صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : فتوح الشام
المؤلف : الواقدي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

قال الواقدي: وساروا إلى أن وصلوا إلى أرض طيبة كثيرة المياه قليلة الشجر فنزلوا فيها ثم إنهم ساروا فلم يروا أحدا لأن الروم كانوا قد نزحوا عن البلاد لحذرهم من المسلمين. فلما كان في اليوم الخامس ونحن سائرون إذ لاحت لنا قرية فقصدها المسلمون... وإذا هي خالية بل سمعوا أصوات الديوك والغنم فدخلوها فلم يجدوا عندها مانعا ولا دافعا فعرفنا أنهم تواروا عنا فصاح ميسرة، وقال: خذوا حذركم. فإن القوم قد انهزموا. فدخل الناس إلى القرية فأخذوا ما كان فيها من طعام وأثاث ومتاع. قال سعيد بن عامر: فرأيت أبا الهول، وهو يحمل على عاتقه ثلاثة أكسية وقطعتين. قال: فقلت له: يا أبا الهول ما هذا؟ فقال: أستعد به لبرد هذه البلاد الخبيثة فما أنساها أبدا. قال: وأخذوا ما كان في القرية من طعام وعلوفة وساروا إلى أن وصلوا إلى مرج يقال له مرج القبائل، وهو مرج واسع، فانبعث الخيل فيه يمينا وشمالا ونزل الجيش هناك، وميسرة يراود نفسه في الرجوع إلى حلب، وذلك أن أبا عبيدة كان قد أمره أن لا يبطئ عنه، وأن يكون حذرا، فبينما هو كذلك والخيل منبثة والناس آمنون من عدو، يدهمه، إذ أقبل بعض الخيالة ومعه علج يقوده، فلما وصل إلى ميسرة، قال له: ما شأن هذا ومن أين أخذته. فقال: اعلم أيها الأمير أني سبقت أصحابي فرأيت شخصا يلوح مرة ويختفي مرة فأسرعت إليه. فإذا هو هذا فأتيته وسقته إليك. قال: فتقدم إلية رجل من المعاهدين فسأله فحدثه فأطال معه الكلام والناس سكوت، فلما أطال، قال ميسرة: ويلك ما الذي يقول هذا العلج.
فقال: أيها الأمير إنه يقول: إن الملك هرقل لما ركب البحر وخرج من أنطاكية ووصل إلى قسطنطينية قصدته الروح من كل مكان من المنهزمين وغيرهم، وبلغه أن أنطاكية قد فتحت صلحا وأنه قتل من كان فيها من المقاتلة فصعب عليه وبكى ثم قال: السلام عليك يا أرض سوريا إلى يوم اللقاء، وقد تجمع عنده من البطارقة والحجاب وغيرهم خلق كثير، فقال لهم: إني أخاف من العرب أن ترسل في طلبنا. ثم إنه جهز ثلاثين ألفا مع ثلاثة بطارقة وأمرهم أن يحفظوا له الدروب. فقال له ميسرة: قل له كم بيننا وبينهم. قال: يقول لكم: فرسخان. قال: فلما سمع ذلك ميسرة أطرق إلى الأرض لا يرد جوابا ولا يبدي خطابا. فقال له رجل من آل سهم يقال له عبد لله بن حذافة السهمي، وكان من أبطال الموحدين وشجعانهم، وكان له عمود من حديد، وكان يقاتل به لا يقله في الحرب سواه وكان ذميم الخلقة، فقال لميسرة بن مسروق: ما لي أراك أيها الأمير مطرقا إلى الأرض إطراق الحصان لصلصلة اللجام والرجل منا يقابل ألفا من الروم.

(1/257)


فقال: والله يا عبد الله ما أطرقت خوفا ولا جزعا، ولكن خوفا على المسلمين أن يصابوا تحت رايتي وهي أول راية دخلت الدروب فيلومني عمر بن الخطاب، وكل راع مسؤول عن رعيته. فقال المسلمون: والله ما نبالي بالموت ولا نفكر في الفوت لأننا قد بعنا أنفسنا بجنة ربنا ومن يعلم أنه ينقل من دار الفناء إلى دار البقاء فلا يبالي بما وصل إليه من الكفار، ثم إنه قال: أيها الناس أترون أن نلقاهم في موضعنا هذا أو نسير إليهم؟ فسألوا المعاهد، وقالوا: إن كان موضعهم أفسح من هذا رحنا إليهم. فقال: ليس من هذه البلاد بعد عمورية أفسح من هذا المكان، فإن عولتم على لقائهم فاثبتوا مكانكم، وإن عدتم إلى ورائكم كان خيرا لكم من قبل أن يشرف عليكم عدوكم. قال: فعرض ميسرة على العلج الإسلام فأبى، فضرب عنقه فبينما هم على ذلك إذ أشرفت عليهم الروم فنزلوا بإزائهم وكانوا كالجراد المنتشر. وكان قد مضى النهار فأضرمت النيران. فلما أصبح الصبح صلى ميسرة بالناس صلاة الفجر، فلما فرغ قام في الناس خطيبا، فقال: أيها الناس هذا يوم له ما بعده، وإن رايتكم هذه أول راية دخلت الدروب. واعلموا أن إخوانكم مطاولون لفعلكم، واعلموا أن الدنيا دار ممر والآخرة دار مقر واسمعوا ما قال نبينا صلى الله عليه وسلم: " الجنة تحت ظلال السيوف " ولا تنظروا إلى قلتكم وكثرة أعدائكم، فقد قال تعالى: " كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين " البقرة: 249،. فقال المسلمون: اركب بنا يا ميسرة على بركة الله والقهم بنا، وإنا لنرجو من الله النصر عليهم. قال: فاستبشر بقولهم وركبوا وانفصلت العبيد من العرب ووقفوا تحت راية أبي الهول وأخذوا على أنفسهم قتال عدوهم واستنصروا بربهم، وهو يوصيهم، وجعل على الميمنة عبد الله بن حذافة السهمي وعلى الميسرة سعد بن أبي سعيد الحنفي وقدم العبيد مع أبي الهول فلم ينطق بكلمة وركب جيش الروم ومدوا صفوفهم ثلاثة صفوف كل صف عشرة آلاف وأمامهم الصلبان وهم في عددهم وعديدهم، فلما استوت الصفوف خرج رجل من الروم من المتنصرة وقرب من المسلمين، وقال: إن الباغي بغيه يرديه، أما كفاكم ما ملكتموه من الشام العظيم حتى اقتحمتم هذه الجبال. وإنما ساقتكم الآجال وهنا ثلاثون ألف عنان، وقد حلفوا بالصلبان أن كلا منهم لا ينهزم وإن وقع ميتا، فإن أردتم أن نبقي عليكم فاستسلموا للأسر حتى يحكم الملك هرقل فيكم بما يريد. فخرج أبو الهول والراية بيده، وقال له: صدقت في قولك إن الباغي يرديه بغيه. وأما قولك: إنا نلقي إليكم بأيدينا لتبقوا علينا فأنت إذا باغ بقولك هذا إذ نطقت بغير تجربة منكم وها أنا عبد من عبيد العرب لا قدر لي ولا قيمة عند ذوي الرتب فاقرب مني حتى أجندلك صريعا تخور في دمك، ثم إن دامسا همز حصانه إليه وطعنه فأرداه عن فرسه قتيلا. ثم جال على فلوه وهز رايته، وقال: الله أكبر فتح الله ونصر وجاءنا بالظفر. ونظرت الروم إلى أبي الهول، وقد قتل صاحبهم وكان من شجعانهم، فغضبوا لذلك فخرج إليه آخر فما تركه يقرب منه حتى طعنه في نحره فأخرج السنان من ظهره. ونظر الروم إلى ذلك، فقالوا: هذا عبد من عبيد العرب قد فعل ما ترون. قال: فلم يجسر أحد أن يخرج إليه فأغار عليهم وقتل من القلب واحدا ورجع. قال: فحمل عليه صف من الصفوف وهم عشرة آلاف ودهموه بالخيل فحملت العبيد وحملت المسلمون والتقى الجمعان. قال ميسرة: فلله در العبيد لقد أبلوا بلاء حسنا واستنقذوا أبا الهول من عين الهلاك وهم يقولون: نحن عبيد لعباد الله وضربنا مثل الحريق في سبيل الله ونقتل من كفر بالله، قال: ولم يزل الحرب بينهم حتى قامت الشمس في قبة الفلك وحمي عليهم الحر وافترق الجمعان. قال: وإن المسلمين موقنون بالظفر والنصر، والمشركون قد أيقنوا بالهلاك، وقد قتل منهم خلق كثير وأسر من الروم تسعمائة وقتل منهم زهاء من ألف. فلما انفصل الجمعان افتقد المسلمون أبا الهول فلم يجدوه، فقال ميسرة: إن كان أبي الهول قد قتل أو أسر فقد أصبنا به وإلى الله تعالى أشكو ما أصبنا من فقد أبي الهول، وأسر من المسلمين عشرة. ثم إن ميسرة قال: من فيكم يكشف لنا خبرهم. وإذا بالروم قد عادوا للقتال وحملوا بأجمعهم فقاتلوا قتالا شديدا فكان الرجل من المسلمين يجتمع عليه العشرة والعشرون والخمسون إلى أن يقتلوه أو يأسروه

(1/258)


وكانت العرب في أربعة آلاف والروم في ثلاثين ألفا، فعظم بينهم الحرب وهاج الطعن والضرب، فلله در ميسرة بن مسروق العبسي، لقد جاهد في الله حق جهاده وهو مع ذلك ينادي: أيها الناس اذكروا الدار الآخرة واعلموا أنها أقرب لأحدكم من رجوعه لأهله فاستقبلوها استقبال الوالدة لولدها ولا تولوا الأدبار عنها، فإن أصاب القوم منا فإني أخشى أن ذلك وهن بنا. ثم إنه نادى: حطموا أجفرة سيوفكم فذلك طريق النجاة. العرب في أربعة آلاف والروم في ثلاثين ألفا، فعظم بينهم الحرب وهاج الطعن والضرب، فلله در ميسرة بن مسروق العبسي، لقد جاهد في الله حق جهاده وهو مع ذلك ينادي: أيها الناس اذكروا الدار الآخرة واعلموا أنها أقرب لأحدكم من رجوعه لأهله فاستقبلوها استقبال الوالدة لولدها ولا تولوا الأدبار عنها، فإن أصاب القوم منا فإني أخشى أن ذلك وهن بنا. ثم إنه نادى: حطموا أجفرة سيوفكم فذلك طريق النجاة.
قال زيد بن وهب: فلم يبق أحد من المسلمين حتى رمى بجفير سيفه، فلما رأت الروم ذلك فعلوا مثلنا ورمى كل منهم بجفير سيفه. وسميت تلك الواقعة باسمين: وقعة مرج القبائل ووقعة الحطمة، لأجل حطم أغمدة السيوف. قال: واقتتلوا حتى أن الرجل يقول إن سيفه ما بقي يقطع، والمسلمون يبتهلون إلى الله والكفار تعبئ بكلمة كفرهم. قال: وإن المسلمين يطلبون الفرج من الله، والسودان تقاتل قتال الموت، وكان شعار العرب في ذلك اليوم النصر النصر، وشعار السودان يا محمد يا محمد. قال ابن ثابت: وكنت قد أخذني القلق على المسلمين، ونحن في ركب عظيم إذ سمعت في الروم ضجة هائلة وإذا بهم يقاتلون أناسا من ورائهم وهم في وسط عسكرهم والزعقات منهم قد علت وسمعت قائلا يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله. فقلت: هذه أصوات الملائكة فاتبعت الصوت، فإذا هو صوت دامس أبي الهول، وهو بارك تحت حجفته ومعه العشرة المأسورين وهم يقاتلون معه ويحمون بعضهم إلى أن خلصوا من بينهم، وسمعته يقول هذه الأبيات:
يوثقني الأعداء في الحديد ... وناصري وسيدي المبيد
مهلك عاد وبني ثمود ... أغاثني بعونه الشديد
محمد الطاهر الرشيد ... فحل عني القيد والحديد
ذاك رسول الملك المجيد ... صلى عليه الناصر الحميد
قال: فحملت المسلمون وكشفوا عنهم فخرجوا وكأنهم قد غرقوا في بحر دم، ووالله ما قتل من المسلمين أكثر من خمسين رجلا بواحد أو باثنين، وقتل من المشركين نيف عن ثلاثة آلاف غير ما قتله أبو الهول وأصحابه في وسط عسكر الكفر. فلما نظر ميسرة إلى دامس أراد أن يترجل إليه فأقسم عليه أن لا يفعل وافترق الجيشان فضم ميسرة دامس إلى صدره وقبله بين عينيه وقال له: كيف كان أمركم؟ قال: اعلم أيها الأمير أن الروم كانوا قد تكاثروا على فرسي فقتلوه ووقعت فأخذوني أسيرا وجعلوني في الحديد وفعلوا بأصحابي مثلي وقد أيسنا من أنفسنا، فلما جن الليل رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: " لا بأس عليك يا دامس اعلم أن منزلتي عند الله عظيمة ثم إنه أمر يده الكريمة على الحديد فسقط مني وفعل ذلك مع أصحابي وقال لنا: " أبشروا بنصر الله فأنا نبيكم محمد رسول الله " . وقال لي: " أقرئ عني ميسرة السلام وقل له جزاك الله خيرا " ، ثم غاب عني فانتبهت فوجدت الموكلين بنا نياما مما لحقهم من التعت وقد رموا سلاحهم فأخذنا سيوفهم وطوارقهم وقتلناهم وحملنا فيهم ونصرنا الله عليهم ببركة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتلنا منهم من قتلنا وخرجنا من بينهم سالمين وهذا حديثنا. قال: فضج المسلمون بالتهليل والتكبير والصلاة على البشير النذير.
النجدة

(1/259)


قال الواقدي: ثم إن بطريق الروم كان أسمه جارس، فلما رأى ما قد حل بأصحابه قال: وحق المسيح خاب ملك أنتم حماته، فإن لم تقاتلوا بعزم وشدة وإلا قتلتكم، قال: فتحالفوا أن لا ينهزموا أو يقتلوا على آخرهم، فلما وثق منهم أمر أن تضرم النيران على شواهق الجبال وأمر أن ينفذ النفير إلى البلاد بأسرها، قال: فأتت إليه الروم من كل جانب فأتى إليه عشرون ألفا، ولكن المسلمين لم يكترثوا بذلك، فلما كان الغد صلى ميسرة بالمسلمين صلاة الخوف وهو أول من صلاها داخل الدروب وأول راية دخلت، كانت رايته فلما فرغ من صلاته قام في الناس خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه وقال: أيها الناس اثبتوا لما نزل بكم فالصبر عند نزول المصائب، وهذه رحمة من الله لنا إذ نحن في صدور الأعداء وقد دارت بنا هذه الجيوش، ونحن لا نقاتل إلا بنصر الله لنا وأن الأمير أبا عبيدة كان قد أمرني أن لا أبعد بكم عنهم ولنا منهم الآن سبعة أيام وما يظن أبو عبيدة أننا نلاقي جيشا.
فقال له سعيد بن زيد: يا ميسرة ما الذي تريد بهذا الكلام؟ إن أنت تريد أنك تحرضنا فنحن أشوق إلى لقاء الله من الظمآن إلى الماء البارد. فقال ميسرة: ما أردت بذلك إلا مشورتكم، وقد رأيت أن ننفذ إلى أمير المسلمين رجلا نعلمه بما قد بلينا به وأن مدد القوم يزيد فلعله ينجدنا بإخواننا. فقال سعيد: نعم ما قد أشرت به. فدعا برجل من الأربعة المعاهدين ووعده بكل خير وأمره أن يأخذ معه آخر وأن يسير إلى أبي عبيدة ويعلمه أن نفير القوم قد لحقنا من الحصون والقرى وسائر البلاد، وقد نزلوا بإزائنا وأن يحدثه بما قد رأى. قال: فسار المعاهد والرجل إلى حلب وأجهدا نفسيهما في السير في طرق يعرفانها إلى أن وصلا جيش المسلمين فسقطا كأنهما البغال الهرمة من شدة السير والتعب. فأمروا أن يرشق عليهما الماء، فلما أفاقا قال لهما: ما وراءكما أهلكت الكتيبة. قالا: لا والله ولكن نفر عليهم العدو من كل مكان... وأخبراه بما كان من الحرب والقتال وكيف حطموا أجفرة سيوفهم وكيف أسر أبو الهول وكيف خلص وما هم فيه. فقلق أبو عبيدة عند ذلك وقام مسرعا وأتى قبة خالد بن الوليد فوجده يصلح درعه، فلما رآه قام إليه قائما وقال له: خيرا أيها الأمير فأخذ بيده وسار به إلى أن أتى رحله وقال للرجلين: قوما فحدثا الأمير بما عاينتما فحدثاه بما كان من أمر المسلمين. فقال خالد: إن الله سبحانه وتعالى منذ نصرنا ما خذلنا فلله الحمد على ذلك وقد أمرنا بالصبر على الشدائد فقال عز من قال: " يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا " آل عمران: 200، وقال: " إن الله مع الصابرين " البقرة: 153. وأما خالد فقال: أحبس على الجهاد في سبيل الله ولا أبخل على الله ورسوله فلعل الله أن ينجيني من النار ويرزقني الشهادة.
ثم أسرع إلى خيمته ولبس لامته وقلنسوته المباركة وركب جواده فوقع النفير في الناس. قال: فأقبلوا من كل جانب فلولا أن منعهم أبو عبيدة كانوا ساروا بأجمعهم. فانتخب منهم ثلاثة آلاف فارس وأردفهم بألفين آخرين. أخبرنا أحمد بن هشام عن عياض عمن حدثه قال: لما سار خالد بالجيش لمعونة ميسرة بن مسروق ومن معه، رفع خالد يديه إلى السماء وقال: اللهم اجعل لنا إليهم سبيلا واطو لنا بالبعيد ويسر لنا كل صعب شديد. وسار نحو الدروب. قال: وأما ميسرة ومن معه فإنهم دارت بهم الروم من كل جانب وهم يقاتلون في كل يوم أشد القتال إلى أن يقبل الظلام فيفترقون، وفي كل يوم يزيد عددهم وملاهم وقد لحق المسلمون من التعب والجراح ما لحقهم ولكن من غير فشل، وكأنهم قوم قد حجب عنهم الموت بإذن الله تعالى.

(1/260)


قال الواقدي: حدثنا عمر بن راشد عن الزبيدي قال: لما سار خالد ليلحق ميسرة وينجده إلى داخل الدروب سجد أبو عبيدة سجدة أطال فيها، وقال: اللهم إني أسألك بمن جعلت اسمه مع اسمك وعرفت فضله لأنبيائك ورسلك إلا طويت لهم البعيد وسهلت لهم كل صعب شديد وألحقتهم بأصحابهم يا قريب يا مجيب. قال: وميسرة ومن معه منتظرون من الله فرجا يأتيهم ونصرا ينزل عليهم. قال عبد الله بن الوليد الأنصاري: حدثني ثابت بن عجلان عن سليمان بن عامر الأنصاري قال: كنت مع ميسرة في وقعة مرج القبائل ويوم حطمنا أغمدة السيوف والروم تقبل من كل جانب ومكان إلى المسلمين ونحن نباكر القتال ونروح رواحا. قال سليمان بن عامر: فخرج يوما من الأيام بطريق من الروم قد لبس درعين وعليه سواعد من الحديد وعلى رأسه بيضة تلمع فوقها صليب من الجوهر وبيده عمود من الحديد كأنه ذراع بعير فجال بين الصفوف وطلب البراز وكان أحد الثلاثة المقدمين على الثلاثين ألفا. قال: فجعل يدعو إلى البراز ويطمطم، فقال ميسرة للترجمان: ما يقول هذا الأغلف.
قال: إنه يذكر أنه فارس شديد ويصلب شجعانكم وأبطالكم. فقال ميسرة: من يبرز إليه؟ فأسرع إليه رجل من المسلمين من قبيلة النخع وعليه درع من دروع الروم وثياب من ثيابهم. فقلنا: إنه من المتنصرة وقد عاد إلى الإسلام. فجعل العلج يتكلم وهو يظن أنه يفهم كلامه، فلما رآه لا يبرز إليه حمل عليه وضربه بعموده فزاع النخعي عنها وعطلها عليه فوقع العمود على رأس جواده فصرع الجواد براكبه، وسار النخعي على قدميه فناداه ميسرة: يا أخا النخع ارجع، فرجم القهقرى والعلج يطلبه والنخعي راجل والعلج فارس، فسار إليه عبد الله بن حذافة السهمي وصاح بالعلج فأدهشه، فالتفت إليه وسار النخعي إلى أن وصل عسكر المسلمين وحمل عبد الله بن حذافة على العلج وحمل العلج عليه وصعب بينهما المجال وصار عبد الله كلما ضرب العلج لا يقطع فيه شيئا والعلج كلما ضرب عبد الله يأخذها بحجفته فتوهن ساعده من ثقل العمود وطال بينهما القتال والتقيا بضربتين فبادر عبد الله بالضربة تحت لحيته فطلب بها نحره فلحق رأس سيفه رقبة العلج فطار رأسه عن بدنه وأراد أن يرجع إلى عسكر الروم فأخذه عبد الله ونزل إليه وأخذ سلبه ورجع إلى المسلمين فعظم ذلك على الروم وكان عندهم معظما وعند الملك، قال: فبرز بطريق آخر وقال: هذا صاحب الملك قد قتل ولا بد لي من ثأره من الذي قتله إما بقتله أو أسره وأبعث به إلى الملك يصنع به ما يريد. ثم أنه أتى البطريق المقتول ورأسه طائح عن بدنه فبكى عليه وقال بلسان فصيح: معشر العرب لا شك أن الله سيهلككم ببغيكم علينا وفعالكم بنا فليبرز إلي قاتل هذا البطريق حتى آخذ منه بثأره.
فلما برز عبد الله بن حذافة هم بالخروج فمنعه ميسرة شفقة عليه لأجل راحته. فإنه تعب وأراد أن يلقاه بنفسه. فقال عبد الله: يدعوني أيها الأمير باسمي وأتخلف، إنني إذا لعاجز. فقال له ميسرة إنني أشفق عليك. فقال عبد الله: أتشفق علي من تعب الدنيا ولا تشفق علي من حر النار وعيس عاش فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يبرز إليه غيري. ثم برز إليه وتحته فرس المقتول وما عليه من لامته شيئا وبيده سيفه وحجفته، فلما التقيا ورأى البطريق فرس صاحبه علم أنه قاتله فلما أمهله حتى نفر إليه وحمل عليه عبد الله كأنه جبل قد أنهد من علو وتشبث به وجذبه فأخذه أسيرا وهب به إلى قومه وقال: أوثقوه بالحديد واحملوه على خيل البريد واذهبوا به إلى الملك في هذه الساعة قال: ففعلوا ذلك وساروا به ورجع البطريق إلى الميدان وهو يفتخر بما صنع فأراده ثلاثة من المسلمين كل منهم يريد أن يخرج إليه فقال ميسرة: ما يخرج لهذا اللعين غيري واستدعى سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وسلم الراية إليه، وقال له: كن للراية حافظا حتى أخرج إلى هذا اللعين، فإن عدت أخذتها. وإن قتلني فأجري على الله. فأخذ سعيد الراية وخرج ميسرة إلى البطريق، وهو يقول:
قد علم المهيمن الجبار ... بأن قلبي قد كوي بالنار
على الفتى القائم بالأسحار ... سيعلم العلج أخو الأشرار
أني منه آخذ بالثأر

(1/261)


قال: وحمل عليه وتجاولا طويلا وعظم الأمر بينهما وتدانيا وتقاربا وتباعدا وغابا عن الأبصار تحت الغبار وكل فرقة تنظر إلى صاحبها وتدعو له، ثم انكشفا وهما للتفرق أقرب منهما للتقارب فقال العلج لميسرة: بحق دينك ما هذه الراية التي طلعت من وراء عسكركم فلم يلتفت إلى كلامه بل قال له: " وما ذلك على الله بعزيز " إبراهيم 20، فقال وحق ديني ما قلت إلا حقا. قال وهو يحلف كاذبا. فالتفت ميسرة لحرصه أن يأتي الله بالفرج وينظر تحقيق ما قاله اللعين فحمل البطريق عليه ومكن يده منه ليأخذه أسيرا، وإذا قد طلعت راية خالد بن الوليد وهي مشرقة بالنور وهي في يد خالد بن الوليد. وكبر المسلمون تكبيرة واحدة فمن عظم تكبيرهم ارتجت يد العلج عن ميسرة وهم أن يقلعه فلم يقدر لأنه كان مرفلا في السرج، فجعل يجذبه فلم يقدر وقرب خالد منهم فرفع سيفه يريد أن يضرب به ميسرة ليطلقه من يده فحاد السيف عن ميسرة ووقع على يد العلج الشمال فقطعها وانتخع ميسرة وانثنى البطريق على أصحابه ويده مقطوعة وهو يئن فالتقى به غلمانه فأخذوه وكووه، وأما خالد فإنه التقى بميسرة وتسالما وحدثه بما وقع له من الروم وكيف أسروا عبد الله بن حذافة السهمي فتأسف خالد واسترجع وقال يؤسر مثل عبد الله بن حذافة والله لا يفارقهم خالد أو يخلصه إن شاء الله تعالى. وأقام خالد بقية ذلك اليوم، فلما كان من الغد أتاهم من جيش الروم شيخ وعليه مسوح السواد حتى وقف بإزائهم وأومأ بالسجود فمنعه خالد، وقال: ما الذي تريد؟ قال: إن كبير هؤلاء القوم يريد صلحكم ويطلق أسيركم ويدفع ما تريدون وترجعون. فقال خالد: ما نرجع إلا على انفصال، وأما الأسير فإذا لم تطلقوه طوعا أطلقتموه كرها. قال: أنت أمير هؤلاء؟ قال: نعم. قال: وإن رأيت أن تؤخر القتال بقية يومنا هذا وليلتنا فافعل لندبر ما بيننا وبينكم ويبرد وجع هذا البطريق ونجيبكم إلى ما تريدون. قال له: أجبناكم إلى ذلك. فرجع الشيخ إلى قومه، وقال البطريق: قد أجابوا ووضعت الحرب أوزارها ونزل خالد والمسلمون بإزائهم في أماكنهم وأضرم الروم النيران وزادوا فيها وحملوا أثقالهم وساروا من أول الليل، فلما كان الغد ركب المسلمون فلم يجدوا للروم أثرا فعلموا أنهم قد ولوا الأدبار. فتأسف خالد على ما فاته فأراد أن يتبعهم فمنعه ميسرة، وقال له: إنها بلادهم وهي وعرة وإن الصواب رجوعنا إلى عسكر المسلمين. قال: فأخذوا ما تركه الروم ورجعوا منصورين ولكنهم حزينون على أسر عبد الله بن حذافة السهمي وساروا حتى أتوا حلب فلقيهم أبو عبيدة وفرح بسلامتهم وأقبل ميسرة يحدثه بما جرى لهم وكيف أسر عبد الله بن حذافة، فتأسف عليه، وقال: اللهم اجعل له من أمره فرجا ومخرجا. وكتب إلى عمر بن الخطاب يخبره بما وقع له من أمر السرية إلى الدروب وما كان من المسلمين وأخبره بأسر عبد الله بن حذافة وبعث الكتاب.
كتاب عمر
فلما وصل الكتاب إلى عمر بن الخطاب فرح بسلامة المسلمين واغتنم على عبد الله بن حذافة وأسره لأنه كان يحبه حبا شديدا، فقال: وعيش رسول الله لأكتبن إلى هرقل بأن يرسل عبد الله بن حذافة، فان لم يفعل وإلا سرت إليه بالجيوش والعساكر. ثم إنه كتب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وصلى الله على نبيه محمد المؤيد، من عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين. أما بعد فإذا وصل إليك كتابي هذا فابعث إلي بالأسير الذي عندك وهو عبد الله بن حذافة. فإن فعلت ذلك رجوت لك الهداية، وإن أبيت بعثت إليك رجالا وأي رجال، رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، والسلام على من اتبع الهدى وخشي عواقب الردى. ثم إنه طوى الكتاب وبعث به إلى أبي عبيدة وأمره أن ينفذه إلى هرقل. فلما وصل الكتاب إلى هرقل، قال له: من أين كتابك هذا. قال: من أمير المؤمنين أمير العرب. فقرأه، فإذا هو من عند عمر بن الخطاب. قال: فدعا بعبد الله بن حذافة إليه. قال عبد الله بن حذافة: فدخلت عليه والتاج على رأسه والبطارقة حوله، فلما وقفت بين يديه، قال لي: من أنت.

(1/262)


قلت: رجل من المسلمين من قريش. قال: أنت من بيت نبيك. قلت: لا أنا من بني عمه. قال: هل لك أن تتبع ديننا وأزوجك ابنة بطريق من بطارقتي وأجعلك من أخصائي. فقلت: لا والله الذي لا إله إلا هو، لا فارقت دين الإسلام أبدا وما جاء به محمد عليه السلام. فقال: أجب إلى ديننا، وأنا أعطيك المال كذا وكذا، ومن الغلمان كذا وكذا، ومن الجواري كذا وكذا. قال عبد الله: ثم دعا بسفط من الجوهر وقال: إذا دخلت في ديني أعطيتك إياه. فقلت: لا والله لو أعطيتني ملكك وملك قومك ما فارقت دين الإسلام أبدا ولو أعطيتني كل ما تملكه. فقال: إذا لم ترجع إلى ديني قتلتك شر قتلة. فقلت: لست أفعل ولو قطعتني قطعا ولو أحرقتني بالنار لا رجعت عن ديني فاصنع ما أنت صانع. قال: فغضب من كلامي، وقال: اسجد لهذا الصليب سجدة وأخلي سبيلك فقلت: لست أفعل. قال: فكل من لحم الخنزير وأنا أطلقك. قلت: حاشى لله ما كنت بالذي أفعل. قال: فاشرب من هذا الخمر شربة واحدة وأطلقك. قلت: لا والله لا أشرب أبدا. قال: وحق ديني لتأكلن وتشربن قهرا. ثم أمر بي فجعلني في بيت، وجعل عندي من ذلك اللحم والخمر، وقال: إذا أضر به الجوع والظمأ أكل وشرب. وأغلقوا علي الأبواب.
قال: حدثنا عامر بن سهل عن يوسف بن عمران عن سفيان بمن خالد عمن يثق به أن هرقل كان قد مات بعد حريمته من أنطاكية بأيام قلائل مما دخل على قلبه من القهر ويقال إنه مات مسلما والذي فعل ذلك بعبد الله بن حذافة ولده نسطيوس وكانوا لقبوه باسم هرقل. قال: فلما كان في اليوم الرابع طلب عبد الله بن حذافة وقال للغلمان: ما فعل. قالوا: لم يأكل شيئا ولم يشرب وهو على حاله. فقال له وزيره: أيها الملك اعلم أن هذا الرجل شريف في قومه لا يرى الذل فكل ما تفعله في هذا الرجل تفعله المسلمون إذا قبضوا على ملك منا. قال: فاستدعاه، وقال له: ما فعلت باللحم. قال: هو على حاله. فقال: ما منعك أن تأكل. قال: فزعا من الله ورسوله، وأيضا أنه قد حل لي بعد ثلاثة أيام، ولكن ما أردت أن تشمت بي الملحدون. وورد كتاب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فلما قرأه أعطى عبد الله مالا كثيرا وثيابا وأعطاه لؤلؤا كثيرا هدية لعمر بن الخطاب وبعث معه خيلا إلى أن أخرجوه من الدروب ووصل إلى حلب ولقي المسلمين ففرحوا به. ثم إنه سار إلى عمر بن الخطاب، فلما رآه سجد لله شكرا وهنأه بالسلامة وحدثه بما كان من هرقل وأخرج له اللؤلؤ. فلما رآه عمر عرضه على التجار، فقالت التجار له: هذا ما يقوم ومن جاءك به. فقالت له الصحابة: خذه إليك بارك الله لك فيه فقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، إذا كنتم قد جعلتموني منه في حل فكيف أصنع بمن غاب من المسلمين ومن في بطون الأمهات وأصلاب الرجال من أولاد المهاجرين والأنصار والمجاهدين في سبيل الله، ولا طاقة لعمر بمطالبتهم يوم القيامة. ثم باعه وجعل ثمنه في بيت المال.
حدثنا عمر بن سالم عن عبد الله بن غانم عن أبي بكر بن عمر عن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله، قالوا جميعا: إنه لما فتح أبو عبيدة أنطاكية صلحا، وكان من أمر سرية ميسرة بن مسروق ما ذكرناه أقام أبو عبيدة بحلب ينتظر ما يأتي إليه من عمرو بن العاص لما مضى إلى قيسارية في خمسة آلاف من المسلمين فيهم عبادة بن الصامت وعمرو بن ربيعة وبلال بن حمامة وربيعة بن عامر.
فتح قيسارية الشام بساحل البحر

(1/263)


قال سبيع بن ضمرة الحراني: كنت مع عمرو بن العاص حين سار إلى قيسارية فدخلنا قرية من قرى الشام، وكان البرد شديدا ونظرنا إلى كرومها ونظرت إلى كرمة في دار من دور القرية وفيها عناقيد مدلاة أكبر ما يكون فأخذنا منها وأكلنا فبردنا ولحقنا البرد الشديد من شدة برد ذلك العنقود. فقلت: قبح الله هؤلاء الملاعين بلدهم بارد وعنبهم بارد وماؤهم بارد وأنا أخاف الهلاك من شدة برد بلادهم. قال: فسمعني رجل من أهل البلد فأراد أن يقرب إلي لأداعبه، فقال لي: يا أخا العرب إن كنت تجد البرد من العنب فاشرب من مائه. قال سبيع: ثم إنه دلنا على دن كبير فيه خمر فشربت أنا وجماعة من عرب اليمن فسكرنا فجعلنا نتمايل شكرا فأخبر بذلك عمرو بن العاص، فكتب إلى أبي عبيدة يعلمه بذلك فكتب إليه أبو عبيدة: أما بعد فمن شربها فحده عليها وأقم حدود الله كما أمر، ولا تخش لومة لائم، فلما وصل الكتاب إلى عمرو دعا بسبيع بن ضمرة وأصحابه فجلدهم بالسياط. قال سبيع: فلما ضربني عمرو وأوجعني. قلت: والله لأقتلن العلج الذي دلنا على الخمر حتى شربناها وأكلنا الحد، فأخذت سيفي ودخلت القرية أطلب العلج فلما رأيته ووقعت عيني عليه أردت قتله فولى هاربا فتبعته وهو يقول: ما ذنبي عندك. فقلت: أنت دللتني على ما يغضب الله حتى أكلت الضرب، فقال: والله ما علمت أنه محرم عليكم. قال: فناداني عبادة بن الصامت وقال: يا سبيع إياك أن تقتله فإنه تحت الذمة. قال. فتركته ومضى العلج وأتى إلي بتين وجوز وزبيب وقال: كل هذا بذاك فإنه يدفئك. قال: فأكلته فوجدته طيبا فقلت: لحاك الله أين هذا كان قبل أن أضرب بالسياط؟

(1/264)


قال الواقدي: ثم إن عمرا ارتحل فنزل بموضع يقال له محل وبلغ الخبر فلسطين بن هرقل، وكان قد أتاه المنهزمون من عسكر أبيه ولجؤوا إليه واكتمل جيشه في ثمانين ألفا، ثم إنه دعا برجل من المتنصرة وقال له: امض وأحزر لي عسكر العرب واكشف لي أخبارهم فوصل إليهم ولجأ إلى قوم من اليمن وهم يصطلون حول النار، فجلس بينهم يسمع حديثهم، فلما أراد القيام عثر في ذيله. فقال: باسم الصليب كلمة أجراها الله على لسانه، فلما سمعوا قوله علموا أنه متنصر جاسوس للروم فوثبوا إليه وقتلوه ووقع الصائح في العسكر فسمع عمرو الضجة. فقال: ما الخبر؟ قيل: إن قوما من اليمن وقعوا بجاسوس. من الروم فقتلوه. قال: فغضب عمرو وطلبهم، وقال: ما حملكم على قتل الجاسوس. وهلا أتيتموني به لأستخبره. فكم من عين تكون علينا ثم إنها ترجع فتصير لنا، لأن القلوب بيد الله يقلبها كيف شاء. ثم إنه نادى في جيشه: من وقع بغريب أو جاسوس فليأت به إلي. قال: وإن فلسطين استبطأ الجاسوس فعلم بقتله فأرسل غيره فأشرف على القوم من فوق شرف عال وحزرهم وعاد إليه فأخبره أنهم في خمسة آلاف، إلا أنهم كالأسود الضارية أو كالعقبان الكاسرة يرون الموت مغنما والحياة مغرما، فلما سمع ذلك قال: وحق المسيح والقربان لا بد من قتالهم. فإما أن أبلغ المراد أو أموت صبرا، ثم إنه جمع عسكره واختار منهم عشرة آلاف فارس شدادا وولى عليهم بطريقا اسمه بكلاكون وهو صاحب جيشه وقال: سر بهؤلاء فأنت طليعة جيشي فسار من ساعته، ثم إنه عقد صليبا آخر وسلمه إلى دمستق العسكر وأسمه جرجيس بن باكور وضم إليه عشرة آلاف وقال له: إلحق بصاحبك فسار في أثره، فلما كان في اليوم الثاني خرج فلسطين ببقية الجيش وترك ابن عمه قسطاس في قيسارية يحفظها وترك عنده عشرة آلاف. قال بشار بن عوف: فبينما نحن نازلون إذ أشرف علينا البطريق الأول في عشرة آلاف فارس، فلما قربوا منا رأيناهم فحزرناهم فإذا هم عشرة آلاف. قال: ففرحنا وقلنا: نحن خمسة آلاف وعدونا في عشرة آلاف، فكل رجل منا يقاتل اثنين، فبينما نحن كذلك إذ أشرف علينا البطريق الثاني في عشرة آلاف، فقال عمرو رضي الله عنه: اعلموا أن من أراد الله واليوم الآخر فلا يرتاع من كثرة العدو ولو تزايد المدد، فإن الجهاد أوفر متجرا وأعز قدرا، وأي فخر عند الله ممن يقتل في سبيل الله وصفوف الكفار ويكون حيا عند الله يرتع في مروج الجنة وينال من الله سابغ النعمة والمنة، فقد قال الله تعالى: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم " آل عمران: 169، 170، الآية، ولو أن الجاسوس الذي قتلتموه لم تعجلوا عليه، لأخبرنا بمسير هنا الجيش إلينا وكثرته، وكنا قد أخذنا حذرنا على أنفسنا واحتطنا، ولكن أمر الله لا يرد. ثم إنه جمع أبطال الموحدين، وقال: قد رأيت أن ننفذ إلى أبي عبيدة نعلمه ليمدنا بالخيل والرجال، فإن هذا جيش عظيم. ثم قال: أيها الناس من يركب ويسير إلى الأمير أبي عبيدة ويعلمه بما قد صرنا إليه. فلعله أن ينجدنا كما أنجد يزيد بن أبي سفيان. وهو محاصر قنسرين وأجره على الله.
؟المعارك في فلسطين

(1/265)


فقال له ربيعة بن عامر: يا عمرو ألق بنا العدو وتوكل على الله، فإن الذي نصرنا في مواطن كثيرة ونحن في قلة ينصرنا اليوم على بقية القوم الكافرين. قال: فقنع عمرو بكلام عامر بن ربيعة، وقال: والله صدقت وأمر الناس بالتأهب إلى لقاء العدو، فركب المسلمون ورفعوا أصواتهم بالتهليل والتكبير فأجابتهم الجبال والتلال والأوعار والأشجار والأحجار، ومن في تلك الأرض من العمار، وقالوا: إلهنا ومولانا إنا نسمع أصواتا موحدة غير مشركة ولا ملحدة في التوحيد، وقد أسمعتنا كلام التوحيد وأريتنا وجوه أهل التمجيد والتحميد، إلهنا ما أطيب سماع ذكرك ومن لنا أن نوفي بشكرك. قال: وضجت الوحوش والسباع إلى مولاها شاكرة لما أعطاها وأولاها، ونادت عالم سرها ونجواها: يا من جمع الوحوش راضية بما آتاها أخرج رزقها ومرعاها تغدو خماصا وتروح بطانا إلى باب سيدها ومولاها، يا من لو توارت دودة تحت الأرضين السبع لرآها، ولو كانت في غلس الظلمات تحت اليم المظلم حبة لرزق عبد لبلغه إياها، إلهنا إنا سمعنا أصوات توحيدك في هذه الأرض وما كنا عهدناها، ونسمع آيات ما كنا عرفناها ولا سمعناها سبحانك يا من قدرته لا ننساها ويا من إحسانه وفضله لا يتناهى. قال: فهتف بهم هاتف من الجو، كم لله من مستح في الجبال وفراها تحت تخوم الأرض وثراها، وفي فلوات البراري المقفرات، وفي قعور البحار الزاخرات وماها. قال: فارتاع عسكر الكفار لما سمعوا في الجو هذه الأصوات، وكأنما الأرض وأقطارها وأهلها تجاوبهم، وكان فلسطين قد أتى وسمع ذلك ونظر إلى جيش العرب وقد زاد في عينيه أضعافا فقال: وحق ديني لما أشرفت على القوم ما كانوا في هذه الكثرة وما كانوا أكثر من خمسة آلاف، وقد زاد الآن عددهم وتزايد ملاهم، ولا شك أن الله قد أمدهم بالملائكة، ولقد كان أبي هرقل على بصيرة من أمر هؤلاء العرب، وليس جيشي هذا بأعظم من جيش ماهان الأرمني لما لقيهم باليرموك في ألف ألف، ولقد ندمت على خروجي إليهم، ولكن سوف أدبر حيلة على هؤلاء العرب، ثم إنه دعا بقس عظيم القدر عند النصرانية، وهو قس قيسارية وعالمها وقال له: اركب إلى هؤلاء القوم وكلمهم بالتي هي أحسن، وقل لهم: إن ابن الملك يسألكم أن تنفذوا إليه أفصحكم لسانا وأجرأكم جنانا فابعثوا به ولا يكون من طعام العرب.
قال: فركب القس وعليه ثوب من الديباج الأسود وعليه برنس من الشعر فركب بغله شهباء وأخذ بيده صليبا من الجوهر وسار حتى وصل إلى المسلمين فوقف بحيث يسمعون كلامه. فقال: يا معشر العرب إني رسول إليكم من الملك فلسطين بن هرقل يسألكم أن تنفذوا إليه أفصحكم لسانا وأجرأكم جنانا، وإنه والله يريد صلحكم ولا يبغي قتالكم، لأنه عالم بدينه بصير بأموره، وليس يحب سفك الدماء ولا فساد الصور، فلا تبغوا علينا فالباغي مقهور والمبغي عليه منصور، وقد قال لنا المسيح: لا تقاتلوا إلا من بغى عليكم، وإن الملك يريد أن تبعثوا إليه رجلا من أفصحكم لسانا وأجرأكم جنانا، ثم سكت. قال: فلما سمع عمرو كلامه. قال: أيها الناس قد سمعتم ما قاله هذا الأغلف، فمن منكم يبادر إلى مرضاة الله تعالى ورسوله وينظر ما يتكلم به مع ملك الروم؟

(1/266)


فتقدم إليه بلال بن حمامة مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان غلاما أسود طويلا من الرجال كأنه النخلة السحوق بصاص من السواد، عيناه جمرتان كأنهما العقيق جهوري الصوت. فقال: يا عمرو أنا أسير إليه، فقال: يا بلال إنك قد حطمك الحزن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأيضا إنك من جنس الحبش ولست من العرب، لأن العرب لهم الكلام الجزل والخطب والفصاحة. فقال بلال: بحق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تركتني أمضي إليه. فقال عمرو: لقد أقسمت علي بعظيم اذهب واستعن بالله ولا تهبه في الخطاب وأفصح في الجواب وعظم شرائع الإسلام. فقال بلال: ستجدني إن شاء الله حيث تريد. قال: فخرج بلال نحوهم وهو كالنخلة السحوق عريض المنكبين كأنه من رجال شنوءة، وكان من عظم خلقته إذا نظر إليه أحد يهابه، وكان لابسا يومئذ قميصا من كرابيس الشام وعلى رأسه عمامة من صوف متقلدا بسيف ومزودة على عاتقه وبيده عصا. قال: فلما برز بلال من عسكر المسلمين ونظر إليه القس أنكره، وقال: إن القوم قد هنا عليهم فإنا دعوناهم نخاطبهم فبعثوا إلينا بعبيدهم لصغر قدرنا عندهم. ثم قال: أيها العبد أبلغ مولاك وقل له إن الملك يريد أميرا منكم حتى يخاطبه بما يريد، فقال بلال: أيها القس أنا بلال مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومؤذنه ولست بعاجز عن جواب صاحبك، فقال له القس: قف مكانك حتى أعلم الملك بأمرك وعاد القس إلى الملك، وقال له: أيها الملك إنهم قد بعثوا بعبد من عبيدهم يخاطبك، وما ذاك إلا استصغارا لأمرنا عندهم، وهو عبد أسود. قال فأرسل له رجلا يقول له: أيها العبد أبلغ مولاك وقل له إن الملك إنما يريد أميرا منكم حتى يخاطبه. فقال له بلال: أيها الرجل أنا بلال بن حمامة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولست بعاجز عن جواب صاحبكم. فقال فلسطين: ارجع إليهم وقل لهم بعث إليكم ملك النصرانية أيليق أن تبعثوا له بعبد من عبيدكم.
فرجع الترجمان إلى بلال وقال له يا أسود: إن الملك يقول لك: لسنا ممن نخاطب العبيد بل يأتينا صاحب جيشكم أو المؤمر عليكم، فرجع بلال وهو منكسر وأخبر عمرا بذلك. فقال لشرحبيل: أنا أمضي إليه. فقال شرحبيل: يا عبد الله إذا مضيت أنت فلمن ندع المسلمين. فقال عمرو: الله لطيف بعباده وهو أرحم الراحمين بخلقه، ولكن خذ الراية واخلفني في قومي. فإن غدر الروم فالله الخليفة عليكم، فوقف شرحبيل في مقام عمرو وأخذ الراية وخرج عمرو نحو القوم وعليه درعه ومن فوقه جبة صوف وعلى رأسه عمامة من صنع اليمن مصبوغة صفراء قد أدارها على رأسه كورا وأرخى لها عذبة، وفي وسطه منطقة، وقد تقلد سيفه واعتقل رمحه وسار عمرو حتى ولف بإزاء الترجمان الذي أرسله فلسطين بن هرقل، فلما رآه الترجمان ضحك، فقال: مم تضحك يا أخا النصرانية. قال: من دناءة رؤيتك وحملك هذا السلاح، ما الذي تصنع به ولم تحمله معك وما نريد حربا؟ فقال عمرو: إن العرب حمل السلاح شعارهم ووطاؤهم ودثاوهم، وإنما حملت السلاح معي استظهارا، ولعلي أن ألقى عدوا فيكون ذلك حصنا من عدوي وأحامي به عن نفسي. قال الترجمان: شيمتكم أيها العرب الغدر والمكر فكن مطمئن الجانب. ثم عطف الترجمان إلى فلسطين بن هرقل وأحبره بما سمع من مقالة عمرو بن العاص، وقال: أيها الملك إن أمير العرب قد قدم علينا وعليه من الباس كذا وكذا فتبسم الملك من قول القس، وقال: قل له يتقدم إلينا. قال: فلما قدم أخذ الملك في التأهب لقدوم عمرو عليه، وزين ملكه وأوقف القسوس عن يمينه وشماله والحجاب بين يديه، واقبل على الترجمان، وقال له: يا أخا العرب قد أذن لك الملك، فسار عمرو على جواده وعسكر قيسارية تتعجب منه ومن زيه إلى أن وقف على قبة الملك، ثم ترجل ومشت الحجاب أمامه حتى وقعت عينه على عين فلسطين فأدناه ورخب به وبش في وجهه، وقال: مرحبا بأمير قومه، وأراد أن يجلسه على السرير فامتنع عمرو من ذلك، وقال: بساط الله أطهر من بساطك، لأن الله تعالى جعل الأرض بساطا وأباحنا إياها فنحن فيها سواء، وما أريد أن أجلس إلا على ما أباحه الله، ثم جلس على الأرض باركا وتوك رمحه أمامه وسيفه على فخذه الأيسر، فقال له فلسطين: ما اسمك.

(1/267)


قال: اسمي عمرو وأنا من العرب الكرام أرباب الحزم المعظمين في القوم. قال فلسطين: إنك لفتى كريم من عرب كرام، يا عمرو إن كنت من العرب فنحق من الروم وبيننا قرابة وأرحام متصلة، ونحن وأنتم في النسب متصلون ومن يكونون متصلين في النسب ما لهم يسفك بعضهم دم بعض. فقال عمرو: إن أنسابنا لاحقة من أبينا ونسبنا الأعلى هو دين الإسلام، وإذا كان أخوان قد اختلفا في الدين كان حلالا أن يقتل أحدهما أخاه، وقد انقطع النسب بيننا، وقد ذكرت أن نسبك لاحق بنا فكيف يكون نسبك ونسبنا واحدا ونحن قريش وأنتم بنو الروم.. قال: يا عمرو أليس أبونا آدم ثم نوحا ثم إبراهيم وعيصو بن إسحق واسحق أخو إسماعيل وكلاهما ولد إبراهيم، ولا ينبغي للأخ أن يبغي على أخيه بل يجود عليه. فقال: إنك لصادق في قولك الذي قلت وإن عيصو ونحن بنو أب واحد وأبونا نحن إسماعيل صلوات الله عليه وإن كان نوح عليه السلام قسم الأرض شططا حين غضب على ولده حام وعلم أن أولاد حام لن يرضوا بها فاقتتلوا عليها زمانا، وهذه الأرض التي أنتم فيها ليست لكم وهي أرض العمالقة من قبلكم، لأن نوحا عليه السلام قسم الأرض بين أولاده الثلاثة سام وحام ويافث وأعطى ولده ساما الشام وما حوله إلى اليمن إلى حضرموت وإلى غسان، والعرب كلهم ولد سام، وهم قحطان وطسم وجديث وعملاق وهو أبو العمالقة. حيث كانوا من البلاد وهم الجبابرة الذين كانوا بالشام فهذه العرب العاربة، لأن لسانهم الذي جبلوا عليه العربية، وأعطى حاما الغرب والساحل وأعطى يافث ما بين المشرق والمغرب " وإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين " الأعراف: 128، ونريد أن نرد هذه القسمة فنأخذ ما في أيديكم من العمارة والأنهار عوضا عما نحن فيه من الشوك والحجارة والبلد القفر، فلما سمع فلسطين كلام عمرو بن العاص علم أنه رجل ماكر. فقال له: صدقت في قولك إلا أن القسمة قد جرت، فإن نقضتموها كنتم من الباغين علينا، واعلم أنه ما حملناكم على ذلك وأخرجناكم من بلادكم إلا الجهد العظيم، فقال له عمرو: أيها الملك أما زعمت أن الجهد أخرجنا من بلادنا، فنعم كنا نأكل خبز الشعير والذرة فإذا رأينا طعامكم واستحسناه فلن نبارحكم حتى نأخذ البلاد من أيديكم وتصيروا لنا عبيدا ونستظل تحت أصول هذه الشجرة العالية والفروع المورقة والأغصان الطيبة الثمار، فإن منعتمونا مما ذقناه من بلادكم من لذيذ العيش، فما عندنا إلا رجالا أشوق إلى حربكم من حبكم الحياة، لأنهم يحبون القتال كما تحبون أنتم الحياة. قال: وأفحم فلسطين عن جوابه، فرفع رأسه إلى قومه وقال: إن هذا العربي صادق في قوله وحق الكنائس والقربان والمسيح والصلبان ما لنا معهم ثبات. قال عمرو: فوجدت إلى وعظهم سبيلا، وقلت: معاشر الروم إن الله عز وجل قد قرب عليكم ما كنتم تطلبون. إن كنتم تريدون بلدكم فادخلوا في ديننا وصدقوا قولنا، فإن الدين عند الله الإسلام.

(1/268)


قال فلسطين: يا عمرو إنا لا نفارق ديننا وعليه مات آباؤنا وأجدادنا. قال عمرو: فإن كرهت الإسلام فأعطنا الجزية منك ومن قومك وأنتم صاغرون. قال فلسطين: لا أجيبك إلى ذلك، لأن الروم لا تطاوعني إلى أداء الجزية ولقد قال لهم أبي ذلك من قبل فأرادوا قتله، فقال: هذا ما عندي من الأعذار، ولقد حذرتكم ما استطعت ولم يبق بيننا حكم إلا السيف، والله يعلم أني دعوتكم إلى أمر فيه النجاة فعصيتموه كما عصى أبوكم عيصو عن أمه فخرج من الرحم قبل أخيه يعقوب، وأنتم تزعمون أنكم أقرباؤنا في النسب، وإنا لبراء إلى الله عز وجل منكم ومن قرابتكم إذ أنتم تكفرون بالرحيم، أنتم من والد عيصو بن إسحق، ونحن من ولد إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام، وإن الله اختار لنبينا خير الأنساب من لدن آدم إلى أن أخرج من صلب أبيه عبد الله، فجعل خير الناس من ولد إسماعيل فتكلم بالعربية وتكلم إسحق على لسان أبيه فولد إسماعيل العرب، ثم جعل خير الناس كنانة، ثم جعل خير العرب قريشا، وخير قريش بني هاشم، ثم جعل خير بني هاشم بني عبد المطلب، وخير بني عبد المطلب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فبعثه رسولا واتخذه نبيا وأهبط عليه جبريل بالوحي، وقال له: طفت مشارق الأرض ومغاربها فلم أر أفضل منك. قال: فخضعت جوارح القوم حين ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجلت قلوبهم ودخلت الهيبة في قلب فلسطين حين سمع كلام عمرو. فقال: صدقت في قولك، كذلك الأنبياء تبعث من خير بيوت قومها على لسان ربها، ثم قال له: يا عمرو وهل في أصحابك رجل بين كلامه سريع الجواب إذا سئل. فقال له: اعلم أني والله أحب أن أمضي وآتيك بهم لتقف على صحة قولي، ثم وثب وسار إلى عسكره وركب وأتى جيشه فحمدوا الله المسلمون على سلامته وباتوا يتحادثون، فلما صلى عمرو بالناس صلاة الفجر أمرهم بالركوب إلى قتال عدوهم. قال: فأسرعوا إلى ذلك واستووا على متون خيولهم، واصطفوا للحرب والقتال.
المعركة

(1/269)


قال الواقدي: حدثنا عروة بن زبد عن موسى مولى الحضرميين عن موسى بن عمران وابن الصباح لما كان يوم الحرب صف فلسطين جيشه ثلاثة صفوف وقدم المشاة وعدل الميمنة والميسرة ورفع الصليب أمامه وتقدم أمام الجيش فنظر عمرو إلى فلسطين وقد رتب عساكره وعزم على الحرب، فهيأ المسلمين، وصفهم صفا واحدا وجعل في الميمنة الحماة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعهم شرحبيل بن حسنة كاتب الوحي وصابوب بن جباية الليثي عن شماله وكان أحد فرسان المسلمين، فبينما الناس كذلك إذ خرج فارس من الروم وعليه ديباج ودرع وجوشن، وفي عنقه صليب من الذهب فحمل حتى خطى برمحه من الميمنة إلى الميسرة ومن الميسرة إلى الميمنة، ثم إلى القلب ثم وقف بإزاء جيش المسلمين وركز رمحه بازائه وأخذ القوس بيده وفوق سهمها ورمى رجلا من الميمنة فأثبت السهم فيه فجرحه ورمى آخر من الميسرة فقتله فنظر إليه عمرو وما قد صنع فصاح بالمسلمين: ألا ترون هذا العلج اللعين وما يصنع بقوسه. فمن يكفينا أمره ويزيل عن المسلمين شره، فخرج إليه رجل من ثقيف وعليه بردة دنسة وبيده قوس عربية قد فوق سهمها، وخرج إلى العلج يريده فنظر إليه العلج وليس عليه شيء من الحديد يستره إلا فروة دنسة، وما معه من السلاح غير القوس فازدرى به وبلبسه وأطلق سهما من كبد قوسه فوقع سهمه في صدره فاشتبك في الفروة ووقع غير مصيب، وكان اللعين أرمى أهل زمانه. ما رمى قط شيئا إلا نفذ فيه، فغضب لذلك وهم أن يرميه بسهم ثاني فامتعط الثقفي نبلة ورمى بها نحوه فلم يرها لصغرها وخفاء موقعها فاشتبكت النبلة في حلق العلج فخرجت من قفاه، فما تمالك العلج إلا أن وقع صريعا فأسرع الثقفي إلى جواده فأخذه واستوى على متنه ونزع بيضة المشرك عن رأسه، وجعل يسحبه نحو جيش المسلمين فاستقبله ابن عم له وكلمه فلم يجبه من فرحه بما صنع. ثم أقبل إلى عمرو فأعطاه إياه فنظرت الروم إلى فعل الثقفي فغاظهم ذلك، وجعلوا يشيرون إلى السماء فعلمنا أنهم يقولون إن الملائكة تنصرنا، قال: ونظر فلسطين إلى ذلك فعظم عليه وقال لبعض البطارقة: اخرج إلى هؤلاء العرب وحام عن دينك فخرج البطريق وعليه ديباجة خضراء ودرع حصين ومن تحت الدرع جوشن منيع وفي عنقه صليب من الذهب الأحمر ومعه غلام من ورائه يجنب جنيبة وعليه سيفه ودرقته فخرج حتى وقف بين الصفين فجعل يسأل القتال، فلما نظر المسلمون إليه أقبلوا إليه ينظرون ولا يخرج إليه أحد.
فقال عمرو: معاشر العرب من يخرج إليه ويهب نفسه لله عز وجل فخرج إليه رجل من العرب وهو يقول: أنا أكون ذلك، فقال عمرو: بارك الله فيما تريد وحمل صاحب المسلمين عندما خرج مصمما واستقبله البطريق وجعلا يتجاولان ساعة وهما يتعانقان بالسيوف إلى أن خرجت لهما ضربتان فسبقه البطريق بالضربة فأخذها الرجل بالدرقة فقدها نصفين وكانت جلد بعير بطانة واحدة فلم يصل إليه من الضربة شيء وجعل الرجل ضربة في أثرها فقطعت البيضة وسلكها فتقهقر البطريق إلى ورائه ولم يصل إليه أذى، فلما رجعت إليه روحه حمل على المسلم وضربه فجرحه جرحا فاحشا فألوى إلى أصحاب فصاح به رجل من العرب: من وهب نفسه لا يرجع من بين يدي عدوه. فقال الرجل: أكل كفاك هذه الضربة حتى توبخني إن الله ليلومني بأن ألقي بيدي إلى التهلكة ثم شد جراحه وعظم عليه ما قال ابن عمه، فلما خرج قال له ابن عمه الذي خاطبه: ارجع فخذ هذه البيضة واجعلها على رأسك. فقال: ثقتي بالله أعظم من حديدك، ثم دلف نحو البطريق وهو يقول:
يقول لي عند الخروج للقا ... دونك هذا الترس فاجعله وقا
من علج سوء قد بغى وقد طغى ... أقسمت بالله يمينا صادقا
لأتركن البيض فوق المرتقى ... وأدخل الجنة دار الملتقى
قال: فدعا له المسلمون بالنصر وقالوا: اللهم أعطه ما تمنى وحمل على البطريق وضربه ضربة هائلة فوقعت على عاتقه وخرجت من علائقه ثم حمل في جيش الروم فقتل رجلا وجندل أبطالا ولم يزل كذلك حتى قتل رحمه الله تعالى. فقال عمرو: هذا رجل اشترى الجنة من الله بنفسه: اللهم أعطه ما تمنى.
البطريق قيدمون

(1/270)


قال الواقدي: وكان هرقل حين بعث ولده فلسطين إلى قيسارية بعث معه بطريقا كل البطارقة وكان اسمه قيدمون وكان من أفرس الروم ويقال إنه خال فلسطين، وقد كان لقي عسكر الفرس وعسكر الترك وعسكر الجرامقة قال: وكان اللعين يحفظ سائر اللغات. فقال فلسطين: لا بد لي من قتال العرب. قال وخرج وعليه لامة وخرج مبارزا، فلما رآه المسلمون قد خرج وكأنه جبل قد انهد من أعلاه إلى أسفله وهو يلمع من بريق الجوهر ضج المسلمون بقول لا إله إلا الله، فلما وقف في الميدان أقبل يرطن بلغته ويطلب البراز فأقبل العرب يهرعون إليه من كل جانب ومكان يريدون قتاله لأجل ما عليه، فقال عمرو: ثواب الله خير لكم مما عليه فلا يخرج أحد لطلب سلبه فيكون خروجه لأجل ذلك وإن قتل مات في سبيل ما خرج إليه، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه " قال: فخرج غلام من اليمن ومعه أمه وأخته يريدون الشام، وأخته تقول له: يا ابن أمي جد بنا في السير لنصل إلى الشام فنأكل من خيره ونعمه.
فقال لها أخوها: إنما أذهب لأقاتل لمرضاة الله عز وجل. وقد سمعت معاذ بن جبل يقول: إن الشهداء عند ربهم يرزقون. فقالت له أخته: كيف يرزقون وهم أموات. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الله تعالى يجعل أرواحهم في حواصل طيور الجنة فتأكل تلك الطيور من ثمار الجنة وتشرب من أنهارها فتغدو أرواحهم في حواصل تلك الطيور، فهو الرزق الذي جعله الله لهم " فلما كان قتال قيسارية خرج ذلك الغلام إلى القتال بعد أن ودع أمه وأخته وداع الموت وقال لهم: نجتمع على حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرج وبيده قناة وهي موصولة كثيرة العقد وتحته جواد هجين.

(1/271)


فلما خرج الغلام حمل على البطريق من ساعته وطعنه بسنانه. قال: فاشتبك السنان في درع البطريق فلم يقدر على انتزاعه فضرب البطريق قنا الغلام بسيفه فقطعها وحمل على الغلام وضربه على هامته فشطرها فوقع الغلام ميتا رحمه الله وجال قيدمون على مصرعه، ثم طلب البراز، فخرج إليه ابن قثم فقتله البطريق، فلما نظر إلى ذلك شرحبيل بن حسنة رضي الله عنه أقبل يعاتب نفسه وبقول: تتفرجين على قتل المسلمين، ثم خرج والراية بيده التي عقدها له أبو بكر رضي الله عنه يوم خروجه إلى الشام، فلما رآه عمرو قد عول على الخروج قال: يا عبد الله أركز الراية لئلا تشغلك. فركزها شرحبيل فوقفت كالنخلة وغاصت في حجر كأنها منه فتفاءل بالنصر وخرج إلى لقاء قيدمون والمسلمون يدعون له بالنصر على عدوه فلما رآه البطريق ضحك من زيه وكان للملعون صوت عال وهو ضخم من الرجال وكان شرحبيل نحيف الجسم من كثرة الصيام والقيام بالليل والبطريق في ميدانه فحمل كل واحد منهما على صاحبه واختلفا بضربتين، وكان السابق شرحبيل فلم يعمل السيف في لامة البطريق شيئا وثبت السيف في بيضته وحمل قيدمون على شرحبيل فشجه ثم تجاولا على الجوادين. قال سعيد بن روح: وكان ذلك اليوم كثير البرد والسحاب فبينما هما في المعركة إذ نزل المطر كأفواه القرب قال: فنزلا عن الجوادين وجالا يتصارعان في وسط الطين وذلك أن قيدمون حمل على شرحبيل فضرب يده في مراق بطنه فاقتلعه من الأرض ورمى به على ظهره ثم استوى على صدره وهم أن ينحره فنادى شرحبيل: يا غياث المستغيثين فما استتم كلامه حتى خرج إليه فارس من الروم وعليه لامة مذهبة ومن تحته جواد من عتاق الخيل فقصد موضع البطريق وشرحبيل فظن قيدمون أنه إنما خرج ليعطيه جواده ويعينه، فلما قرب منهما ترتجل وأمال البطريق برجليه عن صدر شرحبيل وقال: يا عبد الله قد أتاك الغوث من غياث المستغيثين فوثب شرحبيل قائما ينظر إليه متعجبا من قوله وفعله، وكان الفارس متلثما ثم جرد سيفه وضرب البطريق ضربة قطع رأسه، وقال: يا عبد الله خذ سلبه. فقال شرحبيل: والله ما رأيت أعجب من أمرك وإني رأيتك جئت من عسكر الروم فقال: أنا الشقي المبعد أنا طلحة بن خويلد الذي ادعى النبوة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذب على الله وزعم أن الوحي كان ينزل عليه من السماء، فقلت له: يا أخي " إن رحمت الله قريب من المحسنين " الأعراف: 56، وقد وسعت رحمته كل شيء ومن تاب وأقلع وأناب قبل الله توبته وغفر له ما كان منه والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: " التوبة تمحو ما قبلها " أما علمت يا ابن خويلد أن الله سبحانه وتعالى لما أنزل على نبيه " ورحمتي وسعت كل شيء " الأعراف: 156، طمع فيها كل شيء حتى إبليس فلما نزل قوله تعالى: " فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة " الأعراف: 156، قالت اليهود: نحن نؤتي الزكاة ونتصدق، فلما نزل قوله تعالى: " والذين هم بآياتنا يؤمنون " الأعراف: 156، قالت اليهود: نحن مؤمنون بما أنزل الله في الصحف والتوراة فأراد الله أن يعلمهم أنها خاصة بأمه محمد صلى الله عليه وسلم بقوله: " الذين يتبعون الرسول النبي الأمي " الأعراف: 157، فقال طلحة بن خويلد: ما لي وجه أرجع إلى الإسلام وهم أن يسير على وجهه فمنعه شرحبيل وقال له: يا طلحة لست أدعك تمضي، بل ترجع معي إلى العسكر قال: ما يمنعني من المسير معك إلا الفظ الغليظ خالد بن الوليد، وإني أخاف أن يقتلني، فقلت: يا أخي إنه ليس معنا وهذا الجيش لعمرو بن العاص قال: فرجع معي فلما قربنا من المسلمين تبادروا إلينا وقالوا: يا شرحبيل من هذا الرجل معك. فلقد صنع معك جميلا، قال: ولم يعرفوه، لأنه كان متلثما بفضل عمامته. فقلت: هذا طلحة بن خويلد الذي ادعى النبوة فقالوا: أو تاب ورجع إلى الله. فقال: أنا تائب إلى الله سبحانه وتعالى. قال شرحبيل: فأتيت به إلى عمرو بن العاص فسلم عليه وبش في وجهه ورحب به.

(1/272)


قال: حدثنا حسان بن عمر الربعي عن جده أن طلحة بن خويلد لما ادعى النبوة وجرى له ما جرى من الحرب مع خالد بن الوليد رضى الله عنه وسمع أن خالدا قتل مسيلمة الكذاب وقتل الأسود العبسي أيضا لأنه قال إنه نبي فخاف طلحة على نفسه من خالد فهرب بالليل ومعه زوجته للشام واستجار برجل من آل كلب فأجاره الكلبي وأنزله في داره، وكان الكلبي مؤمنا وبقي عنده مدة أيام إلى أن استخبره عن حاله فحدثه طلحة بجميع أحواله مع خالد بن الوليد ووقائعه معه وكيف ادعى النبوة فغضب الكلبي لكلامه وطرده من جواره فأقام طلحة بالشام، وقد تاب من أمره، فلما بلغه أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قد قبض قال: ذهب من جردت السيف في وجهه فمن ولي بعده. قالوا: عمر بن الخطاب، قال: الفظ الغليظ... وهاب أن يمضي إليه وفزع من خالد بن الوليد أن يراه بالشام فيقتله، فقصد قيسارية ليركب في المراكب ويطرح نفسه في بعض جزائر البحر، فلما نظر إلى جيش فلسطين قد خرج إلى قتال العرب قال: أسير مع هذا الجيش فلعلي أنكب نكبة وأغسل بها شيئا من أوزاري وتكون لي قربة إلى الله تعالى وإلى المسلمين، فلما نظر شرحبيل في عين الهلكة قال: لا صبر لي عنه فخرج واستنقذه كما ذكرناه، فلما وقف بين يدي عمرو بن العاص شكره وبشره بقبول التوبة. فقال: يا عمرو إني أخاف من خالد بن الوليد أن يراني بالشام، فيقتلني. فقال عمرو: فإني أشير إليك بشيء تصنعه وتأمن به على نفسك في الدنيا والآخرة. قال: وما هو.
قال: أكتب معك كتابا بما صنعت وشهادة المسلمين فيه وتنطلق به إلى عمر بن الخطاب وتدفعه إليه واظهر التوبة فإنه يقبلها وسيندبك إلى الفتوح وقتال الروم فتمحو عنك ما سلف من خطاياك فأجابه طلحة إلى ذلك فكتب له عمرو كتابا إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بما صنع وأخذه طلحة ومشى به إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجد عمر في المدينة وقيل له هو بمكة فمضى حتى وردها فوجد عمر متعلقا بأستار الكعبة فتعلق معه وقال: يا أمير المؤمنين إني تائب إلى الله عز وجل وحق رب هذا البيت مما كان مني. قال عمر: من أنت؟ قال: أنا طلحة بن خويلد. قال: فنفر عمر عنه وقال: يا ويلك إن أنا عفوت عنك فكيف الأمر غدا بين يدي الله عز وجل بدم ابن محصن الأسدي. قال طلحة: يا أمير المؤمنين عكاشة رجل أسعده الله على يدي وشقيت أنا بسببه وأرجو أن يغفر الله لي بما عملته قال عمر: وما عملت؟ فأخرج له كتاب عمرو بن العاص، فلما قرأه عمر وفهم ما فيه فرح به وقال: أبشر فإن الله غفور رحيم وأمره عمر أن يقيم بمكة حتى يرجع إلى المدينة فأقام معه أياما، فلما رجع عمر إلى المدينة وجه به إلى قتال أهل فارس.

(1/273)


قال الواقدي: رجعنا إلى الحديث. قال: لما قتل البطريق قيدمون على يد طلحة ونجا شرحبيل مما كان قد لحقه ورجع إلى عمرو وكان المطر شديدا فقطع الناس القتال ولحق الناس الأذى لأن أكثرهم بلا أخبية ولا بيوت والتجؤوا إلى الجابية وتستروا بدورها وكان من رحمة الله بالمسلمين أن وقع في قلب فلسطين الفزع والرعب لما قتل قيدمون البطريق وكان ركنه ودعامته فشاور أصحابه في الرجوع إلى قيسارية وقال: يا معاشر الروم أنتم تعلمون أن جيوش اليرموك ما ثبتت لهؤلاء العرب، وإن أبي قد ولى إلى القسطنطينية من خوفهم وقد ملكوا الشام جميعه وما بقي غير هذا الساحل وإني أخاف أن ندهي من قبلهم ويملكوا قيسارية والرحيل أوفق من المقام ههنا فأجابوه إلى ذلك، فلما كان الليل ارتحل القوم والمطر ينزل. قال سعيد بن جابر الأوسي: وكان ذلك كله رحمة للمسلمين من الله عز وجل. قال: فلما كان في اليوم الرابع ارتفع المطر وطلعت الشمس فخرجنا من الجابية نطلب قتال الروم فلم نر لهم أثرا، فوالله لقد فرحنا بطلوع الشمس أكثر من فرحنا برحيل الروم فكتب عمرو بذلك إلى أبي عبيدة كتابا يقول فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من عمرو بن العاص السهمي إلى أمير جيوش المسلمين أبي عبيدة عامر بن الجراح، سلام عليك ورحمة الله وبركاته، أما بعد فيا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن فلسطين بن هرقل قد أخرج إلى لقائنا ثمانين ألفا من الروم وكان لقاؤنا معهم على موضع يقال له نخل وأخذ شرحبيل بن حسنة وكان الذي ملك أسره قيدمون ابن خالة هرقل، ثم خلصه الله على يد طلحة بن خويلد الأسدي وقتل قيدمون ابن خالة هرقل، ثم وجهته بكتاب إلى عمر بن الخطاب وقد انهزم عدو الله فلسطين، وأنا منتظر جوابك والسلام عليك وعلى من معك من المسلمين ورحمة الله وبركاته. وبعث الكتاب مع جابر بن سعيد الحضرمي، فلما قرأ أبو عبيدة الكتاب فرح بسلامة المسلمين وسير الجواب وقال: إذا قرأت كتابي فانزل على قيسارية وأنا في أثر الكتاب معول على السير إلى صور وعكاء وطرابلس والسلام. ثم سلم الكتاب إلى جابر بن سعيد وأمره بالرجوع.
فتح صور وعكاء وطرابلس الشام وقيسارية
قال: وعول أبو عبيدة على النهوض إلى الساحل، فقام إليه عبد الله يوقنا وقال: أيها الأمير اعلم أن الله عز وجل قد أباد المشركين ورفع علم الموحدين وإني أريد أن أسير قبلك إلى الساحل لعلي أفوز من القوم بغزوة. فقال: يا عبد الله إن أنت عملت شيئا يقربك إلى الله تجده بين يديك فافعل فوثب يوقنا قائما وأخذ أصحابه وكان قد انضاف إليه من كان يخدمه بحلب وكلهم رجعوا إلى الإسلام وكانوا أربعة آلاف، وفي عسكر العرب أيضا ممن أسلم من البطارقة ما يزيد عن ثلاثة آلاف فارس من البطارقة المعدة وعليهم وال يقال له جوفاس.
ولما انهزم فلسطين إلى قيساربة وتحصن بها بعث إلى أهل طرابلس أن يبعثوا له بنجدة فبعثوا له بثلاثة آلاف فارس قال: وساروا يطلبون قيسارية، فلما كانوا بالقرب منها نزلوا في مرج ليعلقوا على خيولهم، فبينما هم كذلك إذ أشرف عليهم يوقنا وأصحابه وكان قد صحبهم فلنطانوس صاحب رومية وأصحابه وكانوا معولين على زيارة بيت المقدس والمقام بها، فلما أشرفوا على المرج وهم بزيهم ما غيروا منه شيئا ورآهم جرفاس فركب بنفسه يختبر حالهم، فلما قرب منهم سلم عليهم ورحب بهم وقال: من أنتم. قالوا: نحن الذين لجأنا إلى هؤلاء العرب واستكفينا شرهم وظننا أنهم على شيء فإذا هم طغاة لا دين لهم فهربنا بديننا ونحن أصحاب حلب وقنصرين وعزاز ودارم وأنطاكية ونحن قاصدون إلى الملك هرقل لنكون في جانبه، فلما سمع جرفاس من القوم ذلك فرح بهم وأنس لكلامهم وقال أنزلوا عندنا كي تستريحوا ساعة من التعب فلا شك أنكم سرتم الليل والنهار وخافت أنفسكم من العرب، قال يوقنا: أين أنتم سائرون؟ قال: بعث إلينا فلسطين لنكون في طرابلس فقال يوقنا: تيقظوا لأنفسكم فإن أمير العرب أبا عبيدة تركناه على نية القدوم إلى الساحل. فقال جرفاس: وماذا ينفع حذرنا ودولتنا قد اضمحلت وأيامنا قد ولت ولسنا نرى الصليب يغني عن أهله شيئا.
قال الواقدي: فنزلوا عندهم ساعة وقدموا لهم أزواد فأكلوا ثم ركبوا وهم جرفاس أن يركب لركوبهم. فقال يوقنا: اشتغل بأصحابك وألبسهم أفخر ثيابهم، فإن ذلك مما يظهر الرعب في قلوب أعدائكم.

(1/274)


قال الواقدي: حدثني سليم بن عامر عن نوفل بم عبد الله عنجرير بن البكاء وكان أعرف الناس بفتوح الشام، قال: ما دخل يوقنا إلى ساحل البحر حتى أتقن الحيلة وذلك أنه قد نزل فيه الحرث بن سليم من بني عمه يرعون إبلهم وكانوا في مائتي بيت من العرب فأغار عليهم يوقنا وأخذهم وشدهم كتافا ودخل بهم إلى بلاد الساحل، فلما جن الليل جمعهم إليه وقال: لا تظنوا أني رجعت عن الإسلام وإنما فعلت بكم هذا كي تسمع الروم بسواحلها أني غدرت بالعرب وأخذتهم، قال: فاطمأنت العرب إلى كلامه وقالوا له: إن كنت تريد إقامة دين الله فالله ينصرك وبالأعداء يظفرك، قال: ووكل يوقنا رجالا تسوق الأموال وإنما اطمأن جرفاس وأصحابه إلى يوقنا لما رأى الأسارى من العرب والجمال والأنعام، فلما ركب يوقنا وأصحابه ورأى أنهم طالبون لساحل البحر نكب عن طريق طرابلس وكمن في الليل على طريق القوم، قال: وإن جرفاس فرق خزائنه التي كانت عنده على أصحابه وقعد حتى جن الليل وأكلت الخيل عليقها ثم ركبوا واستقاموا على الطريق، فلما توسطوا أطبق عليهم يوقنا وأصحابه وداروا بهم ولم يمهلوهم بالقتل وأخذوهم أخذا بالكف وانتشرت الخيل في تلك الأرض لئلا يكون قد انفلت من الروم أحد، فلما حصلوا على قبضتهم وتحت أسرهم أرادوا أن يطلقوا الحرث بن سليم وأصحابه فقال الحرث: إني أرى من الرأي أن تتركونا على حالنا فإن ثواب الله قد حصل وصبحوا بنا بلاد العدو فإنكم ما تشرفون على بلد من بلاد الساحل إلا فتحه الله لكم. قال يوقنا: هذا رأي صحيح ثم أمر أصحابه أن يستوثقوا من الأسرى وكمن ألفين من أصحابه فلنطانوس مع الأسرى وهم ثلاثة آلاف فارس وقال: إذا جاءتكم رسلي فاقدموا، ثم ألبس أصحابه زي الروم مثل أصحاب قيسارية الذين أخذوهم وساروا نحو طرابلس فلما خرج كل من في البلد إلى لقائهم كان كتاب فلسطين قد وصل إليهم إني قلى بعثت إليكم بثلاثة آلاف فارس مع جرفاس بن صليبا ودخل يوقنا مع أصحابه حتى استقر قراره على دار الإمارة ودخل عليه دار الإمارة ودخل عليه شيوخ طرابلس والبطارقة وأهل الحشمة منهم، فلما حصلوا عنده أمر بهم وقبض عليهم وقال: يا أهل طرابلس إن الله سبحانه قد نصر الإسلام وأهله وقد كنا في عيش مظلم نسجد للصلبان ونعظم الصور والقربان ونجعل لله زوجة وولدا حتى بعث لنا هؤلاء العرب فهدانا وألحقنا بهم ببركة نبيهم صلى الله عليه وسلم وهو النبي المبعوث الذي ذكره الله في التوراة وبشر به عيسى المسيح وإن الإسلام حق وقوله الصدق يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويأتون الزكاة وينطقون بالحق ويتبعون الصدق ويوحدون الله وينزهونه عن الصحبة والولد ويجاهدون في سبيله وهو الذي أمر به أنبياءه ورسله فأما أن ترجعوا إلى دين الإسلام أو تؤدوا الجزية وإلا بعثكم عبيدا للعرب، وهذا ما عندي والسلام.
قال: فلما سمعوا كلامه علموا أن يوقنا اجتاز عليهم وأخذ أصحاب الملك في الطريق، فقالوا: أيها السيد نحن نفعل ما أمرتنا به، فمنهم من أسلم ومنهم من رضي بالجزية وعدل يوقنا وبعث إلى أصحاب الكمين فحلوا أسرى فعرض عليهم الإسلام فأبوا فأمر بحبسهم وبعث إلى أبي عبيدة بالخبر وما جرى له وبعث الكتاب مع الحرث بن سليم من وادي بني الأحمر وقال: يا عبد الله كن للأمير مبشرا بهذا الفتح. قال: سأفعل ذلك إن شاء الله تعالى وسار بالكتاب حتى وصل إلى أبي عبيدة وسلم عليه وناوله الكتاب، فلما قرأه وعلم معناه فرح وقال للحرث بن سليم: ألم تستأذني، أن تسير أنت وبنو عنك إلى وادي بني الأحمر فمن أوصلك إلى طرابلس؟ قال: أوصلني القضاء والقدر، وذلك أن يوقنا أغار علينا وأخذنا أسرى .. وحدثه بحديثهم فعجب من ذلك أبو عبيدة وقال: اللهم ثبتهم وأيدهم بنصرك.

(1/275)


قال: حدثني عامر بن أوس قال: أخبرني ابن سالم قال: حدثني موسى بن مالك قال: إن عمرو بن العاص لما ارتفع المطر رحل من الجابية ونزل على أبواب قيسارية، وأما ما كان من أمر يوقنا فإنه لما ملك طرابلس واحتوى عليه واستوثق من سورها وأبوابها ترك أصحابه على الأبواب وقال: لا تدعو أحدا يخرج من الأبواب وكان في المرسى مراكب كثيرة فرفع آلاتها وأخذها كل ذلك ولا يعلم أحد من أهل الساحل بما صنع، قال: وبعد أيام جاءت مراكب كثيرة زهاء من خمسين مركبا، فتركهم يوقنا حتى نزل أكثرهم إلى المدينة فأمر بهم إليه فاستخبرهم عن حالهم وقال: من أين جئتم؟ قالوا: جئنا من جزيرة قبرص ومن جزيرة أقريش، وقالوا: معنا العدد والسلاح مضروبة لملك فلسطين فأراهم الفرح والسرور وسلم عليهم وقال: إني أريد أن أسير معكم، ثم أمر بهم إلى دار الضيافة وبعث إلى قواد المراكب فأنزلهم وقدم لهم السماط ، فلما أكلوا قال إني أريد أن أسير إليكم الزاد والعلوفة وعدة السلاح إلى خدمة الملك ولكن تقيمون عندي ثلاثة أيام. فقالوا: أيها البطريق إنا على عجل من أمرنا نخاف من لوم الملك ولسنا نقدر على ذلك ولم يزل بهم حتى أذعنوا له.
فقال: أريد أن تنزلوا الشراعات والمقاذيف فتكونوا في المدينة ليطمئن قلبي بذلك ففعلوا وألصقوا المراكب بالسور ونزل كل من في المراكب وما بقي في المراكب إلا ثلاثة رجال، فلما دبر هذا التدبير قبض على الجميع فلما كان الليل سلم طرابلس لبني عمه وللحرث بن سليم وفلنطانوس وعمر المراكب برجاله وهم بالصعود إليها وإذا عند غروب الشمس قد أقبل خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه في ألف فارس من أصحابه، فلما رآهم يوقنا سجد لله شكرا وسلم على خالد بن الوليد وسلم له المدينة وحدثه بما جرى له وما قد عزم عليه فقال: نصرك الله وأيدك، ثم إن يوقنا ركب من ليلته وسار وكان على سور دمشق جيش فلسطين وهو أرمويل بن نشطة ومعه أربعة آلاف فما أصبح يوقنا إلا وهو في مدينة صور فأمر بالبوقات فضربت والرايات فنشرت ووقف الدمستق يختبر خبرهم فعاد صاحب البحرالية. فقال: هؤلاء أهل قبرص وجزيرة أقريطش قد أقبلوا بالعلوفات والطعام والعدد يريدون قيسارية في خدمة الملك، ففرح أهل صور بذلك وأمروهم بالنزول فنزل يوقنا وأصحابه وكان جملة من نزل معه تسعمائة رجل وكان قد استخلصهم لنفسه فصنع لهم الدمستق طعاما ومد لهم سماطا عظيما وأحضر لقوادهم الخلع ويوقنا ينتظر الليل حتى يثور بأصحابه، وكان جملة من نزل معه تسعمائة رجل كما ذكرنا وترك الباقين في المراكب، وقال: إن لم يتم لنا ما نريد ولم نظفر بهم فلا تبرحوا من مراكبهم وأنفذ إلى خالد وأخبره بالقصة.
قال الواقدي: ما سمعت بأعجب من هذه القصة، ولقد حدثني ابن مزاحم عن الأرقط بن عامر عن عمار بن ياسر الربعي. قال: لما حصل يوقنا والتسعمائة بمدينة صور وأكلوا سماط الملك وخلع على كبرائهم... أقبل عليهم في السر رجل من بني عم يوقنا ممن استحكمت الضلالة قلبه واحتوى الكفر على أقانيم جسده فأقبل إلى الدمستق وحدثه بأمر يوقنا وما قد عزم عليه وأنه مسلم وأنه يقاتلكم مع العرب وقد فتح طرابلس وأخذ البطريق جرمانس صاحب الملك، فلما سمع الدمستق بذلك لم يكذب خبرا دون أن ركب بأصحابه وقبض على يوقنا وأصحابه ووقع الصياح وكثر الضجيج وسمع بذلك أصحاب يوقنا فعلموا أن ذلك بسبب أصحابهم وأنه قبض عليهم فاغتموا لذلك غما شديدا وأخذوا على أنفسهم من عدو يقبل عليهم قال: فلما استوثق عليهم الدمستق أرمويل بن نشطة وكل بهم ألف رجل وقال: سيروا بهم إلى الملك يفعل فيهم ما يريد وأقبلوا يعنفون يوقنا وأصحابه ويقولون لهم: ما الذي رأيتم في دين العرب حتى تبعتموهم وتركتم دينكم ودين آبائكم قد طردكم المسيح عن بابه وأبعدكم عن جنابه، فلما هموا أن يسيروا بهم وقع الصياح من الأبواب ونفر أهل القرى، ومن كان بالقرب من صور فسألوهم عن أخبارهم. فقالوا: قدمت العرب عليكم.

(1/276)


قال الواقدي: وكان عمرو بن العاص لما نزل على قيسارية وجه يزيد بن أبي سفيان في ألفي فارس إلى صور، فلما سمع الدمستق أمر بالأبواب فأغلقت وصعدت الرجالة على الأسوار وعمروا الأبراج ونصبوا المجانيق وأدخل الدمستق يوقنا إلى قصر صور واستوثق منهم لئلا يتم عليه أمر منهم وبات القوم يحرسون وأضرموا نيرانهم على الأسوار فأقبلوا يرقصون ويشربون طول ليلتهم، فلما كان الغد أشرف عليهم يزيد بن أبي سفيان فنظر إليهم الدمستق، فلما رآهم قليلا استحقرهم وطمع فيهم وقال: وحق المسيح لا بد لي من الخروج إليهم وهزم هذه الشرذمة اليسيرة. ثم لبس الدمستق اللباس وأمرهم بالخروج وترك على حفظ يوقنا وأصحابه ابن عمه باسيل. قال: وكان باسيل هذا ممن قرأ الكتب السالفة والأخبار الماضية وكان قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم في دير بحيرا الراهب وكان باسيل قد مضى إلى زيارة بحيرا، فلما قدمت عير قريش وجمال خديجة بنت خويلد وفيها رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر بحيرا إلى القافلة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في وسطها والسحابة على رأسه تظله من حر الشمس، فلما تبينه قال: والله هذه صفة النبي الذي يبعث من تهامة ثم انتظروا وإذا بالركب قد نزل ورسول الله صلى الله عليه وسلم نزل وحده تحت شجرة يابسة واستلقى إليها فأورقت الشجرة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما عاين بحيرا ذلك صنع طعاما لقريش واستدعاهم فدخلوا الدير وبقي هو مع الإبل ليرعاها، فلما نظر بحيرا إليهم ولم يره في جملتهم قال: يا معشر قريش هل بقي منكم أحد. قالوا: نعم بقي فينا من تخلف لحفظ القافلة ورعي الإبل. قال: ما اسم من يرعى الإبل؟ قالوا: محمد بن عبد الله. قال: هل مات أبوه وأمه؟ قالوا: نعم. قال: هل كفله جده وعمه. قالوا: نعم، قال: يا قريش هو والله سيدكم وبه يعظم في الدنيا مجدكم، قالوا: من أين علمت ذلك. قال: لما أشرفتم علي من البرية لم يبق صخر ولا مدر إلا خر له ساجدا.
قال الواقدي: فبقي باسيل في حيرة من أمرهم وكتم سره وعلم أن بحيرا لا يتكلم إلا بالحق، فلما وقع يوقنا وأصحابه ووكله الدمستق على حفظهم قال: إن الإسلام هو الحق وقد بشر به بحيرا الراهب، ولعل الله يغفر لي إذا حللت هؤلاء القوم.

(1/277)


قال الواقدي: من حسن تدبير الله لعباده المؤمنين أنه لما خرج الدمستق إلى لقاء يزيد بن أبي سفيان لم يتأخر أحد من شباب المدينة لا صغير ولا كبير إلا وخرج معه وبقيت العوام ينتظرون على الأسوار ما يكون بينهم وبين العرب، فلما نظر باسيل إلى المدينة وخلوها واشتغال أهلها بالحرب أخذ رأيه على خلاص يوقنا ومن معه فأقبل إليهم بالليل والتفت إلى يوقنا وأصحابه وقال: أيها البطريق كيف تركت دين آبائك وأجدادك من قبل وعولت على دين هؤلاء العرب وما الذي رأيت من الحق حتى تبعتهم وقد كانت الروم تتخذك عضدا لها وعونا؟ قال له يوقنا: يا باسيل ظهر لي من الحق ما ظهر لك من الحق فعرفته وقد هتف بي هاتف يقول لي: إن الذي هداك إلى دينه يخلصك وبشرني بالخلاص على يديك. قال: فلما سمع زاد إيقانه وتحقق إيمانه وقال ليوقنا: لقد أنطق الله لسانك بالحق وإن الله كشف حجاب الغفلة عن قلبي منذ رأيت نبي هؤلاء القوم بدير بحيرا الراهب وهو في قافلة لأهل مكة ورأيت من دلائله أنه لا يسير على الأرض إلا والشجر تسير إليه والسحابة على رأسه تظلله ولقد استند إلى شجرة يابسة فأورقت في الحال وأنبأني بحيرا الراهب أنه وجد في العلم أن جماعة من الأنبياء استندوا إليها وجلسوا حولها فلم تورق، فلما استند بظهره إليها أورقت أغصانها وأينعت فعجبت من ذلك، وسمعت بحيرا يقول: هذا والله الذي بشر به المسيح فطوبى لمن تبعه وآمن به وصدقه، فلما عدت من زيارة بحيرا سافرت إلى القسطنطينية بتجارة وطفت في بلاد الروم وأقمت ما شاء الله، ثم عدت إلى قيسارية فرأيت الروم في هرج ومرج فسألت عن أحوالهم فقيل قد ظهر نبي في الحجاز اسمه محمد بن عبد الله وقد أخرجه قومه من مكة . وقد أتى إلى المدينة التي بناها تبع وقد ظهر على قومه ونصر عليهم فما زلت أسأل عن أخباره وهي في كل يوم تنمو وتزيد حتى مات، ثم ولى صاحبه أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأنفذ جيوشه إلى الشام فلم يلبث إلا يسيرا ثم مات وولى هذا الرجل عمر بن الخطاب ففتح بلادنا وهزم جيوشنا وأنا مع ذلك أنتظر قدومهم إلى هذا الساحل حتى أتى الله بهم. فقال له يوقنا: وما الذي عزمت عليه. قال: عزمت والله أن أفارق قومي وأتبعكم فإن الحق بين ثم حل يوقنا وأصحابه وسلم إليهم العدد والسلاح وقال ليوقنا: اعلم أن مفاتيح أبواب المدينة عندي والعسكر خارج المدينة مشتغل بقتال العرب وليس في المدينة من يخاف جانبه فانهض على اسم الله. فقال يوقنا: جزاك الله خيرا فلقد هداك الله إلى دينه وسلك بك طريق النجاة وختم لك بخير. ويجب الآن علينا أن نظهر أنفسنا ونبعث في المراكب حتى ينزلوا إلينا ونكون نحن يدا واحدة.
فقال باسيل: سأفعل ذلك ثم إنه خرج لي حال الخفاء وفتح باب البحر ومعه رجل من بني عم يوقنا وركبا زورقا حتى وصلا إلى البحر والمراكب وحدثاهم بما قد كان فأقبل كل مركب برجاله إليهما وساروا إلى أن نزل الجميع وحصلوا داخل المدينة أعني مدينة صور وأعمى الله أبصار الكفار، فلما هموا أن يثوروا قال يوقنا: ليس هذا من الرأي وأين من يهب نفسه لله عز وجل ويخفي أمره ويخرج من الباب ويدور إلى عسكر المسلمين ويتوصل إلى أميرهم ويعلمه بما كان منا ويكون على أهبة وإذا سمع بنا أحد لا يهوله وليصدم جيش العدو؟ فقال رجل من القوم: أنا أكون ذلك الرجل، ثم خرج متنكرا وأغلق باسيل خلفه ووصل إلى يزيد بن أبي سفيان وحدثه بالأمر على حقيقته وبما كان من أمر يوقنا فسجد لله شكرا وبعث من ساعته إلى المسلمين ليأخذوا على أنفسهم في الكبة على القوم ففعلوا ذلك.

(1/278)


وأما يوقنا رحمه الله، فلما علم أن الخبر وصل إلى المسلمين قال لأصحابه: ليصعد منكما خمسمائة رجل إلى السور ويقتلوا من عليه، قال باسيل: ليس هذا رأيا فإن العوام لا اعتبار لهم ولعل الله أن يهديهم إلى الإسلام ولكن مر أصحابك أن يلزموا مطالع السور حتى لا ينزل أحد منهم ويزعقوا بالأمان. قال: فاستصوب رأيه ووكل الرجال بالمطالع ثم زعق يوقنا وأصحابه بصوت مزعج وقالوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله فسمع كل من في المدينة ومن على السور ذلك فعلموا أن يوقنا وأصحابه تخلصوا من الأسر ووثبوا في المدينة وطارت عقولهم وانزعجت أفئدتهم على أولادهم وأهاليهم فبقوا في حيرة فسمع يزيد بن أبي سفيان الضجة فعلم أن المسلمين قاموا في المدينة فكبر وكبرت المسلمون وهلل الموحدون فسمع الدمستق الضجة من المدينة فعلم أن يوقنا وأصحابه تخلصوا من الأسر وهم الذين فعلوا ذلك فوقع الرعب في قلوبهم ونظروا إلى النيران قد اشتعلت في عسكر المسلمين وتأهبوا للحملة عليهم فلم يبق لهم صبر وقد انقطعت قلوبهم من أجل أموالهم وأولادهم الذين في داخل المدينة وقيسارية محاصرة وليس لهم مدد من ولد الملك فولوا الأدبار واتبع المسلمون آثارهم وملكوا خيامهم وما كان فيها، فلما أصبح الصباح فتح يوقنا باب المدينة ودخل يزيد بن أبي سفيان ومن معه من المسلمين واحتووا على أموال الروم ونادى من كان على السور الغوث فأمنهم المسلمون ونزلوا بأجمعهم، فقال لهم يزيد: إن الله عز وجل قد فتح لنا مدينتكم عنوة وأنتم الآن لنا عبيد، فما شئنا حكمنا فيكم، ولكن نحن إذا عاهدنا وفينا، إذا قلنا صدقنا، وقد أعطيناكم الأمان من أنفسنا ولكن عليكم الجزية كلى من لم يدخل في ديننا ومن أسلم منكم فله ما لنا وعليه ما علينا، فأجاب القوم إلى ذلك وأسلم أكثر القوم وبلغ الخبر إلى فلسطين بأن صور قد فتحت، فعلم أنه لا بقاء له فأخذ الفرصة وانهزم وأخذ خزائنه وأمواله وذخائره وخدمه وأركبهم في المراكب بالليل وأقلع يريد اللحوق إلى قسطنطينية، فلما نظر أهل قيسارية إلى ذلك خرجوا إلى عمرو بن العاص وصالحوه على أن يسلموا له المدينة فصالحهم على مائة ألف درهم وما ترك الملك من خزائنه ورجاله فأجابوه إلى ذلك وكتب لهم كتاب الصلح فعندها دخل عمرو بن العاص إلى قيسارية وأخذ بقية ما ترك الملك وضرب الجزية عليهم من السنة الآتية كل رجل أربعة دنانير وبذلك أمرهم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وبعث عمرو جيشا إلى صور مع ياسر بن عمار بن سلمة وكان شيخا كبيرا قد شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا والنضير وقتل أخوه يوم حنين قتله مالك بن عون النضيري فبعثه عمرو إلى صور ومعه رجل من أصحابه، وصالح عمرو بن العاص أهل قيسارية على مائة ألف درهم وما خلفه فلسطين من بقية ذخائره، قال: ودخلها يوم الأربعاء في العشر الأول من رجب الفرد سنة تسع عشرة من الهجرة ووصل الخبر إلى الرملة وعكاء وعسقلان ونابلس وطبرية فعقدوا كلهم صلحا مع المسلمين وكذلك أهل بيروت وجبلة واللاذقية، وملك الله الشام كله للمسلمين ببركة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم.
ذكر فتوح مصر
بسم الله الرحمن الرحيم وهو حسبي. قال زياد بن عامر: قال شام بن عبد الله العنبري: حدثنا سالم مولى عروة بن النعيم اليشكري، قال: لما فتح عمرو بن العاص قيسارية صلحا كان لعمر في الخلافة أربعة أعوام وستة أشهر وبلغ الخبر إلى أهل الرملة وعكاء وبلقاء وعسقلان وصيدا وعزة ونابلس وطبرية فأتى كبراؤهم إلى أبي عبيدة وأصلحوا أمرهم معه على مال لا يحصى وكذلك أهل بيروت وجبلة واللاذقية وأنفذ أبو عبيدة لعمرو بن العاص أن يسير إلى مصر بأمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وملك المسلمون أقاصي البلاد ببركة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعظم كرم. قال: وسكنها العرب وتفرقوا في البلاد والمدن ودانت لهم العباد وكل يوم يزدادون فلم يبق في الشام وأعمالها مركز من مراكز الروم إلا أخذه المسلمون وتوالدوا وتناسلوا وكثروا ببركة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

(1/279)


قال محمد بن إسحق الأموي رحمه الله تعالى. قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى قراءة عليه بالخضراء بمدينة عسقلان. قال: أخبرنا الليث بن سعد. قال: حدثنا نوفل بن عامر، قال: أخبرني يحيى بن ساكن المدني قراءة عليه يوم الجمعة، ونحن عند منبر يونس بن متى. قال: لما فتح الله ساحل الشام على المسلمين في سنة تسع عشرة من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم كتبوا بذلك إلى أمير جيوش المسلمين أبي عبيدة عامر بن الجراح: بسم الله الرحمن الرحيم. من عمرو بن العاص إلى أمين الأمة. أما بعد: فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو، وأصلي على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وأن الله جل وعلا قد فتح ما كان قد بقي من الساحل وأخذنا قيسارية صلحا وهرب منها فلسطين بن هرقل بأمواله وعياله ونحن بها ننتظر أمرك والسلام. وكتب أيضا يزيد بن أبي سفيان بما تتم ليوقنا في صور وأن الله قد عضد الدين ووصل الكتابان إلى أبي عبيدة وقد رحل من حلب يريد طبرية فوصل إليه الخبر وهو نازل على الزراعة، فلما قرأ الكتابين تهلل وجهه فرحا وضج المسلمون بالتهليل والتكبير وكتب من وقته وساعته إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يبشره بما فتح الله على المسلمين وبما فعله يوقنا ووجه الكتاب مع عرفجة بن مازن فركب ناقته وسار حتى وصل المدينة. قال عرفجة بن مازن: وعلي من ديباج الروم قباء فاخر وعلى رأسي مطرف خز مذهب. قال: فلما أتيت المدينة ودخلتها يوم الجمعة أول ليلة من شهر رمضان قبل مغيب الشمس، وعمر رضي الله عنه قد أتى يريد المسجد، فلما أبركت ناقتي وعقلتها وجئته لأسلم عليه نظر إلي شزرا وقال: من الرجل. قلت: عرفجة بن مازن، فقال: يا ابن مازن أما كان لك برسول الله أسوة حسنة وأن هذه ثياب الجبارين، ومن جعل الله لهم الدنيا جنة وهذا الديباج حرام على الرجال منا ولا يصلح إلا للنساء وهذا الذي عليك تصدق به على فقراء المدينة. أما والله لقد دخلت يوما على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نائم على سرير مرمل بشريط، وليس بين جلده وبين الشريط شيء، وقد أثر الشريط في نعومة جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأيت ذلك بكيت.
فقال لي: يا عمر ما الذي أبكاك. فقلت: يا رسول الله إن كسرى وقيصر يعيشان في ملك الدنيا وأنت رسول الله بهذه المثابة.

(1/280)


فقال: يا عمر أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة. قال عرفجة: فسلمت إليه الكتاب، فلما قرأه تهللت أسارير وجهه. قال عرفجة: ثم نزلت على خالتي عفراء بنت أبي أيوب الأنصاري وبت عندها ليلتي، فلما أصبحت لم أقدر أن أقابل عمر بذلك الزي فأعطيت الثوب والعمامة لخالتي فباعتهما وتصدقت بثمنهما على فقراء المدينة، قال: وسرت إلى عمر وعلي وثوب من كرابيس الشام كان تحت ثيابي فلما رآني تبسم في وجهي، وقال: يا ابن مازن ما فعلت بديباجتك. قلت: يا أمير المؤمنين باعتها خالتي وتصدقت بثمنها على المسلمين فقرأ عمر " وما تفعلوا من خير يعلمه الله " البقرة: 197، ثم إنه كتب إلى أبي عبيدة يقول: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة عامر بن الجراح أما بعد: فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو، وأصلي على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وقد فرحت بما فتح الله على المسلمين وما وعدنا به رسول الله من كنوز قيصر وسيفتح علينا من كنوز كسرى، والحمد لله على ذلك كثيرا وقد بلغني أن بادية الأعراب قد استلذوا الدنيا وزينتها، وقد نصبت لهم شباك محبتها، وقد تمسكوا بذيل غرورها ونسوا نعيم الجنة وقصورها ورفلوا في ثياب الديباج والخز وأكلوا الحلواء وخبز الحنطة ولهاهم ذلك عن الآخرة، وقد بلغني يا ابن الجراح أنهم قد تهاونوا بالصلاة ونسوا المفترضات فجرد عليهم عتاق الخيل ذوات الهمم وأغلظ عليهم ولا تكن لهم خاملا فيطمعوا فيك، ومن أخل منهم بشيء مما فرض عليهم فأقم فيهم حدود الله، واعلم بأنك راع ومسؤول عن رعيته. قال الله عر وجل: " الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر " الحج: 41، وقد قال فيك رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أبو عبيدة أمين هذه الأمة " فأعط الأمانة حقها ومن ترك صلاته فاضربه عليها، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثنا ونحدثه. فإذا حضرت الصلاة فكأنه لم يعرفنا ولم نعرفه اشتغالا بالصلاة وبعظمة الله، وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن الله عز وجل يقول: إن بيوتي في الأرض المساجد وإن زارني فيها عمارها بالعبادة فطوبى لعبد تطهر في بيته، ثم زارني فحق على المزور أن يكرم زائره " وقال صلى الله عليه وسلم: " جميع المفترضات افترضها الله علي في الأرض إلا الصلاة فإن الله افترضها علي في السماء " وإذا قرأت بكتابي هذا فأمر عمرو بن العاص أن يتوجه إلى مصر بعسكره ويقدمهم عامر بن ربيعة العامري ومشايخ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفضي بهم عند مشورته وأنفذ من قدرت عليه من الأرض ربيعة وديار الجد بن صالح والله أسأل أن يكون لكم عونا ومعينا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وسلم الكتاب إلى عجرفة بن مازن وأمر له بنفقة من بيت المال.
قال عجرفة: فأخذت الكتاب وسرت به على طريق تيماء فلقيت عند بيت لحم راكبا من أهل وادي القرى، فسألهم عن أبي عبيدة فأخبروني أنه على غباغب وهو طالب طبرية، قال عجرفة: أطلب الغور والجولان وأقصد طبرية، قال: فالتقيت بأبي عبيدة على الأردن، فسلمت عليه وناولته كتاب عمر رضي الله عنه فلما قرأه جمع المسلمين وقرأ عليهم، فلما فرغ قال: ما من رجل ترك الصلاة أو أخل بشيء مما أفترضه الله عليه إلا جلدته، ومن الغد أتى خالد بن الوليد من طرابلس فقرأ عليه الكتاب وأنفذه إلى عمرو بن العاص أرسل يحثه على المسير إلى أرض مصر، فلما وصل إلى عمرو أخذ على نفسه بالمسير وسار معه يزيد بن أبي سفيان وعامر بن ربيعة العامري وجماعة من الصحابة وسار معه يوقنا في أربعة آلاف من أصحابه وقد وهبوا أنفسهم لله ورسوله فسار عمرو على البيداء من وراء العريش قال: وكانت أرض مصر وريفها عامرة بالديور والصوامع وكان دير الزجاج في مملكة القبط، وكان معهم يومئذ المقوقس بن راعيل وكان هذا الملك من أهل الرأي والتدبير والفضل والحكمة، وكان تلميذ الحكيم أعاشادمون وهو الذي لما غلبت الحيات على أرض مصر وأخربتها صنع لها جلجلا، وكان من حركة سمع صوته من مقدار ميل، قال: فتخرج الحيات من حجرتها فمن هربت نجت ومن وقعت هلكت، وكان المقوقس من أعلم أهل زمانه وكانت القبط معه في عيشة مرضية وكان يتوقع ظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(1/281)


وكان حكيم ذلك الزمان بمصر يقال له عطماوس وهو الذي صنع دواليب الريح ورحى الهواء، وكان عمر في الأجيال واطلع على مكنون الحكم والأسرار وعرف عمل صنعة الإكسير وعمل الذهب والفضة والجوهر والحركات المتحركة من نفسها بهبوب الريح وأجناس الأهوية في أجسامها وكان يجد في عمله أن الله يبعث نبيا من أرض تهامة ينشر دينه وتعلو كلمته وتملك أصحابه البلاد، فعمل في أيام راعيل أبي المقوقس هيكلا عظيما على أعمدة من نحاس، بمكان يعرف بعين شمس وجعل عليه أشخاصا مجؤفة جعل وجهها إلى جهة مصر وكتب عليها بالقبطية إذا دارت هذه الأشخاص إلى جهة الحجاز فقد قرب ملك العرب قال: فبينما المقوقس راكب في بعض الأيام للصعيد وقت هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد انتهى سيره إلى عين شمس إذ هو سمع أصواتا من الأشخاص قد علت ثم إنها حولت وجهها نحو الحجاز فأيقن بتلف ملكه وزواله، فعاد من ركوبه وهو قلق ودخل الشمع وجلس على سريره وجمع القسوس والرهبان وكبراء القبط، وقال لهم: يا أهل دين النصرانية اعلموا أن زمانكم قد مضى وهذا النبي المبعوث لا شك فيه وهو أخر الأنبياء ولا نبي بعده وقد بعث بالرعب ولا بد لرجل من أصحابه أن يملك ما تحت سريري هذا فانظروا إلى ملككم وأصلحوا ذات بينكم وارفقوا برعيتكم ولا تجوروا في حكمكم وأمنوا ضعفاءكم وإياكم واتباع الظلم فإن الظلم وبيل ومرتعه وخيم وأعطوا الحق من أنفسكم ولا يستطل قويكم على ضعيفكم وما دامت الدنيا لأحد من قبلكم حتى تدوم لكم وكما ملكتموها ممن كان قبلكم كذلك يأخذها منكم من كان بعدكم فأصلحوا نياتكم فيما بينكم وبين خالقكم فإن فعلتم ذلك رجوت لكم النصر على أعدائكم ومن يريدكم، وإن اتبعتم أهواءكم تبين هلاككم.
قالت: حدثنا ابن إسحق عن عبد الملك عن أبيه عن حسان بن كعب عن عبد الواحد بن عوف عن موسى بن عمران عن حميد الطويل عن أبي إسحق الراوي المغازي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة وبايعه الأوس والخزرج كتب إلى ملوك الأرض، وفي الجملة كتابا إلى المقوقس ملك مصر وكان الذي كتب الكتاب إليه أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ونسخة الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صاحب مصر. أما بعد: فإن الله أرسلني رسولا وأنزل علي كتابا قرانا مبينا وأمرني بالإنذار والأعذار ومقاتلة الكفار حتى يدينوا بديني ويدخل الناس فيه وقد دعوتك إلى الإقرار بوحدانية الله تعالى فإن أنت فعلمت سعدت وإن أنت أبيت شقيت والسلام، ثم طوى الكتاب وختمه بخاتمه. قال أنس بن مالك: فاستخرجه رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصبعه وكان فصه عليه ثلاثة أسطر: السطر الأول محمد، السطر الثاني رسول، السطر الثالث الله ولا نقش أحد على خاتمه كنقشه. قال سمرة بن عوف: قمت لحميد الطويل: أكان لخاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم فص أم لا. قال: لا أدري، قال: وسأل رجل جابر بن عبد الله الأنصاري فقال له: في أي يد كان يتختم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: في يده اليمنى، ويقول: " اليمنى أحق بالزينة من الشمال " وفص الخاتم في يمينه، وقال عبد الله بن عباس: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في يمينه ثم حوله إلى يساره.
حدثنا أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتختم في يساره، وحدثنا جعفر بن محمد عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن والحسين رضي الله عنهم جميعا يتختمون في اليسار.

(1/282)


قال الراوي: فلما طبع الكتاب بخاتمه قال: أيها الناس أيكم ينطلق بكتابي هذا إلى صاحب مصر وأجره على الله. قال: فوثب إليه حاطب بن أبي بلتعة القرشي وقال: أنا يا رسول الله. فقال له: " بارك الله فيك يا حاطب " . قال: فأخذت الكتاب من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم وودعته وأصحابه وسرت إلى منزلي وشددت راحلتي وودعت أهلي واستقمت على الطريق إلى نحو مصر. فلما بعدت عن المدينة بثلاثة أيام أشرفت على ماء لبني بدر فأردت أن أورد ناقتي الماء وإذا على الماء رجلان ومعهما ناقتان ومعهما رجل آخر راكب على جواد أدهم، فلما رأيتهم وإذا بالفارس أتى إلي، وقال لي: من أين أقبلت، وأين تريد. فقلت: يا هذا لا تسأل عما لا يعينك فتقع فيما يحزنك ويخزيك أنا رجل عابر سبيل وسالك طريق. فقال: ما إياك أردنا ولا نحوك قصدنا نحن قوم لنا دم وثأر عند محمد بن عبد الله وقد جئت أنا وهذان الرجلان وتحالفنا على أن ندهمه على غفلة فلعلنا نجد منه غزة فنقتله. قال حاطب: والله لقد أمكنني الله منهم فلأجعلن جهادي فيهم ولو بالخديعة، فقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا الحرب خدعة.
فبينما أنا أخاطب الفارس وإذا بالراكبين قد وصلا إلي وقالا لي بغلظة وفظاظة: ويحك لعلك من أصحاب محمد؟ فقلت لهما: لقد كاد أن يتبدل لكما الطريق عن سبيل التحقيق وإني رجل مثلكما أطلب ما تطلبون وأنا قاصد يثرب، وقد عولت علي صحبتكم لأكون معكم، ولكن سمعت في طريقي هذا ممن أثق به أن محمدا أنفذ رسولا من أصحابه إلى مصر بكتاب فلعله في هذا الوادي فإن وقعنا به قتلناه. فقال صاحب الفرس: أنا أسير معك ثم إنه تقدم أمامي وتركنا صاحبيه واقفين ينتظران، قال حاطب: فلما بعدت به عن أصحابه وغبنا عنهما، قلت: ما اسمك. قال: اسمي سلاب بن عاصم الهمداني، قلت: يا سلاب اعلم أنه لا يقدر أن يدخل على يثرب إلا من كان له جنان وقلب وغدر ومكر لأن بها سادات الأرض وأبطالها مثل عمر وعلي، ولكن كيف سيفك. قال: سيفي ماض، قلت: أرني إياه فاستقه من غمده وسلمه إلي فأخذت السيف من يده وهززته وقلت: سيف ماض، ثم قلت:
سيوف حداد يا لؤي بن غالب ... مواض ولكن أين للسيف ضارب

(1/283)


فقال: ما معنى هذا الكلام؟ قلت: يا ابن عاصم إن سيفك هذا من ضرب قوم عاد من ولد شداد، وما ملكت العرب سيفا مثله ولا أمضى من هذا السيف، ولكن وجب علي إكرامك وأريد التقرب إليك بحيلة أعلمك إياها تقتل بها عدوك. فقال: بذمة العرب أفعل ذلك. فقال حاطب: إذا كنت في مقام حرب وقتال وخصمك بين يديك وتريد قتله فهز هذا السيف حتى يهتز هكذا وتلتئم مضاربه واضربعدوك بحرفه فإنه أسرع للقتل والقطع، وملت بالسيف على عنقه وإذا برأسه طائر عن بدنه، فنزلت إليه وأمسكت الجواد لئلا ينفلت فينذر أصحابه، وتركته مربوطا إلى شجرة وأسرعت إلى صاحبيه وإذا هما ينتظراننا، فلما رأياني أقبل أحدهما إلي فقال: ما وراءك وأين سلاب؟ فقلت: أبشر بأخذ الثأر وكشف العار واعلم بأننا وجدنا رجلين من أصحاب محمد وهما نائمان، وقد وجهني سلاب بأن يمضي أحدكما حتى نتمكن منهما ويقف أحدكما ههنا، فإن هذأ الوادي ما خلا ساعة من أصحاب محمد. فقال: نعم الرأي الذي أشرت به وسار معي، فلما غيبته عن صاحبه قلت: ما اسمك. قال: عبد اللات، قلت: كن رجلا وإياك الخوف فإنك إن رأيتنا ولد هجمنا على الرجلين فاستيقظ. فقال: لا بد أن أفعل ذلك، فقلت له: إني أرى غيرة ولا شك أن تحتها قوما ممن صبأ إلى دين محمد، فجعل يتأمل كأنه الوالد الحيران فعاجلته بضربة على غفلة فرميت رأسه عن بدنه وعدت إلى الثالث، فلما رآني وحدي تيقن بالشر فقارعني وقارعته وصدمني وصدمته، إلا أن الله أعانني عليه فقتلته، وأخذت الراحلتين والفرس وأسلابهما ووضعت الجميع عند رجل من أصحابي، وكان رفيقا لي من زمن الجاهلية وهو من عبد شمس، ثم توجهت أريد مصر ولم أزل إلى أن أتيتها، فلما وصلت إلى باب الملك، قالوا: من أين جئت. قلت: أنا رسول إلى ملككم، فقالوا: من عند من؟ قلت: من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما سمعوا بذلك أحاطوا بي وأوصلوني إلى قصر الشمع بعد أر استأذنوا لي وأوقفوني على باب الملك فأمرهم بإحضاري بين يديه، فعقلت راحلتي وسرت معهم عند المقوقس وإذا هو في قبة كثر الجوهر في حافتها ولمع الياقوت من أركانها، والحجاب بين يديه. فأومأت بتحية الإسلام، فقال حاجبه: يا أخا العرب أين رسالتك. قال: فأخرجت الكتاب فأخذه الملك من يدي بيده. قال: فباسه ووضعه على عينيه، وقال: مرحبا بكتاب النبي العربي، ثم قرأه وزيره الباكلمين، فقال له: اقرأه جهرا فإنه من عند رجل كريم، فقرأه الوزير إلى أن أتى إلى آخره. فقال الملك لخادمه الكبير: هات السفط الذي عندك فأتى به، ففتحه واستخرج نمطا ففتح ذلك النمط وإذا فيه صفة آدم وجميع الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين وفي آخره صفة محمد صلى الله عليه وسلم. فقال لي: صف صاحبك حتى كأنني أواه. قال حاطب: ومن يقدر أن يصف عضوا من أعضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: لا بد من ذلك. قال: فوقفت بعدما كنت جالسا وقلت: إن صاحبي وسيم قسيم معتدل القامة، بعيد الهامة بين كتفيه شامة وله علامة كالقمر إذا برز، صاحب خشوع وديانة وعفة وصيانة، صادق اللهجة ووضح البهجة أشم العرنين، واضح الجبين سهل الخدين رقيق الشفتين براق الثنايا بعينيه دعج وبحاجبيه زجج، وصدره يترجرج وبطنه كطي الثوب المدبج له لسان فصيح ونسب صحيح وخلق مليح، قال: والملك ينظر في النمط، فلما فرغت قال: صدقت يا عربي هكذا صفته، فبينما هو يخاطبني إذ نصبت الموائد وأحضروا الطعام، فأمرني أن أتقدم فامتنعت فتبسم وقال: وقد علمت ما أحل لكم وحرم عليكم، ولم أقدم لك إلا لحم الطير. فقلت: إني لا آكل في هذه الصحاف الذهب والفضة فإن الله قد وعدنا بها في الجنة، قال: فبدلوا طعامي في صحاف فخار فأكلت. فقال: أي طعام أحب إلى صاحبك. فقلت: الدباء يعني القرع فإذا كان عندنا شيء منه آثرناه على غيره. فقال: ففي أي شيء يشرب الماء؟ فقلت: في قعب من خشب. قال: أيحب الهدية؟ قلت: نعم فإنه قال صلى الله عليه وسلم: " لو دعيت إلى كراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع لقبلت " . قال: أيأكل الصدقة. قلت: لا بل يقبل الهدية ويأبى الصدقة، وقد رأيته إذا أتي بهدية لا يأكل منها حتى يأكل صاحبها. فقال الملك: أيكتحل. قلت: نعم، في عينه اليمنى ثلاثا وفي اليسرى اثنتين، وقال: " من شاء اكتحل أكثر من ذلك أو أقل " وكحله الإثمد وينظر في المرآة ويرجل شعره ويستاك. فقال المقوقس: إذا ركب ما

(1/284)


الذي يحمل على رأسه؟ فقلت: راية سوداء ولواء أبيض وعلى اللواء مكتوب لا إله إلا الله محمد رسول الله. فقال: أله كرسي يجلس عليه أو قبة. قلت: نعم له قبة حمراء تسع نحو الأربعين. قال: فما الذي يحب من الخيل. قلت: الأشقر الأرتم الأغر المحجل في الساق، وقد تركت عنده فرسا يقال لها المرعد. قال: فلما سمع كلامي انتخب من خيله فرسا من أفخر خيول مصر الموصوفة، وأمر به فأسرج وألجم فأعده هدية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فرسه المأمون وأرسل معه حمارا يقال له عفير، وبغلة يقال لها دلدل، وجارية اسمها بريرة وكانت سوداء، وجارية بيضاء من أجمل بنات القبط اسمها مارية، وغلام اسمه محبوب، وطيب وعود وند ومسك وعمائم وقباطي، وأمر وزيره أن يكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا يقول فيه: باسمك اللهم من المقوقس إلى محمد. أما بعد: فقد وصل إلي كتابك وفهمته، وأنت تقول: إن الله أرسلك رسولا وفضلك تفضيلا وأنزل عليك قرآنا مبينا، فكشفنا يا محمد خبرك، فوجدناك أقرب داع إلى الله وأصدق من تكلم بالصدق، ولولا أنني ملكت ملكا عظيما لكنت أول من آمن بك لعلمي أنك خاتم النبيين وإمام المرسلين، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته مني إلى يوم الدين. قال: وسلم الكتاب والهدية إلي وقتلني بين عيني وقال: بالله عليك قبل بين عيني محمد عني هكذا، ثم بعث معي من يوصلني إلى بلاد العرب وإلى مأمني. قال: فوجدنا قافلة من بلاد الشام وهي تريد المدينة فصحبتها إلى أن وردت المدينة فأتيت المسجد وأنخت ناقتي ودخلت وسلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنشأت أقول:لذي يحمل على رأسه؟ فقلت: راية سوداء ولواء أبيض وعلى اللواء مكتوب لا إله إلا الله محمد رسول الله. فقال: أله كرسي يجلس عليه أو قبة. قلت: نعم له قبة حمراء تسع نحو الأربعين. قال: فما الذي يحب من الخيل. قلت: الأشقر الأرتم الأغر المحجل في الساق، وقد تركت عنده فرسا يقال لها المرعد. قال: فلما سمع كلامي انتخب من خيله فرسا من أفخر خيول مصر الموصوفة، وأمر به فأسرج وألجم فأعده هدية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فرسه المأمون وأرسل معه حمارا يقال له عفير، وبغلة يقال لها دلدل، وجارية اسمها بريرة وكانت سوداء، وجارية بيضاء من أجمل بنات القبط اسمها مارية، وغلام اسمه محبوب، وطيب وعود وند ومسك وعمائم وقباطي، وأمر وزيره أن يكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا يقول فيه: باسمك اللهم من المقوقس إلى محمد. أما بعد: فقد وصل إلي كتابك وفهمته، وأنت تقول: إن الله أرسلك رسولا وفضلك تفضيلا وأنزل عليك قرآنا مبينا، فكشفنا يا محمد خبرك، فوجدناك أقرب داع إلى الله وأصدق من تكلم بالصدق، ولولا أنني ملكت ملكا عظيما لكنت أول من آمن بك لعلمي أنك خاتم النبيين وإمام المرسلين، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته مني إلى يوم الدين. قال: وسلم الكتاب والهدية إلي وقتلني بين عيني وقال: بالله عليك قبل بين عيني محمد عني هكذا، ثم بعث معي من يوصلني إلى بلاد العرب وإلى مأمني. قال: فوجدنا قافلة من بلاد الشام وهي تريد المدينة فصحبتها إلى أن وردت المدينة فأتيت المسجد وأنخت ناقتي ودخلت وسلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنشأت أقول:
أنعم صباحا يا وسيلة أحمد ... نرجو النجاة غدا بيوم الموقف
إني مضيت إلى الذي أرسلتني ... أطوي المهامه كالمجد المعنف
حتى رأيت بمصر صاحب ملكهم ... فبدا إلي بمثل قول المنصف
فقرأ كتابك حين فك ختامه ... فأطل يرعد كاهتزاز المرهف
قال البطارقة الذين تجمعوا ... ماذا يروعك من كتاب مشرف
قال اسكتوا يا ويلكم وتيقنوا ... هذا كتاب من نبي المصحف
قالوا وهمت فقال لست بواهم ... إني قرأت بيان لفظ الأحرف
وبكل سطر من كتاب محمد ... خط يلوح لناظر متوقف
هذا الكتاب كتابه لك جامعا ... يا خير مأمول بحبك نكتفي

(1/285)


قال الراوي: ورجعنا إلى الفتوح، قال: حدثني أحمد بن عبيد عن عبد الله بن عمر السلمي عن محمد الزهري عن عبد الله بن زيد الهذلي عن أبي إسحق الأموي وهو المعتمد عليه في فتوح مصر وأرض ربيعة والفرس.
حدثنا عمر بن حفص ولم ينفرد بهذه الرواية سواه، وكان أصحاب السير قد اشتغلوا بوقائع العراق وفتوحه، وما تجمد من سعد بن أبي وقاص وبني كسرى أنو شروان وتركوا فتوح الشام وأرض مصر فيما بعد، وكان قد ارتحل عنهم فتركوه لأجل الزيادة والنقصان فيه، وإنما انفرد ابن إسحق لأنه انفرد عن مشايخ ثقات قد وثق بهم من آل مخزوم اجتمع بهم في الرملة بعد الفتوح أحدهم نوفل بن ساجع المخزومي وكان عمه خالد بن الوليد وكان من المعمرين، شهد تبوك مع النبي صلى الله عليه وسلم، وشهد بعدها الحديبية، وشهد يوم اليمامة ومسيلمة، وكان مع عمرو بن العاص بأرض مصر في جميع فتوحها، والثاني فهد بن عاصم بن عمرو بن سهل بن عمرو المخزومي وغيرهما من الثقات ممن شهد فتوح أرض مصر والوقائع كلها قالوا جميعا، ومنهم من قال: إن عمرو بن العاص لما انفصل من ساحل الشام وكتب الله سلامة المسلمين وسار متوجها يريد أرض مصر؟ فلما كان بمكان يقال له رفح قال له يوقنا: يا عمرو أنت تريد أن تدهم مصر على حين غفلة من أهلها، وأنا ممن يمكنني ذلك لأن ثواب الله أجل غنيمة، فإن قلبي ملوث بحب الدنيا وإني كنت ممن أشرك بالله سواه، وأنا أجتهد في الخلاص وأقاتل من كنت أنصره على الكفر وعبادة الصلبان والسجود للصور من دون الله، وقد أخذت الإسلام بنية وقبول لأنه الحق وأريد أن أتقدم إلى أرض مصر فلعلي أجد لكم بالحيلة سبيلا. فقال عمرو: وفقك الله وأعانك وحفظك وصانك. قال: فسار يوقنا ليلا من رفح يطلب الفرماء ولم يقرب من العريش ولا القاربا وكلها حصون عامرة وقد سكنها أقوام من العرب المختلطة، وكانوا يؤذون المال إلى الملك المقوقس بن راعيل، وسنذكر فتوحها فيما بعد إن شاء الله تعالى. قال: وإن يوقنا أشرت على الفرماء، وكان بها وال من قبل المقوقس اسمه الرندبان، والفرماء على جانب بحيرة تنيس من الشرق، فرأى يوقنا خياما منصوبة وقبابا مضروبة، فلما رأوا يوقنا ومع الصائح، فركب من كان هناك وكانت الأخبار ترد عليهم كل وقت بما صنع الصحابة، فلما بلغهم أن قيسارية فتحت اغتموا لذلك، لأنه كان فلسطين بن هرقل قد تزوج بابنة المقوقس أومانوسة، وكان قد جهزها أبوها وأرسلها مع غلمانها وأموالها إلى بلبيس، ثم إنها وجهت حاجبها تميلاطوس إلى الفرماء في ألفي فارس لحفظ ذلك المكان.
الاستعداد
حدثنا أبو إسحق أخبرنا موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحرث التيمي عن أسامة بن زيد بن أسلم. قال ابن إسحق: حدثني رجل من القبط رأيته وقد دخل في دين الإسلام فقربت إليه وسألته فأخبرني أنه من قبط مصر من جند المقوقس فقلت له: كيف كان من أمركم لما سمعتم بقدوم المسلمين من الشام وكسر جيوش هرقل. قال: لما بلغنا ذلك بعث المقوقس رسله إلى جميع أطراف بلاده مما يلي الشام بأن لا يتركوا أحدا من الروم ولا غيرهم يدخل أرض مصر، كل ذلك لئلا يتحدثوا بما صنع المسلمون بجنود هرقل فيدخل الرعب في قلوب قومه فلأجل ذلك أنه لما دخل يوقنا أرض مصر لم يعلم به أحد فلما ركبوا إلى لقائه ورأوا حشده وعسكره وكانوا بزي الروم سألوه عن مكانه وكان قد أخبر في طريقه من حصن كيفا وأعلموه بابتعاد فلسطين عن زوجته أرمانوسة..، وأن أباها قد جهزها وهي على مدينة بلبيس. فقال يوقنا: ومتى تزوجها؟ قالوا: تزوجها والمسلمون على حصن حلب.

(1/286)


فقال لهم: إنه قد ركب في البحر وترث قيسارية وقد أرسلني حتى آخذها في المراكب من دمياط، ومضى يوقنا يقول: أنا قد جئت رسولا من الملك فلسطين إلى الملك المقوقس حتى يرسل معي أبنته إلى زوجها، كلما سمعوا كلامه قالوا: إن الملكة في بلبيس وقد أنفذها إليه وما منعها من السير إلا خوف العرب وهروب فلسطين من قيسارية فسار يوقنا حتى قرب من بلبيس فنزل هناك وسار حاجبها إليها وعرفها بما قاله يوقنا. فقالت: علي به،فأتى إليه الحاجب، وأموه بالمسير فركب وركبه أصحابه وهم بأحسن زي وأتوا إلى عسكر أرمانوسة وإذا به عسكر كبير أكثر من عشرة آلاف، قال: فترجل يوقنا وترجل قومه ووقفوا على باب قصرها واستأذنوا عليها فأذنت لهم بالدخول، فلما وقفوا بين يديها خضعوا لها فأمرت لهم بكراسي فوضعت لهم فأمرتهم بالجلوس فجلسوا ووقفت الحجاب والمماليك والخدم فقالت الملكة أرمانوسة له من غير ترجمان: كم لكم عن الملك. فقال: شهر. فقالت: أكان رحل من المراكب أم قبل رحيله. فقال يوقنا: بل قبل رحيله وحين ركب منهزما، ولما وصلت إلى غزة بلغني أنه سار وقد قال لي في السر بيني وبينه: لا طاقة لنا بقتال هؤلاء العرب، فإن أبي هرقل ترك أنطاكية وذهب وقد قاتلتهم بجميع جنوده واستنصر عليهم بجميع دين النصرانية وأنفذ إليهم ما هان الأرمني إلى اليرموك في ألف ألف فهزموه وقتلوه وإني أريد أن آخذ خزائني وأطلب القسطنطينية، ثم إنه وجهني إليك أيتها الملكة لتركبي في المركب إليه.
قال: فلما سمعت ذلك أطرقت برأسها إلى الأرض ثم رفعت رأسها وقالت: إني لا أقدر أن أصنع شيئا إلا بأمر الملك أبي وإني مرسلة إليه. قال: فقام يوقنا وصقع لها ودعا ثم خرج من عندها فوجد غلمانه قد ضربوا خيامه فنزل بها وأرسلت إليه العلوف والضيافة. قال ابن إسحق الأموي رضي الله عنه: ولقد بلغني أنه لما جن الليل أتت إليها الجواسيس وأعلموها بفتح قيسارية ومدائن الساحل جميعها وبتوجه عمرو بن العاص إلى مصر وبحديث يوقنا صاحب حلب وحذروها منه وعرفوها بجميع الأخبار مفضلة وأنه هم الذي فتح طرابلس وصور وجبلة. قال: فلما سمعت ذلك دخل في قلبها الرعب وعلمت أنه محتال فطلبت حاجبها وقالت له: مر العسكر بلبس السلاح وأن يكونوا مستيقظين فقد جرى من الأمر كذا وكذا ثم إنها أوقفت مماليكها وغلمانها وقالت لهم: إذا دخل هذا الرجل وخواصه فاقبضوا عليهم فإذا نحن ملكناهم انخذل عسكر المسلمين، فلما رتبت هذا أرسلت تطلب يوقنا فذهب حاجبها إليه وقال له: أيها البطريق الكبير إن الملك تطلبك لتوصيك بما تقوله لأبيها، فقال له: السمع والطاعة ها أنا راكب وأصحابي فذهب القاصد. فقال يوقنا لأصحابه: اعلموا أن الملكة شعرت بنا والقوم قد عولوا على قتلنا فإن حصلنا في أيديهم قتلونا لا محالة وتضرب بنا الأمثال لمن يأتي بعدنا فموتوا كراما ولا تلقوا بأيديكم إلى القتل بأيدي الكفار وكونوا نصرة لدين الإسلام وما عسى نرجو من هذه الدنيا الغدارة التي ما صفت لأحد إلا وغيرته بالكدر فاعمروا دار البقاء وجاهدوا في سبيل الله حق جهاده فلعلكم ترضونه بذلك. قال: فأخذ القوم على أنفسهم واشتدوا وركبوا وتوكلوا على الله في جميع أمورهم.

(1/287)


حدثنا ابن إسحق قال: لقد بلغني أن الملكة أقامت تنتظر قدومهم لتقبض عليهم فاستبطأتهم فبعثت رسولا ثانيا تستحثهم. فقال له يوقنا: ارجع إلى صاحبتك وقل لها ما جرت بذلك عادة الملوك يبعثون يطلبون الرسل إلا لأمر يحدث وقد كنت عندها فما الذي تريده نصف الليل مني. فعاد الرسول وأخبرها بما قاله فركبت من وقتها وتقدمت وتقدمها حاجبها وأمرت الجيش كله أن يركب ودارت بيوقنا وأصحابه ولم تحدث بشيء إلى الصباح فأقبل صاحب الملكة إليهم وقال: ما حملكم أن تركتم دين آبائكم وهجرتم دين المسيح وأمه وقد جئتم تحتالون علينا ألا وإن المسيح قد غضب عليكم. فقال يوقنا: إن المسيح عبد من عبيد الله لا يقدر على شيء لأنه مأمور ومكلف وقد أنطقه الله بذلك وهو في المهد فقال: " إني عبد الله " مريم 30، وقال: " أوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا " مريم 31، " السلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا " مريم 33، ومن يؤمر بالصلاة والزكاة ويموت فليس بإله إنما هو عبد الله مكلف بالعبادة مثل واحد منا وأن الله لا يتشبه بأحد منا وأن الله لا يشبه شيء ولا يتشبه بأحد، ولقد أضلكم من صدكم عن ذلك، وزاغ بكم عن طريق الحق بقوله: على الله والمسيح، ولقد كنا مثلكم نسجد للصلبان ونعظم القربان ونسجد للصور ونجعل مع الله إلها آخر إلى أن تبين لنا دين محمد صلى الله عليه وسلم فشفانا بعد العمى وشرح صدورنا للهدى ودين الإسلام هو الدين الواضح وكنا نقول مثل قولكم إن المسيح ابن الله، وإن إبراهيم وإسحق كانا نصرانيين فكذبنا الله بقوله في كتابه: " ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين " آل عمران 67، وقال سبحانه: " ومن يتبع غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين " آل عمران85، وها نحن قد جئناكم لنجاهدكم إما أن تقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله وإما الجزية وإما القتال، قال: فلما سمع الحاجب كلامه قال لقومه: دونكم وهؤلاء قد جاؤوا يريدون قتلكم وأخذ أموالكم وأولادكم وحريمكم، قال: فاحملوا على يوقنا وأصحابه وعمل السيف بينهم بقية يومهم، فلما كان من الغد ركبوا وداروا بهم وتصايحت عليهم القبط وقتلوا هم من القبط خلقا كثيرا ولكنهم صبروا لأمر الله وقالوا: والله لا نسلم أنفسنا أو نموت كلنا فقد حصل لنا ما كنا نطلب من رضا ربنا قال ابن إسحق: حدثنا سيف بن شريح عن يونس بن زيد عن عبد الله بن عمر بن حفص عن عبد الله بن الحرث. قال: لما أخبرت الجواسيس أرمانوسة بقصة يوقنا أنفذت كتابا إلى أبيها المقوقس تعلمه بذلك وأنها مغلوبة معهم وأن العرب متوجهون مع رجل يقال له عمرو بن العاص وأنا منتظرة جوابك. قال: فلما وصل الكتاب إليه دعا أرباب دولته وقال لهم: قد تم من الأمر علي كذا وكذا فما تشيرون به علي. قالوا: أيها الملك نوى لك من الأمر أن تنقذ جيشا إلى الملكة ينصرها على عدوها، وتنفذ إلى جلب له ملك البرية تستنصر به على هؤلاء العرب وتنفذ إلى مازع بن قيس ملك البجاوة ينفذ لك جيشا وتنفذ إلى من بالإسكندرية يأتون وإلى من بالصعيد يأتون فإذا اجتمعت إليك هذه الأمم فالق بهم العرب ولا تأمن لهم فيطمعوا فيك. فقال: يا أهل دين النصرانية اعلموا أن الملك محتاج إلى سياسة، ومن ملك عقله ملك رأيه ومن ملك رأيه أمن من حوادث دهره وليست الغلبة بالكثرة وإنما هي بحسن التدبير، والله القد كان قيصر أكثر مني جهدا وأوسع بلادا وأعظم عدة وقد جمع من بلاد الروم إلى اليونانية ومن أقاليمه ومن القسطنطينية ومن سائر البلاد وبلاد الأندلس واستنصر بنا وبغيرنا فما أغنى عنه جمعه شيئا ولا قدر أن يرد القضاء والقدر عنه، واعلموا أن العقل أساس الأدمي المخاطب المكلف المفضل به على سائر ما خلق على الأرض، فمن ملك عقله ملك أمره ومن لم يجد منه حالا كان بجهله أرضيا، ولن تنال الحكمة إلا بالعقل.

(1/288)


قال الحكيم ماسوسي: إن الحكمة مرقى جليل وطالبها نبيل وتاركها ذليل لأنها غذاء الأرواح وقوت القلوب، واعلموا أني لست أتكلم إلا بالصدق وأنتم تعلمون أن محمدا في أيامه بعث إلينا، يدعونا إلى دينه فاستدليت على صدق قوله بكتابه وما ظهر من معجزاته وقد سمعتم أنه لما بعث ما سمع أحد بذكره إلا وخاف منه، وقد سمعتم أن القمر انشق له والذراع المسموم كلمه وقال: يا رسول الله إني مسموم فلا تأكلني وقد كلمه الضب والحجر والشجر والمدر وعرج به إلى السماء وركب أوج الماء وأول من تغلب عليه قومه وحاربه عشيرته حين أنكروا قوله وفعله فنصر عليهم وقهرهم وقد تبين لهم الحق فاتبعوه ونصروه، وهم هؤلاء الذين فتحوا الشام وما أنكرت من أمرهم شيئا فإنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون حدود الله التي أمر بها وما في كتابهم شيء إلا وفي الإنجيل مثلها وقد أضلكم بولس وأغواكم حين غر بكم وبدل شرعكم وسماكم باسم لا يليق بكم، وكيف وقد عاد بكم من الطريق الواضح وأحل لكم جميع ما حرم عليكم من قبل، وهذا هو عين المحال وداعية العمى أن تتعدوا ما قال نبيكم وكيف نبغي لروح الله عيسى ابن مريم أن يكلمكم بما لم يرسله الله إليكم. ثم إن بولص قال لكم: إنه أحل لكم الخنزير وشرت الخمر وارتكاب المعاصي ما ظهر منها وما بطن فأطعتم أمره وصدقتم قوله وحاشا المسيح أن يفعل ذلك، وما كان أحد من الأنبياء إلا على ما جاء به محمد، وهؤلاء الحكماء الأولون ما منهم إلا من يتكلم بوحدانية الله تعالى، وهذا الحكيم دمونا الذي صنع في براري أخيم أرصادا وجعلها مثلا للأمم الآتية، وذكر فيها من بأتي من الأمم والأجيال إلى آخر الزمان وصور الحكماء منفردة به والنسر يعقد رأس الحمل والنسر يقيم في كل برج ثلاثة آلاف سنة كما قدر بالمقدار الحكيمي. وكان قد صور صورة وكتب على رأسها بقلم اليونانية أربعة أسطر. الأول: من خاف الوعيد سلم مما يريد. الثاني: من خاف ما بين يديه صان دموعه بما في يديه. الثالث: إن كنت تريد الجزيل فلا تنم ولا تقيل. الرابع: بادر قبل نزول ما تحاذر، فمن كان هذا كلامهم فكيف صنع سواهم، وهذه فريضة هؤلاء القوم المحمديين. قال: فأطرقوا برؤوسهم إلى الأرض غيظا على الملك. قال: وما تكلم المقوقس بهذا الكلام حتى أوقف عنده من مماليكه ألف غلام فوق رأسه بالسيف، لأنه كان قد سمع ما جرى لقيصر وهرقل مع بطارقته لما جمعهم ونصحهم فوثبوا عليه وأرادوا قتله. أما المقوقس فإنه استوثق بمماليكه حتى لا يطمع فيه. قال: فلما تكلم بذلك قال له وزيره: أيها الملك رأيك راجح وأنا أول من يؤمن بما تقول. فقال الوزير: اكتب إلى ابنتي كتابا تأمرها فيه أن تتلطف بالقوم وتعطيهم الأمان وتنفذهم إلينا حتى نخلع عليهم وتطيب قلوبهم ويكونوا معنا يقاتلون من يريد قتالنا، وما أراد بذلك إلا أن يسلم مثل يوقنا وأصحابه إذ هم على الحق. قال: فكتب الوزير إلى الملكة كتابا بما قاله أبوها، فلما وصل الكتاب إليها وقرئ عليها أمرت أصحابها أن يرجعوا عن قتل يوقنا ومن معه فرجعوا وأرسلت إلى يوقنا تعلمه بكتاب أبيها وأرسلت إليه الكتاب، فلما قرأه قال لرسولها: امض إليها حتى أستخبر الله تعالى في ذلك.

(1/289)


فقال يوقنا لأصحابه: إن الله قد كشف حجاب الغفلة عن قلب هذا الملك وقد ظهر له ما ظهر لنا من الحق فما الذي ترون من الرأي؟ قالوا: نحن نسمع من رأيك. فقال: دعوني هذه الليلة. قال: فلما جن عليه الليل قام يصلي وأمر أصحاب أن لا ينزلوا عن خيولهم مخافة من غدر القوم فبينما هو يصلي وإذا بشخص قد دخل فارتاع منه ثم تأمله فإذا هو عمر بن أمية الضمري ساعي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه يوقنا فرح وكان قد رآه مرارا فقال له: مرحبا يا عمرو من أين. فقال: إن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بعثني إلى عمرو بن العاص لأحثه على المسير إلى مصر فوجدته قد وصل وها هو منك قريب وقد أرسلني إليك لأعرفه خبرك، فأخبره بما وقع له وقال له: امض يا عمرو ودعه يعجل بالمجيء يعيننا على هؤلاء القوم وحدثه بجميع ما جرى علينا. فرجع عمرو مسرعا إلى عمرو بن العاص وأعلمه بقصة يوقنا... قال: فترك عمرو بن العاص الأثقال ومعها من يحفظها وركب وسار بجرائد الخيل وترك مع الأثقال عامر بن ربيعة العامري، فما كان قبل طلوع الفجر إلا وهو عند يوقنا فدار بالقوم فلما أحس بهم يوقنا كبر هو ومن معه ورفع الجميع أصواتهم بالتهليل والتكبير ووضعوا السيف في القبط فما طلعت الشمس إلا وقد قتل من القبط أكثر من ألف وأسر منهما خلق كثير وولى الباقي منهزمين، وأخذت أرمانوسة ابنة الملك وجميع ما معها من الأموال والرجال والجواري والغلمان.
فقال عمرو بن العاص لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل يزيد بن أبي سفيان وهاشم بن سعيد الطائي والقعقاع بن عمرو التميمي وخالد بن سعيد وعبد الله بن جعفر الطيار وصفوان وأمثالهم: أن الله سبحانه وتعالى قد قال: " هل جزاء الإحسان إلا الإحسان " الرحمن: 60، وهذا الملك قد علمتم أنه كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث هدية ونحن أحق بمن كافأ عن نبيه صلى الله عليه وسلم هديته وكان يقبل الهدية ويشكر عليها وقد رأيت أن ننفذ إلى المقوقس ابنته وما أخذنا معها ونحن نتبع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سمعته يقول: " ارحموا عزيز قوم ذل، وغني قوم افتقر " فاستصوبوا رأيه فبعث بها مكرمة مع جميع ما معها مع قيس بن سعد رضي الله عنه.
ذكر فتح مدينة مصر
قال ابن إسحق الأموي رضي الله عنه: لما ورد المنهزمون على الملك وأخبروه بما تم عليهم وعلى ابنته... ضاق صدره وبقي متفكرا فيما يصنع وليس له نية في القتال مع الصحابة فبينما هو متفكر إذ جاءه البشير بقدوم ابنته وما معها فخف عنه بعض ما كان يجده، فلما دخل عليه قيس رفع مجلسه فوق الملوك والحجاب وأرباب دولته وكانوا قد اجتمعوا يهنئونه بابنته، فلما حضر قيس بن سعد سأله الملك عن أشياء لعل أصحابه أن تلين قلوبهم إلى الإسلام. فقال: يا أخا العرب أخبرني عن صاحبكم ما الذي كان يركب من الخيل؟ قال: الأشقر الأرتم المحجل في الساق وكان اسمه المترجل. فقال: لقد بلغنا أنة كان لا يركب إلا الجمال. فقال قيس: إن الله أكرم الإبل وشرفها قال لها: كوني فكانت وأخرج ناقة من الصخر وخص بها العرب من دون غيرهم من بني آدم وكان يركبها لكونها قد جعلها الله مباركة تقنع بما تجد وتصبر على الحمل الثقيل والسير الشديد وتصبر على الماء أياما وقد ذكرها ربنا في قوله في كتابه العزيز، فقال: " وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق " الحج: 27، وقال: " والبدن جعلناها لكم من شعائر الله " الحج: 36.

(1/290)


ولما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزواته غزوة بدر كان معه مائة ناضح من الإبل وكانمعه فرسان يركب أحدهما المقداد بن الأسود الكندي ويركب الآخر مصعب بن عمير وإنا لقينا قريشا في عددها وعديدها فهربوا ببركة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أصحابه يتعاقبون في الطريق، وكان عليه الصلاة والسلام وعلي بن أبي طالب ومرثد بن أبي مرثد حليف حمزة بن عبد المطلب وغيرهم يتعاقبون شامخا، وكان أيها الملك يركب الحمار الذي أهديته إليه ويردف وراءه معاذ بن جبل، وعلى الحمار ركاب من نيف وخطامه ليف، واعلم يا ملك القبط أنه كان يخصف نعله ويرفع ثوبه ويقول: " من رغب عن سنتي فليس مني " ، وكان قميصه من القطن قصير الطول والكفين ليس له أزرار ولقد أهدى إليه ذو يزن جبة اشتراها له قومه بثلاثة وثلاثين بعيرا فلبسها رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة واحدة وأهدى له جبة من الشام فلبسها حتى تخرقت وخفين فلبسهما حتى تخرقا، وكان له رداء طوله أربعة أذرع وعرضه ذراعات ونصف، وكان له ثوب خز يلبسه للوفد إذا قدموا عليه، وكان أفصح الناس إذا تكلم بكلمة يرددها ثلاثا، وكلما رأى قوما سلم عليهم ورأيته كلما تحدث تبسم في حديثه، وكان إذا اجتمع إليه أصحابه وأراد أن ينهض. قال: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، قلنا: يا رسول الله إن هذه الكلمات اتخذتهن عادة. قال: أمرني بهن جبريل وأخرجت لنا زوجته لما قبض كساء وإزارا غليظين، وقالت: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فوق هذين.
فقال المقوقس: هذه والله أخلاق الأنبياء فطوبى لمن اتبعه، فإن أمته هي الأمة الموصوفة في الإنجيل، فقال بعض من حضر: أيها الملك ما تكون أمة عند الله أفضل من هذه الأمة وهم نحن فغضب الملك من قوله، وقال: وبأي شيء أنتم أفضل عند الله أبأكلكم الحرام وارتكابكم الآثام وصنعكم المنكرات وتجنبكم الحسنات وظلمكم في الرعية وميلكم إلى الدنيا أين أنتم من قوم عبر عليهم الإسكندر فرآهم ليس بينهم قاض ولا حاكم ولا أمير قائم عليه ولا فيهم من يختص بالغنى دون أخيه، بل هم سواء في كل ما هم فيه، أكلهم وشربهم واحد غير متناف، ولا متضاد وملبسهم غير متناف ولا متباعد، فتعجب الإسكندر منهم وسأل الأكابر منهم عما رآه من أحوالهم. فقالوا: أيها الملك إنا وجدنا جمجمة وعليها مكتوب: يا ابن آدم ما خلقت إلا من التراب، وقد خلوت بما قدمت إما صالحا فيسرك، وإما طالحا فيضرك فتندم حيث لا ينفعك الندم ولم يكن لك إلى الدنيا مرجع، فطوبى للكيس العاقل الذي ليس ببليد ولا غافل، يتزود إلى ما إليه يصير ولا يلقي الاتكال على التقصير، فبادر إلى الخير قبل الموت واغتنم حياتك قبل الفوت، وكأنك بالحي وقد هلك وترك كل ما ملك، فلما قرأنا هذا اعتبرنا أيها الملك بهذه الموعظة البالغة ولبسنا أثوابها السابغة، فقال: ما بال مساجدكم شاسعة نائية وقبوركم دانية؟ فقالوا: أما مساجدنا فبعيدة ليكثر الأجر بكثرة الخطا وقبورنا قريبة لنذكر الموت فننتهي عن الخطأ، فقال: ما لي أرى أبوابكم بغير غلاق. قالوا: لأننا ما فينا خائن ولا سارق. فقال: ما لي لا أرى فيكم أميرا ولا حاكما. فقالوا: لأننا ما فينا معتد ولا ظالم...

(1/291)


فقال: ما لي لا أرى فيكم معسرا ولا فقيرا. قالوا: لأن رزق الله فينا الكبير والصغير، ثم إنهم أخرجوا له جمجمتين عظيمتين فقالوا: أيها الملك هذه جمجمة رجل عادل سالم وهذه جمجمة رجل ظالم وكلاهما صار إلى هذا المصير ولم يغن عنهما الجمع والتدبير. أما العادل فمسرور ريان، وأما الظالم فنادم حيران فاز المتقي وخسر الشقي، فاختر ما تراه قبل الحين أيها الملك لأنك قد ملكت النواصي ونفذ أمرك في الداني والقاصي واستخلفك الله في الأرض وأمرك بالقيام بالنفل والفرض، فتذكر مرجعك ورمسك واعمل لنفسك واعلم أنه لا ينفعك جدك إذا قبضت روحك وأشتمل عليك لحدك، فاترك أوامر الشيطان ودواعيه وخذ بأوامر الرحمن ونواهيه ولا يغريك النعيم فتبوء بالإثم العظيم، اذكر أيها الملك ما فعل الشيطان بأبيك حين نصب له مكيدته وأدار عليه حيلته فنصب له فخ العداوة وغره فيه بحبة البر. فقال قيس: أيها الملك أتدري من أولئك. قال: لا. قال: هم قوم مؤمنون قال الله عنهم في كتابه: " وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعملون " الأعراف: 181، وقد رآهم نبينا صلى الله عليه وسلم ليلة عرج به، فلما عاد أخبر أصحابه بهم، قالوا: يا رسول الله أهم قوم مؤمنون بما أنزل عليك؟ فأراد أن يعلمهم أن أمة محمد أفضل منهم فأنزل الله " وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعملون " الأعراف: 181، فقال المقوقس لقيس بن سعد: يا أخا العرب ارجع إلى أصحابك وأخبرهم بما سمعت وبما رأيت وانظر فيما يستقر عندكم وبينكم. فقال قيس: أيها الملك لا بد لنا منكم ولا ينجيكم منا إلا الإسلام أو أداء الجزية أو القتال. فقال المقوقس: أنا أعرض ذلك عليهم واعلم أنهم لا يجيبون لأن قلوبهم قاسية من أكل الحرام.
حدثنا ابن إسحق رضي الله عنه حدثنا عبد الله بن سهل عن علي بن حاطب عن سليمان بن يحيى قال: إن الملك المقوقس كان من عادته أنه في شهر رمضان لا يخرج إلى رعيته، ولا يظهر لأحد من أرباب دولته، ولا أحد منهم يعلم ما كان يصنع، وكانت مخاطبته لقيس بن سعد في أواخر شعبان سنة عشرين من الهجرة، فخرج قيس من عنده ومضى إلى عمر بن العاص وحدثه بما كان منه. قال ابن إسحق: وكان ولي عهد الملك ولده أسطوليس وكان جبارا عنيدا وأنه لما سمع ما تحدث به أبوه رأى ميله إلى الإسلام وعلم أنه لا يقاتلهم وربما أسلم وسلم إليهم ملكه صبر إلى أن دخل أبوه إلى خلوته التي اعتاد أن يدخلها ويختلي فيها كل سنة فجمع أرباب الدولة في الخفية لئلا يدري به أحد فيعلم أباه وقال لهم: اعلموا أنكم قد ملكتم هذا الملك وأن أبي يريد أن يسلمه إلى العرب لأنني فهمت من كلامه ذلك. فقالوا: أيها الملك أنت تعلم أن هذا الأمر مرجعه إليك، وأنت ولي عهده فاعمل أمرا يعود صلاحه عليك وعلينا. قال: فطلب صاحب شراب أبيه وأعطاه ألف دينار ووعده بكل جميل وأعطاه سما وقال له: ضعه في شرابه. قال: ففعل الساقي ما أمر به وسقى الملك فمات فأتى الساقي إلى أرسطوليس وأعلمه أن أباه قد مات فذهب إليه ودفنه في الخفية وقتل الساقي وجلس على سرير الملك كأنه نائب عن أبيه إذا غاب كعادته في كل عام ولم يعلم أحد بموته، هذا ما كان منه وأما عمرو بن العاص فإنه ارتحل من بلبيس ونزل على قليوب وبعث إلى أهل البلاد والقرى وطيب خواطرهم وقال لهم: لا يرحل أحد من بلده، ونحن نقنع بما توصلونه إلينا من الطعام والعلوفة فأجابوا إلى ذلك وارتحل من قليوب ونزل على بحر الحصى فارتجت بنزولهم إليها ووقع التشويش فيهم وعلا الضجيج وأغلقوا الدروب والدكاكين ووقف أهل كل درب على دربهم بالسلاح ليحموا حريمهم. قال: أما عمرو بن العاص فإنه أمر أهل اليمن ومن معه من العربان أن يحدقوا بالبلد، وأن أهل البلاد أقبلت إليهم بالعلوفة والطعام والخيرات وهم يردون عليهم من كل فج.

(1/292)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية