صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ زاد المعاد - ابن القيم الجوزية ]
الكتاب : زاد المعاد في هدي خير العباد
المؤلف : محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله
الناشر : مؤسسة الرسالة - مكتبة المنار الإسلامية - بيروت - الكويت
الطبعة الرابعة عشر ، 1407 - 1986
تحقيق : شعيب الأرناؤوط - عبد القادر الأرناؤوط
عدد الأجزاء : 5

فصل
قد ذكرنا حكم رسول الله صلى الله عليه و سلم في المختلعة أنها تعتد بحيضة وأن هذا مذهب عثمان بن عفان وابن عباس وإسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه اختارها شيخنا ونحن نذكر الأحاديث بذلك بإسنادها
قال النسائي في سننه الكبير : باب في عدة المختلعة أخبرني أبو علي محمد بن يحيى المروزي حدثنا شاذان عبد العزيز بن عثمان أخو عبدان حدثنا أبي حدثنا علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير قال : أخبرني محمد بن عبد الرحمن أن ربيع بنت معوذ بن عفراء أخبرته أن ثابت بن قيس بن شماس ضرب امرأته فكسر يدها وهي جميلة بنت عبد الله بن أبي فجاء أخوها يشتكيه إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فأرسل رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى ثابت فقال : [ خذ الذي لها عليك وخل سبيلها ] فقال : نعم فأمرها رسول الله صلى الله عليه و سلم أن تتربص حيضة واحدة وتلحق بأهلها
أخبرنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد قال : حدثني عمي قال : أخبرنا أبي عن ابن إسحاق قال : حدثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن ربيع بنت معوذ قال : قلت لها : حدثيني حديثك قالت : اختلعت من زوجي ثم جئت عثمان فسالت ماذا علي من العدة قال : لا عدة عليك إلا أن يكون حديث عهد بك فتمكثين حتى تحيضي حيضة قالت : وإنما تبع في ذلك قضاء رسول الله صلى الله عليه و سلم في مريم المغالية كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس فاختلعت منه
وروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت منه فجعل رسول الله صلى الله عليه و سلم عدتها حيضة رواه أبو داود عن محمد بن عبد الرحيم البزاز عن علي بن بحر القطان عن هشام بن يوسف عن معمر عن عمرو بن مسلم عن عكرمة ورواه الترمذي : عن محمد بن عبد الرحيم بهذا السند بعينه وقال : حديث حسن غريب
وهذا كما أنه موجب السنة وقضاء رسول الله صلى الله عليه و سلم وموافق لأقوال الصحابة فهو مقتضى القياس فإنه استبراء لمجرد العلم ببراءة الرحم فكفت فيه حيضة كالمسبية والأمة المستبرأة والحرة والمهاجرة والزانية إذا أرادت أن تنكح
وقد تقدم أن الشارع من تمام حكمته جعل عدة الرجعية ثلاثة قروء لمصلحة المطلق والمرأة ليطول زمان الرجعة وقد تقدم النقص على هذه الحكمة والجواب عنه

(5/601)


ذكر حكم رسول الله صلى الله عليه و سلم باعتداد المتوفى عنها في منزلها الذي توفي زوجها وهي فيه وإنه غير مخالف لحكمه
بخروج المبتوتة واعتدادها حيث شاءت
ثبت في السنن : عن زينب بنت كعب بن عجرة عن الفريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة فإن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا حتى إذا كانوا بطرف القدوم لحقهم فقتلوه فسألت رسول الله صلى الله عليه و سلم أن أرجع إلى أهلي فإن لم يتركني في مسكن يملكه ولا نفقة فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ نعم فخرجت حتى إذا كنت في الحجرة أو في المسجد دعاني أو أمر بي فدعيت له فقال : كيف قلت ؟ فرددت عليه القصة التي ذكرت من شأن زوجي قالت : فقال : امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله ] قالت : فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا قالت : فلما كان عثمان أرسل إلي فسألني عن ذلك فأخبرته فقضى به واتبعه
قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح وقال أبو عمر بن عبد البر : هذا حديث مشهور معروف عند علماء الحجاز والعراق وقال أبو محمد بن حزم : هذا الحديث لا يثبت فإن زينب هذه مجهولة لم يرو حديثها غير سعد بن إسحاق كعب وهو غير مشهور بالعدالة ومالك رحمه الله وغيره يقول فيه : سعد بن إسحاق وسفيان يقول : سعيد وما قاله أبو محمد غير صحيح فالحديث حديث صحيح مشهور في الحجاز والعراق وأدخله مالك في موطئه واحتج به وبنى عليه مذهبه
وأما قوله : إن زينب بنت كعب مجهولة فنعم مجهولة عنده فكان ماذا ؟ وزينب هذه من التابعيات وهي امرأة أبي سعيد روى عنها سعد بن إسحاق بن كعب وليس بسعيد وقد ذكرها ابن حبان في كتاب الثقات والذي غر أبا محمد قول علي بن المديني : لم يرو عنها غير سعد بن إسحاق وقد روينا في مسند الإمام أحمد : حدثنا يعقوب حدثنا أبي عن ابن إسحاق حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر بن حزم عن سليمان بن محمد بن كعب بن عجرة عن عمته زينب بنت كعب بن عجرة وكانت عند أبي سعيد الخدري عن أبي سعيد قال : اشتكى الناس عليا رضي الله عنه فقام النبي صلى الله عليه و سلم خطيبا فسمعته يقول : [ يا أيها الناس لا تشكوا عليا فوالله إنه لأخشن في ذات الله أو في سبيل الله ] فهذه امرأة تابعية كانت تحت صحابي وروى عنها الثقات ولم يطعن فيها بحرف واحتج الأئمة بحديثها وصححوه
وأما قوله : إن سعد بن إسحاق غير مشهور بالعدالة فقد قال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين : ثقة وقال النسائي أيضا والدارقطني أيضا : ثقة وقال أبو حاتم : صالح وذكره ابن حبان في كتاب الثقات وقد روى عنه الناس : حماد بن زيد وسفيان الثوري وعبد العزيز الدراوردي وابن جريج ومالك بن أنس ويحيى بن سعيد الأنصاري والزهري وهو أكبر منه وحاتم بن إسماعيل وداود بن قيس وخلق سواهم من الأئمة ولم يعلم فيه قدح ولا جرح البتة ومثل هذا يحتج به اتفاقا
وقد اختلف الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم في حكم هذه المسألة فروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تفتي المتوفى عنها بالخروج في عدتها وخرجت بأختها أم كلثوم حين قتل عنها طلحة بن عبيد الله إلى مكة في عمرة
ومن طريق عبد الرزاق : أخبرنا ابن جريج أخبرني عطاء عن ابن عباس أنه قال : إنما قال الله عز و جل : تعتد أربعة أشهر وعشرا ولم يقل : تعتد في بيتها فتعتد حيث شاءت وهذا الحديث سمعه عطاء من ابن عباس فإن علي بن المديني : قال : حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن جريج عن عطاء قال : سمعت ابن عباس يقول : قال الله تعالى : { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا } ولم يقل : يعتددن في بيوتهن تعتد حيث شاءت قال سفيان : قاله لنا ابن جريج كما أخبرنا
وقال عبد الرزاق : حدثنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول : تعتد المتوفى عنها حيث شاءت
وقال عبد الرزاق عن الثوري عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان يرحل المتوفى عنهن في عدتهن
وذكر عبد الرزاق أيضا عن محمد بن مسلم عن عمرو بن دينار عن طاووس وعطاء قالا جميعا : المبتوتة والمتوفي عنها تحجان وتعتمران وتنتقلان وتبيتان
وذكر أيضا عن ابن جريج عن عطاء قال : لا يضر المتوفى عنها أين اعتدت
وقال ابن عيينة : عن عمرو بن دينار عن عطاء وأبي الشعثاء قالا جميعا : المتوفى عنها تخرج في عدتها حيث شاءت
وذكر ابن أبي شيبة حدثنا عبد الوهاب الثقفي عن حبيب المعلم قال : سألت عطاء عن المطلقة ثلاثا والمتوفى عنها أتحجان في عدتهما ؟ قال : نعم وكان الحسن يقول بمثل ذلك
وقال ابن وهب : أخبرني ابن لهيعة عن حنين بن أبي حكيم أن امرأة مزاحم لما توفي عنها زوجها بخناصرة سألت عمر بن عبد العزيز أأمكث حتى تنقضي عدتي ؟ فقال لها : بل الحقي بقرارك ودار أبيك فاعتدي فيها
قال ابن وهب : وأخبرني يحيى بن أيوب عن يحيى بن سعيد الأنصاري أنه قال في رجل توفي بالإسكندرية ومعه امرأته وله بها دار وله بالفسطاط دار فقال : إن أحبت أن تعتد حيث توفي زوجها فلتعتد وإن أحبت أن ترجع إلى دار زوجها وقراره بالفسطاط فتعتد فيها فلترجع
قال ابن وهب : وأخبرني عمرو بن الحارث عن بكير بن الأشج قال : سألت سالم بن عبد الله بن عمر عن المرأة يخرج بها زوجها إلى بلد فيتوفى ؟ قال : تعتد حيث توفي عنها زوجها أو ترجع إلى بيت زوجها حتى تنقضي عدتها وهذا مذهب أهل الظاهر كلهم
ولأصحاب هذا القول حجتان احتج بهما ابن عباس وقد حكينا إحداهما وهي : أن الله سبحانه إنما أمرها باعتداد أربعة أشهر وعشر ولم يأمرها بمكان معين
والثانية : ما رواه أبو داود : حدثنا أحمد بن محمد المروزي حدثنا موسى بن مسعود حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح قال : قال عطاء : قال ابن عباس : نسخت هذه الآية عدتها عند أهلها فتعتد حيث شاءت وهو قول الله عز و جل { غير إخراج } قال عطاء : إن شاءت اعتدت عند أهله وسكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت لقول الله عز و جل : { فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن } قال عطاء : ثم جاء الميراث فنسخ السكنى تعتد حيث شاءت
وقالت طائفة ثانية من الصحابة والتابعين ومن بعدهم : تعتد في منزلها التي توفي زوجها وهي فيه قال وكيع : حدثنا الثوري عن منصور عن مجاهد عن سعيد بن المسيب أن عمر رد نسوة من ذي الحليفة حاجات أو معتمرات توفي عنهن أزواجهن
وقال عبد الرزاق : حدثنا ابن جريج أخبرنا حميد الأعرج عن مجاهد قال : كان عمر وعثمان يرجعانهن حاجات ومعتمرات من الجحفة وذي الحليفة
وذكر عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن يوسف بن ماهك عن أمه مسيكة أن امراة متوفى عنها زارت أهلها في عدتها فضربها الطلق فأتوا عثمان فقال : احملوها إلى بيتها وهي تطلق
وذكر أيضا عن معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أنه كانت له ابنة تعتد من وفاة زوجها وكانت تأتيهم بالنهار فتتحدث إليهم فإذا كان الليل أمرها أن ترجع إلى بيتها
وقال ابن أبي شيبة : حدثنا وكيع عن علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان أن عمر رخص للمتوفى عنها أن تأتي أهلها بياض يومها وأن زيد بن ثابت لم يرخص لها إلا في بياض يومها أو ليلها
وذكر عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن إبراهيم النخعي عن علقمة قال : سأل ابن مسعود نساء من همدان نعي إليهن أزواجهن فقلن : إنا نستوحش فقال ابن مسعود : تجتمعن بالنهار ثم ترجع كل امرأة منكن إلى بيتها بالليل
وذكر الحجاج بن المنهال حدثنا أبو عوانة عن منصور عن إبراهيم أن امرأة بعثت إلى أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها : إن أبي مريض وأنا في عدة أفآتيه أمرضه ؟ قالت : نعم ولكن بيتي أحد طرفي الليل في بيتك
وقال سعيد بن منصور : حدثثا هشيم أنبأنا إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي أنه سئل عن المتوفى عنها : أتخرج في عدتها ؟ فقال : كان أكثر أصحاب ابن مسعود أشد شئ في ذلك يقولون : لا تخرج وكان الشيخ - يعني علي بن أبي طالب رضي الله عنه - يرحلها
وقال حماد بن سلمة : أخبرنا هشام بن عروة أن أباه قال : المتوفى عنها زوجها تعتد في بيتها إلا أن ينتوي أهلها فتنتوي معهم
وقال سعيد بن منصور : حدثنا هشيم أخبرنا يحيى بن سعيد هو الأنصاري أن القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وسعيد بن المسيب قالوا في المتوفى عنها : لا تبرح حتى تنقضي عدتها
وذكر أيضا عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء وجابر كلاهما قال في المتوفى عنها : لا تخرج
وذكر وكيع عن الحسن بن صالح عن المغيرة عن إبراهيم في المتوفى عنها : لا بأس أن تخرج بالنهار ولا تبيت عن بيتها
وذكر حماد بن زيد عن أيوب السختياني عن محمد بن سيرين أن امرأة توفي عنها زوجها وهي مريضة فنقلها أهلها ثم سألوا فكلهم يأمرهم أن ترد إلى بيت زوجها قال ابن سيرين : فرددناها في نمط وهذا قول الإمام أحمد ومالك والشافعي وأبي حنيفة رحمهم الله وأصحابهم والأوزاعي وأبي عبيد وإسحاق
قال أبو عمر بن عبد البر : وبه يقول جماعة فقهاء الأمصار بالحجاز والشام والعراق ومصر
وحجة هؤلاء حديث الفريعة بنت مالك وقد تلقاه عثمان بن عفان رضي الله عنه بالقبول وقضى به بمحضر المهاجرين والأنصار وتلقاه أهل المدينة والحجاز والشام والعراق ومصر بالقبول ولم يعلم أن أحدا منهم طعن فيه ولا في رواته وهذا مالك مع تحريه وتشدده في الرواية وقوله للسائل له عن رجل : أثقة هو ؟ فقال : لو كان ثقة لرأيته في كتبي : قد أدخله في موطئه وبنى عليه مذهبه
قالوا : ونحن لا ننكر النزاع بين السلف في المسألة ولكن السنة تفصل بين المتنازعين قال أبو عمر بن عبد البر : أما السنة فثابتة بحمد الله وأما الإجماع فسمتغنى عنه مع السنة لأن الإختلاف إذا نزل في مسألة كانت الحجة في قول من وافقته السنة
وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر عن الزهري قال : أخذ المترخصون في المتوفى عنها بقول عائشة رضي الله عنها وأخذ أهل العزم والورع بقول ابن عمر
فإن قيل : فهل ملازمة المنزل حق عليها أو حق لها ؟ قيل : بل هو حق عليها إذا تركه لها الورثة ولم يكن عليها فيه ضرر أو كان المسكن لها فلو حولها الوراث أو طلبوا منها الأجرة لم يلزمها السكن وجاز لها التحول
ثم اختلف أصحاب هذا القول : هل لها أن تتحول حيث شاءت أو يلزمها التحول إلى أقرب المساكن إلى مسكن الوفاة ؟ على قولين فإن خافت هدما أو غرقا أو عدوا أو نحو ذلك أو حولها صاحب المنزل لكونه عارية رجع فيها أو بإجارة انقضت مدتها أو منعها السكنى تعديا أو امتنع من إجارته أو طلب به أكثر من أجر المثل أو لم تجد ما تكتري به أو لم تجد إلا من مالها فلها أن تنتقل لأنها حال عذر ولا يلزمها بذل أجر المسكن وإنما الواجب عليها فعل السكنى لا تحصيل المسكن وإذا تعذرت السكنى سقطت وهذا قول أحمد والشافعي
فإن قيل : فهل الإسكان حق على الورثة تقدم الزوجة به على الغرماء وعلى الميراث أم لا حق لها في التركة سوى الميراث ؟ قيل : هذا موضوع اختلف فيه فقال الإمام أحمد : إن كانت حائلا فلا سكنى لها في التركة ولكن عليها ملازمة المنزل إذا بذل لها كما تقدم وإن كانت حاملا ففيه روايتان إحداهما أن الحكم كذلك والثاني : أن لها السكنى حق ثابت في المال تقدم به على الورثة والغرماء ويكون من رأس المال لا تباع الدار فى دينه بيعا يمنعها سكناها حتى تنقضي عدتها وإن تعذر ذلك فعلى الوارث أن يكتري لها سكنا من مال الميت فإن لم يفعل أجبره الحاكم وليس لها أن تنتقل عنه إلا لضرورة
وإن اتفق الوارث والمرأة على نقلها عنه لم يجز لأنه يتعلق بهذه السكنى حق الله تعالى فلم يجز اتفاقهما على إبطالها بخلاف سكنى النكاح فإنها حق لله تعالى لأنها وجبت من حقوق العدة والعدة فيها حق للزوجين والصحيح المنصوص : أن سكنى الرجعية كذلك ولا يجوز اتفاقهما على إبطالها هذا مقتضى نص الآية وهو منصوص أحمد وعنه رواية ثالثة : أن للمتوفى عنها السكنى بكل حال حاملا كانت أو حائلا فصار في مذهبه ثلات روايات : وجوبها للحامل والحائل وإسقاطها في حقهما ووجوبها للحامل دون الحائل هذا تحصيل مذهب أحمد في سكنى المتوفى عنها
وأما مذهب مالك فإيجاب السكنى لها حاملا كانت أو حائلا وإيجاب السكنى عليها مدة العدة قال أبو عمر : فإذا كان المسكن بكراء ؟ فقال مالك : هي أحق بسكناه من الورثة والغرماء وهو من رأس مال المتوفى إلا أن يكون فيه عقد لزوجها وأراد أهل المسكن إخراجها وإذا كان المسكن لزوجها لم يبع في دينه حتى تنقضي عدتها انتهى كلامه
وقال غيره من أصحاب مالك : هي أحق بالسكنى من الورثة والغرماء إذا كان الملك للميت أو كان قد أدى كراءه وإن لم يكن قد أدى ففي التهذيب : لا سكنى لها في مال الميت وان كان موسرا وروى محمد عن مالك : الكراء لازم للميت في ماله ولا تكون الزوجة أحق به وتحاص الورثة في السكنى وللورثة إخراجها إلا أن تحب أن تسكن في حصتها وتؤدي كراء حصتهم
وأما مذهب الشافعي : فإن له في سكنى المتوفى عنها قولين أحدهما : لها السكنى حاملا كانت أو حائلا والثاني : لا سكنى لها حاملا كانت أو حائلا ويجب عنده ملازمتها للمسكن في العدة بائنا كانت أو متوفى عنها وملازمة البائن للمنزل عنده آكد من ملازمة المتوفى عنها فإنه يجوز للمتوفى عنها الخروج نهارا لقضاء حوائجها ولا يجوز ذلك في البائن في أحد قوليه وهو القديم ولا يوجبه في الرجعية بل يستحبه
وأما أحمد فعنده ملازمة المتوفى عنها آكد من الرجعية ولا يوجبه في البائن وأورد أصحاب الشافعي رحمه الله على نصه بوجوب ملازمة المنزل على المتوفى عنها مع نصه في أحد القولين على أنه لا سكنى لها سؤالا وقالوا : كيف يجتمع النصان وأجابوا بجوابين أحدهما : أنه لا تجب عليها ملازمة المسكن على ذلك القول لكن لو ألزم الوارث أجرة المسكن وجبت عليها الملازمة حينئذ وأطلق أكثر أصحابه الجواب هكذا
والثاني : أن ملازمة المنزل واجبة عليها ما لم يكن عليها فيه ضرر بأن تطالب بالأجرة أو يخرجها الوارث أو المالك فتسقط حينئذ وأما أصحاب أبي حنيفة فقالوا : لا يجوز للمطلقة الرجعية ولا للبائن الخروج من بيتها ليلا ولا نهارا وأما المتوفى عنها فتخرج نهارا وبعض الليل ولكن لا تبيت في منزلها قالوا : والفرق أن المطلقة نفقتها في مال زوجها فلا يجوز لها الخروج كالزوجة بخلاف المتوفى عنها فإنها لا نفقة لها فلا بد أن تخرج بالنهار لإصلاح حالها قالوا : وعليها أن تعتد في المنزل الذي يضاف إليها بالسكنى حال وقوع الفرقة قالوا : فإن كان نصيبها من دار الميت لا يكفيها أو أخرجها الورثة من نصيبهم انتقلت لأن هذا عذر والكون في بيتها عبادة والعبادة تسقط بالعذر قالوا : فإن عجزت عن كراء البيت الذي هي فيه لكثرته فلها أن تنتقل إلى بيت أقل كراء منه وهذا من كلامهم يدل على أن أجرة السكن عليها وإنما يسقط السكن عنها لعجزها عن أجرته ولهذا صرحوا بأنها تسكن في نصيبها من التركة إن كفاها وهذا لأنه لا سكنى عندهم للمتوفى عنها حاملا كانت أو حائلا وإنما عليها أن تلزم مسكنها الذي توفي زوجها وهي فيه ليلا لا نهارا فإن بذله لها الورثة وإلا كانت الأجرة عليها فهذا تحرير مذاهب الناس في هذه المسألة ومأخذ الخلاف فيها وبالله التوفيق
ولقد أصاب فريعة بنت مالك في هذا الحديث نظير ما أصاب فاطمة بنت قيس في حديثها فقال بعض المنازعين في هذه المسألة : لا ندع كتاب ربنا لقول امرأة فإن الله سبحانه إنما أمرها بالإعتداد أربعة أشهر وعشرا ولم يأمرها بالمنزل وقد أنكرت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وجوب المنزل وأفتت المتوفى عنها بالإعتداد حيث شاءت كما أنكرت حديث فاطمة بنت قيس وأوجبت السكنى للمطلقة
وقال بعض من نازغ في حديث الفريعة : قد قتل من الصحابة رضي الله عنهم على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم خلق كثير يوم أحد ويوم بئر معونة ويوم مؤتة وغيرها واعتد أزواجهم بعدهم فلو كان كل امرأة منهن تلازم منزلها زمن العدة لكان ذلك من أظهر الأشياء وأبينها بحيث لا يخفى على من هو دون ابن عباس وعائشة فكيف خفي هذا عليهما وعلى غيرهما من الصحابة الذين حكى أقوالهم مع استمرار العمل به استمرارا شائعا هذا من أبعد الأشياء ثم لو كانت السنة جارية بذلك لم تأت الفريعة تستأذنه صلى الله عليه و سلم أن تلحق بأهلها ولما أذن لها في ذلك ثم يأمر بردها بعد ذهابها ويأمرها بأن تمكث في بيتها فلو كان ذلك أمرا مستمرا ثابتا لكان قد نسخ بإذنه لها في اللحاق بأهلها ثم نسخ ذلك الإذن بأمره لها بالمكث في بيتها فيفضي إلى تغيير الحكم مرتين وهذا لا عهد لنا به في الشريعة في موضع متيقن
قال الآخرون : ليس في هذا ما يوجب رد هذه السنة الصحيحة الصريحة التي تلقاها أمير المؤمنين عثمان بن عفان وأكابر الصحابة بالقبول ونفذها عثمان وحكم بها ولو كنا لا نقبل رواية النساء عن النبي صلى الله عليه و سلم لذهبت سنن كثيرة من سنن الإسلام لا يعرف أنه رواها عنه إلا النساء وهذا كتاب الله ليس فيه ما ينبغي وجوب الإعتداد في المنزل حتى تكون السنة مخالفة له بل غايتها أن تكون بيانا لحكم سكت عنه الكتاب ومثل هذا لا ترد به السنن وهذا الذي حذر منه رسول الله صلى الله عليه و سلم بعينه أن تترك السنة إذا لم يكن نظير حكمها في الكتاب
وأما ترك أم المؤمنين رضي الله عنها لحديث الفريعة فلعله لم يبلغها ولو بلغها فلعلها تأولته ولو لم تتأوله فلعله قام عندها معارض له وبكل حال فالقائلون به في تركهم لتركها لهذا الحديث أعذر من التاركين له لترك أم المؤمنين له فبين التركين فرق عظيم
وأما من قتل مع النبي صلى الله عليه و سلم ومن مات في حياته فلم يأت قط أن نساءهم كن يعتددن حيث شئن ولم يأت عنهن ما يخالف حكم حديث فريعة البتة فلا يجوز ترك السنة الثابتة لأمر لا يعلم كيف كان ولو علم أنهن كن يعتددن حيث شئن ولم يأت عنهن ما يخالف حكم حديث الفريعة فلعل ذلك قبل استقرار هذا الحكم وثبوته حيث كان الأصل براءة الذمة وعدم الوجوب
وقد ذكر عبد الرزاق عن ابن جريج عن عبد الله بن كثير قال : قال مجاهد : استشهد رجال يوم أحد فجاء نساؤهم إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقلن : إنا نستوحش يا رسول الله بالليل فنبيت عند إحدانا حتى إذا أصبحنا تبددنا في
بيوتنا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ تحدثن عند إحداكن ما بدا لكن فإذا أردتن النوم فلتؤب كل امرأة إلى بيتها ] وهذا وإن كان مرسلا فالظاهر أن مجاهدا إما أن يكون سمعه من تابعي ثقة أو من صحابي والتابعون لم يكن الكذب معروفا فيهم وهم ثاني القرون المفضلة وقد شاهدوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم وأخذوا العلم عنهم وهم خير الأمة بعدهم فلا يظن بهم الكذب على رسول الله صلى الله عليه و سلم ولا الرواية عن الكذابين ولا سيما العالم منهم إذا جزم على رسول الله صلى الله عليه و سلم بالرواية وشهد له بالحديث فقال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم وفعل رسول الله صلى الله عليه و سلم وأمر ونهى فيبعد كل البعد أن يقدم على ذلك مع كون الواسطة بينه وبين رسول الله صلى الله عليه و سلم كذابا أو مجهولا وهذا بخلاف مراسيل من بعدهم فكلما تأخرت القرون ساء الظن بالمراسيل ولم يشهد بها على رسول الله صلى الله عليه و سلم وبالجملة فليس الإعتماد على هذا المرسل وحده وبالله التوفيق

(5/603)


ذكر حكم رسول الله صلى الله عليه و سلم في إحداد المعتدة نفيا وإثباتا
ثبت في الصحيحين : عن حميد بن نافع عن زينب بنت أبي سلمة أنها أخبرته هذه الأحاديث الثلاثة قالت زينب : دخلت على أم حبيبة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه و سلم حين توفي أبوها أبو سفيان فدعت أم حبيبة رضي الله عنها بطيب فيه صفرة خلوق أو غيره فدهنت منه جارية ثم مست بعارضيها ثم قالت : والله مالي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول على المنبر : [ لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا ]
قالت زينب : ثم دخلت على زينب بنت جحش حين توفي أخوها فدعت بطيب فمست منه ثم قالت : والله مالي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول على المنبر : [ لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا ]
قالت زينت : وسمعت أمي أم سلمة رضي الله عنها تقول : [ جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالت : يا رسول الله : إن بنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفتكحلها ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : لا مرتين أو ثلاثا كل ذلك يقول : لا ثم قال : إنما هي أربعة أشهر وعشرا وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول ]
فقالت زينب : كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشا ولبست شر ثيابها ولم تمس طيبا ولا شيئا حتى يمر بها سنة ثم تؤتى بدابة حمار أو شاة أو طير فتفتض به فقلما تفتض بشئ إلا مات ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها ثم تراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره قال مالك تفتض : تمسح به جلدها
وفي الصحيحين : عن أم سلمة رضي الله عنها أن امرأة توفي عنها زوجها فخافوا على عينها فأتوا النبي صلى الله عليه و سلم فاستأذنوه في الكحل فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ قد كانت إحداكن تكون في شر ثيابها أو في شر أحلاسها في بيتها حولا فإذا مر كلب رمت ببعرة فخرجت أفلا أربعة أشهر وعشرا ]
وفي الصحيحين عن أم عطية الأنصارية رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : [ لا تحد المرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب ولا تكتحل ولا تمس طيبا إلا إذا طهرت نبذة من قسط أو أظفار ]
وفي سنن أبي داود : من حديث الحسن بن مسلم عن صفية بنت شيبة عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشقة ولا الحلي ولا تكتحل ولا تختضب ]
وفي سننه أيضا : من حديث ابن وهب أخبرني مخرمة عن أبيه قال : سمعت المغيرة بن الضحاك يقول : أخبرتني أم حكيم بنت أسيد عن أمها أن زوجها توفي وكانت تشتكي عينيها فتكتحل بالجلاء قال أحمد بن صالح رحمه الله : الصواب : بكحل الجلاء فأرسلت مولاة لها إلى أم سلمة رضي الله عنها فسألتها عن كحل الجلاء فقالت : لا تكتحلي به إلا من أمر لا بد منه يشتد عليك فتكتحلين بالليل وتمسحينه بالنهار ثم قالت عند ذلك أم سلمة : دخل علي رسول الله صلى الله عليه و سلم حين توفي أبو سلمة وقد جعلت على عيني صبرا فقال : [ ما هذا يا أم سلمة ؟ فقلت : إنما هو صبر يا رسول الله ليس فيه طيب فقال : إنه يشب الوجه فلا تجعليه إلا بالليل وتنزعيه بالنهار ولا تمتشطي بالطيب ولا بالحناء فإنه خضاب قالت : قلت : بأي شئ أمتشط يا رسول الله ؟ قال : بالسدر تغلفين به رأسك ]
وقد تضمنت هذه السنة أحكاما عديدة أحدها : أنه لا يجوز الإحداد على ميت فوق ثلاثة أيام كائنا من كان إلا الزوج وحده
وتضمن الحديث الفرق بين الإحدادين من وجهين
أحدهما : من جهة الوجوب والجواز فإن الإحداد على الزوج واجب وعلى غيره جائز
الثاني : من مقدار مدة الإحداد فالإحداد على الزوج عزيمة وعلى غيره رخصة وأجمعت الأمة على وجوبه على المتوفى عنها زوجها إلا ما حكي عن الحسن والحكم بن عتيبة أما الحسن فروى حماد بن سلمة عن حميد عنه أن المطلقة ثلاثا والمتوفى عنها زوجها تكتحلان وتمتشطان وتتطيبان وتختضبان وتنتقلان وتصنعان ما شاءتا وأما الحكم : فذكر عنه شعبة : أن المتوفى عنها لا تحد
قال ابن حزم : واحتج أهل هذه المقالة ثم ساق من طريق أبي الحسن محمد بن عبد السلام حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة حدثنا الحكم بن عتيبة عن عبد الله بن شداد بن الهاد أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لامرأة جعفر بن أبي طالب : [ إذا كان ثلاثة أيام فالبسي ما شئت أو إذا كان بعد ثلاثة أيام ] شعبة شك
ومن طريق حماد بن سلمة حدثنا الحجاج بن أرطاة عن الحسن بن سعد عن عبد الله بن شداد أن أسماء بنت عميس
استأذنت النبي صلى الله عليه و سلم أن تبكي على جعفر وهي امرأته فأذن لها ثلاثة أيام ثم بعث إليها بعد ثلاثة أيام أن
تطهري واكتحلي
قالوا : وهذا ناسخ لأحاديث الإحداد لأنه بعدها فإن أم سلمة رضي الله عنها روت حديث الإحداد وأنه صلى الله عليه و سلم أمرها به إثر موت أبي سلمة ولا خلاف أن موت أبي سلمة كان قبل موت جعفر رضي الله عنهما
وأجاب الناس عن ذلك بأن هذا حديث منقطع فإن عبد الله بن شداد بن الهاد لم يسمع من رسول الله صلى الله عليه و سلم ولا رآه فكيف يقدم حديثه على الأحاديث الصحيحة المسندة التي لا مطعن فيها ؟ وفي الحديث الثاني : الحجاج بن أرطاة ولا يعارض بحديثه حديث الأئمة الأثبات الذين هم فرسان الحديث

(5/615)


فصل
الحكم الثاني : أن الإحداد تابع للعدة بالشهور أما الحامل فإذا انقضى حملها سقط وجوب الإحداد عنها اتفاقا فإن لها أن تتزوج وتتجمل وتتطيب لزوجها وتتزين له ما شاءت
فإن قيل : فإذا زادت مدة الحمل على أربعة أشهر وعشر فهل يسقط وجوب الإحداد أم يستمر إلى حين الوضع ؟ قيل : بل يستمر الإحداد إلى حين الوضع فإنه من توابع العدة ولهذا قيد بمدتها وهو حكم من أحكام العدة وواجب من واجباتها فكان معها وجودا وعدما

(5/619)


فصل
الحكم الثالث : أن الإحداد تستوي فيه جميع الزوجات المسلمة والكافرة والحرة والأمة والصغيرة والكبيرة وهذا قول الجمهور : أحمد والشافعي ومالك إلا أن أشهب وابن نافع قالا : لا إحداد على الذمية ورواه أشهب عن مالك وهو قول أبي حنيفة ولا إحداد عنده على الصغيرة
واحتج أرباب هذا القول بأن النبي صلى الله عليه و سلم جعل الإحداد من أحكام من يؤمن بالله واليوم الآخر فلا تدخل فيه
الكافرة ولأنها غير مكلفة بأحكام الفروع
قالوا : وعدوله عن اللفظ العام المطلق إلى الخاص المقيد بالإيمان يقتضي أن هذا من أحكام الإيمان ولوازمه وواجباته فكأنه قال : من التزم الإيمان فهذا من شرائعه وواجباته
والتحقيق أن نفي حل الفعل عن المؤمنين لا يقتضي نفي حكمه عن الكفار ولا إثبات لهم أيضا وإنما يقتضي أن من التزم الإيمان وشرائعه فهذا لا يحل له ويجب على كل حال أن يلزم الإيمان وشرائعه ولكن لا يلزمه الشارع شرائع الإيمان إلا بعد دخوله فيه وهذا كما لو قيل : لا يحل لمؤمن أن يترك الصلاة والحج والزكاة فهذا لا يدل على أن ذلك حل للكافر وهذا كما قال في لباس الحرير : [ لا ينبغي هذا للمتقين ] فلا يدل أنه ينبغي لغيرهم وكذا قوله : [ لا ينبغي للمؤمن أن يكون لعانا ]
وسر المسألة : أن شرائع الحلال والحرام والإيجاب إنما شرعت لمن التزم أصل الإيمان ومن لم يلتزمه وخلي بينه وبين دينه فإنه يخلى بينه وبين شرائع الدين الذي التزمه كما خلي بينه وبين أصله ما لم يحاكم إلينا وهذه القاعدة متفق عليها بين العلماء ولكن عذر الذين أوجبوا الإحداد على الذمية أنه يتعلق به حق الزوج المسلم وكان منه إلزامها به كأصل العدة ولهذا لا يلزمونها به في عدتها من الذمي ولا يتعرض لها فيها فصار هذا كعقودهم مع المسلمين فإنهم يلزمون فيها بأحكام الإسلام وإن لم يتعرض لعقودهم مع بعضهم بعضا ومن ينازعهم في ذلك يقولون : الإحداد حق لله تعالى ولهذا لو اتفقت هي والأولياء والمتوفى على سقوطه بأن أوصاها بتركه لم يسقط ولزمها الإتيان به فهو جار مجرى العبادات وليست الذمية من أهلها فهذا سر المسألة

(5/620)


فصل
الحكم الرابع : أن الإحداد لا يجب على الأمة ولا أم الولد إذا مات سيدهما لأنهما ليسا بزوجين قال ابن المنذر : لا أعلمهم يختلفون في ذلك
فإن قيل : فهل لهما أن تحدا ثلاثة أيام ؟ قيل : نعم لهما ذلك فإن النص إنما حرم الإحداد فوق الثلاث على غير الزوج وأوجبه أربعة أشهر وعشرا على الزوج فدخلت الأمة وأم الولد فيمن يحل لهن الإحداد لا فيمن يحرم عليهن ولا فيمن يجب
فإن قيل : فهل يجب على المعتدة من طلاق أو وطء شبهة أو زنى أو استبراء إحداد ؟
قلنا : هذا هو الحكم الخامس الذي دلت عليه السنة أنه لا إحداد على واحدة من هؤلاء لأن السنة أثبتت ونفت فخصت بالإحداد الواجب الزوجات وبالجائز غيرهن على الأموات خاصة وما عداهما فهو داخل في حكم التحريم على الأموات فمن أين لكم دخوله في الإحداد على المطلقة البائن ؟ وقد قال سعيد بن المسيب وأبو عبيد وأبو ثور وأبو حنيفة وأصحابه والإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه اختارها الخرقي : إن البائن يجب عليها الإحداد وهو مخص القياس لأنها معتدة بائن من نكاح فلزمها الإحداد كالمتوفى عنها لأنهما اشتركا في العدة واختلفا في سببها ولأن العدة تحرم النكاح فحرمت دواعيه قالوا : ولا ريب أن الإحداد معقول المعنى وهو أن إظهار الزينة والطيب والحلي مما يدعو المرأة إلى الرجال ويدعو الرجال إليها : فلا يؤمن أن تكذب في انقضاء عدتها استعجالا لذلك فمنعت من دواعي ذلك وسدت إليه الذريعة هذا مع أن الكذب في عدة الوفاة يتعذر غالبا بظهور موت الزوج وكون العدة أياما معدودة بخلاف عدة الطلاق فإنها بالأقراء وهي لا تعلم إلا من جهتها فكان الإحتياط لها أولى
قيل : قد أنكر الله سبحانه وتعالى على من حرم زينته التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق وهذا يدل على أنه لا يجوز أن يحرم من الزينة إلا ما حرمه الله ورسوله والله سبحانه قد حرم على لسان رسوله صلى الله عليه و سلم زينة الإحداد على المتوفى عنها مدة العدة وأباح رسوله الإحداد بتركها على غير الزوج فلا يجوز تحريم غير ما حرمه بل هو على أصل الإباحة وليس الإحداد من لوازم العدة ولا توابعها ولهذا لا يجب على الموطوءة بشبهة ولا المزني بها ولا المستبرأة ولا الرجعية اتفاقا وهذا القياس أولى من قياسها على المتوفى عنها لما بين العدتين من القروء قدرا أو سببا وحكما فإلحاق عدة الأقراء بالأقراء أولى من إلحاق عدة الأقراء بعدة الوفاة وليس المقصود من الإحداد على الزوج الميت مجرد ما ذكرتم من طلب الإستعجال فإن العدة فيه لم تكن لمجرد العلم ببراءة الرحم ولهذا تجب قبل الدخول وإنما هو من تعظيم هذا العقد وإظهار خطره وشرفه وأنه عند الله بمكان فجعلت العدة حريما له وجعل الإحداد من تمام هذا المقصود وتأكده ومزيد الإعتناء به حتى جعلت الزوجة أولى بفعله على زوجها من أبيها وابنها وأخيها وسائر أقاربها وهذا من تعظيم هذا العقد وتشريفه وتأكد الفرق بينه وبين السفاح من جميع أحكامه ولهذا شرع في ابتدائه إعلانه والإشهاد عليه والضرب بالدف لتحقق المضادة بينه وبين السفاح وشرع في آخره وانتهائه من العدة والإحداد ما لم يشرع في غيره

(5/621)


فصل
الحكم السادس في الخصال التي تجتنبها الحادة وهي التي دل عليها النص دون الآراء والأقوال التي لا دليل عليها وهي أربعة
أحدها : الطيب بقوله في الحديث الصحيح : [ لا تمس طيبا ] ولا خلاف في تحريمه عند من أوجب الإحداد ولهذا لما خرجت أم حبيبة رضي الله عنها من إحدادها على أبيها أبي سفيان دعت بطيب فدهنت منه جارية ثم مست بعارضيها ثم ذكرت الحديث ويدخل في الطيب : المسك والعنبر والكافور والند والغالية والزباد والذريرة والبخور والأدهان المطيبة كدهن البان والورد والبنفسج والياسمين والمياه المعتصرة من الأدهان الطيبة كماء الورد وماء القرنفل وماء زهر النارنج فهدا كل طيب ولا يدخل فيه الزيت ولا الشيرج ولا السمن ولا تمنع من الأدهان بشئ من ذلك

(5/623)


فصل
الحكم السابع : وهي ثلاثة أنواع أحدها : الزينة في بدنها فيحرم عليها الخضاب والنقش والتطريف والحمرة والإسفيداج فإن النبي صلى الله عليه و سلم نص على الخضاب منبها به على هذه الأنواع التي هي أكثر زينة منه وأعظم فتنة وأشد مضادة لمقصود الإحداد ومنها : الكحل والنهي عنه ثابت بالنص بالصريح الصحيح
ثم قال طائفة من أهل العلم من السلف والخلف : منهم أبو محمد بن حزم : لا تكتحل ولو ذهبت عيناها لا ليلا ولا نهارا ويساعد قولهم حديث أم سلمة المتفق عليه : أن امرأة توفي عنها زوجها فخافوا على عينها فأتوا النبي صلى الله عليه و سلم فاستأذنوه في الكحل فما أذن فيه بل قال : لا مرتين أو ثلاثا ثم ذكر لهم ما كانوا يفعلونه في الجاهلية من الإحداد البليغ سنة ويصبرن على ذلك أفلا يصبرن أربعة أشهر وعشرا ولا ريب أن الكحل من أبلغ الزينة فهو كالطيب أو أشد منه وقال بعض الشافعية : للسوداء أن تكتحل وهذا تصرف مخالف للنص والمعنى وأحكام رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تفرق بين السود والبيض كما لا تفرق بين الطوال والقصار ومثل هذا القياس بالرأي الفاسد الذي اشتد نكير السلف له وذمهم إياه
وأما جمهور العلماء كمالك وأحمد وأبي حنيفة والشافعي وأصحابهم فقالوا : إن اضطرت إلى الكحل بالإثمد تداويا لا زينة فلها أن تكتحل به ليلا وتمسحه نهارا وحجتهم : حديث أم سلمة المتقدم رضي الله عنها فإنها قالت في كحل الجلاء : لا تكتحل إلا لما لا بد منه يشتد عليك فتكتحلين بالليل وتغسلينه بالنهار ومن حجتهم : حديث أم سلمة رضي الله عنها الآخر : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم دخل عليها وقد جعلت عليها صبرا فقال : [ ما هذا يا أم سلمة ؟ فقلت : صبر يا رسول الله ليس فيه طيب فقال : إنه يشب الوجه فقال : لا تجعليه إلا بالليل وتنزعيه بالنهار ] وهما حديث واحد فرقه الرواة وأدخل مالك هذا القدر منه في موطئه بلاغا وذكر أبو عمر في التمهيد له طرقا يشد بعضها بعضا ويكفي احتجاج مالك به وأدخله أهل السنن في كتبهم واحتج به الأئمة وأقل درجاته أن يكون حسنا ولكن حديثها هذا مخالف في الظاهر لحديثها المسند المتفق عليه فإنه يدل على المتوفى عنها لا تكتحل بحال فإن النبي صلى الله عليه و سلم لم يأذن للمشتكية عينها في الكحل لا ليلا ولا نهارا ولا من ضرورة ولا غيرها وقال : لا مرتين أو ثلاثا ولم يقل : إلا أن تضطر وقد ذكر مالك عن نافع عن صفبة ابنة عبيد أنها اشتكت عينها وهي حاد على زوجها عبد الله بن عمر فلم تكتحل حتى كادت عيناها ترمصان
قال أبو عمر : وهذا عندي وإن كان ظاهره مخالفا لحديثها الآخر لما فيه من إباحته بالليل وقوله في الحديث الآخر : لا مرتين أو ثلاثا على الإطلاق أن ترتيب الحديثين والله أعلم على أن الشكاة التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه و سلم : لا لم تبلغ - والله أعلم - منها مبلغا لا بد لها فيه من الكحل فلذلك نهاها ولو كانت محتاجة مضطرة تخاف ذهاب بصرها لأباح لها ذلك كما فعل بالتي قال لها : [ اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار ] والنظر يشهد لهذا التأويل لأن الضرورات تنقل المحظورات إلى حال المباح في الأصول ولهذا جعل مالك فتوى أم سلمة رضي الله عنها تفسيرا للحديث المسند في الكحل لأن أم سلمة رضي الله عنها روته وما كانت لتخالفه إذا صح عندها وهي أعلم بتأويله ومخرجه والنظر يشهد لذلك لأن المضطر إلى شئ لا يحكم له بحكم المرفه المتزين بالزينة وليس الدواء والتداوي من الزينة في شئ وإنما نهيت الحادة عن الزينة لا عن التداوي وأم سلمة رضي الله عنها أعلم بما روت مع صحته في النظر وعليه أهل الفقه وبه قال مالك والشافعي وأكثر الفقهاء
وقد ذكر مالك رحمه الله في موطئه أنه بلغه عن سالم بن عبد الله وسليمان بن يسار أنهما كانا يقولان في المرأة يتوفى عنها زوجها : إنها إذا خشيت على بصرها من رمد بعينها أو شكوى أصابتها أنها تكتحل وتتداوى بالكحل وإن كان فيه طيب قال أبو عمر : لأن القصد إلى التداوي لا إلى التطيب والأعمال بالنيات
وقال الشافعي رحمه الله الصبر يصفر فيكون زينة وليس بطيب وهو كحل الجلاء فأذنت أم سلمة رضي الله عنها للمرأة بالليل حيث لا ترى وتمسحه بالنهار حيث يرى وكذلك ما أشبهه
وقال أبو محمد بن قدامة في المغني : وإنما تمنع الحادة من الكحل بالإثمد لأنه الذي تحصل به الزينة فأما الكحل بالتوتيا والعنزروت ونحوهما فلا بأس به لأنه لا زينة فيه بل يقبح العين ويزيدها مرها قال : ولا تمنع من جعل الصبر على غير وجهها من بدنها لأنه إنما منع منه في الوجه لأنه يصفره فيشبه الخضاب فلهذا قال النبي صلى الله عليه و سلم : إنه يشب الوجه
قال : ولا تمنع من تقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق الشعر المندوب إلى حلقه ولا من الإغتسال بالسدر والإمتشاط به لحديث أم سلمة رضي الله عنها ولأنه يراد للتنظيف لا للتطيب وقال إبراهيم بن هانئ النيسابوري في مسائله قيل لأبي عبد الله المتوفى عنها تكتحل بالإثمد ؟ قال : لا ولكن إذا أرادت اكتحلت بالصبر إذا خافت على عينها واشتكت شكوى شديدة

(5/623)


فصل
النوع الثاني : زينة الثياب فيحرم عليها ما نهاها عنه النبي صلى الله عليه و سلم وما هو أولى بالمنع منه وما هو مثله وقد صح عنه أنه قال : [ ولا تلبس ثوبا مصبوغا ] وهذا يعم المعصفر والمزعفر وسائر المصبوغ بالأحمر والأصفر والأخضر والأزرق الصافي وكل ما يصبغ للتحسين والتزيين وفي اللفظ الآخر : [ ولا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشق ]
وههنا نوعان آخران أحدهما : مأذون فيه وهو ما نسج من الثياب على وجهه ولم يدخل فيه صبغ من خز أو قز أو قطن أو كتان أو صوف أو وبر أو شعر أو صبغ غزله ونسج مع غيره كالبرود
والثاني : ما لا يراد بصبغه الزينة مثل السواد وما صيغ لتقبيح أو ليستر الوسخ فهذا لا يمنع منه
قال الشافعي رحمه الله : في الثياب زينتان إحداهما : جمال الثياب على اللابسين والسترة للعورة فالثياب زينة لمن يلبسها وإنما نهيت الحادة عن زينة بدنها ولم تنه عن ستر عورتها فلا بأس أن تلبس كل ثوب من البياض لأن البياض ليس بمزين وكذلك الصوف والوبر وكل ما ينسج على وجهه ولم يدخل عليه صبغ من خز أو غيره وكذلك كل صبغ لم يرد به تزيين الثوب مثل السواد وما صبغ لتقبيحه أو لنفي الوسخ عنه فأما ما كان من زينة أو وشي في ثوبه أو غيره فلا تلبسه الحادة وذلك لكل حرة أو أمة كبيرة أو صغيرة مسلمة أو ذمية انتهى كلامه
قال أبو عمر : وقول الشافعي رحمه الله في هذا الباب نحو قول مالك وقال أبو حنيفة : لا تلبس ثوب عصب ولا خز وإن لم يكن مصبوغا إذا أرادت به الزينة وإن لم ترد بلبس الثوب المصبوغ الزينة فلا بأس أن تلبسه وإذا اشتكت عينها اكتحلت بالأسود وغيره وإن لم تشتك عينها لم تكتحل

(5/626)


فصل
وأما الإمام أحمد رحمه الله فقال في رواية أبي طالب : ولا تتزين المعتدة ولا تتطيب بشئ من الطيب ولا تكتحل بكحل زينة وتدهن بدهن ليس فيه طيب ولا تقرب مسكا ولا زعفرانا للطيب والمطلقة واحدة أو اثنتين تتزين وتتشوف لعله أن يراجعها
وقال أبو داود في مسائله : سمعت أحمد قال : المتوفى عنها زوجها والمطلقة ثلاثا والمحرمة يجتنبن الطيب والزينة
وقال حرب في مسائله : سألت أحمد رحمه الله قلت : المتوفى عنها زوجها والمطلقة هل تلبسان البرد ليس بحرير ؟ فقال : لا تتطيب المتوفى عنها ولا تتزين بزينة وشدد في الطيب إلا أن يكون قليلا عند طهرها ثم قال : وشبهت المطلقة ثلاثا بالمتوفى عنها لأنه ليس لزوجها عليها رجعة ثم ساق حرب بإسناده إلى أم سلمة قال : المتوفى عنها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا تختضب ولا تكتحل ولا تتطيب ولا تمتشط بطيب
وقال إبراهيم بن هانئ النيسابوري في مسائله : سألت أبا عبد الله عن المرأة تنتقب في عدتها أو تدهن في عدتها ؟ قال : لا بأس به وإنما كره للمتوفى عنها زوجها أن تتزين وقال أبو عبد الله : كل دهن فيه طيب فلا تدهن به فقد دار كلام الإمام أحمد والشافعي وأبي حنيفة رحمهم الله على أن الممنوع منه من الثياب ما كان من لباس الزينة من أي نوع كان وهذا هو الصواب قطعا فإن المعنى الذي منعت من المعصفر والممشق لأجله مفهوم والنبي صلى الله عليه و سلم خصه بالذكر مع المصبوغ تنبيها على ما هو مثله وأولى بالمنع فإذا كان الأبيض والبرود المحبرة الرفيعة الغالية الأثمان مما يراد للزينة لارتفاعهما وتناهي جودتهما كان أولى بالمنع من الثوب المصبوغ وكل من عقل عن الله ورسوله لم يسترب في ذلك لا كما قال أبو محمد بن حزم : إنها تجتنب الثياب المصبغة فقط ومباح لها أن تلبس بعد ما شاءت من حرير أبيض وأصفر من لونه الذي لم يصبغ وصوف البحر الذي هو لونه وغير ذلك ومباح لها أن تلبس المنسوج بالذهب والحلي كله من الذهب والفضة والجوهر والياقوت والزمرد وغير ذلك فهي خمسة أشياء تجتنبها فقط وهي : الكحل كله لضرورة أو لغير ضرورة ولو ذهبت عيناها لا ليلا ولا نهارا وتجتنب فرضا كل ثوب مصبوغ مما يلبس في الرأس والجسد أو على شئ منه سواء في ذلك السواد والخضرة والحمرة والصفرة وغير ذلك إلا العصب وحده وهي ثياب موشاة تعمل في اليمن فهو مباح لها وتجتنب أيضا : فرضا الخضاب كله جملة وتجتنب الإمتشاط حاشا التسريح بالمشط فقط فهو حلال لها وتجتنب أيضا : فرضا الطيب كله ولا تقرب شيئا حاشا شيئا من قسط أو أظفار عند طهرها فقط فهذه الخمسة التي ذكرها حكينا كلامه فيها بنصه
وليس بعجيب منه تحريم لبس ثوب أسود عليها من الزينة في شئ وإباحة ثوب يتقد ذهبا ولؤلؤا وجوهرا ولا تحريم المصبوغ الغليظ لحمل الوسخ وإباحة الحرير الذي يأخذ بالعيون حسنه وبهاؤه ورواؤه وإنما العجب منه أن يقول : هذا دين الله في نفس الأمر وأنه لا يحل لأحد خلافه وأعجب من هذا إقدامه على خلاف الحديث الصحيح في نهيه صلى الله عليه و سلم لها عن لباس الحلي وأعجب من هذا أنه ذكر الخبر بذلك ثم قال : ولا يصح ذلك لأنه من رواية إبراهيم بن طهمان وهو ضعيف ولو صح لقلنا به فلله ما لقي إبراهيم بن طهمان من أبي محمد بن حزم وهو من الحفاظ الأثبات الثقات الذين اتفق الأئمة الستة على إخراج حديثه واتفق أصحاب الصحيح وفيهم الشيخان على الإحتجاج بحديثه وشهد له الأئمة بالثقة والصدق ولم يحفظ عن أحد منهم فيه جرح ولا خدش ولا يحفظ عن أحد من المحدثين قط تعليل حديث رواه ولا تضعيفه به وقرىء على شيخنا أبي الحجاج الحافظ في التهذيب وأنا أسمع : قال : إبراهيم بن طهمان بن سعيد الخراساني أبو سعيد الهروي ولد بهراة وسكن نيسابور وقدم بغداد وحدث بها ثم سكن بمكة حتى مات بها ثم ذكر عمن روى ومن روى عنه ثم قال : قال نوح بن عمرو بن المروزي عن سفيان بن عبد الملك عن ابن المبارك : صحيح الحديث وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه وأبي حاتم : ثقة وقال : عبد الله بن أحمد بن حنبل عن يحيى بن معين : لا بأس به وكذلك قال العجلي وقال أبو حاتم : صدوق حسن الحديث وقال عثمان بن سعيد الدارمي : كان ثقة في الحديث ثم لم تزل الأئمة يشتهون حديثه ويرغبون فيه ويوثقونه وقال أبو داود : ثقة وقال إسحاق بن راهويه : كان صحيح الحديث حسن الرواية كثير السماع ما كان بخراسان أكثر حديثا منه وهو ثقة وروى له الجماعة وقال يحيى بن أكثم القاضي : كان من أنبل من حدث بخراسان والعراق والحجاز وأوثقهم وأوسعهم علما وقال المسعودي : سمعت مالك بن سليمان يقول : مات إيراهيم بن طهمان سنة ثمان وستين ومائة بمكة ولم يخلف مثله
وقد أفتى الصحابة رضي الله عنهم بما هو مطابق لهذه النصوص وكاشف عن معناها ومقصودها فصح عن ابن عمر أنه قال : لا تكتحل ولا تتطيب ولا تختضب ولا تلبس المعصفر ولا ثوبا مصبوغا ولا بردا ولا تتزين بحلي ولا تلبس شيئا تريد به الزينة ولا تكتحل بكحل تريد به الزينة إلا أن تشتكي عينها
وصح عنه من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر : ولا تمس المتوفى عنها طيبا ولا تختضب ولا تكتحل ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب تتجلبب به
وصح عن أم عطية : لا تلبس الثياب المصبغة إلا العصب ولا تمس طيبا إلا أدنى الطيب بالقسط والأظفار ولا تكتحل بكحل زينة
وصح عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : تجتنب الطيب والزينة
وصح عن أم سلمة رضي الله عنها : لا تلبس من الثياب المصبغة شيئا ولا تكتحل ولا تلبس حليا ولا تختضب ولا تتطيب
وقالت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها : لا تلبس معصفرا ولا تقرب طيبا ولا تكتحل ولا تلبس حليا وتلبس إن شاءت ثياب العصب

(5/627)


فصل
وأما النقاب فقال الخرقي في مختصره : وتجتنب الزوجة المتوفى عنها زوجها الطيب والزينة والبيتوتة في غير منزلها والكحل بالإثمد والنقاب
ولم أجد بهذا نصا عن أحمد
وقد قال إسحاق بن هانئ في مسائله : سألت أبا عبد الله عن المرأة تنتقب في عدتها أو تدهن في عدتها ؟ قال : لا بأس به وإنما كره للمتوفى عنها زوجها أن تتزين ولكن قد قال أبو داود في مسائله عن المتوفى عنها زوجها والمطلقة ثلاثا والمحرمة : تجتنبن الطيب والزينة فجعل المتوفى عنها بمنزلة المحرمة فيما تجتنبه فظاهر هذا أنها تجتنب النقاب فلعل أبا القاسم أخذ من نصه هذا - والله أعلم - وبهذا علله أبو محمد في المغني فقال : فصل الثالث : فيما تجتنبه الحادة النقاب وما في معناه مثل البرقع ونحوه لأن المعتدة مشبهة بالمحرمة والمحرمة تمتنع من ذلك وإذا احتاجت إلى ستر وجهها سدلت عليه كما تفعل المحرمة

(5/630)


فصل
فإن قيل : فما تقولون في الثوب إذا صبغ عزله ثم نسج هل لها لبسه ؟ قيل : فيه وجهان وهما احتمالان في المغنى أحدهما : يحرم لبسه لأنه أحسن وأرفع ولأنه مصبوغ للحسن فأشبه ما صبغ بعد نسجه والثاني : لا يحرم لقول رسول الله صلى الله عليه و سلم في حديث أم سلمة رضي الله عنها : [ إلا ثوب عصب ] وهو ما صبغ غزله قبل نسجه ذكره القاضي قال الشيخ : والاول أصح وأما العصب : فالصحيح : أنه نبت تصبغ به الثياب قال السهيلي : الورس والعصب نبتان باليمن لا ينبتان إلا به فأرخص النبي صلى الله عليه و سلم للحادة في لبس ما يصبغ بالعصب لأنه في معنى ما يصبغ لغير تحسين كالأحمر والأصفر فلا معنى لتجويز لبسه مع حصول الزينة بصبغه كحصولها بما صبغ بعد نسجه والله أعلم

(5/631)


ذكر حكم رسول الله صلى الله عليه و سلم في الإستبراء
ثبت في صحيح مسلم : من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم حنين بعث جيشا إلى أوطاس فلقي عدوا فقاتلوهم فظهروا عليهم وأصابوا سبايا فكأن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين فأنزل الله عز و جل في ذلك : { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } [ النساء : 24 ] أي : فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن
وفي صحيحه أيضا : من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبى صلى الله عليه و سلم مر بامرأة مجح على باب فسطاط فقال : لعله يريد أن يلم بها فقالوا : نعم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ لقد هممت أن ألعنه لعنا يدخل معه قبره كيف يورثه وهو لا يحل له كيف يستخدمه وهو لا يحل له ]
وفي الترمذي : من حديث عرباض بن سارية أن النبي صلى الله عليه و سلم حرم وطء السبايا حتى يضعن ما في بطونهن
وفي المسند و سنن أبي داود : من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال في سبايا أوطاس : [ لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة ]
وفي الترمذي : من حديث رويفع بن ثابت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : [ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقي ماءه ولد غيره ] قال الترمذي : حديث حسن
ولأبي داود من حديثه أيضا : [ لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها ]
ولأحمد : [ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ينكحن ثيبا من السبايا حتى تحيض ]
وذكر البخاري في صحيحه : قال ابن عمر : إذا وهبت الوليدة التي توطأ أو بيعت أو عتقت فلتستبرأ بحيضة ولا تستبرأ العذراء
وذكر عبد الرزاق عن معمر عن عمرو بن مسلم عن طاووس : أرسل رسول الله صلى الله عليه و سلم مناديا في بعض مغازيه : [ لا يقعن رجل على حامل ولا حائل حتى تحيض ]
وذكر عن سفيان الثوري : عن زكريا عن الشعبي قال : أصاب المسلمون سبايا يوم أوطاس فأمرهم رسول الله صلى الله عليه و سلم أن لا يقعوا على حامل حتى تضع ولا على غير حامل حتى تحيض

(5/631)


فصل
فتضمنت هذه السنن أحكاما عديدة
أحدها : أنه لا يجوز وطء المسمية حتى يعلم براءة رحمها فإن كانت حاملا فبوضع حملها وإن كانت حائلا فبأن تحيض حيضة فإن لم تكن من ذوات الحيض فلا نص فيها واختلف فيها وفي البكر وفي التي يعلم براءة رحمها بأن حاضت عند البائع ثم باعها عقيب الحيض ولم يطأها ولم يخرجها عن ملكه أو كانت عند امرأة وهي مصونة فانتقلت عنها إلى رجل فأوجب الشافعي وأبو حنيفة وأحمد الإستبراء في ذلك كله أخذا بعموم الأحاديث واعتبارا بالعدة حيث تجب مع العلم ببراءة الرحم واحتجاجا بآثار الصحابة كما ذكر عبد الرزاق : حدثنا ابن جريج قال : قال عطاء : تداول ثلاثة من التجار جارية فولدت فدعا عمر بن الخطاب رضي الله عنه القافة فألحقوا ولدها بأحدهم ثم قال عمر رضي الله عنه : من ابتاع جارية قد بلغت المحيض فليتربص بها حتى تحيض فإن كانت لم تحض فليتربص بها خمسا وأربعين ليلة
قالوا : وقد أوجب الله العدة على من يئست من المحيض وعلى من لم تبلغ سن المحيض وجعلها ثلاثة أشهر والإستبراء عدة الأمة فيجب على الآيسة ومن لم تبلغ سن المحيض
وقال آخرون : المقصود من الإستبراء العلم ببراءة الرحم فحيث تيقن المالك براءة رحم الأمة فله وطؤها ولا استبراء عليه كما رواه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه قال : إذا كانت الأمة عذراء لم يستبرئها إن شاء وذكره البخاري في صحيحه عنه
وذكر حماد بن سلمة حدثنا علي بن زيد عن أيوب بن عبد الله اللخمي عن ابن عمر قال : وقعت في سهمي جارية يوم جلولاء كأن عنقها إبريق فضة قال ابن عمر : فما ملكت نفسي أن جعلت أقبلها والناس ينظرون
ومذهب مالك إلى هذا يرجع وهاك قاعدته وفروعها : قال أبو عبد الله المازري وقد عقد قاعدة لباب الإستبراء فنذكرها بلفظها
والقول الجامع في ذلك : أن كل أمة أمن عليها الحمل فلا يلزم فيها الإستبراء وكل من غلب على الظن كونها حاملا أو شك في حملها أو تردد فيه فالإستبراء لازم فيها وكل من غلب الظن ببراءة رحمها لكنه مع الظن الغالب يجوز حصوله فإن المذهب على قولين في ثبوت الإستبراء وسقوطه
ثم خرج على ذلك الفروع المختلفة فيها كاستبراء الصغيرة التي تطيق الوطء والآيسة وفيه روايتان عن مالك قال صاحب الجواهر : ويجب في الصغيرة إذا كانت ممن قارب سن الحمل كبنت ثلاث عشرة أو أربع عشرة وفي إيجاب الإستبراء إذا كانت ممن تطيق الوطء ولا يحمل مثلها كبنت تسع وعشر روايتان أثبته في رواية ابن القاسم ونفاه في رواية ابن عبد الحكم وإن كانت ممن لا يطيق الوطء فلا استبراء فيها قال : ويجب الإستبراء فيمن جاوزت سن الحيض ولم تبلغ سن الآيسة مثل ابنة الأربعين والخمسين وأما التي قعدت عن المحيض ويئست عنه فهل يجب فيها الإستبراء أو لا يجب ؟ روايتان لابن القاسم وابن عبد الحكم قال المازري : ووجه استبراء الصغيرة التي تطيق الوطء والآيسة أنه يمكن فيهما الحمل على الندور أو لحماية الذريعة لئلا يدعى في مواضع الإمكان أن لا إمكان
قال : ومن ذلك استبراء الأمة خوفا أن تكون زنت وهو المعبر عنه بالإستبراء لسوء الظن وفيه قولان والنفي لأشهب
قال : ومن ذلك استبراء الأمة الوخش فيه قولان الغالب : عدم وطء السادات لهن وإن كان يقع في النادر
ومن ذلك استبراء من باعها مجبوب أو امرأة أو ذو محرم ففي وجوبه روايتان عن مالك
ومن ذلك استبراء المكاتبة إذا كانت تتصرف ثم عجزت فرجعت إلى سيدها فابن القاسم يثبت الإستبراء وأشهب ينفيه
ومن ذلك استبراء البكر قال أبو الحسن اللخمي : هو مستحب على وجه الإحتياط غير واجب وقال غيره من أصحاب مالك : هو واجب
ومن ذلك إذا استبرأ البائع الأمة وعلم المشتري أنه قد استبرأها فإنه يجزئ استبراء البائع عن استبراء المشتري
ومن ذلك إذا أودعه أمة فحاضت عند المودع حيضة ثم استبرأها لم يحتح إلى استبراء ثان وأجزأت تلك الحيضة عن استبرائها وهذا بشرط أن لا تخرج ولا يكون سيدها يدخل عليها
ومن ذلك أن يشتريها من زوجته أو ولد له صغير في عياله وقد حاضت عند البائع فابن القاسم يقول : إن كانت لا تخرج أجزأه ذلك وأشهب يقول : إن كان مع المشتري في دار وهو الذاب عنها والناظر في أمرها أجزأه ذلك سواء كانت تخرج أو لا تخرج
ومن ذلك إن كان سيد الأمة غائبا فحين قدم اشتراها منه رجل قبل أن تخرج أو خرجت وهي حائض فاشتراها قبل أن تطهر فلا استبراء عليه
ومن ذلك إذا بيعت وهي حائض في أول حيضتها فالمشهور من مذهبه أن ذلك يكون استبراء لها لا يحتاج إلى حيضة مستأنفة
ومن ذلك الشريك يشتري نصيب شريكه من الجارية وهي تحت يد المشترى منهما وقد حاضت في يده فلا استبراء عليه
وهذه الفروع كلها من مذهبه تنبيك عن مأخذه في الإستبراء وأنه إنما يجب حيث لا يعلم ولا يظن براءة الرحم فإن علمت أو ظنت فلا استبراء وقد قال أبو العباس بن سريج وأبو العباس بن تيمية : إنه لا يجب استبراء البكر كما صح عن ابن عمر رضي الله عنهما وبقولهم نقول وليس عن النبي صلى الله عليه و سلم نص عام في وجوب استبراء كل من تجدد له عليها ملك على أي حالة كانت وإنما نهى عن وطء السبايا حتى تضع حواملهن وتحيض حوائلهن
فإن قيل : فعمومه يقتضي تحريم وطء أبكارهن قبل الإستبراء كما يمتنع وطء الثيب ؟
قيل : نعم وغايته أنه عموم أو إطلاق ظهر القصد منه فيخص أو يقيد عند انتفاء موجب الإستبراء ويخص أيضا بمفهوم قوله صلى الله عليه و سلم في حديث رويفع : [ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ينكح ثيبا من السبايا حتى تحيض ] ويخص أيضا بمذهب الصحابي ولا يعلم له مخالف
وفي صحيح البخاري : من حديث بريدة قال : بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم عليا رضي الله عنه إلى خالد يعني باليمين ليقبض الخمس فاصطفى علي منها سبية فأصبح وقد اغتسل فقلت لخالد : أما ترى إلى هذا ؟ وفي رواية : فقال
خالد لبريدة : ألا ترى ما صنع هذا ؟ قال بريدة : وكنت أبغض عليا رضي الله عنه فلما قدمنا إلى النبي صلى الله عليه و سلم ذكرت ذلك له فقال : [ يا بريدة أتبغض عليا ؟ قلت : نعم قال : لا تبغضه فإن له في الخمس أكثر من ذلك ]
فهذه الجاربة إما أن تكون بكرا فلم ير علي وجوب استبرائها وإما أن تكون في آخر حيضها فاكتفى بالحيضة قبل تملكه لها وبكل حال فلا بد أن يكون تحقق براءة رحمها بحيث أغناه عن الإستبراء
فإذا تأملت قول النبي صلى الله عليه و سلم حق التأمل وجدت قوله : [ ولا تؤطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تحيض ] ظهر لك منه أن المراد بغير ذات الحمل من يجوز أن تكون حاملا وأن لا تكون فيمسك عن وطئها مخافة الحمل لأنه لا علم له بما اشتمل عليه رحمها وهذا قاله في المسبيات لعدم علم السابي بحالهن
وعلى هذا فكل من ملك أمة لا يعلم حالها قبل الملك هل اشتمل رحمها على حمل أم لا ؟ لم يطأها حتى يستبرئها بحيضة هذا أمر معقول وليس بتعبد محض لا معنى له فلا معنى لاستبراء العذراء والصغيرة التي لا يحمل مثلها والتي اشتراها من امرأته وهي في بيته لا تخرج أصلا ونحوها ممن يعلم براءة رحمها فكذلك إذا زنت المرأة وأرادت أن تتزوج استبرأها بحيضة ثم تزوجت وكذلك إذا زنت وهي مزوجة أمسك عنها زوجها حتى تحيض حيضة وكذلك أم الولد إذا مات عنها سيدها اعتدت بحيضة
قال عبد الله بن أحمد : سألت أبي كم عدة أم الولد إذا توفي عنها مولاها أو أعتقها ؟ قال : عدتها حيضة وإنما هي أمة في كل أحوالها إن جنت فعلى سيدها قيمتها وإن جني عليها فعلى الجاني ما نقص بن قيمتها وإن ماتت فما تركت من شئ فلسيدها وإن أصابت حدا فحد أمة وإن زوجها سيدها فما ولدت فهم بمنزلتها يعتقون بعتقها ويرقون برقها
وقد اختلف الناس قي عدتها فقال بعض الناس : أربعة أشهر وعشرا فهذه عدة الحرة وهذه عدة أمة خرجت من الرق إلى الحرية فيلزم من قال : أربعة أشهر وعشرا أن يورثها وأن يجعل حكمها حكم الحرة لأنه قد أقامها في العدة مقام الحرة وقال بعض الناس : عدتها ثلاث حيض وهذا قول ليس له وجه إنما تعتد ثلاث حيض المطلقة وليست هي بمطلقة ولا حرة وإنما ذكر الله العدة فقال : { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا } [ البقرة : 234 ] وليست أم الولد بحرة ولا زوجة فتعتد بأربعة أشهر وعشر قال : { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } وإنما هي أمة خرجت من الرق إلى الحرية وهذا لفظ أحمد رحمه الله
وكذلك قال في رواية صالح : تعتد أم الولد إذا توفي عنها مولاها أو أعتقها حيضة وإنما هي أمة في كل أحوالها
وقال في رواية محمد بن العباس : عدة أم الولد أربعة أشهر وعشر إذا توفي عنها سيدها
وقال الشيخ في المغني : وحكى أبو الخطاب رواية ثالثة عن أحمد : أنها تعتد بشهرين وخمسة أيام قال : ولم أجد هذه الرواية عن أحمد رحمه الله في الجامع ولا أظنها صحيحة عن أحمد رحمه الله وروي ذلك عن عطاء وطاووس وقتادة لأنها حين الموت أمة فكانت عدتها عدة الأمة كما لو مات رجل عن زوجته الأمة فعتقت بعد موته فليست هذه رواية إسحاق بن منصور عن أحمد
قال أبو بكر عبد العزيز في زاد المسافر : باب القول في عدة أم الولد من الطلاق والوفاة قال أبو عبد الله في رواية ابن القاسم : إذا مات السيد وهي عند زوج فلا عدة عليها كيف تعتد وهي مع زوجها ؟ وقال في رواية مهنا : إذا أعتق أم الولد فلا يتزوج أختها حتى تخرج من عدتها وقال في رواية إسحاق بن منصور : وعدة أم الولد عدة الأمة في الوفاة والطلاق والفرقة انتهى كلامه
وحجة من قال : عدتها أربعة أشهر وعشر ما رواه أبو داود عن عمرو بن العاص أنه قال : لا تفسدوا علينا سنة نبينا محمد صلى الله عليه و سلم عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها أربعة أشهر وعشر : وهذا قول السعيدين ومحمد بن سيرين ومجاهد وعمر بن عبد العزيز وخلاس بن عمرو والزهري والأوزاعي وإسحاق قالوا : لأنها حرة تعتد للوفاة فكانت عدتها أربعة أشهر وعشرا كالزوجة الحرة
وقال عطاء والنخعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه : تعتد بثلاث حيض وحكي عن علي وابن مسعود قالوا : لأنها لا بد لها من عدة وليست زوجة فتدخل في آية الأزواج المتوفى عنهن ولا أمة فتدخل في نصوص استبراء الإماء بحيضة فهي أشبه شئ بالمطلقة فتعتد بثلاثة أقراء
والصواب من هذه الأقوال : أنها تستبرأ بحيضة وهو قول عثمان بن عفان وعائشة وعبد الله بن عمر والحسن والشعبي والقاسم بن محمد وأبي قلابة ومكحول ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل في أشهر الروايات عنه وهو قول أبي عبيد وأبي ثور وابن المنذر فإن هذا إنما هو لمجرد الإستبراء لزوال الملك عن الرقبة فكان حيضة واحدة في حق من تحيض كسائر استبراءات المعتقات والمملوكات والمسبيات وأما حديث عمرو بن العاص فقال ابن المنذر : ضعف أحمد وأبو عبيد حديث عمرو بن العاص وقال محمد بن موسى : سألت أبا عبد الله عن حديث عمرو بن العاص فقال : لا يصح وقال الميموني : رأيت أبا عبد الله يعجب من حديث عمرو بن العاص هذا ثم قال : أين سنه رسول الله صلى الله عليه و سلم في هذا ؟ وقال : أربعة أشهر وعشرا إنما هي عدة الحرة من النكاح وإنما هذه أمة خرجت من الرق إلى الحرية ويلزم من قال بهذا أن يورثها وليس لقول من قال : تعتد ثلاث حيض وجه إنما تعتد بذلك المطلقة انتهى كلامه
وقال المنذري : في إسناد حديث عمرو مطر بن طهمان أبو رجاء الوراق وقد ضعفه غير واحد وأخبرنا شيخنا أبو الحجاج الحافظ في كتاب التهذيب قال أبو طالب : سألت أحمد بن حنبل عن مطر الوراق فقال : كان يحيى بن سعيد يضعف حديثه عن عطاء وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل : سألت أبي عن مطر الوراق قال : كان يحيى بن سعيد يشبه حديث مطر الوراق بابن أبي ليلى في سوء الحفظ قال عبد الله : فسألت أبي عنه ؟ فقال : ما أقربه من ابن أبي ليلى في عطاء خاصة وقال : مطر في عطاء : ضعيف الحديث قال عبد الله : قلت ليحيى بن معين : مطر الوراق ؟ فقال : ضعيف في حديث عطاء بن أبي رباح وقال النسائي : ليس بالقوي وبعد فهو ثقة قال أبو حاتم الرازي : صالح الحديث وذكره ابن حبان في كتاب الثقات واحتج به مسلم فلا وجه لضعف الحديث به
وإنما علة الحديث أنه من رواية قبيصة بن ذؤيب عن عمرو بن العاص رضي الله عنه ولم يسمع منه قاله الدارقطني وله علة أخرى وهي أنه موقوف لم يقل : لا تلبسوا علينا سنة نبينا قال الدارقطني : والصواب : لا تلبسوا علينا ديننا موقوف وله علة أخرى وهي اضطراب الحديث واختلافه عن عمرو على ثلاثة أوجه أحدها : هذا والثاني : عدة أم الولد عدة الحرة والثالث : عدتها إذا توفي عنها سيدها أربعة أشهر وعشرا فإذا أعتقت فعدتها ثلاث حيض والأقاويل الثلاثة عنه ذكرها البيهقي قال الإمام أحمد : هذا حديث منكر حكاه البيهقي عنه وقد روى خلاس عن علي مثل رواية قبيصة عن عمرو أن عدة أم الولد أربعة أشهر وعشر ولكن خلاس بن عمرو قد تكلم في حديثه فقال أيوب : لا يروى عنه فإنه صحفي وكان مغيرة لا يعبأ بحديثه وقال أحمد : روايته عن علي يقال : إنه كتاب وقال البيهقي : روايات خلاس عن علي ضعيفة عند أهل العلم بالحديث فقال : هي من صحيفة ومع ذلك فقد روى مالك عن نافع عن ابن عمر في أم الولد يتوفى عنها سيدها قال : تعتد بحيضة فإن ثبت عن علي وعمرو ما روي عنهما فهي مسألة نزاع بين الصحابة والدليل هو الحاكم وليس مع من جعلها أربعة أشهر وعشرا إلا التعلق بعموم المعنى إذ لم يكن معهم لفظ عام ولكن شرط عموم المعنى تساوي الأفراد في المعنى الذي ثبت الحكم لأجله فما لم يعلم ذلك لا يتحقق الإلحاق والذين ألحقوا أم الولد بالزوجة رأوا أن الشبه الذي بين أم الولد وبين الزوجة أقوى من الشبه الذي بينها وبين الأمة من جهة أنها بالموت صارت حرة فلزمتها العدة مع حريتها بخلاف الأمة ولأن المعنى الذي جعلت له عدة الزوجة أربعة أشهر وعشرا موجود في أم الولد وهو أدنى الأوقات الذي يتيقن فيها خلق الولد وهذا لا يفترق الحال فيه بين الزوجة وأم الولد والشريعة لا تفرق بين متماثلين ومنازعوهم يقولون : أم الولد أحكامها أحكام الإماء لا أحكام الزوجات ولهذا لم تدخل في قوله : { ولكم نصف ما ترك أزواجكم } [ النساء : 12 ] وغيرها فكيف تدخل في قوله : { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا } [ البقرة : 234 ] ؟ قالوا : والعدة لم تجعل أربعة أشهر وعشرا لأجل مجرد براءة الرحم فإنها تجب على من يتيقن براءة رحمها وتجب قبل الدخول والخلوة فهي من حريم عقد النكاح وتمامه
وأما استبراء الأمة فالمقصود منه العلم ببراءة رحمها وهذا يكفي فيه حيضة ولهذا لم يجعل استبراؤها ثلاثة قروء كما جعلت عدة الحرة كذلك تطويلا لزمان الرجعة ونظرا للزوج وهذا المعنى مقصود في المستبرأة فلا نص يقتضي إلحاقها بالزوجات ولا معنى فأولى الأمور بها أن يشرع لها ما شرعه صاحب الشرع في المسبيات والمملوكات ولا تتعداه وبالله التوفيق

(5/633)


فصل
الحكم الثاني : أنه لا يحصل الإستبراء بطهر البتة بل لا بد من حيضة وهذا قول الجمهور وهو الصواب وقال أصحاب مالك والشافعي في قول له : يحصل بطهر كامل ومتى طعنت في الحيضة تم استبراؤها بناء على قولهما : إن الأقراء : الأطهار ولكن يرد هذا قول رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة ] وقال رويفع بن ثابت : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول يوم حنين : [ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يطأ جارية من السبي حتى يستبرئها بحيضة ] رواه الإمام أحمد وعنده فيه ثلاثة ألفاظ : هذا أحدها
الثاني : نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم أن لا توطأ الأمة حتى تحيض وعن الحبالى حتى تضعن
الثالث : [ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ينكحن ثيبا من السبايا حتى تحيض ] فعلق الحل في ذلك كله بالحيض وحده لا بالطهر فلا يجوز إلغاء ما اعتبره واعتبار ما ألغاه ولا تعويل على ما خالف نصه وهو مقتضى القياس المحض فإن الواجب هو الإستبراء والذي يدل على البراءة هو الحيض فأما الطهر فلا دلالة فيه على البراءة فلا يجوز أن يعول في الإستبراء على ما لا دلالة له فيه عليه دون ما يدل عليه وبناؤهم هذا على أن الأقراء هي الأطهار بناء على الخلاف للخلاف وليس بحجة ولا شبهة ثم لم يمكنهم بناء هذا على ذاك حتى خالفوه فجعلوا الطهر الذي طلقها فيه قرءا ولم يجعلوا طهر المستبرأة التي تجدد عليها الملك فيه أو مات سيدها فيه قرءا وحتى خالفوا الحديث أيضا كما تبين وحتى خالفوا المعنى كما بيناه ولم يمكنهم هذا البناء إلا بعد هذه الأنواع الثلاثة من المخالفة وغاية ما قالوا : أن بعض الحيضة المقترن بالطهر يدل على البراءة فيقال لهم : فيكون الإعتماد عليكم حينئذ على بعض الحيضة وليس ذلك قرءا عند أحد ؟ فإن قالوا : هو اعتماد على بعض حيضة وطهر قلنا : هذا قول ثالث في مسمى القروء ولا يعرف وهو أن تكون حقيقته مركبة من حيض وطهر
فإن قالوا : بل هو اسم للطهر بشرط الحيض فإذا انتفى الشرط انتفى المشروط قلنا : هذا إنما يمكن لو علق الشارع الإستبراء بقرء فأما مع تصريحه على التعليق بحيضة فلا

(5/642)


فصل
الحكم الثالث : أنه لا يحصل ببعض حيضة في يد المشتري اكتفاء بها قال صاحب الجواهر : فإن بيعت الأمة في آخر أيام حيضها لم يكن ما بقي من أيام حيضها استبراء لها من غير خلاف وإن بيعت وهي في أول حيضتها فالمشهور من المذهب أن ذلك يكون استبراء لها
وقد احتج من نازع مالكا بهذا الحديث فإنه علق الحل بحيضة فلا بد من تمامها ولا دليل فيه على بطلان قوله فإنه لا بد من الحيضة بالإتفاق ولكن النزاع في أمر آخر وهو أنه هل يشترط أن يكون جميع الحيضة وهي في ملكه أو يكفي أن يكون معظمها في ملكه فهذا لا ينفيه الحديث ولا يثبته ولكن لمنازعيه أن يقولوا : لما اتفقنا على أنه لا يكفي أن يكون بعضها في ملك المشتري وبعضها في ملك البائع إذا كان أكثرها عند البائع علم أن الحيضة المعتبرة أن تكون وهي عند المشتري ولهذا لو حاضت عند البائع لم يكن ذلك كافيا في الإستبراء
ومن قال بقول مالك يجيب عن هذا بأنها إذا حاضت قبل البيع وهي مودعة عند المشتري ثم باعها عقيب الحيضة ولم تخرج من بيته اكتفي بتلك الحيضة ولم يجب على المشتري استبراء ثان وهذا أحد القولين في مذهب مالك كما تقدم فهو يجوز أن يكون الإستبراء واقعا قبل البيع في صور منها هذه
ومنها إذا وضعت للإستبراء عند ثالث فاستبرأها ثم بيعت بعده قال في الجواهر : ولا يجزئ الإستبراء قبل البيع إلا في حالات منها أن تكون تحت يده للإستبراء أو بالوديعة فتحيض عنده ثم يشتريها حينئذ أو بعد أيام وهي لا تخرج ولا يدخل عليها سيدها
ومنها : أن يشتريها ممن هو ساكن معه من زوجته أو ولد له صغير في عياله وقد حاضت فابن القاسم يقول : إن كانت لا تخرج أجزأه ذلك وقال أشهب : إن كانت معه في دار وهو الذاب عنها والناظر في أمرها فهو استبراء سواء كانت تخرج أو لا تخرج ومنها : إذا كان سيدها غائبا فحين قدم استبرأها قبل أن تخرج أو خرجت وهي حائض فاشتراها منه قبل أن تطهر
ومنها : الشريك يشتري نصيب شريكه من الجارية وهي تحت يد المشتري منهما وقد حاضت في يده وقد تقدمت هذه المسائل فهذه وما في معناها تضمنت الإستبراء قبل البيع واكتفى به مالك عن استبراء ثان
فإن قيل : فكيف يجتمع قوله هذا وقوله : إن الحيضة إذا وجد معظمها عند البائع لم يكن استبراءا ؟ قيل : لا تناقض بينهما وهذه لها موضع وهذه لها موضع فكل موضع يحتاج فيه المشتري إلى استبراء مستقل لا يجزئ إلا حيضة لم يوجد معظمها عند البائع وكل موضع لا يحتاج فيه إلى استبراء مستقل لا يحتاج فيه إلى حيضة ولا بعضها ولا اعتبار بالإستبراء قبل البيع كهذه الصور ونحوها

(5/644)


فصل
الحكم الرابع : أنها إذا كانت حاملا فاستبراؤها بوضع الحمل وهذا كما أنه حكم النص فهو مجمع عليه بين الأمة

(5/645)


فصل
الحكم الخامس : أنه لا يجوز وطؤها قبل وضع حملها أي حمل كان سواء كان يلحق بالواطئ كحمل الزوجة والمملوكة والموطوءة بشبهة أو لا يلحق به كحمل الزانية فلا يحل وطء حامل من غير الواطئ البتة كما صرح به النص وكذلك قوله صلى الله عليه و سلم : [ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقي ماءه زرع غيره ] وهذا يعم الزرع الطيب والخبيث ولأن صيانة ماء الواطئ عن الماء الخبيث حتى لا يختلط به أولى من صيانته عن الماء الطيب ولأن حمل الزاني
وإن كان لا حرمة له ولا لمائه فحمل هذا الواطئ وماؤه محترم فلا يجوز له خلطه بغيره ولأن هذا مخالف لسنة الله في تمييز الخبيث من الطيب وتخليصه منه وإلحاق كل قسم بمجانسه ومشاكله
والذي يقضي منه العجب تجويز من جوز من الفقهاء الأربعة العقد على الزانية قبل استبرائها ووطئها عقيب العقد فتكون الليلة عند الزاني وقد علقت منه والليلة التي تليها فراشا للزوج
ومن تأمل كمال هذه الشريعة علم أنها تأبى ذلك كل الإباء وتمنع منه كل المنع
ومن محاسن مذهب الإمام أحمد أن حرم نكاحها بالكلية حتى تتوب ويرتفع عنها اسم الزانية والبغي والفاجرة فهو رحمه الله لا يجوز أن يكون الرجل زوج بغي ومنازعوه يجوزون ذلك وهو أسعد منهم في هذه المسألة بالأدلة كلها من النصوص والآثار والمعاني والقياس والمصلحة والحكمة وتحريم ما رآه المسلمون قبيحا والناس إذا بالغوا في سب الرجل صرحوا له بالزاي والقاف فكيف تجوز الشريعة مثل هذا مع ما فيه من تعرضه لإفساد فراشه وتعليق أولاد عليه من غيره وتعرضه للإسم المذموم عند جميع الأمم ؟ وقياس قول من جوز العقد على الزانية ووطئها قبل استبرائها حتى لو كانت حاملا أن لا يوجب استبراء الأمة إذا كانتما حاملا من الزنى بل يطؤها عقيب ملكها وهو مخالف لصريح السنة فإن أوجب استبراءها نقض قوله بجواز وطء الزانية قبل استبرائها وإن لم يوجب استبراءها خالف النصوص ولا ينفعه الفرق بينهما بأن الزوج لا استبراء عليه بخلاف السيد فإن الزوج إنما لم يجب عليه الإستبراء لأنه لم يعقد على معتدة ولا حامل من غيره بخلاف السيد ثم إن الشارع إنما حرم الوطء بل العقد في العدة خشية إمكان الحمل فيكون واطئا حاملا من غيره وساقيا ماءه لزرع غيره مع احتمال أن لا يكون كذلك فكيف إذا تحقق حملها
وغاية ما يقال : إن ولد الزانية ليس لاحقا بالواطئ الأول فإن الولد للفراش وفذا لا يجوز إقدامه على خلط مائه ونسبه بغيره وإن لم يلحق بالواطئ الأول فصيانة مائه ونسبه عن نسب لا يلحق بواضعه لصيانته عن نسب يلحق به
والمقصود : أن الشرع حرم وطء الأمة الحامل حتى تضع سواء كان حملها محرما أو غير محرم وقد فرق النبي صلى الله عليه و سلم بين الرجل والمرأة التي تزوج بها فوجدها حبلى وجلدها الحد وقضى لها بالصداق وهذا صريح في بطلان العقد على الحامل من الزنى وصح عنه أنه مر بامرأة مجح على باب فسطاط فقال : [ لعل سيدها يريد أن يلم بها ؟ قالوا : نعم قال : لقد هممت أن ألعنه لعنا يدخل معه قبره كيف يستخدمه وهو لا يحل له كيف يورثه وهو لا يحل له ؟ ! ]
فجعل سبب همه بلعنته وطأه للأمة الحامل ولم يستفصل عن حملها هل هو لاحق بالواطئ أم غير لاحق به ؟ وقوله : كيف يستخدمه وهو لا يحل له أي : كيف يجعله عبدا له يستخدمه وذلك لا يحل فإن ماء هذا الواطئ يزيد في خلق الحمل فيكون بعضه منه قال الإمام أحمد يزيد وطؤه في سمعه وبصره
وقوله : كيف يورثه وهو لا يحل له سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول فيه : أي : كيف يجعله تركة موروثة عنه فإنه يعتقده عبده فيجعله تركة تورث عنه ولا يحل له ذلك لأن ماءه زاد في خلقه ففيه جزء منه
وقال غيره : المعنى : كيف يورثه على أنه ابنه ولا يحل له ذلك لأن الحمل من غيره وهو بوطئه يريد أن يجعله منه فيورثه ماله وهذا يرده أول الحديث وهو قوله : كيف يستعبده ؟ أي : كيف يجعله عبده ؟ وهذا إنما يدل على المعنى الأول وعلى القولين فهو صريح في تحريم وطء الحامل من غيره سواء كان الحمل من زنى أو من غيره وأن فاعل ذلك جدير باللعن بل قد صرح جماعة من الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم : بأن الرجل إذا ملك زوجته الامة لم يطأها حتى يستبرئها خشية أن تكون حاملا منه في صلب النكاح فيكون على ولده الولاء لموالي أمه بخلاف ما علقت به في ملكه فإنه لا ولاء عليه وهذا كله احتياط لولده : هل هو صريح الحرية لا ولاء عليه أو عليه ولاء ؟ فكيف إذا كانت حاملا من غيره ؟

(5/645)


فصل
الحكم السادس : استنبط من قوله : [ لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة ] أن الحامل لا تحيض وأن ما تراه من الدم يكون دم فساد بمنزلة الإستحاضة تصوم وتصلي وتطوف بالبيت وتقرأ القران وهذه مسألة اختلف فيها الفقهاء فذهب عطاء والحسن وعكرمة ومكحول وجابر بن زيد ومحمد بن المنكدر والشعبي والنخعي والحكم وحماد والزهري وأبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي وأبو عبيد وأبو ثور وابن المنذر والإمام أحمد في المشهور من مذهبه والشافعي في أحد قوليه : إلى أنه ليس دم حيض
وقال قتادة وربيعة ومالك والليث بن سعد وعبد الرحمن بن مهدي وإسحاق بن راهويه : إنه دم حيض وقد ذكره البيهقى في سننه وقال إسحاق بن راهويه : قال لي أحمد بن حنبل : ما تقول في الحامل ترى الدم ؟ فقلت : تصلي
واحتججت بخبر عطاء عن عائشة رضي الله عنها قال : فقال أحمد بن حنبل أين أنت عن خبر المدنيين خبر أم علقمة مولاة عائشة رضي الله عنها ؟ فإنه أصح قال إسحاق : فرجعت إلى قول أحمد وهو كالتصريح من أحمد بأن دم الحامل دم حيض وهو الذي فهمه إسحاق عنه والخبر الذي أشار إليه أحمد وهو ما رويناه من طريق البيهقي أخبرنا الحاكم حدثنا أبو بكر بن إسحاق حدثنا أحمد بن إبراهيم حدثنا ابن بكير حدثنا الليث عن بكير بن عبد الله عن أم علقمة مولاة عائشة أن عائشة رضي الله عنها سئلت عن الحامل ترى الدم فقالت : لا تصلي قال البيهقي : ورويناه عن أنس بن مالك
وروينا عن عمر بن الخطاب ما يدل على ذلك وروينا عن عائشة رضي الله عنها أنها أنشدت لرسول الله صلى الله عليه و سلم بيت أبي كبير الهذلي :
( ومبرأ من كل غبر حيضة ... وفساد مرضعة وداء مغيل )
قال : وفي هذا دليل على ابتداء الحمل في حال الحيض حيث لم ينكر الشعر
قال : وروينا عن مطر عن عطاء عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : الحبلى لا تحيض إذا رأت الدم صلت قال : وكان يحيى القطان ينكر هذه الرواية ويضعف رواية ابن أبي ليلى ومطر عن عطاء
قال : وروى محمد بن راشد عن سليمان بن موسى عن عطاء عن عائشة رضي الله عنها نحو رواية مطر فإن كانت محفوظة فيشبه أن تكون عائشة كانت تراها لا تحيض ثم كانت تراها تحيض فرجعت إلى ما رواه المدنيون والله أعلم
قال المانعون من كون دم الحامل دم حيض : قد قسم النبي صلى الله عليه و سلم الإماء قسمين : حاملا وجعل عدتها وضع الحمل وحائلا فجعل عدتها حيضة فكانت الحيضة علما على براءة رحمها فلو كان الحيض يجامع الحمل لما كانت الحيضة علما على عدمه قالوا : ولذلك جعل عدة المطلقة ثلاثة أقراء يكون دليلا على عدم حملها فلو جامع الحمل الحيض لم يكن دليلا على عدمه : قالوا : وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه و سلم قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حين طلق ابنه امرأته وهي حائض : [ مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تظهر ثم إن شاء أمسكها بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء ]
ووجه الإستدلال به أن طلاق الحامل ليس ببدعة في زمن الدم وغيره إجماعا فلو كانت تحيض لكان طلاقها فيه وفي طهرها بعد المسيس بدعة عملا بعموم الخبر قالوا : وروى مسلم في صحيحه من حديث ابن عمر أيضا [ مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا ] وهذا يدل على أن ما تراه من الدم لا يكون حيضا فإنه جعل الطلاق في وقته نظير الطلاق في وقت الطهر سواء فلو كان ما تراه من الدم حيضا لكان لها حالان حال طهر وحال حيض ولم يجز طلاقها في حال حيضها فإنه يكون بدعة قالوا : وقد روى أحمد في مسنده من حديث رويفع عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : [ لا يحل لأحد أن يسقي ماءه زرغ غيره ولا يقع على أمة حتى تحيض أو يتبين حملها ] فجعل وجود الحيض علما على براءة الرحم من الحمل قالوا : وقد روي عن علي أنه قال : إن الله رفع الحيض عن الحبلى وجعل الدم مما تغيض الأرحام
وقال ابن عباس رضي الله عنه : إن الله رفع الحيض عن الحبلى وجعل الدم رزقا للولد رواهما أبو حفص بن شاهين
قالوا : وروى الأثرم والدارقطني بإسنادهما عن عائشة رضي الله عنها في الحامل ترى الدم فقالت : الحامل لا تحيض وتغتسل وتصلي
وقولها : وتغتسل بطريق الندب لكونها مستحاضة قالوا : ولا يعرف عن غيرهم خلافهم لكن عائشة قد ثبت عنها أنها قالت : الحامل لا تصلي وهذا محمول على ما تراه قريبا من الولادة باليومين ونحوهما وأنه نفاس جمعا بين قوليها قالوا : ولأنه دم لا تنقضي به العدة فلم يكن حيضا كالإستحاضة
وحديث عائشة رضي الله عنها يدل على أن الحائض قد تحبل ونحن نقول بذلك لكنه يقطع حيضها ويرفعه قالوا : ولأن الله سبحانه آجرى العادة بانقلاب دم الطمث لبنا غداء للولد فالخارج وقت الحمل يكون غيره فهو دم فساد
قال المحيضون : لا نزاع أن الحامل قد ترى الدم على عادتها لا سيما في أول حملها وإنما النزاع في حكم هذا الدم لا في وجوده وقد كان حيضا قبل الحمل بالإتفاق فنحن نستصحب حكمه حتى يأتي ما يرفعه بيقين قالوا : والحكم إذا ثبت في محل فالأصل بقاؤه حتى يأتي ما يرفعه فالأول استصحاب لحكم الإجماع في محل النزاع والثاني استصحاب للحكم الثابت في المحل حتى يتحقق ما يرفعه والفرق بينهما ظاهر قالوا : وقد قال النبي صلى الله عليه و سلم : [ إذا كان دم الحيض فإنه أسود يعرف ] وهذا أسود يعرف فكان حيضا
قالوا : وقد قال النبي صلى الله عليه و سلم : [ أليست إحداكن إذا حاضت لم تصم ولم تصل ؟ ] وحيض المرأة خروج دمها في أوقات معلومة من الشهر لغة وشرعا وهذا كذلك لغة والأصل في الأسماء تقريرها لا تغييرها
قالوا : ولأن الدم الخارج من الفرج الذي رتب الشارع عليه الأحكام قسمان : حيض واستحاضة ولم يجعل لهما ثالثا وهذا ليس باستحاضة فإن الإستحاضة الدم المطبق والزائد على أكثر الحيض أو الخارج عن العادة وهذا ليس واحدا منها فبطل أن يكون استحاضة فهو حيض قالوا : ولا يمكنكم إثبات قسم ثالث في هذا المحل وجعله دم فساد فإن هذا لا يثبت إلا بنص أو إجماع أو دليل يجب المصير إليه وهو منتف قالوا : وقد رد النبي صلى الله عليه و سلم المستحاضة إلى عادتها وقال : [ اجلسي قدر الأيام التي كنت تحيضين ] فدل على أن عادة النساء معتبرة في وصف الدم وحكمه فإذا جرى دم الحامل على عادتها المعتادة ووقتها من غير زيادة ولا نقصان ولا انتقال دلت عادتها على أنه حيض ووجب تحكيم عادتها وتقديمها على الفساد الخارج عن العبادة قالوا : وأعلم الأمة بهذه المسألة نساء النبي صلى الله عليه و سلم وأعلمهن عائشة وقد صح عنها من رواية أهل المدينة أنها لا تصلي وقد شهد له الإمام أحمد بأنه أصح من الرواية الأخرى عنها ولذلك رجع إليه إسحاق وأخبر أنه قول أحمد بن حنبل قالوا : ولا تعرف صحة الآثار بخلاف ذلك عمن ذكرتم من الصحابة ولو صحت فهي مسألة نزاع بين الصحابة ولا دليل يفصل
قالوا : ولأن عدم مجامعة الحيض للحمل إما أن يعلم بالحس أو بالشرع وكلاهما منتف أما الأول : فظاهر وأما الثاني : فليس عن صاحب الشرع ما يدل على أنهما لا يجتمعان
وأما قولكم : إنه جعله دليلا على براءة الرحم من الحمل في العدة والإستبراء قلنا : جعل دليلا ظاهرا أو قطعيا الأول : صحيح والثاني : باطل فإنه لو كان دليلا قطعيا لما تخلف عنه مدلوله ولكانت أول مدة الحمل من حين انقطاع الحيض وهذا لم يقله أحد بل أول المدة من حين الوطء ولو حاضت بعده عدة حيض فلو وطئها ثم جاءت بولد لأكثر من ستة أشهر من حين الوطء ولأقل منها من حين انقطاع الحيض لحقه النسب اتفاقا فعلم أنه أمارة ظاهرة قد يتخلف عنها مدلولها تخلف المطر عن الغيم الرطب وبهذا يخرج الجواب عما استدللتم به من السنة فإنا بها قائلون وإلى حكمها صائرون وهي الحكم بين المتنازعين والنبي صلى الله عليه و سلم قسم النساء إلى قسمين : حامل فعدتها وضع حملها وحائل فعدتها بالحيض ونحن قائلون بموجب هذا غير منازعين فيه ولكن أين فيه ما يدل على أن ما تراه الحامل من الدم على عادتها تصوم معه وتصلي ؟ هذا أمر آخر لا تعرض للحديث به وهذا يقول القائلون : بأن دمها دم حيض هذه العبارة بعينها ولا يعد هذا تناقضا ولا خللا في العبارة
قالوا : وهكذا قوله في شأن عبد الله بن عمر رضي الله عنه : [ مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهرا قبل أن يمسها ] إنما فيه إباحة الطلاق إذا كانت حائلا بشرطين : الطهر وعدم المسيس فأين في هذا التعرض لحكم الدم الذي تراه على حملها ؟
وقولكم : إن الحامل لو كانت تحيض لكان طلاقها في زمن الدم بدعة وقد اتفق الناس على أن طلاق الحامل ليس ببدعة وإن رأت الدم ؟
قلنا : إن النبي صلى الله عليه و سلم قسم أحوال المرأة التي يريد طلاقها إلى حال حمل وحال خلو عنه وجوز طلاق الحامل مطلقا من غير استثناء وأما غير ذات الحمل فإنما أباح طلاقها بالشرطين المذكورين وليس في هذا ما يدل على أن دم الحامل دم فساد بل على أن الحامل تخالف غيرها في الطلاق وأن غيرها إنما تطلق طاهرا غير مصابة ولا يشترط في الحامل شئ من هذا بل تطلق عقيب الإصابة وتطلق وإن رأت الدم فكما لا يحرم طلاقها عقيب إصابتها لا يحرم حال حيضها وهذا الذي تقتضيه حكمة الشارع في وقت الطلاق إذنا ومنعا فإن المرأة متى استبان حملها كان المطلق على بصيرة من أمره ولم يعرض له من الندم ما يعرض لهن كلهن بعد الجماع ولا يشعر بحملها فليس ما منع منه نظير ما أذن فيه لا شرعا ولا واقعا ولا اعتبارا ولا سيما من علل المنع من الطلاق في الحيض بتطويل العدة فهذا لا أثر له في الحامل
قالوا : وأما قولكم : إنه لو كان حيضا لانقضت به العدة فهذا لا يلزم لأن الله سبحانه جعل عدة الحامل بوضع الحمل وعدة الحائل بالأقراء ولا يمكن انقضاء عدة الحامل بالأقراء لإفضاء ذلك إلى أن يملكها الثاني ويتزوجها وهي حامل من غيره فيسقي ماءه زرع غيره
قالوا : وإذا كنتم سلمتم لنا أن الحائض قد تحبل وحملتم على ذلك حديث عائشة رضي الله عنها ولا يمكنكم منع ذلك لشهادة الحس به فقد أعطيتم أن الحيض والحبل يجتمعان فبطل استدلالكم من رأسه لأن مداره على أن الحيض لا يجامع الحبل
فإن قلتم : نحن إنما جوزنا ورود الحمل على الحيض وكلامنا في عكسه وهو ورود الحيض على الحمل وبينهما فرق
قيل : إذا كانا متنافيين لا يجتمعان فأي فرق بين ورود هذا على هذا وعكسه ؟
وأما قولكم : إن الله سبحانه أجرى العادة بانقلاب دم الطمث لبنا يتغذى به الولد ولهذا لا تحيض المراضع قلنا : وهذا من أكبر حجتنا عليكم فإن هذا الإنقلاب والتغذية باللبن إنما يستحكم بعد الوضع وهو زمن سلطان اللبن وارتضاع المولود وقد أجرى الله العادة بأن المرضع لا تحيض ومع هذا فلو رأت دما في وقت عادتها لحكم له بحكم الحيض بالإتفاق فلأن يحكم له بحكم الحيض في الحال التي لم يستحكم فيها انقلابه ولا تغذى الطفل به أولى وأحرى قالوا : وهب أن هذا كما تقولون فهذا إنما يكون عند احتياج الطفل إلى التغذية باللبن وهذا بعد أن ينفخ فيه الروح فأما قبل ذلك فإنه لا ينقلب لبنا لعدم حاجة الحمل إليه
وأيضا فإنه لا يستحيل كله لبنا بل يستحيل بعضه ويخرج الباقي وهذا القول هو الراجح كما تراه نقلا ودليلا والله المستعان
فإن قيل : فهل تمنعون من الإستمتاع بالمستبرأة بغير الوطء في الموضع الذي يجب فيه الإستبراء ؟ قيل : أما إذا كانت صغيرة لا يوطأ مثلها فهذه لا تحرم قبلتها ولا مباشرتها وهذا منصوص أحمد فى إحدى الروايتين عنه اختارها أبو محمد المقدسي وشيخنا وغيرهما فإنه قال : إن كانت صغيرة بأي شئ تستبرأ إذا كانت رضيعة ؟ وقال في رواية أخرى : تستبرأ بحيضة إن كانت تحيض وإلا ثلاثة أشهر إن كانت ممن توطأ وتحبل قال أبو محمد : فظاهر هذا أنه لا يجب استبراؤها ولا تحرم مباشرتها وهذا اختيار ابن أبي موسى وقول مالك وهو الصحيح لأن سبب الإباحة متحقق وليس على تحريمها دليل فإنه لا نص فيها ولا معنى نص فإن تحريم مباشرة الكبيرة إنما كان لكونه داعيا إلى الوطء المحرم أو خشية أن تكون أم ولد لغيره ولا يتوهم هذا في هذه فوجب العمل بمقتضى الإباحة انتهى كلامه

(5/648)


فصل
وإن كانت ممن يوطأ مثلها فإن كانت بكرا وقلنا : لا يجب استبراؤها فظاهر وإن قلنا : يجب استبراؤها فقال أصحابنا : تحرم قبلتها ومباشرتها وعندي أنه لا يحرم ولو قلنا بوجوب استبرائها لأنه لا يلزم من تحريم الوطء تحريم دواعيه كما في حق الصائم لا سيما وهم إنما حرموا تحريم مباشرتها لأنها قد تكون حاملا فيكون مستمتعا بأمة الغير هكذا عللوا تحريم المباشرة ثم قالوا : ولهذا لا يحرم الإستمتاع بالمسبية بغير الوطء قبل الإستبراء في إحدى الروايتين لأنها لا يتوهم فيها انفساخ الملك لأنه قد استقر بالسبي فلم يبق لمنع الإستمتاع بالقبلة وغيرها من البكر معنى وإن كانت ثيبا فقال أصحاب أحمد والشافعي وغيرهم : يحرم الإستمتاع بها قبل الإستبراء قالوا : لأنه استبراء يحرم الوطء فحرم الإستمتاع بها قبل الإستبراء كالعدة ولأنه لا يأمن كونها حاملا فتكون أم ولد والبيع باطل فيكون مستمتعا بأم ولد غيره قالوا : ولهذا فارق وطء تحريم الحائض والصائم
وقال الحسن البصري : لا يحرم من المستبرأة إلا فرجها وله أن يستمتع منها بما شاء ما لم يطأ لأن النبي صلى الله عليه و سلم إنما منع من الوطء قبل الإستبراء ولم يمنع مما دونه ولا يلزم من تحريم الوطء تحريم ما دونه كالحائض والصائمة وقد قيل : إن ابن عمر قبل جاريته من السبي حين وقعت في سهمه قبل استبرائها ولمن نصر هذا القول أن يقول : الفرق بين المشتراة والمعتدة : أن المعتدة قد صارت أجنبية منه فلا يحل وطؤها ولا دواعيه بخلاف المملوكة فإن وطأها إنما يحرم قبل الإستبراء خشية اختلاط مائه بماء غيره وهذا لا يوجب تحريم الدواعي فهي أشبه بالحائض والصائمة ونظير هذا أنه لو زنت امرأته أو جاريته حرم عليه وطؤها قبل الإستبراء ولا يحرم دواعيه وكذلك المسبية كما سيأتي وأكثر ما يتوهم كونها حاملا من سيدها فينفسخ البيع فهذا بناء على تحريم بيع أمهات الأولاد على علاته ولا يلزم القائل به لأنه لما استمتع بها كانت ملكه ظاهرا وذلك يكفي في جواز الإستمتاع كما يخلو بها ويحدثها وينظر منها ما لا يباح من الأجنبية وما كان جوابكم عن هذه الأمور فهو الجواب عن القبلة والإستمتاع ولا يعلم في جواز هذا نزاع فإن المشتري لا يمنع من قبض أمته وحوزها إلى بيته وإن كان وحده قبل الإستبراء ولا يجب عليها أن تستر وجهها منه ولا يحرم عليه النظر إليها والخلوة بها والأكل معها واستخدامها والاإتفاع بمنافعها وإن لم يجز له ذلك في ملك الغير

(5/655)


فصل
وإن كانت مسبية ففي جواز الإستمتاع بغير الوطء قولان للفقهاء وهما روايتان عن أحمد رحمه الله
إحداهما : أنها كغير المسبية فيحرم الإستمتاع منها بما دون الفرج وهو ظاهر كلام الخرقي لأنه قال : ومن ملك أمة لم يصبها ولم يقبلها حتى يستبرئها بعد تمام ملكه لها
والثانية : لا يحرم وهو قول ابن عمر رضي الله عنه والفرق بينها وبين المملوكة بغير السبي أن المسبية لا يتوهم فيها كونها أم ولد يل هي مملوكة له على كل حال بخلاف غيرها كما تقدم والله أعلم
فإن قيل : فهل يكون أول مدة الإستبراء من حين البيع أو من حين القبض ؟
قيل : فيه قولان وهما وجهان في مذهب أحمد رحمه الله أحدهما : من حين البيع لأن الملك ينتقل به والثاني : من حين القبض لأن القصد معرفة براءة رحمها من ماء البائع وغيره ولا يحصل ذلك مع كونها في يده وهذا على أصل الشافعي وأحمد أما على أصل مالك فيكفي عنده الإستبراء قبل البيع في المواضع التي تقدمت فإن قيل : فإن كان في البيع خيار فمتى يكون ابتداء مدة الإستبراء ؟
قيل : هذا ينبني على الخلاف في انتقال الملك في مدة الخيار فمن قال : ينتقل فابتداء المدة عنده من حين البيع ومن قال : لا ينتقل فابتداؤها عنده من حين انقطاع الخيار
فإن قيل : فما تقولون لو كان الخيار خيار عيب ؟ قبل : ابتداء المدة من حين البيع قولا واحدا لأن خيار العيب لا يمنع نقل الملك بغير خلاف والله أعلم

(5/656)


فصل
فإن قيل : قد دلت السنة على استبراء الحامل بوض الحمل وعلى استبراء الحائل بحيضة فكيف سكتت عن استبراء الآيسة والتي لم تحض ولم تسكت عنهما في العدة ؟ قيل : لم تسكت عنهما بحمد الله بل بينتهما بطريق الإيماء والتنبيه فإن الله سبحانه جعل عدة الحرة ثلاثة قروء ثم جعل عدة الآيسة والتي لم تحض ثلاثة أشهر فعلم أنه سبحانه جعل في مقابلة كل قرء شهرا ولهذا أجرى سبحانه عادته الغالبة في إمائه أن المرأة تحيض في كل شهر حيضة وبينت السنة أن استبراء الأمة الحائض بحيضة فيكون الشهر قائما مقام الحيضة وهذا إحدى الروايات عن أحمد وأحد قولي الشافعي وعن أحمد رواية ثانية : أنها تستبرأ بثلاثة أشهر وهي المشهورة عنه وهو أحد قولي الشافعي ووجه هذا القول ما احتج به أحمد في رواية أحمد بن القاسم فإنه قال : قلت لأبي عبد الله : كيف جعلت ثلاثة أشهر مكان حيضة وإنما جعل الله سبحانه في القرآن مكان كل حيضة شهرا ؟
فقال أحمد : إنما قلنا : ثلاثة أشهر من أجل الحمل فإنه لا يتبين في أقل من ذلك فإن عمر بن عبد العزيز سأل عن ذلك وجمع أهل العلم والقوابل فأخبروا أن الحمل لا يتبين في أقل من ثلاثة أشهر فأعجبه ذلك ثم قال : ألا تسمع قول ابن مسعود : إن النطفة تكون أربعين يوما علقة ثم أربعين يوما مضغة بعد ذلك فإذا خرجت الثمانون صارت بعدها مضغة وهي لحم فيتبين حينئذ
قال ابن القاسم : قال لي : هذا معروف عند النساء فأما شهر فلا معنى فيه انتهى كلامه
وعنه رواية ثالثة : أنها تستبرأ بشهر ونصف فإنه قال في رواية حنبل : قال عطاء : إن كانت لا تحيض فخمسة وأربعون ليلة قال حنبل : قال عمي : لذلك أذهب لأن عدة المطلقة الآيسة كذلك انتهى كلامه
ووجه هذا القول : أنها لو طلقت وهي آيسة اعتدت بشهر ونصف في رواية فلأن تستبرأ الأمة بهذا القدر أولى
وعن أحمد رواية رابعة : أنها تستبرأ بشهرين حكاها القاضي عنه واستشكلها كثير من أصحابه حتى قال صاحب المغني : ولم أر لذلك وجها قال : ولو كان استبراؤها بشهرين لكان استبراء ذات القروء بقرءين ولم نعلم به قائلا
ووجه هذه الرواية أنها اعتبرت بالمطلقة ولو طلقت وهي أمة لكانت عدتها شهرين هذا هو المشهور عن أحمد رحمه الله واحتج فيه بقول عمر رضي الله عنه وهو الصواب لأن الأشهر قائمة مقام القروء وعدة ذات القروء قرءان فبدلهما شهران وإنما صرنا إلى استبراء ذات القرء بحيضة لأنها علم ظاهر على براءتها من الحمل ولا يحصل ذلك بشهر واحد فلا بد من مدة تظهر فيها براءتها وهي إما شهران أو ثلاثة فكانت الشهران أولى لأنها جعلت علما على البراءة في حق المطلقة ففي حق المستبرأة أولى فهذا وجه هذه الرواية
وبعد فالراجح من الدليل : الإكتفاء بشهر واحد وهو الذي دل عليه إيماء النص وتنبيهه وفي جعل مدة استبرائها ثلاثة أشهر تسوية بينها وبين الحرة وجعلها بشهرين تسوية بينها وبين المطلقة فكان أولى المدد بها شهرا فإنه البدل التام والشارع قد اعتبر نظير هذا البدل في نظير الأمة وهي الحرة واعتبره الصحابة في الأمة المطلقة فصح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : عدتها حيضتان فإن لم تكن تحيض فشهران احتج به أحمد رحمه الله وقد نص أحمد رحمه الله في أشهر الروايات عنه على أنها إذا ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه اعتدت بعشرة أشهر تسعة للحمل وشهر مكان الحيضة
وعنه رواية ثانية : تعتد بسنة هذه طريقة الشيخ أبي محمد قال : وأحمد هاهنا جعل مكان الحيضة شهرا لأن اعتبار تكرارها في الآيسة لتعلم براءتها من الحمل وقد علم براءتها منه هاهنا بمضي غالب مدته فجعل الشهر مكان الحيضة على وفق القياس وهذا هو الذي ذكره الخرقي مفرقا بين الآيسة وبين من ارتفع حيضها فقال : فإن كانت آيسة فبثلاثة أشهر وإن ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه اعتدت بتسعة أشهر للحمل وشهر مكان الحيضة
وأما الشيخ أبو البركات فجعل الخلاف في الذي ارتفع حيضها كالخلاف في الآيسة وجعل فيها الروايات الأربع بعد غالب مدة الحمل تسوية بينها وبين الآيسة فقال في محرره : والآيسة والصغيرة بمضي شهر وعنه : بمضي ثلاثة أشهر وعنه : شهرين وعنه : شهر ونصف وإن ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه فبذلك بعد تسعة أشهر
وطريقة الخرقي والشيخ أبي محمد أصح وهذا الذي اخترناه من الإكتفاء بشهر هو الذي مال إليه الشيخ في المغني فإنه قال : ووجه استبرائها بشهر أن الله جعل الشهر مكان الحيضة ولذلك اختلفت الشهور باختلاف الحيضات فكانت عدة الحرة الآيسة ثلاثة أشهر مكان الثلاثة قروء وعدة الأمة شهرين مكان القرءين وللأمة المستبرأة التي ارتفع حيضها عشرة أشهر تسعة للحمل وشهر مكان الحيضة فيجب أن يكون مكان الحيضة هنا شهر كما في حق من ارتفع حيضها
قال : فإن قيل : فقد وجدتم ما دل على البراءة وهو تربص تسعة أشهر
قلنا : وهاهنا ما يدل على البراءة وهو الإياس فاستويا

(5/657)


ذكر أحكامه صلى الله عليه و سلم في البيوع
ذكر حكمه صلى الله عليه و سلم فيما يحرم بيعه
ثبت في الصحيحين : من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه سمع النبي صلى الله عليه و سلم يقول : [ إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام فقيل : يا رسول الله : أرأيت شحوم الميتة فإنها يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس ؟ فقال : لا هو حرام ثم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم عند ذلك : قاتل الله اليهود إن الله لما حرم عليهم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه ]
وفيهما أيضا : عن ابن عباس قال : بلغ عمر رضى الله عنه أن سمرة باع خمرا فقال : قاتل الله سمرة ألم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : [ لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها ]
فهذا من مسند عمر رضي الله عنه وقد رواه البيهقي والحاكم في مستدركه فجعلاه من مسند ابن عباس وفيه زيادة ولفظه : عن ابن عباس قال : كان النبي صلى الله عليه و سلم في المسجد يعني الحرام فرفع بصره إلى السماء فتبسم فقال : [ لعن الله اليهود لعن الله اليهود لعن الله اليهود إن الله عز و جل حرم عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها إن الله إذا حرم على قوم أكل شئ حرم عليهم ثمنه ] وإسناده صحيح فإن البيهقي رواه عن ابن عبدان عن الصفار عن إسماعيل القاضي حدثنا مسدد حدثنا بشر بن المفضل حدثنا خالد الحذاء عن بركة أبي الوليد عن ابن عباس
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه نحوه دون قوله : [ إن الله إذا حرم أكل شي حرم ثمنه ]
فاشتملت هذه الكلمات الجوامع على تحريم ثلاثة أجناس : مشارب تفسد العقول ومطاعم تفسد الطباع وتغذي غذاء خبيثا وأعيان تفسد الأديان وتدعو إلى الفتنة والشرك
فصان بتحريم النوع الأول العقول عما يزيلها ويفسدها وبالثاني : القلوب عما يفسدها من وصول أثر الغذاء الخبيث إليها والغاذي شبيه بالمغتذي وبالثالث : الأديان عما وضع لإفسادها
فتضمن هذا التحريم صيانة العقول والقلوب والأديان
ولكن الشأن في معرفة حدود كلامه صلوات الله عليه وما يدخل فيه وما لا يدخل فيه لتستبين عموم كلماته وجمعها وتناولها لجميع الأنواع التي شملها عموم كلماته وتأويلها بجميع الأنواع التي شملها عموم لفظه ومعناه وهذه خاصية الفهم عن الله ورسوله التي تفاوت فيه العلماء ويؤتيه الله من يشاء
فأما تحريم بيع الخمر فيدخل فيه تحريم بيع كل مسكر مائعا كان أو جامدا عصيرا أو مطبوخا فيدخل فيه عصير العنب وخمر الزبيب والتمر والذرة والشعير والعسل والحنطة واللقمة الملعونة لقمة الفسق والقلب التي تحرك القلب الساكن إلى أخبث الأماكن فإن هذا كله خمر بنص رسول الله صلى الله عليه و سلم الصحيح الصريح الذي لا مطعن في سنده ولا إجمال في متنه إذ صح عنه قوله : [ كل مسكر خمر ]
وصح عن أصحابه رضي الله عنهم الذين هم أعلم الأمة بخطابه ومراده : أن الخمر ما خامر العقل فدخول هذه الأنواع تحت اسم الخمر كدخول جميع أنواع الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والزبيب تحت قوله : [ لا تبيعوا الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح إلا مثلا بمثل ]
فكما لا يجوز إخراج صنف من هذه الأصناف عن تناول اسمه له فهكذا لا يجوز إخراج صنف من أصناف المسكر عن اسم الخمر فإنه يتضمن محذورين
أحدهما : أن يخرج من كلامه ما قصد دخوله فيه
والثاني : أن يشرع لذلك النوع الذي أخرج حكم غير حكمه فيكون تغييرا لألفاظ الشارع ومعانيه فإنه إذا سمى ذلك النوع بغير الإسم الذي سماه به الشارع أزال عنه حكم ذلك المسمى وأعطاه حكما آخر ولما علم النبي صلى الله عليه و سلم أن من أمته من يبتلى بهذا كما قال : [ ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها ] قضى قضية كلية عامة لا يتطرق إليها إجمال ولا احتمال بل هي شافية كافية فقال : [ كل مسكر خمر ] هذا ولو أن أبا عبيدة والخليل وأضرابهما من أئمة اللغة ذكروا هذه الكلمة هكذا لقالوا : قد نص أئمة اللغة على أن كل مسكر خمر وقولهم حجة وسيأتي إن شاء الله تعالى عند ذكر هديه في الأطعمة والأشربة مزيد تقرير لهذا وأنه لو لم يتناوله لفظه لكان القياس الصريح الذي استوى فيه الأصل والفرع من كل وجه حاكما بالتسوية بين أنواع المسكر في تحريم البيع والشرب فالتفريق بين نوع ونوع تفريق بين متماثلين من جميع الوجوه

(5/660)


فصل
وأما تحريم بيع الميتة فيدخل فيه كل ما يسمى ميتة سواء مات حتف أنفه أو ذكي ذكاة لا تفيد حله ويدخل في أبعاضها أيضا ولهذا استشكل الصحابة رضي الله عنهم تحريم بيع الشحم مع ما لهم فيه من المنفعة فأخبرهم النبي صلى الله عليه و سلم أنه حرام وإن كان فيه ما ذكروا من المنفعة وهذا موضع اختلف الناس فيه لاختلافهم في فهم مراده صلى الله عليه و سلم وهو أن قوله : لا هو حرام : هل هو عائد إلى البيع أو عائد إلى الأفعال التي سألوا عنها ؟ فقال شيخنا : هو راجع إلى البيع فإنه صلى الله عليه و سلم لما أخبرهم أن الله حرم بيع الميتة قالوا : إن في شحومها من المنافع كذا وكذا يعنون فهل ذلك مسوغ لبيعها ؟ فقال : لا هو حرام
قلت : كأنهم طلبوا تخصيص الشحوم من جملة الميتة بالجواز كما طلب العباس رضي الله عنه تخصيص الإذخر من جملة تحريم نبات الحرم بالجواز فلم يجبهم إلى ذلك فقال : لا هو حرام
وقال غيره من أصحاب أحمد وغيرهم : التحريم عائد إلى الأفعال المسؤول عنها وقال : هو حرام ولم يقل : هي لأنه أراد المذكور جميعه ويرجح قولهم عود الضمير إلى أقرب مذكور ويرجحه من جهة المعنى أن إباحة هذه الأشياء ذريعة إلى اقتناء الشحوم وبيعها ويرجحه أيضا : أن في بعض ألفاظ الحديث فقال : لا هي حرام وهذا الضمير إما أن يرجع إلى الشحوم وإما إلى هذه الأفعال وعلى التقديرين فهو حجة على تحريم الأفعال التي سألوا عنها
ويرجحه أيضا قوله في حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الفأرة التي وقعت في السمن : [ إن كان جامدا فألقوها وما حولها وكلوه وإن كان مائعا فلا تقربوه ] وفي الإنتفاع به في الإستصباح وغيره قربان له ومن رجح الأول يقول : ثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ إنما حرم من الميتة أكلها ] وهذا صريح في أنه لا يحرم الإنتفاع بها في غير الأكل كالوقيد وسد البثوق ونحوهما قالوا : والخبيث إنما تحرم ملابسته باطنا وظاهرا كالأكل واللبس وأما الإنتفاع به من غير ملابسة فلأي شئ يحرم ؟
قالوا : ومن تأمل سياق حديث جابر علم أن السؤال إنما كان منهم عن البيع وأنهم طلبوا منه أن يرخص لهم في بيع الشحوم لما فيها من المنافع فأبى عليهم وقال : هو حرام فإنهم لو سألوه عن حكم هذه الأفعال لقالوا : أرأيت شحوم الميتة هل يجوز أن يستصبح بها الناس وتدهن بها الجلود ولم يقولوا : فإنه يفعل بها كذا وكذا فإن هذا إخبار منهم لا سؤال وهم لم يخبروه بذلك عقيب تحريم هذه الأفعال عليهم ليكون قوله : لا هو حرام صريحا في تحريمها وإنما أخبروه به عقيب تحريم بيع الميتة فكأنهم طلبوا منه أن يرخص لهم في بيع الشحوم لهذه المنافع التي ذكروها فلم يفعل ونهاية الأمر أن الحديث يحتمل الأمرين فلا يحرم ما لم يعلم أن الله ورسوله حرمه
قالوا : وقد ثبت عنه أنه نهاهم عن الإستسقاء من آبار ثمود وأباح لهم أن يطعموا ما عجنوا منه من تلك الآبار للبهائم قالوا : ومعلوم أن إيقاد النجاسة والإستصباح بها انتفاع خال عن هذه المفسدة وعن ملابستها باطنا وظاهرا فهو نفع محض لا مفسدة فيه وما كان هكذا فالشريعة لا تحرمه فإن الشريعة إنما تحرم المفاسد الحالصة أو الراجحة وطرقها وأسبابها الموصلة إليها
قالوا : وقد أجاز أحمد في إحدى الروايتين الإستصباح بشحوم الميتة إذا خالطت دهنا ظاهرا فإنه في أكثر الروايات عنه يجوز الإستصباح بالزيت النجس وطلي السفن به وهو اختيار طائفة من أصحابه منهم : الشيخ أبو محمد وغيره واحتج بأن ابن عمر أمر أن يستصبح به
وقال في رواية ابنيه : صالح وعبد الله : لا يعجبني بيع النجس ويستصبح به إذا لم يمسوه لأنه نجس وهذا يعم النجس والمتنجس ولو قدر أنه إنما أراد به المتنجس فهو صريح في القول بجواز الإستصباح بما خالطه نجاسة ميتة أو غيرها وهذا مذهب الشافعي وأي فرق بين الإستصباح بشحم الميتة إذا كان منفردا وبين الإستصباح به إذا خالطه دهن طاهر فنجسه ؟
فإن قيل : إذا كان مفردا فهو نجس العين وإذا خالطه غيره تنجس به فأمكن تطهيره بالغسل فصار كالثوب النجس ولهذا يجوز بيع الدهن المتنجس على أحد القولين دون دهن الميتة
قيل : لا ريب أن هذا هو الفرق الذي عول عليه المفرقون بينهما ولكنه ضعيف لوجهين
أحدهما : أنه لا يعرف عن الإمام أحمد ولا عن الشافعي البتة غسل الدهن النجس وليس عنهم في ذلك كلمة واحدة وإنما ذلك من فتوى بعض المنتسبين وقد روي عن مالك أنه يطهر بالغسل هذه رواية ابن نافع وابن القاسم عنه
الثاني : أن هذا الفرق وإن تأتى لأصحابه في الزيت والشيرج ونحوهما فلا يتأتى لهم في جميع الأدهان فإن منها ما لا يمكن غسله وأحمد والشافعي قد أطلقا القول بجواز الإستصباح بالدهن النجس من غير تفريق
وأيضا فإن هذا الفرق لا يفيد في دفع كونه مستعملا للخبيث والنجاسة سواء كانت عينية أو طارئة فإنه إن حرم الإستصباح به لما فيه من استعمال الخبيث فلا فرق وإن حرم لأجل دخان النجاسة فلا فرق وإن حرم لكون الإستصباح به ذريعة إلى اقتنائه فلا فرق فالفرق بين المذهبين في جواز الإستصباح بهذا دون هذا لا معنى له
وأيضا فقد جوز جمهور العلماء الإنتفاع بالسرقين النجس في عمارة الأرض للزرع والثمر والبقل مع نجاسة عينه وملابسة المستعمل له أكثر من ملابسة الموقد وظهور أثره في البقول والزروع والثمار فوق ظهور أثر الوقيد وإحالة النار أتم من إحالة الأرض والهواء والشمس للسرقين فإن كان التحريم لأجل دخان النجاسة فمن سلم أن دخان النجاسة نجس وبأي كتاب أم بأية سنة ثبت ذلك ؟ وانقلاب النجاسة إلى الدخان أتم من انقلاب عين السرقين والماء النجس ثمرا أو زرعا وهذا أمر لا يشك فيه بل معلوم بالحس والمشاهدة حتى جوز بعض أصحاب مالك وأبي حنيفة رحمهما الله بيعه فقال ابن الماجشون : لا بأس ببيع العذرة لأن ذلك من منافع الناس وقال ابن القاسم : لا بأس ببيع الزبل قال اللخمي : وهذا يدل من قوله على أنه يرى بيع العذرة وقال أشهب في الزبل : المشتري أعذر فيه من البائع يعني في اشترائه وقال ابن عبد الحكم : لم يعذر الله واحدا منهما وهما سيان في الإثم
قلت : وهذا هو الصواب وأن بيع ذلك حرام وإن جاز الإنتفاع به والمقصود : أنه لا يلزم من تحريم بيع الميتة تحريم الإنتفاع بها في غير ما حرم الله ورسوله منها كالوقيد وإطعام الصقور والبزاة وغير ذلك وقد نص مالك على جواز الإستصباح بالزيت النجس في غير المساجد وعلى جواز عمل الصابون منه وينبغي أن يعلم أن باب الإنتفاع أوسع من باب البيع فليس كل ما حرم بيعه حرم الإنتفاع به بل لا تلازم بينهما فلا يؤخذ تحريم الإنتفاع من تحريم البيع

(5/664)


فصل
ويدخل في تحريم بيع الميتة بيع أجزائها التي تحلها الحياة وتفارقها بالموت كاللحم والشحم والعصب وأما الشعر والوبر والصوف فلا يدخل في ذلك لأنه ليس بميتة ولا تحله الحياة وكذلك قال جمهور أهل العلم : إن شعور الميتة وأصوافها وأوبارها طاهرة إذا كانت من حيوان طاهر هذا مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل والليث والأوزاعي والثوري وداود وابن المنذر والمزني ومن التابعين : الحسن وابن سيرين وأصحاب عبد الله بن مسعود وانفرد الشافعي بالقول بنجاستها واحتج له بأن اسم الميتة يتناولها كما يتناول سائر أجزائها بدليل الأثر والنظر أما الأثر ففي الكامل لابن عدي : من حديث ابن عمر يرفعه : [ ادفنوا الأظافر والدم والشعر فإنها ميتة ] وأما النظر فإنه متصل بالحيوان ينمو بنمائه فينجس بالموت كسائر أعضائه وبأنه شعر نابت في محل نجس فكان نجسا كشعر الخنزير وهذا لأن ارتباطه بأصله خلقة يقتضي أن يثبت له حكمه تبعا فإنه محسوب منه عرفا والشارع أجرى الأحكام فيه على وفق ذلك فأوجب غسله في الطهارة وأوجب الجزاء يأخذه من الصيد كالأعضاء وألحقه بالمرأة في النكاح والطلاق حلا وحرمة وكذلك هاهنا وبأن الشارع له تشوف إلى إصلاح الأموال وحفظها وصيانتها وعدم إضاعتها وقد قال لهم في شاة ميمونة : [ هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به ] ولو كان الشعر طاهرا لكان إرشادهم إلى أخذه أولى لأنه أقل كلفة وأسهل تناولا
قال المطهرون للشعور : قال الله تعالى : { ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين } [ النحل : 80 ] وهذا يعم أحياءها وأمواتها وفي مسند أحمد : عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس رضي الله عنه قال : مر النبي صلى الله عليه و سلم بشاة لميمونة ميتة فقال : [ ألا انتفعتم بإهابها قالوا : وكيف وهي ميتة ؟ قال : إنما حرم لحمها ] وهذا ظاهر جدا في إباحة ما سوى اللحم والشحم والكبد والطحال والألية كلها داخلة في اللحم كما دخلت في تحريم لحم الخنزير ولا ينتقض هذا بالعظم والقرن والظفر والحافر فإن الصحيح طهارة ذلك كما سنقرره عقيب هذه المسألة
قالوا : ولأنه لو أخذ حال الحياة لكان ظاهرا فلم ينجس بالموت كالبيض وعكسه الأعضاء قالوا : ولأنه لما لم ينجس بجزه في حال حياة الحيوان بالإجماع دل على أنه ليس جزءا من الحيوان وأنه لا روح فيه لأن النبي صلى الله عليه و سلم قال : [ ما أبين من حي فهو ميتة ] رواه أهل السنن ولأنه لا يتألم بأخذه ولا يحس بمسه وذلك دليل عدم الحياة فيه وأما النماء فلا يدل على الحياة والحيوانية التي يتنجس الحيوان بمفارقتها فإن مجرد النماء لو دل على الحياة ونجس المحل بمفارقة هذه الحياة لتنجس الزرع بيبسه لمفارقة حياة النمو والإغتذاء له
قالوا : فالحياة نوعان : حياة حس وحركة وحياة نمو واغتذاء فالأولى : هي التي يؤثر فقدها في طهارة الحي دون الثانية
قالوا : واللحم إنما ينجس لاحتقان الرطوبات والفضلات الخبيثة فيه والشعور والأصواف بريئة من ذلك ولا ينتقض بالعظام والأظفار لما سنذكره
قالوا : والأصل في الأعيان الطهارة وإنما يطرأ عليها التنجيس باستحالتها كالرجيع المستحيل عن الغذاء وكالخمر المستحيل عن العصير وأشباهها والشعور في حال استحالتها كانت طاهرة ثم لم يعرض لها ما يوجب نجاستها بخلاف أعضاء الحيوان فإنها عرض لها ما يقتضي نجاستها وهو احتقان الفضلات الخبيثة
قالوا : وأما حديث عبد الله بن عمر ففي إسناده عبد الله بن عبد العزيز بن أبي رواد قال أبو حاتم الرازي : أحاديثه منكرة ليس محله عندي الصدق وقال علي بن الحسين بن الجنيد : لا يساوي فلسا يحدث بأحاديث كذب
وأما حديث الشاة الميتة وقوله : ألا انتفعتم بإهابها ولم يتعرض للشعر فعنه ثلاثة أجوبة
أحدها : أنه أطلق الإنتفاع بالإهاب ولم يأمرهم بإزالة ما عليه من الشعر مع أنه لا بد فيه من شعر وهو صلى الله عليه و سلم لم يقيد الإهاب المنتفع به بوجه دون وجه فدل على أن الإنتفاع به فروا وغيره مما لا يخلو من الشعر
والثاني : أنه صلى الله عليه و سلم قد أرشدهم إلى الإنتفاع بالشعر في الحديث نفسه حيث يقول : [ إنما حرم من الميتة أكلها أو لحمها ]
والثالث : أن الشعر ليس من الميتة ليتعرض له في الحديث لأنه لا يحله الموت وتعليلهم بالتبعية يبطل بجلد الميتة إذا دبغ وعليه شعر فإنه يطهر دون الشعر عندهم وتمسكهم بغسله في الطهارة يبطل بالجبيرة وتمسكهم بضمانه من الصيد يبطل بالبيض وبالحمل وأما في النكاح فإنه يتبع الجملة لاتصاله وزوال الجملة بانفصاله عنها وهاهنا لو فارق الجملة بعد أن تبعها في التنجس لم يفارقها فيه عندهم فعلم الفرق

(5/668)


فصل
فإن قيل : فهل يدخل في تحريم بيعها تحريم بيع عظمها وقرنها وجلدها بعد الدباغ لشمول اسم الميتة لذلك ؟ قيل : الذي يحرم بيعه منها هو الذي يحرم أكله واستعماله كما أشار إليه النبي صلى الله عليه و سلم بقوله : [ إن الله تعالى إذا حرم شيئا حرم ثمنه ] وفي اللفظ الآخر : [ إذا حرم أكل شئ حرم ثمنه ] فنبه على أن الذي يحرم بيعه يحرم أكله
وأما الجلد إذا دبغ فقد صار عينا طاهرة ينتفع في اللبس والفرش وسائر وجوه الإستعمال فلا يمتنع جواز بيعه وقد نص الشافعي في كتابه القديم على أنه لا يجوز بيعه واختلف أصحابه فقال القفال : لا يتجه هذا إلا بتقدير قول يوافق مالكا في أنه يطهر ظاهره دون باطنه وقال بعضهم : لا يجوز بيعه وإن طهر ظاهره وباطنه على قوله الجديد فإنه جزء من الميتة حقيقة فلا يجوز بيعه كعظمها ولحمها وقال بعضهم : بل يجوز بيعه بعد الدبغ لأنه عين طاهرة ينتفع بها فجاز بيعها كالمذكى وقال بعضهم : بل هذا ينبني على أن الدبغ إزالة أو إحالة فإن قلنا : إحالة جاز بيعه لأنه قد استحال من كونه ميتة إلى عين أخرى وإن قلنا : إزالة لم يجز بيعه لأن وصف الميتة هو المحرم لبيعه وذلك باق لم يستحل
وبنوا على هذا الخلاف جواز أكله ولهم فيه ثلاثة أوجه : أكله مطلقا وتحريمه مطلقا والتفصيل بين جلد المأكول وغير المأكول فأصحاب الوجه الأول غلبوا حكم الإحالة وأصحاب الوجه الثاني غلبوا حكم الإزالة وأصحاب الوجه الثالث أجروا الدباغ مجرى الذكاة فأباحوا بها ما يباح أكله بالذكاة إذا ذكي دون غيره والقول بجواز أكله باطل مخالف لصريح السنة ولهذا لم يمكن قائله القول به إلا بعد منعه كون الجلد بعد الدبغ ميتة وهذا منع باطل فإنه جلد ميتة حقيقة وحسا وحكما ولم يحدث له حياة بالدبغ ترفع عنه اسم الميتة وكون الدبغ إحالة باطل حسا فإن الجلد لم يستحل ذاته وأجزاؤه وحقيقته بالدباغ فدعوى أن الدباغ إحالة عن حقيقة إلى حقيقة أخرى كما تحيل النار الحطب إلى الرماد والملاحة ما يلقى فيها من الميتات إلى الملح دعوى باطلة
وأما أصحاب مالك رحمه الله ففي المدونة لابن القاسم المنع من بيعها وإن دبغت وهو الذي ذكره صاحب التهذيب وقال المازري : هذا هو مقتضى القول بأنها لا تطهر بالدباغ قال : وأما إذا فرعنا على أنها تطهر بالدباغ طهارة كاملة فإنا نجيز بيعها لإباحة جملة منافعها
قلت : عن مالك في طهارة الجلد المدبوغ روايتان إحداهما : يطهر ظاهره وباطنه وبها قال وهب وعلى هذه الرواية جوز أصحابه بيعه والثانية : - وهي أشهر الروايتين عنه - أنه يطهر طهارة مخصوصة يجوز معها استعماله في اليابسات وفي الماء وحده دون سائر المائعات قال أصحابه : وعلى هذه الرواية لا يجوز بيعه ولا الصلاة فيه ولا الصلاة عليه
وأما مذهب الإمام أحمد : فإنه لا يصح عنده بيع جلد الميتة قبل دبغه وعنه في جوازه بعد الدبغ روايتان هكذا أطلقهما الأصحاب وهما عندي مبنيتان على اختلاف الرواية عنه في طهارته بعد الدباغ
وأما بيع الدهن النجس ففيه ثلاثة أوجه في مذهبه
أحدها : أنه لا يجوز بيعه
والثاني : أنه يجوز بيعه لكافر يعلم نجاسته وهو المنصوص عنه قلت : والمراد بعلم النجاسة : العلم بالسبب المنجس لا اعتقاد الكافر نجاسته
والثالث : يجوز بيعه لكافر ومسلم وخرج هذا الوجه من جواز إيقاده وخرج أيضا من طهارته بالغسل فيكون كالثوب النجس وخرج بعض أصحابه وجها ببيع السرقين النجس للوقيد من بيع الزيت النجس له وهو تخريج صحيح
وأما أصحاب أبي حنيفة فجوزوا بيع السرقين النجس إذا كان تبعا لغيره ومنعوه إذا كان مفردا

(5/671)


فصل
وأما عظمها فمن لم ينجسه بالموت كأبي حنيفة وبعض أصحاب أحمد واختيار ابن وهب من أصحاب مالك فيجوز بيعه عندهم وإن اختلف مأخذ الطهارة فأصحاب أبي حنيفة قالوا : لا يدخل في الميتة ولا يتناوله اسمها ومنعوا كون الألم دليل حياته قالوا : وإنما تؤلمه لما جاوره من اللحم لا ذات العظم وحملوا قوله تعالى : { قال من يحيي العظام وهي رميم } [ يس : 78 ] على حذف مضاف أي أصحابها وغيرعم ضعف هذا المأخذ جدا وقال : العظم يألم حسا وألمه أشد من ألم اللحم ولا يصح حمل الآية على حذف مضاف لوجهين أحدهما : أنه تقدير ما لا دليل عليه فلا سبيل إليه الثاني : أن هذا التقدير يستلزم الإضراب عن جواب سؤال السائل الذي استشكل حياة العظام فإن أبي بن خلف أخذ عظما باليا ثم جاء به إلى النبي صلى الله عليه و سلم ففته في يده فقال : يا محمد ! أترى الله يحيي هذا بعد ما رم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ نعم ويبعثك ويدخلك النار ]
فمأخذ الطهارة أن سبب تنجيس الميتة منتف في العظام فلم يحكم بنجاستها ولا يصح قياسها على اللحم لأن احتقان الرطوبات والفضلات الخبيثة يختص به دون العظام كما أن ما لا نفس له سائلة لا ينجس بالموت وهو حيوان كامل لعدم سبب التنجيس فيه فالعظم أولى وهذا المأخذ أصح وأقوى من الأول وعلى هذا فيجوز بيع عظام الميتة إذا كانت من حيوان طاهر العين
وأما من رأى نجاستها فإنه لا يجوز بيعها إذ نجاستها عينية قال ابن القاسم : قال مالك : لا أرى أن تشترى عظام الميتة ولا تباع ولا أنياب الفيل ولا يتجر فيها ولا يمتشط بأمشاطها ولا يدهن بمداهنها وكيف يجعل الدهن في الميتة ويمشط لحيته بعظام الميتة وهي مبلولة وكره أن يطبخ بعظام الميتة وأجاز مطرف وابن الماجشون بيع أنياب الفيل مطلقا وأجازه ابن وهب وأصبغ إن غليت وسلقت وجعلا ذلك دباغا لها

(5/673)


فصل
وأما تحريم بيع الخنزير فيتناول جملته وجميع أجزائه الظاهرة والباطنة وتأمل كيف ذكر لحمه عند تحريم الأكل إشارة إلى تحريم أكله ومعظمه اللحم فذكر اللحم تنبيها على تحريم أكله دون ما قبله بخلاف الصيد فإنه لم يقل فيه : وحرم عليكم لحم الصيد بل حرم نفس الصيد ليتناول ذلك أكله وقتله وههنا لما حرم البيع ذكر جملته ولم يخص التحريم بلحمه ليتناول بيعه حيا وميتا

(5/674)


فصل
وأما تحريم بيع الأصنام فيستفاد منه تحريم بيع كل آلة متخذة للشرك على أي وجه كانت ومن أي نوع كانت صنما أو وثنا أو صليبا وكذلك الكتب المشتملة على الشرك وعبادة غير الله فهذه كلها يجب إزالتها وإعدامها وبيعها ذريعة إلى اقتنائها واتخاذها فهو أولى بتحريم البيع من كل ما عداها فإن مفسدة بيعها بحسب مفسدتها في نفسها والنبي صلى الله عليه و سلم لم يؤخر ذكرها لخفة أمرها ولكنه تدرج من الأسهل إلى ما هو أغلظ منه فإن الخمر أحسن حالا من الميتة فإنها قد تصير مالا محترما إذا قلبها الله سبحانه ابتداء خلا أو قلبها الآدمي بصنعته عند طائفة من العلماء وتضمن إذا أتلفت على الذمي عند طائفة بخلاف الميتة وإنما لم يجعل الله في أكل الميتة حدا اكتفاء بالزاجر الذي جعله الله في الطباع من كراهتها والنفرة عنها وإبعادها عنها بخلاف الخمر والخنزير أشد تحريما من الميتة ولهذا أفرده الله تعالى بالحكم عليه أنه رجس في قوله : { قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا } [ الأنعام : 145 ] فالضمير في قوله : فإنه وإن كان عوده إلى الثلاثة المذكورة باعتبار لفظ المحرم فإنه يترجح اختصاص لحم الخنزير به لثلاثة أوجه أحدها : قربه منه والثاني : تذكيره دون قوله فإنها رجس والثالث : أنه أتى بالفاء و إن تنبيها على علة التحريم لتزجر النفوس عنه ويقابل هذه العلة ما في طباع بعض الناس من استلذاذه واستطابته فنفى عنه ذلك وأخبر أنه رجس وهذا لا يحتاج إليه في الميتة والدم لأن كونهما رجسا أمر مستقر معلوم عندهم ولهذا في القرآن نظائر فتأملها ثم ذكر بعد تحريم بيع الأصنام وهو أعظم تحريما وإثما وأشد منافاة للإسلام من بيع الخمر والميتة والخنزير

(5/675)


فصل
وفي قوله : إن الله إذا حرم شيئا أو حرم أكل شئ حرم ثمنه يراد به أمران أحدهما : ما هو حرام العين والإنتفاع جملة كالخمر والميتة والدم والخنزير وآلات الشرك فهذه ثمنها حرام كيفما اتفقت
والثاني : ما يباح الإنتفاع به في غير الأكل وإنما يحرم أكله كجلد الميتة بعد الدباغ وكالحمر الأهلية والبغال ونحوها مما يحرم أكله دون الإنتفاع به فهذا قد يقال : إنه لا يدخل في الحديث وإنما يدخل فيه ما هو حرام على الإطلاق وقد يقال : إنه داخل فيه ويكون تحريم ثمنه إذا بيع لأجل المنفعة التي حرمت منه فإذا بيع البغل والحمار لأكلهما حرم ثمنهما بخلاف ما إذا بيعا للركوب وغيره وإذا بيع جلد الميتة للإنتفاع به حل ثمنه وإذا بيع لأكله حرم ثمنه وطرد هذا ما قاله جمهور من الفقهاء كأحمد ومالك وأتباعهما : إنه إذا بيع العنب لمن يعصره خمرا حرم أكل ثمنه بخلاف ما إذا بيع لمن يأكله وكذلك السلاح إذا بيع لمن يقاتل به مسلما حرم أكل ثمنه وإذا بيع لمن يغزو به في سبيل الله فثمنه من الطيبات وكذلك ثياب الحرير إذا بيعت لمن يلبسها ممن يحرم عليه حرم أكل ثمنها بخلاف بيعها ممن يحل له لبسها
فإن قيل : فهل تجوزون للمسلم بيع الخمر والخنزير من الذمي لاعتقاد الذمي حلهما كما جوزتم بيعه الدهن المتنجس إذا بين حاله لاعتقاده طهارته وحله ؟ قيل : لا يجوز ذلك وثمنه حرام والفرق بينهما : أن الدهن المتنجس عين طاهرة خالطها نجاسة ويسوغ فيها النزاع وقد ذهبت طائفة من العلماء إلى أنه لا ينجس إلا بالتغير وإن تغير فذهب طائفة إلى إمكان تطهيره بالغسل بخلاف العين التي حرمها الله في كل ملة وعلى لسان كل رسول كالميتة والدم والخنزير فإن استباحته مخالفة لما أجمعت الرسل على تحريمه وإن اعتقد الكافر حله فهو كبيع الأصنام للمشركين وهذا هو الذي حرمه الله ورسوله بعينه وإلا فالمسلم لا يشتري صنما
فإن قيل : فالخمر حلال عند أهل الكتاب فجوزوا بيعها منهم
قيل : هذا هو الذي توهمه من توهمه من عمال عمر بن الخطاب رضي الله عنه حتى كتب إليهم عمر رضي الله عنه ينهاهم عنه وأمر عماله أن يولوا أهل الكتاب بيعها بأنفسهم وأن يأخذوا ما عليهم من أثمانها فقال أبو عبيد : حدثنا عبد الرحمن عن سفيان بن سعيد عن إبراهيم بن عبد الأعلى الجعفي عن سويد بن غفلة قال : بلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن ناسا يأخذون الجزية من الخنازير فقام بلال فقال : إنهم ليفعلون فقال عمر رضي الله عنه : لا تفعلوا ولوهم بيعها
قال أبو عبيد : وحدثنا الأنصاري عن إسرائيل عن إبراهيم بن عبد الأعلى عن سويد بن غفلة أن بلالا قال لعمر رضي الله عنه : إن عمالك يأخذون الخمر والخنازير في الخراج فقال : لا تأخذوا منهم ولكن ولوهم بيعها وخذوا أنتم من الثمن
قال أبو عبيد : يريد أن المسلمين كانوا يأخذون من أهل الذمة الخمر والخنازير من جزية رؤوسهم وخراج أرضهم بقيمتها ثم يتولى المسلمون بيعها فهذا الذي أنكره بلال ونهى عنه عمر ثم رخص لهم أن يأخذوا ذلك من أثمانها إذا كان أهل الذمة هم المتولين لبيعها لأن الخمر والخنازير مال من أموال أهل الذمة ولا تكون مالا للمسلمين
قال : ومما يبين ذلك حديث آخر لعمر رضي الله عنه حدثنا علي بن معبد عن عبيد الله بن عمرو عن ليث بن أبي سليم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى العمال يأمرهم بقتل الخنازير وقبض أثمانها لأهل الجزية من جزيتهم قال أبو عبيد : فهو لم يجعلها قصاصا من الجزية إلا وهو يراها من أموالهم فأما إذا مر الذمي بالخمر والخنازير على العاشر فإنه لا يطيب له أن يعشرها ولا يأخذ ثمن العشر منها وإن كان الذمي هو المتولي لبيعها أيضا وهذا ليس من الباب الأول ولا يشبهه لأن ذلك حق وجب على رقابهم وأرضيهم وأن العشر هاهنا إنما هو شئ يوضع على الخمر والخازير أنفسها
وكذلك ثمنها لا يطيب لقول رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه ] وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أفتى في مثل هذا بغير ما أفتى به في ذاك وكذلك قال عمر بن عبد العزيز
حدثنا أبو الأسود المصري حدثنا عبد الله بن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة السبائي أن عتبة بن فرقد بعث إلى عمر بن الخطاب بأربعين ألف درهم صدقة الخمر فكتب إليه عمر رضي الله عنه : بعثت إلي بصدقة الخمر وأنت أحق بها من المهاجرين وأخبر بذلك الناس وقال : والله لا استعملتك على شئ بعدها قال : فتركه
حدثنا عبد الرحمن عن المثنى بن سعيد الضبعي قال : كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة أن ابعث إلي بتفصيل الأموال التي قبلك من أين دخلت ؟ فكتب إليه بذلك وصنفه له وكان فيما كتب إليه من عشر الخمر أربعة آلاف درهم قال : فلبثنا ما شاء الله ثم جاء جواب كتابه : إنك كتبت إلي تذكر من عشور الخمر أربعة آلاف درهم وإن الخمر لا يعشرها مسلم ولا يشتريها ولا يبيعها فإذا أتاك كتابي هذا فاطلب الرجل فارددها عليه فهو أولى بما كان فيها فطلب الرجل فردت عليه
قال أبو عبيد : فهذا عندي الذي عليه العمل وإن كان إبراهيم النخعي قد قال غير ذلك ثم ذكر عنه في الذمي يمر بالخمر على العاشر قال : يضاعف عليه العشور
قال أبو عبيد : وكان أبو حنيفة يقول : إذا مر على العاشر بالخمر والخنازير عشر الخمر ولم يعشر الخنازير سمعت محمد بن الحسن يحدث بذلك عنه قال أبو عبيد : وقول الخليفتين عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما أولى بالإتباع والله أعلم

(5/676)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية