صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : غزوات الرسول وسراياه
المؤلف : ابن سعد
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا حماد بن سلمة قال: أخبرنا ثابت عن أنس بن مالك، أن أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، كانوا يقولون وهم يحفرون الخندق: نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا، والنبي، صلى الله عليه وسلم، يقول: اللهم إن الخير خير الآخره، فاغفر للأنصار والمهاجره. وأتي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بخبز شعير عليه إهالة سنخة فأكلوا منها وقال النبي، صلى الله عليه وسلم: إنما الخير خير الآخرة.
أخبرنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، أخبرنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن سهل بن سعد قال: جاءنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ونحن نحفر الخندق وننقل التراب على أكتافنا فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لا عيش إلا عيش الآخره، فاغفر للأنصار والمهاجره.
أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء، أخبرنا شعبة عن أبي إسحاق الهمداني عن البراء بن عازب قال: كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم الأحزاب ينقل معنا التراب وقد وارى التراب بياض بطنه ويقول:
لا هم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا،
فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام، إن لاقينا
إن الأولى لقد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا
أبينا يرفع بها صوته، صلى الله عليه وسلم.
أخبرنا أبو الوليد الطيالسي، أخبرنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد ابن جبير قال: كان يوم الخندق بالمدينة، قال: فجاء أبو سفيان بن حرب ومن معه من قريش ومن تبعه من كنانة، وعيينة بن حصن ومن تبعه من غطفان، وطليحة ومن تبعه من بني أسد، وأبو الأعور ومن تبعه من بني سليم وقريظة كان بينهم وبين رسول الله، صلى الله عليه وسلمن عهد فنقضوا ذلك وظاهروا المشركين فأنزل الله تعالى فيهم: وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم. فأتى جبريل، عليه السلام، ومعه الريح فقال حين رأى جبريل: ألا أبشروا، ثلاثا، فأرسل الله عليهم الريح فهتكت القباب وكفأت القدور ودفنت الرحال وقطعت الأوتاد فانطلقوا لا يلوي أحد على أحد، فأنزل الله تعالى: " إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها " . فرجع رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
قال أبو بشر: وبلغني أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لما رجع إلى منزله غسل جانب رأسه الأيمن وبقي الأيسر، قال: فقال له، يعني جبريل، صلى الله عليه وسلم: ألا أراك تغسل رأسك فوالله ما نزلنا بعد، انهض؛ فأمر سول الله، صلى الله عليه وسلم، أصحابه أن ينهضوا إلى بني قريظة.
أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري حدثني هشام بن حسان، أخبرنا محمد بن سيرين، أخبرنا عبيدة، أخبرنا علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال يوم الخندق: ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا كما حبسونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس.
أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي، أخبرنا همام بن يحيى عن قتادة عن أبي حسان عن عبيدة عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، أنهم لم يصلوا يوم الأحزاب العصر حتى غربت الشمس، أو قال: آبت الشمس، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: اللهم املأ بيوتهم نار كما حبسونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس، أو قال: آبت الشمس، قال: فعرفنا أن صلاة الوسطى هي العصر.
أخبرنا عارم بن الفضل، أخبرنا حماد بن زيد عن عاصم عن زر بن حبيش عن علي قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم الخندق: ما لهم ملأ الله قبورهم نارا كما شغلونا عن صلاة الوسطى، وهي العصر.
أخبرنا محمد بن معاوية النيسابوري، أخبرنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن محمد بن عبد الله بن عوف عن أبي جمعة وقد أدرك النبي، صلى الله عليه وسلم، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، عام الأحزاب صلى المغرب فلما فرغ قال: هل علم أحد منكم أني صليت العصر ؟ قالوا: يا رسول الله، صلى الله عليك، ما صليناها، فأمر المؤذن فأقام الصلاة فصلى العصر ثم أعاد المغرب.
أخبرنا الحسن بن موسى، أخبرنا زهير، أخبرنا أبو إسحاق عن المهلب ابن أبي صفرة قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حين حفر الخندق وخاف أن يبيته أبو سفيان فقال: إن بيتم فإن دعواكم حم لا ينصرون.

(1/35)


حدثنا الفضل بن دكين، أخبرنا شريك عن أبي إسحاق عن المهلب ابن أبي صفرة قال: حدثني رجل من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: قال النبي، صلى الله عليه وسلم، ليلة الخندق: وإني لا أرى القوم إلا مبيتيكم الليلة، كان شعاركم حم لا ينصرون.
أخبرنا عارم بن الفضل، أخبرنا حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد قال: قال سعيد بن المسيب: حاصر النبي، صلى الله عليه وسلم، المشركون في الخندق أربعا وعشرين ليلة.
أخبرنا محمد بن حميد العبدي عن معمر عن الزهري عن أبي المسيب قال: لما كان يوم الأحزاب حصر النبي، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه بضع عشرة ليلة حتى خلص إلى كل امرىء منهم الكرب وحتى قال النبي، صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إنك إن تشأ لا تعبد؛ فبينا هم على ذلك أرسل النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى عيينة بن حصن بن بدر: أرأيت إن جعلت لكم ثلث ثمر الأنصار أترجع بمن معك من غطفان وتخذل بين الأحزاب ؟ فأرسل إليه عيينة: إن جعلت لي الشطر فعلت. فأرسل النبي. صلى الله عليه وسلم، إلى سعد بن عبادة وسعد بن معاذ فأخبرهما بذلك فقالا: إن كنت أمرت بشيء فامض لأمر الله. قال: لو كنت أمرت بشيء ما أستأمر بكما ولكن هذا رأي أعرضه عليكما؛ قالا: فإنا نرى أن لا نعطيهم إلا السيف.
قال محمد بن حميد، قال معمر عن ابن أبي نجيح: فبينا هم على ذلك إذ جاء نعيم بن مسعود الأشجعي، وكان يأمنه الفريقان جميعا، فخذل بين الناس فانطلق الأحزاب منهزمين من غير قتال فذلك قوله: وكفى الله المؤمنين القتال.
أخبرنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي البصري، أخبرنا كثير بن زيد قال: سمعت عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: سمعت جابر بن عبد الله قال: دعا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في مسجد الأحزاب يوم الاثنين ويوم الثلثاء ويوم الأربعاء فاستجيب له يوم الأربعاء بين الصلاتين الظهر والعصر فعرفنا البشر في وجهه، قال جابر: فلم ينزل بي أمر مهم غائظ إلا توخيت تلك الساعة من ذلك اليوم فدعوت الله فأعرف الإجابة.
أخبرنا عتاب بن زياد، أخبرنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد أنه سمع عبد الله بن أبي أوفى يقول: دعا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم الأحزاب على المشركين فقال: اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الأحزاب ! اللهم اهزمهم وزلزلهم !
غزوة رسول الله إلى بني قريظة
صلى الله عليه وسلم.

(1/36)


ثم غزوة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بني قريظة في ذي القعدة سنة خمس من مهاجره، قالوا: لما انصرف المشركون عن الخندق ورجع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فدخل بيت عائشة أتاه جبريل فوقف عند موضع الجنائز فقال: عذيرك من محارب ! فخرج إليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فزعا فقال: إن الله يأمرك أن تسير إلى بني قريظة فإني عامد إليهم فمزلزل بهم حصونهم. فدعا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عليا، رضي الله عنه، فدفع إليه لواءه وبعث بلالا فنادى في الناس أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يأمركم ألا تصلوا العصر إلا في بني قريظة، واستخلف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على المدينة عبد الله بن أم مكتوم ثم سار إليهم في المسلمين وهم ثلاثة آلاف والخيل ستة وثلاثون فرسا، وذلك يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي القعدة، فحاصرهم خمسة عشر يوما أشد الحصار ورموا بالنبل فانجحروا فلم يطلع منهم أحد، فلما اشتد عليهم الحصار أرسلوا إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أرسل إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر، فأرسله إليهم فشاوروه في أمرهم فأشار إليهم بيده أنه الذبح ثم ندم فاسترجع وقال: خنت الله ورسوله ! فانصرف فارتبط في المسجد ولم يأت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى أنزل الله توبته، ثم نزلوا على حكم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأمر بهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، محمد بن مسلمة فكتفوا ونحوا ناحية وأخرج النساء والذرية فكانوا ناحية، واستعمل عليهم عبد الله بن سلام وجمع أمتعتهم وما وجد في حصونهم من الحلقة والأثاث والثياب فوجد فيها ألف وخمسمائة سيف وثلاثمائة درع وألفا رمح وألف وخمسمائة ترس وحجفة وخمر وجرار سكر فأهريق ذلك كله ولم يخمس، ووجدوا جمالا نواضح وماشية كثيرة. وكلمت الأوس رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن يهبهم لهم، وكانوا حلفاءهم، فجعل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الحكم فيهم إلى سعد بن معاذ فحكم فيهم أن يقتل كل من جرت عليه المواسي وتسبى النساء والذرية وتقسم الأموال، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة. وانصرف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم الخميس لسبع ليال خلون من ذي الحجة ثم أمر بهم فأدخلوا المدينة وحفر لهم أخدودا في السوق وجلس رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ومعه أصحابه وأخرجوا إليه رسلا رسلا فضربت أعناقهم فكانوا ما بين ستمائة إلى سبعمائة. واصطفى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ريحانة بنت عمرو لنفسه وأمر بالغنائم فجمعت فأخرج الخمس من المتاع والسبي، ثم أمر بالباقي فبيع في من يزيد وقسمه من المسلمين، فكانت السهمان على ثلاثة آلاف واثنين وسبعين سهما، للفرس سهمان ولصاحبه سهم، وصار الخمس إلى محمية بن جزء الزبيدي فكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يعتق منه ويهب منه ويخدم منه من أراد، وكذلك صنع ما صار إليه من الرثة.
أخبرنا كثير بن هشام، أخبرنا جعفر بن برقان، أخبرنا يزيد، يعني ابن الأصم، قال: لما كشف الله الأحزاب ورجع النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى بيته فأخذ يغسل رأسه أتاه جبريل، عليه السلام، فقال: عفا الله عنك ! وضعت السلاح ولم تضعه ملائكة الله، إئتنا عند حصن بني قريظة؛ فنادى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في الناس أن ائتوا حصن بني قريظة، ثم اغتسل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأتاهم عند الحصن.
أخبرنا مالك بن إسماعيل أبو غسان النهدي، أخبرنا جويرية بن أسماء عن نافع عن ابن عمر أن الأحزاب لما انصرفوا نادى فيهم، يعني النبي، صلى الله عليه وسلم: لا يصلين أحد الظهر إلا في بني قريظة؛ فتخوف ناس فوت الصلاة فصلوا وقال آخرون: لا نصلي إلا حيث أمرنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وإن فات الوقت، قال: فما عنف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، واحدا من الفريقين.
أخبرنا شهاب بن عباد العبدي، أخبرنا إبراهيم بن حميد الرؤاسي عن إسماعيل بن أبي خالد عن البهي وغيره أن النبي، صلى الله عليه وسلم، لما أتى قريظة ركب على حمار عري والناس يمشون.
أخبرنا موسى بن إسماعيل، أخبرنا جرير بن حازم عن حميد عن أنس بن مالك قال: كأني أنظر إلى الغبار ساطعا في زقاق بني غنم موكب جبريل، عليه السلام، حين سار رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى بني قريظة.

(1/37)


أخبرنا الفضل بن دكين، أخبرنا عبد العزيز بن أبي سلمة أخبرني عمي الماجشون قال: جاء جبريل، عليه السلام، إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم الأحزاب على فرس عليه عمامة سواء قد أرخاها بين كتفيه، على ثناياه الغبار وتحته قطيفة حمراء، فقال: أوضعت السلاح قبل أن نضعه ؟ إن الله يأمرك أن تسير إلى بني قريظة.
أخبرنا عارم بن الفضل، أخبرنا حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: حاصر نبي الله، صلى الله عليه وسلم، بني قريظة أربع عشرة ليلة.
أخبرنا الفضل بن دكين، أخبرن سفيان وأخبرنا عمرو بن الهيثم عن شعبة جميعا عن عبد الملك بن عمير، أخبرنا عطية القرظي قال: كنت فيمن أخذ يوم قريظة فكانوا يقتلون من أنبت ويتركون من لم ينبت فكنت فيمن لم ينبت.
أخبرنا عمرو بن عاصم، أخبرنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال قال: كان بين النبي، صلى الله عليه وسلم، وبين قريظة ولث من عهد، فلما جاءت الأحزاب بما جاؤوا به من الجنود نقضوا العهد وظاهروا المشركين على رسول الله، صلى الله عليه وسلم بعث الله الجنود والريح فانطلقوا هاربين وبقي الآخرون في حصنهم، قال: فوضع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه السلاح فجاء جبريل، صلى الله عليه وسلم، إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فخرج إليه، فنزل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو متساند إلى لبان الفرس قال: يقول جبريل ما وضعنا السلاح بعد وإن الغبار لعاصب على حاجبه، انهد إلى بني قريظة؛ قال: فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إن في أصحابي جهدا فلو أنظرتهم أياما؛ قال: يقول جبريل، عليه السلام، انهد إليهم، لأدخلن فرسي هذا عليهم في حصونهم ثم لأضعضعنها؛ قال: فأدبر جبريل، عليه السلام، ومن معه من الملائكة حتى سطع الغبار في زقاق بني غنم من الأنصار وخرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فاستقبله رجل من أصحابه فقال: يا رسول الله اجلس فلنكفك ! قال: وما ذاك ؟ قال: سمعتهم ينالون منك. قال: قد أوذي موسى بأكثر من هذا. قال: وانتهى إليهم فقال: يا إخوة القردة والخنازير، إياي إياي ! قال: فقال بعضهم لبعض: هذا أبو القاسم ما عهدناه فحاشا. قال: وقد كان رمي أكحل سعد بن معاذ فرقأ الجرح وأجلب ودعا الله أن لا يميته حتى يشفي صدره من بني قريظة. قال: فأخذهم من الغم في حصنهم ما أخذهم فنزلوا على حكم سعد بن معاذ من بين الخلق. قال: فحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم. قال حميد: قال بعضهم وتكون الديار للمهاجرين دون الأنصار. قال: فقالت الأنصار إخوتنا كنا معهم؛ فقال: إني أحببت أن يستغنوا عنكم. قال: فلما فرغ منهم وحكم فيهم بما حكم مرت عليه عنز وهو مضطجع، فأصابت الجرح بظلفها، فما رقأ حتى مات. وبعث صاحب دومة الجندل إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ببغلة وجبة من سندس فجعل أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يعجبون من حسن الجبة، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن، يعني من هذا.
سرية محمد بن مسلمة إلى القرطاء
ثم سرية محمد بن مسلمة إلى القرطاء، خرج لعشر ليال خلون من المحرم على رأس تسعة وخمسين شهرا من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعثه في ثلاثين راكبا إلى القرطاء، وهم بطن من بني بكر من كلاب وكانوا ينزلون البكرات بناحية ضرية، وبين ضرية والمدينة سبع ليال، وأمره أن يشن عليهم الغارة، فسار الليل وكمن النهار وأغار عليهم فقتل نفرا منهم وهرب سائرهم واستاق نعما وشاء ولم يعرض للطعن، وانحدر إلى المدينة، فخمس رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ما جاء به وفض على أصحابه ما بقي فعدلوا الجزور بعشر من الغنم، وكانت النعم مائة وخمسين بعيرا والغنم ثلاثة آلاف شاة، وغاب تسع عشرة ليلة وقدم لليلة بقيت من المحرم.
غزوة رسول الله بني لحيان
صلى الله عليه وسلم

(1/38)


ثم غزوة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بني لحيان، وكانوا بناحية عسفان، في شهر ربيع الأول سنة ست من مهاجره. قالوا: وجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على عاصم بن ثابت وأصحابه وجدا شديدا، فأظهر أنه يريد الشأم وعسكر لغرة هلال شهر ربيع الأول في مائتي رجل ومعهم عشرون فرسا، واستخلف على المدينة عبد الله بن أم مكتوم ثم أسرع السير حتى انتهى إلى بطن غران، وبينها وبين عسفان خمسة أميال حيث كان مصاب أصحابه، فترحم عليهم ودعا لهم فسمعت بهم بنو لحيان فهربوا في رؤوس الجبال فلم يقدروا على أحد، ثم خرج حتى أتى عسفان، فبعث أبا بكر في عشرة فوارس لتسمع به قريش فيذعرهم، فأتوا الغميم ثم رجعوا ولم يلقوا أحدا، ثم انصرف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى المدينة وهو يقول: آئبون تائبون عابدون لربنا حامدون ! وغاب عن المدينة أربع عشرة ليلة.
أخبرنا عبد الله بن إدريس عن محمد بن إسحاق، حدثني عاصم بن عمر وعبد الله بن أبي بكر: أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خرج في غزوة بني لحيان وأظهر أنه يريد الشأم ليصيب منهم غرة، فخرج من المدينة فسلك على غراب ثم على مخيض ثم على البتراء ثم صفق ذات اليسار، فخرج على بيبن ثم على صخيرات الثمام ثم استقام به الطريق على السيالة فأغذ السير سريعا حتى نزل على غران، هكذا قال ابن إدريس، وهي منازل بني لحيان، فوجدهم قد تمنعوا في رؤوس الجبال، فلما أخطأه من عدوه ما أراد قالوا: لو أنا هبطنا عسفان فنري أهل مكة أنا قد جئناها، فخرج في مائتي راكب من أصحابه حتى نزل عسفان ثم بعث فارسين من أصحابه حتى بلغا كراع الغميم ثم كرا وراح قافلا؛ فكان جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: تائبون آئبون، إن شاء الله، حامدون لربنا عابدون ! أعوذ بالله من وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر في الأهل والمال.
أخبرنا روح بن عبادة، أخبرنا حسين المعلم عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سعيد مولى المهدي عن أبي سعيد الخدري قال: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعثا إلى بني لحيان من هذيل وقال: لينبعث من كل رجلين أحدهما والأجر بينهما.
أخبرنا إسماعيل بن عبد الكريم الصنعاني، حدثني إبراهيم بن عقيل ابن معقل عن أبيه عن وهب قال: أخبرني جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول أول ما غزا عسفان ثم رجع: آئبون تائبون عابدون لربنا حامدون !
غزوة رسول الله الغابة
صلى الله عليه وسلم.
ثم غزوة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الغابة وهي على بريد من المدينة طريق الشأم في شهر ربيع الأول سنة ست من مهاجره.
قالوا: كانت لقاح رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهي عشرون لقحة ترعى بالغابة، وكان أبو ذر فيها، فأغار عليهم عيينة بن حصن ليلة الأربعاء في أربعين فارسا فاستاقوها وقتلوا ابن أبي ذر، وجاء الصريخ فنادى: الفزع الفزع ! فنودي: يا خيل الله اركبي، وكان أول ما نودي بها، وركب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فخرج غداة الأربعاء في الحديد مقنعا فوقف، فكان أول من أقبل إليه المقداد بن عمرو وعليه الدرع والمغفر شاهرا سيفه، فعقد له رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لواء في رمحه وقال: امض حتى تلحقك الخيول، إنا على أثرك. واستخلف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على المدينة عبد الله بن أم مكتوم وخلف سعد بن عبادة في ثلاثمائة من قومه يحرسون المدينة. قال المقداد: فخرجت فأدركت أخريات العدو وقد قتل أبو قتادة مسعدة فأعطاه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فرسه وسلاحه، وقتل عكاشة بن محصن أثار بن عمرو بن أثار، وقتل المقداد بن عمرو حبيب ابن عيينة بن حصن وقرفة بن مالك بن حذيفة بن بدر، وقتل من المسلمين محرز بن نضلة قتله مسعدة، وأدرك سلمة بن الأكوع القوم وهو على رجليه فجعل يراميهم بالنبل ويقول: خذها!
وأنا ابن الأكوع ... اليوم يوم الرضع !

(1/39)


حتى انتهى بهم إلى ذي قرد، وهي ناحية خيبر مما يلي المستناخ. قال سلمة: فلحقنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، والناس والخيول عشاء فقلت: يا رسول الله إن القوم عطاش فلو بعثتني في مائة رجل استنقذت ما بأيديهم من السرح وأخذت بأعناق القوم؛ فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: ملكت فأسجح، ثم قال: إنهم الآن ليقرون في غطفان. وذهب الصريخ إلى بني عمرو بن عوف فجاءت الأمداد فلم تزل الخيل تأتي والرجال على أقدامهم وعلى الإبل حتى انتهوا إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بذي قرد فاستنقذوا عشر لقائح وأفلت القوم بما بقي وهي عشر، وصلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بذي قرد صلاة الخوف وأقام به يوما وليلة يتحسس الخبر، وقسم في كل مائة من أصحابه جزورا ينحرونها، وكانوا خمسمائة، ويقال سبعمائة، وبعث إليه سعد بن عبادة بأحمال تمر وبعشر جزائر فوافت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بذي قرد، والثبت عندنا أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أمر على هذه السرية سعد بن زيد الأشهلي، ولكن الناس نسبوها إلى المقداد لقول حسان بن ثابت:
غداة فواس المقداد
فعاتبه سعد بن زيد فقال: اضطرني الروي إلى المقداد. ورجع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى المدينة يوم الاثنين وقد غاب خمس ليال.
أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا عكرمة بن عمار العجلي، أخبرنا إياس ابن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: خرجت أنا ورباح غلام النبي، صلى الله عليه وسلم، بظهر النبي، صلى الله عليه وسلم، وخرجت بفرس لطلحة بن عبيد الله كنت أريد أن أنديه مع الإبل، فلما أن كان بغلس أغار عبد الرحمن بن عيينة على إبل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقتل راعيها وخرج يطردها هو وأناس معه في خيل فقلت: يا رباح اقعد على هذا الفرس فألحقه بطلحة، وأخبر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أنه قد أغير على سرحه. قال: وقمت على تل فجعلت وجهي من قبل المدينة ثم ناديت ثلاث مرات: يا صباحاه ! ثم اتبعت القوم ومعي سيفي ونبلي فجعلت أرميهم وأعقر بهم وذلك حين يكثر الشجر فإذا رجع إلي فارس جلست له في أصل شجرة ثم رميت، فلا يقبل علي فارس إلا عقرت به، فجلت أرميهم وأقول:
أنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع !

(1/40)


فألحق برجل فأرميه وهو على رحله فيقع سهمي في الرجل حتى انتظمت كبده فقلت: وأنا ابن الأكوع، واليوم يوم الرضع ! فإذا كنت في الشجرة أحدقتهم بالنبل، وإذا تضايقت الثنايا علوت الجبل فرميتهم بالحجارة، فما زال ذلك شأني وشأنهم أتبعهم وأرتجز حتى ما خلق الله شيئا من ظهر النبي، صلى الله عليه وسلم، إلا خلفته وراء ظهري واستنقذته من أيديهم ثم لم أزل أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين رمحا وأكثر من ثلاثين بردة يستخفون منها ولا يلقون من ذلك شيئا إلا جعلت عليه حجارة وجمعته على طريق رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى إذا امتد الضحى أتاهم عيينة بن بدر الفزاري مددا لهم، وهم في ثنية ضيقة، ثم علوت الجبل فأنا فوقهم. قال عيينة: ما هذا الذي أرى ؟ قالوا: لقينا من هذا البرح ما فارقنا بسحر حتى الآن وأخذ كل شيء في أيدينا وجعله وراء ظهره، فقال عيينة: لولا أن هذا يرى أن وراءه طلبا لقد ترككم، ثم قال: ليقم إليه نفر منكم؛ فقام إلي نفر منهم أربعة فصعدوا في الجبل فلما أسمعتهم الصوت قلت لهم: أتعرفونني ؟ قالوا: ومن أنت ؟ قلت: أنا ابن الأكوع، والذي كرم وجه محمد لا يطلبني رجل منكم فيدركني ولا أطلبه فيفوتني ! فقال رجل منهم: إن ذا ظن. قال: فما برحت مقعدي ذلك حتى نظرت إلى فوارس رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يتخللون الشجر، وإذا أولهم الأخرم الأسدي وعلى أثره أبو قتادة فارس رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وعلى أثر أبي قتادة المقداد، فولى المشركون مدبرين وأنزل من الجبل فأعرض للأخرم فآخذ عنان فرسه قلت: يا أخرم انذر القوم ! يعني احذرهم، فإني لا آمن أن يقتطعوك فاتئد حتى يلحق رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، قال: يا سلمة إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أن الجنة حق والنار حق فلا تحل بيني وبين الشهادة ! فخليت عنان فرسه فيلحق بعبد الرحمن بن عيينة ويعطف عليه عبد الرحمن، فاختلفا طعنتين فعقر الأخرم بعبد الرحمن، فطعنه عبد الرحمن فقتله، فتحول عبد الرحمن على فرس الأخرم فيلحق أبو قتادة بعبد الرحمن فاختلفا طعنتين فعقر بأبي قتادة وقتله أبو قتادة، وتحول أبو قتادة على فرس الأخرم ثم إني خرجت أعدو في أثر القوم حتى ما أرى من غبار أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، شيئا ويعرضون إلى شعب فيه ماء يقال له ذو قرد، فأرادوا أن يشربوا منه فأبصروني أعدو وراءهم فعطفوا عنه وأسندوا في الثنية ثنية ذي دبر وغربت الشمس فألحق رجلا فأرميه فقلت: خذها !
وأنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع !

(1/41)


فقال: يا ثكل أمي ! أأكوعي بكرة ؟ قال: قلت نعم يا عدو نفسه ! فكان الذي رميته بكرة فاتبعته بسهم آخر فعلق فيه سهمان ويخلفون فرسين فجئت بهما أسوقهما إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو على الماء الذي حلأتهم عنه ذو قرد، فإذا نبي الله في خمسمائة، وإذا بلال قد نحر جزورا مما خلفت فهو يشوي لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، من كبدها وسنامها، فأتيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله خلني فأنتخب من أصحابك مائة فآخذ على الكفار بالعشوة فلا يبقى منهم مخبر إلا قتلته؛ قال: أكنت فاعلا ذلك يا سلمة ؟ قلت: نعم، والذي أكرمك ! فضحك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى رأيت نواجذه في ضوء النار ثم قال: إنهم الآن يقرون بأرض بني غطفان، فجاء رجل من غطفان فقال: مروا على فلان الغطفاني فنحر لهم جزورا، فلما أخذوا يكشطون جلدها رأوا غبرة فتركوها وخرجوا هرابا، فلما أصبحنا قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: خير فرساننا اليوم أبو قتادة وخير رجالتنا اليوم سلمة، فأعطاني رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سهم الراجل والفارس ثم أردفني وراءه على العضباء راجعين إلى المدينة، فلما كان بيننا وبينها قريبا من ضحوة، وفي القوم رجل من الأنصار كان لا يسبق جعل ينادي: هل من مسابق ؟ ألا رجل يسابق إلى المدينة؟ فأعاد ذلك مرارا وأنا وراء رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مردفي فقلت له: ما تكرم كريما ولا تهاب شريفا ؟ قال: لا إلا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي خلني فلأسابق الرجل ! فقال: إن شئت؛ فقلت: اذهب إليك. فطفر عن راحلته وثنيت رجلي فطفرت عن الناقة ثم إني ربطت عليه شرفا أو شرفتين يعني استبقيت نفسي ثم إني عدوت حتى ألحقه فأصك بين كتفيه بيدي. قلت: سبقتك والله إلى فوزه أو كلمة نحوها، قال: فضحك وقال: إني إن أظن حتى قدمنا المدينة.
سرية عكاشة بن محصن الأسدي إلى الغمر
ثم سرية عكاشة بن محصن الأسدي إلى الغمر غمر مرزوق، وهو ماء لبني أسد على ليلتين من فيد طريق الأول إلى المدينة، وكانت في شهر ربيع الأول سنة ست من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قالوا: وجه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عكاشة بن محصن إلى الغمر في أربعين رجلا فخرج سريعا يغذ السير ونذر به القوم فهربوا فنزلوا علياء بلادهم ووجدوا دارهم خلوفا، فبعث شجاع بن وهب طليعة فرأى أثر النعم فتحملوا فأصابوا ربيئة لهم، فأمنوه فدلهم على نعم لبني عم له، فأغاروا عليها فاستاقوا مائتي بعير فأرسلوا الرجل وحدروا النعم إلى المدينة وقدموا على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولم يلقوا كيدا.
سرية محمد بن مسلمة إلى ذي القصة
ثم سرية محمد بن مسلمة إلى ذي القصة في شهر ربيع الآخر سنة ست من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم. قالوا: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، محمد بن مسلمة إلى بني ثعلبة وبني عوال من ثعلبة وهم بذي القصة، وبينها وبين المدينة أربعة وعشرون ميلا طريق الربذة في عشرة نفر، فوردوا عليهم ليلا فأحدق به القوم، وهم مائة رجل، فتراموا ساعة من الليل ثم حملت الأعراب عليهم بالرماح فقتلوهم، ووقع محمد بن مسلمة رجل من المسلمين فحمله حتى ورد به المدينة، فبعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أبا عبيدة بن الجراح في أربعين رجلا إلى مصارع القوم فلم يجدوا أحدا ووجدوا نعما وشاء فساقه ورجع.
سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى ذي القصة

(1/42)


ثم سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى ذي القصة في شهر ربيع الآخر سنة ست من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم. قالوا: أجدبت بلاد بني ثعلبة وأنمار، ووقعت سحابة بالمراض إلى تغلمين والمراض على ستة وثلاثين ميلا من المدينة، فسارت بنو محارب وثعلبة وأنمار إلى تلك السحابة، وأجمعوا أن يغيروا على سرح المدينة، وهو يرعى بهيفا موضع على سبعة أميال من المدينة، فبعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أبا عبيدة بن الجراح في أربعين رجلا من المسلمين حين صلوا المغرب، فمشوا إليهم حتى وافوا ذا القصة مع عماية الصبح، فأغاروا عليهم فأعجزوهم هربا في الجبال، وأصاب رجلا واحدا فأسلم وتركه، فأخذ نعما من نعمهم فاستاقه ورثة من متاعهم وقدم بذلك المدينة فخمسه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقسم ما بقي عليهم.
سرية زيد بن حارثة إلى بني سليم بالجموم
ثم سرية زيد بن حارثة إلى بني سليم بالجموم في شهر ربيع الآخر سنة ست من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم. قالوا: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، زيد بن حارثة إلى بني سليم فسار حتى ورد الجموم ناحية بطن نخل عن يسارها، وبطن نخل من المدينة على أربعة برد، فأصابوا عليه امرأة من مزينة يقال لها حليمة، فدلتهم عن محله من محال بني سليم فأصابوا في تلك المحلة نعما وشاء وأسرى، فكان فيهم زوج حليمة المزنية، فلما قفل زيد بن حارثة بما أصاب وهب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، للمزنية نفسها وزوجها فقال بلال بن الحارث في ذلك شعرا:
لعمرك ! ما أخنى المسول ولا ونت ... حليمة حتى راح ركبهما معا
سرية زيد بن حارثة إلى العيص
ثم سرية زيد بن حارثة إلى العيص، وبينها وبين المدينة أربع ليال، وبينها وبين ذي المروة ليلة، في جمادى الأولى سنة ست من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم. قالوا: بلغ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن عيرا لقريش قد أقبلت من الشأم فبعث زيد بن حارثة في سبعين ومائة راكب يتعرض لها، فأخذوها وما فيها وأخذوا يومئذ فضة كثيرة لصفوان بن أمية وأسروا ناسا ممن كان في العير، منهم أبو العاص بن الربيع، وقدم بهم المدينة فاستجار أبو العاص بزينب بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأجارته ونادت في الناس حين صلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الفجر: إني قد أجرت أبا العاص ! فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: وما علمت بشيء من هذا وقد أجرنا من أجرت، ورد عليه ما أخذ منه.
سرية زيد بن حارثة إلى الطرف
ثم سرية زيد بن حارثة إلى الطرف في جمادى الآخرة سن ست من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم. قالوا: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، زيد بن حارثة إلى الطرف، وهو ماء قريب من المراض دون النخيل على ستة وثلاثين ميلا من المدينة طريق البقرة على المحجة، فخرج إلى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلا فأصاب نعما وشاء وهربت الأعراب وصبح زيد بالنعم المدينة، وهي عشرون بعيرا، ولم يلق كيدا وغاب أربع ليال وكان شعارهم: أمت أمت !
سرية زيد بن حارثة إلى حسمى

(1/43)


ثم سرية زيد بن حارثة إلى حسمى وهي وراء وادي القرى في جمادى الآخرة سنة ست من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قالوا: أقبل دحية بن خليفة الكلبي من عند قيصر وقد أجاره وكساه، فلقيه الهنيد بن عارض وابنه عارض بن الهنيد في ناس من جذام بحسمى، فقطعوا عليه الطريق فلم يتركوا عليه إلا سمل ثوب، فسمع بذلك نفر من بني الضبيب فنفروا إليهم فاستنقذوا لدحية متاعه، وقدم دحية على النبية، صلى الله عليه وسلم، فأخبره بذلك فبعث زيد بن حارثة في خمسمائة رجل ورد معه دحية، فكان زيد يسير الليل ويكمن النهار، ومعه دليل له من بني عذرة، فأقبل بهم حتى هجم بهم مع الصبح على القوم، فأغاروا عليهم فقتلوا فيهم فأوجعوا وقتلوا الهنيد وابنه وأغاروا على ماشيتهم ونعمهم ونسائهم، فأخذوا من النعم ألف بعير، ومن الشاء خمسة آلاف شاة، ومن السبي مائة من النساء والصبيان، فرحل زيد بن رفاعة الجذامي في نفر من قومه إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فدفع إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كتابه الذي كان كتب له ولقومه ليالي قدم عليه، فأسلم وقال: يا رسول الله لا تحرم علينا حلالا ولا تحل لنا حراما؛ فقال: كيف أصنع بالقتلى ؟ قال أبو يزيد بن عمرو: أطلق لنا يا رسول الله من كان حيا ومن قتل فهو تحت قدمي هاتين، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: صدق أبو يزيد ! فبعث معهم عليا، رضي الله عنه، إلى زيد بن حارثة يأمره أن يخلي بينهم وبين حرمهم وأموالهم، فتوجه علي فلقي رافع بن مكيث الجهني بشير زيد بن حارثة على ناقة من إبل القوم، فردها علي على القوم، ولقي زيدا بالفحلتين، وهي بين المدينة وذي المروة، فأبلغه أمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فرد إلى الناس كل ما كان أخذ لهم.
سرية زيد بن حارثة إلى وادي القرى
ثم سرية زيد بن حارثة إلى وادي القرى في رجب سنة ست من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم. قالوا: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، زيدا أميرا سنة ست.
سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل
ثم سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل في شعبان سنة ست من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم. قالوا: دعا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عبد الرحمن بن عوف فأقعده بين يديه وعممه بيده وقال: اغز بسم الله وفي سبيل الله فقاتل من كفر بالله ! لا تغل ولا تغدر ولا تقتل وليدا ! وبعثه إلى كلب بدومة الجندل وقال: إن استجابوا لك فتزوج ابنة ملكهم، فسار عبد الرحمن حتى قدم دومة الجندل فمكث ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام فأسلم الأصبغ بن عمرو الكلبي، وكان نصرانيا وكان رأسهم، وأسلم معه ناس كثير من قومه وأقام من أقام على إعطاء الجزية وتزوج عبد الرحمن تماضر بنت الأصبغ وقدم بها إلى المدينة، وهي أم أبي سلمة بن عبد الرحمن.
سرية علي بن أبي طالب إلى بني سعد بن بكر بفدك
ثم سرية علي بن أبي طالب إلى بني سعد بن بكر بفدك في شعبان سنة ست من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قالوا: بلغ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن لهم جمعا يريدون أن يمدوا يهود خيبر، فبعث إليهم علي بن أبي طالب في مائة رجل، فسار الليل وكمن النهار حتى انتهى إلى الهمج، وهو ماء بين خيبر وفدك، وبين فدك والمدينة ست ليال، فوجدوا به رجلا فسألوه عن القوم فقال: أخبركم على أنكم تؤمنوني، فآمنوه فدلهم، فأغاروا عليهم فأخذوا خمسمائة بعير وألفي شاة وهربت بنو سعد بالظعن ورأسهم وبر بن عليم فعزل علي صفي النبي، صلى الله عليه وسلم، لقوحا تدعى الحفذة ثم عزل الخمس وقسم سائر الغنائم على أصحابه وقدم المدينة ولم يلق كيدا.
سرية زيد بن حارثة إلى أم قرفة بوادي القرى

(1/44)


ثم سرية زيد بن حارثة إلى أم قرفة بناحية بوادي القرى، على سبع ليال من المدينة؛ في شهر رمضان سنة ست من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم. قالوا: خرج زيد بن حارثة في تجارة إلى الشأم ومعه بضائع لأصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم. فلما كان دون وادي القرى لقيه ناس من فزارة من بني بدر فضربوه وضربوا أصحابه وأخذوا ما كان معهم، ثم استبل زيد وقدم على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأخبره فبعثه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إليهم فكمنوا النهار وساروا الليل، ونذرت بهم بنو بدر ثم صبحهم زيد وأصحابه فكبروا وأحاطوا بالحاضر وأخذوا أم قرفة، وهي فاطمة بنت ربيعة بن بدر، وابنتها جارية بنت مالك بن حذيفة بن بدر، فكان الذي أخذ الجارية مسلمة بن الأكوع فوهبها لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، فوهبها رسول الله بعد ذلك لحزن بن أبي وهب، وعمد قيس بن المحسر إلى أم قرفة، وهي عجوز كبيرة، فقتلها قتلا عنيفا: ربط بين رجليها حبلا ثم ربطها بين بعيرين ثم زجرهما فذهبا فقطعاها، وقتل النعمان وعبيد الله ابني مسعدة بن حكمة بن مالك بن بدر، وقدم زيد بن حارثة من وجهه ذلك فقرع باب النبي، صلى الله عليه وسلم، فقام إليه عريانا يجر ثوبه حتى اعتنقه وقبله وسايله فأخبر بما ظفره الله به.
سرية عبد الله بن عتيك إلى أبي رافع
ثم سرية عبد الله بن عتيك إلى أبي رافع سلام بن أبي الحقيق النضري بخيبر في شهر رمضان سنة ست من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قالوا: كان أبو رافع بن أبي الحقيق قد أجلب في غطفان ومن حوله من مشركي العرب، وجعل لهم الحفل العظيم لحرب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فبعث رسول الله عبد الله بن عتيك وعبد الله بن أنيس وأبا قتادة والأسود بن خزاعي ومسعود بن سنان وأمرهم بقتله، فذهبوا إلى خيبر فكمنوا، فلما هدأت الرجل جاؤوا إلى منزله فصعدوا درجة وله قدموا عبد الله بن عتيك لأنه كان يرطن باليهودية، فاستفتح وقال: جئت أبا رافع بهدية، ففتحت له امرأته فلما رأت السلاح أرادت أن تصيح فأشاروا إليها بالسيف فسكتت، فدخلوا عليه فما عرفوه إلا ببياضه كأنه قبطية فعلوه بأسيافهم؛ قال ابن أنيس: وكنت رجلا أعشى لا أبصر فأتكىء بسيفي على بطنه حتى سمعت خشه في الفراش وعرفت أنه قد قضى، وجعل القوم يضربونه جميعا، ثم نزلوا وصاحت امرأته فتصايح أهل الدار واختبأ القوم في بعض مناهر خيبر، وخرج الحارث أبو زينب في ثلاثة آلاف في آثارهم يطلبونهم بالنيران فلم يروهم، فرجعوا ومكث القوم في مكانهم يومين حتى سكن الطلب ثم خرجوا مقبلين إلى المدينة كلهم يدعي قتله، فقدموا على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: أفلحت الوجوه ! فقالوا: أفلح وجهك يا رسول الله ! وأخبروه خبرهم فأخذ أسيافهم فنظر إليها فإذا أثر الطعام في ذباب سيف عبد الله بن أنيس، فقال: هذا قتله !
سرية عبد الله بن رواحة إلى أسير بن زارم

(1/45)


ثم سرية عبد الله بن رواحة إلى أسير زارم اليهودي بخيبر في شوال سنة ست من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم. قالوا: لما قتل أبو رافع سالم بن أبي الحقيق أمرت يهود عليهم أسير بن زارم فسار في غطفان وغيرهم يجمعهم لحرب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وبلغ ذلك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فوجه عبد الله بن رواحة في ثلاثة نفر في شهر رمضان سرا فسأل عن خبره وغرته فأخبر بذلك، فقدم على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأخبره فندب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الناس فانتدب له ثلاثون رجلا، فبعث عليهم عبد الله بن رواحة فقدموا على أسير فقالوا: نحن آمنون حتى نعرض عليك ما جئنا له ؟ قال: نعم، ولي منكم مثل ذلك ؟ وقالوا: نعم؛ فقلنا: إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعثنا إليك لتخرج إليه فيستعملك على خيبر ويحسن إليك؛ فطمع في ذلك فخرج وخرج معه ثلاثون رجلا من اليهود مع كل رجل رديف من المسلمين، حتى إذا كنا بقرقرة ثبار ندم أسير فقال عبد الله بن أنيس، وكان في السرية: وأهوى بيده إلى سيفي ففطنت له ودفعت بعيري وقلت: غدرا أي عدو الله ! فعل ذلك مرتين، فنزلت فسقت بالقوم حتى انفد لي أسير فضربته بالسيف فأندرت عامة فخذه وساقه وسقط عن بعيره وبيده مخرش من شوحط فضربني فشجني مأمومة، وملنا على أصحابه فقتلناهم كلهم غير رجل واحد أعجزنا شدا، ولم يصب من المسلمين أحد، ثم أقبلنا إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فحدثناه الحديث فقال: قد نجاكم الله من القوم الظالمين !
سرية كرز بن جابر الفهري إلى العرنيين
ثم سرية كرز بن جابر الفهري إلى العرنيين في شوال سنة ست من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم. قالوا: قدم نفر من عرينة ثمانية على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأسلموا واستوبأ والمدينة، فأمر بهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى لقاحه وكانت ترعى بذي الجدر ناحية قباء قريبا من عير، على ستة أميال من المدينة، فكانوا فيها حتى صحوا وسمنوا فغدوا على اللقاح فاستاقوها فيدركهم يسار مولى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ومعه نفر فقاتلهم فقطعوا يده ورجله وغرزوا الشوك في لسانه وعينيه حتى مات. وبلغ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الخبر فبعث في أثرهم عشرين فارسا واستعمل عليهم كرز بن جابر الفهري فأدركوهم فأحاطوا بهم وأسروهم وربطوهم وأردفوهم على الخيل حتى قدموا بهم المدينة. وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالغابة فخرجوا بهم نحوه فلقوه بالزغابة بمجتمع السيول، وأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم فصلبوا هناك وأنزل على رسول الله، صلى الله عليه وسلم: " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا " الآية فلم يسمل بعد ذلك عينا. وكانت اللقاح خمس عشرة لقحة غزارا فردوها إلى المدينة ففقد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، منها لقحة تدعى الحناء، فسأل عنها فقيل: نحروها.
سرية عمرو بن أمية الضمري

(1/46)


ثم سرية عمرو بن أمية الضمري وسلمة بن أسلم بن حريس إلى أبي سفيان بن حرب بمكة، وذلك أن أبا سفيان بن حرب قال لنفر من قريش: ألا أحد يغتال محمدا فإنه يمشي في الأسواق؟ فأتاه رجل من الأعراب فقال: قد وجدت أجمع الرجال قلبا وأشده بطشا وأسرعه شدا، فإن أنت قويتني خرجت إليه حتى أغتاله ومعي خنجر مثل خافية النسر فأسوره ثم آخذ في عير وأسبق القوم عدوا فإني هاد بالطريق خريت ! قال: أنت صاحبنا. فأعطاه بعيرا ونفقة وقال: اطو أمرك، فخرج ليلا فسار على راحلته خمسا وصبح ظهر الحرة صبح سادسة ثم أقبل يسأل عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى دل عليه؛ فعقل راحلته ثم اقبل إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو في مسجد بني عبد الأشهل، فلما رآه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: إن هذا ليريد غدرا ! فذهب ليجني على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فجذبه أسيد بن الحضير بداخلة إزاره فإذا الخنجر فسقط في يديه وقال: دمي ! دمي ! فأخذ أسيد بلبته فذعته، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، اصدقني ما أنت ؟ قال: وأنا آمن ؟ قال: نعم ! فأخبره بأمره وما جعل له أبو سفيان، فخلى عنه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأسلم وبعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عمرو بن أمية وسلمة بن اسلم إلى أبي سفيان بن حرب وقال: إن أصبتما منه غرة فاقتلاه ! فدخلا مكة ومضى عمرو بن أمية يطوف بالبيت ليلا فرآه معاوية بن أبي سفيان فعرفه، فأخبر قريشا بمكانه فخافوه وطلبوه، وكان فاتكا في الجاهلية، وقالوا: لم يأت عمر لخير؛ فحشد له أهل مكة وتجمعوا وهرب عمرو وسلمة، فلقي عمرو عبيد الله بن مالك بن عبيد الله التيمي فقتله، وقتل آخر من بني الديل سمعه يتغنى ويقول:
ولست بمسلم ما دمت حيا ! ... ولست أدين دين المسلمينا !
ولقي رسولين لقريش بعثتهما يتحسبان الخبر فقتل أحدهما وأسر الآخر فقدم به المدينة، فجعل عمرو يخبر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خبره ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، يضحك.
غزوة رسول الله الحديبية
صلى الله عليه وسلم.

(1/47)


ثم غزوة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الحديبية. خرج للعمرة في ذي القعدة سنة ست من مهاجره. قالوا: استنفر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أصحابه إلى العمرة فأسرعوا وتهيأوا ودخل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بيته فاغتسل ولبس ثوبين وركب راحلته القصواء وخرج، وذلك يوم الاثنين لهلال ذي القعدة، واستخل على المدينة عبد الله بن أم مكتوم ولم يخرج معه بسلاح إلا السيوف في القرب وساق بدنا وساق أصحابه أيضا بدنا، فصلى الظهر بذي الحليفة ثم دعا بالبدن التي ساق فجللت ثم أشعرها في الشق الأيمن وقلدها وأشعر أصحابه أيضا وهن موجهات إلى القبلة، وهي سبعون بدنة فيها جمل أبي جهل الذي غنمه يوم بدر، وأحرم ولبى وقدم عباد بن بشر أمامه طليعة في عشرين فرسا من خيل المسلمين، وفيهم رجال من المهاجرين والأنصار، وخرج مع من المسلمين ألف وستمئة، ويقال ألف وأربعمئة. ويقال ألف وخمسمئة وعشرون رجلا، وأخرج معه زوجته أم سلمة، رضي الله عنها، وبلغ المشركين خروجه فأجمع رأيهم على صده عن المسجد الحرام وعسكروا ببلدح وقدموا مائتي فارس إلى كراع الغميم، وعليهم خالد بن الوليد، ويقال عكرمة بن أبي جهل، ودخل بسر بن سفيان الخزاعي مكة فسمع كلامهم وعرف رأيهم فرجع إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فلقيه بغدير الأشطاط وراء عسفان فأخبره بذلك. ودنا خالد ابن الوليد في خيله حتى نظر إلى أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عباد بن بشر فتقدم في خيله فأقام بإزائه وصف أصحابه وحانت صلاة الظهر وصلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بأصحابه صلاة الخوف؛ فلما أمسى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال لأصحابه: تيامنوا في هذا العصل فإن عيون قريش بمر الظهران وبضجنان؛ فسار حتى دنا من الحديبية، وهي طرف الحرم على تسعة أميال من مكة، فوقعت يدا راحلته على ثنة تهبطه على غائط القوم فبركت؛ فقال المسلمون: حل حل ! يزجرونها، فأبت أن تنبعث، فقالوا: خلأت القصواء؛ فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: إنها ما خلأت ولكن حبسها حابس الفيل، أما والله لا يسألوني اليوم خطة فيها تعظيم حرمة الله إلا أعطيتهم إياها، ثم زجرها فقامت فولى راجعا عوده على بدئه حتى نزل بالناس على ثمد من أثماد الحديبية ظنون قليل الماء، فانتزع سهما من كنانته فأمر به فغرز فيها فجاشت لهم بالرواء حتى اغترفوا بآنيتهم جلوسا على شفير البئر. ومطر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالحديبية مرارا وكرت المياه. وجاءه بديل بن ورقاء وركب من خزاعة فسلموا عليه، وقال بديل: جئناك من عند قومك كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد استنفروا لك الأحابيش ومن أطاعهم معهم العوذ والمطافيل والنساء والصبيان يقسمون بالله لا يخلون بينك وبني البيت حتى تبيد خضراؤهم؛ فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لم نأت لقتال أحد، إنما جئنا لنطوف بهذا البيت فمن صدنا عنه قاتلناه ! فرجع بديل فأخبر بذلك قريشا فبعثوا عروة ابن مسعود الثقفي فكلمه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بنحو مما كلم به بديلا فانصرف إلى قريش فأخبرهم، فقالوا: نرده عن البيت في عامنا هذا ويرجع من قابل فيدخل مكة ويطوف بالبيت. ثم جاء مكرز بن حفص بن الأخيف فكلمه بنحو مما كلم به صاحبيه فرجع إلى قريش فأخبرهم، فبعثوا الحليس بن علقمة، وهو يومئذ سيد الأحابيش وكان يتأله، فلما رأى الهدي عليه القلائد قد أكل أوباره من طول الحبس رجع ولم يصل إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إعظاما لما رأى، فقال لقريش: والله لتخلن بينه وبين ما جاء له أو لأنفرن بالأحابيش ! قالوا: فاكفف عنا حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به. وكان أول من بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى قريش خراش بن أمية الكعبي ليخبرهم ما جاء له، فعقروا به وأرادوا قتله فمنعه من هناك من قومه، فأرسل عثمان بن عفان فقال: اذهب إلى قريش فأخبرهم أنا لم نأت لقتال أحد وإنما جئنا زوارا لهذا البيت معظمين لحرمته، معنا الهدي ننحره وننصرف، فأتاهم فأخبرهم فقالوا: لا كان هذا أبدا ولا يدخلها علينا العام ! وبلغ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن عثمان قد قتل، فذلك حيث دعا المسلمين إلى بيعة الرضوان فبايعهم تحت الشجرة وبايع لعثمان، رضي الله عنه، فضرب بشماله على يمينه لعثمان، رضي الله عنه، وقال:

(1/48)


إنه ذهب في حاجة الله وحاجة رسوله. وجعلت الرسل تختلف بين رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وبين قريش فأجمعوا على الصلح والموادعة فبعثوا سهيل بن عمرو في عدة من رجالهم فصالحه على ذلك وكتبوا بينهم: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو، واصطلحا على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض، على أنه لا إسلال ولا إغلال، وأن بيننا عيبة مكفوفة، وأنه من أحب أن يدخل في عهد محمد وعقده فعل، وأنه من أحب أن يدخل في عهد قريش وعقدها فعل، وأنه من أتى محمدا منهم بغير إذن وليه رده إليه، وأنه من أتى قريشا من أصحاب محمد لم يردوه، وأن محمدا يرجع عنا عامه هذا بأصحبه ويدخل علينا قابلا في أصحابه فيقيم بها ثلاثا، لا يدخل علينا بسلاح إلا سلاح المسافر السيوف في القرب. شهد أبو بكر بن أبي قحافة وعمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعثمان بن عفان وأبو عبيدة بن الجراح ومحمد بن مسلمة وحويطب ابن عبد العزى ومكز بن حفص بن الأخيف. وكتب علي صدر هذا الكتاب فكان هذا عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكانت نسخته عند سهيل بن عمرو. وخرج أبو جندل بن سهيل بن عمرو من مكة إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يرسف في الحديد فقال سهيل: هذا أول من أقاضيك عليه، فرده إليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقال: يا أبا جندل، قد تم الصلح بيننا وبين القوم، فاصبر حتى يجعل الله لك فرجا ومخرجا. ووثبت خزاعة فقالوا: نحن ندخل في عهد محمد وعقده، ووثبت بنو بكر فقالوا: نحن ندخل مع قريش في عهدها وعقدها؛ فلما فرغوا من الكتاب انطلق سهيل وأصحابه ونحر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، هديه وحلق حلقه خراش بن أمية الكعبي ونحر أصحابه وحلق عامتهم وقصر الآخرون. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: رحم الله المحلقين ! قالها ثلاثا ! قيل: يا رسول الله والمقصرين ؟ قال: والمقصرين. وأقام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالحديبية بضعة عشر يوما، ويقال عشرين يوما، ثم انصرف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فلما كانوا بضجنان نزل عليه: إنا فتحنا لك فتحا مبينا؛ فقال جبريل، عليه السلام: يهنئك يا رسول الله، وهنأه المسلمون. ذهب في حاجة الله وحاجة رسوله. وجعلت الرسل تختلف بين رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وبين قريش فأجمعوا على الصلح والموادعة فبعثوا سهيل بن عمرو في عدة من رجالهم فصالحه على ذلك وكتبوا بينهم: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو، واصطلحا على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض، على أنه لا إسلال ولا إغلال، وأن بيننا عيبة مكفوفة، وأنه من أحب أن يدخل في عهد محمد وعقده فعل، وأنه من أحب أن يدخل في عهد قريش وعقدها فعل، وأنه من أتى محمدا منهم بغير إذن وليه رده إليه، وأنه من أتى قريشا من أصحاب محمد لم يردوه، وأن محمدا يرجع عنا عامه هذا بأصحبه ويدخل علينا قابلا في أصحابه فيقيم بها ثلاثا، لا يدخل علينا بسلاح إلا سلاح المسافر السيوف في القرب. شهد أبو بكر بن أبي قحافة وعمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعثمان بن عفان وأبو عبيدة بن الجراح ومحمد بن مسلمة وحويطب ابن عبد العزى ومكز بن حفص بن الأخيف. وكتب علي صدر هذا الكتاب فكان هذا عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكانت نسخته عند سهيل بن عمرو. وخرج أبو جندل بن سهيل بن عمرو من مكة إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يرسف في الحديد فقال سهيل: هذا أول من أقاضيك عليه، فرده إليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقال: يا أبا جندل، قد تم الصلح بيننا وبين القوم، فاصبر حتى يجعل الله لك فرجا ومخرجا. ووثبت خزاعة فقالوا: نحن ندخل في عهد محمد وعقده، ووثبت بنو بكر فقالوا: نحن ندخل مع قريش في عهدها وعقدها؛ فلما فرغوا من الكتاب انطلق سهيل وأصحابه ونحر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، هديه وحلق حلقه خراش بن أمية الكعبي ونحر أصحابه وحلق عامتهم وقصر الآخرون. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: رحم الله المحلقين ! قالها ثلاثا ! قيل: يا رسول الله والمقصرين ؟ قال: والمقصرين. وأقام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالحديبية بضعة عشر يوما، ويقال عشرين يوما، ثم انصرف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فلما كانوا بضجنان نزل عليه: إنا فتحنا لك فتحا مبينا؛ فقال جبريل، عليه السلام: يهنئك يا رسول الله، وهنأه المسلمون.

(1/49)


أخبرنا الفضل بن دكين، أخبرنا شريك عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء يقول: كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة.
أخبرنا سليمان بن داود أبو داود الطيالسي، أخبرنا شعبة، أخبرني عمرو بن مرة سمعت عبد الله بن أبي أوفى صاحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكان قد شهد بيعة الرضوان قال: كنا يومئذ ألفا وثلاثمائة وكانت أسلم يومئذ ثمن المهاجرين.
أخبرنا سليمان بن داود الطيالسي قال: أخبرنا شعبة عن عمرو بن مرة سمعت سالم بن أبي الجعد قال: سألت جابر بن عبد الله: كم كنتم يوم الشجرة ؟ قال: كنا ألفا وخمسمئة، وذكر عطشا أصابهم قال: فأتي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بماء في تور فوضع يده فيه فجعل الماء يخرج من بين أصابعه كأنها العيون. قال: فشربنا ووسعنا وكفانا. قال: قلت كم كنتم ؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا ! كنا ألفا وخمسمئة ! وأخبرنا موسى بن مسعود أبو حذيفة النهدي، أخبرنا عكرمة بن عمار عن إياس بن سلمة عن أبيه قال: قدمنا الحديبية مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ونحن أربع عشرة مائة وعليها خمسون شاة ما ترويها، قال: فقعد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على جباها فإما دعا وإما بزق، قال: فجاشت، قال: فسقينا واستقينا.
أخبرنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا إسرائيل عن طارق قال: انطلقت حاجا فمررت بقوم يصلون فقلت: ما هذا المسجد ؟ قالوا: هذه الشجرة حيث بايع النبي، صلى الله عليه وسلم، بيعة الرضوان؛ فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته فقال: حدثني أبي أنه كان في من بايع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، تحت الشجرة، قال: فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها. قال سعيد: إن كان أصحابنا محمد لم يعلموها وعملتموها أنتم فأنتم أعلم.
أخبرنا قبيصة بن عقبة ومحمد بن عبد الله الأسدي قالا: أخبرنا سفيان عن طارق بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن المسيب فتذاكروا الشجرة فضحك ثم قال: حدثني أبي أنه كان ذلك العام معهم وأنه قد شهدها فنسوها من العام المقبل.
أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء العجلي عن زياد بن الجصاص عن الحسن عن عبد الله بن مغفل قال عبد الوهاب: وأخبرني سعيد عن قتادة عن عبد الله بن مغفل قال: كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، تحت الشجرة يبايع الناس وأبي رافع أغصانها عن رأسه.
أخبرنا يونس بن محمد المؤدب وأحمد بن إسحاق الحضرمي قالا: أخبرنا يزيد بن بزيع عن خالد الحذاء عن الحكم بن عبد الله الأعرج عن معقل بن يسار قال: كنت مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عام الحديبية وكان يبايع الناس وأنا أرفع بيدي غصنا من أغصان الشجرة عن رأس رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فبايعهم على أن لا يفروا ولم يبايعهم على الموت، فقلنا لمعقل: كم كنتم يومئذ ؟ قال: ألفا وأربعمائة رجل.
أخبرنا المعلى بن أسد، أخبرنا وهيب عن خالد الحذاء عن الحكم ابن الأعرج عن معقل بن يسار: أن النبي، صلى الله عليه وسلم، كان يبايع الناس عام الحديبية تحت الشجرة ومعقل بن يسار رافع غصنا من أغصان الشجرة بيده عن رأسه، فبايعهم يومئذ على أن لا يفروا، قال: قلنا كم كنتم ؟ قال: ألفا وأربعمائة.
أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء، أخبرنا عبد الله بن عون عن نافع قال: كان الناس يأتون الشجرة التي يقال لها شجرة الرضوان فيصلون عندها؛ قال: فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فأوعدهم فيها وأمر بها فقطعت.
أخبرنا وكيع بن الجراح وعبد الله بن نمير عن إسماعيل بن أبي خالد عن عامر قال: إن أول من بايع النبي، صلى الله عليه وسلم، بيعة الرضوان أبو سنان الأسدي.
قال محمد بن سعد: فذكرت هذا الحديث لمحمد بن عمر فقال: هذا وهل، أبو سنان الأسدي قتل في حصار بني قريظة قبل الحديبية، والذي بايعه يوم الحديبية سنان بن سنان الأسدي.

(1/50)


أخبرنا إسماعيل بن عبد الكريم الصنعاني، حدثني إبراهيم بن عقيل ابن معقل عن أبيه عن وهب بن منبه قال: سألت جابر بن عبد الله كم كانوا يوم الحديبية ؟ قال: كنا أربع عشرة مائة فبايعناه تحت الشجرة، وهي سمرة، وعمر آخذ بيده غير جد بن قيس اختبأ تحت إبط بعيره، وسألته: كيف بايعوه ؟ قال: بايعناه على أن لا نفر ولم نبايعه على الموت، وسألته: هل بايع النبي، صلى الله عليه وسلم، بذي الحليفة ؟ فقال: لا ولكن صلى بها ولم يبايع عند الشجرة إلا الشجرة التي بالحديبية، ودعا النبي، صلى الله عليه وسلم، على بئر الحديبية وأنهم نحروا سبعين بدنة، بين كل سبعة منهم بدنة.
قال جابر: وأخبرتني أم مبشر أنها سمعت النبي، صلى الله عليه وسلم، يقول عند حفصة: لا يدخل النار، إن شاء الله، أصحاب الشجرة الذين بايعوا تحتها. قالت حفصة: بلى يا رسول الله، فانتهرها، فقالت حفصة: وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا؛ فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: قال الله: " ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا " .
وأخبرنا موسى بن مسعود النهدي، أخبرنا سفيان عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال: صالح النبي، صلى الله عليه وسلم، المشركين يوم الحديبية على ثلاثة أشياء: على أن من أتاه من المشركين يرد إليهم، ومن أتاهم من المسلمين لم يردوه إليهم، وعلى أن يدخلها من قابل فيقيم بها ثلاثة أيام ولا يدخلها إلا بجلبان السلاح السيف والقوس ونحوه، فجاء أبو جندل يحجل في قيده فرده إليهم.
أخبرنا سليمان بن حرب، أخبرنا حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة قال: لما كتب النبي، صلى الله عليه وسلم، الكتاب الذي بينه وبين أهل مكة يوم الحديبية قال: اكتبوا بسم الله الرحمن الرحيم؛ قالوا: أما الله فنعرفه وأما الرحمن الرحيم فلا نعرفه؛ قال: فكتبوا باسمك اللهم؛ قال: وكتب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في أسفل الكتاب: ولنا عليكم مثل الذي لكم علينا.
أخبرنا موسى بن مسعود النهدي، أخبرنا عكرمة بن عمار عن أبي زميل عن ابن عباس قال: قال عمر بن الخطاب: لقد صالح رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أهل مكة على صلح وأعطاهم شيئا لو أن نبي الله أمر على أميرا فصنع الذي صنع نبي الله ما سمعت له ولا أطعت، وكان الذي جعل لهم أن من لحق من الكفار بالمسلمين يردوه ومن لحق بالكفار لم يردوه.
أخبرنا أبو سهل نصر بن باب عن الحجاج عن أبي إسحاق عن البراء ابن عازب أنه قال: اشترط أهل مكة على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من الحديبية ألا يدخل أحد من أصحابه مكة بسلاح إلا سلاحا في قراب.
أخبرنا إسحاق بن يوسف الأزرق، أخبرنا شريك عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال: اشترط المشركون على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عام الحديبية ألا يدخلها بسلاح، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إلا جلبان السلاح؛ قال: وهو القراب وما فيه السيف والقوس.
وأخبرنا محمد بن حميد العبدي عم معمر عن قتادة قال: لما كان سفر الحديبية صد المشركون النبي، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه عن البيت فقاضوا المشركين يومئذ قضية أن لهم أن يعتمروا العام المقبل في هذا الشهر الذي صدوهم فيه، فجعل الله شهرا حراما يعتمرون فيه مكان شهرهم الذي صدوا فيه، فذلك قوله: الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص.
أخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسي، أخبرنا أبو عوانة عن حصين عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: أن أبا سفيان بن حرب قال: حين قدم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مكة عام الحديبية كان بينهم وبين رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عهد أن لا يلج علينا بسلاح ولا يقيم بمكة إلا ثلاث ليال، ومن خرج منا إليكم رددتموه علينا ومن أتانا منكم رددناه إليكم.
أخبرنا أبو معاوية الضرير ومحمد بن عبيد قالا: أخبرنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: نجر النبي، صلى الله عليه وسلم، سبعين بدنة عام الحديبية، البدنة عن سبعة، وزاد محمد بن عبيد في حديثه: وكنا يومئذ ألفا وأربعمائة ومن لم يضح يومئذ أكثر ممن ضحى.

(1/51)


أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا موسى بن عبيدة عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: خرجنا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، غزوة الحديبية فنحرنا مائة بدنة ونحن بضع عشرة مائة ومعهم عدة السلاح والرجال والخيل، وكان في بدنه جمل أبي جهل فنزل بالحديبية فصالحته قريش على أن هذا الهدي محله حيث حبسناه.
أخبرنا إسحاق بن عيسى، أخبرني مالك بن أنس عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: نحرنا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عام الحديبية، البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة.
أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء قال: أخبرنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن جابر بن عبد الله قال: نحر أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، يوم الحديبية سبعين بدنة عن سبعة سبعة.
أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا أبو عوانة عن أبي بشر بن سليمان ابن قيس عن جابر بن عبد الله قال: نحرنا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم الحديبية سبعين بدنة، البدنة عن سبعة.
أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدي، أخبرنا سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر قال: نحرنا يوم الحديبية سبعين بدنة، البدنة عن سبعة، وقال لنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ليشترك منكم النفر الهدي.
أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري، أخبرنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك: أنهم نحروا يوم الحديبية سبعين بدنة، عن كل سبعة بدنة.
أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء قال: أخبرنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: ذكر لنا أن نبي الله، صلى الله عليه وسلم، خرج يوم الحديبية فرأى رجالا من أصحابه قد قصروا فقال: يغفر الله للمحلقين؛ قالوا: يا رسول الله وللمقصرين ؟ قال ذلك ثلاثا وأجابوه بمثل ذلك، فقال عند الرابعة: وللمقصرين.
أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء قال: أخبرنا هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي إبراهيم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، رأى أصحابه حلقوا رؤوسهم عام الحديبية غير عثمان بن عفان وأبي قتادة الأنصاري، فاستغفر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، للمحلقين ثلاث مرات وللمقصرين مرة.
أخبرنا يونس بن محمد المؤدب. أخبرنا أوس بن عبيد الله النصري، أخبرنا بريد بن أبي مريم عن أبيه مالك بن ربيعة: أنه سمع النبي، صلى الله عليه وسلم، يقول: اللهم اغفر للمحلقين؛ فقال رجل: وللمقصرين ؟ فقال في الثالثة أو في الرابعة: وللمقصرين قال: وأنا محلوق يومئذ فما سرني حمر النعم أو خطر عظيم.
أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس عن مجمع بن يعقوب عن أبيه أنه قال: لما صدر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه وحلقوا بالحديبية ونحروا بعث الله ريحا عاصفا فاحتملت أشعارهم فألقتها في الحرم.
حدثنا الفضل بن دكين، أخبرنا شريك عن ليث عن مجاهد: إنا فتحنا لك فتحا مبينا؛ قال: نزلت عام الحديبية.
أخبرنا الفضل بن دكين عن سفيان بن عيينة عن ابن جريج عن مجاهد: إنا فتحنا لك فتحا مبينا؛ إنا قضينا لك قضاء مبينا، فنحر النبي، صلى الله عليه وسلم، بالحديبية وحلق رأسه.
أخبرنا هاشم بن القاسم الكناني، أخبرنا شعبة عن قتادة سمعت أنس ابن مالك يقول: نزلت هذه الآية حين رجع النبي، صلى الله عليه وسلم، من الحديبية: " إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر " .
أخبرنا قبيصة بن عقبة، أخبرنا سفيان الثوري عن داود عن الشعبي قال: الهجرة ما بين الحديبية إلى الفتح والحديبية هي الفتح.

(1/52)


أخبرنا يونس بن محمد المؤدب، أخبرنا مجمد بن يعقوب، حدثني أبي عن عمه عبد الرحمن بن يزيد عن مجمع بن جارية قال: شهدت الحديبية مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فلما انصرفنا عنها إذا الناس يوجفون الأباعر، قال: فقال الناس بعضهم لبعض ما للناس ؟ قالوا: أوحي إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: فخرجنا نوجف مع الناس حتى وجدنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، واقفا عند كراع الغميم، فلما اجتمع إليه بعض ما يريد من الناس قرأ عليهم: " إنا فتحنا لك فتحا مبينا " ؛ قال: قال رجل من أصحاب محمد يا رسول الله أو فتح هو ؟ قال: إي والذي نفسي بيده إنه لفتح ! قال: ثم قسمت خيبر على أهل الحديبية على ثمانية عشر سهما وكان الجيش ألفا وخمسمائة، فيهم ثلاثمائة فارس، وكان للفارس سهمان.
أخبرنا مالك بن إسماعيل، أخبرنا زهير، أخبرنا أبو إسحاق قال: قال البراء: أما نحن فنسمي الذين يسمون فتح مكة يوم الحديبية بيعة الرضوان.
أخبرنا علي بن محمد عن جويرية بن أسماء عن نافع قال: خرج قوم من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعد ذلك بأعوام فما عرف أحد منهم الشجرة واختلفوا فيها؛ قال ابن عمر: كانت رحمة من الله.
أخبرنا عبد الله بن الوهاب بن عطاء العجلي قال: أخبرنا خالد الحذاء، أخبرني أبو المليح عن أبيه قال: أصابنا يوم الحديبية مطر لم يبل أسافل نعالنا فنادى منادي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن صلوا في رحالكم.
غزوة رسول الله خيبر
صلى الله عليه وسلم

(1/53)


ثم غزوة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خيبر في جمادى الأولى سنة سبع من مهاجره، وهي على ثمانية برد من المدينة. قالوا: أمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أصحابه بالتهيؤ لغزوة خيبر ويجلب من حوله يغزون معه فقال: لا يخرجن معنا إلا راغب في الجهاد، وشق ذلك على من بقي بالمدينة من اليهود فخرج، واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري وأخرج معه أم سلمة زوجته، فلما نزل بساحتهم لم يتحركوا تلك الليلة، ولم يصح لهم ديك حتى طلعت الشمس، وأصبحوا وأفئدتهم تخفق وفتحوا حصونهم وغدوا إلى أعمالهم معهم المساحي والكرازين والمكاتل، فلما نظروا إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قالوا: محمد والخميس! يعنون بالخميس الجيش، فولوا هاربين إلى حصونهم وجعل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: الله أكبر خربت خيبر ! إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين ! ووعظ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الناس وفرق فيهم الرايات ولم يكن الرايات إلا يوم خيبر إنما كانت الألوية فكانت راية النبي، صلى الله عليه وسلم، السوداء من برد لعائشة تدعى العقاب ولواؤه أبيض ودفعه إلى علي بن أبي طالب، وراية إلى الحباب بن المنذر، وراية إلى سعد بن عبادة، وكان شعارهم: يا منصور أمت ! فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، المشكرين، قاتلوه أشد القتال وقتلوا من أصحابه عدة وقتل منهم جماعة كثيرة، وفتحها حصنا حصنا، وهي حصون ذوات عدد منه النطاة ومنها حصن الصعب بن معاذ وحصن ناعم وحصن قلعة الزبير والشق، وبه حصون منها حصن أبي وحصن النزار، وحصون الكتيبة منها القموص والوطيح وسلالم، وهو حصن بني أبي الحقيق، وأخذ كنز آل أبي الحقيق الذي كان في مسك الجمل، وكانوا قد غيبوه في خربة فدل الله رسوله عليه فاستخرجه وقتل منهم ثلاثة وتسعين رجلا من يهود، منه الحارث أبو زينب ومرحب وأسير وياسر وعامر وكنانة بن أبي الحقيق وأخوه، وإنما ذكرنا هؤلاء وسميناهم لشرفهم، واستشهد من أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، بخيبر ربيعة بن أكثم وثقف بن عمرو بن سميط ورفاعة بن مسروح، وعبد الله بن أمية بن وهب حليف لبني أسد بن عبد العزى، ومحمود بن مسلمة، وأبو ضياح بن النعمان من أهل بدر، والحارث بن حاطب من أهل بدر، وعدي بن مرة بن سراقة وأوس بن حبيب وأنيف بن وائل ومسعود ابن سعد بن قيس، وبشر بن البراء بن معرور مات من الشاة المسمومة، وفضيل بن النعمان، وعامر بن الأكوع أصاب نفسه فدفن هو ومحمود بن مسلمة في غار واحد بالرجيع بخيبر، وعمارة بن عقبة بن عباد بن مليل، ويسار العبد الأسود ورجل من أشجع، فجميعهم خمسة عشر رجلا، وفي هذه الغزاة سمت زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أهدت له شاة مسمومة فأكل منها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وناس من أصحابه فيهم بشر بن البراء بن معرور فمات منها، فيقال إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قتلها وهو الثبت عندنا، وأمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالغنائم فجمعت واستعمل عليها فروة ابن عمرو البياضي ثم أمر بذلك فجزىء خمسة أجزاء وكتب في سهم منها لله وسائر السهمان أغفال، وكان أول ما خرج سهم النبي، صلى الله عليه وسلم، لم يتخير في الأخماس فأمر ببيع الأربعة الأخماس في من يزيد فباعها فروة وقسم ذلك بين أصحابه. وكان الذي ولي إحصاء الناس زيد بن ثابت فأحصاهم ألفا وأربعمائة والخيل مئتي فرس، وكانت السهمان على ثمانية عشر سهما لكل مائة رأس وللخيل أربعمائة سهم، وكان الخمس الذي صار إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يعطى منه على ما أراه الله من السلاح والكسوة، وأعطى منه أهل بيته ورجالا من بني عبد المطلب ونساء واليتيم والسائل، وأطعم من الكتيبة نساءه وبني عبد المطلب وغيرهم، وقدم الدوسيون فيهم أبو هريرة وقدم الطفيل بن عمرو وقدم الأشعريون ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، بخيبر فلحقوه بها فكلم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أصحابه فهيم أن يشركوهم في الغنيمة ففعلوا، وقدم جعفر بن أبي طالب وأهل السفينتين من عند النجاشي بعد أن فتحت خيبر فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ما أدري بأيهما أنا أسر بقدوم جعفر أو بفتح خيبر ؟ وكانت صفية بنت حيي ممن سبى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بخيبر فأعتقها وتزوجها. وقدم الحجاج بن علاط

(1/54)


السلمي على قريش بمكة فأخبرهم أن محمدا قد أسرته يهود وتفرق أصحابه وقتلوا، وهم قادمون بهم عليكم، واقتضى الحجاج دينه وخرج سريعا فلقيه العباس بن عبد المطلب فأخبره خبر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على حقه وسأله أن يكتم عليه حتى يخرج، ففعل العباس، فلما خرج الحجاج أعلن بذلك العباس وأظهر السرور وأعتق غلاما يقال له أبو زبيبة.لمي على قريش بمكة فأخبرهم أن محمدا قد أسرته يهود وتفرق أصحابه وقتلوا، وهم قادمون بهم عليكم، واقتضى الحجاج دينه وخرج سريعا فلقيه العباس بن عبد المطلب فأخبره خبر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على حقه وسأله أن يكتم عليه حتى يخرج، ففعل العباس، فلما خرج الحجاج أعلن بذلك العباس وأظهر السرور وأعتق غلاما يقال له أبو زبيبة.
أخبرنا وهب بن جرير بن حازم قال: أخبرنا هشام الدستوائي عن قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: خرجنا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى خيبر لثماني عشرة مضت من شهر رمضان، فصام طوائف من الناس وأفطر آخرون، فلم يعب على الصائم صومه ولا على المفطر فطره.
أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري، أخبرنا حميد الطويل عن أنس قال: انتهينا إلى خير ليلا، فلما أصبحنا وصلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الغداة ركب وركب المسلمون معه فخرج وخرج أهل خيبر حين أصبحوا بمساحيهم ومكاتلهم كما كانوا في أرضيهم، فلما رأوا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قالوا: محمد والله ! محمد والجيش ! ثم رجعوا هرابا إلى مدينتهم، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: الله أكبر خربت خيبر ! إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين ! قال أنس: وأنا رديف أبي طلحة وإن قدمي لتمس قدم رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
أخبرنا روح بن عبادة، أخبرنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس ابن مالك عن أبي طلحة قال: لما صبح رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خيبر وقد أخذوا مساحيهم وغدوا إلى حروثهم وأرضيهم، فلما رأوا نبي الله، صلى الله عليه وسلم، ومعه الجيش نكصوا مدبرين فقال نبي الله، صلى الله عليه وسلم: الله أكبر الله أكبر ! إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين ! أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا حماد بن سلمة، أخبرنا ثابت عن أنس قال: كنت رديف أبي طلحة يوم خيبر وقدمي تمس قدم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: فأتيناهم حين بزغت الشمس وقد أخرجوا مواشيهم وخرجوا بفؤوسهم وكماتلهم ومرورهم وقالوا: محمد والخميس ! قال: وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: الله أكبر الله أكبر ! إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين ! قال: فهزمهم الله.
أخبرنا سليمان بن حرب، أخبرنا حماد بن زيد عن ثابت عن أنس أن النبي، صلى الله عليه وسلم، صلى الصبح بغلس وهو قريب من خيبر ثم أغار عليهم فقال: الله أكبر خربت خيبر ! إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين ! فدخل عليهم فخرجوا يسعون في السكك ويقولون: محمد والخميس ! محمد والخميس ! قال: فقتل المقاتلة وسبى الذرية.
أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا حماد بن سلمة قال: أخبرنا عبيد الله بن عمر قال: وأظنه عن نافع عن ابن عمر، قال: أتى رسول الله، عليه السلام، أهل خيبر عند الفجر فقاتلهم حتى أجلأهم إلى قصرهم وغلبهم على الأرض والنخل، فصالحهم على أن يحقن دماءهم ولهم ما حملت ركابهم وللنبي، صلى الله عليه وسلم، الصفراء والبيضاء والحلقة، وهو السلاح، ويخرجهم، وشرطوا للنبي، صلى الله عليه وسلم، أن لا يكتموه شيئا، فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد، فلما وجد المال الذي غيبوه في مسك الجمل سبى نساءهم وغلب على الأرض والنخل ودفعها إليهم على الشطر، فكان ابن رواحة يخرصها عليهم ويضمنهم الشطر.
أخبرنا عبد الله بن نمير، أخبرنا يحيى بن سعيد عن صالح بن كيسان قال: كان مع النبي، صلى الله عليه وسلم، يوم خيبر مائتا فرس.

(1/55)


أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا وهيب، أخبرنا سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم خيبر: لأدفعن الراية إلى رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ويفتح عليه، قال: قال عمر فما أحببت الإمارة قبل يومئذ فتطاولت لها واستشرفت رجاء أن يدفعها إلي؛ فلما كان الغد دعا عليا فدفعها إليه فقال: قاتل ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك؛ فسار قريبا ثم نادى: يا رسول الله علام أقاتل ؟ قال: حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله.
أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا عكرمة بن عمار، أخبرني إياس ابن سلمة بن الأكوع قال: أخبرني أبي قال: بارز عمي يوم خيبر مرحب اليهودي فقال مرحب:
قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب
إذا الحروب أقبلت تلهب
فقال عمي عامر
قد علمت خيبر أني عامر ... شاك السلاح بطل مغامر
فاختلفا ضربتين فوقع سيف مرحب في ترس عامر وذهب عامر يسفل له، فرجع السيف على ساقه فقطع أكحله فكانت فيها نفسه، قال سلمة ابن الأكوع: فلقيت ناسا من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقالوا: بطل عمل عامر قتل نفسه ! قال سلمة: فجئت إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أبكي فقلت: يا رسول الله أبطل عمل عامر ؟ قال: ومن قال ذاك ؟ قلت: أناس من أصحابك ! قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: كذب من قال ذاك ! بل له أجره مرتين، إنه حين خرج إلى خيبر جعل يرجز بأصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وفيهم النبي يسوق الركاب وهو يقول:
تالله، لولا الله ما اهدتينا ... وما تصدقنا وما صلينا
إن الذين كفروا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا
ونحن عن فضلك ما استغنينا ... فثبت الأقدام إن لاقينا
وأنزلن سكينة علينا
فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: من هذا ؟ قالوا: عامر يا رسول الله ! قال: غفر لك ربك ! قال: وما استغفر لإنسان قط يخصه إلا استشهد، فلما سمع ذلك عمر بن الخطاب قال: يا رسول الله لوما متعتنا بعامر، فتقدم فاستشهد. قال سلمة: ثم إن نبي الله، صلى الله عليه وسلم، أرسلني إلى علي فقال لأعطين الراية اليوم رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله؛ قال: فجئت به أقوده أرمد فبصق رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في عينيه ثم أعطاه الراية فخرج مرحب يخطر بسيفه فقال:
قد علمت خيبر أني مرحب ... شاك السلاح بطل مجرب
إذا الحروب أقبلت تلهب
فقال علي، صلوات الله عليه وبركاته:
أنا الذي سمتني أمي حيدره ... كليث غابات كريه المنظره
أكيلهم بالصاع كيل السندره !
ففلق رأس مرحب بالسيف، وكان الفتح على يديه.
أخبرنا بكر بن عبد الرحمن قاضي الكوفة، حدثني عيسى بن المختار ابن عبد الله بن أبي ليلى الأنصاري عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال: لما ظهر النبي، صلى الله عليه وسلم، على خيبر صالحهم على أن يخرجوا بأنفسهم وأهليهم ليس لهم بيضاء ولا صفراء، فأتي بكنانة والربيع، وكان كنانة زوج صفية والربيع أخوه وابن عمه، فقال لهما رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أين آنيتكما التي كنتما تعيرانها أهل مكة ؟ قالا: هربنا فلم تزل تضعنا أرض وترفعنا أخرى فذهبنا فأنفقنا كل شيء؛ فقال لهما: إنكما إن كتمتاني شيئا فاطلعت عليه استحللت به دماء كما وذراريكما؛ فقالا: نعم ! فدعا رجلا من الأنصار فقال: اذهب إلى قراح كذا وكذا ثم ائت النخل فانظر نخلة عن يمينك أو عن يسارك فانظر نخلة مرفوعة فأتني بما فيها. قال: فانطلق فجاءه بالآنية والأموال فضرب أعناقهما وسبى أهليهما، وأرسل رجلا فجاء بصفية فمر بها على مصرعهما فقال له نبي الله، صلى الله عليه وسلم: لم فعلت ؟ فقال: أحببت يا رسول الله أن أغيظها. قال: فدفعها إلى بلال وإلى رجل من الأنصار فكانت عنده.

(1/56)


أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله قال: لما كان يوم خيبر أصاب الناس مجاعة، فأخذوا الحمر الإنسية فذبحوها وملؤوا منها القدور فبلغ ذلك نبي الله، صلوات الله عليه؛ قال جابر: فأمرنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فكفأنا القدور وهي تغلي، فحرم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الحمر الإنسية ولحوم البغال وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير وحرم المجثمة والخلسة والنهبة.
أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا حماد بن زيد، أخبرنا عمرو بن دينار عن محمد بن علي عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر وأذن في لحوم الخيل.
أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري، أخبرنا هشام بن حسان، أخبرنا محمد، أخبرنا أنس بن مالك قال: أتى آت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم خيبر فقال: يا رسول الله أكلت الحمر ! ثم أتاه آت فقال: يا رسول الله أفنيت الحمر ! فأمر أبا طلحة فنادى: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر فإنها رجس، فأكفئت القدور.
أخبرنا عفان بن مسلم وهاشم بن القاسم قالا: أخبرنا شعبة عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال: أصبنا حمرا يوم خيبر، قال: فنادى منادي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن اكفؤوا القدور.
أخبرنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، أخبرنا عبد الله بن نمير عن محمد بن إسحاق عن عبد الله بن عمرو بن ضمرة الفزاري عن عبد الله بن أبي سليط عن أبيه أبي سليط، وكان بدريا، قال: أتانا نهي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن لحوم الحمر يوم خيبر وإنا جياع فكفأناها.
أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار: أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لما أفاء الله عليه خيبر قسمها على ستة وثلاثين سهما، جمع كل سهم مائة سهم، وجعل نصفها لنوائبه وما ينزل به، وعزل النصف الآخر فقسمه بين المسلمين وسهم النبي، صلى الله عليه وسلم، فيما قسم بين المسلمين الشق ونطاة وما حيز معهما، وكان فيما وقف الوطيحة والكتيبة وسلالم وما حيز معهن، فلما صارت الأموال في يد النبي، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه لم يكن لهم من العمال ما يكفون عمل الأرض فدفعها النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى اليهود يعملونها على نصف ما يخرج منها، فلم يزالوا على ذلك حتى كان عمر بن الخطاب وكثر في يدي المسلمين العمال وقووا على عمل الأرض، فأجلى عمر اليهود إلى الشأم وقسم الأموال بين المسلمين إلى اليوم.
أخبرنا سليمان بن حرب قال: أخبرنا حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار قال: لما افتتح النبي، صلى الله عليه وسلم، خيبر أخذها عنوة فقسمها على ستة وثلاثين سهما، فأخذ لنفسه ثمانية عشر سهما وقسم بين الناس ثمانية عشر سهما، وشهدها مائة فرس وجعل للفرس سهمين.
أخبرنا موسى بن داود، أخبرنا محمد بن راشد عن مكحول: أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أسهم يوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم: سهمان لفرسه وسهم له.
أخبرنا عتاب بن زياد، أخبرنا عبد الله بن المبارك قال: أخبرنا ابن لهيعة عن محمد بن زيد أخبرني عمير مولى آبي اللحم قال: غزوة مع سيدي يوم خيبر فشهدت فتحها مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فسألته أن يقسم لي معهم فأعطاني من خرثي المتاع ولم يقسم لي.
أخبرنا عتاب بن زياد، أخبرنا عبد الله بن المبارك قال: أخبرنا ابن لهيعة، حدثني الحارث بن يزيد الحضرمي عن ثابت بن الحارث الأنصاري قال: قسم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عام خيبر لسهلة بنت عاصم ابن عدي ولابنة لها ولدت.

(1/57)


أخبرنا عتاب بن زياد، أخبرنا عبد الله بن المبارك قال: أخبرنا محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن فلان الجيشاني أو قال عن أبي مرزوق مولى تجيب عن حنش قال: شهدت فتح جربة مع رويفع بن ثابت البلوي قال فخطبنا فقال: شهدت فتح خيبر مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فسمعته يقول: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسق ماءه زرع غيره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقض على امرأة من السبي حتى يستبرئها، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يبع مغنما حتى يقسم، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها في فيء المسلمين، أو يلبس ثوبا حتى إذا أخلقه رده في فيء المسلمين.
أخبرنا عفان بن مسلم وهاشم بن القاسم قالا: أخبرنا شعبة قال: قال الحكم: أخبرني عبد الرحمن بن أبي ليلى في قوله: وأثابهم فتحا قريبا؛ قال: خيبر. وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها؛ قال: فارس والروم.
أخبرنا موسى بن داود قال: أخبرنا ليث بن سعد إن شاء الله عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة أنه قال: لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، شاة فيها سم فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: اجمعوا من كان ها هنا من اليهود، فجمعوا له فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إني سائلكم عن شيء فهل أنتم صادقي عنه ؟ قالوا: نعم يا أبا القاسم؛ فقال لهم سول الله، صلى الله عليه وسلم: من أبوكم ؟ قالوا: أبونا فلان؛ فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: كذبتم ! أبوكم فلان؛ قالوا: صدقت وبررت؛ فقال: هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم ؟ قالوا: نعم يا أبا القاسم، فإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا؛ فقال لهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم: من أهل النار ! فقالوا: نكون فيها يسيرا ثم تخلفونا فيها؛ فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: اخسؤوا فيها ولا نخلفكم فيها أبدا؛ ثم قال لهم: هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه ؟ قالوا: نعم يا أبا القاسم؛ قال لهم: هل جعلتم في هذه الشاة سما ؟ قالوا: نعم؛ قال: ما حملكم على ذلك ؟ قالوا: أردنا إن كنت كاذبا استرحنا منك وإن كنت نبيا لم يضررك.
أخبرنا بكر بن عبد الرحمن قاضي أهل الكوفة، أخبرنا عيسى بن المختار عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال: لما أراد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن يخرج من خيبر قال القوم: الآن نعلم أسرية صفية أم امرأة، فإن كانت امرأة فإنه سيحجبها، وإلا فهي سرية؛ فلما خرج أمر بستر فستر دونها فعرف الناس أنها امرأة، فلما أرادت أن تركب أدنى فخذه منها لتركب عليها فأبت ووضعت ركبتها على فخذه ثم حملها، فلما كان الليل نزل فدخل الفسطاط ودخلت معه، وجاء أبو أيوب فبات عند الفسطاط معه السيف واضع رأسه على الفسطاط، فلما أصبح رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سمع الحركة فقال: من هذا ؟ فقال: أنا أبو أيوب ! فقال: ما شأنك ؟ قال: يا رسول اله جارية شابة حديثة عهد بعرس، وقد صنعت بزوجها ما صنعت، فلم آمنها، قلت إن تحركت كنت قريبا منك. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: رحمك الله يا أبا أيوب ! مرتين.
أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا حماد بن سلمة قال: أخبرنا ثابت عن أنس قال: وقعت صفية في سهم دحية، وكانت جارية جميلة، فاشتراها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بسبعة أرؤس ودفعها إلى أم سليم تصنعها وتهيئها، وجعل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وليمتها التمر والأقط والسمن، قال: ففحصت الأرض أفاحيص وجيء بالأنطاع فوضعت فيها ثم جيء بالأقط والسمن والتمر فشبع الناس؛ قال: وقال الناس ما ندري أتزوجها أم اتخذها أم ولد ؟ قال فقالوا: إن حجبها فهي امرأته وإن لم يحجبها فهي أم ولد؛ قال: فلما أراد أن يركب حجبها حتى قعدت على عجز البعير، قال: فعرفوا أنه قد تزوجها.
أخبرنا سليمان بن حرب، أخبرنا حماد بن زيد عن ثابت عن أنس قال: كان في ذلك السبي صفية بنت حيي فصارت إلى دحية الكلبي ثم صارت بعد إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فأعتقها ثم تزوجها وجعل عتقها صداقها. قال حماد: قال عبد العزيز لثابت يا أبا محمد أنت قلت لأنس ما أصدقها ؟ قال: أصدقها نفسها؛ قال: فحرك ثابت رأسه كأنه صدقه.
سرية عمر بن الخطاب إلى تربة
رحمه الله.

(1/58)


ثم سرية عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، إلى تربة في شعبان سنة سبع من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قالوا: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عمر بن الخطاب في ثلاثين رجلا إلى عجز هوازن بتربة، وهي بناحية العبلاء على أربع ليال من مكة طريق صنعاء ونجران، فخرج وخرج معه دليل من بني هلال، فكان يسير الليل ويكمن النهار، فأتى الحبر هوازن فهربوا، وجاء عمر بن الخطاب محالهم فلم يلق منهم أحدا فانصرف راجعا إلى المدينة.
سرية أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، إلى بني كلاب بنجد
ثم سرية أبي بكر الصديق إلى بني كلاب بنجد ناحية ضربة في شعبان سنة سبع من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
أخبرنا هاشم بن القاسم الكناني، أخبرنا عكرمة بن عمار، أخبرنا إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: غزوة مع أبي بكر إذ بعثه النبي، صلى الله عليه وسلم، علينا فسبى ناسا من المشركين فقتلناهم، فكان شعارنا: أمت أمت ! قال: فقتلت بيدي سبعة أهل أبيات من المشركين.
أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا عكرمة بن عمار، أخبرنا إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أبا بكر إلى فزارة وخرجت معه حتى إذا ما دنونا من الماء عرس أبو بكر، حتى إذا ما صلينا الصبح أمرنا فشننا الغارة فوردنا الماء، فقتل أبو بكر من قتل ونن معه؛ قال سلمة: فرأيت عنقا من الناس فيهم الذراري فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل فأدركتهم فرميت بسهم بينهم وبين الجبل، فلما رأوا السهم قاموا فإذا امرأة من فزارة فيهم عليها قشع من أدم، معها ابنتها من أحسن العرب، فجئت أسوقهم إلى أبي بكر فنفلني أبو بكر ابنتها فلم أكشف لها ثوبا حتى قدمت المدينة، ثم باتت عندي فلم أكشف لها ثوبا حتى لقيني رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في السوق فقال: يا سلمة هب لي المرأة ! فقلت: يا نبي الله! والله لقد أعجبتني وما كشفت لها ثوبا ! فكست حتى إذا كان من الغد لقيني رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في السوق ولم أكشف لها ثوبا فقال: يا سلمة هب لي المرأة لله أبوك ! قال: فقلت هي لك يا رسول الله ! قال: فبعث بها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى أهل مكة ففدى بها أسرى من المسلمين كانوا في أيدي المشركين.
سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى فدك
ثم سرية بشير بن سعد إلى فدك في شعبان سنة سبع من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قالوا: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بشير بن سعد في ثلاثين رجلا إلى بني مرة بفدك، فخرج يلقى رعاء الشاء، فسأل عن الناس فقيل في بواديهم، فاستاق النعم والشاء وانحدر إلى المدينة، فخرج الصريخ فأخبرهم فأدركه الدهم منهم عند الليل، فأتوا يرامونهم بالنبل حتى فنيت نبل أصحاب بشير وأصبحوا، فحمل المريون عليهم فأصابوا أصحاب بشير وقاتل بشير حتى ارتث وضرب كعبه فقيل قد مات، ورجعوا بنعمهم وشائهم، وقدم علبة بن زيد الحارثي بخبرهم على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ثم قدم من بعده بشير بن سعد.
سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى الميفعة
ثم سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى الميفعة في شهر رمضان سنة سبع من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قالوا: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، غالب بن عبد الله إلى بني عوال وبني عبد بن ثعلبة، وهم بالميفعة، وهي وراء بطن نخل إلى النفرة قليلا بناحية نجد، وبينها وبين المدينة ثمانية برد، بعثه في مائة وثلاثين رجلا ودليلهم يسار مولى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فهجموا عليهم جميعا ووقعوا وسط محالهم، فقتلوا من أشرف لهم واستاقوا نعما وشاء فحدروه إلى المدينة ولم يأسروا أحدا، وفي هذه السرية قتل أسامة بن زيد الرجل الذي قال لا إله إلا الله، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: ألا شققت قلبه فتعلم صادق هو أم كاذب ؟ فقال أسامة: لا أقاتل أحدا يشهد أن لا إله إلا الله.
سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى يمن وجبار

(1/59)


ثم سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى يمن وجبار في شوال سنة سبع من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم. قالوا: بلغ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن جمعا من غطفان بالجناب قد واعدهم عيينة بن حصن ليكون معهم ليزحفوا إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فدعا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بشير بن سعد فعقد له لواء وبعث معه ثلاثمائة رجل، فساروا الليل وكمنوا النهار حتى أتوا إلى يمن وجبار وهي نحو الجناب، والجناب يعارض سلاح وخيبر وواوي القرى، فنزلوا بسلاح ثم دنوا من القوم فأصابوا لهم نعما كثيرا وتفرق الرعاء، فحذروا الجمع فتفرقوا ولحقوا بعلياء بلادهم، وخرج بشير بن سعد في أصحابه حتى أتى محالهم فيجدها وليس فيها أحد، فرجع بالنعم وأصاب منهم رجلين فأسرهما وقدم بهما إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأسلما فأرسلهما.
عمرة رسول الله القضية
صلى الله عليه وسلم
ثم عمرة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، القضية في ذي القعدة سنة سبع من مهاجره. قالوا: لما دخل هلال ذي القعدة أمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أصحابه أن يعتمروا قضاء لعمرتهم التي صدهم المشركون عنها بالحديبية، وأن لا يتخلف أحد ممن شهد الحديبية، فلم يتخلف منهم أحد إلا رجال استشهدوا منهم بخيبر ورجال ماتوا. وخرج مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قوم من المسلمين عمارا فكانوا في عمرة القضية ألفين، واستخلف على المدينة أبا رهم الغفاري وساق رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ستين بدنة وجعل على هديه ناجية بن جندب الأسلمي، وحمل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، السلاح البيض والدروع والرماح وقاد مائة فرس، فلما انتهى إلى ذي الحليفة قدم الخيل أمامه عليها محمد بن مسلمة، وقدم السلاح واستعمل عليه بشير ابن سعد، وأحرم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من باب المسجد ولبى والمسلمون معه يلبون، ومضى محمد بن مسلمة في الخيل إلى مر الظهران فوجد بها نفرا من قريش فسألوه فقال: هذا رسول اله، صلى الله عليه وسلم، يصبح هذا المنزل غدا إن شاء الله؛ فأتوا قريشا فأخبروهم ففزعوا ونزل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بمر الظهران وقدم السلاح إلى بطن يأجج حيث ينظر إلى أنصاب الحرم، وخلف عليه أوس بن خولي الأنصاري في مائة رجل، وخرجت قريش من مكة إلى رؤوس الجبال وخلوا مكة، فقدم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الهدي أمامه فحبس بذي طوى، وخرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على راحلته القصواء والمسلمون متوشحون السيوف محدقون برسول الله، صلى الله عليه وسلم، يلبون فدخل من الثنية التي تطلعه على الحجون وعبد الله بن رواحة آخذ بزمام راحلته، فلم يزل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يلبي حتى استلم الركن بمحجنه مضطجعا بثوبه، وطاف على راحلته والمسلمون يطوفون معه قد اضطجعوا بثيابهم، وعبد الله بن رواحة يقول:
خلوا بني الكفار عن سبيله ! ... خلوا فكل الخير مع رسوله !
نحن ضربناكم على تأويله ... كما ضربناكم على تنزيله،
ضربا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله !
يا رب إني مؤمن بقله !

(1/60)


فقال عمر: يا ابن رواحة إيها ! فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: يا عمر إني أسمع ! فأسكت عمر وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إيها يا ابن رواحة ! قال: قل لا إله إلا الله وحده نصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده؛ قال فقالها ابن رواحة فقالها الناس كما قال. ثم طاف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن الصفا والمروة على راحلته، فلما كان الطواف السابع عند فراغه وقد وقف الهدي عند المروة قال: هذا المنحر وكل فجاج مكة منحر؛ فنحر عند المروة وحلق هناك وكذلك فعل المسلمون فأمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ناسا منهم أن يذهبوا إلى أصحابهم ببطن يأجج فيقيموا على السلاح ويأتي الآخرون فيقضوا نسكهم ففعلوا، ثم دخل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الكعبة فلم يزل فيها إلى الظهر ثم أمر بلالا فأذن على ظهر الكعبة وأقام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بمكة ثلاثا وتزوج ميمونة بنت الحارث الهلالية، فلما كان عند ظهر من اليوم الرابع أتاه سهيل بن عمرو وحويطب ابن عبد العزى فقالا: قد انقضى أجلك فاخرج عنا ! وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لم ينزل بيتا بل ضربت له قبة من أدم بالأبطح، فكان هناك حتى خرج منها وأمر أبا رافع فنادى بالرحيل وقال: لا يمسين بها أحد من المسلمين، وأخرج عمارة بنت حمزة بن عبد المطلب من مكة وأم عمارة سلمى بنت عميس، وهي أم عبد الله بن شداد بن الهاد، فاختصم فيها علي وجعفر وزيد بن حارثة أيهم تكون عنده فقضى بها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لجعفر من أجل أن خالتها عنده أسماء بنت عميس، وركب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى نزل سرف وتتام الناس إليه. وأقام أبو رافع بمكة حتى أمسى فحمل إليه ميمونة بنت الحارث فبنى عليها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بسرف ثم أدلج فسار حتى قدم المدينة.
أخبرنا سليمان بن حرب، أخبرنا حماد بن زياد وأخبرنا يحيى بن عباد، أخبرنا حماد بن سلمة جميعا عن أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه قدموا مكة يعني في القضية، فقال المشركون من قريش: إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتكم حمى يثرب، قال: وقعدوا مما يلي الحجر فأمر النبي، صلى الله عليه وسلم، أصحابه أن يرملوا الأشواط الثلاثة ليرى المشركون قوتهم، وأن يمشوا ما بين الركنين.
قال ابن عباس: ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا إبقاء عليهم، فلما رملوا قالت قريش: ما وهنتم.
سرية ابن أبي العوجاء السلمي إلى بني سليم
ثم سرية ابن أبي العوجاء إلى بني سليم في ذي الحجة سنة سبع من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم. قالوا: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ابن أبي العوجاء السلمي في خمسين رجلا إلى بني سليم، فخرج إليهم وتقدمه عين لهم كان معه فحذرهم فجمعوا فأتاهم ابن أبي العوجاء، وهم معدون له، فدعاهم إلى الإسلام فقالوا: لا حاجة لنا إلى ما دعوتنا، فتراموا بالنبل ساعة وجعلت الأمداد تأتي حتى أحدقوا بهم من كل ناحية، فقاتل القوم قتالا شديدا حتى قتل عامتهم وأصيب ابن أبي العوجاء جريحا مع القتلى ثم تحامل حتى بلغ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقدموا المدينة في أول يوم من صفر سنة ثمان.
سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني الملوح بالكديد
ثم سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني الملوح بالكديد في صفر سنة ثمان من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم.

(1/61)


أخبرنا عبد الله بن عمرو أبو معمر، أخبرنا عبد الوارث بن سعيد، أخبرنا محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة عن مسلم بن عبد الله الجهني عن جندب بن مكيث الجهني قال: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، غالب بن عبد الله الليثي ثم أحد بني كلب بن عوف في سرية، فكتب فيهم وأمرهم أن يشنوا الغارة على بني الملوح بالكديد، وهم من بني ليث، قال: فخرجنا حتى إذا كنا بقديد لقينا الحارث بن البرصاء الليثي فأخذناه فقال: إنما جئت أريد الإسلام وإنما خرجت إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قلنا: إن تكن مسلما لم يضررك رباطنا يوما وليلة، وإن تكن على غير ذلك نستوثق منك. قال: فشددناه وثاقا وخلفنا عليه رويجلا منا أسود فقال: إن نازعك فاحتز رأسه ! فسرنا حتى أتينا الكديد عند غروب الشمس فكمنا في ناحية الوادي وبعثني أصحابي ربيئة لهم فخرجت حتى أتيت تلا مشرفا على الحاضر يطلعني عليهم حتى إذا أسندت عليهم فيه علوت على رأسه ثم اضطجعت عليه قال: فإني لأنظر إذ خرج رجل منهم من خباء له فقال لامرأته: إني أرى على هذا الجبل سوادا ما رأيته أول من يومي هذا فانظري إلى أوعيتك لا تكون الكلاب جرت منها شيئا. قال: فنظرت فقالت: والله ما أفقد من أوعيتي شيئا. قال: فناوليني قوسي ونبلي، فناولته قوسه وسهمين معها، فأرسل سهما فوالله ما أخطأ بين عيني، قال: فانتزعته وثبت مكاني ثم أرسل آخر فوضعه في منكبي فانتزعته فوضعته وثبت مكاني، فقال لامرأته: والله لو كانت ربيئة لقد تحركت بعد ! والله لقد خالطها سهماي لا أبا لك ! فإذا أصبحت فانظريهما لا تمضغهما الكلاب، قال: ثم دخل وراحت الماشية من إبلهم وأغنامهم، فلما احتلبوا وعطنوا واطمأنوا فناموا شننا عليهم الغارة واستقنا النعم. قال: فخرج صريخ القوم في قومهم فجاء ما لا قبل لنا به، فخرجنا بها نحدرها حتى مررنا بابن البرصاء فاحتملناه واحتملنا صاحبنا، فأدركنا القوم حتى نظروا إلينا ما بيننا وبينهم إلا الوادي ونحن موجهون في ناحية الوادي إذ جاء الله بالوادي من حيث شاء يملأ جنبتيه ماء، والله ما رأينا يومئذ سحابا ولا مطرا فجاء بما لا يستطيع أحد أن يجوزه فلقد رأيتهم وقوفا ينظرون إلينا وقد أسندناها في المسيل، هكذا قال، وأما في رواية محمد بن عمر قال: أسندناها في المشلل نحدرها وفتناهم فوتا لا يقدرون فيه على طلبنا، قال: فما أنسى قول راجز من المسلمين وهو يقول:
أبى أبو القاسم أن تعزبي ... في خضل نباته مغلولب
صفر أعاليه كلون المذهب
وزاد محمد بن عمر في روايته:
وذاك قول صادق لم يكذب
قال: فكانوا بضعة عشر رجلا، قال عبد الوارث: وحدثني هذا الحرف رجل عن محمد بن إسحاق أنه حدثه رجل من أسلم أنه كان شعارهم يومئذ: أمت أمت.
سرية غالب بن عبد الله الليثي أيضا إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد بفدك
ثم سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى مصاب بشير بن سعد بفدك في صفر سنة ثمان من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
أخبرنا محمد بن عمر، حدثني عبد الله بن الحارث بن الفضيل عن أبيه قال: هيأ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الزبير بن العوام وقال: سر حتى تنتهي إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد فإن أظفرك الله بهم فلا تبق فيهم. وهيأ مع مائتي رجل وعقد له لواء، فقدم غالب بن عبد الله الليثي من الكديد من سرية قد ظفره الله عليهم، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، للزبير: اجلس ! وبعث غالب بن عبد الله في مائتي رجل، وخرج أسامة بن زيد فيها حتى انتهى إلى مصاب أصحاب بشير وخرج معه علبة بن زيد فيها فأصابوا منهم نعما وقتلوا منهم قتلى.
أخبرنا محمد بن عمر، حدثني أفلح بن سعيد عن بشير بن محمد بن عبد الله بن زيد قال: خرج مع غالب في هذه السرية عقبة بن عمرو أبو مسعود وكعب بن عجرة وأسامة بن زيد الحارثي.

(1/62)


أخبرنا محمد بن عمر، حدثني شبل بن العلاء بن عبد الرحمن عن إبراهيم بن حويصة عن أبيه قال: بعثني رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في سرية مع غالب بن عبد الله إلى بني مرة فأغرنا عليهم مع الصبح وقد أوعز إلينا، أمرنا ألا نفترق وواخى بيننا فقال: لا تعصوني فإن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: من أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصاه فقد عصاني وإنكم متى ما تعصوني فإنكم تعصون نبيكم، قال: فآخى بيني وبين أبي سعيد الخدري، قال: فأصبنا القوم.
سرية شجاع بن وهب الأسدي إلى بني عامر بالسي
ثم سرية شجاع بن وهب الأسدي إلى بني عامر بالسي في شهر ربيع الأول سنة ثمان من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
أخبرنا محمد بن عمر الأسلمي، حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن عمر بن الحكم قال: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، شجاع بن وهب في أربعة وعشرين رجلا إلى جمع من هوازن بالسي ناحية ركبة من وراء المعدن، وهي من المدينة على خمس ليال، وأمره أن يغير عليهم، وكان يسير الليل ويكمن النهار حتى صبحهم وهم غارون، فأصابوا نعما كثيرا وشاء واستاقوا ذلك حتى قدموا المدينة واقتسموا الغنيمة، وكانت سهامهم خمسة عشر بعيرا وعدلوا البعير بعشر من الغنم، وغابت السرية خمس عشرة ليلة.
سرية كعب بن عمير الغفاري إلى ذات أطلاح
ثم سرية كعب بن عمير الغفاري إلى ذات أطلاح، وهي من وراء وادي القرى، في شهر ربيع الأول سنة ثمان من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
أخبرنا محمد بن عمر، حدثني محمد بن عبد الله عن الزهري قال: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كعب بن عمير الغفاري في خمس عشر رجلا حتى انتهوا إلى ذات أطلاح من أرض الشأم فوجدوا جمع من جمعهم كثير، فدعوهم إلى الإسلام فلم يستجيبوا لهم ورشقوهم بالنبل، فلما رأى ذلك أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قاتلوهم أشد القتال حتى قتلوا وأفلت منهم رجل جريح في القتلى، فلما برد عليه الليل تحامل حتى أتى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأخبره الخبر فشق ذلك عليه وهم بالبعث إليهم فبلغه أنهم قد ساروا إلى موضع آخر فتركهم.
سرية مؤتة
ثم سرية مؤتة، وهي بأدنى البلقاء، والبلقاء دون دمشق، في جمادى الأولى سنة ثمان من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
قالوا: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الحارث بن عمير الأزدي أحد بني لهب إلى ملك بصرى بكتاب، فلما نزل مؤتة عرض له شرحبيل ابن عمرو الغساني فقتله ولم يقتل لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، رسول غيره، فاشتد ذلك عليه وندب الناس فأسرعوا وعسكروا بالجرف، وهم ثلاثة آلاف، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أمير الناس زيد بن حارثة، فإن قتل فجعفر بن أبي طالب، فإن قتل فعبد الله بن رواحة، فإن قتل فليرتض المسلمون بينهم رجلا فيجعلوه عليهم. وعقد لهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لواء أبيض ودفعه غل زيد بن حارثة وأوصاهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن يأتوا مقتل الحارث بن عمير وأن يدعوا من هناك إلى الإسلام فإن أجابوا وإلا استعانوا عليهم بالله وقاتلوهم، وخرج مشيعا لهم حتى بلغ ثنية الوداع فوقف وودعهم. فلما ساروا من معسكرهم نادى المسلمون: دفع الله عنكم وردكم صالحين غانمين ! فقال ابن رواحة عند ذلك:
لكنني أسأل الرحمن مغفرة ... وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا

(1/63)


قال: فلما فصلوا من المدينة سمع العدو بمسيرهم فجمعوا لهم وقام فيهم شرحبيل بن عمرو فجمع أكثر من مائة ألف وقدم الطلائع أمامه، وقد نزل المسلمون معان من أرض الشأم وبلغ الناس أن هرقل قد نزل مآب من أرض البلقاء في مائة ألف من بهراء ووائل وبكر ولخم وجذام. فأقاموا ليلتين لينظروا في أمرهم وقالوا: نكتب إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فنخبره الخبر، فشجعهم عبد الله بن رواحة عن المضي، فمضوا إلى مؤتة ووافاهم المشركون فجاء منهم ما لا قبل لأحد به من العدد والسلاح والكراع والديباج والحرير والذهب، فالتقى المسلمون والمشركون فقاتل الأمراء يومئذ على أرجلهم فأخذ اللواء زيد بن حارثة فقاتل، وقاتل المسلمون معه على صفوفهم، حتى قتل طعنا بالرماح رحمه الله، ثم أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب فنزل عن فرس له شقراء فعرقبها فكانت أول فرس عرقبت في الإسلام وقاتل حتى قتل، رضي الله عنه، ضربه رجل من الروم فقطعه بنصفين، فوجد في أحد نصفيه بضعة وثلاثون جرحا ووجد فيما قيل من بدن جعفر اثنتان وسبعون ضربة بسيف وطعنة برمح، ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل رحمه الله، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد فأخذ اللواء وانكشف الناس فكانت الهزيمة، فتبعهم المشركون فقتل من قتل من المسلمين ورفعت الأرض لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى نظر إلى معترك القوم. فلما أخذ خالد بن الوليد اللواء قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: الآن حمي الوطيس ! فلما سمع أهل المدينة بجيش مؤتة قادمين تلقوهم بالجرف، فجعل الناس يحثون في وجوههم التراب ويقولون: يا فرار ! أفررتم في سبيل الله ؟ فيقول رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ليسوا بفرار ولكنهم كرار إن شاء الله! أخبرنا بكر بن عبد الرحمن قاضي الكوفة، أخبرنا عيسى بن المختار عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن سالم بن أبي الجعد عن أبي اليسر عن أبي عامر قال: بعثني رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى الشأم، فلما رجعت مررت على أصحابي وهم يقاتلون المشركين بمؤتة، قلت والله لا أبرح اليوم حتى أنظر إلى ما يصير إليه أمرهم، فأخذ اللواء جعفر بن أبي طالب ولبس السلاح، وقال غيره: أخذ زيد اللواء وكان رأس القوم ثم حمل جعفر حتى إذا هم أن يخالط العدو رجع فوحش بالسلاح ثم حمل على العدو وطاعن حتى قتل، ثم أخذ اللواء زيد بن حارثة وطاعن حتى قتل، ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة وطاعن حتى قتل، ثم انهزم المسلمون أسوأ هزيمة رأيتها قط حتى لم أر اثنين جميعا، ثم أخذ اللواء رجل من الأنصار ثم سعى به حتى إذا كان أمام الناس ركزه ثم قال: إلي أيها الناس ! فاجتمع إليه الناس حتى إذا كثروا مشى باللواء إلى خالد بن الوليد فقال له خالد: لا آخذه منك أنت أحق به؛ فقال الأنصاري: والله ما أخذته إلا لك ! فأخذ خالد اللواء ثم حمل على القوم فهزمهم الله أسوأ هزيمة رأيتها قط حتى وضع المسلمون أسيافهم حيث شاؤوا وقال: فأتيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأخبرته فشق ذلك عليه فصلى الظهر ثم دخل، وكان إذا صلى الظهر قام فركع ركعتين ثم أقبل بوجهه على القوم فشق ذلك على الناس، ثم صلى العصر ففعل مثل ذلك، ثم صلى المغرب ففعل مثل ذلك، ثم صلى العتمة ففعل مثل ذلك، حتى إذا كان صلاة الصبح دخل المسجد ثم تبسم، وكان تلك الساعة لا يقوم إليه إنسان من ناحية المسجد حتى يصلي الغداة، فقال له القوم حين تبسم: يا نبي الله بأنفسنا أنت ! ما يعلم إلا الله ما كان بنا من الوجد منذ رأينا منك الذي رأينا ! قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: كان الذي رأيتم مني أنه أحزنني قتل أصحابي حتى رأيتهم في الجنة إخوانا على سرر متقابلين ورأيت في بعضهم إعراضا كأنه كره السيف ورأيت جعفرا ملكا ذا جناحين مضرجا بالدماء مصبوغ القوادم.
سرية عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل
ثم سرية عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل وهي وراء وادي القرى وبينها وبين المدينة عشرة أيام، وكانت في جمادى الآخرة سنة ثمان من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم.

(1/64)


قالوا: بلغ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن جمعا من قضاعة قد تجمعوا يريدون أن يدنوا إلى أطراف رسول الله، صلى الله عليه وسلم. فدعا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عمرو بن العاص فعقد له لواء أبيض وجعل معه راية سوداء وبعثه في ثلاثمائة من سراة المهاجرين والأنصار ومعهم ثلاثون فرسا، وأمره أن يستعين بمن يمر به من بلي وعذارة وبلقين، فسار الليل وكمن النهار فلما قرب من القوم بلغه أن لهم جمعا كثيرا فبعث رافع بن مكيث الجهني إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يستمده فبعث إليه أبا عبيدة بن الجراح في مائتين وعقد له لواء وبعث معه سراة المهاجرين والأنصار، وفيهم أبو بكر وعمر، وأمره أن يحلق بعمرو وأن يكونا جميعا ولا يختلفا، فلحق بعمرو فأراد أبو عبيدة أن يؤم الناس فقال عمرو: إنما قدمت علي مددا وأنا الأمير، فأطاع له بذلك أبو عبيدة وكان عمرو يصلي بالناس وسار حتى وطىء بلاد بلي ودوخها حتى أتى إلى أقصى بلادهم وبلاد عذرة وبلقين، ولقي في آخر ذلك جمعا فحمل عليهم المسلمون فهربوا في البلاد وتفرقوا، ثم قفل وبعث عوف بن مالك الأشجعي بريدا إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأخبره بقفولهم وسلامتهم وما كان في غزاتهم.
سرية الخبط أميرها أبو عبيدة بن الجراح
ثم سرية الخبط أميرها أبو عبيدة بن الجراح وكانت في رجب سنة ثمان من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
قالوا: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أبا عبيدة بن الجراح في ثلاثمائة رجل من المهاجرين والأنصار، وفيهم عمر بن الخطاب، إلى حي من جهينة بالقبلية مما يلي ساحل البحر، وبينها وبين المدينة خمس ليال، فأصابهم في الطريق جوع شديد فأكلوا الخبط وابتاع قيس بن سعد جزرا ونحرها لهم، وألقى لهم البحر حوتا عظيما فأكلوا منه وانصرفوا ولم يلقوا كيدا.
سرية أبي قتادة بن ربعي الأنصاري إلى خضرة
ثم سرية أبي قتادة بن ربعي الأنصاري إلى خضرة، وهي أرض محارب بنجد، في شعبان سنة ثمان من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
قالوا: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أبا قتادة ومعه خمسة عشر رجلا إلى غطفان وأمره أن يشن عليهم الغارة، فسار الليل وكمن النهار فهجم على حاضر منهم عظيم فأحاط بهم فصرخ رجل منهم: يا خضرة ! وقاتل منهم رجال فقتلوا من أشرف لهم واستاقوا النعم، فكانت الإبل مائتي بعير والغنم ألفي شاة وسبوا سبيا كثيرا، وجمعوا الغنائم فأخرجوا الخمس فعزلوه وقسموا ما بقي على أهل السرية فأصاب كل رجل منهم اثنا عشر بعيرا فعدل البعير بعشر من الغنم، وصارت في سهم أبي قتادة جارية وضيئة فاستوهبها منه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فوهبها له، فوهبها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لمحمية ابن جزء، وغابوا في هذه السرية خمس عشرة ليلة.
سرية أبي قتادة بن ربعي الأنصاري إلى بطن إضم
ثم سرية أبي قتادة بن ربعي الأنصاري إلى بطن إضم في أول شهر رمضان سنة ثمان من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
قالوا: لما هم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بغزوة أهل مكة بعث أبا قتادة بن ربعي في ثمانية نفر سرية إلى بطن إضم، وهي فيما بين ذي خشب وذي المروة، وبينها وبين المدينة ثلاثة برد، ليظن ظان أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، توجه إلى تلك الناحية ولأن تذهب بذلك الأخبار، وكان في السرية محلم بن جثامة الليثي، فمر عامر بن الأضبط الأشجعي فسلم بتحية الإسلام فأمسك عنه القوم وحمل عليه محلم بن جثامة فقتله وسلبه بعيره ومتاعه ووطب لبن كان معه؛ فلما لحقوا بالنبي، صلى الله عليه وسلم، نزل فيهم القرآن: " يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحيوة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة " إلى آخر الآية فمضوا ولم يلحقوا جمعا فانصرفوا حتى انتهوا إلى ذي خشب فبلغهم أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قد توجه إلى مكة فأخذوا على بيبن حتى لقوا النبي، صلى الله عليه وسلم، بالسقيا
غزوة رسول الله عام الفتح
صلى الله عليه وسلم.

(1/65)


ثم غزوة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عام الفتح في شهر رمضان سنة ثمان من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم.

(1/66)


قالوا: لما دخل شعبان على رأس اثنين وعشرين شهرا من صلح الحديبية كلمت بنو نفاثة، وهم من بني بكر، أشراف قريش أن يعينوهم على خزاعة بالرجال والسلاح، فوعدوهم ووافوهم بالوتير متنكرين متنقبين، فيهم صفوان بن أمية وحويطب بن عبد العزى ومكرز بن حفص بن الأخيف، فبيتوا خزاعة ليلا وهم غارون آمنون فقتلوا منهم عشرين رجلا، ثم ندمت قريش على ما صنعت وعلموا أن هذا نقض للمدة والعهد الذي بينهم وبين رسول الله، صلى الله عليه وسلم. وخرج عمرو بن سالم الخزاعي في أربعين راكبا من خزاعة فقدموا على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يخبرونه بالذي أصابهم ويستنصرونه، فقام وهو يجر رداءه وهو يقول: لا نصرت إن لم أنصر بني كعب مما أنصر منه نفسي ! وقال: إن هذا السحاب ليستهل بنضر بني كعب. وقدم أبو سفيان بن حرب على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، المدينة يسأله أن يجدد العهد ويزيد في المدة، فأبى عليه فقام أبو سفيان فقال: إني قد أجرت بين الناس، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أنت تقول ذلك يا أبا سفيان ! ثم انصرف إلى مكة فتجهز رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأخفى أمره وأخذ بالأنقاب وقال: اللهم خذ على أبصارهم فلا يروني إلا بغتة ! فلما أجمع المسير كتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش يخبرهم بذلك فبعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، علي بن أبي طالب والمقداد بن عمرو فأخذا رسوله وكتابه فجاءا به إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وبعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى من حوله من العرب فجلهم أسلم وغفار ومزينة وجهينة وأشجع وسليم، فمنهم من وافاه بالمدينة ومنهم من لحقه بالطريق فكان المسلمون في غزوة الفتح عشرة آلاف. واستخلف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على المدينة عبد الله بن أم مكتوم وخرج يوم الأربعاء لعشر ليال خلون من شهر رمضان بعد العصر، فلما انتهى إلى الصلصل قدم أمامه الزبير بن العوام في مائتين من المسلمين ونادى منادي رسول الله، صلى الله عليه وسلم: من أحب أن يفطر فليفطر ومن أحب أن يصوم فليصوم ! ثم سار، فلما كان بقديد عقد الألوية والرايات ودفعها إلى القبائل، ثم نزل مر الظهران عشاء فأمر أصحابه فأوقدوا عشرة آلاف نار ولم يبلغ قريشا مسيره وهم مغتمون لما يخافون من غزوه إياهم. فبعثوا أبا سفيان ابن حرب يتحسب الأخبار وقالوا: إن لقيت محمدا فخذ لنا منه أمانا. فخرج أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء، فلما رأوا العسكر أفزعهم، وقد استعمل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، تلك الليلة على الحرس عمر بن الخطاب فسمع العباس بن عبد المطلب صوت أبي سفيان فقال: أبا حنظلة ؟ فقال: لبيك فما وراءك ؟ فقال: هذا رسول الله في عشرة آلاف، فأسلم ثكلتك أمك وعشيرتك ! فأجاره وخرج به وبصاحبيه حتى أدخلهم على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأسلموا وجعل لأبي سفيان أن من دخل داره فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن ! ثم دخل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مكة في كتبيته الخضراء وهو على ناقته القصواء بين أبي بكر وأسيد بن حضير وقد حبس أبو سفيان فرأى ما لا قبل له به فقال: يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما ! فقال العباس: ويحك ! إنه ليس بملك ولكنها نبوة ! قال: فنعم. وكانت راية رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يومئذ مع سعد بن عبادة فبلغه عنه في قريش كلام وتواعد لهم، فأخذها منه فدفعها إلى ابنه قيس بن سعد، وأمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سعد بن عبادة أن يدخل من كداء والزبير من كدى وخالد بن الوليد من الليط، ودخل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من أذاخر ونهى عن القتال وأمر بقتل سنة نفر وأربع نسوة: عكرمة بن أبي جهل وهبار بن الأسود وعبد الله بن سعد بن أبي مسرح ومقيس بن صبابة الليثي والحويرث بن نقيذ وعبد الله بن هلال بن خطل الأدرمي وهند بنت عتبة وسارة مولاة عمرو بن هاشم وفرتنا وقريبة، فقتل منهم ابن خطل والحويرث بن نقيذ ومقيس بن صبابة، وكل الجنود لم يلقوا جمعا غير خالد لقيه صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل في جمع من قريش بالخندمة، فمنعوه من الدخول وشهروا السلاح ورموا النبل فصاح خالد في أصحابه وقاتلهم فقتل أربعة وعشرين رجلا من قريش وأربعة نفر من هذيل وانهزموا أقبح الانهزام. فلما ظهر رسول الله، صلى الله عليه وسلم

(1/67)


على ثنية أذاخر رأى البارقة فقال: ألم أنه عن القتال ؟ فقيل: خالد قوتل فقاتل، فقال: قضاء الله خير. وقتل من المسلمين رجلان أخطآ الطريق أحدهما كرز بن جابر الفهري وخالد الأشقر الخزاعي، وضربت لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، قبة من أدم بالحجون فمضى الزبير بن العوام برايته حتى ركزها عندها، وجاء رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فدخلها فقيل له: ألا تنزل منزلك ؟ فقال: وهل ترك عقيل لنا منزلا ؟ ودخل النبي، صلى الله عليه وسلم، مكة عنوة فأسلم الناس طائعين وكارهين، وطاف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالبيت على راحلته وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما، فجعل كلما مر بصنم منها يشير إليه بقضيب في يده ويقول: جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا؛ فيقع الصنم لوجهه، وكان أعظمها هبل، وهو وجاه الكعبة، ثم جاء إلى المقام وهو لاصق بالكعبة فصلى خلفه ركعتين، ثم جلس ناحية من المسجد وأرسل بلالا إلى عثمان بن طلحة أن يأتي بمفتاح الكعبة فجاء به عثمان فقبضه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وفتح الباب ودخل الكعبة فصلى فيها ركعتين وخرج فأخذ بعضادتي الباب والمفتاح معه، وقد لبط بالناس حول الكعبة، فخطب الناس يومئذ ودعا عثمان بن طلحة فدفع إليه المفتاح وقال: خذوها يا بني أبي طلحة تالدة خالدة لا ينزعها منكم أحد إلا ظالم ! ودفع السقاية إلى العباس بن عبد المطلب وقال: أعطيتكم ما ترزأكم ولا ترزؤونها ! ثم بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، تميم بن أسد الخزاعي فجدد أنصاب الحرم. وحانت الظهر فأذن بلال فوق ظهر الكعبة وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لا تغزى قريش بعد هذا اليوم إلى يوم القيامة ! يعني على الكفر. ووقف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالحزورة وقال: إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلي، يعني مكة، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت. وبث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، السرايا إلى الأصنام التي حول الكعبة فكسرها، منها: العزى ومناة وسواع وبوانة وذو الكفين. فنادى مناديه بمكة: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدع في بيته صنما إلا كسره. ولما كان من الغد من يوم الفتح خطب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعد الظهر فقال: إن الله قد حرم مكة يوم خلق السموات والأرض فهي حرام إلى يوم القيامة ولم تحل لي إلا ساعة من نهر ثم رجعت كحرمتها بالأمس، فليبلغ شاهدكم غائبكم، ولا يحل لنا من غنائمها شيء. وفتحها يوم الجمعة لعشر بقين من شهر رمضان وأقام بها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خمس عشرة ليلة يصلي ركعتين، ثم خرج إلى حنين، واستعمل على مكة عتاب بن أسيد يصلي بهم ومعاذ بن جبل يعلمهم السنن والفقه.ى ثنية أذاخر رأى البارقة فقال: ألم أنه عن القتال ؟ فقيل: خالد قوتل فقاتل، فقال: قضاء الله خير. وقتل من المسلمين رجلان أخطآ الطريق أحدهما كرز بن جابر الفهري وخالد الأشقر الخزاعي، وضربت لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، قبة من أدم بالحجون فمضى الزبير بن العوام برايته حتى ركزها عندها، وجاء رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فدخلها فقيل له: ألا تنزل منزلك ؟ فقال: وهل ترك عقيل لنا منزلا ؟ ودخل النبي، صلى الله عليه وسلم، مكة عنوة فأسلم الناس طائعين وكارهين، وطاف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالبيت على راحلته وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما، فجعل كلما مر بصنم منها يشير إليه بقضيب في يده ويقول: جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا؛ فيقع الصنم لوجهه، وكان أعظمها هبل، وهو وجاه الكعبة، ثم جاء إلى المقام وهو لاصق بالكعبة فصلى خلفه ركعتين، ثم جلس ناحية من المسجد وأرسل بلالا إلى عثمان بن طلحة أن يأتي بمفتاح الكعبة فجاء به عثمان فقبضه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وفتح الباب ودخل الكعبة فصلى فيها ركعتين وخرج فأخذ بعضادتي الباب والمفتاح معه، وقد لبط بالناس حول الكعبة، فخطب الناس يومئذ ودعا عثمان بن طلحة فدفع إليه المفتاح وقال: خذوها يا بني أبي طلحة تالدة خالدة لا ينزعها منكم أحد إلا ظالم ! ودفع السقاية إلى العباس بن عبد المطلب وقال: أعطيتكم ما ترزأكم ولا ترزؤونها ! ثم بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، تميم بن أسد الخزاعي فجدد أنصاب الحرم. وحانت الظهر فأذن بلال فوق ظهر الكعبة وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لا تغزى قريش بعد هذا اليوم إلى يوم القيامة ! يعني على الكفر. ووقف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالحزورة وقال: إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلي، يعني مكة، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت. وبث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، السرايا إلى الأصنام التي حول الكعبة فكسرها، منها: العزى ومناة وسواع وبوانة وذو الكفين. فنادى مناديه بمكة: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدع في بيته صنما إلا كسره. ولما كان من الغد من يوم الفتح خطب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعد الظهر فقال: إن الله قد حرم مكة يوم خلق السموات والأرض فهي حرام إلى يوم القيامة ولم تحل لي إلا ساعة من نهر ثم رجعت كحرمتها بالأمس، فليبلغ شاهدكم غائبكم، ولا يحل لنا من غنائمها شيء. وفتحها يوم الجمعة لعشر بقين من شهر رمضان وأقام بها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خمس عشرة ليلة يصلي ركعتين، ثم خرج إلى حنين، واستعمل على مكة عتاب بن أسيد يصلي بهم ومعاذ بن جبل يعلمهم السنن والفقه.

(1/68)


وأخبرنا محمد بن عبي الطنافسي قال: أخبرنا محمد بن إسحاق عن محمد بن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال: خرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في عشر مضين من رمضان عام الفتح من المدينة فصام حتى إذا كان بالكديد أفطر فكانوا يرون أنه الآخر من أمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
أخبرنا يعقوب بن إبراهيم الزهري عن أبيه عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب أن عبيد الله بن عبد الله أخبره أن ابن عباس أخبره أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خرج عام الفتح في رمضان فصام حتى إذا كان بالكديد واجتمع الناس إليه أخذ قعبا فشرب منه ثم قال: أيها الناس من قبل الرخصة فإن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قد قبلها، ومن صام فإن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قد صام؛ فكانوا يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره ويرون المحكم الناسخ.
أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا ليث بن سعد، حدثني ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس أنه أخبره أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خرج عام الفتح في شهر رمضان فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر، وكان أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره.
أخبرنا الضحاك بن مخلد أبو عاصم النبيل عن سعيد بن عبد العزيز التنوخي، أخبرنا عطية بن قيس عن قزعة عن أبي سعيد الخدري قال: أذننا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لليلتين خلتا من شهر رمضان فخرجنا ونحن صوام حتى إذا بلغنا الكديد أمرنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالفطر فأصبحنا شرجين منا الصائم ومنا الفطر حتى إذا بلغنا مر الظهران أعلمنا أنا نلقى العدو وأمرنا بالفطر.
وأخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسي، أخبرنا شعبة وأخبرنا مسلم بن إبراهيم عن هشام الدستوائي قالا: أخبرنا قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: خرجنا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حين فتحنا مكة لثماني عشرة أو سبع عشرة من رمضان فصام بعضنا وأفطر بعضنا فلم يعب المفطر على الصائم ولا الصائم على المفطر.
أخبرنا هاشم بن القاسم، قال: أخبرنا شعبة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال: صام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم فتح مكة حتى أتى قديد فأتي بقدح من لبن فأفطر وأمر الناس أن يفطروا.
أخبرنا طلق بن غنام النخعي، أخبرنا عبد الرحمن بن جريس الجعفري، حدثني حماد عن إبراهيم أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، افتتح مكة في عشر من رمضان وهو صائم مسافر مجاهد.
أخبرنا يزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خرج عام الفتح إلى مكة بثمانية آلاف أو عشرة آلاف وخرج من أهل مكة بألفين إلى حنين.
أخبرنا عمر بن سعد أبو داود الحفري عن يعقوب القمي عن جعفر بن أبي المغيرة عن ابن أبزى قال: دخل النبي، صلى الله عليه وسلم، مكة في عشرة آلاف.
أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عن كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده أنه قال: غزونا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عام الفتح ونحن ألف ونيف، يعني قومه مزينة، ففتح الله له مكة وحنينا.
أخبرنا معن بن عيسى وشبابة بن سوار وموسى بن داود قالوا: أخبرنا مالك بن أنس عن ابن شهاب عن أنس بن مالك قال: دخل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر ثم نزعه؛ قال معن وموسى ابن داود في حديثهما: فجاء رجل فقال: يا رسول الله، ابن خطل متعلق بأستار الكعبة ! فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: اقتلوه ! قال معن في حديثه قال مالك: ولم يكن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يومئذ محرما.
أخبرنا إسماعيل بن أبان الوراق، أخبرنا أبو أويس، حدثني الزهري أن أنس بن مالك حدثه أنه رأى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عام الفتح وعلى رأسه المغفر فلما نزعه عن رأسه أتاه رجل فقال: يا رسول الله، هذا ابن خطل متعلق بأستار الكعبة ! فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: اقتلوه حيث وجدتموه ! أخبرنا الفضل بن دكين، أخبرنا سفيان، يعني الثوري، عن ابن جريج عن رجل عن طاووس قال: لم يدخل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مكة إلا محرما إلا يوم الفتح دخل بغير إحرام.

(1/69)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية