صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : فتوح الشام
المؤلف : الواقدي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

الجزء الأول
بسم الله الرحمن الرحيم
إنا فتحنا لك فتحا مبينا
إقبال الجند
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الإمام الواقدي رحمه الله تعالى آمين: حدثني أبو بكر بن الحسن بن سفيان بن نوفل بن محمد بن إبراهيم التيمي، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، وأبو سعيد مولى هشام ومالك بن أبي الحسن وإسماعيل مولى الزبير ومازن بن عوف من بني النجار، كل حدث عن فتوح الشام بما كان، قالوا جميعا: إنه لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف بعده أبو بكر الصديق رضي الله عنه قتل في خلافته مسيلمة الكذاب الذي ادعى النبوة، وقاتل بني حنيفة، وأهل الردة وأطاعته العرب، فعزم أن يبعث جيشه إلى الشام وصرف وجهه لقتال الروم فجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد وقام فيهم خطيبا فحمد الله عز وجل، وقال: يا أيها الناس رحمكم الله تعالى اعلموا أن الله فضلكم بالإسلام وجعلكم من أمة محمد عليه الصلاة والسلام، وزادكم إيمانا ويقينا ونصركم نصرا مبينا، وقال فيكم " اليوم كملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا " المائدة: 3، واعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عول أن يصرف همته إلى الشام فقبضه الله إليه واختار له ما لديه، ألا وإني عازم أن أوجه أبطال المسلمين إلى الشام بأهليهم ومالهم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنبأني بذلك قبل موته، وقال: " زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها " ، فما قولكم في ذلك. فقالوا: يا خليفة رسول الله مرنا بأمرك ووجهنا حيث شئت، فإن الله تعالى فرض علينا طاعتك. فقال تعالى: " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " النساء: 59، ففرح أبو بكر رضي الله عنه. ونزل عن المنبر وكتب الكتب إلى ملوك اليمن وأهل مكة وكانت الكتب فيها نسخة واحدة. وهي: بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم أما بعد: فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو، وأصلي على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وقد عزمت أن أوجهكم إلى بلاد الشام لتأخذوها من أيدي الكفار والطغاة فمن عول منكم على الجهاد والصدام، فليبادر إلى طاعة الملك العلام، ثم كتب " انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله " التوبة: 41، الآية، ثم بعث الكتب إليهم وأقام ينتظر جوابهم وقدومهم، وكان الذي بعثه بالكتب إلى اليمن أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فما مرت الأيام حتى قدم أنس رضي الله عنه يبشره بقدوم أهل اليمن وقال: يا خليفة رسول الله وحقك على الله ما قرأت كتابك على أحد إلا وبادر إلى طاعة الله ورسوله، وأجاب دعوتك وقد تجهزوا في العدد والعديد والزرد النضيد، وقد أقبلت إليك يا خليفة رسول الله مبشرا بقدوم الرجال، وأي رجال، وقد أجابوك شعثا غبرا وهم أبطال اليمن وشجعانها، وقد ساروا إليك بالفراري والأموال والنساء والأطفال، وكأنك بهم وقد أشرفوا عليك ووصلوا إليك فتأهب إلى لقائهم. قال: فسر أبو بكر رضي الله عنه بقوله سرورا عظيما، وأقام يومه ذلك حتى إذا كان من الغد أقبلوا إلى الصديق رضي الله عنه وقد لاحت غبرة القوم لأهل المدينة. قال: فأخبروه فركب المسلمون من أهل المدينة وغيرهم وأظهروا زينتهم وعلاهم ونشروا الأعلام الإسلامية ورفعوا الألوية المحمدية فما كان إلا قليل حتى أشرفت الكتائب والمواكب يتلو بعضها بعضا، قوم في أثر قوم وقبيلة في أثر قبيلة، فكان أول قبيلة ظهرت من قبائل اليمن حمير وهم بالدروع الداودية والبيض العادية والسيوف الهندية وأمامهم ذو الكلاع الحميري رضي الله عنه. فلما قرب من الصديق رضي الله عنه أحب أن يعرفه بمكانه وقومه وأشار بالسلام وجعل ينشد ويقول:
أتتك حمير بالأهلين والولد ... أهل السوابق والعالون بالرتب
أسد غطارفة شوس عمالقة ... يردوا الكماة غدا في الحرب بالقضب
الحرب عادتنا والضرب همتنا ... وذو الكلاع دعا في الأهل والنسب
دمشق لي دون كل الناس أجمعهم ... وساكنيها سأهويهم إلى العطب

(1/1)


قال: فتبسم أبو بكر الصديق رضي الله عنه من قوله، ثم قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: يا أبا الحسن أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إذا أقبلت حمير ومعها نساؤها تحمل أولادها فأبشر بنصر الله على أهل الشرك أجمعين " . فقال الإمام علي: صدقت وأنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أنس رضي الله عنه: وسارت حمير بكتائبها وأموالها وأقبلت من بعدها كتائب مذحج أهل الخيل العتاق والرماح الدقاق، وأمامهم سيدهم قيس بن هبيرة المرادي رضي الله عنه، فلما وصل إلى الصديق رضي الله جعل يقول: صلوا على طه الرسول:
أتتك كتائب منا سراعا ... ذوو التيجان أعني من مراد
فقدمنا أمامك كي ترانا ... نبيد القوم بالسيف النجادي
قال: فجزاه أبو بكر رضي الله عنه وتقدم بكتائبه ومواليه، وتقدمت من بعده قبائل طيئ يقدمها حارث بن مسعد الطائي رضي الله عنه، فلما وصل هم أن يزجل فأقسم عليه أبو بكر رضي الله عنه بالله تعالى أن لا تفعل فدنا منه فصافحه وسلم عليه وأقبلت الأزد في جموع كثيرة يقدمها جندب بن عمرو الدوسي رضي الله عنه، ثم جاءت من بعدهم بنو عبس يقدمهم الأمير ميسرة بن مسروق العبسي رضي الله عنه، وأقبلت من بعدهم بنو كنانة يقدمهم غيشم بن أسلم الكناني وتتابعت قبائل اليمن يتلو بعضها بعضا ومعهم نساؤهم وأموالهم، فلما نظر أبو بكر رضي الله عنه إلى نصرتهم سر بذلك وشكر الله تعالى وأنزل القوم حول المدينة كل قبيلة متفرقة عن صاحبتها واستمروا فأضر بهم المقام من قلة الزاد وعلف الخيل وجدوبة الأرض فاجتمع أكابرهم عند الصديق رضي الله عنه، وقالوا: يا خليفة رسول الله إنك أمرتنا بأمر فأسرعنا لله ولك رغبة في الجهاد وقد تكامل جيشنا وفرغنا من أهبتنا، والمقام قد أضر بنا لأن بلدك ليست بلد جيش، ولا حافر ولا عيش، والعسكر نازل فإن كنت قد بدلت فيما عزمت عليه فأمرنا بالرجوع إلى بلدنا وأقبل الجميع وخاطبوه بذلك، فلما فرغوا من كلامهم قال أبو بكر رضي الله عنه: يا أهل اليمن، ومن حضر من غيرهم. أما والله ما أريد لكم الإضرار، وإنما أردنا تكاملكم، قالوا: إنه لم يبق من ورائنا أحد فاعزم على بركة الله تعالى.
وصية أبي بكر

(1/2)


قال المؤلف رحمه الله تعالى: لقد بلغني أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قام من ساعته يمشي على قدميه وحوله جماعة من الأصحاب منهم عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين، وخرجوا إلى ظاهر المدينة ووقع النداء في الناس وكبروا بأجمعهم فرحا لخروجهم وأجابتهم الجبال لدوي أصواتهم، وعلا أبو بكر على دابته حتى أشرف على الجيش فنظر إليهم قد ملئوا الأرض فتهلل وجهه، وقال: اللهم أنزل عليهم الصبر وأيدهم ولا تسلمهم إلى عدوهم " إنك على كل شيء قدير " البقرة: 20، وكان أول من دعاه أبو بكر يزيد بن أبي سفيان وعقد له راية وأمره على ألف فارس من سائر الناس ودعا بعده رجلا من بني عامر بن لؤي يقال له ربيعة بن عامر، وكان فارسا مشهورا في الحجاز فعقد له راية وأمره على ألف فارس، ثم أقبل أبو بكر على يزيد بن أبي سفيان، وقال له: هذا ربيعة بن عامر من ذوي العلى والمفاخر قد علمت صولته وقد ضممته إليك وأمرتك عليه فاجعله في مقدمتك وشاوره في أمرك ولا تخالفه. فقال يزيد: حبا وكرامة. وأسرعت الفرسان إلى لبس السلاح واجتمع الجند وركب يزيد بن أبي سفيان، وربيعه بن عامر وأقبلا بقومهما إلى أبي بكر رضي الله عنه فأقبل يمشي مع القوم. فقال يزيد: يا خليفة رسول الله الناجي من غضب الله من رضيت عنه لا نكن على ظهور خيولنا، وأنت تمشي فإما أن تركب وإما أن ننزل. فقال: ما أنا براكب وما أنتم بنازلين، وسار إلى أن وصل إلى ثنية الوداع فوقف هناك فتقدم إليه يزيد فقال: يا خليفة رسول الله أوصنا، فقال: إذا سرت فلا تضيق على نفسك ولا على أصحابك في مسيرك ولا تغضب على قومك ولا على أصحابك وشاورهم في الأمر واستعمل العمل وباعد عنك الظلم والجور فإنه لا أفلح قوم ظلموا ولا نصروا على عدوهم، " وإذا لقيتم القوم فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير " آل عمران: 20، وإذا نصرتم على عدوكم فلا تقتلوا ولدا ولا شيخا ولا امرأة ولا طفلا ولا تعقروا بهيمة إلا بهيمة المأكول ولا تغدروا إذا عاهدتم ولا تنقضوا إذا صالحتم، وستمرون على قوم في الصوامع رهبانا يزعمون أنهم ترقبوا في الله فدعوهم ولا تهدموا صوامعهم وستجدون قوما آخرين من حزب الشيطان وعبدة الصلبان قد حلقوا أوساط رؤوسهم حتى كأنها مناحيض العظام فاعلوهم بسيوفكم حتى يرجعوا إلى الإسلام أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وقد استودعتكم الله، ثم عانقه وصافحه وصافح ربيعة بن عامر، وقال: يا عامر أظهر شجاعتك على بني الأصفر بلغكم الله آمالكم، وغفر لنا ولكم. قال: وسار القوم ورجع أبو بكر رضي الله عنه بمن معه إلى المدينة قال: فجد القوم في السير، فقال ربيعة بن عامر: ما هذا السير يا يزيد، وقد أمرك أبو بكر أن ترفق بالناس في سيرك فقال يزيد: يا عامر إن أبا بكر رضي الله عنه سيعقد العقود ويرسل الجيوش فأردت أن أسبق الناس إلى الشام فلعلنا أن نفتح فتحا قبل تلاحق الناس بنا فيجتمع بذلك ثلاث خصال: رضاء الله عز وجل، ورضاء خليفتنا، وغنيمة نأخذها. فقال ربيعة: فسر الآن ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. قال: فأخذ القوم في السير على وادي القرى ليخرجوا على تبوك ثم على الجابية إلى دمشق. قال: واتصل الخبر للملك هرقل من قوم من عرب اليمن المتنصرة كانوا في المدينة، فلما صح عند الملك ذلك جمع بطارقته في عسكره، وقال لهم: يا بني الأصفر إن دولتكم قد عزمت على الانهزام، ولقد كنتم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتقيمون الصلاة وتؤثرون الزكاة التي أمركم بها الآباء والأجداد والقسس والرهبان، وتقيمون حدود الله التي أمركم بها في الإنجيل لا جرم أنكم ما قصدكم ملك من ملوك الوشاة ونازعكم على الشام إلا وقهرتموه ولقد قصدكم كسرى بجنود فارس فانكسروا على أعقابهم، والآن قد بدلتم وغيرتم فظلمتم وجرتم، وقد بعث إليكم ربكم قوما لم يكن في الأمم أضعف منهم عندنا، وقد رمتهم شدة الجوع إلينا وأتى بهم إلى بلادنا وبعثهم صاحب نبيهم ليأخذوا ملكنا من أيدينا ويخرجونا من بلادنا، ثم إنه حدثهم بالذي سمعه من طرسيسه.

(1/3)


فقالوا: أيها الملك نردهم عن مرادهم ونصل إلى مدينتهم ونخرب كعبتهم قال: فلما سمع مقالتهم وتبين اغتياظهم جرد منهم ثمانية آلاف من أشجع فرسانهم وأمر عليهم خمسة من بطارقتهم، وهم البطاليق وأخوه جرجيس وصاحب شرطته ولوقا بن سمعان وصليب بن حنا صاحب غزة، وكانت هذه الخمس البطارقة يضرب بهم المثل في الشجاعة والبراعة، ثم تدرعوا وأظهروا زينتهم، وصلت عليهم الأمة صلاة النصر. فقالوا: اللهم انصر من كان منا على الحق وبخروهم ببخور الكنائس، ثم رشوا عليهم من ماء العمودية وودعوا الملك وساروا وأمامهم العرب المتنصرة يدلونهم على الطريق. قال: حدثني رفاعة عن ياسر بن الحصين. قال: بلغني أن أول من وصل إلى تبوك كان يزيد بن سفيان وربيعة بن عامر ومن معهما من المسلمين قبل وصول الروم بثلاثة أيام، فلما كان في اليوم الرابع والمسلمون قد هموا بالرحيل إلى الشام إذ أقبل جيش الروم، فلما رآه المسلمون أخذوا على أنفسهم وكمن ربيعة بأصحابه الألف وأقبل يزيد بأصحابه الألف ووعظهم وذكر الله تعالى. وقال لهم: اعلموا أن الله وعدكم النصر وأيدكم بالملائكة، وقال الله تعالى في كتابه العزيز: " كم من فئة قليلة غلبت فئة كبيرة بإذن الله والله مع الصابرين " البقرة: 249، وقد قال صلى الله عليه وسلم: " الجنة تحت ظلال السيوف " وأنتم أول جند دخل الشام وتوجه لقتال بني الأصفر فكأنكم بجنود الشام، وإياكم أن تطمعوا العدو فيكم وانصروا الله ينصركم، فبينما يزيد يعظ الناس وإذا بطلائع الروم قد أقبلت وجيوشها قد ظهرت فلما رأوا قلة العرب طمعوا فيهم وظنوا أنه ليس وراءهم أحد فبربر بعضهم على بعض بالرومية وقالوا دونكم من يريد أخذ بلادكم واستنصروا بالصليب فإنه ينصركم، ثم حملوا وتلقاهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بهمم عالية وقلوب غير دانية ودار القتال بينهم وتكاثرت الروم عليهم وظنوا أنهم في قبضتهم إذ خرج عليهم ربيعة بن عامر رضي الله عنه بالكمين، وقد أعلنوا بالتهليل والتكبير والصلاة على البشير النذير، وحملوا على الروم حملة صادقة، فلما عاينت الروم من خرج عليهم أنكسروا، وألقى الله الرعب في قلوبهم فتقهقروا إلى ورائهم ونظر ربيعة بن عامر إلى البطاليق وهو يحرض قومه على القتال فعلم أنه طاغية الروم فحمل عليه وطعنه طعنة صادقة فوقعت في خاصرته وطلعت من الناحية الأخرى، فلما نظرت الروم إلى ذلك ولوا الأدبار وركنوا إلى الفرار ونزل النصر على طائفة محمد المختار. حدثنا سعد بن أوس عن السرية التي أنفذها أبو بكر الصديق رضي الله عنه مع يزيد بن أبي سفيان وربيعة بن عامر، قال: قد اجتمعا بعساكر الروم في أرض تبوك مع البطاليق وهزمهم الله تعالى على أيدينا، وكان جملة من قتل منهم ألفا ومائتين، ومن قتل من المسلمين مائة وعشرين رجلا. قال: وإن القوم لما انهزموا قال لهم جرجيس وهو أخو المقتول: يا ويلكم بأي وجه ترجعون إلى الملك، وقد عملوا فينا عملا ذريعا، وملئوا الأرض من قتلانا ولا أرجع حتى أخذ بثأر أخي أو ألحق به. قال: واجتمع القوم وسمعوا منه ذلك ورجع بعضهم إلى بعض وعادوا إلى القتال، فلما استقروا في خيامهم بعثوا رجلا من العرب المتنصرة اسمه القداح، وقالوا له: امض إلى بني عمك وقل لهم يبعثوا إلينا رجلا من كبارهم وعقلائهم حتى ننظر ما يريدون منا. قال: فركب القداح جواده وأقبل نحو جيش المسلمين، فلما رأوه مقبلا إليهم استقبله رجال من الأوس وقالوا له: ماذا تريد. قال لهم: إن البطارقة يريدون رجالا من عقلائكم ليخاطبوهم فيما يريد الله من صلاح شأن الجمعين. قال فأخبروا يزيد بن ربيعة بما قال المتنصر. فقال ربيعة بن عامر: أنا أسير إلى القوم..
فقال يزيد: يا ربيعة أنا أخاف عليك من القوم لأنك قد قتلت كبيرهم بالأمس.

(1/4)


فقال ربيعة " قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون " التوبة: 51، وإني أوصيك والمسلمين أن تكون همتكم عندي فإذا رأيتم القوم غدروا بي فاحملوا عليهم ثم ركب جواده وسار حتى أتى جيش الروم وقرب من سرادق أميرهم. فقال القداح: عظم جيش الملك وانزل عن جوادك. فقال ربيعة رضي الله عنه: ما كنت بالذي أنتقل من العز إلى الذل ولست أسلم جوادي لغيري وما أنا بنازل إلا على باب السرادق وإلا رجعت من حيث جئت لأننا ما بعثنا إليكم، بل أنتم بعثتم إلينا قال: فأعلم القداح الروم بما تكلم به ربيعة بن عامر. فقال بعضهم لبعض: صدق العربي في قوله دعوه ينزل حيث أراد قال: فنزل ربيعة على باب السرادق وجثا على ركبته وأمسك عنان جواده بيده وسلاحه معه. فقال له جرجيس: يا أخا العرب لم تكن أمة أضعف منكم عندنا وما كنا نحدث أنفسنا أنكم تغزوننا وما الذي تريدون منا. فقال ربيعة: نريد منكم أن تدخلوا في ديننا، وأن تقولوا بقولنا، وإن أبيتم تعطونا الجزية عن يد وأنتم صاغرون وإلا فالسيف بيننا وبينكم. فقال جرجيس: فما منعكم أن تقصدوا الفرس وتدعون الصداقة بيننا وبينكم؟. فقال ربيعة: بدأنا بكم لأنكم أقرب إلينا من الفرس، وإن الله تعالى أمرنا في كتابه بذلك قال الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة " التوبة: 123، قال جرجيس: فهل لك أن تعقد الصلح بيننا وبينكم وأن نعطي كل رجل منكم دينارا من ذهب وعشرة أوسق من الطعام وتكتبوا بيننا وبينكم كتاب الصلح لا تغزون إلينا ولا نغزوا إليكم. قال ربيعة: لا سبيل إلى ذلك وما بيننا وبينكم إلا السيف أو أداء الجزية أو الإسلام. قال جرجيس: أما ما ذكرت من دخولنا في دينكم فلا سبيل إلى ذلك ولو نهلك عن آخرنا لأننا لا نرى لديننا بدلا. وأما إعطاء الجزية فإن القتل عندنا أيسر من ذلك، وما أنتم بأشهى منا إلى القتال والحرب والنزال لأن فينا البطارقة وأولاد الملوك رجال الحرب وأرباب الطعن والضرب. قال جرجيس لأصحابه: علي بأنفس صقالبة حتى يناظروا هذا البدوي في كلامه. قال: وكان الملك هرقل قد بعث معهم قسيسا عظيما عارفا بدينهم مجادلا عن شرعهم. قال: فأتى الحاجب به، فلما استقر به الجلوس قال له جرجيس: يا أبانا أستخبر من هذا الرجل عن شريعتهم، وعن دينهم. فقال القسيس: يا أخا العرب إنا نجد في علمنا أن الله تعالى يبعث من الحجاز نبيا عربيا هاشميا قرشيا علامته أن الله تعالى يسري به إلى السماء أكان ذلك أم لا، قال: نعم أسرى به، وقد ذكره ربنا في كتابه العزيز بقوله تعالى: " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا " الإسراء:1 ، قال القسيس: إنا نجد في كتابنا أن ربنا يفرض على هذا النبي وأمته شهرا يصومونه يقال له شهر رمضان. قال ربيعة: نعم، وقد قرأنا في القرآن العظيم " شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، البقرة: 185، فقال القسيس: إنا وجدنا في كتابنا أن من أحسن حسنة تكتب بعشرة. قال ربيعة: نعم، قال الله تعالى: " من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون " الأنعام: 160، قال القسيس: إنا نجد في كتابنا أن الله يأمر أمته بالصلاة عليه. قال ربيعة: نعم، وقد قال الله في كتابه العزيز: " إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما " الأحزاب: 56، قال: فعجب القسيس من كلامه وقال للبطارقة: إن الحق مع هؤلاء القوم. فقال بعض الحجاب: إذ هذا هو الذي قتل أخاك. فلما سمع ذلك ازورت عيناه وغضب غضبا شديدا وهم أن يثب على ربيعة ففهم ربيعة ذلك منه فوثب من مكانه أسرع من البرق وضرب بيده إلى قائم سيفه وعجل جرجيس بضربة فجندله صريعا قتيلا ووثب على فرسه فركبها فأسرعت البطارقة إليه وهو راكب فحمل فيهم ونظر يزيد بن أبي سفيان إلى ذلك. فقال للمسلمين: إن أعداء الله قد غدروا بصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فدونكم وإياهم، فحمل المسلمون على المشركين واختلط الجيش بالجيش وصبرت الروم لقتال العرب فبينما هم في القتال أشرفت جيوش المسلمين مع شرحبيل بن حسنة كاتب وحي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما نظر المسلمون إلى إخوانهم في

(1/5)


القتال حملوا على القوم حملة صادقة وحكمت سيوفهم في قمم الروم.تال حملوا على القوم حملة صادقة وحكمت سيوفهم في قمم الروم.
قال الواقدي: لقد بلغني أن الثمانية آلاف المذكورة من الروم لم ينج منهم أحد لأن العرب التقطوهم بسبق الخيل وبعد الشام من تبوك، ثم إن المسلمين أخذوا أموال وخيامهم، ثم سلموا على شرحبيل ومن معه وجمعوا المال والغنائم. فقالوا: نبعث الجميع إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه فرضوا بذلك وبعثوا الجميع إلا العدة والسلاح، وبعثوا مع الغنائم والأموال شداد بن أوس رضي الله عنه في خمسمائة فارس، ولما وصل بالمال إلى المدينة المنورة وعاين المسلمون أموال المشركين رفعوا أصواتهم بالتهليل والتكبير، والصلاة على البشير النذير محمد صلى الله عليه وسلم، وسمع الصديق بقدوم شداد بن أوس رضي الله عنه ومن معه من المسلمين ففرح بذلك فرحا شديدا، ثم أقبلوا إلى الصديق وأعلموه بالفتح بعد أن سلموا عليه فسجد لله عز وجل، ثم كتب كتابا إلى أهل مكة يستدعيهم إلى الجهاد مضمونه: بسم الله الرحمن الرحيم من أبي بكر إلى أهل مكة وسائر المؤمنين فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو، وأصلي على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.
أما بعد: فإني قد استنفرت المسلمين إلى الجهاد وفتح بلاد الشام، وقد كتبت إليكم وإلى المسلمين أن تسرعوا إلى ما أمركم به ربكم تبارك الله وتعالى: إذ يقول الله عز وجل " انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون " التوبة: 41، وهذه الآية فيكم وأنتم أحق بها وأهلها، وأول من صدق وقام بحكمها من ينصر دين الله فالله ناصره، ومن بخل استغنى الله عنه والله غني حميد، فسارعوا إلى جنة عالية قطوفها دانية أعدها الله للمهاجرين والأنصار، فمن اتبع سبيلهم كتب من الأولياء الأخيار، وحسبنا الله ونعم الوكيل. قال: وختم الكتاب ودفعه إلى عبد الله بن حذافة، فأخذه وسار حتى وصل مكة وصرخ في أهلها، فاجتمعوا إليه فدفع إليهم الكتاب فقرأوه على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما سمعوه قال سهل بن عمرو والحارث بن هشام وعكرمة بن أبي جهل، وقالوا: أجبنا داعي الله وصدقنا قول نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فأما عكرمة فإنه قال: إلى متى نبسط لأنفسنا وقد سبقنا القوم إلى المواطن، وقد فاز من فاز بالصدق، وإن كنا تأخرنا عن السبق فاللحاق السباق فلعلنا نكتب في الحال.. ثم خرج عكرمة بن أبي جهل في بني مخزوم وخرج الحارث بن هشام معهم وتلاحق أهل مكة خمسمائة رجل، وكتب أبو بكر للطائف فخرجوا في أربعمائة رجل.
قال الواقدي: خرج بهم سعيد بن خالد بن سعيد بن العاص وكان غلاما نجيبا، وذلك أن سعيد بن خالد أتى إلى الصديق رضي الله عنه. فقال: يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم إنك أردت أن تعقد لأبي خالد راية ويكون قائدا من قواد جيشك، فتكلم فيه المتكلمون فعزلته حين رجع من بعثتك، وقد حبس نفسه في سبيل الله عز وجل ولم أزل مجيبا دعوتك في بعثتك، فهل لك أن تقدمني على هذا الجيش، فوالله لا يراني الله وانيا أبدا ولا عاجزا عن الحرب، قال: وكان سعيد بن خالد غلاما نجيبا أنجب من أبيه وأفرس، فعقد له أبو بكر راية ودفعها إليه وأمره على ألفين من العرب. قال: فلما سمع عمر بن الخطاب كلام سعيد بن خالد وأنه خير من أن يكون أميرا كره له ذلك وأقبل على الصديق رضي الله عنه. وقال: يا خليفة رسول الله عقدت هذه الراية لسعيد بن خالد على من هو خير منه، ولقد سمعته يقول عندما عقدتها على رغم الأعادي والله لتعلم أنه ما يريد بالقول غيري، والله ما تكلمت في أبيه.
قال الواقدي: فثقل ذلك على أبي بكر وكره أن لا يعقد له، وكره أيضا أن يخالف عمر لمحبته له ونصحه ومنزلته عند النبي صلى الله عليه وسلم ووثب قائما، ودخل على عائشة رضي الله عنها وأخبرها بخبر عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وما كان من كلامه. فقالت عائشة: قد علمت أن عمر ينصر الدين ويريد النصر لرب العالمين، وما في قلب عمر بغض للمسلمين. قال: فقبل قول عائشة رضي الله عنها، ثم دعا بأزد الدوسي وقال له: امض إلى سعيد بن خالد وقل له: رد علينا رايتك. قال: فردها، وقال: والله لأقتلن تحت راية أبي بكر حيث كان، فإني قد حبست نفسي في سبيل الله.

(1/6)


قال الواقدي: ولقد بلغني أن الصديق حال تفكره فيمن يقدم طليعة الجيش. قال: فتقدم إليه سهل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل وهشام بن الحارث، وقالوا: اشهدوا أننا قد حبسنا أنفسنا في سبيل الله فلا نرجع عن القتال أبدا. فقال أبو بكر: اللهم بلغهم أفضل ما يؤملون. ثم إن أبا بكر دعا عمرو بن العاص. فسلم إليه الراية وقال: قد وليتك على هذا الجيش، يعني أهل مكة والطائف وهوازن وبني كلاب فانصرف إلى أرض فلسطين، وكاتب أبا عبيدة وأنجده إذا أرادك ولا تقطع أمرا إلا بمشورته: امض بارك الله فيك وفيهم. قال: فأقبل عمرو بن العاص على عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وقال له: يا أبا حفص أنت تعلم شدتي على العدو وصبري على الحرب، فلو كلمت الخليفة أن يجعلني أميرا على أبي عبيدة، وقد رأيت منزلتي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وإني أرجو أن يفتح الله على يدي البلاد ويهلك الأعداء. قال عمر رضي الله عنه: ما كنت بالذي أكذبك وما كنت بالذي أكلمه في ذلك، فإنه ليس على أبي عبيدة أمير، ولأبي عبيدة عندنا أفضل منزلة منك، وأقدم سابقة منك والنبي صلى الله عليه وسلم قال فيه: " أبو عبيدة أمين الأمة " قال عمرو: ما ينقص من منزلته إذا كنت واليا عليه. قال عمر بن الخطاب: ويلك يا عمرو إنك ما تطلب بقولك هذا إلا الرياسة والشرف فاتق الله ولا تطلب إلا شرف الآخرة ووجه الله تعالى، فقال عمرو بن العاص: إن الأمر كما ذكرت. ثم أمر الناس بالمسير تحت رايته فساروا، وتقدم أهل مكة وتبعهم بنو كلاب وطيئ وهوازن وثقيف وتخلف المهاجرون والأنصار ليسيروا مع أبي عبيدة بن الجراح.
وصية الصديق لعمرو بن العاص

(1/7)


وتقدم عمرو بن العاص وسار. قال أبو الدرداء: كنت مع عمرو بن العاص في جيشه، فسمعت أبا بكر يقول وهو يوصيه: اتق الله في سرك وعلانيتك واستحيه في صلواتك فإنه يراك في عملك، وقد رأيت تقدمتي لك على من هو أقدم منك سابقة وأقدم حرمة فكن من عمال الآخرة، وأرد بعملك وجه الله وكن والدا لمن معك وارفق بهم في السير فإن فيهم أهل ضعف، والله ناصر دينه ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وإذا سرت بجيشك فلا تسر في الطريق التي سار فيها يزيد وربيعة وشرحبيل، بل اسلك طريق إيليا حتى تنتهي إلى أرض فلسطين، وابعث عيونك يأتونك بأخبار أبي عبيدة، فإن كان ظافرا بعدوه فكن أنت لقتال من في فلسطين، وإن كان يريد عسكرا فأنفذ إليه جيشا في أثر جيش، وقدم سهل بن وعمرو وعكرمة بن أبي جهل والحارث بن هشام وسعيد بن خالد، وإياك أن تكون وانيا عما ندبتك إليه، وإياك والوهن أن تقول: جعلني ابن أبي قحافة في نحر العدو ولا قوة لي به، وقد رأيت يا عمرو ونحن في مواطن كثيرة ونحن نلاقي ما نلاقي من جموع المشركين ونحن في قلة من عدونا ثم رأيت يوم حنين ما نصر الله عليهم. واعلم يا عمرو أن معك المهاجرين والأنصار من أهل بحر، فأكرمهم واعرف حقهم ولا تتطاول عليهم بسلطانك ولا تداخلك نجدة الشيطان فتقول: إنما ولأني أبو بكر لأني خيرهم، وإياك وخداع النفس وكن كأحدهم، وشاورهم فيما تريد من أمرك، والصلاة ثم الصلاة، أذن بها إذا دخل وقتها ولا تصل صلاة إلا بأذان يسمعه أهل العسكر، ثم ابرز وصل بمن رغب في الصلاة معك فذلك أفضل له، ومن صلاها وحده أجزأته صلاته واحذر من عدوك وأمر أصحابك بالحرس ولتكن أنت بعد ذلك مطلعا عليهم وأطل الجلوس بالليل على أصحابك وأقم بينهم واجلس معهم ولا تكشف أستار الناس، واتق الله إذا لاقيت العدو، وإذا وعظت أصحابك فأوجز وأصلح نفسك تصلح لك رعيتك فالإمام ينفرد إلى الله تعالى فيما يعلمه وما يفعله في رعيته وإني قد وليتك على من قد مررت من العرب فاجعل كل قبيلة على حميتها، وكن عليهم كالوالد الشفيق الرفيق وتعاهد عسكرك في سيرك وقدم قبلك طلائعك فيكونوا أمامك، وخلف على الناس من ترضاه، وإذا رأيت عدوك فاصبر ولا تتأخر فيكون ذلك منك فخرا، والزم أصحابك قراءة القرآن وانههم عن ذكر الجاهلية وما كان منها فإن ذلك يورث العداوة بينهم، وأعرض عن زهرة المني حتى تلتقي بمن مضى من سلفك وكن من الأئمة الممدوحين في القرآن إذ يقول الله تعالى: " وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين " الأنبياء: 73، قال: فكان أبو بكر رضي الله عنه يوصي عمرو بن العاص وأبو عبيدة حاضر، ثم قال: سيروا على بركة الله تعالى وقاتلوا أعداء الله وأوصيكم بتقوى الله فإن الله ناصر من ينصره. قال: فسلم المسلمون عليه وودعوا وساروا في تسعة آلاف مع من ذكرنا يريدون أخذ فلسطين، فلما كان بعدهم بيوم واحد عقد العقود والرايات إلى أبي عبيدة بن الجراح وأمره بأن يقصد بمن معه أرض الجابية، وقال: يا أمين الأمة قد سمعت ما وصيت به عمرو بن العاص وودعه المسلمون، فلما عاد أبو بكر والمسلمون دعا بخالد بن الوليد وعقد له راية، وكانت له راية النبي صلى الله عليه وسلم وأمره على لخم وجذام وضم له جيش الزحف وكانوا شجعانا ما منهم إلا من شهد الوقائع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: يا أبا سليمان قد وليتك على هذا الجيش فاقصد به أرض العراق وفارس وأرجو الله أن ينصركم. ثم إنه ودعه وسار خالد بمن معه يطلب العراق.

(1/8)


قال: حدثني ربيعة بن قيس. قال: كنت في الجيش الذي وجهه أبو بكر الصديق مع عمرو بن العاص إلى فلسطين وإيليا. وكان صاحب رايته سعيد بن خالد. قال: وبعث أبو بكر مع كل جيش أميرا وهو يدعو لهم بالنصر وأخذه القلق على المسلمين حتى عرف ذلك في وجهه. فقال له عثمان بن عفان رضي الله عنه: ما هذا الغم الذي نزل بك. فقال: اغتممت على جيوش المسلمين وأرجو الله أن ينصرهم على عدوهم. فقال عثمان: والله ما خرج جيش سررت به إلا هذا الجيش الذي سار إلى الشام، وهذا الذي أوصى الله نبيه به، وليس في قوله خلف. وإنا سنظهر على الروم وفارس ولكن ما ندري متى يكون أفي هذا البعث أو غيره ولكن أحسن الظن بالله. قال: وبات الصديق فرأى في منامه كأن عمرو بن العاص في وجهه طرمة هو وأصحابه ثم قصد عمرو أرضا خضرة سهلة وفرجة فحمل على فرسه، ثم أتبعه أصحابه، فإذا هم في أرض واسعة فنزلوا واستراحوا قال: وانتبه أبو بكر من منامه فرحا بما رأى. فقال عثمان: يدل على فتح إلا أنه يوشك أن يلقى عمرو في قتال المشركين مشقة عظيمة ثم يخلص منها.
قال الواقدي: كانت الساقطة تنزل المدينة في الجاهلية والإسلام يقدمون بالبر والشعير والزيت والتين والقماش، وما يكون في الشام، فقدم بعض الساقطة إلى المدينة، وأبو بكر ينفذ الجيوش وسمعوا كلام أبي بكر لعمرو بن العاص، وهو يقول: عليك بفلسطين وإيليا. قال: فساروا بالخبر إلى الملك هرقل. فلما سمع ذلك جمع أرباب دولته وبطارقته وأعلمهم بالحديث الذي جرى وقال: يا بني الأصفر هذا الذي كنت حذرتكم منه قديما وإن أصحاب هذا النبي لا بد أن تملك ما تحت سريري هذا وقد قرب الوعد، وإن خليفة محمد قد أنفذ لكم الجيوش وكأنكم بهم وقد أتوكم وقصدوا نحوكم فحذروا أنفسكم وقاتلوا عن دينكم، وعن حريمكم فإن تهاونتهم ملكت العرب بلادكم وأموالكم. قال: فبكى القوم، فقال لهم: دعوا عنكم البكاء، ثم قال له وزيره: أيها الملك قد اشتهينا أن تدعو بعض من قدم بهذا الخبر عليك فأمر هرقل بعض حجابه أن يأتي برجل من المتنصرة ممن قدم عليه بالأخبار فأتى برجل منهم، فقال له الملك: كم عهدك؟ قال: منذ خمسة وعشرين يوما. قال: فمن المتولي عليهم؟ قال له: رجل يقال له أبو بكر الصديق وجه جيوشه إلى بلدك، قال: هل رأيت أبا بكر؟ قال: نعم وإنه أخذ مني شملة بأربعة دراهم وجعلها على كتفه وهو كواحد منهم، وهو يمشي في ثوبين ويطوف بالأسواق ويدور على الناس يأخذ الحق من القوي للضعيف. قال هرقل: صفه لي. قال: هو رجل آدم اللون خفيف العارضين. فقال هرقل: وحق ديني هو صاحب أحمد الذي كنا نجد في كتبنا أنه يقوم بالأمر من بعده، ونجد في كتبنا أيضا أن بعد هذا الرجل رجلا آخر طويلا كالأسد الوثاب يكون على يديه الدمدمة والجلاء. قال: فشهق المتنصر من قول هرقل. وقال: إن هذا الذي وصفته لي رأيته معه لا يفارقه. قال هرقل: هذا الأمر والله قد صح وقد دعوت الروم إلى الرشد والصلاح، فأبوا أن يطيعوني، وأن ملكي سوف ينهدم، ثم عقد صليبا من الجوهر، وأعطاه قائد جيوشه روبيس. وقال له: قد وليتك على الجيوش فسيروا لمنع العرب من فلسطين فإنها بلد خصب كثيرة الخير وهي عزنا وجاهنا وتاجنا، فتسلم روبيس الصليب وسار من يومه إلى أجنادين واتبعه جيش الروم.
عمرو بن العاص في فلسطين
قال الواقدي: لقد بلغني أن عمرو بن العاص توجه إلى إيليا، حتى وصل إلى أرض فلسطين هو ومن معه قال: فلما نزل المسلمون بفلسطين جمع عمرو المسلمين المهاجرين والأنصار وشاورهم في أمرهم فبينما هم في المشورة إذ أقبل عليهم عدي بن عامر، وكان من خيار المسلمين، وكان كثيرا ما يتوجه إلى بلاد الشام، وداس أرضهم وعرف مساكنها ومسالكها. فلما أشرف على المؤمنين داروا به وأوقفوه بين يدي عمرو بن العاص. فقال عمرو بن العاص: ما الذي وراءك يا ابن عامر. قال: ورائي المتنصرة وجنودهم مثل النمل. فقال له عمرو: يا هذا لقد ملأت قلوب المسلمين رعبا وإنا نستعين بالله عليهم. فقال له: فكم جزرت القوم؟ فقال: أيها الأمير إني قد علوت على شرف من الجبال عال، فرأيت من الصلبان والرماح والأعلام ما قد ملأ الأجم، وهو أعظم جبل بأرض فلسطين وهم زيادة عن مائة ألف فارس، وهذا ما عندي من الخبر قال: فلما سمع عمرو ذلك قال:

(1/9)


لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ثم أقبل على من حضر من كبار المسلمين. وقال: أيها الناس أنا وإياكم في هذا الأمر بالسواء فاستعينوا بالله على الأعداء، وقاتلوا عن دينكم وشرعكم فمن قتل كان شهيدا، ومن عاش كان سعيدا، فماذا أنتم قائلون. قال: فتكلم كل رجل بما حضر عنده من الرأي. فقالت طائفة منهم: أيها الأمير ارجع بنا إلى البرية حتى نكون في بطن البيداء فإنهم لا يقدرون على فراق القرى والحصون. فإذا جاءهم الخبر إننا توسطنا البرية يتفرق جمعهم وبعد ذلك نعطف عليهم وهم على غفلة فنهزمهم إن شاء الله تعالى. فقال سهل بن عمرو: إن هذه مشورة رجل عاجز. فقال رجل من المهاجرين: لقد كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نهزم الجمع الكثير بالجمع القليل، وقد وعدكم الله النصر وما وعد الصابرين إلا خيرا، وقد قال الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة " التوبة: 123، قال سهل بن عمرو: أما أنا فلا رجعت عن قتال الكفرة ولا رعدت سيفي عنهم، فمن شاء فلينهض، ومن شاء فليرجع، ومن نكص على عقبيه فأنا وراءه بالمرصاد، قال: فلما سمع المسلمون أن وافقه على ذلك عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: قالوا أحسنت يا أبا الفاروق، قال: ثم إن عمرو بن العاص عقد راية وأعطاها عبد الله بن عمر بن الخطاب وضم إليه ألف فارس فيهم رجال من الطائف ومن ثقيف وأمرهم بالمسير فسار عبد الله، وجعل يجد السير بقية يومه إلى الصباح، وإذا بغبرة القوم قد لاحت. فقال عبد الله بن عمر: هذه غبرة عسكر وأظنها طليعة القوم، ثم وقف ووقف أمامه أصحابه. فقال قوم من البادية: اتركنا نرى ما هذه الغبرة. فقال: لا تتفرقوا من بعضكم حتى نرى ما هي. فوقف الناس، وإذا بالغبرة قد قربت وانكشفت عن عشرة آلاف من الروم وقد بعث معهم روييس بطريقا من أصحابه، وكانوا قد ساروا يكشفون خبر المسلمين. فلما نظرهم عبد الله بن عمر قال لأصحابه: لا تمهلوهم لأنهم لا بد لها منكم، والله ينصركم عليهم. واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف، قال: فأعلن القوم بقول لا إله إلا الله محمد رسول الله. فلما جهروا بها أجابهم الشجر والمدر والدواب والحجر، وكان أول من حمل عكرمة بن أبي جهل وتبعه سهل بن عمرو والضحاك أيضا بالجملة وصاح في رجاله وحمل المهاجرون، والأنصار معهم والتقى الجمعان، وعمل السيف في الفريقين. قال عبد الله بن عمر: وبينما أنا في الوقعة إذ نظرت من القوم بطريقا عظيم الخلقة وهو كالحائر البليد، وهو يركض يمينا وشمالا، فقلت: إن يكن لهذا الجيش عين فهذا عين الجيش وصاحب الطلائع وهو مرعوب من الحرب. فلما حملت عليه ومددت قناتي إليه، نفر فرسه من الرمح فقربت منه وأوهمته أني أريد الانهزام، ثم عطفت عليه وطعنته، فوالله لقد خيل لي أني ضربت بسيفي حجرا، وسمعت طنين السيف حتى حسبت أن سيفي انفصل، وإذا هو صريع ثم عطفت عليه وأخذت لامته. فلما رأى المشركون صاحبهم مجندلا داخلهم الفزع والهلع وصدمهم المسلمون في الضرب والقتال فلله در الضحاك والحارث بن هشام، لقد قاتلا قتالا شديدا ما عليه من مزيد، فما كان غير قليل حتى انهزم الكفار من بين أيديهم هاربين. قال: فرجع المسلمون واجتمع بعضهم على بعض وجمعوا الغنائم والأموال. وقال بعضهم لبعض: ما فعل الله بعبد الله بن عمر، قال قائل منهم: الله خبير بحسن زهده وعبادته. وقال آخرون: لقد أصبنا بابن عمر فما كان يساوي هذا الفتح شعرة من رأسه.

(1/10)


قال عبد الله بن عمر: وأنا مع ذلك أسمع كلامهم خلف الراية. فأعلنت بالتهليل والتكبير والصلاة على البشير النذير، وهززت الراية. فلما نظر المسلمون الراية سارعوا إلي وقالوا: أين كنت. فقلت: اشتغلت بقتال صاحبهم فقالوا: أفلح والله وجهك فهذا والله فتح قد رزقنا الله إياه ببركتك. قال عبد الله: وبوجوهكم، ثم حازوا الأموال والغنائم والخيل وستمائة أسير وقتل من المسلمين سبعة نفر فواروهم وصلى عليهم ابن عمر وانعطف الجيش إلى عمرو بن العاص وحدثوه بما جرى ففرح وحمد الله تعالى، ثم دعا بالأسرى واستنطق منهم بالعربية فما كان فيهم غير ثلاثة نفر من أنباط الشام فسألهم عن خبرهم وخبر أصحابهم فقالوا: يا معشر العرب إن هذا روبيس قد أقبل في مائة ألف فارس، وقد أمره الملك أن لا يدع أحدا من العرب يصل إيليا.. وإنه بعث بهذا البطريق طليعة، وقد قتل وكأنكم به. فقال عمرو: إن الله يقتله كما قتل صاحبكم، ثم عرض عليهم الإسلام، فما أحد منهم أسلم. فقال عمرو للمسلمين: كأنكم بصاحبهم، وقد أتى يأخذ ثأرهم وهؤلاء تركهم علينا بلاء، ثم أمر بضرب أعناقهم وصاح بالمسلمين استعدوا فإني أظن أن القوم سائرون، فإن أتوا إلينا فهم في شدة وقوة وسنلقي منهم تعبا في القتال وإن سرنا إليهم نرجو من الله النصر والظفر بهم كما ظفرنا بغيرهم وما عودنا الله إلا خيرا. قال أبو الدرداء: وبتنا مكاننا. فلما جاء الله بالصباح رحلنا فما بعدنا غير قليل حتى أشرقت علينا عشرة صلبان تحت كل صليب عشرة آلاف فارس. فلما أشرف الجيش على الجيش أقبل عمرو ورتب أصحابه وجعل في الميمنة الضحاك وفي الميسرة سعيدا، وأقام على الساقة أبا الدرداء وثبت عمرو في القلب ومعه أهل مكة، وأمر الناس يقرأون القرآن. وقال لهم: اصبروا على قضاء الله وارغبوا في ثواب الله وجنته، ثم إنه جعل يصفهم ويعبيهم تعبية الحرب ونظر روبيس بطريق الروم إلى عسكر المسلمين، وقد صفهم عمرو بن العاص لا يخرج سنان عن سنان ولا عنان عن عنان ولا ركاب عن ركاب، وهم كأنهم بنيان مرصوص، وهم يقرأون القرآن. والنور يلمع من نواصي خيولهم فشم منهم رائحة النصر وتبين عن نفسه الجزع، وعلم أن كل من معه كذلك فوقف ينظر ما يكون من المسلمين وانكسرت حميته. قال: وكان أول من برز من جيش المسلمين سعيد بن خالد رضي الله عنه، وهو أخو عمرو بن العاص من أمه. فلما برز نادى برفيع صوته: ابرزوا يا أهل الشرك، ثم حمل على الميمنة فألجأها إلى الميسرة، وحمل على الميسرة فألجأها إلى الميمنة وقتل رجالا وجندل أبطالا، ثم اقتحم فيهم فشوشهم وزعزع جيشهم. قال: فاجتمعوا عليه فقتلوه رحمة الله عليه. قال: فحزن المسلمون على قتله حزنا عظيما وأكثرهم عمرو بن العاص. وقال: واسعيداه، لقد اشترى نفسه من الله عز وجل. ثم قال: يا فتيان من يحمل معي هذه الحملة حتى ننظر ما يكون من أمرها وأنظر حال سعيد. قال: فأسرع بالإجابة ذو الكلاع الحميري وعكرمة بن أبي جهل والضحاك والحارث بن هشام، ومعاذ بن جبل وأبو الدرداء، وعبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أجمعين. قال عبد الله: وكنا سبعين رجلا، وحملنا حتى دنونا من القوم وهم لا يفكرون من حملتنا لأنهم جبال من حديد.

(1/11)


قال الواقدي رحمه الله عليه: فلما رأى المسلمون ثبات الروم صاح بعضنا لبعض: ابعجوا دوابهم فما هلاكهم غير ذلك قال: فبعجنا دوابهم بالأسنة فتنكسوا فبعد انتكاسهم تفرق بعضهم عن بعض وحملوا علينا وحملنا عليهم، وكنا فيهم كالشامة البيضاء في جلد البعير الأسود وكان شعارنا يوم فلسطين: لا إله إلا الله محمد رسول الله يا رب انصر أمة محمد صلى الله عليه وسلم قال أبو الدرداء: فلقد شغلني الحرب عن مناشدة الأشعار، ولقد كان أحدنا لا يدري أهو يضرب أخاه أو عدوه من كثرة القتام قال: فثبت المسلمون مع قلتهم وفوضوا أمرهم إلى الله عز وجل وما كان أحد من المسلمين يضرب إلا وظهره ناطق بالدعاء يقول: اللهم انصرنا على من يتخذ معك شريكا. قال عبد الله بن عمر بن الخطاب: فلم يزل الحرب بيننا إلى وقت الزوال وهبت الرياح والناس في القتام إذ نظرت إلى السماء وقد انفرج فيها فرج وخرجت عنها خيول شهب تحمل رايات خضرا أسنتها تلمع وعناد ينادي بالنصر ابشروا يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقد أتاكم الله بالنصر. قال: فما كان غير قليل إذ نظرت إلى الروم منهزمين، والمسلمون في أعقابهم لأن خيل العرب أسبق من خيل الروم. قال ابن عمر: فقتلنا في هذه الواقعة قريبا من خمسة عشر ألف فارس وأكثر ولم نزل في آثارهم إلى الليل وعمرو بن العاص قد فرح بالنصر وقلبه متعلق بالمسلمين لإسراعهم وراء العدو، وقال عمرو بن غياث: فنظرت إلى عمرو بن العاص والراية في يده، وقد أوفى القناة على عاتقه وهو يعركها بيده ويقول: من يرد الناس علي رد الله عليه ضالته إذ نظرت العرب قد عطفت راجعة كعطفة الأم على ولدها فاستقبلهم عمرو، وهو يقول: هنيئا لهذه الوجوه التي تعبت في رضا الله تعالى أما كان لكم كفاية في أن خولكم الله حتى اتبعتم العدو، فقالوا: ما أردنا الغنيمة، بل القتال والجهاد، قال: ولما رجع المسلمون لم يكن لهم همة إلا افتقاد بعضهم بعضا ففقد من المسلمون مائة وثلاثون رجلا ختم الله لهم بالسعادة منهم سيف بن عبادة ونوفل بن دارم والأهب بن شداد والباقي من اليمن ووادي المدينة. قال: فاغتم عمرو لفقدهم، ثم راجع نفسه وقال: قد نزل بهم خير، وأنت يا عمرو تأبى ذلك. ثم ندب الناس إلى الصلاة كما أمره أبو بكر الصديق رضي الله عنه فصلى ما فاته كل صلاة بأذان وإقامة، قال ابن عمر: ما صلى خلفه إلا قليل، بل صلى الناس في رحالهم من تعبهم ولم يجمعوا من الغنائم إلا القليل وبات الناس، فلما أصبح عمرو أذن وصلى بهم وأمر الناس بجمع الغنائم وأن يخرجوا إخوانهم المؤمنين من الروم فجعلوا يلتقطونهم. قال: فأخرجوا مائة وثلاثين رجلا ووجدوا سعيد بن خالد، فلما نظر عمرو إلى ما نزل به بكى، وقال: رحمك الله فقد نصحت لدين الله وأديت النصيحة ثم جعله في جملة المسلمين وصلى عليهم وأمر بدفنهم، وذلك قبل أن يخمس شيئا من الغنائم ثم بعد ذلك جمعها إليه وكتب إلى أبي عبيدة كتابا يقول فيه:
كتاب عمرو بن العاص إلى أبي عبيدة

(1/12)


بسم الله الرحمن الرحيم من عمرو بن العاص إلى أمين الأمة، أما بعد: فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وأصلي على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وإني قد وصلت إلى أرض فلسطين ولقينا عساكر الروم مع بطريق يقال له روبيس في مائة ألف فارس فمن الله بالنصر وقتل من الروم خمسة عشر ألف فارس وفتح الله على يدي فلسطين بعد أن قتل من المسلمين مائة وثلاثون رجلا فإن احتجت إلي سرت إليك والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. ودفع الكتاب إلى أبي عامر الدوسي وأمره أن يسير إلى أبي عبيدة. قال: فأسرع أبو عامر بالكتاب فوجد أبا عبيدة وهو نازل بأرض الشام وجاهر بالدخول إليها غير أنه أمره كما أمره أبو بكر. قال: فلما وصل أبو عامر قال له أبو عبيدة: ما وراءك. قال: خير هذا كتاب من عمرو بن العاص يخبرك بما فتح الله على يديه، ثم سلم إليه الكتاب، فلما قرأه خر ساجدا فرحا بنصر الله ثم قال: والله قتل من المسلمين رجال أخيار منهم سعيد بن خالد. قال أبو عامر: فكان خالد والده جالسا، فلما سمع بأن ولده قد قتل قال: وا ابناه وجعل يبكيه حتى بكى المسلمون لبكائه، ثم إن خالدا أسرع إلى فرسه فركبها وعزم إلى أرض فلسطين لينظر إلى قبر ولده. فقال أبو عبيدة: كيف تسير وتدعنا. فقال: إنما أنظر قبر ولدي وأرجو الله أن يلحقني به، قال: وكتب أبو عبيدة كتابا لعمرو بن العاص يقول فيه: بسم الله الرحمن الرحيم إنما أنت مأمور فإن كان أبو بكر أمرك أن تكون معنا فسر إلينا، وإن كان أمرك بالثبات في موضعك فاثبت والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. وطوى الكتاب وسلمه إلى خالد بن سعيد وسار مع أبي عامر إلى أن أتيا إلى جيش عمرو بن العاص فدفع له الكتاب وهو يبكي فوثب عمرو وصافح خالدا ورفع منزلته وعزاه في ولده سعيد وعزاه المسلمون. فقال خالد: يا أيها الناس هل أروى سعيد رمحه وسيفه في الكفار؟ قالوا: نعم. فلقد قاتل وما قصر، ولقد جاهد في الدين ونصر. فقال: أروني قبره، قال: فأروه إياه فأقام على القبر وقال: يا ولدي رزقني الله الصبر عليك وألحقني بك وإنا لله وإنا إليه راجعون، والله إن مكنني الله لآخذن بثأرك يا ولدي عند الله احتسبتك، ثم قال لعمرو بن العاص: إني أريد أن أسري بسرية في طلب القوم فلعل أن أجد فيهم فرصة أو غنيمة وأكون قد أخذت بثأر ولدي، فقال عمرو: إن الحرب أمامك يا ابن الأم. فإذا رأيت الروم فلا تبق عليهم. فقال خالد: والله لأسيرن إليهم، ثم أخذ خالد أهبته للمسير وعزم أن يسير وحده فركب معه ثلاثمائة فارس من فتيان حمير فساروا يومهم ذلك أجمع وأرادوا النزول في الأودية ليعلفوا دوابهم ويسيروا ليلتهم إذ نظر خالد بن سعيد إلى أشباح على ذروة جبل هناك عال منيع. فقال لأصحابه: إني أرى أشباحا على ذروة هذا الجبل ونحن في هذا الوادي، ثم قال: كونوا في أماكنكم ثم نزل عن فرسه وتقلد سيفه والتحف بإزاره وقال: اعلموا أن القوم ما علموا بنا ولو نظروا إلينا ما ثبتوا في أماكنهم فمن منكم يبذل نفسه ويصنع كما أصنع قالوا: كلنا لك قال: فطافوا في الجبل حتى أشرفوا على القوم وهم في أماكنهم فعند ذلك قال: خذوهم بارك الله فيكم فأسرع إليهم المسلمون فقتلوا منهم ثلاثين وأسروا أربعة فسألهم خالد بن سعيد عن حالهم فإذا هم من أنباط الشام فقالوا: نحن من أهل هذا البقيع والجامعة وكفار القرية وقد عظم علينا دخول العرب إلى بلادنا وقد فزعنا منهم فزعا عظيما، وقد هرب أكثرنا إلى الحصون والقلاع، وقد اعتصمنا نحن بهذا الجبل، لأنه ليس في الرستاق أحصن منه فعلونا عليه وأنتم كبستمونا. قال خالد: فما بلغكم عن جيش الروم. قالوا: بأجنادين وهذا البطريق أقبل إلينا ليأخذ الميرة والعلوفة، وقد جمعوا له الدواب والبغال والحمير تحمل الميرة وهم مع ذلك خائفون أن تلحقهم خيل العرب، وهذا خبر قومنا ولا شك أنهم رحلوا من يومهم، قال: فلما سمع خالد بن سعيد مقالتهم، قال: غنيمة للمسلمين ورب الكعبة، ثم قال: اللهم انصرنا عليهم. ثم سأل على أي طريق سار القوم قالوا: على هذه الطريق التي أنتم عليها لأنها أوسع الطرق كلها، وأما الميرة فإنها مجموعة من حول البلاد، فلما سمع خالد كلامهم قال لهم: أسلموا فقالوا له: ما نعرف إلا دين الصليب، ونحن فلاحون قال: فهم خالد بقتلهم. فقال رجل من أصحابه: دعهم يدلونا على الطريق إلى ميرة القوم

(1/13)


فأجابوهم إلى ذلك وساروا وهم يدلونهم إلى تل عظيم. قال: فتوافق القوم وهم يحملون دوابهم حول التل ومعهم ستمائة لابس من القوم، فلما نظر خالد إلى ذلك قال لأصحابه: أعلموا أن الله تعالى قد وعدكم بالنصر على عدوكم وفرض عليكم الجهاد وهذا جيش العدو أمامكم فارغبوا في ثواب الله تعالى واسمعوا ما قال الله عز وجل: " إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص " الصف: 4، وها أنا أحمل فاحملوا ولا يخرج أحد عن صاحبه. ثم إن خالدا حمل وحمل أصحابه قال: فلما رأونا استقبلونا وانهزم من كان مع الدواب من الفلاحين وصبرت الخيل لقتالنا ساعة من النهار قال: فبينما ذو الكلاع الحميري يشجع أصحابه ويقول: يا أهل حمير أبواب الجنة فتحت والحور العين قد تزخرفت وإذا بصاحب القوم قد لقيه خاد فعرفه بلامته وحسن زيه. قال: فاستقبله وصرخ فيه فأرعبه ثم قال: يا لثأر ولدي سعيد وطعنه طعنة صادقة فجندله صريعا كأنه برج من حديد وما بقي أحد إلا قتل من الروم. قال: فلما رأى الروم ذلك ولوا الأدبار وركنوا إلى الفرار وقتل منهم ثلاثمائة وعشرون فارسا وولى الباقون منهزمين وتركوا الأثقال والبغال والميرة وأخذ المسلمون الجميع بعون الله تعالى. قال: وأطلق سراح الفلاحين وعاد خالد ومن معه بالغنائم والميرة إلى عمرو بن العاص ففرح بسلامتهم وشكر فعلهم وكتب كتابا إلى أبي بكر الصديق، وذكر له ما جرى مع الروم وبعث الكتاب مع أبي عامر الدوسي رضي الله عنه وأخذه وقدم به المدينة وأعطاه أبا بكر الصديق رضي الله عنه. فلما قرأه على المسلين فرحوا وضجوا بالتهليل والتكبير والصلاة على البشير النذير، ثم إن أبا بكر استخبر عن أبي عبيدة. فقال له عامر: إنه قد أشرف على أوائل الشام ولم يجسر على الدخول إليها وإنه سمع أن جيوش الملك قد اجتمعت من حول أجنادين وهم أمم لا تحصى وقد خاف على المسلمين أن يتوسط بهم عدوهم.م إلى ذلك وساروا وهم يدلونهم إلى تل عظيم. قال: فتوافق القوم وهم يحملون دوابهم حول التل ومعهم ستمائة لابس من القوم، فلما نظر خالد إلى ذلك قال لأصحابه: أعلموا أن الله تعالى قد وعدكم بالنصر على عدوكم وفرض عليكم الجهاد وهذا جيش العدو أمامكم فارغبوا في ثواب الله تعالى واسمعوا ما قال الله عز وجل: " إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص " الصف: 4، وها أنا أحمل فاحملوا ولا يخرج أحد عن صاحبه. ثم إن خالدا حمل وحمل أصحابه قال: فلما رأونا استقبلونا وانهزم من كان مع الدواب من الفلاحين وصبرت الخيل لقتالنا ساعة من النهار قال: فبينما ذو الكلاع الحميري يشجع أصحابه ويقول: يا أهل حمير أبواب الجنة فتحت والحور العين قد تزخرفت وإذا بصاحب القوم قد لقيه خاد فعرفه بلامته وحسن زيه. قال: فاستقبله وصرخ فيه فأرعبه ثم قال: يا لثأر ولدي سعيد وطعنه طعنة صادقة فجندله صريعا كأنه برج من حديد وما بقي أحد إلا قتل من الروم. قال: فلما رأى الروم ذلك ولوا الأدبار وركنوا إلى الفرار وقتل منهم ثلاثمائة وعشرون فارسا وولى الباقون منهزمين وتركوا الأثقال والبغال والميرة وأخذ المسلمون الجميع بعون الله تعالى. قال: وأطلق سراح الفلاحين وعاد خالد ومن معه بالغنائم والميرة إلى عمرو بن العاص ففرح بسلامتهم وشكر فعلهم وكتب كتابا إلى أبي بكر الصديق، وذكر له ما جرى مع الروم وبعث الكتاب مع أبي عامر الدوسي رضي الله عنه وأخذه وقدم به المدينة وأعطاه أبا بكر الصديق رضي الله عنه. فلما قرأه على المسلين فرحوا وضجوا بالتهليل والتكبير والصلاة على البشير النذير، ثم إن أبا بكر استخبر عن أبي عبيدة. فقال له عامر: إنه قد أشرف على أوائل الشام ولم يجسر على الدخول إليها وإنه سمع أن جيوش الملك قد اجتمعت من حول أجنادين وهم أمم لا تحصى وقد خاف على المسلمين أن يتوسط بهم عدوهم.
خالد بن الوليد في الشام

(1/14)


فلما سمع أبو بكر ذلك علم أن أبا عبيدة لين العريكة لا يصلح لقتال الروم وعول أن يكتب إلى خالد بن الوليد ليوليه على جيوش المسلمين وقتال الروم قال: واستشار المسلمين في ذلك فقالوا: الرأي ما تراه، وكتب كتابا يقول فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عتيق بن أبي قحافة إلى خالد بن الوليد سلام عليك: أما بعد فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو، وأصلي على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وإني قد وليتك على جيوش المسلمين وأمرتك بقتال الروم وأن تسارع إلى مرضاة الله عز وجل وقتال أعداء الله، وكن ممن يجاهد في الله حق جهاده ثم كتب " يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم " الصف: 10، الآية وقد جعلتك الأمير على أبي عبيدة ومن معه. وبعث الكتاب مع نجم بن مقدم الكناني فركب على مطيته وتوجه إلى العراق فرأى خالدا رضي الله عنه قد أشرف على فتح القادسية فدفع إليه الكتاب فلما قرأه قال: السمع والطاعة لله ولخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ارتحل ليلا وأخذ طريقة عن اليمين وكتب كتابا إلى أبي عبيدة يخبره بعزله وبسيره إلى الشام، وقد ولاني أبو بكر على جيوش المسلمين فلا تبرح من مكانك حتى أقدم عليك والسلام. وبعث الكتاب مع عامر بن الطفيل رضي الله عنه، وكان أحد أبطال المسلمين فأخذه وتوجه يطلب الشام.
وأما خالد فلما وصل إلى أرض السماوة قال: أيها الناس إن هذه الأرض لا تدخلونها إلا بالماء الكثير لأنها قليلة الماء ونحن في جيش عظيم والماء معكم قليل فكيف يكون الأمر؟ فقال له رافع بن عميرة الطائي رضي الله عنه: أيها الأمير إني أشير عليك بما تصنع، فقال: يا رافع أرشدك الله بما نصنع ووفقك الله مولانا جل وعلا للخير، قال: فأخذ رافع ثلاثين جملا وعطشها سبعة أيام ثم أوردها الماء فلما رويت حزم أفواهها، ثم ركبوا المطايا وجنبوا الخيول وساروا فكانوا كلما نزلوا منزلا اخذوا عشرة من الإبل يشقون بطونها ويأخذون ما يجدون من الماء في بطونها فيجعلونه في حياض الادم، فإذا برد سقوه للخيل وأكلوا اللحم ولم يزالوا كذلك حتى تمت الإبل وفرغ الماء وقطعوا مرحلتين بلا ماء وأشرف خالد ومن معه على الهلاك. فقال خالد لرافع بن عميرة: يا رافع قد أشرفنا على الهلاك والتلف أتعرف لنا ماء ننزل فيه.

(1/15)


قال الواقدي: وكان رافع رمدت عيناه. فقال: أيها الأمير أتاني رمد كما ترى، ولكن إذا أشرفتم على أرض سهلة فأعلموني. قال: فلما أشرفوا عليها أعلموا رافعا بذلك. قال: فرفع طرف عمامته عن عينيه، وسار على راحلته يضرب يمينا وشمالا والناس من ورائه إلى أن أقبل على شجرة من الأراك فكبر وكبر المسلمون، ثم قال:احفروا هنا. قال: فحفرت العرب وإذ الماء قد طلع كالبحر، فنزل الناس عليه وشكروا الله تعالى وأثنوا عليه وعلى رافع خيرا، ثم وردوا الماء وسقوا خيلهم وإبلهم، ثم جذوا في طلب من انقطع من المسلمين ومعهم القرب بالماء. قال: فسقوهم فارتجعت قوتهم. ثم لحقوا بالجيش وأراحوا أنفسهم، ثم في ثاني يوم جدوا في المسير إلى أن بقي بينهم وبين أركة مرحلة واحدة، فبينما هم كذلك إذ أشرفوا على حلة عامرة وأغنام وإبل قد سدت الفضاء والمستوي، فأسرع المسلمون إلى الحلة وإذا براع يشرب الخمر وإلى جانبه رجل من العرب مشدود. قال: فتبينه المسلمون وإذا هو عامر بن الطفيل الذي أرسله خالد. قال: فأقبل خالد بن الوليد مسرعا حتى وقف عليه، فلما رآه تبسم وقال: يا ابن الطفيل كيف كان سبب أسرك. قال عامر: أيها الأمير إني أشرفت على هؤلاء القوم في هذه الحلة وقد أصابني الحر والعطش فملت إلى هذا الوادي ليسقيني من اللبن فوجدته يشرب خمرا. فقلت له: يا عدو الله أتشرب الخمر وهي محرمة. فقال لي: يا مولاي إنها ليست بخمر وإنما هي ماء زلال، فأنزل كي تراه واستنشق ما في الجفنة فإن كان خمرا فافعل ما بدا لك، فلما سمعت كلامه أنخت المطية ونزلت عن كورها وجلست على ركبتي في الجفنة وإذا أنا بالعبد قد طلبني بعصا كانت إلى جانبه وضربني على رأسي فشجني شجة موضحة، فانقلبت على جانبي فأسرع العبد إلي وشدني كتافا وأوثقني رباط وقال لي: أظنك من أصحاب محمد بن عبد الله ولست أدعك من بين يدي أو يقدم سيدي من عند الملك. فقلت له: ومن سيدك من العرب؟ فقال: القداح بن وائلة وإني عند هذا العبد كلما شرب الخمر أحضرني كما ترى وألقى علي فضلة من كأسه. قال: فلما سمع خالد بن الوليد كلام عامر بن الطفيل اشتد به الغضب ومال على العبد وضرب ضربة هائلة فجندله صريعا ونهب المسلمون المال والأغنام والإبل وقلعوا الحلة بما فيها وأطلق عامرا وقال له: أين رسالتي يا عامر؟ فقال: يا مولاي هي في طرف عمامتي لم يعلم بها العبد. فقال خالد: انطلق بها يا عامر على بركة الله تعالى. قال: فركب عامر وسار يطلب الشام وارتحل خالد من موضعه ذلك فنزل بأركة وهي رأس الأمانة لمن يخرج من العراق، وكانت الروم تمسك بها القوافل وكان عليها بطريق من قبل الملك فأغار خالد عليها وأخذ ما كان فيها وتحصن أهلها بحصنها وكان يسكن فيها حكيم من حكماء الروم وقد طالع الكتب القديمة والملاحم، فلما رأى المسلمين وجيشهم انتقع لونه وقال: اقترب الوقت وحق ديني. فقال أهل أركة: وكيف ذلك. قال: إن عندي ملحمة فيها ذكر هؤلاء القوم، وإن أول راية تشرف من خيلهم هي الراية المنصورة وقد دنا هلاك الروم، فانظروا إن كانت رايتهم سوداء وأميرهم عريض اللحية طويل ضخم بعيد ما بين المنكبين واسع الهيكل في وجهه أثر جدري لهو صاحب جيشهم في الشام وعلى يديه يكون الفتح.

(1/16)


قال: فنظر القوم وإذا الراية على رأس خالد وهي كما قال حكيمهم. قال: واجتمعوا على بطريقهم وقالوا له: أنت تعلم أن الحكيم سمعان لا ينطق إلا بالحق والحكمة وقد قال كذا وكذا. والذي وصفه لنا رأيناه عيانا ونرى من الرأي أن نعقد بيننا وبين العرب صلحا ونأمن على حريمنا وأنفسنا. فلما سمع ذلك بطريقهم قال: أخروني إلى غد لأرى من الرأي. قال: فانصرفوا من عنده وبات البطريق يحدث نفسه ويدبر أمره وكان عارفا عاقلا خبيرا بالأمور، وقال: إن أنا خالفتهم خفت أن يسلموني للعرب، وقد تحقق أن روبيس سار بجيش عظيم فهزمهم العرب ولم يزل يراود نفسه إلى أن أصبح الصباح فدعا قومه. وقال: على ماذا عولتم؟ قالوا: عولنا على أننا نقيم الصلح بيننا وبين العرب. فقال البطريق: أنا واحد منكم مهما فعلتم لا أخالفكم. قال: فخرج مشايخ أركة إلى خالد وكلموه في الصلح، فأجابهم إلى الصلح وألان الكلام لهم وتلقاهم بالرحب والسعة ليسمع بذلك أهل السخنة ويبلغ الخبر لأهل قدمة، وكان الوالي عليهم بطريق اسمه كوكب، فجمع رعيته وقال لهم: بلغني عن هؤلاء العرب أنهم فتحوا أركة والسخنة وأن قومنا يتحدثون بعدلهم وحسن سيرتهم وأنهم لا يطلبون الفساد وهذا حصن مانع لا سبيل لأحد علينا، ولكن نخاف على نخلنا وزرعنا، وما يضرنا أن نصالح العرب، فإن كان قومنا هم الغالبين فسخنا صلحهم، وإن كان العرب ظافرين كنا آمنين. قال: ففرح قومه بذلك وهيئوا العلوفة والضيافة حتى خرج خالد. رضي الله عنه من أركة ونزل عليهم فخرجوا إليه بالخدمة وصالحهم على ثلثمائة أوقية من الذهب وكتب لهم كتابا بالصلح، ثم ارتحل عنها إلى حوران وبلغ عامر بن الطفيل كتاب خالد إلى أبي عبيدة، فلما قرأه تبسم وقال: السمع والطاعة لله تعالى ولخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أعلم المسلمين بعزله وولاية خالد بن الوليد، وكان أبو عبيدة وجه شرحبيل بن حسنة كاتب وحي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بصرى في أربعة آلاف فارس. قال: فسار على فنائها، وكان على بصرى بطريق عظيم الشأن والقدر عند الملك وعند الروم اسمه روماس، وكان قرأ الكتب السالفة والأخبار الماضية، وكان يجتمع إليه الروم من أقصى بلادها ينظرون إلى عظيم خلقته ويسمعون ألفاظ حكمته، وكانت آهلة بالخلق عامرة بالناس، وكان فيها ألف فارس، وكان العرب يقصدونها ببضائعهم وتجارتهم من أقصى اليمين وبلاد الحجاز، فإذا كان في أيام الموسم ينصب لبطريقهم كرسي ليجلس عليه ويجتمع الناس إليه، ويستفيدون من علمه وحكمته، فبينما هم قد اجتمعوا إليه وقعت الضجة بقدوم شرحبيل بن حسنة وعسكره فبادر إلى جواده فركبه وصاح في قومه فأجابوه وقال: لا تتحدثوا حتى نسمع كلام القوم وما عندهم، ثم سار حتى قرب من شرحبيل بن حسنة وجيشه، ونادى: معشر المسلمين أنا روماس وإني أريد صاحبكم. قال: فخرج إليه شرحبيل، فلما قرب منه قال البطريق: من أنتم. قال شرحبيل: من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم النبي الأمي القرشي الهاشمي المنعوت في التوراة والإنجيل فقال روماس: ما فعل الله به.

(1/17)


فقال شرحبيل: قبضه الله إليه. فقال البطريق: فمن ولي الأمر بعده. قال: عتيق بن أبي قحافة بن بكر بن تيم بن مرة. فقال روماس: وحق ديني لقد أعلم بأنكم على الحق ولا بد لكم أن تملكوا الشام والعراق وأنا أشفق عليكم إذ أنتم في جمع يسير ونحن في جمع كثير، ولكن ارجعوا إلى بلادكم فإنا لا نتعرض لكم. واعلم يا أخا العرب أن بكر هو صاحبي ورفيقي ولو كان حاضرا ما قاتلني. فقال شرحبيل: لو كنت ولده أو ابن عمه لما عفا عنه إلا أن يكون من أهل ملته، وليس له من الأمر شيء لأنه مكلف، وقد أمره الله أن يجاهدكم ولسنا نبرح عنكم إلا بإحدى ثلاث: إما أن تدخلوا في ديننا أو تؤدوا الجزية، أو السيف. فقال روماس: وحق ما أعتقده من ديني: لو كان الأمر إلي أقاتلكم لأني أعلم أنكم على حق، وهؤلاء طواغية الروم وقوم مجتمعون، وإني أريد أن أرجع إليهم وأنظر ما عندهم. فقال شرحبيل: ارجع إليهم فلا بد لكم بما ذكرت. قال: فعاد روماس إلى قومه وجمعهم، وقال: يا أهل دين النصرانية وبني ماء المعمودية الذي كنتم تعتقدونه في كتبكم من الخروج من بلادكم ودياركم ونهب أموالكم قد قرب وهذا وقته وزمانه ولستم بأعظم جيشا من روبيس سار إلى شرذمة من العرب بأرض فلسطين. فقتل وقتل من معه وانهزم الباقون، ولقد بلغني أن رجلا منهم قد خرج أرض السماوة صوب العراق اسمه خالد بن الوليد وقد فتح أركة والسخنة وتدمر وحوران، وهو عن قريب يحضر إليكم، والصواب أن تؤدوا الجزية عن يد إلى هؤلاء العرب وينصرفون عنكم. قال: فلما سمع قومه ذلك غضبوا وشوشوا وهموا بقتله. فقال روماس: يا قوم إنما أردت أن أختبركم، وأرى حمية دينكم والآن دونكم والقوم وأنا أولكم. قال: فرجعت الروم إلى عددها وعديدها وتظاهروا بالدروع البيض وقادوا الجنائب وتهيئوا للحملة. فلما رأى شرحبيل بن حسنة ذلك وعظ أصحابه. وقال: اعلموا رحمكم الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الجنة تحت ظلال السيوف " وأحب ما قرب إلى الله قطرة دم في سبيل الله أو دمعة جرت في جوف الليل من خشية الله؟. قال الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون " آل عمران: 102، ثم حمل وحمل المسلمون على جيش بصرى. قال عبد الله بن عدي: واجتمع علينا العدو وطمعوا فينا، وحملوا علينا في اثني عشر ألف فارس من الروم، ونحن فيهم كالشامة البيضاء في جلد البعير الأسود وصبرنا لهم صبر الكرام، ولم يزل القتال بيننا وبينهم إلى أن توسطت الشمس في قبة الفلك، وقد طمع العدو فينا، فرأيت شرحبيل بن حسنة قد رفع يده إلى السماء وهو يقول: يا حي يا قيوم يا بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام، اللهم انصرنا على القوم الكافرين. قال: فوالله ما استتم شرحبيل كلامه ودعاءه حتى جاء النصر من عند الله العزيز الحكيم، وذلك أن القوم داروا بنا فرأينا غبرة قد أشرفت علينا من صوب حوران. فلما قربت لنا رأينا تحتها سوابق الخيل، فلاحت لنا الأعلام الإسلامية والرايات المحمدية، وقد سبق إلينا فارسان: أحدهما ينادي ويزعق: يا شرحبيل يا ابن حسنة أبشر بالنصر لدين الله، أنا الفارس الصنديد والبطل المجيد، أنا خالد بن الوليد، والآخر يزعق ويقول: أنا عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وأشرفت العساكر من كل جانب. قال: وأشرفت راية العقاب يحملها رافع بن عميرة الطائي. قال: حدثنا سالم بن عدي عن ورقاء بن حسان العامري عن مسيرة بن مسروق العبسي. قال:

(1/18)


والله لقد خمدت أصوات الروم عند زعقة خالد رضي الله عنه، وأقبل المسلمون يسلم بعضهم على بعض، وأقبل شرحبيل بن حسنة إلى خالد بن الوليد، وسلم عليه. فقال خالد: يا شرحبيل أما علمت أن هذه مينا الشام والعراق، وفيها عساكر الروم وبطارقتهم. فكيف غررت بنفسك وبمن معك من المسلمين. قال: كله بأمر أبي عبيدة. فقال خالد: أما أبو عبيدة فإنه رجل خالص النية، وليس عنده غائلة الحرب ولا يعلم بمواقعها، ثم أمر الناس بالراحة فنزلوا وارتاحوا من أوزارهم. فلما كان في اليوم الثاني زحفت جيوش بصرى على المسلمين فقال خالد: إن الروم زحفوا لعلمهم بتعبنا وتعب خيولنا فاركبوا بارك الله فيكم، واحملوا على بركة الله تعالى. قال: فركب المسلمون، وأخذوا أهبتهم للحرب فجعل في الميمنة رافع بن عمير الطائي، وجعل في الميسرة ضرار بن الأزور وكان غلافا فاتكا في الحرب، وجعل على الدرك عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، ثم قسم جيش الزحف فجعل على شطره المسيب بن نجيبة الفزاري، وعلى الشطر الآخر مذعور بن غانم الأشعري، وأمرهم أن يزفوا الخيل إذا حملت. قال: وبقي خالد في الوسط وهو يعظ الناس ويوصيهم، وقد عزموا على الحملة، وإذا بصفوف الروم قد انشقت وخرج من وسطها فارس عظيم الخلقة كثير الزينة يلمع ما عليه من الذهب الأحمر والياقوت. فلما توسط الجمعين نادى بلسان عربي كأنه بدوي: يا معشر العرب لا يبرز لي إلا أميركم، فأنا صاحب بصرى. قال: فخرج إليه خالد رضي الله عنه كالأسد الضرغام وقرب منه. فقال له البطريق: أنت أمير القوم. قال: كذلك يزعمون أني أميرهم ما دمت على طاعة الله ورسوله، فإن عصيته فلا إمارة لي عليهم. قال البطريق: إني رجل عاقل من عقلاء الروم وملوكهم وإن الحق لا يخفى عن ذي بصيرة، واعلم أني قرأت الكتب السابقة، والأخبار الماضية، فوجدت أن الله تعالى يبعث قرشيا واسمه محمد بن عبد الله. قال خالد: والله نبينا. قال: أنزل عليه الكتاب؟ قال: نعم القرآن. قال روماس البطريق: أحرم عليكم فيه الخمر. قال خالد: نعم من شربها حددناه، ومن زنى جلدناه، وإن كان محصنا رجمناه. قال: أفرضت عليكم الصلوات. قال: نعم خمس صلوات في اليوم والليلة. قال: أفرض عليكم الجهاد؟ قال خالد: ولولا ذلك ما جئناكم نبغي قتالكم. قال روماس: والله إني لأعلم أنكم على الحق وإني أحبكم وحذرت قومي منكم وإني خائف منكم، فأبوا. فقال خالد: فقل أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله يكون لك ما لنا وعليك ما علينا. فقال: إني أسلمت وأخاف أن يعجل هؤلاء بقتلي: وسبي حريمي، ولكن أنا أسير إلى قومي وأرغبهم فلعل الله أن يهديهم. فقال خالد: وإن رجعت إلى قومك بغير قتال يكون بيني وبينك خفت عليك، ولكن احمل علي حتى لا يتهموك وبعد ذلك أطلب قومك. فحمل بعضهم على بعض، وأرى خالد الفريقين أبوابا من الحرب حتى أبهر روماس. فقال لخالد: شدد علي الحملة حتى يرى الديرجان فإني خائف عليك من بطريق بعث به الملك يقال له الديرجان. فقال خالد: ينصرنا الله عليه، ثم شدد على روماس الحملة حتى إنه انهزم من بين يديه إلى قومه. فلما وصل إلى قومه قال: ما الذي رأيت من العرب؟ قال: إن العرب أجلاد ما لكم بقتالهم طاقة ولا بد لهم أن يملكوا الشام، وما تحت سريري هذا فادخلوا تحت طاعتهم وكونوا مثل أركة والسخنة قال: فلما سمعوا كلامه زجروه وأرادوا قتله، وقالوا له: ادخل المدينة والزم قصرك ودعنا لقتال العرب، فانصرف روماس، وقال: لعل الله ينصر خالدا. ثم إن أهل بصرى ولوا عليهم الديرجان، وقالوا: إذا فرغنا من المسلمين سرنا معك إلى الملك، ونسأله أن ينزع روماس ويوليك علينا. قال الديرجان: وما الذي تريدون. قالوا: نحمل ونطلب قتال العرب. قال: فخرج الديرجان وطلب خالدا.

(1/19)


فقال عبد الرحمن لخالد: يا أمير أنا أخرج إليه. فقال: دونك يا ابن الصديق، فخرج عبد الرحمن وحمل على الديرجان، فما لبثوا غير ساعة، وقد أحس الديرجان من نفسه بالتقصير فولى منهزما وراح إلى قومه. فلما رأوا ذلك منه نزل الرعب في قلوبهم وعلم خالد ما عند القوم من الفزع فحمل وحمل عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وحمل المسلمون. فلما نظر أهل بصرى إلى حملة المسلمين حملوا وتلاقى الفريقيان، وضجت الرهبان بكلمة كفرهم. فقال شرحبيل بن حسنة: اللهم إن هؤلاء الأنجاس يبتهلون بكلمة كفرهم ويدعون معك إلها آخر لا إله إلا أنت ونحن نبتهل إليك بلا إله إلا أنت، وأن محمدا عبدك ورسولك، إلا ما نصرت هذا الدين على أعدائك المشركين، ثم حملوا حملة واحدة، فلم يكن للروم ثبات مع العرب، فولى المشركون الأدبار، وركنوا إلى الفرار. فلما حطوا داخل المدينة أغلقوا الأبواب وتحصنوا بالأسوار، ورفعوا الصلبان، وعولوا أن يكتبوا للملك ليمدهم بالخيل والرجال. قال عبد الله بن رافع: فلما تحصنوا رجعنا عنهم وافتقدنا أصحابنا فوجدنا قد قتل منا مائة وثلاثون فارسا، وقتل من الأعيان بدريان. قال: وغنم المسلمون الأموال، وصلى خالد على الشهداء، وأمر بدفنهم. فلما كان الليل تولى الحرس عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ومعمر بن راشد ومائة من جيش الزحف. فبينما هم يدورون حول العسكر، وإذا بروماس صاحب بصرى قد أقبل عليهم. وقال لهم: أين خالد بن الوليد فأخذوه وأتوا به إلى خالد. فلما رآه رحب به. فقال: أيها الأمير بعد أن فارقتك طردني قومي، وقالوا: الزم قصرك وإلا قتلناك فلزمت قصري، وهو ملاصق للسور ولما وقع لهم ما وقع وانهزموا تحصنوا. فلما جن الليل أمرت غلماني بحفر السور وفتحوا فيه بابا فأتيتك فأرسل معي من تعتمد عليه من أصحابك تستلمون المدينة. فلما سمع خالد هذا الكلام أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يأخذ مائة من المسلمين ويسيروا مع روماس. قال ضرار بن الأزور: وكنت ممن دخل المدينة. فلما صرنا في قصر روماس فتح لنا خزانة السلاح، فلبسنا من سلاحهم وقسمنا أربعة أقسام، كل جانب خمسة وعشرون رجلا. وقال لنا عبد الرحمن: إذا سمعتم التكبير فكبروا. فلما سرنا حيث أمرنا أخذنا أنفسنا بالحملة على القوم.
قال الواقدي: بلغني ممن أثق به من الرواة أن عبد الرحمن لما فارق أصحابه لبس سلاحه وسار هو وروماس يطلبون الدرج الذي عليه الديرجان، وسار معهم ضرار ورافع وشرحبيل بن حسنة. فلما قرب عبد الرحمن من الدرج الذي فيه الديرجان، قال الديرجان: من أنتم؟ فقال: أنا روماس. فقال: لا أهلا ولا مرحبا بك، ومن الذي معك؟ قال: معي صديق لك ومشتاق إلى رؤياك، قال: ويحك، ومن هو يا روماس. قال: هذا ابن أبي بكر الصديق. فلما سمع الديرجان ذلك هم أن يقتله فلم تطاوعه نفسه فحمل عليه عبد الرحمن، وهز سيفه في وجهه وضربه على عاتقه فتجندل صريعا يخور في دمه، وعجل الله بروحه إلى النار. قال: وكثر عبد الرحمن فأجابه روماس وسمع أصحابه التكبير فكبروا من جوانب بصرى. قال: وأجابتهم الأحجار والأشجار. قال: وكبر المسلمون من جوانب بصرى ووضعوا السيف في الروم، وسمع خالد التكبير فصرخوا، وإذا بغلمان روماس وأولاده قد فتحوا لهم الأبواب فعبر خالد ومن معه من المسلمين. فلما نظر أهل بصرى إلى الأبواب، وقد فتحت بالسيف قهرا ضجوا بأجمعهم يقولون: الأمان الأمان. فقال خالد بن الوليد رضي الله عنه: ارفعوا السيف عنهم، وأقام خالد إلى الصباح واجتمع إليه أهلها. وقالوا: يا أيها الأمير لو صالحناك ما جرى شيء من ذلك، ولكن نسألك بالذي أيدك ونصرك ما الذي فتح لك أبواب مدينتنا. فاستحى خالد رضي الله عنه أن يقول، فوثب روماس، وقال: أنا فعلت ذلك يا أعداء الله وأعداء رسوله، وما فعلته إلا ابتغاء مرضاة الله وجهادا فيكم. فقالوا: أولست منا؟ فقال: اللهم لا تجعلني منهم، رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبالكعبة قبلة وبالقرآن إماما، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. قال: ففرح خالد بذلك. وأما أهل بصرى فغضبوا وأضمروا له شرا، وعلم بذلك روماس. فقال لخالد: أنا لا أريد المقام عندهم، وإني أسير معك حيث سرت. فإذا فتح الله على يديك الشام وصار لكم الأمر ردوني إليها لأن الوطن عزيز.

(1/20)


قال الواقدي: حدثني معمر بن سالم عن جده قال: كان روماس يجاهد معنا جهادا حسنا حتى فتح الله على أيدينا الشام، فكان أبو عبيدة يكاتب به عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أيامه فولاه على بصرى فلم يلبث إلا يسيرا حتى توفي رحمه الله، وخلف عقبا يذكر به، قال: وأمر خالد رجالا يعينونه على إخراج رحله وماله من المدينة ففعلوا ذلك، وإذا بزوجته تخاصمه وتطلب فراقه. فقال لها المسلمون: ما الذي تريدين؟ قالت: أريد أمير جيشكم يحكم بيننا فجاءوا بها إلى خالد، فقالت له: أنا أستغيث بك من روماس. فقال لها خالد: وكيف ذلك؟ فقالت: إني كنت البارحة نائمة إذ رأيت شخصا ما رأيت منه أحسن منه وجها كأن البدر يطلع من بين عينيه، وكأنه يقول: إن المدينة فتحت على يد هؤلاء القوم والشام والعراق. فقلت له: ومن أنت يا سيدي؟. قال: محمد رسول الله، ثم دعاني إلى الإسلام فأسلمت، ثم علمني سورتين من القرآن. قال: فحدث الترجمان خالد بما كان منها. فقال: إن هذا لعجيب، ثم قال خالد للترجمان: قل لها أن تقرأ السورتين فقرأت الفاتحة، وقل هو الله أحد، ثم جددت إسلامها على يد خالد بن الوليد، وقالت: يا أيها الأمير إما أن يسلم روماس وإلا يتركني أعيش بين المسلمين. قال: فضحك خالد من قولها، وقال: سبحان الله الذي وفقهما جميعا. ثم قال للترجمان: قل لها إن روماس أسلم قبلها ففرحت بذلك. ثم إن خالدا أحضر أهل بصرى وقررهم على أداء الجزية وولى عليهم من اتفق رأيه عليه. ثم كتب إلى أبي عبيدة كتابا يبشره بالفتح، ويقول له: يا صاحب رسول الله قد ارتحلنا إلى دمشق فألحقنا إليها. ثم كتب كتابا آخر إلى أبي بكر الصديق يخبره برحيله، ويقول له: يوم كتبت إليك هذا الكتاب ارتحلت إلى دمشق فادع لنا بالنصر والسلام عليك ومن معك ورحمة الله وبركاته. ثم بعث الكتابين كلاهما، ثم ارتحل خالد إلى نحو دمشق حتى أشرف على موضع يقال له الثنية فوقف هناك وركز راية العقاب فسميت بذلك ثنية العقاب. ثم ارتحل منها إلى الدير المعروف الآن بدير خالد، وكان أهل السواد قد التجئوا إلى دمشق، وقد اجتمعت خلائق وأمم لا تحصى من الرجال. وأما أصحاب الخيل فكانوا اثني عشر ألفا، وقد زينوا أسوارهم بالطوارق والبيارق والصلبان، وأقام خالد على الدير ينتظر قدوم المسلمين.

(1/21)


قال الواقدي: ووصلت الأخبار إلى الملك هرقل وما فتح خالد من الشام، وكيف قدم على دمشق فغضب وجمع البطارقة وقال: يا بني الأصفر، لقد قلت لكم وحذرتكم فأبيتم وهؤلاء العرب قد فتحوا أركة وتدمر والسخنة وبصرى، وقد توجهوا إلى الربوة ففتحوها فواكرباه لأن دمشق جنة الشام وقد سارت إليها الجيوش وهم أضعاف العرب، ثم قال: أيكم يتوجه إلى قتال العرب ويكفيني أمرهم، فإن هزمهم أعطيته ما فتحوه ملكا. فقال بطريق من البطارقة اسمه كلوس بن حنا، وكان من فرسانهم، وقد عرفت شجاعته في عساكر الروم والفرس: أيها الملك أنا أكفيك وأردهم على أعقابهم منهزمين. قال: فلما سمع الملك قوله سلم إليه صليبا من الذهب وقدمه على خمسة آلاف فارس، وقال له: قدم صليبك أمامك فإنه ينصرك. قال: فأخذه كلوس وسار من يومه من أنطاكية إلى أن وصل حمص فوجدها مزينة بالسلاح، فلما بلغ أهلها قدومه خرجوا إلى لقائه، وقد خرجت القسس والرهبان واستقبلوه ودعوا له بالنصر وأقام بحمص يوما وليلة، ثم أرتحل إلى مدينة بعلبك فخرج إليه النساء لاطمات الخدود وقلن: أيها السيد إن العرب فتحوا أركة وحوران وبصرى، فقال لهن: كيف قدرت العرب على حوران وبصرى؟. فقلن: أيها السيد إن الذين ذكرتهم لم يبرحوا من أماكنهم، وإن هذا الرجل قد أقبل من العراق، وهو الذي فتح أركة. فقال: وما اسمه. قلن: خالد بن الوليد. قال: في كم يكون من العساكر. قلن: في ألف وخمسمائة فارس. فقال: وحق المسيح لأجعلن رأسه على رأس سناني. ثم رحل فلم ينزل إلا بدمشق، وكان واليها بطريقا من قبل الملك هرقل اسمه عزازير، فلما قدم كلوس اجتمع عليه عزازير وأصحابه وقرأوا عليهم منشور الملك، ثم قال لهم: أتريدون أن أقاتل عدوكم وأصده عن بلادكم. قالوا: نعم فقال: أخرجوا عزازير عنكم حتى أكون وحدي في هذا الأمر. فقالوا: أيها السيد وكيف ينبغي أن يخرج صاحبنا من بلدنا، وهذا العدو قاصد إلينا. قال: فغضب عزازير في وجه كلوس من كلامه، وقد اتفق رأيهم على أن كل واحد يقاتل العرب يوما فثبتت عداوة عزازير في قلب كلوس.
قال الواقدي: ولقد بلغني أنهم كانوا يخرجون كل يوم من باب الجابية مقدار فرسخ ينظرون قدوم أبي عبيدة بن الجراح فلم يشعروا حتى قدم إليهم خالد بن الوليد من نحو الثنية، قال: حدثنا يسار بن محمد. قال: أخبرنا رفاعة بن مسلم. قال: كنت في جيش خالد بن الوليد لما نزل على الدير المعروف به، وإذا بجيش الروم قد زحف علينا وهو كالجراد المنتشر، فلما نظر خالد ذلك تدرع بدرع مسلمة، ثم صرخ في وجه المسلمين. وقال: هذا يوم ما بعده يوم، وهذا العدو قد زحف بخيله فدونكم والجهاد فانصروا الله ينصركم وكونوا ممن باع نفسه لله عز وجل وكأنكم بإخوانكم المسلمين قدموا عليكم مع أبي عبيدة بن الجراح، ثم بعد ذلك استقبل الجيش وصرخ بملء رأسه فأرعب المشركين من صرخته وحمل شرحبيل بن حسنة وعبد الرحمن بن أبي بكر وضرار بن الأزور، ومذ حمل ضرار لم يول عنهم بل قتل من الميمنة خمسة فرسان ومن الميسرة كذلك. ثم حمل ثاني مرة فقتل منهم ستة فرسان، ولولا سهام القوم لما رد عن قتالهم فشكره خالد بن الوليد وقال لعبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه: احمل بارك الله فيك. قال: فحمل عبد الرحمن وفعل كما فعل ضرار بن الأزور وقاتل قتالا شديدا. ثم حمل من بعده خالد بن الوليد ورفع رمحه ورأى العسكر من أمور الحرب حتى جزع الروم من شجاعته. فلما نظر إليه البطريق كلوس علم أنه أمير الجيش وعلم أنه يقصده فتأخر كلوس إلى ورائه من مخافته. فلما نظر خالد إلى قهقرة كلوس إلى ورائه حمل عليه ليرده فوقعت عليه البطارقة ورموه بالسهام فلم يلتفت إليهم خالد، ولم يعبأ بهم ولم يرجع حتى قتل عشرين. ثم انثنى بجواده بين الصفين وجال بجواده بين الفريقين وطلب البراز فلم يجبه أحد، وقالوا: أخرجوا غيره منكم. فقال: ويلكم ها أنا رجل واحد من العرب وكلنا في الحرب سواء فما منهم من فهم كلامه، فأقبل عزازير على كلوس، وقال: أليس الملك قد قدمك على جيشه وبعثك إلى قتال العرب فدونك حام عن بلدك ورعيتك.

(1/22)


فقال كلوس: أنت أحق مني بذلك لأنك أقدم مني، وقد عزمت أنك لا تخرج إلا بإذن الملك هرقل فما بالك لا تخرج إلى قتال أمير العرب. فقال لهما العساكر: تقارعا فمن وقعت عليه القرعة فلينزل إلى قتال أمير العرب. فقال كلوس: لا بل نحمل جميعا فهو أهيب لنا، قال: وخاف كلوس أن يبلغ الملك ذلك فيطرده من عنده أو يقتله. قال: فتقارعا فوقعت القرعة على كلوس. فقال عزازير: اخرج وبين شجاعتك، فقال كلوس لأصحابه: أريد أن تكون همتكم عندي، فإن رأيتم مني تقصيرا فاحملوا وخلصوني. فقال أصحابه: هذا كلام عاجز لا يفلح أبدا، فقال: يا قوم إن الرجل بدوي ولغته غير لغتي فخرج معه رجل اسمه جرجيس، وقال له: أنا أترجم لك فسار معه. فقال كلوس: اعلم يا جرجيس أن هذا رجل ذو شجاعة فإن رأيته غلبني فاحمل أنت عليه حتى نقضي يومنا معه، ويخرج له غدا عزازير فيقتله ونستريح منه وأتخذك أنا صديقي. فقال له: ما أنا أهل حرب، وإنما أخوفه بالكلام. قال: فسكت وسارا حتى قربا من خالد فنظر إليهما. قال: فهم أن يخرج إليهما رافع بن عميرة فصاح فيه خالد، وقال: مكانك لا تبرح فإني كفء لهما، فلما دنوا من خالد. قال كلوس لصاحبه: قل له من أنت وما تريد وخوفه من سطواتنا فقرب جرجيس من خالد، وقال له: يا أخا العرب أنا أضرب لك مثلا إن مثلكم ومثلنا كمثل رجل له غنم فسلمها إلى راع وكان الراعي قليل الجرأة على الوحوش فأقبل عليه سبع عظيم فجعل يلتقط منه كل ليلة رأسا إلى أن انقضت الأغنام والسبع ضار عليها ولم يجد له مانعا عنها. فلما نظر صاحب الغنم ما حل بغنمه علم أنه لم يؤت إلا من الراعي فانتدب لغنمه غلاما نجيبا فسقمه الغنم فكان كل ليلة يكثر الطوفان حول الغنم. فبينما الغلام كذلك إذ أقبل عليه السبع على عادته الأصلية واخترق الغنم فهجم الغلام على السبع وبيده منجل فضربه فقتله، ولم يقرب الغنم وحش بعدها وكذلك أنتم نتهاون بأمركم لأنه ما كان أضعف منكم لأنكم جياع مساكين ضعفاء وتعودتم أكل الذرة والشعير ومص النوى. فلما خرجتم إلى بلادنا وأكلتم طعامنا وفعلتم ما فعلتم، وقد بعث لكم الملك رجالا لا تقاس بالرجال ولا تكترث بالأبطال ولا سيما هذا الرجل الذي بجانبي فاحذر منه أن ينزل بك ما أنزل الغلام بالأسد، وقد سألني أن أخرج إليك وأتلطف بك في الكلام فأخبرني ما الذي تريد قبل أن يهجم عليك هذا الفارس. فلما سمع خالد منه ذلك، قال: يا عدو الله والله لا نحسبكم عندنا في الحرب إلا كقابض الطير بشبكة، وقد قبضها يمينا وشمالا فلم يخرج إلا ما انفلت منه. وأما ما ذكرت من بلادنا وأنها بلاد قحط وجوع فالأمر كذلك إلا أن الله تعالى أبدلنا ما هو خير منه، فأبدلنا بدل الذرة الحنطة والفواكه والسمن والعسل. وهنا كله قد رضيه لنا ربنا ووعدنا به على لسان نبيه وأما قولك: ما الذي تريدونه منا. فنريد منكم إحدى ثلاث خصال إما أن تدخلوا في ديننا أو تؤدوا الجزية، أو القتال. وأما قولك: إن هذا الرجل الذليل الذي هو عندكم مسكين فهو عندنا أقل القليل وإن يكن هو ركن الملك فأنا ركن الإسلام. أنا الفارس الصنديد، أنا خالد بن الوليد. أنا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
معارك الشام

(1/23)


قال الواقدي رحمه الله تعالى: فلما سمع جرجيس كلام خالد تأخر إلى ورائه وقد تغير لونه، فقال له كلوس: يا ويلك رأيتك في بدايتك تهيم كالسبع فما لك قد تأخرت؟ فقال: وحق المسيح ما أعلم أنه الفارس الجحجاح وبطلهم الفصاح، هذا صاحب القوم الذي ملأ الشام شرا. فقال كلوس: يا جرجيس اسأله أن يؤخر الحرب بيننا إلى غد فالتفت إلى خالد، وقال له: يا سيد قومك هذا صاحبي يريد أن يرجع إلى قومه ليشاورهم. فقال خالد: ويحك أتريد أن تخدعني بالكلام وأقبل برمحه في وجه جرجيس. فلما نظر جرجيس ذلك انعقد لسانه وولى هاربا. فلما رأى خالد ذلك طلب كلوس وحمل عليه وتطاعنا واحترز البطريق من طعنات خالد، فلما نظر خالد احتراز البطريق حط يده في أطواقه وجذبه فقلعه من سرجه. فلما نظر المسلمون فعل خالد كبروا بأجمعهم وتسابق الفرسان إلى خالد، فلما قربوا منه رمى لهم البطريق، وقال أوثقوه كتافا فصار يبربر بلسانه فأتى المسلمون بروماس صاحب بصرى، وقالوا له: اسمع ماذا يقول؟ فقال لهم: يقول لكم لا تقتلوني فأني أجبت صاحبكم في المال والجزية. فقال خالد: استوثقوا منه ثم نزل عن جواده وركب جوادا أهداه له صاحب تدمر وعزم أن يهجم على الروم. فقال ضرار بن الأزور: أيها الأمير دعني أنا أحمل على القوم حتى تستريح أنت. فقال: يا ضرار: الراحة في الجنة غدا، ثم عول خالد على الحملة فصاح به البطريق كلوس، وقال: وحق دينك ونبيك إلا ما رجعت إلي حتى أخاطبك فرجع خالد إليه، وقال لروماس: اسأله ما يريد. فقال: أعلمه أني صاحب الملك، وقد بعثني إليكم في خمسة آلاف فارس لأردكم عن بلده وأهله ورعيته، وقد تحاججت أنا وعزازير متولي دمشق وقدم إلي معه كذا وكذا، وأنا أسألك بحق دينك إذا خرج إليك فاقتله، وإن لم يخرج إليك فاستدعه واقتله فإنه رأس القوم. فإن قتلته فقد ملكت دمشق. فقال خالد لروماس: قل له إنا لا نبقي عليك ولا عليه ولا على من أشرك بالله تعالى. ثم إنه بعد ذلك الكلام حمل، وهو ينشد ويقول:
لك الحمد مولانا على كل نعمة ... وشكرا لما أوليت من سابغ النعم
مننت علينا بعد كفر وظلمة ... وأنقذتنا من حندس الظلم والظلم
وأكرمتنا بالهاشمي محمد ... وكشفت عنا ما نلاقي من الغمم
فتمم إله العرش ما قد ترومه ... وعجل لأهل الشرك بالبؤس والنقم
وألقهم ربي سريعا ببغيهم ... بحق نبي سيد العرب والعجم

(1/24)


قال الواقدي: نقد بلغني ممن أثق به أنه لما ولى جرجيس هاربا من بين يدي خالد إلى أصحابه رأوه يرتعد من الفزع. فقالوا له: ما وراءك. فقال: يا قوم ورائي الموت الذي لا يقاتل، والليث الذي لا ينازل، وهو أمير القوم، وقد آلى على نفسه أن يطلبنا أينما كنا، وما خلصت روحي إلا بالجهد فصالحوا الرجل قبل أن يحمل عليكم بأصحابه فلا يبقي منكم أحدا، فقالوا له: ما يكفيك أنك انهزمت، وقد هموا بقتله، فبينما هم كذلك إذ أقبل أصحاب كلوس على عزازير وهم خمسة آلاف وصاحوا به وقالوا له: ما أنت عند الملك أعز من صاحبنا، وقد كان بيننا وبينك شرك فاخرج أنت إلى خالد واقتله أو أسره وخلص لنا صاحبنا وإلا وحق المسيح والمذبح والذبيح شننا عليك الحرب فقال عزازير، وقد رجع به مكره ودهاؤه: يا ويلكم أتظنون أني جزعت من الخروج إلى هذا البدوي من أول مرة، ولكني ما تأخرت عن الخروج إليه وتقاعدت عن قتاله حتى يتبين عجز صاحبكم وسوف ينظر الفريقان أينا أفرس وأشجع وأثبت في مقام القتال إذا نحن تشابكنا بالنصال. ثم إنه في الحال ترجل عن جواده ولبس لامته وركب جوادا يصلح للجولان، وخرج إلى قتال سيدنا خالد بن الوليد، الفارس الصنديد رضي الله عنه، فلما قرب منه قال: يا أخا العرب ادن مني حتى أسألك وكان الملعون يعرف العربية، فلما سمع خالد ذلك قال: يا عدو الله ادن أنت على أم رأسك، ثم هم أن يحمل عليه. فقال: على رسلك يا أخا العرب أنا أدنو منك فعلم خالد أن الخوف داخله فأمسك عنه حتى قرب منه. فقال: يا أخا العرب ما حملك أن تحمل أنت بنفسك.. أما تخشى الهلاك فلو قتلت بقيت أصحابك بلا مقدم. فقال خالد: يا عدو الله قد رأيت ما فعل الرجلان من أصحابي لو تركتهم لهزموا أصحابك بعون الله تعالى، وإنما معي رجال، وأي رجال يرون الموت مغنما والحياة مغرما، ثم قال له خالد: من أنت. فقال: أو ما سمعت باسمي أنا فارس الشام أنا قاتل الروم والفرس أنا كاسر عساكر الترك. فقال خالد: ما اسمك؟ فقال: أنا الذي تسميت باسم ملك الموت اسمي عزرائيل.

(1/25)


قال الواقدي: فضحك خالد من كلامه، وقال: يا عدو الله تخوفني أن الذي تسميت باسمه هو طالبك ومشتاق إليك ليرديك إلى الهاوية. فقال له البطريق: ما فعلت بأسيرك كلوس؟. فقال: هو موثق بالقيود والأغلال. فقال له عزازير: وما منعك من قتله، وهو داهية من دواهي الروم. فقال خالد: منعني من ذلك أني أريد قتلكم جميعا، فقال عزازير: هل لك أن تأخذ ألف مثقال من الذهب وعشرة أثواب من الديباج وخمسة رؤوس من الخيل وتقتله وتأتيني برأسه. فقال له خالد: هذه ديته فما الذي تعطيني أنت عن نفسك. قال: فغضب عدو الله من ذلك، وقال: ما الذي تأخذ مني. قال: الجزية وأنت صاغر ذليل. فقال عزازير: كلما زدنا في كرامتكم زدتم في إهانتنا فخذ الآن لنفسك الحذر فإني قاتلك ولا أبالي، فلما سمع خالد كلام عزرائيل حمل عليه حملة عظيمة كأنه شعلة نار فاستقبله البطريق، وقد أخذ حذره وكان عزازير ممن يعرف بالشجاعة في بلاد الشام فلما نظر خالد إلى عدو الله أظهر شجاعته وبراعته تبسم. فقال عزازير: وحق المسيح لو أردت الوصول إليك لقدرت على ذلك ولكنني أبقيت عليك لأني أريد أن أستأسرك ليعلم الناس أنك أسيري، وبعد ذلك أطلق سبيلك على شرط أنك ترحل من بلادنا وتسلم لنا ما أخذت من بلاد الشام، فلما سمع خالد كلام عزازير قال له: يا عدو الله قد داخلك الطمع فينا، وهذه العصابة قد ملكوا تدمر وحوران وبصرى وهم ممن باعوا أنفسهم بالجنة، واختاروا دار البقاء على دار الفناء، وستعلم أينا من يملك صاحبه ويذل جانبه، ثم إن خالدا أرى البطريق أبواب الحرب. قال: فندم عزازير على ما كان منه من الكلام، وقال: يا أخا العرب أما تعرف الملاعبة. فقال خالد: ملاعبتي الضرب في طاعة الرب، ثم إن الملعون هاجم خالدا ولوح إليه بسيفه وضربه به فلم يقطع شيئا فذهل عدو الله من جولان خالد وثباته، وعلم أنه لا يقدر عليه ولا على ملاقاته فولى هاربا، وكان جواده أسبق من جواد خالد. قال عامر بن الطفيل رضي الله عنه: وكنت يوم حرب دمشق في القلب وشاهدنا ما جرى بين خالد وعزازير لما ولى هاربا وقصر جواد خالد عن طلبه فوقع في قلبي الطع، وقال: كأن البدوي خاف مني وما لي إلا أن أقف حتى يمحقني وآخذه أسيرا ولعل المسيح ينصرني عليه، فلما وقع ذلك في نفسه وقف حتى لحق به خالد، وقد جلل فرسه العرق، فلما قرب منه صاح عزازير، وقال: يا عربي لا تظن أني هارب خوفا منك، وإنما أبقيت عليك خوفا على شبابك فارحم نفسك، وإن أردت الموت أسوقه إليك أنا قابض الأرواح أنا ملك الموت، فعدما ذلك ترتجل عن جواده وسحب السيف وسار إليه كأنه الأسد الضاري.

(1/26)


فلما نظر عزازير إلى ذلك وإلى ترجل خالد زاد طمعه فيه وحام حوله وهم إليه يريد أن يعلو رأسه بالسيف فزاغ خالد عنها وصاح فيه وضرب قوائم فرسه بضربة عظيمة فقطعها فسقط عدو الله على الأرض ثم ولى هاربا يريد أصحابه فسبقه خالد. وقال: يا عدو الله إن الذي تسميت باسمه قد غضب عليك واشتاق إليك وها هو قد أقبل عليك يقبض روحك ليؤديك إلى جهنم، ثم هجم عليه وهم أن يجلد به الأرض ونظرت الروم إلى صاحبها، وهو في يد خالد فهموا أن يحملوا على خالد ويخلصوه من يده إذ قد أقبلت جيوش المسلمين، وأبطال الموحدين مع الأمير أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه كان قد سار من بصرى فوجده، وقد أخذ عزازير في تلك الساعة، فلما نظرت عساكر دمشق إلى جيوش المسلمين قد أقبلت داخلهم الجزع والفزع فوقفوا عن الحملة. قال: حدثني عمر بن قيس عن شعيب عن عبد الله عن هلال القشعمي قال: لما قدم الأمير أبو عبيدة سأل عن خالد فقالوا: إنه في ميدان الحرب، وقد أسر بطريق الروم فدنا أبو عبيدة إليه وهم أن يترجل فأقسم عليه خالد أن لا يفعل وأقبل عليه وصافحه، وكان أبو عبيدة يحب خالدا لمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال أبو عبيدة لخالد: يا أبا سليمان لقد شرحت بكتاب أبي بكر الصديق حين قدمك علي وأمرك علي وما حقدت في قلبي عليك لأني أعلم مواقفك في الحرب. فقال خالد: والله لا فعلت أمرا إلا بمشورتك ووالله لولأ أمر الإمام طاعة ما فعلت ذلك أبدا لأنك أقدم مني في دين الإسلام وأنا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت قال فيك: أبو عبيدة أمين هذه الأمة فشكره أبو عبيدة وقدم لخالد جواده فركبه، وقال خالد لأبي عبيدة: اعلم أيها الأمير أن القوم قد خذلوا ووقع الرعب في قلوبهم، وأهينوا بأخذ كلوس وعزازير قال: وسار مع أبي عبيدة يحدثه بما صار من البطريقين، وكيف نصره الله عليهما إلى أن أتيا الدير فنزلا هناك، وأقبل المسلمون يسلم بعضهم على بعض. فلما كان الغد ركب الناس وتزينت المواكب وزحف أهل دمشق للقتال وقد أمروا عليهم صهر الملك هرقل، ولما أقبلوا قال خالد لأبي عبيدة: إن القوم قد انخذلوا ووقع الرعب في قلوبهم فاحمل بنا على القوم. قال أبو عبيدة: افعل قال: فحمل خالد وحمل أبو عبيدة وحمل المسلمون على عساكر الروم حملة عظيمة وكبروا بأجمعهم فارتجت الأرض من تكبيرهم ووقع القتل في الروم، وجاهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جهادا عظيما، وذهلت منهم الكفار. قال عامر بن الطفيل: لقد كان الواحد منا يهزم من الروم العشرة والمائة. قال: فما لبثوا معنا ساعة واحدة حتى ولوا الأدبار، وركنوا إلى الفرار، وأقبلنا نقتل فيهم من الدير إلى الباب الشرقي. فلما نظر أهل دمشق إلى انهزام جيشهم أغلقوا الأبواب في وجه من بقي منهم. قال قيس بن هبيرة رضي الله عنه: فمنهم من قتلناه، ومنهم من أسرناه، فلما رجع خالد عنهم قال لأبي عبيدة: إن من الرأي أن أنزل أنا على الباب الشرقي وتنزل أنت على باب الجابية. فقال أبو عبيدة: هنا هو الرأي السديد.

(1/27)


قال: حدثنا سهل بن عبد الله عن أويس بن الخطاب أن الذي قدم مع الأمير أبي عبيدة من المسلمين من أهل الحجاز واليمن وحضرموت وساحل عمان والطائف وما حول مكة كان سبعة وثلاثين ألف فارس من الشجعان، وكان مع عمرو بن العاص تسعة آلاف فارس، والذين قدم بهم خالد بن الوليد رضي الله عنه من العراق ألف فارس وخمسمائة فارس فكان جملة ذلك سبعة وأربعين ألفا وخمسمائة غير ما جهز عمر بن الخطاب في خلافته، وسنذكر ذلك إذا وصلنا إليه إن شاء الله تعالى، هذا وإن خالدا نزل بنصف المسلمين على الباب الشرقي ونزل أبو عبيدة بالنصف الثاني على باب الجابية. فلما نظر أهل دمشق إلى ذلك نزل الرعب في قلوبهم، ثم إن خالدا أحضر البطريقين بين يديه وهما كلوس وعزازير فعرض عليهما الإسلام فأبيا فأمر ضرار بن الأزور أن يضرب عنقيهما ففعل. قال: فلما نظر أهل دمشق ما فعلوا بالبطريقين كتبوا إلى الملك كتابا يخبرونه بما جرى على كلوس وعزازير، وقد نزلت العرب على الباب الشرقي وباب الجابية، وقد نزلوا بشبانهم وأولادهم وقد قطعوا أرض البلقاء وأرض السواد ووصفوا له ما ملك العرب من البلاد فأدركنا وإلا سلمنا إليهم البلد، ثم سلموا الكتاب إلى رجل منهم وأعطوه أوفى أجرة وأدلوه بالحبل من أعلى الأسوار في ظلمة الاعتكار.
قال الواقدي: وإن الرجل وصل إلى الملك هرقل، وهو بأرض أنطاكية فاستأذن عليه فأمر له بالدخول، فلما دخل سلم الكتاب إليه. فلما قرأه الملك رماه من يده وبكى، ثم إنه جمع البطارقة. وقال لهم: يا بني الأصفر لقد حذرتكم من هؤلاء العرب، وأخبرتكم أنهم سوف يملكون ما تحت سريري هذا فاتخذتم كلامي هزوا وأردتم قتلي وهؤلاء العرب خرجوا من بلاد الجدب والقحط وأكل الذرة والشعير إلى بلاد خصبة كثيرة الأشجار والثمار والفواكه فاستحسنوا ما نظروه من بلادنا وخصبنا وليس يزجرهم شيء لما هم فيه من العزم والقوة وشدة الحرب ولولا أنه عار علي لتركت الشام ورحلت إلى القسطنطينية العظمى، ولكن ها أنا أخرج إليهم وأقاتلهم عن أهلي وديني. فقالوا: أيها الملك ما بلغ من شأن العرب أن تخرج إليهم بنفسك وقعودك أهيب قال الملك هرقل: نبعث إليهم، قالوا: عليك أيها الملك بوردان صاحب حمص لأنه ليس فينا مثله في القوة وملاقاة الرجال، ولقد بين لنا شجاعته في عساكر الفرس لما قصدونا. قال: فأمر الملك بإحضماره، فلما حضر وردان قال له الملك: إنما قدمتك لأنك سيفي القاطع وسندي المانع فاخرج من وقتك وساعتك ولا تتأخر، فقد قدمتك على اثني عشر ألفا، فإذا وصلت إلى بعلبك فانفذ إلى من بأجنادين بأن يتفرقوا في أرض البلقاء وجبال السواد فيكونوا هناك ولا تتركوا أحدا من العرب يلحق بأصحابه، يعني عمرو بن العاص رضي الله عنه، فقال وردان: السمع والطاعة لك أيها الملك وسوف يبلغك الخبر أني لا أعود إلا برأس خالد بن الوليد ومن معه اهزمهم جميعا وبعد ذلك أدخل الحجاز ولا أخرج حتى أهدم الكعبة ومكة والمدينة. قال: فلما سمع الملك هرقل قوله قال: وحق الإنجيل لن فعلت ذلك ووفيت بقولك لأعطينك ما فتحوه حرثا وخراجا وكتبت كتاب العهد أنك الملك من بعدي، ثم سوره وتوجه وأعطاه صليبا من الذهب وفي جوانبه أربع يواقيت لا قيمة لها، وقال: إذا لاقيت العرب فقدمه أمامك فهو ينصرك، قال: فلما تسلم وردان الصليب من وقته دخل الكنيسة وانغمر في ماء المعمودية وبخروه ببخور الكنائس وصلى عليه الرهبان وخرج من وقته فضرب خيامه خارج المدينة. قال: وأخذت الروم على أنفسهم بالرحيل، فلما تكاملوا ركب الملك هرقل وسار لوداعهم وصحبته أرباب دولته فوصل معهم إلى جسر الحديد بها فودعه الملك وسار إلى أن وصل إلى حماة فنزل بها وأنفذ من وقته كتابا إلى من بأجنادين من جيوش الروم يأمرهم ليتفرقوا في سائر الطرقات ليمنحوا عمرو بن العاص ومن معه أن يصلوا إلى خالد، فلما سار الرسول بالكتاب جمع وردان إليه البطارقة وقال لهم: إني أريد أن أسير على حين غفلة على طريق مارس حتى أكبس على القوم ولا ينجو منهم أحد، فلما كان الليل رحل على طريق وادي الحياة.

(1/28)


قال: حدثني شداد بن أوس قال: لما دخل خالد بن الوليد رضي الله عنه بعد قتل البطريقين أمر المسلمين أن يزحفوا إلى دمشق. قال: فزحف منا الرجال من العرب وبأيديهم الحجف يتلقون بها الحجارة والسهام، فلما نظر أهل دمشق إلينا، ونحن قد زحفنا إليهم رمونا بالسهام والحجارة من أعلى الأسوار، وضيقنا عليهم في الحصار، وأيقن القوم بالدمار. قال شداد بن أوس: فأقمنا على حصارهم عشرين يوما، فلما كان بعد ذلك جاءنا ناوي بن مرة وأخبرنا عن جموع الروم بأجنادين وكثرة عددهم فركب خالد نحو باب المدينة الجابية إلى أبي عبيدة يخبره بذلك ويستشيره وقال: يا أمين الأمة إني رأيت أن ترحل من دمشق إلى أجنادين، ونلقى من هناك من الروم، فإذا نصرنا الله عليهم عدنا إلى قتال هؤلاء القوم. قال أبو عبيدة: ليس هذا برأي قال خالد: ولم ذلك؟ قال أبو عبيدة: إذا رحلنا يخرج أهل المدينة فيملكون مواضعنا، فلما سمع خالد ذلك من أبي عبيدة. قال: يا أمين الأمة إني أعرف رجلا لا يخاف الموت خبيرا بلقاء الرجال قد مات أبوه وجده في القتال. قال: ومن هنا الرجل يا أبا سليمان. قال: هو ضرار بن الأزور بن طارق. قال أبو عبيدة: والله لقد صدقت ووصفت رجلا باذلا معروفا فافعل. قال: فرجع خالد إلى بابه واستدعى بضرار بن الأزور فجاء إليه وسلم عليه. فقال: يا ابن الأزور إني أريد أن أقدمك على خمسة آلاف قد باعوا أنفسهم لله عز وجل واختاروا دار البقاء والآخرة على الأولى، وتسيروا إلى لقاء هؤلاء القوم الذين وردوا علينا، فإن رأيت لك فيهم طمعا فقاتلهم، وإن رأيت أنك لا تقدر عليهم فابعث إلينا رسولك. فقال ضرار بن الأزور: وافرحتاه، والله يا ابن الوليد ما دخل قلبي مسرة أعظم من هذه فاتركني أسير وحدي. قال خالد: لعمري إنك ضرار، ولكن لا تلق نفسك إلى الهلاك وسر بما ندب معك من المسلمين. قال فقام ضرار رضي الله عنه مسرعا فقال خالد: ارفق بنفسك حتى يجتمع عليك الجيش فقال: والله لا وقفت ومن علم الله فيه خيرا أدركني ثم ركب ضرار وأسرع إلى أن وصل إلى بيت لهيا، وهو الموضع الذي كان يصنع فيه الأصنام فوقف هناك حتى لحق به أصحابه. فلما تكاملوا نظر ضرار، وإذا بجيش الروم ينحدر كأنه الجراد المنتشر وهم غائصون في الدروع وقد أشرقت الشمس على لاماتهم وطوارقهم.
فلما نظر إليهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا لضرار: أما والله إن هذا الجيش عرمرم والصواب أننا نرجع. فقال ضرار: والله لا زلت أضرب بسيفي في سبيل الله وأتبع من أناب إلى الله ولا يراني الله مهزوما، ولا أولي الدبر لأن الله تعالى يقول " فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله " الأنفال: 16، وتكلم رافع بن عميرة الطائي وقال: يا قوم وما الخيفة من هؤلاء العلوج؟ أما نصركم الله في مواطن كثيرة والنصر مقرون مع الصبر ولم تزل طائفتنا تلقى الجموع الكثيرة والجموع اليسيرة فاتبعوا سبيل المؤمنين وتضرعوا إلى رب العالمين وقولوا كما قال قوم طالوت عند لقائهم جالوت " ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين " البقرة: 250. فلما سمع ضرار كلامهم وأنهم اشتروا الآخرة على الأولى كمن بهم عند بيت لهيا وأخفى أمره وجلس عاري الجسد بسراويله على فرس له عربي بغير سلاح وبيده قناة كاملة الطول وهو يوصي القوم.

(1/29)


قال الواقدي: هكذا حدثني تميم بن أوس عن جده عمرو بن دارم. قال: كنت لوم بيت لهيا ممن صحب ضرار بن الأزور رضي الله عنه وهو بهذه الصفة رغبة منه في الشهادة. فلما قارب العدو كان أول من برز وكبر ضرار بن الأوزر قبل فأجابه المسلمون بتكبيرة واحدة رعبت منها قلوب المشركين وفاجؤهم بالجملة ونظروا إلى ضرار بن الأوزر وهو في أول القوم وهو في حالته التي وصفناها فهالهم أمره، وكان وردان في المقدمة والأعلام والصلبان مشتبكة على رأسه. قال: فما طلب ضرار غيره لأنه علم أنه صاحبهم فحمل عليه غير مكترث به وطعن فارسا كان في يده العلم فتجندل من على فرسه قتيلا، ثم إنه طعن آخر في الميمنة فأرداه وحمل يريد القلب، وكان قد عاين وردان والصليب على رأسه يحمله فارس من الروم والجواهر تلمع من أربع جوانبه فعارضه ضرار وطعن حامله طعنة عظيمة فخرج السنان يلمع من خاصرته. قال فسقط الصليب منكسا إلى الأرض. فلما نظر وردان إلى الصليب أيقن بالهلاك، وهم أن يترجل لأخذه أو يميل في ركابه ليأخذه فما وجد لذلك سبيلا لما قد أحدق به وترتجل عليه قوم من المسلمين ليأخذوه وقد اشتغل كل عن نفسه ونظر ضرار إلى من ترجل لأخذ الصليب. فقال: معاشر المسلمين إن الصليب لي دونكم وأنا صاحبه فلا تطمعوا فإني إليه راجع إذا فرغت من كلب الروم. قال فسمع ذلك وردان وكان يعرف العربية فعطف من القلب يريد الهرب. فقالت البطارقة: إلى أين أيها السيد أتفر من الشيطان فما رأينا أدنى من منظره ولا أهول من مخبره، ونظر إليه ضرار وقد عطف راجعا فعلم أنه قد عزم على الهرب فصاح بقومه ثم اقتحم في أثره ومد رمحه وهمز جواده فتصارخت به الروم وعطفت عليه المواكب من كل جانب فأنشد يقول:
الموت حق أين لي منه المفر
وجنة الفردوس خير المستقر
هذا قتالي فاشهدوا يا من حضر
وكل هذا في رضا رب البشر
ثم اخترق القوم وحمل عليهم وحمل المسلمون في أثره فأحدقوا بهم من كل مكان، ونظروا إلى ضرار وقد قصده وردان صاحب حمص عندما علم أنه اخترق القوم فمد إليه رمحه وقد أحدقت به بطارقته وضرار يمانع عن نفسه يمينا وشمالا فما طعن أحدا إلا أباده إلى أن قتل من القوم خلقا كثيرا، وهو يصرخ بقومه: ويقول " إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص " الصف: 4، قال: وأكبت عليه جيوش الروم من كل جانب ومكان واشتعل الحرب بينهم ووصل همدان بن وردان إلى ضرار بن الأزور ورماه بسهم. فأصاب عضده الأيمن فوصل السهم إليه فأوهنه وأحس ضرار بالألم فحمل على همدان وصمصم عليه برمحه وطعنه. فأصاب بالطعنة فؤاده فوصل السنان إلى ظهره فجذب الرمح منه فلم يخرج، وإذا به قد اشتبك في عظم ظهره فخرج الرمح من غير سنان فطمعوا فيه وحملوا عليه وأخذوه أسيرا، فنظر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ضرار وهو أسير فعظم الأمر عليهم وقاتلوا قتالا شديدا ليخلصوه فما وجدوا إلى ذلك سبيلا وأرادوا الهرب. فقال رافع بن عميرة الطائي: يا أهل القران إلى أين تريدون؟ أما علمتم أن من ولى ظهره لعدوه فقد باء بغضب من الله، وإن الجنة لها أبواب لا تفتح إلا للمجاهدين، الصبر الصبر، الجنة الجنة، يا أهل الكتاب كروا على الكفار عناد الصلبان، وها أنا معكم في أوائلكم، فإن كان صاحبكم أسر أو قتل فإن الله حي لا يموت، وهو يراكم بعينه التي لا تنام، فرجعوا وحملوا معه...

(1/30)


قال: ووصل الخبر إلى خالد أن ضرار قد أسر بيد الروم، وأنه قتل من الروم خلقا كثيرا فعظم ذلك على خالد، وقال: في كم العدو؟ قالوا: في اثني عشر ألف فارس. فقال: والله ما ظننت إلا أنهم في عدد يسير، ولقد غررت بقومي، ثم سأل عن مقدمهم من يكون؟ فقيل وردان صاحب حمص، وقد قتل ضرار ولده همدان، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ثم أرسل إلى أبي عبيدة يستشيره فبعث إليه أبو عبيدة يقول له: اترك على الباب الشرقي من تثق به وسر إليهم فإنك تطحنهم بإذن الله تعالى. فلما وصل الجواب إلى خالد قال: والله ما أنا ممن يبخل بنفسه في سبيل الله ثم أوقف بالمكان ميسرة بن مسروق العبسي رضي الله عنه ومعه ألف فارس، وقال له: أحذر أن تنفذ من مكانك. فقال ميسرة: حبا وكرامة، وعطف خالد بالناس، وقال لهم: أطلقوا الأعنة وقوموا الأسنة فإذا أشرفتم على العدو فاحملوا حملة واحدة ليخلص فيها ضرار إن شاء الله تعالى إن كانوا أبقوا عليه، والله إن كانوا عجلوا عليه لنأخذن بثأره إن شاء تعالى وأرجو أن لا يفجعنا به، ثم تقدم أمام القوم وجعل يقول:
اليوم فاز فيه من صدق
لا أرهب الموت إذا الموت طرق
لأروين الرمح من ذوي الحدق
لأهتكن البيض هتكا والدرق
عسى أرى غدا مقام من صدق
في جنة الخلد وألقى من سبق
خولة بنت الأزور
فبينما خالد يترنم بهذه الأبيات، إذ نظر إلى فارس على فرس طويل وبيده رمح طويل وهو لا يبين منه إلا الحدق والفروسية تلوح من شمائله وعليه ثياب سود وقد تظاهر بها من فوق لامته وقد خرم وسطه بعمامة خضراء وسحبها على صدره ومن ورائه وقد سبق أمام الناس كأنه نار، فلما نظره خالد قال: ليت شعري من هذا الفارس وايم الله إنه لفارس شجاع، ثم اتبعه خالد والناس، وكان هذا الفارس أسبق الناس إلى المشركين. قال وكان رافع بن عمير الطائي رضي الله عنه في قتال المشركين وقد صبر لهم هو ومن معه إذ نظر خالدا ولد أنجده هو ومن معه من المسلمين، ونظر إلى الفارس الذي وصفناه وقد حمل على عساكر الروم كأنه النار المحرقة فزعزع كتائبهم وحطم مواكبهم، ثم غاب في وسطهم فما كانت إلا جولة الجائل حتى خرج وسنانه ملطخ بالدماء جمن الروم، وقد قتل رجالا وجندل أبطالا وقد عرض نفسه للهلاك، ثم اخترق القوم غير مكترث بهم ولا خائف وعطف على كراديس الروم في الناس وكثر قلقهم عليه، فأما رافع بن عميرة ومن معه فما ظنوا إلا أنه خالد وقالوا: ما هذه الحملات إلا لخالد فهم على ذلك إذ أشرف عليهم رضي الله عنه وهو في كبكبة من الخيل، فقال رافع بن عميرة: من الفارس الذي تقدم أمامك فلقد بذل نفسه ومهجته. فقال خالد: والله إنني أشد إنكارا منكم له ولقد أعجبني ما. ظهر منه ومن شمائله. فقال رافع: أيها الأمير إنه منغمس في عسكر الروم يطعن يمينا وشمالا.

(1/31)


فقال خالد: معاشر المسلمين احملوا بأجمعكم وساعدوا المحامي عن دين الله. قال فأطلقوا الأعنة وقوموا الأسنة والتصق بعضهم ببعض وخالد أمامهم إذ نظر إلى الفارس وقد خرج من القلب كأنه شعلة نار والخيل في أثره، وكلما لحقت به الروم لوى عليهم وجندل، فعند ذلك حمل خالد ومن معه ووصل الفارس المذكور إلى جيش المسلمين. قال فتأملوه فرأوه قد تخضب بالدماء فصاح خالد والمسلمون: لله درك من فارس بذل مهجته في سبيل الله وأظهر شجاعته على الأعداء، اكشف لنا عن لثامك. قال فمال عنهم ولم يخاطبهم وانغمس في الروم فتصايحت به الروم من كل جانب وكذلك المسلمون، وقالوا: أيها الرجل الكريم، أميرك يخاطبك وأنت تعوض عنه اكشف عن اسمك وحسبك لتزداد تعظيما فلم يرد عليهم جوابا، فلما بعد عن خالد سار إليه بنفسه وقال له: ويحك لقد شغلت قلوب الناس وقلبي بفعلك، من أنت. قال فلما لج عليه خالد خاطبه الفارس من تحت لثامه بلسان التأنيث، وقال: إنني يا أمير لم أعرض عنك إلا حياء منك لأنك أمير جليل وأنا من ذوات الخدور وبنات الستور، وإنما حملني على ذلك أني محرقة الكبد زائدة الكمد. فقال لها: من أنت. قالت: أنا خولة بنت الأزور المأسور بيد المشركين أخي وهو ضرار وإني كنت مع بنات العرب وقد أتاني الساعي بأن ضرار أسير فركبت وفعلت ما فعلت. قال خالد: نحمل بأجمعنا ونرجو من الله أن نصل إلى أخيك فنفكه. قال عامر بن الطفيل: كنت عن يمين خالد بن الوليد حين حملوا وحملت خولة أمامه وحمل المسلمون وعظم على الروم ما نزل بهم من خولة بنت الأزور وقالوا: إن كان القوم كلهم مثل هذا الفارس فما لنا بهم من طاقة. ولما حمل خالد ومن معه إذا بالروم قد اضطربت جيوشهم ونظر وردان إليهم. فقال لهم: اثبتوا للقوم فإذا رأوا ثباتكم ولوا عنكم ويخرج أهل دمشق يعينونكم على قتالهم. قال فثبت المسلمون لقتال الروم وحمل خالد بالناس حملة منكرة وفرق القوم يمينا وشمالا وقصد خالد مكان صاحبهم وردان عند اشتباك الأعلام والصلبان وإذا حوله أصحاب الحديد والزرد النضيد وهم محدقون به، فحمل خالد عليهم حملة منكرة واشتبك المسلمون بقتال الروم وكل فرقة مشغولة بقتال صاحبها. وأما خولة بنت الأزور فإنها جعلت تجول يمينا وشمالا وهي لا تطلب إلا أخاها وهي لا ترى له أثرا ولا وقفت له على خبر إلى وقت الظهر وافترق القوم بعضهم عن بعض وقد أظهر الله المسلمين على الكافرين وقتلوا منهم مقتلة عظيمة. قال وتراجعت كل فرقة إلى مكانها وقد كمدت أفئدة الروم ما ظهر لهم من المسلمين وقد هموا بالهزيمة وما يمسكهم إلا الخوف من صاحبهم وردان، فلما رجع القوم إلى مكانهم أقبلت خولة بنت الأزور على المسلمين وجعلت تسألهم رجلا رجلا عن أخيها فلم تر من المسلمين من يخبرهما أنه نظره أو رآه أسيرا أو قتيلا، فلما يئست منه بكت بكاءا شديدا وجعلت تقول: يا ابن أمي ليت شعري في أي البيداء طرحوك أم بأي سنان طعنوك أم بالحسام قتلوك، يا أخي أختك لك الفداء لو أني أراك أنقذتك من أيدي الأعداء، ليت شعري أترى أني أراك بعدها أبدا، فقد تركت يا ابن أمي في قلب أختك جمرة لا يخمد لهيبها ولا يطفأ، ليت شعري لحقت بأبيك المقتول بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فعليك مني السلام إلى يوم اللقاء. قال فبكى الناس من قولها وبكى خالد وهم أن يعاود بالحملة إذ نظر إلى كردوس من الروم قد خرج من ميمنة العقبان فتأهب الناس لحربهم وتقدم خالد وحوله أبطال المسلمين. فلما قربوا من القوم رموا رماحهم من أيديهم والسيوف وترجلوا ونادوا بالأمان. فقال خالد: اقبلوا أمانهم وائتوني بهم فأتوا إليه. فقال خالد: من أنتم. فقالوا: نحن من جند هذا الرجل وردان ومقامنا بحمص وقد تحقق عندنا أنه ما يطيقكم ولا يستطيع حربكم فأعطونا الأمان واجعلونا من جملة من صالحتم من سائر المدن حتى نؤدي لكم المال الذي أردتم في كل سنة، فكل من في حمص يرضى بقولنا.

(1/32)


فقال خالد: إذا وصلت إلى بلادكم يكون الصلح إن شاء الله تعالى إن كان لكم فيه أرب، ولكن نحن ههنا لا نصالحكم ولكن كونوا معنا إلى أن يقضي الله ما هو قاض، ثم إن خالدا قال لهم: هل عندكم علم عن صاحبنا الذي قتل ابن صاحبكم؟ قالوا: لعله عاري الجسد الذي قتل منا مقتلة عظيمة وفجع صاحبنا في ولده. قال خالد: عنه سألتكم. قالوا: بعثه وردان عندنا أسيرا على بغل. ووكل به مائة فارس وأنفذه إلى حمص ليرسله إلى الملك ويخبره بما فعل. قال ففرح خالد بقولهم، ثم دعا برافع بن عميرة الطائي وقال: يا رافع ما أعلم أحدا أخبر منكم بالمسالك وأنت الذي قطعت بنا المفازة من أرض السماوة وأعطشت الإبل وأوردتها الماء وأوردتنا أركة وما وطئها جيش قبلنا لمفازتها، وأنت أوحد أهل الأرض في الحيل والتدبير فخذ معك من أحببت واقبع أثر القوم فلعلك أن تلحق بهم وتخلص صاحبنا من أيديهم، فلئن فعلت ذلك لتكونن الفرحة الكبرى. فقال رافع بن عميرة: حبا وكرامة، ثم إنه في الحال انتخب مائة فارس شدادا من المسلمين وعزم على المسير فأتت البشارة إلى خولة بمسير رافع بن عميرة ومن معه في طلب أخيها ضرار فتهلل وجهها فرحا وأسرعت إلى لبس سلاحها وركبت جوادها وأتت إلى خالد بن الوليد، ثم قالت له: أيها الأمير سألتك بالطاهر المطهر محمد سيد البشر إلا ما سرحتني مع من سرحت فلعلي أن أكون مشاهدة لهم. فقال خالد لرافع: أنت تعلم شجاعتها فخذها معك. فقال له رافع: السمع والطاعة، وارتحل رافع ومن معه، وسارت خولة في أثر القوم ولم تختلط بهم، وسار إلى أن قرب من سليمة. قال فنظر رافع فلم يجد للقوم أثرا. فقال لأصحابه: أبشروا فإن القوم لم يصلوا إلى ههنا، ثم إنه كمن بهم في وادي الحياة، فبينما هم كامنون إذا بغبرة قد لاحت. فقال رافع لأصحابه: أيقظوا خواطركم وانتبهوا، فأيقظ القوم هممهم وبقوا في انتظار العدو وإذا بهم قد أتوا وهم محدقون بضرار، فلما رأى رافع ذلك كبر وكبر المسلمون معه وحملوا عليهم فلم يكن غير ساعة حتى خلص الله ضرارا وقتلوهم جميعا وأخذوا سلبهم. قال وإذا بعساكر الروم قد أقبلت منهزمة وأولهم لا يلتفت إلى آخرهم، فعلم رافع أن القوم انهزموا فأقبل يلتقطهم بمن معه. قال وكان خالد لما أرسل رافع بن عميرة في طلب ضرار ليخلصه ومعه المائة فارس صدم وردان صدمة من يحب الشهادة ويبتغي دار السعادة وصدم المسلمون الروم، فما لبثوا أن ولوا الأدبار وركنوا إلى الفرار وكان أولهم وردان واتبعهم المسلمون وأخذوا أسلابهم وأموالهم ولم يزالوا في طلبهم إلى وادي الحياة، فاجتمع المسلمون برافع بن عميرة الطائي وضرار بن الأزور وسلموا عليهم وفرحوا بضرار رضي الله عنه وهنأوه بالسلامة. قال وأثنى خالد على رافع خيرا ورجعوا إلى دمشق وفرح المسلمون بالنصر واتصل الخبر إلى الملك هرقل وأن وردان قد انهزم وقتل ولده همدان. قال فأيقن بزوال ملكه من الشام فكتب إلى وردان كتابا يقول فيه: أما بعد فإني قد بلغني جياع الأكباد عراة الأجساد قد هزموك وقتلوا ولدك رحمه المسيح ورحمك، ولولا أني أعلم أنك فارس الحرب ومجيد الطعن والضرب وليس النصر آتيك لحل عليك سخطي والآن مضى ما مضى، وقد بعثت إلى أجنادين تسعين ألفا، وقد أمرتك عليهم فسر نحوهم وانجد أهل دمشق وأنفذ بعضهم ليمنعوا من في فلسطين من العرب وحل بينهم وبين أصحابهم وانصر دينك وصاحبك. قال وأنفذ إليه الكتاب مع خيل البريد، فلما ورد عليه الكتاب وقرأه سرى عنه بعض ما كان يجده وأخذ الأهبة إلى أجنادين فسار فوجد الروم قد تجمعوا وأظهروا العدد والزرد وخرجوا إلى لقائه وسلموا عليه وتقدموا بين يديه وعزوه في ولده، فلما استقر قراره قرأ عليهم منشور الملك فأجابوا بالسمع والطاعة وأخفوا على أنفسهم.

(1/33)


قال: حدثني روح بن طريف قال: كنت مع خالد بن الوليد على باب شرقي حين رجعنا من هزيمة وردان وإذ قد ورد علينا عباد بن سعد الحضرمي، وكان قد بعثه شرحبيل بن حسنة كاتب وحي رسول الله صلى الله عليه وسلم من بصرى يعلم خالدا بمسير الروم إليه من أجنادين في تسعين ألف فارس فخذ أهبتك للقائهم. قال: فلما سمع خالد ذلك ركب إلى أبي عبيدة وقال له: يا أمين الأمة هذا عباد بن سعد الحضرمي قد بعث به شرحبيل بن حسنة يخبر أن طاغية الروم هرقل قد ولى وردان على من تجمع بأجنادين من الروم وهم تسعون ألفا فما ترى من الرأي يا رسول الله. فقال أبو عبيدة: اعلم يا أبا سليمان أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متفرقون مثل شرحبيل بأرض حسنة بأرض بصرى، ومعاذ بن جبل بحوران، وبزيد بن أبي سفيان بالبلقاء، والنعمان بن المغيرة بأرض تدمر وأركة، وعمرو بن العاص بأرض فلسطين، والصواب أن تكتب إليهم ليقصدونا حتى نقصد العدو ومن الله نطلب المعونة والنصر. قال فكتب خالد إلى عمرو بن العاص كتابا يقول فيه: بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد فإن إخوانكم المسلمين قد عولوا على المسير إلى أجنادين فإن هناك تسعين ألفا من الروم يريدون المسير إلينا " يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون " الصف: 8، فإذا وصل إليك كتابي هذا فاقدم علينا بمن معك إلى أجنادين تجدنا هناك إن شاء الله تعالى والسلام عليك وعلى من معك من المسلمين ورحمة الله وبركاته، وكتب نسخة الكتاب إلى جميع الأمراء الذين ذكرناهم ثم أمر الناس بالرحيل فرفعت القباب والهوادج على ظهور الجمال وساقوا الغنائم والأموال. فقال خالد لأبي عبيدة: قد رأيت رأيا أن أكون على الساقة مع الغنائم والأموال والبنين والولدان وكن أنت على المقدمة مع خاصة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال أبو عبيدة: بل أكون أنا على الساقة وأنت على المقدمة مع الجيش. فإن وصل إليك جيش الروم مع وردان يجدوك على أهبة فتمنعهم من الوصول إلى الحريم والأولاد فلا يصلون إلينا إلا وأنت قتلت فيهم وإلا كنت أنا ومن معي غنيمة لهم إذا كنت أنا في المقدمة. فقال خالد: لست أخالفك فيما ذكرت. ثم إن خالدا قال: أيها الناس إنكم سائرون إلى جيش عظيم فأيقظوا هممكم، وإن الله وعدكم النصر وقرأ عليهم قوله تعالى: " كم من فئة قليلة فلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين " البقرة: 249،.
ثم إن خالدا أخذ الجيش وسار في المقدمة وبقي أبو عبيدة في ألف من المسلمين، ونظر إلى ذلك أهل دمشق فعطفوا عليهم وأقبلوا بسيوفهم وهم يظنون أنهم منهزمون لأجل ما بلغهم من الجيش العظيم الذيهو بأجنادين. فقال لهم عقلاوهم: إن كانوا سائرين على طريق بعلبك فإنهم يريدون فتحها وفتح حمص، وإن كانوا على طريق مرج راهط فالقوم لا شك هاربون إلى الحجاز ويتركون ما أخذوا من البلاد. قال وكان بدمشق بطريق يقال له بولص وكان عظيما عند النصرانية، وكان إذا قدم على الملك يعظمه، وكان الملعون فارسا وذلك أنهم كان عندهم شجرة فرماها بسهم فغاص السهم في الشجرة من قوة ساعده. ثم إن من عجبه كتب عليها: إن كل من يدعي الشجاعة فليرم بسهمه إلى جانب سهمي، وكان قد شاع ذكره بذلك ولم يحضر قتال المسلمين منذ دخلوا دمشق، فلما اجتمعوا عليه قال لهم بولص: ما الذي حل بكم. فأعلموه بما جرى عليهم من المسلمين وقالوا له: إن كنت تريد حياة الأبد عند الملك وعند المسيح وعند أهل دين النصرانية فدونك والمسلمين فاخرج إليهم وأخطف كل من تخلف منهم، وإن رأيت لنا فيهم مطمعا قاتلناهم. فقال بولص: إنما كان سبب تخلفي عن نصرتكم لأنكم قليلو الهمة لقتال عدوكم فتخلفت عنكم والآن لا حاجة لي في قتال العرب.

(1/34)


فقالوا: وحق المسيح والإنجيل الصحيح لئن سرت في مقدمتنا لنثبتن معك وما منا من يولي عنك وقد حكمناك فيمن ينهزم أن تضرب عنقه ولا يعارضك في ذلك أحد. قال فلما استوثق منهم دخل إلى منزله ولبس لامته. فقالت له زوجته: إلى أين عزمت. قال: أخرج في أثر العرب فقد ولآني أهل دمشق عليهم. فقالت: لا تفعل والزم بيتك ولا تطلب ما ليس لك به حاجة فإني رأيت لك في المنام رؤيا. فقال لها: وما الذي رأيت. قالت: رأيتك كأنك قابض قوسك وأنت ترمي طيورا وقد سقط بعضها على بعض، ثم عادت صاعدة فبينما أنا متعجبة إذ أقبلت نحوك سحابة من الجو فانقضت عليك من الهواء وعلى من معك فجعلت تضرب هاماتهم ثم وتيتم هاربين، ورأيتها لا تضرب أحدا إلا صرعته ثم إني انتبهت وأنا مذعورة باكية العين عليك. فقال لها: ومع ذلك رأيتني فيمن صرع. قالت: نعم وقد صرعك فارس عظيم. قال: فلطم وجهها وقال: لا بشرك المسيح بخير لقد دخل رعب العرب في قلبك حتى صرت تحلمين بهم في النوم فلا بد أن اجعل لك أميرهم خادما وأجعل أصحابه رعاة الغنم والخنازير. فقالت له زوجته: افعل ما تريد فقد نصحتك. قال فلم يلتفت إلى كلامها وخرج من عندها وركب وسار معه من كان في دمشق من الروم،، فعرضهم فإذا هم ستة آلاف فارس وعشرة آلاف راجل من أهل النجدة والحمية وسار يطلب القوم.
معركة حول دمشق
وكان حنا أسد في المقدمة وأبو عبيدة يمشي مع الأموال والأغنام والجمال إذ نظر رجل من أصحابه، وهو يتأمل الغبرة من ورائهم، فسأله أبو عبيدة عن ذلك فقال: أظنها غبرة القوم. فقال أبو عبيدة: إن أهل الشام قد طمعوا فينا، وهذا العدو قاصد إلينا. قال فما استتم كلامه حتى بدت الخيل كأنها السيل وبولص في أوائلهم. فلما نظر إلى أبي عبيدة قصد ومعه الفرسان وأخوه بطرس قصد الحريم والمال فاقتطعوا منها قطعة. فلما احتوى عليها رجع بها بطرس نحو دمشق. فلما بعد جلس هناك لينظر ما يكون من أمر أخيه. وأما أبو عبيدة فإنه لما نظر إلى ما فاجأه من الروم. قال: والله لقد كان الصواب مع خالد لما قال دعني في الساقة فلم أدعه وإنه قد وصل إليه بولص وقصده والأعلام والصلبان على رأسه مشتبكة والنساء يولولن والصبيان يصيحون والألف من المسلمين قد اشتغلوا بالقتال وقد قصد عدو الله بولص أبا عبيدة واشتد بينهم الحرب ووقع القتال من أصحابه والروم وارتفعت الغبرة عليهم وهم في كر وفر على أرض سحورا. قال وقد بلى أبو عبيدة بالقتال وصبر صبر الكرام، قال سهيل بن صباح، وكان تحتي جواد محجل من خيل اليمن شهدت عليه اليمامة فقومت السنان وأطلقت العنان فخرج كأنه الريح العاصف، فما كان غير بعيد حتى لحقت بخالد بن الوليد والمسلمين فأقبلت إليهم صارخا وقلت: أيها الأمير أدرك الأموال والحريم. فقال خالد: ما وراءك يا ابن الصباح؟ فقلت: أيها الأمير إلحق أبا عبيدة والحريم فإن نفير دمشق قد لحق بهم، وقد اقتطعوا قطعة من النسوان والولدان وقد بلى أبو عبيدة بما لا طاقة لنا به. قال فلما سمع خالد ذلك الكلام من سهل بن صباح قال: إنما لله وإنا إليه راجعون، قد قلت لأبي عبيدة دعني أكون على الساقة، فما طاوعني ليقضي الله أمرا كان مفعولا، ثم أمر رافع بن عميرة على ألف من الخيل. وقال له: كن في المقدمة وأمر عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق على ألفين. وقال له: أدرك العدو وسار خالد في أثره ببقية الجيش.

(1/35)


قال: فبينما أبو عبيدة في القتال مع بولص لعنه الله إذ تلاحقت به جيوش المسلمين وحملوا على أعداء إلنه وداروا بهم من كل مكان، فعند ذلك تنكست الصلبان، وأيقن الروم بالهوان، وتقدم الأمير ضرار بن الأزور كأنه شعله نار وقصد نحو بولص. فلما رآه عدو الله تبلبل خاطره ووقعت الرعدة في فرائصه، وقال لأبي عبيدة: يا عربي وحق دينك إلا ما قلت لهذا الشيطان يبعد عني وكان بولص قد سمع به ورآه من سور دمشق وما صنع بعسكر كلوس عزازير وسمع بفعاله في بيت لفيا، فلما رآه مقبلا إليه عرفه. فقال لأبي عبيدة: قل لهذا الشيطان لا يقربني فسمعه ضرار رضي الله عنه فقال له: أنا شيطان إن قصرت عن طلبك، ثم إنه فاجأه وطعنه، فلما رأى بولص أن اللعنة واصلة إليه رمى نفسه عن جواده وطلب الهرب نحو أصحابه فسار ضرار في طلبه. وقال له: أين تروح من الشيطان وهو في طلبك؟ ولحقه وهم أن يعلوه بسيفه. فقال بولص: يا بدوي إبق علي ففي بقائي بقاء أولادكم وأموالكم. قال فلما سمع ضرار قوله أمسك عن قتله وأخذه أسير، هذا والمسلمون قد قتلوا من الروم مقتلة عظيمة.
قال: حدثني أسلم بن مالك اليربوعي عن أبي رفاعة بن قيس. قال: كنت يوم وقعة سحورا مع المسلمين وكنت في خيل عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه. قال فسرنا بالروم من كل جانب وبدلنا أسيافنا في القوم، وكانوا ستة كتائب في كل كتيبة ألف فارس قال رفاعة بن قيس: فوالله لقد حملنا يوم فتح دمشق وأنه ما رجع منهم فوق المائة ووجه خبر لضرار أن خولة مع النسوان المأسورات فعظم ذلك عليه وأقبل على خالد وأعلمه بذلك، فقال له خالد: لا تجزع، لقد أسرنا منهم خلقا كثيرا، وقد أسرت أنت بولص صاحبهم وسوف نخلص من أسر من حريمنا ولا بد لنا من دمشق في طلبهم، ثم أمر خالد أن يسيروا بالناس على مهل حتى ننظر ما يكون من أمر حريمنا. ثم إنه سار في ألف فارس جريدة وبعث العسكر كله إلى أبي عبيدة مخافة أن يلحقهم وردان بجيوشه فسار القوم وتوجه خالد بمن معه في طلب المأسورات، وقد قدم أمامه رافع بن عميرة الطائي وميسرة بن مسروق العبسي وضرار بن الأزور.
قال: حدثني سعيد بن عمر عن سنان بن عامر اليربوعي، قال: سمعت حبيب بن مصعب يقول: لما اقتطعوا من ذكرنا من نساء العرب سار بهم بطرس أخو بولص إلى أن نزل بهم إلى النهر الذي ذكرناه، ثم قال بطرس: أنا لا أبرح من ههنا حتى أنظر ما يكون من أمر أخي، ثم إنه عرض عليه النساء المأسورات فلم يعجبه منهن إلا خولة بنت الأزور أخت ضرار. قال بطرس: هذه لي وأنا لها لا يعارضني فيها أحد، فقال له أصحابه: هي لك وأنت لها. قال وكل من سبق إلى واحدة يقول هي لي حتى قسموا الغنيمة على ذلك، ووقفوا ينتظرون ما يكون من أمر بولص وأصحابه، وكان في النساء عجائز من حمير وتبع من نسل العمالقة والتتابعة وكن قد اعتدن ركوب الخيل فقالت لهن خولة بنت الأزور: يا بنات حمير بقية تبع أترضين بأنفسكن علوج الروم، ويكون أولادكن عبيدا لأهل الشرك، فأين شجاعتكن وبراعتكن التي نتحدث بها عنكن في أحياء العرب ومحاضر الحضر ولا أراكن إلا بمعزل عن ذلك، وإني أرى التقل عليكن أهون من هذه المصائب وما نزل بكن من خدمة الروم الكلاب.

(1/36)


فقالت عفرة بنت غفار الحميرية: صدقت، ووالله يا بنت الأزور نحن في الشجاعة كما ذكرت، وفي البراعة كما وصفت، لنا المشاهد العظام والمواقف الجسام، ووالله لقد اعتدنا ركوب الخيل وهجوم الليل غير أن السيف يحسن فعله في مثل هذا الوقت، وإنما دهمنا العدو على حين غفلة، وما نحن إلا كالغنم، فقالت خولة: يا بنات التبابعة والعمالقة خذوا أعمدة الخيام وأوتاد الأطناب ونحمل بها على هؤلاء اللئام فلعل الله ينصرنا عليهم أو نستريح من معرة العرب، فقالت عفرة بنت غفار والله ما دعوت إلا ما هو أحب إلينا مما ذكرت، ثم تناولت كل واحدة عمودا من أعمدة الخيام وصحن صيحة واحدة وألقت خولة على عاتقها عمود الخيمة وسعت من ورائها عفرة وأم أبان بنت عتبة وسلمة بنت زارع ولبنى بنت حازم ومزروعة بنت عملوق وسلمة بنت النعمان، ومثل هؤلاء رضي الله عنهن. فقالت لهن خولة: لا ينفك بعضكن عن بعض، وكن كالحلقة الدائرة ولا تتفرقن فتملكن فيقع بكن التشتيت وحطمن رماح القوم واكسرن سيوفهم. قال فهجمت خولة أمامهن، فأول ما ضربت رجلا من القوم على هامته بالعمود فتجندل صريعا والتفت الروم ينظرون ما الخبر، فإذا هم بالنسوة، وقد أقبلن والعمد بأيديهن فصاح بطريق: يا ويلكن ما هذا، فقالت عفرة: هذه فعالنا فلنضربن القوم بهذه الأعمدة ولا بد من قطع أعماركم وانصرام آجالكم يا أهل الكفر. قال فجاء بطرس، وقال: تفرقوا عن النسوة ولا تبذلوا فيهن السيوف ولا أحد منكم يقتل واحدة منهن وخذوهن أسارى ومن وقع منكم بصاحبتي فلا ينلها بمكروه، فتفرق القوم عليهن وحدقوا بهن من كل جانب وراموا الوصول إليهن فلم يجدوا إلى ذلك سبيلا ولم تزل النساء لا يدنو إليهن أحد من الروم إلا ضربن قوائم فرسه فإذا تنكس عن جواده بادرت النساء بالأعمدة فيقتلنه ويأخذن سلاحه..
قال الواقدي: ولقد بلغني أن النسوة قتلن ثلاثين فارسا من الروم، فلما نظر بطرس إلى ذلك غضب غضبا شديدا وترتجل وترجلت أصحابه نحو النساء، والنساء يحرض بعضهن بعضا ويقلن متن كراما ولا تمتن لئاما، وأظهر بطرس رأسه وتلهفه عندما نظر إلى فعلهن، ونظر إلى خولة بنت الأزور، وهي تجول كالأسد وتقول:
نحن بنات قبع وحمير ... وضربنا في القوم ليس ينكر
لأننا في الحرب نار تسعر ... اليوم تسقون العذاب الأكبر
قال: فلما سمع بطرس ذلك من قولها، ورأى حسنها وجمالها، قال لها: يا عربية أقصري عن فعالك فإني مكرمك بكل ما يسرك أما ترضين أن أكون أنا مولاك وأنا الذي تهابني أهل النصرانية ولي ضياع ورساتيق وأموال ومواش ومنزلة عند الملك هرقل، وجميع ما أنا فيه مردود إليك، أما ترضين أن تكوني سيدة أهل دمشق فلا تقتلي نفسك، فقالت له: يا ملعون ويا ابن ألف ملعون والله لئن ظفرت بك لأقطعن رأسك والله ما أرضى بك أن ترعى لي الإبل فكيف أرضاك أن تكون لي كفؤا. قال فلما سمع كلامها حرض أصحابه على القتال، وقال: أترون عارا أكبر من هذا في بلاد الشام أن النسوة غلبنكم فاتقوا غضب الملك، قال فافترق القوم وحملوا حملة عظيمة وصبر النساء لهم صبر الكرام، فبينما هم على ذلك إذ أقبل خالد بن الوليد رضي الله عنه ومن معه من المسلمين، ونظروا إلى الغبار وبريق السيوف، فقال لأصحابه: من يأتيني بخبر القوم فقال رافع بن عميرة الطائي: أنا آتيك به قال ثم أطلق جواده حتى أشرف على النسوة وهن يقاتلن قتال الموت. قال: فرجع وأخبر خالدا بما رأى، فقال خالد: لا أعجب من ذلك إنهن من بنات العمالقة ونسل التبابعة، وما بينهن وبين تبع إلا قرن واحد، وتبع بن بكر بن حسان الذي ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ظهوره، وشهد له بالرسالة قبل أن يبعث، وقال:
شهدت بأحمد أنه رسول ... من الله بارئ كل النسم
وأمته سميت في الزبور ... بأمة أحمد خير الأمم
فلو مد عمري إلى عصره ... لكنت وزيرا له وابن عم
بطولة النساء

(1/37)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية