صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ مفتاح دار السعادة - ابن قيم الجوزية ]
الكتاب : مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة
المؤلف : محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله
الناشر : دار الكتب العلمية - بيروت
عدد الأجزاء : 2

ما حرم بخلا منه عليهم وهو الجواد الكريم بل أمره ونهيه عين حظهم وسعادتهم العاجلة والآجلة ومصدر أمره ونهيه رحمته الواسعة وبره وجوده وإحسانه وإنعامه فلا يسأل عما يفعل لكمال حكمته وعلمه ووقوع أفعاله على وفق المصلحة والرحمة والحكمة وقال تعالى أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن بل آتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون فأخبر سبحانه أن الحق لو اتبع أهواء العباد فجاء شرع الله ودينه بأهوائهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن ومعلوم أن عند النفاة يجوز أن يرد شرع الله ودينه بأهواء العباد وأنه لا فرق في نفس الأمر بين ما ورد به وبين ما تقتضيه أهواؤهم إلا مجرد الأمر وإنه لو ورد بأهوائهم جاز وكان تعبدا ودينا وهذه مخالفة صريحة للقرآن وإنه من المحال أن يتبع الحق أهوائهم وأن أهواءهم مشتملة على قبح عظيم لو ورد الشرع به لفسد العالم أعلاه وأسفله وما بين ذلك ومعلوم أن هذا الفساد إنما يكون لقبح خلاف ما شرعه الله وأمر به ومنافاته لصلاح العالم علويه وسفليه وإن خراب العالم وفساده لازم لحصوله ولشرعه وأن كمال حكمة الله وكمال علمه ورحمته وربو بيته يأبى ذلك ويمنع منه ومن يقول الجميع في نفس الأمر سواء يجوز ورود التعبد بكل شيء سواء كان من مقتضى أهوائهم أو خلافها 0
ومثل هذا قوله تعالى لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش أي لو كان في السموات والأرض آلهة تعبد غير الله لفسدتا وبطلتا ولم يقل أرباب بل قال آلهة والإله هو المعبود المألوه وهذا يدل على أنه من الممتنع المستحيل عقلا أن يشرع الله عبادة غيره أبدا وإنه لو كان معه معبود سواه لفسدت السماوات والأرض فقبح عبادة غيره قد استقر في الفطر والعقول وأن لم يرد النبي عنه شرع بل العقل يدل على أنه أقبح القبيح على الإطلاق وأنه من المحال أن يشرعه الله قط فصلاح العالم في أن يكون الله وحده هو المعبود وفساده وهلاكه في أن يعبد معه غيره ومحال أن يشرع لعباده ما فيه فساد العالم وهلاكه بل هو المنزه عن ذلك 0
فصل وقد أنكر تعالى على من نسب إلى حكمته التسوية بين المختلفين
كالتسوية بين الأبرار والفجار فقال تعالى أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار وقال تعالى أم حسب الذين اجتر حوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون فدل على أن هذا حكم سيء قبيح ينزه الله عنه ولم ينكره سبحانه من جهة أنه أخبر بأنه لا يكون وإنما أنكره من جهة قبحه في نفسه وإنه حكم

(2/11)


سيء يتعالى ويتنزه عنه لمنافاته لحكمته وغناه وكماله ووقوع أفعاله كلها على السداد والصواب والحكمة فلا يليق به أن يجعل البر كالفاجر ولا المحسن كالمسيء ولا المؤمن كالمفسد في الأرض فدل على أن هذا قبيح في نفسه تعالى الله عن فعله 0 ومن هذا أيضا إنكاره سبحانه على من جوز أن يترك عباده سدى فلا يأمرهم ولا ينهاهم ولا يثيبهم ولا يعاقبهم وأن هذا الحسبان باطل والله متعال عنه لمنافاته لحكمته وكماله كما قال تعالى أيحسب الإنسان أن يترك سدى قال الشافعي رضى الله عنه أي مهملا لا يؤمر ولا ينهى وقال غيره لا يثاب ولا يعاقب والقولان واحد لأن الثواب والعقاب غاية الأمر والنهى فهو سبحانه خلقهم للأمر والنهى في الدنيا والثواب والعقاب في الآخرة فأنكر سبحانه على من زعم أنه يترك سدى إنكار من جعل في العقل استقباح ذلك واستهجانه وأنه لا يليق أن ينسب ذلك إلى احكم الحاكمين 0
ومثله وقوله تعالى أفحسبتم إنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم فنزه نفسه سبحانه وباعدها عن هذا الحسبان وأنه يتعالى عنه ولا يليق به لقبحه ولمنافاته لحكمته وملكه وإلهيته أفلا ترى كيف ظهر في العقل الشهادة بدينه وشرعه وبثوابه وعقابه وهذا يدل على إثبات المعاد بالعقل كما يدل على إثباته بالسمع وكذلك دينه وأمره وما بعث به رسله هو ثابت في العقول جملة ثم علم بالوحي فقد تطابقت شهادة العقل والوحي على توحيده وشرعه والتصديق بوعده ووعيده وأنه سبحانه دعا عباده على ألسنة رسله إلى ما وضع في العقول حسنه والتصديق به جملة فجاء الوحي مفصلا مبينا ومقررا ومذكرا لما هو مركوز في الفطر والعقول ولهذا سأل هرقل أبا سفيان في جملة ما سأله من أدلة النبوة وشواهدها عما يأمر به النبي صلى الله عليه و سلم فقال بم يأمركم قال يأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف فجعل ما يأمر به من أدلة نبوته فأن أكذب الخلق وأفجرهم من أدعى النبوة وهو كاذب فيها على الله وهذا محال أن يأمر إلا بما يليق بكذبه وفجوره وافترائه فدعوته تليق به وأما الصادق البار الذي هو أصدق الخلق وأبرهم فدعوته لا تكون إلا أكمل دعوة وأشرفها وأجلها وأعظمها فإن العقول والفطر تشهد بحسنها وصدق القائم بها فلو كانت الأفعال كلها سواء في نفس الأمر لم يكن هناك فرقان بين ما يجوز أن يدعو إليه الرسول ومالا يجوز أن يدعو إليه إذ العرف وضده إنما يعلم بنفس الدعوة والأمر والنهي وكذلك مسئلة النجاشي لجعفر وأصحابه عما يدعو إليه الرسول فدل على أنه من المستقر في العقول والفطر انقسام الأفعال إلى قبيح وحسن في نفسه وأن الرسل تدعو إلى حسنها وتنهى عن قبيحها وأن ذلك من آيات صدقهم وبراهين رسالتهم وهو أولى وأعظم عند أولي الألباب والحجى من مجرد خوارق

(2/12)


العادات وإن كان انتفاع ضعفاء العقول بالخوارق في الإيمان أعظم من انتفاعهم بنفس الدعوة وما جاء به من الإيمان فطرق الهداية متنوعة رحمة من الله بعباده ولطفا بهم لتفاوت عقولهم وأذهانهم وبصائرهم فمنهم من يهتدي بنفس ما جاء به وما دعا إليه من غير أن يطلب منه برهانا خارجا عن ذلك كحال الكمل من الصحابة كالصديق رضي الله عنه ومنهم من يهتدي بمعرفته بحاله صلى الله عليه و سلم وما فطر عليه من كمال الأخلاق والأوصاف والأفعال وأن عادة الله أن لا يخزي من قامت به تلك الأوصاف والأفعال لعلمه بالله ومعرفته به وإنه لا يخزي من كان بهذه المثابة كما قالت أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها له صلى الله عليه و سلم إبشر فوالله لن يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتقري الضعيف وتعين على نوائب الحق فاستدلت بمعرفتها بالله وحكمته ورحمته على أن من كان كذلك فإن الله لا يخزيه ولا يفضحه بل هو جدير بكرامة الله واصطفائه ومحبته وتوبته وهذه المقامات في الإيمان عجز عنها أكثر الخلق فاحتاجوا إلى الآيات والخوارق والآيات المشهودة بالحس فآمن كثير منهم عليها وأضعف الناس إيمانا من كان إيمانه صادرا من المظهر ورؤية غلبته صلى الله عليه و سلم للناس فاستدلوا بذلك المظهر والغلبة والنصرة على صحة الرسالة فأين بصائر هؤلاء من بصائر من آمن به وأهل الأرض قد نصبوا له العداوة وقد ناله من قومه ضروب الأذى وأصحابه في غاية قلة العدد والمخافة من الناس ومع هذا فقلبه ممتلىء بالإيمان واثق بأنه سيظهر على الأمم وأن دينه سيعلو كل دين وأضعف من هؤلاء إيمانا من إيمانه إيمان العادة والمربا والمنشأ فإنه نشأ بين أبوين مسلمين وأقارب وجيران وأصحاب كذلك فنشأ كواحد منهم ليس عنده من الرسول والكتاب إلا اسمهما ولا من الدين إلا ما رأى عليه أقاربه وأصحابه فهذا دين العوائد وهو أضعف شيء وصاحبه بحسب من يقترن به فلو قيض له من يخرجه عنه لم يكن عليه كلفة في الانتقال عنه والمقصود أن خواص الأمة ولبابها لما شهدت عقولهم حسن هذا الدين وجلالته وكماله وشهدت قبح ما خالفه ونقصه ورداءته خالط الإيمان به ومحبته بشاشة قلوبهم فلو خير بين أن يلقى في النار وبين أن يختار دينها غيره لاختار أن يقذف في النار وتقطع أعضاؤه ولا يختار دينا غيره وهذا الضرب من الناس هم الذين استقرت أقدامهم في الإيمان وهم أبعد الناس عن الارتداد عنه وأحقهم بالثبات عليه إلى يوم لقاء الله ولهذا قال هرقل لأبي سفيان أيرتد أحد منهم عن دينه سخطة له قال لا قال فكذلك الإيمان إذ خالطت بشاشته القلوب لا يسخطه أحد والمقصود أن الداخلين في الإسلام المستدلين على أنه من عند الله لحسنه وكماله وأنه دين الله الذي لا يجوز أن يكون من عند غيره هم خواص الخلق والنفاة سدوا على أنفسهم هذا الطريق فلا يمكنهم سلوكه

(2/13)


فصل وتحقيق هذا المقام بالكلام في مقامين أحدهما في الأعمال خصوصا
ومراتبها في الحسن والقبح والثاني في الموجودات عموما ومراتبها في الخير والشر أما المقام الأول فالأعمال إما أن تشتمل على مصلحة خالصة أو راجحة واما أن تشتمل على مفسدة خالصة أو راجحة واما أن تستوي مصلحتها ومفسدتها فهذه أقسام خمسة منها أربعة تأت بها الشرائع فتأتي بما مصلحته خالصة أو راجحة آمرة به مقتضية له وما مفسدته خالصة أو راجحة فحكمها فيه النهي عنه وطلب إعدامه فتأتي بتحصيل المصلحة الخالصة ولراجحه أو تكميلهما بحسب الإمكان وتعطيل المفسدة الخالصة أو الراجحة أو تقليلهما بحسب الإمكان فمدار الشرائع والديانات على هذه الأقسام الأربعة وتنازع الناس هنا في مسئلتين
المسئلة الأولى في وجود المصلحة الخالصة والمفسدة الخالصة فمنهم من منعه وقال لا وجود له قال لأن المصلحة هي النعيم واللذة وما يفضي إليه والمفسدة هي العذاب والألم وما يفضي إليه قالوا والمأمور به لا بد أن يقترن به ما يحتاج معه إلى الصبر على نوع من الألم وإن كان فيه لذة سرور وفرح فلا بد من وقوع أذى لكن لما كان هذا مغمورا بالمصلحة لم يلتفت إليه ولم تعطل المصلحة لأجله فترك الخير الكثير الغالب لآجل الشر القليل المغلوب شر كثير قالوا وكذلك الشر المنهي عنه إنما يفعله الإنسان لإن له فيه غرضا ووطرا ما وهذه مصلحة عاجلة له فإذا نهى عنه وتركه فأتت عليه مصلحته ولذته العاجلة وإن كانت مفسدته أعظم من مصلحته بل مصلحته مغمورة جدا في جنب مفسدته كما قال تعالى في الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما فالربا والظلم والفواحش والسحر وشرب الخمر وإن كانت شرورا ومفاسد ففيها منفعة ولذة لفاعلها ولذلك يؤثرها ويختارها وإلا فلو تجردت مفسدتها من كل وجه لما أثرها العاقل ولا فعلها أصلا ولما كانت خاصة العقل النظر إلى العواقب والغايات كان أعقل الناس أتركهم لما ترجحت مفسدته في العاقبة وإن كانت فيه لذة ما ومنفعة يسيرة بالنسبة إلى مضرته
ونازعهم آخرون وقالوا القسمة تقتضي إمكان هذين القسمين والوجود يدل على وقوعهما فإن معرفة الله ومحبته والإيمان به خير محض من كل وجه لا مفسدة فيها بوجه ما قالوا ومعلوم أن الجنة خير محض لا شر فيها أصلا وإن النار شر محض لا خير فيه أصلا وإذا كان هذان القسمان موجودان في الآخرة فما المخل بوجودهما في الدنيا قالوا أيضا فالمخلوقات كلها منها ما هو خير محض لا شر فيه أصلا كالأنبياء والملائكة
ومنها هو شر محض لا خير فيه أصلا كإبليس والشياطين ومنها ما هو خير وشر وأحدهما غالب على الآخر فمن الناس من يغلب خيره على شره ومنهم من

(2/14)


يغلب شره على خيره فهكذا الأعمال منها ما هو خالص المصلحة وراجحها وخالص المفسدة وراجحها هذا في الأعمال كما أن ذلك في العمال قالوا وقد قال تعالى في السحرة ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم فهذا دليل على أنه مضرة خالصة لا منفعة فيها إما لأن بعض أنواعه مضرة خالصة لا منفعة فيها بوجه فما كل السحر يحصل غرض الساحر بل يتعلم مائة باب منه حتى يحصل غرضه باب والباقي مضرة خالصة وقس على هذا فهذا من القسم الخالص المفسدة وإما لأن المنفعة الحاصلة للساحر لما كانت مغمورة مستهلكة في جنب المفسدة العظيمة فيه جعلت كلا منفعته فيكون من القسم الراجح المفسدة وعلى القولين فكل مأمور به فهو راجح المصلحة على تركه وإن كان مكروها للنفوس قال تعالى كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خيرا لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شرا لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون فبين أن الجهاد الذي أمروا به وإن كان مكروها للنفوس شاقا عليها فمصلحته راجحة وهو خير لهم وأحمد عاقبة وأعظم فائدة من التقاعد عنه وإيثار البقاء والراحة فالشر الذي فيه مغمور بالنسبة إلى ما تضمنه من الخير وهكذا كل منهي عنه فهو راجح المفسدة وإن كان محبوبا للنفوس موافقا للهوى فمضرته ومفسدته أعظم مما فيه من المنفعة وتلك المنفعة واللذة مغمورة مستهلكة في جنب مضرته كما قال تعالى وإثمهما أكبر من نفعهما وقال وعسى أن تحبوا شيئا وهو شرا لكم وفصل الخطاب في المسئلة إذا أريد بالمصلحة الخالصة أنها في نفسها خالصة من المفسدة لا يشوبها مفسدة فلا ريب في وجودها وإن أريد بها المصلحة التي لا يشوبها مشقة ولا أذى في طريقها والوسيلة إليها ولا في ذاتها فليست بموجودة بهذا الإعتبار إذ المصالح والخيرات واللذات والكمالات كلها لا تنال إلا بحظ من المشقة ولا يعبر إليها إلا على جسر من التعب وقد أجمع عقلاء كل أمة على أن النعيم لا يدرك بالنعيم وإن من آثر الراحة فاتته الراحة وإن بحسب ركوب الأهوال وإحتمال المشاق تكون الفرحة واللذة فلا فرحة لمن لا هم له ولا لذة لمن لا صبر له ولا نعيم لمن لا شقاء له ولا راحة لمن لا تعب له بل إذا تعب العبد قليلا استراح طويلا وإذا تحمل مشقة الصبر ساعة قاده لحياة الأبد وكل ما فيه أهل النعيم المقيم فهو صبر ساعة والله المستعان ولا قوة إلا بالله وكلما كانت النفوس أشرف والهمة أعلا كان تعب البدن أوفر وحظه من الراحة أقل كما قال المتنبي :
وإذا كانت النفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام
وقال ابن الرومي :
قلب يظل على أفكاره وئد ... تمضي الأمور ونفس لهوها التعب
وقال مسلم في صحيحه قال يحيى بن أبي كثير لا ينال العلم براحة البدن ولا ريب

(2/15)


عند كل عاقل أن كمان الراحة بحسب التعب وكمال النعيم بحسب تحمل المشاق في طريقه وإنما تخلص الراحة واللذة والنعيم في دار السلام فأما في هذه الدار فكلا ولما
وبهذا التفصيل يزول النزاع في المسئلة وتعود مسئلة وفاق
فصل وأما المسئلة الثانية وهي ما تساوت مصلحته ومفسدته فقد اختلف
في وجوده وحكمه فاثبت وجوده قوم ونفاه آخرون
والجواب أن هذا القسم لا وجود له إن حصره التقسيم بل التفصيل إما أن يكون حصوله أولى بالفاعل وهو راجح المصلحة وإما أن يكون عدمه أولى به وهو راجح المفسدة وأما فعل يكون حصوله أولى لمصلحته وعدمه أولى به لمفسدته وكلاهما متساويان فهذا مما لم يقم دليل على ثبوته بل الدليل يقتضي نفيه فإن المصلحة والمفسدة والمنفعة والمضرة واللذة والألم إذا تقابلا فلا بد أن يغلب أحدهما الآخر فيصير الحكم للغالب وأما أن يتدافعا ويتصادما بحيث لا يغلب أحدهما الآخر فغير واقع فإنه إما أن يقال يوجد الأثران معا وهو محال لتصادمها في المحل الواحد وإما أن يقال يمتنع وجود كل من الأثرين وهو ممتنع لأنه ترجيح لأحد الجائزين من غير مرجح وهذا المحال إنما نشأ من فرض تدافع المؤثرين وتصادمهما فهو محال فلا بد أن يقهر أحدهما صاحبه فيكون الحكم له فإن قيل ما المانع من أن يمتنع وجود الأثرين قولكم أنه محال لوجود مقتضيه إن أردتم به المقتضى السالم عن المعارض فغير موجود وإن أردتم المقتضى المقارن لوجود المعارض فتخلف أثره عنه غير ممتنع والمعارض قائم ههنا في كل منهما فلا يمتنع تخلف الأثرين فالجواب أن المعارض إذا كان قد سلب تأثير المقتضى في موجبه مع قوته وشدة اقتضائه لأثره ومع هذا فقد قوى على سلبه قوة التأثير والاقتضاء فلان يقوى على سلبه قوة منعه لتأثيره هو في مقتضاه وموجبه بطريق الأولى ووجه الأولوية أن اقتضاءه لأثره اشد من منعه تأثير غير فإذا قوى على سلبه للأقوى فسلبه للأضعف أولى وأحرى فإن قيل هذا ينتقض بكل مانع يمنع تأثير العلة في معلولها وهو باطل قطعا قيل لا ينتقض بما ذكرتم والنقض مندفع فإن العلة والمانع ههنا لم يتدافعا ويتصادما ولكن المانع أضعف العلة فبطل تأثيرها فهو عائق لها عن الاقتضاء وأما في مسئلتنا فالعلتان متصادمتان متعارضتان كل منهما تقتضي أثرها فلو بطل أثرهما لكانت كل واحدة مؤثرة غير مؤثرة غالبة مغلوبة مانعة ممنوعة وهذا يمتنع وهو دليل يشبه دليل التمانع وسر الفرق أن العلة الواحدة إذا قارنها مانع منع تأثيرها لم تبق مقتضية له بل المانع عاقها عن اقتضائها وهذا غير ممتنع وأما العلتان المتمانعتان اللتان كل منهما مانعة للأخرى من تأثيرها فإن تمانعهما وتقابلهما يقتضي إبطال كل واحدة منهما للأخرى وتأثيرها

(2/16)


فيها وعدم تأثيرها معا وهو جمع بين النقيضين لأنها إذا بطلت لم تكن مؤثرة وإذا لم تكن مؤثرة لم تبطل غيرها فتكون كل منهما مؤثرة غير مؤثرة باطلة غير باطلة وهذا محال فثبت أنهما لا بد أن تؤثر إحداهما في الأخرى بقوتها فيكون الحكم لها
فإن قيل فما تقولون فيمن توسط أرضا مغصوبة ثم بدا له في التوبة فإن أمرتموه باللبث فهو محال وإن أمرتموه بقطعها والخروج من الجانب الآخر فقد أمرتموه بالحركة والتصرف في ملك الغير وكذلك إن أمرتموه بالرجوع فهو حركة منه وتصرف في ارض الغصب فهذا قد تعارضت فيه المصلحة والمفسدة فما الحكم في هذه الصورة وكذلك من توسط بين فئة مثبتة بالجراح منتظرين للموت وليس له انتقال إلا على أحدهم فإن أقام على من هو فوقه قتله وان انتقل إلى غيره قتله فقد تعارضت هنا مصلحة النقلة ومفسدتها على السواء وكذلك من طلع عليه الفجر وهو مجامع فإن أقام أفسد صومه وان نزع فالنزع من الجماع والجماع مركب من الحركتين فهاهنا أيضا قد تضادت العلتان وكذلك أيضا إذا تترس الكفار بأسرى من المسلمين هم بعدد المقاتلة ودار الأمر بين قتل الترس وبين الكف عنه وقتل الكفار المقاتلة المسلمين فهاهنا أيضا قد تقابلت المصلحة والمفسدة على السواء وكذلك أيضا إذا ألقى في مركبهم نار وعاينوا الهلاك بها فان أقاموا احترقوا وان لجؤا إلى الماء هلكوا بالغرق وكذلك الرجل إذا ضاق عليه الوقت ليلة عرفة ولم يبق منه إلا ما يسع قدر صلاة العشاء فان اشتغل بها فاته الوقوف وان اشتغل بالذهاب إلى عرفة فاتته الصلاة فهاهنا تحد تعارضت المصلحتان والمفسدتان على السواء وكذلك الرجل إذا استيقظ قبل طلوع الشمس وهو جنب ولم يبق من الوقت إلا ما يسع قدرالغسل أو الصلاة بالتيمم فان اغتسل فاتته مصلحة الصلاة في الوقت وإن صلى بالتيمم فاتته مصلحة الطهارة فقد تقابلت المصلحة والمفسدة وكذلك إذا اغتلم البحر بحيث يعلم ركبان السفينة أنهم لا يخلصون إلا بتغريق شطر الركبان لتخف بهم السفينة فان ألقوا شطرهم كان فيه مفسدة وان تركوهم كان فيه مفسدة فقد تقابلت المفسدتان والمصلحتان على السواء وكذلك لو أكره رجل على إفساد درهم من درهمين متساويين أو إتلاف حيوان من حيوانين متساويين أو شرب قدح من قدحين متساويين أو وجد كافرين قويين في حال المبارزة لا يمكنه إلا قتل أحدهما أو قصد المسلمين عدوان متكافئان من كل وجه في القرب والبعد والعدد والعداوة فانه في هذه الصور كلها تساوت المصالح والمفاسد ولا يمكنكم ترجيح أحد من المصلحتين ولا أحد من المفسدتين ومعلوم أن هذه حوادث لا تخلو من حكم لله فيها وأما ما ذكرتم من امتناع تقابل المصلحة والمفسدة على السواء فكيف عليكم إنكاره وأنتم تقولون بالموازنة وإن من الناس من تستوي حسناته وسيئاته فيبقى في الأعراف بين الجنة والنار لتقابل مقتضى الثواب والعقاب في حقه فان حسناته

(2/17)


قصرت به عن دخول النار وسيئاته قصرت به عن دخول الجنة وهذا ثابت عن الصحابة حذيفة ابن اليمان وابن مسعود وغيرهما
فالجواب من وجهين مجمل ومفصل
وأما المجمل فليس في شيء مما ذكرتم دليل على محل النزاع فان مورد النزاع أن تتقابل المصلحة والمفسدة وتتساويا فيتدافعا ويبطل أثرهما وليس في هذه الصور شيء كذلك وهذا يتبين بالجواب التفصيلي عنها صورة فأما من توسط أرضا مغصوبة فإنه مأمور من حين دخل فيها بالخروج منها فحكم الشارع في حقه المبادرة إلى الخروج وان استلزم ذلك حركة في الأرض المغصوبة فإنها حركة تتضمن ترك الغصب فهي من باب مالا خلاص عن الحرام إلا به وان قيل إنها واجبة فوجوب عقلي لزومي لا شرعي مقصود فمفسدة هذه الحركة مغمورة في مصلحة تفريغ الأرض والخروج عن الغصب وإذا قدر تساوي الجواب بالنسبة إليه فالواجب القدر المشترك وهو الخروج من أحدها وعلى كل تقدير فمفسدة هذه الحركة مغمورة جدا في مصلحة ترك الغصب فليس مما نحن فيه بسبيل وأما مسئلة من توسط بين قتلى لا سبيل له إلى المقام أو النقلة إلا بقتل أحدهم فهذا ليس مكلفا في هذه الحال بل هو في حكم الملجأ والملجأ ليس مكلفا اتفاقا فإنه لا قصد له ولا فعل وهذا ملجأ من حيث أنه لا سبيل له إلى ترك النقلة عن واحد إلا إلى الآخر فهو ملجأ إلى لبثه فوق واحد ولا بد ومثل هذا لا يوصف فعله بإباحة ولا تحريم ولا حكم من أحكام التكليف لأن أحكام التكليف منوطة بالاختيار فلا تتعلق بمن لا اختيار له فلو كان بعضهم مسلما وبعضهم كافرا مع اشتراكهم في العصمة فقد قيل يلزمه الانتقال إلى الكافر أو المقام عليه لأن قتله أخف مفسدة من قتل المسلم ولهذا يجوز قتل من لا يقتله في المعركة إذا تترس بهم الكفار فيرميهم ويقصد الكفار
وأما من طلع عليه الفجر وهو مجامع فالواجب عليه النزع عينا ويحرم عليه استدامة الجماع واللبث وإنما اختلف في وجوب القضاء والكفارة عليه على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره
أحدها عليه القضاء والكفارة وهذا اختيار القاضي أبي يعلي والثاني لا شيء عليه وهذا اختيار شيخنا وهو الصحيح والثالث عليه القضاء دون الكفارة وعلى الأقوال كلها فالحكم في حقه وجوب النزع والمفسدة التي في حركة النزع مفسدة مغمورة في مصلحة إقلاعه ونزعه فليست المسئلة من موارد النزاع وأما إذا تترس الكفار بأسرى من المسلمين بعدد المقاتلة فانه لا يجوز رميهم إلا أن يخشى على جيش المسلمين وتكون مصلحة حفظ الجيش أعظم من مصلحة حفظ الأسارى فحينئذ يكون رمي الأسارى ويكون من باب دفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما فلو انعكس الامر وكانت مصلحة الاسرى أعظم من رميهم لم يجز رميهم
فهذا الباب مبني على دفع أعظم المفسدتين بأدناهما وتحصيل أعظم لمصلحتين بتفويت أدناهما فان فرض الشك وتساوي الأمران لم يجز رمي الأسرى لأنه

(2/18)


على يقين من قتلهم وعلى ظن وتخمين من قتل أصحابه وهلاكهم ولو قدر أنهم تيقنوا ذلك ولم يكن في قتلهم استباحة ببضه الإسلام وغلبة العدو على الديار لم يجز أن يقي نفوسهم بنفوس الأسرى كما لا يجوز للمكره على قتل المعصوم أن يقتله ويقي نفسه بنفسه بل الواجب عليه أن يستسلم للقتل ولا يجعل النفوس المعصومة وقاية لنفسه وأما إذا ألقى في مركبهم نار فانهم يفعلون ما يرون السلامة فيه وان شكوا هل السلامة في في مقامهم أو في وقوعهم في الماء أو تيقنوا الهلاك في الصورتين أو غلب على ظنهم غلبة متساوية لا يترجح أحد طرفيها ففي الصور الثلاث قولان لأهل العلم وهما روايتان منصوصتان عن أحد إحداهما أنهم يخيرون بين الأمرين لأنهما موتتان قد عرضتا لهم فلهم أن يختاروا أيسرهما عليهم إذ لا بد من أحدهما وكلاهما بالنسبة إليهم سواء فيخيرون بينهما والقول الثاني أن يلزمهم المقام ولا يعينون على أنفسهم لئلا يكون موتهم بسبب من جهتهم وليتمحص موتهم شهادة بأيدي عدوهم وأما الذي ضاق عليه وقت الوقوف بعرفة والصلاة فإن الواجب في حقه تقوى الله بحسب الإمكان وقد اختلف في تعيين ذلك الواجب على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره أحدها أن الواجب في حقه معينا إيقاع الصلاة في وقتها فإنها قد تضيقت والحج لم يتضيق وقته فإنه إذا فعله في العام القابل لم يكن قد أخرجه عن وقته بخلاف الصلاة والقول الثاني أنه يقدم الحج ويقضى الصلاة بعد الوقت لأن مشقة فواته وتكلفه إنشاء سفر آخر أو إقامة في مكة إلى قابل ضرر عظيم تأباه الحنيفية السمحة فيشتغل بادراكه ويقضى الصلاة والثالث يقضى الصلاة وهو سائر إلى عرفة فيكون في طريقه مصليا كما يصلى الهارب من سيل أو سبع أو عدو ايفاقا أو الطالب لعدو يخشى فواته على أصح القولين وهذا أقيس الأقوال وأقربها إلى قواعد الشرع ومقاصده فإن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح بحسب الإمكان وأن لا يفوت منها شيء فإن أمكن تحصيلها كلها حصلت وإن تزاحمت ولم يمكن تحصيل بعضها إلا بتفويت البعض قدم أكملها وأهمها وأشدها طلبا للشارع وقد قال عبد الله بن أبي أنيس بعثني رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى خالد ابن سفيان العرنى وكان نحو عرنة وعرفات فقال اذهب فاقتله فرأيته وحضرت صلاة العصر فقلت إني أخاف أن يكون بيني وبينه ما أن أؤخر الصلاة فانطلقت أمشي وأنا أصلى أومي ايماء نحوه فلما دنوت منه قال لي من أنت قلت رجل من العرب بلغني أنك تجمع لهذا الرجل فجئتك في ذلك قال أني لفي ذلك قال فمشيت معه ساعة حتى إذا أمكنني علوته بسيفي حتى يرد رواه أبو داود
وأما مسألة المستيقظ قبل طلوع الشمس جنبا وضيق الوقت عليه بحيث لا يتسع للغسل والصلاة فهذا الواجب في حقه عند جمهور العلماء أن يغتسل وأن طلعت الشمس ولا تجزيه الصلاة بالتيمم لأنه واجد للماء وأن كان غير مفرط في نومه فلا إثم عليه

(2/19)


كما لو نام حتى طلعت الشمس والواجب في حقه المبادرة إلى الغسل والصلاة وهذا وقتها في حق أمثاله وعلى هذا القول الصحيح فلا يتعارض هاهنا مصلحة ومفسدة متساويتان بل مصلحة الصلاة بالطهارة أرجح من إيقاعها في الوقت بالتيمم وفي المسألة قول ثان وهو رواية عن مالك أنه يتيمم ويصلى في الوقت لأن الشارع له التفات إلى إيقاع الصلاة في الوقت بالتيمم أعظم من التفاته إلى إيقاعها بطهارة الماء خارج الوقت والعدم المبيح للتيمم هو العدم بالنسبة إلى وقت الصلاة لا مطلقا فإنه لا بد أن يجد الماء ولو بعد حين ومع هذا فأوجب عليه الشارع التيمم لأنه عادم للماء بالنسبة إلى وقت الصلاة وهكذا هذا النائم وأن كان واجدا للماء لكنه عادم بالنسبة إلى الوقت وصاحب هذا القول يقول مصلحة إيقاع الصلاة في الوقت بالتيمم أرجح في نظر الشارع من إيقاعها خارج الوقت بطهارة الماء فعلى كلا القولين لم تتساو المصلحة والمفسدة فثبت أنه لا وجوب لهذا القسم في الشرع
وأما مسألة اغتلام البحر فلا يجوز إلقاء أحد منهم في البحر بالقرعة ولا غيرها لاستوائهم في العصمة وقتل من لا ذنب وقاية لنفس القاتل به وليس أولى بذلك منه ظلم نعم لو كان في السفينة مال أو حيوان وجب إلقاء المال ثم الحيوان لأن المفسدة في فوات الأموال والحيوانات أولى من المفسدة في فوات أنفس الناس المعصومة وأما سائر الصور التي تساوت مفاسدها كإتلاف الدرهمين والحيوانين وقتل أحد العدوين فهذا الحكم فيه التخيير بينهما لأنه لا بد من أتلاف أحدهما وقاية لنفسه وكلاهما سواء فيخير بينهما وكذلك العدوان المتكافئان يخير بين قتالهما كالواجب المخير والولي وأما من تساوت حسناته وسيئاته وتدافع أثرهما فهو حجة عليكم فإن الحكم للحسنات وهي تغلب السيئات فإنه لا يدخل النار ولكنه يبقي على الأعراف مدة ثم يصير إلى الجنة فقد تبين غلبة الحسنات لجانب السيئات ومنعها من ترتب أثرها عليها وان الأثر هو أثر الحسنات فقط فبان أنه لا دليل حكم لكم على وجود هذا القسم أصلا وان الدليل يدل على امتناعه فأن قيل لكم فما قولكم فيما إذا عارض المفسدة مصلحة أرجع منها وترتب الحكم على الراجح هل يترتب عليه مع بقاء المرجوح من المصلحة والمفسدة لكنه لما كان مغمورا لم يلتفت إليه أو يقولون أن المرجوح زال أثره بالراجح فلم يبق له أثر
ومثال ذلك أن الله تعالى حرم الميتة والدم ولحم الخنزير لما في تناولها من المفسدة الراجحة وهو خبث التغذية والغازي شبيه بالمغتذى فيصير المفتذي بهذه الخبائث خبيث النفس فمن محاسن الشريعة تحريم هذه الخبائث فإن اضطر إليها وخاف على نفسه الهلاك أن لم يتناولها أبيحت له فهل إباحتها والحالة هذه مع بقاء وصف الخبث فيها لكن عارضه مصلحة أرجح منه وهي حفظ النفس أو إباحتها أزالت وصف الخبث منها فما أبيح له إلا طيب

(2/20)


وإن كان خبيثا في حال الاختيار قيل هذا موضع دقيق وتحقيقه بستدعي اطلاعا على أسرار الشريعة والطبيعة فلا تستهونه وأعطه حقه من النظر والتأمل وقد اختلف الناس فيه على قولين فكثير منهم أو أكثرهم سلك مسالك الترجيح مع بقاء وصف الخبث فيه وقال مصلحة حفظ النفس أرجح من مفسدة خبث التغذية وهذه قول من لم يحقق النظر ويمعن التأمل بل استرسل مع ظاهر الأمور والصواب أن وصف الخبث منتف حال الاضطرار وكشف الغطاء عن المسألة أن وصف الخبث غير مستقل بنفسه في المحل المتفذي به بل هو متولد من القابل والفاعل فهو حاصل من المتفذي والمفتذي به ونظيره تأثير السم في البدن هو موقوف على الفاعل والمحل القابل إذا علم ذلك فتناول هذه الخبائث في حال الاختيار يوجب حصول الأثر المطلوب عدمه فإذا كان المتناول لها مضطرا فإن ضرورته تمنع قبول الخبث الذي في المفتذي به فلم تحصل تلك المفسدة لأنها مشروطة بالاختيار الذي به يقبل المحل خبث التغذية فإذا زال الاختيار زال شرط القبول فلم تحصل المفسدة أصلا وإن اعتاص هذا على فهمك فانظر في الأغذية والأشربة الضارة التي لا يختلف عنها الضرر إذا تناولها المختار الواجد لغيرها فإذا اشتدت ضرورته إليها ولم يجد منها بدا فإنها تنفعه ولا يتولد له منها ضرر أصلا لأن قبول طبيعته لها وفاقته إليها وميله منعه من التضرر بها بخلاف حال الاختيار وأمثلة ذلك معلومة مشهودة بالحس فإذا كان هذا في الأوصاف الحسية المؤثرة في محالها بالحس فما الظن بالأوصاف المعنوية التي تأثيرها إنما يعلم بالعقل أو بالشرع فلا تظن أن الضرورة أزالت وصف المحل وبدلته فأنا لم تقل هذا ولا يقوله عاقل وإنما الضرورة منعت تأثير الوصف وأبطلته فهي من باب المانع الذي يمنع تأثير المقتضى لا أنه يزيل قوته ألا ترى أن السيف الحاد إذا صادف حجرا فإنه يمنع قطعه وتأثيره لأنه يزيل حدته وتهيأه لقطع القابل ونظير هذا الملابس المحرمة إذا اضطر إليها فإن ضرورته تمنع ترتب المفسدة التي حرمت لأجلها فإن قال فهذا ينتقض عليكم بتحريم نكاح الأمة فإنه حرم للمفسدة التي تتضمنه من ارقاق ولده ثم أبيح عند الضرورة إليه وهي خوف العنة الذي هو اعظم فسادا من ارقاق الولد ومع هذا فالمفسدة قائمة بعينها ولكن عارضها مصلحة حفظ الفرج عن الحرام وهي أرجح عند الشارع من رق الولد قيل هذا لا ينتقض بما قررناه فإن الله سبحانه لم حرم نكاح الأمة لما فيه من مفسدة رق الولد واشتغال الأمة بخدمة سيدها فلا يحصل لزوجها من السكن إليها والإيواء ودوام المعاشرة ما تقر به عينه وتسكن به نفسه أباحه عند الحاجة إليه بأن لا يقدر على نكاح حرة ويخشى على نفسه مواقعة المحظور وكانت المصلحة له في نكاحها في هذه الحال أرجح من تلك المفاسد
وليس هذا حال ضرورة يباح لها المحظور فأن الله سبحانه لا يضطر عبده إلى الجماع بحيث أن لم يجامع مات بخلاف الطعام والشراب ولهذا لا يباح الزنا بضرورة كما يباح الخنزير

(2/21)


والميتة والدم وإنما الشهوة وقضاء الوطر يشق على الرجل تحمله وكف النفس عنه لضعفه وقلة صبره فرحمه أرحم الراحمين وأباح له أطيب النساء وأحسنهن أربعا من الحرائر وما شاء من ملك يمينه من الإماء فإن عجز عن ذلك أباح له نكاح الأمة رحمة به وتخفيفا عنه لضعفه ولهذا قال تعالى ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم إلى قوله والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا فأخبر سبحانه أنه شرع لهم هذه الأحكام تخفيفا عنهم لضعفهم وقلة صبرهم رحمة بهم وإحسانا إليهم فليس هاهنا ضرورة تبيح المحظور وإنما هي مصلحة أرجح من مصلحة ومفسدة أقل من مفسدة فاختار لهم أعظم المصلحتين وأن فاتت أدناهما ودفع عنهم أعظم المفسدتين وأن فاتت أدناهما وهذا شأن الحكيم اللطيف الخبير البر المحسن وإذا تأملت شرائع دينه التي وضعها بين عباده وجدتها لا تخرج عن تحصيل المصالح الخالصة أو الراجحة بحسب الإمكان وان تزاحمت قدم أهمها وأجلها وأن فاتت أدناهما وتعطيل المفاسد الخالصة أو الراجحة بحسب الإمكان وأن تزاحمت عطل أعظمها فسادا باحتمال أدناهما وعلى هذا وضع أحكم الحاكمين شرائع دينه دالة عليه شاهدة له بكمال علمه وحكمته ولطفه بعباده وإحسانه إليهم وهذه الجملة لا يستريب فيها من له ذوق من الشريعة وارتضاع من ثديها وورود من صفو حوضها وكلما كان تضلعه منها أعظم كان شهوده لمحاسنها ومصالحها أكمل ولا يمكن أحد من الفقهاء أن يتكلم في مآخذ الأحكام وعللها والأوصاف المؤثرة فيها حقا وفرقا إلا على هذه الطريقة وأما طريقة إنكار الحكم التعليل ونفي الأوصاف المقتضية لحسن ما أمر به وقبح ما نهى عنه وتأثيرها واقتضائها للحب والبغض الذي هو مصدر الأمر والنهي بطريقة جدلية كلامية لا يتصور بناء الأحكام عليها ولا يمكن فقيها أن يستعملها في باب واحد من أبواب الفقه كيف والقرآن وسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم مملوآن من تعليل الأحكام بالحكم والمصالح وتعليل الخلق بهما والتنبيه على وجوه الحكم التي لأجلها شرع تلك الإحكام ولأجلها خلق تلك الأعيان ولو كان هذا في القرآن والسنة في نحو مائة موضع أو مائتين لسقناها ولكنه يزيد على ألف موضع بطرق متنوعة فتارة يذكر لام التعليل الصريحة وتارة يذكر المفعول لأجله الذي هو المقصود بالفعل وتارة يذكر من أجل الصريحة في التعليل وتارة يذكر أداة كي وتارة يذكر الفاء وأن وتارة يذكر أداة لعل المتضمنة للتعليل المجردة عن معنى الرجاء المضاف إلى المخلوق وتارة ينبه على السبب يذكره صريحا وتارة يذكر الأوصاف المشتقة المناسبة لتلك الأحكام ثم يرتبها عليها ترتيب المسببات على أسبابها وتارة ينكر على من زعم أنه خلق خلقه وشرع دينه عبثا وسدى وتارة ينكر على من ظن أنه يسوى

(2/22)


بين المختلفين اللذين يقتضيان أثرين مختلفين وتارة يخير بكمال حكمته وعلمه المقتضى أنه لا يفرق بين متماثلين ولا يسوى بين مختلفين وأنه ينزل الأشياء منازلها ويرتبها مراتبها وتارة يستدعى من عباده التفكر والتأمل والتدبر والتعقل لحسن ما بعث به رسوله وشرعه لعباده كما يستدعى منهم التفكر والنظر في مخلوقاته وحكمها وما فيها من المنافع والمصالح وتارة يذكر منافع مخلوقاته منبها بها على ذلك وأنه الله الذي لا إله إلا هو وتارة يختم آيات خلقه وأمره بأسماء وصفات تناسبها وتقتضيها والقرآن مملوء من أوله إلى آخره بذكر حكم الخلق والأمر ومصالحهما ومنافعهما وما تضمناه من الآيات الشاهدة الدالة عليه ولا يمكن من له أدني اطلاع على معاني القرآن إنكار ذلك وهل جعل الله سبحانه في فطر العباد استواء العدل والظلم والصدق والكذب والفجور والعفة والإحسان والإساءة والصبر والعفو والاحتمال والطيش والانتقام والحدة والكرم والسماحة والبذل والبخل والشح والإمسام بل الفطرة على الفرقان بين ذلك كالفطرة على قبول الأغذية النافعة وترك مالا ينفع ولا يغذي ولا فرق في الفطرة بينهما أصلا وإذا تأملت الشريعة التي بعث الله بها رسوله حق التأمل وجدتها من أولها إلى آخرها شاهدة بذلك ناطقة به ووجدت الحكمة والمصلحة والعدل والرحمة باديا على صفحاتها مناديا عليها يدعو العقول والألباب إليها وأنه لا يجوز على أحكم الحاكمين ولا يليق به أن يشرع لعباده ما يضادها وذلك لأن الذي شرعها علم ما في خلافها من المفاسد والقبائح والظلم والسفه الذي يتعالى عن أرادته وشرعه وأنه لا يصلح العباد إلا عليها ولا سعادة لهم بدونها البتة فتأمل محاسن الوضوء بين يدي الصلاة وما تضمنه من النظافة والنزاهة ومجانبة الأوساخ والمستقذرات وتأمل كيف وضع على الأعضاء الأربعة التي هي آلة البطش والمشي ومجمع الحواس التي تعلق أكثر الذنوب والخطايا بها ولهذا خصها النبي صلى الله علية وسلم بالذكر في قوله إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك ولا محالة فالعين تزني وزناها النظر والأذن تزني وزناها الاستماع واليد تزني وزناها البطش والرجل تزني وزناها المشي والقلب يتمني ويشتهي والفرج يصدق ذلك ويكذبه فلما كانت هذه الأعضاء هي أكثر الأعضاء مباشرة للمعاصي كان وسخ الذنوب ألصق بها وأعلق من غيرها فشرع أحكم الحاكمين الوضوء عليها ليتضمن نظافتها وطهارتها من الأوساخ الحسية وأوساخ الذنوب والمعاصي وقد أشار النبي صلى الله عليه و سلم إلى هذا المعنى بقوله إذا توضأ العبد المسلم خرجت خطاياه مع الماء أو مع آخر قطرة من الماء حتى يخرج من تحت أظفاره وقال أبو إمامة يا رسول الله كيف الوضوء فقال أما فإنك إذا توضأت فغسلت كفيك فأنقيتهما خرجت خطاياك من بين أظفارك وأنا ملك فإذا مضمضت واستنشقت بمنخريك وغسلت وجهك ويديك إلى المرفقين ومسحت

(2/23)


برأسك وغسلت رجليك إلى الكعبين اغتسلت من عامة خطاياك فإن أنت وضعت وجهك لله خرجت من خطاياك كيوم ولدتك أمك رواه النسائي والأحاديث في هذا الباب كثيرة فاقتضت حكمة أحكم الحاكمين ورحمته أن شرع الوضوء على هذه الأعضاء التي هي أكثر الأعضاء مباشرة للمعاصي وهي الأعضاء الظاهرة البارزة للغبار والوسخ أيضا وهي أسهل الأعضاء غسلا فلا يشق تكرار غسلها في اليوم والليلة فكانت الحكمة الباهرة في شرع الوضوء عليها دون سائر الأعضاء وهذا يدل على أن المضمضة من آكد أعضاء الوضوء ولهذا كان النبي صلى الله عليه و سلم يداوم عليها ولم ينقل عنه بإسناد قط أنه أخل بها يوما واحدا وهذا يدل على أنها فرض لا يصح الوضوء بدونها كما هو الصحيح من مذهب أحمد وغيره من السلف فمن سوى بين هذه الأعضاء وغيرها وجعل تعيينها بمجرد الأمر الخالي عن الحكمة والمصلحة فقد ذهب مذهبا فاسدا فكيف إذا زعم مع ذلك أنه لا فرق في نفس الأمر بين التعبد بذلك وبين أن يتعبد بالنجاسة وأنواع الأقذار والأوساخ والأنتان والرائحة الكريهة ويجعل ذلك مكان الطهارة والوضوء وأن الأمرين سواء وإنما يحكم بمجرد المشيئة بهذا الأمر دون ضده ولا فرق بينهما في نفس الأمر وهذا قول تصوره كاف في الجزم ببطلانه وجميع مسائل الشريعة كذلك آيات بينات ودلالات واضحات وشواهد ناطقات بأن الذي شرعها له الحكمة البالغة والعلم المحيط والرحمة والعناية بعباده وإرادة الصلاح لهم وسوقهم بها إلى كمالهم وعواقبهم الحميدة وقد نبه سبحانه عباده على هذا فقال يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين إلى قوله ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون فأخبر سبحانه أنه لم يأمرهم بذلك حرجا عليهم وتضييقا ومشقة ولكن إرادة تطهيرهم وإتمام نعمته عليهم ليشكروه على ذلك فله الحمد كما هو أهله وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله فإن قيل فما جوابكم عن الأدلة التي ذكرها نفاة التحسين والتقبيح على كثرتها
قيل قد كفونا بحمد الله مؤنة إبطالها بقدحهم فيها وقد أبطلها كلها واعترض عليها فضلاء اتباعها وأصحابها أبو عبد الله ابن الخطيب وأبو الحسين الآمدى واعتمد كل منهم على مسلك من أفسد المسالك واعتمد القاضي على مسلك من جنسهما في المفاسد فاعتمد هؤلاء الفضلاء على ثلاث مسالك فاسدة وتعرضوا لإبطال ما سواها والقدح فيه ونحن نذكر مسالكهم التي اعتمدوا عليها ونبين فسادها وبطلانها فأما ابن الخطيب فاعتمد على المسلك المشهور وهو أن فعل العبد غير اختياري وما ليس بفعل اختياري لا يكون حسنا ولا قبيحا عقلا بالاتفاق لأن القائلين بالحسن والقبح العقليين يعترفون بأنه إنما يكون كذلك إذا كان اختياريا وقد ثبت أنه اضطراري فلا يوصف بحسن ولا قبح على المذهبين أما بيان كونه غير اختياري

(2/24)


فلأنه أن لم يتمكن العبد من فعله وتركه فواضح وأن كان متمكنا من فعله وتركه كان جائزا فأما أن يفتقر ترجيح الفاعلية على التاركية إلى مرجح أولا فأن لم يفتقر كان اتفاقيا والاتفاق لا يوصف بالحسن والقبح وان افتقر إلى مرجح فهو مع مرجحه أما أن يكون لازما وأما جائزا فإن كان لازما فهو اضطراري وأن كان جائزا عاد التقسيم فإما أن ينتهى إلى ما يكون لازما فيكون ضروريا أولا فينتهى إليه فيتسلسل وهو محال أن يكون إتفاقيا فلا يوصف بحسن ولا قبح فهذا الدليل هو الذي يصول به ويجول ويثبت به الجبر ويرد به على القدرية وينفي به التحسين والتقبيح وهو فاسد من وجوه متعددة أحدها أنه يتضمن التسوية بين الحركة الضرورية والاختيارية وعدم التفريق بينهما وهو باطل بالضرورة والحس والشرع فالاستدلال على أن فعل العبد غير اختياري استدلال على ما هو معلوم البطلان ضرورة وحسا وشرعا فهو بمنزلة الاستدلال على الجمع بين النقيضين وعلى وجود المحال
الوجه الثاني لو صح الدليل المذكور لزم منه أن يكون الرب تعالى غير مختار في فعله لأن التقسيم المذكور والترديد جار فيه بعينه بأن يقال فعله تعالى إما أن يكون لازما أو جائزا فان كان لازما كان ضروريا وان كان جائزا فان احتاج إلى مرجح عاد التقسيم وإلا فهو اتفاقي ويكفي في بطلان الدليل المذكور إن يستلزم كون الرب غير مختار * الوجه الثالث أن الدليل المذكور لو صح لزم بطلان الحسن والقبح الشرعيين لأن فعل العبد ضروري أو اتفاقي وما كان كذلك فإن الشرع لا يحسنه ولا يقبحه لأنه لا يرد بالتكليف به فضلا عن أن يجعله متعلق الحسن والقبح *
الوجه الرابع قوله إما أن يكون الفعل لازما أو جائزا * قلنا هو لازم عند مرجحه التام وكان ماذا قولك يكون ضروريا أتعني به أنه لا بد منه أو تعني به أنه لا يكون اختياريا فإن عنيت الأول منعنا انتفاء اللازم فانه لا يلزم منه أن يكون غير مختار ويكون حاصل الدليل إن كان لا بد منه فلا بد منه ولا يلزم من ذلك أن يكون غير اختياري وإن عنيت الثاني وهو أنه لا يكون اختياريا منعنا الملازمة إذ لا يلزم من كونه لا بد منه أن يكون غير اختياري وأنت لم تذكر على ذلك دليلا بل هي دعوى معلومة البطلان بالضرورة * الوجه الخامس أن يقال هو جائز قولك أما أن يتوقف ترجح الفاعلية على التاركية على مرجح أولا قلنا يتوقف على مرجح قولك عند المرجح إما أن يجب أو يبقى جائزا * قلنا هو واجب بالمرجح جائز بالنظر إلى ذاته والمرجح هو الإختيار وما وجب بالإختيار لا ينافي أن يكون اختياريا فلزوم الفعل بالإختيار لا ينافي كونه اختياريا * الوجه السادس أن هذا الدليل الذي ذكرته بعينه حجة على أنه اختياري لأنه وجب بالاختيار وما وجب بالاختيار لا يكون إلا اختياريا وإلا كان اختياريا غير اختياري وهو جمع بين النقيضين والدليل المذكور حجة على

(2/25)


فساد قولك وأن الفعل الواجب بالإختيار اختياري * الوجه السابع أن صدور الفعل عن المختار بشرط تعلق اختياره به لا ينافي كونه مقدورا له وإلا كانت إرادته وقدرته غير مشروطة في الفعل وهو محال وإذا لم يناف ذلك كونه مقدورا فهو اختياري قطعا *
الوجه الثامن قولك إن لم يتوقف على مرجح فهو اتفاقي إن عنيت بالمرجح ما يخرج الفعل عن أن يكون اختياريا ويجعله اضطراريا فلا يلزم من نفي هذا المرجح كونه اتفاقيا إذ هذا مرجح خاص ولا يلزم من نفي المرجح المعين نفي مطلق المرجح فما المانع من أن يتوقف على مرجح ولا يجعله اضطراريا غير اختياري وان عنيت بالمرجح ما هو أعم من ذلك لم يلزم من توقفه على المرجح الأعم أن يكون غير اختياري لأن المرجح هو الاختيار وما ترجح بالاختيار لم يمتنع كونه اختياريا * الوجه التاسع قولك وإن لم يتوقف على مرجح فهو اتفاقي ما تعني بالاتفاقي أتعني به ما لا فاعل له أو ما فاعله مرجح باختياره أو معنى ثالثا فإن عنيت الأول لم يلزم من عدم المرجح الموجب كونه اضطراريا أن يكون الفعل صادرا من غير فاعل وإن عنيت الثاني لم يلزم منه كونه اضطراريا وإن عنيت معنى ثالثا فابده * الوجه العاشر أن غاية هذا الدليل أن يكون الفعل لازما عند وجود سببه وأنت لم تقم دليلا على أن ما كان كذلك يمتنع تحسينه وتقبيحه سوى الدعوة المجردة فأين الدليل على أن ما كان لازما بهذا الاعتبار يمتنع تحسينه وتقبيحه ودليلك إنما يدل على أن ما كان غير اختياري من الأفعال امتنع تحسينه وتقبيحه فمحل النزاع لم يتناوله الدليل المذكور وما تناوله وصحت مقدماته فهو غير متنازع فيه فدليلك لم يفد شيئا * الوجه الحادي عشر ان قولك يلزم أن لا يوصف بحسن ولا قبح على المذهبين باطل فال منازعيك إنما يمنعون من وصف الفعل بالحسن والقبح إذا لم يكن متعلق القدرة والاختيار أما ما وجب بالقدرة والاختيار فإنهم لا يساعدونك على امتناع وصفه بالحسن والقبح أبدا * الوجه الثاني عشر أن هذا الدليل لوصح لزم بطلان الشرائع والتكاليف جملة لأن التكليف إنما يكون بالأفعال الاختيارية إذ يستحيل أن يكلف المرتعش بحركة يده وأن يكلف المحموم بتسخين جلده والمقرور بقره وإذا كانت الأفعال اضطرارية غير اختيارية لم يتصور تعلق التكليف والأمر والنهى بها فلو صح الدليل المذكور لبطلت الشرائع جملة فهذا هو الدليل الذي اعتمده ابن الخطيب وابطل أدلة غيره وأما الدليل الذي اعتمد عليه الآمدي فهو أن حسن الفعل لو كان أمرا زائدا على ذاته لزم قيام المعنى وهو محال لأن العرض لا يقوم بالعرض وهذا في البطلان من جنس ما قبله فإنه منقوض مالا يحصي من المعاني التي توصف بالمعاني كما يقال علم ضروري وعلم كسبي وإرادة جازمة وحركة سريعة وحركة بطيئة وحركة مستديرة وحركة مستقيمة ومزاج معتدل ومزاج منحرف وسواد براق وحمرة قانية وخضرة ناصعة ولون مشرق وصوت شج وحس رخيم ورفيع

(2/26)


ودقيق وغليظ وأضعاف أضعاف ذلك مما لا يحصى مما توصف المعاني والأعراض فيه بمعان وأعراض وجودية ومن أدعى أنها عدمية فهو مكابر وهل شك أحد في وصف المعاني بالشدة والضعف فيقال هم شديد وحب شديد وحزن شديد وألم شديد ومقابلها فوصف المعاني بصفاتها أمر معلوم عند كل العقلاء * الوجه الثاني أن قوله يلزم منه قيام المعنى بالمعنى غير صحيح بل المعنى يوصف بالمعنى ويقوم به تبعا لقيامه بالجوهر الذي هو المحل فيكون المعنيان جميعا قائمين بالمحل وأحدهما تابع للآخر وكلاهما تبع للمحل فما قام العرض بالعرض وإنما قام العرضان جميعا بالجوهر فالحركة والسرعة قائمتان بالمتحرك والصوت وشجاه وغلظه ودقته وحسنه وقبحه قائمة بالحامل له والمحال إنما هو قيام المعنى بالمعنى من غير أن يكون لهما حامل فأما إذا كان لهما حامل وأحدهما صفة للآخر وكلاهما قام بالمحل الحامل فليس بمحال وهذا في غاية الوضوح
الوجه الثالث أن حسن الفعل وقبحه شرعا أمر زائد عليه لأن المفهوم منه زائد على المفهوم من نفس الفعل وهما وجوديان لاعدميان لأن نقيضهما يحمل على العدم فهو عدمي فهما إذا وجوديان لأن كون أحد النقيضين عدميا يستلزم كون نقيضه وجوديا فلو صح دليلكم المذكور لزم أن لا يوصف بالحسن والقبح شرعا ولا خلاص عن هذا إلا بالتزام كون الحسن والقبح الشرعيين عدميين ولا سبيل إليه لأن الثواب والعقاب والمدح والذم مرتب عليهما ترتب الآثر على مؤثره المقتضى على مقتضيه وما كان كذلك لم يكن عدما محضا إذ العدم المحض لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب ولا مدح ولا ذم وأيضا فإنه لا معنى لكون الفعل حسنا وقبيحا شرعا إلا أنه يشتمل على صفة لأجلها كان حسنا محبوبا للرب مرضيا له متعلقا للمدح والثواب وكون القبيح مشتملا على صفة لأجلها كان قبيحا مبغوضا للرب متعلقة للذم والعقاب وهذه أمور وجودية ثابتة له في نفسه ومحبة الرب له وأمره به كساه أمرا وجوديا زاده حسنا إلى حسنه وبعضه له ونهيه عنه كساه أمرا وجوديا زاده قبحا إلى قبحه فجعل ذلك كله عدما محضا ونفيا صرفا لا يرجع إلى أمر ثبوتي في غاية البطلان والإحالة وظهر والإحالة وظهر أن هذا الدليل في غاية البطلان ولم نتعرض للوجوه التي قدحوا بها فيه فإنها مع طولها غير شافية ولا مقنعة فمن اكتفى بها فهي موجودة في كتبهم وأما المسلك الذي اعتمده كثير منهم كالقاضي وأبي المعالي وأبي عمرو بن الحاجب من المتأخرين فهو أن الحسن والقبح لو كانا ذاتيين لما اختلفا باختلاف الأحوال والمتعلقات والأزمان ولا ستحال ورود النسخ على الفعل لأن ما ثبت للذات فهو باق ببقائها لا يزول وهي باقية ومعلوم أن الكذب يكون حسنا إذا تضمن عصمة دم نبي أو مسلم ولو كان قبحه ذاتيا له لكان قبيحا اين وجد وكذلك ما نسخ من الشريعة لو كان حسنه لذاته لم يستحل قبيحا ولو كان قبحه لذاته لم يستحل حسنا بالنسخ قالوا وأيضا لو كان ذاتيا لاجتمع النقيضان في صدق من

(2/27)


قال لأكذبن غدا إذا فإنه لا يخلوا إما أن يكذب في الغد أو يصدق فإن كذب لزم قبحه لكونه كذبا وحسنه لاستلزامه مصدق الخبر الأول والمستلزم للحسن حسن فيجتمع في الخبر الثاني الحسن والقبح وهما نقيضان وإن صدق لزم حسن الخبر الثاني من حيث أنه صدق في نفسه وقبحه من حيث أنه مستلزم لكذب الخبر الأول فلزم النقيضان قالوا وأيضا فلو كان القتل والجلد وقطع الاطراف قبيحا لذاته أو لصفة لازمة للذات لم يكن حسنا في الحدود والقصاص لأن مقتضى الذات لا يتخلف عنها فإذا تخلف فيما ذكرنا من الصور وغيرها دل على أنه ليس ذاتيا فهذا تقرير هذا المسلك وهو من أفسد المسالك لوجوه أحدها أن كون الفعل حسنا أو قبيحا لذاته أو لصفة لم يعن به أن ذلك يقوم بحقيقة لا ينفك عنها بحال مثل كونه عرضا وكونه مفتقرا إلى محل يقوم به وكون الحركة حركة والسواد لونا ومن ها هنا غلط علينا المنازعون لنا في المسئلة وألزمونا مالا يلزمنا وإنما نعنى بكونه حسنا أو قبيحا لذاته أو لصفته أنه في نفسه منشأ للمصلحة والمفسدة وترتيبهما عليه كترتيب المسببات على أسبابها المقتضية لها وهذا كترتيب الري على الشرب والشبع على الأكل وترتب منافع الأغذية والأدوية ومضارها عليها فحسن الفعل أو قبحه هو من جنس كون الدواء الفلاني حسنا نافعا أو قبيحا ضارا وكذلك الغذاء واللباس والمسكن والجماع والاستفراغ والنوم والرياضة وغيرها فإن ترتب آثارها عليها ترتب المعلومات والمسببات على عللها وأسبابها ومع ذلك فإنها تختلف باختلاف الأزمان والأحوال والأماكن والمحل القابل ووجود المعارض فتخلف الشبع والري عن الخبز واللحم والماء في حق المريض ومن به علة تمنعه من قبول الغذاء لاتخرجه عن كونه مقتضيا لذلك حتى يقال لو كان كذلك لذاته لم يتخلف لأن ما بالذات لا يتخلف وكذلك تخلف الانتفاع بالدواء في شدة الحر والبرد وفي وقت تزايد العلة لا يخرجه عن كونه نافعا في ذاته وكذلك تخلف الانتفاع باللباس في زمن الحر مثلا لا يدل على أنه ليس في ذاته نافعا ولا حسنا فهذه قوى الأغذية والأدوية واللباس ومنافع الجماع والنوم تتخلف عنها آثارها زمانا ومكانا وحالا وبحسب القبول والاستعداد فتكون نافعة حسنة في زمان دون زمان ومكان دون وحال دون حال وفي حق طائفة أو شخص دون غيرهم ولم يخرجها ذلك عن كونها مقتضية لآثارها بقواها وصفاتها فهكذا أوامر الرب تبارك وتعالى وشرائعه سواء يكون الأمر منشأ المصلحة وتابعا للمأمور في وقت دون وقت فيأمره به تبارك وتعالى في الوقت الذي علم أنه مصلحة فيه ثم ينهى عنه في الوقت الذي يكون فعله فيه مفسدة على نحو ما يأمر الطبيب بالدواء والحمية في وقت هو مصلحة للمريض وينهاه عنه في الوقت الذي يكون تناوله مفسدة له بل أحكم الحاكمين الذي بهرت حكمته العقول أولى بمراعاة مصالح عباده ومفاسدهم في الأوقات والأحوال والأماكن والأشخاص وهل وضعت الشرائع إلا على هذا فكان نكاح الأخت حسنا في وقته حتى لم يكن بد منه في التناسل

(2/28)


وحفظ النوع الإنساني ثم صار قبيحا لما استغنى عنه فحرمه على عباده فأباحه في وقت كان فيه حسنا وحرمه في وقت صار فيه قبيحا وكذلك كل ما نسخه من الشرع بل الشريعة الواحدة كلها لا تخرج عن هذا وإن خفي وجه المصلحة والمفسدة فيه على أكثر الناس وكذلك إباحة الغنائم كان قبيحا في حق من قبلنا لئلا تحملهم إباحتها على القتال لأجلها والعمل لغير الله فتفوت عليهم مصلحة الإخلاص التي هي أعظم المصالح فحمى أحكم الحاكمين جانب هذه المصلحة العظيمة بتحريمها عليهم ليتمحض قتالهم لله لا للدنيا فكانت المصلحة في حقهم تحريمها عليهم ثم لما أوجد هذه الأمة التي هي أكمل الأمم عقولا وأرسخهم إيمانا وأعظمهم توحيدا وإخلاصا وأرغبهم في الآخرة وأزهدهم في الدنيا أباح لهم الغنائم وكانت إباحتها حسنة بالنسبة إليهم وإن كانت قبحة بالنسبة إلى من قبلهم فكانت كإباحة الطبيب اللحم للصحيح الذي لا يخشى عليه من مضرته وحميته منه للمريض المحموم وهذا الحكم فيما شرع في الشريعة الواحدة في وقت ثم نسخ في وقت آخر كالتخيير في الصوم في أول الإسلام بين الإطعام وبينه لما كان غير مألوف لهم ولا معتاد والطباع تأباه إذ هو هجر مألوفها ومحبوبها ولم تذق بعد حلاوته وعواقبه المحمودة وما في طيه من المصالح والمنافع فخيرت بينه وبين الإطعام وندبت إليه فلما عرفت علته يعني حكمته والفقه وعرفت ما تضمنه من المصالح والفوائد حتم عليها عينا ولم يقبل منها سواء فكان التخيير في وقته مصلحة وتعيين الصوم في وقته مصلحة فاقتضت الحكمة البالغة شرع كل حكم في وقته لأن المصلحة فيه في ذلك الوقت وكان فرض الصلاة أولا ركعتين ركعتين لما كانوا حديثي عهد بالإسلام ولم يكونوا معتادين لها ولا ألفتها طباعهم وعقولهم فرضت عليهم بوصف التخفيف فلما ذالت بها جوارحهم وطوعت بها أنفسهم وأطمأنت اليها قلوبهم وباشرت نعيمها لذتها وطيبها وذاقت حلاوة عبودية الله فيها ولذة مناجاته زيدت ضعفها وأقرت في السفر على الفرض الأول لحاجة المسافر إلى التخفيف ولمشقة السفر عليه فتأمل كيف جاء كل حكم في وقته مطابقا للمصلحة والحكمة شاهدا لله بأنه أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين الذي بهرت حكمته العقول والألباب وبدا على صفحاتها بأن ما خالفها هو الباطل وأنها هي عين المصلحة والصواب ومن هذا أمره سبحانه لهم بالأعراض عن الكافرين وترك آذاهم والصبر عليهم والعفو عنهم لما كان ذلك عين المصلحة لقلة عدد المسلمين وضعف شوكتهم وغلبة عدوهم فكان هذا في حقهم إذ ذاك عين المصلحة فلما تحيزوا إلى دار وكثر عددهم وقويت شوكتهم وتجرأت أنفسهم لمناجزة عدوهم أذن لهم في ذلك أذنا من غير إيجاب عليهم ليذيقهم حلاوة النصر والظفر وعز الغلبة وكان الجهاد أشق شيء على النفوس فجعله أولا إلى اختيارهم إذنا لاحتما فلما ذاقوا عز النصر

(2/29)


والظفر وعرفوا عواقبه الحميدة أوجبه عليهم حتما فانقادوا له طوعا ورغبة ومحبة فلو أتاهم الأمر به مفاجأة على ضعف وقلة لنفروا عنه أشد النفار وتأمل الحكمة الباهرة في شرع الصلاة أولا إلى بيت المقدس إذ كانت قبلة الأنبياء فبعث بما بعث به الرسل وبما يعرفه أهل الكتاب وكان استقبال بيت المقدس مقررا لنبوته وأنه بعث بما بعث به الأنبياء قبله وإن دعوته هي دعوة الرسل بعينها وليس بدعا من الرسل ولا مخالفا لهم بل مصدقا لهم مؤمنا بهم فلما استقرت أعلام نبوته في القلوب وقامت شواهد صدقه من كل جهة وشهدت القلوب له بأنه رسول الله حقا وإن أنكروا رسالته عنادا وحسدا وبغيا وعلم سبحانه أن المصلحة له ولأمته أن يستقبلوا الكعبة البيت الحرام افضل بقاع الارض وأحبها إلى الله وأعظم البيوت وأشرفها وأقدمها قرر قبله أمورا كالمقدمات بين يديه لعظم شأنه فذكر النسخ أولا وأنه إذا نسخ آية أو حكما أتى بخير منه أو مثله وأنه على كل شيء قدير وأن له ملك السموات والأرض ثم حذرهم التعنت على رسوله والإعراض كما فعل أهل الكتاب قبلهم ثم حذرهم من أهل الكتاب وعداوتهم وأنهم يودون لو ردوهم كفارا فلا يسمعوا منهم ولا يقبلوا قولهم ثم ذكر تعظيم دين الإسلام وتفضيله على اليهودية والنصرانية وأن أهله هم السعداء الفائزون لا أهل الأماني الباطلة ثم ذكر اختلاف اليهود والنصارى وشهادة بعضهم على بعض بأنهم ليسوا على شيء فحقيق بأهل الإسلام إن لا يقتدوا بهم وأن يخالفوهم في هديهم الباطل ثم ذكر جرم من منع عباده من ذكر اسمه في بيوته ومساجده وأن يعبد فيها وظلمه وأنه بذلك ساع في خرابها لأن عمارتها إنما هي بذكر اسمه وعبادته فيها ثم بين أن له المشرق والمغرب وأنه سبحانه لعظمته وإحاطته حيث استقبل المصلى فثم وجهه تعالى فلا يظن الظان أنه إذا استقبل البيت الحرام خرج عن كونه مستقبلا ربه وقبلته فإن الله واسع عليم ثم ذكر عبودية أهل السموات والأرض له وأنهم كل له قانتون ثم نبه على عدم المصلحة في موافقة أهل الكتاب وأن ذلك لا يعود باستصلاحهم ولا يرجى معه إيمانهم وأنهم لن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم وضمن هذا تنبيه لطيف على أن موافقتهم في القبلة لا مصلحة فيها فسواء وافقتهم فيها أو خالفتهم فإنهم لن يرضوا عنك حتى تتبع ملتهم ثم أخبر أن هداه هو الهدى الحق وحذره من اتباع أهوائهم ثم انتقل إلى تعظيم إبراهيم صاحب البيت وبانيه والثناء عليه وذكر إمامته للناس وإنه أحق من اتبع ثم ذكر جلالة البيت وفضله وشرفه وأنه أمن للناس ومثابة لهم يثوبون إليه ولا يقضون منه وطرا وفي هذا تنبيه على أنه أحق بالاستقبال من غيره ثم أمرهم أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ثم ذكر بناء إبراهيم وإسماعيل البيت وتطهيره بعهده وإذنه ورفعهما قواعده وسؤالهما ربهما القبول منهما وأن تجعلهما مسلمين له ويريهما مناسكهما ويبعث في ذريتهما رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم

(2/30)


ويعلمهم الكتاب والحكمة ثم أخبر عن جهل من رغب عن ملة إبراهيم وسفه ونقصان عقله ثم أكد عليهم أن يكونوا على ملة إبراهيم وأنهم إن خرجوا عنها إلى يهودية أو نصرانية أو غيرها كانوا ضلالا غير مهتدين وهذه كلها مقدمات بين يدي الأمر باستقبال الكعبة لمن تأملها وتدبرها وعلم ارتباطها بشأن القبلة فإنه يعلم بذلك عظمة القرآن وجلالته وتنبيهه على كمال دينه وحسنه وجلالته وأنه هو عين المصلحة لعباده لا مصلحة لهم سواه وشوق بذلك النفوس إلى الشهادة له بالحسن والكمال والحكمة التامة فلما قرر ذلك كله أعلمهم بما سيقول السفهاء من الناس إذا تركوا قبلتهم لئلا يفجأهم من غير علم به فيعظم موقعه عندهم فلما وقع لم يهلهم ولم يصعب عليهم بل أخبر أن له المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ثم أخبر انه كما جعلهم أمة وسطا خيارا اختار لهم أوسط جهات الاستقبال وخيرها كما اختار لهم خير الأنبياء وشرع لهم خير الأديان وأنزل عليهم خير الكتب وجعلهم شهداء على الناس كلهم لكمال فضلهم وعلمهم وعدالتهم وظهرت حكمته في أن اختار لهم أفضل قبلة وأشرفها لتتكامل جهات الفضل في حقهم بالقبلة والرسول والكتاب والشريعة ثم نبه سبحانه على حكمته البالغة في أن جعل القبلة أولا هي بيت المقدس ليعلم سبحانه واقعا في الخارج ما كان معلوما له قبل وقوعه من يتبع الرسول في جميع أحواله وينقاد له ولأوامر الرب تعالى ويدين بها كيف كانت وحيث كانت فهذا هو المؤمن حقا الذي أعطى العبودية حقها ومن ينقلب على عقبيه ممن لم يرسخ في الإيمان قلبه ولم يستقر عليه قدمه فعارض وأعرض ورجع على حافره وشك في النبوة وخالط قلبه شبهة الكفار الذين قالوا أن كانت القبلة الأولى حقا فقد خرجتم عن الحق وأن كانت باطلا فقد كنتم على باطل وضاق عقله المنكوس عن القسم الثالث الحق وهو أنها كانت حقا ومصلحة في الوقت الأول ثم صارت مفسدة باطلة الاستقبال في الوقت الثاني ولهذا أخبر سبحانه عن عظم شأن هذا التحويل والنسخ في القبلة فقال وأن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله ثم أخبر أنه سبحانه لم يكن يضيع ما تقدم لهم من الصلوات إلى القبلة الأولى وأن رأفته ورحمته بهم تأبي إضاعة ذلك عليهم وقد كان طاعة لهم فلما قرر سبحانه ذلك كله وبين حسن هذه الجهة بعظمة البيت وعلو شأنه وجلالته قال قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وأكد ذلك عليهم مرة بعد مرة اعتناء بهذا الشأن وتفخيما له وأنه شأن ينبغي الاعتناء به والاحتفال بأمره فندبر هذا الاعتناء وهذا التقرير وبيان المصالح الناشئة من هذا الفرع من فروع الشريعة وبيان المفاسد الناشئة من خلافه وان كل جهة في وقتها كان استقبالها هو المصلحة وأن للرب تعالى الحكمة البالغة في شرع القبلة الأولى وتحويل عباده عنها إلى المسجد

(2/31)


الحرام فهذا معنى كون الحسن والقبح ذاتيا للفعل لا ناشئا من ذاته ولا ريب عند ذوي العقول أن مثل هذا يختلف باختلاف الأزمان والأمكنة والأحوال والأشخاص وتأمل حكمة الرب تعالى في أمره إبراهيم خليله صلى الله عليه و سلم بذبح ولده لأن الله اتخذه خليلا والخلة منزلة تقتضى إفراد الخليل بالمحبة وأن لا يكون له فيها منازع أصلا بل قد تخللت محبته جميع أجزاء القلب والروح فلم يبق فيها موضع خال من حبه فضلا عن أن يكون محلا لمحبة غيره فلما سأل إبراهيم الولد وأعطيه أخذ شعبة من قلبه كما يأخذ الولد شعبة من قلب والده فغار المحبوب على خليله أن يكون في قلبه موضع لغيره فأمره بذبح الولد ليخرج حبه من قلبه ويكون الله أحب إليه وآثر عنده ولا يبقى في القلب سوى محبته فوطن نفسه على ذلك وعزم عليه فخلصت المحبة لوليها ومستحقها فحصلت مصلحة المأمور به من العزم عليه وتوطين النفس على الامتثال فبقي الذبح مفسدة لحصول المصلحة بدونه فنسخه في حقه لما صار مفسدة وأمر به لما كان عزمه عليه وتوطين نفسه مصلحة لهما فأي حكمة فوق هذا وأي لطف وبر وإحسان يزيد على هذا وأي مصلحة فوق هذه المصلحة بالنسبة إلى هذا الأمر ونسخة وإذا تأملت الشرائع الناسخة والمنسوخة وجدتها كلها بهذه المنزلة فمنها ما يكون وجه المصلحة فيه ظاهرا مكشوفا ومنها ما يكون ذلك فيه خفيا لا يدرك إلا بفضل فطنة وجوده إدراك
فصل وههنا سر بديع من أسرار الخلق والأمر به يتبين لك حقيقة الأمر
وهو أن الله لم يخلق شيئا ولم يأمر بشيء ثم ابطله وأعدمه بالكلية بل لا بد أن يثبته بوجه ما لأنه إنما خلقه لحكمة له في خلقه وكذلك أمره به وشرعه إياه هو لما فيه من المصلحة ومعلوم أن تلك المصلحة والحكمة تقتضي ابقاءه فإذا عارض تلك المصلحة مصلحة أخرى أعظم منها كان ما اشتملت عليه أولى بالخلق والأمر ويبقى في الأولى ما شاء من الوجه الذي يتضمن المصلحة ويكون هذا من باب تزاحم المصالح والقاعدة فيها شرعا وخلقا تحصيلها واجتماعها بحسب الإمكان فإن تعذر قدمت المصلحة العظمى وإن فاتت الصغرى وإذا تأملت الشريعة والخلق رأيت ذلك ظاهرا وهذا سر قل من تفطن له من الناس فتأمل الأحكام المنسوخة حكما حكما كيف تجد المنسوخ لم يبطل بالكلية بل له بقاء بوجه فمن ذلك نسخ القبلة وبقاء بيت المقدس معظما محترما تشد إليه الرحال ويقصد بالسفر إليه وحط الأوزار عنده واستقباله مع غيره من الجهات في السفر فلم يبطل تعظيمه واحترامه بالكلية وإن بطل خصوص استقباله بالصلوات فالقصد إليه ليصلى فيه باق وهو نوع من تعظيمه وتشريفه بالصلاة فيه والتوجه إليه قصدا لفضيلته وشرعه له نسبة من التوجه إليه بالاستقبال

(2/32)


بالصلوات فقدم البيت الحرام عليه في الاستقبال لأن مصلحته أعظم وأكمل وبقي قصده وشد الرحال إليه والصلاة فيه منشأ للمصلحة فتمت للأمة المحمدية المصلحتان المتعلقتان بهذين البيتين وهذا نهاية ما يكون من اللطف وتحصيل المصالح وتكميلها لهم فتأمل هذا الموضع ومن ذلك نسخ التخيير في الصوم بتعيينه فإن له بقاء وبيانا ظاهرا وهو أن الرجل كان إذا أراد أفطر وتصدق فحصلت له مصلحة الصدقة دون مصلحة الصوم وإن شاء صام ولم يفد فحصلت له مصلحة الصوم دون الصدقة فحتم الصوم على المكلف لأن مصلحته أتم وأكمل من مصلحة الفدية وندب إلى الصدقة في شهر رمضان فإذا صام وتصدق حصلت له المصلحتان معا وهذا أكمل ما يكون من الصوم وهو الذي كان يفعله النبي صلى الله عليه و سلم فإنه كان أجود ما يكون في رمضان فلم تبطل المصلحة الأولى جملة بل قدم عليها ما هو أكمل منها وجوبا وشرع الجمع بينها وبين الأخرى ندبا واستحبابا ومن ذلك نسخ ثبات الواحد من المسلمين للعشرة من العدو بثباته للإثنين ولم تبطل الحكمة الأولى من كل وجه بل بقي استحبابه وإن زال وجوبه بل إذا غلب على ظن المسلمين ظفرهم بعدوهم وهم عشرة أمثالهم وجب عليهم الثبات وحرم عليهم الفرار فلم تبطل الحكمة الأولى من كل وجه ومن ذلك نسخ وجوب الصدقة بين يدي مناجاة الرسول صلى الله عليه و سلم لم يبطل حكمه بالكلية بل نسخ وجوبه وبقي استحبابه والندب إليه وما علم من تنبيهه وإشارته وهو أنه إذا استحبت الصدقة بين يدي مناجاة المخلوق فاستحبابها بين يدي مناجاة الله عند الصلوات والدعاء أولى فكان بعض السلف الصالح يتصدق بين يدي الصلاة والدعاء إذا أمكنه ويتأول هذه الأولوية ورأيت شيخ الإسلام ابن تيمة يفعله ويتحراه ما أمكنه وفاوضته فيه فذكر لي هذا التنبيه والإشارة ومن ذلك نسخ الصلوات الخمسين التي فرضها الله على رسوله ليلة الإسراء بخمس فإنها لم تبطل بالكلية بل اثبتت خمسين في الثواب والأجر خمسا في العمل والوجوب وقد أشار تعالى إلى هذا بعينه حيث يقول على لسان نبيه لا يبدل القول لدى هي خمس وهي خمسون في الأجر فتأمل هذه الحكمة البالغة والنعمة السابغة فإنه لما اقتضت المصلحة أن تكون خمسين تكميلا للثواب وسوقا لهم بها إلى أعلا المنازل واقتضت أيضا أن تكون خمسا لعجز الأمة وضعفهم وعدم احتمالهم الخمسين جعلها خمسا من وجه وخمسين من وجه جمعا بين المصالح وتكميلا لها ولو لم نطلع من حكمته في شرعه وأمره ولطفه بعباده ومراعاة مصالحهم وتحصيلها لهم على أتم الوجوه إلا على هذه الثلاثة وحدها لكفى بها دليلا على ما راءها فسبحان من له في كل ما خلق وأمر حكمة بالغة شاهدة له بأنه أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وأنه الله الذي لا إله إلا هو رب العالمين ومن ذلك الوصية للوالدين والأقربين فإنها كانت واجبة على من حضره الموت ثم نسخ الله ذلك بآية المواريث وبقيت مشروعة في حق الأقارب الذين لا يرثون

(2/33)


وهل ذلك على سبيل الوجوب أو الاستحباب فيه قولان للسلف والخلف وهما في مذهب أحمد فعلى القول الأول بالاستحباب إذا أوصى للأجانب دونهم صحت الوصية ولا شيء للأقارب وعلى القول بالوجوب فهل لهم أن يبطلوا وصية الأجانب ويختصوا هم بالوصية كما للورثة يبطلوا وصية الوارث أو يبطلوا ما زاد على ثلث الثلث ويختصوا هم بثلثيه كما للورثةأن يبطلوا ما زاد على ثلث المال من الوصية ويكون الثلث في حقهم بمنزلة المال كله في حق الورثة على وجهين وهذا الثاني أقيس وأفقه وسره أن الثلث لما صار مستحقا لهم كان بمنزلة جميع المال في حق الورثة وهم لا يكونوا أقوى من الورثة فكما لا سبيل للورثة إلى أبطال الوصية بالثلث للأجانب فلا سبيل لهؤلاء إلى إبطال الوصية بثلث الثلث للأجانب وتحقيق هذه المسائل والكلام على ما أخذها له موضع آخر والمقصود هنا أن إيجاب الوصية للأقارب وأن نسخ لم يبطل بالكلية بل بقي منه ما هو منشأ المصلحة كما ذكرناه ونسخ منه مالا مصلحة فيه بل المصلحة في خلافه ومن ذلك نسخ الاعتداد في الوفاة بحول بالاعتداد بأربعة أشهر وعشر على المشهور من القولين في ذلك فلم تبطل العدة الأولى جملة
ومن ذلك حبس الزانية في البيت حتى تموت فإنه على أحد القولين لا نسخ فيه لأنه مغيا بالموت أو يجعل الله لهن سبيلا وقد جعل الله لهن سبيلا بالحد وعلى القول الأخر هو منسوخ بالحد وهو عقوبة من جنس عقوبة الحبس فلم تبطل العقوبة عنها بالكلية بل نقلت من عقوبة إلى عقوبة وكانت العقوبة الأولى أصلح في وقتها لأنهم كانوا حديثي عهد بجاهلية وزنا فأمروا بحبس الزانية أولا ثم لما استوطنت أنفسهم على عقوبتها وخرجوا عن عوائد الجاهلية وركنوا إلى التحريم والعقوبة نقلوا إلى ما هو أغلظ من العقوبة الأولى وهو الرجم والجلد فكانت كل عقوبة في وقتها هي المصلحة التي لا يصلحهم سواها وهذا الذي ذكرناه إنما هو في نسخ الحكم الذي ثبت بشرعه وأمره وأما ما كان مستصحبا بالبراءة الأصلية فهذا لا يلزم من رفعه بقاء شيء منه لأنه لم يكن مصلحة لهم وإنما أخر عنهم تحريمه إلى وقت لضرب من المصلحة في تأخير التحريم ولم يلزم من ذلك أن يكون مصلحة حين فعلهم أياه وهذا كتحريم الربا والمسكر وغير ذلك من المحرمات التي كانوا يفعلونها استصابا لعدم التحريم فإنها لم تكن مصلحة في وقت ولهذا لم يشرعها الله تعالى ولهذا كان رفعها بالخطاب لا يسمى نسخا إذ لو كان ذلك نسخا لكانت الشريعة كلها نسخا وإنما النسخ رفع الحكم الثابت بالخطاب لا رفع موجب الاستصحاب وهذا متفق عليه
فصل وأما ما خلقه سبحانه فإنه أوجده لحكمة في إيجاده فإذا اقتضت
حكمته إعدامه جملة أعدمه وأحدث بدله وإذا اقتضت حكمته تبدليه وتغييره وتحويله من صورة بدله وغيره

(2/34)


وحوله ولم يعدمه جملة ومن فهم هذا فهم مسألة المعاد وما جاءت به الرسل فيه فإن القرآن والسنة إنما دلا على تغيير العالم وتحويله وتبديله لا جعله عدما محضا وإعدامه بالكلية فدل على تبديل الأرض غير الأرض والسماوات وعلى تشقق السماء وانفطارها وتكوير الشمس وانتثار الكواكب وسجر البحار وإنزال المطر على أجزاء بنى آدم المختلطة بالتراب فينبتون كما ينبت النبات وترد تلك الأرواح بعينها إلى تلك الأجساد التي أحيلت ثم أنشئت نشأة أخرى وكذلك القبور تبعثر وكذلك الجبال تسير ثم تنسف وتصير كالعهن المنفوش وتقيء الأرض يوم القيامة أفلاذ كبدها أمثال الاسطوان من الذهب والفضة وتميد الأرض وتدنو والشحى من رؤس الناس فهذا هو الذي أخبر به القرآن والسنة ولا سبيل لاحد من الملاحدة الفلاسفة وغيرهم إلى الاعتراض على هذا المعاد الذي جاءت به الرسل بحرف واحد وإنما اعتراضاتهم على المعاد الذي عليه طائفة من المتكلمين أن الرسل جاؤا به وهو أن الله يعدم أجزاء العالم العلوي والسفلي كلها فيجعلها عدما محضا ثم يعيد ذلك العدم وجودا ويا ليت شعري أين في القرآن والسنة أن الله يعدم ذرات العالم وأجزاءه جملة ثم يقلب ذلك العدم وجودا وهذا هو المعاد الذي أنكرته الفلاسفة ورمته بأنواع الاعتراضات وضروب الالزامات واحتاج المتكلمون إلى تعسف الجواب وتقريره بأنواع من المكابرات وأما المعاد الذي أخبرت به الرسل فبريء من ذلك كله مصون عنه لا مطمع للعقل في الاعتراض عليه ولا يقدح فيه شبهة واحد وقد أخبر سبحانه أنه يحي العظام بعد ما صارت رميما وأنه قد علم ما تنقص الأرض من لحوم بني آدم وعظامهم فيرد ذلك إليهم عند النشأة الثانية وأنه ينشىء تلك الأجساد بعينها بعد ما بليت نشأه أخري ويرد إليها تلك الأرواح فلم يدل على أنه يعدم تلك الأرواح ويفنيها حتى تصير عدما محضا فلم يدل القرآن على أنه يعدم تلك الأرواح ثم يخلقها خلقا جديدا ولا دل على أنه يفني الأرض والسموات ويعدمهما عدما صرفا ثم يجدد وجودهما وإنما دلت النصوص على تبديلهما وتغييرهما من حال إلى حال فلو أعطيت النصوص حقها لارتفع أكثر النزاع من العالم ولكن خفيت النصوص وفهم منها خلاف مرادها وانضاف إلى ذلك تسليط الآراء عليها واتباع ما تقضى به فتضاعف البلاء وعظم الجهل واشتدت المحنة وتفاقم الخطب وسبب ذلك كله الجهل بما جاء به الرسول وبالمراد منه فليس للعبد أنفع من سمع ما جاء به الرسول وعقل معناه وأما من لم يسمعه ولم يعقله فهو من الذين قال الله فيهم وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير فلنرجع إلى الكلام عن الدليل المذكور وهو أن الحسن أو القبح لو كان ذاتيا لما اختلف إلى آخره فنقول قد بينا أن اختلافه بحسب الأزمنة والأمكنة والأحوال والشروط لا يخرجه عن كونه ذاتيا الثاني أنه ليس المعنى من كونه ذاتيا إلا أنه ناشىء من الفعل فالفاعل منشؤه وهذا

(2/35)


لا يوجب اختلافه بدليل ما ذكرنا من الصور الثالث انه يجوز اقتضاء الذات الواحدة لأمرين متنافيين بحسب شرطين متنافيين فيقتضى التبريد مثلا في محل معين بشرط معين والتسخين في محل آخر بشرط آخر والجسم في حيزه يقتضي السكون فإذا خرج عن حيزه اقتضى الحركة واللحم يقتضي الصحة بشرط سلامة البدن من الحمى والمرض الممتنع منه الغذاء ويقتضي المرض بشرط كون الجسم محموما ونحوه ونظائر ذلك أكثر من أن تحصى فإن قيل محل النزاع أن الفعل لذاته أو لوصف لازم له يقتضي الحسن والقبح والشرطان متنافيان يمتنع أن يكون كل واحد منهما وصفا لازما لأن اللازم يمتنع انفكاك الشيء عنه قيل معنى كونه يقتضي الحسن والقبح لذاته أو لوصفه اللازم أن الحسن ينشأ من ذاته أو من وصفه بشرط معين والقبح ينشأ من ذاته أو من وصفه بشرط آخر فإذا عدم شرط الاقتضاء أو وجد مانع يمنع الاقتضاء زال الأمر المترتب بحسب الذات أو الوصف لزوال شرطه أو لوجود مانعه وهذا واضح جدا : الثالث أن قولكم يحسن الكذب إذا تضمن عصمة نبى أو مسلم فهذا فيه طريقان أحدهما لا نسلم أنه يحسن الكذب فضلا عنأن يجب بل لا يكون الكذب إلا قبيحا وأما الذي يحسن فالتعريض والتورية كما وردت به السنة النبوية وكما عرض إبراهيم للملك الظالم بقوله هذه أختي لزوجته وكما قال أني سقيم فعرض بأنه سقيم قلبه من شركهم أو سيسقم يوما ما وكما فعل في قوله بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم أن كانوا ينطقون فأن الخبر والطلب كلاهما معلق بالشرط والشرط متصل بهما ومع هذا فسماها صلى الله عليه و سلم ثلاث كذبات وامتنع بها من مقام الشفاعة فكيف يصح دعواكم أن الكذب يجب إذا تضمن عصمة مسلم مع ذلك * فأن قيل كيف سماها إبراهيم كذبات وهي تورية وتعريض صحيح * قيل لا يلزمنا جواب هذا السؤال إذا الغرض أبطال استدلالكم وقد حصل فالجواب عنه تبرع منا وتكميل للفائدة ولم أجد في هذا المقام للناس جوابا شافيا يسكن القلب إليه وهذا السؤال لا يختص به طائفة معينة بل هو وارد عليكم بعينه وقد فتح الله الكريم بالجواب عنه فنقول الكلام له نسبتان نسبة إلى المتكلم وقصده وإرادته ونسبة إلى السامع وإفهام المتكلم إياه مضمونه فإذا أخبر المتكلم بخبر مطابق للواقع وقصد إفهام المخاطب فهو صدق من الجهتين وأن قصد خلاف الواقع وقصد مع ذلك إفهام المخاطب خلاف ما قصد بل معنى ثالثا لا هو الواقع ولا هو المراد فهو كذب من الجهتين بالنسبتين معا وإن قصد معنى مطابقا صحيحا وقصد مع ذلك التعمية على المخاطب وإفهامه خلاف ما قصده فهو صدق بالنسبة إلى قصده كذب بالنسبة إلى إفهامه ومن هذا الباب التورية والمعاريض وبهذا أطلق عليها إبراهيم الخليل عليه السلام اسم الكذب مع أنه الصادق في خبره ولم يخبر إلا صدقا فتأمل هذا الموضع الذي أشكل على الناس وقد ظهر بهذا أن الكذب لا يكون قط إلا

(2/36)


قبيحا وأن الذي يحسن ويجب إنما هو التورية وهي صدق وقد يطلق عليها الكذب بالنسبة إلى الإفهام لا إلى العناية الطريق الثاني ان تخلف القبح عن الكذب لفوات شرط أو قيام مانع يقتضي مصلحة راجعة على الصدق لا تخرجه عن كونه قبيحا لذاته وتقريره ما تقدم وقد تقدم أن الله سبحانه حرم الميتة والدم ولحم الخنزير للمفسدة التي في تناولها وهي ناشئة من ذوات هذه المحرمات وتخلف التحريم عنها عند الضرورة لا يوجب أن تكون ذاتها غير مقتضية للمفسدة التي حرمت لأجلها فهكذا الكذب المتضمن نجاة نبي أو مسلم الوجه الرابع قوله لو كان ذاتيا لاجتمع النقيضان في صدق من قال لأكذبن غدا إلى آخر ما ذكر جوابه أنه متى يجتمع النقيضان إذا كان الحسن والقبح باعتبار واحد من جهة واحدة أو إذا كانا باعتبارين من جهتين أو أعم من ذلك فإن عنيتم الأول فمسلم ولكن لا نسلم الملازمة فإنه لا يلزم من اجتماع الحسن والقبح في الصورة المذكورة أن يكون لجهة واحدة واعتبار واحد فإن اجتماع الحسن والقبح فيهما باعتبارين مختلفين من جهتين متباينتين وهذا ليس ممتنعا فإنه إذا كان كذبا كان قبيحا بالنظر إلى ذاته وحسنا بالنظر إلى تضمنه صدق الخبر الأول ونظيره إن يقول والله لأشربن الخمر غدا أو والله لآسرقن هذا الثوب غدا ونحوه وأن عنيتم الثاني فهو حق ولكن لا نسلم انتفاء اللازم وأن عنيتم الثالث منعنا الملازمة أيضا على التقدير الأول وانتفاء اللازم على التقدير الثاني وهذا واضح جدا الوجه الخامس قوله القتل والضرب حسن إذا كان حدا أو قصاصا وقبيح في غيره فلو كان ذاتيا لاجتمع النقيضان كلام في غاية الفساد فإن القتل والضرب واحد بالنوع والقبيح ما كان ظنا وعدوانا والحس منه ما كان جزاء على إساءة أما حدا وأما قصاصا فلم يرجع الحسن والقبح إلى واحد بالعين ونظير هذا السجود فإنه في غاية الحسن لذاته إذا كان عبودية وخضوعا للواحد المعبود وفي غاية القبح إذا كان لغيره ولو سلمنا أن القتل والضرب الواحد بالعين إذا كان حدا أو قصاصا فإنه يكون حسنا قبيحا لم يكن ذلك محالا لأنه باعتبارين فهو حسن لما تضمنه من الزجر والنكال وعقوبة المستحق وقبيح بالنظر إلى المقتول المضروب فهو قبيح له حسن في نفسه وهذا كما أنه مكروه مبغوض له وهو محبوب مرضى لفاعله والآمر به فأي محال في هذا فظهر أن هذا الدليل فاسد والله أعلم
فصل فهذه أقوى أدلة النفاة باعترافهم بضعف ما سواها فلا حاجة بنا
إلى ذكرها وبيان فسادها فقد تبين الصبح لذي عينين وجلبت عليك المسئلة رافلة في حلل أدلتها الصحيحة وبراهينها

(2/37)


المستقيمة ولا تغضض طرف بصيرتك عن هذه المسئلة فأن شأنها عظيم وخطبها جسيم وقد احتج بعضهم بدليل أفسد من هذا كله فقالوا لو حسن الفعل أو قبح لذاته او لصفته لم يكن الباريء تعالى مختارا في الحكم لأن الحكم بالمرجوح على خلاف المعقول فليزم الآخر فلا اختيار وتقرير هذا الاستدلال ببيان الملازمة المذكورة أولا وبيان انتفاء اللازم ثانيا أما المقام الأول وهو بيان الملازمة فإن الفعل لو حسن لذاته او لصفته لكان راجحا على الحسن في كونه متعلقا للوجوب أو الندب ولو قبح لذاته أو لصفته لكان راجحا على الحسن في كونه متعلقا للتحريم أو الكراهة فحينئذ إما أن يتعلق الحكم بالراجح المقتضي له او المرجوح المقتضي لضده
والثاني باطل قطعا لا لاستلزامه ترجيح المرجوح وهو باطل بصريح العقل فتعين الأول ضرورة فإذا كان تعلق الحكم بالراجح لازما ضرورة لم يكن الباري مختارا في حكمه فتأمل هذه الشبهة ما أفسدها وأبين بطلانها والعجب ممن يرضى لنفسه ان يحتج يمثلها وحسبك فساد الحجة مضمونها أن الله تعالى لم يشرع السجود له وتعظيمه وشكره ويحرم السجود للصنم وتعظيمه لحسن هذا وقبح هذا مع استوائهما تفريقا بين المتماثلين فأي برهان أوضح من هذا على فساد هذه الشبهة الباطلة
الثاني أن يقال هذا يوجب أن تكون أفعاله كلها مستلزمة للترجيح بغير مرجح إذ لو ترجح الفعل منها بمرجح لزم عدم الاختيار بعين ما ذكرتم إذا لحكم بالمرجح لازم فإن قيل لا يلزم الاضطرار وترك الاختيار لأن المرجح هو الإرادة والاختيار قيل فهلا قنعتم بهذا الجواب منا وقلتم إذا كان اختياره تعالى متعلقا بالفعل لما فيه من المصلحة الداعية إلى فعله وشرعه وتحريمه له ما فيه من المفسدة الداعية إلى تحريمه والمنع منه فكان الحكم بالراجح في الموضعين متعلقا باختياره تعالى وإرادته فإنه الحكيم في خلقه وأمره فإذا علم في الفعل مصلحة راجحة شرعية وأوجبه شرعه ووضعه وإذا علم فيه مفسدة راجحة كرهه وأبغضه وحرمه هذا في شرعه وكذلك في خلقه لم يفعل شيئا إلا ومصلحته راجحة وحكمته ظاهرة واشتماله على المصلحة والحكمة التي فعله لأجلها لا ينافي اختياره بل لا يتعلق بالفعل إلا لما فيه من المصلحة والحكمة وكذلك تركه لما فيه من خلاف حكمته فلا يلزم من تعلق الحكمة بالراجح أن لا يكون الحكم اختياريا فإن المختار الذي هو أحكم الحاكمين لا يختار إلا ما يكون على وفق الحكمة والمصلحة
الثالث أن قوله إذا لزم تعلق الحكم بالراجح لم يكن مختارا تلبيس فإنه إنما تعلق بالراجح باختياره وإرادته واختياره وإرادته اقتضت تعلقه بالراجح على وجه اللزوم فكيف لا يكون مختارا واختياره استلزم تعلق الحكم بالراجح الرابع إن تعلق حكمه تعالى بالفعل المأمور به أو المنهي عنه إما أن يكون جائز الوجود والعدم أو راجح الوجود أو راجح العدم فإن كان جائز الطرفين لم بترجح أحدهما إلا بمرجح وإن كان راجحا فالتعلق لازم لأن الحكم

(2/38)


يمتنع ثبوته مع المساواة ومع المرجوحية
أما الأول فلا ستلزامه الترجيح بلا مرجح وأما الثاني فلا ستلزامه ترجيح المرجوح وهو باطل بصريح العقل فلا يثبت إلا مع المرجح التام وحينئذ فيلزله عدم الاختيار وما يجيبون به عن الإلزام المذكور هو جوابكم بعينه عن شبهتكم التي استدللتم بها الخامس أن هذه الشبهة الفاسدة مستلزمة لأحد الأمرين ولا بد أما الترجيح بلا مرجح وإما أن لا يكون الباري تعالى مختارا كما قررتم وكلاهما باطل السادس أنها تقتضي أن لا يكون في الوجود قادر مختار إلا من يرجح أحد المتساويين على الآخر بلا مرجح وأما من رجح أحد الجائزين بمرجح فلا يكون مختارا وهذا من أبطل الباطل بل القادر المختار لا يرجح أحد مقدريه على الآخر إلا بمرجح وهو معلوم بالضرورة واحتج النفاة أيضا بقوله تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ووجه الاحتجاج بالآية أنه سبحانه نفي التعذيب قبل بعثة الرسل فلو كان حسن الفعل وقبحه ثابتا له قبل الشرع لكان مرتكب القبح وتارك الحسن فاعلا للحرام وتاركا الواجب لأن قبحه عقلا يقتضي تحريمه عقلا عندكم وحسنه عقلا يقتضي وجوبه عقلا فإذا فعل المحرم وترك الواجب استحق العذاب عندكم والقرآن نص صريح أن الله لا يعذب بدون بعثة الرسل فهذا تقرير الاستدلال احتجاجا والتزاما ولا ريب أن الآية حجة على تناقض المثبتين إذا أثبتوا التعذيب قبل البعثة فيلزم تناقضهم وإبطال جمعهم بين هذين الحكمين إثبات الحسن والقبح عقلا وإثبات التعذيب على ذلك بدون البعثة وليس إبطال القول بمجموع الأمرين موجبا لإبطال كل واحد منهما فلعل الباطل هو قولهم بجواز التعذيب قبل البعثة وهذا هو المتعين لأنه خلاف نص القرآن وخلاف صريح العقل أيضا فأن الله سبحانه إنما أقام الحجة على العباد برسله قال تعالى رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل فهذا صريح بأن الحجة إنما قامت بالرسل وأنه بعد مجيئهم لا يكون للناس على الله حجة وهذا يدل على أنه لا يعذبهم قبل مجيء الرسل إليهم لأن الحجة حينئذ لم تقم عليهم فالصواب في المسئلة اثبات الحسن والقبح عقلا ونفي التعذيب على ذلك إلا بعد بعثة الرسل فالحسن والقبح العقلي لا يستلزم التعذيب وإنما يستلزمة مخالفة المرسلين وأما المعتزلة فقد أجابوا عن ذلك بأن قالوا الحسن والقبح العقلي يقتضي استحقاق العقاب على فعل القبيح وترك الحسن ولا يلزم من استحقاق العقاب وقوعه لجواز العفو عنه قالوا ولا يرد هذا علينا حيث نمنع العفو بعد البعثة إذا أو عد الرب على الفعل لأن العذاب قد صار واجبا بخبره ومستحقا بارتكاب القبيح وهو سبحانه لم يحصل منه إيعاد قبل البعثة فلا يقبح العفو لأنه لا يستلزم خلفا في الخبر وإنما غايته ترك حق له قد وجب قبل البعثة وهذا حسن والتحقيق في هذا أن سبب العقاب قائم قبل البعثة ولكن لا يلزم من وجود سبب العذاب حصوله لأن هذا السبب قد نصب الله تعالى له شرطا وهو بعثة الرسل وانتفاء التعذيب قبل البعثة هو لا نتفاء شرطه لا لعدم

(2/39)


سببه ومقتضيه وهذا فصل الخطاب في هذا المقام وبه يزول كل إشكال في المسئلة وينقشع غيمها ويسفر صبحها والله الموفق للصواب
واحتج بعضهم أيضا بأن قال لو كان الفعل حسنا لذاته لا متنع الشارع من نسخه قبل إيقاع المكلف له وقبل تمكنه منه لأنه إذا كان حسنا لذاته فهو منشأ للمصلحة الراجحة فكيف ينسخ ولم تحصل منه تلك المصلحة وأجاب المعتزلة عن هذا بالتزامه ومنعوا النسخ قبل وقت الفعل ونازعهم جمهور هذه الأمة في هذا الأصل وجوزوا وقوع النسخ قبل حضور وقت الفعل ثم انقسموا قسمين فنفاة التحسين والتقبيح بنوه على أصلهم ومثبتو التحسين والتقبيح أجابوا عن ذلك بأن المصلحة كما تنشأ من الفعل فأنها أيضا قد تنشأ من العزم عليه وتوطين النفس على الامتثال وتكون المصلحة المطلوبة هي العزم وتوطين النفس لا إيقاع الفعل في الخارج فإذا أمر المكلف بأمر فعزم عليه وتهيأ له ووطن نفسه على امتثاله فحصلت المصلحة المرادة منه لم يمتنع نسخ الفعل وإن لم يوقعه لأنه لا مصلحة له فيه وهذا كأمر إبراهيم الخليل بذبح ولده فإن المصلحة لم تكن في ذبحه وإنما كانت في استسلام الوالد والولد لأمر الله وعزمهما عليه وتوطينهما أنفسهما على امتثاله فلما حصلت هذه المصلحة بقي الذبح مفسدة في حقهما فنسخه الله ورفعه وهذا هو الجواب الحق الشافي في المسئلة وبه تتبين الحكمة الباهرة في إثبات ما أثبته الله من الأحكام ونسخ ما نسخه منها بعد وقوعه ونسخ ما نسخ منها قبل إيقاعه وأن له في ذلك كله من الحكم البالغة ما تشهد له بأنه احكم الحاكمين وأنه اللطيف الخبير الذي بهرت حكمته العقول فتبارك الله رب العالمين
ومما احتج به النفاة أيضا أنه لو حسن الفعل أو قبح لغير الطلب لم يكن تعلق الطلب لنفسه لتوقفه على أمر زائد
وتقرير هذه الحجة ان حسن الفعل وقبحه لا يجوز ان يكون لغير نفس الطلب بل لا معنى لحسنه إلا كونه مطلوبا للشارع أيجاده ولا لقبحه إلا كونه مطلوبا له إعدامه لأنه لو حسن وقبح لمعنى غير الطلب الشرعي لم يكن الطلب متعلقا بالمطلوب لنفسه بل كان التعلق لأجل ذلك المعنى فيتوقف الطلب على حصول الاعتبار الزائد على الفعل وهذا باطل لأن التعلق نسبة بين الطلب والفعل والنسبة بين الأمرين لا تتوقف إلا على حصولهما فإذا حصل الفعل تعلق الطلب به سواء حصل فيه اعتبار زائد على ذاته أولا فإن قلتم الطلب وأن لم يتوقف إلا على الفعل المطلوب والفاعل المطلوب منه لكن تعلقه بالفعل متوقف على جهة الحسن والقبح المقتضي لتعلق الطلب به قلنا الطلب قديم والجهة الموجبة للحسن والقبح حادثة ولا يصح توقف القديم على الحادث وسر الدليل أن تعلق الطلب بالفعل ذاتي فلا يجوز أن يكون معللا بأمر زائد على الفعل إذ لو كان تعلقه به معللا لم يكن ذاتيا وهذا وجه تقرير هذه الشبهة وان كان كثير من شراح المختصر لم يفهموا تقريرها على هذا الوجه فقرروها على وجه

(2/40)


آخر لا يفيد شيئا وبعد فهي شبهة فاسدة من وجوه : أحدها أن يقال ما تعنون بأن تعلق الطلب بالفعل ذاتي له أتعنون به أن التعلق مقوم لماهية الطلب وأن تقوم الماهية به كتقومها بجنسها وفصلها أم تعنون به أنه لا تعقل ماهية الطلب الا بالتعلق المذكور أم أمرا آخر فإن عنيتم الأول والتعلق نسبة إضافية وهي عدمية عندكم لا وجود لها في الأعيان فكيف تكون النسبة العدمية مقومة للماهية الوجودية وأنتم تقولون أنه ليس لمتعلق الطلب من الطلب صفة ثبوتية لأن هذا هو الكلام النفسي وليس لمتعلق القول فيه صفة ثبوتية وأن عنيتم الثاني فلا يلزم من ذلك توقف الطلب على اعتبار زائد على الفعل يكون ذلك الاعتبار شرطا في الطلب وأن عنيتم أمرا ثالثا فلا بد بيانه وعلى تقدير بيانه فإنه لا ينافي توقف التعلق على الشرط المذكور الثاني أن غاية ما قررتموه قررتموه أن التعلق ذاتي للطلب والذاتي لا يعلل كما ادعيتموه في المنطق دعوى مجردة ولم تقرروه ولم تبينوا ما معنى كونه غير معلل حتى ظن بعض المقلدين من المنطقيين أن معناه ثبوتية الذات لنفسه بغير واسطة وهذا في غاية الفساد لا يقوله من يدرى ما يقول وإنما معناه أنه لا تحتاج الذات في اتصافها به إلى علة مغايرة لعلة وجودها بل علة وجودها هي علة اتصاف الذات فهذا معنى كونه غير معلل بعلة خارجية عن علة الذات بل علة الذات علته وليس هذا موضع استقصاء الكلام على ذلك والمقصود أن كون التعلق ذاتيا للطلب فلا يعلل بغير علة الطلب لا ينافي توقفه على شرط فهب أن صفة الفعل لا تكون علة للتعلق فما المانع أن تكون شرطا له ويكون تعلق الطلب بالفعل مشروطا بكونه على الجهة المذكورة فإذا انتفت تلك الجهة انتفى التعلق لانتفاء شرطه وهذا مما لم يتعرضوا لبطلانه أصلا ولا سبيل لكم إلى أبطالة الثالث أن قولك الطلب قديم والجهة المذكورة حادثة للفعل ولا يصح توقف القديم على الحادث كلام في غاية البطلان فإن الفعل المطلوب حادث والطلب متوقف عليه إذ لا تتصور ماهية الطلب بدون المطلوب فما كان جوابكم عن توقف الطلب على الفعل الحادث فهو جوابنا عن توقفه على جهة الفعل الحادثة فإن جهته لا تزيد عليه بل هي صفة من صفاته فإن قلتم التوقف هاهنا إنما هو لتعلق الطلب بالمطلوب لا لنفس الطلب ولا تجدون محذورا في توقف التعلق لأنه حادث قلنا فهلا قنعتم بهذا الجواب في صفة الفعل وقلتم التوقف على الجهة المذكورة هو توقف التعلق لا توقف نفس الطلب فنسبة التعلق إلى جهة الفعل كنسبته إلى ذاته ونسبة الطلب إلى الجهة كنسبته إلى نفس الفعل سواء بسواء فنسبة القديم إلى أحد الحادثين كنسبته إلى الآخر ونسبة تعلقه بأحد الحادثين كنسبة تعلقه بالآخر فتبين فسادا الدليل المذكور وحسبك بمذهب فسادا استلزامه جواز ظهور المعجزة على يد الكاذب وإنه ليس بقبيح واستلزامه جواز نسبة الكذب إلى أصدق

(2/41)


الصادقين وأنه لا يقبح منه واستلزامه التسوية بين التثليث والتوحيد في العقل وأنه قبل ورود النبوة لا يقبح التثليث ولا عبادة الأصنام ولا مسبة المعبود ولا شيء من أنواع الكفر ولا السعي في الأرض بالفساد ولا تقبيح شيء من القبائح أصلا وقد التزم النفاة ذلك وقالوا أن هذه الأشياء لم تقبح عقلا وإنما جهة قبحها السمع فقط وانه لا فرق قبل السمع بين ذكر الله والثناء عليه وحمده وبين ضد ذلك ولا بين شكره بما يقدر عليه العبد وبين ضده ولا بين الصدق والكذب والعفة والفجور والإحسان إلى العالم والإساءة إليهم بوجه ما وإنما التفريق بالشرع بين متماثلين من كل وجه وقد كان تصور هذا المذهب على حقيقته كافيا في العلم ببطلانه وأن لا يتكلف رده ولهذا رغب عنه فحول الفقهاء والنظار من الطوائف كلهم فأطبق أصحاب أبي حنيفة على خلافه وحكوه عن أبي حنيفة نصا واختاره من أصحاب أحمد أبو الخطاب وابن عقيل وأبو يعلى الصغير ولم يقل أحد من متقدميهم بخلافه ولا يمكن أن ينقل عنهم حرف واحد موافق للنفاة واختاره من أئمة الشافعية الإمام أبو بكر محمد بن على بن إسماعيل القفال الكبير وبالغ في إثباته وبنى كتابه محاسن الشريعة عليه وأحسن فيه ما شاء وكذلك الإمام سعيد بن على الزنجانى بالغ في إنكاره على أبي الحسن الأشعرى القول بنفي التحسين والتقبيح وأنه لم يسبقه إليه أحد وكذلك أبو القاسم الراغب وكذلك أبو عبد الله الحليمى وخلائق لا يحصون وكل من تكلم في علل الشرع ومحاسنه وما تضمنه من المصالح ودرء المفاسد فلا يمكنه ذلك إلا بتقرير الحسن والقبح العقليين إذ لو كان حسنه وقبحه بمجرد الأمر والنهى لم يتعرض في إثبات ذلك لغير الأمر والنهي فقط وعلى تصحيح ذلك فالكلام في القياس وتعليق الأحكام بالأوصاف المناسبة المقتضية لها دون الأوصاف الطردية التي لا مناسبة فيها فيجعل الأول ضابطا للحكم دون الثاني لا يمكن إلا على إثبات هذا الأصل فلو تساوت الأوصاف في نفسها لانسد باب القياس والمناسبات والتعليل بالحكم والمصالح ومراعات الأوصاف المؤثرة دون الأوصاف التي لا تأثير لها
فصل وإذا قد انتهينا في هذه المسئلة إلى هذا الموضع وهو بحرها
ومعظمها فلنذكر سرها وغايتها وأصولها التي أثبتت عليها فبذلك تتم الفائدة فإن كثيرا من الأصوليين ذكروها مجردة ولم يتعرضوا لسرها وأصلها الذي أثبتت عليه وللمسئلة ثلاثة أصول هي أساسها
الأصل الأول هل أفعال الرب تعالى وأوامره معللة بالحكم والغايات وهذه من أجل مسائل التوحيد المتعلقة بالخلق والأمر بالشرع والقدر الأصل الثاني أن تلك الحكم المقصودة فعل يقوم به سبحانه

(2/42)


وتعالى قيام الصفة به فيرجع إليه حكمها ويشتق له اسمها أم يرجع إلى المخلوق فقط من غير أن يعود إلى الرب منها حكم أو يشتق له منها اسم الأصل الثالث هل تعلق إرادة الرب تعالى بجميع الأفعال تعلق واحد فما وجد منها مراد له محبوب مرضى طاعة كان أو معصية وما لم يوجد منها فهو مكروه له مبغوض غير مراد طاعة كان أو معصية فهو يحب الأفعال الحسنة التي هي منشأ المصالح وأن لم يشأ تكوينها وإيجادها لأن في مشيئة لإيجادها فوات حكمة أخرى هي أحب إليه منها ويبغض الأفعال القبيحة التي هي منشأ المفاسد ويمنعها ويمقت أهلها وأن شاء تكوينها وإيجادها لما تستلزمه من حكمه ومصلحة هي أحب إليه منها
ولا بد من توسط هذه الأفعال في وجودها فهذه الأصول الثلاثة عليها مدار هذه المسئلة ومسائل القدر والشرع وقد اختلف الناس فيها قديما وحديثا إلى اليوم فالجبرية تنفي الأصول الثلاثة وعندهم أن الله لا يفعل لحكمة ولا يأمر لها ولا يدخل في أمره وخلقه لام التعليل بوجه وإنما هي لام العاقبة كما لا يدخل في أفعاله باء السببية وإنما هي باء المصاحبة ومنهم من يثبت الأصل الثالث وينفي الاصلين الأولين كما هو أحد القولين للأشعري وقول كثير من أئمة أصحابه وأحد القولين لأبي المعالي والمشهور من مذهب المعتزلة إثبات الأصل الأول وهو التعليل بالحكم والمصالح ونفي الثاني بناء على قواعدهم الفاسدة في نفي الصفات
فأما الأصل الثالث فهم فيه ضد الجبرية من كل وجه فهما طرفا نقيض فأنهم لا يثبتون لأفعال العباد سوى المحبة لحسنها والبغض لقبحها وأما المشيئة لها فعندهم أن مشيئة الله لا تتعلق بها بناء منهم على نفي خلق أفعال العباد فليست عندهم إرادة الله لها إلا بمعنى محبته لحسنها فقط وأما قبيحها فليس مراد الله بوجه وأما الجبرية فعندهم انه لم يتعلق بها سوى المشيئة والإرادة وأما المحبة عندهم فهي نفس الإرادة والمشيئة فما شاءه فقد أحبه ورضيه وأما أصحاب القول الوسط وهم أهل التحقيق من الأصوليين والفقهاء والمتكلمين فيثبتون الأصول الثلاثة فيثبتون الحكمة المقصودة بالفعل في أفعاله تعالى وأوامره ويجعلونها عائدة إليه حكما ومشتقا له اسمها فالمعاصي كلها مقوتة مكروهة وإن وقعت بمشيئته وخلقه والطاعات كلها محبوبة له مرضية وإن لم يشاها ممن لم يطعه ومن وجدت منه فقد تعلق بها المشيئة والحب فما لم يوجد من أنواع المعاصي فلم تتعلق به مشيئة ولا محبته وما وجد منها تعلقت به مشيئته دون محبته وما لم يوجد من الطاعات المقدرة تعلق بها محبته دون مشيئته وما وجد منها تعلق به محبته ومشيئته ومن لم يحكم هذه الأصول الثلاثة لم يستقر له في مسائل الحكم والتعليل والتحسين والتقبيح قدم بل لا بد من تناقضه ويتسلط عليه خصومه من جهة نفيه لواحد منها ولهذا لما رأى القدرية والجبرية أنهم لو سلموا للمعتزلة شيئا من هذه تسلطوا عليهم به سدوا على أنفسهم الباب

(2/43)


بالكلية وأنكروها جملة فلا حكمة عندهم ولا تعليل ولا محبة تزيد على المشيئة ولما أنكر المعتزلة رجوع الحكمة إليه تعالى سلطوا عليهم خصومهم فأبدوا تناقضهم وكشفوا عوراتهم ولما سلك أهل السنة القول الوسط وتوسطوا بين الفريقين لم يطمع أحد في مناقضتهم ولا في إفساد قولهم وأنت إذا تأملت حجج الطائفتين وما ألزمته كل منهما للأخرى علمت أن من سلك القول الوسط لم يلزمه شيء من إلزاماتهم ولا تناقضهم والحمد لله رب العالمين هادي من يشاء إلى صراط مستقيم
فصل وقد سلم كثير من النفاة أن كون الفعل حسنا أو قبيحا بمعنى
الملاءمة والمنافرة والكمال والنقصان عقلي وقال نحن لا ننازعكم في الحسن والقبح بهذين الاعتبارين وإنما النزاع في إثباته عقلا بمعنى كونه متعلق المدح والذم عاجلا والثواب والعقاب آجلا فعندنا لا مدخل للعقل في ذلك وإنما يعلم بالسمع المجرد قال هؤلاء فيطلق الحسن والقبح بمعنى الملاءمة والمنافرة وهو عقلي وبمعنى الكمال والنقصان وهو عقلي وبمعنى إستلزامه للثواب والعقاب وهو محل النزاع وهذا التفصيل لو أعطي حقه والتزمت لوازمه رفع النزاع وأعاد المسئلة اتفاقية وأن كون الفعل صفة كمال أو نقصان يستلزم إثباب تعلق الملاءمة والمنافرة لأن الكمال محبوب للعالم والنقص مبغوض له ولا معنى للملاءمة والمنافرة إلا الحب والبغض فإن الله سبحانه يحب الكامل من الأفعال والأقوال والأعمال ومحبته لذلك بحسب كماله ويبغض الناقص منها ويمقته ومقته له بحسب نقصانه ولهذا أسلفنا أن من أصول المسئلة إثبات صفة الحب والبغض لله فتأمل كيف عادت المسئلة إليه وتوقفت عليه والله سبحانه يحب كل ما أمر به ويبغض كل ما نهى عنه ولا يسمى ذلك ملاءمة أو منافرة بل يطلق عليه الأسماء التي أطلقها على نفسه وأطلقها عليه رسوله من محبته للفعل الحسن المأمور به وبغضه للفعل القبيح ومقته له وما ذاك إلا لكمال الأول ونقصان الثاني فإذا كان الفعل مستلزما للكمال والنقصان وأستلزامه له عقلي والكمال والنقصان يستلزم الحب والبغض الذي سميتموه ملاءمة ومنافرة واستلزامه عقلي فبيان كون الفعل حسنا كاملا محبوبا مرضيا وكونه قبيحا ناقصا مسحوطا مبغوضا أمر عقلي بقي حديث المدح والذم والثواب والعقاب ومن أحاط علما بما اسلفناه في ذلك انكشفت له المسئلة واسفرت عن وجهها وزال عنها كل شبهة وإشكال فأما المدح والذم فترتبه على النقصان والكمال والمتصف به وذمهم لمؤثر النقص والمتصف به أمر عقلي فطري وإنكاره يزاحم المكابرة وأما العقاب فقد قررنا أن ترتبه على فعل القبيح مشروط بالسمع وأنه إنما انتفي عند انتفاء السمع انتفاء المشروط لانتفاء شرطه لا انتفاءه لا انتفاء سببه فإن سببه قائم ومقتضيه موجود إلا أنه لم يتم لتوقف على شرطه وعلى

(2/44)


هذا فكونه متعلقا للثواب والعقاب والمدح والذم عقلي وأن كان وقوع العقاب موقوفا على شرط وهو ورود السمع وهل يقال أن الاستحقاق ليس بثابت لأن ورود السمع شرط فيه هذا فيه طريقان للناس ولعل النزاع لفظي فإن أريد بالاستحاق الاستحقاق التام فالحق نفيه وأن أريد به قيام السبب والتخلف لفوات شرط أو وجود مانع فالحق إثباته فعادت الأقسام الثلاثة أعنى الكمال والنقصان والملاءمة والمنافرة والمدح والذم إلى عرف واحد وهو كون الفعل محبوبا أو مبغوضا ويلزم من كونه محبوبا أن يكون كمالا وأن يستحق عليه المدح والثواب ومن كونه مبعوضا أن يكون نقصا يستحق به الذم والعقاب فظهر أن التزام لوازم هذا التفصيل وإعطاءه حقه يرفع النزاع ويعيد المسئلة اتفاقية ولكن أصول الطائفتين تأبى التزام ذلك فلا بد لهما من التناقص إذا طردوا أصولهم وأما من كان أصله إثبات الحكمة واتصاف الرب تعالى بها وإثبات الحب والبغض له وأنهما أمر وراء المشيئة العامة فأصول مستلزمه لفروعه وفروعه دالة على أصوله فأصوله وفروعه لا تتناقص وأدلته لا تتمانع ولا تتعارض قال النفاة لو قدر نفسه وقد خلق تام الخلقة كامل العقل دفعة واحدة من أن يتخلق بأخلاق قوم ولا تأدب بتأديب الأبوين ولا تربي في الشرع ولا تعلم من متعلم ثم عرض عليه أمران أحدهما الاثنين أكثر من الواحد والثاني أن الكذب قبيح بمعنى أنه يستحق من الله تعالى لوما عليه لم نشك أنه لا يتوقف في الأول ويتوقف في الثاني ومن حكم بأن الأمرين سيان بالنسبة إلى عقله خرج عن قضايا العقول وعاند كعناد الفضول كيف ولو تقرر عنده أن الله تعالى لا يتضرر بكذب ولا ينتفع بصدق وأن القولين في حكم التكليف على وتيرة واحدة لم يمكنه أن يرد أحدهما دون الثاني بمجرد عقله والذي يوضحه أن الصدق والكذب على حقيقة ذاتية لا تتحقق ذاتهما إلا بأركان تلك الحقيقة مثلا كما يقال أن الصدق إخبار عن أمر على ما هو عليه والكذب أخبار عن أمر على خلاف ما هو به ونحن نعلم أن من أدرك هذه الحقيقة عرف المحقق ولم يخطر بباله كونه حسنا أو قبيحا فلم يدخل الحسن والقبح إذا في صفاتهما الذاتية التي تحققت حقيقتهما بها ولوازمها في الوهم بالبديهة كما بينا ولألزمها في الوجود ضرورة فأن من الأخبار التي هي صادقة ما يلام عليه من الدلالة على هرب من ظالم ومن الأخبار التي هي كاذبة ما يثاب عليها مثل إنكار الدلالة عليه فلم يدخل كون الكذب قبيحا في حد الكذب ولا لزمه في الوهم ولا لزمه في الوجود فلا يجوز أن يعد من الصفات الذاتية التي تلزم النفس وجودا وعدما عندهم ولا يجوز أن يعد من الصفات التابعة للحدوث فلا يعقل بالبديهة ولا بالنظر فإن النظر لا بد أن يرد إلى الضروري أي

(2/45)


البديهي وإذ لا بديهي فلا مرد له أصلا فلم يبق لهم إلا الاسترواح إلى عادات الناس من تسمية ما يضر بهم قبيحا وما ينفعهم حسنا ونحن لا ننكر أمثال تلك الاسامي على أنها تختلف بعادة قوم وزمان ومكان دون مكان وإضافة دون إضافة وما يختلف بتلك النسب والإضافات لا حقيقة له في الذات فربما يستحسن قوم ذبح الحيوان وربما يستقبحه قوم وربما يكون بالنسبة إلى قوم وزمان حسنا وربما يكون قبيحا لكنا وضعنا الكلام في حكم التكليف بحيث يجب الحسن به وجوبا يثاب عليه قطعا ولا يتطرق إليه لوم أصلا ومثل هذا يمتنع إدراكه عقلا قالوا فهذه طريقة أهل الحق على أحسن ما تقرر وأحسن ما تحرر قالوا وأيضا فنحن لا ننكر اشتهار حسن الفضائل التي ذكر ضربهم بها الأمثال وقبحها بين الخلق وكونها محمودة مشكورة مثني على فاعلها أو مذمومه مذموما فاعلها ولكنا نثبتها إما بالشرائع وأما بالأغراض ونحن إنما ننكرها في حق الله عز و جل لانتفاء الأغراض عنه فإما إطلاق الناس هذه الألفاظ فيما يدور بينهم فيستمد من الأغراض ولكن قد تبدو الأغراض وتخفي فلا ينتبه لها إلا المحققون قالوا ونحن ننبه على مثارات الغلط فيه وهي ثلاثة مثارات يغلط الوهم فيها الأولى أن الإنسان يطلق اسم القبح على ما يخالف غرضه وأن كان يوافق غرض غيره من حيث أنه لا يلتفت إلى الغير فإن كل طبع مشغوف بنفسه ومستحقر لغيره فيقضي بالقبح مطلقا وربما يضيف القبح إلى ذات الشيء ويقول هو في نفسه قبيح فقد قضى بثلاثة أمور هو مصيب في واحد منها وهو أصل الاستقباح مخطىء في أمرين أحدهما إضافة القبح إلى ذاته وغفل عن كونه قبيحا لمخالفة غرضه والثاني حكمه بالقبح مطلقا ومنشؤه عدم الالتفات إلى غيره بل عن الالتفات إلى بعض أحوال نفسه فإنه قد يستحسن في بعض الأحوال عين ما يستقبحه إذا اختلف الغرض الغلطة الثانية سببها أن الوهم غالب للعقل في جميع الأحوال إلا في حالة نادرة قد لا يلتفت الوهم إلى تلك الحالة النادرة عند ذكرها كحكمه على الكذب بأنه قبيح مطلقا وغفلته عن الكذب الذي يستفاد منه عصمة نبي أو ولى وإذا قضى بالقبح مطلقا واستمر عليه مرة وتكرر ذلك على سمعه ولسانه إنغرس في قلبه استقباحه والنفرة منه فلو وقعت تلك الحالة النادرة وجد في نفسه نفرة عنه لطول نشوه على الاستقباح فإنه ألقي إليه منذ الصبا على سبيل التأديب والإرشاد أن الكذب قبيح لا ينبغي أن يقدم عليه أحد ولا ينبه على حسنه في بعض الأحوال خيفة من أن لا تستحكم نفرته عن الكذب فيقدم عليه وهو قبيح في أكثر الأحوال والسماع في الصغر كالنقش في الحجر وينغرس في النفس ويجد التصديق به مطلقا وهو صدق لكن لا على الإطلاق بل في أكثر الأحوال اعتقده مطلقا الغلطة الثالثة سببها سبق الوهم إلى العكس فأن من رأى شيئا مقرونا بشيء يظن أن الشيء لا محالة مقرون به مطلقا ولا يدري أن الأخص أبدا مقرون الأعمبالأعم لا يلزم

(2/46)


أن يكون مقرونا بالأخص ومثاله نفرة نفس الذي نهشته الحية عن الحبل المرقش اللون لأنه وجد الأذى مقرونا بهذه الصورة فتوهم أن هذه الصورة مقرونة بالأذى وكذلك ينفر عن العسل إذا شبهه بالعذرة لأنه وجد الاستقذار مقرونا بالرطب الأصفر فتوهم أن الرطب الأصفر يقترن به الاستقذار وقد يغلب عليه الوهم حتى يتعذر الأكل وأن كان حكم العقل يكذب الوهم ولكن خلقت قوى النفس مطيعة للأوهام وأن كانت كاذبة حتى أن الطبع ينفر عن حسناء سميت باسم اليهود إذ وجد الاسم مقرونا بالقبح فظن أن القبح أيضا يلازم الاسم ولهذا يورد على بعض العوام مسئلة عقلية جلية فيقبلها فإذا قلت هذا مذهب الاشعري أو المعتزلي أو الظاهري أو غيره نفر عنه أن كان سيء الاعتقاد فيمن نسبتها إليه وليس هذا طبع العامي بل طبع أكثر العقلاء المتوسمين بالعلم إلا العلماء الراسخين الذين أراهم الله الحق حقا وقواهم على إتباعه وأكثر الخلق ترى نفوسهم مطيعة للأوهام الكاذبة مع علمهم بكذبها وأكثر أقدام الخلق وإحجامهم بسبب هذه الأوهام فأن الوهم عظيم الاستيلاء وكذلك ينفر طبع الإنسان عن المبيت في بيت فيه ميت مع قطعة بأنه لا يتحرك ولكنه يتوهم في كل ساعة حركته ونطقه قالوا فإذا انتبهت لهذه المثارات عرفت بها سر القضايا التي تستحسنها العقول وسر استحسانها إياها والقضايا التي تستقبحها العقول وسر استقباحها لها ولنضرب لذلك مثلين وهما مما يحتج بهما علينا أهل الإثبات
المثل الأول الملك العظيم المستولي على الأقاليم إذا رأى ضعيفا مشرفا على الهلاك فإنه يميل إلى إنقاذه ويستحسنه وأن كان لا يعتقد أصل الدين لينتظر ثوابا أو مجازاة ولا سيما إذا لم يعرفه المسكين ولم يره بأن كان أعمى أصم لا يسمع الصوت وأن كان لا يوافق ذلك غرضه بل ربما يتعب به بل يحكم العقلاء بحسن الصبر على السيف إذا أكره على كلمة الكفر أو على إفشاء السر ونقض العهد وهو على خلاف غرض الكفرة وعلى الجملة فاستحسان مكارم الأخلاق وإفاضة النعم لا ينكره إلا من عاند المثل الثاني العاقل إذا سنحت له حاجة وأمكن قضاؤها بالصدق كما أمكن بالكذب بحيث تساويا في حصول الغرض منهما كل التساوي فإنه يؤثر الصدق ويختاره ويميل إليه طبعه وما ذاك إلا لحسنه فلو لا أن الكذب على صفة يجب عنده الاحتراز عنه وإلا لما ترجح الصدق عنده قالوا وهذا الغرض واضح في حق من أنكر الشرائع وفي حق من لم تبلغه الدعوة حتى لا يلزموننا كون الترجيح بالتكليف فهذا من حججهم ونحن نجيب عن ذلك فتبين أنه لا يثبت حكم على هذين المثالين فنقول أما قضية إنقاذ الملك وحسنه حتى في حق من لم تبلغه الدعوة وأنكر الشرائع فسببه دفع الأذى الذي يلحق الإنسان من رقة القلب وهو طبع يستحيل الأنفكاك عنه وذلك لأن الإنسان يقدر نفسه في تلك البلية ويقدر غيره معرضا عن الإنقاذ فيستقبحه منه لمخالفة غرضه فيعود ويقدر ذلك الاستقباح من المشرف على الهلاك في حق نفسه فيدفع عن نفسه ذلك القبح

(2/47)


المتوهم فإن فرض في بهيمة أو شخص لا رقة فيه يفيد تصوره لو تصوره فيبقى أمر آخر وهو طلب الثناء على إحسانه فإن فرض بحيث لا يعلم أنه المنفذ فيتوقع أن يعلم فيكون ذلك التوقع باعثا فإن فرض في موضع يستحيل أن يعلم فيبقي ميل وترجيح يضاهي نفرة طبع السليم عن الحبل وذلك أنه رأى هذه الصورة مقرونة بالثناء فيظن أن الثناء مقرون بها بكل حال كما أنه لما رأى الأذى مقرونا بصورة الحبل فطبعه ينفر عن الأذى فينفر عن المقرون به فالمقرون باللذيذ لذيذ والمقرون بالمكروه مكروه بل الإنسان إذا جالس من عشقه في مكان فإذا نتهي إليه أحس في نفسه ذلك المكان من غيره قال الشاعر
أمر على الديار ديار ليلى ... أقبل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حب الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سكن الديارا
وقال ابن الرومي منبها على سبب حب الأوطان
وحبب أوطان الرجال إليهم ... مآرب قضاها الشباب هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكر تهموا ... عهودا جرت فيها فحنوا لذلكا
قال وشواهد ذلك مما يكثر وكل ذلك من حكم الوهم قالوا وأما الصبر على السيف في تركه كلمة الكفر مع طمأنينة النفس فلا يستحسنه جميع العقلاء لولا الشرع بل ربما استقبحوه فإنما يستحسنه من ينتظر الثواب على الصبر أو من ينتظر الثناء عليه بالشجاعة والصلابة في الدين فكم من شجاع ركب متن الخطر وهجم على عدد وهو يعلم أنه لا يطيقهم ويستحقر ما يناله من الألم لما يعتاضه من توهم الثناء والحمد ولو بعد موته وكذلك إخفاء السر وحفظ العهد إنما يتواصى الناس بهما لما فيهما من المصالح ولذلك أكثروا الثناء عليهما فمن يحتمل الضرر لا لله فإنما يحتمله لأجل الثناء فإن فرض من لا يستولي عليه هذا الوهم ولا ينتظر الثناء والثواب فهو يستقبح السعي في هلاك نفسه بغير فائدة ويستحمق من يفعل ذلك قطعا فمن يسلم أن مثل ذلك يؤثر الهلاك على الحياة قالوا وهذا هو الجواب عمن عرضت له حاجة وأمكن قضاؤها بالصدق والكذب واستويا عنده وإيثاره الصدق على أنا نقول تقدير استواء الصدق والكذب في المقصود مع قطع النظر عن الغير تقدير مستحيل لأن الصدق والكذب متنافيان ومن المحال تساوي المتنافيين في جميع الصفات فلأجل ذلك التقدير المستحيل يستبعد العقل إيثار الكذب ومنع إيثار الصدق قالوا ولا يلزم من استبعاد منع إيثار الصدق على التقدير المستحيل استبعاده في نفس الأمر وإنما يلزم لو كان التقدير المستلزم واقعا وهو ممنوع قالوا ولئن سلمنا أن ذلك التقدير ممكن فغايته أن يدل على حسن الصدق شاهدا ولكن لا

(2/48)


يلزم حسنه غائبا إلا بطريق قياس الغائب على الشاهد وهو فاسد لوضوح الفرق المانع من القياس والذي يقطع دابر القياس أن السيد لو رأى عبيده وإماءه يموج بعضهم في بعض ويركبون الظلم والفواحش وهو مطلع عليهم قادر على منعهم لقبح ذلك منه والله عز و جل قد فعل ذلك بعباده بل أعانهم وأمدهم ولم يقبح منه سبحانه ولا يصح قولهم انه سبحانه تركهم لينزجروا بأنفسهم ليستحقوا الثواب لأنه سبحانه قد علم أنهم لا ينزجرون ولم لم يمنعهم قهرا فكم من ممنوع من الفواحش لعلة وعجز وذلك أحسن من تمكينه مع العلم بأنه لا ينزجر وبالجملة فقياس أفعال الله على أفعال العباد باطل قطعا ومحض التشبيه في الأفعال ولهذا جمعت المعتزلة القدرية بين التعطيل في الصفات والتشبيه في الأفعال فهم معطلة مشبهة لباسهم معلم من الطرفين كيف وأن إنقاذ الغريق الذي استدللتم به حجة عليكم فإن نفس الإغراق والإهلاك يحسن منه سبحانه ولا يقبح وهو أقبح شيء منا فالأنقاذ إن كان حسنا فالإغراق يجب أن يكون قبيحا فإن قلتم لعل في ضمن الإغراق والإهلاك سرا لم نطلع عليه وغرضا لم نصل إليه فقدروا مثله في ترك إنقاذنا نحن للغرقى بل في إهلاكنا لمن نهلكه والفعلان من حيث التكليف والإيجاب مستويان عقلا وشرعا فإنه سبحانه لا يتضرر بمعصية العبد ولا ينتفع بطاعته ولا تتوقف قدرته في الإحسان إلى العبد على فعل يصدر من العبد بل كلما أنعم عليه ابتداء بأجزل المواهب وأفضل العطايا من حسن الصورة وكمال الخلقة وقوام البنية وإعداد الآلة وإتمام الأداة تعديل القامة وما متعه به من روح الحياة وفضله من حياة الأرواح وما أكرمه به من قبول العلم وهداه إلى معرفته التي هي أسنى جوائزه وأن تعدوا نعمة الله لا تحصوها فهو سبحانه أقدر على الإنعام عليه دواما فكيف يوجب على العبيد عبادة شاقة في الحال لارتقاب ثواب في ثاني الحال أليس لو ألقي إليه زمام الاختيار حتى يفعل ما يشاء جريا على سوق طبعه المائل إلى لذيذ الشهوات ثم أجزل له في العطاء من غير حساب كان ذلك أروح للعبد ولم يكن قبيحا عند العقل فقد تعارض الأمران :
أحدهما أن يكلفهم فيأمر وينهى حتى يطاع ويعصى ثم يثيبهم ويعاقبهم على فعلهم الثاني أنه لا يكلفهم بأمر ولا نهى إذ لا ينتفع سبحانه منهم بطاعة لا يتضرر منهم بمعصية كلا بل لا تكون نعمه ثوابا بل ابتداء وإذا تعارض في العقول هذان الأمران فكيف يهتدي العقل إلى اختيار أحدهما حقا وقطعا فكيف تعرفنا العقول وجوبا على النفس بالمعرفة وعلى الجوارح بالطاعة وعلى الباري سبحانه بالثواب والعقاب قالوا ولا سيما على أصول المعتزلة القدرية فإن التكليف بالأمر والنهى والإيجاب من الله لا حقيقة له على أصلهم فإنه لا يرجع إلى ذات الرب تعالى صفة يكون بها آمرا ناهيا موجبا مكلفا بالأمر والنهى للخلق ومعلوم أنه لا يرجع إلى ذاته من الخلق صفة

(2/49)


والعقل عندهم إنما يعرفه على هذه الصفة ويستحيل عندهم أن يعرفه بأنه يقتضي ويطلب منه شيئا أو يأمره وينهاه بشيء كما يعقل كما يعقل الأمر والنهي بالطلب القائم بالآمر والناهي فإذا لم يقم به طلب استحال أن يكون آمرا ناهيا فغاية العقل عندهم أن يعرفه على صفة يستحيل عليه الاتصاف بالأمر والنهى فكيف يعرفه على صفة يريد منه طاعة فيستحق عليها ثوابا أو يكره منه معصية يستحق عليها عقابا وإذ لا أمر ولا نهى يعقل فلا طاعة ولا معصية إذا هما فرع الأمر والنهى فلا ثواب ولا عقاب إذ هما فرع الطاعة والمعصية وغاية ما يقولون أنه يخلق في الهواء أو في بحر أفعل أو لا تفعل بشرط أن لا يدل الأمر والنهى المخلوق على صفة في ذاته غير كونه عالما قادرا ومعلوم أن هذا لا يدل ألا على كون الفاعل قادرا عالما حيا مريدا لفعله وأما دلالته على حقيقة الأمر والنهى المستلزمة للطاعة والمعصية المستلزمين للثواب والعقاب فلا فتعرف من ذلك أن من نفي قيام الكلام والأمر والنهى بذات الله لم يمكنه إثبات التكليف على العبد أبدا ولا إثبات حكم للفعل بحسن ولا قبح وفي ذلك إبطال الشرائع جملة مع استنادها إلى قول من قامت البراهين على صدقه ودلت المعجزة على نبوته فضلا عن الأحكام العقلية المتعارضة المستندة إلى عادات الناس المختلفة بالإضافة والنسب والأزمنة والأمكنة والأقوال وقد عرف بهذا أن من نفي قول الله وكلامه فقد نفي التكليف جملة وصار من أخبث القدرية وشرهم مقالة حيث أثبت تكليفا وإيجابا وتحريما بلا أمر ولا نهي ولا اقتضاء ولا طلب وهذه مقدرته في حق الرب تعالى وأثبت فعلا وطاعة ومعصية بلا فاعل ولا محدث وهذه مقدرته في حق العبد فليتنبه لهذه الثلاثة
قالوا وأيضا فما من معنى يستنبط من قول أو فعل ليربط به حكم مناسب له إلا ومن جنسه في العقل أمر آخر يعارضه يساويه في الدرجة أو يفضل عليه في المرتبة فيتحير العقل في الاختيار إلى أن يرد شرع يختار أحدهما ويرجحه من تلقائة فيجب على العاقل اعتباره واختياره لترجيح الشرع له لا لرجحانه في نفسه ونضرب لذلك مثالا فنقول إذا قتل إنسان مثله عرض للعقل الصريح هاهنا آراء متعارضة
مختلفة منها أنه يجب أن يقتل قصاصا ردعا للجناة وزجرا للطغاة وحفظا للحياة وشفاء للغيظ وتبريدا لحر المصيبة اللاحقة لأولياء القتيل ويعارضه معنى آخر أنه إتلاف بازاء إتلاف وعدوان في مقابلة عدوان ولا يحيا الأول بقتل الثاني ففيه تكثير المفسدة بإعدام النفسين وأما مصلحة الردع والزجر واستبقاء النوع فأمر متوهم وفي القصاص استهلاك محقق فقد تعارض الأمر ان وربما يعارضه أيضا معنى ثالث وراء هما فيفكر العقل أيراعى شرائط آخر وراء مجرد الإنسانية من العقل والبلوغ والعلم والجهل والكمال والنقص والقرابة والأجنبية أولا فيتحير العقل كل التحير فلا بد إذا من شارع يفصل هذه الخطة ويقرر قانونا يطرد عليه أمر الأمة وتستقيم عليه مصالحهم

(2/50)


وظهر بهذا أن المعاني المستنبطة إذا كانت راجعة إلى مجرد استنباط العقل فيلزم من ذلك أن تكون الحركة الواحدة مشتملة على صفات متناقضة واحوال متنافرة وليس معنى قولنا أن العقل استنبط منها أنها كانت موجودة في الشيء فاستخرجها العقل بل العقل تردد بين إضافات الأحوال بعضها إلى بعض ونسب الأشخاص والحركات نوعا إلى نوع وشخصا إلى شخص فيطرأ عليه من تلك المعاني ما حكيناه وأحصيناه وربما يبلغ مبلغا يشذ عن الإحصاء فعرف بذلك أن المعاني لم ترجع إلى الذات بل مجرد الخواطر الطارئة على الأصل وهي متعارضة
قالوا وأيضا لوثبت الحسن والقبح العقليان لتعلق بهما الإيجاب والتحريم شاهدا وغائبا على العبد والرب واللازم محال فالملزوم كذلك
أما الملازمة فقد كفانا أهل الإثبات تقريرها بالتزامهم أنه يجب على العبد عقلا بعض الأفعال الحسنة ويحرم عليه القبيح ويستحق الثواب والعقاب على ذلك وأنه يجب على الرب تعالى فعل الحسن ورعاية الصلاح والأصلح ويحرم عليه فعل القبيح والشر ومالا فائدة فيه كالعبث ووضعوا بعقولهم شريعة أوجبوا بها على الرب تعالى وحرموا عليه وهذا عندهم ثمرة المسئلة وفائدتها وأما انتفاء اللازم فإن الوجوب والتحريم بدون الشرع ممتنع إذ لو ثبت بدونه لقامت الحجة بدون الرسل والله سبحانه إنما أثبت الحجة بالرسل خاصة كما قال تعالى لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وأيضا فلو ثبت بدون الشرع لا يستحق الثواب والعقاب عليه وقد نفى الله سبحانه العقاب قبل البعثة فقال وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وقال تعالى وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فإنما احتج عليهم بالنذير وقال تعالى ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون والحق هاهنا هو ما بعث به المرسلون باتفاق المفسرين وقال تعالى كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير وقال تعالى ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين فلا يسألهم تبارك وتعالى عن موجبات عقولهم بل عما أجابوا به رسله فعليه يقع الثواب والعقاب وقال تعالى ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم فاحتج عليهم تبارك وتعالى بما عهده إليهم على ألسنة رسله خاصة فإن عهده هو أمره ونهيه الذي بلغته رسله وقال تعالى وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين فهذا في حكم الوجوب والتحريم على العباد قبل البعثة وأما انتفاء الوجوب والتحريم على من له الخلق والأمر ولا يسأل عما يفعل فمن وجوه متعددة
أحدها أن الوجوب والتحريم في حقه سبحانه غير

(2/51)


معقول على الإطلاق وكيف يعلم أنه سبحانه يجب عليه أن يمدح ويذم ويثيب ويعاقب على الفعل بمجرد العقل وهل ذلك إلا مغيب عنا فيم نعرف أنه رضى عن فاعل وسخط على فاعل وأنه يثيب هذا ويعاقب هذا ولم يخبر عنه بذلك مخبر صادق ولا دل على مواقع رضاه وسخطه عقل ولا أخبر عن محكومه ومعلومه مخبر فلم يبق إلا قياس أفعاله على أفعال عباده وهو من أفسد القياس وأعظمه بطلانا فأنه تعالى كما أنه ليس كمثله شيء في ذاته ولا في صفاته فكذلك ليس كمثله شيء في أفعاله وكيف يقاس على خلقه في أفعاله فيحسن منه ما يحسن منهم ويقبح منه ما يقبح منهم ونحن نرى كثيرا من الأفعال تقبح منا وهي حسنة منه تعالى كإيلام الأطفال والحيوان وإهلاك من لو أهلكناه نحن لقبح منا من الأموال والأنفس وهو منه تعالى مستحسن غير مستقبح وقد سئل بعض العلماء عن ذلك فأنشد السائل
ويقبح من سواك الفعل عندي ... فتفعله فيحسن منك ذاكا
ونحن نرى ترك إنقاذ الفرقي والهلكي قبيحا منا وهو سبحانه إذا أغرقهم وأهلكهم لم يكن قبيحا منه ونرى ترك أحدنا عبيده وإماءه يقتل بعضهم بعضا ويسيء بعضهم بعضا ويفسد بعضهم بعضا وهو متمكن من منعهم قبيحا وهو سبحانه قد ترك عباده كذلك وهو قادر على منعهم وهو منه حسن غير قبيح وإذا كان هذا شأنه سبحانه وشأننا فكيف يصبح قياس أفعاله على أفعالنا فلا يدرك إذا للوجوب والتحريم عليه وجه كيف والإيجاب والتحريم يقتضي موجبا ومحرما آمرا ناهيا وبينه فرق وبين الذي يجب عليه ويحرم وهذا محال في حق الواحد القهار فالإيجاب والتحريم طلب للفعل والترك على سبيل الاستعلاء فكيف يتصور غائبا
قالوا وأيضا فلهذا الإيجاب والتحريم اللذين زعمتم على الله لوازم فاسدة يدل فسادها على فساد الملزوم اللازم الأول إذا أوجبتم على الله تعالى رعاية الصلاح والأصلح في أفعاله فيجب أن توجبوا على العبد رعاية الصلاح والأصلح أيضا في أفعاله حتى يصح اعتبار الغائب بالشاهد وإذا لم يجب علينا رعايتهما بالاتفاق بحسب المقدور بطل ذلك في الغائب و لا يصح تفريقكم بين الغائب والشاهد بالتعب والنصب الذي يلحق الشاهد دون الغائب لآن ذلك لو كان فارقا في محل الإلزام لكان فارقا في أصل الصلاح فأن ثبت الفرق في صفته ومقداره ثبت في أصله وأن بطل الفرق ثبت الإلزام المذكور اللازم الثاني إن القربات من النوافل صلاح فلو كان الصلاح واجبا وجب وجوب الفرائض اللازم الثالث أن خلود أهل النار في النار يجب أن يكون صلاحا لهم دون أن يردوا فيعتبوا ربهم ويتوبوا إليه ولا ينفعكم اعتذاركم عن هذا الإلزام بأنهم لوردوا لعادوا لما نهوا عنه فإن هذا حق ولكن لو أماتهم وأعدمهم فقطع عتابهم كان أصلح لهم ولو غفر لهم ورحمهم وأخرجهم من النار كان أصلح لهم من إماتتهم

(2/52)


واعدا مهم ولم يتضرر سبحانه بذلك
اللازم الرابع أن ما فعله الرب تعالى من الصلاح وألاصلح وتركه من الفساد والعبث لو كان واجبا عليه لما استوجب بفعله له حمدا وثناء فإنه في فعله ذلك قد قضي ما وجب عليه وما استوجبه العبد بطاعته من ثوابه فإنه عندكم حقه الواجب له على ربه ومن قضى دينه لم يستوجب بقضائه شيئا آخر
اللازم الخامس أن خلق إبليس وجنوده أصلح للخلق وأنفع لهم من أن لم يخلق مع أن إقطاعه من العباد من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون اللازم السادس انه مع كون خلقه أصلح لهم وأنفع أن يكون أنظاره إلى يوم القيامة أصلح لهم وأنفع من إهلاكه وإماتته
اللازم السابع أن يكون تمكينه من إغوائهم وجريانه منهم مجرى الدم في أبشارهم أنفع لهم وأصلح لهم من أن يحال بينهم وبينه
اللازم الثامن أن يكون إماتة الرسل أصلح للعباد من بقائهم بين أظهرهم مع هدايتهم لهم وأصلح من أن يحال بينهم وبينه اللازم الثامن أن يكون إمانة الرسل أصلح للعباد من بقائهم بين أظهرهم مع هدايتهم لهم وأصلح من أن يحال بينهم وبينها اللازم التاسع ما ألزمه أبو الحسن الأشعرى للجبائي وقد سأله عن ثلاثة أخوة أمات الله أحدهم صغيرا وأحيا الآخرين فاختار أحدهما الإيمان والآخر الكفر فرفع درجة المؤمن البالغ على أخيه الصغير في الجنة لعمله فقال أخوه يا رب لم لا تبلغني منزلة أخي فقال إنه عاش وعمل أعمالا استحق بها هذه المنزلة
فقال يا رب فهلا أحييتني حتى أعمل مثل عمله فقال كان الأصلح لك أن توفيتك صغيرا لأني علمت أنك إن بلغت اخترت الكفر فكان الأصلح في حقك أن أمتك صغيرا فنادى أخوهما الثالث من أطباق النار يا رب فهلا عملت معي هذا الأصلح واختر متني صغيرا كما عملته مع أخي واخترمتني صغيرا فأسكت الجبائي ولم يجبه بشيء فإذا علم الله سبحانه أنه لو اخترم العبد قبل البلوغ وكمال العقل لكان ناجيا ولو أمهله وسهل له النظر لعاند وكفر وجحد فكيف يقال إن الأصلح في حقه إبقاؤه حتى يبلغ والمقصود عندكم بالتكليف الاستصلاح والتعويض بأسني الدرجات التي لا تنال إلا بالأعمال أو ليس الواحد منا إذا علم من حال ولده أنه إذا أعطي مالا يتجر به فهلك وخسر بسبب ذلك فإنه لا يعرضه لذلك ويقبح منه تعريضه له وهو من رب العالمين حسن غير قبيح وكذلك من علم من حال ولده انه لو أعطاه سيفا أو سلاحا يقاتل به العدو فقتل به نفسه وأعطى السلاح لعدوه فإنه يقبح منه إعطاؤه ذلك السلاح والرب تعالى قد علم من أكثر عباده ذلك ولم يقبح منه سبحانه تمكينهم وإعطاؤهم الآلات بل هو حسن منه كيف وقد ساعدوا على نفوسهم أن الله سبحانه لو علم أنه لو أرسل رسولا إلى خلقه وكلفه الأداء عنه مع علمه بأنه لا يؤدى فإن علمه سبحانه بذلك يصرفه عن إرادة الخير والصلاح وهذا بمثابة من أدلى حبلا إلى غريق ليخلص نفسه من الغرق مع علمه بأنه يخنق نفسه به وقد ساعدوا أيضا على نفوسهم بأن الله سبحانه إذا علم أن في تكليفه عبدا من عباده فساد الجماعة فإنه يقبح تكليفه لأنه استفساد لمن يعلم

(2/53)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية