صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : شذرات من كتب مفقودة في التاريخ
المؤلف : استخرجها وحققها الدكتور إحسان عباس
الناشر : دار الغرب الإسلامي - بيروت - لبنان ص.ب: 5787 - 113
الطبعة :
الجزء : 1 - الطبعة : 1 ، 1988
الجزء : 2 - الطبعة : 3 ، 1988
مصدر الكتاب : الوراق

[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

المتقي بهذا اللقب، وهو ثاني من لقب في الدولة، ولقب أخاه أبا الحسن سيف الدولة، وولى ناصر الدولة إمارة الأمراء ببغداد وواسط في سنة ثلاثين وثلاثمائة، وضرب دنانير سماها الإبريزية، وبيع الدينار منها بإثني عشر درهما، وزوج ابنته عدويه من الأمير أبي منصور ابن المتقي لله على صداق تعجل منه مائة ألف دينار، وكانت إمارته ببغداد ثلاثة عشر شهرا وثلاثة أيام.
- 5 - (1)
ولم يزل [ناصر الدولة] مستوليا على ديار الموصل وغيرها حتى قبض عليه ابنه أبو تغلب في سنة ست وخمسين وثلاثمائة، وكانت إمارته هناك اثنتين وثلاثين سنة، وتوفي يوم الجمعة الثاني عشر من شهر ربيع الأول سنة سبع وخمسين وثلاثمائة، [رحمه الله تعالى. وقتل أبوه ببغداد وهو يدافع عن الإمام القاهر بالله وقصته مشهورة لثلاث عشرة ليلة بقيت من المحرم سنة سبع عشرة وثلاثمائة رحمه الله تعالى].
- 6 - (2)
وكان لناصر الدولة أبي محمد بن حمدان أولاد منهم أبو المظفر حمدان، وهو مذكور في التاريخ وفي مديح ابن نباتة.
- 7 - (3)
[أبو بكر محمد بن أبي محمد طغج المنعوت بالإخشيد] كان جيشه يحتوي على أربعمائة ألف رجل، وكان جبانا، وكان له ثمانية آلاف مملوك يحرسه في كل ليلة ألفان منهم، ويوكل بجانب خيمته الخدم إذا سافر، ثم لا يثق حتى يمضي إلى
__________
(1) بغية الطلب 4: 261 وابن خلكان 2: 116 - 117 وما بين معقفين زيادة منه.
(2) بغية الطلب 5: 274.
(3) وفيات الأعيان 5: 59.

(1/87)


خيم الفراشين فينام فيها، ولم يزل على مملكته وسيادته إلى أن توفي في الساعة الرابعة من يوم الجمعة لثمان بقين من ذي الحجة سنة أربع وثلاثين وثلثمائة بدمشق، وحمل تابوته إلى بيت المقدس فدفن به.
- 8 - (1)
وفي ليلة الخميس الخامس من جمادى الأولى سنة إحدى وأربعمائة قتل أبو منصور سعد بن مروان في الحصن المعروف بالهتاخ، وولي أخوه أبو نصر أحمد بن مروان، ولقبه بالله نصر الدولة، وعدل في رعيته، وتنعم تنعما لم يسبق إليه وملك خمسمائة سرية سوى خدمهن وتوابعهن، وكان معروفا بكثرة الأكل والشرب والنكاح، وتزوج بنات ملوك الأطراف، وكان يجمع في مجلس لذته من الأواني ما يزيد قيمته على مائتي ألف دينار، وكان يصدق بالصدقات الكثيرة. ووقع وبأ في بلاده وكفن في سنة واحدة أربعة عشر ألف إنسانا. وكان لإهل الدين والعلم عنده مقدار عظيم. والتمس مائة ألف دينار يصرفها في بعض حوبه فأحضر له وزيره توزيعا على أهل الأموال بها فقال: لو أردت أموال الناس لعولت على صاحب الشرط، وإنما أريد ذلك من أمول المتاجرة، فأتاه تاجر بألف دينار فقال: أسألك يا مولانا قبولها في هذا البيكار فإني أكتسيت أمثالها في بعض الأيام، فقال: خذها ولا حاجة لي فيها، وأمر أن يتضدق في خزائنه شكرا لله تعالى في عمارة بلده، وكان بآمد في أيامه أربعة عشر دارا للمرابطين وعشرة آلاف رجل من المجاهدين، وسلاح عظيم، وذلك في وزارة فخر الدولة أبي نصر محمد بن محمد بن جهير لأبن مروان، وتوفي في شوال سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة، وعمره ست وسبعون سنة وثمانية أشهر، وإمارته ثلاث وخمسون سنة تنقص شهرا واحدا. وولي بعده أبنه نضام الدين أبو القاسم نصر.
- 9 - (2)
ولما مات أبو عبد الله الحسين بن ناصر الدولة أبي محمد بن حمدان بصور
__________
(1) بغية الطلب 2: 61.
(2) بغية الطلب 4: 187.

(1/88)


وهو وإليها من قبل المصريين قام مقامه أبنه أبو محمد الحسن واستولى على دمشق، فنفذ إليه المستنصر خادما في سنة أربعين وأربعمائة، فقبض عليه ونفذ به إلى مصر، ثم رضي الله عنه، فاستولى على أمور الدولة هنالك، ثم أراد أن يزيل أمرهم فقتلوه في سنة ست وستين وأربعمائة.
- 10 - (1)
وأقلع السلطان (2) حلب وقلعتها مملوكه آق سنقر ولقبه قسيم الدولة، وذك في سنة تسع وسبعين وأربعمائة فأحسن السيرة، وظهر منه عدل لم يعرف بمثله، واستغلها في كل يوم ألفا وخمسمائة دينار، ولم يزل بها حتى قتله تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان في سنةسبع وثمانين وأربعمائة.
- 11 - (3)
لما أستوزر عز الدولة بختيار بن بويه ابن بقية بعد أن كان يتولى أمر المطبخ قال الناس: من الغضارة إلى الوزارة، وستر كرمه عيوبه، وخلع في عشرين يوما عشرين ألف خلعة.
- 12 - (4)
نظام الملك أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي: وزر للسلطان ألب أرسلان ولولده السلطان ملك شاه تسعا وعشرين سنة، قتل بالقرب من نهاوند في الليلة الحادية عشرة من شهر رمظان سنة خمس وثمانين وأربعمائة، وعمره ست وسبعون سنة وعشرة أشهر وتسعة عشر يوما، أغتاله أحد الباطنية وقد فرغ من فطوره. وقيل أن السلطان ملك شاه ولف عليه من قتله لأنه سئم طول عمره، ومات
__________
(1) بغية الطلب 3: 269 وسويم: 99 - 100.
(2) يريد السلطان ملكشاه.
(3) وفيات الأعيان 5: 19.
(4) بغية الطلب 4: 299 وسويم: 91 - 92.

(1/89)


بعده بشهر وخمسة أيام. وتقدم نظام الملك في الدنيا التقدم العظيم، وأفضل على الخلق الإفضال الكبير، وعم الناس بمعروفه، وبنى المدارس لأصحاب الشافعي ووقف عليهم الوقوف، وزاد في الحلم والدين على من تقدمه من الوزراء، ولم يبلغ أحد منه منزلته في جميع أموره، وعبر جيحون فوقع على العامل بإنطاكية ما يصرف إلا الملاحين. وملك من الغلمان الأتراك ألوفا عديدة، وكان جمهور العساكر وشجعانهم وفتاكهم من مماليكه. وتحدث أبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب التميمي قال: سألته عن السبب في تعظيم الصوفية، فقال:
أتاني صوفي وأنا أخدم ابن باخر الأمير التركي فوعظني وقال: أخدم من تنفعك خدمته، ولا تشتغل بمن تأكله الكلاب غدا، فلم أعرف معنى قوله، فأتفق أن ابن باخر شرب من الغد، واغتبق، وكانت له كلاب كالسباع تفرس السباع بالليل، فخلبه السكر وخرج وحده، فلم تعرفه الكلاب فمزقته، فعلمت أن الرجل كوشف، فأنا أطلب أمثاله.
13 - (1)
وولي بعده [يعني رضوان بن تتش] أبو شجاع محمد بن رضوان، وكان لا يحسن أن يتكلم، واستولى على حلب، وله من العمر تسع عشر سنة، وقتل خلقا من أصحاب أبيه، فاغتاله خادم كان خصيصا به أسمه لؤلؤ في رجب سن ثمان وخمسمائة، وكان ملكه بحلب سنة واحدة.
14 - (2)
وملكها [يعني حلب] بعده [يعني بعد مقتل أبيه تتش] في سنة ثمان وثمانين وأربعمائة أبنه أبو المظفر رضوان بن تتش تسع عشرة سنة، وتوفي في سحره يوم الأربعاء آخر يوم من جمادى الآخرة سنة سبع وخمسمائة، وعمره أثنتان وثلاثون سنة، وخلف عينا وعروضا تتقارب ألف ألف دينار.
__________
(1) بغية الطلب 3: 290 وسويم: 154.
(2) بغية الطلب 7: 95 وسويم: 151.

(1/90)


9 - تاريخ همام بن الفضل بن جعفر بن علي بن المهذب التنوخي

(1/91)


فراغ

(1/92)


كانت أسرة بني المهذب من الأسر المرموقة في المعرة، وقد شهر منها غير واحد من الفضلاء، (أنظر: جزء فيه مراثي بني المهذب)، وقد اهتم أبو الحسين علي بن المهذب منهم بتدوين تعليق في التاريخ، وبعد وفاته سنة 387 997 ضل ذلك التعليق من بين ما تحتفظ به تلك الأسر، حتى نشأ همام بن الفضل بن جعفر ابن علي (فعلي هو جد والد همام وهمام كان يكنى بابي غالب)، وقد وجد همام لديه ميلا إلى إكمال ما بدأه جد والده فجمع كتابا في التاريخ جعله تذكرة كتبها مما وجده في التواريخ المتقدمة، ومما وجده بخط جد أبيه الشيخ أبي الحسين وغيرهن واعتمد فيه على تدوين ما سمعه من بعض من أدركهم من المعربين كأبي العلاء المعري نفسه وغيره من الشيوخ. وبما أن تاريخ أبي غالب همام قد احتوى تاريخ جد والده، فقد جمعت بين التاريخيين (مع التمييز عند الضرورة، بين ما نقل مباشرة عن تاريخ أبي الحسين، وما نقل عن تاريخ أبي غالب).
- 1 - (1)
سنة 200: فيها ولد البحتري أبو عبادة الوليد بن عبيد الشاعر، ببلدة تسمى حردفنة من قرى منبج، في أول أيام المأمون وهو بخراسان.
حدثني أبو العلاء المعري عمن حدثه أن البحتري كان يركب برذونا له وأبوه
__________
(1) معجم البلدان 2: 239 (وقال غير المهذب، ولد البحتري في سنة 205 ومات سنة 284).

(1/93)


يمشي قدامه، فإذا دخل البحتري على بعض من يقصده، وقف أبوه على بابه قابضا عنان دابته إلى أن يخرج فيركب ويمضي.
- 2 - (1)
سنة 220:فيها قتل المعتصم دعبل بن علي الخزاعي لهجائه له، وكان قد استجار بقبر الرشيد بطوس فلم يجره (2) .
- 3 - (3)
سنة 244: فيها قدم المتوكل إلى الشام ونزل بتل منس (4) في ذهابه وعودته.
- 4 - (5)
سنة 247: فيها قتل المتوكل. ومات المسهب بن واضح التلمنسي غرة محرم وعمره تسع وثمانون سنة، ودفن في تل منس، وكان مسندا وله عقب.
- 5 - (6)
سنة 264: فيها ولد أحمد بن أبي حامد[محمد] بن همام رحمه الله،
__________
(1) بغية الطلب 6: 340.
(2) ذكر ابن خلكان أن دعبلا توفي سنة 246، أي بعد وفاة المعتصم العباسي بكثير، إذ كانت وفاة المعتصم سنة 227/841 ولم أجد أحدا يقول إن المعتصم هو الذي قتله. (انظر بغية الطلب 6: 340/ نقلا عن تاريخ همام).
(3) معجم البلدان 1: 871.
(4) تل منس: حصن على مقربة من معرة النعمان.
(5) معجم البلدان 1: 872.
(6) بغية الطلب 2: 12.

(1/94)


وسمعت جماعة من شيوخ معرة النعمان يصفونه ويقولون إنه كان شيخ جند حمص (1) .
- 6 - (2)
سنة 270: وفيها توفي أحمد بن طولون في ذي القعدة وقام مكانه ابنه خمارويه.
- 7 - (3)
سنة 288: وفيها هرب وصيف الخادم من مدينة بردعة من مولاه الأفشين وسار إلى الثغور الشامية، وتبعه المعتضد وظفر به بناحية الكنيسة السوداء، وهو يريد دخول بلد الروم فأخذه وانصرف به إلى بغداد فقتله، واعتل المعتضد لإتعابه نفسه في طلبه علة كانت فيها وفاته، وقيل إنه وهو في طلبه وقد عاينه، حصره بول، فاستبطأ نفسه أن ينزل، وعظم عليه أن يبول في ثيابه وسرجه، فانفتقت مثانته، وكان سبب موته.
8 - (4)
سنة 290: فيها نجم بالشام قرمطي بأرض دمشق انتسب إلى العلوية، قال الشيخ أبو الحسين علي بن المهذب:أخبرني المهذب أبي أن هذا القرمطي أول
__________
(1) من تاريخ همام وتعليق أبي الحسين (بغية الطلب 2: 12)، وأحمد هذا تنوخي معري، وهو عم أبي الحسين علي بن المهذب صاحب التاريخ، وكانت وفاة أحمد سنة 331 (انظر ما يلي: رقم: 15) وقد أورد أبو الحسين في تعليقه مزيدا من التفصيل إذ يقول: فيها ولد عمي أحمد بن أبي حامد رحمه الله لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى وست خلت من أيار، وجدت مولده بخط أبيه جدي أبي حامد محمد بن همام.
(2) بغية الطلب 1: 175 نقلا عن تعليق أبي الحسين وحده..
(3) بغية الطلب 1: 124 نقلا عن تعليق أبي الحسين وحده..
(4) بغية الطلب 1: 139 عن تاريخ همام.

(1/95)


من وقع عليه هذا اللقب، وكان خرج في بطن من بني عدي من كلب يقال لهم بنو العليص، فخرج أليه طغج بن جف والي دمشق من قبل الطولونية محتقرا له، في غير عدد ولا عدة، وكان هذا القرمطي في بادية كلب، فأوقع بطغج ودخل إلى دمشق مهزوما، ثم رجع فجمع عسكره وحشد وخرج أليه، فكان الظفر للقرمطي أيضا، وقتل خلقا كثيرا من أصحاب طغج ونهبوا عسكره، وعاد طغج إلى دمشق، فقوي القرمطي، وكتب طغج إلى مصر فوجه أليه جماعة من الفرسان والرجالة وأمدهم من في الشام فصار جيشا عظيما، فخرج وهو غير شاك في الظفر به، فأوقع القرمطي به، وكانت الوقعة في موضع يعرف بالكسوة. وسار القرمطي إلى بعلبك ففتحها وقتل أهلها ونهب وأحرق، وسار القرمطي منها إلى حمص فدعا لنفسه بها وبث ولاته في أعمالها، وضرب الدنانير والدراهم، وكتب عليها المهدي المنصور أمير المؤمنين، وكذلك كان يدعو له على المنابر، وأنفذ سرية إلى حلب، فأوقع بأبي الأغر خليفة بن المبارك السلمي وعادة السرية، وجبى الخراج وحمل أليه مال جند حمص، فأنفذ الأمير أبو الحجر المؤمل بن مصبح أمير برزويه والبارة والروق (1) وأفامية وأعمال ذلك وبقي والي هذه المواضع من قبل الخلفاء ببغداد أربعين سنة فيها رجلين من أهل معرة النعمان اسم أحدهما أحمد بن محمد بن تمام والآخر ابن عاص القسري، وجاءا إلى القرمطي يرفعان على أهل معرة النعمان، فمضيا أليه وقالا له: إن أهل معرة النعمان قد شقوا العصا وبطلوا الدعوة وغيروا الأذان ومنعوا الخوارج، وكان أهل معرة النعمان قد أرسلوا معهما الخراج فأخذ منهما في الطريق، فلما قالا له ذلك التفت إلى كاتبه وقال له: اكتب وشهد شاهدان من أهلها، فسار إليها وقال لأصحابه: إن أغلقوا الباب فاجعلوا غارة على الدارين (حاشية:لعله الذراري). فخرج أهل معرة النعمان ولا علم لهم بما قد جرى، وأصحاب القرمطي يقولون لهم:القوا مولانا السيد، فبلغ كثير من الناس إلى قرب حناك، وأخذ الأبواب أصحاب القرمطي على الناس فقتل خلق كثير، ودخلها يوم الأربعاء النصف من ذي الحجة، فأقام يقتل المشايخ والنساء والرجال
__________
(1) حاشية: الروق هو الذي يقال له الروج، كورة معروفة.

(1/96)


والأطفال ويحرق وينهب خمسة عشر يوما. فذكر أن القتلى كانوا بضعة عشر ألفا. وخرج المكتفي إلى الرقة وأنفذ عساكره مع محمد بن سليمان الكاتب الأنباري، وكان شهما شجاعا مدبرا، فحصل في حلب في جيش فيه ثلاثون الفا مرتزقة فيما ذكر غير واحد وكان جهير بن محمد يقول له: تخرج إليهم فقد أهلكوا عشيرتي، فيقول له ابن الأنباري الكاتب: لو أخذوا بلحيتي ما خرجت إليهم حتى يهل هلال المحرم، يريد سنة إحدى وتسعين.
9 - (1)
سنة 291: فيها سار محمد بن سليمان الكاتب الأنباري إلى القرامطة فأوقع بهم في قرية تعرف بالحسينية، فقتلهم وبدد شملهم، ولما تصور القرمطي ورأى أنه لا طاقة له بعساكر الخلافة هرب قبل الوقعة بأصحابه، فحصل في قرية شرقي الرحبة تعرف بالدالية في نفر يسير من خواص أصحابه، وتستروا بها، وبعث بعض أصحابه متنكرا ليمتار لهم ما يحتاجون أليه، فأخذ وأنكر، وأتي به إلى رجل كان يتولى معونة الدالية يعرف بأبي خبزة لأحمد بن محمد بن كشمرد، وكان ابن كشمرد والي الرقة، وكان أبو خبزة صغير الشأن حقيرا في الجند، فسأله أبو خبزة عن خبره وقصته فتبين منه قولا مختلفا، فألح عليه أبو خبزة فأقر ذلك الرجل بأنه من رجال القرمطي ودل عليهم في أي موضع هم، فخرج أبو خبزة في من جمعه من الأجناد الرجال إلى الموضع الذي فيه القرمطي وأصحابه فظفر بهم وبالقرمطي، وكان معهم حملان من المال فأخذهم والمال معه، وحمله إلى ابن كشمرد والي الرقة، فأخذهم وكتب بخبرهم إلى المكتفي، فبعث إليه من تسلمهم منه وأوردهم الرقة، وانحدر المكتفي إلى مدينة السلام بغداد وهم معه، فبنى لهم دكة عظيمة بظاهر القصر المتضدي وعذبوا عليها بأنواع العذاب.
__________
(1) بغية الطلب 1: 139 عن تاريخ همام.

(1/97)


10 - (1)
سنة 313:فيها توفي أبو إسحاق النحوي إبراهيم بن السري. حدثني الشيخ أبو العلاء أنه سمع عنه ببغداد أنه لما حضرته الوفاة سئل عن سنه، فعقد لهم سبعين، وآخر ما سثمع منه: اللهم احشرني على مذهب أحمد بن حنبل.
11 - (2)
سنة 314: فيها توفي أبو الحسن الرشيدي بحلب (3) .
12 - (4)
[نقل بالمعنى]: إسحاق بن يوسف الفصيصي التنوخي أبو يعقوب والد محمد والحسين ممدوحي المتنبي، وكان أمير حمص واللاذقية وجبلة، وكانت الولاية على هذه المواضع له ولأخيه إبراهيم في سنة 293ه، وهما اللذان أوقعا بالأكراد في سنة ثلثمائة، ومقدمهم يومئذ أبو الحجر المؤمل بن مصبح، وهزم عسكر أبي الحجر وقتل أكثرهم، وهرب أبو الحجر فطرح نفسه في بحيرة أفامية فأقام فيها أياما في الماء، وفي تلك الوقعة يقول بعض شعراء تنوخ يصف فعل أبي الحجر:
توهم الحرب شطرنجا يقلبها ... للقمر ينقل فيها الرخ والشاها
جازت هزيمته أنهار فامية ... إلى البحيرة حتى غط في ماها وإسحاق هذا وأخوه هما اللذان سويا حلف الروم حين افتتحوا اللاذقية
__________
(1) معجم الأدباء 1: 130.
(2) بغية الطلب 2: 30.
(3) هذا منقول أيضا عن تعليق أبي الحسين علي بن المهتذب وتاريخ همام (بغية الطلب 2: 30) وأبو الحسن الرشيدي هو أحمد بن محمد بن أبي يعقوب بن هارون الرشيد الهاشمي، ولي في أيام المقتدر أحكام المظالم والأمور الدينية، مدحه أبو بكر الصنوبري وغيره (بغية الطلب 2: 27).
(4) بغية الطلب 3: 18 عن تعليق أبي الحسين وتاريخ همام معا.

(1/98)


وجبلة والهرياذة، وأسروا من كان فيها من المسلمين، وكانا بحمص فلم يلحقا بالروم، وكاتبا رئيس الأساقفة بقبرس وتهدداه فأطلق جميع الأسرى.
وقدم إسحاق حلب سنة 319، وكان طريف السبكري صاحب حلب قد حاصره وجماعة أهله في حصونهم باللاذقية وغيرها وحاربوه حتى نفذ جميع ما عندهم من القوت والماء، فنزلوا على الأمان ودخلوا معه حلب مكرمين.
13 - (1)
سنة 322: وفيها فتحت ملطية الوقعة الأولى، فتحها الدمستق وهدم سورها وقصورها، وقيل فيها أشعار كثيرة، منها قول بعضهم:
فلأبكين على ملطية كلما ... أبصرت سيفا أو سمعت صهيلا
هدم الدمستق سورها وقصورها ... فسمعت فيها للنساء عويلا
والعلج يسحبها وتلطم كفه ... متوردا يقق البياض جميلا
قاموا الصليب بها بأمر ثابت ... قد أظهروا الصلبان والإنجيلا - 14 - (2)
سنة 325: وفيها أغارت بنو كلاب على البلد [المعرة] فخرج إليهم والي المعرة معاذ بن سعيد وجنده، واتبعهم إلى مكان يعرف بمرج البراغيث، فعطفوا عليه فأسروا ومن كان معه، وعذبهم بالماء والجليد، وأقام معاذ بن سعيد عند بني كلاب وأصحابه حتى خرج إليهم أبو العباس أحمد بن سعيد الكلابي فخلصهم.
__________
(1) معجم البلدان 4: 634.
(2) بغية الطلب 1: 93 نقلا عن تعليق أبي الحسين.

(1/99)


15 - (1)
سنة 331: فيها توفي أحمد بن أبي حامد بن همام (2) .
- 16 - (3)
سنة 333: فيها عبر سيف الدولة ابن حمدان الفرات ليملك الشام فتسامع به الولاة فتلقوه من الفرات، وكان فيهم أبو الفتح عثمان بن سعيد والي حلب من قبل الإخشيد، فلقيه من الفرات فأكرمه سيف الدولة وأركبه معه وسايره، فجعل سيف الدولة كلما مر بقرية فقال: ما اسم هذه القرية ؟ فقال: ابرم، فسكت سيف الدولة وظن انه أراد أنه أبرمه وأضجره بكثرة السؤال، فلم يسأله سيف الدولة بعد ذلك عن شيء، حتى بعده قرى، فقال له أبو الفتح: يا سيدي وحق رأسك إن اسم تلك القرية " ابرم " فاسأل من شئت عنها فضحك سيف الدولة وأعجبته فطنته.
17 - (4)
سنة337: وفيها وصل أبو الطيب المتنبي الشاعر إلى سيف الدولة سيف الدولة ومدحه بقصيدته الميمية " وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه " بعد انصرافه من حصن برزويه.
18 - (5)
وكان سيف الدولة قد أقطعه [يعني المتنبي ] ضيعة تعرف ببصف من ضياع
__________
(1) بغية الطلب 2: 30.
(2) هذا منقول عن تعليق أبي الحسين علي بن المهذب (بغية الطلب 2: 30) وحدد تاريخ الوفاة بقوله يوم الإثنين للنصف من شعبان، وقد أورده همام أيضا.
(3) معجم البلدان 1: 87.
(4) بغية الطلب 1: 46 عن تاريخ همام (وكذلك جميع ما سيأتي حتى نهاية النقول).
(5) بغية الطلب 1: 39.

(1/100)


معرة النعمان القبلية، فكان يتردد إليها، وكان يوصف بالبخل، فمما ذكر عنه ما حدثوه جماعة من أهل بصف أن كلبا من كلاب الضيعة المعروفة بصهيان كان يطرق تين بصف، فذكر ذلك لأبي الطيب المتنبي، فقال للناطور: إذا جاءك كلب فعرفني به، فلما جاءه عرفه فقال: شدوا على الحصان، وخرج إليه فطرده أميالا ثم عاد لا يعقل من التعب، عقد عرق فرسه فقال له أهل بصف: يا أستاذ كيف جرى أمر الكلب ؟ فقال كأنه كان فارسا إن جئته بالطعنة عن اليمين عاد إلى الشمال، وإن جئته من الشمال عاد إلى اليمين. .
وحدثوا عنه أبا البهاء ابن عدي شيخ رفنية كان صديقا له، فنزل عنده ببصف، فسمعوه وهو يقول له: ياأبا البهاء أوجز في أكلك فإن الشمعة تتوى. سمعوه يحاسب وكيلا له وهو يقول والحبتان ما فعلتا ؟ يعني فضة.
19 - (1)
سنة 346: فيها سار المتنبي من الشام إلى مصر.
20 - (2)
سنة 348: وفيها توفي القاضي أبو سعيد الحسن بن إسحاق بن بلبل النيسابوري بمعرة النعمان، وبقي فيها أربعين سنة، يعزل ويعود، وبها دفن.
21 - (3)
لما عقد سيف الدولة الفداء مع الروم واشترى أسرى المسلمين بجميع ما كان معه من المال واشترى الباقبن رهن عليهم أبا القاسم الحسين كلتبة و بدنته الجوهر المعدومة المثل، وكان ذلك سنة أربع وخمسين وثلاثمائة.
__________
(1) بغية الطلب 1: 46.
(2) بغية الطلب 4: 166.
(3) بغية الطلب 5: 127.

(1/101)


22 - (1)
سنة 354: وفيها خرج ابن الأهوازي بأنطاكية، وكان يتضمن بها المستغلات لسيف الدولة، وكان قد حصل في أنطاكية رجل من وجوه أهل الثغور اسمه رشيق يعرف بالنسيمي، فعمل له ابن الأهوازي كتابا ذكر أنه من الخليفة ببغداد بتقليده أعمال سيف الدولة، فقرئ على منبر أنطاكية، وكان قد اجتمع لابن الأهوازي جملة من مال المستغل وطالب قوما بودائع ذكر أنها عندهم، فعرض الرجال وقبضهم من أموال أنطاكية، وفرض لجماعة فرسان ورجالة أكثرهم من أهل الثغر، وسار بهم إلى حلب في عسكر كبير فحاصروا قرعوية الحاجب في القلعة بحلب، وكان القتال يجري بينهم مدة شهور، وقتل رشيق النيسمي في الحرب، وكان فيما قال متوجعا، وعقد ابن الأهوازي الإمارة بعد رشيق النيسمي لرجل ديلمي كان من رجال سيف الدولة يقال له دزبر، وعاد العسكر إلى أنطاكية [الصواب أن استيلاء رشيق على المدينة حلب دون القلعة في ذي القعدة من سنة 354وقتل رشيق على باب حلب في صفر سنة 355].
23 - (2)
سنة 363: وفيها ولد الشيخ أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري التنوخي يوم الجمعة لثلاث بقين من شهر ربيع الأول.
24 - (3)
سنة 364: وفيها توفي أبو سعيد السيرافي ببغداد.
__________
(1) بغية الطلب 7: 88.
(2) بغية الطلب 1: 197 والإنصاف والتحري (في تعريف القدماء: 513).
(3) بغية الطلب 4: 270.

(1/102)


25 - (1)
سنة 372: وفيها توفي أبو علي الحسن بن عبد الغفار الفارسي النحوي ببغداد.
وحدثني الشيخ أبو العلاء رحمه الله أن أبا علي[الفارسي]كان صديقا لجده القاضي أبي الحسن سليمان بن محمد، وكان صادقه بأنطاكية، ثم إن أبا علي مضى إلى العراق وصار له جاه عظيم من الملك فناخسرو، وأن بعض الناس وقعت له حاجة في العراق احتاج فيها إلى كتاب من القاضي أبي الحسن سليمان إلى أبي علي الفارسي، فلما وقف على الكتاب قال: إني نسيت الشام وأهله [ولم يعره طرفه].
26 - (2)
[أحمد بن الحسين الجزري التغلبي المعروف بالأصفر كان مقدما مذكورا ظهر في الجزيرة وعبر إلى الشام مظهرا غزو الروم فتبعه خلق عظيم من المسلمين] قال أبو غالب: حدثني من شاهد عسكره أنه كان يكون في اليوم في ثلاثين ألفا ثم يصيره في يوم آخر عشرة آلاف وأكثر وأقل لإنهم كانوا عوام وعربا. ونزل على شيزر وطال أمره، فاشتكاه بسيل ملك الروم إلى الحاكم، فأنفذ إليه مفلحا اللحياني في عسكر عظيم، فطرده سنة خمس وتسعين، وقبض عليه أبو محمد لؤلؤ السيفي بخديعة خدع بها، وذلك أنه أنفذ إليه أن يدخل إليه إلى حلب، وأوهمه أنه يصير من قبله، فلما حصل عنده قبض عليه وجعله في القلعة مكرما لأنه كان يهول به
__________
(1) بغية الطلب 4: 150، 4: 149 ومعجم الأدباء 7: 255.
(2) بغية الطلب 1: 60.

(1/103)


على الروم. ورأيته أنا وقد خرج مبارك الدولة سنة ست وله شعرة والمصحف في حجره على السرج، وهو يقرأ فيه.
27 - (1)
سنة 405: وفيها ولد القاضي أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الله، ابن أخي الشيخ أبي علاء، [سمع عمه أبو العلاء، وتولى قضاة معرة النعمان وقضاء حماة].
28 - (2)
سنة 413: وفيها وردت عساكر مصر وزعيمتهم سديد الدولة علي بن أحمد الطف، فتسلم حلب من وفي الدولة بدر، وولي صفي الدولة أبو عبد الله محمد بن علي بن جعفر بن فلاح حلب، ووليت القلعة خادما له بلحية بيضاء لقبه يمن الدولة (3) وكان من أفاضل المسلمين فيه الدين والعلم.
29 - (4)
سنة 417: فيها صاحت امرأة يوم الجمعة وذكرت أن صاحب الماخور أراد أن يغظبها نفسها، فنفر كل من في الجامع إلا القاضي والمشايخ، وهدموا الماخور وأخذوا خشبه ونهبوه، وكان أسد الدولة صالح في نواحي صيدا.
__________
(1) الإنصاف والتحري (في تعريف القدماء: 498).
(2) بغية الطلب 8: 264.
(3) هو سعادة بن عبد الله الخادم اللحياني، عرف باللحياني لكبر لحيته.
(4) بغية الطلب: 1: 220 ومعجم الأدباء 3: 216 (وعنه في تعريف القدماء: 141 والوافي في تعريف القدماء: 273 والإنصاف والتحري في تعريف القدماء: 567).

(1/104)


30 - (1)
سنة 418: فيها وصل الأمير أسد الدولة صالح بن مرداس إلى حلب وأمر باعتقال مشايخ المعرة وأماثلها، فاعتقل سبعون رجلا في مجلس الحصن سبعين يوما، وذلك بعد عيد الفطر بأيام، وكان أسد الدولة غير مؤثر لذلك، وإنما غلب تادرس على رأيه وكان يوهمه أنه يقيم عليه الهيبة. ولقد بلغنا أنه خاطبه في ذلك فقال له: أقتل المذهب وأبا المجد بسبب ما خور ؟ ما أفعل وقد بلغني أنه دعي لهم في آمد وميا فارقين وقطع عليهم ألف دينار ؟ واستدعى الشيخ أبا العلاء ابن عبد الله ابن سليمان رحمه الله بظاهرة معرة النعمان، فلما حصل عنده في المجلس قال له الشيخ أبو العلاء: مولانا السيد الأجل أسد الدولة ومقدمها وناصحها كالنهار الماتع اشتد هجيره وطاب أبرداه، وكالسيف القاطع لان صفحه وخشن حداه {خذ العفو وأمر بالمعروف وأعرض عن الجاهلين} فقال صالح: قد قد وهبتهم لك أيها الشيخ ولم يعلم الشيخ أبو العلاء أن المال قد قطع عليهم، إلا كان قد سأل فيه، ثم قال الشيخ أبو العلاء بعد ذلك شعرا " تغيبت في منزلي. . الخ "
31 - (2)
سنة 426: وفيها توفي أبو القاسم علي بن عبدالله بن الحسن بن عبدالله بن الحسن بن عبد الملك الطيب المعرف بالمنجم إمام المسجد الجامع بالمعرة، وقدم بعده أحمد بن خليفة الهراس، وكان صالحا محمودا يقرأ للسبعة روايات.
32 - (3)
سنة 430: وفيها توفي أحمد بن خليفة إمام الجامع بمعرة النعمان وقدم ولده خليفة.
__________
(1) بغية الطلب 1: 221 ومعجم الادباء 3: 216 - 217 والإنصاف والتحري (في تعريف القدماء: 567).
(2) بغية الطلب 1: 79.
(3) بغية الطلب 1: 79.

(1/105)


33 - (1)
سنة 441: فيها وصل الأمير أبو الفضل رفق، خادم كان على المطالب بمصر، في عسكر عظيم، فانهزمت منه بنو كلاب على حمص، وتبعها منزلا منزلا حتى نزل على معرة النعمان، فلما رأى خراب السور سأل كم يحتاج إلى أن يعود إلى ما كان فقدر له فكان ألفي دينار فقال: أنا أعمره من عندي بمالي ولا أحوجكم إلى غيري ثم إنه مضى إلى حلب ونزل على مسجد الجف، فقيل إن الكلبين داهنوا عليه، فأشير عليه أن يرحل عنها إلى صلدع فلم يفعل، فأشير عليه أن يقبض على أمراء طيء وكلب فلم يفعل فقيل له أن ينشىء سجلا عن السلطان بأنه قد أقطع الشام لمعز الدولة ويعود بهيبته فلم يفعل، فلما رآه أمراء العسكر لا يلتفت إليهم ولا يقبل مشورتهم انهزموا مع العرب، وانهزم العسكر لما رأى العرب قد انهزمت، فأخذ وضرب [على] رأسه فمات في القلعة، ودفن في مسجد الجف، ونهب من العسكر شيء عظيم من الأموال والقماش والدواب وغير ذلك.
34 - (2)
[كان أبو الحارث البساسيري] إذا وصلت هدية من خراسان وغيرها من البلاد اعتقلها قبل ان يطلقها [للخليفة].
35 - (3)
سنة 450: فيها اضطرب الأمن في خراسان على طغرلبك فسار لإصلاحه، فجمع لبساسيري من قدر عليه من الترك والديلم، واجتمعت إليه بنو عقيل، وكان علم الدين قريش بن بدران زعيمها، وبنو أسد زعيمها نور الدولة دبيس بن مزيد،
__________
(1) بغية الطلب 7: 102 - 103.
(2) بغية الطلب 2: 197 وسويم: 1 - 3.
(3) بغية الطلب 2: 197.

(1/106)


وقصد بغداد، وزحف معهم أهل الجانب الغربي من بغداد إلى دار الخليفة القائم بأمر الله أمير المؤمنين أبي جعفر بن القادر، فنهبوا جميع ما فيها، واستدعى الخليفة من فوق القصر علم الدين قريش بن بدران فجاءه، فخرج إليه الخليفة وهو مبرقع وعليه بردة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي يده قضيبه، فأجاره ولم يمكن أحدا منه، ومنعه من البساسيري، وسيره إلى حصن عانة وقيل الحديثة، وهو حصن منيع في وسط الفرات، وصاحبه رجل يعرف بمهارش أحد أمراء بني عقيل، فأكرمه إكراما عظيما وخدمه خدمة مرضية، فبقي فيه عند مهارش شهورا.
36 - (1)
سنة 451: وفيها دعا البساسيري للمستنصر صاحب مصر في جامع المنصور ببغداد، وبقيت الدعوة شهورا.
وفيها عاد طغرلبك ملك التركمان أبو طالب محمد بن ميكال إلى بغداد، فانحاز البساسيري وجماعة العرب، وخرج معهم من التجار ببغداد وغيرهم خلق عظيم لا تحصى أموالهم، وذكر أنهم كانوا زهاء عن مائة ألف وعشرين ألفا، وتبعهم من أصحاب طفرلبك زهاء عشرين ألفا، فقتل البساسيري، وخلق كثير لا يحصى عدده، ونهبت تلك الأموال، وكان الذين تبعهم ولقيهم من عسكر طغرلبك نحو من عشرين ألفا. وسار مهارش العقيلي بالخليفة إلى بغداد في محمل، فأعطاه من الأموال والإقطاع شيئا عظيما حتى أنه صار مهارش أيسر بني عقيل. وسار الأمير أبو ذؤابة عطية بن أسد الدولة صالح بن مرداس إلى الرحبة فأخذ جميع ما تركه البساسيري بها من السلاح الذي لم ير مثله كثرة وجودة، وأموالا جزيلة كانت للبساسيري، ثم ولى فيها بعض أصحابه.
37 - (2)
[وقد] رهن محمود بن نصر ولده نصرا عند صاحب إنطاكية على أربعة عشر
__________
(1) بغية الطلب 2: 197.
(2) معجم البلدان 1: 249.

(1/107)


ألف دينار وخراب حصن أسفونا (1) إذ ملك حلب وأخذها من عمه عطية، فلما ملك حلب خرب حصن أسفونا، وأخرج لذلك عزيز الدولة ثابتا وشبل بن جامع، وجمعا الناس من معرة النعمان وكفر طاب وأعمالهما حتى خرباه.
38 - (2)
واجتاز بسياث [بظاهرة معرة النعمان] القاضي أبو يعلى عبد الباقي بن أبي حصن المعري (3) والناس ينتقضون بنيانها ليعمروا به موضعا آخر فقال:
مررت برسم في سياث فراعني ... (4) به زجل الأحجار تحت المعاول
تناولها عبل الذراع (5) كأنما ... رمى الدهر فيما بينهم حرب وائل (6)
أتتلفها شلت يمينك (7) خلها ... (8) لمعتبر أو زائر أو مسائل
منازل قوم حدثتنا حديثهم ... ولم أر أحلى من حديث المنازل 39 (9)
سنة 454: وفيها عمر المسلمون الحصن المعروف بالمرقب بساحل جبلة،
__________
(1) حصن أسفونا: كان قرب معرة النعمان فتحه محمود المرداسي.
(2) معجم البلدان 3: 207.
(3) ترجم له في الخريدة (قسم الشام) 2: 57 وذكر أنه شاعر متفنن في ضروب الشعر لكنه لم ينسب له الأبيات وإنما نسبها (2: 70) التوت المعري، وقد ذكر الأبيات أسامة في المنازل والديار وأنها " لبعض أهل المعرة " وزاد أن الذين كانوا ينقضونها علوج من الأفرنج يهدمون من جدرانها الحجارة ويكسرونها بالمعاول ليخف عليهم حملها (المنازل والديار: 11/ب).
(4) المنازل: فراعني بها.
(5) المنازل: تصدى لها.
(6) المنازل: جنى.
(7) المنازل: فقلت له.
(8) المنازل: لمستخبر أو واقف.
(9) معجم البلدان 4: 500.

(1/108)


وهو حصن يحدث كل من رآه أنه لم ير مثله، وأجمع رأي أصحابه على الحيلة بالروم، فباعوهم الحصن بمال عظيم، وبعثوا شيخا منهم وولديه رهينة إلى إنطاكية على قبض المال وتسليم الحصن، فلما قبضوا المال وقدم عليهم نحو ثلاثمائة لتسليم الحصن قتلوهم، وأسروا آخرين كثيرين فباعوهم أنفسهم بمال آخر، ثم فدوا ذلك الشيخ وولديه بمال يسير، وحصل المسلمون على الحصن والمال.

(1/109)


فراغ

(1/110)


10 - 11، 12، 13
تواريخ صنفها بنو منقذ

(1/111)


فراغ

(1/112)


لأسرة بني منقذ أصحاب شيزر شهرة واسعة ودر هام في الحياة الفكرية، وإن كانت الشهرة أسامة بن مرشد بن منقذ قد حجبت كثيرا من جهود أقربائه، فقد كان أكثر رجال تلك الأسرة من المجيدين في ميدان الشعر، ولشعرهم حظ من الأصالة والجزالة ندر أن يجتمع في أفراد أسرة واحدة. غير أن الأمر الذي يهمنا هنا هو جهودهم في كتابة التاريخ.
1 - ويعد أسامة طليعة في هذا الأمر، وفي كتاب الاعتبار وفي بعض كتبه الأخرى معلومات هامة لا يستغني عنها دارس الحياة الاجتماعية في ذلك العصر. ولأسامة كتاب أسمه " أزهار الأنهار " ينقل عنه ابن العديم، ولا أدري في أي الكتب أصنفه، وإنما يبدو من القصة الوحيدة التي اقتبست منه أنه ينحو نحوا أخلاقيا. وله كتاب في تاريخ أيامه، وكتاب في أخبار أهله (1) ولعل كتابه في تاريخ أيامه هو الذي يشير إليه ابن خلكان باسم " كتابه الذي ذكر فيه البلاد وملوكها الذين كانوا في زمانه " (2) .
2 - ولأسامة أخ أسمه منقذ بن مرشد بن علي بن منقد، وله كتاب في التاريخ ذيل به على تاريخ أبي خالب همام بن المهذب المعري وهو يروي فيه عن أخيه مؤيد الدولة، ولكن لم أجد له ترجمة في المصادر.
__________
(1) معجم الأدباء 5: 208.
(2) وفيات الأعيان 5: 303، 7: 147.

(1/113)


3 - أما الأخ الثاني لأسامة وهو أبو الحسن علي بن مرشد الملقب بعز الدولة فقد كان شاعرا مجيدا، ذكره السمعاني في تاريخه، وأورد العماد في الخريدة نماذج من شعره، وقال إنه ورد بغداد حاجا بعد الغشرين والخمسمائة (1) ، واستشهد على عزة سنة 545 في حرب الفرنج، تقطر به فرسه هنالك وانكشف عن أصحابه وبقي هو في المعركة فقتل، ولأبي الحسن كتاب في التاريخ ينقل عنه ابن العديم.
4 - وشارك ابن أسامة وهو عضد الدين أبو الفوارس مرهف في هذا المضمار، وقد رآه ياقوت سنة 612 وكان قد بلغ الثانية والتسعين من العمر وأقعد إلا أنه كان صحيح العقل والذهن يقرأ الخط الدقيق، وكانت وفاته سنة 613 (2) وقد رأى له ابن العديم مدرجا بخطه يتضمن ذكر واقعات وقعت ذكرها على وجه الاختصار (3) .
__________
(1) معجم الأدباء 5: 208.
(2) معجم الأدباء 5: 243 - 245.
(3) بغية الطلب 5: 198 (في حوادث سنة 496 وقال: فيها قتل جناح الدولة بحمص في يوم الجمعة).

(1/114)


10 - أزهار الأنهار
لأسامة بن منقذ

(1/115)


فراغ

(1/116)


1 - (1)
حدثني القاضي أبو نمر ابن المعتري رحمه الله بحصن شيزر قال: سافرت إلى اليمن فاتصلت ببعض سلاطين اليمن، فأتاه الخبر بعصيان أهل بلد من بلاده، فركب وسار إليه وأنا صحبته، وهو في خلق كثير من الركاب، وأقسم ليستبيحن دماءهم وأموالهم، فسرنا حتى نزلنا على المدينة وأمر بالتأهب لقتالهم، وهجم المدينة، فرأينا امرأة قد خرجت من المدينة وجاءت تتخطى الناس حتى وصلت إلى السلطان وأنا عنده، فسلمت عليه فرحب بها وأكرمها وأجلسها ثم قال لها: ما حاجتك؟ قالت:جئتك أسألك أن تهب لي هذه المدينة وأهلها فقال:هؤلاء قد أظهروا العصيان والشقاق، وقد أقسمت أن أستبيح دماءهم وأموالهم، فقالت: بل ترحع عن هذا إلى المعتاد من صفحك وكرم عفوك وتهب لي ذنبهم ودماءهم وأموالهم فقال:ما أفعل ولا أفسد مملكتي وأستدعي عصيان رعيتي بصفحي عن هؤلاء المنافقين، فغضبت وقالت:نسيت حقي وحرمتي واطرحتني حتى إني أسألك في المدينة من مدائنك لتقضي بها حقي ولا توجب سؤالي، ثم ولت، فأطرق ثم قال:ردها، فلما عادت اعتذر إليها وتلطفها وقال:قد وهبت لك البلد وأموال أهله ودماءهم، وها أنا راحل، ثم أمر الناس بالرحيل، ونفذ من رتب أمر البلد وسار، فسالت عن تلك المرأة فقيل لي إن هذه امرأة كانت ترضعه، وكان أبوه مالك
__________
(1) بغية الطلب 9: 207.

(1/117)


هذه البلاد، فقام عليه أخوه فقتله وملك البلاد وهذا إذ ذاك طفل، فتطلبه عمه ليقتله فخبته هذه المرأة بينها وبين ثيابها وأخفته، وخرجت به من البلد فربته في خمول، واختفى حتى كبر وجار عمه على الرعية وأساء إليهم فوثبوا عليه قتلوه ونفذوا أحضروا هذا وملكوه عليهم كما ترى، فهي تذكره بما فعلته في حقه وهو يرعى لها ذلك الصنع.

(1/118)


11 - ذيل على تاريخ أبي غالب همام بن المهذب المعري
عمله
أبو المغيث منقذ بن مرشد بن علي بن منقذ

(1/119)


فراغ

(1/120)


1 - (1)
سنة 483: فيها كتب ولاة الشام إلى السلطان ملكشاه يشكون ما يلقونه من خلف بن ملاعب بحمص من قطع الطريق وإخافة السبيل، فأمر السلطان أن يسير إليه بوازن وقسيم الدولة وتاج الدولة ويغي سيغان، فسبق إليه بزان فنزل قريبا من حمص فكتمه ما يريد حتى بلغ منه غرضا، ودخل إليه رسوله فقال: عاش لك ملاعب، ثم حصر بزان المدينة واجتمع عليها كل من في الشام فافتتحت، وكل من الأمراء المذكورين طلبها، فكتبوا جميعا إلى السلطان فأنعم بها على أخيه تاج الدولة، وأمر السلطان بحمل خلف بن ملاعب في قفص من حديد إلى قلعة أصبهان، فحمل وحبس بها حتى مات السلطان.
2 - (2)
سنة 484: فيها نزل قسيم الدولة آق سنقر على أفامية وملكها وسلمها إلى عمي عز الدولة أبي المرهف نصر بن سديد الملك، وذلك في شعبان. أنبأنا أبو محمد بن عبد الله الأسدي قال: كتب إلينا أبو المظفر أسامة بن مرشد بن علي منقذ قال: كانت حمص في سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة لسيف الدولة خلف بن ملاعب
__________
(1) بغية الطلب 6: 226 وسويم 125.
(2) بغية الطلب 6: 226.

(1/121)


الأشهبي، فنزل على سليمة وأخذ الشريف إبراهيم الهاشمي فرماه في المنجنيق إلى برج سلمية، وأخذ قوما من بني عمه مأسورين، فمضى من بقي منهم واستغاثوا عليه بالخليفة والسلطان ملكشاه، فخرج أمر السلطان إلى أمراء الشام تاج الدولة تتش صاحب دمشق وقسيم الدولة صاحب حلب وبزان بن ألب صاحب الرها ويغي سيغان صاحب أنطاكية بالنزول على حمص وحاصروه وأخذوه وسيروه إلى السلطان، فأقام في الحبس إلى أن توفي ملكشاه في شوال سنة خمس وثمانين وأربعمائة، فأطلقته خاتون امرأة السلطان، وتسلم قسيم الدولة آق سنقر مدينة حمص وقلعتها، فلما قتل قسيم الدولة، قتله تاج الدولة، وتسلم البلاد، سلم حمص إلى جناح الدولة حسين.
3 - (1)
سنة 488: وفيها طلع قوم من أهل أفامية إلى الأفضل يسألونه أن يولي عليهم سيف الدولة خلف بن ملاعب فنهاهم وقال: لا تفعلوا، وحذرهم من فسقه، فقالوا:نحن نجعل عيالاتنا لنا ليلة وله ليلة، فسيره معهم ووصل أفامية ليلة الأربعاء الثاني والعشرين من ذي القعدة [قلت أي ابن العديم:هؤلاء أهل تلك اجبال أكثرهم دهرية درزية يستبيحون ذوات الأرحام ولا يعتقدون تحريم الحرام].
4 - (2)
سنة 490: وفيها مات أبو الغنائم حميد بن حامد بن مغيث بن منقذ رحمهم الله، وكان موته يوم الأربعاء ثاني عشر جمادى الآخرة.
__________
(1) بغية الطلب 6: 223 وسويم 128.
(2) بغية الطلب 5: 308.

(1/122)


5 - (1)
سنة 496: وفيها وثب قوم من الباطنية على جناح الدولة حسين (2) فقتلوه، وذلك في يوم الجمعة ثامن وعشرين رجب، وكان ذلك من تدبير أبي طاهر الصايغ وخدمة للملك رضوان، واستولى بعده فراجا على حمص.
6 - (3)
سنة 531: مات القاضي أبو سعيد الحرشي بالرقة رحمه الله، وكان من أفاضل المسلمين قد جمع الدين والأمانة والصدق والصيانة والنزاهة والكرم. وحدثني بعض الأصدقاء قال: رأيته بالرقة وقد نصب ثلاث خشبات، وقد أحضر قوما يدلونه في زبيل إلى ركية محفورة، قلت: يا سيدي أتفعل هذا؟ قال: هاهنا قوم أسراء وقوم حبسوا من الفرنج والمسلمين معهم مرض أنزل أداويهم، فلمته على ذلك فقال: هم من خلق الله عز وجل، وما عمل شيئا قط بأجرة، وكان يداوي الضعفاء ويقضيهم الحوائج ويمشي إليهم ويغرم عليهم من ماله؟
وكان حسن الخلق طيب العشرة ضحوك السن، حدثني أخي مؤيد الدولة قال: شكوت إليه بعض حالي، وما أعانيه من شقاء السفر فقال: اصبر على ما تكره وإلا بليت بما لا تطيق ؟
وحدثني عنه جماعة قالوا: أمرنا أتابك بحمله من حلب إلى الموصل ليشهد البركة المعروفة بالقلعة، فحمل من حلب على جمل في محاره، وجعلوا معه صبية أرمنية مأسورة، فكان يلطف بها ويطعمها، فقال لها يوما: يا صبية من أين أسروك ؟ قالت: من بلد كذا، ثم قالت له: فبالله يا عمي من أين أسروك أنت؟ قال: من الشرقية التي في جامع حلب.
__________
(1) بغية الطلب 5: 198 وسويم 123.
(2) كان أتابك رضوان بن تتش، فحين قتل تتش قسيم الدولة آقسنقر سلم حمص إلى جناح الدولة، فلما خلف رضوان أباه استوحش جناح الدولة وذهب إلى حمص فقتله الباطنية بتحريض رضوان.
(3) بغية الطلب 9: 97.

(1/123)


فراغ

(1/124)


12 - تاريخ جمعه (1)
أبو الحسن علي بن مرشد بن علي بن مقلد بن منقذ
__________
(1) انظر الملحقات، فإن اسم التاريخ هو " البداية والنهاية " .

(1/125)


فراغ

(1/126)


1 - (1)
سنة 441:فيها وصل أمير الأمراء أبو الفضل رفق، خادم كان على المطالب بمصر، في عسكر عظيم ومضى إلى حلب ونزل في منزل الجف، فقيل إن الكلبيين داهنوا عليه، فأشير عليه أن يقبض على أمراء طيء فلم يفعل، فأشير عليه أن ينشئ سجلا عن السلطان بإيقاع معز الدولة الشام فما فعل، فلما رآه أمراء العسكر لا يقبل منهم انهزموا مع العسكر، وانهزم العسكر لما رأى رحيل أكثره، وأتوه أهل حلب وبنو كلاب فأخذوه، وضرب على رأسه فشج فمات بعد مدة في القلعة؟
وحدثني أبي قال: سمعت أن الخادم هذا لما أطلع إلى قلعة حلب استعظموا خلقه وطوله، فكان بعض الفراشين يخدمه ويكرمه، فوهبه يوما سراويلا من سراويلاته دبيقية ففصلها الفراش له ثوبين وسراويل أو سروالين وثوب كما قال. ومات فدفن في مسجد الجف، وأخذ من العسكر شيء عظيم من الأموال والآلات والدواب وغير ذلك؟
ومضيت أنا إلى حلب في سنة سبع وعشرين وخمسمائة فرأيت مسجدا غير مسجد الجف فشربنا منه فقلت: ما هذا؟ فقالوا: هذا مسجد الخادم رفق.
__________
(1) بغية الطلب 7: 100، وانظر ما تقدم ص 106.

(1/127)


- 2 - (1)
[وفي ذي الحجة سنة إحدى وخمسين وأربعمائة توفي جد أبي أبي المتوج مقلد بن نصر بن منقذ] ورثاه الشيخ أبو الحسين أحمد بن يعقوب [الكفرطابي] فقال:
لا تصحب الدهر عزما واصحب الجزعا ... ولا تطع زاجرا عنه وإن وزعا
أتابع أنا من لم يدر ما كمدي ... وقد رأيت الفتى من كان متبعا
لو قلبه بين أحشائي إذا لرأى ... قلبا تقطعه أيدي الجوى قطعا
ويح الردى راميا لم تشو أسهمه ... وفاجع الخطب لم يعلم بمن فجعا
أمخلص الدولة اعتاقت حبائله ... لا حبذا بك من ناع إلي نعى قال في آخرها يخاطب أبا الحسن عليا ولده:
ما جار حكم الليالي عن سجيته ... ولا استسن الردى فيكم ولا ابتدعا
هذي سبيل (2) الألى من قبلنا سلفوا ... وسوف نمضي على آثارهم تبعا
لو خلدوا لم تكن هذي منازلنا ... ولم نجد معهم في الأرض متسعا
فعشتم يا بني نصر ولا سلب الر ... حمن أنعمه عنكم ولا نزعا 3 (3)
سنة 460: وفيها وثب ناصر الدولة الحسن بن الحسين بن الحسن بن ناصر الدولة بن عبد الله بن حمدان وجماعة قواد الأتراك بمصر، وحصروا المستنصر، حدثني أبي قال: نظر ناصر الدولة ابن حمدان إلى أخيه المهذب وقد وفر له وفرة من شعره فقال: يا مهذب، نحن قوم خوارج عرب، أين أنت وهذا الشعر الذي تركته؟ فقال له المهذب: يا مولانا، نحن قوم خوارج وقلما مات خارجي إلا مقتولا،
__________
(1) بغية الطلب 3: 137.
(2) في الأصل: الردى.
(3) بغية الطلب 4: 87.

(1/128)


فيكون حمل المقتول بشعره المضفور خيرا من أن يخرق شدقه ويحمل به أو بلحيته، فقال ناصر الدولة:ذخيرة سوء ليوم ميشوم، قال: فحدثني جماعة بعد ذلك أنهم رأوا ناصر الدولة حين قتل والمهذب في جماعة من الأمراء ورأس المهذب محمول بدبوقته المضفورة، وناصر الدولة قد ثقب شدقه وقد حمله به.
4 - (1)
وحدثني الأستاذ أبو عبد الله محمد بن يوسف بن المنيرة [الكفرطابي] وهو أستاذي قال، حدثني أبو شملة بن المره الحلبي، وكان قد سكن كفرطاب، قال: أصبحت يوما في برد وثلج يزيد عن الحد، فقلت لهم في داري:اعملوا لنا كبولا، وهي العصيدة، وأسرعوا بها من اجل الصبيان، فعملوها وبالغوا في جودتها، فهم يريدون غرفها وإنسان يدق الباب فقلت: من ؟ قال: رسول الأمير أبي سالم ناجية يستدعيك إلى العمرة بأمر وصله فيك من محمود لتدخل إليه، قال: قلت أدخل، فنحن في غداء، نتغذى ونسير، قال والله ما أقدر أتركك ولا آكل أنا، ودخل، فما برح إلى أن لبست عدتي وخرجت، والماء علي يكاد ينفذ اللباد، فمضينا وعجوز لنا تقول: أسال الله الراحة المعجلة، فقد والله سئمنا. فمضينا إلى باب المدينة، وإذا فارس آخر يخبرنا بموت محمد ويأمره بردي، فرجعت إلى داري، فوجدت فيها كالجنازة، فدققت الباب ففتحوا، ودخلت، فأجد الطعام على جهته ما إنتقض حره، فأكلت أنا والرسول الثاني، وعجبت من حرمان الأول وحرماني، ورزق الثاني ورزقني، وإجابة دعوة عجوز.
5 - (2)
وأقام نصر [بن محمود بن نصر المرداسي] مالكا إلى سنة ثمان وستين، فلما كان يوم عيد الأضحى عيد وخرج العصر لينهب الأتراك:ابن خان وأصحابه ويأخذ
__________
(1) بغية الطلب 9: 108.
(2) بغية الطلب 8: 147 وسويم: 550.

(1/129)


نساءهم، فإنه قال: نريد الوجوه الملاح، فضربه واحدا فقتله، واختبطت حلب وقفلت أبوابها، وقفل باب القلعة، فجاء الأمير أبو الحسن سديد الملك، وكان قد نزل لما مات محمود، وقال له نصر: ما يرب هذه الدولة غيرك، فلما قتل نصر لم يجسر أن يذكر للوزير النحاس وكان صديقه ذلك ظاهرا، فقال له وهو في القلعة من تحت السور:الأمير نصر سالم كما تحب، ولكن سألتني عن شيء قبل خروجي وهو:القيل فاد، معناه القيل:الملك، وفاد:مات، فاحتفظ ابن النحاس من القلعة وأجلسوا بعده أخاه سابقا، وكان سابق كما قيل لي من أحسن الناس محاضرة وأصبحهم وجها وأسوأهم فعلا في نفسه وأفعاله، حدثني مولاي رحمه الله قال:من طريف عمله أنه مدحه الشريف أبو المجد بثلاث قصائد، فتأخرت الجائزة، فكتب إليه وقد ضاع له دنانير ثم وجدها:
قل للأمير أبي الفضائل سابق ... قولا يفوه به لسان الناطق
فبحق من رد الدنانير التي ... ضاعت بتقدير الإله الخالق
أردد علي مدائحا أنشدتها ... ذهبت لديك ذهاب خلب بارق قال: فأنفذ له قصيدة وكتب إليه على ظهرها: نحن نسأل عن الباقي وننفذه إليك. وأقام بحلب مستضعفا يغير بني كلاب على باب حلب تاخذ منه الغسالات والقوافل ولا يخرج أحد إلا بخفارة ولا يدخل إلا كذلك، والأمير سديد الملك مقيم بالجسر لعلمه أن الداء قد أعضل، قال: فاشتغل عنهم بحصنه وبلده كفر طاب، يشتو بالجسر ويصيف بكفر طاب إلى أن غلب سابق واستحكم بأسه، أنفذ إليه وقال: أشتهي أن تحضر تفصل بيني وبين إخوتي وما قد دهمنا من شرف الدولة، فمضى حينئذ وقد أمن غائلتهم.
6 - (1)
[ذكر أحوال سابق بن محمود بن نصر بن صالح بن مرداس وضعف أمره وقال
__________
(1) بغية الطلب 6: 161.

(1/130)


في أثناء كلامه]: والأمير سديد الملك مقيم بالجسر لعلمه أن الداء قد أعضل. وكان سبب ذلك أن الأمير بهاء الدولة ابن الملك فناخسرو، وهو خاله، وقد نزل من مصر لما تولى ابن أخته حلب كانت جاريته قد أعتقلها أمير الجيوش بدر بمصر وأراد يضرب رقبتها لأنها كانت أوفى طبقة في الغناء، فكان الأمراء بمصر يتقاتلون عليها، فقتل من أجلها عدة من الأمراء، فقال لسابق: ما يقدر أحد يخلص جاريتي وأولادي إلا الأمير سديد الملك فإنني رأيت له بمصر صيتا وافيا، وقال من بها: لو جعل مقره بمصر عوض طرابلس كانت الدولة في قبضته، فثقل على الأمير إلى ان كتب وسير إلى أمير الجيوش في أمر الجارية فقال: والله ما أردت أخرجها أبدا من الحبس ولكني لا أرد مسألة ذلك المحتشم، فسيرها إلى طرابلس إلى دار جدي، فأحضرها إلى حلب ومعها ابناها دارا وبهمن، فلما حضرت في مجلس سابق أول صوت غنت:
نفسي فداؤك كيف تصبر طائعا ... عن فتية مثل البدور صباح
حنت نفوسهم إليك فأعلنوا ... نفسا يغل مسالك الأرواح
وغدوا لراحهم وذكرك فيهم ... أذكى وأطيب من نسيم الراح
فإذا جرت خببا وذكرك فيهم ... جعلوك ريحانا على الأقداح ثم قامت وقبلت الأرض وقالت: يا أمير بو الحسن أنا مصطنعتك وكذلك أولادي، فتخيل مولاها وخاف أن يكون الأمير أبو الحسن يخرجه من منزله، إذ كان يعلم أنه من غير شكله ولا هو من رجال سديد الملك، فاشتغل عنهم بحصنه وبلده كفرطاب يشتو بالجسر ويصيف بكفرطاب إلى أن غلب سابق واستحكم بأسه. [سديد الملك علي بن منقذ والحكاية لا تتعلق بالملك العزيز بل بابنه].
7 - (1)
سنة 473:فيها تسلم شرف الدولة قلعة حلب، شهر ربيع الآخر، ولم يكن فيها ما يؤكل.
__________
(1) بغية الطلب 8: 147.

(1/131)


8 - (1)
سنة 473: حدث الأمير أتابك طغتكين صاحب دمشق أبي قال: كنت حامل وراء السلطان [ألب أرسلان] السلاح حين ضربه حجر المنجنيق ولو سلم ساعة لأخذها [أي حلب]، وكان قد وصل إلى الشام يريد الطلوع إلى مصر ليفتحها، ولو طلع لأخذ البلاد جميعها وأخذ مصر.
وحدثني مولاي أبي قال: كانت خيامه من شمال مسجد مرج دابق إلى قناطر قنسرين، أي موضع عبرت فيه ورأيت السرادق والخيام قلت:في هذه السلطان. وقال همام بن الفضل:كانت خيام السلطان على المعشرية، وهي متصلة إلى الفرات بعضها ببعض.
قال أبي: وحدثني وزير تاج الدولة أبو النجم (2) قال:شرب السلطان على حلب وسكر وضل رشده بالسكر فقال:هاتوا الأمير البدوي، يعني محمود [بن نصر ابن صالح المرادسي] لأضرب رقبته، فجاء الغلمان إلى خواجا بزرك وقالوا له:قد قال السلطان كذا وكذا، فمضى إليه خواجا بزرك وقال له: يا سلطان العالم، يظهر عنك مثل هذا؟وكان السلطان قد بلغ منه السكر فضربه بالمغسل الذي في دست الشرب، وقال: أريده، ففتح أثرا في جهه، فمضى خواجا إلى جانب السرادق إلى خاتون، فقال: بادرينا يا خاتون وإلا الساعة يتلف العسكر وينهب بعضه بعضا، كان كذا وكذا، فقامت تمشي إليه، فقال لها:خاتون، ما جاء بك؟فقالت:نم أنت سكران، وتفرقوا، فلما أصبحت قالت له: ما تحتشم تفتح عليك باب غدر؟قال:لا إن شاء الله، قالت:بلى البارحة أردت تحضر الأمير البدوي وتضرب رقبته، وأنت قد أعطيته أمانك، هذا أنت تريد تفتح مصر وما دونها، وفعلت كذا وكذا بخواجا بزرك، قال:والله ما معي علم من هذا جميعه. ولما حضر عنده خواجا قال له: يا حسن ما هذا الأثر في وجهك؟ قال: يا سلطان العالم هذا أثر
__________
(1) بغية الطلب 3: 284 وسويم: 27.
(2) في حاشية النسخة: هو أبو النجم ابن بديع.

(1/132)


وقعت البارحة وأنا خارج من خيمتي ضربني عمود الخيمة، ولم يعلمه بذلك، فاستحسن الناس منه ذلك. ثم رحل السلطان من حلب يريد مصر، فرحل مرحلة واحدة فجاءه الخبر بأن ملك الروم ديوجانس قد خرج لما رأى البلاد خالية من العساكر، فرحل على أدراجه يريد ملك الروم.
9 - (1)
سنة 484: وفيها نزل تاج الدولة إلى السلطان [يعني نزل تتش إلى ملكشاه] فلما رآه ترجل له، وكان في الصيد خيفة أن يتخيل منه، وحضر هو وقسيم الدولة في حضرته، فقال تاج الدولة تتش: كان من الأمر كذا وكذا، فقال له قسيم الدولة:تكذب، فقال له السلطان: تقول لأخي كذا ؟قال:نعم، يطلع الله في عينيه ما يريده لك، ويطلع في عيني ما أريده لك.
10 - (2)
سنة 485:قتل نظام الملك وأنه اتهم بذلك متولي الخزانة تاج الملك. وكان تاج الملك لا يفارق السلطان إلى أن يدخل فراشه، ويدخل إليه وهو وخاتون في الفراش، لا يختبي منه، وكان شيخا مليح الشيبة أبيض الحواجب يقول لي أبي والله كأنه جدك، رحمهم الله. فلما مات السلطان، يعني ملكشاه، اجتمع مماليك خواجا بزرك وكانوا في سبعة آلاف مملوك مزوجين إلى سبعة آلاف مملوكة له وقالوا:ما قتل مولانا نظام الدين، إلا بأمر تاج الملك فإنه باطني وأمر به الباطنية فقتلوه، فوثبوا على تاج الملك فقتلوه وتوازعوا جثته، فصار إلى كل واحد منهم عظم أو قطعة لحم لفها وجعلها في خريطته، حدثني بذلك جماعة من الثقات.
__________
(1) بغية الطلب 3: 269 وسويم 100.
(2) بغية الطلب 9: 153 وسويم: 95.

(1/133)


- 11 - (1)
حدثني أبي عنه [يعني عن نظام الملك] قال: كان رجلا يصوم الدهر، وله في أصبهان أربع نسوة، يعمل له في كل دار طعام ولأصحابه ومن يكون عنده بقيمة وافيه، فأي دار أراد أن يجلس بها كان الطعام الكثير معدا له كما قال: عشرة رؤوس غنم مشوية وعشرة ألوان وعشر جامات حلوى.
12 - (2)
سنة 485: قفز باطني على خواجا بزرك ببغداد وهو محمول في محفته التي كان يحمل فيها من ضعفه وكبره في تاسع شهر رمضان، فجرحه، وحمل إلى داره التي ببغداد، فجاء السلطان ملكشاه يفتقده ويتوجع له، فقال له خواجا: يا سلطان العالم، كبرت في دولة أبيك ودولتك، كنت تمهلت علي فما بقي من عمري إلا القليل، أو صرفتني ولا أمرت أن يفعل بي هكذا. فأخرج السلطان مصحفا في تقليده وحلف له بما فيه أنه لم يأمر ولم يعلم، ثم قال: كيف أستجيز هذا وأنت بركه دولتي وبمنزلة أبي ؟ وكان الذي أتهم بذلك متولي الخزانة تاج أبا الغنائم ؟
حدثني أبي عنه قال: فمات خواجا ومضى السلطان فمات في العشر الاخير مكن شوال ؟
وذكر ان السلطان لما مات اجتمع مماليك خواجا بزرك وكانوا في سبعة الاف مملوك مزوجين إلى سبعة آلاف مملوكة فقتلوا تاج الملك.
13 - (3)
سنة 487: فيها كانت وقعة قسيم الدولة [آق] سنفر وتاج الملك يوم السبت تاسع
__________
(1) بغية الطلب 4: 297 وسويم: 284.
(2) بغية الطلب 4: 298 وسويم: 88.
(3) بغية الطلب 3: 270 وسويم: 104.

(1/134)


جمادى الأولى، وذلك أن تاج الدولة لما أراد العبور مختفيا ليمضي إلى خراسان، فبلغ خبره قسيم الدولة فخرج إليه فقال لأصحابه: الحقوني بحبال لكتاف الأسرى، استصغارا لهم، فقال له سكمان بن أرتق: حركش هم؟ (أي أرانب هم) ولم يتمهل إلى حين تصله خيله فمضى واستعجل، فكسره تاج الدولة بأرض رمل وأسره ورحل من موضع الكسرة إلى حلب فملكها واستولى على المواضع التي كانت لقسيم الدولة، وجلس في قلعة حلب وشرب فيها واحضر قسيم الدولة كما حدثنا رومي بن وهب قال: حضرته وقد أحضر قسيم الدولة، فدخل وفي رقبته بند قبائه يسحب، فلا والله إن أنكرت من عزة نفسه شيئا مما كنت أعرفه، فما زال يمشي حتى وقعت عينه على تاج الدولة، فجلس وأدار ظهره إليه، فسحبوه وكلموه فما رد جوابا مرتين أو ثلاثا، فضرب رقبته بيده، وقطع رأسه فطيف به البلاد وحملت جثته فدفنت عند مشهد قرنبيا وبقي ليلتين، وسار تاج الدولة إلى خراسان، وبقي قسيم الدولة في قبره وقد طوف برأسه إقليم الأرض من الشام سنة خمس وثمانين إلى سنة ست وعشرين إلى حين ولى السلطان والخليفة المسترشد بالله ولده زنكي بن آق سنقر وهو وعماد الدين. . ملك الأمراء بهلوان جهان عمر له مدرسة تولى أمرها الشيخ الأجل الفقيه الإمام أبو طالب العجمي، ووقف عليها ضيعتين يساوي مغلهما ألف دينار كل سنة، وعمر بها عمارة معجزة رمته إليها، رأيتها في سنة سبعة وعشرين ولم تكنت أكملت، وهي تزيد عن الوصف، وجعل قبره قبالة البيت المسجد من الشمال، وأجرى إليها قناة من ماء، وغرس وسطها، وجعل القبر مثل قبر أبي حنيفة رضي الله عنه [هكذا نقلت من خط ابن منقذ وفيه أوهام من جملتها أنه قال فكسره بأرض سل، وليس كذلك بل بأرض سبعين أو كارس، وسل ليست من هذه الكورة، وبينهما مسافة يوم، من جملة أوهامه أنه قال: جلس في قلعة حلب وضرب رقبته آق سنقر، وليس الأمر كذلك، بل ضرب رقبته عقيب الكسرة بسبعين أو كارس، ورومي بن وهب حكى له صورة قتله، لأنه كان بحلب والذي قتله تاج الدولة صبرا بحلب هو بزان صاحب الرها، وكان انهزم في هذه الوقعة إلى حلب، فلما دخلها تاج الدولة أحضره وقتله، وقيل بل أسره وحمله إلى حلب فقتله؟

(1/135)


وقال: بقي قسيم الدولة في قبره من سنة خمس وثمانين إلى سنة ست وعشرين وهذا طغيان من القلم، فإن قسيم الدولة قتل سنة سبع وثمانين، وقد ذكره كذلك، وقال عمر يعني ولده زنكي له مدرسة، ووقف عبيه صبعين، والمدرسة لم يعمرها زنكي بل عمرها سليمان بن عبد الجبار بن أرتق، وأبتدأ في عمارتها في سنة سبع وعشرة، واسمه وتاريخ عمارتها على جدارها، لكن قسيم الدولة آق سنقر لما قتل دفن إلى جانب مشهد قرنبيا بالقبة الصغيرة المبنية بالحجارة من غربي المشهد، وكان قسيم الدولة بنى مشهد قرنبيا لمنام رآه بعض أهل زمانه ووقف عليه وقفا فدفن إلى جنبه، وعمر على قبره تلك القبة، فلما ملك زنكي حلب آثر أن يبني لأبيه مكانا ينقله إليه، وكانت المدرسة بالزجاجين لم تتم، وكان شرف الدين أبو طالب العجمي هو الذي يتولى عمارة المدرسة، ووقف من يقرأ على قبره القرية المعروفة بشامر، وهي جارية إلى الآن، وأما كارس التي هي وقف على المدرسة فأظنها وقف سليمان بن عبد الجبار].
14 - (1)
سنة 516: وفيها وصل الواعظ أبو طالب من الخليفة، فانتسجت بيني وبينه مودة، فكتب إلي أبياتا وأنا داخل من الركوب:
يا ليل ما جئتكم زائرا ... إلا رأيت الأرض تطوى لي
ولا ثنيت العزم عن داركم ... إلا تعثرت بأذيالي فلم أعلم ما معناها في وصولها، وأنا مع أبي دخول من الصيد، فأريته الرقعة وقلت: ما معنى هذا؟ فقال: والله لا أعلم، وأريتها لعمي عز الدين في الحال فقال: ما أعلم فأمرني أن أخلع عدتي وأرجع سريعا، فخطر لي أنه يختبرني ليعلم بديهيتي، فكتب في ظهرها:
كم لي إلى دارك من صبوة ... أعتدت فأبكت لي عذالي
وحر نار في الحشا محرق ... لبعدكم يقضي بترحالي
__________
(1) بغية الطلب 9: 114.

(1/136)


إن كنت أضمرت سلوا فلا ... بلغت من وصلك آمالي
وعشت من بعدك وهو الذي ... أخشى لأن الموت أشى لي ورجعت إلى مجلس عمي وقعدت فيه ساعة، وحضر الرجل فقلت: يا سيدنا جمال الأدب والعلماء، ما علمت ما معنى البيتين وأريتهما لموليي عمي وأبي فما علما، فقالا: والله كذلك كان، قلت: بل وقع إلي أنك أردت تختبرني، فعملت في ساعتي هذه الأبيات وأنشدتها، فقال لي من حضر: والله لولا أنها مكتوبة في ظهر الرقعة لظنناها من حفظك، وكان والله أديبا مليحا، وهو كان لازما لبني الشهرزوري، والأبيات لابن الشهرزوري. وأنشدني له أيضا وقد مر بقبر أخيه:
مررت على قبر تداعت رسومه ... ومنزله بين الحوائج آهل
فريد وفي الإخوان والأهل كثرة ... بعيد ومن دون اللقاء الجنادل
فحرك مني ساكنا وهو ساكن ... وثقف مني مائلا وهو مائل
وقلت له إن كنت أخليت منزلا ... فقد ملئت بالحزن منك المنازل
عليك سلام الله ما ذر شارق ... وما حن مشتاق وما ناح ثاكل - 15 - (1)
سنة 534: في شوال وفي حادي عشره مات أبو القاسم ابن السحلول الزاهد رحمه الله، وكان لا يأكل خبزا لأحد قط، إلا ما يعمل، ولقد حدثني جماعة وهو حاضر يتحدث حينئذ أنه حج وجاءت طريقه إلى حير، وهو وجماعة من الحجاج، فأخذوهم العرب، قال: ومشينا حتى نال الحر والعطش منا، فقال له أصحابه: ما تشتهي يا أبا القاسم؟ قال: اشتهيت رحمة الله وشربة من ماء، قالوا: أين ذاك؟ قال: أما أنا فأتكل على الله وأموت ولا أتعب، ورجع إلى موضع يلتجئ إليه فوجد ماء معينا فغرف منه بيده، فنادى أصحابه فجاءوا وشربوا واستراحوا، فإذا ناقة قد أقبلت من التي كانت لهم وقد أخذها العرب، فجاءت إلى أن حققوها، فرأوها ناقة
__________
(1) بغية الطلب 9: 170.

(1/137)


أبي القاسم، فما وقعت إلا في يده فقال: يا قوم لي فيها وديعة سبعة دنانير، قفوا نتبلغ بها إن كانت ناقته، فمد يده إلى رقبتها فوجد ذهبه في المكان الذي عمله، فسلم وسلمنا ببركته.
- 16 - (1)
سنة 534: وفي ثالث ذي الحجة توفي الشيخ أبو عبد الله الزاهد ابن العجمي (2) رحمه الله، حدثني من حضره قال: جئت يومئذ أفتقده وهو في آخر قوته فقلت: كيف تجدك؟ وأومأ إلي إيماءة فما شككت أنه تلك الساعة يموت، فقال: امضوا فعلي مهلة إلى بعد غد، وكان قد عطس ثلاث عطسات، كل عطسة ليوم، فكان الأمر كما ذكر، رحمه الله.
__________
(1) بغية الطلب 5: 5.
(2) هو الحسين بن طاهر العجمي، فقيه زاهد عاش بحلب وكان كولده سنة 448.

(1/138)


- 13 -
مدرج للمرهف بن أسامة بن منقذ
علق فيه شيئا من التاريخ

(1/139)


فراغ

(1/140)


- 1 - (1)
سنة 496: فيها قتل جناح الدولة بحمص في يوم الجمعة (22 من شهر رجب).
- 2 - (2)
سنة 499: فيها قفز أهل أفامية مع القاضي ابن الفتح على سيف الدولة خلف بن ملاعب فقتلوه وقتلوا أولاده في الرابع والعشرين من جمادى الأول.
- 3 - (3)
سنة 508: وفيها قتل الأخرس ابن الملك رضوان في يوم الاثنين خامس شهر ربيع الآخر.
- 4 - (4)
سنة 518: فيها قبض بلك على حسان التركي ونزل على قلعة منبج، وكان
__________
(1) سويم: 123 (عن بغية الطلب).
(2) سويم: 131.
(3) سويم: 155.
(4) بغية الطلب 4: 131.

(1/141)


فيها عيسى أخو حسان، وعذب حسان أنواع العذاب ليسلم إليه منبج، فلم يقبل أخوه عيسى وأنفذ إلى جوسلين، وأطمعه بتسليم منبج إليه، فجمع جمعا كثيرا وجاء، فنصر الله بلكا عليه فكسره، وعاد إلى حصار منبج فأصابه سهم في ترقوته فمات، وكان قد جعل سجن حسان في قلعة بالو، فلما قتل بلك نزل [...] داود ابن سكمان على بالو فأخذها وأفرج عن حسان، وقيل إن ذلك كان في ربيع الأول.
- 5 - (1)
سنة 529: فيها [قتل شمس الملوك إسماعيل بن بوري، قتلته أمه زمرد خاتون، وأجلست أخاه شهاب الدين محمودا].
__________
(1) سويم: 222.

(1/142)


- 14 - (1)
تاريخ مختصر
عمله
أبو شجاع محمد بن علي بن شعيب الفرضي البغدادي
المعروف بابن الدهان ( - 592/1195)
__________
(1) ترجمته في الخريدة (قسم العراق): 2: 312 وابن خلكان 5: 12 وذيل الروضتين: 9 والوافي 4: 164 والنجوم الزاهرة 6: 136، 139 وعبر الذهبي 4: 274 والشذرات 4: 304 وبغية الوعاة 1: 181 والبداية والنهاية 13: 13 وانظر: بروكلمان، والتاريخ: 392 والزركلي 7: 167.

(1/143)


فراغ

(1/144)


ولد ببغداد وبها نشأ ثم انتقل إلى الموصل وصحب وزيرها جمال الدين الأصبهاني، ثم التحق بخدمة السلطان صلاح الدين فولاه ديوان ميافارقين، غير أن خلافه مع والي تلك المدينة أخرجه عنها إلى دمشق حيث لبث مدة انتقل بعدها إلى مصر سنة 586، ثم رجع إلى دمشق وبقي فيها إلى أن حج وتوفي وهو عائد على طريق العراق بالحلة السيفية، وقد جعل ابن خلكان وفاته عام 590 ولكن هناك ما يدل على أنه عاش بعد ذلك - كما سيلي.
وقد كان ابن الدهان متعدد الملكات، إذ كان واسع الاطلاع في النحو، وله اهتمام بالفرائض، وهو أول من جعلجداولها على شكل منبر، وكان ذا معرفة بعلم النجوم وحل الزيجات ويعرف طرفا صالحا من الهندسة، هذا إلى توفر على قول الشعر، ويذكر العماد أن شعره في غاية الجودة. فأما في الحديث فقد صنف غريب الحديث في ستى عشر مجلدا لطافا ورمز فيه حروفا يستل بها على أماكن الكلمات المطلوبة منه، كذلك له في الفقه تأليف اسمه " تقويم النظر " .
وصنف في التاريخ كتابا وصفه الصفدي بأنه " جيد " ويذكر ابن تغري بردي أن تاريخه يبتدئ سنة 510 وينتهي بحوادث سنة 529، فإذا صح ذلك تكون وفاته قد تجاوزت ما حدده ابن خلكان وأكثر المصادر التي ترجمت له. ومن إشارات ابن العديم إلى الكتاب نعرف أنه مبني على الاختصار.

(1/145)


- 1 - (1)
سنة 521: واتفق المر على أن يسير بدر الدولة وخطلبا إلى باب الموصل إلى عماد الدين زنكي، فلما ولي عاد إلى منصبه، وأقام بحلب الأمير قراقش والرئيس فضائل بن بديع، فأصلح عماد الدين بينهما ولم يوقع لأحد منهما وسير سرية إلى حلب صحبة الحاجب صلاح الدين العمادي فوصل إلى حلب وطلع إلى القلعة وأقام فيها واليا من جانبه...
- 2 - (2)
سنة 522: دخل عماد الدين زنكي بن آق سنقر إلى حلب في يوم الاثنين رابع عشر جمادى الآخرة، والطالع السنبلة أربع عشرة درجة، وطالع الأصل الميزان، كذا حكى لي البرهان، وقبض على خطلبا وسلمه إلى ابن بديع فكحله في منتصف رجب...
- 3 - (3)
سنة 523: وانحاز قاضي القضاة الزيني إلى الموصل في ولاية الراشد، والآن عاد وسمع البينة في خلع الراشد، وانضاف إلى الراشد لما أصعد إلى الموصل أبو الفتوح الواعظ الإسفرايني وجلال الدين ابن صدقة الذي كان وزيره وقوام الدين ابن صدفة وأكابر بيت صدقة، وحصل الجماعة عند زنكي بالموصل. ولما اتفقت الكلمة على المقتفي لأمر الله وعلى السلطان مسعود استشعر الراشد من زنكي وطلب منه أن يعبر إلى الجانب الغربي ليمضي إلى همذان، فمشى بين يديه إلى أن حصل في الشبارة، وعبر وتخلف عند زنكي جلال الدولة بن صدقة وجماعة
__________
(1) بغية الطلب 7: 209 وسويم: 258.
(2) بغية الطلب 7: 209 وسويم: 258.
(3) بغية الطلب 7: 209 وسويم: 258.

(1/146)


من بيته. وسمعت قوام الدين صدقة يحكي أن الراشد لما حصل على شاطئ دجلة بالموصل يريد العبور وزنكي بين يديه قال لأبي الرضى ابن صدقة: أريد أقتل زنكي، فقال أبو الرضى لابن عمه قوام الدين: قل لزنكي يسرع خطوه بحيث يبعد عن الراشد، ففعل، وعرف زنكي ذلك لأبي الرضى فاستوزره. ومضى الراشد إلى أصفهان وصحبته أبو الفتوح الإسفرايني وأقام عليها إلى أن قتل.
- 4 - (1)
سنة 539: في خامس عشري جمادى الآخرة فتح زنكي الرها، كان نازلا على آمد، فكتب إليه رئيس حران يخبره أن صاحب الرها قد توجه إلى الشام، فأغذ زنكي السير حتى نزل على الرها، وحال بينها وبين صاحبها، وحاصرها أشد الحصار، وفتحها بالسيف فغنم المسلمون منها.
- 5 - (2)
سنة 541: وفي هذه السنة قتل عماد الدين زنكي ليلة الأحد سادس شهر ربيع الآخر على قلعة جعبر، قتله خادم له اسمه يرنقش وانهزم إلى قلعة جعبر.
- 6 - (3)
سنة 545: فيها خرجت زغب على الحاج فهلك منهم خلق كثير قتلا وجوعا وعطشا، وكان في من هلك يوسف بن درة الشاعر المعروف بابن الدري الموصلي الأصل.
__________
(1) بغية الطلب 7: 210 وسويم: 259.
(2) بغية الطلب 7: 213.
(3) ابن خلكان 7: 230.

(1/147)


- 7 - (1)
سنة 549: وفي ليلة الأربعاء رابع ذي القعدة توفي أبو الحكم المغربي الحكيم عبيد الله بن المظفر، وكان قدم بغداد وأقام بها مدة يعلم الصبيان، وكان ذا معرفة بالأدب والطب والهندسة، ومولده باليمن في سنة ست وثمانين وأربعمائة.
__________
(1) ابن خلكان 3: 123 - 125.

(1/148)


- 15 -
ذيل على مختصر تاريخ الطبري
أو
تاريخ الوزير أبي غالب عبد الواحد بن مسعود بن الحصين الشيباني
" 535 - 597 "

(1/149)


فراغ

(1/150)


اختصر تاريخ الطبري وحذف أسانيده جماعة منهم:
1 - محمد بن سليمان الهاشمي.
2 - أبو الحسن الشمشاطي المعلم من أهل الموصل.
3 - السليل بن أحمد (1) .
وهناك آخرون غير هؤلاء، ولهذا فالكتاب الذي يسمى :مختصر تاريخ الطبري " والذي ذيل عليه أبو غالب الشيباني مما يتعذر تحديد نسبته أو تعيين مؤلفه، وقد أهمل هذا الذيل الذي صنعه أبو غالب فيما يبدو، فلم يبق منه إلا النقول التي تضمنها كتاب بغية الطلب لابن العديم، ولعل السبب في ذلك أنه يشارك ابن الأثير في معظم الأخبار، فكان أن حجبته شهرة تاريخ ابن الأثير.
كذلك فإن الاهتمام بمؤلف الذيل قليل أيضا ولولا ورود ترجمته في الجامع المختصر لابن الساعي (9: 70) لما استطعنا معرفة شيء كثير عنه، قال ابن الساعي: " أبو غالب عبد الواحد بن مسعود الشيباني شيخ فاضل من أهل بيت رواية للحديث، روى عن أبي الكرم المبارك بن الشهرزوري وأبي الوقت السجزي
__________
(1) الفهرست: 291 هذا وقام السليل بالتذييل على تاريخ الطبري فيما يبدو إذ له تاريخ اختصره الشمشاطي وعنه ينقل ابن العديم (1: 93).

(1/151)


وغيرهما، وتولى الأعمال الواسطية نظرا وإشرافا ثم خرج إلى الشام في سنة سبع وسبعين وخمسمائة وتردد ما بين مصر ودمشق سنين، ثم سكن حلب إلى أن توفي بها في شهر رمضان من سنة سبع وتسعين وخمسمائة. وكان مولده في سنة خمس وثلاثين وخمسمائة " . وأكثر مروياته عن أبيه مسعود بن الحصين أبي منصور ( - 555) الذي غلب عليه الميل إلى القراءات (1) وعن خاله ابن عم أبيه شمس الرؤساء أبي الحسن علي بن محمد بن الحصين (2) .
ويبدو أنه كان في الفترة العراقية من حياته على علاقة بابن التلميذ الطبيب، ويروي شيئا من شعره، ومن شعر ابن الخل وغيرهما، وذلك أنه كان يخالط أولئك الشعراء كما كان يسمع إنشادهم في مجلس الوزير ابن هبيرة، وعنه يروي بعض شعر معاصريه العماد الأصفهاني ويدعوه " صديقي " في غير موطن (3) ، وكان كذلك على علاقة بأبي منصور محمد بن سليمان بن قتلمش النحوي اللغوي الذي ولاه الناصر حجبة الحجاب (4) ( - 620/1223)، فإنا نراهما يتفاوضان في مدى سرعة خاطر الحسين بن علي بن أحمد بن شبيب نديم المستنجد في حل الألغاز فيرسلون إليه بلغزين (وكانت وفاة ابن شبيب سنة 580) (5) .
ويلقبه
__________
(1) ترجمته في غاية النهاية 2: 296.
(2) الخريدة 2: 289.
(3) الخريدة قسم العراق 2: 233، 1/4: 117، 225.
(4) معجم الأدباء 18: 205 - 206 وعنه بغية الوعاة 1: 115 والوافي بالوفيات 3: 125.
(5) معجم الأدباء 10: 126.

(1/152)


- 1 - (1)
سنة 456: في شهر رمضان وصل ركابي من تبريز بكتاب من نظام الملك يخبر أن السلطان ألب أرسلان أوغل في الغزاة ببلاد الخزر وبلغ حيث لم يبلغ أحد من الملوك وافتتح بلدا عظيما يسمى أسبد شهر وقتل نحو ثلاثين ألف رجل وسى ما يوفي على خمسين ألف مملوك، وهادن ملك الأبخاز وعاد من ذلك الثغر ونزل على مدينة آني من بلاد الروم، ففتحها عنوة، وهي مدينة عظيمة تشتمل هلى سبعمائة ألف دار، وأسر منها خمسمائة ألف إنسان.. وهو أول من ذكر على منابر مدينة السلام بالسلطان عضد الدين ألب أرسلان.
- 2 - (2)
سار السلطان ألب أرسلان [يعني في سنة ثلاث وستين وأربعمائة] إلى ديار بكر فخرج إليه نصر بن مروان، وخدمه بمائة ألف دينار، وقصد حلب وحاصرها فخرج إليه محمود بن نصر آملا ومعه والدته، فدخلا على السلطان فقالت له: هذا ولدي فافعل به ما تحب، ففعل معه الجميل وخلع عليه.
وغزا السلطان ألب أرسلان بلاد الروم، وخرج أمر الخليفة القائم إلى الخطباء على المنابر بالدعاء له بما صيغته " اللهم أعل راية الإسلام وناصره، وادحض الشرك بجب غاربه وقطع أواصره، وامدد المجاهدين في سبيل الدين في طاعتك بنفوسهم سمحوا، وعلى متابعتك بمهجهم فازوا وربحوا، بالعون الذي تطيل به باعهم، وتملأ بالأمن والظفر رباعهم، واحب شاهنشاه الأعظم برهان أمير
__________
(1) بغية الطلب 3: 288 وسويم: 35.
(2) بغية الطلب 3: 285 وسويم: 29 وقارن بابن الأثير 10: 64، 65 - 67.

(1/153)


المؤمنين بالنصر الذي تنشر به أعلامه، ويستبشر بمكانه من اختلاف الظلال أيامه،وأوله من التأييد الضاحكة مباسمه، القائمة أسواقه ومواسمه، ما يقوي في إعزاز دينك يده، ويقضي بأن يشفع يومه في الكفار غده، واجعل جنوده بملائكتك معضودة، وعزائمه على اليمن والتوفيق معقودة، فإنه قد هجر في كريم مرضاتك الدعة، وتاجرك من بذل المال والنفس ما انتهج فيه مسالك أوامرك الممتثلة المتبعة، فإنك تقول وقولك الحق: (يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم. تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم).
اللهم فكما أجاب نداءك ولباه، واجتنب التثاقل عن السعي في حياطة الشريعة وأباه،ولاقى أعداءك بنفسه، وواصل في الانتصار لدينك يومه بأمسه،أنت اخصصه بالظفر، وأعنه في مقاصده بحسن مجاري القضاء والقدر، وحطه بحرز يدرأ عنه من الأعداء كل كيد، ويشمله من جميل صنعك بأقوى أيد، ويسر له كل مرام يحاوله، ومطلب يرومه ويزاوله، حتى تكون نهضته الميمونة عن النصر مسفرة، ومقلة أحزاب الشرك مع إصرارهم على الضلال غير مبصرة. فابتهلوا معاشر المسلمين إلى الله تعالى في الدعاء له بنية صافية، وعزيمة صادقة، وقلوب خاشعة، وعقائد في رياض الإخلاص راتعة، وواصلوا الرغبة إلى الله في إعزاز جانبه، وفل غرب مجانبه، وإعلاء رايته، وإنالته من الظفر أقصى حده وغايته).
وأنفذ السلطان في مقدمته أحد الحجاب، فصادف عند خلاط صليبا تحته مقدم الروسية في عشرة آلاف من الروم فحاربوهم، وأعطى الله المسلمين النصر عليهم، فأخذ الصليب وأسر المقدم، وتقارب السلطان وعظيم الروم في مكان يعرف بالزهرة بين خلاط ومنازكرد في يوم الأربعاء خامس ذي القعدة، وكان السلطان في خمسة عشر ألفا وصاحب الروم في مئين ألوف، وراسل السلطان ملك الروم في الهدنة، فقال ملك الروم: لا هدنة إلا بالري، فعزم الله على السلطان على الرشد، ولقيه يوم الجمعة وقت الزوال، وهو سابع ذي القعدة، وأعطى الله المسلمين النصر فقتلوا منهم قتلا ذريعا وأسر ملك الروم، وضربه ألب أرسلان ثلاث مقارع، وقطع عليه ألف ألف وخمسمائة ألف دينار، وأي وقت طلب

(1/154)


السلطان عساكر الروم نفذها ملكهم إليه، وأن يسلم كل أسير من المسلمين عنده.
3 - (1)
سنة 465: في أولها غزا السلطان ألب أرسلان جيحون، وكان معه زيادة على مائتي ألف فارس، وعبر عسكره إليهم في نيف وعشرين يوما من صفر، وكان قد قصده شمس الملوك تكين بن طمغاج، وأتاه وأصحابه بمستحفظ قلعة يعرف بيوسف الخوارزمي، وحمل إلى قرب سريره وهو مع غلامين، فتقدم بان تضرب له أربعة أوتاد وتشد أطرافه إليها فقال: يا مخنث، مثلي يقتل هذه القتلة؟ فاحتد السلطان ألب أرسلان وأخذ القوس والنشابة وحرص على قتله، وقال للغلامين خلياه، فخلياه ورماه فأخطأه، ولم تخطئ له قط نشابة غير هذه، فعدا يوسف إليه، وكان السلطان جالسا على سدة، فنهض ونزل فعثر ووقع على وجهه، وقد وصله يوسف فبرك عليه وضربه بسكين كانت معه في خاصرته، ودخل السلطان إلى خيمته وهو مثقل، ولحق بعض الفراشين يوسف فقتله بمروة (2) كانت في يده، وقضى ألب أرسلان نحبه وجلس للعزاء به ببغداد في ثامن جمادى الآخرة، ومولده سنة أربع وعشرين وأربعمائة، وبلغ من العمر أربعين سنة وشهرين، ودفن السلطان ألب أرسلان عند قبر أبيه بمرو.
4 - (3)
سنة 485: وفيها في المحرم مرض نظام الملك فلم يداو نفسه بغير الصدقة فعوفي.
__________
(1) بغية الطلب 3: 288 وسويم: 36 وقارن بتاريخ ابن الأثير 10: 73 وبين النصين تقارب كثير.
(2) ابن الأثير: بمرزبة.
(3) سويم: 74 (عن بغية الطلب).

(1/155)


5 - (1)
وفي ليلة السبت عاشر شهر رمضان [يعني من سنة485] قتل نظام الملك قوام الدين أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق رضي الله عنه قريبا من نهاوند، وهو سائر مع العسكر في محفة، فضربه صبي ديلمي في صورة مستميح أو مستغيث، بسكين كانت معه فقضى عليه، وأدرك فقتل، وجلس لعزائه عميد الدولة ابن جهير ببغداد، وفضائله المشهورة في كل مكان وزمان تنوب عن لسان مادحه، وأفعاله الصالحة من المدارس والربط والقناطر والجسور والصدقات الدارة باقية على الأيام، وتحدث الناس أن قتل نظام الملك كان برضى من السلطان وتدبير تاج الملك أبي الغنائم وإشارة تركان خاتون، لأنهم كانوا عزموا على تشعيث خاطر المقتدي، وكان نظام الملك يمنعهم من ذلك...
وبلغني أن أبا نصر الكندري لما عزل عن وزارة السلطان وفوضت الوزارة إلى نظام الملك وحبس وسعى نظام الملك في قتله، فلما هم الجلاد بقتله قال له: قل للوزير نظام الملك بئس ما فعلت، علمت الأتراك قتل الوزراء وأصحاب الدواوين ومن حفر مغواة وقع فيها، ومن سن سنة فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، ورضي بقضاء الله المحتوم،فكان الأمر كما قال.
6 - (2)
سنة487: وفي جمادى الأولى كان المصاف بين تاج الدولة تتش وبين الأمير آق سنقر وبوزان ومن أمدهما به بركياروق قريبا من حلب، فلما ألتقى الصفان استأمن ابن أبق إلى تتش وانهزم الباقون، وأسر آق سنقر فجيء به إلى تتش فقال له تتش: لو ظفرت بي ما كنت صانعا في؟ قال: أقتلك، قال: فإني أحكم عليك بحكمك في، وقتله. وكان آق سنقر من أحسن الناس سياسة وآمنهم رعية وسابلة.
__________
(1) بغية الطلب 4: 298 وسويم: 87 وقارن بابن الأثير 10: 204.
(2) بغية الطلب 3: 270 وسويم: 103 وقارن بابن الأثير 10: 232.

(1/156)


7 - (1)
سنة514: في هذه السنة قتل الأستاذ أبو إسماعيل الطغرائي، وكان وزير السلطان مسعود، أسر في الكسرة المذكورة [كسرة محمود بن محمد لأخيه مسعود]، وكان فضائله في الشعر والرسائل والحكمة مشهورة [ذكر ذلك بعد ذكر كسرة السلطان محمود بن محمد أخاه مسعودا].
8 - (2)
سنة518: وفي ثاني عشر من ذي حجتها دخل البرسقي إلى حلب، وفي غده رحل الفرنج عن حلب.
9 - (3)
سنة524: وجد دبيس بن صدقة ضالا بحلة حسان بن مكتوم بأعمال صرخد، فأسره ابن طغتكين صاحب دمشق، وباعه علي زنكي بن آق سنقر صاحب حلب بخمسين ألف دينار، وكان زنكي عدوه، فما شك دبيس أنه ابتاعه ليهلكه، فلما حصل دبيس في قبضة زنكي أكرمه وخوله وأطلقه، وروسل زنكي من دار الخلافة بتسليم دبيس، فقبض على الرسول وهو سديد الدولة محمد بن عبد الكريم الأنباري كاتب الإنشاء.
__________
(1) بغية الطلب 5: 122 وسويم: 194 وقارن بابن الأثير 10: 562 - 565.
(2) سويم: 211.
(3) بغية الطلب 6: 308 وسويم: 231 وقارن بابن الأثير 10: 668 - 669 وفيه أن الذي أسره ناس من كلب كانوا شرقي الغوطة وحملوه إلى تاج الملوك صاحب دمشق فحبسه عنده، فلما سمع أتابك عماد الدين زنكي بذلك، وكان دبيس يقع فيه وينال منه، أرسل إلى تاج الملوك يطلب دبيسا فسلمه له.

(1/157)


10 - (1)
سنة 527: فيها نازل إسماعيل الملقب بشمس الملوك حماة وشيزر.
11 - (2)
سنة 529: فيها قتل شمس الملوك إسماعيل بن بوري، قتلته أمه زمرد خانون وأجلست أخاه شهاب الدين محمودا.
12 - (3)
سنة577: فيها مات الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين محمود بن زنكي صاحب حلب، وبلغني أن وفاته كانت في شهر رجب عن تسع عشرة سنة، وكانت وفاته بقلعة حلب.
13 - (4)
حدثني الشيخ نصر الله بن مجلي مشارف الصناعة بالمخزن، وكان من الثقاة الأمناء أهل السنة قال: رأيت في المنام علي بن أبي طالب عليه السلام فقلت: يا أمير المؤمنين، تفتحون مكة فتقولون: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ثم يتم على ولدك الحسين يوم الطف ما تم؟ فقال لي علي عليه السلام: أما سمعت بأبيات الجمال ابن الصيفي في هذا؟ قلت:لا، فقال: أسمعها منه.ثم
__________
(1) سويم: 222، (بغية الطلب 3: 70).
(2) سويم: 222، (بغية الطلب 3: 70).
(3) بغية الطلب 3: 191 وسويم: 283: وقارن بابن الأثير 11: 472.
(4) بغية الطلب 5: 93، 8: 274 ومعجم الأدباء 11: 206 - 207 ووفيات الأعيان 2: 364 - 365 ومرآة الجنان 3: 399 والشذرات 4: 247 والأبيات في ديوان الحيص بيص 3: 404.

(1/158)


استيقظت فباكرت إلى دار الحيص بيص، فخرج إلي، فذكرت له الرؤيا، فشهق وأجهش بالبكاء، وحلف بالله إن كانت خرجت من فمي أو خطي إلى أحد، وإن كنت نظمتها إلا في ليلتي هذه، وهي:
ملكنا فكان العفو منا سجية ... فلما ملكتم سال بالدم أبطح
وحللتم قتل الأسير وطالما ... غدونا عن الأسرى نعف ونصفح
ولا غرو فيما بيننا من تفاوت ... فكل إناء بالذي فيه ينضح

(1/159)


فراغ

(1/160)


16 - (1)
حلية السريين من خواص الدنيسريين
لأبي حفص عمر بن الخضر بن اللمش بن الدزمش التركي
__________
(1) انظر الإعلان بالتوبيخ (عند روزنتال): 632 وتاريخ الحكماء: 290 وبغية الطلب 2: 69 وكشف الظنون 1: 690 وتاج العروس (دنسير) وبروكلمان 1: 333 والأعلام للزركلي 5: 203.

(1/161)


فراغ

(1/162)


دنيسر إحدى مدن الجزيرة، بينها وبين ماردين فرسخان، وقد رآها ياقوت وهو صبي، وكانت قرية، ثم رآها بعد ذلك بنحو ثلاثين سنة وقد أصبحت مدينة كبيرة آهلة بالسكان كثيرة الأسواق، وفي فترة نموها عاش أبو حفص عمر بن الخضر، وكتب تاريخها، حين كثر علماؤها ونعددت مدارسها (فعرف منها المدرسة الشهابية) وكثرت حلقات الدرس في جوامعها.
نال عمر بن الخضر ثقافته في بلده دنيسر على شيوخ منهم أبو الكرم ابن الأكاف الموصلي والقاضي أبو بكر الحلبي والقاضي أبو عمران الماكسيني (الماكسي) ثم توجه إلى بغداد فدرس الطب على أبي الخير المسيحي ابن العطار، والأرجح أنه عاد إلى بلده وزاول مهنة الطب هنالك، وتوفي بعد سنة615 (1) ، وهو ممن أغفل ذكرهم ابن أبي أصيبعة في عيون الأنباء.
1 - (2)
إسحاق بن إسماعيل بن قنق بن إسحاق أبو يوسف التركي المنبجي المولد، الدنيسري الدار: كان فقيها شافعيا، وكان ابتداء اشتغاله بالفقه بالمدرسة الشهابية بدنيسر سنة تسع وثمانين وخمسمائة، تفقه بها على شيوخنا أبي الكرم ابن الأكاف
__________
(1) هدية العارفين 1: 785.
(2) بغية الطلب 2: 264.

(1/163)


الموصلي والقاضي أبي بكر الحلبي والقاضي أبي عمران الماكسي وغيرهم. قرأ جملة من كتب المذهب، وله في المناظرة تصرف وأنس بالجدل وبحث في الطب، صار يفيد الدروس للمتفقهة بالمدرسة بعد خروج القاضي محمد بن يحيى منها سنة سبع وستمائة.
2 - (1)
أبو العباس [أحمد بن مسعود بن محمد] الخزرجي القرطبي الشافعي (2) : هو أول من درس بالمدرسة الشهابية في دنيسر، فقيه فاضل مفنن عارف بكثير من علوم الأصول والفقه والنحو وسائر الآداب، شهد له بذلك جماعة من العلماء. قال لي أبو محمد ابن عربد النحوي: كان أبو العباس رحمه الله حديد النظر، سديد الفكر، عجيب الفقر، غريب السير، حسن التبحر في العلوم، سليم التصور فيما يبدي من المنثور والمنظوم، جيد الفكاهة، متزيد النزاهة، لطيف الشمائل، طريف المخايل، لم أر في علماء عصره ومعشره أتم من بحثه ولا أدق من نظره، وله تصانيف في فنون كثيرة وشعر كثير، ولم يظهر له عندنا سماع حديث على طريق الرواية البتة بل كان يذكر لنا أن له سماعات كثيرة، وقد أنشدني كثيرا من شعره.
وتوفي رحمه الله تعالى في سنة إحدى وستمائة بدنيسر ودفن بالمقبرة القبلية بها.
3 - (3)
محمد بن عبد السلام بن عبد الرحمن بن عبد الساتر المقدسي ثم
__________
(1) بغية الطلب 2: 69.
(2) أورد ابن العديم نماذج من شعره، وذكر من مؤلفاته: كتاب في علم الأصول في ثماني مجلدات سماه تقريب المطالب، وكتاب القوانين في أصول الدين، وكتاب في النحو، وكتاب سماه الاختيار في علم الأخبار.
(3) تاريخ الحكماء: 290 - 291، ولابن عبد السلام المارديني ترجمة ضافية في عيون الأنباء 1: 299 - 301 ويؤخذ منها أنه قرأ كتاب القانون على ابن التلميذ وباحثه فيه وبالغ في تصحيحه وتحريره معه، وقرأ عليه صناعة المنطق، من ذلك كتاب المختصر الأوسط لابن سينا. وأقام المارديني مدة طويلة في مدينة حيني في خدمة نجم الدين ابن أرنق، ثم ذهب إلى دمشق سنة 587 وأقرأ بها صناعة الطب، وكان له مجلس عام للتدريس، وبقي فيها إلى آخر شعبان سنة 589 ومنها توجه قاصدا بلده، فمر بحلب، فطلب منه صاحبها الملك الظاهر غازي الإقامة فيها، فرفض، ثم نزل على أمر الملك الظاهر وبقي في صحبته نحو سنتين، ومن ثم عاد إلى وطنه ووقف كتبه في المشهد الذي وقفه حسام الدين أرتق هنالك، والكتب التي وقفها هي نسخه التي كان قد قرأها على مشايخه وبالغ في تحريرها وإتقانها (انتهى باختصار)، وانظر عيون الأنباء أيضا 1: 263، 267.

(1/164)


المارديني: كان أبوه قاضي ماردين، وجده قاضي دنيسر هو فخر الدين بن المشهدي، فاضل وقته في علوم الحكمة والطب والمرجوع إليه في ذلك. قرأ الطب على هبة الله بن صاعد بن التلميذ ببغداد، وبلغني أن ابن التلميذ لما رأى غزارة فهمه في علوم الحكمة أشار عليه بالطب لتعجيل الراحة منه، ضرورة حاجة الناس إليه، فبلغ منه الغاية، حتى إن الملوك كانت تخطبه من النواحي والأقطار، وكان على علو السن يكرر على كتب كبار، وقرأ عليه الشهاب السهروردي شيئا من الحكمة، ولم يبلغني أنه صنف كتابا مع غزارة علمه وتمكنه وحسن تصرفه فيه، إلا أنه شرح أبيات الشيخ الرئيس أبي علي ابن سينا، وهي التي أولها:
هبطت إليك من المحل الأرفع ... وأقام بدنيسر عند أبي محمد القاسم بن هبة الله الحريري مدة، ولم أجتمع به. وتوفي في يوم السبت حادي عشر (1) ذي الحجة سنة أربع وتسعين وخمسمائة. قال أبو الخير المسيحي ابن العطار البغدادي زمن اشتغالي عليه بالطب ببغداد:إن عندكم من هو المرجوع إليه في هذا الشأن وغيره، وذكر لي محمد بن عبد السلام، وكان يفخم أمره ويعظم شأنه، فأخبرته بوفاته، رحمه الله.
__________
(1) عيون الأنباء: الحادي والعشرين، أضاف ابن أبي أصيبعة أنه توفي بآمد وله من العمر اثنتان وثمانون سنة.

(1/165)


4 - (1)
أبو المعالي بن أبي الجيش بن أبي المعالي المقرئ الدنيسري الحصري الزاهد: قرأ القرآن على أبي جعفر القرطبي بدمشق، وقرأ على غيره، وهو رجل زاهد يحب الانقطاع عن الناس والخمول وكثرة قراءة القرآن، ويكره الجاه والقرب من السلطان وأن يؤم بهم أو بأتباعهم، وإذا عرض عليه شيء من ذلك امتنع، حتى إنه امتنع من الإمامة بالجامع الغربي بدنيسر لكونها ولاية سلطانية.
__________
(1) بغية الطلب 9: 198.

(1/166)


17 - تاريخ حران
لأبي المحاسن ابن سلامة الحراني

(1/167)


فراغ

(1/168)


توالى على كتابة تاريخ حران عدد من العلماء نعرف منهم ثلاثة:
1 - أبو عروبة (أو أبو عمرو) السلمي، وعنه ينقل السمعاني في الأنساب (1) .
2 - حماد بن هبة الله بن حماد بن الفضيل الحراني (511 598) (2) وكان محدثا حافظا، سمع ببغداد من إسماعيل بن السمرقندي، وبهراة من عبد السلام، وبمصر من ابن رفاعة كما سمع من أبي طاهر السلفي. كان يتجر ويكتب الحديث، وفي هذا النشاط التجاري العلمي غاب عن حران ستين سنة، ولكن تعلقه بها يدل عليه تخصيصه تاريخا لمن دخلها ومن كان منها وبها من أهل العلم والحديث وغير ذلك. وقد شك الذهبي في أن يكون كتب تاريخ حران كله أو بعضه، ولكن هذا الشك لا يرد عند من كمل تاريخه وذيل عليهوهو أبو المحاسن الآتي ذكره، وقد نقل ابن العديم عن تاريخه الفقرة الآتية (3) :
(قرأت في كتاب شيخنا المعمر أبن عبد الواحد بن الفاخر الأصبهاني
__________
(1) الأنساب (حيدر أباد) 3: 325 (أبو عروبة) وفي الأنساب (مرغوليوث): 134 ب (أبو عمرو).
(2) ترجمته في عبر الذهبي 4: 302 والشذرات 4: 335 والبداية والنهاية 13: 33 والقطعة رقم 5 من تاريخ أبي المحاسن التي أوردها ابن العديم.
(3) بغية الطلب 3: 13.

(1/169)


وخطه، أخبرنا الأمام عمي في كتابه قال: أخبرنا أبو منصور الوكيل بهمذان قال: حدثنا أبو الفضل محمد بن أحمد بن حمزة الهاشمي بالدسكرة قال: حدثنا ابن نصر أبو زياد بالمصيصة قال حدثنا يوسف بن سعد قال حدثنا روح الحراني عن خليد عن دعلج عن قتادة عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لهذا كل عالم ناطق ومستمع داع).
3 - أبو المحاسن ابن سلامة بن خليفة (أو ابن غرير) الحراني (1) ، وقد صرح ابن العديم بأن تاريخه تكملة لتاريخ حران الذي ألفه حماد الحراني (2) ويذكر السخاوي أن نسخة من تاريخه كتبها السيف أبو محمد عبد الغني بن محمد بن تيمية الحراني (3) ، ولم أجد أحدا ترجم له. وذكره باسم " أبو المحاسن ابن سلامة " عند ابن العديم لا يختل أبدا، ولكن ابن خلكان ذكره مرة واحدة وكناه أبا يوسف وجعل اسمه " محاسن بن سلامة بن خليفة " (4) . ويبدو من النصوص التي وصلتنا أنه اهتم بالأحداث التي مرت على حران مثلما اهتم بتراجم الرجال الذين عاشوا فيها سواء أكانوا من أهلها أو من الوافدين، وهو يستدرك على ما فات حمادا الحراني، وفي ما نقل عنه ترجمة لمن توفي سنة624، وهذا قد يحدد بعض الشيء الفترة التي كتب فيها كتابه.
1 - (5)
حدثني أبي رحمه الله قال: كان أتابك زنكي ابن قسيم الدولة آق سنقر، رحمه الله، إذا ركب مشى العسكر خلفه كأنهم بين خطين مخافة أن يدوس العسكر
__________
(1) ابن خليفة في بغية الطلب 2: 164 وابن غرير فيه 3: 41.
(2) بغية الطلب 2: 164.
(3) الإعلان بالتوبيخ (عند روزنتال): 628.
(4) وفيات الأعيان 4: 387.
(5) بغية الطلب: 7: 210 وسويم: 262.

(1/170)


شيئا من الزرع، ولا يجسر أحد من هيبته على أن يدوس عرقا من الزرع ولا يمشي فرسه فيه، ولا يقدر أحد من الأجناد يأخذ لفلاح علاقة تبن إلا بثمنها أو بخط من الديوان إلى رئيس القرية وإن تعدى أحد حاسبه عليها. وكان إذا بلغه عن جندي أنه تعدى على فلاح قطع خبزه وطرده، حتى عمر البلاد بعد خرابها وأحسن إلى أهل مملكته، وكان لا يبقي على مفسد. وأوصى ولاته بأهل حران وعماله، ونهى عن الكلف والمغارم والسخر والتثقيل على الرعية وأقام الحدود في بلاده، رضي الله عنه.
2 - (1)
وفي سنة539 نزل [يعني أتابك زنكي] على الرها، وفيها الإفرنج، فحصرها وأخذها بالسيف،سادس عشر جمادى الآخرة، وكانت أيام الشتاء والبرد، قال الشاعر:
أصبحت صفرا من بني الأصفر ... أختال بالأعلام والمنبر
دان من المعروف حال به ... ناء عن الفحشاء والمنكر
مطهر الرحب على أنني ... لولا جمال الدين لم أطهر فبلغ ذلك رئيس حران جمال الدين فضل الله أبا المعالي فقال: امحوا " جمال الدين " واكتبوا " عماد الدين " فبلغ ذلك أتابك عماد الدين فقال: صدق الشاعر، لولاك ما طمعنا فيها. وأمر عماله إذا جاءت جائحة في الغلة أن يأخذوا الخراج على قدرها، فكانوا يأخذون خراجا، وتارة نصف خراج، وتارة ثلث خراج، وتارة ربع خراج، وتارة لا يأخذون شيئا إذا أمحلت البلاد. وقسم الماء الذي لحران ثلاثة أقسام: قسما للسلطان وقسما للسايات، وقسما لآبار حران ولخندق القلعة. فلما أخذ الرها نزل على البيرة وفيها الإفرنج، وذلك في سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، وجاءه الخبر من الموصل أن نصير الدين نائبه بالموصل قتل فخاف
__________
(1) بغية الطلب 7: 210 وسويم: 260.

(1/171)


عليها وسار حتى دخل الموصل وأخذ وخابشا ابن السلطان الذي قتل نصير الدين جقر بن يعقوب فقتله بدم نصير الدين.
3 - (1)
فلما كان في سنة أربعين وخمسمائة نزل أتابك زنكي على قلعة جعبر بالمرج الشرقي تحت القلعة يوم الثلاثاء ثالث ذي الحجة، فأقام عليها إلى ليلة الأحد سادس ربيع الآخر نصف الليل من ستة إحدى وأربعين وخمسمائة، فقتله يرنقش الخادم، كان تهدده بالنهار فخاف منه فقتله في الليل في فراشه، وجاء إلى تحت القلعة فنادى أهل القلعة: شيلوني فقد قتلت السلطان، فقالوا له: إذهب إلى لعنة الله، فقد قتلت المسلمين كلهم بقتله. وافترقت العساكر فأخذ أولاد الداية نور الدين محمود الملك العادل بن عماد الدين زنكي وطلبوا حلب والشام فملكها، وسار أجناد الموصل بسيف الدين غازي إلى الموصل وأعمالها فملكها وملك الجزيرة، وبقي عماد الدين أتابك زنكي وحده، فخرج إليه أهل الرافقة فغسلو بقحف جرة ودفنوه على باب مشهد الإمام علي عليه السلام في جوار الشهداء من الصحابة، وبنى بنوه عليه قبة فهي باقية حتى الآن (2) .
4 - (3)
حدثني الشيخ أبو الحسن علي بن عمر السعردي رحمه الله قال: انقطع الشيخ أبو الفتح البغدادي [أحمد بن أبي الوفاء بن عبد الرحمن] عن المدرسة بحران شهرا بسبب مرض أصابه، فحمل إليه قيم المدرسة واجب الشهر، فقال له الشيخ: يا ابني ما ألقيت في هذا الشهر درسا، ولا لي فيه واجب، ردها إلى
__________
(1) بغية الطلب 7: 214 وسويم: 268.
(2) علق ابن العديم على ذلك بقوله: كذا قال أبو المحاسن، وإنما دفن أولا داخل مشهد علي رضي الله عنه، قريبا من الباب ثم نقل من ذلك الموضع إلى جوار الشهداء.
(3) بغية الطلب 2: 164.

(1/172)


الخزانة، فردها ولم يأخذها. وكان أبو الفتح يدخل على أبي يزوره، وكان أبي فقيرا، وكان الفقيه يريد بذلك وجه الله وابتغاء مرضاته تبركا بالفقراء وتواضعا لهم وحسن ظن فيهم، مع جلالة قدره وعلمه، وكان كلما دخل على أبي ينشده:
يا بومة القبة الخضراء قد أنست ... روحي بروحك إذ تستبشع البوم
زهدت في زخرف الدنيا فأسكنك الز ... هد الخراب فمن يذممك مذموم وحدثني عنه رجل من فقهاء بغداد قال: سافر الشيخ أبو الفتح في طلب العلم إلى خراسان سفرة طويلة ثم رجع إلى بغداد وليس معه غير كتبه وثيابه، فوضعها في بيت من الخان، ثم دخل إلى شارعهم فدخل الدرب الذي كان أهله فيه، فجلس في مسجد وسأل عن أهله فأخبروه أنه لم يبق منهم في ذلك الدرب أحد، فجال مع الفقيه الذي هو قاضي الشارع، فتكلما في مسألة واختلفا فيها، فلما رأى خصمه على نفسه الغلبة وقهره الشيخ أبو الفتح بالحجة قال: والله لو أنك أبو الفتح ابن الصايغ ما سلمت إليك، فقال: يا أخي أنا أبو الفتح ابن الصايغ، فقام إليه واحترمه.
توفي أبو الفتح ابن أبي الوفاء بحران في سنة خمس وسبعين وخمسمائة.
5 - (1)
وفي الأربعاء ثاني عشر ذي الحجة سنة ثمان وتسعين وخمسمائة مات الشيخ الحافظ رضي الدين أبو الثناء حماد بن هبة الله بن فضيل الحراني، من أهل العلم والحديث، سمع من السلفي أبي طاهر وغيره، وسافر فغاب عن حران ستين سنة يتجر ويكتب الحديث، وألف لحران تاريخا لمن دخلها ومن كان منها وبها من أهل العلم والحديث وغير ذلك.
__________
(1) بغية الطلب 5: 272.

(1/173)


6 - (1)
كان مولده [يعني أسعد بن المنجا] بدمشق سنة عشرين وخمسمائة، ومات بدمشق سنة خمس وستمائة وخطب على منبر حران، سمعته يخطب ويدعو للإمام المستضيء رضي الله عنه، صنف: كتاب النهاية في شرح الهداية، عشرين مجلدا، جمع فيه المذاهب وأدلتها، واختصر كتاب الهداية، وله شعر حسن.
7 - (2)
سنة624: في ليلة السبت خامس شوال مات الشيخ الزاهد الناسك المبتلى الراضي الصابر أبو الثناء حماد بن الشيخ أحمد بن محمد بن بركة بن صديق النجار الحراني بعد مرض طويل تفتح (3) فيه بدنه مدة اثنتي عشرة سنة، وهو مقيم على ذكر الله وطاعته وشكره، صابرا محتسبا ذلك في ثواب الله ومرضاته، وكان قد لقي الشيخ حياة بن قيس وعاهد ولده عمر، وأقام بزاوية في مسجد لله يعرف ببيت الزجاج معلق داخل باب من يزيد (4) مدة من السنين منقطعا إلى عبادة الله سبحانه وتعالى، وترك المعاش وقد كان نجارا من قبل، وكان له ملك فجعل يؤجره ويأكل من أجرته، وبنى لله تعالى مسجدا قريبا من داره، ولم يتزوج قط، وكان عمره نيف وسبعين سنة، وكان صبيح الوجه دمث الأخلاق سلس القياد طيب المعاشرة والمحاضرة.
__________
(1) بغية الطلب 3: 41.
(2) بغية الطلب 5: 263.
(3) لعل الصواب: تقيح.
(4) كذا في الأصل.

(1/174)


18 - (1)
الاستسعاد بمن لقيته من صالحي العباد في البلاد
لأبي الفرج ناصح الدين عبد الرحمن بن نجم بن عبد الوهاب الأنصاري المعروف بابن الحنبلي
554 634 - /1159 1236
__________
(1) ترجمته في مرآة الزمان 8: 700 وذيل الروضتين: 164 والتكملة لوفيات النقلة: 3: 429 (وفيه تخريج واف لمصادر الترجمة) وذيل طبقات الحنابلة 2: 193 - 201 وعبر الذهبي 5: 138 والشذرات 5: 164.

(1/175)


فراغ

(1/176)


ولد بدمشق وكان أبوه ( 586) شيخ الحنابلة بها في وقته، فسمع بدمشق من والده ومن غيره ثم أعد العدة للطلب، فطوف من أجل ذلك في عدد من البلدان مثل بغداد والموصل وأصبهان وهمذان، وزار مصر مرتين، ولقي المحدثين وتمكن في الفقه واللغة، ولكنه اتجه في دور مبكر من حياته إلى الوعظ حتى شهر به، وقد وعظ في كثير من البلدان التي دخلها، وحضر فتح بيت المقدس مع صلاح الدين، ودرس في عدة مدارس، ومن أجله بنت له الصاحبة ربيعة خاتون المدرسة الصاحبية بجبل قاسيون، وأبتدأ تدريسه فيها سنة628، وقد كانت بينه وبين بعض علماء عصره منافسة، فقد تنازع مع موفق الدين المقدسي حول بعض القضايا، بعد أن كان المقدسي يرشحه لخلافته في المذهب، كما دخل في منافسة مع سبط ابن الجوزي بسبب الوعظ، والتقرب إلى الملك الأشرف الأيوبي، وكانت وفاته بدمشق.
ألف عددا من المصنفات منها أسباب الحديث في عدة مجلدات، والانجاد في الجهاد، وتاريخ الوعاظ، ويعد كتابه " الاستسعاد " من المصادر المهمة التي اعتمدها ابن رجب في تأليف كتابه " ذيل طبقات الحنابلة " وقد وقف عليه بخط مؤلفه.
1 - (1)
إبراهيم بن محمد بن الأزهري الصريفيني أبو إسحاق: [تولى دار الحديث
__________
(1) ذيل طبقات الحنابلة 2: 229 (توفي سنة 641).

(1/177)


بحلب، وكان سبب ذلك أن] القاضي بهاء الدين ابن شداد كان له غلو في إعلاء مذهب الشافعي فرأى في منامه رسول الله صلى الله عليه وسلم،قال: فسألته: أي المذاهب خير؟ ثم كتم جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالظاهر أنه أشار إلى مذهب أحمد، لأن تعصبه على مذهب أبي حنيفة ما تغير، ومال إلى الحنابلة، وأجلس التقي إبراهيم الحافظ الصريفيني في دار الحديث وقال: ندمت إذ وسمتها بالشافعية، ولو كان الجواب " مذهب الشافعي " لأظهره لأنه كان داعية إليه مبالغا في تعظيمه وإظهاره عند الملوك.
2 - (1)
إبراهيم بن المظفر الحربي الواعظ برهان الدين: كان واعظا فاضلا من أهل السنة، لم يكن بالموصل أعرف بالحديث والوعظ منه.
3 - (2)
أحمد بن الحسين بن أحمد بن محمد البغدادي المقرئ أبو العباس، وقد أجاز لنا الرواية عنه الشيخ أحمد بن الحسين بن محمد البغدادي، ورأيت بخطه العراقي. سمع الحديث ببغداد، وقرأ القرآن العزيز بطرق كثيرة، وكان ماهرا فيه، وتصدر لقراءة القرآن تحت النسر بجامع دمشق، فختم عليه القرآن جماعة، وكان كثير الحكايات والنوادر، قدم من بغداد مع الفقيه الأعز سنة أربعين وخمسمائة. قال لي: جئت إلى الشام بنية أني أزور القدس وإلى الآن ما زرته، فقلت، معي تزوره إن شاء الله، فزاره في صحبتي سنة سبع وثمانين أو سنة ثمان. وقرأت عليه فاتحة الكتاب تجويدا وتحريرا، وقرأت عليه كتاب الفصيح لثعلب، رواه عن سعد الخير الأندلسي، وقرأت عليه رسالة الشيخ ابن منير إلى الشيخ شرف الإسلام جدي، رواها عنه قال: اجتمعت بابن منير في حلب وسمعت الرسالة عليه، وقرأت
__________
(1) ذيل الطبقات الحنابلة 2: 150 (546 - 622).
(2) بغية الطلب 1: 57 وأشار إلى ذلك ابن رجب في الذيل 1: 376.

(1/178)


عليه أيضا تصديقه (1) القرآن إنشاء ابن منير، رواها أيضا عنه، وكان يصلي إماما في مسجد الحشائين، أقام به سنين، وكان له منهم أصحاب وجماعة، فحسن فيه الظن، وكان يقول: كان عندنا في الحربية قوم من المتشددين يسمون السبعية، لا يسلمون على من سلم (إلى سبعة) على مبتدع. وبلغ من العمر فوق السبعين سنة، ومات بدمشق.
4 - (2)
أحمد بن علي بن أحمد الموصلي أبو العباس: كان يعرف أكثر مسائل الهداية لأبي الخطاب، ويأكل من كسب يده، ولباسه الثوب الخام. وانتفع به جماعة. وصار له حرمة قوية بالموصل واحترام من جانب صاحبها ومن بعده.
وتوفي في رابع عشر ذي الحجة سنة اثنتين وعشرين وستمائة.
5 - (3)
أحمد بن محمد بن المبارك بن بكروس ويعرف بابن الحمامي: كان فقيها زاهدا، عابدا مفتيا، وسمعته يتكلم في حلقة شيخنا ابن المني، وعليه من نور العبادة وهدي الصالحين ما يشهد له.
وسئل عنه الشيخ موفق الدين فقال: كان فقيها صاحب مسجد ومدرسة يتكلم فيها في مسائل الخلاف ويدرس. وكان يتزهد وكان متزوجا بابنة ابن الجوزي، وما علمنا منه إلا الخير.
توفي يوم الثلاثاء خامس صفر سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، وكان يومه مشهودا.
ورأى رجل النبي صلى الله عليه وسلم في المنام بعد موت أحمد بن بكروس وهو يقول: مات
__________
(1) اللفظة غير معجمة في الأصل.
(2) ذيل طبقات الحنابلة 2: 164.
(3) ذيل طبقات الحنابلة 1: 338.

(1/179)


عابد الناس. وشاع هذا المنام في الناس. وكان أبوه أبو بكر محمد رجلا صالحا كثير الحج.
سمع الحديث في كبره على جماعة.
ولأبي العباس ولد اسمه محمد، يكنى أبا بكر، سمع من أبيه وعمه على زمن ابن البطي ويحيى بن بندار وطبقتهم، وكان فقيها صالحا، وتوفي شابا سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة.
6 - (1)
أحمد بن يحيى بن فايد الأواني الحنبلي: زرته أنا ورفيق لي، فقدم لنا العشاء وعنده جماعة كثيرة، ولم يكن إلا خبز وخل وبقل، فتحدث على الطعام ثم قال: ضاف بعيسى ابن مريك أقوام فقدم لهم خبزا وخلا، وقال: " لو كنت متكلفا لأحد شيئا لتكلفت لكم " قال: فعرفت أنه قد عرف حالي. ودخل عليه رجل من الملاحدة في رباطه وهو جالس وحده، وهو في يوم الخميس الخامس والعشرين من رمضان، فقتله فتكا رضي الله عنه، ودفن برباطه. ثم قتل قاتله وأحرق.
7 - (2)
إسحاق بن أحمد بن محمد العلثي أبو الفضل: (قال ناصح الدين بن الحنبلي وقرأته بخطه) هو اليوم شيخ العراق والقائم بالانكار على الفقهاء والفقراء وغيرهم فيما ترخصوا فيه.
8 - (3)
أسعد بن المنجا التنوخي أبو المعالي الفقيه الحنبلي، يدعى وجيه الدين:
__________
(1) ذيل طبقات الحنابلة 2: 188.
(2) ذيل طبقات الحنابلة 2: 205 (توفي سنة 634).
(3) ذيل طبقات الحنابلة 2: 49 (519 - 606) وبغية الطلب 2: 49.

(1/180)


كان رحل إلى بغداد، فقرأ على الفقيه أحمد الحربي الحنبلي كتاب " الهداية " وكتب خطه له بذلك، وعاد إلى دمشق. وكان رأى الشيخ شرف الإسلام جدي وانتهى إليه، وطلب الفقيه حامد بن أبي الحجر شيخ حران قاضيا لحران من نور الدين ونور الدين يومئذ صاحب دمشق فأشاروا به، فسير إلى حران قاضيا، فأقام مدة ثم رجع إلى دمشق، فأقام مدة ثم رجع إلى حران قاضيا. مررت عليه عودي من أصبهان سنة إحدى وثمانين، وتأخر موته. وكان أبو المعالي ابن المنجا يدرس في المسمارية يوما وأنا يوما، ثم استقليت بها في حياته. وكان له اتصال بالدولة وخدمة السلاطين وأسن وكبر، وكف بصره في آخر عمره.
9 - (1)
إسماعيل بن نباتة الفقيه الملقب وجيه الدين: سمع درس عمي الإمام بهاء الدين عبد الملك بن شرف الإسلام لما قدم من خراسان، وعلق عنه من تعليق أبي الفضل الكرماني، ثم سمع درس والدي، وحفظ الهداية لأبي الخطاب حفظا متقنا، وحفظ أصول الفقه للبستي، وحفظ كثيرا من مسائل التعليق. وكان يدرس القرآن كثيرا، ويقوم به من نصف الليل. وكان يصلي الفجر على نهر بردى بحضرة القلعة، ويصلي العصر على عين بعلبك، وبالعكس، وربما قرأ في طريقه القرآن أو كتاب " الهداية " الشك مني.
ولما قدمت من بغداد سنة ست وسبعين، وتكلمت في المسألة فرح بي. ومات قبل الثمانين وخمسمائة، ودفن بالجبل جوار دير الحوراني، رحمه الله.
10 - (2)
إلياس بن حامد بن محمود بن حامد الحراني تقي الدين أبو الفضل: كان
__________
(1) ذيل طبقات الحنابلة 1: 351.
(2) ذيل طبقات الحنابلة 1: 387.

(1/181)


رفيقي في درس شيخنا ابن المني. سكن الموصل إلى أن توفي، وولي مشيخة دار الحديث بها، وكان حسن الطريقة، وحدث. سمع منه بدل التبريزي.
توفي في سلخ شوال سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة بالموصل.
11 - (1)
حامد بن محمد بن حامد الصفار الأصبهاني: لقيته بأصبهان، وكان فقيها على مذهب الإمام أحمد، عارفا بالمذهب والخلاف محدثا، ذا مروءة تامة.
12 - (2)
حامد بن محمود بن حامد الحراني المعروف بابن أبي الحجر: حدثني ولده إلياس (3) ، قال: خرج والدي مع الشيخ عبد القادر في زيارة، وكان معه جماعة وانفرد والدي عنه، ورفع ثوبه على قصبة، فقال الشيخ عبد القادر: من هذا؟ فقالوا: الفقيه حامد الحراني، فقال: هذا يكون له تعلق بالملوك، وكان كما قال.
وكان شيخ حران في وقته. بنى نور الدين محمود المدرسة في حران لأجله، ودفعها إليه، ودرس بها، وتولى عمارة جامع حران، فما قصر فيه قيل: إنه راح إلى الروم، وتولى نشر الخشب بنفسه.
وكان نور الدين محمود يقبل عليه، وله فيه حسن ظن. وكان عنده وسواس في الطهارة.
ورحل إلى بغداد، ونزل بمدرسة الشيخ عبد القادر، وسمع درسه، وكان من أصحابه. وجاء إلى دمشق في حوائج إلى نور الدين، ونزل عندنا في المدرسة، وأضافه والدي.
__________
(1) ذيل طبقات الحنابلة 1: 384.
(2) ذيل طبقات الحنابلة 1: 332 - 333 (توفي سنة 570).
(3) انظر الترجمة رقم: 10.

(1/182)


13 - (1)
الحسن بن مسلم بن الحسن أبو علي الزاهد:
سمعت الشيخ طلحة [يعني العلثي] يقول: للشيخ حسن هذا عشرون سنة ما رئي نائما مضطجعا، وكان مشهورا تزوره العامة والخاصة، وزرناه في قريته الفارسية وبتنا عنده وتحدث معنا وفرح بنا، وخضنا في أخبار الصفات، فقال، قال بعض مشايخنا: أخبار الصفات صناديق مقفلة مفاتيحها بيد الرحمن.
14 - (2)
سالم الشيزري: من أهل شيزر، قدم دمشق قرب الستين والخمسمائة ونزل عندنا في المدرسة، واشتغل بالفقه على والدي رحمه الله، فحفظ كتاب الإيضاح تأليف جد أبي الشيخ أبي الفرج، وقرأعليه أيضا كتاب التبصرة في الأصول تصنيف الشيخ أبي الفرج من حفظه، وحفظ كتاب الفصيح، وكان يكرر علي محفوظاته إلى أن مات. وكان شجاعا كريما، وكنت أقرأ عليه من كتاب الإيضاح، وكان كثير الملازمة لصلاة الجماعة في حلقة الحنابلة، وكان لا ينام كل ليلة حتى يقرأ سورة يس والواقعة وتبارك والسجدة، وعمر إلى أن قدمت من بغداد وسمع درسي في المدرسة والحلقة سنين، ومات قريب العشر بعد الستمائة.
15 - (3)
سعد بن عثمان بن مرزوق القرشي أبو الحسين بن الشيخ أبي عمرو: كان مشتغلا بحفظ كتاب الوجهين والروايتين، تصنيف القاضي أبي يعلى. وكان من الزهد والصلاح والتطهير والتورع في المأكول على صفة تعجز كثيرا من المجتهدين في العبادة. وكان يمشي مطرق الرأس، يلتقط الأوراق المكتوبة، حتى اجتمع عنده
__________
(1) ذيل طبقات الحنابلة 1: 395 - 396 (توفي سنة 594).
(2) بغية الطلب 8: 215.
(3) ذيل طبقات الحنابلة 1: 385 (توفي سنة 592).

(1/183)


من ذلك شيء كثير، فيحمله بحمال إلى الشاطىء فيتولى غسله ويرسله مع الماء. وكان لا يستقضي أحدا حاجة إلا أعطاه أجره، ولو أشعل له سراجا.
وذاكرته في خلوة في القول بخلق أفعال العباد، فأقر به، ولم يكن على ما ذكره من مذهب والده في ذلك، فسررت بذلك.
ورأى رجل في بغداد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يقول: لولا الشيخ سعد نزل بكم بلاء، أو كما قال. ثم سعى الشيخ سعد إلى الجمعة وما عنده خبر بهذا المنام، فانعكف الناس به يتبركون به وازدحموا، فرموه مرات، وكأن مناديا ينادي في قلوب الناس، وهو يقول: أعوذ بالله من الفتنة، أيش بي؟ أيش بالناس؟ حتى ضرب الناس عنه وخلص منهم.
16 - (1)
سلامة بن إبراهيم بن سلامة الحداد القباني الدمشقي أبو الخير، تقي الدين: كان حسن السمت، يحف شاربه، ويقصر ثوبه، ويأكل من كسب يده، يعمل القبابين، ويعتمد عليه في تصحيحها إلى أن مات.
وقال لي القاضي ابن الزكي: تعجبني طريقة أبي الخير يعني سلامة.
روى عنه ابن خليل في معجمه، فقال: أخبرنا الإمام أبو الخير قراءة عليه من لفظه.
وتوفي سابع وعشرين ربيع الآخر سنة أربع وتسعين وخمسمائة، ودفن بسفح قاسيون. رحمه الله تعالى.
17 - (2)
طلحة بن مظفر بن غانم بن محمد العلثي الفقيه الخطيب المحدث الفرضي
__________
(1) ذيل طبقات الحنابلة 1: 397.
(2) ذيل طبقات الحنابلة 1: 390 (توفي سنة 593).

(1/184)


النظار، المفسر الزاهد، الورع العارف، تقي الدين أبو محمد: نشأ في العلث، وهي قرية من قرى بغداد، وحفظ الكتاب العزيز، وقرأ على علي البطائحي، والبرهان ابن الحصري، وغيرهما. وقرأ الفقه على ناصح الإسلام أبي الفتح ابن المني، فصار معيدا علي وعلى غيري، وانتفعنا به كثيرا. وسمع الحديث الكثير، وقرأ صحيح مسلم في ثلاثة مجالس. وكان يقرأ كتاب الجمهرة على ابن القصار، فمن سرعة قراءته وفصاحتها قال ابن القصار: هذا طلحة يحفظ هذا الكتاب؟ قالوا: لا. وكان يقرأ الحديث فيبكي، ويتلو القرآن في الصلاة ويبكي. وكان متواضعا لطيفا أديبا في مناظرته، لا يسفه على أحد، فقيرا مجردا، ويرحم الفقراء، ولا يخالط الأغنياء.
حدثني الشيخ أن ناصح الإسلام ابن المني زار رجلا من أرباب الدنيا، قال: وكنت معه يعتمد على يدي، فرأيت في زاوية الدار صحن حلواء، فاشتهته نفسي، وخرجنا ولم يقدمه لنا، فنمت تلك الليلة، فرأيت في منامي حلواء حضرت إلي، فأكلت منها حتى شبعت، فاصبحت ونفسي لا تطلب الحلواء.
وكان يقرأ عليه القرآن والفقه والحديث في جامع العلث.
18 - (1)
طغدي بن ختلغ المسترشدي أبو محمد: المحث الحافظ الفرضي الزاهد، كان قيما بمعرفة البخاري، برجاله وألفاظ غريبة، وشرح معانيه. قرأته عليه، وسمع بقراءتي جماعة كثيرة. وكان قيما بأصول السنة ومقالة أصحاب الإمام أحمد، وكان متعبدا معتزلا للناس. حضر معي فتح البيت المقدس. وقرأ عليه جماعة من أولاد الدمشقيين الحساب والفرائض. وكان لا يفارقني إلى أن حججت سنة تسع وثمانين، ورجعت من الحج فوجدته قد مات، رحمه الله، ودفن في تربة عمي عبد الحق بالجبل.
__________
(1) ذيل طبقات الحنابلة: 1: 379 (534 - 589).

(1/185)


19 - (1)
عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي، موفق الدين أبو محمد: حج سنة أربع وسبعين، ورجع مع وفد العراق إلى بغداد، وأقام بها سنة، فسمع درس ابن المني، وكنت أنا قد دخلت بغداد سنة اثنتين وسبعين، واشتغلنا جميعا على الشيخ أبي الفتح ابن المني، ثم رجع إلى دمشق، واشتغل بتصنيف كتاب " المغني " في شرح الخرقي، فبلغ الأمل في إتمامه، وهو كتاب بليغ في المذهب، عشر مجلدات، وتعب عليه، وأجاد فيه وجمل به المذهب. وقرأه عليه جماعة، وانتفع بعلمه طائفة كثيرة، ومشى على سمت أبيه وأخيه في الخير والعبادة، وغلب عليه الاشتغال بالفقه والعلم.
20 - (2)
عبد الله بن أبي الحسن بن أبي الفرج الجبائي (3) الطرابلسي الفقيه الزاهد أبو محمد نزيل أصبهان: كان مملوكا، فقرأ القرآن في حلقة الحنابلة يعني بجامع دمشق فحفظه، وحفظ شيئا من عبادات المذهب الحنبلي، فقام قوم إلى الشيخ زين الدين علي بن إبراهيم بن نجا الواعظ، وهو على منبر الوعظ، فقالوا: هذا الصبي قد حفظ القرآن وهو على خير، نريد أن نشتريه ويعتق، فاشتري من سيده واعتق، وسافر عن دمشق، وطلب همذان، ولقى الحافظ أبا العلاء الهمذاني فأقام عنده، وقرأ عليه القرآن وسمع الحديث، وصار عند الحافظ مصدرا يقرأ الناس ويأخذ عليهم، واشتهر بالخير والعلم، ودخل العجم وسمع الكثير، ورجع إلى بغداد وسمع حديثها ولقي مشايخها. ولقيته ببغداد، واستزارني إلى بيته، وقال لجماعته: أنا مملوك بيت الحنبلي. ثم سافر إلى أصبهان.
__________
(1) ذيل طبقات الحنابلة 2: 134 (541 - 615).
(2) ذيل طبقات الحنابلة 2: 45، 46 (توفي سنة 605 بأصبهان).
(3) الجبائي: نسبة إلى الجبة قرية من ناحية بشري في جبل لبنان.

(1/186)


وكانت حرمة الشيخ عبد الله الجبائي كبيرة ببغداد، فلما دخلت أصبهان سنة ثمانين وجدته بها وهو عظيم الحرمة، فكان كل يوم يأتي إلى زيارتي. وبجاهه سمعت على الحافظ أبي موسى الجزء من السباعيات، فإنه كان مريضا، وقد حجب الناس عنه، فلم يقدروا على حجب الشيخ عبد الله، فدخلنا معه، فأخذ الإذن من الحافظ أبي موسى لي في القراءة عليه. وكان إذا مشى في السوق قام له أهل السوق.
وحكى لي الشيخ طلحة يعني العلثي أن للشيخ عبد الله يعني الجبائي رياضات ومجاهدات يطول ذكرها. وحدثني الشيخ طلحة عنه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام: فقال يا رسول الله، أيثاب الرجل على قراءة القرآن؟ فقال: نعم فقال: يا رسول الله، بفهم وغير فهم؟ فقال: بفهم وغير فهم، قال: فقلت: يا رسول الله، كلام الله بحرف وصوت؟ فقال: وهل يكون كلام بغير حرف وصوت؟ وهل يكون كلام بغير حرف وصوت؟ وقال: وهذا المنام عندي بخط الشيخ طلحة، رحمه الله.
حدث الجبائي ببغداد وأصبهان، وروى عنه ابن الجوزي عدة منامات في كتبه، وقال: كان من الصالحين.
21 - (1)
عبد الله بن الحسين العكبري أبو البقاء: كان إماما في علوم القرآن، إماما في الفقه، إماما في اللغة، إماما في النحو، إماما في العروض، إماما في الفرائض، إماما في الحساب، إماما في معرفة المذهب، إماما في المسائل النظريات، وله في هذه الأنواع من العلوم مصنفات مشهورة.
وكان معيدا للشيخ أبي الفرج ابن الجوزي في المدرسة، وكان متدينا، قرأت عليه كتاب " الفصيح " لثعلب، من حفظي، وقرأت عليه بعض كتاب " التصريف " لابن جني.
__________
(1) ذيل طبقات الحنابلة 2: 110 (538 - 616).

(1/187)


22 - (1)
عبد الله بن علي بن أحمد بن الزيتوني البوازيجي أبو محمد: كان دخل بغداد قبل قدومي إليها بسنتين، وسمع درس الشيخ أبي الفتح ابن المني وصحبه وخدمه، وكان ببغداد مدة مقامي ببغداد، وسافر إلى البوازيج ثم عاد إلى بغداد. وكان رجلا صالحا، وكان يخل بعينه ولا يخل بدينه.
23 - (2)
عبد الله بن علي بن محمد أبو القاسم ابن الفراء: سمعت عليه كتاب " صحيح الترمذي " بسماعه من الكروخي بقراءة الشيخ طلحة العلثي، وأجزاء أخر. وكان جميلا جليلا محترما فاضلا ومن أعيان العدول ببغداد ومن تصانيفه " الروض النضر في حياة أبي العباس الخضر " . وكانت عنده كتب جليلة أصيلة على مذهب الإمام أحمد، وخط الإمام أحمد كان أيضا عنده، حكاه الشيخ طلحة في غالب ظني. وكان في سنة ثلاث وسبعين قد علاه الشيب الكثير، وكنت لا أشبع من النظر إلى جمال وجهه وحسن أطرافه وسكينة عليه، ولزمه دين كثير، وحمل منه الهم الغزير.
24 - (3)
الشيخ شمس الدين عبد الحق بن عبد الوهاب بن شرف الإسلام: كان فقيها عاقلا عفيفا حسن العشرة كثير الصدقة رحيم القلب، سافر في طلب العلم، وقرأ كتاب " الهداية " على الشيخ أحمد الحراني الحنبلي، ودخل بلاد العجم، ورأى أئمة خراسان، وعاد إلى دمشق، وصحب أخاه والدي يسمع درسه ويعيد له، وهو بين يديه كالحاجب، ومات ودفن بسفح قاسيون.
__________
(1) ذيل طبقات الحنابلة 2: 162 - 163 (وتوفي البوازيجي سنة 622).
(2) ذيل طبقات الحنابلة 1: 352 (توفي سنة 578).
(3) ذيل طبقات الحنابلة 1: 369 (وشمس الدين هو عم المؤلف أيضا).

(1/188)


25 - (1)
عبد الرحمن بن علي جمال الدين أبو الفرج ابن الجوزي الواعظ: اجتمع فيه من العلوم ما لم يجتمع في غيره، وكانت مجالسه الوعظية جامعة للحسن والإحسان باجتماع ظراف بغداد ونظاف الناس، وحسن الكلمات المسجعة، والمعاني المودعة في الألفاظ الرائجة، وقراءة القرآن بالأصوات المرجعة والنغمات المطربة، وصيحات الواجدين ودمعات الخاشعين، وإنابة النادمين وذل التائبين، والإحسان بما يفاض على المستمعين، من رحمة أرحم الراحمين. ووعظ وهو ابن عشر سنين إلى أن مات، ولم يشغله عن الاشتغال بالعلم شاغل، ولا لعب ولا لها، ولا سافر إلا إلى مكة، ولقد كان فيه جمال لأهل بغداد خاصة، وللمسلمين عامة، ولمذهب أحمد منه ما لصخرة بيت المقدس. حضرت مجالسه الوعظية بباب بدر عند الخليفة المستضيء، ومجالسه بدرب دينار في مدرسته، ومجالسه بباب الأزج على شاطىء دجلة، وسمعت عليه مناقب الإمام أحمد، وبعثت إليه من دمشق، فنقل سماعي بخطه وسيره إلي، وحضرت معه في دعوتين، فكان طيب النفس على الطعام، وكانت مجالسه أكثر فائدة من مجالسته.
وحدثني طلحة العلثي أن الشيخ كان يقرأ في تلك المدة(أي أثناء نفيه إلى واسط) ما بين المغرب والعشاء ثلاثة أجزاء أو أربعة أجزاء من القرآن، وبقي على ذلك من سنة تسعين إلى سنة خمس وتسعين، فأفرج عنه وقدم إلى بغداد وخرج خلق كثير يوم دخوله لتلقيه، وفرح به أهل بغداد فرحا زائدا، ونودي له بالجلوس يوم السبت، فصلى الناس الجمعة، وعبروا يأخذون مكانات موضع المجلس عند تربة أم الخليفة، فوقع تلك الليلة مطر كثير ملأ الطرقات، فأحضر في الليل فراشون وروزجارية فنظفوا موضع الجلوس وفرشوا فيه دقاق الحصى (2) والبواري، ومضى الناس وقت المطر إلى قبو معروف تحت الساباط، حتى سكن المطر، ثم جلس
__________
(1) ذيل طبقات الحنابلة 1: 411، 427.
(2) في الأصل: الجص.

(1/189)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية