صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

و أول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر الصديق و إسلامه كان أنفع من إسلام من تقدم ذكرهم إذ كان صدرا معظما و رئيسا في قريش مكرما و صاحب مال و داعية إلى الاسلام و كان محببا متألفا يبذل المال في طاعة الله و رسوله كما سيأتي تفصيله
قال يونس عن ابن إسحاق ثم إن أبا بكر الصديق لقي رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : أحق ما تقول قريش يا محمد ؟ من تركك آلهتنا و تسفيهك عقولنا و تكفيرك آباءنا ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ بلى إني رسول الله و نبيه بعثني لأبلغ رسالته و أدعوك إلى الله بالحق فو الله إنه للحق أدعوك يا أبا بكر إلى الله وحده لا شريك له و لا تعبد غيره و الموالاة على طاعته ]
و قرأ عليه القرآن فلم يقر و لم ينكر
فأسلم و كفر بالأصنام و خلع الأنداد و أقر بحق الإسلام و رجع أبو بكر و هو مؤمن مصدق

(1/432)


قال ابن إسحاق : [ حدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله الحصين التميمي أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت عنده كبوة و تردد و نظر إلا أبا بكر ما عكم عنه حين ذكرته و لا تردد فيه ]
عكم : أي تلبث
و هذا الذي ذكره ابن إسحاق في قوله : [ فلم يقر و لم ينكر ] منكر فإن ابن إسحاق و غيره ذكروا أنه كان صاحب رسول الله صلى الله عليه و سلم قبل البعثة و كان يعلم من صدقه و أمانته و حسن سجيته و كرم أخلاقه ما يمنعه من الكذب على الخلق فكيف يكذب على الله ؟
و لهذا بمجرد ما ذكر له أن الله أرسله بادر إلى تصديقه و لم يتلعثم و لا عكم
و قد ذكرنا كيفية إسلامه في كتابنا الذي أفردناه في سيرته و أوردنا فضائله و شمائله و أتبعنا ذلك بسيرة الفاروق أيضا و أوردنا ما رواه كل منهما عن النبي صلى الله عليه و سلم من الأحاديث و ما روى من الآثار و الأحكام و الفتاوى فبلغ ذلك ثلاث مجلدات و لله الحمد و المنة

(1/433)


و قد ثبت في صحيح البخاري [ عن أبي الدرداء في حديث ما كان بين أبي بكر و عمر رضي الله عنهما من الخصومة و فيه : فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت و قال أبو بكر : صدق و واساني بنفسه و ماله فهل أنتم تاركو لي صاحبي ] مرتين فما أوذي بعدها
و هذا كالنص على أنه أول من أسلم رضي الله عنه
و قد روى الترمذي و ابن حبان من حديث شعبة عن سعيد الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال : قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : ألست أحق الناس بها ألست أول من أسلم ألست صاحب كذا ؟
و روى ابن عساكر من طريق بهلول بن عبيد حدثنا أبو إسحاق السبيعي عن الحارث سمعت عليا يقول : أول من أسلم من الرجال أبو بكر الصديق و أول من صلى مع النبي صلى الله عليه و سلم من الرجال علي بن أبي طالب
و قال شعبة : عن عمرو بن مرة : عن أبي حمزة عن زيد بن أرقم قال : أول من صلى مع النبي صلى الله عليه و سلم أبو بكر الصديق
رواه أحمد و الترمذي و النسائي من حديث شعبة و قال الترمذي حسن صحيح
و قد تقدم رواية ابن جرير لهذا الحديث من طريق شعبة عم عمرو بن مرة عن أبي حمزة عن زيد بن أرقم قال : أول من أسلم علي بن أبي طالب
قال عمرو بن مرة : فذكرته لإبرياهيم النخعي فأنكره و قال : أول من أسلم أبو بكر الصديق رضي الله عنه
و روى الواقدي بأسانيده عن أبي أروى الدوسي و أبي مسلم بن عبد الرحمن في جماعة من السلف : أول من أسلم أبو بكر الصديق

(1/434)


و قال يعقوب بن سفيان حدثنا أبو بكر الحميدي حدثنا سفيان بن عيينة عن مالك ابن مغول عن رجل قال : سئل ابن عباس : من أول من آمن ؟ فقال أبو بكر الصديق أما سمعت قول حسان :
( إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا )
( خير البرية أوفاها و أعدلها ... بعد النبي و أولاها بما حملا )
( و التالي الثاني المحمود مشهده ... و أول الناس منهم صدق الرسلا )
( عاش حميدا لأمر لله متبعا ... بأمر صاحبه الماضي و ما انتقلا )
و قد رواه أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا شيخ لنا عن مجالد عن عامر قال : سألت ابن عباس ـ أو سئل ابن عباس ـ أي الناس أول إسلاما ؟ قال : أما سمعت قول حسان ابن ثابت فذكره
و هكذا رواه الهيثم بن عدي عن مجالد عن عامر الشعبي سألت ابن عباس فذكره
و قال أبو القاسم البغوي : حدثني سريج بن يونس حدثنا يوسف بن الماجشون قال : أدركت مشيختنا منهم محمد ابن المنكدر و ربيعة بن أبي عبد الرحمن و صالح بن كيسان و عثمان بن محمد لا يشكون أن أول القوم إسلاما أبو بكر الصديق رضي الله عنه
قلت : و هكذا قال إبراهيم النخعي و محمد بن كعب و محمد بن سيرين و سعد بن إبراهيم و هو المشهور عن جمهور أهل السنة و روى ابن عساكر عن سعد بن أبي وقاص و محمد بن الحنفية أنهما قالا : لم يكن أولهم إسلاما و لكن كان أفضلهم إسلاما
قال سعد : و قد آمن قبله خمسة
و ثبت في صحيح البخاري من حديث همام بن الحارث عن عمار بن ياسر قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم و ما معه إلا خمسة أعبد و امرأتان و أبو بكر

(1/435)


و روى الإمام أحمد و ابن ماجة من حديث عاصم بن أبي النجود عن زر عن ابن مسعود قال : أول من أظهر الإسلام سبعة : رسول الله صلى الله عليه و سلم و أبو بكر و عمار و أمه سمية و صهيب و بلال و المقداد
فأما رسول الله صلى الله عليه و سلم فمنعه الله بعمه و أما أبو بكر فمنعه الله بقومه و أما سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم أدرع الحديد و صهروهم في الشمس فما منهم من أحد إلا وقد واتاهم على ما أرادوا إلا بلال فإنه هانت عليه نفسه في الله و هان على قومه فأخذوه فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول : أحد أحد
و هكذا رواه الثوري عن منصور عن مجاهد مرسلا
فأما ما رواه ابن جرير قائلا : أخبرنا ابن حميد حدثنا كنانة بن جباة عن إبراهيم بن طهمان عن حجاج عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد عم محمد بن سعد بن أبي وقاص قال : قلت لأبي : أكان أبو بكر أولكم إسلاما ؟ قال : لا و لقد أسلم قبله أكثر من خمسين و لكن كان أفضلنا إسلاما
فإنه حديث منكر إسنادا و متنا
قال ابن جرير : و قال آخرون : كان أول من أسلم زيد بن حارثة ثم روى من طريق الواقدي عن ابن أبي ذئب سألت الزهري : من أول من أسلم من النساء ؟ قال : خديجة قلت : فمن الرجال ؟ قال : زيد بن حارثة
و كذا قال عروة و سليمان بن يسار و غير واحد : أول من أسلم من الرجال زيد بن حارثة
و قد أجاب أبو حنيفة رضي الله عنه بالجمع بين هذه الأقوال بأن أول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر ومن النساء خديجة و من الموالي زيد بن حارثة و من الغلمان علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين

(1/436)


قال محمد بن إسحاق : فلما أسلم أبو بكر و أظهر إسلامه دعا إلى الله عز و جل
و كان أبو بكر رجلا مألفا لقومه محبا سهلا و كان أنسب قريش لقريش و أعلم قريش بما كان فيها من خير وشر و كان رجلا تاجرا ذا خلق و معروف
و كان رجال قومه يأتونه و يألفونه لغير واحد من الأمر لعلمه و تجارته و حسن مجالسته
فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه و يجلس إليه
فأسلم على يديه فيمن بلغني : الزبير بن العوام و عثمان بن عفان و طلحة بن عبيد الله و سعد بن أبي وقاص و عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم
فانطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم و معهم أبو بكر فعرض عليهم الإسلام و قرأعليهم القرآن و أنبأهم بحق الإسلام فآمنوا
و كان هؤلاء النفر الثمانية الذين سبقوا في الإسلام فصلوا و صدقوا رسول الله صلى الله عليه و سلم و آمنوا بما جاء من عند الله و قال محمد بن عمر الواقدي : حدثني الضحاك بن عثمان عن مخرمة بن سليمان الوالبي عن إبراهيم بن محمد بن أبي طلحة قال : قال طلحة بن عبيد الله : حضرت سوق بصرى فإذا راهب في صومعته يقول : سلوا أهل الموسم : أفيهم رجل من أهل الحرم ؟
قال طلحة : قلت : نعم أنا فقال : هل ظهر أحمد بعد ؟ قلت : و من أحمد ؟ قال : ابن عبد الله بن عبد المطلب هذا شهره الذي يخرج فيه و هو آخر الأنبياء مخرجه من الحرم و مهاجره إلى نخل و حرة و سباخ فإياك أن تسبق إليه
قال طلحة : فوقع في قلبي ما قال فخرجت سريعا حتى قدمت مكة فقلت : هل كان من حديث ؟ قالوا : نعم محمد بن عبد الله الأمين قد تنبأ و قد اتبعه أبو بكر ابن أبي قحافة
قال : فخرجت حتى قدمت على أبي بكر فقلت : اتبعت هذا الرجل ؟ قال : نعم فانطلق إليه فادخل عليه فاتبعه فإنه يدعو إلى الحق فأخبره طلحة بما قال الراهب
فخرج أبو بكر بطلحة فدخل به على رسول الله صلى الله عليه و سلم ن فأسلم طلحة و أخبر رسول الله صلى الله عليه و سلم بما قال الراهب فسر بذلك فلما أسلم أبو بكر و طلحة أخذهما نوفل بن خويلد بن العدوية و كان يدعى أسد قريش فشدهما في حبل واحد و لم يمنعهما بنو تيم فلذلك سمي أبو بكر و طلحة القرينين و قال النبي صلى الله عليه و سلم : [ اللهم اكفنا شر ابن العدوية ] رواه البيهقي
و قال الحافظ أبو الحسن خيثمة بن سليمان الأطرابلسي : [ حدثنا عبيد الله بن محمد ابن عبد العزيز العمري قاضي المصيصة حدثنا أبو بكر بن الله بن عبيد الله بن إسحاق بن محمد بن عمران بن موسى بن طلحة بن عبيد الله حدثني عبد الله محمد بن عمران بن إبراهيم بن محمد بن طلحة قال حدثني أبي محمد بن عمران عن القاسم بن محمد بن أبي بكر عن عائشة رضي الله عنها قالت : خرج أبو بكر يريد رسول الله صلى الله عليه و سلم و كان له صديقا في الجاهلية فلقيه فقال : يا أبا القاسم فقدت من مجالس قومك و اتهموك بالعيب لآبائها و أمهاتها فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إني رسول الله أدعوك إلى الله فلما فرغ كلامه أسلم أبو بكر فانطلق عنه رسول الله صلى الله عليه و سلم و ما بين الأخشبين أحد أكثر سرورا منه بإسلام أبي بكر ]
و مضى أبو بكر فراح لعثمان بن عفان و طلحة بن عبيد الله و الزبير بن العوام و سعد بن أبي وقاص فأسلموا
ثم جاء الغد بعثمان بن مظعون و أبي عبيدة بن الجراح و عبد الرحمن بن عوف و أبي سلمة بن عبد الأسد و الأرقم بن أبي الأرقم فأسلموا رضي الله عنهم

(1/437)


قال عبد الله بن محمد : [ فحدثني أبي محمد بن عمران عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت : لما اجتمع أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم و كانوا ثمانية و ثلاثين رجلا ألح أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه و سلم في الظهور فقال : يا أبا بكر إنا قليل ]
فلم أبو بكر يلح حتى ظهر رسول الله صلى الله عليه و سلم و تفرق المسلمون في نواحي المسجد كل رجل في عشيرته و قام أبو بكر في الناس خطيبا و رسول الله صلى الله عليه و سلم جالس فكان أول خطيب دعا إلى الله و إلى رسوله صلى الله عليه و سلم و ثار المشركون على أبي بكر و على المسلمين فضربوا في نواحي المسجد ضربا شديدا و وطئ أبو بكر و ضرب ضربا شديدا و دنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفتين و يحرفهما لوجهه و نزا على بطن أبي بكر حتى ما يعرف وجهه من أنفه
و جاء بني تيم يتعادون فأجلت المشركين عن أبي بكر و حملت بنو تيم أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه منزله و لا يشكون في موته ثم رجعت بنو تيم فدخلوا المسجد و قالوا : و الله لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة بن ربيعة
فرجعوا إلى أبي بكر فجعل أبو قحافة و بنو تيم يكلمون أبا بكر حتى أجاب فتكلم آخر النهار فقال : مافعل رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟ فمسوا منه بألسنتهم و عذلوه ثم قاموا و قالوا لأمه أم الخير : انظري أن تطعميه شيئا أو تسقيه إياه فلما خلت به ألحت عليه و جعل يقول : ما فعل رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟ فقالت : و الله مالي علم بصاحبك فقال : اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه
فخرجت حتى جاءت أم جميل فقالت : إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله ؟ فقالت : ما أعرف أبا بكر و لا محمد بن عبد الله و إن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك قالت : نعم فمضت معها حتى و جدت أبا بكر صريعا دنفا فدنت أم جميل و أعلنت بالصياح و قالت و الله إن قوما نالوا هذا منك لأهل فسق و كفر و إني لأرجو أن ينتقم الله لك منهم
قال : فما فعل رسول الله ؟ قالت : هذه أمك تسمع قال : فلا شيء عليك منها قالت : سالم صالح قال : أين هو ؟ قالت : في دار ابن الأرقم
قال : فإن لله على أن لا أذوق طعاما و لا أشرب شرابا أو آتي رسول الله صلى الله عليه و سلم
فأمهلتا حتى إذا هدأت الرجل و سكن الناس خرجتا به يتكئ عليهما حتى أدخلتاه على رسول الله صلى الله عليه و سلم قال فأكب عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم فقبله و أكب عليه المسلمون و رق له رسول الله صلى الله عليه و سلم رقة شديدة
فقال أبو بكر : بأبي و أمي يا رسول الله ليس بي بأس إلا ما نال الفاسق من وجهي و هذه أمي برة بولدها و أنت مبارك فادعها إلى الله و ادع الله لها عسى الله أن يستنقذها بك من النار
قال : فدعا لها رسول الله صلى الله عليه و سلم و دعاها إلى الله فأسلمت
و أقاموا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في الدار شهرا و هم تسعة و ثلاثون رجلا
و قد كان حمزة بن عبد المطلب أسلم يوم ضرب أبو بكر
و دعا رسول الله صلى الله عليه و سلم لعمر بن الخطاب ـ أو لأبي جهل بن هشام ـ فأصبح عمر و كانت الدعوة يوم الأربعاء فأسلم عمر يوم الخميس فكبر رسول الله صلى الله عليه و سلم و أهل البيت تكبيرة سمعت بأعلى مكة
و خرج أبو الأرقم و هو أعمى كافر و هو يقول : اللهم اغفر لبني عبيد الأرقم فإنه كفر
فقام عمر فقال : يا رسول الله علام نخفي ديننا و نحن على الحق و يظهر دينهم و هم على الباطل ؟ قال : [ ياعمر إنا قليل قد رأيت ما لقينا ]
فقال عمر : فو الذي بعثك بالحق لا يبقى مجلس جلست فيه بالكفر إلا أظهرت فيه الإيمان
ثم خرج فطاف بالبيت ثم مر بقريش و هي تنتظره فقال أبو حهل بن هشام : يزعم فلان أنك صبأت ؟ فقال عمر : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أن محمدا عبده و رسوله فوثب المشركون إليه و وثب على عتبة فبرك عليه و جعل يضربه و أدخل إصبعه في عينه فجعل عتبة يصيح فتنحى الناس فقام عمر فجعل لا يدنو منه أحد إلا أخذ بشريف ممن دنا منه حتى أعجز الناس و اتبع المجالس التي كان يجالس فيها فيظهر الإيمان
ثم انصرف إلى النبي صلى الله عليه و سلم و هو ظاهر عليهم قال : ما عليك بأبي و أمي و الله مابقي مجلس كنت أجلس فيه بالكفر إلا أظهرت فيه الإيمان غير هائب و لا خائف
فخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم و خرج عمر أمامه و حمزة بن عبد المطلب حتى طاف بالبيت و صلى الظهر مؤمنا ثم انصرف إلى دار الأرقم و معه عمر ثم انصرف عمر و حده ثم انصرف النبي صلى الله عليه و سلم
و الصحيح أن عمر إنما أسلم بعد خروج المهاجرين إلى أرض الحبشة و ذلك في السنة السادسة من البعثة كما سيأتي في موضعه إن شاء الله
و قد استقصينا كيفية إسلام أبي بكر و عمر رضي الله عنهما في كتاب سيرتهما على انفرادها و بسطنا القول هنالك و لله الحمد

(1/439)


و ثبت في صحيح مسلم [ من حديث أبي أمامة عن عمرو بن عبسة السلمي رضي الله عنه قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه و سلم في أول ما بعث و هو بمكة و هو حينئذ مستخف فقلت : ما أنت ؟ قال نبي فقلت : و ما النبي ؟ قال رسول الله قلت : الله أرسلك ؟ قال نعم قلت : بم أرسلك ؟ قال : بأن تعبد الله و حده لا شريك له و تكسر الأصنام و توصل الأرحام قال : قلت : نعم ما أرسلك به فمن تبعك على هذا ؟ قال : حر و عبد يعني أبا بكر و بلالا
قال فكان عمر يقول : لقد رأيتني و أنا ربع الإسلام
قال فأسلمت قلت : فأتبعك يا رسول الله ؟ قال : لا و لكن الحق بقومك فإذا أخبرت أني قد خرجت فاتبعني ]
و يقال إن معنى قوله عليه السلام [ حر وعبد ] اسم جنس و تفسير ذلك بأبي بكر و بلال فقط فيه نظر فإنه قد كان جماعة قد أسلموا قبل عمرو بن عبسة و قد كان زيد بن حارثة أسلم قبل بلال أيضا فلعله أخبر أنه ربع الإسلام بحسب علمه فإن المؤمنين كانوا إذ ذاك يستسرون بإسلامهم لا يطلع على أمرهم كثير أحد من قراباتهم دع الأجانب دع أهل البادية من الأعراب و الله أعلم
و في صحيح البخاري من طريق أبي أسامة عن هاشم بن هاشم عن سعيد بن المسيب قال : سمعت أبا إسحاق سعد بن أبي و قاص يقول : ما أسلم أحد في اليوم الذي أسلمت فيه و لقد مكثت سبعة أيام و إني لثلث الإسلام
أما قوله [ ما أسلم أحد في اليوم الذي أسلمت فيه ] فسهل و يروى : [ إلا في اليوم الذي أسلمت فيه ] و هو مشكل إذ يقتضى أنه لم يسبقه أحد بالإسلام و قد علم أن الصديق و عليا و خديجة و زيد بن حارثة أسلموا قبله كما قد حكى الإجماع على تقدم إسلام هؤلاء غير واحد منهم ابن الأثير
و نص أبو حنيفة رضي الله عنه على أن كلا من هؤلاء أسلم قبل أبناء جنسه و الله أعلم
و أما قوله : [ و لقد مكثت سبعة أيام و إني لثلث الإسلام ] فمشكل و ما أدري على ماذا يوضع عليه إلا أن يكون أخبر بحسب ما علمه و الله أعلم

(1/442)


و قال أبو داود الطيلسي : [ حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم عن زر عن عبد الله و هو ابن مسعود قال : كنت غلاما يافعا أرعى غنما لعقبة بن أبي معيط بمكة فأتى علي رسول الله صلى الله عليه و سلم و أبو بكر و قد فرا من المشركين فقال ـ أو فقالا ـ : عندك يا غلام لبن تسقينا قلت : إني مؤتمن و لست بساقيكما فقال : هل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل بعد ؟ قلت : نعم
فأتيتهما بها فاعتقلها أبو بكر و أخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم الضرع و دعا فحفل الضرع و أتاه أبو بكر بصخرة متقعرة فحلب فيها ثم شرب هو و أبو بكر ثم سقياني ثم قال للضرع : اقلص فقلص
فلما كان بعد أتيت رسول الله صلى الله عليه و سلم فقلت : علمني من هذا القول الطيب يعني القرآن فقال : إنك غلام معلم فأخذت من فيه سبعين سورة ما ينازعني فيها أحد ]
و هكذا رواه الإمام أحمد عن عفان عن حماد بن سلمة به
و رواه الحسن بن عرفة عن أبي بكر بن عياش عن عاصم بن أبي النجود به
و قال البيهقي : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو عبد الله بن بطة الأصبهاني حدثنا الحسن بن الجهم حدثنا الحسين بن الفرج حدثنا محمد بن عمر حدثني جعفر ابن محمد بن خالد بن الزبير عن أبيه ـ أو عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان ـ قال : كان إسلام خالد بن سعيد بن العاص قديما و كان أول إخوته أسلم
و كان بدء إسلامه أنه رأى في المنام أنه وقف به على شفير النار فذكر من سعتها ما الله أعلم به و يرى في النوم كأن آت أتاه يدفعه فيها و يرى رسول الله صلى الله عليه و سلم آخذا بحقويه لا يقع ففزع من نومه فقال : أحلف بالله إن هذه لرؤيا حق
فلقي أبا بكر بن أبي قحافة فذكر له فقال أريد بك خير هذا رسول الله صلى الله عليه و سلم فاتبعه فإنك ستتبعه و تدخل معه في الإسلام يحجزك أن تدخل فيها و أبوك واقع فيها
فلقي رسول الله صلى الله عليه و سلم بأجياد فقال : يا رسول الله يا محمد إلم تدعو ؟ قال : [ أدعوك إلى الله وحده لا شريك له و أن محمدا عبده و رسوله و تخلع ما أنت عليه من عبادة حجر لا يسمع و لا يضر و لا يبصر و لا ينفع و لا يدري من عبده ممن لا يعبده ]
قال خالد : فإني أشهد أن لا إله إلا الله و أشهد أنك رسول الله فسر رسول الله صلى الله عليه و سلم بإسلامه
و تغيب خالد و علم أبوه بإسلامه فأرسل في طلبه فأتى به فأنبه و ضربه بمقرعة في يده حتى كسرها على رأسه و قال : و الله لأمنعنك القوت فقال خالد : إن منعتني فإن الله يرزقني ما أعيش به
و انصرف إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فكان يكرمه و يكون معه

(1/444)


قال يونس بن بكير : عن محمد بن إسحاق : حدثني رجل من أسلم ـ و كان واعية ـ أن أبا جهل اعترض رسول الله صلى الله عليه و سلم عند الصفا فآذاه و شتمه و نال منه ما يكره من العيب لدينه فذكر ذلك لحمزة بن عبد المطلب فأقبل نحوه حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها ضربة شجة منها شجة منكرة
و قامت رجال من قريش من بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل منه و قالوا ما نراك يا حمزة إلا قد صبأت
قال حمزة : و من يمنعني و قد استبان لي منه ما أشهد أنه رسول الله صلى الله عليه و سلم و أن الذي يقول حق فو الله لا أنزع فامنعوني إن كنتم صادقين
فقال أبو جهل : دعوا أبا عمارة فإني و الله لقد سببت ابن أخيه سبا قبيحا
فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد عز و امتنع فكفوا عما كانوا يتناولون منه و قال حمزة في ذلك شعرا
قال ابن إسحاق : ثم رجع حمزة إلى بيته فأتاه الشيطان فقال : أنت سيد قريش اتبعت هذا الصابئ و تركت دين آبائك للموت خير لك مما صنعت
فأقبل حمزة على نفسه و قال : ما صنعت اللهم إن كان رشدا فاجعل تصديقه في قلبي و إلا فاجعل لي مما وقعت فيه مخرجا
فبات بليلة لم يبت بمثلها من وسوسة الشيطان حتى أصبح فغدا على رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : يا ابن أخي إني قد وقعت في أمر و لا أعرف المخرج منه و إقامة مثلي على ما لا أدري ما هو أرشد أم هو غي شديد فحدثني حديثا فقد اشتهيت يا ابن أخي أن تحدثني
فأقبل رسول الله صلى الله عليه و سلم فذكره و وعظه و خوفه و بشره فألقى الله في قلبه الإيمان بما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : أشهد أنك الصادق شهادة الصدق فأظهر ياابن أخي دينك فو الله ما أحب أن لي ماأظلته السماء و أني على ديني الأول
فكان حمزة ممن أعز الله به الدين
و هكذا رواه البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس ابن بكير به

(1/445)


قال الحافظ البيهقي : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ حدثنا الحسين بن محمد بن زياد حدثنا عبد الله بن الرومي حدثنا النضر بن محمد حدثنا عكرمة بن عمار عن أبي زميل سماك بن الوليد عن مالك بن مرثد عن أبيه عن أبي ذر قال : كنت ربع الإسلام أسلم قبلي ثلاثة نفر و أنا الرابع أتيت رسول الله صلى الله عليه و سلم فقلت : السلام عليك يا رسول الله أشهد أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله فرأيت الاستبشار في وجه رسول الله صلى الله عليه و سلم
هذا سياق مختصر
و قال البخاري : إسلام أبي ذر : حدثنا عمرو بن عباس حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن المثنى عن أبي جمرة عن ابن عباس قال لما بلغ أبا ذر مبعث رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لأخيه : اركب إلى هذا الوادي فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي يأتيه الخبر من السماء فاسمع من قوله ثم ائتني
فانطلق الآخر حتى قدمه و سمع من كلامه ثم رجع إلى أبي ذر فقال له : رأيته يأمر بمكارم الأخلاق و كلاما ما هو بالشعر
فقال : ما شفيتني مما أردت
فتزود و حمل شنة له فيها ماء حتى قدم مكة فأتى المسجد فالتمس رسول الله صلى الله عليه و سلم و لا يعرفه و كره أن يسأل عنه حتى أدركه بعض الليل اضطجع فرآه علي فعرف أنه غريب فلما رآه تبعه و لم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء حتىأصبح ثم احتمل قربته و زاده إلى المسجد و ظل ذلك اليوم و لا يراه النبي صلى الله عليه و سلم حتى أمسى فعاد إلى مضجعه فمر به علي فقال : أما آن للرجل أن يعلم منزله فأقامه فذهب به معه لا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء
حتى إذا كان يوم الثالث فعاد علي على مثل ذلك فأقام معه فقال : ألا تحدثني بالذي أقدمك ؟ قال : إن أعطيتني عهدا و ميثاقا لترشدنني فعلت ففعل فأخبره قال : فإنه حق و إنه رسول الله صلى الله عليه و سلم فإذا أصبحت فاتبعني فإني إن رأيت شيئا أخاف عليك قمت كأني أريق الماء و إن مضيت فاتبعني حتى تدخل مدخلي
ففعل فانطلق يقفوه حتى دخل على النبي صلى الله عليه و سلم و دخل معه فسمع من قوله و أسلم مكانه
فقال له النبي صلى الله عليه و سلم : [ ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري ]
فقال : و الذي بعثك بالحق لأصرخن بها بين ظهرانيهم
فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلى صوته : أشهد أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله ثم قام القوم فضربوه حتى أضجعوه
فأتى العباس فأكب عليه فقال : ويلكم ! ألستم تعلمون أنه من غفار و أن طريق تجارتكم إلى الشام ؟ ! فأنقذه منهم ثم عاد من الغد بمثلها فضربوه و ثاروا إليه فأكب العباس عليه
هذا لفظ البخاري
و قد جاء إسلامه مبسوطا في صحيح مسلم و غيره
فقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد بن هارون حدثنا سليمان بن المغيرة حدثنا حميد بن هلال عن عبد الله بن الصامت قال أبو ذر : خرجنا من قومنا غفار و كانوا يحلون الشهر الحرام أنا و أخي أنيس و أمنا
فانطلقنا حتى نزلنا على خال لنا ذي مال و ذي هيئة فأكرمنا خالنا و أحسن إلينا فحسدنا قومه فقالوا له : إنك إذا خرجت عن أهلك خلفك إليهم أنيس
فجاء خالنا فنثى ما قيل له فقلت له : أما ما مضى من معروفك فقد كدرته و لا جماع لنا فيما بعد
قال : فقربنا صرمتنا فاحتملنا عليها و تغطى خالنا بثوبه و جعل يبكي
قال : فانطلقنا حتى نزلنا حضرة مكة قال فنافر أنيس عن صرمتنا و عن مثلها فأتيا الكاهن فخير أنيسا فأتانا بصرمتنا و مثلها
و قد صليت يا بن أخي قبل أن ألقى رسول الله صلى الله عليه و سلم ثلاث سنين
قال : قلت لمن ؟ قال : لله قلت : فأين توجه ؟ قال : حيث وجهني الله قال : و أصلي عشاء حتى إذا كان من آخر الليل ألفيت كأني خفاء حتى تعلوني الشمس
قال : فقال أنيس : إن لي حاجة بمكة فألقني حتى آتيك قال : فانطلق فراث علي ثم أتاني فقلت : ما حبسك قال : لقيت رجلا يزعم أن الله أرسله على دينك قال : فقلت : ما يقول الناس له ؟ قال : يقولون إنه شاعر و ساحر و كان أنيس شاعرا
قال : فقال : لقد سمعت الكهان فما يقول بقولهم و قد وضعت قوله على إقراء الشعر فو الله ما يلتئم لسان أحد أنه شعر و و الله إنه لصادق و إنهم لكاذبون
قال : فقلت له : هل أنت كافي حتى أنطلق ؟ قال : نعم ! و كن من أهل مكة على حذر فإنهم قد شنعوا له و تجهموا له
قال : فانطلقت حتى قدمت مكة فتضعفت رجلا منهم فقلت : أين هذا الرجل الذي يدعونه الصابئ ؟ قال : فأشار إلي فمال أهل الوادي علي بكل مدرة و عظم حتى خررت مغشيا علي ثم ارتفعت حين ارتفعت كأني نصب أحمر فأتيت زمزم فشربت من مائها و غسلت عني الدم و دخلت بين الكعبة و أستارها فلبثت به يا ابن أخي ثلاثين من يوم و ليلة ما لي طعام إلا ماء زمام فسمنت حتى تكسرت عكن بطني و ما وجدت علي كبدي سخفة جوع
قال فبينا أهل مكة في ليلة قمراء إضحيان و ضرب الله على أشحمة أهل مكة فما يطوف بالبيت غير امرأتين فأتتا علي و هما يدعوان إساف و نائلة فقلت : أنكحوا أحدهما الآخر فما ثناهما ذلك فقلت : و هن مثل الخشبة غير أني لم أركن
قال : فانطلقتا يولولان و يقولون : لو كان ههنا أحد من أنفارنا
قال : فاستقبلهما رسول الله صلى الله عليه و سلم و أبو بكر و هما هابطان من الجبل فقالا : ما لكما ؟ فقالتا : الصابئ بين الكعبة و أستارها قالا : ما قال لكما ؟ قالتا : قال لنا كلمة تملأ الفم
قال : و جاء رسول الله صلى الله عليه و سلم هو و صاحبه حتى استلم الحجر و طاف بالبيت ثم صلى
قال : فأتيته فكنت أول من حياه بتحية أهل الإسلام فقال : [ عليك السلام و رحمة الله من أنت ؟ ] قال : فقلت : من غفار قال : فأهوى بيده فوضعها على جبهته قال : فقلت في نفسي : كره أن انتميت إلى غفار
قال : فأردت أن آخذ بيده فقذفني صاحبه و كان أعلم به مني قال : متى كنت ههنا ؟ قال : قلت : كنت ههنا منذ ثلاثين من بين ليلة و يوم
قال : فمن كان يطعمك ؟ قلت : ما كان إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عكن بطني و ما وجدت على كبدي سخفة جوع
قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ إنها مباركة إنها طعام طعم ]
قال : فقال أبو بكر : ائذن لي يا رسول الله في طعامه الليلة قال : ففعل
قال : فانطلق النبي صلى الله عليه و سلم و انطلقت معهما حتى فتح أبو بكر بابا فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف قال : فكان ذلك أول طعام أكلته بها فلبثت ما لبثت
فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ إني قد وجهت إلى أرض ذات نخل و لا أحسبها إلا يثرب فهل أنت مبلغ عني قومك لعل الله ينفعهم بك و يأجرك فيهم ] ؟
قال : فانطلقت حتى أتيت أخي أنيسا قال : فقال لي : ما صنعت ؟ قال : قلت صنعت أني أسلمت و صدقت
قال : فما بي رغبة عن دينك فإني قد أسلمت و صدقت
ثم أتينا أمنا فقالت : ما بي رغبة عن دينكما فإني قد أسلمت و صدقت فتحملنا حتى أتينا قومنا غفار قال فأسلم بعضهم قبل أن يقدم رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة و كان يؤمهم خفاف بن أيماء بن رخصة الغفاري و كان سيدهم يومئذ قال بقيتهم : إذا قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم أسلمنا قال : فقدم رسول الله صلى الله عليه و سلم فأسلم بقيتهم قال : و جاءت أسلم فقالوا : يا رسول الله إخواننا نسلم على الذي أسلموا عليه فقالوا رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ غفار غفر الله لها و أسلم سالمها الله ] و رواه مسلم عن هدبة بن خالد عن سليمان بن المغيرة به نحوه و قد روى قصة إسلامه على وجه آخر و فيه زيادات غريبة فالله أعلم و قد تقدم ذكر إسلام سلمان الفارسي في كتاب البشارات بمبعثه عليه الصلاة و السلام

(1/447)


روى مسلم و البيهقي من حديث داود بن أبي هند عن عمرو بن سعيد عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس قال : قدم ضماد مكة و هو رجل من أزد شنوءة و كان يرقى من هذه الرياح فسمع سفهاء من سفه مكة يقولون : إن محمدا مجنون فقال : أين هذا الرجل لعل الله أن يشفيه على يدي ؟
فلقيت محمدا فقلت : إن أرقى من هذه الرياح و إن الله يشفي على يدي من شاء فهلم
فقال محمد : [ إن الحمد لله نحمده و نستعينه من يهده الله فلا مضل له و من يضلل فلا هادي له أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ثلاث مرات ]
فقال : و الله لقد سمعت قول الكهنة و قول السحرة و قول الشعراء فما سمعت مثل هؤلاء الكلمات فهلم يدك أبايعك على الإسلام
فبايعه رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال له : [ و على قومك ] ؟ فقال : و على قومي
فبعث النبي صلى الله عليه و سلم جيشا فمروا بقوم ضماد فقال صاحب الجيش للسرية : هل أصبتم من هؤلاء القوم شيئا ؟ فقال رجل منهم : أصبت منهم مظهرة فقال ردها عليهم فإنهم قوم ضماد
و في رواية فقال له ضماد : أعد على كلماتك هؤلاء فلقد بلغن قاموس البحر
و قد ذكر أبو نعيم في دلائل النبوة إسلام من أسلم من الأعيان فصلا طويلا و استقصى ذلك استقصاء حسنا رحمة الله و أثابه

(1/452)


و قد سرد ابن إسحاق أسماء من أسلم من الصحابة رضي الله عنهم
قال : ثم أسلم أبو عبيدة و أبو سلمة و الأرقم بن أبي الأرقم و عثمان بن مظعون و عبيدة بن الحارث و سعيد بن زيد و امرأته فاطمة بنت الخطاب
و أسماء بنت أبي بكر و عائشة بنت أبي بكر و هي صغيرة
و قدامة بن مظعون و عبد الله بن مظعون
و خباب بن الأرت و عمير بن أبي وقاص و عبد الله بن مسعود و مسعود بن القارى و سليط بن عمرو و عياش بن أبي ربيعة و امرأته أسماء بنت سلمة بن مخربة التميمية و خنيس بن حذافة و عامر بن ربيعة
و عبد الله بن جحش و أبو أحمد بن جحش و جعفر بن أبي طالب و امرأته أسماء بنت عميس
و حاطب بن الحارث و امرأته فاطمة بنت المجلل و حطاب بن الحارث و امرأته فكيهة ابنة يسار
و معمر بن الحارث بن معمر الجمحي و السائب بن عثمان بن مظعون
والمطلب بن أزهر بن عبد مناف و امرأته رملة بنت أبي عوف بن صبيرة بن سعيد بن سهم و النحام و اسمه نعيم بن عبد الله بن أسيد و عامر بن فهيرة مولى أبي بكر و خالد بن سعيد و أمينة ابنة خلف بن أسعد بن عامر بن بياضة من خزاعة و حاطب بن عمرو بن عبد شمس و أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة و واقد بن عبد الله بن عرين بن ثعلبة التميمي بني عدي
و خالد بن البكير و عامر بن البكير و عاقل بن البكير و إياس بن البكير بن عبد ياليل بن ناشب بن غيرة من بني ليث و كان اسم عاقل غافلا فسماه رسول الله صلى الله عليه و سلم عاقلا و هم حلفاء بن عدي بن كعب
و عمار بن ياسر و صهيب بن سنان ثم دخل الناس في الإسلام أرسالا من الرجال و النساء حتى فشا أمر الإسلام بمكة و تحدث به
قال ابن إسحاق : ثم أمر الله رسوله صلى الله عليه و سلم بعد ثلاث سنين من البعثة بان يصدع بما أمر و أن يصبر على أذى المشركين
قال : و كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا صلوا ذهبوا في الشعاب و استخفوا بصلاتهم من قومهم
فبينا سعد بن أبي وقاص في نفر يصلون بشعاب مكة إذ ظهر عليهم بعض المشركين فناكروهم و عابوا عليهم مايصنعون حتى قاتلوهم
فضرب سعد رجلا من المشركين بلحى جمل فشجه فكان أول دم هريق في الإسلام
و روى الأموي في مغازيه من طريق الوقاصي عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه
فذكر القصة بطولها و فيه أن المشجوج هو عبد الله بن خطل لعنه الله

(1/453)


إلى الخاص و العام و أمره له بالصبر و الاحتمال و الإعراض عن الجاهلين المعاندين المكذبين بعد قيام الحجة عليهم و إرسال الرسول الأعظم إليهم و ذكر ما لقي من الأذية منهم هو و أصحابه رضي الله عنهم
قال الله تعالى : { و أنذر عشيرتك الأقربين و اخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين فإن عصوك فقل إني برئ مما تعملون و توكل على العزيز الرحيم الذي يراك حين تقوم و تقبلك في الساجدين إنه هو السميع العليم }
و قال تعالى : { و إنه لذكر لك و لقومك و سوف تسألون }
و قال تعالى : { إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد } أي إن الذي فرض عليك و أوجب عليك بتبليغ القرآن لرادك إلى دار الآخرة و هي المعاد فيسألك عن ذلك كما قال تعالى : { فو ربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون }
و الآيات و الأحاديث في هذا كثيرة جدا و قد تقصينا الكلام ذلك في كتابنا التفسير و بسطنا من القول في ذلك عند قوله تعالى في سورة الشعراء { أنذر عشيرتك الأقربين } و أوردنا أحاديث جمة في ذلك
فمن ذلك : قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الله بن منير عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : لما نزل الله { أنذر عشيرتك الأقربين } أتى النبي صلى الله عليه و سلم الصفا فصعد عليه ثم نادى : يا صباحاه فاجتمع الناس إليه بين الرجل يجيء إليه و بين رجل يبعث رسوله
فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ يا بني عبد المطلب يا بني فهر يا بني كعب أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني ؟ ] قالوا نعم ! قال : [ فإن نذير لكم بين يدي عذاب شديد ]
فقال أبو لهب لعنه الله ك تبا لك سائر اليوم ! أما دعوتنا إلا لهذا
و أنزل الله عز و جل { تبت يدى أبي لهب و تب }
و أخرجاه من حديث الأعمش به نحوه
و قال أحمد : حدثنا معاوية بن عمرو حدثنا زائدة حدثنا عبد الملك بن عمير عن موسى بن طلحة عن أبي هريرة قال : لما نزلت هذه الآية { أنذر عشيرتك الأقربين } دعا رسول الله صلى الله عليه و سلم قريشا فعم و خص فقال : [ يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار يا معشر بني كعب أنقذوا أنفسكم من النار يا معشر بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار يا معشربني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار فإني و الله لا أملك لكم من الله شيئا إلا أن لكم رحما سأبلها ببلالها ]
و رواه مسلم من حديث عبد الملك بن عمير و أخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب و أبي سلمة عن أبي هريرة و له طرق أخر عن أبي هريرة في مسند أحمد و غيره
و قال أحمد أيضا : حدثنا وكيع بن هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله عنه قالت : لما نزل { و أنذر عشيرتك الأقربين } قام رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : [ يا فاطمة بنت محمد يا صفية بنت عبد المطلب يا بني عبد المطلب لا أملك لكم من الله شيئا سلوني من مالي ما شئتم ] و رواه مسلم أيضا

(1/455)


و قال الحافظ أبو بكر البيهقي في الدلائل : [ أخبرنا محمد بن عبد الحافظ حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا أحمد بن عبد الجبار حدثنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق قال : فحدثني من سمع عبد الله بن الحارث بن نوفل و استكتمنى اسمه عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب قال : لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه و سلم { و أنذر عشيرتك الأقربين و اخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين } قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : عرفت أني إن بادأت بها قومي رأيت منهم ما أكره فصمت فجاءني جبريل عليه السلام فقال : يا محمد إن لم تفعل ما أمرك به ربك عذبك بالنار
قال : فدعاني فقال يا علي إن الله قد أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين فاصنع لنا يا علي شاة على صاع من طعام و أعد لنا عس لبن ثم اجمع لي بني عبد المطلب
ففعلت فاجتمعوا له يومئذ و هم أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصون فيهم أعمامه : أبو طالب و حمزة و العباس و أبو لهب الكافر الخبيث
فقدمت إليهم تلك الجفنة فأخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم منها حذية فشقها بأسنانه ثم رمى بها في نواحيها و قال : كلوا باسم الله فأكل القوم حتى نهلوا عنه ما نرى إلا آثار أصابعهم و الله إن كان الرجل ليأكل مثلها ثم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : اسقهم يا علي فجئت بذلك القعب فشربوا منه حتى نهلوا جميعا و أيم الله إن كان الرجل ليشرب مثله
فلما أراد رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يكلمهم بدره أبو لهب لعنه الله فقال : لهد ما سحركم صاحبكم فتفرقوا و لم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه و سلم
فلما كان من الغد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : عد لنا مثل الذي كنت صنعت لنا بالأمس من الطعام و الشراب فإن هذا الرجل قد بدر إلى ما سمعت قبل أن أكلم القوم
ففعلت ثم جمعتهم له و صنع رسول الله صلى الله عليه و سلم كما صنع بالأمس فأكلوا حتى نهلوا عنه و أيم الله إن كان الرجل ليأكل مثلها ثم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : اسقهم يا علي فجئت بذلك القعب فشربوا منه حتى نهلوا جميعا و أيم الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله
فلما أراد رسول الله أن يكلمهم بدره أبو لهب لعنه الله إلى الكلام فقال : لهد ما سحركم صاحبكم ؟ فتفرقوا و لم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه و سلم
فلما كان من الغد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : يا علي عد لنا بمثل الذي كنت صنعت بالأمس من الطعام و الشراب فإن هذا الرجل قد بدرني إلى ما سمعت قبل أن أكلم القوم
ففعلت ثم جمعتهم له فصنع رسول الله صلى الله عليه و سلم كما صنع بالأمس فأكلوا حتى نهلوا عنه ثم سقيتهم من ذلك القعب حتى نهلوا و أيم الله إن كان الرجل ليأكل مثلها و ليشرب مثلها
ثم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : يا بني عبد المطلب إني و الله ما أعلم شابا من العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به إني قد جئتكم بأمر الدنيا و الآخرة ]
هكذا رواه البيهقي من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق عن شيخ أبهم اسمه عن عبد الله بن الحارث به

(1/457)


و قد رواه أبو جعفر بن جرير عن محمد بن حميد الرازي عن سلمة بن الفضل الأبرش عن محمد بن إسحاق عن عبد الغفار أبو مريم بن القاسم عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث عن ابن عباس عن علي فذكر مثله و زاد بعد قوله : [ و إني قد جئتكم بخير الدنيا و الآخرة و قد أمرني الله أن أدعوكم إليه فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ] و كذا و كذا
قال : فأحجم القوم عنها جميعا و قلت و لإني لأحدثهم سنا و أرمصهم عينا و أعظمهم بطنا و أخمشهم ساقا : أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه فأخذ برقبتي فقال : [ إن هذا أخي و كذا و كذا فاسمعوا له و أطيعوا ]
قال : فقام القوم يضكحون و يقولون لأبي طالب : قد أمرك أن تسمع لابنك و تطيع !
تفرد به عبد الغفار ابن القاسم أبو مريم وهو كذاب شيعي اتهمه علي بن المديني و غيره بوضع الحديث و ضعفه الباقون
و لكن [ روى أبي حاتم في تفسيره عن أبيه : عن الحسين بن عيسى بن ميسرة الحارثي عن عبد الله بن عبد القدوس عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن عبد الله ابن الحارث قال : قال علي : { و أنذر عشيرتك الأقربين } قال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم : اصنع لي رجل شاة بصاع من طعام و إناء لبنا وادع لي بني هاشم فدعوتهم و إنهم يومئذ لأربعون غير رجل أو أربعون و رجل ]
فذكر القصة نحو ما تقدم إلى أن قال : و بدرهم رسول الله صلى الله عليه و سلم الكلام فقال : [ أيكم يقضي عني ديني و يكون خليفتي في أهلي ؟ ]
قال : فكتوا و سكت العباس خشية أن يحيط ذلك بماله قال و سكت أنا لسن العباس
ثم قالها مرة أخرى فسكت العباس فلما رأيت ذلك قلت : أنا يا رسول الله قال : أنت ؟ ! قال : و إني يومئذ لأسواهم هيئة و إني لأعمش العينين ضخم البطن خمس الساقين
و هذه الطريق فيها شاهد لما تقدم إلا أنه لم يذكر ابن عباس فيها فالله أعلم
و قد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عباد بن عبد الله الأسدي و ربيعة بن ناجذ عن علي نحو ما تقدم ـ أو كالشاهد له ـ و الله أعلم
و معنى قوله في هذا الحديث : [ من يقضي عني ديني و يكون خليفتي في أهلي ] يعني إذا مت و كأنه صلى الله عليه و سلم خشى إذا قام بإبلاغ الرسالة إلى مشركي العرب أن يقتلوه فاستوثق من يقوم بعده بما يصلح أهله ويقضي عنه و قد أمنه الله من ذلك في قوله تعالى { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك و إن لم تفعل فما بلغت رسالته و الله يعصمك من الناس } الآية
و المقصود أن رسول الله صلى الله عليه و سلم استمر يدعو إلى الله تعالى ليلا و نهارا و سرا و جهارا لا يصرفه عن ذلك صارف و لا يرده عن ذلك راد و لا يصده عن ذلك صاد يتبع الناس في أنديتهم و مجامعهم و محافلهم و في المواسم و مواقف الحج يدعو من لقيه من حر و عبد و قوي و غني و فقير جميع الخلق في ذلك عنده رشع سواء
و تسلط عليه و على من اتبعه من آحاد الناس من ضعفائهم الأشداء الأقوياء من مشركي قريش بالأذية القولية و الفعلية

(1/459)


و كان من أشد الناس عليه عمه أبو لهب و اسمه عبد العزى بن عبد المطلب و امرأته أم جميل أروى بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان
و خالفه في ذلك عمه أبو طالب بن عبد المطلب و كان رسول الله صلى الله عليه و سلم أحب خلق الله إليه طبعا و كان يحنو عليه و يحسن إليه و يدافع عنه و يحامي و يخالف قومه في ذلك مع أنه على دينهم و على خلتهم إلا أن الله تعالى قد امتحن قلبه بحبه حبا طبعيا لا شرعيا
و كان استمراره على دين قومه من حكمة الله تعالى و مما صنعه لرسوله من الحماية إذ لو كان أسلم أبو طالب لما كان له عند مشركي قريش و جاهة و لا كلمة و لا كانوا يهابونه و يحترمونه و لا جترءوا عليه و لمدوا أيديهم و ألسنتهم بالسوء إليه و ربك يخلق ما يشاء و يختار و قد قسم خلقه أنواعا و أجناسا
فهذان العمان الكافران أبو طالب و أبو لهب و لكن هذا يكون في القيامة في ضحضاح من نار و ذلك في الدرك الأس
فل من النار و أنزل الله فيه سورة في كتابه تتلى على المنابر و تقرأ في المواعظ و الخطب تتضمن أنه سيصلى نارا ذات لهب و امرأته حمالة الحطب
قال الإمام أحمد : [ حدثنا إبراهيم بن أبي العباس حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال أخبر رجل يقال له ربيعة بن عباد من بني الديل و كان جاهليا فأسلم قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم في الجاهلية في سوق ذي المجاز و هو يقول : يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا و الناس مجتمعون عليه و وراءه رجل وضئ الوجه أحول ذو غديرتين يقول : إنه صابئ كاذب يتبعه حيث ذهب فسألت عنه فقالوا : هذا عمه أبو لهب ]
ثم رواه هو و البيهقي من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد بنحوه
و قال البيهقي أيضا : حدثنا أبو طاهر الفقيه حدثنا أبو بكر محمد بن الحسن القطان حدثنا أبو الأزهر حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري حدثنا محمد بن عمر عن محمد بن المنكدر عن ربيعة الديلي قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم بذي المجاز يتبع الناس في منازلهم يدعوهم إلى الله و وراءه رجل أحول تقد وجنتاه و هو يقول : أيها الناس لا يغرنكم هذا عن دينكم و دين آبائكم
قلت : من هذا ؟ قيل : هذا أبو لهب
[ ثم رواه من طريق شعبة عن الأشعث بن سليم عن رجل من كنانة قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم بسوق ذي المجاز و هو يقول : يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا و إذا رجل خلفه يسفي عليه التراب و إذا هو أبو جهل و إذا هو يقول : يا أيها الناس لا يغرنكم هذا عن دينكم فإنما يريد أن تتركوا عبادة اللات و العزى ]
كذا قال : [ أبو جهل ] و الظاهر أنه أبو لهب و سنذكر بقية ترجمته عند ذكر وفاته و ذلك بعد وقعة بدر إن شاء الله تعالى
و أما أبو طالب فكان في غاية الشفقة و الحنو الطبيعي كما سيظهر من صنائعه و سجاياه و اعتماده فيما يحامي به عن رسول الله صلى الله عليه و سلم و أصحابه رضي الله عنهم

(1/461)


قال يونس بن بكير : [ عن طلحة بن يحيى عن عبد الله بن موسى بن طلحة أخبرني عقيل بن أبي طالب قال : جاءت قريش إلى أبي طالب فقالوا : إن ابن أخيك هذا قد آذانا في نادينا و مسجدنا فانهه عنا فقال : يا عقيل انطلق فأتني بمحمد فانطلقت فاستخرجته من كنس أو قال خنس يقول : بيت صغير فجاء به في الظهيرة في شدة الحر
فلما أتاهم قال : إن بني عمك هؤلاء زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم و مسجدهم فانته عن أذاهم
فحلق رسول الله صلى الله عليه و سلم ببصره إلى السماء فقال : ترون هذه الشمس ؟ قالوا نعم ! قال : فما أنا بأقدر أن أدع ذلك منكم على أن تشعلوا منه بشعلة
فقال أبو طالب : و الله ما كذب ابن أخي قط فارجعوا ]
رواه البخاري في التاريخ عن محمد بن العلاء عن يونس بن بكير و رواه البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عنه به ـ و هذا لفظه ـ
ثم روى البيهقي من طريق يونس عن ابن إسحاق : [ حدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حدث أن قريشا حين قالت لأبي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال له : يا ابن أخي إن قومك قد جاءوني و قالوا كذا و كذا فابق علي و على نفسك و لا تحملني من الأمر ما لا أطيق أنا و لا أنت فاكفف عن قومك ما يكرهون من قولك
فظن رسول الله صلى الله عليه و سلم أن قد بدا لعمه فيه و أنه خاذله و مسلمه و ضعف عن القيام معه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : يا عم لو وضعت الشمس في يميني و القمر في يساري ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك في طلبه ] ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه و سلم فبكى
فلما ولى قال له حين رأى ما بلغ الأمر برسول الله صلى الله عليه و سلم : يا ابن أخي فأقبل عليه فقال امض على أمرك و افعل ما أحببت فو الله لا أسلمك لشيء أبدا

(1/463)


قال ابن إسحاق : ثم قال أبو طالب في ذلك :
( و الله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسد في التراب دفينا )
( فامضي لأمرك ما عليك غضاضة ... أبشر و قر بذاك منك عيونا )
( و دعوتني و علمت أنك ناصحي ... فلقد صدقت و كنت قدم أمينا )
( و عرضت دينا قد عرفت بأنه ... من خير أديان البرية دينا )
( لولا الملامة أو حذاري سبة ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا )
ثم قال البيهقي : و ذكر ابن إسحاق لأبي طالب في ذلك أشعارا
و في ذلك دلالة على أن الله تعالى عصمه بعمه مع خلافه إياه في دينه و قد كان يعصمه حيث لا يكون عمه بما شاء لا معقب لحكمه
و قال يونس بن بكير : حدثني محمد بن إسحاق حدثني رجل من أهل مصر قديما منذ بضع و أربعين سنة عن عكرمة عن ابن عباس في قصة طويلة جرت بين مشركي مكة و بين رسول الله صلى الله عليه و سلم فلما قام رسول الله قال أبو جهل ابن هشام : يا معشر قريش إن محمدا قد أبى إلا ترون من عيب ديننا و شتم آبائنا و تسفيه أحلامنا و سب آلهتنا و إني أعاهد الله لأجلس له غدا بحجر فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم

(1/464)


فلما أصبح أبو جهل لعنه الله أخذ حجرا لرسول الله صلى الله عليه و سلم ينتظره
و غدا رسول الله صلى الله عليه و سلم كما كان يغدو و كان قبلته الشام فكان إذا صلى بين الركنين الأسود و اليماني و جعل الكعبة بينه و بين الشام فقام رسول الله صلى الله عليه و سلم يصلي و قد غدت قريش فجلسوا في أنديتهم ينتظرون فلما سجد رسول الله صلى الله عليه و سلم احتمل أبو جهل الحجر ثم أقبل نحوه حتى إذا دنا منه رجع منبهتا ممتقعا لونه مرعوبا قد يبست يداه على حجره حتى قذف الحجر من يده
و قامت إليه رجال من قريش فقالوا له : مابك يا أبا الحكم ؟ فقال : قمت إليه لأفعل ما قلت لكم البارحة فلما دنوت منه عرض لي دونه فحل من الإبل و الله ما رأيت مثل هامته و لا قصرته و لا أنيابه لفحل قط فهم أن يأكلني
قال ابن إسحاق : فذكر لي أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : [ ذلك جبريل و لو دنا منه لأخذه ]
و قال البيهقي : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرني أبو النضر الفقيه حدثنا عثمان الدارمي حدثنا عبد الله بن صالح حدثنا الليث بن سعد عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن أبان بن صالح عن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن عباس بن عبد المطلب قال : كنت يوما في المسجد فأقبل أبو جهل ـ لعنه الله ـ فقال : إن لله علي إن رأيت محمدا ساجدا أن أطأعلى رقبته
فخرجت على رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى دخلت عليه فأخبرته بقول أبي جهل فخرج غضبان حتى جاء المسجد فعجل أن يدخل من الباب فاقتحم الحائط فقلت هذا يوم شر فاتزرت ثم اتبعته فدخل رسول الله صلى الله عليه و سلم فقرأ { اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق } فلما بلغ شأن أبي جهل { كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى } فقال إنسان لأبي جهل : يا أبا الحكم هذا محمد فقال أبو جهل : ألا ترون ما أرى ! و الله لقد سد أفق السماء علي فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه و سلم آخر السورة سجد
و قال الإمام أحمد : [ حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن عبد الكريم عن عكرمة قال : قال ابن عباس : قال أبو جهل لئن رأيت محمدا يصلي عند الكعبة لأطأن على عنقه
فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : لو فعل لأخذته الملائكة غيانا ]
و رواه البخاري عن يحيى عن عبد الرزاق به
قال داود بن أبي هند : عن عكرمة عن ابن عباس قال مر أبو جهل بالنبي صلى الله عليه و سلم و هو يصلي فقال : ألم أنهك أن تصلي يا محمد ؟ لقد علمت ما بها أحد أكثر ناديا مني
فانتهره النبي صلى الله عليه و سلم فقال جبريل : { فليدع ناديه سندع الزبانية } و الله لو دعا ناديه لأخذته زبانية العذاب
رواه أحمد و الترمذي و صححه النسائي من طريق داود به
و قال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل بن يزيد أبو زيد حدثنا فرات عن عبد الكريم عن عكرمة عن ابن عباس قال : قال أبو جهل : لئن رأيت محمدا عند الكعبة يصلي لآتينه حتى أطأ عنقه
قال : فقال : [ لو فعل لأخذته الزبانية عيانا ] و قال أبو جعفر بن جرير : حدثنا ابن حميد حدثنا يحيى بن واضح حدثنا يونس ابن أبي إسحاق عن الوليد بن العيزار عن ابن عباس قال : قال : أبو جهل لئن عاد محمد يصلي عند المقام لأقتلنه
فأنزل الله تعالى : { اقرأ باسم ربك الذي خلق } حتى بلغ من الآية { لنسفعا بالناصية ناصية كاذبة خاطئة فليدع ناديه سندع الزبانية }
فجاء النبي صلى الله عليه و سلم يصلي فقيل ما يمنعك ؟ قال : [ قد اسود ما بيني و بينه من الكتائب ]
قال ابن عباس : و الله لو تحرك لأخذته الملائكة و الناس ينظرون إليه
و قال ابن جرير حدثنا ابن عبد الأعلى حدثنا المعتمر عن أبيه عن نعيم بن أبي هند عن أبي حازم عن أبي هريرة قال : قال أبو جهل : هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم ؟ قالوا : نعم
قال : فقال : و اللت و العزى لئن رأيته يصلي كذلك لأطأن على رقبته و لأعفرن و جهه بالتراب فأتى رسول الله صلى الله عليه و سلم و هو يصلي ليطأ على رقبته قال : فجأهم منه إلا و هو ينكص على عقبيه و يتقي بيديه
قال : فقيل له : مالك ؟ قال : إن بيني و بينه خندقا من نار و هولا و أجنحة قال : فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا ]
قال : و أنزل الله تعالى ـ لا أدري في حديث أبي هريرة أم لا ـ { كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى } إلى آخر السورة
و قد رواه أحمد و مسلم و النسائي و ابن حاتم و البيهقي من حديث معتمر بن سليمان ابن طرخان التيمي به

(1/465)


و قال الإمام أحمد : [ حدثنا وهب بن جرير حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن عمرو ابن ميمون عن عبد الله قال : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم دعا على قريش غير يوم واحد فإنه كان يصلي و رهط من قؤيش جلوس و سلا جزور قريب منه فقالوا : من يأخذ هذه السلا فيلقبه على ظهره ؟ فقال عقبة بن أبي معيط : أنا فأخذه فألقله على ظهره فلم يزل ساجدا حتى جاءت فاطمة فأخذته عن ظهره فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : اللهم عليك بهذا الملأ من قريش اللهم عليك بعتبة بن ربيعة اللهم عليك بشيبة بن ربيعة اللهم عليك بأبي جهل بن هشام اللهم عليك بعقبة ابن أبي معيط اللهم عليك بأبي بن خلف ـ أو أمية بن خلف ـ شعبة الشاك ]
قال عبد الله : فلقد رأيتهم قتلوا يوم بدر جميعا ثم سحبوا إلى القليب غير أبي أو أمية بن خلف فإنه كان رجلا ضخما فتقطع
و قد رواه البخاري في مواضع متعددة من صحيحه و مسلم من طرق عن ابن إسحاق به
و الصواب : أمية بن خلف فإنه الذي قتل يوم بدر و أخوه أبي إنما قتل يوم أحد كما سيأتي بيانه
و السلا : هو الذي يخرج مع ولد الناقة كالمشيمة لولد المرأة
و في بعض ألفاظ الصحيح أنهم لما فعلوا ذلك استضحكوا حتى جعل بعضهم يميل على بعض أي يميل هذا على هذا من شدة الضحك لعنهم الله
و فبه أن فاطمة لما ألقته عنه أقبلت عليهم فسبتهم و أنه صلى الله عليه و سلم لما فرغ من صلاته رفع يديه يدعو عليهم فلما رأوا ذلك سكن عنهم الضحك و خافوا دعوته و أنه صلى الله عليه و سلم دعا على الملأ منهم جملة و عين في دعائه سبعة و قع في أكثر الروايات تسمية ستة منهم : و هم عتبة و أخوه شيبة ابنا ربيعة و الوليد بن عتبة و أبو جهل بن هشام و عقبة بن أبي معيط و أمية بن خلف
قال ابن إسحاق : و نسيت السابع قلت : و هو عمارة بن الوليد وقع تسميته في صحيح البخاري

(1/468)


قال يونس بن بكير : عن محمد بن إسحاق حدثنا عبد الملك بن أبي سفيان الثقفي قال : قدم رجل من إراش بإبل له إلى مكة فابتاعها منه أبو جهل بن هشام فمطله بأثمانها فأقبل الإراشي حتى وقف على نادي قريش و رسول الله صلى الله عليه و سلم جالس في ناحية المسجد فقال : يا معشر قريش من رجل يعديني على أبي الحكم بن هشام فإني غريب و ابن سبيل و قد غلبني على حقي
فقال أهل المجلس : ترى ذلك ـ إلى رسول الله ـ يهزأون به صلى الله عليه و سلم لما يعلمون ما بينه و بين أبي جهل من العداوة ـ اذهب إليه فهو يؤديك عليه
فأقبل الإراشي حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه و سلم فذكر ذلك له فقام معه فلما رأوه قام معه قالوا لرجل ممن كان معهم : اتبعه فانظر ما يصنع
فخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى جاءه فضرب عليه بابه فقال : من هذا ؟ قال : [ محمد فاخرج ] فخرج إليه و ما في وجهه قطرة دم و قد انتقع لونه فقال : [ أعط هذا الرجل حقه ] قال : لا تبرح حتى أعطيه الذي له قال : فدخل فخرج إليه بحقه فدفعه إليه ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه و سلم و قال للإراشي : الحق لشأنك فأقبل الإراشي : حتى وقف على ذلك المجلس فقال : جزاه الله خيرا فقد أخذت الذي لي
و جاء الرجل الذي بعثوا معه فقالوا : ويحك ماذا رأيت ؟ قال : عجبا من العجب ! و الله ما هو إلا أن ضرب عليه بابه فخرج و ما معه روحه فقال : أعط هذا الرجل حقه فقال : نعم لا تبرح حتى أخرج إليه حقه فدخل فأخرج إليه حقه فأعطاه
ثم لم يلبث أن جاء أبو جهل فقالوا له : ويلك مالك ! فوالله ما رأينا مثل ما صنعت
فقال : ويحكم : و الله ما هو إلا أن ضرب علي بابي و سمعت صوته فملئت رعبا ثم خرجت إليه و إن فوق رأسه لفحلا من الإبل ما رأيت مثل هامته و لا قصرته و لا أنيابه لفحل قط فوالله لو أبيت لأكلني

(1/469)


و قال البخاري : حدثنا عياش بن الوليد حدثنا الوليد بن مسلم حدثني الأوزاعي عن يحي بن أبي كثير عن محمد بن إبراهيم التيمي حدثني عروة بن الزبير سألت ابن عمرو بن العاص فقلت : أخبرني أشد شيء صنعه المشركون برسول الله
قال : بينما النبي صلى الله عليه و سلم يصلي في حجر الكعبة إذ أقبل عليه عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه على عنقه فخنقه خنقا شديدا
فأقبل أبو بكر رضي الله عنه حتى أخذ بمنكبه و دفعه عن النبي صلى الله عليه و سلم و قال : { أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله و قد جاءكم بالبينات من ربكم } الآية
تابعه ابن إسحاق قال : أخبرني يحي بن عروة عن أبيه قال : قلت لعبد الله بن عمرو
و قال عبدة : عن هشام عن أبيه قال : قيل لعمرو بن العاص و قال محمد بن عمرو : عن أبي سلمة حدثني عمرو بن العاص
قال البيهقي و كذلك رواه سليمان بن بلال عن هشام بن عروة كما رواه عبدة
انفرد به البخاري و قد رواه في أماكن من صحيحه و صرح في بعضها بعبد الله بن عمرو بن العاص و هو أشبه لرواية عروة منه و كونه عن عمرو أشبه لتقدم هذه القصة
و قد روى البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس عن محمد بن إسحاق حدثني يحي بن عروة عن أبيه عروة قال : قلت لعبد الله بن عمرو ابن العاص : ما أكثر ما رأيت قريشا أصابت من رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما كانت تظهره من عداوته ؟ فقال : لقد رأيتهم و قد اجتمع أشرافهم يوما في الحجر فذكروا رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالوا : ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط سفه أحلامنا و شتم آباءنا و عاب ديننا و فرق جماعاتنا و سب آلهتنا و صرنا منه على أمر عظيم أو كما قالوا
قال : فبينما هم في ذلك طلع رسول الله صلى الله عليه و سلم فأقبل يمشي حتى استلم الركن ثم مر بهم طائفا بالبيت فغمزوه ببعض القول فعرفت ذلك في وجه رسول الله صلى الله عليه و سلم فمضى فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها فعرفتها في وجهه فمضى فمر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها
فقال : [ أتسمعون يا معشر قريش ؟ أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح ]
فأخذت القوم كلمنه حتى ما منهم من رجل إلا و كأنما على رأسه طائر وقع حتى إن أشدهم فيه وصاة قبل ذلك ليرفأه حتى إنه ليقول : انصرف أبا القاسم راشدا فما كنت بجهول فانصرف رسول الله صلى الله عليه و سلم
حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحجر و أنا معهم فقال بعضهم لبعض : ذكرتم ما بلغ منكم و ما بلغكم عنه حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه
فبينما هم على ذلك طلع رسول الله صلى الله عليه و سلم فوثبوا إليه وثية رجل واحد فأحاطوا به يقولون : أنت الذي تقول كذا وكذا ؟ لما كان يبلغهم من عيب آلهتهم و دينهم
فيقول رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ نعم أنا الذي أقول ذلك ]
و لقد رأيت رجلا منهم أخذ بمجامع ردائه و قام أبو بكر يبكي دونه و يقول : ويلكم أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ثم انصرفوا عنه
فإن ذلك لأكبر ما رأيت قريشا بلغت منه قط

(1/470)


قال الإمام أحمد : [ حدثنا وكيع عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : لقد أوذيت في الله و ما يؤذى أحد و أخفت في الله و ما يخاف أحد و لقد أتت علي ثلاثون من بين يوم و ليلة و ما لي و لبلال ما يأكله ذو كبد إلا ما يواري إبط بلال ]
و أخرجه الترمذي و ابن ماجة من حديث حماد بن سلمة به و قال الترمذي : حسن صحيح
و قال ابن إسحاق : و حدب على رسول الله صلى الله عليه و سلم عمه أبو طالب و منعه وقام دونه
و مضى رسول الله صلى الله عليه و سلم على أمر الله مظهرا لدينه لا يرده عنه شيء

(1/472)


فلما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يعتبهم من شيء أنكروه عليه من فراقهم و عيب آلهتهم و رأوا أن عمه أبو طالب قد حدب عليه و قام دونه فلم يسلمه لهم مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب : عتبة و شيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس ابن عبد مناف بن قصي و أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس و أبو البختري و اسمه العاص بن هشام بن الحارث بن أسد بن عبد العزى بن قصي و الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى و أبو جهل و اسمه عمرو بن هشام بن المغيرة ابن عبد الله بن عمر بن المخزوم و الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة ابن مرة بن كعب بن لؤي و نبيه و منبه ابنا الحجاج بن عامر بن حذيفة بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي و العاص بن وائل بن سعيد بن سهم
قال ابن إسحاق : أو من مشى منهم
فقالوا : يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا و عاب ديننا و سفه أحلامنا و ضلل آباءنا فإما أن تكفه عنا و إما أن تخلي بيننا و بينه فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه فنكفيكه
فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا و ردهم ردا جميلا فانصرفوا عنه
و مضى رسول الله صلى الله عليه و سلم على ما هو عليه يظهر دين الله و يدعو إليه
ثم شري الأمر بينهم و بينه حتى تباعد الرجال و تضاغنوا
و أكثرت قريش ذكر رسول الله صلى الله عليه و سلم بينها فتذامروا فيه و حض بعضهم بعضا عليه

(1/473)


ثم إنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى فقالوا : يا أبا طالب إن لك سنا و شرفا و منزلة فينا و إنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا و إنا و الله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا و تسفيه أحلامنا و عيب آلهتنا حتى تكفه عنا أو ننازله و إياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين أو كما قالوا ثم انصرفوا عنه
فعظم على أبي طالب فراق قومه و عداوتهم و لم يطب نفسا بإسلام رسول الله صلى الله عليه و سلم و لا خذلانه
قال ابن إسحاق : و حدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حدث أن قريشا حين قالوا لأبي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال له : يا ابن أخي إن قومك قد جاءوني فقالوا كذا و كذا للذي قالوا له فأبق علي و على نفسك و لا تحملني من الأمر ما لا أطيق
قال فظن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قد بدا لعمه فيه بدو و أنه خاذله و مسلمه و أنه قد ضعف عن نصرته و القيام معه
قال : فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ يا عم و الله لو وضعوا الشمس في يميني و القمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته ]
قال : ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه و سلم فبكى ثم قام !
فلما ولي نادوه أبو طالب فقال : أقبل يا بن أخي فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : اذهب يا بن أخي فقل ما أحببت فو الله لا أسلمتك لشيء أبدا

(1/474)


قال ابن إسحاق : ثم إن قريشا حين عرفوا أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله صلى الله عليه و سلم و إسلامه و إجماعه لفراقهم في ذلك و عداوتهم مشوا إليه بعمارة ابن الوليد بن المغيرة فقالوا له فيما بلغني : يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد أنهد فتى في قريش و أجمله فخذه فلك عقله و نصره و اتخذه ولدا فهو لك و اسلم إلينا ابن أخيك هذا الذي قد خالف دينك و دين آبائك و فرق جماعة قومك و سفه أحلامنا فنقتله فإنما هو رجل برجل !
قال : و الله لبئس ما تسومونني ! أتعطونني ابنكم أغذوه لكم و أعطيكم ابني فتقتلونه ! هذا و الله ما لا يكون أبدا
قال : فقال المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي : و الله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك و جهدوا على التخلص مما تكره فما أراك تريد أن تقبل منهم سيئا
فقال أبو طالب للمطعم : و الله ما أنصفوني و لكنك قد أجمعت خذلاني و مظاهرة القوم علي فاصنع ما بدا لك أو كما قال
فحقب الأمر و حميت الحرب و تنابذ القوم و نادى بعضهم بعضا

(1/475)


فقال أبو طالب عند ذلك يعرض بالمطعم بن عدي و يعم من خذله من بني عبد مناف و من عاداه من قبائل قريش و يذكر ما سألوه و ما تباعد من أمرهم :
( ألا قل لعمرو و الوليد و مطعم ... ألا ليت حظي من حياطتكم بكر )
( من الخور حبحاب كثير رغاؤه ... يرش على الساقين من بوله قطر )
( تخلف خلف الورد ليس بلاحق ... إذ ما علا الفيفاء قيل له وبر )
( أرى أخوينا من أبينا و أمنا ... إذا سئلا قالا إلى غيرنا الأمر )
( بلى لهما أمر و لكن تجرجما ... كما جرجمت من رأس ذي علق الصخر )
( أخص خصوصا عبد شمس و نوفلا ... هما نبذانا مثل ما نبذ الجمر )
( هما أغمزا للقوم في أخويهما ... فقد أصبحا منهم أكفهما صفر )
( هما أشركا في المجد من لا أبا له ... من الناس إلا أن يرس له ذكر )
( و تيم و مخزوم و زهرة منهم ... و كانوا لنا مولى إذا بغي النصر )
( فو الله لا تنفك منا عدواة ... و لا منكم ما دام من نسلنا شفر )
فصل ـ في مبالغتهم في الأذية لآحاد المسلمين المستضعفين
قال ابن إسحاق : ثم إن قريشا تذامروا بينهم على من في القبائل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم الذين أسلموا معه
فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين يعذبونهم و يفتنونهم عن دينهم
و منع الله منهم رسول الله صلى الله عليه و سلم بعمه أبي طالب
و قد قام أبو طالب حين رأى قريشا يصنعون ما يصنعون في بني هاشم و بني عبد المطلب فدعاهم إلى ما هو عليه من منع رسول الله صلى الله عليه و سلم و القيام دونه فاجتمعوا إليه و قاموا معه و أجابوه إلى ما دعاهم إليه إلا ما كان من أبي لهب عدو الله

(1/475)


فقال في ذلك يمدحهم و يحرضهم على ما وافقوه عليه من الحدب و النصرة لرسول الله صلى الله عليه و سلم
( إذا اجتمعت يوما قريش لمفخر ... فعبد مناف سرها و صميمها )
( و إن حصلت أشراف عبد منافها ... ففي هاشم أشرفها و قديمها )
( و إن فخرت يوما فإن محمدا ... هو المصطفى من سرها و كريمها )
( تداعت قريش غثها و سمينها ... علينا فلم تظفر و طاشت حلومها )
( و كنا قديما لا نفر ظلامة ... إذا ما ثنوا صعر الرقاب نقيمها )
( و نحمي حماها كل يوم كريهة ... و نضرب عن أحجارها من يرومها )
( بنا انتعش العود الذواء و إنما ... بأكنافنا تندى و تنمى أرومها )

(1/477)


فلهذا لم يجابوا إلى كثير مما طلبوا و لا ما إليه رغبوا لعلم الحق سبحانه أنهم لو عاينوا و شاهدوا ما أرادوا لاستمروا في طغيانهم يعمهون و لظلوا في غيهم و ضلالهم يتردون
قال الله تعالى { و أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله و ما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون و نقلب أفئدتهم و أبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة و نذرهم في طغيانهم يعمهون و لو أننا نزلنا إليهم الملائكة و كلمهم الموتى و حشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله و لكن أكثرهم يجهلون }
و قال تعالى : { إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون و لو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم }
و قال تعالى : { و ما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون و آتينا ثمود الناقة مبصرة فظلوا بها و ما نرسل بالآيات إلا تخويفا }
و قال تعالى { و قالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك جنة من نخيل و عنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله و الملائكة قبيلا أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء و لن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل : سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا }
و قد تكلمن على هذه الآيات و ما يشابهها في أماكنها في التفسير و لله الحمد
و قد روى يونس و زياد عن ابن إسحاق عن بعض أهل العلم و هو شيخ من أهل مصر يقال له محمد بن أبي محمد عن سعيد بن جبير و عكرمة عن ابن عباس قال : اجتمع عليه من أشراف قريش و عدد أسماءهم بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة فقال بعضهم لبعض : ابعثوا إلى محمد فكلموه و خاصموه حتى تعذروا فيه
فبعثوا إليه إن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك
فجاءهم رسول الله صلى الله عليه و سلم سريعا و هو يظن أنه قد بدا لهم في أمره بدو و كان حريصا يحب رشدهم و يعز عليه عنتهم حتى جلس إليهم
فقالوا : يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنعذر فيك و إنا و الله لا نعلم رجلا من العرب دخل على قومه ما أدخلت على قومك لقد شتمت الآباء و عبت الدين و سفهت الأحلام و شتمت الآلهة و فرقت الجماعة و ما بقي من قبيح إلا و قد جئته فيما بيننا و بينك
فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا و إن كنت إنما تطلب الشرف فينا سودناك علينا و إن كنت تريد ملكا ملكناك علينا و إن كان هذا الذي يأتيك بما يأتيك رئيا تراه قد غلب عليك و كانوا يسمون التابع من الجن الرئى فربما كان ذلك بذلنا أموالنا في طلب الطب حتى نبرئك منه أو نعذر فتك
فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ ما بي ما تقولون ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم و لا الشرف فيكم و لا الملك عليكم و لكن الله بعثني إليكم رسولا و أنزل علي كتابا و أمرني أن أكون لكم بشيرا و نذيرا فبلغتكم رسالة ربي و نصحت لكم فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم من الدنيا و الآخرة و إن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني و بينكم ] أو كما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم

(1/477)


فقالوا : يا محمد فإن كنت غير قابل منا ماعرضنا عليك فقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق بلادا و لا أقل مالا و لا أشد عيشا منا فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا و ليبسط لنا بلادنا و ليجر فيها أنهارا كأنهار الشام و العراق و ليبعث لنا من مضى من آبائنا و ليكن فيما يبعث لنا منهم قصي بن كلاب فإنه كان شيخا صدوقا فنسألهم عما تقوا : أحق هو أم باطل ؟
فإن فعلت ما سألناك و صدقوك صدقناك و عرفنا به منزلتك عند الله و أنه بعثك رسولا كما نقول
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ ما بهذا بعثت إنما جئتكم من عند الله بما بعثني به فقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا و الآخرة وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني و بينكم ]
قالوا : فإن لم تفعل لنا هذا فخذ لنفسك فسل ربك لنا ملكا يصدقك بما تقول و يراجعنا عنك و تسأله فيجعل لنا جنانا و كنوزا و قصورا من ذهب و فضة و يغنيك عما نراك تبتغي فإنك تقوم في الأسواق و تلتمس المعاش كما نلتمسه حتى نعرف فضل منزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم
فقال لهم : [ ما أنا بفاعل ما أنا بالذي يسأل ربه هذا و ما بعثت إليكم بهذا و لكن الله بعثني بشيرا و نذيرا فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا و الآخرة و إن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني و بينكم ]
قالوا : فأسقط السماء كما زعمت أن ربك إن شاء فعل فإنا لن نؤمن لك إلا أن تفعل
فقال : [ ذلك إلى الله إن شاء فعل بكم ذلك ]
فقالوا : يا محمد ما علم ربك أنا سنجلس معك و نسألك عما سألناك عنه و نطلب منك ما نطلب فيتقدم إليك و يعلمك ما تراجعنا به و يخبرك ما هو صانع في ذلك بنا إذا لم نقبل منك ما جئتنا به
فقد بلغنا أنه إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له الرحمن و إنا و الله لا نؤمن بالرحمن أبدا فقد أعذرنا إليك يا محمد أما و الله لا نتركك و ما فعلت بنا حتى نهلكك أو تهلكنا
و قال قائلهم : نحن نعبد الملائكة و هي بنات الله و قال قائلهم : لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله و الملائكة قبيلا
فلما قالوا ذلك قام رسول الله صلى الله عليه و سلم عنهم و قام معه عبد الله بن أبي أمية ابن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم و هو ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب فقال : يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله ثم سألوك لأنفسهم أمورا ليعرفوا بها منزلتك من الله فلم تفعل ثم سألوك أن تعجل ما تخوفهم به من العذاب فو الله لا أومن لك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلما ثم ترقى منه و أنا أنظر حتى تأتيها و تأتي معك بنسخة منشورة و معك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول و ايم الله لو فعلت ذلك لظننت أني لا أصدقك
ثم انصرف عن رسول الله صلى الله عليه و سلم و انصرف رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى أهله حزينا أسفا لما فاته مما طمع فيه من قومه حين دعوه ولما رأى من مباعدتهم إياه
و هذا المجلس الذي اجتمع عليه هؤلاء الملأ مجلس ظلم و عدوان و عناد ولهذا اقتضت الحكمة الإلهية و الرحمة الربانية ألا يجابوا إلى ما سألوا لأن الله علم أنهم لا يؤمنون بذلك فيعاجلهم بالعذاب

(1/479)


كما قال الإمام أحمد : [ حدثنا عثمان بن محمد حدثنا جرير عن الأعمش عن جعفر بن إياس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : سأل أهل مكة رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا و أن ينحي عنهم الجبال فيزدرعوا فقيل له : إن شئت أن تستأني بهم و إن شئت أن تؤتيهم الذي سألوا فإن كفروا هلكوا كما أهلكت من قبلهم الأمم
قال : لا بل أستأني بهم
فأنزل الله تعالى : { و ما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون و آتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها و ما نرسل بالآيات إلا تخويفا } ]
و هكذا رواه النسائي من حديث جرير
و قال أحمد : [ حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان عن سلمة بن كهيل عن عمران ابن الحكيم عن ابن عباس قال : قالت قريش للنبي صلى الله عليه و سلم : ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبا و نؤمن بك قال : و تفعلوا ؟ قالوا : نعم
قال : فدعا فأتاه جبريل فقال : إن ربك يقرأ عليك السلام و يقول لك : إن شئت أصبح الصفا لهم ذهبا فمن كفر منهم بعد ذلك أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين و إن شئت فتحت لهم باب الرحمة و التوبة
قال : بل التوبة و الرحمة ]
و هذان إسنادان جيدان و قد جاء مرسلا عن جماعة من التابعين منهم سعيد بن جبير و قتادة و ابن جريج و غير واحد

(1/482)


و روى الإمام أحمد و الترمذي من [ حديث عبد الله بن المبارك حدثنا يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : عرض علي ربي عز و جل أن يجعل لي بطحاء مكة ذهبا فقلت : لا يا رب أشبع يوما و أجوع يوما أو نحو ذلك فإذا جعت تضرعت إليك و ذكرتك و إذا شبعت حمدتك و شكرتك ]
لفظ أحمد و قال الترمذي : هذا حديث حسن و علي بن يزيد يضعف في الحديث
و قال محمد ابن إسحاق : حدثني شيخ من أهل مصر قدم علينا منذ بضع و أربعين سنة عن عكرمة عن ابن عباس قال : بعثت قريش النضر بن الحارث و عقبة ابن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة فقالوا لهما : سلوهم عن محمد و صفا لهم صفته و أخبراهم بقوله فإنهم أهل الكتاب الأول و عندهم علم ما ليس عندنا من علم الأنبياء
فخرجا حتى قدما المدينة فسألا أحبار يهود عن رسول الله صلى الله عليه و سلم و وصفا لهم أمره و بعض قوله و قالا : إنكم أهل التوراة و قد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا قال : فقالت لهم أحبار يهود : سلوه عن ثلاث نأمركم بهن فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل و إن لم يفعل فهو رجل متقول فروا فيه رأيكم
سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم ؟ فإنه قد كان لهم حديث عجيب و سلوه عن رجل طواف طاف مشارق الأرض و مغاربها ما كان نبؤه ؟
و سلوه عن الروح ما هي ؟ فإن أخبركم بذلك فهو نبي فاتبعوه و إن لم يخبركم فإنه رجل متقول فاصنعوا في أمره ما بدا لكم
فأقبل النضر و عقبة حتى قدما على قريش فقالا : يا معشر قريش قد جئناكم بفصل ما بينكم و بين محمد قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمور فأخبرهم بها
فجاءوا رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالوا : يا محمد أخبرنا فسألوه عما أمروهم به
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ أخبركم غدا بما سألتم عنه ] و لم يستثن
فانصرفوا عنه و مكث رسول الله صلى الله عليه و سلم خمس عشرة ليلة لا يحدث له في ذلك وحيا و لا يأتيه جبريل حتى أرجف أهل مكة و قالوا : وعدنا محمد غدا و اليوم خمس عشرة ليلة قد أصبحنا فيها لا يخبرنا بشيء مما سألناه عنه و حتى أحزن رسول الله صلى الله عليه و سلم مكث الوحي عنه و شق عليه ما يتكلم به أهل مكة
ثم جاء جبريل عليه السلام من الله عز و جل بسورة الكهف فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم و خبر ما سألوه عنه من أمر الفتية و الرجل الطواف و قال الله تعالى : { و يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي و ما أوتيتم من العلم إلا قليلا }
و قد تكلمنا على ذلك كله في التفسير مطولا فمن أراده فعليه بكشفه من هناك

(1/483)


و نزل قوله : { أم حسبت أن أصحاب الكهف و الرقيم كانوا من آياتنا عجبا }
ثم شرع في تفصيل أمرهم و اعترض في الوسط بتعليمه الاستثناء تحقيقا لا تعليقا في قوله { و لا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله و اذكر ربك إذا نسيت }
ثم ذكر قصة موسى لتعلقها بقصة الخضر ثم ذي القرنين ثم قال : { و يسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا } ثم شرح أمره و حكى خبره
و قال في سورة سبحان : { و يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي } أي خلق عجيب من خلقه و أمر من أمره قال لها كوني فكانت و ليس لكم الاطلاع على كل ما خلقه و تصوير حقيقته في نفس الأمر يصعب عليكم بالنسبة إلى قدرة الله تعالى و حكمته و لهذا قال : { و ما أوتيتم من العلم إلا قليلا }
و قد ثبت في الصحيحين أن اليهود سألوا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم بالمدينة فتلا عليهم هذه الآية
فإما أنها نزلت مرة ثانية أو ذكرها جوابا و إن كان نزولها متقدما و من قال إنها إنما نزلت و استثناها من سورة سبحان ففي قوله نظر و الله أعلم

(1/485)


قال ابن إسحاق : و لما خشي أبو طالب دهم العرب أن يركبوه مع قومه قال قصيدته التي تعوذ فيها بحرم مكة و بمكانه منها و تودد فيها أشراف قومه و هو على ذلك يخبرهم و غيرهم في شعره أنه غير مسلم لرسول الله صلى الله عليه و سلم و لا تاركه لشيء أبدا حتى يهلك دونه فقال :
( و لما رأيت القوم لا ود فيهم ... و قد قطعوا كل العرى و الوسائل )
( و قد صارحونا بالعداوة و الأذى ... و قد طاعوا أمر العدو المزايل )
( و قد حالفوا قوما علينا أظنة ... يعضون غيظا خلفنا بالأنامل )
( صبرت لهم نفسي بسمراء سمحة ... و أبيض عضب من تراث المقاول )
( و أحضرت عند البيت رهطي و إخوتي ... و أمسكت من أثوابه بالوصائل )
( قياما معا مستقبلين رتاجه ... لدى حيث يقضي حلفه كل نافل )
( و حيث ينيخ الأشعرون ركابهم ... بمفضى السيول من إساف و نائل )
( موسمة الأعضاد أو قصراتها ... مخيسة بين السديس و بازل )
( ترى الودع فيها و الرخام و زينة ... بأعناقها معقودة كالعثاكل )
( أعوذ برب الناس من كل عاطن ... علينا بسوء أو ملح بباطل )
( و من كاشح يسعى لنا بمعيبة ... و من ملحق في الدين ما لم نحاول )
( و ثور و من أرسى ثبيرا مكانه ... و راق ليرقى في حراء و نازل )
( و بالبيت حق البيت من بطن مكة ... و بالله إن الله ليس بغافل )
( و بالحجر المسود إذ يمسحونه ... إذ اكتنفوه بالضحى و الأصائل )
( و موطئ إبراهيم في الصخر رطبة ... على قدميه حافيا غير ناعل )
( و أشواط بين المروتين إلى الصفا ... و ما فيهما من صورة و تماثل )
( و من حج بيت الله من كل راكب ... من كل ذي نذر و من كل راجل )
( و بالمشعر الأقصى إذا عمدوا له ... إلال إلى مفضى الشراج القوابل )
( و توقافهم فوق الجبال عشية ... يقيمون بالأيدي صدور الرواحل )
( و ليلة جمع و المنازل من منى ... و هل فوقها من حرمة و منازل )
( و جمع إذا ما المقربات أجزته ... سراعا كما يخرجن من وقع وابل )
( و بالجمرة الكبرى إذا صمدوا لها ... يؤمنون قذفا رأسها بالجنادل )
( و كندة إذ هم بالحصاب عشية ... تجيز بهم حجاج بكر بن وائل )
( حليفان شدا عقد ما احتلفا له ... و ردا عليه عاطفات الوسائل )
( و حطمهم سمر الرماح و سرحه ... و شبرقه و خد النعام الجوافل )
( فهل بعد هذا من معاذ لعائذ ... و هل من معيذ يتقي الله عادل )
( يطاع بنا أمر العدا ود أننا ... يسد بنا أبواب ترك و كابل )
( كذبتم و بيت الله نترك مكة ... و نظعن إلا أمركم في بلابل )
( كذبتم و بيت الله نبزى محمدا ... و لما نطاعن دونه و نناضل )
( و نسلمه حتى نصرع حوله ... و نذهل عن أبنائنا و الحلائل )
( و ينهض قوم بالحديد إليكم ... نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل )
( و حتى نرى ذا الضغن يركب ردعه ... من الطعن فعل الأنكب المتحامل )
( و إنا لعمر الله إن جد ما أرى ... لتلتبسن أسيافنا بالأماثل )
( بكفي فتى مثل الشهاب سميدع ... أخي ثقة حامى الحقيقة باسل )
( شهورا و أياما و حولا محرما ... علينا و تأتي حجة بعد قابل )
( و ما ترك قوم لا أبالك سيدا ... يحوط الذمار غير ذرب مواكل )
( و أبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل )
( يلوذ به الهلاك من آل هاشم ... فهم عنده في رحمة و فواضل )
( لعمري لقد أجرى أسيد و بكره ... إلى بغضنا و جزآنا لآكل )
( و عثمان لم يربع علينا و قنفذ ... و لكن أطاعا أمر تلك القبائل )
( أطاعا أبيا و ابن عبد يغوثهم ... و لم يرقبا فينا مقالة قائل )
( كما قد لقينا من سبيع و نوفل ... و كل تولى معرضنا لم يجامل )
( فإن يلفيا أو يمكن الله منهما ... نكل لهما صاعا بصاع المكايل )
( و ذاك أبو عمرو أبي غير بغضنا ... ليظعننا في أهل شاء و جامل )
( يناجي بنا في كل ممسى و مصبح ... فناج أبا عمرو بنا ثم خاتل )
( و يؤلي لنا بالله ما إن يغشنا ... بلى قد نراه جهزة غير خائل )
( أضاق عليه بغضنا كل تلعة ... من الأرض بين أخشب فمجادل )
( و سائل أبا الوليد ماذا حبوتنا ... بسعيك فينا معرضا كالمخاتل )
( و كنت امرأ ممن يعاش برأيه ... و رحمته فينا و لست بجاهل )
( فعتبة لا تسمع بنا قول كاشح ... حسود كذوب مبغض ذي دغاول )
( و مر أبو سفيان عني معرضا ... كما مر قيل من عظام المقاول )
( يفر إلى نجد و برد مياهه ... و يزعم أني لست عنكم بغافل )
( و يخبرنا فعل المناصح أنه ... شفق و يخفي عارمات الدواخل )
( أمطعم لم أخذلك في يوم نجدة ... و لا معظم عند الأمور الجلائل )
( و لا يوم خصم إذ أتوك ألدة ... أولى جدل من الخصوم المساجل )
( أمطعم إن القوم ساموك خطة ... و إني متى أوكل فلست بوائل )
( جزى الله عنا عبد شمس و نوفلا ... عقوبة شر عاجلا غير آجل )
( بميزان قسط لا يخيس شعيرة ... له شاهد من نفسه غير عائل )
( لقد سفهت أحلام قوم تبدلوا ... بني خلف قيضا بنا و الغياطل )
( و نحن الصميم من ذؤابة هاشم ... و آل قصي في الخطوب الأوائل )
( و سهم و مخزوم تمالوا و ألبوا ... علينا العدا من كل طمل و خامل )
( فعبد مناف أنتم خير قومكم ... فلا تشركوا في أمركم كل واغل )
( لعمري لقد و هنتم و عجزتم ... و جئتم بأمر مخطئ للمفاصل )
( و كنتم حديثا حطب قدر و أنتم ... ألان حطاب أقدر و مراجل )
( ليهن بني عبد مناف عقوقنا ... و خذلاننا و تركنا في المعاقل )
( فإن نك قوما نتئر ما صنعتم ... و تحتلبوها لقحة غير باهل )
( فأبلغ قصيا أن سينشر أمرنا ... و بشر قصيا بعدنا بالتخاذل )
( و لو طرقت ليلا قصيا عظيمة ... إذا ما لجأنا دونهم في المداخل )
( و لو صدقوا ضربا خلال بيوتهم ... لكنا أسى عند النساء المطافل )
( فكل صديق و ابن أخت نعده ... لعمري وجدنا غبه غير طائل )
( سوى أن رهطا من كلاب بن مرة ... براء إلينا من معقة خاذل )
( و نعم ابن أخت القوم غير مكذب ... زهير حساما مفردا من حمائل )
( أشم من الشم البهاليل ينتمي ... إلى حسب في حومة المجد فاضل )
( لعمري لقد كلفت وجدا بأحمد ... و إخواته دأب المحب المواصل )
( فمن مثله في الناس أي مؤمل ... إذا قاسه الحكام عند التفاضل )
( حليم رشيد عادل غير طائش ... يوالى إلاها ليس عنه بغافل )
( كريم المساعي ماجد و ابن مجد ... له إرث مجد ثابت غير ناصل )
( و أيده رب العباد بنصره ... و أظهر دينا حقه غير زائل )
( فو الله لولا أن أجئ بسبة ... تجر على أشياخنا في المحافل )
( لكنا تبعناه على كل حالة ... من الدهر جدا غير قول التهازل )
( لقد علموا أن ابننا لا مكذب ... لدينا و لا يعنى بقول الأباطل )
( فأصبح فينا أحمد في أرومة ... تقصر عنها سورة المتطاول )
( حدبت بنفسي دونه و حميته ... و دافعت عنه بالذري و الكلاكل )
قال ابن هشام : هذا ما صح لي من هذه القصيدة و بعض أهل العلم بالشعر ينكر أكثرها
قلت : هذه قصيدة عظيمة بليغة جدا لا يستطيع بقولها إلا من نسيت إليه و هي أفحل من المعلقات السبع ! و أبلغ في تأدية المعنى منها جميعها
و قد أوردها الأموي في مغازيه مطولة بزيادات أخر و الله أعلم

(1/486)


قال ابن إسحاق : ثم إنهم عدوا على من أسلم و اتبع رسول الله صلى الله عليه و سلم من أصحابه
فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين فجعلوا يحبسونهم و يعذبونهم بالضرب و الجوع و العطش و برمضاء مكة إذا اشتد الحر من استضعفوه منهم يفتنونهم عن دينهم
فمنهم من يفتن من شدة البلاء الذي يصيبهم و منهم من يصلب لهم و يعصمه الله منهم
فكان بلال مولى أبو بكر لبعض بني جمح مولدا من مولديهم و هو بلال بن رباح و اسم أمه حمامة و كان صادق الإسلام باطن القلب و كان أمية بن خلف يخرجه إذا حميت الظهيرة ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ثم يقول له : لا و الله لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد و تعبد اللات و العزى
فيقول و هو في ذلك : أحد أحد
قال ابن إسحاق : فحدثني هشام بن عروة عن أبيه قال : كان ورقة بن نوفل يمر به و هو يعذب لذلك و هو يقول : أحد أحد فيقول : أحد أحد و الله يا بلال !
ثم يقبل على أمية بن خلف و من يصنع ذلك به من بني جمح فيقول : أحلف بالله لئن قتلتموه على هذا لأتخذته حنانا
قلت : قد استشكل بعضهم هذا من جهة أن ورقة توفي بعد البعثة في فترة الوحي و إسلام من أسلم إنما كان بعد نزول { يا أيها المدثر } فكيف يمر ورقة ببلال و هو يعذب ؟ و فيه نظر

(1/492)


ثم ذكر ابن إسحاق مرور أبي بكر ببلال و هو يعذب فاشتراه من أمية بعبد له أسود فأعتقه و أراحه من العذاب
و ذكر مشتراه لجماعة ممن أسلم من العبيد و الإماء منهم بلال و عامر بن فهيرة و أم عميس و زنيرة التي أصيب بصرها ثم رده الله تعالى لها
و النهدية و ابنتها اشتراها من بني عبد الدار بعثتهما سيدتهما تطحنان لها فسمعها و هي تقول لهما : و الله لا أعتقكما أبدا فقال أبو بكر : حل يا أم فلان فقالت : حل أنت أفسدتهما فأعتقهما قال : فبكم هما ؟ قالت : بكذا و كذا قال : قد أخذتهما و هما حرتان أرجعا إليها طحينها قالتا : أونفرغ منه يا أبا بكر ثم نرده إليها قال : [ أو ] ذلك إن شئتما
و اشترى جارية بني مؤمل حي من بني عدي كان عمر يضربها على الإسلام
قال ابن إسحاق : فحدثني محمد بن عبد الله بن أبي عتيق عن عامر بن عبد الله ابن الزبير عن بعض أهله قال : قال أبو قحافة لابنه أبي بكر : يا بني إني أراك تعتق ضعافا فلو أنك إذ فعلت ما فعلت أعتقت رجالا جلداء يمنعونك و يقومون دونك
قال : فقال أبو بكر : يا أبت إني إنما أريد ما أريد
قال : فيحدث أنه ما أنزل هؤلاء الآيات إلا فيه و فيما قال أبوه : { فأما من أعطى و اتقى و صدق بالحسنى فسنيسره لليسرى } إلى آخر السورة
و قد تقدم ما رواه الإمام أحمد و ابن ماجة من حديث عاصم بن بهدلة عن زر عن ابن مسعود قال : أول من أظهر الإسلام سبعة : رسول الله صلى الله عليه و سلم و أبو بكر و عمار و أمه سمية و صهيب و بلال و المقداد
فأما رسول الله صلى الله عليه و سلم فمنعه الله بعمه و أبو بكر منعه الله بقومه و أما سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم أدرع الحديد و صهروهم في الشمس فما منهم من أحد إلا و قد واتاهم على ما أردوا إلا بلالا فإنه هانت عليه نفسه في الله تعالى و هان على قومه فأخذوه فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة و هو يقول : أحد أحد
و رواه الثوري عن منصور عن مجاهد مرسلا

(1/493)


قال ابن إسحاق : و كانت بنو مخزوم يخرجون بعمار بن ياسر و بأبيه و أمه و كانوا أهل بيت إسلام إذا حميت الظهيرة يعذبونهم برمضاء مكة
فيمر بهم رسول الله صلى الله عليه و سلم فيقول ـ فيما بلغني ـ : [ صبرا آل ياسر موعدكم الجنة ]
و قد روى البيهقي عن الحاكم عن إبراهيم بن عصمة العدل حدثنا السري بن خزيمة حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا هشام بن أبي عبيد الله عن أبي الزبير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم مر بعمار و أهله و هم يعذبون فقال : [ أبشروا آل عمار و آل ياسر فإن موعدكم الجنة ] فإما أمه فيقتلوها فتأبى إلا الإسلام
و قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع عن سفيان عن منصور عن مجاهد قال : أول شهيد كان في أول الإسلام استشهد : أم عمار سمية طعنها أبو جهل بحربة في قلبها
و هذا مرسل

(1/494)


قال محمد ابن إسحاق : و كان أبو جهل الفاسق الذي يغرى بهم في رجال من قريش إن سمع برجل قد أسلم له شرف و منعة أنبه و خزاه و قال : تركت دين أبيك و هو خير منك لنسفهن حلمك و لنفيلن رأيك و لنضعن شرفك و إن كان تاجرا قال : و الله لنكدن تجارتك و لنهلكن مالك و إن كان ضعيفا ضربه و أغرى به لعنه الله و قبحه
قال ابن إسحاق : و حدثني حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير قال : قلت لعبد الله ابن عباس : أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم ؟
قال : نعم و الله ! إن كانوا ليضربون أحدهم و يجيعونه و يعطشونه حتى ما يقدر أن يستوي جالسا من شدة الضر الذي به حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة حتى يقولوا له : اللات و العزى إلهآن من دون الله ؟ فيقول : نعم ! افتداء منهم بما يبلغون من جهدهم قلت : و في مثل هذا أنزل الله تعالى { من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره و قلبه مطمئن بالإيمان و لكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله و لهم عذاب عظيم }
فهؤلاء كانوا معذورين بما حصل لهم من الإهانة و العذاب البليغ أجارنا الله من ذلك بحوله و قوته

(1/495)


و قال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن مسلم عن مسوق عن خباب بن الأرت قال : كنت رجلا قينا و كان لي على العاص بن وائل دين فأتيته أتقاضاه فقال : لا و الله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد فقلت : لا و الله لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث قال فإني إذا مت ثم بعثت جئتني و لي ثم مال و ولد فأعطيك ! فأنزل الله تعالى { أفرأيت الذي كفر بآياتنا و قال لأوتين مالا و ولدا } إلى قوله { و بأتينا فردا } أخرجاه في الصحيحين و غيرهما من طرق عن الأعمش به
و في لفظ البخاري : [ كنت قينا بمكة فعلمت للعاص بن و ائل سيفا فجئت أتقصاه ] فذكر الحديث
و قال البخاري [ حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا بيان و إسماعيل قالا : سمعنا قيسا يقول : سمعت خبابا يقول : أتيت النبي صلى الله عليه و سلم و هو متوسد ببردة و هو في ظل الكعبة و قد لقينا من المشركين شدة فقلت : ألا تدعوا الله ؟
فقعد و هو محمر وجهه فقال : قد كان من كان قبلكم ليمشط بأمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه و يوضع المنشار على مفرق رأسه باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه و ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله عز و جل ] زاد بيان [ و الذئب على غنمه ]
و في رواية [ و لكنكم تستعجلون ]
انفرد به البخاري دون مسلم
و قد روى من وجه آخر عن خباب و هو مختصر من هذا و الله أعلم و قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن عن سفيان شعبة عن أبي إسحاق عن سعيد بن وهب عن خباب قال : شكونا إلى النبي صلى الله عليه و سلم شدة الرمضاء فما أشكانا يعني في الصلاة و قال ابن جعفر : فلم يشكنا
و قال أيضا : حدثنا سليمان بن داود حدثنا شعبة عن أبي إسحاق قال : سمعت سعيد بن وهب يقول : سمعت خبابا يقول : شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم الرمضاء فلم يشكنا
قال شعبة : يعني في الظهيرة
و رواه مسلم و النسائي و البيهقي من حديث أبي إسحاق السبيعي عن سعيد بن وهب عن خباب قال : شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم حر الرمضاء
ـ زاد البيهقي : في و جوهنا و أكفنا ـ فلم يشكنا
و في رواية شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم الصلاة في الرمضاء فلم يشكنا
و رواه ابن ماجه عن علي بن محمد الطنافسي عن وكيع عن الأعمش عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب العبدي عن خباب قال : شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم حر الرمضاء فلم يشكنا
و الذي بقع لي و الله أعلم أن هذا الحديث مختصر من الأول و هو أنهم شكوا إليه صلى الله عليه و سلم ما يلقون من المشركين من التعذيب بحر الرمضاء و أنهم يسحبونهم على وجوههم فيتقون بأكفهم و غير ذلك من أنواع العذاب كما تقدم عن ابن إسحاق و غيره و سألوا منه صلى الله عليه و سلم أن يدعوا الله لهم على المشركين أو يستنص عليهم فوعدهم ذلك و لم ينجزه لهم في الحالة الراهنة و أخبرهم عمن كان قبلهم أهم كانوا يلقون من العذاب ما هو أشد مما أصابهم و لا يصرفهم ذلك عن دينهم و يبشرهم أن الله سيتم هذا الأمر و يظهره و يعلنه و ينشره و ينصره في الأقاليم و الآفاق حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله عز و جل و الذئب على غنمه و لكنكم تستعجلون
و لهذا قال : [ شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم حر الرمضاء في و جوهنا و أكفنا فلم يشكنا ] أي لم يدع لنا في الساعة الراهنة
فمن أستدل بهذا الحديث على عدم الإبراد أو على وجوب مباشرة المصلي بالكف كما هو أحد قولي الشافعي ففيه نظر و الله أعلم

(1/496)


قال إسحاق بن راهويه : حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن أيوب السختياني عن عكرمة عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة جاء إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقرأ عليه القرآن فكأنه رق له فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه فقال : يا عم إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا قال : لم ؟ قال : ليعطوكه فإنك أتيت محمدا لتعرض ما قبله !
قال : قد علمت قريش أني من أكثرها مالا
قال : فقل فيه قولا يبلغ قومك أنك منكر له
قال : و ماذا أقول ؟ فو الله ما منكم رجل أعرف بالأشعار مني و لا أعلم برجزه و لا بقصيده مني و لا بأشعار الجن و الله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا و و الله إن لقوله الذي يقوله حلاوة و إن عليه لطلاوة و إنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله و إنه ليعلو و لا يعلى و إنه ليحطم ما تحته
قال : لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه
قال : قف عني حتى أفكر فيه
فلمل فكر قال : إن هذا إلا سحر يؤثر يأثره عن غيره فنزلت { ذرني و من خلقت وحيدا و جعلت له مالا ممدودا و بنين شهودا } الآيات
هكذا رواه البيهقي عن الحاكم عن عبد الله بن محمد الصنعاني بمكة عن إسحاق به و قد رواه أحمد بن زيد عن أيوب عن عكرمة مرسلا فيه أنه قرأ عليه { إن الله يأمر بالعدل و الإحسان و إيتاء ذي القربى و ينهى عن الفحشاء و المنكر و البغي يعظكم لعلكم تذكرون }

(1/498)


و قال البيهقي : عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق حدثني محمد بن أبي محمد عن سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة اجتمع و نفر من قريش و كان ذا سن فيهم و قد حضر الموسم فقال : إن وفود العرب ستقدم عليكم فيه و قد سمعوا بأمر صاحبكم هذا فأجمعوا فيه رأيا واحدا و لا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا و يرد قول بعضكم بعضا
فقيل : يا أبا عبد شمس فقل و أقم لنا رأيا نقوم به
فقال : بل أنتم فقولوا و أنا أسمع فقالوا : نقول كاهن
فقال : ما هو بكاهن رأيت الكهان فما بزمزة الكهان فقالوا : نقول مجنون فقال : ما هو بمجنون و لقد رأينا الجنون و عرفناه فما هو بخنقه و لا تخالجه و لا وسوسته فقالوا : نقول شاعر فقال : ما هو بشاعر قد عرفنا الشعر برجزه و هزجه و قريضه و مقبوضه و مبسوطه فما هو بالشعر قالوا : فنقول هو ساحر قال : ما هو بساحر قد رأينا السحار فما هو بنفثه و لا بعقده
قالوا : فما نقول يا أبا عبد شمس ؟
قال : و الله إن لقوله لحلاوة و إن أصله لعذق و إن فرعه لجنى فما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل و إن أقرب القول أن تقولوا : هذا ساحر فتقولوا هو ساحر يفرق بين المرء و دينه و بين المرء و أبيه و بين المرء و زوجته و بين المرء و أخيه و بين المرء و عشيرته
فتفرقوا عنه بذلك فجعلوا يجلسون للناس حين قدموا الموسم لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه و ذكروا لهم أمره
و أنزل الله في الوليد { ذرني ومن خلقت وحيدا و جعلت له مالا ممدودا و بنين شهودا } الآيات و في أولئك النفر الذين جعلوا القرآن عضين : { فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون }
قلت : و في ذلك قال الله تعالى إخبارا عن جهلهم و قلة عقولهم : { بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أرسل الأولون } فحاروا ماذا يقولون فيه فكل شيء يقولونه باطل لأن من خرج عن الحق مهما قاله أخطأ قال الله تعالى : { انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا }

(1/499)


و قال الإمام عبد بن حميد في مسنده : حدثني أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا علي ابن مسهر عن الأجلح هو ابن عبد الله الكندي عن الذبال بن حرملة الأسدي عن جابر بن عبد الله قال : اجتمع قريش يوما فقالوا : انظروا أعلمكم بالسحر و الكهانة و الشعر فليأت هذا الرجل الذي فرق جماعتنا و شتت أمرنا و عاب ديننا فليكلمه و لينظر ماذا يرد عليه
فقالوا : ما نعلم أحدا غير عتبة بن ربيعة فقالوا : أنت يا أبا الوليد
فأتاه عتبة فقال : يا محمد أنت خير أم عبد الله ؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه و سلم
فقال : أنت خير أم عبد المطلب ؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه و سلم
قال : فإن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة التي عبت و إن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى نسمع قولك إنا و الله ما رأينا سخلة قط أشأم على قومه منك فرقت جماعتنا و شتت أمرنا و عبت ديننا و فضحتنا في العرب حتى لقد طار فيهم أن قريش ساحرا و أن في قريش كاهنا و الله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف حتى نتفانى أيها الرجل ! كان إنما بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلا و إن كان إنما بك الباءة فاختر أي نساء قريش شئت فلنزوجك عشرا
فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ فرغت ؟ ] قال : نعم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ { بسم الله الرحمن الرحيم حم تنويل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون } إلى أن بلغ { فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد و ثمود } ]
فقال عنبة : حسبك ما عندك غير هذا ؟ قال : [ لا ]
فرجع إلى قريش فقالوا : ما وراءك ؟ قال : ما تركت شيئا أرى أنكم تكلمونه إلا كلمته
قالوا : فهل أجابك ؟ فقال : نعم ثم قال : لا و الذي نصبها بنية ما فهمت شيئا مما قال غير أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد و ثمود
قالوا : و يلك ! يكلمك الرجل بالعربية لا تدري ما قال ؟
قال : لا و الله ما فهمت شيئا مما قال غير ذكر الصاعقة
و قد رواه البيهقي و غيره عن الحاكم عن الأصم عن عباس الدوري عن يحيى بن معين عن محمد بن فضيل عن الأجلح به و فيه كلام
و زاد : و إن كنت إنما بك رياسة عقدنا ألويتنا لك فكنت راسا ما بقيت
و عنده أنه لما قال : [ { فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد و ثمود } ]
أمسك عتبة على فيه و ناشده الرحم أن يكف عنه و لم يخرج إلى أهله و احتبس عنهم
فقال أبو جهل : و الله يا معشر قريش ما نرى عتبة إلا صبا إلى محمد و أعجبه طعامه و ما ذاك إلا من حاجة أصابته انطلقوا بنا إليه فأتوه
فقال أبو جهل : و الله يا عتبة ما جئنا إلا أنك صبوت إلى محمد و أعجبك أمره فإن كان بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد فغضب و أقسم بالله لا يكلم محمدا أبدا و قال : لقد علمتم أني من أكثر قريش مالا و لكني أتيته و قص عليهم القصة فأجابني بشيء و الله ما هو بسحر و لا بشعر و لا كهانة قرأ { بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم } حتى بلغ { فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد و ثمود } فأمسكت بفيه و ناشدته الرحم أن يكف و قد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب فخفت أن ينزل عليكم العذاب

(1/501)


ثم قال البيهقي : عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس عن محمد بن إسحاق حدثني يزيد بن أبي مولى بني هاشم عن محمد بن كعب قال : حدثت أن عتبة بن ربيعة و كان سيدا حليما قال ذات يوم و هو جالس في نادي قريش و رسول الله صلى الله عليه و سلم جالس وحده في المسجد : يا معشر قريش ألا أقوم إلى هذا فأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها و يكف عنا
قالوا : بلى يا أبا الوليد !
فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فذكر الحديث فيما قال له عتبة و فيما عرض على رسول الله صلى الله عليه و سلم من المال و الملك و غير ذلك
و قال زياد بن إسحاق : فقال عتبة : يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه و أعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها فنعطيه إياها و يكف عنا و ذلك حين أسلم حمزة و رأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم يزيدون و يكثرون
فقالوا : بلى يا أبا الوليد فقم إليه و كلمه
فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : يا ابن أخي إنك منا حيث قد علمت من السطة في العشيرة و المكان في النسب و إنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت جماعتهم و سفهت به أحلامهم و عبت به آلهتهم و دينهم و كفرت به من مضى من آبائهم فاسمع مني حتى أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها
قال : فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ يا أبا الوليد أسمع ]
قال : يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا و إن كنت تريد به شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك و إن كنت تريد ملكا ملكناك علينا و إن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب و بذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يتداوى منه أو كما قال له
حتى إذا فرغ عتبة قال له النبي صلى الله عليه و سلم : [ أفرغت يا أبا الوليد ؟ ]
قال : نعم قال : [ اسمع مني ] قال : أفعل
فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ { حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون } فمضى رسول الله صلى الله عليه و سلم يقرؤها ] فلما سمع بها عتبة أنصت لها و ألقى بيده خلفه أو خلف ظهره معتمدا عليهما ليسمع منه
حتى انتهى رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى السجدة فسجدها ثم قال : [ سمعت يا أبا الوليد ؟ ] قال : سمعت قال : [ فأنت و ذاك ]
ثم قام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض : نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به
فلما جلسوا إليه قالوا : ما وراءك يا أبا الوليد ؟ قال : ورائي أني و الله قد سمعت قولا ما سمعت مثله قط و الله ما هو بالشعر و لا الكهانة يا معشر قريش أطيعوني و اجعلوها بي خلوا بين هذا الرجل و بين ما هو فيه و اعتزلوه فو الله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم و إن يظهر على العرب فملكه ملككم و عزه عزكم و كنتم أسعد الناس به
قالوا : سحرك و الله يا أبا الوليد بلسانه
قال : هذا رأيي لكم فا صنعوا ما بدا لكم
ثم ذكر يونس عن ابن إسحاق شعرا قاله أبو طالب يمدح فيه عتبة

(1/503)


و قال البيهقي : أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني أخبرنا أبو قتيبة سلمة ابن الفضل الأدمي بمكة حدثنا أبو أيوب أحمد بن بشر الطيالسي حدثنا داود بن عمرو الضبي حدثنا المثنى بن زرعة عن محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر قال : لما قرأ رسول الله صلى الله عليه و سلم على عتبة بن ربيعة { حم تنزيل من الرحمن الرحيم } أتى أصحابه فقال لهم : يا قوم أطيعوني في هذا الأمر اليوم و اعصوني فيما بعده فو الله لقد سمعت من هذا الرجل كلاما ما سمعت أذناي كلاما مثله و ما دريت ما أردعليه
و هذا حديث غريب جدا من هذا الوجه
ثم روى البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس عن ابن إسحاق حدثني الزهري قال : حدثت أن أبا جهل و أبا سفيان و الأخنس بن شريق خرجوا ليلة ليسمعوا من رسول الله صلى الله عليه و سلم و هو يصلي بالليل في بيته فأخذ كل رجل منهم مجلسا ليستمع منه و كل لا يعلم بمكان صاحبه فباتوا يستمعون له حتى إذا أصبحوا و طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق فتلاوموا و قال بعضهم لبعض : لا تعودوا فلوا رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئا ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة ثم انصرفوا
فلما كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق فقالوا : لا نبرح حتى نتعاهد ألا نعود فتعاهدوا على ذلك ثم تفرقوا
فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته فقال : أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد ؟ فقال : يا أبا ثعلبة و الله لقد سمعت أشياء أعرفها و أعرف ما يراد بها و أشياء لا أعرفها و لا أعرف ما يراد بها فقال الأخنس : و أنا و الذي حلفت به

(1/505)


ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيته فقال : يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد ؟ فقال : ماذا سمعت ؟ ! تنازعنا نحن و بنو عبد مناف الشرف أطعموا فأطعمنا و حملوا فحملنا و أعطوا فأعطينا حتى إذا تجاثينا على الركب و كنا كفرسي رهان قالوا : منا نبي يأتيه الوحي من السماء ! فمتى ندرك هذه ! و الله لا نسمع به أبدا و لا نصدقه فقام عنه الأخنس بن شريق
ثم قال البيهقي : [ أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو العباس حدثنا أحمد حدثنا يونس عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن المغيرة بن شعبة قال : إن أول يوم عرفت رسول الله صلى الله عليه و سلم أني أمشي أنا و أبو جهل بن هشام في بعض أزقة مكة إذ لقينا رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لأبي جهل : يا أبا الحكم هلم إلى الله و إلى رسوله أدعوك إلى الله
فقال أبو جهل : يا محمد هل أنت منته عن سب آلهتنا ؟ هل تريد إلا أن نشهد أنك قد بلغت ؟ فنحن نشهد أنك قد بلغت فو الله لو أني أعلم أن ما تقول حق لاتبعتك
فانصرف رسول الله صلى الله عليه و سلم و أقبل علي فقال : و الله إني لأعلم أن ما يقول حق و لكن يمنعني شيء إن بني قصي قالوا : فينا الحجابة فقلنا : نعم ثم قالوا فينا السقاية فقلنا : نعم ثم قالوا فينا الندوة فقلنا : نعم ثم قالوا : فينا اللواء فقلنا : نعم ثم أطعموا و أطعمنا حتى إذا تحاكت الركب قالوا : منا نبي ! و الله لا أفعل ]

(1/506)


و قال البيهقي : [ أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم حدثنا محمد بن خالد حدثنا أحمد بن خلف حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق قال : مر النبي صلى الله عليه و سلم على أبي جهل و أبي سفيان و هما جالسان فقال أبو جهل : هذا نبيكم يا بني عبد شمس قال أبو سفيان : و تعجب أن يكون منا نبي ! فالنبي يكون فيمن أقل منا و أذل
فقال أبو جهل : أعجب أن يخرج من بين شيوخ نبيا !
و رسول الله صلى الله عليه و سلم يسمع فأتاهما فقال : أما أنت يا أبا سفيان فما لله و رسوله غضبت و لكنك حميت للأصل و أما أنت يا أبا الحكم فو الله لتضحكن قليلا و لتبكين كثيرا فقال : بئسما تعدني يا بن أخي من نبوتك ]
هذا مرسل من هذا الوجه و فيه غرابة و قول أبي جهل لعنه الله كما قال الله تعالى مخبرا عنه و عن أضرابه { و إذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا ؟ إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها و سوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا }

(1/507)


و قال الإمام أحمد : حدثنا هشيم حدثنا أبو بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية و رسول الله صلى الله عليه و سلم متوار بمكة { و لا تجهر بصلاتك و لا تخافت بها }
قال : كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن فلما سمع ذلك المشركون سبوا القرآن و سبوا من أنزله و من جاء به قال : فقال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه و سلم { و لا تجهر بصلاتك } أي بقراءتك فيسمع المشركون فيسبوا القرآن { و لا تخافت بها } عن أصحابك فلا تسمعهم القرآن حتى يأخذوه عنك { و ابتغ بين ذلك سبيلا }
و هكذا رواه صاحبا الصحيح من حديث أبي بشر جعفر بن أبي حية به
و قال محمد بن إسحاق : حدثني داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا جهر بالقرآن و هو يصلي تفرقوا عنه و أبوا أن يستمعوا منه و كان الرجل إذا أراد أن يسمع من رسول الله صلى الله عليه و سلم بعض ما يتلو و هو يصلي استرق السمع دونهم فرقا منهم فإن رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع ذهب خشية أذاهم فلم يستمع فإن خفض رسول الله صلى الله عليه و سلم لم يسمع الذين يستمعون من قراءته شيئا فأنزل الله تعالى { و لا تجهر بصلاتك } فيتفرقوا عنك { و لا تخافت بها } فلا يسمع من أراد أن يسمعها ممن يسترق ذلك لعله يرعوى إلى بعض ما يسمع فينتفع به { و ابتغ بين ذلك سبيلا }
إلى هنا ينتهي الجزء الأول من السيرة النبوية لابن كثير
و يليه الجزء الثاني و أوله باب الهجرة إلى الحبشة

(1/508)


قد تقدم ذكر أذية المشركين للمستضعفين من المؤمنين و ما كانوا يعاملونهم به من الضرب الشديد و الإهانة البالغة
و كان الله عز و جل قد حجرهم عن رسوله صلى الله عليه و سلم و منعه بعمه أبي طالب
كما تقدم تفصيله و لله الحمد و المنة

(2/3)


و روى الواقدي أن خروجهم إليها في رجب سنة خمس من البعثة و أن أول من هاجر منهم أحد عشر رجلا و أربع نسوة و أنهم انتهوا إلى البحر ما بين ماش و راكب فاستأجروا سفينة بنصف دينار إلى الحبشة

(2/3)


وهم : عثمان بن عفان و امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم و أبو حذيفة بن عتبة و امرأته سهلة بنت سهيل و الزبير بن العوام و مصعب بن عمير و عبد الرحمن بن عوف و أبو سلمة بن عبد الأسد و امرأته أم سلمة بنت أبي أمية و عثمان بن مظعون و عامر بن ربيعة العنزى و امرأته ليلى بنت أبى حثمة و أبو سبرة بن أبي رهم و حاطب بن عمرو و سهيل بن بيضاء و عبد الله بن مسعود رضى الله عنهم أجمعين
قال ابن جرير : و قال آخرون : بل كانوا اثنين و ثمانين رجلا سوى نسائهم و أبائهم و عمار بن ياسر شك فإن كان فيهم فقد كانوا ثلاثة و ثمانون رجلا

(2/3)


و قال محمد بن إسحاق : فلما رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم ما يصيب أصحابه من البلاء و ما هو فيه من العافية بمكانة من الله عز و جل و من عمه أبى طالب و أنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء قال لهم : لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد و هي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه
فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة و فرار إلى الله بدينهم
فكانت أول هجرة كانت في الإسلام

(2/4)


فكان أول من خرج من المسلمين عثمان بن عفان و زوجته رقيه بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم
و كذا روى البيهقي من حديث يعقوب بن سفيان عن عباس العنبري عن بشر بن موسى عن الحسن بن زياد البرجمي حدثنا قتادة قال : أول من هاجر إلى الله تعالى بأهله عثمان بن عفان رضي الله عنه
سمعت النضر بن أنس يقول سمعت أبا حمزة يعني أنس بن مالك يقول : خرج عثمان بن عفان و معه امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى أرض الحبشة فأبطأ على رسول الله صلى الله عليه و سلم خبرهما فقدمت امرأة من قريش فقالت : يا محمد قد رأيت ختنك و معه امرأته : قال : على أي حال رأيتيهما ؟
قالت : رأيته قد حمل امرأته على حمار من هذه الدبابه و هو يسوقها
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : صحبهما الله ! إن عثمان أول من هاجر بأهله بعد لوط عليه السلام
قال ابن إسحاق : و أبو حذيفة بن عتبه و زوجته سهله بنت سهيل بن عمرو و ولدت له بالحبشة محمد بن أبي حذيفة
الزبير بن العوام و مصعب بن عمير و عبدالرحمن بن عوف و أبو سلمة بن عبد الأسد و امرأته بنت أبي أمية بن المغيرة و ولدت له بها زينب
و عثمان بن مظعون و عامر بن ربيعة حليف آل الخطاب و هو من بنى عنز بن وائل و امرأته ليلى بنت أبي حثمة و أبو سبرة بن أبي رهم العامري و امرأته أم كلثوم بنت سهيل بن عمرو و يقال أبو حاطب بن عمرو بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر و هو أول من قدمها فيما قيل و سهيل بيضاء
فهؤلاء العشرة أول من خرج من المسلمين إلى أرض الحبشة فيما بلغني
قال ابن هشام : و كان عليهم عثمان بن مظعون فيما ذكر بعض أهل العلم
قال ابن إسحاق : ثم حرج جعفر بن أبي طالب و معه امرأته أسماء بنت عميس و ولدت له بها عبد الله بن جعفر
و تتابع المسلمون حتى اجتمعوا بأرض الحبشة

(2/4)


وقد زعم موسى بن عقبة أن الهجرة الأولى إلى أرض الحبشة كانت حين دخل أبو طالب و من حالفه مع رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى الشعب
و في هذا نظر و الله أعلم
و زعم أن خروج جعفر بن أبي طالب إنما كان في الهجرة الثانية إليها و ذلك بعد عود بعض من كان خرج أولا حين بلغهم أن المشركين أسلموا و صلوا فلما قدموا مكة و كان فيمن قدم عثمان بن مظعون فلم يجدوا ما أخبروا به من إسلام المشركين صحيحا فرجع منهم و مكث آخرون بمكة و خرج آخرون من المسلمين إلى أرض الحبشة و هي الهجرة الثانية كما سيأتي بيانه
قال موسى بن عقبة : و كان جعفر بن أبي طالب فيمن خرج ثانيا
و ما ذكره ابن إسحاق من خروجه في الرعيل الأول أظهر كما سيأتي بيانه
و الله أعلم
لكنه كان في زمرة ثانية من المهاجرين أولا و هو المقدم عليهم و المترجم عنهم عند النجاشي و غيره كما سنورده مبسوطا

(2/5)


ثم إن ابن إسحاق سرد الخارجين صحبة جعفر رضي الله عنهم
و هم : عمرو بن العاص و امرأته فاطمة بنت صفوان بن أمية بن محرث ابن شق الكناني
و أخوه خالد و امرأته أمينة بنت خلف بن أسعد الخزاعي و ولدت له بها سعيدا و أمه التي تزوجها بعد ذلك الزبير فولدت له عمرا و خالدا
قال : و عبد الله بن جحش بن رئاب و أخوه عبيد الله و معه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان
و قيس بن عبد الله من بني أسد بن خزيمة و امرأته بركة بنت يسار مولاة أبي سفيان
و معيقيب بن أبي فاطمة و هو من موالي سعيد بن العاص قال ابن هشام : و هو من دوس
قال : و أبو موسى الشعري عبد الله بن قيس حليف آل عتبة بن ربيعة و سنتكلم معه في هذا
و عتبة بن غزوان و يزيد بن زمعة بن الأسود و عمر بن أمية بن الحارث بن أسد و طليب بن عمير بن وهب بن أبي كثير بن عبد و سويبط بن سعد بن حريملة و جهم بن قيس العبدوي و معه امرأته أم حرملة بنت عبد الأسود بن خزيمة و ولداه عمرو بن جهم و أبو الروم بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار و فراس بن النضر بن الحارث بن كلدة و عامر بن أبي وقاص أخو سعد و المطلب بن أزهر بن عبد عوف الزهر ي و امرأته رملة بنت أبي عوف بن ضبيرة و ولدت بها عبد الله
و عبد الله بن مسعود و أخوه عتبة و المقداد بن الأسود و الحارث بن خالد بن صخر التيمي و امرأته ربطة بنت الحارث بن جبيلة و ولدت له بها موسى و عائشة و زينب و فاطمة
و عمرو بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة و شماس بن عثمان بن الشريد المخزومي قال : و إنما سمي شماسا لحسنه و أصل اسمه عثمان بن عثمان
و هبار بن سفيان بن عبد الأسد المخزومي و أخوه عبد الله و هشام بن أبي حذيفة ابن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم و سلمة بن هشام بن المغيرة و عياش بن أبي ربيعة بن المغيرة و معتب بن عوف بن عامر و يقال له عيهامة و هو من حلفاء بني مخزوم
قال : و قدامة و عبد الله أخوا عثمان بن مظعون و السائب بن عثمان بن مظعون و حاطب بن الحارث بن معمر و معه امرأته فاطمة بنت المجلل و ابناه منها محمد و الحارث و أخوه خطاب و امرأته فكيهة بنت يسار و سفيان بن معمر بن حبيب و امرأته حسنة و ابناه منها جابر و جنادة و ابنها من غيره و هو شرحبيل بن عبد الله أحد الغوث بن مزاحم بن تميم و هو الذي يقال شرحبيل بن حسنة
وعثمان بن ربيعة بن أهبان بن و هب بن حذافة بن جمح وخنيس بن حذافة بن قيس بن عدي و عبد الله بن الحارث بن قيس بن عدي بن سعيد بن سهم و هشام بن العاص بن وائل بن سعيد و قيس بن حذافة بن قيس بن عدي و أخوه عبد الله
و أبو قيس بن الحارث بن قيس بن عدي و إخوته : الحارث و معمر و السائب و بشر و سعيد أبناء الحارث و أخو سعيد بن قيس بن عدي لمه و هو سعيد بن عمرو التميمي
و عمير بن رئاب بن حذيفة بن مهشم بن سعيد بن سهم و حليف لبني سهم و هو محمية بن جزء الزبيدي و معمر بن عبد الله العدوي و عروة بن عبد العزى وعدي بن نضلة بن عبد العزى و ابنه النعمان وعبد الله بن مخرمة العامري و عبد الله بن سهيل ابن عمرو و سليط بن عمر و أخوه السكران و معه زوجته سودة بنت زمعة و مالك بن ربيعة و امرأته عمرة بنت السعدي و أبو حاطب بن عمرو العامري و حليفهم سعد بن خولة و هو من اليمن
و أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح الفهري و سهيل بن بيضاء : و هي أمه و اسمها دعد بنت جحدم بن أمية بن ظرب بن الحارث بن فهر و هو سهيل بن وهب ابن ربيعة بن هلال بن أهيب بن ضبة و عمرو بن أبي سرح بن ربيعة بن هلال بن أ هيب بن مالك بن ضبة بن الحارث و عياض بن زهير بن أبي شداد بن ربيعة بن هلال بن مالك بن ضبة و عمرو بن الحارث بن زهير بن أبي شداد بن ربيعة و عثمان بن عبد غنم بن زهير أخوان و سعيد بن عبد قيس بن لقيط و أخوه الحارث الفهريون

(2/6)


قال ابن إسحاق : فكان جميع من لحق بأرض الحبشة و هاجر إليها من المسلمين سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم
صغارا أو ولدوا بها : ثلاثة و ثمانين رجلا إن كان عمار ابن ياسر و هو يشك فيه
قلت : و ذكر ابن إسحق أبا موسى الأشعري فيمن هاجر من مكة إلى أرض الحبشة غريب جدا
وقد قال الإمام أحمد : حدثنا حسن بن موسى سمعت حديجا أخا زهير بن معاوية عن أبي إسحق عن عبد الله بن
عتبة عن ابن مسعود قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى النجاشي و نحن نحو من ثمانين رجلا فيهم
عبد الله بن مسعود و جعفر و عبد الله بن عرفطة و عثمان بن مظعون و أبو موسى فأتوا النجاشي
و بعثت قريش عمرو بن العاص و عمارة بن الوليد بهدية
فلما دخل على النجاشي سجدا له ثم ابتدراه عن يمينه و عن شماله ثم قالا له : إن نفرا من بني عمنا نزلوا أرضك و
رغبوا عنا و عن ملتنا
قال : فأين هم ؟ قالا : في أرضك فابعث إليهم
فبعث إليهم فقال جعفر : أنا خطيبكم اليوم فاتبعوه
فسلم و لم يسجد فقالوا له : مالك لا تسجد للملك ؟
قال : إنا لا نسجد إلا لله عز و جل
قال : و ما ذاك ؟
قال : إن الله بعث إلينا رسولا ثم أمرنا ألا نسجد لأحد إلا لله عز و جل و أمرنا بالصلاة و الزكاة
قال عمرو : فإنهم يخالفونك في عيسى ابن مريم
قال : فما تقولون في عيسى ابن مريم و أمه
قال : نقول كما قال الله : هو كلمته و روحه ألقاها إلى العذراء البتول التي لم يمسها بشر و لم يفرضها ولد
قال : فرفع عودا من الأرض ثم قال : يا معشر الحبشة و القسيسين و الرهبان و الله ما يزيدون على الذي نقول فيه
ما سوى هذا مرحبا بكم و بمن جئتم من عنده أشهد أنه رسول الله و أنه الذي نجد في الإنجيل و أنه الرسول الذي
بشر به عيسى ابن مريم انزلوا حيث شئتم و الله لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أكون أنا الذي أحمل نعليه !
و أمر بهدية الآخرين فردت إليهما
ثم تعجل عبد الله بن مسعود حتى أدرك بدرا
و زعم أن النبي صلى الله عليه و سلم استغفر له حين بلغه موته
و هذا إسناد جيد قوي و سياق حسن و فيه ما يقتضي أن أبا موسى كان فيمن هاجر من مكة إلى أرض الحبشة إن لم
يكن مدرجا من بعض الرواة و الله أعلم

(2/9)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية