صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ هداية الحيارى - ابن قيم الجوزية ]
الكتاب : هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى
المؤلف : محمد بن أبي بكر أبو عبد الله
الناشر : الجامعة الإسلامية - المدينة المنورة
عدد الأجزاء : 1

كتاب هداية الحيارى في اجوبة اليهود والنصارى

(1/1)


الحمد لله الذي رضي لنا الإسلام دينا ونصب لنا الدلالة على صحته برهانا مبينا وأوضح السبيل إلى معرفته واعتقاده حقا يقينا ووعد من قام بأحكامه وحفظ حدوده أجرا جسيما وذخر لمن وافاه به ثوابا جزيلا وفوزا عظيما وفرض علينا الانقياد له ملاحكامه والتمسك بدعائمه وأركانه والاعتصام بعراه وأسبابه فهو دينه الذي ارتضاه لنفسه ولأنبيائه ورسله وملائكة قدسه فبه اهتدى المهتدون وأليه دعا الأنبياء والمرسلون أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها وأليه يرجعون فلا يقبل من أحد دينا سواه من الأولين والآخرين ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين شهد بأنه قبل شهادة الأنام وأشاد به ورفع ذكره وسمى به وما اشتملت عليه الأرحام فقال تعالى شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين عند لله الإسلام وجعل أهله هم الشهداء على الناس يوم يقوم الأشهاد لما فضلهم به من الإصابة في القول والعمل والهدى والنية والاعتقاد إذ كانوا أحق بذلك وأهله في سابق التقدير فقال وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير وحكم سبحانه بأنه أحسن الأديان ولا أحسن من حكمه ولا أصدق منه قيلا فقال ومن أحسن دينا ممن اسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا
وكيف لا يميز من له أدنى عقل يرجع إليه بين دين قام أساسه وارتفع بناؤه على عباده الرحمن والعمل بما يحبه ويرضاه مع الإخلاص في السر والإعلان ومعاملة خلقه بما أمر به من العدل والإحسان مع إيثار طاعته على طاعة الشيطان وبين دين أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار بصاحبه في النار أسس على عبادة النيران وعقد الشركة بين الرحمن والشيطان وبينه وبين الأوثان أو دين أسس بنيانه على عبادة الصلبان والصور المدهونة في السقوف والحيطان وأن رب العالمين نزل عن كرسي عظمته فالتحم ببطن أنثى وأقام هناك مدة من الزمان بين دم الطمث في ظلمات الأحشاء تحت ملتقى الأعكان ثم خرج صبيا رضيعا يشب شيئا فشيئا ويبكي ويأكل ويشرب ويبول وينام ويتقلب مع الصبيان ثم

(1/3)


أودع في المكتب بين صبيان اليهود يتعلم ما ينبغي للإنسان هذا وقد قطعت منه القلفة حين الختان ثم جعل اليهود يطردونه ويشردونه من مكان إلى مكان ثم قبضوا عليه وأحلواه أصناف الذل والهوان فقعدوا على رأسه من الشوك تاجا منأقبح التيجان وأركبوه قصبة ليس لها لجام ولا عنان ثم ساقوه إلى خشبة الصلب مصفوعا مبصوقا في وجهه وهم خلفه وأمامه وعن شمائله وعن الأيمان ثم أركبوه ذلك المركب الذي تقشعر منه القلوب مع الأبدان ثم شدت بالحبال يداه مع الرجلان ثم خالطهما تلك المسامير التي تكسر العظام وتمزق اللحمان وهو يستغيث يا قوم ارحموني فلا يرحمه منهم إنسان هذا وهو مدير العالم العلوي والسفلي الذي يسأله من في السموات والأرض كل يوم هو في شأن ثم مات ودفن في التراب تحت صم الجنادل والصوان ثم قام من القبر وصعد إلى عرشه وملكه بعد أن كان ما كان فما ظنك بفروع هذا أصلها الذي قام عليه البنيان أو دين أسس بنيانه على عبادة الإله المنحوت بالأيدي بعد نحت الأفكار من سائر أجناس الأرض على اختلاف الأنواع والأصناف والألوان والخضوع له والتذلل والخرور سجودا على الأذقان لا يؤمن من يدين بالله ولا ملائكته ولا كتبه ولا رسله ولا لقائه يوم يجزى المسيء بإسائته والمحسن بالإحسان أو دين الأمة الغضبية الذين انسلخوا من رضوان الله كانسلاخ الحية من قشرها وباؤا بالغضب والخزي والهوان وفارقوا أحكام التوارة ونبذوها وراء ظهورهم واشتروا بها من الأثمان فترحل عنهم التوفيق وقارنهم الخذلان واستبدلوا بولاية الله وملائكته ورسله وأوليائه ولاية الشيطان أو دين أسس بنيانه على أن رب العالمين وجود مطلق في الأذهان لا حقيقة له في الأعيان ليس بداخل في العالم ولا خارج عنه ولا متصل به ولا منفصل عنه ولا محايث ولا مباين له لا يسمع ولا يرى ولا يعلم شيئا من الموجودات ولا يفعل ما يشاء لا حياة له ولا قدرة ولا إرادة ولا اختيار ولم يخلق السموات والأرض في ستة أيام بل لم تزل السموات والأرض معه وجودها مقارن لوجوده لم يحدثها بعد عدمها ولا له قدرة على إفنائها بعد وجودها ما أنزل على بشر كتابا ولا أرسل إلى الناس رسولا فلا شرع يتبع ولا رسول يطاع ولا دار بعد هذه الدار ولا مبدأ للعالم ولا معاد ولا بعث ولا نشور ولا جنة ولا نار إن هي إلا تسعة أفلاك وعشرة عقول وأربعة أركان وأفلاك تدور ونجوم تسير وأرحام تدفع وأرض تبلع و ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ضد له ولا ند له ولا صاحبة له

(1/4)


ولا ولد له ولا كفؤ له تعالى عن إفك المبطلين وخرص الكاذبين وتقدس عن شرك المشركين وأباطيل الملحدين كذب العادلون به سواه وضلوا ضلالا بعيدا وخسروا خسرانا مبينا ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلى بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفوته من خلقه وخيرته من بريته وأمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عباده ابتعثه بخير ملة وأحسن شرعة وأظهر دلالة وأوضح حجة وأبين برهان إلى جميع العالمين أنسهم وجنهم عربهم وعجمهم حاضرهم وباديهم الذي بشرت به الكتب السالفة وأخبرت به الرسل الماضية وجرى ذكره في الأعصار في القرى والأمصار والأمم الخالية ضربت لنبوته البشائر من عهد آدم أبي البشر إلى عهد المسيح ابن البشر كلما قام رسول أخذ عليه الميثاق بالإيمان به والبشارة بنبوته حتى انتهت النبوة إلى كليم الرحمن موسى بن عمران فأذن بنبوته على رؤوس الأشهاد بين بني إسرائيل معلنا بالأذان جاء الله من طور سيناء وأشرق من ساعير واستعلن من جبال فاران إلى أن ظهر المسيح ابن مريم عبد الله ورسوله وروحه وكلمته التي القاها الى مريم فاذن بنبوته اذانا لم يؤذنه احد مثله قبله فقام في بني إسرائيل مقام الصادق الناصح وكانوا لا يحبون الناصحين فقال إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين تالله لقد أذن المسيح أذانا أسمعه البادي والحاضر فأجابه المؤمن المصدق وقامت حجة الله على الجاحد الكافر الله أكبر الله اكبر عما يقول فيه المبطلون ويصفه به الكاذبون وينسبه إليه المفترون والجاحدون ثم قال أشهد أن لا اليه إلا الله وحده لا شريك له ولا ند له ولا كفؤ له ولا صاحبة له ولا ولد له بل هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ثم قال رفع صوته بالشهادة لأخيه وأولى الناس بأنه عبد الله ورسوله وأنه أركون العالم وأنه روح الحق لا يتكلم من قبل نفسه إنما يقول ما يقال له وأنه يخبر الناس بكل ما أعد الله لهم ويسوسهم بالحق ويخبرهم بالغيوب ويجيئهم بالتأويل ويوبخ العالم على الخطيئة ويخلصهم من يد الشيطان وتستمر شريعته وسلطانه إلى آخر الدهر وصرح في أذانه باسمه ونعته وسيرته حتى كأنهم ينظرون إليه عيانا ثم قال حي على الصلاة خلف إمام المرسلين وسيد ولد آدم أجمعين حي على الفلاح باتباع من السعادة في اتباعه والفلاح في الدخول في زمرة أشياعه فأذن وأقام وتولى وقال لست أدعكم كالأيتام وسأعود وأصلي وراء هذا الإمام هذا عهدي إليكم إن حفظتموه دام لكم الملك إلى آخر الأيام فصلى الله عليه من ناصح بشر برسالة أخيه

(1/5)


عليهما أفضل الصلاة والسلام وصدق به أخوه ونزهه عما قال فيه وفي أمه أعداؤه المغضوب عليهم من الإفك والباطل وزور الكلام كما نزه ربه وخالقه ومرسله عما قال فيه المثلثة عباد الصليب ونسبوه إليه من النقض والعيب والذم
أما بعد فإنا لله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه وتبارك اسمه وتعالى جده ولا إله غيره جعل الإسلام عصمة لمن لجأ إليه وجنة لمن استمسك به وعض بالنواجد عليه فهو حرمة الذي من دخله كان من الآمنين وحصنه الذي من لجأ إليه كان من الفائزين ومن انقطع دونه كان من الهالكين وأبى أن يقبل من احد دينا سواه ولو بذل في المسير إليه جهده واستفرغ قواه على الدين كله حتى طبق مشارق الأرض ومغاربها وسار مسير الشمس في الأقطار وبلغ إلى حيث انتهى الليل والنهار وعلت الدعوة الاسلامية وارتفعت غاية الارتفاع والاعتلاء بحيث صار اصلها ثابت وفرعها في السماء فتضاءلت لها جميع الأديان وجرت تحتها الأمم منقادة بالخضوع والذل والإذعان ونادى المنادي بشعارها في جو السماء بين الخافقين أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صارخا بالشهادتين حتى بطلت دعوة الشيطان وتلاشت عبادة الأوثان واضمحلت عبادة النيران وذل المثلثة عباد الصلبان وتقطعت الأمة الغضيبة في الأرض كتقطع السراب في القيعان وصارت كلمة الإسلام العليا وصار له في القلوب الخلائق المثل الأعلى وقامت براهينه وحججه على سائر الأمم في الآخرة والأولى وبلغت منزلته في العلى والرفعة الغاية القصوى وأقام لدولته ومصطفيه أعوانا وأنصارا نشروا ألويته وأعلامه وحفظوا من التغيير والتبديل حدوده وأحكامه وبلغوا إلى نظائرهم كما بلغ إليهم من قبلهم حلاله وحرامه فعظموا شعائره وعلموا شرائعه وجاهدوا أعدائه بالحجة والبيان حتى استغلظ واستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعلا بنيانه المؤسس على تقوى من الله ورضوان إذ كان بناء غير مؤسسا على شفا جرف هار فتبارك الذي رفع منزلته وأعلى ملكته وفخم شأنه وأشاد بنيانه وأذل مخالفيه ومعانديه وكبت من يبغضه ويعاديه ووسمها بأنهم شر الدواب وأعد لهم إذا قدموا عليه أليم العقاب وحكم بأنهم أضل سبيلان من الأنعام إذ استبدلوا الشرك بالتوحيد والضلال بالهدى والكفر بالإسلام وحكم سبحانه لعلماء الكفر وعباده حكما يشهد ذوو العقول بصحته ويرونه شيئا حسنا فقال تعالى قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا

(1/6)


فصل
التهديد لمن حاد عن الإسلام
فأين يذهب من تولى عن توحيد ربه وطاعته ولم يرفع رأسا بأمره ودعوته وكذب رسوله وأعرض عن متابعته وحاد عن شريعته ورغب عن ملته واتبع غير سنته ولم يستمسك بعهده ومكن الجهل من نفسه والهوى والعناد من قلبه والجحود والكفر من صدره والعصيان والمخالفة من جوارحه فقد قابل خبر الله بالتكذيب وأمره بالعصيان ونهيه بالإرتكاب يغضب الرب وهو راض ويرضى وهو غضبان يحب ما يبغض ويبغض ما يحب ويوالي من يعاديه ويعادي من يواليه يدعو إلى خلاف ما يرضى وينهى عبدا إذا صلى قد اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم فأصمه وأبكمه وأعماه فهو ميت الدارين فاقد السعادتين قد رضي بخزي الدنيا وعذاب الآخرة وباع التجارة الرابحة بالصفقة الخاسرة فقلبه عن ربه مصدود وسبيل الوصول إلى جنته ورضاه وقربه عنه مسدود فهو ولي الشيطان وعدو الرحمن وحليف الكفر والفسوق والعصيان رضي المسلمون بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا ورضي المخذول بالصليب والوثن إلها وبالتثليث والكفر دينا وبسبيل الضلال والغضب سبيلا أعصى الناس للخالق الذي لا سعادة له إلا في طاعته وأطوعهم للمخلوق الذي ذهاب دنياه وأخراه في طاعته فإذا سئل في قبره من ربك وما دينك ومن نبيك قال هاه هاه لا أدري فيقال لا دريت ولا تليت وعلى ذلك حييت وعليه مت وعليه تبعث إن شاء الله ثم يضرم على قبره نارا ويضيق عليه كالزج في الرمح إلى قيام الساعة وإذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور وقام الناس لرب العالمين ونادى المنادي وامتازوا اليوم أيها المجرمون ثم رفع لكل عابد معبوده الذي يعبده ويهواه وقال الرب تعالى وقد أنصت له الخلائق أليس عدلا مني أن أولي كل إنسان منكم ما كان في الدنيا يتولاه فهناك يعلم المشرك حقيقة ما كان عليه ويتبين له سوء منقلبه وما صار إليه ويعلم الكفار أنهم لم يكونوا أولياءه إلا المتقون وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون
فصل الأمم قبل البعثة
ولما بعث الله محمدا صلى الله عليه و سلم كان أهل الأرض صنفين أهل الكتاب

(1/7)


وزنادقة لا كتاب لهم وكان أهل الكتاب أفضل الصنفين وهم نوعان مغضوب عليهم وضالون
فالأمة الغضبية هم اليهود أهل الكذب والبهت والغدر والمكر والحيل قتلة الأنبياء وأكلة السحت وهو الربا والرشا أخبث الأمم طوية وأرداهم سجية وأبعدهم من الرحمة وأقربهم من النقمة عادتهم البغضاء وديدنهم العداوة والشحناء بيت السحر والكذب والحيل لا يرون لمن خالفهم في كفرهم وتكذيبهم الأنبياء حرمة ولا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ولا لمن وافقهم حق ولا شفقة ولا لمن شاركهم عندهم عدل ولا نصفة ولا لمن خالطهم طمأنينة ولا أمنة ولا لمن استعملهم عندهم نصيحة بل أخبثهم أعقلهم وأحذقهم أغشهم وسليم الناصية وحاشاه أن يوجد بينهم ليس بيهودي على الحقيقة أضيق الخلق صدورا وأظلمهم بيوتا وأنتنهم أفنية وأوحشهم سجية تحيتهم لعنة ولقاؤهم طيره شعارهم الغضب ودثارهم المقت
فصل والصنف الثاني المثلثة أمة الضلال وعباد الصليب الذين سبوا الله الخالق مسبة ما سبه إياها أحد من البشر ولم يقروا بأنه الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ولم يجعلوه أكبر من كل شيء بل قالوا فيه ما تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هذا فقل ما شئت في طائفة أصل عقيدتها أن الله ثالث ثلاثة وأن مريم صاحبته وأن المسيح أبنه وأنه نزل عن كرسي عظمته والتحم ببطن الصاحبة وجرى له ما جرى إلى أن قتل ومات ودفن فدينها عبادة الصلبان ودعاء الصور المنقوشة بالأحمر والأصفر في الحيطان يقولون في دعائهم يا والدة الإله ارزقينا واغفري لنا وارحمينا فدينهم شرب الخمور وأكل الخنزير وترك الختان والتعبد بالنجاسات واستباحة كل خبيث من الفيل إلى البعوضة والحلال ما حلله القس والحرام ما حرمه والدين ما شرعه وهو الذي يغفر لهم الذنوب وينجيهم من عذاب السعير
فصل فهذا حال من له كتاب وأما من لا كتاب له فهو بين عابد أوثان وعابد نيران وعابد شيطان وصابئ حيران يجمعهم الشرك وتكذيب الرسل وتعطيل الشرائع وإنكار المعاد وحشر الأجساد لا يدينون للخالق بدين ولا يعبدونه مع العابدين ولا يوحدونه مع الموحدين وأمة المجوس منهم تستفزش الأمهات والبنات والأخوات دع العمات والخالات دينهم الزمر وطعامهم الميتة وشرابهم الخمر

(1/8)


ومعبودهم النار ووليهم الشيطان فهم أخبث بني آدم نحلة وأرداهم مذهبا وأسوأهم اعتقادا
وأما زنادقة الصابئة وملاحدة الفلاسفة فلا يؤمنون بالله ولا ملائكته ولا كتبه ولا رسله ولا لقائه ولا يؤمنون بمبدأ ولا معاد وليس للعالم عندهم رب فعال بالاختيار لما يريد قادر على كل شيء امر ناه مرسل الرسل ومنزل الكتب ومثيب المحسن ومعاقب المسيء وليس عند نظارهم إلا تسعة أفلاك منها بمجوزات العقول وبالجملة فدين الحنفية الذي لا دين لله غيره بين هذه الاديان الباطلة التي لا دين في الأرض غيرها أخفى من السها تحت السحاب وقد نظر الله إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب فاطلع الله شمس الرسالة في حنادس تلك الظلم سراجا منيرا وأنعم بها على أهل الأرض نعمة لا يستطيعون لها شكورا وأشرقت الأرض نبورها أكمل الإشراق وفاض ذلك النور حتى عم النواحي والآفاق واتسق قمر الهدى أتم الاتساق وقام دين الله الحنيف على ساق فلله الحمد الذي أنقدنا بمحمد صلى الله عليه و سلم من تلك الظلمات وفتح لنا به باب الهدى فلا يغلق إلى يوم الميقات وأرانا في نوره أهل الضلال وهم في ضلالهم يتخبطون وفي سكرتهم يعمهون وفي جهالتهم يتقلبون وفي ريبهم يترددون يؤمنون ولكن بالجبت والطاغوت يؤمنون ويعدلون ولكن بربهم يعدلون ويعلمون ولكن ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ويسجدون ولكن للصليب والوثن والشمس يسجدون ويمكرون وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون
الحمد لله الذي أغنانا بشريعته التي تدعوا إلى الحكمة والموعظة الحسنة وتتضمن الأمر بالعدل والإحسان والنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي فله المنة والفضل على ما أنعم به علينا وآثرنا به على سائر الأمم وإليه الرغبة أن يوزعنا شكر هذه النعمة وأن يفتح لنا أبواب التوبة والمغفرة والرحمة فأحب الوسائل إلى المحسن التوسل إليه بإحسانه والاعتراف له بأن الأمر كله محض فضله وامتنانه فله علينا النعمة السابغة كما له علينا الحجة البالغة نبوء له بنعمه علينا ونبوء بذنوبنا وخطايانا وجهلنا وظلمنا وإسرافنا في

(1/9)


أمرنا فهذه بضاعتنا التي لدينا لم تبق لنا نعمة وحقوقها وذنوبنا حسنة نرجو بها الفوز بالثواب والتخلص من اليم العقاب بل بعض ذلك يستنفد جميع حسناتنا ويستوعب كل طاعتنا هذا لو خلصت من الشوائب وكانت خالصة لوجهه واقعة على وفق أمره وما هو والله الا التعلق باذيال عفوه وحسن الظن به واللجأ منه اليه واللاستعانه به منه والاستكانة والتذلل بين يديه ومد يد الفاقة والمسكنة اليه بالسؤال والافتقار اليه في جميع الاحوال فمن أصابته نفحة من نفحات رحمته أو وقعت عليه نظرة من نظرات رأفته انتعش من بين الاموات وأناخت بفنائه وفود الخيرات وترحلت عنه جيوش الهموم والغموم والحسرات ... وإذا نظرت الي نظرة راحم ... في الدهر يوما انني لسعيد ...
من حقوق الله رد الطاعنين على الرسول
فصل ومن بعض حقوق الله على عبده رد الطاعنين على كتابه ورسوله ودينه ومجاهدتهم بالحجة والبيان والسيف والسنان والقلب والجنان وليس وراء ذلك حبة خردل من الايمان وكان انتهى إلينا مسائل أوردها بعض الكفار الملحدين على بعض المسلمين فلم يصادف عنده ما يشفيه ولا وقع دواؤه على الداء الذي فيه وظن المسلم أنه بضربه بداويه قسطا به ضربا وقال هذا هو الجواب فقال الكافر صدق أصحابنا في قولهم إن دين الإسلام إنما قام بالسيف لا بالكتاب فتفرقا وهذا ضارب وهذا مضروب وضاعت الحجة بين الطالب والمطلوب فشمر المجيب ساعد العزم ونهض على ساق الجد وقام لله قيام مستعين به مفوض اليه متكل عليه في موافقة مرضاته ولم يقل مقالة العجزة الجهال إن الكفار انما يعاملون بالجلاد دون الجدال وهذا فرار من الزحف واخلاد الى العجز والضعف وقو أمر الله بمجادلة الكفار بعد دعوتهم إقامة للحجة وازاحة للعذر ليهلك من هلك عن بينة ويحي من حي عن بينة والسيف انما جاء منفذا للحجة مقوما لللمعاند وحدا للجاحد قال تعالى لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وانزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب ان الله قوي عزيز فدين الاسلام قام بالكتاب الهادي ونفذه السيف الماضي شعر ... فما هو الا الوحي أوحد مرهف ... يقيم ضباه أخدعي كل مائل ... فهذا شفاء الداء من كل عاقل ... وهذا دواء من كل جاهل ...
والى الله الرغبة في التوفيق فانه الفاتح من الخير أبوابه والميسر له أسبابه وسميته

(1/10)


مسائل الكتاب
هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى وقسمته قسمين القسم الاول في أجوبة المسائل القسم الثاني في تقرير نبوة محمد صلى الله عليه و سلم بجميع أنواع الدلائل فجاء بحمد الله ومنه وتوفيقه كتابا ممتعا ومعجبا لا يسأم قاريه ولا يمل الناظر فيه فهو كتاب يصلح للدنيا والآخرة ولزيادة الايمان ولذة الانسان يعطيك ما شئت من اعلام النبوة وبراهين الرسالة وبشارات الانبياء بخاتمهم واستخراج اسمه الصريح من كتبهم وذكر نعته وصفته وسيرته من كتبهم والتمييز بين صحيح الاديان وفاسدها وكيفية فساده بعد استقامتها وجملة من فضائح أهل الكابين وما هم عليه وانهم أعظم الناس براءة من أنبيائهم وان نصوص انبيائهم تشهد بكفرهم وضلالهم وغير ذلك من نكت بديعة لا توجد في سواه والله المستعان وعليه التكلان فهو حسبنا ونعم الوكيل ليست الرياسة منع وحدها لاهل الكتاب عن قبول الاسلام
فتقول أما المسألة الاولى وهي قول السائل قد اشتهر عندكم بان أهل الكتابين ما منعهم من الدخول في الاسلام الا الرياسة والمأكلة لا غير فكلام جاهل بما عند المسلمين وبما عند الكفار أما المسلمون فلم يقولوا انه لم يمنع أهل الكتاب من الدخول في الاسلام الا الرياسة والمأكلة لا غير وان قال هذا بعض عوامهم فلا يلزم جماعتهم والممتنعون من الدخول في الاسلام من أهل الكتابين وغيرهم جزء يسير جدا بالاضافة الى الداخلين فيه منهم بل أكثر الامم دخلوا في الاسلام طوعا ورغبة واختيارا لا كرها ولا اضطرارا فان الله سبحانه وتعالى بعث محمدا صلى الله عليه و سلم رسولا الى أهل الارض وهم خمسة أصناف قد طبقوا الارض يهود ونصارى ومجوس وصابئة ومشركون وهذه الاصناف هي التي كانت قد استولت على الدنيا من مشارقها الى مغاربها
فأما اليهود فاكثر ما كانوا باليمن وخيبر والمدينة وما حولها وكانوا بأطراف الشام مستذلين مع النصارى وكان منهم بأرض فارس فرقة مستذلة مع المجوس وكان منهم بأرض العرب فرقة وأعز ما كانوا بالمدينة وخيبر وكان الله سبحانه قد قطعهم في الارض أمما وسلبهم الملك والعز وأما النصارى فكانوا طبق الارض فكانت الشام كلها نصارى وأرض المغرب كان الغالب عليهم النصارى وكذلك أرض مصر والحبشة والنوبة والجزيرة والموصل وأرض نجران وغيرها من البلاد وأما المجوس فهم أهل مملكة فارس وما اتصل بها وأما الصابئة فأهل حران وكثير من بلاد الروم وأما المشركون فجزيرة العرب جميعها وبلاد الهند وبلاد

(1/11)


الترك وما جاورها وأديان أهل الارض لا تخرج عن هذه الاديان الخمسة ودين الحنفاء لا يعرف فيهم البتة وهذه الاديان الخمسة كلها للشيطان كما قال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره الاديان ستة واحد للرحمن وخمسة للشيطان وهذه الاديان الستة مذكورة في آية الفصل في قوله تعالى ان الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا ان الله يفصل بينهم يوم القيامة ان الله على كل شيء شهيد فلما بعث الله رسوله صلى الله عليه و سلم استجاب له ولخلفائه بعده اكثر الاديان طوعا واختيارا ولم يكره أحدا قط على الدين وانما كان يقاتل من يحاربه ويقاتله وأما من سالمه وهادنه فلم يقاتله ولم يكرهه على الدخول في دينه امتثالا لامر ربه سبحانه حيث يقول لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي وهذا نفي في معنى النهي أي لا تكرهوا أحدا على الدين نزلت هذه الآية في رجال من الصحابة كان لهم أولاد قد تهودوا وتنصروا قبل الاسلام فلما جاء الاسلام أسلم الآباء وأرادوا اكراه الاولاد على الدين فنهاهم الله سبحانه عن ذلك حتى يكونوا هم الذين يختارون الدخول في الاسلام والصحيح ان الآية على عمومها في حق كل كافر وهذا ظاهر على قول من يجوز أخذ الجزية من جميع الكفار فلا يكرهون على الدخول في الدين بل أما أن يدخلوا في الدين وإما أن يعطوا الجزية كما يقوله أهل العراق وأهل المدينة وان استثنى هؤلاء بعض عبدة الاوثان ومن تأمل سيرة النبي صلى الله عليه و سلم تبين له انه لم يكره أحدا على دينه قط وانه انما قاتل من قاتله وأما من هادنه فلم يقاتله ما دام مقيما على هدنته لم ينقض عهده بل أمره الله تعالى أن يفي لهم بعهدهم ما استقاموا له كما قال تعالى فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ولما قدم المدينة صالح اليهود وأقرهم على دينهم فلما حاربوه ونقضوا عهده وبدؤوه بالقتال قاتلهم فمن على بعضهم وأجلى بعضهم وقتل بعضهم وكذلك لما هادن قريشا عشر سنين لم يبدءهم بقتال حتى بدءوا هم بقتاله ونقضوا عهده فعند ذلك عزاهم في ديارهم وكانوا هم يغزونه قبل ذلك كما قصدوه يوم أحد ويوم الخندق ويوم بدر ايضا هم جاءا لقتاله ولو انصرفوا عنه لم يقاتلهم والمقصود انه صلى الله عليه و سلم لم يكره أحدا على الدخول في دينه البتة وانما دخل الناس في دينه اختيارا وطوعا فاكثر أهل الارض دخلوا في دعوته لما تبين لهم الهدى وانه رسول الله حقا فهؤلاء أهل اليمن كانوا على دين اليهودية أو اكثرهم كما قال النبي صلى الله عليه و سلم لمعاذ لما بعثه الى اليمن انك ستأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم اليه شهادة ان لا اله الا الله وذكر الحديث ثم دخلوا في الاسلام من غير رغبة ولا رهبة وكذلك من اسلم من يهود

(1/12)


المدينة وهم جماعة كثيرون غير عبد الله بن سلام مذكورون في كتب السير والمغازي لم يسلموا رغبة في الدنيا ولا رهبة من السيف بل اسلموا في حال حاجة المسلمين وكثرة اعدائهم ومحاربة أهل الارض لهم من غير سوط ولا نوط بل تحملوا معاداة اقربائهم وحرمانهم نفعهم بالمال والبدن مع ضعف شوكة المسلمين وقلة ذات ايديهم فكان احدهم يعادي اباه وامه واهل بيته وعشيرته ويخرج من الدنيا رغبة في الاسلام لا لرياسة ولا مال بل ينخلع من الرياسة والمال ويتحمل أذى الكفار من ضربهم وشتمهم وصنوف اذاهم ولا يصرفه ذلك عن دينه فان كان كثير من الاحبار والرهبان والقسيسين ومن ذكره هذا السائل قد اختاروا الكفر فقد أسلم جمهور أهل الارض من فرق الكفار ولم يبق الا الاقل بالنسبة الى من أسلم فهؤلاء نصارى الشام كانوا ملء الشام ثم صاروا مسلمين الا النادر فصاروا في المسلمين كالشعرة السوداء في الثور الابيض وكذلك المجوس كانت أمة لا يحصى عددهم الا الله فاطبقوا على الاسلام لم يتخلف منهم الا النادر وصارت بلادهم بلاد اسلام وصار من لم يسلم منهم تحت الجزية والذلة وكذلك اليهود أسلم أكثرهم ولم يبق منهم الا شرذمة قليلة مقطعة في البلاد فقول هذا الجاهل ان هاتين الامتين لا يحصى عددهم الا الله كفروا بمحمد صلى الله عليه و سلم كذب ظاهر وبهت مبين حتى لو كانوا كلهم قد أجمعوا على اختيار الكفر لكانوا في ذلك أسوة قوم نوح وقد أفام فيهم ألف سنة الا خمسين عاما يدعوهم الى الله ويريهم من الآيات ما يقيم حجة الله عليهم وقد أطبقوا على الكفر الا قليلا منهم كما قال تعالى وما آمن معه الا قليل وهم كانوا اضعاف اضعاف هاتين الامتين الكافرتين اهل الغضب وأهل الضلال وعاد اطبقوا على الكفر وهم أمة عظيمة عقلاء حتى استؤصلوا بالعذاب وثمود اطبقوا جميعهم على الكفر بعد رؤية الآية العظيمة التي يؤمن على مثلها البشر ومع هذا فاختاروا الكفر على الايمان كما قال تعالى واما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى وقال تعالى وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان اعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين فهاتان امتان عظيمتان من اكبر الامم قد اطبقتا على الكفر مع البصيرة فامة الغضب والضلال اذ اطبقتا على الكفر فليس ذلك ببدع وهؤلاء قوم فرعون مع كثرتهم قد أطبقوا على جحد نبوة موسى مع تظاهر الآيات الباهرة آية بعد آية فلم يؤمن منهم الا رجل واحد كان يكتم ايمانه وأيضا فيقال للنصارى هؤلاء اليهود مع كثرتهم في زمن المسيح حتى كانوا ملأ بلاد الشام كما قال تعالى وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الارض ومضاربها التي باركنا فيها وكانوا قد أطبقوا على

(1/13)


تكذيب المسيح وجحدوا نبوته وفيهم الاحبار والعباد والعلماء حتى آمن به الحواريون فاذا جاز على اليهود وفيهم الاحبار والعباد والزهاد وغيرهم الاطباق على جحد نبوة المسيح والكفر به مع ظهور آيات صدقه كالشمس جاز عليهم انكار نبوة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ومعلوم ان جواز ذلك على أمة الضلال الذين هم أضل من الانعام وهم النصارى أولى وأحرى فهذا السؤال الذي اورده هذا السائل وارد بعينه في حق كل نبي كذبته امة من الامم فان صوب هذا السائل رأى تلك الامم كلها فقد كفر بجميع الرسل وان قال ان الانبياء كانوا على الحق وكانت تلك الامم مع كثرتها ووفور عقولها على الباطل فلأن يكون المكذبون بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم وهم الاقلون الاذلون الارذلون من هذه الطوائف على الباطل أولى واحرى واي امة من الامم اعتبرتها وجدت المصدقين بنبوة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم جمهورها واقلها واراذلها هم الجاحدون لنبوته فرقعة الاسلام قد اتسعت في مشارق الارض ومغاربها غاية الاتساع بدخول هذه الامم في دينه وتصديقهم برسالته وبقي من لم يدخل منهم في دينه وهم من كل أمة اقلها وأين يقع النصارى المكذبون برسالته اليوم من أمة النصرانية الذين كانوا قبله وكذلك اليهود والمجوس والصابئة لا نسبة للمكذبين برسالته بعد بعثه الى جملة تلك الامة قبل بعثه وقد أخبر تعالى عن الامم التي اطبقت على تكذيب الرسل ودمرها الله تعالى فقال تعالى ثم أرسلنا رسلنا تترا كلما جاء أمة رسولها كذبوه فاتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون فأخبر عن هؤلاء الامم انهم تطابقوا على تكذيب رسلهم وانه عمهم بالاهلاك وقال تعالى كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول الا قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به بل هم قوم طاغون ومعلوم قطعا ان الله تعالى لم يهلك هذه الامم الكثيرة الا بعد ما تبين لهم الهدى فاختاروا عليه الكفر ولم لم يتبين لهم الهدى لم يهلكهم كما قال تعالى وما كنا مهلكي القرى الا وأهلها ظالمون وقال تعالى فلو لا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها الا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم الى حين أي فلم يكن قرية آمنت فنفعها ايمانها الا قوم يونس ومعلوم قطعا انه لم يصدق نبي من الانبياء من أولهم الى آخرهم ولم يتبعه من الامم ما صدق محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم والذين اتبعوه من الامم أضعاف هاتين الامتين المكذبتين مما لا يحصيهم الا الله ولا يستريب من له مسكة من عقل أن الضلال والجهل والغي وفساد العقل الى من خالفه وجحد نبوته أقرب منه الى اتباعه ومن أقر بنبوته وحينئذ فيقال كيف جاز على هؤلاء الامم التي لا يحصيها

(1/14)


الا الله الذين قد بلغوا مشارق الارض ومغاربها على اختلاف طبائعهم وأغراضهم وتباين مقاصدهم الاطباق على اتباع من يكذب على الله وعلى رسله وعلى العقل ويحل ما حرم الله ورسله ويحرم ما احله الله ورسله ومعلوم ان الكاذب على الله في دعوى الرسالة وهو شر خلق الله وافجرهم وأظلمهم واكذبهم ولا يشك من له أدنى عقل ان إطباق أكثر الامم على متابعة هذا النبي محمد صلى الله عليه و سلم وخروجهم عن ديارهم وأموالهم ومعاداتهم أباءهم وأبناءهم وعشائرهم في متابعته وبذلهم نفوسهم بين يديه من أمحل المحال فتجويز اختيارهم الكفر بعد تبين الهدى على شرذمة قليلة حقيرة لها أغراض عديدة من هاتين الامتين أولى من تجويز ذلك على المسلمين الذين طبقوا مشارق الارض ومغاربها وهم أعقل الامم وأكملها في جميع خصال الفضل
واين عقول عباد العجل وعباد الصليب الذين أضحكوا سائر العقلاء على عقولهم ودلوهم على مبلغها بما قالوه في معبودهم من عقول المسلمين واذا جاز اتفاق أمة فيها من قد ذكره هذا السائل على أن رب العالمين وخالق السموات والارضين نزل عن عرشه وكرسي عظمته ودخل في بطن امرأة في محل الحيض والطمث عدة شهور ثم خرج من فرجها طفلا يمص الثدي ويبكي ويكبر شيئا فشيئا ويأكل ويشرب ويبول ويصح ويمرض ويفرح ويحزن ويلذ ويألم ثم دبر حيلة على عدوه إبليس بأن مكن أعداءه اليهود من نفسه فأمسكوه وساقوه الى خشبتين يصلبونه عليهما وهم يجرونه الى الصلب والأوباش الاراذل قدامه وخلفه وعن يمينه وعن يساره وهو يستغيث ويبكي فقربوه من الخشبتين ثم توجوه بتاج من الشوك واوجعوه صفعا ثم حملوه على الصليب وسمروا يديه ورجليه وجعلوه بين لصين وهو الذي اختار هذا كله لتتم له الحيلة على ابليس ليخلص آدم وسائر الانبياء من سجنه ففداهم بنفسه حتى خلصوا من سجن ابليس واذا جاز اتفاق هذه الامة وفيهم الاحبار والرهبان والقسيسون والزهاد والعباد والفقهاء ومن ذكرتم على هذا القول في معبودهم والههم حتى قال قائل منهم وهو من اكابرهم عندهم اليد الذي خلقت آدم هي التي باشرت المسامير ونالت الصلب فكيف لا يجوز عليهم الاتفاق على تكذيب من جاء بتكفيرهم وتضليلهم ونادى سرا وجهرا بكذبهم على الله وشتمهم له أقبح شتم وكذبهم على المسيح وتبديلهم دينه وعاداهم وقاتلهم وبرأهم من المسيح وبرأه منهم وأخبر أنهم وقود النار وحصب جهنم فهذا احد الاسباب التي اختاروا لاجلها الكفر على الايمان وهو من أعظم الاسباب فقولكم ان المسلمين يقولون انهم لم يمنعهم من الدخول في الاسلام الا الرياسة والمأكلة لا غير كذب على المسلمين بل الرياسة والمأكلة من جملة الاسباب المانعة لهم من الدخول في

(1/15)


الدين وقد ناظرنا نحن وغيرنا جماعة منهم فلما تبين لبعضهم فساد ما هم عليه قالوا لو دخلنا في الاسلام لكنا من أقل المسلمين لا يأبه لنا ونحن متحكمون في أهل ملتنا في أموالهم ومناصبهم ولنا بينهم أعظم الجاه وهل منع فرعون وقومه من اتباع موسى الا ذلك الاسباب المانعة من قبول الحق
اعتراف ابي جهل بنبوة محمد
والاسباب المانعة من قبول الحق كثيرة جدا فمنها الجهل به وهذا السبب هو الغالب على أكثر النفوس فان من جهل شيئا عاداه وعادى أهله فان انضاف الى هذا السبب بغض من امره بالحق ومعاداته له وحسده كان المانع من القبول أقوى فان انضاف الى ذلك ألفه وعادته ومرباه على ما كان عليه آباؤه ومن يحبه ويعظمه قوى المانع فان انضاف الى ذلك توهمه ان الحق الذي دعي اليه يحول بينه وبين جاهه وعزه وشهواته واغراضه قوى المانع من القبول جدا فان انضاف الى ذلك خوفه من أصحابه وعشيرته وقومه على نفسه وماله وجاهه كما وقع لهرقل ملك النصارى بالشام على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ازادد المانع من قبول الحق قوة فان هرقل عرف الحق وهم بالدخول في الاسلام فلم يطاوعه قومه وخافهم على نفسه فاختار الكفر على الاسلام بعد ما تبين له الهدى كما سيأتي ذكر قصته ان شاء الله تعالى
ومن أعظم هذه الاسباب الحسد فانه داء كامن في النفس ويرى الحاسد المحسود قد فضل عليه وأوتي ما لم يؤت نظيره فلا يدعه الحسد ان ينقاد له ويكون من اتباعه وهل منع ابليس من السجود لآدم الا الحسد فانه لما رآه قد فضل عليه ورفع فوقه غص بريقه واختار الكفر على الايمان بعد إن كان بين الملائكة وهذا الداء هو الذي منع اليهود من الايمان بعيسى ابن مريم وقد علموا علما لا شك فيه أنه رسول الله جاء بالبينات والهدى فحملهم الحسد على ان اختاروا الكفر على الايمان وأطبقوا عليه وهم أمة فيهم الاحبار والعلماء والزهاد والقضاة والامراء هذا وقد جاء المسيح بحكم التوراة لم يات بشريعة يخالفها ولم يقاتلهم وانما اتي بتحليل بعض ما حرم عليهم تخفيفا ورحمة واحسانا وجاء مكملا لشريعة التوراة ومع هذا فاختاروا كلهم الكفر على الايمان فكيف يكون حالهم مع نبي جاء بشريعة مستقلة ناسخة لجميع الشرائع مبكتا له بقبائحم ومناديا على فضائحهم ومخرجا لهم من ديارهم وقد قاتلوه وحاربوه وهو في ذلك كله ينصر

(1/16)


عليهم ويظفر بهم ويعلو هو واصحابه وهو معه دائما في سفال فكيف لا يملك الحسد والبغي قلوبهم وأين يقع حالهم معه من حالهم مع المسيح وقد اطبقوا على الكفر به من بعد ما تبين لهم الهدي وهذا السبب وحده كاف في رد الحق فكيف اذا انضاف اليه زوال الرياسات والمأكل كما تقدم
وقد قال المسور بن مخرمة وهو ابن أخت أبي جهل لابي جهل يا خالي هل كنتم تتهمون محمدا بالكذب قبل أن يقول ما قال فقال يا ابن اختي والله لقد كان محمد صلى الله عليه و سلم فينا وهو شاب يدعى الامين فما جربنا عليه كذبا قط قال يا خال فما لكم لا تتبعونه قال يا ابن اختي تنازعنا نحن وبنوا هاشم الشرف فاطعموا واطعمنا وسقوا وسقينا واجاروا وأحرنا حتى اذا تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا منا نبي فمتى ندرك مثل هذه وقال الاخنس بن شريق يوم بدر لابي جهل يا أبا الحكم اخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب فانه ليس ها هنا من قريش احد غيرى وعيرك يسمع كلامنا فقال أبو جهل ويحك والله ان محمدا لصادق وما كذب محمد قط ولكن اذا ذهبت بنو قصي باللواء والحجابة والسقاية والنبوة فماذا يكون لسائر قريش
علماء اليهود يعرفون النبي كما يعرفون ابناءهم
وأما اليهود فقد كان علماؤهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم قال ابن اسحق حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن شيخ من بني قريظة قال هل تدري عما كان اسلام اسد وثعلبة ابني شعبة واسد بن عبيد لم يكونوا من بني قريظة ولا النضير كانوا فوق ذلك فقلت لا قال فانه قدم علينا رجل من الشام من اليهود يقال له ابن الهيبان فاقام عندنا والله ما رأينا رجلا يصلى خيرا منه فقدم علينا قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه و سلم بسنتين فكنا اذا قحطنا وقل علينا المطر نقول يا ابن الهيبان اخرج فاستسق لنا فيقول لا والله حتى تقدموا أمام مخرجكم صدقة فنقول كم فيقول صاع من تمر او مدين من شعير فنخرجه ثم يخرج الى ظاهر حرتنا ونحن معه نستسقي فوالله ما يقوم من مجلسه حتى تمطر ويمر بالشعاب قد فعل ذلك غير مرة ولا مرتين ولا ثلثة فحضرته الوفاة واجتمعنا اليه فقال يا معشر يهود اترون ما اخرجني من ارض الخمر والخمير الى ارض البؤس والجوع قالوا أنت اعلم قال فاني انما خرجت اتوقع خروج نبي قد اظل زمانه هذه البلاد مهاجره فاتبعوه ولا يسبقن اليه غيركم اذا خرج يا معشر اليهود فانه يبعث بسفك الدماء وسبي الذراري والنساء ممن يخالفه فلا يمنعكم ذلك منه ثم

(1/17)


مات فلما كانت الليلة التي فتحت فيها قريظة قال اولئك الثلاثة الفتية وكانوا شبانا احداثا يا معشر اليهود والله انه للذي ذكر لكم ابن الهيبان فقالوا ما هو به قالوا بلى والله انه لصفته ثم نزلوا واسلموا وخلوا اموالهم واهليهم قال ابن اسحق وكانت اموالهم في الحصن مع المشركين فلما فتح ردت عليهم وقال ابن اسحق حدثني صالح بن ابراهيم بن عبد الرحمن ابن عوف عن محمود بن لبيد قال كان بين ابياتنا يهودي فخرج على نادي قومه بنى عبد الاشهل ذات غداة فذكر البعث والقيامة والجنة والنار والحساب والميزان فقال ذلك لاصحاب وثن لا يرون ان بعثا كائن بعد الموت وذلك قبيل مبعث النبي صلى الله عليه و سلم فقالوا ويحك يا فلان وهذا كائن ان الناس يبعثون بعد موتهم الى دار فيها جنة ونار ويجزون بأعمالهم قال نعم والذي يحلف به لوددت ان حظي من تلك النار ان توقدوا أعظم تنور في داركم فتحمونه ثم تقذفوني فيه ثم تطبقون على وانى انجو من النار غدا فقيل يا فلان ما علامة ذلك قال نبي يبعث من ناحية هذه البلاد وأشار بيده نحو مكة واليمن قالوا فمتى نراه فرمى بطرفه فرأني وأنا مضطجع بفناء باب أهلي وانا أحدث القوم فقال ان يستنفذ هذا الغلام عمره يدركه فما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله رسوله صلى الله عليه و سلم وانه لحي بين أظهرنا فآمنا به وصدقناه وكفر به بغيا وحسدا فقلنا يا فلان ألست الذي قلت ما قلت وأخبرتنا به قال ليس به قال ابن اسحق وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال حدثني اشياخ منا قالوا لم يكن احد من العرب اعلم بشأن رسول الله صلى الله عليه و سلم منا كان معنا يهود وكانوا أهل كتاب وكنا أصحاب وثن وكنا اذا بلغنا منهم ما يكرهون قالوا ان نبيا مبعوثا الآن قد أظل زمانه نتبعه فنقتلكم قتل عاد وإرم فلما بعث الله عز و جل رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم اتبعناه وكفروا به ففينا وفيهم أنزل الله عز و جل وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين وذكر الحاكم وغيره عن ابن أبي نجيح عن على الازدي قال كانت اليهود تقول اللهم ابعث لنا هذا النبي يحكم بيننا وبين الناس وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما كانت يهود خيبر تقاتل عطفان فلما التقوا هزمت يهود خيبر فعاذت اليهود بهذا الدعاء فقالت اللهم انا نسألك بحق محمد النبي الامي الذي وعدتنا ان تخرجه لنا في آخر الزمان الا نصرتنا عليهم قال فكانوا اذا التفوا دعوا بهذا الدعاء فهزموا عطفان فلما بعث النبي صلى الله عليه و سلم كفروا به فانزل الله عز و جل وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا يعني بك يا محمد فلعنة الله على الكافرين ويستفتحون أي يستنصرون وذكر الحاكم وغيره ان بني النضير لما اجلوا من المدينة أقبل عمرو بن

(1/18)


سعد فاطاف بمنازلهم قرأى خرابها ففكر ثم رجع الى بني قريظة فوجدهم في الكنيسة فنفخ في بوقهم فاجتمعوا فقال الزبير بن باطا يا أبا سعيد أين كنت منذ اليوم فلم نرك وكان لا يفارق الكنيسة وكان يتاله في اليهودية قال رأيت اليوم عبرا اعتبرنا بها رأيت اخواننا قد جلوا بعد ذلك العز والجلد والشرف الفاضل والعقل البارع بد تركوا اموالهم وملكها غيرهم وخرجوا خروج ذل ولا والتوراة ما سلط هذا على قوم قط لله بهم حاجة وقد أوقع قبل ذلك بابن الاشرف في عزة بنيانه في بيته آمنا واوقع بابن سنينة سيدهم واوقع ببني قينقاع فاجلاهم وهم جل اليهود وكانوا أهل عدة وسلاح ونجدة فحصرهم النبي عليه السلام فلم يخرج انسان منهم رأسه حتى سباهم فكلم فيهم فتركهم على ان أجلاهم من يثرب يا قوم قد رأيتم ما رأيتم فاطيعوني وتعالوا نتبع محمد فوالله أنكم لتعلمون انه نبي وقد بشرنا به وبأمره ابن الهيبان وأبو عمرو بن حواس وهما أعلم اليهود جاء من بيت المقدس يتو كفان قدومه وامرانا باتباعه وأمرانا أن نقرئه منهما السلام ثم ماتا على دينهما ودفناهما بحرتنا فاسكت القوم فلم يتكلم منهم متكلم فاعاد هذا الكلام ونحوه وخوفهم بالحرب والسباء والجلاء فقال الزبير بن باطا قد والتوراة قرأت صفته في كتاب التوراة التي انزلت على موسى ليس في المثاني التي أحدثنا فقال له كعب بن أسد ما يمنعك يا أبا عبد الرحمن من اتباعه قال أنت قال ولم فوالتوراة ما حلت بينك وبينه قط قال الزبير بل أنت صاحب عهدنا وعقدنا فان اتبعته اتبعناه وان أبيت أبينا فاقبل عمرو بن سعد على كعب فذكر ما تقاولا في ذلك الى أن قال كعب ما عندي في ذلك الا ما قلت ما تطيب نفسي أن أصير تابعا وهذا المانع هو الذي منع فرعون من اتباع موسى فانه لما تبين له الهدى عزم على اتباع موسى عليه السلام فقال له وزيره هامان بينا أنت اله تعبد تصبح تعبد ربا غيرك قال صدقت وذكر ابن اسحق عن عبد الله بن أبي بكر قال حدثت عن صفية بنت حيي أنها قالت كنت أحب ولد ابي اليه والى عمي ابي ياسر فلما قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة غدوا عليه ثم جاءا من العشي فسمعت عمي يقول لابي أهو هو قال نعم والله قال اتعرفه وتثبته قال نعم قال فما في نفسك منه قال عداوته والله ما بقيت فهذه الامة الغضبية معروفة بعداوة الانبياء قديما واسلافهم وخيارهم قد اخبرنا الله سبحانه عن اذاهم لموسى ونهانا عن التشبه بهم في ذلك فقال يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها وأما خلفهم فهم قتلة الانبياء قتلوا زكريا وابنه يحي وخلقا كثيرا من الانبياء حتى قتلوا في يوم سبعين نبيا واقاموا السوق في آخر النهار كأنهم لم يصنعوا شيئا واجتمعوا على قتل المسيح وصلبه فصانه الله من

(1/19)


ذلك وإكرمه أن يهينه على أيديهم وألقى شهبه على غيره فقتلوه وصلبوه وراموا قتل خاتم النبيين مرارا عديدة والله يعصمه منهم ومن هذا شأنهم لا يكبر عليهم اختيار الكفر على الإيمان لسبب من الأسباب التي ذكرنا بعضها أو سببين أو أكثر لا غرابة في جحد النصارى رسالة محمد وقد سبوا الله
وقد ذكرنا اتفاق أمة الضلال وعباد الصليب على مسبة رب العالمين أقبح مسبة على ما يعلم بطلانه بصريح العقل فإن خفي عليهم أن هذا مسبة الله وأن العقل يحكم ببطلانه وبفساده من أول عليه
وقد ذكرنا اتفاق أمة الضلال وعباد الصليب على مسبة رب العالمين أقبح مسبة على ما يعلم بطلانه بصريح العقل فإن خفي عليهم أن هذا مسبة لله وأن العقل يحكم ببطلانه وبفساده من أول
وهلة لم يكثر على تلك العقول السخيفة أن تسب بشرا أرسله الله وتجحد نبوته وتكابر ما دل عليه صريح العقل من صدقه وصحة رسالته فلو قالوا فيه ما قالوا لم يبلغ بعض قولهم في رب الأرض والسموات الذي صاروا به ضحكة بين جميع أصناف بني آدم فأمه أطبقت على أن الإله الحق سبحانه عما يقولون صلب وصفع وسمر ووضع الشوك على رأسه ودفن في التراب ثم قام في اليوم الثالث وصعد على عرشه يدبر أمر السموات والأرض لا يكثر عليها أن تطبق على جحد نبوة من جاء بسبها ولعنها ومحاربتها وإبداء معايبها والنداء على كفرها بالله ورسوله والشهادة على براءة المسيح منها ومعاداته لها ثم قاتلها وأذلها وأخرجها من ديارها وضرب عليها الجزية وأخبر أنها من أهل الجحيم خالدة مخلدة لا يغفر الله لها وأنها شر من الحمير بل هي شر الدواب عند الله ألوان من سخافة النصارى في الصليب
وكيف ينكر لأمة أطبقت على صلب معبودها وإلاهها ثم عمدت إلى الصليب فعبدته وعظمته وكان ينبغي لها أن تحرق كل صليب تقدر على إحراقه وأن تهينه غاية الإهانة إذ صلب عليه إلاهها الذي يقولون تارة أنه الله وتارة يقولون أنه ابنه وتارة يقولون ثالث ثلاثة فجحدت حق خالقها وكفرت به اعظم كفر وسبته اقبح مسبة أن تجحد حق عبده ورسوله وتكفر به وكيف يكثر على أمة قالت في رب الأرض والسموات أنه ينزل من السماء ليكلم الخلق بذاته لئلا يكون لهم حجة عليه فأراد ان يقطع حجتهم بتكليمه لهم بذاته لترفع المعاذير عمن ضيع عهده بعد ما كلمه بذاته فهبط بذاته من السماء والتحم في بطن مريم فأخذ منها حجابا وهو مخلوق من طريق الجسم وخالق من طريق النفس وهو الذي خلق أمه وأمه

(1/20)


كانت من قبله بالناسوت وهو كان من قبلها باللاهوت وهو الإله التام والإنسان التام ومن تمام رحمته تبارك وتعالى على عباده رضي بإراقة دمه عنهم على خشبة الصليب فمكن أعداءه اليهود من نفسه ليتم سخطه عليهم فأخذوه وصلبوه وصفعوه وبصقوا في وجهه وتوجوه بتاج من الشوك على رأسه وغار دمه لأنه لو وقع منه شيء إلى الأرض ليبس كلما كان على وجهها فثبت في موضع صلبه النوار ولما لم يكن في الحكمة الأزلية أن ينتقم الله من عبده العاصي الذي ظلمه أو استهان بقدره لاعتلاء منزلة الرب وسقوط منزلة العبد أراد سبحانه أن ينتصف من الإنسان الذي هو إله مثله فانتصف من خطيئة آدم بصلب عيسى المسيح الذي هو إله مساو له في الالهية فصلب ابن الله الذي هو الله في الساعة التاسعة من يوم الجمعة هذه ألفاظهم في كتبهم فأمة أطبقت على هذا في معبودها كيف يكثر عليها أن تقول في عبده ورسوله أنه ساحر وكاذب وملك مسلط ونحو هذا
ولهذا قال بعض ملوك الهند أما النصارى فإن كان اعداؤهم من أهل الملل يجاهدونهم بالشرع فأنا أرى جهادهم بالعقل وإن كنا لا نرى قتال أحد لكني أستثني هؤلاء القوم من جميع العالم لأنهم قصدوا مضادة العقل وناصبوه العدواة وشذوا عن جميع مصالح العالم الشرعية والعقلية الواضحة واعتقدوا كل مستحيل ممكنا وبنوا من ذلك شرعا لا يؤدي إلى صلاح نوع من أنواع العالم ولكنه يصير العاقل إذا شرع به أخرق والرشيد سفيها والحسن قبيحا والقبيح حسنا لأن من كان في أصل عقيدته التي جرى نشؤه عليها الإساءة إلى الأخلاق والنيل منه وسبه أقبح مسبة ووصفه بما يغير صفاته الحسنى فأخلق به أن يستسهل الإساءة إلى مخلوق وإن يصفه بما يغير صفاته الجميلة فلو لم تجب مجاهدة هؤلاء القوم إلا العموم إضرارهم التي لا تحصى وجهه كما يجب قتل الحيوان المؤذي بطبعه لكانوا أهلا لذلك
والمقصود أن الذين اختاروا هذه المقالة في رب العالمين على تعظيمه وتنزيهه وإحلاله ووصفه بما يليق به هم الذين اختاروا بعبده ورسوله وجحد نبوته والذين اختاروا عبادة صور خطوها بأيديهم في الحيطان مزوقة بالأحمر والأصفر والازرق لو دنت منها الكلاب لبالت عليها فأعطوها غاية الخضوع والذل والخشوع والبكاء وسألوها المغفرة والرحمة والرزق والنصر هم الذين اختاروا التكذيب بخاتم الرسل على الإيمان به وتصديقه واتباعه والذين نزهوا بطارقتهم وبتاركتهم عن الصاحبة والولد ونحلوهما للفرد الصمد هم الذين أنكروا نبوة عبده وخاتم رسله

(1/21)


صلاة النصارى استهزاء بالمعبود
والذين اختاروا صلاة يقوم أعبدهم وأزهدهم إليها والبول على ساقه وأفخاذه فيستقبل الشرق ثم يصلب على وجهه ويعبد الإله المصلوب ويستفتح الصلاة بقوله يا أبانا أنت الذي في السموات تقدس اسمك وليأت ملكك ولتكن إرادتك في السماء مثلها في الأرض أعطنا خبزنا الملايم لنا ثم يحدث من هو الى جانبه وربما سال عن سعر الخمر والخنزير وعما كسب في القمار وعما طبخ في بيته وربما سأل عن سعر الخمر والخنزير وعما كسب في القمار وعما طبخ في بيته وربما أحدث وهو في صلاته ولو أراد لبال في موضعه أن أمكنه ثم يدعو تلك الصورة التي هي صنعتة يد الإنسان فالذين اختاروا هذه الصلاة من إذا قام إلى صلاته طهر أطرافه وثيابه وبدنه من النجاسة واستقبل بيته الحرام وكبر الله وحمده وسبحه واثنى عليه بما هو اهله ثم ناجاه بكلامه المتضمن لا فضل الثناء عليه وتحميده وتمجيده وتوحيده وافراده بالعبادة والاستعانة وسؤاله اجل مسئول وهو الهداية الى طريق رضاه التي خص بها من انعم الله عليه دون طريق الامتين المغضوب عليهم وهم اليهود والضالين وهم النصارى ثم اعطى كل جارحة من الجوارح حظها من الخشوع والخضوع والعبودية مع غاية الثناء والتمجيد لله رب العالمين لا يلتفت عن معبوده بوجهه ولا قلبه ولا يكلم أحدا كلمة بل قد فرغ قلبه لمعبوده ولا يحدث في صلاته ولا يجعل بين عينيه صورة مصنوعة يدعوها ويتضرع اليها فالذين اختاروا تلك الصلاة التي هي في الحقيقة استهزاء بالمعبود لا يرضاها المخلوق لنفسه فضلا أن يرضى بها الخالق على هذه الصلاة التي لو عرضت على من له أدنى مسكة من عقل لظهر له التفاوت بينهما هم الذين اختاروا تكذيب رسوله وعبده على الايمان به وتصديقه فالعاقل اذا وازن بين ما اختاروه ورغبوا فيه وبين ما رغبوا عنه تبين له ان القوم اختاروا الضلالة على الهدى والغي على الرشاد والقبيح على الحسن والباطل على الحق وانهم اختاروا من العقائد ابطلها ومن الاعمال اقبحها واطبق على ذلك اساقفتهم وبتاركتهم ورهبانهم فضلا عن عوامهم وسقطهم أكثر النصارى مقلدون
فصل ولم يقل احد من المسلمين ان ما ذكرتم من صغير وكبير وذكر وانثى وحر وعبد وراهب وقسيس وكلهم تبين له الهدى بل اكثرهم جهال بمنزلة الدواب السائمة معرضون عن طلب الهدي فضلا عن تبيينه لهم وهم مقلدون لرؤسائهم وكبرائهم

(1/22)


علمائهم وهم اقل القليل وهم الذين اختاروا الكفر على الايمان بعد تبين الهدى وأي اشكال يقع للعقل في ذلك فلم يزل في الناس من يختار الباطل فمنهم من يختاره جهلا وتقليدا لمن يحسن الظن به ومنهم من يختاره مع علمه ببطلانه كبرا وعلوا ومنهم من يختاره طمعا ورغبة في مأكل أو جاه أو رياسة ومنهم من يختاره حسدا وبغيا ومنهم من يختاره محبة في صورة وعشقا ومنهم من يختاره خشية ومنهم من يختاره راحة ودعة فلم تنحصر اسباب اختبار الكفر في حب الرياسة والمأكلة من آمن بالنبي من رؤساء الناصى
فصل وأما المسألة الثانية وهي قولكم هب أنهم اختاروا الكفر لذلك فهل لا اتبع الحق من لا رياسة له ولا مأكلة اما اختبارا واما قهرا فجوابه من وجوه
أحدها انا قد بينا ان أكثر من ذكرتم قد آمن بالرسول وصدقه اختيارا لا اضطرارا وأكثرهم اولوا العقول والاحلام والعلوم ممن لا يحصيهم الا الله فرقعة الاسلام انما انتشرت في الشرق والغرب باسلام اكثر الطوائف فدخلوا في دين الله افواجا حتى صار الكفار معهم تحت الذلة والصغار وقد بينا ان الذين اسلموا من اليهود والنصارى والمجوس والصابئين أكثر من الذين لم يسلموا وانه انما بقي منهم أقل القليل وقد دخل في دين الاسلام من ملوك الطوائف ورؤسائهم في حياة رسول الله صلى الله عليه و سلم خلق كثير وهذا ملك النصارى علىإقليم الحبشة في زمن النبي صلى الله عليه و سلم لما تبين له انه رسول الله آمن به دخل في دينه وآوى اصحابه ومنعهم من أعدائهم وقصته اشهر من أن تذكر ولما مات اعلم رسول الله صلى الله عليه و سلم اصحابه بالساعة التي توفي فيها وبينهما مسيرة شهر ثم خرج بهم الى المصلى وصلى عليه فروي الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام المخزومي عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه و سلم قالت لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي أمنا على ديننا وعبدنا الله لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا على أن يبعثوا الى التجاشي هدايا مما يستظرف من متاع مكة وكان من أعجب ما يأتيه منها الادم فجمعوا له أدما كثيرا ولم يتركوا من بطارته بطريقا الا أهدوا له هدية ثم بعثوا بذلك مع عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي وعمرو بن العاص وأمروهما أمرهم وقالوا لهما ادفعا الى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا النجاشي فيهم ثم قدموا الى النجاشي هداياه ثم سلوه أن يسلمهم اليكم قبل أن يكلمهم قالت فخرجنا فقدما على النجاشي ونحن عنده بخير دار وعند خير جوار فلم يبق من بطارقته بطريق الا دفعا اليه هديته

(1/23)


قبل ان بكلما النجاشي ثم قالا لكل بطريق انه قد صبا الى بلد الملك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم وجاؤا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا انتم وقد بعثنا اليك فيهم أشراف قومهم من ابائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم اليهم فاذا كلمنا الملك فيهم فاشيروا عليه بان يسلمهم الينا ولا يكلمهم فان قومهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم فقالوا نعم ثم إنهما قربا هداياهم الى النجاشي فقبلها منهم ثم كلماه فقالا له أيها الملك انه قد صبا الى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك وجاؤا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت وقد بعثنا اليك فيهم اشراف قومهم من أبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم اليهم فهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه قالت ولم يكن شيء أبغض الى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع النجاشي كلامهم فقالت بطارقته حوله صدقوا أيها الملك قومهم اعلى بهم عينا واعلم بما عابوا عليهم فاسلمهم اليهما ليردوهم الى بلادهم وقومهم قالت فغضب النجاشي ثم قال لا ها الله اذن لا أسلمهم اليهما ولا أكاد اقوام جاوروني نزلوا ببلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوهم فاسئلهم ما يقول هذان في أمرهم فان كانوا كما يقولان أسلمتهم اليهما ورددتهم الى قومهم وان كانوا على غير ذلك منعتهم منهما واحسنت جوارهم ما جاوروني قالت ثم أرسل الى أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم فدعاهم فلما جاءهم رسوله اجتمعوا ثم قال بعضهم لبعض ما تقولون للرجل اذا جئتموه قالوا نقول والله ما علمنا وما امرنا به نبينا صلى الله عليه و سلم كائنا في ذلك ما هو كائن فلما جاؤه وقد دعا النجاشي اساقفته فنشروا مصاحفهم حوله سألهم فقال ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا دين احد من هذه الامم قالت وكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب فقال له أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الاصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الارحام ونسيء الجوار يأكل القوي منا الضعيف فكنا على ذلك حتى بعث الله الينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وامانته وعفافه فدعانا الى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والاوثان وامرنا بصدق الحديث واداء الامانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش وقول الزور واكل مال اليتيم وقذف المحصنة وامرنا ان نعبد الله لا نشرك به شيئا وامرنا بالصلاة والزكاة والصيام قالت فعدد عليه امور الاسلام فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به فعبدنا الله وحده ولم نشرك به شيئا وحرمنا ما حرم علينا وأحللنا ما أحل لنا

(1/24)


فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا الى عبادة الاوثان من عبادة الله عز و جل وان نستحل ما كنا نستحل من الخبائث فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا حرجنا الى بلدك واخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك ورجونا ان لا نظلم عندك ايها الملك قالت فقال النجاشي هل معك مما جاء به عن الله من شيء قالت فقال له جعفر نعم فقال له النجاشي فاقرأه على فقرأ عليه صدرا من كهيعص قالت فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته وبكت اساقفته حتى اخضلو مصاحفهم حين سمعوا ما تلى عليهم ثم قال النجاشي إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة انطلقوا فوالله لا اسلمهم اليكم ابدا ولا اكاد قالت ام سلمة فلما خرجنا من عنده قال عمر بن العاص والله لآتينه غدا أعيبهم عنده بما استأصل به خصراءهم قالت فقال عبد الله بن أبي ربيعة وكان ابقى الرجلين فينا لا تفعل فان لهم ارحاما وان كانوا قد خالفونا قال والله لاخبرنه أنهم يزعمون ان عيسى بن مريم عبد قالت ثم غدا عليه من الغد فقال له ايها الملك انهم يقولون في عيسى بن مريم قولا عظيما فارسل اليهم فأسألهم عما يقولون فبه قالت فأرسل اليهم فسئلهم عنه قالت ولم ينزل بنا مثلها فاجتمع القوم فقال بعضهم لبعض ما تقولون في عيسى اذا سألكم عنه قالوا نقول والله فيه ما قال الله عز و جل وما جاء به بيننا كائنا في ذلك ما هو كائن فلما دخلوا عليه قال لهم ما تقولون في عيسى بن مريم فقال له جعفر بن أبي طالب نقول فيه الذي جاء به نبينا هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته التي القاها الى مريم العذراء البتول وروح منه فضرب النجاشي يده الى الارض فأخذ منها عودا ثم قال ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العود فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال فقال وإن نخرتم وان نخرتم والله اذهبوا فانتم سيوم بأرضي والسيوم الآمنون من سبكم غرم من سبكم غرم ما أحب ان لي دبر ذهب واني أذيت رجلا منكم والدبر بلسان الحبشة الجبل ردوا عليهما هداياهما ولا حاجة لي بها فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي فأخذ الرشوة فيه وما أطاع الناس في فاطيعهم فيه قالت فخرجا من عنده مقبوحين مردودا عليهما ما جاؤا به واقمنا عنده بخير دار مع خير جار قالت فوالله انا لعلى ذلك اذ نزل به رجل من الحبشة ينازعه في ملكه قالت فوالله ما علمنا حزنا قط كان اشد من حزن حزناه عند ذلك تخوفا ان يظهر على النجاشي فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف منه قالت فسار النجاشي وبينهما عرض النيل فقال اصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم من رجل يخرج حتى يحضر وقعة القوم حتى يأتينا بالخبر قالت فقال الزبير انا وكان من احدث القوم سنا قالت فنفخوا له قربة

(1/25)


فجعلها في صدره ثم سبح عليها حتى خرج الى ناحية النيل التي بها ملتقى القوم ثم انطلق حتى حضرهم قالت ودعونا الله للنجاشي بالظهور على عدوه والتمكين له في بلاده فاستوسق له امر الحبشة فكنا عنده في خير منزل حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه و سلم فلما كان شهر ربيع الاول سنة سبع من الهجرة كتب رسول الله صلى الله عليه و سلم الى النجاشي كتابا بدعوه فيه الى الاسلام وبعث به مع عمروا بن امية الضمري فلما قرىء عليه الكتاب اسلم وقال لو قدرت على أن آتيه لاتيته وكتب اليه رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يزوجه ام حبيبة بنت أبي سفيان ففعل وأصدق عنه اربعمائة دينار وكان الذي تولى التزويج خالد بن سعيد بن العاص بن أمية وكتب اليه رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يبعث اليه من بقي عنده من اصحابه ويحملهم ففعل فقدموا المدينة فوجدوا رسول الله صلى الله عليه و سلم بخيبر فشخصوا اليه فوجدوه قد فتح خيبر فكلم رسول الله صلى المسلمين أن يدخلوهم في سهامهم ففعلوا فهذا ملك النصارى قد صدق رسول الله صلى الله عليه و سلم وآمن به واتبعه وكم مثله ومن هو دونه ممن هداه الله من النصارى قد دخل في الدين وهم اكثر باضعاف مضاعفة ممن اقام على النصرانية
قال ابن اسحق وقدم على رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو بمكة وعشرون رجلا أو قريبا من ذلك من النصارى حين بلغهم خبره من الحبشة فوجدوه في المسجد فجلسوا اليه وكلموه وقبالتهم رجال من قريش في انديتهم حول الكعبة فلما فرغوا من مسئلة رسول الله صلى الله عليه و سلم عما أرادوا دعاهم رسول الله صلى الله عليه و سلم لي الله وتلا عليهم القرآن فلما سمعوه فاضت أعينهم من الدمع ثم استجابوا له وآمنوا به وصدقوه وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره فلما قاموا عنه اعترضهم ابو جهل ابن هشام في نفر من قريش فقالوا لهم خيبكم الله من ركب بعثكم من روائكم من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل فلم تظمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه بما قال ما نعلم ركبا أحمق منكم أو كما قالوا فقالوا لهم سلام عليكم لانجاهلكم لنا ما نحن عليه ولكم ما أنتم عليه لم نأل من أنفسنا خيرا ويقال ان النفر من النصارى من أهل نجران ويقال فيهم نزلت الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون واذا يتلى عليهم قالوا آمنا به انه الحق من ربنا الى قوله سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين وقال الزهري ما زلت أسمع من علمائنا أنهن نزلن في النجاشي وأصحابه

(1/26)


قال ابن اسحق ووفد على رسول الله صلى الله عليه و سلم وقد نصارى نجران بالمدينة فحدثني محمدا بن جعفر بن الزبير قال لما قدم وفد نجران على رسول الله صلى الله عليه و سلم دخلوا عليه مسجده بعد العصر فحانت صلاتهم فقاموا يصلون في مسجده فاراد الناس منعهم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم دعوهم فاستقبلوا المشرق فصلوا صلاتهم وكانوا ستين راكبا منهم أربعة وعشرون رجلا من أشرافهم منهم ثلاثة نفر اليهم يؤول امرهم العاقب أمير القوم وذو رأيهم وصاحب مشورتهم والذي لا يصدرون الا عن رأيه وأمره واسمه عبد المسبح والسيل عقالهم وصاحب رحلهم ومجمعهم وأبو حارثة ابن علقمة أسقفهم وحبرهم وامامهم وصاحب مدارسهم وكان ابو حارثة قد شرف فيهم ودرس كتبهم وكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرفوه ومولوه وأخدموه وبنوا له الكنائس وبسطوا عليه الكرامات لما بلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم فلما وجهوا الى رسول الله صلى الله عليه و سلم من نجران جلس ابو حارثة على بغلة متوجها الى رسول الله صلى الله عليه و سلم والى جنبه أخ له يقال له كرز بن علقمة يسايره اذ عثرت بغلة أبي حارثة فقال له كرز تعس الابعد يريد رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال له أبو حارثة بل أنت تعست فقال ولم يا أخي فقال والله انه للنبي الذي كنا ننتظره فقال له كرز فما يمنعك من اتباعه وأنت تعلم هذا فقال ما صنع بنا هؤلاء القوم شرفونا ومولونا وأكرمونا وقد أبوا الا خلافه ولو فعلت نزعوا منا كل ما ترى فاصر عليها أخوه كرز بن علقمة حتى أسلم بعد ذلك فهذا وأمثاله من الذين منعتهم الرياسة والمأكل من اختيار الهدى وآثروا دين قومهم واذا كان هذا حال الرؤساء المتبوعين الذين هم علماؤهم وأحبارهم كان بقيتهم تبعا لهم وليس بمستنكر أن تمنع الرياسة والمناصب والمآكل للرؤساء ويمنع الاتباع تقليدهم بل هذا هو الواقع والعقل لا يستشكله
فصل وكان من رؤساء النصارى الذين دخلوا في الاسلام لما تبين أنه الحق الرئيس المطاع في قومه عدي بن حاتم الطائي ونحن نذكر قصته رواها الامام أحمد والترمذي والحاكم وغيرهم قال عدي بن حاتم أتيت النبي صلى الله عليه و سلم وهو جالس في السمجد فقال القوم هذا عدي بن حاتم وجئت بغير أمان ولا كتاب فلما رفعت اليه أخذ بيدي وقد كان قال قبل

(1/27)


ذلك اني لا أرجوا أن يجعل الله يده في يدي قال فقام لي فلقيته امرأة وصبي معها فقالا ان لنا اليك حاجة فقام معهما حتى قضى حاجتهما ثم أخذ بيدي حتى أتي بي داره فالقت له الوليدة وسادة فجلس عليها وجلست بين يديه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال ما يفرك ان تقول لا اله الا الله فهل تعلم من اله سوى الله قال قلت لا ثم تكلم ساعة قم قال انما يفرك ان يقال الله تعالى أكبر وتعلم ان شيئا أكبر من الله قال قلت لا قال فان اليهود مغضوب عليهم وان النصارى ضلال قال قلت فاني حنيف مسلم قال فرأيت وجهه ينبسط فرحا قال ثم امر بي فانزلت عند رجل من الانصار جعلت اغشاه آتيه طرفي النهار قال فبينا أنا عنده عشبة اذ جاءه قوم في ثياب من الصوف من هذه النمار قال فصلى وقام فحث عليهم ثم قال ولو بصاع ولو بنصف صاع ولو بقبضة ولو ببعض قبضة يقي أحدكم وجهه حر جهنم أو النار ولو بتمرة ولو بشق تمرة فان أحدكم لاقي الله وقائل له ما أقول لكم ألم أجعل لك سمعا وبصرا فيقول بلى فيقول ألم أجعل لك مالا وولدا فيقول بلى فيقول أين ما قدمت لنفسك فينظر قدامه وخلفه وعن يمينه وعن شماله ثم لا يجد شيئا يقي وجهه حر جهنم ليق أحدكم وجهه النار ولو بشق تمرة فان لم يجد فبكلمة طيبة فاني لا أخاف عليكم الفاقة فان الله ناصركم ومعطيكم حتى لتسير الظعينة فيما بين يثرب والحيرة أكثر ما يخاف على مطيتها السرق قال فجعلت أقول في نفسي فاين لصوص طي وكان عدي مطاعا في قومه بحيث يأخذ المرباع من غنائمهم وقال حماد بن زيد عن أيوب عن محمد بن سيرين قال قال أبو عبيدة بن حذيفة قال عدي بن حاتم بعث الله محمد صلى الله عليه و سلم فكرهته أشد ما كرهت شيئا قط فخرجت حتى أتيت أقصى أرض العرب مما يلي الروم ثم كرهت مكاني أشد مما كرهت مكاني الاول فقلت لو أتيته فسمعت منه فأتيت المدينة فاسشرفني الناس وقالوا جاء عدي بن حاتم الطائي جاء عدي بن حاتم الطائي فقال يا عدي بن حاتم الطائي اسلم تسلم فقلت اني على دين قال أنا أعلم بدينك منك قلت أنت أعلم بديني مني قال نعم قال هذا ثلاثا قال ألست لوسيا قلت بلى قال ألست ترأس قومك قلت بلى قال ألست تأخذ المرباع قلت بلى قال فان ذلك لا يحل لك في دينك قال فوجدت بها على غضاضة ثم قال لعله أن يمنعك أن تسلم أن ترى عندنا خصاصة وترى الناس علينا ألبا واحدا هل رأيت الحيرة قلت لم أرها وقد علمت مكانها قال فان الظعينة سترحل من من الحيرة تطوف بالبيت بغير جوار وليفتحن الله علينا كنوز كسرى بن هرمز قلت

(1/28)


كسرى ابن هرمز قال كنوز كسرى ابن هرمز وليفيض المال حتى يهتم الرجل من يقبل منه صدقته قال فقد رأيت الظعينة ترحل من الحيرة بغير جوار وكنت في أول خيل أغارت على المدائن ووالله لتكونن الثالثة انه حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم
وقد كان سلمان الفارسي من أعلم النصارى بدينهم وكان قد تيقن خروج النبي صلى الله عليه و سلم فقدم المدينة قبل مبعثه فلما رآه عرف انه هو النبي الذي بشر به المسيح فآمن به واتبعه ونحن نسوق قصته قال ابن اسحق حدثني عاصم عن محمود عن ابن عباس رضي الله عنهما قال حدثني سلمان الفارسي من فيه قال كنت رجلا فارسيا من أهل اصبهان من قرية يقال لها جي وكان ابي دهقان قريته وكنت أحب خلق الله اليه لم يزل حبه إياي حتى حبه أياي حبسني في بيت كما تحبس الجارية فاجتهدت في المجوسية حتى كنت قطن النار التي نوقدها لا نتركها تخبو ساعة وكانت لابي ضيعة عظيمة فشغل في بنيان له يوما فقال يا بني اني قد شغلت في بنياني تحتبس عني فانك ان احتبست عني كنت أهم الى من ضيعتي وشغلتني عن كل شيء من أمري فخرجت أريد ضيعته التي بعثني اليها فمررت بكنيسة من كنائس النصارى فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون وكنت لا أدري ما أمر الناس لحبس أبي اياي في بته فلما سمعت اصواتهم دخلت عليهم أنظر ما يصنعون فلما رأيتهم أعجبتني صلاتهم ورغبت في أمرهم وقلت هذا والله خير من الذي نحن عليه فو الله ما برحتهم حتى غربت الشمس وتركت ضيعته فلم آتها ثم قلت لهم أين أصل هذا الدين قالوا بالشام فرجعت الى أبي وقد بعث في طلبي وشغلته عن عمله كله فلما جئته قال يا بني أين كنت ألم أكن عهدت اليك ما عهدت قلت يا أبت مررت باناس يصلون في كنيسة لهم فاعجبني ما رأيت من دينهم فوالله ما زلت حتى غربت الشمس قال أي بني ليس في ذلك الدين خير دينك ودين آبائك خير منه فقلت له كلا والله انه لخير من ديننا فخافني فجعل في رجلي قيدا ثم حبسني في بيته وبعثت الى النصارى فقلت لهم اذا قدم عليكم ركب من الشام فاخبروني بهم فقدم عليهم تجار من النصارى فأخبروني فقلت لهم اذا قضوا حوائجهم وأرادوا الرجعة الى بلادهم فآذنوني بهم قال فلما أرادوا الرجعة أخبروني بهم فألقيت الحديد من رجلي ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام فلما قدمتها قلت من أفضل أهل هذا الدين علما قالوا الاسقف في الكنيسة فجئته

(1/29)


فقلت له اني قد رغبت في هذا الدين وأحببت أن أكون معك فأخدمك في كنيستك وأتعلم منك وأصلي معك قال ادخل فدخلت معه فكان رجل سؤ يامرهم بالصدقة ويرغبهم فيها فاذا جمعوا اليه شيئا منها اكتنزه لنفسه ولم يعطه المساكين حتى جمع سبع قلال من ذهب وورق فأبغضته بغضا شديدا لما رايته يصنع ثم مات واجتمعت النصارى ليدفنوه فقلت لهم ان هذا كان رجل سؤ يامركم بالصدقة يرغبكم فيها فإذا جئتموه يها اكتنزها لنفسه ولم يعط المساكين منها شيئا فقالوا لي وما علمك بذلك قلت أنا أدلكم على كنزه فأريتهم موضعه فاستخرجوا سبع قلال مملوءة ذهبا وورقا فلما رأوها قالوا والله لاندفنه أبدا فصلبوه ورموه بالحجارة وجاؤا برجل آخر فجعلوه مكانه فما رأيت رجلا يصلى ارى انه أفضل منه ولا أزهد في الدنيا ولا أرغب في الآخرة ولا أدأب ليلا ولا نهارا منه فأحببته حبا لم أحبه شيئا قبله فأقمت معه زمانا ثم حضرته الوفاة فقلت له يا فلان اني قد كنت معك واحببتك حبا لم أحبه شيئا قبلك وقد حضرك من أمر الله ما ترى فالي من توصي بي وبم تأمرني فقال أي بني والله ما أعلم احدا على ماكنت عليه ولقد هلك الناس وبدلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه الا رجلا بالموصل وهو فلان وهو على ما كنت عليه فلما مات وغيب لحقت بصاحب نصيبين فاخبرته خبري وما أمرني به صاحبي فقال أقم عندي فاقمت عنده فوجدته على أمر صاحبه فاقمت مع خير رجل فوالله ما لبث أن نزل به الموت فلما حضر قلت له يا فلان ان فلانا أوصي بي الى فلان ثم أوصى بي فلان اليك فالي من توصي بي وبم تأمرني فقال يا بني والله ما اعلمه بقي أحد على أمرنا آمرك أن تأتيه الا رجلا بعمورية من أرض الروم فانه على مثل ما نحن عليه فان أحببت فأته فلما مات وغيبت لحقت بصاحب عمورية فاخبرته خبري فقال أقم عندي فاقمت عند خير رجل على هدى أصحابه وأمرهم فاكتسبت حتى كانت لي بقيرات وغنيمة ثم نزل به أمر الله فلما حضر قلت له يا فلان اني كنت مع فلان فاوصي بي الى فلان ثم أوصي بي فلان اليك فالى من توصي بي وبم تأمرني قال يا بني والله ما أعلمه أصبح على مثل ما كنا

(1/30)


عليه أحد من الناس آمرك أن تأتيه ولكنه قد أظل زمان نبي مبعوث بدين ابراهيم يخرج بأرض العرب مهاجره الى أرض بين حرتين بينهما نخل به علامات لا تخفى يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة بين كتفيه خاتم النبوة فان استطعت ان تلحق بتلك البلاد فافعل ثم مات وغيب فمكثت بعمورية ما شاء الله ان أمكث ثم مر بي نفر من كلب تجار فقلت لهم أحملوني الى ارض العرب واعطيكم بقيراتي هذه وغنيمتي هذه قالوا نعم فأعطيتموها فحملوني معهم حتى اذا بلغوا وادي القرى ظلموني فباعوني من رجل يهودي فكنت عنده فرأيت النخل فرجوت أن يكون البلد الذي وصف لي صاحبي ولم يحق في نفسي فينا انا عنده اذ قدم عليه ابن عم له من بني قريظة من المدينة فابتاعني منه فحملني الى المدينة فوالله ما هو الا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاحبي فاقمت بها وبعث رسول الله صلى الله عليه و سلم فاقام بمكة ما أفام لا اسمع له بذكر مع ما أنا فيه من شغل الرق ثم هاجر الى المدينة فوالله اني لفي رأس عذق لسيدي أعمل فيه بعض العمل وسيدي جالس تحتي اذ اقبل ابن عم له حتى وقف عليه فقال يا فلان قاتل الله بني قيلة والله انهم الآن لمجتمعون معنا على رجل قدم عليهم من مكة اليوم يزعمون انه نبي فلما سمعتها أخذتني العرواء حتى ظننت اني ساقط على سيدي فنزلت عن النخلة فجعلت اقول لابن عمه ذلك ما تقول فغضب سيدي فلكمني لكمة شديدة ثم قال مالك ولهذا اقبل على عملك فقلت لا شيء انما اردت ان استثبته عما قال وقد كان عندي شيء جمعته فلما أمسيت أخذته ثم ذهبت به الى رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو بقبا فدخلت عليه فقلت له انه قد بلغني انك رجل صالح ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة وهذا شيء كان عندي للصدقة فرأيتكم أحق به من غيركم فقربته اليه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لاصحابه كلوا وأمسك فلم يأكل فقلت في نفسي هذه واحدة ثم انصرفت عنه فجمعت شيئا وتحول رسول الله صلى الله عليه و سلم الى المدينة ثم جئته به فقلت اني قد رأيتك لا تأكل الصدقة وهذه هدية أكرمتك بها فاكل رسول الله صلى الله عليه و سلم وأمر أصحابه فأكلوا معه فقلت في نفسي هاتان اثنتان ثم جئت رسول الله وهو ببقع الغرقد قد تبع جنازة رجل من أصحابه وعلي شملتان لي وهو جالس في أصحابه فسلمت عليه ثم استدرت انظر الى ظهره هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي فلما رأني صلى الله عليه و سلم استديرته عرف أني ساتثبت في شيء وصف لي فالقى الرداء عن ظهره فنظرت الىالخاتم فعرفته فاكبيت عليه أقبله وأبكي فقال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم تحول فتحولت فجلست

(1/31)


بين يديه فقصصت عليه حديثي كما حدثتك يا ابن عباس فاعجب رسول الله صلى الله عليه و سلم أ يسمع ذلك اصحابه ثم شغل سلمان الرق حتى فاته مع رسول الله صلى الله عليه و سلم بدر واحد قال سلمان ثم قال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم كاتب يا سلمان فكاتبت صاحبي على ثلثمائة نخلة أحييها له بالفقير وأربعين اوقية فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم أعينوا أخاكم فأعانوني بالنخل الرجل بثلاثين ودية والرجل بعشرين ودية والرجل بخمسة عشر والرجل بعشر يعينني الرجل بقدر ما عنده حتى اجتمعت لي ثلثمائة ودية فقال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم إذهب يا سلمان ففقر لها فاذا فرغت فاتني أكن أنا اضعها بيدي ففقرت واعانني اصحابي حتى اذا فرغت جئته فأخبرته فخرج معي اليها فجعلنا نقرب اليه الودي ويضعه رسول الله صلى الله عليه و سلم بيده حتى فرغت فو الذي نفسي بيده ما ماتت منها ودية واحدة فأديت النخل وبقي على المال فأتى رسول الله صلى الله عليه و سلم بمثل بيضة الدجاجة من ذهب من بعض المعادن فقال ما فعل الفارسي المكاتب فدعيت له فقال خذ هذه فادها مما عليك يا سلمان فقلت وأين تقع يا رسول الله مما علي قال خذها فان الله سيؤدي بها فاخذتها فوزنت منها لهم والذي نفسي بيده اربعين اوقية فاوفيتهم حقهم فشهدت مع رسول الله صلى الله عليه و سلم الخندق ثم لم يفتني معه مشهد
في فصل وكان ملك الشام أحد اكابر علمائهم بالنصرانية هرقل قد عرف انه رسول الله صلى الله عليه و سلم حقا وعزم على الاسلام فابى عليه عباد الصليب فخافهم على نفسه وضن بملكه مع علمه بانه سينقل عنه الى رسول الله صلى الله عليه و سلم وأمته ونحن نسوق قصته ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس أن أبا سفيان أخبره من فيه الى فيه قال انطلقت في المدة التي كانت بيني وبين رسول الله صلى الله عليه و سلم قال فبينا أنا بالشام اذ جيء بكتاب رسول الله صلى الله عليه و سلم الى هرقل وقد كان دحية بن خليفة جاء به فدفعه الى عظيم بصرى فدفعه عظيم بصرى الى هرقل فقال هرقل هل ههنا احد من قوم هذا الرجل الذي يزعم انه نبي قالوا نعم قال فدعيت في نفر من قريش فدخلنا على هرقل فاجلسنا بين يديه واجلسوا اصحابي خلفي فدعا بترجمانه فقال قل لهم اني سائل هذا عن الرجل الذي يزعم انه نبي فان كذبتم كذبوه فقال أبو سفيان وايم الله لولا مخافة ان يؤثر على الكذب لكذبت ثم قال لترجمانه سله كيف حسبه فيكم قال قلت هو فينا ذو حسب قال فهل كان من آبائه

(1/32)


من ملك قلت لا قال فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال قلت لا قال ومن اتبعه أشراف الناس أم ضعفاءهم قلت بل ضعفاؤهم قال أيزيدون أم ينقصون قلت لا بل يزيدون قال فهل يرتد احد منهم عن دينه بعد ان يدخل فيه سخطة له قال قلت لا قال فهل قاتلتموه قلت نعم قال فكيف كان قتالكم اياه قال قلت يكون الحرب بيننا وبينه سجالا يصيب منا ونصيب منه قال فهل يغدر قلت لا ونحن منه في مدة ما ندري ما هو صانع فيها قال فوالله ما امكنني من كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه قال فهل قال هذا القول احد قبله قلت لا قال لترجمانه قل له أني سألتك عن حسبه فزعمت انه فيكم ذو حسب وكذلك الرسل تبعث في احساب قومها وسألتك هل كان في ابائه ملك فزعمت ان لا فقلت لو كان في آبائه ملك لقلت رجل يطلب ملك آبائه وسألتك عن اتباعه أضعفاؤهم أم أشرافهم فقلت بل ضعفاؤهم وهم اتباع الرسل وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فزعمت ان لا فقد عرفت انه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على الله عز و جل وسألتك هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخله سخطة له فزعمت ان لا وكذلك الايمان اذا خالطت بشاشته القلوب وسألتك هل يزيدون ام ينقصون فزعمت انهم يزيدون وكذلك الايمان حتى يتم وسألتك هل قاتلتموه فزعمت انكم قاتلتموه فيكون الحرب بينكم وبينه سجالا ينال منكم وتنالون منه وكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لها العاقبة وسألتك هل يغدر فزعمت أنه لا يغدر وكذلك الرسل لا تغدر وسألتك هل قال هذا القول احد قبله فزعمت أن لا فقلت لو قال هذا القول أحد من قبله قلت رجل إئتم بقول قيل قبله ثم قال فبم يأمركم قلت يأمرنا بالصلاة والزكاة والصلة والعفاف قال ان يكن ما تقول حقا انه لنبي وقد كنت أعلم انه خارج ولكن لم أكن أظنه منكم ولو أعلم أني أخلص اليه لاحببت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه وليبلغن ملكه ما تحت قدمي ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه و سلم فقرأه فاذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله الى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى اما بعد فاني أدعوك بدعاية الاسلام اسلم تسلم اسلم يؤتك الله أجرك مرتين وان توليت فان عليك لعنة الاريسيين و يا أهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لانعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فان تولوا فقولو اشهد بانا مسلمون فلما قرأه وفرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الاصوات عنده وكثر اللغط وأمر بنا فأخرجنا ثم أذن هرقل عظماء الروم في دسكرة له بحمص ثم أمرا بابوابها فغلقت ثم أطلع فقال يا معشر الروم هل لكم في الفلاح والرشد وأن تثبت مملكتكم فتبايعوا هذا النبي فحاصوا حيصة حمر الوحش الى الابواب فوجدوها قد

(1/33)


غلقت فلما رأى هرقل نفرتهم وأيس من الايمان قال ردوهم علي فقال اني قلت مقالتي آنفا أختبر بها شدتكم على دينكم فقد رأيت فسجدوا له ورضوا عنه فهذا ملك الروم وكان من علمائهم أيضا عرف وأقر انه نبي وانه سيملك ما تحت قدميه وأحب الدخول في الاسلام فدعى قومه اليه فولوا عنه معرضين كانهم حمر مستنفرة فرت من قسورة فمنعه من الاسلام الخوف على ملكه ورياسته ومنع أشباه الحمير ما منع الامم قبلهم
ولما عرف النجاشي ملك الحبشة ان عباد الصليب لا يخرجون عن عبادة الصليب الى عبادة الله وحده اسلم سرا وكان يكتم اسلامه بينهم هو واهل بيته ولا يمكنه مجاهرتهم ذكر ابن اسحق ان رسول الله صلى الله عليه و سلم أرسل اليه عمرو بن أمية الضمري رضي الله عنه مكانه يدعوه الى الاسلام فقال له عمرو يا أصحمة علي القول وعليك الاستماع إنك كانك في الرقة علينا منا وكانا في الثقة بك منك لانا لم نظن بك خيرا قط الا نلناه ولم نخفك على شيء قط الا أمناه وقد أخذنا الحجة عليك من فيك الانجيل بيننا وبينك شاهد لا يرد وقاض لا يجور وفي ذلك موقع الحز وأصابه المفصل والا فانت في هذا النبي الامي كاليهود في عيسى ابن مريم وقد فرق النبي صلى الله عليه و سلم رسله الى الناس فرجاك لما لم يرجهم له وأمنك على ما خافهم عليه لخبر سالف وأجر منتظر فقال النجاشي أشهد بالله انه للنبي الامي الذي ينتظره أهل الكتاب وان بشارة موسى براكب الحمار كبشارة عيسى براكب الجمل وان العيان ليس باشفى من الخبر
قال الواقدي وكتب رسول الله صلى الله عليه و سلم اليه بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله صلى الله عليه و سلم الى النجاشي ملك الحبشة أسلم أنت فاني أحمد اليك الله الذي لا اله الا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن وأشهد أن عيسى بن مريم روح الله وكلمته ألقاها الى مريم البتول الطيبة الحصينة حملت بعيسى فخلقه من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده واني أدعوك الى الله وحده لا شريك له والموالاة على طاعته وان تتبعني وتؤمن بالذي جاءني فاني رسول الله اليك واني أدعوك وجنودك الى الله وقد بلغت ونصحت فاقبلوا نصيحتي والسلام على من اتبع الهدى
فكتب اليه النجاشي بسم الله الرحمن الرحيم الى محمد رسول الله من النجاشي أصحمة سلام عليك يا نبي الله من الله وبركات الله الذي لا اله الا هو أما بعد فلقد بلغني كتابك فيما ذكرت من أمر عيسى فورب السماء والارض إن عيسى لا يزيد على ما ذكرت تفروقا انه كما ذكرت وقد عرفنا ما بعثت به الينا وقد قر بنا

(1/34)


ابن عمك واصحابه فاسهد انك رسول الله صادقا مصدقا وقد بايعتك وبايعت ابن عمك واسلمت على يديه لله رب العالمين والتفروق علامة تكون بين النواة والتمرة
في فصل وكذلك ملك دين النصرانية بمصر عرف أنه نبي صادق ولكن منعه من اتباعه ملكه وان عباد الصليب لا يتركون عبادة الصليب ونحن نسوق حديثه وقصته قال الواقدي كتب اليه رسول الله صلى الله عليه و سلم بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبد الله الى المقوقس عظيم القبط سلام على من اتبع الهدى اما بعد فاني ادعوك بداعية الاسلام اسلم تسلم اسلم يؤتك الله أحرك مرتين فان توليت فان عليك اثم القبط يا أهل الكتب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد الا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فان تولوا فقولوا اشهدوا بانا مسلمون وختم الكتاب فخرج به حاطب حتى قدم عليه الاسكندرية فانهى الى حاجبه فلم يلبثه ان اوصل اليه كتاب رسول الله صلى الله عليه و سلم وقال حاطب للمقوقس لما لقيه انه قد كان قبلك رجل يزعم انه الرب الاعلى فاخذه الله نكال الآخرة والاولى فانتقم به ثم انتقم منه فاعبر بغيرك ولا يعتبر بك غيرك قال هات قال إن لنا دينا لن ندعه الا لما هو خير منه وهو الاسلام الكافي به الله فقد ما سواه ان هذا النبي دعا الناس فكان اشدهم عليه قريش واعداهم له يهود واقربهم منه النصارى ولعمري ما بشارة موسى بعيسى الا كبشارة عيسى بمحمد وما دعاؤنا اياك الى القرآن الا كدعائك أهل التوراة الى الانجيل وكل نبي ادرك قوما فهم من امته فالحق عليهم ان يطيعوه فانت ممن ادرك هذا النبي ولسنا ننهاك عن دين المسيح ولكنا نأمرك به فقال المقوقس إني قد نظرت في أن هذا النبي فرأيته لا يأمر بمزهود فيه ولا ينهى عن مرغوب عنه ولم اجده بالساحر الضال ولا الكاهن الكاذب ووجدت معه الة النبوة من اخراج الخبء والاخبار بالنجوى ووصف لحاطب اشياء من صفة النبي صلى الله عليه و سلم وقال القبط لا يطاوعونني في اتباعه ولا أحب ان تعلم بمحاورتي اياك وانا اضن بملكي ان أفارقه وسيظهر على بلادي وينزل بساحتي هذه اصحابه من بعده فارجع الى صاحبك وأخذ كتاب النبي صلى الله عليه و سلم فجعله في حق من عاج وختم عليه ودفعه الى جارية له ثم دعا كاتبا له يكتب العربية فكتب بسم الله الرحمن الرحيم لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط سلام عليك أما بعد فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت فيه وما تدعوا اليه وقد علمت ان نبيا بقي وكنت اظن انه يخرج بالشام وقد اكرمت رسولك وبعثت اليك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم وبكسوة

(1/35)


وأهديت اليك بغلة لتركبها والسلام عليك ولم يزد والجاريتان مارية وسيرن والبغلة دلدل وبقيت الى زمن معاوية قال حاطب فذكرت قوله لرسول الله صلى الله عليه و سلم فقال ضن الخبيث بملكه ولا بقاء لملكه
في فصل وكذلك ابنا الجلندي ملكا عمان وما حولها من ملوك النصارى اسلما طوعا واختيارا ونحن نذكر فصتهما وكتاب رسول الله صلى الله عليه و سلم اليهما وهذا لفظه بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبد الله الى حيفر وعبيد ابني الجلندي سلام على من اتبع الهدى أما بعد فاني أدعو كما بداعية الاسلام اسلما تسلما فاني رسول الله الى الناس كافة لانذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين وانكما ان اقررتما بالاسلام وليتكما مكانكما وان أبيتما ان تقرا بالاسلام فان ملككما زائل عنكما وخيلي تحل بساحتكما وتظهر نبوتي على ملككما وختم الكتاب وبعث به مع عمرو ابن العاص قال عمرو فخرجت حتى انتهيت الى عمان فلما قدمتها انتهيت الى عبيد وكان احلم الرجلين واسهلهما خلقا فقلت اني رسول رسول الله اليك والى أخيك فقال أخي المقدم على بالسن والملك وأنا أوصلك اليه حتى يقرأ كتابك ثم قال لي وما تدعو اليه قلت ادعوك الى الله وحده لا شريك له وتخلع ما عبد من دونه وتشهد أن محمدا عبده ورسوله قال يا عمرو انك سيد قومك فكيف صنع أبوك فان لنا فيه قدوة قلت مات ولم يؤمن بمحمد ووددت انه كان أسلم وصدق به وكنت أا على مثل رأيه حتى هداني الله للاسلام قال فمتى تبعته قلت قريبا فسألني أين كان اسلامي فقلت عند النجاشي واخبرته أن النجاشي قد أسلم قال فكيف صنع قومه بملكه قلت اقروه قال والاساقفة والرهبان قلت نعم قال انظر يا عمرو ما تقول انه ليس خصلة في رجل افضح له من كذب قلت ما كذبت وما نستحله في ديننا ثم قال ما أرى هرقل علم باسلام النجاشي قلت بلى قال باي شيء علمت ذلك قلت كان النجاشي يخرج له خراجا فلما اسلم وصدق بمحمد قال لا والله لو سألني درهما واحدا ما اعطيته فبلغ هرقل قوله فقال له نياق اخوه اتدع عبدك لا يخرج لك خراجا ويدين دينا محدثا قال هرقل رجل رغب في دين واختاره لنفسه ما أصنع به والله لولا الضن بملكي لصنعت كما صنع قال انظر ما تقول يا عمرو قلت والله لقد صدقتك قال عبد فاخبرني ما الذي يأمر به وينهى عنه قلت يأمر بطاعة الله عز و جل وينهى عن معصيته ويأمر بالبر وصلة الرحم وينهى عن الظلم والعدوان وعن الزنا وشرب الخمر وعن عبادة الحجر والوثن والصليب فقال ما

(1/36)


أحسن هذا الذي يدعوا اليه لو كان اخي يتابعني لركبنا حتى نؤمن بمحمد ونصدق به ولكن أخي أضن بملكه من أن يدعه ويصير دينا قلت انه ان أسلم ملكه رسول الله صلى الله عليه و سلم على قومه فاخذ الصدقة من غنيهم فردها على فقيرهم قال ان هذا لخلق حسن وما الصدقة فاخبرته بما فرض رسول الله صلى الله عليه و سلم من الصدقات في الاموال حتى انتهيت الى الابل فقال يا عمرو ويؤخذ من سوائم مواشينا التي ترعى الشجر وترد المياه فقلت نعم فقال والله ما أرى قومي في بعد دارهم وكثرة عددهم يطيعون بهذا قال فمكثت ببابه اياما وهو يصل الى أخيه فيخبره كل خبرى ثم انه دعاني يوما فدخلت عليه فاخذ اعوانه بضبعي فقال دعوه فارسلت فذهبت لاجلس فابوا أن يدعوني أجلس فنظرت اليه فقال تكلم بحاجتك فدفعت اليه الكتاب مختوما ففض خاتمه فقرأه حتى انتهى الى آخرة ثم دفعه الى أخيه فقرأه مثل قراءته الا اني رأيت أخاه ارق منه ثم قال ألا تخبرني عن قريش كيف صنعت فقلت اتبعوه اما راغب في الاسلام واما مقهور بالسيف قال ومن معه قلت الناس قد رغبوا في الاسلام واختاروه على غيره وعرفوا بعقولهم مع هدى الله اياهم انهم كانوا في ضلال فما أعلم أحدا بقي غيرك في هذه الحرجة وان أنت لم تسلم اليوم وتتبعه يوطئك الخيل ويبيد خضرائك فاسلم تسلم ويستعملك على قومك ولا تدخل عليك الخيل والرجال قال دعني يومي هذا وارجع الى غدا فرجعت الى أخيه فقال يا عمرو اني لارجو أن يسلم ان لم يضن بملكه حتى اذا كان الغد أتيت اليه فابى ان يأذن لي فانصرفت الى اخيه فأخبرته اني لم أصل اليه فاوصلني اليه فقال اني فكرت فيما دعوتني اليه فاذا أنا أضعف العرب ان ملكت رجلا ما في يدي وهو لا يبلغ خيله ههنا وان بلغت خيله ألفت قتالا ليس كقتال من لاقا قلت وأنا خارج غدا فلما أيقن بمخرجي خلا به أخوه فقال ما نحن فيما قد ظهر عليه وكل من أرسل اليه قد أجابه فاصبح فارسل الى فاجاب الى الاسلام هو وأخوه جميعا وصدقا النبي صلى الله عليه و سلم وخليا بيني وبين الصدقة وبين الحكم فيما بينهم وكانا لي عونا على من خالفني
في فصل وكتب النبي صلى الله عليه و سلم الى هوادة بن علي الحنفي صاحب اليمامة بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله الى هوذة بن علي سلام على من أتبع الهدى واعلم أن ديني سيظهر الى منتهى الخف والحافر فاسلم تسلم أجعل لك ما تحت يدك وكان عنده اركون دمشق عظيم من عظماء النصارى فسأله عن النبي صلى الله عليه و سلم وقال قد جاءني كتابه يدعوني الى الاسلام فقال له الاركون لم لا تجيبه فقال ضننت

(1/37)


بديني وأنا ملك قومي ان أتبعته لم أملك قال بلى والله لئن اتبعته ليملكنك وان الخيرة لك في اتباعه وانه للنبي العربي بشر به عيسى بن مريم والله انه لمكتوب عندنا في الانجيل
في فصل وذكر الواقدي ان رسول الله صلى الله عليه و سلم بعث شجاع بن وهب الى الحارث ابن أبي شمر وهو بغوطة دمشق فكتب اليه مرجعه من الحديبية بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله الى الحرث ابن أبي شمر سلام على من اتبع الهدى وآمن به وصدق واني أدعوك الى ان تؤمن بالله وحده لا شريك له يبقى لك ملكك وختم الكتاب فخرج به شجاع بن وهب قال فانتهيت الى حاجبه فاجده يومئذ وهو مشغول بتهيئة الانزال والالطاف لقيصر وهو جاء من حمص الى ايليا حيث كشف الله عنه جنود فارس شكرا لله عز و جل قال فاقمت على بابه يومين او ثلاثة فقلت لحاجبه اني رسول رسول الله اليه فقال حاجبه لا تصل اليه حتى يخرج يوم كذا وكذا وجعل حاجبه وكان روميا اسمه مرى يسألني عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وما يدعو اليه فكنت أحدثه فيرق حتى يغلبه البكاء ويقول إني قرأت في الانجيل وأجد صفة هذا النبي بعينه فكنت أراه يخرج بالشام فاراه قد خرج بارض العرب فانا أومن به وأصدقه وأنا أخاف من الحارث ابن أبي شمر أن يقتلني قال شجاع فكان هذا الحاجب يكرمني ويحسن ضيافتي ويخبرني عن الحارث باليأس منه ويقول هو يخاف قيصر قال فخرج الحارث يوما وجلس فوضع التاج على رأسه فاذن لي عليه فدفعت اليه كتاب رسول الله صلى الله عليه و سلم فقرأه وقال من ينتزع مني ملكي أنا سائر اليه ولو كان باليمن جئته علي بالناس فلم يزل جالسا يعرض حتى الليل وأمر بالخيل أ تنعل ثم قال أخبر صاحبك ما ترى وكتب الى قيصر يخبره خبرى فصادف قيصر بايليا وعنده دحية الكلبي قد بعثه اليه رسول الله صلى الله عليه و سلم فلما قرأ قيصر كتاب الحارث كتب اليه أن لا تسر اليه وأنه عنه ووافني بايليا قال روجع الكتاب وأنا مقيم فدعاني وقال متى تريد أن تخرج الى صاحبك قلت غدا فأمر لي بمائة مثقال ذهبا ووصلني مرى بنفقة وكسوة وقال أقرأ على رسول الله صلى الله عليه و سلم مني السلام واخبره اني متبع دينه قال شجاع فقدمت على رسول الله صلى الله عليه و سلم فاخبرته فقال باد ملكه واقرأته من مري السلام وأخبرته بما قال فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم صدق

(1/38)


في فصل ونحن انما ذكرنا بعض ملوك الطوائف الذين آمنوا به وأكابر علمائهم وعظمائهم ولا يمكننا حصر من عداهم وهم جمهور أهل الارض ولم يتخلف عن متابعة الاقلون وهم إما مسالم له قد رضي بالذلة والجزية والهوان وإما خائف منه فأهل الارض معه ثلاثة أقسام مسلمون له ومسالمون له وخائفون منه
ولو لم يسلم من اليهود في زمنه الا سيدهم على الاطلاق وابن سيدهم وعالمهم وابن عالمهم باعترافهم له بذلك وشهادتهم عبد الله بن سلام لكان في مقابلة كل يهودي على وجه الارض فيكف وقد تابعه على الاسلام من الاحبار والرهبان من لايحصى عددهم الا الله ونحن نذكر قصة عبد الل بن سلام فروى البخارى في صحيحه من حديث عبد العزيز بن صهيب عن انس بن مالك قال اقبل رسول الله صلى الله عليه و سلم الى المدينة فقالوا جاء نبي الله فاستشرفوا ينظرون اذ سمع به عبد الله بن سلام وهو في نخل لاهله يخترف لهم منه فعجل أن يضع الذي يخترف لهم فيها فجاء وهي معه فسمع من نبي الله صلى الله عليه و سلم ثم رجع الى أهله فلما خلا نبي الله صلى الله عليه و سلم جاء عبد الله بن سلام فقال أشهد انك نبي الله حقا وانك جئت بالحق ولقد علمت اليهود اني سيدهم وابن سيدهم واعلمهم وابن اعلمهم فادعهم فاسألهم عني قبل أن يعلموا اني قد اسلمت فانهم ان يعلموا اني قد اسلمت قالوا في ما ليس في فارسل نبي الله صلى الله عليه و سلم اليهم فدخلوا عله فقال لهم نبي الله صلى الله عليه و سلم يا معشر اليهود ويلكم اتقوا الله فوالله الذي لا اله الا هو انكم لتعلمون اني رسول الله حقا واني جئتكم بحق اسلموا قالوا ما نعلمه فاعادها عليهم ثلاثا وهم يجيبونه كذلك قال أي رجل فيكم عبد الله بن سلام قالوا ذاك سيدنا وابن سيدنا واعلمنا وابن اعلمنا قال أفرأيتم ان أسلم قالوا حاش لله ما كان ليسلم فقال يا ابن سلام اخرج عليهم فخرج اليهم فقال يا معشر اليهود ويلكم فقالوا كذبت فاخرجهم النبي صلى الله عليه و سلم وفي صحيح البخاري أيضا من حديث حميد عن أنس قال سمع عبد الله بن سلام بقدوم رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو في أرض له فاتي النبي صلى الله عليه و سلم فقال اني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن الا نبي ما أول اشراط الساعة وما أول طعام أهل الجنة وما ينزع الولد الى أبيه أو الى أمه قال اخبرني بهن جبريل آنفا قال جبريل قال نعم قال ذاك عدو اليهود من الملائكة قال ثم قرأ هذه الآية من كان عدوا لجبريل فانه نزله على

(1/39)


قلبك باذن الله أما أول اشراط الساعة فنار تخرج على الناس من المشرق الى المغرب وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت واذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد الى ابيه واذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزع الولد الى أمه فقال اشهد ان لا اله الا الله وأشهد انك رسول الله إن اليهود قوم بهت وانهم ان يعلموا باسلامي قبل أن تسألهم عني بهتوني فاجاءت اليهود اليه فقال أي رجل فيكم عبد الله بن سلام قالوا خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا قال أرأيتم ان أسلم عبد الله بن سلام قالوا اعاذه الله من ذلك فخرج عبد الله فقال أشهد أن لا اله الا الله واشهد أن محمدا رسول الله قالوا شرنا وابن شرنا وانتقصوه قال هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله
وقال ابن اسحق حدثني عبد الله ابن أبي بكر عن يحي بن عبد الله عن رجل من آل عبد الله بن سلام قال كان من حديث عبد الله بن سلام حين أسلم وكان حبرا عالما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم وعرفت صفته واسمه وهيأته والذي كنا نتوكف له فكنت مسرا لذلك صامتا عليه حتى قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة فلما قدم نزل معنا في بني عمرو بن عوف فأقبل رجل حتى اخبر بقدومه وأنا في رأس نخلة لي أعمل فيها وعمتي خالدة بنت الحارث تحتي جالسة فلما سمعت الخبر بقدوم رسول الله صلى الله عليه و سلم كبرت فقالت لي عمتي حين سمعت تكبيري لو كنت سمعت بموسى بن عمران ما زدت قال قلت لها أي عمة هو والله اخو موسى بن عمران وعلى دينه بعث بما بعث به فقالت يا ابن أخي أهو النبي الذي كنا نبشر به انه يبعث مع نفس الساعة قال قلت لها نعم قالت فذاك اذا قال ثم خرجت الى رسول الله صلى الله عليه و سلم فاسلمت ثم رجعت الى أهل بيتي فأمرتهم فاسلموا وكتمت إسلامي من اليهود ثم جئت رسول الله صلى الله عليه و سلم فقلت ان اليهود قوم بهت واني أحب ان تدخلني في بعض بيوتك تغيبني عنهم ثم تسألهم عني كيف أنا فيهم قبل أن يعلموا باسلامي فانهم ان علموا بذلك بهتوني وعابوني قال فأدخلني بعض بيوته فدخلوا عليه فكلموه وسألوه فقال لهم أي رجل عبد الله بن سلام فيكم قالوا سيدنا وابن سيدنا وحبرنا وعالمنا قال فلما فرغوا من قولهم خرجت عليهم فقلت لهم يا معشر اليهود اتقوا الله واقبلوا ما جاءكم به فوالله انكم لتعلمون انه رسول الله تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة اسمه وصفته فاني أشهد انه رسول الله وأومن به واصدقه واعرفه قالوا كذبت ثم وقعوا في فقلت يا رسول الله ألم أخبرك انهم قوم بهت أهل غدر وكذب وفجور قال فاظهرت اسلامي وأسلم أهل بيتي واسلمت

(1/40)


عمتي ابنة الحارث فحسن اسلامها وفي مسند الامام أحمد وغيره عنه قال لما قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة وانجفل الناس قبله فقالوا قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم قال فجئت في الناس لانظر الى وجهه فلما رأيت وجهه عرفت ان وجهه ليس بوجه كذاب فكان أول شيء سمعته منه ان قال يا أيها الناس اطعموا الطعام وافشوا السلام وصلوا الارحام وصلوا والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام فعلماء القوم واحبارهم كلهم كانوا كما قال الله عز و جل الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون ابناءهم فمنهم من آثر الله ورسوله والدار الآخرة ومنهم من آثر الدنيا واطاع داعي الحسد والكبر
وفي مغازي موسى بن عقبة عن الزهري قال كان بالمدينة مقدم رسول الله صلى الله عليه و سلم أوثان تعبدها رجال من اهل المدينة لا يتركونها فاقبل عليهم قومهم وعلى تلك الاوثان فهدموها وعمد أبو ياسر بن اخطب اخو حيي بن اخطب وهو ابو صفية زوج النبي صلى الله عليه و سلم فجلس الى النبي صلى الله عليه و سلم فسمع منه وحادثه ثم رجع الى قومه وذلك قبل ان تصرف القبلة نحو المسجد الحرام فقال ابو ياسر يا قوم اطيعوني فان الله عز و جل قد جائكم بالذي كنتم تنتظرون فاتبعوه ولا تخالفوه فانطلق اخوه حيي حين سمع ذلك وهو سيد اليهود يومئذ وهما من بني النضير فاتى النبي صلى الله عليه و سلم فجلس اليه وسمع منه فرجع الى قومه وكان فيهم مطاعا فقال أتيت من عند رجل والله لا ازال له عدوا ابدا فقال له اخوه ابو ياسر يا ابن امي اطعني في هذا الامر ثم اعصني فيما شئت بعده لا تهلك قال لا والله لا اطيعك واستحوذ عليه الشيطان فاتبعه قومه على رأيه
وذكر ابن اسحاق عن عبد الله ابن ابي بكر عمن حدثه عن صفية بنت حيي انها قالت لم يكن من ولد ابي وعمي احد أحب اليهما مني لم القهما في ولد قد الا اخذاني دونه فلما قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم قبا نزل في نبي عمرو بن عوف فغدا اليه ابي وعمي أبو ياسر ابن أخطب مغلسين فوالله ما جاءا الا مع مغيب الشمس فجاءا فاترين كسلين ساقطين يمشيان الهوينا فهششت اليهما كما كنت أصنع فوالله ما نظر إلى احد منهما فسمعت عمي أبا ياسر يقول لابي أهو هو قال نعم والله قال تعرفه بنعته وصفته قال نعم والله قال فماذا في نفسك منه قال عداوته والله ما بقيت قال ابن اسحاق وحدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت عن سعيد بن جبير وعكرمه عن ابن عباس قال لما أسلم عبد الله بن سلام وثعلبة بن شعبة وأسد بن شعبة أسيد بن

(1/41)


عبيد ومن أسلم من اليهود فآمنوا وصدقوا ورغبوا في الاسلام قال من كفر من اليهود ما آمن بمحمد ولا اتبعه الا شرارنا ولو كانوا من خيارنا ما تركوا دين بائهم وذهبوا الى غيره فانزل الله عز و جل في ذلك ليسوا سواء من اهل الكتاب امة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين
المذكور في كتبهم غالبا نعته وهو أبلغ من الاسم
في فصل قال السائل مشهور عندكم في الكتاب والسنة ان نبيكم كان مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل لكنهم محوه عنهما لسبب الرياسة والمأكلة والعقل يستشكل ذلك أفكلهم اتفقوا على محو اسمه من الكتب المنزلة من ربهم شرقا وغربا وجنوبا وشمالا هذا امر يستشكله العقل اعظم من نفيهم بألستنتهم لانه بمكن الرجوع عما قالوا بألسنتهم والرجوع عما محوا ابعد والجواب ان هذا السؤال مبني على فهم فاسد وهو ان المسلمين يعتقدون ان اسم النبي صلى الله عليه و سلم الصريح وهو محمد بالعربية مذكرور في التوراة والانجيل وهما اسم النبي صلى الله عليه و سلم الصريح وهو محمد بالعربية التوراة والانجيل وهما الكتابان المتضمنان لشريعتين وان المسلمين يعتقدون ان اليهود والنصارى في جميع اقطار الارض محوا ذلك الاسم واسقطوه جملة من الكتابين وتواصوا بذلك بعدا وقربا وشرقا وغربا وهذا لم يقله عالم من علماء المسلمين ولا أخبر الله سبحانه به في كتابه عنهم ولا رسوله ولا بكتهم به يوما من الدهر ولا قاله أحد من الصحابة ولا الائمة بعدهم ولا علماء التفسير ولا المعتنون بأخبار الامم وتواريخهم وان قدر انه قاله بعض عوام المسلمين يقصد به نصر الرسول فقد قيل يضر الصديق الجاهل أكثر مما يضر العدو العاقل وانما أتى هؤلاء من قلة فهم القرآن وظنوا أن قوله تعالى الذين يتبعون الرسول النبي الامي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر دل على الاسم الخاص بالعربية في التوراة والانجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر دل على الاسم الخاص بالعربية في التوراة والانجيل المخصوصين وان ذلك لم يوجد البتة فهذه ثلاث مقامات
أما المقام الاول فالرب سبحانه انما أخبر عن كون رسوله مكتوبا عندهم أي الاخبار عنه وصفته ومخرجه ونعته ولم يخبر بأن صريح اسمه العربي مذكور عندهم في التوراة والانجيل وهذا واقع في الكتابين كما سنذكر الفاظهما ان شاء الله وهذا أبلغ من ذكره بمجرد اسمه فان الاشتراك قد يقع في الاسم فلا يحصل التعريف والتمييز ولا يشاء أحد يمسى يهذا الاسم أن يدعي انه هو إلا فعل اذ الحوالة انما وقعت على مجرد الاسم وهذا لا يحصل به بيان ولا تعريف ولا هدى بخلاف ذكره بنعته وصفته وعلاماته ودعوته وصفة أمته ووقت مخرجه ونحو ذلك فان هذا يعينه ويميزه ويحصر نوعه في شخصه وهذا القدر مذكور في التوراة والانجيل وغيرهما من النبوات التي بأيدي

(1/42)


في أهل الكتاب كما سنذكرها ويدل عليه وجوه
الوجه الاول أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان احرص الناس على تصديقه واتباعه واقامة الحجة على من خالفه وجحد نبوته ولا سيما أهل العلم والكتاب فان الاستدلال عليهم بما يعلمون بطلانه قطعا لا يفعله عاقل وهو بمنزلة من يقول لرجل علامة صدقي انك فلان ابن فلان وصنعتك كيت وكيت وتعرف بكيت وكيت ولم يكن الامر كذلك بل بضده فهذا لا يصدر ممن له مسكة عقل ولا يصدقه أحد على ذلك ولا يتبعه أحد على ذلك بل ينفر العقلاء كلهم عن تصديقه واتباعه والعادة تحيل سكوتهم عن الطعن عليه والرد والتهجين لقوله ومن المعلوم بالضرورة محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه نادى معلنا في هاتين الامتين اللتين هما أعلم الامم في الارض قبل مبعثه بأن ذكره ونعته وصفته بعينه عندهم في كتبهم وهو يتلو ذلك عليهم ليلا ونهارا وسرا وجهارا في كل مجمع وفي كل ناد يدعوهم بذلك الى تصديقه والايمان به فمنهم من يصدق ويؤمن به ويخبر بما في كتبهم من نعته وصفته وذكره كما سيمر بك ان شاء الله وغاية المكذب الجاحد أن يقول هذا النعت والوصف حق ولكن لست أنت االمراد به بل نبي آخر وهذا غاية ما يمكنه من المكابرة ولم تجد عليه هذه المكابرة الاكشفه عورته وابدائه الفضيحة بالكذب والبهتان فالصفات والنعوت والعلامات المذكورة عندهم منطبقة عليه حذو القذة بالقذة بحيث لا يشك من عرفها ورآه أنه هو كما عرفه قيصر وسلمان بتلك العلامات المذكورات التي كانت عنده من بعض علمائه وكذلك هرقل عرف نبوته با وصف له من العلامات التي سأل عنها أبا سفيان فطابقت ما عنده فقال ان يكن ما تقول حقا فانه نبي وسيملك ما تحت قدمي هاتين وكذلك من قدمنا ذكرهم من الاحبار والرهبان الذين عرفوه بنعته وصفته كما يعرفون أبناءهم قال تعالى الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وان فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون وقال في موضع آخر الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون ابناءهم الذين خسروا انفسهم فهم لا يؤمنون ومعلوم أن هذه المعرفة انما هي بالنعت والصفة المكتوبة عندهم التي هي منطبقة عليه كما قال بعض المؤمنين منهم والله لاحدنا اعرف به من ابنه ان احدنا ليخرج من عند امرأته وما يدري ما يحدث بعده ولهذا أثنى الله سبحانه على من عرف الحق منهم ولم يستكبر عن اتباعه فقال لتجدن اشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين اشركوا ولتجدن اقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا انا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وانهم لا يستكبرون واذا سمعوا ما انزل الى الرسول ترى اعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين وما لنا لا نؤمن

(1/43)


بالله وما جاءنا من الحق ونطمع ان يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين والذين كفروا وكذبوا بآياتنا اولئك اصحاب الجحيم قال ابن عباس لما حضر اصحاب النبي صلى الله عليه و سلم بين يدي النجاشي وقرا القرآن سمع ذلك القسيسون والرهبان فانحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق فقال الله تعالى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وانهم لا يستكبرون الايات وقال سعيد بن جبير بعث النجاشي من خيار اصحابه ثمانين رجلا الى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقرأ عليهم القرآن فبكوا ورقوا وقالوا نعرف والله فاسلموا وذهبوا الى النجاشي فاخبروه فاسلم فأنزل الله فيهم واذا سمعوا ما أنزل الى الرسول الايات وقال السدي كانوا اثني عشر رجلا سبعة من القسيسين وخمسة من الرهبان فلما قرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه و سلم القرآن بكوا وقالوا ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين قال ابن عباس هم محمد وامته وهم القوم الصالحون الذين طمعوا ان يدخلهم الله فيهم والمقصود ان هؤلاء الذي عرفوا انه رسول الله بالنعت الذي عندهم فلم يملكوا أعينهم من البكاء وقلوبهم من المبادرة الى الايمان ونظير هذا قوله سبحانه قل آمنوا به أولا تؤمنوا ان الذين أتوا العلم من قبله اذا يتلى عليهم يخرون للاذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا ان كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا قال امام التفسير مجاهد هم قوم من أهل الكتاب لما سمعوا القرآن خروا سجدا وقالوا سبحان ربنا ان كان وعد ربنا لمفعولا كان الله عز و جل وعد على السنة انبيائه ورسله ان يبعث في آخر الزمان نبيا عظيم الشأن يظهر دينه على الدين كله وتنتشر دعوته في اقطار الارض وعلى رأس أمته تقوم الساعة واهل الكتابين مجمعون على ان الله وعدهم بهذا النبي فالسعداء منهم عرفوا الحق فآمنوا به واتبعوه والاشقياء قالوا نحن ننتظره ولم يبعث بعد رسولا فالسعداء لما سمعوا القرآن من الرسول عرفوا انه النبي الموعود به فخروا سجدا لله ايمانا به وبرسوله وتصديقا بوعده الذي انجزه فرأوه عيانا فقالوا سبحان ربنا ان كان وعد ربنا لمفعولا
وذكر يونس بن بكير عن سلمة بن عبد يسوع عن أبيه جده قال يونس وكان نصرانيا فاسلم ان رسول الله صلى الله عليه و سلم كتب الى أهل نجران بسم الله ابراهيم واسحاق ويعقوب من محمد النبي رسول الله الى اسقف نجران واهل نجران سلم انتم اني احمد اليكم اله ابراهيم واسحق ويعقوب اما بعد فاني ادعوكم الى عبادة الله من عبادة العباد وادعوكم الى ولاية الله من ولاية العباد فان ابيتم فاجزيه فان ابيتم فقد آذنتكم بحرب والسلام فلما اتي الاسقف الكتاب فقرأه فظع به وزعره ذعرا شديدا فبعث الى رجل من اهل عمان يقال له شرحبيل بن وداعة وكان من همدان ولم يكن احد يدعى الى

(1/44)


معضلة قبله فدفع الاسقف كتاب رسول الله صلى الله عليه و سلم الى شرحبيل فقرأه فقال الاسقف ما رأيك يا ابا مريم فقال شرحبيل قد علمت ما وعد الله ابراهيم في ذرية اسماعيل من النبوة فما نأمن من أن يكون هذا هو ذاك الرجل ليس لي في النبوة رأي لو كان امر من الدنيا اشرت عليك فيه برأي وجهدت لك فقال الاسقف تنح فاجلس فتنحي فجلس ناحية فبعث الاسقف الى رجل من اهل نجران يقال له عبد الله بن شرحبيل وهو من ذي اصبح من حمير فاقرأه الكتاب وسأله عن الرأي فيه فقال له مثل قول شرحبيل فأمره الاسقف فتنحى ثم بعث الى رجل من اهل نجران يقال له جبار بن فيض من بني الحارث بن كعب فاقرأه الكتاب وسأله عن الرأي فيه فقال له مثل قول شرحبيل وعبد الله فامره الاسقف فتنحى ناحية فلما اجتمع الرآي منهم على تلك المقالة جميعا امر الاسقف بالناقوس فضرب به ورفعت المسوح بالصوامع وكذلك كانوا يفعلون اذا فزعوا بالنهار واذا كان فزعهم ليلا ضرب بالناقوس ورفعت النيران في الصوامع فاجتمع اهل الوادي اعلاه واسفله وطوله مسيرة يوم للراكب السريع وفيه ثلاثة وسبعون قرية وعشرون ومائة الف مقاتل فقرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه و سلم وسألهم عن الرأي فيه فاجتمع رأي اهل الرأي منهم على ان يبعثوا شرحبيل بن وداعة الهمداني وعبد الله بن شرحبيل وجبار بن فيض فيأتونه بخبر رسول الله صلى الله عليه و سلم فانطلق الوفد حتى اذا كانوا في بالمدينة وضعوا ثياب السفر عنهم ولبسوا حللا لهم يجرونها من حبرة وخواتيم الذهب ثم انطلقوا حتى اتوا رسول الله صلى الله عليه و سلم فسلموا عليه فلم يرد عليهم السلام وتصدوا لكلامه نهارا طويلا فلم يكلمهم وعليهم تلك الحلل والخواتيم الذهب فانطلقوا يبتغون عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وكانا معرفة لهم كانا يبعثان العير الى تجران في الجاهلية فيشترى لهما من برها وتمرها فوجدوهما في ناس من المهاجرين والانصار في مجلس فقالوا يا عثمان ويا عبد الرحمن ان نبيكم كتب الينا بكتاب فاقبلنا مجيبين له فاتيناه فسلمنا عليه فلم يرد سلامنا فتصدينا لكلامه نهارا طويلا فاعيانا ان يكلمنا فما الرأي منكما أنعود أم نرجع اليه فقالا لعلي بن ابي طالب وهو في القوم ما ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم فقال علي لعثمان و عبد الرحمن أرى أن يضعوا حللهم هذه وخواتيمهم ويلبسوا ثياب سفرهم ثم يعودون اليه ففعل وفد نجران ذلك ووضعوا حللهم وخواتيمهم ثم عادوا الى رسول الله صلى الله عليه و سلم فسلموا عليه فرد عليهم سلامهم ثم قال والذي بعثني بالحق لقد أتوني المرة الاولى وان ابليس لمعهم ثم سألهم وسألوه فلم تزل به وبهم المسألة حتى قالوا له ما تقول في عيسى فانا نحب أن نعلم ما تقول فيه فانزل الله عز و جل ان مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من

(1/45)


من تراب ثم قال له كن فيكون ألحق من ربك فلا تكن من الممترين فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبنائنا وأبنائكم ونسائنا ونسائكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين فأبوا أن يقروا بذلك فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه و سلم الغد بعدما أخبرهم الخبر اقبل مشتملا على الحسن والحسين في خميلة له وفاطمة تمشي عند ظهره الى الملاعنة وله يومئذ عدة نسوة فقال شرحبيل لصاحبيه يا عبد الله بن شرحبيل ويا جبار بن فيض لقد علمتما ان الوادي اذا اجتمع أعلاه وأسفله لم يردوا ولم يصدروا الا عن رأيي واني والله أرى أمرا مقبلا والله لئن كان هذا الرجل ملكا مبعوثا فكنا أول العرب طعن في عينه ورد عليه أمره لا يذهب لنا من صدره ولا من صدور قومه حتى يصيبنا بجائحة وإنا لادنى العرب منهم جوارا ولئن كان هذا الرجل نبيا مرسلا فلا عناه لا يبقى على وجه الارض منا شعرة ولا ظفر الا هلك فقال له صاحباه فما الرأي يا ابا مريم فقد وضعتك الامور على ذراع فهات رأيك فقال رايي ان أحكمه فاني ارى الرجل لا يحكم شططا ابدا فقالا له أنت وذاك فلقي شرحبيل رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال اني قد رأيت خيرا من ملاعنتك فقال وما هو قال شرحبيل حكمتك اليوم الى الليل وليلتك الى الصباح فمهما حكمت فينا فهو جائز فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لعل وراءك احدا يثرب عليك فقال له شرحبيل سل صاحبي فسألهما فقالا ما نرد الموارد ولا نصدر المصادر الا عن رأي شرحبيل فرجع رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى اذا كان الغد اتوه فكتب لهم كتاب صلح وموادعه فقبضوا كتابهم وانصرفوا الى نجران فتلقاهم الأسقف ووجوه نجران على مسيرة ليله من نجران ومع الأسقف أخ له من أمه وهو ابن عمه من النسب يقال له ابو علقمه فدفع الوفد كتاب رسول الله ص - الى الأسقف فيبنا هو يقرؤه وأبو علقمه معه وهما يسيران اذ كبت بابي علقمه ناقته فتعس غير أنه لا يكنى عن رسول الله ص - فقال له فقال له الاسقف عند ذلك قد والله تعست نبيا مرسلا فقال له ابو علقمة لا جرم والله لا أحل عنها عقدا حتى آتيه فضرب وجه ناقته نحو المدينة وثنى الاسقف ناقته عليه فقال له إفهم عني انما قلت هذا مخافة ان يبلغ عني العرب انا أخذنا حمقة او نجعنا لهذا الرجل بما لم تنجع به العرب ونحن اعزهم واجمعهم دارا فقال له ابو علقمة والله لا اقيلك ما خرج من رأسك ابدا ثم ضرب ناقته يقول ... اليك تعدوا قلقا وضينها ... معترضا في بطنها جنينها ... مخالفا دين النصارى دينها

(1/46)


اثنا عشر وجها تدل على أنه مذكور في الكتب المنزلة
حتى اتى النبي صلى الله عليه و سلم فلم يزل معه حتى استشهد بعد ذلك
واذا عرف اهذا فالعلم بانه صلى الله عليه و سلم مذكور في الكتب المتقدمة يعرف من وجوه متعددة احدها اخبار من قد ثبتت نبوته قطعا بانه مذكور عندهم في كتبهم فقد اخبر به من قام الدليل القطعي على صدقه فيجب تصديقه فيه اذ تكذيبه والحالة هذه ممتنع لذاته هذا لو لم يعلم ذلك الا من مجرد خبرة فكيف اذا تطابقت الادلة على صحة ما اخبر به الوجه الثاني انه جعل الاخبار به من أعظم أدلة صدقه وصحة نبوته وهذا يستحيل أن يصدر الا من واثق كل الوثوق بذلك وانه على يقين جازم به الثالث ان المؤمنين به من الاحبار والرهبان الذين اثروا الحق على الباطل صدقوه في ذلك وشهدوا له بما قال الرابع ان المكذبين والجاحدين لنبوته لم يمكنهم انكار البشارة والاخبار بنبوة نبي عظيم الشان صفته كذا وكذا وصفة امته ومخرجه وشأنه لكن جحدوا أ يكون هو الذي وقعت به البشارة وانه نبي آخر غيره وعلموا هم والمؤمنون به من قومهم انهم ركبوا متن المكابرة وامتطوا غارب البهت الخامس ان كثيرا منهم صرح لخاصته وبطانته بانه هو هو بعينه وانه عازم على عداوته ما بقي كما تقدم السادس ان إخبار النبي صلى الله عليه و سلم بأنه مذكور في كتبهم هو فرد من أفراد اخباراته بما عندهم في كتبهم من شأن أنبيائهم وقومهم وما جرى لهم وقصص الانبياء المتقدمين وأممهم وشأن المبدأ والمعاد وغير ذلك مما أخبرت به الانبياء وكل ذلك مما يعلمون صدقه فيه ومطابقته لما عندهم وتلك الاخبارات أكثر من أن تحصى ولم يكذبوه يوما واحدا في شيء منها وكانوا أحرص شيء على أ يظفروا منه بكذبة واحدة أ غلطة او سهو فينادون بها عليه ويجدون بها السبيل الى تنفير الناس عنه فلم يقل أحد منهم يوما من الدهر انه أخبر بكذا وكذا في كتبنا وهو كاذب فيه بل كانوا يصدقونه في ذلك وهم مصرون على عدم اتباعه وهذا من أعظم الادلة على صدقه فيما اخبر به لو لم يعلم الا بمجرد خبره السابع انه اخبر بهذا لاعدائه من المشركين الذين لا كتاب عندهم وأخبر به لاعدائه من أهل الكتاب وأخبر به لاتباعه فلو كان هذا باطلا لا صحة له لكان ذلك تسليطا للمشركين أن يسألوا أهل الكتاب فينكرون ذكل وتسليطا لاهل الكتاب على الانكار وتسليطا لاتبعاه على الرجوع عنه والتكذيب له بعد تصديقه وذلك ينقض الغرض المقصود باخباره من كل وجه وهو بمنزلة رجل يخبر بما يشهد بكذبه ويجعل اخباره دليلا على صدقه وهذا لا يصدر من عاقل

(1/47)


ولا مجنون فهذه الوجوه يعلم بها صدق ما أخبر به وان لم يعلم وجوده من غير جهة أخباره فكيف وقد علم وجود ما أخبر به الثامن انه لو قدر انهم لم يعلموا بشارة الانبياء به واخبارهم بنعته وصفته لم يلزم أن لا يكونوا ذكروه وأخبروا به وبشروا بنبوته اذ ليس كل ما قاله الانبياء المتقدمون وصل الى المتأخرين وأحاطوابه علما وهذا مما يلعم بالاضطرار فكم من قول قد قاله موسى وعيسى ولا علم لليهود والنصارى به فاذا أخبر به من قام الدليل القطعي على صدقه لم يكن جهلهم به موجبا لرده وتكذيبه التاسع انه يمكن ان يكون في نسخ غير هذه النسخ التي بايديهم فازيل من بعضها ونسخت هذه مما أزيل منه
تخالف نسخ التوراة والانجيل وتناقضها
الاناجيل تواريخ
وقولهم ان نسخ التوراة متفقة في شرق الارض وغربها كذب ظاهر فهذه التوراة التي بايدى النصارى تخالف التوراة التي بايدي اليهود والتي بايدي السامرة تخالف هذه وهذه وهذه نسخ الانجيل يخالف بعضها بعضا ويناقضه فدعواهم أن نسخ التوراة والانجيل متفقة شرقا وغربا من البهت والكذب الذي يرجونه على أشباه الانعام حتى ان هذه التوراة التي بايدي اليهود فيها من الزيادة والتحريف والنقصان ما لا يخفى على الراسخين في العلم وهم يعلمون قطعا ان ذلك ليس في التوراة التي أنزلها الله على موسى ولا في الانجيل الذي انزله على المسيح وكيف يكون في الانجيل الذي أنزل على المسيح قصة صلبه وما جرى له وانه أصابه كذا وكذا وصلب يوم كذا وكذا وانه قام من القبر بعد ثلاث وغير ذلك مما هو من كلام شيوخ النصارى وغايته أن يكون من كلام الحواريين خلطوه بالانجيل وسموا الجميع انجيلا وكذلك كانت الاناجيل عندهم اربعة يخالف بعضها بعضا ومن بهتهم وكذبهم قولهم ان التوراة التي بايديهم وأيدي اليهود والسامرة سواء والنصارى لا يقرون ان الانجيل منزل من عند الله على المسيح وانه كلام الله بل كل فرهم مجمعون على أنها أربعة تواريخ الفها أربعة رجال معروفون في أزمان مختلفة ولا يعرفون الانجيل غير هذا انجيل الفه متى تلميذ المسيح بعد تسع سنين من رفع المسيح وكتب بالعبرانية في بلد يهود بالشام وانجيل الفه مرقس الهاروني تلميذ شمعون بعد ثلاث وعشرين سنة من رفع المسيح وكتبه باليونانية في بلاد انطاكية من بلاد الروم ويقولون ان شمعون المذكور هو ألفه ثم محى اسمه من اوله ونسب الى تلميذه مرقس وانجيل ألفه لوقا الطبيب الانطاكي تلميذ شمعون بعد تأليف مرقس وانجيل ألفه يوحنا

(1/48)


تلميذ المسيح بعد ما رفع المسيح ببضع وستين سنة كتبه باليونانية وكل واحد من هذه الاربعة يسمونه الانجيل وبينها من التفاوت والزيادة والنقصان ما يعلمه الوقف عليها وبين توراة السامرة واليهود والنصارى من ذلك ما يعلمه من وقف عليها فدعوى الكاذب الباهت ان نسخ التوراة والانجيل متفقه شرقا وغربا بعدا وقربا من أعظم القرية والكذب وقد ذكر غير واحد من علماء الاسلام ما بينها من التفاوت والزيادة والنقصان والتناقض لمن أراد الوقوف عليه ولولا الاطالة وقصد ما هو أهم منه لذكرنا منه طرفا كبيرا
جمعهم بين التحريف والكتمان لنعت الرسول
وقد وبخهم الله سبحانه وبكتهم على لسان رسوله بالتحريف والكتمان والاخفاء فقال تعالى يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون وقال تعالى ان الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون وقال تعالى ان الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم الا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم وقال تعالى يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات الى النور باذنه يهديهم الى صراط مستقيم
وأما التحريف فقد أخبر سبحانه عنهم في مواضع متعددة وكذلك لي اللسان بالكتاب ليحسبه السامع منه وما هو منه فهذه خمسة أمور احدها لبس الحق بالباطل وهو خلطه به بحيث لا يتميز الحق من الباطل الثاني كتمان الحق الثالث اخفاؤه وهو قريب من كتمانه الرابع تحريف الكلم عن مواضعه وهو نوعان تحريف لفظه وتحريف معناه الخامس لي اللسان به ليلبس على السامع اللفظ المنزل بغيره وهذه الامور انما ارتكبوها لاغراض لهم دعتهم الى ذلك فاذا عادوا الرسول وجحدوا نبوته وكذبوه وقاتلوه فهم الى أن يجحدوا نعته وصفته ويكتموا ذلك ويزيلوه عن مواضعه

(1/49)


ويتأولوه على غير تأويله أقرب بكثير وهكذا فعلوا ولكن لكثرة البشارات وتنوعها غلبوا عن كتمانها وإخفائها فصاروا الى تحريف التأويل وإزالة معناها عمن لا تصلح لغيره وجعلها لمعدوم لم يخلقه الله ولا وجود له البتة
العاشر انه استشهد على صحة نبوته بعلماء أهل الكتاب وقد شهد له عدو لهم فلا يقدح جحد الكفرة الكاذبين المعاندين بعد ذلك قال تعالى ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهسدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب وقال تعالى قل ارأيتم ان كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني اسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم ان الله لا يهدي القوم الظالمين وقال تعالى وان من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما انزل اليكم وما انزل اليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا اولئك لهم اجرهم عند ربهم ان الله سريع الحساب وقال تعالى ذلك بان منهم قسيسين ورهبانا وانهم لا يستكبرون واذا سمعوا ما انزل الى الرسول ترى اعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين وقال تعالى الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به انه الحق من ربنا انا كنا من قبله مسلمين أولئك يؤتون أجرهم مرتين يما صبروا ويدرؤن بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون واذا شهد واحد من هؤلاء لم يوزن به ملء الارض من الكفرة ولا تعارض شهادته بجحود ملء الارض من الكفار كيف والشاهد له من علماء أهل الكتاب أضعاف أضعاف المكذبين له منهم وليس كل من قال من أشباه الحمير من عباد الصليب وامة الغضب انه من علمائهم فهو كذلك وإذا كان أكثر من من يظن عوام المسلمين انه من علمائهم ليس كذلك فما الظن بغيرهم وعلماء أهل الكتاب ان لم يدخل فيهم من لم يعمل بعلمه فليس علماؤهم الا من آمن به وصدقه وان دخل فيهم من علم ولم يعمل كعلماء السوء لم يكن إنكارهم لنبوته قادحا في شهادة العلماء العاملين بعلمهم
الحادي عشر انه لو قدر انه لا ذكر لرسول الله صلى الله عليه و سلم بنعته ولا صفته ولا علامته في الكتب التي بايدي أهل الكتاب اليوم لم يلزم من ذلك أن لا يكون مذكورا في الكتب التي كانت بايدي أسلافهم وقت مبعثه ولا تكون اتصلت على وجهها الى هؤلاء بل حرفها أولئك وبدلوا وكتموا وتواصوا وكتبوا ما أرادوا وقالوا هذا من عند الله ثم اشتهرت تلك الكتب وتناقلها خلفهم عن سلفهم فصارت المغيره المبدلة هي المشهورة والصحيحة بينهم خفية جدا ولا سبيل الى العلم باستحالة ذلك

(1/50)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية