صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

قرئ على أبي عبد الله محمد بن عبد المؤمن بن أبي الفتح الصوري و أنا أسمع أخبركم أبو القاسم عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل بن الحرستاني قراءة عليه و أنتم تسمعون ؟ فأقر به [ قال أنبأنا أبو محمد عبد الكريم بن حمزة بن أبي الخضر السلمي سماعا عليه أنبأنا أبو محمد عبد العزيز بن أحمد الكتاني أنبأنا تمام بن محمد الرازي أنبأنا أحمد ابن سليمان حدثنا يزيد بن محمد حدثنا أبو الجماهر حدثنا سعيد بن بشير حدثنا قتادة عن الحسن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : كنت أول النبيين في الخلق و آخرهم في البعث ] [ أخبرنا محمد بن إسماعيل بن عبد الله بن الأنماطي بقراءة والدي عليه و أنا أسمع أنبأنا ابن الحرستاني سماعا و أبو الحسن المؤيد ابن محمد بن علي الطرسوسي إجازة قال : أنبأنا ابن الحرستاني أنبأنا الإمام أبو عبد الله محمد ابن الفضل بن أحمد الفزاري أنبأنا أبو حفص بن مسرور أنبأنا أبو عمرو بن نجيد حدثنا محمد بن أيوب الرازي أنبأنا محمد بن سنان العوقي حدثنا إبراهيم بن طمهان عن بديل عن عبد الله بن شقيق عن ميسرة الفجر قال : قلت يا رسول الله متى كنت نبيا قال : كنت نبيا و آدم بين الروح و الجسد ]

(1/163)


أخبرنا أبو حفص عمر بن عبد المنعم بن القواس بقراءتي عليه بعربيل بغوطة دمشق قلت له أخبركم القاضي الإمام أبو القاسم عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل الأنصاري قراءة عليه بحضوركم في الرابعة ؟ فأقر به قال : أخبرنا جمال الإسلام أبو الحسن السلمي أخبرنا أبو نصر الحسين بن محمد بن طلاب أخبرنا أبو الحسين بن جميع حدثنا خالد ابن محمد بدمياط حدثنا محمد بن علي الصائغ حدثنا محمد بن بشير التنيسي حدثنا الأوزاعي حدثني ربيعة بن أبي عبد الرحمن حدثني أنس بن مالك : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم بعث على رأس الأربعين و قبض على رأس الستين و ما في رأسه و لحيته عشرون شعرة بيضاء

(1/164)


[ أخبرنا أبو محمد عبد العزيز بن عبد المنعم الحراني بقراءة والدي عليه أخبركم أبو علي ضياء بن أبي القاسم بن الخريف ؟ أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي بن محمد الأنصاري أخبرنا أبو الحسن علي بن عيسى الباقلاني أخبرنا أحمد بن جعفر حدثنا الحسن بن الطيب البلخي حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا بكر بن مضر عن ابن الهادي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه و سلم عام تبوك قام من الليل يصلي فاجتمع رحال من أصحابه يحرسونه حتى إذا صلى و انصرف إليهم قال لهم : لقد أعطيت الليلة خمسا ما أعطيهن أحد قبلي : أما أولاهن فأرسلت إلى الناس كلهم عامة و كان من قبلي إنما يرسل إلى قومه و نصرت بالرعب على العدو و لو كان بيني و بينه مسيرة شهر لملئ مني رعبا و أحلت لي الغنائم كلها و كان من قبلي يعظمونها و كانوا يحرمونها و جعلت لي الأرض مسجدا و طهورا أينما أدركتني الصلاة تمسحت و صليت و كان من قبلي يعظمون ذلك إنما كانوا يصلون في كنسائهم و بيعهم و الخامسة : قيل لي أن سل فإن كل نبي قد سأل فأخرت مسألتي إلى يوم القيامة فهي لكم و لمن أشهد أن لا إله إلا الله ]
قرئ على عبد الرحيم بن يوسف الموصلي و أنا أسمع [ أخبركم ابن طبرزذ أخبرنا ابن الحصين أخبرنا ابن غيلان عن أبي بكر الشافعي حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن مسلم حدثنا سليمان بن حرب حدثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن أبي موسى قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : من سمع بي من يهودي أو نصراني ثم لم يسلم دخل النار ]
قال ابن إسحاق فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه و سلم أربعين سنة بعثه الله رحمة للعالمين و كافة للناس و كان الله قد أخذ له الميثاق على كل نبي بعثه قبله بالإيمان به و التصديق له و النصر على من خالفه و أخذ عليهم أن يؤدوا ذلك إلى كل من آمن بهم و صدقهم فأدوا من ذلك ما كان عليهم من الحق فيه يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه و سلم : { و إذا أخذ الله ميثاق النبين لما آتيتكم من كتاب و حكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به و لتنصرنه قال أأقررتم و أخذتم على ذلكم إصري } أي : ثقل ما حملتكم من عهدي { قالوا أقررنا قال فاشهدوا و أنا معكم من الشاهدين } [ آل عمران : 81 ] فأخذ الله الميثاق عليهم جميعا بالتصديق له و النصر و أدوا ذلك إلى من آمن بهم و صدقهم من أهل هذين الكتابين
و عن عائشة رضي الله عنها : أن أول ما ابتدئ به رسول الله صلى الله عليه و سلم من النبوة حين أراد الله به كرامته و رحمة العباد به الرؤيا الصادقة لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح و حبب الله إليه الخلوة فلم يكن شيء أحب إليه من أن يخلو وحده و روينا عن أبي بشر الدولابي : حدثني محمد بن حميد أبو قرة حدثنا سعيد بن عيسى بن تليد حدثني المفضل بن فضالة عن أبي الطاهر عبد الملك بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم عن عمه عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنه كان من بدء أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه رأى في المنام رؤيا فشق ذلك عليه فذكر ذلك لصاحبته خديجة بنت خويلد فقالت له : أبشر فإن الله لا يصنع بك إلا خيرا فذكر لها أنه رأى أن بطنه أخرج فطهر و غسل ثم أعيد كما كان قالت : هذا خير فابشر ثم استعلن به جبريل فأجلسه على ما شاء الله أن يجلسه عليه و بشره برسالة ربه حتى اطمأن ثم قال : { اقرأ } قال : [ كيف أقرأ ] قال : { اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ و ربك الأكرم } [ العلق : 1 ـ 3 ] فقبل رسول الله صلى الله عليه و سلم رسالة ربه و اتبع الذي جاء به جبريل من عند الله و انصرف إلى أهله فلما دخل على خديجة قال : [ أرأيتك الذي كنت أحدثك و رأيته في المنام فإنه جبريل استعلن ] فأخبرها بالذي جاءه من الله عز و جل و سمع فقالت : ابشر فو الله لا يفعل الله بك إلا خيرا فأقبل الذي أتاك الله و ابشر فإنك رسول الله حقا
و روينا من طريق الدولابي عن محمد بن عايذ حدثنا محمد بن شعيب عن عثمان ابن عطاء الخراساني عن أبيه عطاء بن أبي مسلم عن عكرمة عن ابن عباس قال : بعث الله عز و جل محمدا على رأس خمسن سنين من بنيان الكعبة و كان أول شيء أراه إياه من النبوة رؤيا في النوم فذكر نحو ما تقدم و في آخره : فلما قضي إليه الذي أمره به انصرف رسول الله صلى الله عليه و سلم منقلبا إلى أهله لا يأتي على حجر و لا شجر إلا سلم عليه : سلام عليك يا رسول الله فرجع إلى بيته و هو موقن قد فاز فوزا عظيما ـ الحديث
و روينا من طريق مسلم [ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا يحيى بن أبي بكير عن إبراهيم بن طمهان قال : حدثني سماك بن حرب عن جابر بن سمرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن ]
و في رواية يونس [ عن ابن إسحاق بسنده إلى أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لخديجة : إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء و قد خشيت و الله أن يكون لهذا أمر قالت : معاذ الله ما كان الله ليفعل ذلك بك فو الله إنك لتؤدي الأمانة و تصل الرحم و تصدق الحديث فلما دخل أبو بكر و ليس رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم ذكر خديحة له فقالت : يا عتيق اذهب مع محمد بن ورقة فلما دخل رسول الله صلى الله عليه و سلم أخذ أبو بكر بيده و قال : انطلق بنا إلى ورقة فقال : و من أخبرك ؟ قال : خديجة فانطلقا إليه فقصا عليه فقال : إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي يا محمد يا محمد فانطلق هاربا في الأرض فقال له : لا تفعل إذا أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقول لك ثم ائتني فأخبرني فلما خلا ناداه يا محمد يا محمد قل : { بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين } حتى بلغ { و لا الضالين } قل : لا إله إلا الله فأتى ورقة فذكر له ذلك فقال له ورقة : ابشر فأنا أشهد أنك الذي بشر به ابن مريم و أنك على مثل ناموس موسى و أنك نبي مرسل و أنك ستؤمر بالجهاد بعد يومك هذا و لئن أدركني ذلك لأجاهدن معك فلما توفي ورقة قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : لقد رأيت القس في الجنة و عليه ثياب الحرير لأنه آمن بي و صدقني ] ـ يعني ورقة ـ
و روينا عن أبي بكر الشافعي [ حدثنا محمد بن يونس بن موسى حدثنا عثمان بن عمر ابن فارس أخبرنا علي بن المبارك الهنائي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة قال : سألت جابر بن عبد الله فقال : لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : جاورت بحراء فلما قضيت جواري هبطت فنوديت فنظرت عن يميني فلم أر شيئا فنظرت عن يساري فلم أر شيئا فنظرت من خلفي فلم أر شيئا فرفعت رأسي فرأيت شيئا بين السماء و الأرض فأتيت خديجة فقلت دثروني و صبوا علي ماء باردا فدثروني و صبوا علي ماء باردا فنزلت هذه الآية : { يا أيها المدثر قم فأنذر و ربك فكبر } ] [ المدثر 1 ـ 3 ] رواه مسلم عن ابن مثنى عن عثمان بن عمر بن فارس
و روينا من حديث الزهري قال [ أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه و سلم أخبرته : أنها قالت : كان أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه و سلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء يتحنث فيه ـ و هو التعبد ـ الليالي أولات العدد قبل أن يرجع إلى أهله و يتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزوده لمثلها حتى فجأه الحق و هو في غار حراء فجاءه الملك فيه فقال : { إقرأ } قال : ما أنا بقارئ قال : فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال : { إقرأ } فقلت : ما أنا بقارئ قال : فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال : { إقرأ } فقلت : ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال : { إقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ و ربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم } [ العلق : 1 ـ 5 ] فرجع بها رسول الله صلى الله عليه و سلم ترجف بوادره حتى دخل على خديجة فقال : زملوني زملوني فزملوه حتى ذهب عنه الروع ثم قال لخديجة : أي خديجة ما لي ؟ و أخبرها الخبر قال : لقد خشيت على نفسي قالت له خديجة : كلا أبشر فو الله لا يخذيك الله أبدا ! إنك لتصل الرحم و تصدق الحديث و تحمل الكل و تكسب المعدوم و تقري الضيف و تعين على نوائب الحق فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى و هو ابن عم خديجة أخي أبيها و كان امرأ تنصر في الجاهلية و كان يكتب الكتاب العربي و يكتب من الإنجيل بالعربية ما شاء الله أن يكتب و كان شيخا كبيرا قد عمي فقالت له خديجة : أي عم اسمع من ابن أخيك فقال ورقة بن نوفل : يا ابن أخي : ماذا ترى ؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه و سلم خبر ما رأى فقال له ورقة : هذا الناموس الذي أنزل على موسى يا ليتني فيه جذعا يا ليتني أكون حيا حين يخرجك قومك قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : أمخرجي هم ؟ قال ورقة : نعم لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي و إن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا ] رويناه من حديث مسلم عن أبي الطاهر عن ابن وهب بن يونس عنه و هذا لفظه و رويناه من طريق البخاري و غيره و لفظهم متقارب
و رويناه من طريق الدولابي حدثنا يونس بن عبد الأعلى حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني يونس بن يزيد عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها فذكر نحو ما تقدم و في آخره : [ ثم لم ينشب ورقة أن توفي و فتر الوحي فترة حتى حزن رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما بلغنا حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال فكلما أوفى بذروة كي يلقي نفسه منها تبدى له جبريل عليه السلام فقال : يا محمد إنك رسول الله حقا فيسكن لذلك جأشه و تقر نفسه فيرجع فإذا طال عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك فإذا أوفى ذروة تبدى له جبريل فقال مثل ذلك ]
و عن عبيد بن عمير : [ كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يجاور في حراء من كل سنة شهرا و كان ذلك مما تتحنث به قريش في الجاهلية ـ و التحنث التبرر ـ فكان يجاور ذلك الشهر من كل سنة يطعم من جاءه من المساكين فإذا قضى جواره من شهره ذلك كان أول ما يبدأ به إذا انصرف قبل أن يدخل بيته : الكعبة فيطوف بها سبعا أو ما شاء الله ثم يرجع إلى بيته حتى إذا كان الشهر الذي أراد الله به فيه ما أراد من كرامته و ذلك الشهر رمضان خرج رسول الله إلى حراء كما كان يخرج لجواره و معه أهله حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته و رحم العباد بها جاءه جبريل بأمر الله تعالى قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : فجاءني و أنا نائم بنمط من ديباح فيه كتاب فقال : { اقرأ } قلت : ما أقرأ فغتني به حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني فقال : { اقرأ } فقلت : ما اقرأ فغتني به حتى ظنت أنه الموت ثم أرسلني فقال : { اقرأ } قلت : ماذا أقرأ ؟ ما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود لي بمثل ما صنع قال : { اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ و ربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم } [ العلق : 1 ـ 5 ]
فقرأتها ثم انتهى فانصرف عني و هببت من نومي فكأنما كتب في قلبي كتابا فخرجت حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتا من السماء يقول : يا محمد ! أنت رسول الله و أنا جبريل فرفعت رأسي إلى السماء أنظر فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول : يا محمد أنت رسول الله و أنا جبريل فوقفت أنظر إليه فما تقدم و ما أتأخر و جعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك فما زلت واقفا ما أتقدم أمامي و ما أرجع ورائي حتى بعثت خديجة في طلبي فبلغوا مكة و رجعوا إليها و أنا واقف في مكاني ذلك ثم انصرف عني و انصرفت راجعا إلى أهلي حتى أتيت خديجة فجلست إلى فخذها مضيفا إليها فقالت : يا أبا القاسم أين كنت ؟ فو الله لقد بعثت رسلي في طلبك فبلغوا مكة و رجعوا إلي ثم حدثتها بالذي رأيت فقالت : ابشر يا ابن عمي و اثبت فو الذي نفسي بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة ثم قامت فجمعت عليها ثيابها ثم انطلقت إلى ورقة ابن نوفل و هو ابن عمها و كان قد تنصر و قرأ الكتب و سمع من أهل التوراة و الإنجيل فأخبرته بما أخبرها به رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه رأى و سمع فقال ورقة : قدوس قدوس و الذي نفسي بيده لئن كنت صدقتني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى و إنه لنبي هذه الأمة فقولي له فليثبت فرجعت خديجة إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فأخبرته بقول ورقة
فلما قضى رسول الله صلى الله عليه و سلم جواره و انصرف صنع كما كان يصنع بدأ بالكعبة فطاف بها فلقيه ورقة بن نوفل و هو يطوف بالكعبة فقال : له يا ابن أخي ! أخبرني بما رأيت و سمعت فأخبره رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال له ورقة : و الذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة و لقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى و لتكذبه و لتؤذينه و لتقاتلنه لئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصرا يعلمه ثم أدنى رأسه منه فقبل يأفوخه ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى منزله ]
و روينا عن أبي بشر حدثنا عبد الله بن عبد الرحيم حدثنا عبد الملك بن هشام عن زياد قال : قال محمد بن إسحاق : حدثني إسماعيل بن أبي حكيم مولى آل الزبير أنه حدث عن خديجة أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه و سلم : أي ابن عم ! أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك ؟ قال : نعم قالت : فإذا جاءك فأخبرني به فجاءه جبريل عليه السلام فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم يا خديجة : هذا جبريل قد جاءني قالت : قم يا ابن عم فاجلس على فخذي اليسرى قال : فقام رسول الله صلى الله عليه و سلم فجلس عليها قالت : هل تراه ؟ قال : نعم قالت : فتحول فاقعد على فخذي اليمنى قال فتحول رسول الله صلى الله عليه و سلم فقعد على فخذها اليمنى فقالت : هل تراه ؟ قال : نعم قالت فتحولت فاجلس في حجري فتحول فجلس في حجرها ثم قالت : هل تراه ؟ قال : نعم قال : فتحسرت فألقت خمارها و رسول الله صلى الله عليه و سلم جالس في حجرها ثم قالت : هل تراه ؟ قال : لا قالت : يا ابن عم ! اثبت و ابشر فو الله إنه لملك ما هذا بشيطان
و في رواية يونس و روى عطاء بن السائب و أبو بشر و أبو إسحاق كلهم عن سعيد ابن جبير دخل حديث بعضهم في بعض عن ابن عباس قال : كان لكل قبيل من الجن مقعد من السماء يستمعون فيه فلما رموا بالشهب و حيل بينهم و بين خبر السماء قالوا : ما هذا إلا لشيء حدث في الأرض و شكوا ذلك إلى إبليس لعنه الله فقال : ما هذا إلا لأمر حدث فائتوني من تربة كل أرض فانطلقوا يضربون مشارق الأرض و مغاربها يبتغون علم ذلك فأتوه من تربة كل أرض فكان يشمها و يرمي بها حتى أتاه الذين توجهوا إلى تهامة بتربة من تربة مكة فشمها و قال : من ها هنا يحدث الحدث فنظروا فإذا النبي صلى الله عليه و سلم قد بعث ثم انطلقوا فوجدوا رسول الله صلى الله عليه و سلم و طائفة معه من أصحابه بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ و هو يصلي بهم صلاة الفجر فلما سمعوا القرآن استمعوا له فقالوا : هذا و الله الذي حال بيننا و بين خبر السماء فولوا إلى قومهم منذرين فقالوا : { إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد } [ الجن : 1 ـ 2 ] و ذكر تمام الخبر
و قال شعبة عن مغيرة عن إبراهيم النخعي : نزلت عليه { يا أيها المدثر } و هو في قطيفة
و قال شيبان عن الأعمش عن إبراهيم : أول سورة أنزلت عليه { اقرأ باسم ربك الذي خلق } و هو قول عائشة و عبيد بن عمير و محمد بن عباد بن جعفر و الحسن البصري و عكرمة و مجاهد و الزهري
و روينا عن أبي علي بن الصواف [ حدثنا جعفر حدثنا محمد بن خالد بن عبد الرحمن حدثنا إبراهيم بن عثمان ـ و هو أبو شيبة ـ عن الحكم بن عتبة عن مقسم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : كان من الأنبياء من يسمع الصوت فيكون بذلك نبيا و إن جبريل يأتيني فيكلمني كما يأتي أحدكم صاحبه فيكلمه ]
أخبرنا عبد الله بن أحمد بن فارس التميمي و غيره سماعا و قراءة قالوا : [ أخبرنا أبو اليمن الكندي قراءة عليه و نحن نسمع أخبرنا أبو القاسم الحريري أخبرنا أبو طالب العشاري أخبرنا أبو الحسين الواعظ حدثنا أبو الحسن علي بن محمد بن أحمد المصري حدثنا بكر ابن سهيل حدثنا شعيب بن يحيى حدثنا الليث بن سعد قال : حدثني سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : ما من الأنبياء من نبي إلا و قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر و إنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله عز و جل إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة ]
و كان نزول جبريل له عليه السلام فيما ذكر يوم الاثنين لسبع في رمضان و قيل : لسبع عشرة مضت منه رواه البراء بن عاذب و غيره و عن أبي هريرة أنه كان في السابع و العشرين من رجب و قال أبو عمر : يوم الاثنين لثمان من ربيع الأول سنة إحدى و أربعين من عام الفيل و قد قيل غير ذلك

(1/165)


حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم بعث على رأس أربعين
المتفق عليه بين أهل النقل مما فيه : إقامته عليه السلام بالمدينة عشرا و أما إقامته بمكة فمختلف في مقدارها و سيأتي ذلك في آخر الكتاب عند ذكر وفاته عليه الصلاة و السلام
و أما سنه عليه الصلاة و السلام حين نبئ فالمروي عن ابن العباس و جبير بن مطعم و قباث بن أشيم و عطاء و سعيد بن المسيب كالمروي عن أنس و هو الصحيح عند أهل السير و غيرهم قال أبو القاسم السهيلي : و قد روي أنه نبئ لأربعين و شهرين
و في حديث عمرو بن شعيب : فاجتمع رجال من أصحابه يحرسونه حتى إذا صلى
و المراد ـ و الله أعلم ـ ينتظرون فراغه من الصلاة و أما حرس رسول الله صلى الله عليه و سلم من المشركين فقد كان انقطع منذ نزلت { و الله يعصمك من الناس } [ المائدة : 67 ] و ذلك قبل تبوك و الله أعلم
و حديث جابر بن سمرة : [ إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي ]
هذا هو المعروف بغير زيادة و قد روي أن ذلك الحجر هو الحجر الأسود و يحتمل أن يكون هذا التسليم حقيقة و أن يكون الله أنطقه بذلك كما خلق الحنين في الجذع و يحتمل أن يكون مضافا إلى ملائكة يسكنون هناك من باب { و اسأل القرية } [ يوسف : 82 ] فيكون من مجاز الحذف و هو علم ظاهر من أعلام النبوة على كلا التقديرين
و في حديث عبيد بن عمير في خبر نزول جبريل عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ فجاءني و أنا نائم ] فهذه حالة و حديث عائشة و غيرها أنه كان في اليقظة فهذه حالة ثانية و لا تعارض لجواز الجمع بينهما بوقوعهما معا و يكون الإتيان في النوم توطئة للإتيان في اليقظة و قد قالت عائشة رضي الله تعالى عنها : أول ما بدئ به عليه الصلاة و السلام من الوحي الرؤيا الصادقة و عن الشعبي أن رسول الله صلى الله عليه و سلم وكل به إسرافيل فكان يتراءى له ثلاث سنين و يأتيه بالكلمة من الوحي ثم وكل به جبريل فجاءه بالقرآن و الوحي فهذه حالة ثالثة لمجيء الوحي و رابعة : و هي أن ينفث في روعه الكلام نفثا كما قال عليه الصلاة و السلام : [ إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل أجلها و رزقها فاتقوا الله و اجملوا في الطلب ] و خامسة : و هي أن يأتيه الوحي في مثل صلصلة الجرس و هو أشده عليه و قيل : إن ذلك ليستجمع قلبه عند تلك الصلصلة فيكون أوعى لما يسمع و سادسة : و هي أن يكلمه الله من وراء حجاب إما في اليقظة كما في ليلة الإسراء و إما في النوم كما في حديث معاذ [ أتاني ربي في أحسن صورة فقال : فيم يختصم الملأ الأعلى ] و كان الملك يأتيه عليه الصلاة و السلام تارة في صورته له ستمائة جناح كما روي و تارة في صورة دحية الكلبي فهذه حالات متعددة ذكر معناها السهيلي
و قوله [ فغطني ] و يروى فسأبني و يروى سأتني و يروى فدعتني و كلها واحد و هو الخنق و الغم
و الناموس : صاحب سير الملك و قال بعضهم : الناموس : صاحب سر الخير و الجاسوس : صاحب سر الشر
و مؤزرا : من الأزر و هو القوة و العون
و اليافوخ : مهموز و لا يقال في رأس الطفل يأفوخ حتى يشتد و إنما يقال له الغاذية
و فتر الوحي : لم يذكر لها ابن إسحاق مدة معينة قال أبو القاسم السهيلي و قد جاء في بعض الأحاديث المسندة أنها كانت سنتين و نصف سنة و الله أعلم

(1/174)


قال ابن إسحاق : حدثني بعض أهل العلم أن الصلاة حين افترضت على رسول الله صلى الله عليه و سلم أتاه جبريل و هو بأعلى مكة فهمز له بعقبه في ناحية الوادي فانفجرت منه عين فتوضأ جبريل و رسول الله صلى الله عليه و سلم ينظر ليريه كيف الطهور للصلاة ثم توضأ رسول الله صلى الله عليه و سلم كما رأى جبريل يتوضأ ثم قام به جبريل فصلى به و صلى رسول الله صلى الله عليه و سلم بصلاته ثم انصرف جبريل فجاء رسول الله صلى الله عليه و سلم خديجة فتوضأ لها ليريها كيف الطهور للصلاة كما أراه جبريل فتوضأت كما توضأ لها رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم صلى بها رسول الله صلى الله عليه و سلم كما صلى به جبريل فصلت بصلاته كذا ذكره ابن إسحاق مقطوعا و قد وصله الحارث بن أبي أسامة : حدثنا الحسن بن موسى عن ابن لهيعة عن عقيل بن خالد عن الزهري عن عروة عن أسامة زيد قال : حدثني أبي زيد بن حارثة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم في أول ما أوحي إليه أتاه جبريل عليه السلام فعلمه الوضوء فلما فرغ من الوضوء أخذ غرفة من ماء فنضح بها فرجه قاله السهيلي
و قد رويناه من طريق ابن ماجه عن إبراهيم بن محمد الفرياي عن حسان بن عبد الله عن ابن لهيعة عن عقيل عن الزهري بسنده بمعناه
و قد روي نحوه عن البراء بن عازب و ابن عباس رضي الله عنهم و في حديث ابن عباس و كان ذلك أول من الفريضة
و عن مقاتل بن سليمان : فرض الله في أول الإسلام الصلاة ركعتين بالغداة و ركعتين بالعشي ثم فرض الخمس ليلة المعراج
و أما إمامة جبريل بالنبي صلى الله عليه و سلم عند البيت ليريه أوقات الصلوات الخمس فليس هذا موضع الحديث و إن كان ابن إسحاق وضعه هنا من طريق ابن عباس لاتفاق أصحاب الحديث الصحيح على أن هذه الواقعة كانت صبيحة الإسراء و هو بعد هذا بأعوام كما سيأتي مبينا عند ذكر أحاديث المعراج و الإسراء إن شاء الله تعالى

(1/177)


و أول الناس إيمانا خديجة بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب فيما أتت به الآثار و ذكره أهل السير و الأخبار منهم ابن شهاب و قتادة و غيرهما
و روينا عن الدولابي حدثنا أبو أسامة الحلبي حدثنا حجاج بن أبي منيع حدثنا جدي عن الزهري قال : كانت خديجة أول من آمن برسول الله صلى الله عليه و سلم
و روينا عن الدولابي أيضا حدثنا أحمد بن المقدام أبو الأشعث حدثنا زهير ابن العلاء حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال : كانت خديجة أول من آمن بالنبي صلى الله عليه و سلم من النساء و الرجال وهو قول موسى بن عقبة و ابن إسحاق و الواقدي و الأموي و غيرهم
قال ابن إسحاق : كانت خديجة أول من آمنت بالله و رسوله و صدقت ما جاء من عند الله عز و جل و وازرته على أمره فخفف الله بذلك عن رسوله فكان لا يسمع شيئا يكرهه من رد عليه و تكذيب له فيحزنه ذلك إلا فرج الله عنه بها إذا رجع إليها تثبته و تخفف عليه و تصدقه و تهون عليه أمر الناس حتى ماتت رحمها الله تعالى
[ أخبرنا عبد الرحيم بن يوسف المزي بقراءة والدي عليه قال أنبأنا أبو حفص بن طبرزد أنبأنا محمد بن عبد الباقي أنبأنا الحسن بن علي الجوهري أنبأنا ابن الشخير أنبأنا إسحاق ـ يعني ابن موسى الرملي ـ حدثنا سهل بن بحر حدثنا عبيد يعني ابن يعيش ـ حدثنا أبو بكر بن عياش عن الشيباني عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال : بشر رسول الله صلى الله عليه و سلم خديجة ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه و لا نصب ]
[ أخبرنا أحمد بن عبد الرحمن الحارثي و يحيى بن أحمد الجزامي في آخرين قالوا : أخبرنا أبو عبد الله بن أبي المعالي أخبرنا أبو محمد السعدي أخبرنا علي بن الحسين المصري أخبرنا أبو العباس أحمد بن الحسين بن جعفر العطار قراءة عليه و أنا أسمع حدثنا أبو محمد الحسن بن رشيق العسكري حدثنا أبو عبد الله محمد بن رزيق بن جامع المديني سنة سبع و تسعين و مائتين حدثنا أبو الحسين سفيان بن بشر الأسدي الكوفي حدثنا علي بن هاشم بن البريد عن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده أبي رافع قال : صلى النبي صلى الله عليه و سلم أول يوم الاثنين و صلت خديجة رضي الله عنها آخر يوم الاثنين و صلى علي يوم الثلاثاء من الغد ] الحديث
ثم علي بن أبي طالب رضي الله عنه و اسم أبي طالب عبد المناف بن عبد المطلب ابن هاشم بن عبد المناف بن قصي بن كلاب و كان علي أصغر من جعفر بعشر سنين و جعفر أصغر من عقيل بعشر سنين و عقيل أصغر من طالب بعشر سنين
قال أبو عمر : و قد روي عن سليمان و أبي ذر و المقدام و خباب و جابر و أبي سعيد الخدري و زيد بن أرقم : أن علي بن أبي طالب أول من أسلم و كذلك قال ابن إسحاق و هو قول ابن شهاب إلا أنه قال : من الرجال بعد خديجة وهو قول الجميع في خديجة و أسلم أخواه جعفر و عقيل بعد ذلك و كان يومئذ ابن ثمان سنين و قيل : عشرة و قيل اثنتي عشرة و قيل خمس عشرة
قال ابن إسحاق : و كان مما أنعم الله عليه أنه كان في حجر رسول الله صلى الله عليه و سلم قبل الإسلام و ذلك أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة و كان أبو طالب ذ اعيال كثيرة فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم للعباس عمه و كان من أيسر بني هاشم يا عباس ! إن أخاك أبا طالب كثر من العيال و قد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة فانطلق بنا إليه فلنخفف من عياله آخذ من بنيه رجلا و تأخذ أنت رجلا فنكفهما عنه قال العباس : نعم فانطلقنا حتى أتيا أبا طالب فقالا : إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه فقال لهما أبو طالب : إذا تركتما لي عقيلا فاصنعا ما شئتما و يقال : عقيلا و طالبا فأخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم عليا فضمه إليه و أخذ العباس جعفرا فضمه إليه فلم يزل علي مع رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى بعثه الله نبيا فاتبعه علي و آمن به و صدقه و لم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم و استغنى عنه
و روينا من طريق أبي بكر الشافعي بالإسناد المتقدم حدثنا محمد بن بشر بن مطر حدثنا محمد بن حميد حدثنا سلمة بن الفضل حدثني محمد بن إسحاق عن يحيى ابن أبي الأشعث عن إسماعيل بن إياس بن عفيف الكندي ـ و كان عفيف أخا الأشعث ابن قيس لأمه و كان ابن عمه ـ عن أبيه ـ عن جده عفيف الكندي قال : كان العباس بن عبد المطلب لي صديقا و كان يختلف إلى اليمن يشتري العطر و يبيعه أيام الموسم فبينما أنا عند العباس بمنى فأتاه رجل مجتمع فتوضأ فأسبغ الوضوء ثم قام يصلي فخرجت امرأة فتوضأت ثم قامت تصلي ثم خرج غلام قد راهق فتوضأ ثم قام إلى جنبه يصلي فقلت : ويحك يا عباس ما هذا الدين ! قال : هذا دين محمد بن عبد الله ابن أخي يزعم أن الله بعثه رسولا و هذا ابن أخي علي بن أبي طالب قد تابعه على دينه و هذه امرأته خديجة قد تابعته على دينه فقال عفيف بعد أن أسلم و رسخ في الإسلام : يا ليتني كنت رابعا
و ذكر ابن إسحاق عن بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة و خرج معه علي بن أبي طالب مستخفيا من أبي طالب و من جميع أعمامه و سائر قومه فيصليان الصلوات فيها فإذا أمسيا رجعا كذلك فمكثا ما شاء الله أن يمكثا ثم إن أبا طالب عثر عليهما يوما و هما يصليان فقال لرسول الله صلى الله عليه و سلم : يا ابن أخي ما هذا الدين الذي أراك تدين به ؟ قال : [ أي عم هذا دين الله و دين ملائكته و رسله و دين أبينا إبراهيم ] ـ أو كما قال صلى الله عليه و سلم ـ بعثني الله به رسولا إلى العباد و أنت أي عم أحق من بذلت له النصيحة و دعوته إلى الهدى و أحق من أجابني إليه و أعانني عليه ـ أو كما قال ـ فقال أبو طالب : أي ابن أخي إني لا أستطيع أن أفارق دين آبائي و ما كانوا عليه و لكن الله لا يخلص إليك بشيء تكرهه ما بقيت و ذكروا أنه قال لعلي : أي بني ما هذا الدين الذي أنت عليه ؟ فقال : يا أبت آمنت برسول الله صلى الله عليه و سلم و صدقت بما جاء به و صليت معه لله و اتبعته فزعموا أنه قال له : أما إنه لم يدعك إلا إلى خير فالزمه
قال ابن إسحاق : ثم أسلم زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزى بن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد ود بن عوف بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد الله بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة كذا عند ابن هشام الكلبي مولى رسول الله فكان أول ذكر أسلم و صلى بعد علي بن أبي طالب و كان زيد أصابه سباء في الجاهلية فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد بأربعمائة درهم ثم وهبته خديجة لرسول الله صلى الله عليه و سلم بعد ذلك و تتبع أهله خبره حتى دلوا عليه فأتوا في طلبه فخيره رسول الله صلى الله عليه و سلم بين المكث عنده أو الرجوع مع أهله فاختار رسول الله صلى الله عليه و سلم فأقام عنده و خبره بذلك مشهور
ثم أسلم أبو بكر بن أبي قحافة رضي الله عنه و اسمه عتيق و قيل عبد الله و عتيق لقب لحسن وجهه و عتقه و قيل : غير ذلك و اسم أبي قحافة : عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي فلما أسلم أظهر إسلامه و دعا إلى الله و إلى رسوله و كان أبو بكر مألفا لقومه محببا سهلا و كان أنسب قريش لقريش و أعلمهم بها و بما كان فيها من خير و شر و كان تاجرا ذا خلق و معروف فكان رجال قومه يأتونه و يألفونه لغير واحد من الأمر : لتجارته و حسن مجالسته و غير ذلك فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه و يجلس إليه فأسلم بدعائه فيما بلغني :
عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب ابن مرة
و الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي
و عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة
و سعد بن أبي وقاص و اسم أبي وقاص مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب
و طلحة بن عبيد بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة
فجاء بهم إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم حين استجابوا له فأسلموا و صلوا فكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول فيما بلغني : [ ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت عنده فيه كبوة و نظر و تردد إلا ما كان من أبي بكر بن أبي قحافة ما عكم عنه حين ذكرته له و ما تردد فيه ] قال : فكان هؤلاء النفر الثمانية الذين سبقوا الناس بالإسلام فصلوا و صدقوا رسول الله صلى الله عليه و سلم و صدقوا ما جاءه من عند الله
ثم اسلم : أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر
و أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة ابن مرة بن كعب بن لؤي والأرقم بن أبي الأرقم عبد مناف بن أسد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم
و عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح بن عمرو بن هصيص ابن كعب بن لؤي و أخواه قدامة و عبد الله
و عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف بن قصي بن كلاب
و سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي و عند ابن هشام تقديم عبد الله بن قرط على رياح و امرأته فاطمة بنت الخطاب بن نفيل المذكور
و أسماء بنت أبي بكر و عائشة أختها و هي صغيرة كذا روينا عن ابن إسحاق في إسلام عائشة و ليس بمستقيم فإن عائشة لعلها في هذا التاريخ لم تكن ولدت
و خباب بن الأرت بن جندلة بن سعد بن خزيمة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم الخزاعي ولاء الزهري حلفا و عمير بن أبي وقاص أخو سعد
و عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب بن شمخ بن فأر بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحرث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة و عند ابن هشام فيه خلاف ما ذكرناه حليف بني زهرة
و مسعود بن ربيعة القارئ بن عمرو بن سعد بن عبد العزى بن حمالة بن غالب ابن محلم بن عايذة بن سبيع بن الهون بن خزيمة بن القارة
و سليط بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر ابن لؤي
و عياش بن أبي ربيعة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم و امرأته أسماء بنت سلامة بن مخربة بن جندل بن أبير بن نهشل بن دارم الدارمية التميمية
و خنيس بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي
و عامر بن ربيعة العنزي بإسكان النون و هو فيما ذكر ابن الكلبي عامر بن ربيعة الأصغر بن حجير بن سلامان بن مالك بن ربيعة الأكبر بن رفيدة بن عبد الله و هو عنز ابن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار حكاه الرشاطي قال : و ذكر أبو عمر في نسبه اختلافا كثيرا لا يتحصل منه شيء و هو حليف آل الخطاب
و عبد الله بن جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان ابن أسد بن خزيمة و أخوه أبو أحمد حليفا بني أمية
و جعفر بن أبي طالب و امرأته أسماء بن عميس بن النعمان بن كعب مالك بن قحافة من خثعم كذا هو عند ابن إسحاق و عند أبي عمر : أسماء بنت عميس بن معد ابن الحارث بن تيم بن كعب بن مالك بن قحافة بن عامر بن ربيعة بن عامر بن معاوية ابن زيد بن مالك بن نسر بن وهب بن شهران بن عفرس بن حلف بن أفتل و هو جماعة خثعم بن أنمار على اختلاف في أنمار و قيل : أسماء بنت عميس مالك بن النعمان ابن كعب بن مالك بن قحافة بن عامر بن زيد بن مالك بن نسر بن وهب الله
و حاطب بن الحارث بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمع و امرأته فاطمة بنت المجلل بن عبد الله بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامرؤ بن لؤي و أخوه خطاب و امرأته فكيهة بنت يسار
و معمر بن الحارث بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح
و السائب بن عثمان بن مظعون
و المطلب بن أزهر بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة و امرأته رملة بنت أبي عوف بن صبيرة بن سعيد بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي
و النحام نعيم بن عبد الله بن أسيد بن عبد الله بن عوف بن عيبد بن عويج بن عدي ابن كعب
و عامر بن فهيرة مولى أبي بكر
و خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس و امرأته أمينة بنت خلف بن أسعد ابن عامر بن بياضة بن سبيع بن خثعمة بن سعد بن مليح بن عمرو بن خزاعة
و حاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر ابن لؤي
و أبو حذيفة مهشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف
و واقد بن عبد الله بن عبد مناف بن عرين بن ثعلبة بن يربوع بن حنظلة بن مالك ابن زيد مناة بن تميم حليف بني عدي
و خالد و عامر و عاقل و إياس بنو البكير بن عبد ياليل بن ناشب بن غيرة من بني سعد بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة حلفاء بني عدي
و عمار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين بن الوديم بن ثعلبة ابن عوف بن حارثة بن عامر الأكبر بن يام بن عنس و هو زيد بن مالك بن أدد و مالك جماع مذحج حليف بني مخزوم
و صهيب بن سنان بن مالك بن عبد عمرو بن عقيل بن عامر بن جندلة بن سعد بن خزيمة بن كعب بن سعد بن أسلم بن أوس مناة بن النمر بن قاسط كذا هو عند ابن الكلبي
و عند أبي عمر : سنان بن خالد بن عمرو بن عقيل بن عامر بن جندلة بن سعد ابن خزيمة بن كعب بن سعد قال : إلى هنا نسبه ابن إسحاق و نسبه الواقدي و خليفة و ابن الكلبي و غيرهم فقالوا : صهيب بن سنان بن خالد بن عبد عمرو بن طفيل بن كعب ابن سعد و منهم من يقول : ابن سفيان بن جندلة بن مسلم بن أوس بن زيد مناة من النمر بن قاسط يقال له الرومي و كان مولى لعبد الله بن جدعان
و ذكر أبو عمر في السابقين : أبا ذر جندب بن جنادة بن سفيان بن عبيد بن حرام بن غفار بن مليل بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة
و أبا نجيح السلمي عمرو بن عبسة بن منقل بن خالد بن حذيفة بن عمر بن خلف ابن مازن بن مالك بن ثعلبة بن بهثة بن سليم
و مازن بن مالك أمه بجلة بنت هناءة بن مالك بن فهم و إليها ينسب البجلي بسكون الجيم ذكره كذلك الرشاطي
و حكي عن أبي عمر في نسبه غير ذلك و صحح ما ذكرناه و حكي عن أبي عمر في نسبه غاضرة بن عتاب و زعم أنه خطأ و إن الصواب في ذلك النسب ناضرة بن خفاف قال أبو عمر : و لكنهما يعني أبا ذر و أبا نجيح رجعا إلى بلاد قومهما
و ذكر فيهم عتبة بن مسعود أخا عبد الله بن مسعود
و كان سبب إسلام عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ما رويناه من طريق أبي علي بن الصواف بالسند المتقدم [ حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل و رويناه من طريق الطبراني في معجمه الصغير قال : حدثنا عمر بن عبد الرحمن السلمي قالا : حدثنا إبراهيم بن الحجاج السامي و اللفظ للأول قال : حدثنا سلام أبو المنذر حدثنا عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود قال : كنت في غنم لآل عقبة بن أبي معيط فجاء رسول الله صلى الله عليه و سلم و معه أبو بكر بن أبي قحافة فقال النبي : هل عندك لبن ؟ قلت : نعم و لكني مؤتمن قال : فهل عندك من شاة لم ينز عليها الفحل ؟ قلت : نعم فأتيته بشاة شصوص قال سلام : و هي التي ليس لها ضرع فمسح النبي صلى الله عليه و سلم مكان الضرع و مالها ضرع فإذا ضرع حافل مملوء لبنا قال : فأتيت النبي صلى الله عليه و سلم بصخرة منقعرة فاحتلب النبي صلى الله عليه و سلم فسقى أبا بكر و سقاني ثم شرب ثم قال : للضرع اقلص فرجع كما كان قال : فلما رأيت هذا من رسول الله صلى الله عليه و سلم قلت يا رسول الله علمني فمسح رأسي و قال : بارك الله فيك فإنك غلام معلم قال فأتيت النبي صلى الله عليه و سلم فبينا نحن عنده على حراء إذأنزلت عليه سورة المرسلات فأخذتها و إنها لرطبة بفيه ـ و إن فاه لرطب بها ـ فلا أدري بأي الآيتين ختم { و إذا قيل لهم اركعوا لا يركعون } [ المرسلات : 48 ] أو { فبأي حديث بعده يؤمنون } [ المرسلات : 50 ]
و أخذت من في رسول الله صلى الله عليه و سلم سبعين سورة و أخذت بقية القرآن من أصحابه فبينا نحن نيام على حراء ـ أو على الحبل ـ فما نبهنا إلا صوت النبي صلى الله عليه و سلم منعها منكم الذي منعكم منها قال : قلت يا رسول الله و ما ذاك ؟ قال : حية خرجت من ناحية الجبل ]

(1/178)


قال ابن إسحاق : ثم دخل الناس في الإسلام أرسالا من الرجال و النساء حتى فشا ذكر الإسلام بمكة و تحدث الناس به ثم إن الله عز و جل أمر رسوله صلى الله عليه و سلم أن يصدع بما جاءه منه و أن ينادي في الناس بأمره و يدعو إليه و كان مدة ما أخفى رسول الله صلى الله عليه و سلم أمره و استسر به إلى أن أمره الله تعالى بإظهاره ثلاث سنين فيما بلغني من مبعثه ثم قال الله تعالى له : { فاصدع بما تأمر و أعرض عن المشركين } [ الحجر : 94 ] ثم قال : { و أنذر عشيرتك الأقربين و اخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين } [ الشعراء : 215 ـ 216 ] { و قل إني أنا النذير المبين } [ الحجر : 89 ] فلما بادى رسول الله صلى الله عليه و سلم قومه بالإسلام و صدع به كما أمره الله لم يبعد منه قومه و لم يردوا عليه حتى ذكر آلهتهم و عابها فلما فعل ذلك أعظموه و ناكروه و أجمعوا خلافه و عداوته صلى الله عليه و سلم إلا من عصم الله منهم بالإسلام و هم قليل مستخفون و حدب على رسول الله صلى الله عليه و سلم عمه أبو طالب و منعه و قام دونه
و مضى رسول الله صلى الله عليه و سلم مظهرا له لا يرده عنه شيء فلما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يعتبهم من شيء أنكروه عليه من فراقهم و عيب آلهتهم و رأزا أن عمه أبو طالب قد حدب عليه و قام دونه و لم يسلمه لهم مشى رجال من أشرافهم إلى أبي طالب فقالوا : يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا و عاب ديننا و سفه أحلامنا و ضلل آباءنا فإما أن تكفه عنا و إما أن تخلي بيننا و بينه فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا وردهم ردا جميلا فانصرفوا عنه و مضى رسول الله صلى الله عليه و سلم على ما هو عليه يظهر دين الله و يدعوا إليه ثم شري الأمر بينه و بينهم حتى تباعد الرجال و تضاغنوا و أكثرت قريش ذكر رسول الله صلى الله عليه و سلم بينها فتذامروا عليه و حض بعضهم بعضا عليه
ثم إنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى فقالوا له : يا أبا طالب إن لك سنا و شرفا و منزلة فينا و إنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا و إنا و الله لا نصبر على هذا من شتم آباءنا و تسفيه أحلامنا و عيب آلهتنا حتى تكفه عنا أو ننازله و إياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين أو كما قال ثم انصرفوا عنه فعظم عل أبي طالب فراق قومه و عداوتهم و لم يطب نفسا بإسلام رسول الله صلى الله عليه و سلم و لا خذلانه و ذكر أن أبا طالب لما قالت له قريش هذه المقالة بعث إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال له : يا ابن أخي إن قومك قد جاءوني فقالوا لي كذا و كذا ـ للذي قالوا له ـ فأبق علي و على نفسك و لا تحملني من الأمر مالا أطيق فظن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قد بدا لعمه فيه بداء و أنه خاذله و مسلمه و أنه قد ضعف عن نصرته و القيام معه فقال له : [ يا عم و الله لو وضعوا الشمس على يميني و القمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته ] ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه و سلم فبكى ثم قام فلما ولى ناداه أبو طالب فقال له : أقبل يا ابن أخي فأقبل عليه فقال : اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت فوالله لا أسلمك لشيء أبدا
ثم إن قريشا حين عرفوا أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله صلى الله عليه و سلم و إسلامه و إجماعه لقراقهم في ذلك و عداوتهم مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة فقالوا له : يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد أنهد فتى من قريش و أجمله فخذه فلك عقله و نصره و اتخذه ولدا و أسلم إلينا ابن أخيك هذا الذي خالف دينك و دين آبائك و فرق جماعة قومك و سفه أحلامهم فنقتله فإنما هو رجل كرجل قال : و الله لبئس ما تسومونني أتعطوني ابنكم أغذوه لكم و أعطيكم ابني تقتلونه هذا و الله ما لا يكون أبدا
فقال المطعم بن عدي : و الله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك و جهدوا على التخلص مما تكرهه فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا فقال له أبو طالب و الله ما أنصفوني و لكنك قد أجمعت خذلاني و مظاهرة القوم علي فاصنع ما بدا لك فحقب الأمر و تنابذ القوم و بادى بعضهم بعضا
قال : ثم إن قريشا تذامروا بينهم على من في القبائل منهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم الذين اسلموا معه فوثبت كل قبيلة على من فيهم من المسلمين يعذبونهم و يفتنونهم عن دينهم و منع الله تعالى منهم رسوله بعمه أبي طالب و قد قام أبو طالب حين رأى قريشا يصنعون ما يصنعون في بني هاشم و بني المطلب فدعاهم إلى ما هو عليه من منع رسول الله صلى الله عليه و سلم و القيام دونه فاجتمعوا إليه و أقاموا معه و أجابوه إلى ما دعاهم إليه إلا ما كان من أبي لهب
روينا عن أبي بكر الشافعي [ حدثنا إسحاق بن الحسن بن ميمون الحربي حدثنا عبد الله بن رجاء حدثنا سعيد بن سلمة بن أبي الحسام حدثنا محمد بن المنكدر أنه سمع ربيعة بن عباد أو عباد الدؤلي يقول : رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم يطوف على الناس في منازلهم قبل أن يهاجر إلى المدينة يقول : يا أيها الناس إن الله يأمركم أن تعبدوه و لا تشركوا به شيئا ] قال و وراءه رجل يقول : يا أيها الناس إن هذا يأمركم أن تتركوا دين آبائكم فسألت من هذا الرجل ؟ فقيل أبو لهب
قال ابن إسحاق : ثم إن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش و كان ذا سن فيهم و قد حضر الموسم فقال لهم : يا معشر قريش إنه قد حضر هذا الموسم و إن وفود العرب ستقدم عليكم و قد سمعوا بأمر صاحبكم هذا فأجمعوا فيه رأيا و لا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا قالوا : فأنت يا أبا عبد شمس فقل و أقم لنا رأيا نقول فيه قال : بل أنتم فقولوا أسمع قالوا : نقول كاهن قال : و الله ما هو بكاهن لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن و لا بسجعه قالوا فنقول : مجنون قال و الله ما هو بمجنون لقد رأينا الجنون و عرفناه فما هو بحنقه و لا تخالجه و لا وسوسته قالوا : فنقول شاعر قال : ما هو بشاعر لقد عرفنا الشعر كله رجزه و هزجه و قريضه و مقبوضه و مبسوطه فما هو بالشعر قالوا : فنقول : ساحر قال : ما هو بساحر قد رأينا السحار و سحرهم فما هو بنفثه و لا عقده قالوا : فما تقول يا أبا عبد شمس ؟ قال : و الله إن لقوله لحلاوة و إن أصله لعذق و إن فرعه لجناة و ما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا أعرف أنه باطل و إن أقرب القول فيه لأن تقولوا ساحر جاء بقول هو سحر يفرق به بين المرء و أبيه و بين المرء و أخيه و بين المرء و زوجه و بين المرء و عشيرته فتفرقوا عنه بذلك فجعلوا يجلسون بسبل الناس حين قدموا الموسم لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه و ذكروا له أمره و صدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم فانتشر ذكره في بلاد العرب كلها
قوله : لعذق بفتح العين المهملة و سكون الذال إستعارة من النخلة التي ثبت أصلها و هو العذق و رواية ابن هشام : لغدق بغين معجمة و كسر الدال المهملة من الغدق و هو الماء الكثير قال السهيلي : و رواية ابن إسحاق أفصح لأنها استعارة تامة تشبه آخر الكلام بأوله

(1/188)


أخبرنا الإمام أبو عبد الله محمد بن إبراهيم المقدسي و أبو محمد عبد العزيز بن عبد المنعم الحراني قراءة عليهما و أنا حاضر فالأول قال : أخبرنا أبو اليمن الكندي و الثاني قال : أخبرنا أبو علي بن أبي القاسم البغدادي قالا : أخبرنا محمد بن عبد الباقي أخبرنا ابن حسون أخبرنا أبو القاسم السراج هو موسى بن عيسى بن عبد الله حدثنا محمد ابن محمد بن سليمان حدثنا أبو طاهر أحمد بن عمر بن السرح حدثنا عبد الله بن وهب قال : أخبرني الليث بن سعد عن إسحاق بن عبد الله عن أبان بن صالح عن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن العباس بن عبد المطلب قال : كنت يوما في المسجد فأقبل أبو جهل فقال : إن لله علي إن رأيت محمدا أن أطأعلى عنقه فخرجت إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى دخلت عليه فأخبرته بقول أبي جهل فخرج غضبان حتى دخل المسجد فعجل أن يدخل من الباب فاقتحم من الحائط فقلت هذا يوم شر نبشته فدخل رسول الله صلى الله عليه و سلم فقرأ : { اقرأباسم ربك الذي خلق } [ العلق : 1 ] حتى بلغ شأن أبي جهل { كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى } [ العلق : 6 ـ 7 ] قال : فقال إنسان لأبي جهل : يا أبا الحكم ! هذا محمد فقال أبو جهل : ألا ترون ما أرى ؟ و الله لقد سد أفق السماء علي فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه و سلم آخر السورة سجد
قرأت على الإمام الزاهد أبي إسحاق إبراهيم بن علي أحمد بسفح قاسيون [ أخبركم أبو بركات داود بن أحمد بن محمد البغدادي قراءة عليه و أنت تسمع فأقر به أخبرنا أبو الفضل محمد بن عمر بن يوسف أخبرنا أبو الغنائم عبد الصمد بن علي بن محمد بن المأمون أخبرنا الشيخ أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد الدار قطني حدثنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن سعيد البزاز و محمد بن هارون الحضرمي قالا : حدثنا محمد بن منصور الطوسي حدثنا أبو أحمد الزبيري حدثنا عبد السلام هو ابن حرب عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : لما نزل { تبت يدا أبي لهب } جاءت امرأة لهب إلى النبي صلى الله عليه و سلم و معه أبو بكر رضي الله عنه فلما رآها قال : يا رسول الله إنها امرأة بذية فلو قمت لا تؤذيك قال : إنها لن تراني فجاءت فقالت يا أبا بكر صاحبك هجاني قال : لا و ما يقول الشعر قالت : أنت عندي تصدق و انصرفت قلت : يا رسول الله ! لم ترك ؟ قال : لا لم يزل ملك يسترني منها بجناحه ] قرأت على أبي عبد الله محمد بن عثمان بن سلامة بدمشق [ أخبرك أبو القاسم الحسن بن علي بن الحسين بن الحسن بن محمد بن البن الأسدي قراءة عليه و أنت تسمع فأقر به : أخبرنا جدي أخبرنا القاسم بن أبي العلاء أخبرنا أبو محمد بن أبي نصر أخبرنا خثيمة حدثنا هلال يعني ابن العلاء الرقي حدثنا سعيد بن عبد الملك حدثنا محمد ابن سلمة عن أبي عبد الرحيم عن زيد هو ابن أبي أنيسة عن أبي إسحاق عن عمرو ابن ميمون الأودي حدثنا عبد الله بن مسعود قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في المسجد الحرام و رفقة من المشركين من قريش و نبي الله صلى الله عليه و سلم يصلي و قد نحر قبل ذلك جزور و قد بقي فرثه و قذره فقال أبو جهل : ألا رجل يقوم إلى هذا القذر يلقيه على محمد و نبي الله صلى الله عليه و سلم ساجد إذ انبعث أشقاها فقام فألقاها عليه قال عبد الله : فهبنا أن نلقيه عنه حتى جاءت فاطمة رضي الله عنها فألقته عنه فقام فسمعته يقول و هو قائم يصلي : اللهم اشدد وطأتك على مضر سنين كسني يوسف عليك بأبي الحكم بن هشام ـ و هو أبو جهل ـ و عتبة بن ربيعة و شيبة بن ربيعة و الوليد بن عتبة و عقبة ابن أبي معيط و أمية بن خلف و رجل آخر ثم قال : رأيتهم من العام المقبل صرعى بالطوي طوي بدر صرعى بالقليب ]
و أخبرنا ابن الواسطي فيما قرأت عليه أخبرنا ابن ملاعب أخبرنا الأرموي أخبرنا ابن المأمون أخبرنا الدارقطني حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن صالح الأزدي حدثنا الزبير بن بكار حدثني أبو يحيى هارون بن بكر بن عبد الله الزهري عن عبد الله بن سلمة عن عبد الله بن عروة بن الزبير قال : حدثني عمرو بن عثمان بن عفان عن أبيه عثمان بن عفان قال : أكثر ما نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه و سلم أني رأيته يوما ـ قال عمرو : فرأيت عيني عثمان بن عفان زرفتا من تذكر ذلك ـ قال عثمان بن عفان : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يطوف بالبيت و يده في يد أبي بكر و في الحجر ثلاثة نفر جلوس : عقبة بن أبي معيط و أبو جهل بن هشام و أمية بن خلف فمر رسول الله صلى الله عليه و سلم فلما حاذاهم أسمعوه بعض ما يكره فعرف ذلك في وجه النبي صلى الله عليه و سلم فدنوت منه حتى وسطته فكان بيني و بين أبي بكر و أدخل أصابعه في أصابعي حتى طفنا جميعا فلما حاذاهم قال أبو جهل : و الله لا نصالحك ما بل بحر صوفة و أنت تنهى أن نعبد ما كان يعبد آباؤنا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ أنا ذلك ] ثم مضى عنهم فصنعوا به في الشوط الثالث مثل ذلك حتى إذا كان في الشوط الرابع ناهضوه و وثب أبو جهل يريد أن يأخذ بمجامع ثوبه فدفعت في صدره فوقع على استه و دفع أبو بكر أمية بن خلف و دفع رسول الله صلى الله عليه و سلم عقبة بن أبي معيط ثم انفرجوا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم و هو واقف ثم قال : [ أما و الله لا تنهون حتى يحل بكم عقابه عاجلا ] قال عثمان : فو الله ما منهم رجل إلا و قد أخذه أفكل و هو يرتعد فجعل رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : بئس القوم أنتم لنبيكم ثم انصرف إلى بيته و تبعناه خلفه حتى انتهى إلى باب بيته و وقف على السدة ثم أقبل علينا بوجهه فقال : [ أبشروا فإن الله عز و جل مظهر دينه و متم كلمته و ناصر نبيه و إن هؤلاء الذين ترون مما يذبح الله بأيديكم عاجلا ] ثم انصرفنا إلى بيوتنا فو الله لقد رأيتهم قد ذبحهم الله بأيدينا

(1/192)


و من ذلك خبر إسلام حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه :
روينا عن ابن إسحاق : حدثني رجل من أسلم و كان واعية أن أبا جهل مر برسول الله صلى الله عليه و سلم عند الصفا فآذاه و شتمه و نال منه بعض ما يكره من العيب لدينه و التضعيف لأمره فلم يكلمه رسول الله صلى الله عليه و سلم و مولاة لعبد الله بن جدعان في مسكن لها تسمع ذلك ثم انصرف عنه فعمد إلى نادي قريش فجلس معهم فلم يلبث حمزة بن عبد المطلب أن أقبل متوشحا سيفه راجعا من قنص له و كان صاحب قنص يرميه و يخرج له و كان إذا رجع من قنصه لم يصل إلى أهله حتى يطوف بالكعبة و كان إذا فعل ذلك لم يمر على ناد من قريش إلا وقف و سلم و تحدث معهم و كان أعز فتى في قريش و أشده شكيمة فلما مر بالمولاة و قد رجع رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى بيته قالت له : يا أبا عمارة لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد آنفا من أبي الحكم بن هشام وجده ها هنا جالسا فآذاه و سبه و بلغ منه ما يكره ثم انصرف عنه و لم يكلمه محمد فاحتمل حمزة الغضب لما أراد الله به من كرامته فخرج يسعى و لم يقف على أحد معدا لأبي جهل إذا لقيه أن يقع به فلما دخل المسجد نظر إليه جالسا في القوم فأقبل نحوه حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها فشجه شجة منكرة ثم قال : أتشتمه ؟ فأنا على دينه أقول ما يقول فرد علي ذلك إن استطعت فقامت رجال من بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل فقال أبو جهل : دعوا أبا عمارة فإني و الله قد سببت ابن أخيه سبا قبيحا و تم حمزة على إسلامه و على ما تابع عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم من قوله فلما أسلم حمزة علمت قريش أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد عز و امتنع و أن حمزة سيمنعه فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه
و روينا عن ابن إسحاق قال : حدثني يزيد بن أبي زياد عن محمد بن كعب القرظي قال : حدثت أن عتبة بن ربيعة ـ و كان سيدا ـ قال يوما و هو جالس في نادي قريش و النبي صلى الله عليه و سلم جالس في المسجد وحده : يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه و أعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء و يكف عنا و ذلك حين أسلم حمزة و رأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم يكثرون و يزيدون فقالوا : بلى يا أبا الوليد فقم إليه فكلمه فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : يا ابن أخي إنك منا حيث قد علمت من السطة في العشيرة و المكان في النسب و إنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم و سفهت به أحلامهم و عبت به آلهتهم و دينهم و كفرت به من مضى من آبائهم فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منا بعضها قال : فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ قل يا أبا الوليد أسمع ] قال : يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أمولنا حتى تكون أكثرنا مالا و إن كنت تريد به شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك و إن كنت تريد ملكا ملكناك علينا و إن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب و بذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه أو كما قال له حتى إذا فرغ عتبة و رسول الله صلى الله عليه و سلم يسمع منه قال : [ أقد فرغت يا أبا الوليد ؟ ] قال : نعم قال : [ فاسمع مني ] قال : أفعل [ قال : { بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت أياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون بشيرا و نذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون } ] [ فصلت : 1 ـ 4 ] ثم مضى رسول الله صلى الله عليه و سلم فيها يقرأها عليه فلما سمعها عتبة منه أنصت لها و ألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليها يسمع منه ثم انتهى رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى السجدة منها فسجد ثم قال : [ قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت و ذاك ] فقام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض يحلف بالله : لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به فلما جلس إليهم قالوا : ما وراءك يا أبا الوليد ؟ قال : ورائي أني سمعت قولا و الله ما سمعت مثله قط و الله ما هو بالشعر و لا بالسحر و لا بالكهانة يا معشر أطيعوني و اجعلوها بي خلوا بين هذا الرجل و بين ما هو فيه فاعتزلوه فو الله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم و إن يظهر على العرب فملكه ملككم و عزه عزكم و كنتم أسعد الناس به قالوا : سحركم و الله يا أبا الوليد بلسانه قال : هذا رأيي فيه فاصنعوا ما بدا لم
و روينا عن الطبراني [ حدثنا القاسم بن عياش بن حماد أبو محمد الجهني الحذاء الموصلي حدثنا محمد بن موسى الحرشي حدثنا أبو خلف عبد الله بن عيسى الخزاز حدثنا داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس أن قريشا دعت رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى أن يعطوه مالا فيكون أغنى رجل بمكة و يزوجوه ما أراد من النساء فقالوا : هذا لك عندنا يا محمد و كف عن شتم آلهتنا و لا تذكرها بسوء فإن لم تفعل فإنا نعرض عليك خصلة واحدة و لك فيها صلاح قال : ما هي ؟ قالوا : تعبد آلهتنا سنة ـ اللات و العزى ـ و نعبد إلهك سنة قال : حتى أنظر ما يأتيني من ربي فجاء الوحي من عند الله عز و جل من اللوح المحفوظ : { قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون } [ الكافرون : 1 ـ 2 ] السورة و أنزل الله عز و جل { قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون } { بل الله فاعبد و كن من الشاكرين } [ الزمر : 64 و 66 ] ]
و روينا [ من طريق الترمذي حدثنا عبد بن حميد أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن عبد الكريم الجزري عن عكرمة عن ابن عباس [ سندع الزبانية ] قال : قال أبو جهل : لئن رأيت محمدا يصلي لأطأن على عنقه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : لوفعل لأخذته الملائكة عيانا ]
قال : [ حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو خالد عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس قال : كان النبي صلى الله عليه و سلم يصلي فجاء أبو جهل فقال : ألم أنهك عن هذا ؟ فانصرف النبي صلى الله عليه و سلم فزبره فقال أبو جهل : إنك لتعلم ما بها ناد أكثر مني
فأنزل الله تعالى : { فليدع ناديه سندع الزبانية } [ العلق : 17 ـ 18 ] قال ابن عباس : و الله لودعا ناديه لأخذته زبانية الله ]
و روينا عن ابن عباس من طريق محمد بن إسحاق اجتماع قريش و عرضهم على النبي صلى الله عليه و سلم ما عرضوا عليه من أموالهم و غير ذلك و قوله عليه الصلاة و السلام : [ ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم و لا الشرف فيكم و لا الملك عليكم و لكن الله بعثني إليكم رسولا و أنزل علي كتابا و أمرني أن أكون لكم بشيرا و نذيرا فبلغتكم رسالات ربي و نصحت لكم فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا و الآخرة و إن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم ] أو كما قال صلى الله عليه و سلم فقالوا له : فسل ربك أن يسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا و ليبسط علينا بلادنا و ليخرق فيها أنهارا كأنهار الشام و العراق و ليبعث لنا من مضى من آبائنا و ليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب فإنه كان شيخ صدق فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل ؟ و فيه : قالوا له : سل ربك أن يبعث معك ملكا يصدقك بما تقول و يراحعنا عنك و اسأله فليجعل لنا جنانا و قصورا و كنوزا من ذهب و فضة يغنيك بها عما تراك تبتغي فإنك تقوم بالأسواق و تلتمس المعاش و ذكر قولهم : فأسقط السماء علينا كسفا كما زعمت أن ربك إن شاء فعل و قال قائلهم : نحن نعبد الملائكة و هي بنات الله و قال قائلهم : لن نؤمن لك حتى تأتي بالله و الملائكة قبيلا و قال : إنه قد بلغنا أنك إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له الرحمن و إنا و الله لن نؤمن بالرحمن أبدا فلما قالوا له ذلك قام رسول الله صلى الله عليه و سلم عنهم و معه عبد الله بن أبي أمية المخزومي و هو ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب فقال : و الله لانؤمن بك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلما ثم ترقى فيه و أنا أنظر إليك حتى تأتيها ثم تأتي معك بصك معه أربعة من الملائكة يشهدون لك كما تقول و ايم الله أن لو فعلت ذلك ما ظننت أني أصدقك
و قال أبو جهل : يا معشر قريش إني أعاهد الله لأجلسن له غدا بحجر ما أطيق حمله أو كما قال فإذا سجد في صلاته فضحت به رأسه فأسلموني عند ذلك أو امنعوني فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم قالوا : و الله لا نسلمك لشيء أبدا فامض لما تريد فلما أصبح أبو جهل أخذ حجرا كما وصف ثم جلس لرسول الله صلى الله عليه و سلم ينتظره و غدا رسول الله صلى الله عليه و سلم كما كان يغدو فلما سجد رسول الله صلى الله عليه و سلم احتمل أبو جهل الحجر ثم أقبل نحوه حتى إذا دنا منه رجع منهزما منتقعا لونه مرعوبا قد يبست يداه على حجره حتى قذف الحجر من يده و قامت إليه رجال من قريش فقالوا له : مالك يا أبا الحكم ؟ قال : قمت إليه لأفعل ما قلت لكم البارحة فلما دنوت منه عرض لي دونه فحل من الإبل لا و الله ما رأيت مثل هامته و لا قصرته و لا أنيابه بفحل قط فهم بي أن يأكلني قال ابن إسحاق : فذكر لي أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : [ ذلك جبريل لودنا لأخذه ]
و ذكر في الخبر بعث قريش النضر بن الحارث بن كلدة و بعثوا معه عقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود و قالوا لهما : سلاهم عن محمد و صفا لهم صفته و أخبراهم بقوله فإنهم أهل الكتاب الأول و عندهم علم ليس عندنا من علم الأنبياء فخرجا حتى قدما المدينة و سألا أحبار يهود فقالت لهما : سلوا عن ثلاث فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل و إن لم يفعل فالرجل متقول سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول : ما كان من أمرهم ؟ فإنه قد كان لهم حديث عجيب و سلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض و مغاربها ما كان نبؤه ؟ و سلوه عن الروح : ما هو ؟ فإذا أخبركم بذلك فاتبعوه فإنه نبي و إن لم يفعل فهو رجل متقول
فأقبل النضر و عقبة فقالا : قد جئناكم بفصل ما بينكم و بين محمد فجاؤوا رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما يذكرون فقال عليه الصلاة و السلام : [ أخبركم غدا و لم يستثن ] فانصرفوا فمكث رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما يذكرون خمس عشرة ليلة لا يحدث الله إليه في ذلك وحيا و لا يأتيه جبريل حتى أرجف أهل مكة و قالوا : وعدنا محمد غدا و اليوم خمس عشرة ليلة قد أصبحنا منها لا يخبرنا بشيء مما سألناه عنه حتى أحزن رسول الله صلى الله عليه و سلم مكث الوحي عنه و شق عليه ما يتكلم به أهل مكة ثم جاءه جبريل من الله بسورة أصحاب الكهف قال ابن إسحاق : فذكر لي أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : [ لقد احتبست عني يا جبريل فقال : { و ما نتنزل إلا بأمر ربك } [ مريم : 64 ] الآية و افتتح السورة بحمده وء ذكر نبوة رسوله عليه الصلاة و السلام و فيها ذكر الفتية الذين ذهبوا و هم أصحاب الكهف و ذكر الرجل الطواف و هو ذو القرنين و قال فيما سألوه عنه من الروح { و يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي و ما أوتيتم من العلم إلا قليلا } ] [ الإسراء : 85 ] الحديث بطوله و أنا اختصرته
قال : و حدثت عن ابن عباس أنه قال : لما قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة قالت أحبار يهود : يا محمد أرأيت قولك { و ما أوتيتم من العلم إلا قليلا } [ الإسراء : 85 ] إيانا تريد أم قومك ؟ قال : [ كلا ] قالوا : فإنك تتلو فيما جاءك أنا قد أوتينا التوراة فيها بيان كل شيء فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ إنها في علم الله قليل و عندكم من ذلك ما يكفيكم لو أقمتموه ] قال : فأنزل الله عليه فيما سألوه عنه في ذلك { و لو أنما في الأرض من شجرة أقلام و البحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفذت كلمات الله إن الله عزيز حكيم } [ لقمان : 27 ] أي : إن التوراة في هذا من علم الله قليل
قال : و أنزل الله فيما سأله قومه لأنفسهم من تسيير الجبال و تقطيع الأرض و بعث من مضى من آبائهم من الموتى { و لو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعا } [ الرعد : 31 ] أي لا أصنع من ذلك الأمر إلا ما شئت و أنزل الله عليه فيما سألوه أن يأخذ لنفسه { قالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام و يمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا أو يلقي إليه كنز } إلى { و كان ربك بصيرا } [ الفرقان : 7 ـ 20 ]
و أنزل الله فيما قال عبد الله بن أبي أمية { و قالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك جنة من نخيل و عنب } إلى قوله { قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا } [ الإسراء : 90 ـ 93 ]
و أنزل عليه في قولهم إنما يعلمك رجل باليمامة يقال له : الرحمن : { كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك و هم يكفرون بالرحمن } [ الرعد : 30 ]
و أنزل عليه فيما قال أبو جهل و ما هم به { أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى } [ العلق : 9 ـ 10 ] حتى آخر السورة
و أنزل عليه فيما عرضوا من أموالهم { قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله و هو على كل شيء شهيد } [ سبأ : 47 ] فلما جاءهم رسول الله صلى الله عليه و سلم بما عرفوا من الحق حال الحسد بينهم و بين اتباعه
فقال قائلهم : لا تسمعوا لهذا القرآن و الغوا فيه لعلكم تغلبون أي : اجعلوه لغوا و باطلا و اتخذوه هزوا لعلكم تغلبونه بذلك فإنكم إن ناظرتموه أو خاصمتموه غلبكم فقال أبو جهل يوما و هو يهزأ برسول الله صلى الله عليه و سلم و ما جاء به من الحق يا معشر قريش يزعم محمد أن جنود الله الذين يعذبونكم في النار و يحبسونكم فيها تسعة عشر و أنتم الناس كثرة و عددا أفيعجز كل مائة رجل منكم عن رجل منهم ؟ فأنزل الله عز و جل في ذلك من قوله { و ما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة و ما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا } [ المدثر : 31 ] إلى آخر القصة فلما قال ذلك بعضهم لبعض جعلوا إذا جهر رسول الله صلى الله عليه و سلم بالقرآن و هو يصلي يتفرقون عنه و يأبون أن يستمعوا له فكان الرجل منهم إذا أراد ان يستمع من رسول الله صلى الله عليه و سلم بعض ما يتلو من القرآن و هو يصلي استرق السمع دونهم فرقا منهم فإن رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع منه ذهب خشية أذاهم فلم يستمع و إن خفض رسول الله صلى الله عليه و سلم صوته فظن الذي يستمع أنهم لا يسمعون شيئا من قراءته و سمع هو شيئا دونهم أصاخ له يستمع منه و روي عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس إنما نزلت هذه الآية { و لا تجهر بصلاتك و لا تخافت بها } [ الإسراء : 110 ] في ذلك
قال أبو عمر : و كان المجاهرون بالظلم لرسول الله صلى الله عليه و سلم و لكل من آمن به :
من بني هاشم : عمه أبو لهب و ابن عمه أبا سفيان بن الحارث
و من بني عبد شمس : عتبة و شيبة ابني ربيعة و عقبة بن أبي معيط و أبا سفيان بن حرب و ابنه حنظلة و الحكم بن أبي العاص بن أمية و معاوية بن المغيرة بن العاص بن أمية
و من بني عبد الدار : النضر بن الحارث
و من بني أسد بن عبد العزى : الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى و ابنه زمعه و أبا البختري العاص بن هشام
و من بني زهرة : الأسود بن عبد يغوث
و من بني مخزوم : أبا جهل بن هشام و أخاه العاص بن هشام و عمهما الوليد بن المغيرة و ابنه أبا قيس بن الوليد بن المغيرة و ابن عمه قيس بن الفاكه بن المغيرة و زهير ابن أبي أمية بن المغيرة أخا أم سلمة و أخاه عبد الله بن أبي أمية و الأسود بن عبد الأسد أخا أبي سلمة و صيفي بن السائب
و من بني سهم : العاص بن وائل و ابنه عمرا و ابن عمه الحارث بن قيس بن عدي و نبيها و منبها ابني الحجاج
و من بني جمح : أمية و أبيا ابني خلف بن وهب بن حذافة بن جمح و أنيس بن معير أخا بني محذورة و الحارث بن الطلاطلة الخزاعي و غدي بن الحمراء الثقفي
فهؤلاء كانوا أشد على المؤمنين مثابرة بالأذى و معهم سائر قريش فمنهم من يعذبون ـ ممن لا منعة له و لا جوار ـ من قومه و منهم من يؤذون
و لقي المسلمون من كفار قريش و حلفائهم من الأذى و العذاب و البلاء عظيما و رزقهم الله من الصبر على ذلك عظيما ليدخر لهم ذلك في الآخرة و يرفع به درجاتهم في الجنة و الإسلام في كل ذلك يفشو و يظهر في الرجال و النساء و أسلم الوليد بن الوليد ابن المغيرة و سلمة بن هشام أخو أبو جهل و أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة و جماعة أراد الله هداهم
و أسرف بنو جمح على بلال بالأذى و العذاب فاشتراه أبو بكر الصديق منهم و اشترى أمة حمامة فأعتقهما و أعتق عامر بن فهيرة و روي أن قحافة قال لابنه أبي بكر : يا بني أراك تعتق قوما ضعفاء فلو أعتقت قوما جلداء يمنعوك فقال : يا أبت إني أريد ما أريد فقيل : فيه نزلت { و سيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى و ما لأحد } [ الليل : 17 ـ 19 ] إلى آخر السورة
و ذكر الزهري أن أبا سفيان بن حرب و أبا جهل بن هشام و الأخنس بن شريق خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله صلى الله عليه و سلم و هو يصلي من الليل في بيته فأخذ كل رجل منهم مجلسا يستمع فيه و كل لا يعلم بمكان صاحبه فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق فتلاوموا و قال بعضهم لبعض : لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئا ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد رجل منهم إلى مجلسه فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا مرة ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق فقال بعضهم لبعض : لا نبرح حتى نتعاهد أن لا نعود فتعاهدوا على ذلك ثم تفرقوا فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه ثم ذهب حتى أتى أبا سفيان في بيته فقال : أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد فقال : يا أبا ثعلبة : و الله لقد سمعت أشياء أعرفها و أعرف ما يراد بها و سمعت أشياء ما عرفت معناها و لا ما يراد بها قال الأخنس : و أنا و الذي حلفت به ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيته فقال : يا أبا الحكم ! ما رأيك فيما سمعت من محمد ؟ ! قال ماذا سمعت ؟ تنازعنا و نحن و بنو عبد مناف الشرف أطعموا فأطعمنا و حملوا فحملنا و أعطوا فأعطينا حتى إذا تجاذينا على الركب و كنا كفرسي رهان قالوا : منا نبي يأتيه الوحي من السماء فمتى ندرك هذه ! و الله لا نؤمن به أبدا و لا نصدقه فقام عنه الأخنس و تركه
و ذكر ابن إسحاق حديث الإراشي و الإراشي هذا اسمه : كهلة الأصغر بن عصام بن كهلة الأكبر بن وهب بن ذئبان بن سيلان بن مودع بن عبد الله و هو الذي ابتاع منه أبو جهل الإبل و مطله بأثمانها و دلالة قريش إياه على رسول الله صلى الله عليه و سلم لينصفه من أبي جهل استهزاء لما يعلمون من العداوة بينهما قال : و خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى جاءه فضرب عليه بابه فقال : من هذا ؟ فقال : محمد فخرج إليه و ما في وجهه من رائحة قد انتقع لونه فقال : [ أعط هذا حقه ] قال : نعم لا تبرح حتى أعطيته الذي له فدفعه إليه فذكر له الإراشي ذلك فقالوا لأبي جهل : ويلك ! ما رأينا مثل ما صنعت قال : ويحكم ! و الله ما هو إلا أن ضرب على بابي و سمعت صوته فملئت رعبا ثم خرجت إليه و إن فوق رأسه لفحلا من الإبل ما رأيت مثل هامته و لا قصرته و لا أنيابه لفحل قط و الله لو أبيت لأكلني
و ذكر الواقدي عن يزيد بن رومان قال : بينا رسول الله صلى الله عليه و سلم جالس في المسجد معه رجال من أصحابه أقبل رجل من بني زبيد يقول : يا معشر قريش ! كيف تدخل عليكم المادة أو يجلب إليكم جلب أو يحل تاجر بساحتكم و أنتم تظلمون من دخل عليكم في حرمكم ؟ يقف على الحلق حلقة حلقة حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم في أصحابه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ و من ظلمك ؟ ] فذكر أنه قدم بثلاثة أجمال كانت خيرة إبله فسامه بها أبو جهل ثلث أثمانها ثم لم يسمه بها لأجله سائم قال : فاكسد علي سلعتي و ظلمني قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ و أين أجمالك ؟ ] قال : هي هذه بالحزورة فقام رسول الله صلى الله عليه و سلم معه و قام أصحابه فنظر إلى الجمال فرأى الجمال فرها فساوم الزبيدي حتى ألحقه برضاه فأخذها رسول الله صلى الله عليه و سلم فباع جملين منها بالثمن و أفضل بعيرا باعه و أعطى أرامل بني عبد المطلب ثمنه و أبو جهل جالس في ناحية من السوق لا يتكلم ثم أقبل إليه رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : [ يا عمرو ! إياك أن تعود لمثل ما صنعت بهذا الأعرابي فترى مني ما تكره ] فجعل يقول : لا أعود يا محمد لا أعود يا محمد فانصرف رسول الله صلى الله عليه و سلم و أقبل عليه أمية بن خلف و من حضر من القوم فقالوا : ذللت في يدي محمد فإما أن تكون تريد أن تتبعه و إما رعب دخلك منه قال : لا أتبعه أبدا إن الذي رأيتم مني لما رأيت معه لقد رأيت رجالا عن يمينه و شماله معهم رماح يشرعونها إلي لو خالفتهم لكانت إياها أي لأتوا علي نفسي
قال أبو عمر : و كان المستهزئون الذي قال الله فيهم : { إنا كفيناك المستهزئين } [ الحجر : 95 ] عمه أبو لهب و عقبة بن معيط و الحكم بن أبي العاصي و الأسود بن المطلب بن أسد بن زمعة و الأسود بن عبد يغوث و العاص بن وائل و الوليد بن المغيرة و الحارث بن الغيطلة السهمي فكان جبريل مع رسول الله صلى الله عليه و سلم فمر بهما من المستهزئين الوليد بن المغيرة و الأسود بن المطلب و الأسود بن عبد يغوث و الحارث ابن الغيلطة و العاص بن وائل واحدا بعد واحد فشكاهم رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى جبريل فقال : كفيتكهم فهلكوا بضروب من البلاء و العمى قبل الهجرة
و فيما لقي بلال و عمار و المقداد و خباب و سعد بن أبي وقاص و غيرهم ممن لم تكن له منعة من قومه من البلاء و الأذى ما يطول ذكره
قرأت على أبي النور إسماعيل بن نور بن قمر الهيتي بالصالحية أخبركم أبو نصر موسى ابن الشيخ عبد القادر الجيلي قراءة عليه أخبرنا أبو القاسم سعيد بن أحمد بن البنا أخبرنا أبو نصر الزينبي أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر بن علي بن خلف أخبرنا أبو بكر بن أبي داود حدثنا أبو موسى عيسى بن حماد زغبة عن الليث بن سعد عن هشام عن أبيه أنه قال : مر بورقة بن نوفل على بلال و هو يعذب يلصق ظهره برمضاء البطحاء في الحر و هو يقول : أحد أحد فقال : يا بلال صبرا يا بلال صبرا لم تعذبونه فو الذي نفسي بيده لئن قتلتموه لأتخذنه حنانا يقول : لأتمسحن به

(1/195)


قال الله تعالى : { اقتربت الساعة و انشق القمر } [ القمر : 1 ]
و روينا من طريق البخاري : [ حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن شعبة و سفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن أبي معمر عن ابن مسعود قال : انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم فرقتين فرقة فوق الجبل و فرقة دونه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : اشهدوا ]
و ذكر القاضي عياض رحمه الله قال : و رواه عنه مسروق أنه كان بمكة و زاد : فقال كفار قريش : سحركم ابن أبي كبشة فقال رجل منهم : إن محمدا إن كان سحر القمر فإنه لا يبلغ من سحره أن يسحر الأرض كلها فاسألوا من يأتيكم من بلد آخر هل رأوا هذا فسألوا فأخبرهم أنهم رأوا مثل ذلك
و حكى المسرقندي عن الضحاك نحوه و قال : فقال أبو جهل : هذا سحر فابعثوا إلى أهل الآفاق حتى تنظروا أرأوا ذلك أم لا ؟ فأخبر أهل الآفاق أنهم رأوه منشقا فقالوا يعني الكفار : هذا سحر مستمر
و روينا من طريق الترمذي حدثنا عبد بن حميد : أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن أنس قال : سأل أهل النبي صلى الله عليه و سلم آية فانشق القمر بمكة مرتين فنزلت { اقتربت الساعة و انشق القمر } إلى قوله { سحر مستمر } [ القمر : 1 ـ 2 ] يقول ذاهب
قال الترمذي : حدثنا عبد بن حميد حدثنا محمد بن كثير حدثنا سليمان بن كثير عن حصين عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال : انشق القمر على عهد النبي صلى الله عليه و سلم حتى صار فرقتين على هذا الجبل و على هذا الجبل فقالوا : سحرنا محمد فقال بعضهم : لئن كان سحرنا ما يستطيع أن يسحر الناس كلهم و روي عن ابن عباس و ابن عمر و حذيفة و علي رضي الله عنهم

(1/207)


و كانت الهجرة إلى أرض الحبشة مرتين فكان عدد المهاجرين في المرة الأولى اثني عشر رجلا و أربع نسوة ثم رجعوا عندما بلغهم عن المشركين سجودهم مع رسول الله صلى الله عليه و سلم عند قراءة سورة [ والنجم ] و سيأتي ذكر ذلك فلقوا من المشركين أشد مما عهدوا فهاجروا ثانية و كانوا ثلاثة و ثمانين رجلا إن كان فيهم عمار ففيه خلاف بين أهل النقل و ثماني عشرة امرأة إحدى عشرة قرشيات و سبعا غرباء و بعثت قريش في شأنهم إلى النجاشي مرتين الأولى عند هجرتهم و الثانية عقيب وقعة بدر و كان عمرو بن العاص رسولا في المرتين و معه في إحداهما عمارة بن الوليد و في الأخرى عبد الله بن أبي ربيعة المخزوميان
و روى عبد الرزاق [ عن معمر عن الزهري قال : فلما كثر المسلمون و ظهر الإيمان أقبل كفار قريش على من آمن من قبائلهم يعذبونهم و يؤذونهم ليردوهم عن دينهم قال : فبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لمن آمن به : تفرقوا في الأرض فإن الله تعالى سيجمعكم قالوا : إلى أين نذهب ؟ قال : إلى ها هنا و أشار بيده إلى أرض الحبشة فهاجر إليها ناس ذوو عدد منهم من هاجر بأهله و منهم من هاجر بنفسه حتى قدموا أرض الحبشة ] فكان أول من خرج عثمان بن عفان معه امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم و قد قيل إن أول من هاجر إلى أرض الحبشة حاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود أخو سهيل بن عمرو و قيل : هو سليط بن عمرو و أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة هاربا عن أبيه بدينه و معه امرأته سهلة بنت سهيل مسلمة مراغمة لأبيها فارة عنه بدينها فولدت له بأرض محمد بن أبي حذيفة و مصعب بن عمير و عبد الرحمن بن عوف و أبو سلمة بن عبد الأسد و معه امرأته أم سلمة بنت أبي أمية و عثمان بن مظعون و عامر بن ربيعة حليف آل الخطاب و معه امرأته ليلى أبي خيثمة بن غانم العدوية و أبو سبرة بن أبي رهم العامري و امرأته أم كلثوم بنت سهيل بن عمرو و لم يذكرها ابن إسحاق فهي خامسة لهن و سهيل بن بيضاء و هو سهيل بن و هب بن ربيعة الفهري و عبد الله بن مسعود الهذلي فخرجوا متسللين سرا حتى انتهوا إلى الشعيبة منهم الراكب و منهم الماشي فوفق الله لهم سفينتين للتجار حملوهم فيهما بنصف دينار و كان مخرجهم في رجب من السنة الخامسة من النبوة فخرجت قريش في آثارهم حتى جاؤوا البحر من حيث ركبوا فلم يجدوا أحدا منهم
ثم خرج جعفر بن أبي طالب في المرة الثانية و معه امرأته أسماء بنت عميس فولدت له هناك بنيه : محمدا و عبد الله و عونا و عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية و معه امرأته فاطمة بنت صفوان بن أمية بن محرث الكناني و أخوه خالد بن سعيد و معه امرأته أمينة بنت خلف بن أسعد بن عامر بن بياضة الخزاعية فولدت له هناك ابنه سعيدا و ابنته أم خالد و اسمها أمة و عبيد الله بن جحش و معه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان فتنصر هناك ثم توفي على النصرانية و تزوج رسول الله صلى الله عليه و سلم أم حبيبة كما سيأتي إن شاء الله تعالى
و أخوه عبد الله بن جحش و قيس بن عبد الله حليف لبني أمية بن أمية بن عبد شمس معه امرأته بركة بنت يسار مولاة أبي سفيان بن حرب و معيقيب بن أبي فاطمة الدوسي حليف لبني العاص بن أمية و عتبة بن غزوان بن جابر المازني حليف بني نوفل و يزيد ابن زمعة بن الأسود و عمرو بن أمية بن الحارث بن أسد و الأسود بن نوفل بن خويلد ابن أسد و طليب بن عمير بن وهب أبي كبير بن عبد قصي و سويبط بن سعد بن حرملة ـ و يقال : حريملة ـ بن مالك العبدري و جهم بن قيس بن عبد شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار العبدري معه امرأته أم حرملة بنت عبد الأسود بن خزيمة من خزاعة و ابناه عمرو بن جهم و خزيمة بن جهم و أبو الروم بن عمير أخو مصعب بن عمير و فراس بن النضر بن الحارث بن كلدة و عامر بن أبي وقاص أخو سعد و المطلب بن أزهر بن عبد عوف معه امرأته رملة بنت أبي عوف بن صبيرة السهمية ولدت له هناك عبد الله بن المطلب و عبد الله بن مسعود الهذلي و هو حليف له فنسب إليه و هو المقداد بن عمرو بن ثعلبة البهراني و الحارث بن خالد بن صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة و معه امرأته ريطة بنت الحارث التيمية فولدت له هناك : موسى و زينب و عائشة و فاطمة و عمرو بن عثمان بن عمرو التيمي عم طلحة
و شماس بن عثمان بن الشريد المخزومي و اسمه عثمان بن عفان و هبار بن سفيان بن عبد الأسد بن هلال المخزومي و أخوه عبد الله بن سفيان و هشام بن أبي حذيفة بن المغيرة ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم و عياش بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي و معتب بن عوف بن عامر الخزاعي و بعض الناس يقول : معتب حليف بني مخزوم و السائب ابن عثمان بن مظعون و عماه قدامة و عبد الله ابنا مظعون و حاطب و حطاب ابنا الحارث ابن معمر الجمحي و مع حاطب زوجه فاطمة بنت المجلل العامري و ولدت له هناك محمدا و الحارث ابني حاطب و مع حطاب زوجه فكيهة بنت يسار و سفيان بن معمر بن حبيب الجمحي و معه ابناه جابر و جنادة و أمهما حسنة و أخوهما لأمهما شرحبيل بن حسنة و هو شرحبيل بن عبد الله بن المطاع الكندي و قيل إنه من بني الغوث بن مر أخي تميم ابن مر و عثمان بن ربيعة بن أهبان بن وهب بن حذافة بن جمح و خنيس بن حذافة بن قيس بن عدي السمي و سهم بن عمرو بن هصيص و أخوه عبد الله و قيس ابنا حذافة
و رجل من بني تميم اسمه سعيد بن عمرو و كان أخا بشر بن الحارث بن قيس بن عدي لأمه و هشام بن العاص أخو عمرو و عمير بن رئاب بن حذيفة السهمي و أبو قيس بن الحارث بن قيس بن عدي السهمي و إخوته الحارث ومعمر و سعيد و السائب و بشر و أخ لهم من أمهم من تميم يقال له سعيد بن عمرو و محمئة بن جزء الزبيدي حليف بني سهم و معمر بن عبد الله بن نضلة و يقال ابن عبد الله بن نافع بن نضلة العدوي و عروة بن عبد العزى بن حرثان العدوي و عن مصعب الزبيري عروة بن أبي أثاثة بن عبد العزى أو عمرو بن أبي أثاثة و عدي بن نضلة بن عبد العزى العدوي و ابنه النعمان و مالك بن ربيعة بن قيس العامري و امرأته عمرة بنت أسعد بن وقدان بن عبد شمس العامرية و سعد ابن خولة من أهل اليمن حليف لبني عامر بن لؤي و عبد الله بن مخرمة بن عبد العزى و عبد الله بن سهيل بن عمرو و عماه سليط و السكران ابنا عمرو العامريون و امرأته سودة بنت زمعة و أبو عبيدة بن الجراح و عمرو بن أبي سرح بن ربيعة و عياض بن زهير ابن أبي شداد و عثمان بن غنم بن زهير بن أبي شداد و سعد بن عبد قيس بن لقيط ابن عامر الفهريون و عمار بن ياسر و فيه خلاف بين أهل السير
و قال بعض أهل السير : إن أبا موسى الأشعري كان فيمن هاجر إلى أرض الحبشة و ليس كذلك و لكنه خرج في طائفة من قومه من أرضهم باليمن يريد المدينة فركبوا البحر فرمتهم الريح إلى أرض الحبشة فأقام هناك حتى قدم مع جعفر بن أبي طالب
فلم نزل هؤلاء بأرض الحبشة أمنوا على دينهم و أقاموا بخير دار عند خير جار و طلبتهم قريش عنده فكان ذلك سبب إسلامه
قرأت على الإمام الزاهد أبي إسحاق إبراهيم بن علي الحنبلي بالصالحية أخبركم أبو الحسن علي بن النفيس بن بورنداز أخبرنا أبو القاسم محمود بن عبد الكريم أخبرنا أبو بكر ابن ماجة أخبرنا أبو جعفر عن أبي جعفر أحمد بن محمد بن المرزبان عن محمد بن إبراهيم ابن يحيى بن الحكم الحزوري عن محمد بن سليمان لوين حدثنا حديج بن معاوية عن أبي إسحاق عن عبد الله بن عتبة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى النجاشي ثمانين رجلا منهم عبد الله بن مسعود و جعفر و عبد الله بن عرفطة و عثمان بن مظعون رضي الله عنهم و بعثت قريش عمرو بن العاص و عمارة بن الوليد بهدية فقدما على النجاشي فدخلا عليه و سجدا له و ابتدراه فقعد واحد عن يمينه و الآخر عن شماله فقالا : إن نفرا من بني عمنا نزلوا أرضك فرغبوا عنا و عن ملتنا قال : و أين هم ؟ قالوا : بأرضك فأرسل في طلبهم فقال جعفر رضي الله عنه : أنا خطيبكم اليوم فاتبعوه فدخل فسلم فقالوا : ما لك لا تسجد للملك ؟ قال : إنا لا نسجد إلا لله عز و جل قالوا و لم ذاك ؟ قال : إن الله تعالى أرسل فينا رسولا و أمرنا أن لا نسجد إلا لله عز و جل و أمرنا بالصلاة و الزكاة قال عمرو بن العاص : فإنهم يخالفونك في ابن مريم و أمه قال : فما تقولون في ابن مريم و أمه ؟ قال : نقول كما قال الله عز و جل : روح الله و كلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول التي لم يمسها بشر و لم يفرضها ولد قال : فرفع النجاشي عودا من الأرض فقال : يا معشر الحبشة و القسيسين و الرهبان ! ما تزيدون على ما يقولون أشهد أنه رسول الله و أنه الذي بشر به عيسى في الإنجيل و الله لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته فأكون أنا الذي حمل نعليه و أوضئه قال : أنزلوا حيث شئتم و أمر بهدية الآخرين فردت عليهما
قال : و تعجل عبد الله بن مسعود فشهد بدرا
و قال : إنه لما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم موته استغفر له
و لعمارة بن الوليد مع عمرو بن العاص في هذا الوجه خبر مشهور ذكره أبو الفرج علي بن الحسين الأصبهاني و غيره و قال عمرو يخاطب عمارة :
( إذا المرء لم يترك طعاما يحبه ... و لم ينه قلبا غاويا حيث يمما )
( قضى وطرا منه و غادر سبة ... إذا ذكرت أمثالها تملأ الفما )
لم يذكر ابن إسحاق مع عمرو إلا عبد الله بن أبي ربيعة في رواية زياد و في رواية ابن بكير لعمارة بن الوليد ذكر
فأقام المهاجرون بأرض الحبشة عند النجاشي في أحسن جوار فلما سمعوا بمهاجر رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى المدينة رجع منهم ثلاثة و ثلاثون رجلا و من النساء ثماني نسوة فمات منهم رجلان بمكة و حبس بمكة سبعة نفر و شهد بدرا منهم أربعة و عشرون رجلا فلما كان شهر ربيع الأول و قيل المحرم سنة سبع من هجرة رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى المدينة كتب رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى النجاشي كتابا يدعوه فيه إلى الإسلام و بعث به مع عمرو بن أمية الضمري فلما قرئ عليه الكتاب أسلم و قال : لو قدرت أن آتيه لآتيته و كتب إليه رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان ففعل و أصدق عنه تسعمائة دينار و كان الذي تولى التزويج خالد بن سعيد بن العاص بن أمية و كتب إليه رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يبعث إليه من بقي عنده من أصحابه و يحملهم ففعل فجاؤوا حتى قدموا المدينة فيجدون رسول الله صلى الله عليه و سلم في خيبر فشخصوا إليه فوجدوه قد فتح خيبر فكلم رسول الله صلى الله عليه و سلم المسلمين أن يدخلوهم في سهمانهم ففعلوا
و كان سبب رجوع الأولين الاثني عشر رجلا و من ذكر معهم من النساء فيما روي أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قرأ يوما على المشركين { و النجم إذا هوى } حتى بلغ { أفرأيتم اللات و العزى و مناة الثالثة الأخرى } [ النجم : 1 ـ 20 ] ألقى الشيطان كلمتين على لسانه [ تلك الغرانيق العلى و إن شفاعتهن لترجى ] فتكلم رسول الله صلى الله عليه و سلم بهما ثم مضى فقرأ السورة كلها فسجد و سجد القوم جميعا و رفع الوليد بن المغيرة ترابا إلى جبهته فسجد عليه و كان شيخا كبيرا لا يقدر على السجود و يقال : إن أبا أحيحة سعد بن العاص أخذ ترابا فسجد عليه و يقال كلاهما فعل ذلك فرضوا بما تكلم به رسول الله صلى الله عليه و سلم و قالوا : قد عرفنا أن الله يحيى و يميت و يخلق و يرزق و لكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده فأما إذا جعلت لها نصيبا فنحن معك فكبر ذلك على رسول الله صلى الله عليه و سلم من قولهم حتى جلس في البيت فلما أمسى [ أتاه جبريل فعرض عليه السورة فقال جبريل : ما جئتك بهاتين الكلمتين فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : قلت على الله ما لم يقل فأوحى الله إليه { و إن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره و إذا لاتخذوك خليل } إلى قوله { ثم لا تجد لك علينا نصيرا } [ الإسراء : 73 ـ 75 ] ] قالوا : ففشت تلك السجدة في الناس حتى بلغت أرض الحبشة فقال القوم عشائرنا أحب إلينا فخرجوا راجعين حتى إذا كانوا دون مكة بساعة من نهار لقوا ركبا من كنانة فسألوهم عن قريش فقال الركب : ذكر محمد آلهتهم بخير فتابعه الملأ ثم ارتد عنها فعاد لشتم آلهتهم و عادوا له بالشر فتركناهم على ذلك فائتمر القوم في الرجوع إلى أرض الحبشة ثم قالوا : قد بلغنا مكة فندخل فننظر ما فيه قريش و يحدث عهدا من أراد بأهله ثم يرجع فدخلوا مكة و لم يدخل أحد منهم إلا بحوار إلا ابن مسعود فإنه مكث يسيرا ثم رجع إلى أرض الحبشة قال الواقدي : و كانوا خرجوا في رجب سنة خمس فأقاموا شعبان و شهر رمضان و كانت السجدة في سهر رمضان فقدموا في شوال سنة خمس
قال السهيلي : ذكر هذا الخبر يعني خبر هذه السجدة موسى بن عقبة و ابن إسحاق من غير طريق البكائي و أهل الأصول يدفعون هذا الحديث بالحجة و من صححه قال فيه أقوالا : منها أن الشيطان قال ذلك و أشاعه و الرسول لم ينطق به و هذا جيد لولا أن في حديثهم أن جبريل قال لمحمد : ما أتيتك بهذا و منها أن النبي صلى الله عليه و سلم قالها من قبل نفسه و عنى بها الملائكة أن شفاعتهم لترتجي و منها أن النبي صلى الله عليه و سلم قالها حاكيا عن الكفرة و أنهم يقولون ذلك فقالها متعجبا من كفرهم قال : و الحديث على ما خيلت غير مقطوع بصحته
قلت : بلغني عن الحافظ عبد العظيم المنذري رحمه الله أنه كان يرد هذا الحديث من جهة الرواية بالكلية و كان شيخنا الحافظ عبد المؤمن الدمياطي يخالفه في ذلك و الذي عندي في هذا الخبر أنه جار مجرى ما يذكر من أخبار هذا الباب من المغازي و السير و الذي ذهب إليه كثير من أهل العلم الترخص في الرقائق و ما لا حكم فيه من أخبار المغازي و ما يجري مجرى ذلك و أنه يقبل فيها ما لا يقبل في الحلال و الحرام لعدم تعلق الأحكام بها و أما هذا الخبر فينبعي بهذا الاعتبار أن يرد لما يتعلق به إلا إن يثبت بسند لا مطعن فيه بوجه و لا سبيل إلى ذلك فيرجع إلى تأويله

(1/209)


قرأت على عبد الرحيم بن يوسف المزي أخبركم أبو حفص بن طبرزذ قال : [ أخبرنا أبو بكر بن عبد الباقي أخبرنا أبو علي الحسن بن غالب الحربي حدثنا أبو عبد الله محمد ابن أحمد المالكي القاضي حدثنا الحسين بن إسحاق حدثنا أبو علقمة عبد الله بن عيسى الفروي حدثنا عبد المالك بن الماجشون عن الزنجي بن خالد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب ] و قرأت على أبي الفداء إسماعيل بن عبد الرحمن بن عمرو الفراء بسفح قاسيون أخبركم أبو القاسم الحسين بن هبة الله بن محفوظ بن صصرى التغلبي فأقر به قال : أخبرنا الشيخان الشريف أبو طالب علي بن حيدرة بن جعفر الحسيني و أبو القاسم الحسين بن الحسن بن محمد بن البن الأسدي قالا : أخبرنا أبو القاسم علي بن محمد بن أبي العلاء أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن عثمان بن أبي نصر التميمي أخبرنا أبو خيثمة بن سليمان حدثنا محمد بن عوف حدثنا سفيان الطائي قال : قرأت على إسحاق بن إبراهيم الحنيني قال : ذكره أسامة بن زيد عن أبيه عن جده أسلم قال : قال لنا عمر بن الخطاب : أتحبون أن أعلمكم كيف كان بدء إسلامي ؟ قلنا : نعم قال : كنت من أشد الناس على رسول الله صلى الله عليه و سلم فبينا أنا في يوم حار شديد الحر بالهاجرة في بعض طرق مكة إذ لقيني رجل من بعض قريش فقال لي أين تذهب يا ابن الخطاب ؟ أنت تزعم أنك هكذا و قد دخل عليك هذا الأمر في بيتك ! قال : قلت : و ما ذاك ؟ قال : أختك قد صبأت قال فرجعت مغضبا و قد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يجمع الرجل و الرجلين إذا أسلما عند الرجل به قوة فيكونان معه و يصيبان من طعامه قال : و قد ضم إلى زوج أختي رجلين قال : فجئت حتى قرعت الباب فقيل : من هذا ؟ قلت : ابن الخطاب قال : و كان القوم جلوسا يقرؤون صحيفة معهم قال : فلما سمعوا صوتي تبادروا و اختفوا و تركوا أو نسوا الصحيفة من أيديهم قال : فقامت المرأة ففتحت لي
قال : فقلت لها : يا عدوة نفسها قد بلغني أنك قد صبأت قال : فأرفع شيئا من يدي فأضربها به قال : فسال الدم قال : فلما رأت المرأة الدم بكت ثم قالت : يا ابن الخطاب ! ما كنت فاعلا فافعل فقد أسلمت قال : فدخلت و أنا مغضب قال : فجلست على السرير فنظرت فإذا بكتاب في ناحية البيت فقلت : ما هذا الكتاب أعطينه فقالت : لا أعطيكه لست من أهله أنت لا تغتسل من الجنابة و لا تطهر و هذا لا يمسه إلا المطهرون قال : فلم أزل بها حتى أعطتنيه فإذا فيه { بسم الله الرحمن الرحيم } قال : فلما مررت بالرحمن الرحيم ذعرت و رميت بالصحيفة من يدي قال : ثم رجعت إلي نفسي فإذا فيها { سبح لله ما في السموات و الأرض و هو العزيز الحكيم } [ الحديد : 1 ] قال : فكلما مررت بالاسم من أسماء الله عز و جل ذعرت ثم ترجع إلي نفسي حتى بلغت { آمنوا بالله و رسوله و أنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه } حتى بلغ إلى قوله : { إن كنتم مؤمنين } [ الحديد : 7 ـ 8 ] قال : فقلت أشهد أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله فخرج القوم يتباردون بالتكبير استبشارا بما سمعوا مني و حمدوا الله عز و جل ثم قالوا : يا ابن الخطاب أبشر فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم دعا يوم الاثنين فقال : [ اللهم أعز الإسلام بأحد الرجلين إما بأبي جهل بن هشام و إما بعمر بن الخطاب ] و إنا نرجو أن تكوني دعوة رسول الله صلى الله عليه و سلم لك فأبشر قال : فلما أن عرفوا مني الصدق قلت لهم : أخبروني بمكان رسول الله صلى الله عليه و سلم قالوا : هو في بيت في أسفل الصفا و صفوه قال : فخرجت حتى قرعت الباب قيل : من هذا ؟ قلت : ابن الخطاب قال : قد عرفوا شدتي على رسول الله صلى الله عليه و سلم و لم يعلموا إسلامي قال : فما اجترأ أحد منهم أن يفتح الباب قال : فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ افتحوا له فإن يرد الله به خيرا يهده ] قال : ففتحوا لي و أخذ رجلان بعضدي حتى دنوت من النبي صلى الله عليه و سلم فقال : [ أرسلوه ] قال : فأرسلوني فجلست بين يديه قال : [ فأخذ بمجمع قميصي فجبذني إليه ثم قال : أسلم يا ابن الخطاب اللهم اهده ] قال : قلت : أشهد أن لا إله إلا الله و أنك رسول الله فكبر المسلمون تكبيرة سمعت بطرق مكة قال : و قد كان الرجل إذا أسلم استخفى ثم خرجت فكنت لا أشاء أن أرى رجلا إذا أسلم ضرب إلا رأيته قال : فلما رأيت ذلك قلت لا أحب أن لا يصيبني ما يصيب المسلمين قال : فذهبت إلى خالي و كان شريفا فيهم فقرعت الباب عليه فقال : من هذا ؟ قلت : ابن الخطاب قال : فخرج إلي فقلت له : أشعرت أني قد صبأت قال : نعم فقلت : نعم ! قال : لا تفعل قال : قلت : بلى قد فعلت قال : لا تفعل فأجاف الباب دوني و تركني قال قلت : ما هذا بشيء ؟ قال : فخرجت حتى جئت رجلا مع عظماء قريش فقرعت عليه الباب قال : من هذا ؟ قلت : عمر بن الخطاب قال فخرج إلي فقلت له : أشعرت أني قد صبأت فقال : أو فعلت ؟ قلت : نعم قال : فلا تفعل قلت : قد فعلت قال : لا تفعل ثم قام فدخل فأجاف الباب دوني قال : فلما رأيت ذلك انصرفت فقال لي رجل : تحب أن يعلم إسلامك ؟ قال : قلت : نعم قال : فإذا جلس الناس في الحجر و اجتمعوا أتيت فلانا ـ رجلا لم يكن يكتم السر ـ فاصغ إليه فقل له فيما بينك و بينه : إني قد صبأت فإنه سوف يظهر عليك ذلك و يصيح و يعلنه قال : فلما اجتمع الناس في الحجر جئت إلى الرجل فدنوت منه فأصغيت إليه فيما بيني و بينه فقلت : أعلمت أني قد صبأت قال : فقال : أصبأت ؟ قلت : نعم قال : فرفع صوته بأعلاه فقال : ألا إن ابن الخطاب قد صبأ قال : فما زال الناس يضربوني و أضربهم قال : فقال خالي : ما هذا ؟ قال : فقيل : ابن الخطاب قال : فقام علي في الحجر فأشار بكلمه فقال : ألا إني قد أجرت ابن أختي قال : فانكشف الناس عني قال : و كنت لا أشاء أن أرى أحد من المسلمين يضرب إلا رأيته و أنا لا أضرب قال : فقلت : ما هذا بشيء حتى يصيبني مثل ما يصيب المسلمين قال : فأمهلت حتى إذا جلس الناس في الحجر وصلت إلى خالي فقلت : اسمع ؟ قال : قلت : جوارك عليك رد قال : فقال : لا تفعل يا ابن أختي قال : قلت : بلى هو ذاك فقال : ما شئت قال : فما زلت أضرب و أضرب حتى أعز الله الإسلام
و روينا هذا الخبر من طريق ابن إسحاق و فيه قال : و كان إسلام عمر فيما بلغني أن أخته فاطمة و كانت عند سعيد بن زيد كانت قد أسلمت و أسلم زوجها سعيد و هم مستخفون بإسلامهم من عمر و كان نعيم النحام ـ رجل من قومه ـ قد أسلم و فيه : أن عمر خرج متوشحا سيفه يقصد رسول الله صلى الله عليه و سلم و من معه و هم قريب من أربعين بين رجال و نساء و أن الذي قال له ما قال نعيم و أن خبابا كان في بيت أخته يقرئهم القرآن و أن الذي كان في الصحيفة سورة { طه } و أن الذي أذن في دخوله على رسول الله صلى الله عليه و سلم حمزة بن عبد المطلب و الرجل الذي صرح بإسلام عمر عندما قاله له جميل بن معمر الجمحي الذي يقال له ذو القلبين و فيه نزلت { لا جعل الله لرجل من قلبين في جوفه } [ الأحزاب : 4 ] على أحد الأقوال و فيه يقول الشاعر :
( و كيف ثوائي بالمدينة بعد ما ... قضى وطرا منها جميل بن معمر ؟ )
و رويناه من طريق ابن عائذ قال : أخبرني الوليد بن مسلم قال : حدثني عمر بن محمد قال : حدثني أبي محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر فذكر القصة و فيها : فأتيته بصحيفة فيها { طه } فقرأ فيها ما شاء الله قال عمر : فلما بلغ { قلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها و اتبع هواه فتردى } [ طه : 16 ] قال : أشهد أن لا إله إلا الله و أن محمدا عبده و رسوله و فيها : قالوا يا رسول الله هذا عمر بن الخطاب يستفتح فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ ائذنوا له فإن يرد الله به خيرا بهذه و إلا كفيتكموه بإذن الله ] قال محمد يعني ابن عائذ ـ و هذا وهم و إنما الذي قال : فإن يرد الله به خيرا يهده و إلا كفيتكموه : حمزة
و في الخبر عن ابن عائذ قال عمر : فحدثني أبي محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر أن أباه زيد بن عبد الله بن عمر حدثه عن عبيد الله بن عمر قال : فبينا هو خائف على نفسه إذا جاءه العاص بن وائل عليه حلة و قميص مكفف بالحرير فقال : ما لك يا ابن الخطاب قال : زعم قومك أنهم سيقتلونني إذا أسلمت قال العاص : لا سبيل إليك فما عدا أن قالها العاص فأمنت عليه قال عبد الله بن عمر فخرج عمر و العاص فإذا الوادي قد سال بالناس فقال لهم : أين تريدون ؟ قالوا : هذا الذي خالف دين قومه قال : لا سبيل إليه فارجعوا فرجعوا
و ذكر محمد بن عبد الله بن سنجر الحافظ فيما رأيته عنه بإسناده إلى شريح بن عبيد قال : قال عمر بن الخطاب : خرجت أتعرض رسول الله صلى الله عليه و سلم قبل أن أسلم فوجدته قد سبقني إلى المسجد فقمت خلفه فاستفتح سورة الحاقة فجعلت أتعجب من تأليف القرآن فقلت هذا و الله شاعر كما قالت قريش فقرأ { إنه لقول رسول كريم و ما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون } [ الحاقة : 40 ـ 41 ] قال : قلت : كاهن علم ما في نفسي فقرأ { و لا يقول كاهن قليلا ما تذكرون } [ الحاقة : 42 ] إلى آخر السورة قال : فوقع الإسلام في قلبي كل موقع
و قد ذكر غير هذا في خبر إسلام عمر رضي الله عنه أيضا فالله أعلم أي ذلك كان
أخبرنا الإمام أبو عبد الله محمد بن إبراهيم المقدسي و أبو العز عبد العزيز بن عبد المنعم الحراني قراءة عليهما و أنا حاضر في الرابعة قال الأول : أخبرنا أبو اليمن الكندي قراءة عليه و أنا أسمع و قال الثاني : أخبرنا أبو علي بن الخريف قراءة عليه و أنا حاضر أسمع في الخامسة قالا : أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري أخبرنا أبو الحسين محمد ابن أحمد بن حسنون أخبرنا معافى بن إبراهيم بن زكريا بن طرار أخبرنا أبو عبد الله يعني البغوي حدثنا عبيد الله بن عمر حدثنا عبد الله بن خراش عن العوام بن حوشب عن مجاهد عن ابن عباس قال : لما أسلم عمر رضي الله عنه نزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه و سلم فقال : يا محمد لقد استبشر أهل السماء بإسلام عمر رضي الله عنه رواه ابن ماجه عن إسماعيل بن محمد الطلحي عن عبد الله بن خراش

(1/216)


قال أبو عمر : أخبرنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا محمد بن سلمة المرادي أخبرنا ابن وهب أخبرني ابن لهيعة عن محمد بن عبد الرحمن أبي الأسود و أخبرنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا مطرف ابن عبد الرحمن بن قيس حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب و أخبرنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي قالا : حدثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب دخل حديث بعضهم في بعض قال : ثم إن كفار قريش أجمعوا أمرهم و اتفق رأيهم على قتل رسول الله صلى الله عليه و سلم و قالوا : قد أفسد أبناءنا و نساءنا فقالوا لقومه : خذوا منا دية مضاعفة و يقتله رجل من غير قريش و تريحوننا و تريحون أنفسكم فأبى قومه بنو هاشم من ذلك فظاهرهم بنو المطلب بن عبد مناف فأجمع المشركون من قريش على منابذتهم و إخراجهم من مكة إلى الشعب فلما دخلوا الشعب أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم من كان بمكة من المؤمنين أن يخرجوا إلى أرض الحبشة و كانت متجرا لقريش و كان يثنى على النجاشي بأنه لا يظلم عنده أحد فانطلق إليها عامة من آمن بالله و رسوله و دخل بنو هاشم و بنو المطلب شعبهم مؤمنهم و كافرهم فالمؤمن دينا و الكافر حمية فلما عرفت قريش أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد منعه أجمعوا على أن لا يبايعوهم و لا يدخلوا إليهم شيئا من الرفق و قطعوا عنهم الأسواق و لم يتركوا طعاما و لا إداما و لا بيعا إلا بادروا إليه و اشتروه دونهم و لا يناكحوهم و لا يقبلوا منهم صلحا أبدا و لا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموا رسول الله صلى الله عليه و سلم للقتل و كتبوا بذلك صحيفة و علقوها في الكعبة و تمادوا على العمل بما فيها من ذلك ثلاث سنين فاشتد البلاء على بني هاشم في شعبهم و على كل من معهم فلما كان رأس ثلاث سنين تلاوم قوم من قصي ممن ولدتهم بنو هاشم و من سواهم فأجمعوا أمرهم على نقض ما تعاهدوا عليه من الغدر و البراءة و بعث الله على صفيحتهم الأرضة فأكلت و لحست ما في الصحيفة من ميثاق و عهد و كان أبو طالب في طول مدتهم في الشعب يأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم فيأتي فراشه كل ليلة حتى يراه من أراد به شرا أو غائلة فإذا نام الناس أمر أحد بنيه أو إخوته أو بني عمه فاضطجع على فراش رسول الله صلى الله عليه و سلم و أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يأتي بعض فرشهم فيرقد عليها فلم يزالوا في الشعب على ذلك إلى تمام ثلاث سنين و لم تترك الأرضة في الصحيفة اسما لله عز و جل إلا لحسته و بقي ما كان فيها من شرك أو ظلم أو قطيعة رحم فأطلع الله رسوله على ذلك فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم لأبي طالب فقال أبو طالب : لا و الثواقب ما كذبتني فانطلق في عصابة من بني عبد المطلب حتى أتوا المسجد و هم خائفون لقريش فلما رأتهم قريش في جماعة أنكروا ذلك و ظنوا أنهم خرجوا من شدة البلاء ليسلموا رسول الله صلى الله عليه و سلم برمته إلى قريش فتكلم أبو طالب فقال : قد جرت أمور بيننا و بينكم لم نذكرها لكم فائتوا بصحيفتكم التي فيها مواثيقكم فلعله أن يكون بيننا و بينكم صلح و إنما قال ذلك أبو طالب خشية أن ينظروا في الصحيفة قبل أن يأتوا بها فأتوا بصحيفتهم معجبين لا يشكون أن رسول الله صلى الله عليه و سلم يدفع إليهم فوضعوها بينهم و قالوا لأبي طالب قد آن لكم أن ترجعوا عما أحدثتم علينا و على أنفسكم فقال أبو طالب : إنما أتيتكم في أمر هو نصف بيننا و بينكم إن ابن أخي أخبرني و لم يكذبني أن هذه الصحيفة التي في أيديكم قد بعث الله عليها دابة فلم تترك فيها اسما إلا لحسته و تركت فيها غدركم و تظاهرتم علينا بالظلم فإن كان الحديث كما يقول فأفيقوا فلا و الله لا نسلمه حتى نموت من عند آخرنا و إن كان الذي يقول باطلا دفعنا إليكم صاحبنا فقلتم أو استحييتم فقالوا : قد رضينا بالذي تقول : ففتحوا الصحيفة فوجدوا الصادق المصدوق صلى الله عليه و سلم قد أخبر بخبرها قبل أن تفتح فلما رأت قريش صدق ما جاء به أبو طالب عن النبي صلى الله عليه و سلم قالوا : هذا سحر ابن أخيك و زادهم ذلك بغيا و عدوانا
و قال ابن هشام : و ذكر بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لأبي طالب : يا عم إن ربي قد سلط الأرضة على صحيفة قريش فلم تدع فيها اسما إلا أثبتته و نفت منها القطيعة و الظلم و البهتان قال : أربك أخبرك بهذا ؟ قال : نعم قال فو الله ما يدخل عليك أحد ثم خرج إلى قريش فقال : يا معشر قريش ! إن ابن أخي أخبرني و ساق الخبر بمعنى ما ذكرناه
و قال ابن إسحاق و ابن عقبة و غيرهما : و ندم منهم قوم فقالوا : هذا بغي منا على إخواننا و ظلم لهم فكان أول من مشى في نقض الصحيفة هشام بن عمرو بن الحارث العامري و هو كان كاتب الصحيفة و أبو البختري العاص بن هشام بن الحارث بن أسد بن عبد العزى و المطعم بن عدي إلى هنا انتهى خبر ابن لهيعة عن أبي الأسود يتيم عروة و موسى ابن عقبة عن ابن شهاب
و ذكر ابن إسحاق فيهم زهير بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي و زمعة بن الأسود بن المطلب و ذكر ابن إسحاق في أول هذا الخبر قال : و قد كان أبو جهل فيما يذكرون لقي حكيم بن حزام و معه غلام يحمل قمحا يريد به عمته خديجة و هي مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في الشعب فتعلق به و قال : أتذهب بالطعام إلى بني هاشم ؟ قال له أبو البختري : طعام كان لعمته عنده أفتمنعه أن تأتيها بطعامها خل سبيل الرجل فأبي أبو جهل حتى نال أحدهما من صاحبه فأخذ أبو البختري لحي بعير فضربه به فشجه و وطئه وطئا شديدا
و ذكر أبو عبد الله محمد بن سعد : هشام بن عمرو العامري المذكور و قال : كان أوصل قريش لبني هاشم حين حصروا في الشعب أدخل عليهم في ليلة ثلاثة أحمال طعاما فعلمت بذلك قريش فمشوا إليه حين أصبح فكلموه في ذلك فقال : إني غير عائد لشيء خالفكم فانصرفوا عنه ثم عاد الثانية فأدخل عليهم ليلا حملا أو حملين فغالظته قريش وهمت به فقال أبو سفيان بن حرب : دعوه رجل وصل أهل رحمه أما إني أحلف بالله لو فعلنا مثا ما فعل كان أحسن بنا
و عن ابن سعد : و كان الذي كتب الصحيفة بغيض بن عامر بن هاشم بن عبد مناف ابن عبد الدار بن قصي فشلت يده
و حصروا بني هاشم في شعب أبي طالب ليلة هلال المحرم سنة سبع من حين نبئ رسول الله صلى الله عليه و سلم و كان خروجهم في السنة العاشرة و قيل مكثوا في الشعب سنتين

(1/222)


قال ابن إسحاق : ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه و سلم و هو بمكة عشرون رجلا أو قريب من ذلك من النصارى حين بلغهم خبره من الحبشة فوجدوه في المسجد فجلسوا إليه و كلموه و سألوه و رجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة فلما فرغوا من مسألة رسول الله صلى الله عليه و سلم عما أرادوا دعاهم رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى الله و تلا عليهم القرآن فلما سمعوه فاضت أعينهم من الدمع ثم استجابوا له و آمنوا به و صدقوه و عرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام في نفر من قريش فقالوا لهم : خيبكم الله من ركب بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم و صدقتموه بما قال ما نعلم ركبا أحمق منكم أو كما قالوا فقالوا لهم : سلام عليكم لا نجاهلكم لنا ما نحن عليه و لكم ما أنتم عليه لم نأل من أنفسنا خيرا و يقال : إن النفر من النصارى من أهل نجران و يقال : فبهم نزلت { الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون و إذ يتلى عليهم قالوا آمنا به } إلى قوله { لا نبتغي الجاهلين } [ القصص : 52 ـ 55 ]
و قال الزهري ما زلت أسمع من علمائنا أنهن نزلن في النجاشي و أصحابه

(1/226)


روينا عن الدولابي حدثنا أبو الأشعث أحمد بن المقدام العجلي حدثنا زهير بن العلاء حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال : توفيت خديجة بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين و هي أول من آمن بالنبي صلى الله عليه و سلم
قال : و حدثنا أحمد بن عبد الجبار حدثني يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال : ثم إن خديجة بنت خويلد و أبا طالب ماتا في عام واحد فتتابعت على رسول الله صلى الله عليه و سلم مصيبتان هلاك خديجة و أبي طالب و كانت خديجة وزيرة صدق على الإسلام و كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يسكن إليها قال : و قال زياد البكائي عن ابن إسحاق : إن خديجة و أبا طالب هلكا في عام واحد و كان هلاكهما بعد عشر سنين مضين من مبعث رسول الله صلى الله عليه و سلم و ذلك قبل مهاجره صلى الله عليه و سلم إلى المدينة بثلاث سنين
و ذكر ابن قتيبة أن خديجة توفيت بعد أبي طالب بثلاثة أيام و ذكر البيهقي نحوه و عن الواقدي : توفيت خديجة قبل أبي طالب بخمس و ثلاثين ليلة و قيل غير ذلك
فلما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه و سلم من الأذى ما لم تكن تطمع فيه من حياة أبي طالب حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش فنثر على رأسه ترابا فدخل رسول الله صلى الله عليه و سلم بيته و التراب على رأسه فقامت إليه إحدى بناته فجعلت تغسل عنه التراب و هي تبكي و رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : [ لا تبكي يا بنية فإن الله مانع أباك و يقول بين ذلك : ما نالت مني قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب ] قال : و لما اشتكى أبو طالب و بلغ قريشا ثقله قال بعضهم لبعض : إن حمزة و عمر قد أسلما و قد فشا أمر محمد في قبائل قريش كلها فانطلقوا بنا إلى أبي طالب فليأخذ لنا على ابن أخيه و ليعطه منا فإنا و الله ما نأمن أن ببتزونا أمرنا فمشوا إلى أبي طالب و كلموه و هم أشراف قومه : عتبة و شيبة ابنا ربيعة و أبو جهل بن هشام و أمية بن خلف و أبو سفيان بن حرب في رجال من أشرافهم فقالوا : يا أبا طالب إنك منا حيث قد علمت و قد حضرك ما ترى و تخوفنا عليك و قد علمت الذي بيننا و بين ابن أخيك فادعه و خذ له منا و خذ لنا منه ليكف عنا و نكف عنه و ليدعننا و ديننا و ندعه و دينه فبعث إليه أبو طالب فجاءه فقال : يا ابن أخي هؤلاء أشراف قومك و قد اجتمعوا لك ليعطوك و ليأخذوا منك فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : نعم كلمة واحدة تعطونيها و تملكون بها العرب و تدين لكم بها العجم فقال أبو جهل : نعم و أبيك وعشر كلمات قال : [ تقولون لا إله إلا الله و تخلعون ما تعبدون من دونه ] قال : فصفقوا بأيديهم ثم قالوا : يا محمد أتريد أن تجعل الآلهة إلها واحدا إن أمرك لعجب ثم قال بعضهم لبعض : و الله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئا مما تريدون فانطلقوا و امضوا على دين آبائكم حتى يحكم الله بينكم و بينه ثم تفرقوا فقال أبو طالب لرسول الله صلى الله عليه و سلم : و الله يا ابن أخي ما رأيتك سألتهم شحطا فلما قال طمع رسول الله صلى الله عليه و سلم فيه فجعل يقول له : [ أي عم فأنت فقلها أستحل لك بها الشفاعة يوم القيامة ] فلما رأى حرص رسول الله صلى الله عليه و سلم قال له : يا ابن أخي و الله لولا مخافة السبة عليك و على بني أبيك من بعدي و أن تظن قريش أني إنما قلتها جزعا من الموت لقلتها لا أقولها إلا لأسرك بها فلما تقارب من أبي طالب الموت نظر العباس إليه يحرك شفتيه فأصغى إليه بأذنه فقال : يا ابن أخي و الله لقد قال أخي الكلمة التي أمرته بقولها فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ لم أسمع ] كذا في رواية ابن إسحاق أنه أسلم عند الموت
و قد روي أن عبد الله بن عبد المطلب و آمنة بنت وهب أبوي النبي صلى الله عليه و سلم أسلما أيضا و أن الله قد أحياهما له فآمنا به و روي ذلك أيضا في حق جده عبد المطلب و هي روايات لا معول عليها و الصحيح من ذلك ما رويناه من طريق مسلم : [ حدثني حرملة بن يحيى التجيبي أخبرنا عبد الله بن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب قال : أخبرني سعيد ابن المسيب عن أبيه أنه قال : لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه و سلم فوجد عنده أبا جهل و عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : يا عم قا لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله فقال أبو جهل و عبد الله بن أمية : يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب فلم يزل رسول الله صلى الله عليه و سلم يعرضها عليه و يعيدان له تلك المقالة حتى قال أبو طالب ـ آخر ما كلمهم ـ هو على ملة عبد المطلب و أبى أن يقول لا إله إلا الله فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : أما و الله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك فأنزل الله عز و جل { ما كان للنبي و الذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين و لو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم } [ التوبة : 113 ] و أنزل الله في أبي طالب فقال لرسول الله صلى الله عليه و سلم { إنك لا تهدي من أحببت و لكن الله يهدي من يشاء و هو أعلم بالمهتدين } [ القصص : 56 ] ] و رواه مسلم من حديث أبي هريرة أيضا و فيه : لولا أن تعيرني قريش يقولون : إنما حمله على ذلك الخرع لأقررت بها عينك
و في الصحيح [ من حديث أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم ذكر عنده عمه أبو طالب فقال : لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار ]
[ و عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : أهون أهل النار في النار عذابا أبو طالب و هو منتعل بنعلين من نار يغلي منهما دماغه ] [ أخبرنا عبد الرحيم المزي بقراءة والدي عليه أخبركم أبو علي حنبل بن عبد الله بن الفرج أخبرنا أبو القاسم بن الحصين أخبرنا أبو علي بن المذهب أخبرنا أبو بكر القطيعي أخبرنا عبد الله بن أحمد حدثنا أبي حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي إسحاق قال : سمعت ناجية بن كعب يحدث عن علي أنه أتى النبي صلى الله عليه و سلم فقال : إن أبا طالب مات فقال له النبي صلى الله عليه و سلم اذهب فواره فقال : إنه مات مشركا قال : اذهب فواره فلما واريته رجعت إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال لي : اغتسل ]
و أخبرنا أبو الفضل بن الموصلي قال : [ أخبرنا أبو علي بن سعادة الرصافي أخبرنا هبة الله بن محمد الشيباني أخبرنا الحسن بن علي التميمي أخبرنا أحمد بن جعفر بن حمدان أخبرنا عبد الله بن أحمد حدثنا أبي حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن يعلى بن عطاء عن وكيع بن عدس عن أبي رزين عمه قال : يا رسول الله ! أين أمي ؟ قال : أمك في النار قال : فأين من أهلك ؟ قال : أما ترضى أن تكون أمك مع أمي ؟ ! ] قال عبد الله : قال أبي : الصواب حدس
و ذكر بعض أهل العلم في الجمع بين هذه الروايات ما حصله أن النبي صلى الله عليه و سلم لم يزل راقيا في المقامات السنية صاعدا في الدرجات العلية إلى أن قبض الله روحه الطاهرة إليه و أزلفه بما خصه به لديه من الكرامة حين القدوم عليه فمن الجائز أن تكون هذه درجة حصلت له صلى الله عليه و سلم بعد أن لم تكن و أن يكون الإحياء و الإيمان متأخرا عن تلك الأحاديث فلا تعارض
و قال السهيلي : شهادة العباس لأبي طالب لو أداها بعدما أسلم كانت مقبولة لأن العدل إذا قال سمعت و قال من هو أعدل منه لم أسمع أخذ بقول من أثبت السماع و لكن العباس شهد بذلك قبل أن يسلم
قلت : قد أسلم العباس بعد ذلك و سأل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن حال أبي طالب فيما أخبرنا عبد الرحيم بن يوسف بقراءة أبي عليه و قرأت على أبي الهيجاء غازي بن أبي الفضل قال : [ أخبرنا أبو حفص بن طبرزد قال : أخبرنا ابن الحصين أخبرنا أبو طالب ابن غيلان أخبرنا أبو بكر الشافعي حدثنا بشر بن موسى حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا عبد الملك بن عمير قال : سمعت عبد الله بن الحارث بن نوفل قال : سمعت العباس يقول : قلت يا رسول الله إن أبا طالب كان يحفظك و ينصرك فهل نفعه ذلك قال : نعم و جدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح ] صحيح الإسناد مشهور متفق من حديث العباس في الصحيحين
و لو كانت هذه الشهادة عنده لأداها بعد إسلامه و علم حال أبي طالب و لم يسأل و المعتبر حالة الأداء دون التحمل
و فيما ذكره السهيلي أن الحارث بن عبد العزى أبا رسول الله صلى الله عليه و سلم من الرضاعة قدم على رسول الله صلى الله عليه و سلم مكة فأسلم و حسن إسلامه في خبر ذكره من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق عن أبيه عن رجال من بني سعد بن بكر

(1/226)


و ذلك في ليال بقين من شوال سنة عشر من النبوة قال ابن إسحاق :
[ و لما هلك أبو طالب و نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه و سلم ما لم تكن تنال منه في حياته خرج إلى الطائف و حده ـ و قال ابن سعد : و معه زيد بن حارثه ـ يلتمس النصرة من ثقيف و المنعة بهم من قومه و رجا أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله فلما انتهى إلى الطائف عمد إلى نفر من ثقيف و هم يومئذ سادة ثقيف و أشرافهم و هم إخوة ثلاثة : عبد ياليل و مسعود و حبيب بنو عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن غيرة بن عوف بن ثقيف و عند أحدهم من قريش من بني جمح فجلس إليهم رسول الله صلى الله عليه و سلم و كلمهم بما جاءهم له من نصرته على الإسلام و القيام معه على من خالفه من قومه فقال له أحدهم : هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك و قال الآخر : أما وجد الله أحدا يرسله غيرك و قال الثالث : و الله لا أكلمك أبدا لئن كنت رسولا من الله كما تقول لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام و لئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك فقام رسول الله صلى الله عليه و سلم من عندهم و قد يئس من خير ثقيف و قد قال لهم ـ فيما ذكر لي ـ إذا فعلتم ما فعلتم فاكتموا علي و كره رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يبلغ قومه عنه فيذئرهم ذلك عليه فلم يفعلوا و أغروا به سفهاءهم و عبيدهم يسبونه و يصيحون به حتى اجتمع عليه الناس
قال موسى بن عقبة : قعدوا له صفين على طريقه فلما مر رسول الله صلى الله عليه و سلم بين صفيهم جعل لا يرفع رجليه و لا يضعها إلا رضخوهما بالحجارة حتى أدموا رجليه
زاد سليمان التيمي : أنه صلى الله عليه و سلم كان إذا أذلقته الحجارة قعد إلى الأرض فيأخذون بعضديه فيقيمونه فإذا مشى رجموه و هم يضحكون
و قال ابن سعد : و زيد بن حارثة يقيه بنفسه حتى لقد شج في رأسه شجاجا
قال ابن عقبة : فخلص منهم و رجلاه تسيلان دما فعمد إلى حائط من حوائطهم فاستظل في ظل حبلة منه و هو مكروب موجع و إذا في الحائط عتبة و شيبة ابنا ربيعة فلما رآهما كره مكانهما لما يعلم من عدواتهما لله و رسوله قال : فلما رآه ابنا ربيعة و ما لقي تحركت له رحمهما فدعوا غلاما لهما نصرانيا يقال له عداس فقالا له : خذ قطفا من هذا العنب فضعه في هذا الطبق ثم اذهب به إلى ذلك الرجل فقل له يأكل منه ففعل عداس ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم قال له : كل فلما وضع رسول الله صلى الله عليه و سلم فيه يده قال : بسم الله ثم أكل فنظر عداس في وجهه ثم قال : و الله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم : و من أي البلاد أنت يا عداس ؟ و ما دينك ؟ قال : نصراني و أنا من أهل نينوى فقال له : كل فلما وضع رسول الله صلى الله عليه و سلم في يده قال : بسم الله ثم أكل فنظر عداس في وجهه ثم قال : و الله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم : و من أي البلاد أنت يا عداس ؟ و ما دينك ؟ قال : نصراني و أنا من أهل نينوى فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : من أهل قرية الرجل الصالح يونس بن متى ؟ قال له عداس : و ما يدريك لقد أعلمني بأمر لا يعلمه إلا نبي قالا : ويحك يا عداس لا يصرفنك عن دينك فإن دينك خير من دينه ]
و روينا في الصحيح [ من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبي صلى الله عليه و سلم : هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد ؟ فقال : لقد لقيت من قومك و كان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت على وجهي و أنا مهموم فلم أستفق إلا و أنا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فإذا فيها جبريل فناداني فقال : إن الله قد سمع قول قومك لك و ما ردوا عليك و قد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداني ملك الجبال فسلم علي فقال : يا محمد ذلك لك فما شئت ؟ و إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين ؟ فقال النبي صلى الله عليه و سلم : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا ]
و ذكر ابن هشام : [ أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما انصرف عن أهل الطائف و لم يجيبوه لما دعاهم إليه من تصديقه و نصرته صار إلى حراء ثم بعث إلى الأخنس بن شريق لجيره فقال : أنا حليف و الحليف لا يجير فبعث إلى سهيل بن عمرو فقال : إن بني عامر لا تجير على بني كعب فبعث إلى المطعم بن عدي فأجابه إلى ذلك ثم تسلح المطعم و أهل بيته و خرجوا حتى أتوا المسجد ثم بعث إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم أن ادخل فدخل رسول الله صلى الله عليه و سلم فطاف بالبيت و صلى عنده ثم انصرف إلى منزله
و لأجل هذه السابقة التي سلفت للمطعم بن عدي قال رسول الله صلى الله عليه و سلم في أسارى بدر : لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له ]

(1/231)


و في انصراف رسول الله صلى الله عليه و سلم من الطائف راجعا إلى مكة حين يئس من خير ثقيف مر به النفر من الجن و هو بنخلة كما سيأتي إن شاء الله تعالى و هم فيما ذكر ابن إسحاق سبعة من جن نصيبين و كان رسول الله صلى الله عليه و سلم قد قام من جوف الليل و هو يصلي و الخبر بذلك ثابت [ من طريق عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : قرأت على أبي عبد الله بن أبي الفتح الصوري بمرج دمشق أخبركم أبو القاسم بن الحرستاني سماعا عليه ؟ فأقر به أخبرنا أبو محمد طاهر بن سهل أخبرنا أبو الحسين بن مكي أخبرنا القاضي أبو الحسن الحلبي قال : حدثني إسحاق بن محمد بن يزيد قال : حدثنا أبو داود ـ يعني سليمان بن سيف ـ حدثنا أيوب بن خالد حدثنا الأوزاعي حدثني إبراهيم ابن طريف حدثني يحيى بن سعيد الأنصاري حدثني عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : حدثني عبد الله بن مسعود قال :
كنت مع النبي صلى الله عليه و سلم ليلة صرف الله النفر من الجن ] الحديث
و روينا من حديث أبي المعلى [ عن عبد الله بن مسعود قال : خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم قبل الهجرة إلى نواحي مكة فخط لي خطا و قال : لا تحدثن شيئا حتى آتيك
ثم قال : لا يروعنك أو لا يهولنك شيء تراه ثم جلس فإذا رجال سود كأنهم رجال الزط قال : و كانوا كما قال الله : { كادوا يكونون عليه لبدا } [ الجن : 19 ] فأردت أن أقوم فأذب عنه بالغا ما بلغت ثم ذكرت عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم فمكثت ثم إنهم تفرقوا عنه فسمعتهم يقولون : يا رسول الله إن شقتنا بعيدة و نحن منطلقون فزودنا الحديث و فيه : فلما و لوا قلت : من هؤلاء ؟ قال هؤلاء جن نصيبين ]
[ و روينا من حديث أبي عبد الله و فيه قال : ثم شبك أصابعه في أصابعي و قال : إني و عدت أن تؤمن بي الجن و الإنس فأما الإنس فقد آمنت بي و أما الجن فقد رأيت ]
و روى أبو عمر [ من طريق أبي داود حدثنا محمد بن المثنى حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي ظبيان عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود قال : لما كانت ليلة الجن أتت النبي صلى الله عليه و سلم سمرة فآذنته بهم فخرج إليهم ]
قال أبو داود حدثنا هارون بن معروف حدثنا سفيان عن مسعر عن عمرو بن مرة عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة أن مسروقا قال له : أبوك أخبرنا أن شجرة أنذرت النبي صلى الله عليه و سلم بالجن
و روينا حديث أبي فزارة [ عن أبي زيد عمرو بن مولى بن حريث حدثنا عبد الله بن مسعود قال : أتانا رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : إني قد أمرت أن أقرأ على إخوانكم من الجن فليقم معي رجل منكم و لا يقم رجل في قلبه مثقال حبة خردل من كبر فقمت معه و أخذت إداوة فيها نبيذ فانطلقت معه فلما برز خط لي خطا و قال لي : لا تخرج منه فإنك إن خرجت لم ترني و لم أراك إلى يوم القيامة قال : ثم انطلق فتوارى عني حتى لم أره فلما سطع الفجر أقبل فقال لي : أراك قائما فقلت ما قعدت فقال : ما عليك لو فعلت قلت : خشيت أن أخرج منه فقال : أما إنك لو خرجت منه لم ترني و لم أراك إلى يوم القيامة هل معك وضوء ؟ قلت : لا فقال : ما هذه الإداوة ؟ قلت : فيها نبيذ قال : تمرة طيبة و ماء طهور فتوضأ و أقام الصلاة فلما قضى الصلاة قام إليه رجلان من الجن فسألاه المتاع فقال : ألم آمر لكما و لقومكما بما يصلحكما ؟ قالا : بلى و لكن أحببنا أن يشهد بعضنا معك الصلاة فقال : ممن أنتما ؟ قالا : من أهل نصيبين فقال : أفلح هذان و أفلح قومهما و أمر لهما بالروث و العظم طعاما ولحما و نهى النبي صلى الله عليه و سلم أن يستنجي بعظم أو روثة ]
رويناه من حديث قيس بن الربيع و هذا لفظه
و من حديث الثوري و إسرائيل و شريك و الجراح بن مليح و أبي عميس كلهم عن أبي فزارة
و غير طريق أبي فزارة عن أبي زيد لهذا الحديث أقوى منها للجهالة الواقعة في أبي زيد ولكن أصل الحديث مشهور عن ابن مسعود من طرق حسان متظافرة يشهد بعضها لبعض ويشد بعضها بعضا و لم تتفرد طريق أبي زيد إلا بما فيها من التوضؤ بنبيذ التمر وليس ذلك مقصودنا الآن و يكفي من أمر الجن مافي سورة الرحمن و سورة قل أوحي إلي و سورة الأحقاف { و إذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن } [ الأحقاف : 29 ] الآيات
و ذكر ابن سعد أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لم يشعر بالجن و هم يستمعون له يقرأ حتى نزلت عليه { و إذ صرفنا إليك نفر من الجن } الآية
و روينا عن ابن هشام قال : حدثني خلاد بن قرة بن خالد السدوسي و غيره من مشائخ بكر بن وائل من أهل العلم أن أعشى بني قيس بن ثعلبة خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم يريد الإسلام فقال يمدح رسول الله صلى الله عليه و سلم :
( ألم تغتمض عيناك ليلة أرمداو بت كما بات السليم مسهدا )
( ألا أيهذا السائلي أين يممت فإن لها في أهل يثرب موعدا )
( و آوليت لا آوي لها من كلالة ... و لا من حفا حتى تلاقي محمدا )
( متى ما تناخى عند باب ابن هاشم تراحي و تلقي من فواضله ندى )
( نبيا يرى ما لا ترون و ذكرهأغار لعمري في البلاد و أنجدا )
( له صدقات ما تغب و نائل و ليس عطاء اليوم مانعه غدا )
( أجدك لم تسمع وصاة محمدنبي الإله حين أوصى و أشهدا )
( إذا أنت لم ترحل بزاد من التقىو لاقيت بعد الموت من قد تزودا )
( ندمت على أن لا تكون كمثله فترصد للموت الذي كان أرصدا )
فلما كان بمكة أو قريبا منها اعترضه بعض المشركين من قريش فسأله عن أمره فأخبره أنه جاء يريد رسول الله صلى الله عليه و سلم ليسلم فقال له : يا أبا صبير ! فإنه يحرم الزنا
فقال الأعشى : و الله إن ذلك لأمر مالي فيه من أرب فقال : يا أبا بصير فإنه يحرم الخمر قال الأعشى : أما هذه فو الله إن في النفس منها لعلالات و لكني منصرف أرتوي منها عامي هذا ثم آتيه فأسلم فانصرف فمات في عامه ذلك و لم يعد إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم
قوله : [ لا آوي لها من كلالة ] أي لا أرق و في هذه الأبيات عن غير ابن هشام بعد قوله أغار لعمري في البلاد و أنجدا :
( به أنقذا الله الأنام من العمى ... و ما كان فيهم من يريع إلى هدى )
و قوله : فلما كان بمكة و هم ظاهر لأن تحريم الخمر إنما كان بعد أحد و في الأبيات : [ فإن لها في أهل يثرب موعدا ] و هو أيضا مما يبين ذلك و الله أعلم

(1/234)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية