبا عبد الإله تفز بما ... تبغيه من أمل ونيل نجاح
لا زلت ترتشف الأماني راحة ... من راحة المولى بكل صباح

(1/380)


والحمد لله يا سيدي وأخي على نعمه التي لا تحصى حمدا يؤم به جميعنا المقصد الأسنى، فيبلغ الأمد الأقصى، فطالما كان معظم سيدي للأسى في خبال، وللأسف بين اشتغال بال، واشتغال بلبال، ولقدومكم على هذا المقام العلي في ارتقاب، ولمواعدكم بذلك في تحقق وقوعه من غير شك ولا ارتياب، فها أنت تجتلي، من هذا المقام العلي، لتشيعك وجوه المسرات صباحا، وتتلقى أحاديث مكارمه ومواهبه مسندة صحاحا بحول الله. ولسيدي الفضل في قبول مركوبه الواصل إليه بسرجه ولجامه، فهو من بعض ما لدي المحب من إحسان مولاي وإنعامه. ولعمري لقد كان وافدا على سيدي في مستقره مع غيره. فالحمد لله الذي يسر في إيصاله على أفضل أحواله.
فراجعته بقولي:
راحت تذكرني كؤوس الراح ... والقرب يخفض للجنوح جناح
وسرت تدل على القبول كأنما ... دل النسيم على انبلاج صباح
حسناء قد غنيت بحسن صفاتها ... عن دملج وقلادة ووشاح
أمست تحض على اللياذ بمن جرت ... بسعوده الأقلام في الأفراح
بخليفة الله المؤيد فارس ... شمس المعالي الأزهر الوضاح
ما شيت من همم ومن سيم غدت ... كالزهر أو كالزهر في الأدواح
فضل الملوك فليس يدرك شأوه ... أني يقاس الغمر بالضحضاح
أسنى بني عباسهم بلوانه المنصور أو بحسامه السفاح
وغدت مغاني الملك لما حلها ... تزهي ببدر هدى وبحر سماح
وحياة من أهداك تحفة قادم ... في العرف منها راحة الأرواح
ما زلت أجعل ذكره وثناءه ... روحي وريحاني الأريج وراح
ولقد تمازج حبه بجوارحي ... كتمازج الأجسام بالأرواح
ولو أنني أبصرت يوما في يدي ... أمري لطرت إليه دون جناح
فالأن ساعدني الزمان وأيقنت ... من قربه نفسي بفوز قداح
إيه أبا عبد الإلآه وإنه ... لنداء ود في علاك صراح
أما إذا استنجدتني من بعد ما ... ركدت لما خبت الخطوب رياح
فأليكها مهزولة وأنا امرؤ ... قررت عجزي وأطرحت سلاح

(1/381)


سيدي: أبقاك الله لعهد تحفظه، وولي بعين الولاء تلحظه. وصلتني رقعتك التي ابتدعت، وبالحق من مدح المولى الخليفة صدعت، وألفتني وقد سطت بي الأوحال، حتى كادت تتلف الرحال، والحاجة إلى الغذاء، قد شمرت كشح البطين، وثانية العجماوين قد توقع فوات وقتها، وإن كانت صلاتها صلاة الطين، والفكر قد غاض معينه، وضعف وعلى الله جزاء المولى الذي يعينه، فعزتني بكتيبة بيان أسدها هصور، وعلمها منصور، وألفاظها ليس فيها قصور، ومعانيها عليها الحسن مقصور، واعتراف مثلي بالعجز في المضايق حول ومنة، وقول لا أدري للعالم فكيف لغيره جنة. لا كنها بشرتني بما يقل لمهديه بذل النفوس وإن جلت، وأطلعتني من اسراء على وجه تحسده الشمس إذا تجلت، بما أعلمت به من جميل اعتقاد مولانا أمير المؤمنين أيده الله، في عبده، وصدق المخيلة في كرم مجده. وهذا هو الجود المحض، والفضل الذي شكره هو الفرض. وتلك الخلافة المولوية تتصف بصفة من يبدأ بالنوال، من قبل الضراعة والسؤال، من غير اعتبار للأسباب، ولا مجازاة للأعمال. نسأل الله أن يبقى منها على الإسلام أوفي الظلال، ويبلغها من فضله أقصى الآمال. ووصل ما بعثه سيدي صحبتها من الهدية، والتحفة الودية، وقبلتها امتثالا، واستجليت منها عتقا وجمالا. وسيدي في الوقت أنسب إلى اتخاذ ذلك الجنس، وأقدر على الاستكثار من إناث اليهم والإنس. وأنا ضعيف القدرة، غير مستطيع لذلك إلا في الندرة، فلو رأى سيدي، ورأيه سداد، وقصده فضل ووداد، أن ينقل القضية إلى باب العارية من باب الهبة مع وجوب الحقوق المترتبة، لبسط خاطري وجمعه، وعمل في رفع المؤنة على شاكلة ونجره، وسيدي في الإسعاف على الله أجره، وهذا أمر عرض، وفرض فرض، وعلى نظره المعول، واعتماد إغضائه هو المعقول الأول. والسلام على سيدي من معظم قدره، وملتزم بره، ابن الخطيب، في ليلة الأحد السابع والعشرين لذي قعدة سنة خمسة وخمسين وسبعماية، والسماء قد جادت بمطر سهرت منه الأجفان، وظن أنه طوفان، واللحاق في غد بالباب المولوي، مؤمل بحول الله.
ومن الشعر المنسوب إلى محاسنه، ما أنشد عنه، وبين يديه، في ليلة الميلاد المعظم، من عام ثلاثة وستين وسبعماية بمدينة فاس المحروسة:
أيا نسيم السحر ... بالله بلغ خبر
إن أنت يوما بالحمى ... جررت فضل المثزر
ثم حثثت الخطو من ... فوق الكثيب الأعفر
مستقريا في عشبه ... خفى وطئ المطر
تروى عن الضحاك في الروض حديث الزهر
مخلق الأذيال ... بالعبير أو بالعنبر
وصف لجيران الحمى ... وجدي بهم وسهري
وحقهم ما غيرت ... ودي صروف الغير
لله عهد فيه قضيت حميد الأثر
أيامه هي التي أحسبها من عمري
ويا لليل فيه ما ... عيب بغير القصر
العمر فينان ووجه الدهر طلق الغرر
والشمل بالأحباب منظوم كنظم الدرر
صفو من العيش بلا ... شائبة من كدر
ما بين أهل تقطف ... الأنس حنى الثمر
وبين آمال تبيح القرب صافي الغدر
يا شجرات الحي حياك الحيا من شجر
إذا أجال الشوق في ... تلك المغاني فكري
خرجت من خدي حديث الدمع فوق الطرر
وقلت يا خد ارو من ... دمعي صحاح الجوهري
عهدي بحادي الركب ... كالورقاء عند السحر
والعيس تجتاب الفلا ... واليعملات تنبرى
تخبط بالأخفاف مظلوم البرا وهو بري
قد عطفت عن ميد ... والتفت عن حور
قسي سير ما سوى العزم لها من وتر
حتى إذا الأعلام حلست لحفي البشر
واسبتشر النازح بالقرب ونيل الوطر
وعين الميقات للسفر نجاح السفر
والناس بين محرم ... بالحج أو معتمر
لبيك لبيك إله الخلق باري الصور
ولاحت الكعبة بيت الله ذات الأثر
مقام إبراهيم والمأمن عند الذعر
واغتنم القوم طواف القادم المبتدر
وأعقبوا ركعتي السعي استلام الحجر
وعرفوا في عرفات ... كل عرف أذفر
ثم أفاض الناس سعيا في غد للمشعر

(1/382)


فوقفوا وكبروا ... قبل الصباح المسفر
وفي منى نالوا المنى ... وأيقنوا بالظفر
وبعد رمى الجمرا ... ت كان حلق الشعر
أكرم بذاك الصحب ... والله وذاك النفر
يا فوزه من موقف ... يا ربحه من متجر
حتى إذا كان الودا ... تع وطواف الصدر
فأي صبر لم يخن ... أو جلد لم يغدر
وأي وجد لم يصل ... وسلوة لم تهجر
ما أفجع البين لقلب الواله المستغفر
ثم ثنوا نحو رسو ... ل الله سير الضمر
فعاينوا في طيبة ... لألاء نور نير
زاروا رسول الله واستشفعوا بلثم الجدر
نالوا به ما أملوا ... وعرجوا في الأثر
على الضجيعين أبى ... بكر الرضا وعمر
زيارة الهادي الشفيع جنة في المحشر
فأحسن الله عزا ... ء قاصد لم يزر
ربع ترى مستنزل الآي به والسور
وملتقى جبريل بالهادي الزكي العنصر
وروضة الجنة بين روضة ومنبر
منخب الله ومختار الورى من مضر
والمنتقى والكون من ... ملابس الخلق عرى
إذ لم يكن في أفق ... من زحل أو مشتر
ذو المعجزات الغر أمثال النجوم الزهر
يشهد بالصدق له ... منها انشقاق القمر
والضب والظبي إلى ... نطق الحصى والشجر
من أطعم الألف بصا ... ع في صحيح الخبر
والجيش رواه بما ... ء الراحة المنهمر
يا نكتة الكون التي ... فاتت منال الفكر
يا حجة الله على الرا ... ئح والمبتكر
يا أكرم الرسل على ... الله وخير البشر
يا من لدي مولده المقدس المطهر
إيوان كسرى ارتج إذ ... ضاقت قصور قيصر
وموقد النار طفا ... كأنها لم تسعر
يا عمدتي يا ملجئي ... يا مفزعي يا وزري
يا من له اللواء والحوض وورد الكوثر
يا منقد الغرقي وهم ... رهن العذاب الأكبر
إن لم تحقق أملي ... بؤت بسعي المخبر
صلى عليك الله يا ... نور الدجا المعتكر
يا ويح نفسي كم أرى ... من غفلتي في غمر
واحسروا من قلة الزاد وبعد السفر
يحجني والله بالبرهان وعظ المنبر
يا حسنها من خطب ... لو حركت من نظر
يا حسنها من شجر ... لو أورقت من ثمر
أومل الأوبة والأمر بكف القدر
أسوف العزم بها ... من شهر لشهر
من صفر لرجب ... من رجب لصفر
وليس ما مر من ... الأيام بالمنتظر
وقل ما أن حمدت ... سلامة في غرر
ولي غريم لا يني ... عن طلب المنكسر
يا نفس جدي قد بدا الصبح ألا فاعتبري
واتعظي بمن مضى وارتدعى وازدجرى
ما بعد شيب الفود من ... مرتقب فشمري
أنت وإن طال المدى ... في قلعة أو سفر
وليس من عذر يقيم حجة المعتذر
يا ليت شعري والمنى ... تسرق طيب العمر
هل ارتجى من عودة ... أو رجعة أو صدر
مقتديا بمن مضى ... من سلف ومعثر
نالوا جوار الله وهو الفخر للمفتخر
أرجو بإبراهيم مو ... لانا بلوغ الوطر
فوعده لا يمتزي ... في الصدق منه الممتر
فهو الإمام المرتضى ... والخير ابن الخير
أكرم من نال المنى ... بالمرهفات البتر
ممهد الملك وسيف الحق والليث الجري
خليفة الله الذي ... فاق بحسن السير
وكان منه الخبر في ... العلباء وفق الخبر
فصدق التصديق من مرآه للتصور
ومستعين الله في ... ورد له وصدر
فاق الملوك الصيد بالمجد الرفيع الخطر
فأصبحت ألقابهم ... منسية لم تذكر

(1/383)


وحاز منهم أوحد ... وصف العديد الأكثر
برأيه المأمون أو ... عسكره المظفر
بسيفه السفاح أو ... بعزمه المقتدر
بالعلم المنصور أو ... بالذابل المستنصر
بابن الإمام الطاهر البر الزكي السير
مدحك قد علم نظم الشعر من لم يشعر
فإن يقصر ظاهري ... فلم يقصر مضور
ووردت على باب السلطان الكبير العالم أبي عنان، فبلوت من مشاركته. وحميد سعيه، ما يليق بمثله. ولما نكبه لم أقصر عن ممكن حيلة في أمره ولما هلك السلطان أبو عنان رحمه الله، وصار الأمر لأخيه المتلاحق من الأندلس أبي سالم بعد الولد المسمى بالسعيد كان ممن دمث له الطاعة، وأناخ راحلة الملك، وحلب ضرع الدعوة، وخطب عروس الموهبة، فأنشب ظفره في متات معقود من لدن الأب، مشدود من لدن القربة، فاستحكم عن قرب، واستغلظ عن كثب، فاستولى على أمره، وخلطه بنفسه، ولم يستأثر عنه ببثة، ولا انفرد بما سوى بضع أهله. بحيث لا يقطع في شيء إا عن رأيه، ولا يمحو ويثبت إلا واقفا عند حده، فغشيت بابه الوفود، وصرفت إليه الوجوه، ووقفت عليه الآمال، وخدمته الأشراف، وجلبت إلى سدته بضايع العقول والأموال، وهادته وخدمته الأشراف، وجلبت إلى سدته بضايع العقول والأموال، وهادته الملوك، فلا تحدو الحداة إلا إليه، ولا تحط الرحال إلا لديه. إن حضر أجرى الرسم، وأنفذ الأمر والنهي لحظا أو سرارا أو مكاتبة، وإن غاب، ترددت الرقاع، واختلفت الرسل. ثم انفرد أخيرا ببيت الخلوة، ومنتبذ المناجاة، من دونه مصطف الوزراء، وغايات الحجاب، فإذا انصرف تبعته الدنيا، وسارت بين يديه الوزراء، ووقفت ببابه الأمراء، قد وسع الكل لحظه، وشملهم بحسب الرتب والأموال رعيه، ووسم أفذادهم تسويده، وعقدت ببنان عليتهم بنانه. لاكن رضي الناس غاية لا تدرك، والحقد بين بني آدم قديم، وقبيل الملك مباين لمثله، فطويت الجوانح منه على سل، وحنيت الضلوع على بث، وأغمضت الجفون على قذى إلى أن كان من نكبته ما هو معروف جعلها الله له طهورا.
ولما جرت الحادثة على السلطان بالأندلس، وكان لحاق جميعنا بالمغرب، جنيت ثمرة ما أسلفته في وده، فوفي كيل الوفا، وأشرك في الجاه، وأدر الرزق، ورفع المجلس بعد التسبيب في الخلاص، والسعي في الجبر، جبره الله تعإلى وكان له أحوج ما يكون إلى ذلك، يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم.
ولما انقضى أمر سلطانه رحمه الله، وقذف به بحر التمحيص إلى شطه، وأضحى جو النكبة بعد انطباقه، آثر التشريق بأهله وجملته، واستقر بتونس، خطيب الخلافة، مقيما على رسمه من التجلة، ذايع الفضل هنالك والمشاركة، وهو بحاله الموصوفة إلى الآن كان الله له.

(1/384)


وكنت أحسست منه في بعض الكتب الواردة، صاغية إلى الدنيا، وحنينا لما فارق من غرورها، فحملني الطور الذي ارتكبته في هذه الأيام بتوفيق الله، على أن خاطبته بهذه الرسالة، وحقها أن يجعلها خدمة الملوك ممن ينسب إلى نبل، أو يلم بمعرفة، مصحفا يدرسه، وشعارا يلتزمه، وهي: سيدي، الذي يده البيضاء لم تذهب بشهرتها المكافاة، ولم تختلف في مدحها الأفعال، ولا تغايرت في حمدها الصفات، ولا تزال تعترف بها العظام الرفات، أطلقك الله من أسر الكون، كما أطلقك من أسر بعضه، ورشدك في سمايه العالية وأرضه، وحقر الحظ في عين بصيرتك بما يحملك على رفضه. اتصل بي الخبر السار من تركك لشأنك، وإجناء الله إياك ثمرة إحسانك، وإنجياب ظلام الشدة الحالك، عن أفق حالك. فكبرت لانتشاق عفو الله العاطر، واستعبرت لتضاؤل الشدة بين يدي الفرج، لا بسوى ذلك من رضى مخلوق يومر فيأتمر، ويدعوه القضاء فيبتدر، إنما هو فيئ وظل ليس له من الأمر شيء، ونسأله جل وتعإلى أن يجعلها آخر عهدك بالدنيا وبنيها، وأول معارج نفسك، التي تقربها من الحق وتدنيها، وكأنني والله أحس بثقل هذه الدعوة على سمعك، ومضادتها ولا حول ولا قوة إلا بالله لطبعك، وأنا أنافرك إلى العقل الذي هو قسطاس الله في عالم الإنسان، والآلة لبث العدلي والإحسان، والملك الذي يبين عنه ترجمان اللسان، فأقول ليمت شعرى ما الذي غبط سيدى بالدنيا. وإن بلغ من زبرجها الرتبة العليا، وأفرض المثال لحالة إقبالها، ووصل حبالها، وضراعة سبالها، وخشوع جبالها. ألتوقع المكروه صباح مسا، وارتقاب الحوالة التي تديل من النعيم الباسا، ولزوم المنافسة التي تعادى الأشراف والرؤسا. ألترثبق العتب، حتى على التقصير في الكتب، وظعينة جار الجنب، وولوع الصديق بإحصاء الذنب. ألنسبة وقايع الدولة إليك وأنت بري، وتطويقك الموبقات وأنت منها عرى. ألا ستهدافك للمضار التي تنتجها غيرة الفروج، والأحقاد التي تضطبنها ركبة السروج وسرحة المروج، ونجوم السما ذات البروج. ألتقليدك التقصير فيما ضاقت عنه طاقتك، وصحت إليه فاقتك، من حاجة لا يقتضي قضاها الوجود، ولا يكيفها الركوع للملك والسجود. ألقطع الزمان بين سلطان يعبد، وسهام للغيوب تكبد، وعجاجة شر تلبد، وأقبوحة تخلد وتوبد ألوزير يصانع ويداري، وذي حجة صحيحة يجادل في مرضاة السلطان ويمارى، وعورة لاتوارى. ألمباكرة كل عايب حاسد، وعدو ومستأسد، وسوق للإنصاف والشفقة كاسد، وحال فاسد، أللوفود تتزاحم بسدتك، مكلفة لك غير ما في طوقك، فإن لم تنل أغراضها، قلبت عليك السما من فوقك. ألجلساء ببابك، لا يقطعون زمن رجوعك وإيابك، إلا بقبيح اغتيابك، فالتصرفات تمقت، والقواطع النجوميات توقت، والألاقى تبث، والسعايات تحث، والسماجد يشتكى قيها البث، يعتقدون أن السلطان في يدك، بمنزلة الحمار المدبور، واليتيم المحجور، والأسير المامور، ليس له شهرة ولا غضب. ولا أمل في الملك ولا أرب، ولا موجدى لأحد كامنة، وللشر ضامنة، وليس في نفسه عن رأي نفرى، ولا بإزاء مالا يقبله نزوة وطفرة، إنما هو جارحة لصيدك، وعان في قيدك، وآلة لتصرف كيدك، وأنك علة حيفه، ومسلط سيفه. الشرار يسملون عيون الناس باسمك، ثم يمزقون بالغيبة مزق جسمك، قد تنخلهم الوجود أخبث مافيه، واختارهم السفيه فالسفيه، إذا الخير يسره الله عن الدول ويخفيه، ويقنعه بالقليل فيكفيه. فهم يمتاحون بك، ويولونك الملامة، ويقتحمون عليك أبواب القول، ويسدون طرق السلامة، وليس لك في أثناء هذه إلا مايعوزك مع ارتفاعه، ولايفوتك مع انقشاعه، وذهاب صداعه، من غذاء يشبع، وثوب يقنع، وفراش ينيهم، وخديم يقعد ويقيم. وماالفاية في فرش تحتها حمر الغضا، ومال من ورايه سوء القضا، وجاه يحلق عليه سيف مننضا، وإذا بلغت النفس إلى الالتذاذ بما لاتملك، واللجاج حول المسقط الذي تعلم أنها فيه تملك، فكيف ينسب إلى نبل أو يسر مع السعادة في سبل، وإن وجدت في القعود بمجلس التحية بعض الأريحية، فليت شعرى أي شيء زادها، أو معنى أفادها، إلا مباكرة وجه الحاسد، وذي القلب الفاسد، ومواجهة العدو المستاسد. أو شعرت ببعض الإيناس في الركوب بين الناس، هل التذت إلا بحلم كاذب، أو جذبها غير الغرور مجاذب. إنما الحلية وافتك من يحدق إلى البزة، ويستطيل مدة العزة، ويرتاب إذا حدث بخبرك، ويتبع بالنقد والتجسس مواقع نظرك

(1/385)


ويمنعك من شارة أنسك، ويحتال على فراغ كيسك، ويضمر الشر لك ولرسيك، وأي راحة لمن لايباشر قصده، ويسير متى شا وحده، ولو صح في هذه الحال لله حظ، وهبه زهيدا، أوعين للرشد عملا حميدا، لساغ الصاب، وخفت الأوصاب، وسهل المصاب. لاكن الوقت أشغل والفكر أوغل، والزمن قد غمرته الحصص الوهمية، واستنفدت منه الكمية. أما ليله ففكر أو نوم، وعتب يجر الضراس ولوم، وأما يومه فتدبير، وقبيل ودبير، وأمور يعيا بها ثبير، وبلاء مبير، ولغط لايدخل فيه حكيم كبير، وأنا بمثل ذلك خبير. ووالله ياسيدي، ومن فلق الحب وأخرج الأب، وذرا من مشى ومادب، وسمى نفسه الرب، لو تعلق المال الذي يجده هذا الكدح، ويورى سقيطه هذا القدح، بإذيال الكواكب، وزاحمت البدر بدره بالمناكب، لاورثه عقب، ولاخلص به محتقب، ولا فاز به سافر ولا منتقب. والشاهد الدول والمشايم الأول. فأين الرباع المقتناة، وأين الديار المبتداة، وأين الحدايق المغترسات، وأين الذخاير المختلسات، وأين الودايع المؤملة، وأين الأمانات المحملة، تأذن الله بتتبيرها، وإدناء وتار التيار من دنانيرها، فقفلما تلقى أعقابهم إلا أعربا للطمور، مترمقين بجرايات الشهور، متعللين بالهباء المنثور، يطردون من الأبواب التي حجب عندها آباؤهم، وعرف منها إباؤهم، وشم من مقاصيرها عنبرهم وكباؤهم، لم تسامحهم الأيام إلا في إرث محرر، أو حلال مقرر، وربما محقة الحرام، وتعذر منه المرام. هذه أعزك الله حال قبولها مالها مع الترفيه، وعلى فرض أن يستوفي العمر في العز مستوفيه. وأما ضده من عدو يتحكم وينتقم، وحوت بغى يبتلع ويلتقم، وطبق يحجب الهواء ويطيل في التراب الثوا، وثعبان قميد يعض الساق، وشوبوب عذاب يمزق الإبشار الرقاق، وغيلة يهديها الواقب الغاسق، ويوجرعها العدو الفاسق، مع الأفوال ولا شروق، فهل في شئ من هذا مغتبط لنفس حرة، أو مايساوى جرعة حال مرة. . واحسرتاه للأحلام ضلت، وللأقدام زلت، ويالها مصيبة جلت، ولسيدي أن يقول حكمت على باستثقال الموعظة واستجفانها، ومراودة الدنيا بين خلانها وأكفايها، وتناسى عدم وفايها، فأقول الطبيب بالعلل أدرى، والشفيق بسوء الظن مغرى. وكيف لا وأنا أقف على السحاآت، بخط سيدي، من مطارح الاعتقال، ومثاقف النوب الثقال، وحلوات الاستعداد للقاء الخطوب الشداد، ونوش الأسنة الحداد، وحيث يجمل تمثله ألا تصرف في غير الخضوع لله بنانا، ولايثنى لمخلوق عنانا. وأتعرف أنها قد ملأت الجو الدو، وقصدت الجماد والبو، تقتحم أكف أولى الشمات، وحفظة المذمات، وأعوان النوب الملمات، زيادة في الشقا، وقصد أبرياء من الاختيار والانتق، مشتملة من التجاوز على إغرب من العنقا، ومن النقاق على أشهر من البلقا. فهذا يوصف بالإمامة، وهذا ينسب في الجود إلى كعب بن مامة، وهذا يجعل من أهل الكرامة، وهذا يجعل من أهل الكرامة، وهذا يكلف الدعاء وليس من أهل، وهذا يطلب منه لقا الصالحين وليسوا من شكله، إلى ما أحفظنى والله من البحث عن السموم، وكتب النجوم، والمذموم من المعلوم، هلا كان من ينظر في ذلك قد قوطع بتاتا، وأعتقد أن الله جعل لزمن الخير والشر ميقاتا، وأنا لانملك موتا ولا نشورا ولا حياتا، وأن اللوح قد حصر الأشياء محورا وإثباتا، فكيف نرجو لما منع منالا، أو نستطيع مما قدر إفلاتا. أفيدونا ما يرجح العقيدة المقررة، نتحول إليه، وبينوا لنا الحق، نعول عليه. الله الله ياسيدي في النفس المرشحة، وللذات المحلات بالفضايل الموشحة، والسلف الشهير الخير، والعمر المشرف على الرحلة بعد حث السير، ودع الدنيا لأهلها، فما أركس حطوظهم، وأخس لحوظهم، وأقل متاعهم، وأعجل إسراعهم، وأكثر عناؤهم، وأقصر أناؤهم:ك من شارة أنسك، ويحتال على فراغ كيسك، ويضمر الشر لك ولرسيك، وأي راحة لمن لايباشر قصده، ويسير متى شا وحده، ولو صح في هذه الحال لله حظ، وهبه زهيدا، أوعين للرشد عملا حميدا، لساغ الصاب، وخفت الأوصاب، وسهل المصاب. لاكن الوقت أشغل والفكر أوغل، والزمن قد غمرته الحصص الوهمية، واستنفدت منه الكمية. أما ليله ففكر أو نوم، وعتب يجر الضراس ولوم، وأما يومه فتدبير، وقبيل ودبير، وأمور يعيا بها ثبير، وبلاء مبير، ولغط لايدخل فيه حكيم كبير، وأنا بمثل ذلك خبير. ووالله ياسيدي، ومن فلق الحب وأخرج الأب، وذرا من مشى ومادب، وسمى نفسه الرب، لو تعلق المال الذي يجده هذا الكدح، ويورى سقيطه هذا القدح، بإذيال الكواكب، وزاحمت البدر بدره بالمناكب، لاورثه عقب، ولاخلص به محتقب، ولا فاز به سافر ولا منتقب. والشاهد الدول والمشايم الأول. فأين الرباع المقتناة، وأين الديار المبتداة، وأين الحدايق المغترسات، وأين الذخاير المختلسات، وأين الودايع المؤملة، وأين الأمانات المحملة، تأذن الله بتتبيرها، وإدناء وتار التيار من دنانيرها، فقفلما تلقى أعقابهم إلا أعربا للطمور، مترمقين بجرايات الشهور، متعللين بالهباء المنثور، يطردون من الأبواب التي حجب عندها آباؤهم، وعرف منها إباؤهم، وشم من مقاصيرها عنبرهم وكباؤهم، لم تسامحهم الأيام إلا في إرث محرر، أو حلال مقرر، وربما محقة الحرام، وتعذر منه المرام. هذه أعزك الله حال قبولها مالها مع الترفيه، وعلى فرض أن يستوفي العمر في العز مستوفيه. وأما ضده من عدو يتحكم وينتقم، وحوت بغى يبتلع ويلتقم، وطبق يحجب الهواء ويطيل في التراب الثوا، وثعبان قميد يعض الساق، وشوبوب عذاب يمزق الإبشار الرقاق، وغيلة يهديها الواقب الغاسق، ويوجرعها العدو الفاسق، مع الأفوال ولا شروق، فهل في شئ من هذا مغتبط لنفس حرة، أو مايساوى جرعة حال مرة. . واحسرتاه للأحلام ضلت، وللأقدام زلت، ويالها مصيبة جلت، ولسيدي أن يقول حكمت على باستثقال الموعظة واستجفانها، ومراودة الدنيا بين خلانها وأكفايها، وتناسى عدم وفايها، فأقول الطبيب بالعلل أدرى، والشفيق بسوء الظن مغرى. وكيف لا وأنا أقف على السحاآت، بخط سيدي، من مطارح الاعتقال، ومثاقف النوب الثقال، وحلوات الاستعداد للقاء الخطوب الشداد، ونوش الأسنة الحداد، وحيث يجمل تمثله ألا تصرف في غير الخضوع لله بنانا، ولايثنى لمخلوق عنانا. وأتعرف أنها قد ملأت الجو الدو، وقصدت الجماد والبو، تقتحم أكف أولى الشمات، وحفظة المذمات، وأعوان النوب الملمات، زيادة في الشقا، وقصد أبرياء من الاختيار والانتق، مشتملة من التجاوز على إغرب من العنقا، ومن النقاق على أشهر من البلقا. فهذا يوصف بالإمامة، وهذا ينسب في الجود إلى كعب بن مامة، وهذا يجعل من أهل الكرامة، وهذا يجعل من أهل الكرامة، وهذا يكلف الدعاء وليس من أهل، وهذا يطلب منه لقا الصالحين وليسوا من شكله، إلى ما أحفظنى والله من البحث عن السموم، وكتب النجوم، والمذموم من المعلوم، هلا كان من ينظر في ذلك قد قوطع بتاتا، وأعتقد أن الله جعل لزمن الخير والشر ميقاتا، وأنا لانملك موتا ولا نشورا ولا حياتا، وأن اللوح قد حصر الأشياء محورا وإثباتا، فكيف نرجو لما منع منالا، أو نستطيع مما قدر إفلاتا. أفيدونا ما يرجح العقيدة المقررة، نتحول إليه، وبينوا لنا الحق، نعول عليه. الله الله ياسيدي في النفس المرشحة، وللذات المحلات بالفضايل الموشحة، والسلف الشهير الخير، والعمر المشرف على الرحلة بعد حث السير، ودع الدنيا لأهلها، فما أركس حطوظهم، وأخس لحوظهم، وأقل متاعهم، وأعجل إسراعهم، وأكثر عناؤهم، وأقصر أناؤهم:

(1/386)


ماتم إلا ما رأيت ... وربما تعي السلامة
والناس إما جائر ... أو حاير يشكو ظلامه
والله ما احتقب الحريص سوى الذنوب أو الملامة
هل ثم شك في المعاد ... الحق أو يوم القيامة
قولوا لنا ماعندكم ... أهل الخطابة والإمامة

(1/387)


وإن رميت بأحجارى، وأوحرت المر من أشجارى، فوالله ماتلبست منها لليوم بشيء قديم ولا حديث، ولا استاثرت بطيب فضلا عن خبيث. وما أنا إلا عابر سبيل، وهاجر مرعى وبيل، ومرتقب وعد قدر فيه الإنجاز، وعاكف على حقيقة لا تعرف المجاز قد فررت من الدنيا كما يفر من الأسد، وحاولت المقاطعة، حتى بين روحي والجسد، وغسل الله قلبي، وله الحمد، من الطمع والحسد، فلم أبق عادة إلا قطعتها، ولا جنة للصبر إلا ادرعتها. أما اللباس فالصوف، وأما الزهد فيما في أيدي الناس فمعروف، وأما المال الغبيط فعلى الصدقة مصروف. ووالله لو علمت أن حالي هذه تتصل، وعراها لاتنفصل، وأن ترتيبي هذا يدوم، ولا يجيزني الوعد المحتوم، والوقت المعلوم، لمت أسفا، وحسبي الله وكفا ومع هذا ياسيدي، فالموعظة تتلقى من لسان الوجود، والحكمة ضالة المؤمن يطلبها ببذل المجهود، ويأخذها من غير اعتبار بمحلها المذموم أو المحمود. ولقد أعملت نظرى فيما يكافئ عني بعض يدك، أو ينتمي في الفضل إلى أمدك، فلم أر لك الدنيا كفا. هذا لو كنت صاحب دنيا، وألفيت بذل النفس قليلا لك من غير شرط ولا ثنيا، فلما ألهمني الله لمخاطبتك بهذه النصيحة المفرغة في قالب الجفا، لمن لايثبت عين الصفا، ولا يشيم بارقه الوفا، ولايعرف قاذورة الدنيا معرفة مثلى من المتدنسين بها لا منهمكين، وينظر عوراه الفادح بعين اليقين، يعلم أنها المومسة التي حسنها زور، وعاشقها مغرور، وسرورها شرو، تبين لي أني قد كافيت صنيعتك المتقدمة، وخرجت عن عهدتك الملتزمة، ومحضت لله النصح الذي يقر بعز الله ذاتك، ويطيب حياتك، ويحي مواتك، ويريح جوارحك من الوصب، وقلبك من النصب، ويحقر الدنيا وأهلها في عينك إذا اعتبرت، ويلاشى عظايمها لديك إذا اختبرت، كل من تقع عليه عينك حقير قليلن وفقير ذليل، لايفضلك بشيء إلا باقتفاء رشد أو ترك غى، أثوابه النبيهة يجردها الغاسل، وعروة غيره يفصلها الفاصل، وماله الحاضر الحاصل، يعيث فيه الحسام الفاصل، والله ماتعين للخلف إلا ماتعين للسلف، ولامصير المجموع إلا إلى التلف، ولا صح من الهياط والمياط، والصياح والعياط، وجمع القيراط إلى القيراط، والاستظهار بالوزعة والأشراط، والخبط والخباط، والاستكثار والاغتباط، الغلو والاشتطاط، وبنا الصرح وعمل الساباط، ورفع العماد وإدارة الفسطاط، إلا ألم يذهب القوة، وبنسى الآمال المرجوة، ثم نفس يصعد، وسكرات تتردد، وحسرات لفراق الدنيا تتجدد، ولسان يثقل، عين تبصر الفراق الحق وتمقل. قل هو نبأ عظيم، أنتم عنه معرضون. ثم القبر وما بعده، والله منجز وعيده ووعده. فالإضراب وافضراب، والتراب التراب، وإن اعتذر سيدى بقلة الجلد، لكثرة الولد، فهو ابن مرزوق، لا ابن رزاق، وبيده من التسبب، ما يتكفل بإمساك أرماق. أين النسخ الذي يتبلغ الإنسان بأجرته، في كن حجرته، لابل السؤال الذي لاعار عند الحاجة بمعرته، السؤال والله أقوم طريقا، وأكرم فريقا، من يد تمتد إلى حرام، لا يقوم بمرام، ولا يومن من ضرام أحرقت فيه الحلل، وقلبت الأديان والملل، وضربت الابشار، ونحرت العشار، ولم يصل منه على يدي واسطة السوؤ المعشار. ثم طلب عند الشدة ففضح، وبان سومه ووضح، اللهم طهر منا أيدينا وقلوبنا، وبلغنا من الانصراف إليك مطلوبنا، وعرفنا بمن لايعرف غيرك، ولا يسترفد إلا خبرك ياألله. وحقيق على الفضلاء إن جنح سيدي منها إلى إشارة، أو أعمل في احتلابها إضباره. أولبس منها شارة، أو تشوف إلى خدمة إمارة، ألا يحسنوا ظنونهم بعدها بابن ناس، ولا يغتروا بسمت ولا خلق ولا لباس، فما عدا عما بدا. تقضي العمر في سجن وقيد، وعمرو وزيد، وضر وكيد، وطراد صبد، وسعد وسعيد، وعبد وعبيد، فمتى تظهر الأفكار، ويقر القرار، وتلازم الأدكار، وتشام الأنوار، وتتجلى الأسرار، ثم يقع الشهود الذي تذهب معه الأفكار، ثم يحق الوصول الذي إليه من كل ماسواه الفرار، وعليه السدار. وحق الحق، الذي ماسواه فباطل، والفيض الرحماني، الذي ربابه لابد هاطل، ماشاب مخاطبتي لك شايبة بريب، ولقد محضت لك مايمحضه الحبيب إلى الحبيب، فيحمل جفا في الذي حملت عليه الغيرة، ولاتظن بي غيره. وإن أقدر قدرى في مكاشفة سيادتك بهذا البث، في الأسلوب الرث، فالحق أقدم، وبناؤه لايهدم، وشأني معروف في مواجهة الجبابرة، على حين يدى إلى رفدهم ممدودة، ونفس في النفوس

(1/388)


المتهافتة عليهم معدودة، وشبابي فاحم، وعلى الشهوات مزاحم، فكيف بي اليوم مع الشيب، ونصح الجيب، واستكشاف العيب، إنما أنا اليوم على كل من عرفني كل ثقيل، وسيف العدل في كفى صقيل، أعذل أهل الهوى، وليست النفوس في القبول سوا، ولا لكل من ضر دوا، وقد شفيت صدري، وإن جهلت قدري، فاحملني حملك الله على الجادة الواضحة، وسحب عليك ستر الأبوة الصالحة، والسلام.ة عليهم معدودة، وشبابي فاحم، وعلى الشهوات مزاحم، فكيف بي اليوم مع الشيب، ونصح الجيب، واستكشاف العيب، إنما أنا اليوم على كل من عرفني كل ثقيل، وسيف العدل في كفى صقيل، أعذل أهل الهوى، وليست النفوس في القبول سوا، ولا لكل من ضر دوا، وقد شفيت صدري، وإن جهلت قدري، فاحملني حملك الله على الجادة الواضحة، وسحب عليك ستر الأبوة الصالحة، والسلام.
ولما شرح كتاب " الشفا " ... للقاضي أبي الفضل عياض بن موسى
ابن عياض رحمه الله، واستبحر فيه، طلب أهل العدوتين بنظم مقطوعات تتضمن الثناء على الكتاب المذكور، وإطراء مؤلفة، فانثال عليه من ذلك الطم والرم، بما تعددت منه الأوراق، واختلفت في الإجاجة وغيرها الأرزاق، وإيثارا لغرضه، ومبادرة من أهل الجهات لإسعاف أريه، وطلب مني أن ألم في ذلك بشيء، فكتبت في ذلك:
شفا عياض للصدور شفاء ... وليس بفض قد حواه خفاء
هدية بر لم يكن لجزيلها ... سوى الأدر والذكر الجميل كفاء
وفي لنبى الله حق وفاته ... وأكرم أوصاف الكرام وفاء
وجاء به بحرا بقول بفضله ... على البحر طعم طيب وصفاء
وحق رسول الله بعد وفاته ... رعاه وإغفال الحقوق جفاء
هو الذخر يغنى في الحياة عتاده ... ويترك منه اليقين رفاء
هو الأثر المحمود ليس يناله دثور ولا يخشى عليه عفاء
حرصت على الإطناب في نشر فضله وتمجيده لو ساعدتني فاء
واستزاد من هذا الغرض، الذي لم يقنع منه بالقليل، فبعثت إليه من محل انتقالي بمدينة سلا حرسها الله:
أأزاهير رياض ... أم شفاء لعياض
جدل الباطل للحق ... بأسياف مواض
وشفى من يشتكي الغلة في زرق الحياض
أي بنيان معار ... آمن فوق انقضاض
أي عهد ليس يرمى ... بانتكاث وانتقاض
ومعان في سطور ... كأسود في غياض
وشفاء لصدور ... من ضنى الجهل مراض
حرر القصد فما شين بنقد واعتراض
يا أبا الفضل أذر بأن الله عن سعيك راض
فاز عبد أقرض الله ... برجحان القراض
وجبت عز المزايا ... من طوال وعراض
لك يا أصدق راو ... لك يا أعدل قاض
لرسول الله وفيت ... بجد وانتهاض
خير خلق الله في حال وفي آت وماض
سدد الله ابن مرزوق ... إلى تلك المراض
زبدة العرفان معنى ... كل نسك وارتباض
فتولى بسط ما أجملت ... من غر انقباض
ساهر لم يدر في استخلاصه طعم اغتماض
دام في علو ومن عاداه يهوى في انخفاض
ما وشى الصبح الدياجي ... في سواد ببياض
ثم نظمت له أيضا في الغرض المذكور، والإكثار من هذا النمط، في هذا الموضع، ليس على سبيل التبجح بغرابته وإجادته، ولاكن على سبيل الإشادة بالشرح المشار إليه، فهو بالغ غاية الإستبحار.
حييت يا مختط يبت بن نوح ... بكل مزن يغتدى أو يروح
وحمل الريحان ريح الصبا ... أمانة ي كل إلى كل روح
دار أبي الفضل عياض الذي ... أضحت برياه رياضا تفوح
يا ناقل الآثار يعنى بها ... وواصلا في العلم جرى المجموح
طرفك في الفخر بعيد المدا ... طرفك للمجد شديد الطموح
كفاك إعجازا كتاب الشفا ... والصبح لا ينكر عند الوضوح
لله ما أجزلت فينا به من ... منحة تقصر عنها المنوح
فمن بيان الحق زهر ند ... ومن لسان الصدق طير صدوح

(1/389)


تأرج العرف وطاب الجنى ... وكيف لا يثمر أو لا يفوح
تأرج العرف وطاب الجنى ... وكيف لايثمر أو لا يفوح
وحلة من طيب خير الورى ... في الجيب والأعطاف منها نضوح
ومعلم للدين شيدته ... فهذه الأعلام منه تلوح
فقل لهامان كذا أو فلا ... يامن أضل الرشد تبنى الصروح
في أحسن التقويم أنشأته ... خلقا جديدا بين جسم وروح
فعمره المكتوب لا ينقضى ... إذا تقضى عمر سام ونوح
كأنه في الحف ريح الصبا ... وكل عطف فهو غض مروح
ما عذر مشغوف بخير الورى ... إن هاج منه الذكر أن لا يبوح
عجبت من أكباد أهل الهوى ... وقد سطا البعد وطال النزوح
إن ذكر المحبوب سالت دما ... ما هن أكباد ولكن جروح
يا سيد الأوضاع يا من له ... بسيد الإرسال فضل الرجوع
يا من له الفخر على غيره ... والشهب تخفى عند إشراق يوح
ياخير مشروح وفي واكتفى ... منه ابن مرزوق بخير الشروح
فتح من الله جاه به ... ومن جناب الله تاتى الفتوح
مولده: بتلمسان عام أحد عشر وسبعماية
التميمي التسلى الكرسوطى
محمد بن عبد الرحمن بن سعد التميمي التسلى الكرسوطى من أهل فاسن نزيل مالقة يكنى أبا عبد الله.
حاله
الشيخ الفقيه المتكلم أبو عبد الله، غزير الحفظ، متبحر الذكر، عديم القرين، عظيم الاطلاع، عارف بأسماء الأوضاع، ينثال منه على السايل كثيب مهيل، ينقل الفقه منسوبا إلى أمانة، ومنوطا برجاله، والحديث بأسانيده ومتونه، خوار العنان، وساع الخطو، بعيد الشأو، يفيض من حديث إلى فقه، ومن أدب إلى حكاية، ويتعدى ذلك إلى غرايب المنظومات، مما يختص بنظمه أولو الشطارة والحرفة من المغاربة، ويستظهر مطولات القصاص، وطوابير الوعاظ، ومساطير أهل الكدية، في أسلوب وقاح يفضحه الإعراب، حسن الخلق جم الاحتمال. مطرح الوقار، رافض التصنع، متبذل اللبسة، رحيب أكناف المرارة لأهل الولايات، يلقى بمعاطنهم البرك، وينوط بهم الوسائل، كثير المشاركة لوصلايه، محصب على أهل بيته، حدب على بنيه. قدم على الأندلس عام اثنين وعشرين وسبعماية، فأقام بالجزيرة مقريا بمسجد الصواع منها، ومسجد الرايات. ثم قدم على مالقة وأقرأ بها، ثم قدم على غرناطة عام خمسة وعشرين وسبعماية، فتعرف على أرباب الأمر، بما نجحت حيلته، وخف به موقعه، فلم يعدم صلة، ولافقد مرفقة، حتى ارتاش وتأثل بمحل سكناه من مالقة، مدرة مغلة، وعقارا مفيدا. وطال قعوده لسرد الفقه بمسجدها الجامع، نمير في الركب، مهجور الحلقة، حملا من الخاصة والعامة، لتلبسه بالعرض الأدنى. وهو الآن خطيب مسجد القصبة بها، ومحله من الشهرة، بالحفظ والاستظهار لفوع الفقه، كبير.
مشيخته
قرأ القرآن على الجماعة بالمغرب والأندلس، منهم أبوه، والأستاذ أبو الحسن القيجاطي البلوى، وأبو إسحق الحريرى، وأبو الحسن بن سليمن، وأبو عبد الله بن أجروم. وقرأ الفقه على أبي زيد الجزولي، وعبد الرحمن بن عفان، وأبي الحسن الصغير، وعبد المؤمن الجاناتي، وقرأ الكتاب بين يديه مدة، ثم عزله، ولذلك حكاية. حدثني الشيخ أبو عبد الله الكرسوطي، المترجم به، قال قرأت بين يديه، في قول أبي سعيد في التهذيب، والدجاج والأوز المخلات، فقال أنظر هل يقال الدجاج أو الجداد، لغة القرآن أفصح، قال الله تعإلى: وجدد بيض وحمر مختلف ألوانها، وغرابيب سود. فأرزى به، ونقل إليه إزاره، فعزله. وقعد بعد ذلك للاقراء بفاس، كذا حدث. وأخذ عن أبي إسحق الزناتي، وعن خلف الله المجاصى، وأبي عبد الله بن عبد الرحمن الجزولى، وأبي الحسين الزدغى، وأبي الفضل ابنه، وأبي العباس بن راشد المراني، وأبي عبد الله بن رشيد. وروى الحديث بسبتة عن أبي عبد الله الغمارى، وأبي عبد الله بن هاني، وذاكر أبا الحسن بن وشاش، وبمالقة عن الخطيب الصالح الطنجالي، وأبي عمرو بن منظور. وبغرناطة عن أبي الحسن القيجاطى، وأبي إسحق بن أبي العاصي. وببلش عن أبي جعفر الزيات.

(1/390)


تواليفه
منها الغرر في تكميل الطرر، طرر أبي إبراهيم الأعرج. ثم الدرر في اختصار الطرر المذكور. وتقييدان على الرسالة، كبير وصغير، ولخص التهذيب لابن بشير، وحذف أسانيد المصنفات الثلاثة، البخاري، والرمذي، ومسلم، والزم إسقاط التكرار، واستدراك الصحاح الواقعة في التهذيب على مسلم والبخاري. وقيد على مختصر الطليطلى، وشرعي تقييد على قواعد الإمام أبي الفضل عياض بن موسى ابن عياضن برسم ولدى أسعده الله.
شعره
أنشدني، وأنا أحاول بمالقة لوث العمامة، وأستعين بالغير على إصلاح العمل، وإحكام اللياثة:
أمعمما قمرا تكامل حسنه ... أربى على الشمس المنبرة في البها
لا تلتسم ممن لديك زيادة ... فالبدر لا يمتاز من نور السها
ويصدر منه الشعر مصدرا، لا تكنفه العناية
محنته
أسر ببحر الزقاق، قادما على الأندلس، في جملة من الفضلاء، منهم والده. واستقر بطريف عام ستة وعشرين وسبعماية، لقى بها شدة ونكالا، ثم شرح والده، لمحاولة فكاك نفسه، وفك ابنه، ويسر الله عليه، فتخلصا من تلك المحنة في سبيل كدية، وأفلت من بين أنياب مشقة.
بعض أخباره
قال، لقيت الشيخ ولي الله أبا يعقوب بساحل بادس، في جملة من الفضلاء، منهم والده. واستقر بطريف عام ستة وعشرين وسبعماية، ولقى بها شدة ونكالا، ثم سرح والده، لمحاولة فكاك نفسه، وفك ابنه، ويسر الله عليه، فتخلصا من تلك المحنة في سبيل كدية، وأفلت من بين أنياب مشقة.
بعض أخباره
قالن لقيت لاشيخ ولي اله أبا يعقوب بساحل بادس، قاصدا الأخذ عنه، والتبرك به، ولم يكن رآني قط، وألفيت بين يديه عند دخولي عليه، رجلا يقرأ عليه القرآن. فلما فرغ، أراد أن يقرأ عليه أسطرا من الرسالة، فقال له، اقرأها على هذا الفقيه، وأشار إلى، ورأيت في عرصة له أصول خص، فتمنيت الأكل منها، وكان رباعها غير حاضر، فقام عن سرعة، واقتلع منها أصولا ثلاثة، ودفعها إلى، وقال كل. فقلت في نفسي، تصرف في الخضرة قبل حضور رباعها، فقال لي، إذا أردت الأكل من هذه الخضر، فكل من هذا القسم فإنه لي. قلت، وخبرت من اضطلاع هذا المترجم به بعبارة الرؤيا، ماقضيت منه العجب في غير ماشيء جربته. وهو الآن بحاله الموصوفة. وأصابه لهذا العهد جلاء عن وطنه، لتوفي الحمل عليه من الخاص والعام، بما طال به نكده. ثم آلت حاله إلى بعض صلاحن والله يتولاه.
مولده: بمدينة فاس عام تسعين وستماية.
محمد بن عبد المنعم الصنهاجي الحميري
يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن عبد المنعم، من أهل سبتة، الأستاذ الحافظ.
حاله
من العايد: كان رحمه الله رجل صدق، طيب اللهجة، سليم الصدرن تام الرجولة، صالحا، عابدا، كثير القرب والأوراد في آخر حاله، صادق اللسان. قرأ كثيرا، وسنه تنيف على سبع وعشرين، ففات أهل الدؤب والسابقة، وكان من صدور الحفاظ، لم يستظهر أحد في زمانه من اللغة ما استظهره، فكاد يستظهر كتاب التاج للجوهري وغيره، آية تتلى، ومثلا يضرب، قايما على كتاب سيبويه، يسرده بلفظه. اختبره الفاسيون في ذلك غير ما مرة. طبقة في الشطرنج، يلعبها محجوبا، مشاركا في الأصول آخذا في العلوم العقلية. مع الملازمة للسنة، يعرب أبدا كلامه ويزينه.
مشيخته
أخذ ببلده عن الأستاذ أبي إسحق الغافقي، ولازم أبا القاسم بن الشاط، وانتفع به وبغيره من العلماء.
دخوله غرناطة
قدم غرناطة مع الوفد من أهل بلده، عندما صارت إلى إيالة الملوكح من بني نصرن لما وصلوا بالبيعة.
وفاته: كان من الوفد الذين استأصلهم الموتان عند منصرفهم عن باب السلطان، ملك المغرب، بأحواز تيزى، حسبما وقع التنبيه على بعضهم.
ابن رشيد
محمد بن عمر بن محمد بن عمر بن محمد بن إدريس بن سعيد ابن مسعود بن حسن بن محمد بن عمر بن رشيد الفهرى من أهل سبتة، يكنى أبا عبد الله ويعرف بابن رشيد
حاله

(1/391)


من عيد الصلة: الخطيب المحدث، المتبحر في علوم الرواية والإسناد. كان رحمه الله فريد دهره عدالة وجلالة، وحفظا وأدبا، وسمتا وهديا، واسع الأسمعة، عالي الإسناد، صحيح النقل، أصيل الضبط، تام العناية بصناعة الحديث، قيما عليها بصيرا بها، محققا فيها، ذاكرا فيها للرجال، جماعة للكتب، محافظا على الطريقة، مضطلعا بغيرها، من العربية واللغة والعروض، فقيها أصيل النظر، ذاكرا للتفسير، ريان من الأدب، حافظا للأخبار والتواريخ، مشاركا في الأصلين، عارفا بالقراءات، عظيم الوقار والسكينة، بارع الخط، حسن الخلق، كثير التواضع، رقيق الوجه، متجملا، كلف الخاصة والعامة، مبذول الجاه ولا شفاعة. كهفا لأصناف الطلبة. قدم على غرناطة في وزارة صديقه، ورفيق طريقه في حجه وتشريقه، أبى عبد الله بن الحكيمن فلقى برا، وتقدم للخطابة بالمسجد الأعظم، ونفع الله لديه بشفاعته المبذولة، طايفة من خلقه، وانصرف إثر مقتله إلى العدوة، فاستقر بمدينة فاس، معظما عند الملوك والخاصة، معروف القدر عندهم.
مشيخته
قرأ ببلده سبتة على الأستاذ إمام النحاة أبي الحسن بن أبي بالربيع كتاب سيبويه، وقيد على ذلك تقييدا مفيدا، وأخذ عنه القراءات. وأخذ أيضا عن الأستاذ أبي الحسن بن الخطار. ورحل من بلده سبتة لأداء الفريضة.
حج ولقى المشايخ عام ثمانية وثمانين وستماية، فوافى في طريقه الحاج المحدث الراوية، ذا الوزاريتين بعد، أبا عبد الله الحكيم، وأخذ عن الجلة الذين يشق إحصاؤهم. فممن لقى بإفريقية الراوية العدل أبا محمد عبد الله بن هارون يروى عن ابن بقى، والأديب المتبحر أبا الحسن حازم ابن محمد القرطاجني. وروى بالمشرق عن العدد الكثير كالإمام جار الله أبي اليمن بن عساكر، لقيه بباب الصفا تجاه الكعبة المعظمة، وهو موضع جلوسه للسماع، غرة شوال عام أربعة وثمانين وستماية، وعن غيره، كأبي العز عبد الرحمن بن عبد المنعم بن علي بن نصر بن منظور بن هبة الله وغيرهم ممن ثبت في اسم مرافقة في السماع والرحلة أبي عبد الله بالحكيم رحمه الله، فلينظر هنالك.
تواليفه
ألف فوايد رحلته في كتاب سماه ملئ العيبة فيما جمع بطول الغيبة في الوجهتين الكريمتين، إلى مكة وطيبة. قال شيخنا أبو بكر ابن شبرين، وقفت على مسودته، ورأيت فيه فنونا وضروبا من الفوايد العلمية والتاريخ، وطرفا من الأخبار الحسان. والمسندات العوالي والأناشيد. وهو ديوان كبير، ولم يسبق إلى مثله. قلت ورأيت شيئا من مختصره بسبتة.
دخوله غرناطة
ورد على الأندلس في عام اثنين وتسعين وستماية. فعقد مجالس اللخاص والعام، يقرى بها فنونا من العلم. وتقدم خطيبا وإماما بالمسجد الأعظم منها. حدثني بعض شيوخنا، قال، قعد يوما على المنبر، وظن أن المؤذن الثالث قد فرغ، فقام يخطب والمؤذن قد رفع صوته بإذانه، فاستعظم ذلك بعض الحاضرين، وهم آخر بأشعاره وتنبيهه. وكلمه آخر، فلم يثنه ذلك عما شرع فيه، وقال بديهة، أيها الناس، رحمكم الله، إن الواجب لا يبطله المندوب، وأن الإذان الذي بعد الأول غير مشروع الوجوب، فتأهبوا لطلب العلم، وانتبهوا، وتذكروا قوله عز وجل: وما أتاكم الرسول فحدوء، ومانهاكم عنه فانتهوا، وقد روينا عنه صلى الله عليه وسلم، أنه قال، من قال لأخيه والإمام يخطب، وأصمت، فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له. جعلنا الله وإياكم ممن علم فعملن وعمل فقبل، وأخلص فتخلص. وكان ذلك مما استدل به على قوة جناته، وانقياد لسانه لبيانه.
شعره
وله شعر يتكلفه إذا كان لا يزن أعاريضه إلا بميزان العروضن فمن ذلك ما حدث به، قال لما حللت بدمشق، ودخلت دار الحديث الأشرفيه، برسم رؤية النعل الكريمة، نعل المصطفى صلوات الله عليه، ولثمتها، حضرتني هذه الأبيات:
هنيئا لعيني أن رأت نعل أحمد ... فيا سعد جدي قد ظفرت بأسعد
وقبلتها أشفى الغليل فزادني ... فيا عجبا زاد الظما عند مورد
فلله ذاك اللثم فهو ألذ من ... لما شفة لميا وخد مورد
ولله ذاك اليوم عيدا ومعلما ... بتاريخه أرخت مولد أسعد
عليه صلاة نشرها طيب كما ... يحب ويرضى ربنا لمحمد

(1/392)


وقال، وقلت في موسم عام ستة وثمانين وستماية، بثغر سبتة حرسها الله تعإلى:
أقول إذا هب النسيمن المعطر ... لعل بشيرا باللقاء يبشر
وعالي الصبا مرت على ربع جيرتي ... فعن طيبهم عرف النسيم يعبر
وأذكر أوقاتي بسلمى وبالحمى ... فتذكو لظى في أضلعي حين أذكر
ربوع يود المسك طيب رابها ... ويهوى حصى فيها عقيق وجوهر
بها جيرة لا يخفرون بذمة ... هم لمواليهم جمال ومفخر
إذا ما اجتلت زهر النجوم جمالهم ... تغار لباهي نورهم فتغور
ومن جود جدواهم يرى الليث ... يعمر ون خوف عدواهم يذعر
ومن سيب يمناهم يرى الروض يزهر ... ومن فيض نعماهم يرى البحر يزخر
رعى الله عهدا بالمصلى عهدته ... وروض المنى غض يرق وينضر
زمانا نعمنا فيه الظل وارف ... بجنات عدن تحتها العذاب يخضر
ولله أيام المصلى وطيبها وأنفسنا بالقرب والأنس تجبر
بحيث يرى بدر الكمال وشمسه ... وروضته فردوس وحوض ومنبر
أروم دنوا من بهاء جمالها ... ولثما فتأبى هيبة وتوقر
خضعت وذلي للحبيب تعزز ... فطرفي مغضوض وخدي معفر
ووجه سروري سافر متهلل ... وحالي بهم حلل وعيشي أخضر
فطوبى لمن أضحى بطيبة ثاويا ... يجر أذيال الفخار وينشر
وإذ فات عيني أن تراهم فرددوا على مسمعي ذكر المصلى وكرروا
وردت فيا طيب الورود بطيبة ... صدرت فوا حزني فلا كان مصدر
رماني زماني بالفراق فغرني ... على مثل من فارقت عز التصبر
وأضمرت أشجاني ودمعي مظهر ... وأسررت هجراني وحالي تخبر
فمن أدمعي ماء يفيض ويهمر ... ومن أضلعي نار تفور وتسعر
فجسمي مصفر وفودي أبيض ... وعيشي مغبر ودمعي أحمر
وحين دنا التوديع ممن أحبه ... وحان الذي ما زلت منه أحذر
ونادى صحابي بالرحيل وأزمعوا ... وسارت مطاياهم وظلت أقهقر
وألوي إليه الجيد حتى وجعته ... وظل فؤادي لوعة يتفطر
وقفت لأقضي زفرة وصبابة ... ولا أنثني فالموت أجدى وأجدر
ولو أنني بعت الحياة بنظرة ... لأبت وحظي فيه أوفى وأوفر
وما باختياري إنما قدر جرى ... رضيت بما يقضي الآله ويقدر
حنيني إلى مغنى الجمال مواصل ... وشوقي إلى معنى الجمال موفر
وغير جميل أن يرى عن جمالها ... فؤادي صبورا والمسير ميسر
أيصبر ظمآن يغال بغلة ... وفي روضة الرضوان شهد وكوثر
فيا عينها الزرقاء إن عيونها ... من الحزن فيض بالنجيع تفجر
سأقطع ليلى بالسرى أو أزورها ... وأحمي الكرى عينا لبعدك يظهر
وأنضي المطايا أو أوافي ربعها ... فتنجدني طورا وطورا تغور
حظرت على نفسي الحذار من الردى ... أتحذر نفس الحبيب تسير
أينكر تغرير المشوق بنفسه ... وقد علموا أن المحب مغرر
وقفت على فتوى المحبين كلهم ... فلم أجد التغرير في الوصل ينكر
وإني إذا ما خطرة خطرت قصت بهمي وعزمي همة لا تأطر
أقيم فألفي بين عيني وهمتي ... وسيري في سبل العلا ليس ينكر
إذا ما بدت للعين أعلام طيبة ولاحت قباب كالكواكب تزهر
وللقبة الزهراء سمك سما علا ... وراق سنى كالشمس بل هو أزهر
لها منظر قيد النواظر والنهى ... لها ساكن من نوره البدر يبدر
فعرجوا على كمل الكمال وسلموا ... سلمتم وبلغتم مناكم فأبشروا
بنفسي لا بالمال أرضى بشارة ... إذا لاح نور في سناها مبشر

(1/393)


وما قدر نفسي أن تكون كفا ... ولكنها جهد المقل فأعذر
أقول إذا أوفيت أكرم مرسل ... قراى عليكم أن ذنبي يغفر
وأحظى بتقريب الجوار مكرما ... وأصفح عن جور البعاد وأعذر
وأرتع في ظل الجنان منعما ... وأمني بقرب من حماك وأجبر
هناك هناك القرب فانعم بنيله ... بحيث ثوى جسم كريم مطهر
ودع عنك تطواف البلاد وخيمن ... بطيبة طابت فهي مسك وعنبر
فخرت بمدحي للنبي محمد ومن ... مدحه المداح يزهى ويفخر
أطلت وإني في المديح مقصر ... فكل طويل في معاليك يقصر
فما بلغت كف أمري متناول بها ... المجد إلا والذي نلت أكبر
وما بلغ المهدون في القول مدحة ... وإن أطنبوا إلا الذي فيك أفخر
عليك صلاة الله ما مر سبق ... إليك وما هب النسيم المعطر
وقال يرثي إبنا نجيبا ثكله بغرناطة:
شباب ثوى شابت عليه المفارق ... وغصن ذوي تاقت إليه الحدايق
على حين راق الناظرين بسوقه ... رمته سهام للعيون رواشق
فما أخطأت منه الفؤاد بعمدها ... فلا أبصرت تلك العيون الروانق
وحين تداني للكمال هلاله ... ألم به نقص وجدت مواحق
إلى الله أشكو فهو يشكي نوازعا ... عظاما سطاها للعظام عوارق
ولا مثل فقدان البني فجيعة ... وإن طال ما لجت وجالت بوايق
محمد إن الصبر صبر وعلقم ... على أنه حلو المثوبة سابق
فإن جزعا فالله للعبد عاذر ... وإن جلدا فالوعد لله صادق
وتالله ما لي بعد عيشك لذة ... ولا راقني مرأي لعيني رايق
فأني به والمذكرات عديدة ... فنبل وهم للعوايد خارق
فأين التفت فالشخص للعين مائل ... وإن أستمع فالصوت للأذن طارق
وإن أدع شخصا باسمه لضرورة ... فإن اسمك المحبوب للنطق سابق
وإن تقرع الأبواب راحة قارع ... يطير عندها قلب لذكرك خافق
وكل كتاب قد حويت فمذكر ... آثاره كل إليك توايق
سبقت كهولة في الطفولة لا تني ... وأرهقت أشياخا وأنت مراهق
فلو لم يغلك الموت دمت مجليا ... واقبل سكيتا وجيية ولاحق
على مهل أحرزت ما شيت ثانيا ... عنانك لا تجهد وأنت مسابق
رأتك المنايا سابقا فأغرتها ... فجد طلابا إنهن لواحق
لين سلبت مني نفيس ذخائر ... فإني بمذخور الأجور لواثق
وقد كان ظني أنني لك سابق ... فقد صار علمي أنني بك لاحق
غريبين كنا فرق البين بيننا ... فأبرح ما يلقى الغريب المفارق
فبين وبعد بالغريب توكلا ... قد رعى بما حملت والله ضايق
عسى وطن يدنو فتدنو مني ... وأي الأماين والخطوب عوايق
فخط الأسى خطا تروق سطوره ... وتمحو البكا فالدمع ماح وساحق
فيا واحدا قد كان للعين نورها ... اتل ضيا بعد بعدك غاسق
عليك سلام الله ما جن ساجع ... وما طلعت شمس وما ذر شارق
وما همعت سحب غواد روايح ... وما لمعت تحدو الرعود بوارق
وجاد على مثواك غيث مروض ... عباد لرضوان الإله موافق
محنته
تعرض إليه قوم، يوم قتل صديقه أبي عبد الله الحكيم بإذاية قبيحة، وأسمع كل شارق من القول على ألسنة زعانفة فجر وترهم القتيل، فتخلص ولا تسل كيف، وأزمع الرحيل فلم يلبث بعد ذلك.
وفاته: كانت وفاته بمدينة فاس، في اليوم الثامن من شهرم المحرم

(1/394)


مفتتح عام أحد وعشرين وسبعماية. ودفن في الجبانة التي بخارج باب الفتوح بالروضة المعروفة بمطرح الجنة، التي اشتملت على العلماء والصلحاء والفضلاء، من الغرباء الواردين مدينة فاس. وكان مولده بسبتة عام سبع وخمسين وستماية.
محمد بن علي بن هاني اللخمي السبتي
يكنى أبا عبد الله، ويعرف باسم جده، أصلهم من إشبيلية
حاله
كان رحمه الله فريد دهره في سمو الهمة، وإيثار الاقتصاد والتحلي بالقناعة، وشموخ الأنف على أهل الرياسة، مقتصرا على فايدة ربع له ببلده، يتبلغ مع الاستقامة، مع الصبر والعمل على حفظ المروءة، وصون ماء الوجه، إماما في علم العربية، مبرزا متقدما فيه، حافظا للأقوال، مستوعبا لطريق الخلاف، مستحضرا لحجج التوجيه، لا يشق في ذلك غباره، ريان من الأدب، بارع الخط، سهل مقادة الكلام، مشاركا في الأصلين، قايما على القراءات، حسن المجلس، رايق البزة، بارع المحاضرة، فايق الترسل، متوسط النظم، كثير الاجتهاد والعكوف، مليح الخلق، ظاهر الخشوع، قريب الدمعة، بيته شهير الحسب والجلالة.
وجرى ذكره في الإكليل الزاهر بما نصه: علم تشير إليه الأكف ويعمل إلى لقاية الحافر والخف، رفع للعربية ببلده راية لا تتأخر، ومرج منها لجة تزخر، فانفسخ مجال درسه، وأثمرت أدواح غرسه، فركض يماشا وبرح، ودون وشرح، إلى شمايل تملك الظرف زمامها، ودعابة راشت الحلاوة سهامها. ولما أخذ المسلمون في منازلة الجبل وحصاره، وأصابوا الكفر منه بجارحة أبصاره، ورموا بالثكل فيه نازح أمصاره، كان ممن انتدب وتطوع، وسمع الندا، فأهطع، فلازمه إلى أن نفد لأهله القوت، وبلغ من فتحة الأجل الموقوت، فأقام الصلاة محرابه، وقد غير محياه طول اغترابه، وبادره الطاغية قبل أن يستقر نصل الإسلام في قرابه، أو يعلق أصل الدين في ترابه. وانتدب إلى الحصار به وتبرع، ودعاه أجله فلبى وأسرع. ولما هدر عليه الفتيق، وركعت إلى قبلته المجانيق، أصيب بحجر دوم عليه كالجارح المحلق، وانقض إليه انقضاض البارق المتألق، فاقتنصه، واختطفه، وعمد إلى زهره فقطفه فمضى إلى الله طوع نيته، وصحبته غرابة المنازع حتى في منيته.
مشيخته
قرأ على الأستاذ العلامة أبي إسحق الغافقي، وعلى الأستاذ النحوي أبي بكر بن عبيدة، واعتمد عليه، وقرأ على الإمام الصالح أبي عبد الله ابن حريث.
تواليفه
ألف كتبا، منها كتاب شرح التسهيل لابن مالك، وهو أجل كتبه، أبدع فيه، وتنافس الناس فيه. ومنها الغرة الطالعة في شعراء المائة السابعة، ومنها إنشاد الضوال، وإرشاد السوال في لحن العامة، وهو كتاب مفيد، وقوت المقيم. ودون ترسل رييس الكتاب أبي المطرف بن عميرة وضمه في سفرين. وله رجز في الفرايض مفيد.
شعره
حدثنا شيخنا القاضي الشريف، نسيج وحده، أبو القاسم الحسني، قال، خاطبت الأستاذ أبا عبد الله بن هاني رحمه الله بقصيدة من نظمي أولها:
هلت الحديث عن الكرب الذي شخصا
فأجابني عن ذلك بقصيدة في رويها:
لولا مشيب بفودى للفؤاد عصا ... نضيت في مهمه التشبيب لي قلصا
واستوقفت عبراتي وهي جارية ... وكفاء توهم ربعا للحبيب قصا
مسايلا عن لياليه التي انتهزت ... أيدي الأماني بها ما شيته فرصا
وكنت جاريت فيها من جرى طلقا ... من الإجادة لم يحجم ولا نكصا
أصاب شاكلة المرمى حين رمى ... من الشوارد ما لولاه ما اقتنصا
ومن أعد مكان النبل نبل حجا ... لم يرض إلا بأبكار النهي قنصا
ثم انثنى ثانيا عطف النسيب إلى ... مدح به قد غلا ما كان قد رخصا
فظلت أرفل فيها لبسة شرفت ... ذاتا ومنتسبا أعزز به قمصا
يقول فيها وقد خولت منحتها ... وجرع الكاشح المغري بها غصصا
هذي عقايل وافت منك ذا شرف ... لولا أياديه بيع الحمد مرتخصا
فقلت هلا عكست القول منك له ... ولم يكن قابلا من مدحه الرخصا
وقلت ذي بكر فكر من أخي شرف ... يردي ويرضى بها الحساد والخلصا
لها حلي حسنيات على حلل ... حسنية تستبي من حل أو شخصا

(1/395)


خولتها وقد اعتزت ملابسها ... بالبخت ينقاد للإنسان ما عوصا
خذها أبا قاسم مني نتيجة ذي ... ود إذا شيت ودا للورى خلصا
وهي طويلة. ومما ينسب إليه، وهو مليح في معناه:
ما للنوى مدت لغير ضرورة ... ولقبل ما عهدي بها مقصوره
إن الخليل وإن دعته ضرورة ... لم يرضى ذاك فكيف دون ضروره
وقال مضمنا:
لا يلمني عاذلي حتى يرى ... وجه من أهوى فلومي مستحيل
لو رأى وجه حبيبي عاذلي ... لتفارقنا على وجه جميل
وقال في الفخر:
قل للموالي عش بغبطة حامد ... وللمعادي بت بضغنة حاسد
المزن كفى ولاثريا همتي ... وذكا ذكري والسعود مقاصد
وقال في غير ذلك
غنيت بي دون غيري الدهر عن مثل ... بعضي لبعض أضحى يضرب المثلا
ظهري انحنى لمشيب لاح واعجبا ... غض إذا أينعت أزهاره ذبلا
أذلك أم زهر لاحت تخبر أن ... يوم الصبا والتصابي آنس الطفلا
ومما جمع فيه بين نظمه ونثره، ما راجع به شيخنا القاضي الشريف أبا القاسم الحسني، عن القصيدة الهمزية التي ثبتت في اسمه:
يا أوحد الأدبا أو يا أوحد الفضلا أو يا أوحد الشرفاء
من ذا تراه أ منك إذا التوت ... طرق الحجاج بأن يجيب نداء
أدب أرق من الهواء وإن تشا ... فمن الهوى والماء والصهباء
وألذ من ظلم الحبيب وظلمه ... بالظاء مفتوحا وضم الظاء
ما السحر إلا ما تصوغ بنانه ... ولسانه من حلية الإنشاء
والفضل ما حليته وحبيته ... وحبوتني منه بخير حباء
أبكار فكرك قد زففت بمدحتي ... تمشي روايعها على استحياء
لا من قصور بل لتقصيها من ... حيث لم يظفرن بالإرفاء
لاكن جبرن وقد فبلن على ... الرضا فالجبر للأبكار للإباء
هذا إلى الشرف الذي قد فزت ... من عليائه بالعزة القعساء
شرف السيل من الرسول وسيلة ... قامت بابن سنا وابن سناء
حسن وأبو حسن وفاطمة ابنة ... الهادي البرية خاتم النبلاء
شرف على شرف إلى شرفين ... من ذا حاز ما حزت من علياء
هذي ثلاث أنت واحد فخرها ... فاشمخ لها شرفا بأنف علاء
من رام رتبتك السنية فليقف ... دون المرام مواقف الإقصاء
هذي مآثر قد شأوت بصيتها ... من كان من آب لها أو شاء
والليث يرهب زأره في موطن ... ما كان من نقد به أو شاء
يكفيك من نكد المعاند أن يرى ... متقلد الأعضاء بالبغضاء
السن يفنى بالأنامل قرعه ... أو عضه متوقد الأحشاء
أتحفتنى بقصيدة همزية ... مقصورة ممدودة الآراء
كم بين تلك وهذه لا كنها ... غطى على هذى ذهاب فتاء
ذو الشيب يعذره الشباب فما لهم بذكا نبل أو بنبل ذكاء
من قارب الخمسين خطوا سنه ... فمحاله مستوجب الإبطاء
أبني إنك أنت أسدى من به ... يتعاظم الآباء بالأبناء
لله نفثة سحر ما قد شدت لي ... من نفث سحرك في مشاد ثناء
عارضت صفوانا بها فأريت ما ... يستعظم الراوي له والراء
لو راء لؤلؤك المنظم لم يفز ... في نظم لؤلؤه بغير عناء
بوأتنى منها أجل مبوإ ... فلا خمصى مستطن الجوزاء
وسمى بها أسمى ساير فأنابما ... أسديت ذو الأسماء في الأسماء
وأشدت ذكرى في البلاد فلى بها ... طول الثناء وإن أطلت ثواء
ولقومي الفخر المشيد بنيته ... بأحسن تشييد وحسن وبناء
فليهن هانيهم يد بيضاء ما ... أن مثلها لك من يد بيضاء
حليت أبياتا لهم لخمية ... بحلا علا مضرية غراء

(1/396)


فليشمخوا أنفا بما أوليتهم ... يا محرز الآلاء بالإيلاء

(1/397)


هذا، بنى، وصل الله لك ولي بك علو المقدار، وأجرى وفق أو فوق إرادتك أو إرادتي لك جاريات الأقدار، ما سمح به الذهن الكليل واللسان الفليل في مراجعة قصيدتك الغراء، الجالية للسراء، الآخذة بمجامع القلوب، الآتية بجوامع المطلوب، الحسنة المهيع والأسلوب، المتحلية بالحلى الحسنية، العريقة المنتسب في العلى الحسنية، الجالية صدا قلوب ران عليها الكسل، وخانها المسعدان، السؤل والأمل، فمتى حامت المعاني حولها، ولو أقامت حولها، شكت ويلها وعولها، وحرمت من فريضة الفضيلة عولها، وعهدى بها، والزمان زمان، وأحكامه الماضية أماني مقضية وأمان، تتوارد آلافها، ويجمع إجماعها وخلافها، ويساعدها من الألفاظ كل سهل ممتع، مفترق مجمع، مستأنس غريب، بعيد الغور قريب، فاضح الحلا، واضح العلا، وضاح الغرة والجبين، رافع عمود الصبح المبين، أيد من الفصاحة بإياد، فلم يحفل بصاحبي طي وإياد، وكسى بضاعة البلاغة، فلم يعبا بهمام وابن المراغة. شفاء المحزون، وعلم السر الخزون، مابين منثوره والموزون. والآن لا ملهج ولا مبهج ولا مرشد ولا منهج عكست القضايا فلم تنتج، فتبلد القلب الذكي، ولم يرشح القليب البكى، وعم الإفحام وغم الإحجام، وتمكن الإكداء والإجبال، وكورت الشمس وسيرت الجبال، وعلت سآمة، وغلبت ندامة، وارتفعت ملامة، وقامت لنوعي الأدب قيامة. حتى إذا ورد ذلك المهرق، وفرع غصنه المورق، تغنى به الحمام الأورق، وأحاط بعداد عداته الغصص والشرق، وأمن من الغصب والسرق، وأقبل الأمن، وذهب بإقباله الفرق، نفخ في صور أهل المنظوم والمنثور، وبعثر ما في القبور، وحصل ما في الصدور، وتراءت للأدب صور، وعمرت للبلاغة كور، وهمت لليراعة درر، ونظمت للبراعة درر، وعندها يتبين أنك واحد حلبة البيان، والسابق في ذلك الميدان، يوم الرهان، فكان لك القدم، وأقر لك مع التأخر السابق الأقدم، فو حق نصاعة ألفاظ أجدتها، حين أوردتها، وأسلتها حين أرسلتها، وأزنتها حين وزنتها، وبراعة معان سلكتها حين ملكتها، وأرويتها حين روأتها وأرويتها، وأصلتها حين فصلتها ووصلتها، ونظام جعلته لجسد البيان قلبا، والمعصمة قلما، وهصرت حدايقه غلبا، وارتكبت روية صعبا، ونثارا أتبعته له خديما، وصيرته لمدير كأسه نديما، ولحفظ ذمامه المدامى، أو مدامه الذمامي مديما، لقد فتنتني حين أتتني، وسبتني حين نصبتني، فذهبت خفتها بوقارى، ولم يرعها بعد شيب عذارى، بل دعت للتصابى فقلت مرحبا، وحللت لفتنتها الحبا، ولم أحفل بشيب، وألفيت مارد نصابي نصيب، وإن كنا فرسى رهان، وسابقي حلبة ميدان، غير أن الجلدة بيضاء، والمرجو الإغضاء، بل الإرضاء. بنى كيف رأيت للبيان هذا الطوع، والخروج فيه من نوع إلى نوع. أين صفوان بن إدريس، ومحل دعواه بين رحلة وتعريس، كم بين ثغاء بقر هذا الفلا، وبين زئير ليث العريس، كما أني أقطع علما، وأعلم قطعا، وأحكم مضاء، وأمضي حكما، أنه لو نظر إلى قصيدتك الرائقة، وفريدتك الحالية الفايقة، المعارضة بها قصيدته، المتسخة بها فريدته، لذهب عرضا وطولا، ثم اعتقد لك اليد الطولى، وأقر بارتفاع النزاع، وذهبت له تلك العلالات والأطماع، ونسى كلمته اللؤلؤية، ورجع عن دعواه الأدبية، واستغفر الله ربه من تلك الإلهية. بنى وهذا من ذلك، من الجرى في تلك المسالك، والتبسط في تلك المآخذ والمتارك، أينزع غيرى هذا المنزع، أم المرء بشعره وابنه مولع. حيا الله الأدب وبنيه، وأعاد علينا من أيامه وسنيه، ما أعلى منازعه، وأكبا منازعه، وأجل مآخذه، وأجهل تاركه، وأعلم آخذه، وأرق طباعه، وأحق أشياعه وأتباعه، وأبعد طريقه، وأسعد فريقه، وأقوم نهجه، وأوثق نسجه، وأسمح الفاظه، وأفصح عكاظه، وأصدق معانيه وألفاظه، وأحمد نظامع ونثاره، وأغنى شعاره ودثاره. فعايبه مطرود، وعاتبه مصفود، وجاهله محصود، وعالمه محسود. غير أن الإحسان فيه قليل، ولطريق الإصابة فيه علم ودليل، من ظفر بهما وصل، وعلى الغاية القصوى منهما حصل، ومن نكب عن الطريق، لم يعد من ذلك الفريق، فليهنك أيها الإبن الذكى، البر الزكى، الحبيب الحفى، الصفى الوفى، أنك حامل رايته، وواصل غايته، ليس أولوه وآخروه لذلك بمنكرين، ولا تجد أكثرهم شاكرين. ولولا أن يطول الكتاب، وينحرف الشعراء والكتاب، لفاضت ينابيع هذا الفصل فيضا، وخرجت إلى نوع آخر من البلاغة أيضا، قرت عيون

(1/398)


أودايك، وملئت غيظا صدور أعدايك، ورقيت درج الآمال، ووقيت عين الكمال، وحفظ منصبك العالي، بفضل ربك الكبير المتعال. والسلام الأتم الأكمل الأعم يخصك به، من طال في مدحه أرقالك وأغذاذك، وراد روض حمده طلك ورذاذك وغدت مصالح سعيه في سعى مصالحك، وسينفعك بحول الله وقوته، وفضله ومنته معاذك ووسمت نفسك بتلميذه، فسمت نفسه بأنه أستاذك، ابن هاني ورحمة الله وبركاته.دايك، وملئت غيظا صدور أعدايك، ورقيت درج الآمال، ووقيت عين الكمال، وحفظ منصبك العالي، بفضل ربك الكبير المتعال. والسلام الأتم الأكمل الأعم يخصك به، من طال في مدحه أرقالك وأغذاذك، وراد روض حمده طلك ورذاذك وغدت مصالح سعيه في سعى مصالحك، وسينفعك بحول الله وقوته، وفضله ومنته معاذك ووسمت نفسك بتلميذه، فسمت نفسه بأنه أستاذك، ابن هاني ورحمة الله وبركاته.
دخوله غرناطة: دخل غرناطة مع الوفد من أهل بلده عند تصيرها إلى الإيالة النصرية، حسبما ثبت في موضعه.
توفي بجبل الفتح، والعدو يحاصره، أصابه حجر المنجنيق في رأسه، فذهب به، تقبل الله شهادته ونفعه، في أواخر ذي قعدة من عام ثلاثة وثلاثين وسبعماية.
وممن رثاه قاضي الجماعة شيخنا القاضي أبو القاسم الحسنى، وهي القصيدة التي أولها:
شقى الله بالخضراء أشلاء سؤدد ... تضمنهن الترب صوب الغمايم
وقد ثبت في بجهد المقل في اسم الذكور فلينظر هنالك.
وممن رثاه شيهنا القاضي أبو بكر بن شبرين رحمه الله بقوله:
قد كان ما قال اليزيد ... فاصبر فحزنك لايفيد
أودى ابن هاني الرضا ... فاعتادني للشكل عبد
بحر العلوم وصدرها ... وعميدها إذ لا عميد
قد كان زينا للوجود ... ففيه قد فجع الوجود
العلم والتحقيق والتوفيق والحسب التليد
تندى خلايقه فقل ... فيهاهي الروض المجرد
مغض عن الإخوان لا ... جهم اللقاء ولا كنرد
أودى شهيدا باذلا ... مجهوده فعم الشهيد
لم أنسه حين المعا ... رف باسمه فينا تشيد
وله صبوب في طلا ... ب العلم يتلوه صعود
لله وقت كان ينظمنا كما نظم الفريد
أيام نغدو أو نرو ... ح وسعينا السعى الحميد
وإذا المشيخة جثم ... هضبات حلم لا تبيد
ومرادنا جم النبا ... ت وعيشنا خضر البرود
لهفى على الإخوان والأتراب كلهم فقيد
لو جيت أو طاني لأنكرني التهايم والنجود
ولراع نفسي شيب من ... غادرته وهو الوليد
ولطفت ما بين اللحو ... د وقد تكاثرت اللحود
سرعان ما عاث الحما ... م ونحن أيقاظ هجود
كم رمت إعمال المسير فقيدت عزمي قيود
والان أخلفت الوعو ... د وأخلقت تلك البرود
ما للفتى مايبتغير ... والله يفعل مايريد
أعلى القديم الملك يا ... ويلاد يعترض العبيد
يابين قد طال المدى ... أرعد وأبرق يا يزيد
ولك شيء عاية ... ولربما أن الحديد
إيه أبا عبد الآله ودوننا مرمى بعيد
أين الرسايل منك تأ ... تينا كما نظم المقود
أين الرسوم الصالحا ... ت تصرمت أين العهود
أنعم مساء لا تخطتك البشاير والسعود
وأقدم على دار الرضا ... حيث الإقامة والخلود
والق الأحبسة حيث دا ... ر الملك والقصر المشيد
حتى الشهادة لم تفتك فنجمك النجم السعيد
لا تبعدن وعد لو أن الميت في الدنيا يعود
ولين بليت فإن ذكرك في الدنا غض جديد
تالله لا تنساك أندبة العلى ما اخضر عود وإذا تسومح في الحقو - ق فحقك الحق الأكيد جادت صداك عمامة يروى بها ذاك الصعيد وتهدتك من المهيمن رحمة أبدا وجود
الصدفى
محمد بن يحيى العبدري من أهل فاس. يكنى أبا عبد الله، ويعرف بالصدفى
حاله

(1/399)


قال الأستاذ في صلته: إمام في العربية، ذاكر للغات والآداب، متكلم، أصولى مفيد، متفنن، حافظ، ماهر، عالم، زاهد، ورع، فاضل. أخذ علم العربية والآداب عن النحوى أبي الحسن بن خروف، وعن النحوى الأديب الضابط أبي ذر الخشنى، وأكثر عنهما، وأكمل الكتاب على ابن خروف، تفقها وتقييد وضبطا. وكان حسن الإقراء، جيد العبارة، متين المعارف والدين، شديد الورع، متواضعا جليلا، عالما عاملا، من أجل من لقيته، وأجمعهم لفتون المعارف، وضروب الأعمال، وكان الحفظ أغلب عليه، وكان سريع القلم إذا كتب أو قيد، وسمعته يقول، ما سمعت شيئا من أحد من أشياخى، من نكت العلم، وتفسير مشكل، ومايرجع إلى ذلك، إلا وقيدته، ولا قيدت بخطى شيئا إلا حفظته، ولا حفظت شيئا فنسيته. هذا ما سمعت منه.
مشيخته
أخذ العربية عن الأستاذ أبي الحسن بن خروف، وعن النحوى الأديب الضابط أبي ذر الخشنى. وأكثر عنه، وأخذ معهما عن أبي محمد بن زيدان، ولازم ثلاثتهم، وسمع وقرأ على القيه الصالح أبي محمد صالح وأخذ عن غير من ذكر.
دخوله غرناطة
قال، دخل الأندلس مرارا بيسير بضاعة كانت لديه يتجر فيها، ودخل إشبيلية. وتردد آخر عمره إلى غرناطة ومالقة إلى حين وفاته.
توفي برحمه الله شهيدا بمرسى جبل الفتح. دخل عليهم العدو فيه.
فقاتل حتى قتل، وذلك سنة أحد وخمسين وستماية. سمعته يتوسل إلى الله، ويسأله الشهادة.
المحدثون والفقهاء والطلبة النجباء وأولاد الأصليون
محمد بن أحمد بن إبراهيم بن الزبير
من أهل غرناطة، ولد الأستاذ الكبير أبي جعفر بن الزبير، يكنى أبا عمرو
حاله
هذا الشيخ سكيت حلبة، ولد أبيه في علو النباهة، إلا أنه لوذعى فكه، حسن الحديث، رافض للتصنع، ركض طرف الشبيبة في ميدان الراحة، منكبا عن سنن أبيه وقومه، مع شغوف إدراك، وجودة حفظ، كانا يطمعان والده في نجابته، فلم يعدم قادحا. ورحل إلى العدوة، وشرق ونال حظوة، وجرت عليه خطوب. ثم عاد إلى الأندلس على معروف رسمه يتكور بها، وهو الآن قد نال منه الكبر. يزجى الوقت بمانقة، متعللا بوقف من بعض الخدم المخزنية، لطف الله به.
مشيخته
استجاز له والده الطم والرم، من أهل المغرب والمشرق، ووقف عليه منهم في الصغر وقفا لم يغتبط به عمره، وأدكره الآن بعد أمة، عندما نقر عنه لديه، فأثرت به يده من علو رواية، وتوفر سبب مبرة، وداعية إلى إقالة عثرة، وستر هيبة شيبة. فمن ذلك الشيخ الإمام أبو علي ناصر الدين منصور بن أحمد المشدالي، إجازة ثم لقاء وسماعا، والشيخ الخطيب الراوية أبو عبد الله بن غريون. وأجازه الأستاذ أبو إسحق الغافقى، وأبو القاسم بن الشاط، والشريف أبو العباس أحمد الحسنى، والأستاذ الإمام أبو الحسين عبد الله بن أبي الربيع القرشى نزيل سبتة. ومحمد ابن صالح بن أحمد بن محمد الكتاني الشاطبي ببجاية، والإمام أبو اليمن ابن عساكر بالمسجد الحرام، وابن دقيق العيد وغيرهم. ومن أهل الأندلس أبو محمد بن السداد، وأبو جعفر بن الزيات، وأبو عبد الله بن الكماد، وأبو عبد الله بن ربيع الأشعري، وأبو عبد الله بن برطال، وأبو محمد عبد المنعم بن سماك، والعدل أبو الحسن بن مستقور. وأجازه من أهل المشرق والمغرب، عالم كبير.
شعره
وبضاعته فيه مزجاة، فمن ذلك ماخاطبني به عند إيابي من العدوة في غرض الرسالة عن السلطان:
نوإلى الشكر للرحمن فرضا ... علم نعم كست طولا وعرضا
وكم لله من لطيف خفي لنا ... منه الذي يشاء...وأمضا
بمقدمك السعيد أتت سعود ... تنال بها نعيم الدهر محضا
فيا بشرى لأندلس بما قد ... به والاك بارينا وأرضا
ويا لله من سفر سعيد قد ... قد أقرضت المهيمن فيه قرضا
نهضت بنية أخلصت فيها ... فأتت بكل ما يبغى ويرضا
وثبت لنصرة الإسلام لما ... علمت بأن الأمر إليك أفضا
لقد أحييت بالتقوى رسوما ... كما أرضيت بالتمهيد أرضا
وقمت بسنة المختار فينا ... تمهد سنة وتقيم فرضا
ورضت من العلوم الصعب حتى ... جنيت ثمارها رطبا وغضا

(1/400)


فرأيك ناحج فيما تراه ... وعزمك من مواضى الهند أمضا
تدبر أمر مولانا فيلقى المسيء لديك إشفاقا وإغضا
فأعقبنا شفا وانبساطا ... وقد كانت قلوب الناس مرضا
ومن أضحى على ظمإ وأمسى ... يرد إن شاء من نعماك خوضا
أبا عبد الآله إليك أشكو ... حين ناب الفقر عضا
ومن نعماك استجدى لباسا ... يفيض به على الجاه فيضا
بقيت مؤملا ترجى وتخشى ... ومثلك من إذا ما جاد أرضا
توفي في التاسع لمحرم من عام خمسة وستين وسبعماية.
القليعى
محمد بن أحمد بن خلف بن عبد الملك بن غالب الغساني من أهل غرناطة، يكنى أبا أبكر، ويعرف بالقليعى.
أوليته: قد جرى من ذكره، وذكر بيته في الطبقات ما فيه كفاية
حاله
كان نبيه البيت، رفيع القدر، عالي الصيت. من أهل العلم والفضل والحسب والدين، وأجمع على استقضائه أهل بلده بعد أبي محمد بن سمحون سنة ثمان وخمسماية.
توفي بغرناطة، أوايل صفر عشرة وخمسماية. ودفن في روضة أبيه ذكره ابن الصيرفي وأطنب.
ابن قطبة
محمد بن أحمد بن محمد الدوسى من أهل غرناطة، يكنى أبا عبد الله ويعرف بابن قطبة.
حاله
من عايد الصلة: كان رحمه الله شيخ الفقهاء والموثقين، صدر أرباب الشورى، نسيج وحده في الفضل، والتخلق والعدالة، طرفا في الخير، مجبا إلى الكافة، مجبولا على المشاركة، مطبوعا على الفضيلة، كهفا للغرباء والقادمين، مألفا للمتعلمين، ثمالا للأسرى والعانين، تخلص منهم على يديه أمم، لقصد الناس إياه بالصدقة، مقصودا في الشفاعات، معتمدا بالأمانات، لا يسدل دونه ستر، ولا تحجب عنه حرمة، فقيها حافظا، إخباريا محدثا ممتعا، متقدما في صناعة التوثيق، حسن المشاركة في غيرها، كثير الحض على الصدقة في المحول والأزمات، يقوم في ذلك مقامات حميدة، ينفع الله بها الضعفاء، وينقاد الناس لموعظته، ويؤثر في القلوب بصدقه. فقد بفقدانه رسم من رسوم البر والصدقة.
مشيخته
قرأ على الأستاذ الكبير أبي جعفر بن الزبير، والخطيب ولي الله أبى الحسن ابن فضيلة، وروى عن الشيه الوزير المسن المحدث أبي محمد عبد المنعم ابن سماك، وأبي القاسم بن السكوت المالقى، والخطيب أبي عبد الله ابن رشيد. والقاضي أبي يحيى بن مسعود، والعدل أبي علي البجلى، وأبي محمد عبد المؤمن الخولاني. وأجازه جماعة من أهل المشرق والمغرب، وناب عن بعض القضاة بغرناطة. ولد عام تسعة وستين وستماية، وتوفي في الثالث لربيع الأول من عام ثمانية وثلاثين وسبعماية. وكانت جنازته مشهودة.
ابن السراج
محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن أحمد بن محمد ابن يوسف بن روبيل الأنصاري من أهل غرناطة، ويكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن السراج. طليطلى الأصل، طبيب الدار السلطانية.
حاله
من العايد: كان رحمه الله من أهل التفنن والمعرفة، متناهي الأبهة والحظة، جميل الصورة، مليح المجالسة، كثير الدعابة والمؤانسة، ذاكرا للأخبار والطرف، صاحب حظ من العربية والأدب والتفسير، قارضا للشعر، حسن الخط، ظريف الوراقة، طرفا في المعرفة بالعشب، وتمييز أعيان النبات، سنيا، محافظا، محبا في الصالحين، ملازما لهم، معنيا بأخبارهم، متلمذا لهم. انحاش إلى الولىأبي عبد الله التونسي، وانقطع إليه مدة حياته، ودون أحواله وكراماته. وعين ريع ما يستفيده في الطب صدقة على يديه، أجرى ذلك بعد موته لبنيه. ونال حظا عريضا من جاه السلطان، فاطرح حظ نفسه مع المساكين والمحتاجين، فكان على باوه على أهل الدنيا، يوثر ذوي الحاجة، ويخف إلى زيارتهم، ويرفدهم، ويعينهم على معالجة عللهم.
مشيخته
قرأ الطب على الشيخ الطبيب. نسج وحده أبي جعفر الكزنى، رييس الصناعة في وقته، ولقى فيه الأستاذ إمام التعاليم إمام التعاليم والمعارف، أبا عبد الله الرقوطى المرسى وغيره. وقرأ القرآن على المقرى الشهير أبي جعفر الطباع بالروايات السبع، والعربية على الأستاذ أبي الحسن بن الصايغ الإشبيلي، وأكثر القراءة على شيخ الجماعة العلامة أبي جعفر بن الزبير.

(1/401)


تواليفه: ألف كتبا كثيرة، منها في النبات والرؤيا. ومنها كتا سماه، السر المذاع في تفضيل غرناطة على كثير من البقاع.
شعره
من ذلك قوله ملغزا في المطر:
وما زاير مهما أتى ابتهجت به ... نفوس وعم الخلق جودا وإحساناص
يقيم فيشكو الخلق منه مقامه ... ويكربهم طرا إذا عنهم بانا
يسر إذا وافى ويكرب إن نأى ... ويكره منه الوصل إن زار أحيانا
وأعجب شيء هجر حب مواصل ... به حين يطل هواه إن لم يطل خانا
محنته
ذكر أنه لما توفي السلطان ثاني الملوك من بني نصر فجأة، وهو يصلى المغرب، وباكر الطبيب بابه غداة ليلة موته. سأل عن الطعام القريب عهد موته بتناوله، فأخبر أنه تناول كعكا وصلته من ولي عهده، فقال كلاما أوجب نكبته، فامتحن بالسجن الطويل، والتمست الأسباب الموصلة إلى هلاكه، ثم أجلى إلى العدوة. ثم دالت الأيام، فعاد إلى وطنه مستآنفا ما عهده من البر وفقده من التجلة.
ميلاده: بغرناطة عام أربعة وخمسين وستماية.
وفاته: ليلة الخميس التاسع من شهر ربيع الأول من عام ثلاثين وسبعماية.
ابن أبي زمنين المرى
محمد بن ابراهيم بن عبد الله بن أبي زمنين المرى يكنى أبا عبد الله، وبيته معلوم حاله: كان من أهل المعرفة والنبل والذكاء
مشيخته
قرأ القرآن على أبي بكر بن النفيس، وأبي عبد الله بن شهيد المرى المقرى بطخشارش من غرناطة. ودرس الفقه عند المشاور أبي عبد الله بن مالك المقرى، وأبي الحسن علي بن عمر بن أضحى، وعلى غيرهما من شيوخ غرناطة.
توفي سنة أربعين وخمسماية.
قلت، وإنما ذكرت هذا المترجم به مع كوني اشترطت صدر خطبته، ألا أذكر هذا النمط لمكان مصاهرتي في هذا البيت. ولعل حافد هذا المترجم به من ولدي، يطلع على تعدادهم وذكرهم في هذا التاليف وتردادهم، فيكون ذلك محرضا له على النجابة. محرضا للإجابة، جعلنا الله ممن انتمى للعلم وأهله، واقتفى من سننه واضح سبله.
ابن جابر
محمد بن جابر بن محمد بن قاسم بن أحمد بن إبراهيم بن حسان القيس الوادآشى الأصل والمعرفة، التونسى الاستيطان، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن جابر
حاله
من عايد الصلة: نشأ بتونس، وجال في البلاد المشرقية والمغربية، واستكثر من الرواية ونقب عن المشايخ، وقيد الكثير، حتى أصبح جماعة المغرب، وراوية الوقت. ثم قدم الأندلس ظريف النزعة، عظيم الوقار، قويم السمت، يأوى في فضل التعيش إلى فضل ما كان بيده، يصرفه في مصارف التجارة. وقعد للإسماع والرواية، وانتقل إلى بلش، فقرأ بها القرآن العظيم والروايات السبع، على الخطيب أبي جعفر بن الزيات. ثم رحل إلى المغرب، ثم أعاد الرحلة الحجازية، وأعرق، فلقى أمة من العلماء والمحدثين، وأصبح بهم شيخ وحده، انفساح رواية، وعلو إسناد.
مشيخته
من شيوخه قاضي الجماعة بتونس أبو العباس بن الغماز الخزرجى البلنس، وقاضي الجماعة بها أبو إسحق بن عبد الرفيع، وقاضي قضاة الديار المصرية بدر الدين بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة بن علي بن جماعة بن صخر الكناني. وقاضي الجماعة ببجاية، أبو العباس الغبريني، وسراج الدين أبو جعفر عمر بن الخضر بن طاهر بن طراد بن إبراهيم ابن محمد ابن منصور الأصبحى، وأبو محمد عبد الغفار بن محمد السعدي المصرى. ورضى الدين إبراهيم بن عمر بن إبراهيم الخليلي الجعفري.

(1/402)


وشرف الدين أبو عبد الله بن الحسن بن عبد الله ابن الحافظ عبد الغني ابن عبد الواحد بن سرور المقدسي. وأبو الفضل أبو القاسم بن حمادين أبي بكر بن عبد الواحد الحضرمي اللبيد. وعبد الله بن يوسف بن موسى الخلاسي. وعبد الله بن محمد بن هرون، وإبراهيم بن محمد بن أحمد أبن محمد بن عبد الله بن الحاج التجيبي، وأحمد بن يوسف بن يعقوب ابن علي الفهرى اللبلى، وولده جابر بن محمد بن قاسم معين الدين، وعز الدين أبو القاسم بن محمد بن الخطيب، وجمال الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الباقي بن الصفار، وأبو بكر بن عبد الكريم بن صدقة العزفى، ومحمد بن إبراهيم بن أحمد التجيبي، وأبو يعقوب يوسف بن إبراهيم بن أحمد بن علي بن إبراهيم بن عقاب الجذامى الشاطبى، وعبد الرحمن بن محمد بن علي بن عبد الله الأنصاري الأسدي القيرواني، وأبو القاسم خلف بن عبد العزيز القبتورى، وعلي بن محمد بن أبي القاسم ابن رزين التجيبي، وأحمد بن موسى بن عيسى البطرني، وغر القضاة فخر الدين أبو محمد عبد الواحد بن منصور بن محمد بن المنير، وتقي الدين محمد بن أحمد بن عبد الخالق المصري، وصدر النحاة أبو حيان، وظهير الدين أبو محمد بن عبد الخالق المخزومي المقدسي الدلاصى، ورضى الدين بن إبراهيم بن أبي بكر الطبري، والمعمر بهاء الدين أبو محمد القاسم بن مظفر بن محمود بن هبة الله بن عساكر الدمشقي.
وأما من كتب إليه فنحو ماية وثمانين من أهل المشرق والمغرب.
قدم غرناطة في أول عام ستة وعشرين وسبعماية، فهو باعتبار أصله أصلى، وباعتبار قدومه طارئ وغريب.
تواليفه
له تواليف حديثية جملة، منها أربعون حديثا، أغرب فيها بما دل على سعة خطوه وانفساح رحله.
وفاته كان حيا سنة أربعين وسبعماية، وبلغى أنه توفي عام سبعة بعدها.
محمد بن خلف بن موسى الأنصاري
الأوسي
من أهل إلبيرة، يكنى أبا عبد الله.
حاله
كان متكلما، واقفا على مذاهب المتكلمين، متحققا برأي الأشعرية، ذاكرا لكتب الأصول والاعتقادات، مشاركا في الأدب، مقدما في الطب.
مشيخته
روى عن أبي جعفر بن محمد بن حكم بن باق، وأبي جعفر بن خلف ابن الهيثم، وأبوى الحسن بن خلف العنسى، وابن محمد بن عبد العزيز ابن أحمد بن حمدين، وأبوى عبد الله بن عبد العزيز المورى، وابن فرج مولى الطلاع، وأبي العباس بن محمد الجذامي، وأبي علي الغساني، وأبي عمرو زياد بن الصفار، وأبي القاسم أحمد بن عمر. وأخذ علم الكلام عن أبي بكر بن الحسن المرادي، وأبي جعفر بن محمد بن باق، وأبي الحجاج ابن موسى الكلبي. وتأدب في بعض مسائل النحو بأبي القاسم بن خلف ابن يوسف بن فرتون بن الأبرش.
من روى عنه: روى عنه أبو إسحق بن قورقول، وأبو خالد المرواني، وأبو زيد بن نزار، وأبو عبد الله بن الصيقل المرسى، وأبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن سمعان، وأبو الوليد بن خبرة.
تواليفه
من تواليفه: النكت والأمالي في الرد على الغزالي، والإيضاح والبيان في الكلام على القرآن، والوصول إلى معرفة الله ونبوة الرسول ورسالة الاقتصار على مذاهب الأيمة الأخيار، ورسالة البيان في حقيقة الإيمان، والرد على أبي الوليد بن رشد في مسألة الاستواء الواقعة له في الجزء الأول من مقدماته، وشرح مشكل ما وقع في الموطإ وصحيح البخاري، وقد كان شرع في تصنيفه عام ثماينية عشر وستماية في شوال منه، وبلغ في الكلام فيه إلى النكتة الرابعة والخمسين، وقطعت به قواطع المرض، وشرع في معالجة العين لرؤيا رىها، يقال له ألفت في نور البصيرة، فألف في نور البصر تنفع وتنتفع، فأقبل على تأليفه في مداواة العين، وهو كتاب جم الإفادة، ثم أكمل النكت.
شعره
وكان له حظ من قرض الشعر، فمن ذلك مامدح به إمام الحرمين أبا المعالي الجوينى:
حب حبر يكنى أبا المعالي ... هو ديني ففيه لاتعذلوني
أناوالله مغرم في هواه ... عللوني بذكره عللوني
مولده: ولد يوم الثلاثاء لإثنى عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر سنة سبع وخمسين وخمسماية.
الشريشى
محمد بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله الخولاني غرناطى يكنى أبا عبد الله ويعرف بالشريشى
حاله

(1/403)


من أهل التصاون والحشمة والوقار، معرق في بيت الخيرية والعفة، وكان والده صاحبنا رحمه الله، آية في الدؤوب والصبر على انتساخ الدواوين العلمية والأجزاء، بحيث لامظنة معرفة أو حجرة طلب تخلو عن شيء من خطه إلا مايقل، على سكون وعدالة وانقباض وصبر وقناعة.
وأكتب للصبيان في بعض أطواره. ونشأ ابنه المذكور، ظاهر النبل والخصوصية مشاركا في فنون، من عربية وأدب وحساب وفريضة، وتصر في الشهادة المخزنية برهة، ثم نزع عنها انقياداص لداعي النزاهة، وهو الآن بحاله الموصوفة.
شعره
وشعره من نمط الإجادة، فمن ذلك قوله:
بي شادن أهيف مهمى انثنى ... يحكى تثنيه القضيب الرطيب
ذو غرة كالبدر قد أطلعت ... فوق قضيب نابت في كثيب
خضت حشا الظلماء من حبه ... أختلس الوصل حذار الرقيب
فبت وللوصل لنا ثالث ... يضمنا ثوب عفاف قشيب
حتى إذا ما الليل ولى وقد ... مالت نجوم الأفق نحو الغروب
ودعته والقلب ذو لوعة ... أسيل من ماء جفوني غروب
فلست أدري حين أودعته ... قلب بأضلاعي غدا أم قليب
ومن ذلك في النسيب:
يا أجمل الناس ويا من غدت ... غرته تمحو سنا الشمس
أنعم على عبدك يا مالكي ... دون اشتراء ومني نفسى
بأن ترى وسطى لعقدى وأن ... تعيد ربعى كامل الأنس
وإن تكن ترجعني خايبا ... فإنني أدرج في رمس
وقال في فضل العلم:
يا طالب العلم اجتهد إنه ... خير من التالد والطارف
فالعلم يذكو قدر إنفاقه ... والمال إذا أنفقته تالف
وتراقى إلى هذا العهد بإشارتي إلى إلى لا فوقها من تعليم ولد السلطان، والرياسة القرآنية بباب الإمارة، والإمامة بالمسجد الجامع من القلعة حميد الطريقة في ذلك كله، معروف الحق، تولاه الله.
مولده: عام ثمانية عشر وسبعماية.
محمد بن محمد بن علي بن سودة
المرى
يكنى أبا القاسم
أوليته
من نبهاء بيوتات الأندلس وأعيانها، سكن سلفه البشارة، بشارة بني حسان، وولى جده الأشغال، حميد السيرة، معروف الإدانة.
حاله
هذا الفتى من اهل الخصوصية والسكون والحياء، المانع عن كثير من الأغراض. مال إلى العلوم العقلية، فاستظهر على المماسة في بعض أغراضها بالدؤوب والعكوف، والمورين تأثير حبل الركية في جحرها، فتصدر للعلاج، وعانى الشعر، وأرسم في الكتابة، وعد من الفضلاء، وظهرت على عباراته اصطلاحات الحكماء، وتشوف إلى العهد للرحلة الحجازية، والله ييسر قصده.
مشيخته
قرأ الطب والتعديل على الحبر طبيب الدار السلطانية، فارس ذينك الفنين، إبراهيم بن زرزار اليهودى، ورحل إلى العدوة، فقرأ على الشريف العالم الشهير، رحلة الوقت في المغرب، أبي عبد الله العلوى، وبلقيايه نجح.
شعره
أنشد السلطان قوله:
جاد الحمى صوب الغمام هتونه ... تزجى البروق سحابه فتعينه
وسقى ديار العامرية بعدما ... وافى بجرعا الكثيب معينه
يندى بأفنان الأراك كأنه ... عقد تناثر بالعقيق ثمينه
ومحى الكثيب سكوبه فكأنه ... خط تطلس ميمه أو نونه
حتى إذا الأرواح هبت بالضحا ... مسحت عليه بالجناح تبينه
وكأنه والرعد يحدو خلفه ... صب يطول إلى اللقاء حنينه
أوسح دمعي فوق أكناف اللوى ... جادت بلؤلؤة النفيس عيونه
والبرق في حلل السحاب كأنه ... مكنون سر قد أذيع مضمونه
أو ثوب ضافية الملابس كاعب ... عمدت بحاشية النضار تزينه
هن الديار برامة لا دهرها ... سلس القياد ولا العتاب يلينه
ولقد وقفت برسمها فكأنني ... من ناحل الأطلال فيه أكونه
قلبي بذاك اللوى خلفته ... ألوى بمزدلف الرفاق ظعينه
لا تسل العذال عني فالهوى ... ذا يخامر بالضلوع دفينه
إن يخف عن شرحى حديث زميرتي ... فعلى الفنون فريضة تبينيه

(1/404)


عجبا لدمعي لا يكف كأنما ... جدوى أبي عبد الاله هتونه
محي المكارم بعد ما أودى بها ... زمن تقلب بالكرام خؤونه
مولى الملوك عميد كل فضيلة ... علق الزمان ثمينه ومكينه
يضفى إلى داعي الندى فيهزه ... وبملتقى الجمعين طال سكونه
من ذا يسابق فضله لوجوده ... ويلج فيض البحر فاض يمينه
إن تلقه تلق الجمال وقاره ... والحلم طبع والسماحة دينه
غمر الأنام نواله ومحا الضلال رشاده وجلا الظلام جبينه
أحيا رسوم الدين وهي دوارس ... ولطالما صدع الشكوك يقينه
شمس الهدى حتف العدا محي الندا بحر الجدا طول المدى تمكينه
ليث الشرى غوث الورى قمر السرى سن القرى عم القرى تأمينه
فلبأسه يوم الوغى ولعزمه ... جاش الهزبر إذا الهزبر يخونه
لا تسل الهيجاء عنه إنه ... يصل المراد كما تحب ظنونه
لو كان يشغله المنام عن العلا ... هجر المنام وباعدته جفونه
وإذا تطاولت الملوك بماجد ... بمحمد دون الأنام يكونه
يا بن الألي نصروا الرسول ومن بهم نطق الكتاب فصيحه ومبينه
خصوا ببيعته وحاموا دونه ... نهج الرضا حتى تقاوم دينه
أمعاضد الإسلام أنت عميده ... وخليفة الرحمن أنت أمينه
لم يبق إلا من بسيفك طايع ... وألفنش في أقصى البلاد رهينه
وبجيشك المنصور لو لاقيته ... أدرى بمشتجر الرماح طعينه
ولو اصطنعت إلى العدو إدالة ... طاعت إليك بلاده وحصونه
خذها إليك قصيدة من شاعر ... حلو الكلام مهذب تبيينه
جعل القوافي للمعالي سلما ... فجنى القريض كما اقتضته فنونه
غطى هواه عقله واقتاده ... يحصى النجوم جهالة تزيينه
ولو أخذته أيدي التحرير والنقد، لرجى أن يكون شاعرا، وبالجملة فالرجل معدود من السراة بيتا وتخصصا.
محمد بن عبد العزيز بن سالم بن خلف القيسي
منكبي الأصل يكنى أبا عبد الله، طبيب الدار السلطانية.
حاله
من عايد الصلة: كان رحمه الله فذا في الانطباع واللوذعية، حين المشاركة في الطب، مليح المحاضرة، حفظة، طلعة، مستحضرا للأدب، ذاكرا لصناعة الطب، أخذها عن إمام وقته، أبي جعفر الكزني، وانتصب للعلاج، ثم انتقل إلى الخدمة بصناعته بالباب السلطاني، وولى الحسبة، ومن شعره يخاطب السلطان على ألسنة أصحابنا الأطباء الذين جمعتهم الخدمة ببابه يومئذ، وهم أبو الأصبغ بن سعادة، وأبو تمام غالب الشقورى:
قد جمعنا ببابكم سطر علم ... لبلوغ المنى ونيل الإرادة
ومن أسمائنا لكن حسن فال ... غالب ثم سالم وسعادة
توفي في شهر رجب من عام سبعة عشر وسبعماية.
محمد بن عبد الله بن أبي زمنين
من أهل إلبيرة، يكنى أبا عبد الله
حاله
من الملاحى: قال ولى الأحكام، وكان فقيها نبيها.
وفاته: توفي بغرناطة في عشر الستين وأربعمائة قلت، قد تقدم اعتذاري عن إثبات مثله في هذا المختصر، فلينظر هناك إن شاء الله.
بن أبي زمنين عدنان المرى
محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد بان إبراهيم بن محمد بن أبي زمنين عدنان بن بشير بن كثير المرى
حاله

(1/405)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية