صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : أنساب الأشراف
المؤلف : أنساب الأشراف
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

يقول الله تبارك وتعالى: " من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون " . فبئست الدار لمن أقام فيها، فاعملوا وأنتم تعلمون أنكم تاركوها لا بد، فإنما هي كما وصفها الله عز اسمه باللعب واللهو، وقد قال: " أتبنون بكل ربع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبارين " . وقد " قالوا من أشد منا قوة " ثم حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركبانا، وأنزلوا فلا يتركون ضيفانا. وجعل لهم من الضريح أجنانا ومن التراب أكفانا. ومن الرفات جيرانا. وهم جيرة لا يجيبون داعيا ولا يمنعون ضيما. إن أخصبوا لم يفرحوا وإن قحطوا لم يقنطوا جميع وهم آحاد، جيرة وهم أبعاد متناؤون لا يتزاورون. حلماء قد ذهبت أضغانهم. وجهلاء قد ماتت أحقادهم. لا يخشى فجعهم ولا يرجى دفعهم. وكما قال الله عز اسمه: " فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين " استبدلوا بظهر الأرض بطنا، وبالسعة ضيقا، وبالأهل غربة، وبالنور ظلمة، فجاؤوها كما فارقوها حفاة عراة فرادى غير أن ظعنوا بأعمالهم إلى الحياة الدائمة وإلى خلود الأبد. يقول الله عز وجل: " كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين " فاحذروا ما حذركم الله، واشفعوا بمواعظه، واعتصموا بحبله، عصمنا الله وإياكم بطاعته، ورزقنا وإياكم أداء حقه.
ثم ارتحل قطري إلى جيرفت واتبعه المهلب فنزل على ليلتين منه، واختلفوا فقال المهلب: الاختلاف خير لنا وشر لهم، وإنما اختلفوا لأنهم اتهموا عبيدة بن هلال بامرأة رجل قصار رأوه يدخل إليها بغير إذن متفضلا فأخبروا قطريا فقال لهم: إنه عبيدة وموضعه من الدين والعسكر ما علمتم، فقالوا: لا نصالح على الفاحشة. فقال قطري لعبيدة: إني على أن أجمع بينك وبينهم فلا تكاشف مكاشفة البذيء ولا تخضع خضوع المريب.
ثم جمع قطري بينهم وبينه فقرأ عبيدة: " إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم " الآية. فبكوا وقاموا إليه فعانقوه وقالوا: استغفر لنا. فقال عبد ربه الصغير مولى بني قيس بن ثعلبة: والله لقد خدعكم، وإنه لكما ظننتم. فبايع عبد ربه منهم قوم وتنكروا لقطري وخالفوه في أمور فعلها نقموها عليه، فصار مع عبد ربه نصف عسكر قطري، فحارب عبد ربه قطريا فقتل من أصحابه قوم، وقتل صالح بن مخراق مع عبد ربه، فكره قطري أن يقيم بين عسكرين يقاتلانه، فخرج يلتمس منزلا، فجاء المهلب حتى نزل في معسكره، وقاتل عبد ربه وكتب إلى الحجاج بالخبر وأشار عليه أن يوجه إلى قطري من يتبعه ويحاربه.
وألصق المهلب بعبد ربه، وقال عبد ربه: يا معشر المهاجرين إن قطريا وعبيدة هربا رجاء البقاء ولا سبيل إليه فالقوا عدوكم غدا فإن غلبكم على الحياة فلا يغلبنكم على الموت.
فقاتلوا المهلب فقتل عبد ربه، وطلب بعض أصحابه الأمان، ومضى عمرو القنا إلى خراسان فمات بها، ومضى بعضهم إلى سجستان.
وحوى المهلب عسكر الخوارج وأصاب به جرحى فدفع كل جريح إلى قومه، ورجع المهلب إلى جيرفت فقال: الحمد لله الذي ردنا إلى الخفض والدعة فما كان عيشنا بعيش.
قالوا: ونظر المهلب في مجلسه إلى قوم لا يعرفهم فقال: ما أشد عادة السلاح. قالوا: فقام في الحين فلبس سلاحه وقال: خذوا هؤلاء فأخذوا فقال: من أنتم ؟ قالوا: أردنا غرتك لنقتلك. فقتلهم.
وقال الهيثم بن عدي: اعتزل عبد ربه الصغير في أربعة آلاف، والصغير مولى بني قيس، واعتزل عبد ربه الكبير في سبعة آلاف، والكبير مولى بني يشكر. فقاتل المهلب الصغير فقتله وأصحابه، ومضى قطري وبقي الكبير فقاتله المهلب فقتله أيضا.
قالوا: وكتب المهلب إلى الحجاج: أما بعد فالحمد لله الكافي بالإسلام فقد ما سواه، الذي أوجب المزيد بالشكر، وقد كان من أمرنا وأمر عدونا ما قد انتهى إليك خبره بعد مطاولة نلنا فيها منهم ما لم ينالوه منا، وأدنيت السواد من السواد حتى تعارفوا بالوجوه وقاتلت الأغمار، وكان ما يسوءهم منا دون ما يسرهم، وما يسرنا منهم فوق الذي يسوءنا حتى وقع بينهم الإختلاف ففرق الله أهواءهم وألقى بأسهم بينهم، ولم يزل الله يمحصنا ويمحقهم، وينصرنا ويخذلهم حتى بلغ بنا وبهم الكتاب أجله، فقطع دابر الكافرين والحمد لله رب العالمين.

(3/17)


فكتب إليه الحجاج: إن الله صنع بالمسلمين خيرا، وقد فرغتم من عدوكم وأراحكم من كثير مما كنت فيه، فاقسم ما أفاء الله عليك فيمن معك. فأما قطري وعبيدة فنحن كافوك إياهم بعون الله وتوفيقه، فأقبل وليكن معك بنوك وفرسانك ولا تطمعن أحدا في اللحاق بأهله دون قدومك علي، واستخلف على كرمان.
فاستخلف ابنه يزيد وأوصاه بالقصد والمبالغة في الأمور، وكان قد بعث بكتاب الفتح مع كعب الأشقري، ومرة بن تليد الأزدي، أزد شنوءة، فأنشد كعب الحجاج قوله:
يا حفص إني عداني منكم السفر..
فقال الحجاج: أخطيب أنت أم شاعر ؟ فقال: خطيب شاعر.
قال: فأخبرني عن بني المهلب. قال: المغيرة سيدهم وأشجعهم وحسبك بيزيد فارسا وما يستحي شجاع أن يصد عن مدرك، وما لقي الأبطال مثل حبيب، وعبد الملك موت ناقع، وكفاك ببأس مفضل ونجدته، وأسخاهم قبيصة، ومحمد ليث عاد. ثم قال لابن تليد: أخبرني كيف كانت حالكم. قال: كنا إذا لقيناهم بعفونا وعفوهم يئسنا منهم وإذا لقيناهم بجدنا طمعنا فيهم، قال: فكيف كان بنو المهلب ؟ قال: حماة السرح نهارا وفرسان البيات. قال: فأين السماع من العيان ؟ قال: السماع دون العيان. قال: فأيهم أفضل ؟ قال: هم الحلقة المفرغة لا يعرف طرفاها. فوصل بني المهلب وأهل البلاء والغناء ممن كان معه وزادهم في الأعطية.
وولى الحجاج المهلب خراسان، وكان المهلب يقول: ما أحب أن لي مكان بيهس بن صهيب ألف فارس. فقيل إنه ليس بشجاع ؟ قال: لكنه سديد الرأي عاقل حذر فهو لا يدع الإحتراس والسؤال، ولو وجد مكانه ألف فارس شجاع لناموا حتى يحتاج إليهم.
قالوا: وعقد الحجاج لسفيان بن الأبرد الكلبي على خمسة آلاف، وضرب على أهل الكوفة بعثا فخرجوا في عشرة آلاف عليهم الصباح بن محمد بن الأشعث، ويقال إسحاق بن عبد الله بن الأشعث. وجعل على جماعة الناس سفيان بن الأبرد وقال له الحجاج: أتدري إلى أين تسير ؟ قال: نعم إلى كلاب النار. قال: إعلم أنك تسير إلى أسد الشرى وسباع العرب، يرون الموت قربة إلى الله ويعدون الفرار كفرا فعليك بالصبر والعزم، والقوم أصحاب مناجزة فإياك والعجلة.
فصار سفيان وجعل على ساقته البختري بن عامر العاملي، فمر بالأخضر بن ورقاء الكلبي ومصاد بن زياد القيني والوازع بن دوالة الكلبي وهم سكارى فشتموا البختري، فقال له سفيان: هلا ضربت أعناقهم. وبلغ الحجاج أمرهم فحلق على أسمائهم فكتب فيهم فردها.
قالوا: ومضى قطري وأصحابه نحو مكران وما وراءها، فأوقع ببعض من كان بأطراف بلاد السند، ومضى بعض أصحابه إلى سجستان، وأتى عبيدة بن هلال قومس فصار بها، ومضى قطري في طريق خراسان ثم عدل يريد الإصبهبذ بطبرستان.
وبلغ الإصبهبذ ذلك فبعث إلى قطري والخوارج يسألهم عن أمرهم فقال قطري: نحن قوم أنكرنا جور سلطاننا فتنحينا عنه، ونحن قوم لا نظلم أحدا ولا نغصبه ولا ننزل عليه إلا برضاه. فأذن له الإصبهبذ في دخول بلاده، فدخل قطري طبرستان في أصحابه، فلما استقر بعث إلى الإصبهبذ يدعوه إلى الإسلام أو الجزية فقال الإصبهبذ لرسله: قولوا له أنت رجل دخلت بلادنا طريدا فآويناك وأحسنا إليك فتبعث إلي بمثل هذه الرسالة. فأرسل إليه: إنه لا يسعني في ديني غير هذا. فصار الإصبهبذ إليه ليخرجه عن بلده فأوقع به قطري وهزمه وقتل ابنه وأخوه، فخرج حتى أتى الري.
وغلب قطري على طبرستان وأى الطبري سفيان بن الأبرد وقد وافى الري فوضع يده في يده، وحدثه بما صنع قطري وقال له: أنا أدخلك عليه في طريق مختصرة حتى توافيه وهو لا يشعر بك ففعل، فقاتل سفيان ومن معه قطريا وأعانه الإصبهبذ وأساورته، وجعل قطري يقول: أنا أبو نعامة اليخ الهبل. أنا الذي ولدت في أخرى الإبل.
فطعنه رجل من أهل الشام في صدغه وانهزم أصحابه، فاتبعهم أهل الشام فقتلوا منهم خلقا.
وعثر بقطري فرسه فاندقت فخذه ووقع بين صخرتين، وانتهى إليه باذام مولى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فقال باذام: الساقط بين الصخرتين والله قطري. فقال قطري: يا فاسق أنا غزيلكم، أو قال: أرينبكم الذي تطلبون، فاختلف وباذام ضربتين فكانت ضربه قطري ضعيفة. وضربه باذام فأبان يده ثم احتز رأسه، وادعى سورة بن الحر التيمي أنه قتله معه.

(3/18)


وقال المدائني: انهزم قطري فإذا هو قد دفع إلى غيضة، فنزل عن فرسه فقاده حتى انتهى إلى موضع فيه ماء فأقام عنده وذلك في الصبح. وأقبل سورة بن الحر، وباذام مولى الأشعث بن قيس وشنطيز الثعلبي أحد بني ثعلبة بن يربوع يطلبون قطريا فأخبروا بأن رجلا دخل الغيضة فطلبوه فيها فوجدوه قائما يصلي وقد نزف دمه وضعف. فقال لهم: أنا غزيلكم الذي تطلبون، فقال سورة لباذام إن شئت أتيته أنا من بين يديه وأتيته أنت من خلفه، وإن شئت فأنا آتيه من خلفه وأنت من بين يديه. فتلقاه سورة من بين يديه وأتاه باذام من خلفه فقتلاه واحتزا رأسه فاختصما فيه، ووافاهم أبو الجهم الكلبي فأخذ الرأس وأتى به سفيان فبعث به إلى الحجاج.
ويقال إن سورة كان يقول: رأيت قطريا وهو على فرس وخلفه امرأة على بغل فاتبعته أنا وباذام ونحن لا نعرفه فحملت على المرأة فلما غشيتها نادت: يا أمير المؤمنين. فعطف علي وشددت عليه فعانقته فسقطنا إلى الأرض فصار تحتي، وندر سيفه من يده فزحف يريد السيف وصارت إبهامه في يد فرضضتها حتى فتر، وجاء باذام فضرب بالسيف بطنه واقتتلت أنا وباذام على رأسه.
ويقال إن الذي قتل قطريا عثمان بن أبي الصلت.
المدائني قال: قال معاوية بن محصن الكندي: رأيت قطريا وقد صرع في الشعب وهو يهوي ولا أعرفه، وحوله نسوة وفيهن عجوز، فحملت عليهن فانتضت العجوز السيف فضربتني فجرحتني في عنقي فضربتها فقتلتها.
وأتى علج قطريا وهو لا يعرفه فقال له: اسقني ولك سلاحي، فمضى العلج فحدر عليه صخرة فأوهنت فخذه، وأتاه سورة فقتله، واختصم في رأسه سورة وباذام وشنطيز الثعلبي، وعثمان بن أبي الصلت، وجعفر بن عبد الرحمن بن مخنف، والصباح بن محمد بن الأشعث.
وقال جعفر بن عبد الرحمن: إني لما عرفته لم تكن لي همة إلا قتله لأنه قتل أبي.
قالوا: ولما قتل قطري وبعث سفيان برأسه، أتى قومس وبها عبيدة بن هلال فحصره ثلاثة أشهر، ويقال خمسة أشهر، ووضع عليه المنجنيق، فضاقوا وضجروا وصاروا إلى ذبح دوابهم وأكل لحومها، وأكلوا الجيف، فذلك حين قال عبيدة:
إلى الله أشكو ما نرى بجيادنا ... بقومس هزل مخهن قليل
فإن يك أفناها الحصار فربما ... تشحط فيما بينهن قتيل
وأشرف عبيدة عليهم فقال: أقرأ عليكم أو أنشدكم ؟ فقالوا: أنشد. فقال: يا فسقة. قد علمت أنكم تؤثرون الشعر على القرآن.
ونادى سفيان: من خرج فهو آمن. فهم قوم بالخروج كثير.
وقال الهيثم: نادى سفيان: يا معشر الأزارقة لا أمان عندي إلا لمن جاء برأس صاحبه فكان الرجل منهم يخاف ابنه وأخاه على قتله لما هم فيه من الجهد.
وخرج عبيدة فاقتتلوا في يوم الجمعة إلى المساء، ثم دخل عبيدة القصر، وانهزم قوم من أصحابه فلم يدخلوا فاتبعهم سفيان، فأخذ منهم أسرى فقتلهم. وقال عبيدة:
وما زالت الأقدار حتى قذفنني ... بقومس بين الفرخان وصول
إلى الله أشكو لا إلى الناس أشتكي ... بقومس إذ فيها الشراة حلول
ووعظ أصحابه فقال: إنما هي ساعة حتى تظفروا أو تستشهدوا، فخرجوا وشدوا على سفيان وأصحابه وقالوا الحصن لمن غلب، فكشف أصحاب سفيان، ثم بقي في جماعة من أهل الشام ليسوا بالكثير فقال سفيان: يا أهل الشام، يا أهل الصبر والحفاظ، يا حماة الأدبار أعن هؤلاء الأكلب تفرون، فتراجع الناس فقال سفيان: الأرض، فنزلوا جميعا وصبروا فقال عبيدة: يا إخوتي روحوا إلى الجنة، وقاتل فقتل عبيدة وعامة أصحابه واستأمن الباقون، فأمنهم سفيان، وكان من المستأمنة حطان الأعسر فقال شعرا:
بليت وأبلاني الجهاد وساقني ... إلى الموت، إخوان لنا وأقارب
شريت فلم أقتل وما زلت لم أصب ... كذاك صروف الدهر فينا عجائب
واستأمن قيس الأصم وهو قيس بن عسعس ويلقب الخشبي، ثم كف بصره فمر بقوس فقال لقائده: أي موضع هذا ؟ فأخبره. فقال: قف بي أبكي إخواني. وقال:
ذكرت الشراة الصادقين بقومس ... وذكري لهم مما يهيج شجوني
وكان الحجاج كتب إلى سفيان يستبطئه في أمر عبيدة ويصغر ما عمل فقال: أن أبا محمد لا يرضي حتى جعل المحسن مسيئا والمطيع عاصيا.

(3/19)


قالوا: وكانت عند قطري العيوف بنت يزيد بن حبناء التميمي فولدت ابنتين: مزنة والفجاءة فأخذ سفيان الفجاءة فبعث بها إلى عبد الملك، فصارت إلى العباس بن الوليد فولدت له الحارث والمؤمل فلما ولي عمر بن عبد العزيز وأمر برد سبايا الأزارقة قال للعباس: خل سبيلها أو تزوجها إن رضيت، فتزوجها برضى منها، ويقال: إنه كانت عند العباس نعامة بنت قطري.
قال المدائني: وفد على عمر بن عبد العزيز قوم من بني مازن في أمر بنت قطري، فقال شاعرهم:
أتيناك زوارا ووفدا إلى التي ... أضاءت فما يخفى على الناس نورها
أبوها عميد الحي عمرو وأمها ... من الحنفيات الكرام قبورها
فإن تك كانت حيث كانت فإنها ... لها أسرة منا كرام نفيرها
فقال عمر: قد تزوجها برضاها. وقال رجل للحارث بن العباس؛ أنت ابن الخلائف الأربعة. قال: ويحك من الرابع ؟ قال: قطري.
وقال الهيثم: بعث سفيان برأس قطري ورؤوس أعلام من معه إلى الحجاج مع الوليد بن بخيت الكلبي.
أمر أبي فديك عبد الله بن ثور
أحد بني قيس بن ثعلبة بن عكابة
قالوا: ولما خالف نجدة بن عامر من خالفه من اصحابه، ولوا أمرهم أبا فديك عبد الله بن ثور، وكانوا بايعوا قبله ثابتا التمار، وكانت أخته عند أبي فديك، ثم قالوا: لا يقوم بأمرنا إلا رجل من العرب، وجعلوا الاختيار إليه فاختار لهم أبا فديك.
فلما ولي خابد بن عبد الله بن خالد بن أسيد البصرة، وجه أخاه أمية بن عبد الله إلى أبي فديك وهو بالبحرين فهزمه أبو فديك وفضحه فقال الفرزدق:
جاؤوا على الريح أو طاروا بأجنحة ... ساروا ثلاثا إلى الجلحاء من هجرا
حدثنا أبو خلف بن سالم المخزومي، ثنا وهب بن جرير بن حازم عن أبيه عن عمه صعب بن زيد ومحمد بن أبي عيينة قالا: خرج أبو فديك بالبحرين فلقيه أمية بن عبد الله فهزمه، فركب أمية فرسا له جوادا كان يقال له المهرجان فدخل البصرة عليه في ليلتين أو ثلاث. فقال يوما وهو بالبصرة: لقد سرت على المهرجان إلى البصرة فدخلتها في ليلتين أو قال ثلاث، فقال له بعضهم: هذا المهرجان، فلو ركبت النوروز لم تسر ليلة حتى تدخلها.
حدثنا خلف بن سالم وأحمد بن إبراهيم الدورقي قالا، ثنا وهب بن جرير عن أبيه عن صعب بن زيد وغيره قالوا: خرج أبو فديك بالبحرين فبعث إليه خالد أخاه أمية فهزم، فبعث إليه عمر بن عبد الله بن معمر فقتله، وقالوا: هزم أبو فديك أمية، وهزم قطري عبد العزيز بن عبد الله بالأهواز بعد ذلك وفضحه، فقال الفرزدق:
كل بني السوداء قد فر فرة ... فلم تبق إلا فرة عند خالد
فضحتم قريشا بالفرار وأنتم ... لدى الحرب أنكاس قصار السواعد
قال الهيثم: هزم أبو فديك أمية بن عبد الله، فندب عبد الملك عمر بن عبيد الله بن معمر وضم إليه عبد الرحمن بن عضاه الأشعري، ومعه وجوه أهل الشام، وقدم الكوفة فأجلسه بشر على سريره وأكرمه، فسار فواقع أبا فديك فانهزم أهل البصرة، وقاتل في أهل الشام والكوفة فقتل أبا فديك.
وكان لقاؤه إياه بالبحرين، وكان أبو فديك في اثني عشر ألفا. وكان على جند البصرة عباد بن الحصين، ونصب رأس أبي فديك في رحبة البصرة.
قال ودعا عمر أعشى همدان فقال له: يا أبا المصفح سر إلى بشر بالفتح، وقل فيه شعرا.
وقال ابن الكلبي: كان محمد بن موسى بن طلحة بن عبد الله التيمي، وعمر بن موسى بن عبيد الله بن معمر يتباريان في فعلهما وكانا في جيش عمر بن عبيد الله. فقال عبد الله بن شبل البجلي يفضل عمر بن موسى بن عبيد الله بن مع، وهو الذي خرج مع ابن الأشعث بعد، فقتله الحجاج:
تباري ابن موسى يا بن موسى ولم تكن ... يداك جميعا تعدلان له يدا
تباري امرءا احدى يديه مفيدة ... وإحداهما تبني بناء مشيدا
ووجه محمد بن موسى بعد إلى شبيب فقتله شبيب.
وقال أبو اليقظان: كان على جيش أهل البصرة مع عمر بن عبيد الله حين توجه إلى أبي فديك: عمر بن موسى بن عبيد الله بن معمر، وكان أخا عبد الله بن عامر لأمه، أمهما: دجاجة بنت الصلت، وعلى جيش أهل الكوفة: محمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله.
وقال العجاج:

(3/20)


لقد شفاك عمرو بن معمر ... من الحروريين يوم العسكر
وقع امرئ ليس كوقع الأعور
يعني عبد الله بن عمير الليثي، وكان قد وجه إلى بعض الخوارج نجدة أو غيره فهزم.
وقال العجاج في أرجوزته في عمرو أولها:
قد جبر الدين الإله فجبر ... هذا أوان الجد إذ جد عمر
وصرح ابن معمر لمن ذمر
المدائني عن أشياخه قالوا: بويع عبد الله بن ثور أبو فديك أحد الحرقيين، والحرقيان: تيم وسعد ابنا قيس بن ثعلبة بن عكابة سنة إحدى وسبعين، فأقام باليمامة ستة أشهر، ثم فتك به مسلم بن جبير وهو من أهل الحجاز لمخالفته إياه في رأيه، وقوله بقول نجدة فوجأه اثني عشرة وجأة، وقال:
خالفت قومي في دينهم ... خلاف صبا الريح جاءت جنوبا
أرجي الإله وغفرانه ... ويرجون درهمهم والجريبا
فقتل مسلم، وحمل أبو فديك فبرئ من جراحاته، وقيل لأبي فديك: لا خير لك في المقام باليمامة مع بني حنيفة لأنا لا نأمنهم عليك، فخرج أبو فديك إلى البحرين فأقام بجواثا، فوجه إليه مصعب بن الزبير محمد بن عبد الرحمن الإسكاف، فقال أبو فديك: يا معشر المسلمين ان الله قد أذهب عنكم نزغ الشيطان وأنقذكم من فتنة نجدة وصيركم إلى أنصاركم فأنتم تناضلون عن دين الله، أو ما سمعتم ما أعد الله للمجاهدين في سبيله حين قال: " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين " فمن كان الله معه فهو المفلح المنجح. وقال: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون " . فاشروا أنفسكم تنالوا الفوز كما وعدكم واصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون، وإياكم والفرار من الزحف فتبوؤا بسخط من الله ويحل عليكم غضبه، ثم ناهضهم.
وكان البصريون يرون أن ابن الإسكاف إذا عاين أبا فديك قتله. فلم ينتصف النهار حتى انهزم البصريون، ومضى ابن الإسكاف منهزما.
وأقام أبو فديك بالبحرين، وسار مصعب إلى الكوفة، وتشاغل بأمر عبد الملك ولقائه، فجمع زياد بن القرشي جمعا من أهل البحرين ومن أهل البصرة، ولقي أبا فديك محتسبا فقال له السائب بن الأخرس من ولد اللبوء بن عبد القيس: ويحك يا بن القرشي لا تخرج إليهم، فأبى وسار إليهم، فلقيه عمارة الطويل، وهو عمارة بن عقبة بن مليل، وعمير بن سلمى من ولد زيد بن يربوع بن ثعلبة بن الدؤل بن حنيفة، فقتل ابن القرشي، وتفرق أصحابه فقال الشاعر:
تمتع قبل جيش أبي فديك ... وقبل عمارة الرجل الطويل
أغر صميدع يمشي إذا ما ... تتابع مشية الجمل الصؤول
وقبل الطير ينهش لحم قوم ... بمعترك البياذق والخيول
وقبل معرس لا شك فيه ... سينأى بالخليل عن الخليل
فما لك حين تقطع صرتاج ... إلى البيض العباهر من سبيل
لقاء الأسد أهون من لقاء ... به التحكيم يشهر بالأصيل
قالوا: وقتل مصعب في سنة اثنتين وسبعين، وقدم خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص واليا على البصرة من قبل عبد الملك، فوجه أخاه أمية بن عبد الله في سنة ثلاث وسبعين إلى أبي فديك في اثني عشر ألفا، وأبو فديك في سبعمائة. فلما تواقف الجمعان وتراءيا قال أبو فديك: قد ترون عدوكم والقليل المنصور خير من الكثير المخذول فاستنصروا ربكم واصبروا لعدوكم.
فاقتتلوا ثم تحاجزوا على السواء، ثم عاودوا القتال فقاتلوهم حتى زالت الشمس، فكمن لهم ثابت التمار في مائة واستطرد الخوارج، واتبعهم أمية فلما جاوز موضع الكمين خرجوا عليهم وهم يحامون من خلفهم، وكر أبو فديك وأصحابه فصبر البصريون ساعة ثم انهزموا، وصرع أمية فحماه عون بن عبد الرحمن بن سلامة التيمي، وحوى أبو فديك عسكرهم.

(3/21)


ومضى أمية والناس منهزمين إلى البصرة، وأصاب أمية في طريقه ضر، ولم يجد طعاما، فلقي أعرابيا فقال له عون: ما معنا دراهم ولكني أعطيك درعي هذه وتبيعني ناقتك ؟ قال: لا أب لك، أتراها تساوي ناقتي ؟ قال: والله لهي خير منك ومن أبيك ومن ناقتك، فأخذ الدرع ونحروا الناقة فأصابوا منها، فأكثر أمية الأكل فقال عون: ألم ينهك الطبيب عن لحم الجزور ؟ قال: ويحك اسكت فليس هذا بموضع مزاح.
فلما قدموا البصرة لزم أمية بيته استحياء من الناس حين هزم وفر، فأتاه خالد بن صفوان بن عبد الله بن الأهتم التميمي فقال: الحمد لله الذي خار لنا عليك ولم يخر لك علينا، أما والله لقد كنت حريصا على الشهادة طالبا لها، ولكن الله أبى إلا أن يزين بك مصرنا ويؤنس بك وحشتنا، ويجلو بك غمنا.
وقال الفرزدق يذم أمية:
أمي هلا صبرت النفس إذ جزعت ... فتبلي الله عذرا مثل من صبرا
طاروا سراعا وما سلوا سيوفهم ... وخلفوا في جواثا سيدي مضرا
ساروا على الريح أو طاروا بأجنحة ... ساروا ثلاثا إلى الجلحاء من هجرا
لو كنت إذ جشأت ربطت جرونها ... ولم تولهم يوم الوغى الدبرا
يعني بسيدي مضر: عبد الله بن الحشرج الجعدي، والحارث بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، ارتث بجواثا فحمل إلى البصرة فمات بها ودفن، ويقال بل مات هناك فحمل في صندوق إلى البصرة.
وقال بعض الشعراء:
يوما بني خالد يومان قد فضحا ... يوم بفسا ويوم كان في هجرا
وقال آخر لأمية:
أما القتال فلا أراك مقاتلا ... ولئن فررت ليعرفن الأبلق
وقال أبو الحسن علي بن محمد المدائني وغيره: بلغ عبد الملك أمر أمية بن عبد الله فقال لعمر بن عبيد الله بن معمر بن عثمان بن عمرو بن كعب بن تيم بن مرة، وهو عنده: اكفني أبا فديك. فقال: لا يمكني. فقال عبد الملك: والله لتسيرن إليه. قال: والله لا أفعل. قال: فارفع حسابك لفارس وصححه. قال: نعم. وقام فاتبعه روح بن زنباع الجذامي فقال: يا أبا حفص. ترد على أمير المؤمنين ويقسم فتقسم. قال: يا أبا زرعة إن أخاه بشرا بالكوفة وابن عمه خالد بن عبد الله بالبصرة وهما حائلان بيني وبين ما أريد من النخبة، وأن يندبا معي إلا ضعفة الناس من لا يحامي على دين ولا حسب، فإن صبرت قتلت ضيعة وإن أنحزت افتضحت.
فرجع روح إلى عبد الملك بقول عمر، فأرسل إليه عبد الملك فرده وقال: يا أبا حفص، لو رأيت بين عيني أمير المؤمنين وتدا أما كنت نازعه وواقيا أمير المؤمنين مكروهه ؟ قال: بلى والله يا أمير المؤمنين بنفسي وأهلي ومالي. قال: فإن أبا فديك وتد بين عيني فاكفني أمره. قال: نعم إن أعفيتني من عنت بشر وخالد قال: فليس لأحد عليك سلطان في بلد تنزله وليس لك أن تصلي بالناس ولا تجبي الخراج وأنت مسلط على الدواوين فانتخب من شئت وكم شئت، وكتب له بذلك إلى بشر، فسار حتى قدم الكوفة على بشر، فأكرمه وأقعده معه على السرير وقال: والله لو لم يكتب إلي أمير المؤمنين بما كتب فيك، لقويت، فهذه الدواوين فانتخب من شئت، وهذا المال فأعطهم، فانتخب من كل ربع ألفين وأعطاهم أعطياتهم، فلم يكلمه بشر في تخليف أحد، وقال لهم: سيروا إلى البصرة، واستعمل عليهم محمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله.
وساروا وتزوج عمر بالكوفة عائشة بنت طلحة فأقام عندها أياما، ثم اتبع محمد بن موسى وحمل معه عائشة فقدم البصرة وأوصل كتاب عبد الملك إلى خالد، وانتخب من أهل البصرة ثلاثة عشر ألفا، فكلمه خالد في قوم ليخلفهم فأبى ذلك فمنعه خالد الديوان، فقال بيهس بن صهيب الجرمي: إن بشر بن مروان لم يكلمه في تخليف أحد، وهو أخو أمير المؤمنين، ولم يطمع في ذلك. فقال: إنه لم يدع لي محدثا ولا سميرا.
فكف خالد حتى استكمل ما أراد فقال العجاج:
لقد سما ابن معمر لما اعتمر ... مغزى بعيدا من بعيد وصبر
في نخبة الناس الذي كان افتخر
ثلاثة وستة واثني عشر ... ألفا يجرون من الخيل العكر
فقال عمر بن عبيد الله: لا حول ولا قوة إلا بالله.

(3/22)


وكان المهلب بالبصرة قد عزله خالد عن قتال الأزارقة وولى قتالهم عبد العزيز أخاه، فأثبته عمر فيمن يخرج معه، وأثبت عباد بن الحصين، فقال له المهلب: إني رمد العين فاختر أي بني شئت ليخرج معك واعفني. قال: لا.
وعسكر عمر، وأخذ الناس في الجهاز، وأعطاهم أعطياتهم ورأى المهلب فقال له: مر ابنك المغيرة بالتجهز والخروج مكانك فإن أهل مصرك محتاجون إليك يا أبا سعيد.
وبعث خالد إلى عمر بمال فقال: اقسمه في فرسانك، فقسمه فيهم وفضل المغيرة بن المهلب، وقال: أما والله لأربحن عليه ربحا رغيبا.
فتجهز الناس بجهاز حسن وأداة كاملة، وخرجوا إلى المعسكر بالنحيت، وخرج المغيرة في ثلاثين مجففا فعرضهم عمر، فجاءه الصلتان العبدي فقال: حاجتك ؟. قال: أنشدك. قال: إياك أن تكلمني في أن أعفي أحدا من وجهه هذا. قال: ما كنت لأرغب بأحد عنك. قال: هات. فأنشده:
لن يعدم الخابط المؤمل إن ... حل بدار ابن معمر ورقا
لا يخلف الوعد حين تسأله ... ولا يرى عابسا ولا غلقا
في أبيات.
فقال: حاجتك ؟ قال: ما تركت لي حاجة غير صحبتك. قال: ما أرغبني في أن تصحبني ولكني أكره أن أعرضك فقال الصلتان:
رأيت صروف الدهر ليس يفوتها ... صغير ولا ذو حنكة يتفكر
فكم من شجاع طاول قد نجا ... ومن حائد عن عمره لم يعمر
قال: صدقت، وأمر له بأربعة آلاف درهم وحمله على فرس وأعطاه سلاحا، وصير عمر بن عبيد الله على أهل الكوفة جميعا وهم ثمانية آلاف محمد بن موسى بن طلحة، وعلى ربع أهل المدينة: بشر بن جرير بن عبد الله البجلي، وعلى ربع كندة وربيعة: إسحاق بن الأشعث وعلى ربع تميم وهمدان: محمد بن عمير بن عطارد ويقال مطر بن ناجية ويقال عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني، وعلى ربع مذحج وأسد: زياد بن النضر الحارثي وابنه، ويقال زحر بن قيس الجعفي، وكان على جماعة أهل البصرة: عمر بن موسى بن عبيد الله بن معمر، وعلى خمس أهل العالية: سنان بن سلمة بن المحبق الهذلي، ويقال سعيد بن أسلم بن زرعة الكلابي. وعلى بكر بن وائل: أبو رهم بن شقيق بن ثور السدوسي. وعلى تميم: عباد بن الحصين، وإليه الخيل كلها. وعلى عبد القيس: الحكم بن مخربة. وعلى الأزد: المغيرة بن المهلب.
وحمل عمر بن عبيد الله معه عائشة بنت طلحة، وخلف رملة بنت عبد الله بن خلف فلم يحملها معه، فقال الشاعر:
أنعم بعائش في عيش له أنق ... وانبذ برملة نبذ الجورب الخلق
ويروى: عيش بعائش عيشا غير ذي رنق.
وقال أيضا:
من يجعل الديباج عدلا للزيق ... بين الحواري وبين الصديق
كبكرة مما تباع في النوق
قالوا: وسار بالناس فلما نزل الوفراء - وجه خمسمائة فارس وبعث معهم الفعلة وقال: احفروا لي خندقا فإذا فرغتم فأعلموني.
فتقدموا فحفروا له خندقا وأعلموه فارتحل فنزل الخندق وقدمهم ليحفروا في المنزل الآخر خندقا، فلم يزل يصنع ذلك وتحفر له الخنادق وينزلها حتى أتى هجر ونزل جواثا في خندق وأبو فديك بالمشقر في جمع كثير من الأعراب كانوا ضووا إليه بعد هزيمة أمية، فقال أبو فديك لأصحابه: قد أتاكم هؤلاء القوم فمن أحب لقاء الله فليقم ومن أراد الدنيا فليذهب حيث شاء فهو في حل.
فتفرقوا عنه، وبقي فيما بين التسعمائة إلى الألف، وعمر في أحد وعشرين ألفا. وقال رجل لأبي فديك: إن عطية بن الأسود بريء من نجدة فإن كنا مخطئين فنجدة محق، وإن كنا محقين فعطية لنا ولي فما تقول ؟. قال: ليس هذا يوم نظر. عدونا قد نزل فنجتمع على حربه حتى يحكم الله بيننا، ثم ننظر فيما سألت عنه، قال: فعلام أسفك دمي ؟ ولحق باليمامة.
وجعل عمر على الحرس: عباد بن الحصين الحبطي فخرج ليلة فتلقاه المغيرة بن المهلب فقال عباد: من هذا ؟ وقال المغيرة: من هذا ؟ فضربه عباد فشجه. فقيل له: هذا المغيرة فكف عنه، فغضبت الأزد للمغيرة ولبسوا السلاح فجاء رجل من هناءة من الأزد وكان متألها فقال له رجل من قومه: اتق الله. فقال: اغرب، تقول لي اتق الله وقد ضرب ابن المهلب ؟.

(3/23)


وبلغ عبادا فقال: أعلى هذه الحال ونحن بإزاء العدو، ولئن كانت بيننا صيحة ليهلكن هذا الجيش. فمشى إلى المغيرة فاعتذر إليه، ويقال إنه إنما كان هذا أيام ما يرنا بنهر تيرى وهم يقاتلون الأزارقة، وضرب عباد المهلب فغضبت الأزد، والأول أثبت.
وأقام عمر بن عبيد الله ثلاثة أيام ثم أتاهم أبو فديك فنزل بإزائهم وخندق خندقا دون خندق وخرج عمر من معسكره ينظر ومعه رجلان من بني حنيفة فلقوا رجلا من أصحاب أبي فديك فحملوا عليه فقال: سبحان الله أما تستحيون ؟ ثلاثة على فارس واحد ؟ ليبرز إلى رجل رجل. فبرز إليه أحد الحنفيين فلم يصنع شيئا، وطعنه الخارجي فقتله.
وخرج إليه عمر بن عبيد الله بنفسه فوقف له الخارجي فلما دنا منه وحش بالرمح ثم ضربه بالعمود على رأسه فصرعه ونزل إليه فأجهز عليه.
ورجع عمر إلي أصحابه فقال: ما يئست من الحياة قط إلا يومي هذا فدفع الله، رأيت الحنفيين جميعا قد أحسنا القتال وطعناه فلم يصنعا شيئا فعلمت أن على جسده شيئا يقيه الطعن فقلت لا يقتله إلا العمود، فلما قتله نظرت فإذا عليه سنون.
فلما كان اليوم الرابع من مقام عمر قال أبو ماعز الحارثي: لو خرج منا إلى هؤلاء القوم فوارس فذاقوهم، فخرج أبو ماعز في ثلاثمائة فارس حتى أتى خندق أبي فديك فأشرفوا عليهم فخرج اليهم فوارس من الخوارج فاستطرد لهم أبو ماعز وأصحابه حتى إذا انقطعوا عليهم فصرعوا من الخوارج أربعة أو خمسة.
وبلغ ذلك عمر فأقبل في الناس وقد تحاجزوا وانصرف الخوارج فلام عمر أبا ماعز وقال: كدتم تفضحونا، لو قتل منكم رجل واحد لهد العسكر، فقال مجاعة بن عبد الرحمن العتكي: قد وقى الله ما حذرت.
ورجع عمر إلى عسكره فلما كان الغد نهض عمر للقتال وصف الناس وقدم الرجالة، وخرج الخوارج من عسكرهم فركزوا رماحهم واستتروا بالبراذع فقال أهل البصرة للرجالة: حركوهم. فقال عباد: إن خلف هذه البراذع أذرعا شدادا وأسيافا حدادا وأنفسا سخية بالموت، وهم شادون عليكم شدة لا يقوم لها شيء، فإن كانت فيكم جولة فليكن انصرافكم على حامية يمنع بعضكم بعضا فإنهم يتبعونكم وأكثرهم رجالة فإذا لغبوا فكروا عليهم.
قال: وقال رجل من الخوارج: شدوا عليهم واحذروا تخطئة الحمار. يقول احذروا قول عباد حين قال ليكن انصرافكم على حامية فإذا لغبوا فكروا عليهم فنحو البراذع وأصلحوا رماحهم وسيوفهم وشدوا على الميسرة وفيها أهل البصرة فكشفوهم فذهبوا في الأرض.
وصرع المغيرة فحماه الكوثر بن عبيد، ويقال عبد بن معمر، واعتزل المغيرة بن المهلب ومجاعة بن عبد الرحمن الأزدي في فوارس فقاتلوهم، وتراجع الناس فردوا الخوارج وحازوهم إلى موقعهم، ومر أصحاب عمر بن عبيد الله بعمر بن موسى جريحا فاحتملوه وشدوا على الخوارج حتى أدخلوهم عسكرهم وأحرقوا فيه تبنا، وهاجت الريح فأمالت الدخان في وجوههم فقتلوا منهم ثلاثة ويقال ثمانية وذلك الثبت، وأسروا ثلاثة نفر فقتلهم عمر صبرا.
فلما كان اليوم الثالث من هذا اليوم باكرهم أبو فديك بالقتال، فقال لأصحابه: إن قتلت فأميركم أبو طالوت. وزحفوا جميعا مستميتين، فشدوا على الناس شدة أزالت الميمنة والميسرة والقلب من أهل العراق، فبقي عباد بن الحصين وسنان بن سلمة والمغيرة بن المهلب، فأمر عباد غلمانه: مهيرا ووازعا، وميسرة فجثوا وأشرعوا رماحهم، ونادى عباد: أيها الناس أنا عباد. فقال له غلامه الوازع: يا سيدي لا تنوه باسمك فيقصدوا إليك، قال: ويحك، إني إن ثبت ولم أنوه باسمي أقدموا علي فإذا عرفوني لم يقدم علي منهم أحد.
فرجع مجاهد بن بلعاء في الخيل، وكان عباد صيره خليفته على الخيل، فرجع في عدة من البصريين وجماعة من أهل الكوفة من بني تميم، ومضى الباقون فلم يكن لهم ناهية دون البصرة، فقال عباد لمجاهد: احمل عليهم، فقال: إني عليك لهين حين تأمرني بالإقدام بالخيل وليس معي رجالة تقيها.
فقال عباد: فليترجل بعضهم، فترجلوا، وقال عمر لعباد: ما ترى ؟ فقد ذهب الناس. قال: الصبر. فقال: ما شاورتك إلا وأنا أريد أن أسألك أي موتة ترى أن أموت قال: انزل، فنزل عن برذون له أشهب أبيض وأقدموا عليهم، فكان عباد يحمل عليهم فيطاعنهم ثم يرجع فيقول: إنا لله.

(3/24)


وصبروا مليا فسمعوا صارخا يقول: صرع أمير المؤمنين - يعني أبا فديك - وأطافوا به فأقبل عمر كأنه جمل هائج قاصدا لمصرع أبي فديك وحماه أصحابه حوله، فشدوا عليه بأسيافهم فما انثنى حتى أخذ برجل أبي فديك فسحبه والدم يسيل من كمه والسيوف تأخذه، فذب عنه عباد بن الحصين والمغيرة بن المهلب وسنان بن سلمة ومحمد بن موسى ومجاهد بن بلعاء حتى أفرجوا عنه وانحازوا وإن رجل أبي فديك لفي يده، فقال: احتزوا رأسه فاحتزوه وبعث به من ساعته إلى البصرة.
واتبع ابن بلعاء الخوارج، ثم رجع ومضى الخوارج إلى المشقر، فوجه عمر بن عبيد الله إليهم مجاهد بن بلعاء وبيهس بن صهيب الجرمي وعرفطة بن رجاء اليشكري، فحصروا الخوارج حتى نزلوا على حكم عمر فقتل الموالي واستحيى العرب.
وكان على خيل أبي فديك عبد الله بن صباح الزماني، فلما طلب الأمان كلم قوم من بني حنيفة عمر وقالوا إنا قد آمناه. فقال: لا ولا نعمة عين، وأرسل إليه فحبسه فهرب من السجن فلقي أعرابيا معه بعيران فقال: أتكريني إلى اليمامة ؟ فقال: نعم بكذا وكذا. فقال عبد الله: بل أضعفه لك على أن ترفق بي في السير. قال: ذاك إليك، فحمله.
وطلبه عمر بن عبيد الله بن معمر، وبلغ الأعرابي أن عمر يطلب ابن صباح الزماني، فلما سار بقية يومه قال للأعرابي: أتدري من أنا ؟. قال: لا. قال: أنا عبد الله بن صباح الزماني هربت من السجن وعمر يطلبني وإن يأخذني هلكت وذهب بعيرك فأنت أعلم.
قال: غررتني. قال: أتراني أضعفت لك كراءك وأنا آمن. فطرد به شلا حتى قدم اليمامة، ثم أتى البصرة فاستجار بعامر بن مسمع فأخذ له عامر بن مسمع الأمان من خالد، فكان يغدو إلى خالد.
وتزوج ابن ضباح ابنة عطية بن الأسود، فأقام بالبصرة حتى قدم الحجاج بن يوسف فدخل عليه فقال له: من أنت ؟. فقال: رجل من ربيعة. قال: هات نسبا أقرب من هذا. قال: من بني بكر بن وائل. قال: من أيهم ؟. قال: من بني مازن. قال: فمن أنت ؟ قال: عبد الله بن صباح. قال: صاحب خيل أبي فديك ؟. قال: نعم. قال: لئن تغيبت عني لأقطعن يدك ورجلك، ولأضربن عنقك.
فخاف وهرب إلى اليمامة فكان في أصحاب ابراهيم بن عربي، وأظهر التوبة من رأي الخوارج، فرأى يوما رؤوسا تشيط فغشي عليه، فعلم أنه على رأيهم.
قالوا: وقدم المنهزمة من أصحاب أبي فديك إلى البصرة، فكان أول من دخلها منهم عبد الله بن عثمان بن أبي العاص الثقفي، ثم تتابعوا فسر ذلك خالد بن عبد الله، ودعا بسرير له فجلس عليه وأعلم الناس أن عمر قد انهزم، وأرسل إلى عبد الله بن عمير الليثي وكان قد انهزم عن بعض الخوارج فبشره بانهزام عمر، فأعتق كل مملوك له.
وبعث خالد يوم جاء خبر هزيمتهم رسولا إلى عبد الله بن عبيد الله بن معمر فأخبره بأن أخاه قد انهزم فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، إني لأنتظر من الله إحدى الحسنيين الشهادة أو الظفر، فأما الهزيمة فلا أخافها عليه لا سيما ومعه ابنة عمه.
ودخل المهلب على خالد فقال له: يا أبا سعيد ما عندك من خبر أبي حفص ؟. فقال: عندي أن أبا فديك قد قتل ورأسه يأتيك. قال: وما علمك ؟ قال: وجهت مع المغيرة ابني غلامين فقلت: إن ظفر عمر فوجه إلي فلانا، وإن ظفر أبو فديك فوجه فلانا، ولا ترسل واحدا منهما حتى يتبين لك الظفر. فبعث بالذي أمرته أن يرسله إذا ظفر عمر. قال: ما أتاك الغلام إلا منهزما. قال: ما بذلك أخبرني.
قالوا: فإنه ليحدث إذ دخل رسول عمر بن عبيد الله برأس أبي فديك فألقاه بين يديه فقال: ويحك كيف كان الأمر ؟ قال: انهزم الناس وصبر عمر وعباد ونفير يسير معهما ساعة ثم كر أهل الحفاظ فقاتلوا الخوارج فقتل أبو فديك، وأخذ الرسول بأذنيه ثم هزه وقال: يا أبا فديك كيف رأيت ضرب بني عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي ؟ وذلك أن عمر بن عبيد الله من ولده.
فتناول خالد نعليه فانتعل وقال: أف، ودخل مغموما. فكان عباد بن الحصين يقول: ما رأيت أحدا يقاتل يوم أبي فديك غير المغيرة بن المهلب وسنان بن سلمة بن المحبق.
وقالت عائشة بنت طلحة يومئذ: من الرجل الذي كان إذا صاح كادت الأرض تتصدع من صوته ؟ فقال لها عمر: ذاك عباد بن الحصين.

(3/25)


وقال خير بن حبيب بن عطية، أحد بني مالك بن سعد: استأذنت على عمر بن عبيد الله بن معمر بالبحرين فقال آذنه: من أنت ؟ قلت: خير. فدخل ثم رجع إلي فقال: أي خير ؟ قلت: خير بن حبيب. وعلمت أنه قد عرفني وتفاءل باسمي، فدخل ثم رجع فأذن لي فدخلت عليه وجاريته تشد عليه جيب الدرع وهي تبكي. فكلمته بحاجتي ثم خرجت وخرج، فقتل يومئذ أبو فديك.
قال: ثم أرسل إلي بعد ذلك بأيام فدخلت عليه وعائشة إلى جنبه فلم أر زوجا قط أحسن منهما. فقال: ما قلت في عائشة ؟ قلت: من يجعل الديباج عدلا للزيق. وبين يديه لؤلؤ منثور، فقال: تناول من هذا اللؤلؤ. وحفن لي حفنات منه. فبعت ذلك اللؤلؤ واشتريت بثمنه أرضا وكانت عائشة بنت طلحة تقول لعمر: أي اليومين كان أشد عليك ؟ يوم أبي فديك أو يوم فارقت رملة ؟ فيضحك.
ويقال إنها قالت: أو يوم كنت تزور فيه رملة فترى خلقتها وعظم أنفها ؟ وكان مقتل أبي فديك في سنة أربع وسبعين.
وقال المدائني: كانت هزيمة عبد العزيز بن عبد الله بعد مقتل أبي فديك، وأوفد عمر إلى عبد الملك ببشارة الفتح وفدا فيهم الصلتان وهو قثم بن خبية بن قثم العبدي، ويقال هو تميم بن خبية بن قثم. فقال له عبد الملك: يا صلتان لعمر ثناؤك وعليه جزاؤك. فقال: يا أمير المؤمنين إني لأعيش من جدواه وأتقلب في نعماه، وإن خيره علي لكثير وقد أدرك في عدوك ما أدرك وهو محمود. فقال: صدقت، وأمر له بألفي درهم.
وقال بعض الشعراء:
ضجت جواثا ولم تفرح بمقدمنا ... لما قدمنا وماذا ينفع الضجر
كانت لنا هجر أرضا نعيش بها ... فأرسل النار في حافاتها عمر
وقال أعشى همدان في قصيدة له طويلة يذكر فيها قتالهم بجواثا ويفخر بصبر الكوفيين، ويذم البصريين في هزيمتهم، فمنها قوله:
ألم يأت بشرا ما أفاءت رماحنا ... وبشر بن مروان بذلك أسعد
فإنك قد جهزت جيشا مباركا ... ومثل أبي مروان بالخير يحمد
أطعت أمير المؤمنين وإنما ... جعلت غياثا كل خير تغمد
وأعطيتنا منك العطاء مضاعفا ... وزودتنا حتى جعلنا نحسد
ولما رأينا القوم ليس لديهم ... لمن زار إلا المشرفي المهند
مشينا إليهم في الحديد كأننا ... سحاب يضيء البرق فيه ويخمد
ولما رأى أهل البصيرة حزمهم ... تولوا سراعا خيلهم ثم تطرد
وما قاتلت فرسانهم عن رجالهم ... وما منعوا قتلاهم أن يجردوا
ولكنهم حاصوا من الموت حيصة ... فهم في أصول النخل شتى وموحد
وأهلك جمع المارقين فأصبحوا ... أحاديث إذ جاروا عن الحق واعتدوا
حدثني العمري عن الهيثم بن عدي أن سعيد بن خالد من ولد عثمان بن عفان قال لبيهس بن صهيب الجرمي: يا أبا المقدام، أمية أفضل أم عمر بن عبيد الله ؟. فقال: أو كلما نشأ ناشئ من بني أمية أردتم أن تجعلوه مثل عمر ؟ لا والله لعمر أجود منه جودا، وأكرم منه نفسا وأشد منه بأسا، فغضب سعيد وقال: ما أنت وذاك يا أخا جرم. فقال: اسكت فما أنت بالأول ولا الثاني ولا الثالث، ولقد كنت الرابع فربحت.
الجزء الثامن
أمر صالح بن مسرح
أحد بني امرئ القيس بن زيد بن مناة بن تميم:
قال الهيثم بن عدي: خرج صالح بن مسرح أحد بني امرئ القيس بن زيد مناة وكان من مخابيث الخوارج، وكان لا يرقع رأسه خشوعا، وكان يكنى أبا مالك، فخرج ومعه فرسان من فرسانهم منهم ثور بن بطين بن سويد، ومرة، وخطامة، وشوذب، وشبيب، وهم من بني شيبان، فخرج بجوخى، ثم أتى النهروان فصلى في مصارع أصحابه وقال: اللهم ألحقنا بهم فإنهم مضوا على طاعتك، ثم أتى قرية بين الموصل والعراق وفيها قصر فنزله، فبعث إليه بشر بن مروان زفر بن عمرو الفزاري فنكص عنه، وبعث إليه الحارث بن عميرة بن ذي المشعار الهمداني فواقعه فقتله، وقتل للحارث ابنان، وكان الذي طعن صالحا فقتله: الأشعث ين الحارث بن عميرة.

(3/26)


وقال هشام بن محمد الكلبي عن أبي مخنف: كان صالح بن مسرح أحد بني امرئ القيس بن زيد مناة بن تميم ويكنى أبا مالك متخشعا، فأتاه شبيب بن يزيد الشيباني فقال له صالح: إن الحكيم السعيد إذا سمع الحق نور الله قلبه وجلا العمى عن بصره.
ثم إن شبيبا أتى الموصل وهو يريد الشام في أمر من أموره، فقدم صالح بن مسرح الموصل وهو بها، وصالح يريد نصيبين للقاء قوم من أصحابه بها، فصار صالح إلى نصيبين، ومضى شبيب إلى عبد الملك بن مروان بالشام، ثم أتى دار صالح بن مسرح بها فقال لصالح: يا أبا مالك رحمك الله، أخرج بنا فوالله ما تزداد السنة إلا دروسا ولا يزداد المجرمون إلا طغيانا واستخراجا.
فبعث صالح الرسل إلى أصحابه فتواعدوا للخروج في صفر سنة ست وسبعين ليلة أربعاء، فاجتمعوا جميعا للميعاد، فقال شبيب بن صالح: أرى أن نستعرض الناس فإن الكفر قد علا وإن الظلم قد فشا. فقال صالح: بل ندعوهم فإن الدعاء أقطع للحجة، ولا نريد أن نعيب على قوم أعمالا ندخل فيها، وكان رأي صالح البسط بعد الدعاء، فأقاموا بأرض دارا بضع عشرة ليلة، فتحصن منهم أهل دارا ونصيبين وسنجار.
وكان خروج صالح في مائة وعشرين فأخذوا دواب من دواب محمد بن مروان كانت بقربهم، وقد كان أمرهم محمدا فاستخف به وهو على الجزيرة ونواحيها من قبل أخيه عبد الملك بن مروان، فوجه محمد إليهم عدي بن عدي بن عميرة الكندي في خمسمائة، ثم أمده بخمسمائة فصار في ألف، فأتى الخوارج وهم بدوغان من حران، وقد جعل صالح على ميمنته شبيبا وعلى ميسرته سويد بن سليم .
وكان عدي متنسكا متوقيا للدماء، فأرسل إلى صالح: إني لست على رأيك ولكني أكره سفك الدماء. فواقعه، فكب عدي رايته وهرب فحوى صالح عسكره فغضب محمد بن مروان، وبعث مكانه الحارث بن جعونة العامري في ألف وخمسمائة، وبعث أيضا خالد بن جزي السلمي في ألف وخمسمائة وقال: أيكما سبق فهو الأمير، فتوافيا جميعا، فوجه صالح شبيب إلى الحارث ين جعونة العامري في شطر أصحابه، وتوجه هو إلى خالد بن جزي في النصف الثاني، فاقتتلوا بآمد حتى حجز المساء بينهم وقد قتل من الخوارج ثلاثون ومن أصحاب محمد بن مروان سبعون، وسار صالح فيمن بقي معه حتى أتى الموصل ثم أتى إلى الدسكرة.
ووجه بشر بن مروان الحارث بن عميرة بن مالك بن حمزة بن أنفع بن زبيب بن شراحيل، وكان يقال لحمزة: ذو المسعار الهمداني في ثلاثة آلاف من أهل الكوفة، وصالح في تسعين، ويقال بل وافاه في أربعة آلاف من مقاتلة أهل الكوفة وستة آلاف من الفرض.
وكان على ميمنة الحارث بن عميرة أبو الرواع الشاكري من همدان، وعلى ميسرته الزبير بن الأروج التميمي، فثبت صالح فقتل، وضارب شبيب حتى صرع عن فرسه فوقع في الرجالة، فلما رأى صالحا قتيلا قال: إلي يا معشر المسلمين. فلاثوا به واجتمعوا إليه وحامى بعضهم على بعض حتى دخلوا حصنا بجواثا فقال لهم شبيب: بايعوني أو من شئتم منكم ثم أخرجوا بنا حتى نبيتهم فإن الليل أخفى للويل، وهم آمنون لكم. فبايعوا شبيبا وأتوا باللبود فبلوها بالماء ثم ألقوها على الجمر وخرجوا فلم يشعر ابن عميرة وأصحابه إلى والخوارج يضربونهم بالسيوف في جوف عسكرهم، وضارب الحارث بن عميرة حتى صرع فاحتمله أصحابه وانهزموا وخلوا لهم العسكر وما فيه ومضوا إلى المدائن.
ومات ابن عميرة، ويقال إن صالحا جرح جراحات مات منها في ليلته، وأمر أن يبايع شبيب بعده واستخلفه والأول أثبت.
وكان قتل صالح بن مسرح في أيام بشر بن مروان، وقال قوم: كان قتله في سنة ست وسبعين يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب، ويقال يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة.
وقال الجعد بن ضمام:
أبا عين فابكي صالحا إن صالحا ... شرى نفسه لله يبغي بها الخلدا
وقد كان ذا رأي ثخين ورأفة ... صفوحا عن العوراء يدفعها عمدا
وقد كان في الحرب العوان يشبها ... ويسعرها بالخيل محبوكة جردا
في أبيات.
وقال أعشى همدان، وكان وهو عبد الرحمن بن بسطام، أحد بني مالك بن حاشد بن جعشم بن خيران بن نوف بن همدان:
إلى ابن عميرة تحدي بنا ... على أينها القلص الضمر
ولابن المسرح في جحفل ... دلفت وفرسانه حضر

(3/27)


شبيب وقعنبهم والبطين ... وعمرو وفارسهم أبجر
ليوث عرين هم ما هم ... إذا حكموا وإذا كبروا
فلم ير تحت ظلال السيو ... ف مثلك محتسبا أصبر
ولا مثل أشبالك الضاريا ... ت ولا مثل معشركم معشر
وقال رجل من بني تميم يرثي صالحا، واسمه المنهال:
أمنهال إن الموت غاد ورائح ... ولا خير في الدنيا وقد مات صالح
إذا قلت أنسى صالحا عاد ذكره ... جديدا لما انضمت عليه الجوانح
لئن كان أمسى صالحا ثل عرشه ... لقد كان لا تخشى عليه الفضائح
في أبيات.
وقال الحويرث الراسبي:
أقول لنفسي في الخلاء ألومها ... هبلت دعيني قد مللت من العمر
ومن عيشة لا خير فيها دنية ... مذممة عند الكرام ذوي الصبر
سأركب حدباء الأمور لعلني ... ألاقي التي لاقى المحرق في القصر
وما كان غمرا صالح غير أنه ... رمته صروف الدهر من حيث لا يدري
أمر يزيد بن بعثر
قال الهيثم: خرج يزيد بن بعثر السعدي من تميم بجوخى، فوجه إليه بشر بن مروان خيلا فقتل. فقال عمران بن حطان:
لقد كان في الدنيا يزيد بن بعثر ... حريصا على الخيرات حلوا شمائله
في أبيات.
وقال الهيثم بن عدي: خرج في أيام ابن عربي وولايته اليمامة خوارج من السجن، وكانوا مقيدين فحكموا، فقال لهم رجل منهم: أطلقوا قيودكم. قالوا: ولم؟ لسنا نريد الفرار. فلم يخرج إليهم إبراهيم بن عربي وأخرج رجلا يقال له عطية بن جناب من أصحابه، ومعه رجل من موالي آل أبي مرثد الغنوي فقاتلاهم فقتل الخوارج.
أمر هدبة الطائي بن عمر
من بني جدعان، وأمه شيبانية وكان فيهم.
وقال: وخرج هدبة الطائي بجوخى على بشر بن مروان في جماعة فقتله سيف بن هانئ، وكان على مسالح جوخى والطريق، وكان موكلا بقتال الخوارج في نواحيه، فقال أيوب بن سعفة:
إن يك خلي هدبة اليوم قد مضى ... فإني بآلاء الفتى أنا ناديه
فيا هدب للهيجا وللسيف والقنا ... ويا هدب يوما للخصيم يجاذبه
في أبيات.
ويقال: إن هدبة شيباني وهو هدبة بن عبد عمرو من ولد قيس بن خالد الشيباني، وقال المدائني: قتل هدبة سيف في أيام الحج.
أمر شبيب بن يزيد الشيباني
قال ابن الكلبي عن لوط وغيره: غزا يزيد بن نعيم بن قيس بن عمرو بن قيس ين شراحيل بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة الروم فابتاع جارية من السبي ووقع عليها فولدت له شبيب بن يزيد في سنة خمسة وعشرين في يوم النحر، فقال أبوه: ولد في اليوم الذي تهراق فيه الدماء وأحسبه سيكون صاحب دماء، وكان اسم أم شبيب جميرة.
وقال الهيثم بن عدي: كان اسم أمه غزالة واسم امرأته جهيزة بنت عمرو.
قال الكلبي: وانتقل يزيد من الكوفة إلى الموصل وكان شبيب صاحب فتك وغارات وكان يبيت الأكراد، فقال الشاعر:
لم أر أياما كأيام مالك ... ولم أر ليلا مثل ليل شبيب
وكان مالك رجلا يغير بالنهار فيأخذ ما استطف له، وكان شبيب في الديوان فرض له حين أدرك. ثم أنه تنسك وارتدع، وذلك أنه سمع رجلا يقرأ " وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله وكان الله بهم عليما، إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما، فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد " إلى قوله: " ولا يكتمون الله حديثا " ، فقال: ما أغفل شبيب عما خلق له وعما يراد به، فأعجب أباه ما رأى من حاله.
ثم إن شبيبا حج فأتى الكوفة فنزل على القعقاع بن شور الذهلي في بدأته فبره وأكرمه، ثم سار فلما قضى حجته وصار بالربذة أيدع به وانقطع بقوم معه أيضا فمرت بهم هند بنت أسماء بن خارجة الفزاري فقاموا إليها فسألوها فأمرت لهم بزاد وحملان. ثم أن شبيبا قدم الكوفة فجعل يسأل عن أهل العبادة والصيام فدل على صالح بن مسرح، فسمع منه وقبل قوله.

(3/28)


ومضى شبيب بعد أن لقي صالحا إلى الموصل، وسار صالح يريد نصيبين للقاء أصحاب له هناك، ثم أتى دارا ومضى شبيب إلى عبد الملك بن مروان وقد كان اسمه سقط من الديوان لكثرة غيبته وتخلفه عن الاعتراض من العراض فحلق على اسمه فكلم الناس عبد الملك في الفك عن اسمه وإدرار أرزاقه عليه فأبى وقال إن بكر بن وائل وبني تميم حيان كثير شرهما وما أحب أن يكثروا بهذه البلاد. فأخبر شبيب بقول عبد الملك فقال: والله لأسوءنه، فأبلغوه عني فله مني يوم أرونان.
ثم قدم على صالح بن مسرح هو بدارا فكان منه ما ذكرنا، وقتل صالح فبايعه أصحابه.
وقال الهيثم بن عدي: كان بنو مروان لا يفرضون لبكر ولا تميم بالشام فخرج شبيب يطلب الفريضة وقد سبقه صالح بن مسرح بالخروج والخوارج يرون من خرج منهم، ثم خرج بعده آخران الثاني تبع للأول فكان شبيب معه حتى قتل فبويع بعده فوجه إليه بشر بن مروان خيولا فهزمها شبيب.
وأقام على ذلك نحوا من سنة حتى مات بشر بن مروان، وقدم الحجاج العراق، فأقام سنة لا يعرض لشبيب حتى كثف أمره واشتدت شوكته.
وبلغ قطري بن الفجاءة خروج شبيب في أيام الحج فقال: إن الله قد فيض للفاسق أخي ثمود رجلا من الصفرية سيشجيه ويخزيه، والله ما نبالي في أي الفريقين كان الفتح.
وقال ابن الكلبي: لما اعتقد شبيب ارتفع إلى أرض الموصل، فدعا سلامة بن سيار الشيباني إلى الخروج معه، وكان فضالة بن سيار أخوه يقول: الفضل بن سيار قد خرج قبل خروج صالح بن مسرح فقتلته عنزة، ففرض لهم عبد الملك وأنزلهم بانقايا من حرة الموصل - فاختار سلامة من أصحابه ثلاثين فأغار بهم على عنزة فقتل منهم بشرا، وقال شعرا يقول فيه:
فصحبتهم قبل الشروق بفتية ... مساعير لا كشف اللقاء ولا عزل
وليست دماء اليقدميين بالتي ... توازي دماء الحي شيبان في القتل
لعل جيادي أن تعود عليهم ... فتنزلهم دار الصغار مع الذل
فيقال: إن سلامة كان معه، ويقال إنه اعتذر بشغل له.
وأقبل شبيب في أصحابه نحو زاذان ومعه أمه في مظلة من مظال الأعراب، وكان حملها من الموصل معه، وانضم إليه قوم، منهم أبو الصقر إبراهيم المحلمي وكان نازلا في بني تميم بن شيبان، وكان الحجاج قد ولى سفيان بن أبي العالية الخثعمي طبرستان فكتب إليه أن ينكفئ راجعا لمواقعة شبيب، ونادى في جيش الحارث بن عميرة الهمداني بالكوفة والمدائن فساروا عليهم سورة بني أبجر بن نافع بن العرباض أحد بني أبان بن دارم فلم يتخلف منهم كثير أحد.
وعجل سفيان بن أبي العالية إلى محاربة شبيب بخانقين قبل مصير سورة إليه، وأكمن شبيب لابن أبي العالية مصاد بن يزيد أخاه، واستطرد لهم حتى ظنوا أنهم قد هزموه، ثم خرج عليهم الكمين فقاتلوهم من ورائهم، وكر شبيب فواجههم فانهزموا، وثبت سفيان بن أبي العالية في نحو من مائتين فقاتلهم فأحاط به أصحاب شبيب فقاتل دونه غلام له يقال له غزون.
وأقبل سفيان إلى مهروذ فنزل بها وكتب إلى الحجاج بخبره ومواقعته شبيبا بخانقين، وكتب الحجاج إلى سورة يعنفه ويأمره أن يأتي شبيبا، فبعث سورة إلى المدائن فانتخب له منها خمسمائة رجل من جندها فتوافوا إليه مع من معه وخرج لطلب شبيب وهو يجول بجوخى وأتى شبيب المدائن فقتل من ظهر له وأخذ دواب من دواب الجند ولم يدخل البيوت.
ثم أن شبيبا أتى النهروان فوقف أصحابه على قبور من قتله علي بن أبي طالب فاستغفر لهم وكان في مائة، فلقيه سورة في نخبة من معه فقاتله شبيب وهو يقول: " من ينك العير ينك نياكا " . فهزمه شبيب واتبعه حتى بلغ المدائن ودنا من بيوتها، فرمي وأصحابه من فوق البيوت.
ثم أتى شبيب كلوذاى، ثم أقبل يسير إلى أرض جوخى وصار إلى جبال تكريت ولحق الجند بالكوفة فغضب الحجاج على سورة بن أبجر وقال: والله لأسوءنه، ووجه الجزل وهو سعيد بن شرحبيل بن عمرو بن الأرقم الكندي، وبعضهم يقول سعيد بن عمرو. والأول أثبت.
وضم إليه أربعة آلاف مقاتل، وأقبل الجزل يطلب شبيبا في أرض جوخى وشبيب يري الهيبة فيخرج من طسوج إلى طسوج، وكان يومئذ في ستين ومائة.

(3/29)


واستبطأ الحجاج الجزل فولى سعيد بن المجالد بن عمير بن ذي مران الهمداني - جد المجالد بن سعيد المحدث - جيشه وضمه إليه فصار من تحت يده وقال له: لا تفعل كما فعل الكندي يطلب طلب السبع ويحيد حياد الضبع.
وأتى شبيب براز الروز فالتقوا وعلى ميمنة ابن المجالد عياض بن أبي لينة وعلى ميسرته عبد الرحمن بن عوف الرؤاسي أبو حميد بن عبد الرحمن، فهزمهم شبيب وحمل على سعيد بن المجالد فضربه ضربة خالطت دماغه فقتله شبيب. وقاتل الجزل قتالا شديدا حتى صرع فسقط بين القتلى، فحمل إلى المدائن ولحق الجيش بالكوفة، وكتب الجزل إلى الحجاج بالخبر فأجابه بجواب لطيف، وفيه يقول بعض الكنديين:
جاؤوا بشيخهم وجئنا بالجزل ... شيخ إذا ما لقي القوم نزل
ولم يلبث الجزل أن مات، وقال المحل بن وائل:
كيف رأيت يا بن ذي مران ... جلادنا عند قرى الهروان
أذاقك العلقم والذيفان ... والموت أسياف بني شيبان
وبعث الحجاج إلى الجزل ابن أبجر الطبيب ليعالجه وبألف درهم، وأقبل شبيب إلى كرخ بغداد ولم يعرض لأهل سوقها العتيق، ثم سار شبيب جوادا حتى أتى الكوفة فنزل عند دار الرزق وقد أمر الحجاج أهل الكوفة فعسكروا بالسبخة وعليهم عثمان بن قطن الحارثي.
ووجه الحجاج بن سويد بن عبد الرحمن السعدي للقائه فحمل عليه شبيب حملة منكرة، ومضى حتى قطع بيوت الحيرة، ثم مضى شبيب إلى الأنبار ثم أتى دقوقا، ثم مضى إلى أذربيجان وناحية أرمينية، فتركه الحجاج وخرج إلى البصرة واستخلف على الكوفة عروة بن المغيرة.
ثم إن شبيبا أقبل يريد الكوفة وبلغ الحجاج ذلك فأقبل من البصرة جوادا إلى الكوفة وأتى شبيب حربي وهي دجلة فعبر منها، وقال لأصحابه: ليس الحجاج بالكوفة فما دون دخولها بإذن الله شيء.
فخرج مبادرا ونزل الحجاج الكوفة العصر، ونزل شبيب السبخة المغرب، فلما صلى المغرب والعشاء الآخرة جاء حتى ضرب باب القصر بعمود وتمثل:
عاري الجواعر من ثمود أصله ... عبد ويزعم أنه من يقدم
ثم إنه اقتحم المسجد الأعظم وعلا المنبر وأقعد غزالة وهي امرأته وهي من سبي أصبهان على المنبر لئلا يصيبها الرمي، ويقال بل كانت نذرت أن تصعد المنبر فصعدته.
وقال بعضهم: لم تكن امرأته ولا أمه ولكنها كانت من الخوارج ثم خرج.
ونادى الحجاج في الناس فكان أول من أتاه: عثمان بن قطن بن عبد الله، ثم وجه الحجاج بشر بن غالب الأسدي في ألفين وزائدة بن قدامة الثقفي وأبا الضريس مولى بني ثعلبة بن يربوع تميم في ألف، وأعين مولى بشر بن مروان - ويقال مولى سعد بن أبي وقاص - في ألف، ووجه محمد بن موسى بن طلحة التيمي، وزياد بن عمرو العتكي فنزل هؤلاء الأمراء أسفل الفرات فتجنبهم شبيب وأخذ نحو القادسية.
وبعث الحجاج زحر بن قيس الجعفي في ألف وثمانمائة جريدة وقال: اتبعه فإن لم يعطف إليك فلا تقاتله.
وبلغ شبيبا خبره فأقبل إليه والتقيا فهزم أصحاب زحر ونزل فقاتل حتى صرع، فلما أمسى تحامل حتى دخل الكوفة وبه بضع عشرة ضربة، فأكرمه الحجاج وبره وقال: من أراد أن يرى شهيدا يمشي على الأرض وهو من أهل الجنة فلينظر إلى هذا.
ويقال إن زائدة لقيهم وعلى ميمنته بشر بن غالب وعلى ميسرته زياد بن عمر العتكي، فصير شبيب سويد بن سليم في كردوس حيال الميمنة، وصير أخاه حيال الميسرة، ووقف بحيال القلب، فشد سويد على زياد فصابره ساعة ثم انهزم زياد وقد أحاط به ثلاثون سيفا، وقتل زائدة، وبلغ شبيبا مكان الأمراء بأسفل الفرات فسار إليهم ودافعهم وأفرد بإزاء كل أمير منهم جماعة من أصحابه وعليهم رجل يسوسهم، فقلت زائدة بن قدامة، وقاتل زياد بن عمر العتكي من يليه فصابرهم ثم هزموه.
وقاتل محمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله فقتل، ودخل أبو الضريس جوسقا هناك فقال شبيب لأصحابه: ارفعوا السيف، فبايعه قوم منهم عبد الرحمن بن جندب وأبو بردة بن أبي موسى، ثم خرج شبيب بأصحابه إلى نفر ثم أتى خانيجار فأقام بها، فوجه إليه الحجاج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث في كثف ومعه من كندة خمسمائة فارس فدخل على الجزل وهو يعالج الموت فقال له: إنك تقاتل قوما كأنهم قد خلقوا من أضلاع الخيل وبنوا على ظهورها أسود غاب يستطعمون الموت، إن هجهجوا أقدموا وإن كف عنهم لم يكفوا.

(3/30)


فأقبل شبيب حتى نزل جولايا ونزل ابن الأشعث بقربه وذلك في أيام العشر، فبعث إليه شبيب: إن هذه الأيام عيد فإن رأيت أن توادعنا حتى تمضي. وكان يحب المطاولة فوادعه فكتب عثمان بن قطن بذلك إلى الحجاج وبإقبال عبد الرحمن على الجباية واستيكاله الرعية، فولاه جيش عبد الرحمن، وولى المدائن مطرف بن المغيرة بن شعبه مكانه.
وكان ابن أبي عصيفير الثقفي على المدائن فعزله الحجاج وولى المدائن عبد الرحمن، وخرج ابن أبي قطن فتسلم عسكر عبد الرحمن بن الأشعث، وواقع شبيبا، وهو في مائة وأحد وثمانين، فترجل عثمان وكان على ميسرته عقيل بن شداد السلولي فجعل يقول:
لأضربن بالحسام الباتر ... ضرب شجاع بطل معاور
فحمل عليه شبيب فقتله، ووقع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث في نهر جولايا، فدفع إليه رمح فتعلق به، وقال له محمد بن عبد الرحمن بن أبي سبرة الحنفي: اركب. فقال: أينا الردف؟. فبلغ الحجاج فقال: أنخوة وهو منهزم؟ وظهر شبيب عليهم، فأمر برفع السيف، ودعا إلى البيعة فبايعه قوم من الرجالة، وقتل من كندة يومئذ مائة وعشرون ومن سائر الناس ألف، وقتل عثمان بن قطن، قتله مصاد أخو شبيب ثم أتى شبيب سفح ساتيدما فقتل قوما من بكر بن وائل لم يتبعوه، ثم أتى المدائن فناظر حذيفة بن اليمان فقال الحجاج لمن قبله: والله لتقاتلن عن فيئكم أو لأبعثن إلى قوم هم أسمع وأطوع وأصبر على اللأواء منكم، فليقاتلن عدوكم وليأكلن فيئكم.
فقام زهرة بن حوية التميمي فقال: إني كبير السن ضعيف، ولكن أبعث رجلا، وأكون معه وأشير عليه، فقال الحجاج: جزاك الله خيرا عن أول أمرك وآخره.
وكان زهرة ممن شهد القادسية، فكتب إلى عبد الملك يخبره أن أهل الكوفة قد عجزوا وضعفوا عن شبيب، ويسأله أن يبعث إليه رجلا ذا شجاعة ونصيحة، فوجه إليه سفيان بن الأبرد الكلبي في أربعة آلاف، وحبيب بن عبد الرحمن الحكمي في ألفين، ويزيد بن هبيرة المحاربي معهما، وبعث الحجاج قبل قدومهم إلى عتاب بن ورقاء الرياحي وهو مع المهلب، فقد إليه فجعله على أهل الكوفة وضم إليه زهرة بن حوية.
وكان بشر بن مروان وجه عتابا إلى المهلب وهو بالأهواز فحارب قطري بن الفجاءة، وأتى شبيب بهرسير فنزل مدينتها، وبعث إليه مطرف بن المغيرة أن ابعث إلي من أناظره فكان من أمره ما كان مما قد ذكرناه في كتابنا هذا.
ووجه الحجاج عتاب بن ورقاء، وشبيب يومئذ في ستمائة فواقعه عتاب فقاتل وصبر فقتل عتاب، قتله رجل يقال له عمرو بن عبد عمرو من بني تغلب ويقال الفضل بن عامر الشيباني ويقال عامر بن عمرو، ووطئ زهرة بن حوية فجعل يذب بسيفه وهو شيخ ضعيف البصر لا يستطيع القيام، فجاء الفضل بن عامر الشيباني فقتله وذلك بسوق حكمة على ستة فراسخ من المدائن، فلما رأى شبيب زهرة قال: لئن كنت قتلت ضالا لرب يوم من أيام المسلمين قد حسن فيه بلاؤك وعظم فيه غناؤك، ولرب خيل للمشركين قد هزمتها، وسرية لهم قد ذعرتها.
واستمكن شبيب من أهل العسكر فقال: ارفعوا عنهم السيف، ودعاهم إلى البيعة فبايعوه ثم هربوا من تحت ليلتهم، ودخل سفيان بن الأبرد الكلبي وحبيب بن عبد الرحمن الكوفة فيمن معهما.
وخطب الحجاج أهل الكوفة فقال: لا أعز الله من أراد العز بكم، لا تشهدوا معنا قتال عدونا والحقوا بالنصارى واليهود.
وأقبل شبيب إلى الكوفة فقتل عامل سوراء، وأخذ ما كان عنده من المال، وزحف إليه الحجاج نفسه ومعه سفيان بن الأبرد، فجعل أهل الكوفة يقولون:
دبوا دبيبا ... واحذروا شبيبا
وسار شبيب إلى السبخة فوجه إليه الحجاج غلمانا له فقتلهم، وجه إليه عمارة الطويل فاستعلى عليه، فقال شبيب: قاتلني رجل ما أحسبه ولا أراه إلا طويل بني المجنون.
وأخذ أهل الكوفة السكك وأشرعوا الرماح في وجوههم، وقاتل خالد بن عتاب بن ورقاء الخوارج فقتل مصاد أخا شبيب وجهيزة أم شبيب وكانت قد قاتلت قتالا شديدا، وقال الناس:
أم شبيب ولدت شبيبا ... هل تلد الذيبة إلا ذيبا
وقتلت غزالة واحتز رأسها فقال الحجاج: والله ما قوتل شبيب قبل يومه هذا ومرته هذه.
وهرب شبيب فبعث الحجاج في إثره حبيب بن عبد الرحمن الحكمي في ثلاثة آلاف من أهل الشام فقاتل بالأنبار حتى كره بعضهم بعضا.

(3/31)


وأتى شبيب واسطا من ناحية أرض جوخى، ثم أتى الأهواز وتجاوزها إلى فارس حتى إذا قوي واستراش عاد إلى الأهواز فلقيه سفيان بن الأبرد وحبيب والشاميون عند جسر دجيل بالأهواز، فاقتتلوا قتالا شديدا حتى اضطر الخوارج إلى الجسر فلم يجدوا عنه محيصا، فلما انتهى شبيب إلى الجسر نزل ونزل معه مائة فقاتل أشد قتال، فلما رأى سفيان صعوبة أمرهم أمر الرماة فرشقوهم بالنبل، وكر شبيب على الرماة فصرع منهم أكثر من ثلاثين، ثم قال لأصحابه: اعبروا رحمكم الله.وقدمهم وبقي في أخريات الناس.
ورأى فرسه رمكة بعض أصحابه فتحصن فزلت رجل فرسه فسقط في الماء وهو يقول: " ليقضي الله أمرا كان مفعولا " .
ويقال إنه لما قاتلهم قال لأصحابه في المساء: قد انصرف عنكم عدوكم فاعبروا بنا فإذا أصبحنا قاتلناهم، ومر وهو يركض فما سار في وسط الجسر قطعه قوم من بني شيبان كانوا حقدوا عليه قتل من قتل في ساتيدما، فغرق.
ويقال إنه لما حجز بينهم الليل عبر شبيب الجسر، وبصر بهم قوم من أصحاب سفيان فقطعوا الجسر فماج بهم فغرق شبيب وجماعة معه، قالوا: فأمر سفيان فاستخرج شبيب بالشباك وشق بطنه فوجد قلبه كأنه صخرة يضرب به الأرض فلا يثبت وينبو عنها نبو الحجر، وكان غرقه ليلا. والشراة يقولون كان على قبله شعر وذلك باطل.
وقال معمر بن المثنى: خرج شبيب في أيام بشر بن مروان حين قتل صالح بن مسرح، وكان معه فلم يزل يتنقل في جوخى حتى ولي الحجاج فبعث إليه عبيد بن المخارق القيني من أهل الشام، فهزمه شبيب، ثم بعث إليه زحر بن قيس فهزم أصحابه وارتث وبه ثلاثون طعنة، وضربه حتى حمل في القطن، ثم بعث إليه عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فهزمه، ثم عتابا فقتله، ثم الجزل الكندي فقتله، ثم بعث إليه زياد بن عمرو العتكي فانهزم، ثم بعث محمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله فقتله، فقال قطري حين بلغه أمر شبيب: إن الله قد قيض للفاسق أخي ثمود رجلا من الصفرية قد أشجاه، والله ما نبالي بأي الفريقين كان الفتح.
ووجه الحجاج إلى شبيب يزيد ين هبيرة المحاربي فهزمه.
وحدثني العمري عن الهيثم بن عدي عن عوانة وابن عياش وغيرهما قالوا: لما قتل صالح بن مسرح وبويع شبيب بعده في ولاية بشر، بعث إليه بشر خيلا ففضها، ومكث شبيب ينتقل بجوخى والسواد سنة، ثم وجه الحجاج إليه عبيد بن أبي المخارق القيني فهزمه شبيب، ثم وجه إليه يزيد بن هبيرة المحاربي فهزمه، ثم بعث إليه زحر بن قيس الجعفي فهزمه وارتث وبه ضربات وطعنات وكان يحمل في القطن وكانت ضربة منها قد فلقت عينه، فقال الحجاج: من أحب أن ينظر إلى الشهيد الحي فلينظر إلى زحر بن قيس.
ثم بعث عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فهزمه، ثم بعث عتاب بن ورقاء فلقيه بالفلوجة فقتله شبيب، ثم بعث إليه الجزل الكندي فوده إليه شبيب المهذب السكوني والبطين الشيباني فقال شاعر أهل العراق:
جاؤوا بشيخهم وجئنا بالجزل ... شيخا إذا ما عاين الموت نزل
فقتل الجزل، ثم بعث إليه عثمان بن قطن الحارثي فقتله شبيب، ثم بعث إليه طهمان مولى آل عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية.
وقال غير الهيثم: هو مولى عثمان وكان على فرس للحجاج فشد عليه شبيب وهو يظنه الحجاج فقتله.
ثم بعث إليه أبا الورد مولاه فقتله ثم بعث إليه زياد بن عمرو العتكي فصابره يوما وليلة ثم انهزم زياد، ومع زياد يومئذ النضر بن القعقاع بن شور الذهلي. فلما رآه شبيب منهزما كف عن جري فرسه ليد كانت لأبيه عنده، ثم قال: أيا نضر، لا حكم إلا الله، قلها لتنجو، فقال الخوارج: أتعصبا في دين الله؟ قال: لا، ثم حمل على النضر فقتله.
ثم بعث إليه محمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله فقتله شبيب، ثم بعث إليه أبا الضريس مولى تميم فقتله.
ومكث شبيب أربع سنين، ثم ضرب الحجاج البعث على أهل الكوفة، وخرج حتى عسكر بالسبخة، وجعل شبيب يتنقل فيما بين السواد والجبل، وبعث إليه الحجاج عبد الله بن زميت فما شعر الحجاج وهو في عسكره بالسبخة إلا وقد أقبل شبيب، وقد سبق أصحابه في ثلاثين فارسا، ففرقهم في نواحي عسكر الحجاج ثم حكموا، فانذعر الناس ودخل عامتهم الكوفة، وقتل من أصحاب الحجاج نحو من مائة وثلاثين، ولم يقتل من أصحاب شبيب إلا رجلان.

(3/32)


ثم انصرف شبيب فلقي أصحابه على الطريق فردهم، ثم أقبل فأتى الفلوجة فأقام بها خمس عشرة ليلة، ثم أتى كوثى، فبعث إليه الحجاج علقمة، بن عبد الرحمن الحكمي فكسره ثم انحاز إلى الأنبار وكتب الحجاج إلى عبد الملك: الغوث الغوث يا أمير المؤمنين، وجه إلي أهل الشام فإنه لا غناء عند أهل الكوفة. فبعث إليه أربعة آلاف رجل فقدموا عليه وشبيب بالأنبار، فقال شبيب: لنذعرن ابن أبي رغال. فأقبل وقد قرط فرسه عنانه، وقرط الخوارج خيلهم أعنتها حتى دخلوا الكوفة ليلا بعدما صليت العشاء الأخيرة ومعه مائة وخمسون رجلا، ومعه جهيزة امرأته وغزالة أمه وكانت من سبي أصبهان، وفي المسجد أصحاب الأساطين والبرانس يصلون والأحراس في السكك، فقال شبيب لأصحابه: ليقم على كل باب رجلان فلا يمر بهما أحد إلا قتلاه، وقال لأمه وامرأته: اقعدا على المنبر لا تصبكما معرة.
ثم اعترض من في المسجد فقتلوا، وقتل أصحابه من شد فأراد الخروج وقتل أبو سليم، وهو أبو ليث بن أبي سليم المحدث في عدة من النساك.
وطلب حوشب بن يزيد فاستخفى، واخذ ميمون مولى حوشب بن يزيد بن رويم الشيباني، وكان حوشب يومئذ على الشرطة والاستخراج، وميمون خليفته على الاستخراج وطلب حوشبا فلزم منزله ولم يبرح، وجعل أصحاب شبيب يضربون باب القصر ويقولون: يا عدو الله، يا ابن أبي رغال، يا أخا ثمود، أخرج. ففي ذلك يقول وصيلة بن عتبان الشيباني:
لعمري لقد نادى شبيب وصحبه ... على الباب لو أن الأمير يجيب
فأبلغ أمير المؤمنين رسالة ... وذو النصح لو تصغي إليه قريب
أتذكر إذ دارت عليك رماحنا ... بمسكن والكلبي ثم غريب
فلا صلح ما دامت منابر أرضنا ... يقوم عليها من ثقيف خطيب
فإنك إلا ترض بكر بن وائل ... يكن لك يوم بالعراق عصيب
فلا ضير إن كانت قريش عدي لنا ... يصيبون منا مرة ونصيب
فإن يك منهم كان مروان وابنه ... وعمرو، ومنهم هاشم، وحبيب
فمنا سويد والبطين وقعنب ... ومنا أمير المؤمنين شبيب
غزالة ذات النذر منا حميدة ... لها في سهام المسلمين نصيب
يقال إنها نذرت أن تصعد منبر الكوفة.
ومنا سنان الموت وابن عويمر ... ومرة فانظر أي ذاك تعيب
فقال عبد الملك: كلهم والله عيب.
فلما طلع الفجر قال شبيب لبعض أصحابه: أذن، فأذن وأقام، وتقدم شبيب فصلى بهم الغداة وقرأ بهم بسورة البقرة وآل عمران حتى كادت الشمس تطلع، ثم جلس وسط المسجد ساعة وأقبلت الخيول فقال لأصحابه: اركبوا. ونادى منادي الحجاج: يا خيل الله اركبي. وأقبل الناس فجالدهم شبيب وأصحابه في المسجد ثم خرج شبيب وأصحابه واتبعه الناس واضطربوا في موضع السوق ساعة ثم زاحفهم الحجاج في أربعة آلاف من أهل الشام وقال: لا يخرجن من أهل الكوفة أحد إلا خالد بن عتاب بن ورقاء فإنه ثائر بأبيه، وغير جهم بن زحر بن قيس.
وكان الحجاج أشد الناس انقطاعا في الحرب إنما كان مولاه أبو كعب هو الذي يأمر وينهى، فصابرهم شبيب وأصحابه يومهم الأطول في السبخة، وكان قتيبة يومئذ مع الحجاج، وأحجم الناس عن شبيب، وعلا شبيب مزبلة كانت هناك يشرف منها على الكوفة فجالدوه حتى أزالوه عنها، وصاروا جميعا بالأرض فتقاتلوا حتى كثرت الجراح في الفريقين، وولى شبيب وأصحابه منهزمين واتبعهم علقمة بن عبد الرحمن الحكمي وأصحابه حتى انتهوا إلى القرب من دار الرزق، وخرج شبيب من وجهه إلى الأنبار، فقال عبد الواحد الأزدي من الخوارج:
يا ليتني في الخيل وهي تدوسهم ... في السوق يوم الظفر بالحجاج
بأخي ثمود وقرب ما أخطانه ... ولقد بلغن العذر في الإدلاج
أصبحن بالأنبار ثم أتينه ... مثل السعالي تحت ليل داج
فبطحن ميمون العذاب لوجهه ... وتركنه متقطع الأوداج
ولقد تخطأت المنايا حوشبا ... فنجا إلى أجل وليس بناج
وقال أسامة بن زيد الأحمسي: وقال بعضهم الأبيات لعمران بن حطان. فطلبه الحجاج فهرب إلى الشام:
صدعت غزالة قلبه بكتيبة ... تركت شراسته كأمس الدابر

(3/33)


أسد علي وفي الحروب نعامة ... خرجاء تنفر من صفير الصافر
هلا خرجت إلى غزالة في الوغى ... بل كان قلبك في جوانح طائر
ألق السلاح وخذ وشاحي معصر ... واعمد لمنزلة الجبان الكافر
فقال الحجاج: لا أمان له عندي.
وكان شبيب أصاب بجوخى رمكة عليها رجلا من أصحابه وقال: اركبها حتى يقسم ثمنها، فبلغ ذلك خوارج الكوفة فركب إليه مسلم بن أبي الجعد، أخو سالم بن أبي الجعد الاشجعي، ودجاجة الحنفي، وكانا من رؤوس الخوارج حتى أتياه وهو بالأنبار فقالا: أعطيت مسلما الغلول، ما كان هذا من سيرة من مضى من المسلمين. فقال: إنما أعطيته إياها ليركبها ثم نقسم قيمتها. قالا: فلو نفقت، فتب فكره أن يتوب فيخلع. فبرئ منه مسلم ودجاجة.
وبعث الحجاج إلى شبيب علقمة بن عبد الرحمن الحكمي وأمره بطلبه، فلحقه واقتتلا يوما وليلة ثم ولى شبيب منهزما فكان وجهه بادرايا وباكسايا، ثم توجه منها إلى الأهواز.
ووجه الحجاج في طلبه سفيان بن الأبرد الكلبي فطلبه حتى بلغ إلى دجيل الأهواز، فأقبل شبيب نحوه وسفيان في ألفي رجل، فلما ذهب ليجوز إلى سفيان أمر سفيان بقطع جسر دجيل فاستدارت به السفن فغرق، فاستخرجه سفيان بالشباك فاحتز رأسه، وقتلت أمه وامرأته وعدة من أصحابه، وانصرفت فرقة منهم إلى الجزيرة وتفرقت فرقة في السواد.
قال الهيثم: فأخبرني مخبر عن ابن عياش أنه حارب سفيان حتى حجز المساء بينهما، فلما عاد سفيان إلى معسكره قال شبيب لأصحابه: اعبروا بنا، فعبر فتحصن فرسه فسقط في دجيل فقال أصحابه: غرق أمير المؤمنين.
ويقال: بل قطع الجسر قوم من بني بكر بن وائل وكانوا قد تبرأوا منه لما فعل بالرمكة التي حمل عليها صاحبه.
ويقال إنه لم يكن لهم هزيمة إلا على الجسر، فقطعه سفيان، فغرق شبيب ومن كان على الجسر. وقال أيمن بن خريم في قصيدة له:
رأيت غزالة إذ طرحت ... بمكة هودجها والغبيطا
سمت للعراقين في سومها ... فلاقى العراقان منها أطيطا
أبى الجبناء من أهل العراق ... على الله في الحرب إلا قسوطا
أيهزمهم مائتا فارس ... من السافكين الدماء العبيطا
وخمسون من مارقات النساء ... يجررن للمبديات المروطا
في قصيدة طويلة.
وقال أعشى بن أبي ربيعة:
صب أبو يحيى على كل مارق ... كما صب بزيار على صيده صقرا
ألا انظر هداك الله في شأن حاجتي ... فمثلك أعطى الخير واحتسب الأجر
وقال المدائني: دخل شبي الكوفة ثلاث مرات، واجتمع له ستمائة رجل فأتى منبج وذعر أهل الشام، وأتى أرمينية.
ورثى الفرزدق محمد بن موسى بن طلحة فقال:
وإذا ذكرتك يا بن موسى أسبلت ... عيني بدمع دائم الهملان
ما كنت أبكي الهالكين لفقدهم ... ولقد بكيت وعز ما أبكاني
وقال أعشى همدان:
أعيني ما بعد ابن موسى ذخيرة ... فجودوا إذا أبعدتما الدمع بالدم
قال: وولى الخوارج بعد شبيب: البطين، فغلب على سوق الأهواز فسار سفيان إلى البطين فقاتله أياما فطلب أصحابه الأمان فأمنهم وتفرقوا، وهرب البطين فظفر به الحجاج بعد ذلك فقتله في دار قومه فقال جرير:
قد نصر الحجاج والله نصر ... أخزى شبيبا والبطين إذ كفر
وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: لما صعدت غزالة منبر الكوفة قال أيمن بن خريم بن فاتك الأسدي:
أبى الجبناء من أهل العراق ... على الله والناس إلا قسوطا
أيهزمهم مئتا فارس ... من السافكين الدماء العبيطا
وخمسون من مارقات النساء ... يجررن للمبديات المروطا
وهم مائتا ألف ذي قونس ... يئط العراقان منها أطيطا
رأيت غزالة إذ طرحت ... بمكة هودجها والغبيطا
سمت للعراقين في سومها ... فلاقى العراقان منها البطيطا
ألا يتقي الله أهل العراق ... إذا قلدوا الغانيات السموطا
وخيل غزالة تعتامهم ... فتقتل من كان منهم وسيطا

(3/34)


وخيل غزالة تحوي النهاب ... وتسبي السبايا وتجبي النبيطا
وتحجرهم في حجال النساء ... كما تحجر الحية العضر فوطا
وقد قال أهل الوفاء اهبطوا ... نقاتل فلم يستطيعوا هبوطا
من الغش إما شقاق الأمير ... وإما نفاقا وإما قنوطا
ولكنهم يمنعون الفرار ... إذا ما غزالة غطت غطيطا
كأنهم في الصعود الكؤود ... نعام نوافر لاقت حطوطا
أقامت غزالة سوق الضراب ... لأهل العراقين حولا قميطا
وأنتم دبا الأرض عند العطاء ... وفي الحرب تأبون إلا شطوطا
أهابوا غزالة أم قد رضوا ... غزالة إذ خالطوها خليطا
في أبيات.
وقال عبيدة: قال حبيب بن حدرة في قتل عتاب بن ورقاء:
ألوت لعتاب شوزاب خيلنا ... ثم انثنت لكتائب الحجاج
لأخي ثمود فربما أخطأنه ... ولقد بلغن العذر في الإدلاج
حتى تركن أخا الضلال مسهدا ... متمنعا بحوائط ورتاج
ولعمر أم العبد لو أدركنه ... لسقينه صرفا بغير مزاج
ولقد تخطأت المنايا حوشبا ... فنجا إلى أجل وليس بناج
قال أبو عبيدة: وجه عبد الملك بن مروان محمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله أميرا على سجستان، فمر بالكوفة فقال له الحجاج: إن هذا المارق قد افسد البلاد وأخاف السبل وهو بالأهواز، فقاتله لعل الله يظفرك به فيكون أجر ذلك وذخره لك، ثم تسير إلى عملك.
فمضى محمد إلى الأهواز وسار إلى شبيب فقال له شبيب: لا يغرنك هذا العبد من نفسك، فامض لشأنك وما بعثت له، فأبى إلا مباركته بالقتال فقال شبيب: لا يدعه صلفة وعجبه حتى يحارب.
فأمر البطين بالخروج إليه فخرج، فقال له: قل لشبيب فليبارزني، فبرز له شبيب فتجاولا ساعة لا يقدر أحدهما على صاحبه، ثم إن محمدا غفل غفلة فضربه شبيب بعمود على بيضته فهشم رأسه في البيضة، وانهزم عسكر محمد، وأمر شبيب بالكف عنهم. فقال الفرزدق يرثي محمد بن موسى:
نام الخلي وما أغمض ساعة ... أرقا وهاج الشوق لي أحزاني
فإذا ذكرتك يا بن موسى أسبلت ... عيني بدمع دائم الهملان
ما كنت أبكي الهالكين لفقدهم ... ولقد بكيت وعز ما أبكاني
لا حي بعدك يا بن موسى فيهم ... يرجونه لنوائب الحدثان
أودى ابن موسى والمكارم والندى ... والعز عند تحفظ السلطان
جمع ابن موسى والمكارم والندى ... في القبر بين سبائب الكتان
ما كان فيهم بعد طلحة مثله ... للسائلين ولا ليوم طعان
ولئن جيادك يا بن موسى أصبحت ... ملس الظهور يجعلن في الأشطان
لبما تقاد إلى العدو ضوامرا ... جردا مجنبة مع الركبان
وقال الفرزدق:
أعيني ما بعد ابن موسى ذخيرة ... فجودا إذا أنفدتما الدمع بالدم
وهيجا إذا نام الخلي وأسعدا ... عليه بنوح منكما كل مأتم
كريم رأى أن الحياة قليلة ... وأن المنايا ترتقي كل سلم
في أبيات.
وقال رجل من بجيلة:
قتلنا شبيبا واستلبنا عقابه ... وأفلتنا فوت الرماح بطين
وقال بعض بني عذرة:
لاقيت منا يا شبيب خادرا ... وفتية يهدرن موتا حاضرا
يجزى إليك رائحا وباكرا ... ضربا هذاذيك وموتا فاقرا
حدثني أبو مسعود القتات عن ابن كناسة عن أبيه، أن قوما من الخوارج تجمعوا والحجاج بواسط، وعلى شرطة الكوفة حوشب بن يزيد بن رويم الشيباني، ودخلوا الكوفة فأخذوا على أهلها بأفواه السكك مما يلي الحيرة، فقال إياس بن حصين بن زياد بن عقفان بن سويد بن خالد بن أسامة بن العنبر بن يربوع بن حنظلة، لبنيه وقومه: ليخرج إلى هؤلاء الخوارج عدتهم منكم. فخرجوا فقتلوا الخوارج إلا من هرب منهم، وبلغ الخبر الحجاج ففرض لهم في ثلاثمائة. فقال:

(3/35)


ما في ثلاث ما يجهزن غازيا ... ولا في ثلاث متعة لفقير
فقال الحجاج: افرضوا له في شرف العطاء، ففرضوا له في ألفين.
؟أمر أبي زياد المرادي
قال الهيثم: لما قتل شبيب خرج أبو زياد، وهو رجل من مراد، وكان بنهر الملك من السواد فخرج بجوخى، وكان الجراح بن عبد الله الحكمي يومئذ ببابل والفلوجتين، فبعثه الحجاج على محاربته في ثمانمائة فلما تواقفا قال الجراح لأصحابه: الأرض. فقال أبو زياد: نحن والله أولى بالأرض والصبر منكم يا فسقة، فعرقبت الخوارج دوابهم، فلما رأى الجراح ذلك قال لأصحابه: موتوا يا بني الحرائر، ثم شدوا عليهم فقتلوهم جميعا. وتمثل الجراح:
قالوا الركوب فقلنا تلك عادتنا ... أو النزول فإنا معشر نزل
أمر أبي معبد الشني من عبد القيس
قالوا: ثم خرج بعد أبي زياد المرادي رجل من عبد القيس يقال له أبو معبد، قدم من ناحية البحرين، وكان خروجه بموقوع، فبعث إليه الحكم بن أيوب خليفة الحجاج على البصرة الشرط فقتل هو وأصحابه.
قال أبو الحسن المدائني: يقال كان خروج أبي معبد في أيام عبد الملك، ويقال في أيام الوليد بن عبد الملك.
وقال أبو الحسن المدائني: قال بعض الشرط: ما لنا والخوارج؟ فقال له بعضهم: وما لنا لا نقاتلهم؟ أليست أعطياتنا دارة علينا؟ فقال عمران بن حطان:
فلو بعثت بعض اليهود عليهم ... يؤمهم أو بعض من تنصرا
لقالوا رضينا إن أقمت عطاءنا ... وأجريت ذاك الفرض من بر كسكرا
خبر المصل الطائي
قال الهيثم بن عدي: لما هرب الناس من الحجاج أيام الجماجم، تجمع ناس من الخوارج بالفلوجة، فقال رجل من جديلة طيء يقال له المصل: لولا مكان ابنتي هذه لسريت إلى سيف بن هانئ وكان سيف على جوخى وجولايا في رابطه أعدوا للخوارج تدفعهم عن الناس، فقال له رجل من الخوارج: هي مع بناتي لا يسعني بيتي ويعجز عنها.
قال: فاشترى حمارا، وأعطي نفقته، فخرج إلى راذان فرآه سيف في الصف الأول وعليه أطمار فاستراب به فقال لأصحابه: خذوه حتى أصلي. وفتش فوجد معه خنجر فضرب سيف عنقه وصلبه. ولما قدم للقتل قال: الحمد لله لا حكم إلا لله ثم أنشد:
يا لهف نفسي على سيف وشيعته ... لو كنت ألحقت سيفا بالخبيثينا
أبرا إلى الله من سيف وشيعته ... ومن علي ومن أصحاب صفينا
ومن معاوية الغاوي وشيعته ... أخزى إله الورى تلك العتانينا
خبر خارجي من عبد القيس بالبحرين
قال علي بن محمد أبو الحسن المدائني: خرج رجل من بني محارب ن عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس بالبحرين على محمد بن صعصعة، في سنة ثمان وسبعين، قبل أن يقتل قطري، فكتب الحجاج إلى عبد الملك: إن قطريا قد شغل من قبلي من المقاتلة، فإن رأى أمير المؤمنين أن يكتب إلى إبراهيم بن عربي في أمر هذا الخارجي، فكتب إلى إبراهيم وهو باليمامة: أن سر إلى البحرين، فإن ظفرت بالمحاربي فلا تقتله وأحسن إليه، واحفظ له بلاءه، عند أمير المؤمنين مروان، فإنه لجأ إليهم يوم الجمل، ثم تحول إلى بني هميم.
فخرج إبراهيم إلى البحرين في ألفين فهزم الخوارج وتفرقوا، ورجع إبراهيم إلى اليمامة.
أمر الريان النكري
قال أبو الحسن: وخرج بعد هذا المحاربي على محمد بن صعصعة الكلابي: ريان النكري، نكرة بني لكيز بن أفصى سنة سبع وسبعين على فراسخ من سوق الخط. وقدم ميمون الخارجي من عمان في أصحابه فنزلوا دارين، فكتب إليه الريان أن أقبل إلي. فصار ميمون إلى الزارة، وأتاه الريان، فندب محمد بن صعصعة الناس، فأبطأ عنه العبديون، وأتاه قوم من أهل الخط فوجه إلى الخوارج رجلا من الأزد. ويقال وجه إليهم عبد الله بن عبد الملك العوذي، فهزمهم الخوارج وقتلوا أميرهم، ورجع الفل إلى محمد بن صعصعة، فخافهم محمد ولم يكن معهم جند سواهم.
وخذله العبديون فخرج من البحرين، وأقام ميمون بالبحرين أربعين يوما، ثم انصرف إلى عمان، وأقام الريان بالزارة.

(3/36)


وبلغ الحجاج الخبر فبعث يزيد بن أبي كبشة السكسكي وهو يزيد بن حيويل بن يسار بن حي بن قرط بن شبل بن المقلد، مددا لمحمد بن صعصعة، فسار يزيد وقدم محمد على الحجاج فهم بقتله فقال: إن الناس خذلوني ولم يكن معي أحد من أهل الشام، وانهزم من وجهت إلى الخوارج وفروا عن أميرهم حتى قتل، فحبسه في السجن حتى مات.
وقدم يزيد بن أبي كبشة البحرين في اثني عشر ألفا، وكان الريان في ألف وخمسمائة فالتقوا، وقتل الريان وهزم أصحابه، وأسر منهم أسرى فقتلهم يزيد وصلبهم، وصلب الريان، وكتب إلى الحجاج زياد بن الربيع بن زياد على البحرين، وقدم ابن أبي كبشة والشاميون على الحجاج.
أمر داود بن محرز العبقسي
قال أبو الحسن: وخرج داود بن محرز أحد بني عبد القيس ومعه جماعة، فأنزلوا الريان وأصحابه ودفنوهم وأعانهم أهل البحرين على إنزالهم ودفنهم، ثم أقام داود بالقطيف فلقيه أبو الفضل خليفة أبي البهاء صاحب الشرطة فهزم داود أبو الفضل خليفة أبي البهاء صاحب الشرطة فهزم داود أبا الفضل، فخرج إليهم أبو الحر عبد الرحمن بن النعمان العوذي، من الأزد ثم من بني عوذ بن مسود بن الحجر بن عمران، أخوة زهران بن الحجر، فقاتلهم في سوق القطيف في موقف الإبل وهو يرعى المراغة، فعقر بعبد الرحمن فحماه ابن عمه عنبسة بن عبد الرحمن، وتحاجزوا فلما أصبحوا اجتمع الناس وكثروا فقتل الخوارج.
وكان أهل بيت عبد الرحمن قوم لهم نية في قتل الخوارج فقد لقوهم مرارا، فقال أبو البهاء في فرار خليفته:
لولا أبو الحر ولولا عنبسة ... أودى أبو الفضل وخلى الطنفسه
ولي حثيثا وهو يغزو الكعنشه ... إذ كثرت تحت السيوف الوسوسة
وغضب الحجاج على أهل البحرين، وأخذ عم عبد الله بن سوار العبدي وكان يقال له عميرة بن حصين، وقال: لعن الله عبد القيس قبيلتك فإنما أنت لص أو خارجي أو نصراني فمر به زاني فقطع يده، وأخذ يزيد بن الفضل فحبسه في قصر المسيرين.
وذكر بشر بن عاصم الليثي الخوارج فشتمهم، فسمعه رجل منهم، فمكث أياما ثم أتاه فقال له: أصب لي سيفا قاطعا.
وكان لبشر غلام صيقلي، ويقال عدة غلمان صياقلة، فاشترى له من بعضهم سيفا فتناوله الخارجي وهزه ثم قال لبشر: كيف ترى هذا في هامة الشيخ الكافر؟ فوقع في نفس بشر إنه أراده لعيبه الخوارج وشتمه إياهم. فقال: أرى فيه شيئا يحتاج إلى إصلاحه فناولنيه. فلما أخذه أدخله في غمده ودخل البيت هاربا من الخارجي، ثم ألقى إليه بسيفه فأخذه الخارجي وقال: أولى لك، وحكم على الناس وهو يقول:
وأبيض من سر الحديدة صارم ... يخبره الليثي بشر بن عاصم
أقود جياد الخيل قبا بطونها ... أرجي ثواب الله يوم التخاصم
إلى ابن زياد خيب الله سعيه ... إلى شر وال من معد وحاكم
خبر الخطار النمري
من النمر بن قاسط
قالوا: وخرج الخطار النمري، وكان نصرانيا فأسلم، ودعته الخوارج فأجابها، وخرج على سفيان بن هانئ الهمداني، فحاربه سفيان فقتله وأصحابه، فقال سلامة بن عامر القشيري:
ألا خبراني بارك الله فيكما ... متى العهد بالخطار يا فتيان
يذكرني الخطار كل منطق ... يجول به عند اللقاء حصان
فيا حزني ألا أكون شهدته ... بزاذان والخيلان تصطفقان
فتى لا يرى نوم العشاء غنيمة ... ولا ينثني من رهبة الحدثان
فما طمعت عيناي نوما للذة ... وما زالتا من ذكره تكفان
خبر داود بن النعمان العبدي
قالوا: كان داود بن النعمان أحد بني أنمار بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس بن أفصى بن دعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة، عابدا مجتهدا، وكان يقول لأصحابه: إني مللت الدنيا والمقام في دار الكفر مع الظلمة الكفرة، وقد انقطع العذر. فقال له أصحابه: فما يمنعك من الخروج؟ قال: مكان أبي بهذه البلاد.

(3/37)


ثم حج ورجع فقال لأصحابه: اخرجوا بنا إلى البصرة فإن لنا بها إخوانا، فأجابه أربعون رجلا. وبلغ أباه أمره فقال: يا بني إني أخاف أن يشفي بك أمرك هذا على أمر يفسد دينك ودنياك فاتق الله وانظر لنفسك فإن الناس قد اختلفوا، فقال: يا أبت فإن الله أكرم من أن يضل طالبه. فقال: يا بني إن لي مالا كثيرا عينا قد ذخرته لك، قال: لا حاجة لي فيه، إن الله يقول: " واللذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله " الآية.
فقال: يا بني. إني أصرم نخل أربعة آلاف جريب. فقال: يا أبت إن في حائطك بعوضا وأنا أريد حائطا لا بعوض فيه.
ثم خرج ومعه أخته، وخرج معه أربعون رجلا، فودعه أبوه وهو يبكي، فقدم البصرة فأقام بها حتى فرغ من جهازه، ولقي من أراد، ثم خرج إلى موقوع سنة ست وثمانين فوجه إليه الحكم بن أيوب عبد الملك بن المهلب.
وقال قوم: كان الحكم غائبا عن البصرة وخليفته عبد الملك بن المهلب، فوجه إليهم عبد الملك: عبد الله بن كرمان الجهضمي، فالتقوا فقال داود لأخته: تقدمي فإني أخاف أن تبقي بعدي فتسبين وتسرقين، فتقدمت فقاتلت فقتلت، وقتل أصحابه وبقي وحده وأحاطوا به قرب البلد وألجأوه إلى حائط ثم رموه بالنبل وطعنه رجل وقال: ذق بما قدمت يداك فقال: ويحك، حر النار أشد من هذا، ومات فقال زياد الأعسم:
سقى الله أجسادا تلوح عظامها ... بفرضة موقوع سحابا غواديا
فإن يك داود مضى لسبيله ... فقد كان ذا شوق إلى الله تاليا
وقد كان ذا أهل ومال وغبطة ... وكان لما يغني من العيش قاليا
كأن الفتى داود لم يكن فيكم ... ولم نره يوما من الصوم باليا
أقيم على الدنيا كأني لا أرى ... زوالا لها أو أحسب العيش باقيا
وقال سعيد المرادي:
ألا يا في سبيل الله شالت ... بداود وإخوته الجذوع
مضوا قتلا وتشريدا وصلبا ... تظل عليهم طير وقوع
إذا ما الليل أظلم كابدوه ... فأسفر عنهم وهم ركوع
يعالون النحيب إليه شوقا ... وإن خفضوا فربهم سميع
قال أبو الحسن: يقال أن داود قتل في أول سنة ست وثمانين قبل موت عبد الملك، ويقال إنه قتل في أيام الوليد بن عبد الملك في سنة سبع وثمانين.
وقال أبو الحسن: كان داود بالبصرة فكان يأتي سوق الإبل فينادي: لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا، إنكم لفي أمر مريح. ثم يقول: مكذبين ورب الكعبة.
وطلب فرسا فقيل له: لا تشتره فإن بظهر شامة ولم يكن بظهر الفرس شامة إلا قتل فارسه: فقال: وكيف لي بالقتل؟ لقد رغبتموني فيه، فاشتراه.
أمر مطر بن عمران بن شور
وهو ابن أخي القعقاع بن شور الذهلي.
قال الهيثم بن عدي : خرج على محمد بن مروان، وهو والي الجزيرة والموصل مطر بن عمران بالموصل، فقتله خيل الموصل، وعليها ثوبان الحضرمي، وقد انحاز إلى باجرمى، فقتل بباجرمى وبعث ثوبان بأسراء من أصحابه إلى الحجاج فقتلهم، وكانوا يكرهون أن يقتلوا خارجيا بالجزيرة والشام مخافة أن تتخذ الخوارج ما هناك دار هجرة.
وقال المدائني: خرج مطر قبل خروج صالح بن مسرح، فقتلته خيل محمد بن مروان بناحية باجرمى أو بدقوقا من أرض الموصل، فبلغ امرأته خبره وكان أهلها منعوها من الخروج فماتت أسفا، فقال الجعد بن أبي ضمام الدوسي:
أرى مطرا قد باع لله نفسه ... بما ظل يعطى للشراة ويوعد
فأصبح قد نال الكرامة كلها ... بما كان يسعى في بغاها ويجهد
فإن يك قد لاقى مقادير قومه ... فقد بان منا الخاشع المتعبد
في قصيدة.
وقال محمد بن دثار:
على حميد صلوات الأبرار ... ومطرا فاغفر له يا غفار
قد كان صواما طويل الأسحار
قال: وخرج على محمد في أيام عبد الملك خارجي يقال له: سكين المجملي، فوجه إليه قائدا من أهل الجزيرة فحاربه فاسره وأتى به محمدا، فبعث به إلى الحجاج ليقتله. فقال له: أجمعت القرآن؟ فقال: أو كان متفرقا فأجمعه ولكني أقرأه وأحفظه. قال: ما تقول في أمير المؤمنين؟

(3/38)


قال: ومن أمير المؤمنين؟ قال: عبد الملك! قال: لعنة الله عليه وعليك معه. قال: إنك مقتول. قال: إذا ألقى الله بعملي وتلقاه بدمي. فأمر الحجاج به فقتله وصلبه.
قال الهيثم: وكان باليمامة رجل يكنى أبا الحريرة من بني حنيفة، وكان متعبدا، فرأى قوما يكلمون امرأة فقال: ما هذا؟ قالوا: إنا اكتريناها نهارا وليلا. فقال: هبكم اكتريتمونها نهارا لخدمة فما بال الليلة؟ قالوا: ننكحها. ثم عمد إلى سيف له ثم هجم على القوم وهم سبعة عشر رجلا وقال: " إما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين " .
فأخذوا سلاحهم وقاتلهم فقتلهم ثم حكم بسوق حجر فقتل عدة، ثم قتل.
أمر جواز الضبي
قال الهيثم: أتى جواز الضبي الشام، وكان رؤساء الخوارج، مع من شهد حصار ابن الزبير وكان هاربا من الحجاج، فنزل بالشام على عبد الله بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، وكانوا يضيفون من يعرفون ومن لا يعرفون، وكان عبد الله بن يزيد، وروح بن زنباع، أكرم من بالشام إضافة، وكانا يتعديان مع عبد الملك ويتعشيان، فإذا انصرفا دعوا بطرف ما عندهما فأكلاه مع أضيافهما.
وكتب الحجاج إلى عبد الملك يعظم فيه أمر الخلافة، ويذكر أن الخليفة أعظم منزلة عند الله من الملائكة المقربين لأنه جعل آدم خليفته، ثم أمر الملائكة بالسجود له، وجعله رسلا عليه.
فحسن موقع ذلك من عبد الملك وأعجبه وازدهاه، فقال: وددت أن عندي بعض الخوارج فأخاصمه بكتاب الحجاج، فلما انصرف عبد الله بن يزيد حدث أضيافه بما كان، فقال له جواز: توثق لي منه ثم أعلمني. فراح إليه فتوثق له ثم أعلمه ذلك، فلما أصبح جواز اغتسل وتحنط ولبس ثوبين أبيضيين، وأدخله إلى عبد الملك فدعا بكتاب الحجاج فقال: اقرأه. فقال جواز: جعلك: مرة ملكا، ومرة نبيا، ومرة خليفة، فإن كنت ملكا فخبرنا متى نزلت، وإن كنت نبيا فأعلمنا متى نبئت، وإن كنت خليفة فأعلمنا أعن ملأ من المسلمين استخلفت أم عن ابتزاز لأمورهم؟ وكان أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد حاضرا فقال: هو الله منهم. فقال جواز: يا أمية لو كنت منهم عرفتني يوم أبي فديك حين هزمك.
فقال عبد الملك: قد أعطيناك عهدا وموثقا فلا سبيل لنا إلى قتلك، ولكنك والله لا تساكني في بلد، إلحق بحيث شئت. قال: فإني أختار مصر، فنزل مصر وأتى المغرب فأفسد أهله، وكان يرى رأي الصفرية.
فلما مات عبد الملك كتب الحجاج إلى الوليد: إن ذمة أمير المؤمنين عبد الملك قد وفت ولا أمان لعدو الله جواز الضبي، فإن رأى أمير المؤمنين أن يبعث إلي به، وكانت بنو أمية لا تقتل خارجيا بالشام والجزيرة لئلا يتخذ دار هجرة.
فكتب الوليد إلى قرة بن شريك: أن ابعث إلي بجواز الضبي فبعث به إليه، فلما دخل عليه قال: انطلقا به إلى الحجاج، فقال: إني في أمان أبيك وذمته. قال: لا بد من الحجاج، فقال: مثلك والله أخفر أباه، واستخف بذمته وأخفرها.
فلما قدم به على الحجاج قال: بلغ من أمرك يا جواز أن ترد على أمير المؤمنين؟ قال: " اقض ما أنت قاض غنما تقضي هذه الحياة الدنيا " .
وكان صالح بن عبد الرحمن الكاتب السجستاني عدوا ليزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج، وكان جبلة أخو صالح خارجيا، فدعا صالحا فأدخله في رأيه، فأشار على الحجاج أن يأمر صالحا بقتل جواز، فقال له: يا صالح قم فاقتله، قال صالح: فأردت أن أطرح السيف ثم خفت الحجاج أن يسبي بناتي فقتلته، ثم لم يزل خائفا من الخوارج.
فلما عذبه عمر بن هبيرة أيام يزيد بن عبد الملك وطرح على مزبلة على باب دار العذاب وبه رمق، كان وهو على المزبلة يقول: لا حكم إلا الله، استغفر الله من قتل جواز، اللهم اغفر لي ولا أراك فاعلا.
وقال بعض الخوارج:
لا بارك الله في قوم أجاز لهم ... حكامهم أن أصابوا المرء جوازا
إن يقتلوه فما فازوا بمقتله ... وقد أصاب الذي رجى وقد فازا
وقال ابن الكلبي: خرج سكين أحد بني محلم بن ذهل بن شيبان بدارا، فأصابته خيل محمد بن مروان، وهو يلي الجزيرة، فبعث به إلى الحجاج، فكلمه كلاما شديدا، فضرب الحجاج عنقه.

(3/39)


وقال سليمان بن عبد الملك لأبي حازم الأعرج وهو بالمدينة يريد الحج: ما بالنا نكره الموت؟ قال: لأنكم أخربتم آخرتكم، وعمرتم دنياكم، فكرهتم أن تنقلوا من العمران إلى الخراب.
وقال أبو حازم لسليمان - وقال له لم لا تأتينا؟ - : إن الأمراء كانت تأتي العلماء رغبة فيما عندهم، فقد صار العلماء يأتون الأمراء فسقطوا من أعين الناس. فقال الزهري: إياي تعني يا أبا حازم - وذلك أنه كان عند سليمان - فقال: ما تعمدتك ولكنه ما تسمع.
وقال سليمان: يا أبا حازم، أي الناس أكرم على الله؟ فقال: أهل المروءة والنهى، قال: فأيهم أكيس؟ قال: رجل عمل بطاعة الله ودل الناس عليها. قال: فكيف نحن يا ليت شعري؟ قال: اعرض عملك على كتاب الله تعلم ذلك. فبعث سليمان إليه بصلة فلم يقبلها.
أمر الوليد بن عبد الملك بن مروان
أم الوليد: ولادة بنت العباس بن جزي بن الحارث بن زهير بن جذيمة بن رواحة بن ربيعة بن مازن بن الحارث بن قطيعة بن عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس، وأم ولادة سوداء.
قال القعقعاع بن خليد بن جزي للعباس: غششت أمير المؤمنين يا عدو الله حين زوجته ابنة السوداء. وكانت عند الوليد نفيسة بنت زيد بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وأمها لبابة بنت عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، فتوفيت وهو حامل فجعل ولدها يركض في بطنها. فهم الوليد أن يبقر بطنها، حرصا على أن يكون له منها ولد يبقى بعده، فلم يفعل.
وكانت عند الوليد: آمنة بنت سعيد بن العاص، ثم تزوجها خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص. وأم البنين بنت عبد العزيز بن مروان، وأمها ليلى بنت سهيل بن عامر من بني جعفر بن كلاب. وأم عبد الله بنت عبد الله بن عمرو بن عثمان، وهي أم عبد الرحمن. وامرأة من بني فزارة وهو أم أبي عبيدة. وعاتكة بنت عبد الله بن مطيع.
قال المدائني: كان الوليد تزوج في خلافته ثلاثا وستين امرأة، فكان يطلق الثلاث والاثنتين والواحدة، فقالت عاتكة بنت عبد الله بن مطيع لما تزوجها: إنا اشترطنا على الحمالين الرجعة فما رأيك؟ قال: أقيمي.فصبر عليها أربعة أشهر ثم طلقها، فولد الوليد بن عبد الملك: عبد العزيز، ومروان، وعنبسة، ومحمد، أمهم أم البنين بنت عبد العزيز، وأمها ليلى بنت سهيل بن حنظلة بن طفل بن مالك بن جعفر بن كلاب. وعبد الرحمن أمه أم عبد الله بنت عبد الله بن عمر بن عثمان بن عفان.
والعباس كان أكبرهم وبه كان يكنى الوليد.
ويزيد، وإبراهيم، وروحا، وبشر، ومبشر، وصدقة، ومسرورا، وعمر، ومسلمة، وخالدا، وتماما، وجزي، ويحيى، ومنصور لأمهات أولاد شتى.
وأبا عبيدة أمه من ولد سيار الفزاري. وأبا بكر.
قال المدائني: كان أبو عبيدة ضعيفا، وكان يقول الشعر، فأرسل إليه هشام بن عبد الملك: لأئن بلغني أنك قلت بيتا لأزحمنك زحمة سوء، ويقال إنه قال لأحلقن جمتك جمة السوء. وفيه يقول الشاعر:
أبو عبيدة سارق الفراريج
وكان أجمل ولد الوليد، فلما كانت أيام أبي العباس لجأ إلى أخواله من فزارة فأخذ فقتل.
وأما إبراهيم بن الوليد فولي شهرا أو شهرين ثم خلع وسنذكر خبره إن شاء الله.
وأما يزيد بن الوليد فإنه ولي أشهرا ثم مات وسنذكر خبره أيضا.
قال المدائني: وأما يحيى بن الوليد فقتل حاجب بن حميضة الكلابي من ولد ملاعب الأسنة، وكان يشرب عنده، فقال له: لم جلد الوليد أباك؟ فسكت، فأعاد عليه فقال له: في أمك، فأمر به فألقي من فوق البيت. فاستعدى بنو كلاب هشاما، فكتب هشام إلى عامل دمشق: أحلف خمسين رجلا من بني الوليد بالله ما قتلوا ولا علموا قاتلا، فلم يحلفوا وحملوا الدية.
قال أبو الحسين: ولم يعقب تمام، وقال فيه الشاعر:
بنوا الوليد كرام في أرومتهم ... نالوا المكارم قدما غير تمام
وكان مسرورا ناسكا، كتب إلى قتادة بن دعامة، فجعل قتادة يقول: كتب إلي ابن أمير المؤمنين. وكانت عنده ابنة الحجاج.
وكان بشر من فتيانهم، وكان روح من غلمانهم، وكان عمر بن الوليد من رجالهم، كتب إلى عمر بن عبد العزيز فأغلظ له، فكتب إليه عمر، فوضع ذلك منه، فقال الفرزدق يمدح عمر بن الوليد:
إليك سمت يا بن الوليد ركابنا ... وركبانها كانوا أجد وأجهدا

(3/40)


إلى عمر أقبلت معتمدا به ... فنعم مناخ الركب حين تعمدا
فلم تجر إلا كنت في الخير سابقا ... ولا عدت إلا كنت في العود أحمدا
وقال الفرزدق:
كفى عمر ما كان يخشى انعتاقه ... إذا نزلت بالدين إحدى البوائق
يلين لأهل الدين من لين قلبه ... لهم وغليظ قلبه للمنافق
وكان لعمر بن الوليد ستون ابنا يركبون معه إذا ركب، وكان يقال له: فحل بني مروان.
وقال المدائني: كان أبو بكر بن الوليد مائقا، قال يوما لرجل من كلب: ما أحسن الغرة التي في يد فرسك.
وكان العباس بن الوليد فارسهم، وله يقول الفرزدق:
إن أبا الحارث العباس نأمله ... مثل السماك الذي لا يخلف المطرا
وله يقول جرير بن عطية:
إن الندى حالف العباس إن له ... بيت المكارم ينمي جده صعدا
يعطي الجزيل بلا من ولا نكد ... يكفي العيون إذا شؤبوبها وقدا
إن العدو إذا راموا قناتكم ... لم يلق من رامها وصما ولا أودا
فولد العباس: المؤمل، والحارث، وأمهما ابنة قطري بن الفجاءة، فلما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة قال: خل سبيلها وإلا رجمتك أو تزوجها. فتزوجها، وقد ذكرنا أمرها في خبر قطري.
قال: وكان محمد بن الوليد سخيا يقول: إني لا أحب أن أسأل. وله عقب.
وقال المدائني: كان لبني الوليد غاشية يأتونهم فيعطونهم.
قالوا: وكان عبد العزيز سيد ولد الوليد بن عبد الملك، وأراد الوليد أن يبايع لعبد العزيز بعد سليمان، وزوجه أم أيوب بنت سليمان، وزوج بعض بني سليمان بعض بناته وقال له: اهد ابنتك إلى عبد العزيز في داري لتكون عندي، وحول بيتك إلي لتضم إليهم بناتي استعطافا له، فأبى سليمان عليه إرادته.
وقال الراجز: وهو من عذرة للوليد:
يا ليتها قد خرجت من فمه ... إن ولي عهده ابن أمه
ثم ابنه ولي عهد عمه ... قد رضي الناس به فسمه
خليفة الله ولا تعمه ... أبرز لنا يمينه من كمه
أصبح فيضا يستقى بجمه ... به استقام الأمر في أسطمه
فرد عليه رجل من الأزد يقال له المثنى:
عذريهم عض ببظر أمه ... إذ جعل الدرص إلى خضمه
فلما ولي سليمان تلقاه عبد العزيز فقال: دفنت أم أيوب بنت سليمان ثم جئتني؟ فقال: يا أمير المؤمنين إن المصيبة بها علي أعظم. قال: ونازعت الحارث ابن أمير المؤمنين الصلاة عليها؟ قال: لم يبلغ من سفهي هذا كله.
وقال سليمان لعبد العزيز بن الوليد: والله لو كنت بايعت لك لقطعت يدك، فلم يزل عبد العزيز طامعا في الخلافة، فلما مات سليمان وهو بالشام عقد ألوية وشخص إلى طبرية ودعا إلى نفسه فقيل له: إن خالك قد استخلف، فحل ألويته ورجع، فقال له عمر حين بايعه: أيا عبد العزيز أردت أن تشق عصا المسلمين. وتضرب بعضهم ببعض، لقد كنت أربأ بك عن هذا الرأي.
فقال: يا أمير المؤمنين الحمد لله الذي استنقذني بك، لولا مكانك ما ملكها علي أحد.
وكان يقال: لو وضع بنو الوليد في كفة ميزان وعبد العزيز في كفة لرجح بهم عبد العزيز، وكان سخيا وكان يقول لخاصته: والله لا يرمقني رجل ببصره ولا يبسط إلي لسانه إلا أعطيته فامنعوني أو دعوا. وله يقول الشاعر:
وأنت ابن ليلى الخير خير ظعينة ... وليلى عدي لم تلدك الزعانف
وليلى عدي، أم عبد العزيز بن مروان: ليلى بنت زبان بن الأصبغ، وليلى الأخرى: أم أم البنين.
وقال المدائني: قال الجرمي عن أبيه: كنا مع عبد العزيز بن الوليد: وهو مريض، فخرج إلى منزل كان ينزله، ومعنا حجر بن عقيل الرياحي، فأنشده:
فما أخرجتنا رغبة عن بلادنا ... ولكن ما قد قدر الله كائن
لحين نفوس لم تجد متأخرا ... فلا تبعدن تلك النفوس الحوائن
فقلت: قطع الله لسانك. فهلك عبد العزيز في وجهه ذلك في خلافة هشام بن عبد الملك.
وكان الوليد بن عبد الملك ضم إلى عبد العزيز أبا عبيدة محمد بن عمار بن ياسر، وكان لعبد العزيز بن الوليد من الولد، عتيق، وعبد الملك، أمهما من ولد أبي بكر الصديق، وكان له قدر. وكان لعبد الملك قدر وكان يكنى أبا مروان. وقال الشاعر:

(3/41)


إني رأيت بني أم البنين لهم ... مجد طويل وفي أعمارهم قصر
مات الهمام أبو مروان فاختشعت ... كلب وأي بلاء يبتلى مضر
فقال الوليد ليزيد بن الحصين بن نمير السكوني: بايع لعبد العزيز، فقال: أما يميني فبايعت بها لسليمان وإن شئت بايعت لعبد العزيز بشمالي.
قالوا: وكان الوليد بن عبد الملك يقول: إذا احتلم الصبي من ولدي فضموا إليه مؤدبا له صلاح وفضل وشرف، وضموا إليه عشرة يجالسونه ويكونون عيونا عليه يحولون بينه وبين من يجالسه من أهل الدناءة والسخف.
وكان يقول: سيدنا عبد العزيز، وفتانا بشر، وعالمنا روح، وفارسنا العباس، وفحلنا عمر.
وقال الوليد: من رأى مثل ولدي: عبد العزيز على دمشق، والعباس على حمص، وبشر على قنسرين، وعمر على الأردن. فقال له عباد بن زياد: كان عبيد الله بن زياد على العراق، وأخوه عثمان خليفته على أحد المصرين، وعباد على سجستان، وعبد الرحمن على خراسان. فسكت.
قالوا: وكان بنو الوليد ثمانية عشر سراة، فكانوا يركبون، فإذا رجعوا مضوا مع أكبرهم إلى منزله، فإذا دخل انصرفوا مع الذي يليه آخرهم.
قالوا: وكان على شرط الوليد كعب بن حامد ثم عزله وولى أبا ناتل رياح بن عبدة الغساني، ثم عزله وأعاد كعبا.
واستقضى سليمان بن حبيب المحاربي، وولى عمر بن عبد العزيز المدينة وأمره أن يبني مسجدها ويجعله مائتي ذراع في مائتي ذراع، وبعث من الفعلة من الشام، وكتب إلى ملك الروم يعلمه أنه قد أمر بهدم مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسأله أن يعينه في بنائه، فبعث إليه بمائة ألف مثقال ذهبا وبمائة فاعل، وبأربعين حملا فسافسا، فبنى عمر المسجد وبني الوليد مسجد دمشق فقال لأصحابه: أقسمت عليكم لما أتاني كل واحد منكم بلبنة. فجعل رجل من أهل العراق يأتيه بلبنتين، فقال له: ممن أنت؟ قال: من أهل العراق. فقال: يا أهل العراق تفرطون في كل شيء حتى في الطاعة.
قالوا: وأعطى الوليد المجذمين، وقال: لا تسألوا الناس، وأعطى كل مقعد خادما، وكل ضرير قائدا.
وكان الوليد صاحب بناء واتخاذ للمصانع، وكان عند أهل الشام أفضل خلفائهم، فلما ولي سليمان كان صاحب نكاح وطعام، فكان الناس يتلاقون في زمن الوليد فيسألون عن البناء والمصانع وما أشبه، ويسألون في زمن سليمان عن التزويج والجواري والطعام.
وولي عمر بن العزيز فكان الناس يسألون عن الفقه والقرآن، فيقول هذا: متى ختمت، ويقول هذا: كم تصوم من الشهر.
المدائني قال: كتب الوليد إلى بعض عمال أبيه: أما بعد فقد أتاني كتابك تذكر ما اختص الله به أمير المؤمنين من خلافته، وأنك بايعت من قبلك فحسنت إجابتهم وسارعوا إلى الطاعة، وأمير المؤمنين يحمد الله على ما أكرمه به واصطنع، ويسأله العون على ذلك، وذكرت أنك بعثت إلى أمير المؤمنين ببيعة من قبلك مع أبان بن سويد وهو في صالحي أهل بلاده، وقد قدم إلى أمير المؤمنين بكتابك، فأحسن صلته، والسلام.
وكتب جناح مولى أمير المؤمنين. وكان جناح على رسائله وهو مولاه.
المدائني قال: خطب الوليد يوم جمعة فأتت الصلاة فناداه رجل: الصلاة، وجلس فلم يعرف، فقال الوليد: أيها الناس والله ما نعاتبكم على العلانية وإنما نعاتبكم على أن تسروا لنا العداوة.
وقال الوليد: أنا أنفق على الكعبة وأكسوها وأطيبها فعلام يأخذ بنو شيبة هداياها، لأمنعنهم إياها العام، فبلغهم ذلك فأرمضهم، وخرج الوليد حاجا فخرجوا يتلقونه فوجدوا الحجاج معه فقالوا له: أنت وإن كنت معزولا عنا، فأنت محمود عندنا ورحمنا وحرمتنا ما لا تنكر، وقد بلغنا كذا وفزعنا إليك، قال: إذا دخلتم على أمير المؤمنين فتحينوني عنده، ثم سلموا عليه خالي الوجه ودعوني أكفيكموه ففعلوا، فلما خرجوا قال الحجاج: علام تدع هؤلاء وهدايا الكعبة؟ قال: قد أجمعت على أخذها، قال، إفعل فإني كنت أشرت بهذا على أمير المؤمنين عبد الملك فلم يفعل، فقال: أنا أبرأ إلى الله مما برئ منه أمير المؤمنين عبد الملك. وتركها لهم.
المدائني قال: قام رجل من أهل حمص إلى الوليد فقال: يا أمير المؤمنين إني أتيت ذنبا فاستغفر لي غفر الله لك. فقال بعضهم: مقادي يقوم أمير المؤمنين بنفسه.

(3/42)


وقال المدائني: قدم ذبيان بن نعيم بن حصين العليمي من كلب على الوليد فقال: يا أمير المؤمنين: إني قد فرضت لنفسي فسلم ذلك لي. قال: وفي كم؟. قال: في ستين دينارا. قال: قد أجزناها لك، ثم بعثه إلى عبد العزيز بن الوليد، وهو على قنسرين وأوصاه به، فكان يأذن لرجلين من قيس يقال لهما راسب وسعيد قبله فغضب وكتب إلى الوليد فقال:
أبلغ أمير المؤمنين ودونه ... فراسخ تطوي الطرف وهو حديد
بأني لدى عبد العزيز مؤخر ... يقدم قبلي راسب وسعيد
فكتب إلى عبد العزيز إن يقدمه.
وقال هشام ابن الكلبي عن أبيه: إنما ضمه عبد الملك إلى عبد العزيز بن مروان فجفاه، فكتب إلى عبد الملك، فكتب عبد الملك إلى عبد العزيز ببره وصلته وتقديمه.
المدائني أن الوليد قال لعباد بن زياد: أين كان زياد من الحجاج؟. فقال: إن الحجاج لمقدام. قال: أين تدبيره قال: قدم زياد على العراق على راحلته فضبطه بمداراة ورفق وحسن سياسة، وقدم الحجاج فكسر الخراج وأفسد قلوب الناس ولم يضبطهم بأهل الشام وأهل العراق، ولو رام منهم ما رام زياد لم يفجأك شيء دون قدومه عليك يوجف على قعوده.
وقالوا: استعمل الوليد عبد العزيز على بعض الشام فأتاه رجل فقال: نصيحة. قال: إن كانت لك رددناها عليك، وأن كانت لنا فلا حاجة لنا فيها. قال: جار لي أخل بمركزه، قال: بئس الجار أنت نحن ناظرون فيما ذكرت فإن كنت صادقا مقتناك وإن كنت كاذبا عاقبناك، وإن أحببت أن نعفيك أعفيناك. قال: اعفني. قال: قد فعلت.
وقال المدائني: كان عبد الملك استعمل أخاه محمدا على قنسرين والجزيرة وأرمينية وأذربيجان، فلما ظهر محمد على أرمينية وأذربيجان عزله عبد الملك عن قنسرين فلما مات عبد الملك استعمل الوليد على عمل محمد: مسلمة بن عبد الملك، فأضر مسلمة بمحمد، فدخل محمد على الوليد ومعه ابنه مروان يتوكأ عليه، فقال: إن أخي عبد الملك كان يصلني ويشركني في سلطانه حتى ذهب لسبيله، وقد بلغت من السن ما ترى وأنا لك بمنزلة الوالد، فطأطأ الوليد ثم تمثل:
إن تصبرا فالصبر خير مغبة ... وإن تجزعا فالأمر ما تريان
فقام محمد وهو يتمثل:
فإن جزعنا فمثل الشر أجزعنا ... وإن صبرنا فإنا معشر صبر
ثم انصرف إلى الرها، فأقام بها حتى مات.
المدائني عن أسامة بن زيد عن سعيد بن إبراهيم قال: قيل لسعيد بن المسيب: إن ابن شهاب حدث الوليد عن قبيصة بن ذؤيب عن المغيرة بن شعبة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا ينبغي للخليفة أن يناشد " ، فقال ابن المسيب: لعنة الله على ابن شهاب، إن كان حدث بهذا، لقد أعظم الدنيا. أيحدث الوليد بمثل هذا وهو يعرف الوليد؟ ويحه أما سمع قول أخي بني كعب حين قال:
لا هم إني ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا
أفيناشد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يناشد الخليفة؟ المدائني قال: قال أسيلم بن الأخيف للوليد قبل أن يلي: إذا ظننت ظنا فلا تحققه، وإذا سألت الرجال فاسألهم عما تعلم، فإنهم إذا رأوا سرعة فهمك ظنوا أنك فيما لا تعلم على حسب ذلك، وأقل الكلام يقل لحنك. وكان الوليد لحانا.
المدائني عن عامر بن عبد الأعلى قال: حدث الوليد أنه جمع بين هند بنت الحسن الإيادي، ويقال العمليقي وبين جمعة بنت عابس الإيادي، فقيل لجمعة: أي الرجال أحب إليك؟. قالت: الغليظ الكبد، الظاهر الجلد، الشديد الجذب بالمسد.
ثم قيل لهند: أي الرجال أحب إليك؟ قالت: القريب الأمد، الواسع البلد، الذي يوفد إليه ولا يفد، فقال الوليد: من هذا الرجل فقال له هاشم بن عبد الأعلى الفزاري: أنت يا أمير المؤمنين.
قالوا: وكتب الوليد بن عبد الملك - ويقال سليمان - إلى عثمان بن حيان المري، وهو عامله على المدينة يأمره أن يحصي المخنثين قبله، فصحف الكاتب فقرأ: إخص المخنثين فخصى عدة منهم فيهم الدلال، فقال الآن تم لي الخنث.
المدائني عن شراحيل بن علي قال: أمر الوليد وهو على المنبر بقراءة كتاب جاءه من الحجاج يذكر فيه طاعته ونصيحته ويقول: إني أرجو بصدق نيتي وخلوصها لأمير المؤمنين شفاعته لي. فقال أبو معتمر الحمصي: مقادي أمير المؤمنين ينجو بنفسه.

(3/43)


قالوا: خرج الحجاج من العراق حاجا أو معتمرا، فمر بالمدينة وعليها عمر بن عبد العزيز فقال: كيف أميركم؟ فأثنوا عليه خيرا. فقال: كيف هيبتكم له مع ما تذكرون من حسن سيرته؟ قالوا: ما نقدر أن نملأ عيوننا منه إذا جالسناه. قال: فما عقوبته؟. قال: ما بين الخمس عشرة ضربة إلى الثلاثين، فقال: أهذه الهيبة مع هذه العقوبة؟ قالوا: نعم. قال: الأمر إلى الله، لقد حذرت أمير المؤمنين إياه، وإن الوليد لأهل للنصيحة.
فكتب الحجاج إلى الوليد: إن أهل المدينة اتخذوا عمر بن عبد العزيز كهفا، وقد تحبب إلى أهل المدينة، فما يتقدمه عندهم أحد. فعزل الوليد عمر عن المدينة، وولى عليه عثمان بن حيان المري. وأخبر عمر بن عبد العزيز بلحن الوليد فقال: إنه وإن كن لأجد وكان الجدين وقرأ الوليد في الحاقة: " يا ليتها كانت القاضية " ، فقال سليمان: وأنا والله وددتها، وكان سليمان وكانس يسمع الوليد يلحن في خطبته فيقول: الله المستعان.
المدائني قال: مرض الوليد بن عبد الملك فرهقته غشية، فمكث عامة يومه عندهم ميتا، فبكي عليه وحرجت البرد بموته، فقدم رسول على الحجاج بمثل ذلك، فاسترجع ثم أمر بحبل فشد في يده ثم أوثق إلى أسطوانة وقال: اللهم لا تسلط علي من لا رحمة له. فطالما سألتك أن تميتني قبل أمير المؤمنين، فبينا هو كذلك إذا قدم عليه بريد بإقامته فخر ساجدا وأعتق كل مملوك له.
ويقال إنه قال: اللهم إني لم أدعك في موطن أصابني فيه سوء إلا استجبت لي، وقد سألتك أن تقدم يومي قبل يوم الوليد، فلما جاءه البريد بعافيته خر ساجدا، وأعتق كل مملوك له، وتصدق بصدقة كثيرة.
قالوا : ولما أفاق الوليد قال: ما أحد أسر بعافية أمير المؤمنين من الحجاج، فورد كتابه بعد أيام بتهنية الوليد بالعافية، وبعث إليه بأنبجات من انبجات الهند.
ثم لم يمت الحجاج حتى ثقل على الوليد، فقال خادم للوليد: إني لأوضئه يوما لصلاة الغداة إذ مد يده فجعلت أصب عليها الماء وهو ساه والماء يسيل ولا أقدر أن أتكلم، ثم نضح الماء في وجهي وقال: أناعس أنت؟ ثم رفع رأسه إلي فقال: ويلك أتدري ما جاء الليلة؟ قلت: لا. قال: ويلك مات الحجاج. فاسترجعت فقال: اسكت فما يسر مولاك أن في يده تفاحة يشمها وأنه لم يمت.
المدائني قال: قال الماجشون: لما مات الحجاج أتيت عمر بن عبد العزيز فأخبرته فقال: رغم أنفي لرب لم يقطع مدتي حتى أراني موت الحجاج، فأتى الوليد فأخبره فترحم عليه، ثم قال لعمر: أما لقد كان حسن القول فيك يا أبا حفص، وهل كان إلا منا أهل البيت.
وحدثني الحرمازي عن أبي عمرو المديني قال: لما مات الحجاج والوليد بن عبد الملك جعل الإماء والصبيان بالمدينة يقولون: يا مهلك الاثنين أهلك ذاك الإنسان - يعنون عثمان بن حيان - وكان الوليد عزل عمر بن عبد العزيز وولاه المدينة، فلما عزل عثمان قالوا: يا مهلك الاثنين أهلك ذاك الإنسان، ومن ذاك الإنسان، عثمان بن حيان.
المدائني قال: قال سليمان بن يسار للوليد: إن عمر بن الخطاب قال: وددت أني أنجو من الخلافة كفافا لا علي ولا لي، فقال: كذبت أو قال: كذبت.
المدائني عن علي بن إبراهيم قال: قال الوليد: لا تحدثونا عن عمر بن الخطاب فإن حديثه طعن علينا.
قال: وحج الوليد وحج محمد بن يوسف أخو الحجاج من اليمن، وحمل هدايا للوليد، فقالت أم البنين بنت عبد العزيز امرأة الوليد: اجعل لي هدية محمد بن يوسف، فأمر بصرفها إليها، فجاءت رسل أم البنين إلى محمد بن يوسف لقبض الهدايا فأبى وقال: لا أسلمها حتى يراها أمير المؤمنين، فغضبت ودخلت على الوليد فقالت: لا حاجة لي في هدايا محمد فإنه بلغني أنه أخذها من الناس ظلما وغصبا وسخرهم لعملها.
فلما حملها إلى الوليد قال له: بلغني أنك اغتصبتها الناس وكلفتهم عملها وظلمتهم. فقال معاذ الله. فأحلفه خمسين يمينا بين الركن والمقام أنه ما ظلم أحدا ولا أصابها إلا من طيب فحلف. فقبلها الوليد، وبعث بها إلى أم البنين. ومات محمد بن يوسف في اليمن، أصابه داء تقطع منه.

(3/44)


قالوا: وقدم على الوليد أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم في رجال من الأنصار، وكان له فضل ودين ورأي، وكان عظيم اللحية طويلها، فقال له الوليد: أما تعمل طول لحيتك فقد غمتني لك، اقبض قبضة ثم أخرى، وأمر أن يجز منها بعد قبضتين، ففعل وكأنه لم يجز شيئا، فاغتمت الأنصار لذلك، وبلغ الوليد اغتمامهم فاعتذر إليهم وقال: ما فعلت هذا استخفافا، وأجازه ووصله.
وكان قد أهدى إلى الوليد رطبا كثيرا، يقال أنه بأربعين ألف درهم، فقبله ثم رده عليه وقال: إن في لحيتك له موضعا فاقسم منه ما شئت في أصحابك.
قالوا: وأتى الوليد رجل من بني مخزوم يسأله في دية، فقال: نعم إن كنت مستحقا لذلك. قال: يا أمير المؤمنين وكيف لا أكون مستحقا لذلك مع قرابتي؟ قال: أقرأت القرآن؟ قال: لا. قال: ادن، فدنا منه فنزع عمامته بقضيب كان في يده وقرعه بالقضيب قرعات ثم قال لرجل: ضم إليك هذا فلا يفارقك حتى يقرأ القرآن.
ثم قام إليه بعض ولد خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد فقال: يا أمير المؤمنين إن علي دينا، فقال: أقرأت القرآن؟ قال: نعم. فاستقرأه عشر آيات من الأنفال، وعشرا من براءة، فقال: نعم نقضي دينكم، ونصل أرحامكم على هذا.
وحدثني هشام بن عمار عن الوليد قال: مر الوليد يوما بكتاب فيه وصيفة فقال للمعلم: ما هذه؟ قال: أعلمها الكتاب والقرآن، قال: ويحك، ليكن الذي يعلمها من الغلمان أصغر سنا منها.
المدائني قال: كان الوليد يمر بالبقال فيقف عليه فيتناول حزمة من البقل فيقول: بكم هذه؟ فيقال: بفلسين. فيقول: زد فيها فإنك تربح.
قال المدائني: أتى رجل الوليد فقال: يا أمير المؤمنين إنك تعيش أربعين سنة خليفة، فقال الوليد: إن أمير المؤمنين لا يرضى بضعف ذلك.
المدائني عن عقبة بن رؤبة قال: قال رؤبة: أوفد إبراهيم بن عربي وفدا من اليمامة أنا وأبي وجرير فيهم إلى الوليد، فلما كنا بحوارين قال أبي: يا بني إنا قد أتينا هذا الرجل وقد ولدته كريمة من كرائم العرب ولم تذكرها بشيء، فقلت:
إلى ابن مروان قريع الإنس ... وبنت عباس قريع عبس
وقلت أبياتا. فضرب خيشوم راحلتي وقال: أنا أحق بها منك، قال فدعي بنا قبل جرير، ثم خرجنا ومالنا عند جرير ذنب فقال: أما والله يا بني أم العجاج لئن وضعت كلكلي عليكما لأطحننكما طحنا لا يغني معه مقطعاتكما هذه شيئا. ويقال إن هذه الوفادة كانت إلى عبد الملك.
المدائني قال: كان عند الوليد رجل من أخواله بني عبس فجعل يقع في بني أسد، فثقل ذلك على الوليد، فقال لحاجبه: ابغني رجلا من بني أسد ظريفا يكفيني هذا العبسي فأتاه برجل منهم شاعر، وأخبره بأمر العبسي والذي يريده، فقال العبسي: ممن الرجل؟ قال: من بني أسد، فانبرى العبسي يقع في بني أسد، ثم قال: من أيهم أنت؟ قال: من بني الصيداء، قال: أتعرفون قول الشاعر:
إذا ما اللؤم حل بدار قوم ... هداه إلى بني الصيداء غاد
فقال الأسدي: ممن أنت؟ قال: من بني رواحة من عبس، فقال الأسدي: ما أدري ما قال الشاعر ولكني أقول:
فإن اللؤم لم يضلل ولكن ... أذاعته رواحة في البلاد
إذا عبسية ولدت غلاما ... فبشرها بلؤم مستعاد
حدثنا أبو عدنان البصري عن الهيثم بن عدي أن الوليد قال لعبد الله بن جعفر بن أبي طالب: أزوجت الحجاج ابنتك؟ قال: أبوك زوجها، لم يقض ديني فزوجتها، وتمثل:
من يك نائبا ويكن أخوه ... أبا الضحاك ينتشج الشمالا
فكتب الوليد إلى الحجاج يأمره بطلاقها، فقال لها الحجاج: إن أمير المؤمنين قد كتب يأمرني بطلاقك، فقالت: هو والله أبر بي ممن زوجنيك، فطلقها الحجاج فكان يجري عليها في كل شهر ألفي درهم، وبعث إليها بأحمال كسى وعطر.
وقال المدائني وغيره: إن الوليد خطب يوما وتحت سريره أعرابي فسمعه يقول: " إن علي بن أبو طالب كان لصا من لصوص صب عليه شؤبوب " فقال الأعرابي: يا يقول صاحبكم هذا؟ وقال الحرمازي: قال الوليد: " إن الزبير كان لص من لصوص، وكان علي بن أبو طالب من حمر " فقال أعرابي: ما يقول؟ فقال له صاحبه: يذكر أضغانا كانت بينه وبينهم.

(3/45)


أبو الحسن المدائني عن عبد الله بن عبد الملك، مولى قريش، قال: أجرى الوليد يوما الخيل فقال: رد الفرسان الصادان عن الميدان، فقال عباد بن زياد: الفرسين الصادين.
قال: وقال رجل لعبد الملك: أفسدت لسان الوليد فقال: ما ذاك إلا من حبي له، أشفقت عليه فلم أسترضع له في البادية.
وقال الوليد لسالم بن عبد الله بن عمر: ما أدمك؟ قال: الخل والزيت. قال: أفما تأجمهما؟ قال: بلى ولكني إذ ا أجمتهما تركتهما وأكلت خبزا قفارا حتى أشتهيهما.
وقال المدائني: أغزى الوليد جيشا في الشتاء فسلموا وغنموا فقال لعباد بن زياد: كيف ترى؟ وكأنه عرض بقول زياد: جنبوني عدوين لا يقاتلان. الشتاء وبطون الأودية. فقال: يا أمير المؤمنين قد سلموا وأخطأت، وما كل ما عورة تصاب.
وقال المدائني: ركب الوليد فحدا به الحادي وهو من عذرة
يا أيها البكر لقد أراكا ... تحل سهل الأرض في ممشاكا
ويحك هل تعلم من علاكا ... خليفة الله الذي امتطاكا
فقدم الوليد مكة وطاف بالبيت ثم استند إلى الحائط يلي زمزم، والفضل بن العباس بن أبي لهب يستقي من زمزم ويقول:
أيها السائل عن علي ... تسأل عن بدر لنا بدري
مردد في المجد أبطحي ... زمزم يا بوركت من طوي
بوركت للساقي وللمسقي ... إسقي على مأثرة النبي
ثم أتي الوليد بماء فشربه ومسح منه على وجهه.
حدثنا محمد بن الأعرابي قال: قال الأخطل للوليد بن عبد الملك: يا أمير المؤمنين أصلح بين ابني نزار، فقال بيهس بن صهيب الجرمي: لا أصلح الله بينهم. فقال الأخطل: والله ما أدري ما تكره من ذاك؟ فقال: بهيس: وأنا والله ما أدري ما ينفعك من ذاك.
وقال كعب بن جعيل يمدح الوليد:
أرجو الخليفة إذ رحلت أريده ... والنفس تبلغ بالرحيل مناها
وإذا علقت عن الوليد بذمة ... سكنت إلي جوانحي وحشاها
أنت الإمام ابن الإمام لأمة ... أضحى بكفك فقرها وغناها
وقال رجل من غطفان في الوليد يمدحه:
إني وإن قال أقوام تكلفني ... نفسي لأذكر منه فوق ما ذكروا
قالوا الفرات وما أرضى به شبها ... ولن يوازي جاري سيبه البحر
في أبيات، فلم يعطه شيئا فقال:
أتيت الوليد فألفيته ... كما علمت غبيا بخيلا
بطئ العطاء عسير القض ... اء لا يفعل الخير إلا قليلا
وقال أيضا:
أتيت الوليد فألفيته ... كما يعلم الناس وخما وبيلا
فليت لنا خالدا بالوليد ... وعبد العزيز بيحيى بديلا
يعني خالد بن يزيد بن معاوية، وعبد العزيز بن مروان، ويحيى بن الحكم.
وقال أبو قطيفة للوليد:
ألا بلغ أمير المؤمنين رسالة ... فغير التي تأتي من الأمر أصوب
أفي الله أن ندنى إذا ما فزعتم ... ونقصى إذا ما تأمنون ونحجب
ويجعل دوني من تود لو أنكم ... ضرام بكفي قابس يتضرم
فها أنتم داويتم الكلم ظاهرا ... فمن لقروح في الصدور تخرب
ومدحه الأخطل بشعر يقول فيه:
لقد ولدت جذيمة من قريش ... فتاها حين تحزبها الأمور
وأسرعها إلى الأعداء سيرا ... إذا ما استبطئ الفرس الجرور
وقال خالد بن خيار:
وعند الوليد إن أردنا عطاءه ... نوال كثير دونه الباب يقفل
إذا ما رجونا أن يجود سحابه ... بخير أبت كف تضن وتبخل
المدائني أن أخا الأحوص شهر على أخيه السيف بالمدينة، فكتب عمر بن عبد العزيز إلى الوليد، فكتب إليه الوليد أن اقطع يده، فقطع عمر يده فتعلق على عمر بذلك.
قال وكتب الوليد إلى عمر أن اضرب خبيبا لأنه كان يقول ملك بني مروان زائل عن قريب، وكانت عنده أحاديث، فضربه عمر لذلك فمرض وبرئ، ثم مرض فمات، فظن أنه مات من ضربه، فأعتق ثلاثين رقبة. ويقال أنه ضربه أربعين سوطا، وصب عليه جرة ماء، فمات فأعتق ثلاثين رقبة.

(3/46)


قال: وقال بعضهم: لما قتل عبد الله بن الزبير بايع عبد الله بن خازم السلمي صاحب خراسان لخبيب بن عبد الله بن الزبير، فكان ذلك في نفس عبد الملك والوليد، فلما ولي الوليد أراد فضيحة خبيب، فكتب إلى عمر بن عبد العزيز بضرب خبيب فضربه.
قال المدائني: وهذا غلط لأن ابن خازم قتل قبل مقتل ابن الزبير.
المدائني قال: أدخل بعض الخوارج على الوليد بن عبد الملك فكلمه فشتمه الخارجي وشتم أباه، فقال الوليد لعمر بن عبد العزيز: ما ترى؟ قال أظنه مغلوبا على عقله فإن فعلت بما يشبهك ويشبه من أنت منه خليته. فقال الوليد لعمر: حروري والله. قال عمر: مجنون والله.
فاخترط خالد بن الريان سيفه وهو يرى أن الوليد يأمره بقتل عمر، فقام الوليد مغضبا فدخل على أم البنين أخت عمر فقال: ألا ترين إلى ما قال لي أخوك الحروري الأحمق، قالت: أنت أولى بما قلت له، ما أسقط عمر سقطة مذ كان غلاما. وقال لعبد العزيز ابنها: اخرج إلى خالد بن الريان فاصرفه.
وقال عمر لخالد: أكنت قاتلي لو أمرك الوليد؟ قال: أي والله. قال: إنك لجريء على طاعة المخلوق في معصية الخالق.
وأرسلت أم البنين إلى خالد أن اخرج من العسكر، فخرج فكان مع سليمان في عسكره.
المدائني قال: خطب الوليد يوم جمعة وكان لحانا فقال أعرابي: لقد خلط بين وبر وصوف - أو أخطأ وأصاب - .
وقال الكلبي: كان الوليد وسليمان وليي عهد عبد الملك، فأراد الوليد حين ولي أن يبايع لابنه عبد العزيز ويخلع سليمان، فأبى سليمان، فأراده على أن يجعله بعده، فأبى سليمان أيضا، فبذل له الوليد أموالا عظيمة كثيرة على أن يفعل ذلك.
وكتب الوليد إلى عماله أن يبايعوا لعبد العزيز، ودعا الناس إلى لك فلم يجيبوا إلا الحجاج وقتيبة بن مسلم، وخواص من أصحابه، فقال له عباد بن زياد: إن الناس لا يجيبونك إلى هذا ولو أجابوك لم تأمنهم على الغدر بابنك، فاكتب إلى سليمان فمره بالقدوم عليك فإن لك عليه طاعة فإذا قدم فأرده على البيعة لعبد العزيز من بعده، فإنه لن يقدم على الامتناع عليك وهو عندك، فإن أبى كان الناس عليه.
فكتب الوليد إلى سليمان يأمره بالقدوم عليه، فأبطأ وتثاقل، فعزم الوليد على المسير إليه وخلعه فأمر الناس بالتأهب، وأمر بحجره فأخرجت، ومرض الوليد فمات قبل أن يسير.
وقال الوليد ليزيد بن حصين بن نمير السكوني: بايع لعبد العزيز، فقال: أما يميني فقد بايعت لسليمان، فإن شئت بايعت لعبد العزيز بشمالي.
وقال جرير بن عطية للوليد:
إذا قيل من أهل الخلافة بعده ... أشارت إلى عبد العزيز الأصابع
فوصله عبد العزيز وأمه، فلما قام سليمان خافه فأتاه ممتدحا لأيوب فعفا عنه سليمان وقال كثير:
جمعت هوانا يا بن بيضاء حرة ... رجا ملكه لما استهل القوابل
المدائني عن أبي اليقظان عن هشام بن حسان قال: أرسل الوليد إلى رجل من أهل الشام كان ذا فضل وعقل فقال له: ما عطاؤك؟ قال: كذا. فأضعفه له وأمر أن يلحق عياله بشرف العطاء، وقضى دينه ثم قال له: إن أمير المؤمنين قد أحب أن يضمك إلى ولده ليأخذوا بهديك وينتفعوا بأدبك، فامتنع عليه وقال: لست أفرغ لهم. قال: فيصيرون إليك في الجمعة يوما. قال: لا يمكني. فاسقط رزقه فلقيه رجل من أصحاب الوليد فقال: يا عبد الله ما دعاك إلى الامتناع مما سألك أمير المؤمنين؟ فقال: ونظر إلى دابة ميتة: والله لأن آتي هذه الجيفة غدوة وعشية فأتمعك عليها أحب إلي من أن أجيبه إلى ما سأل. قال: وكم يكفيك في كل شهر؟ قال: خمسون درهما. قال: فهي لك ما بقيت.
قال المدائني: وقال في الوليد أبو عدي عبد الله بن عدي بن حارثة بن ربيعة بن عبد العزى بن عبد شمس:
عبد شمس أبوك وهو أبونا ... لا نناديك من مكان بعيد
والقرابات بيننا واشجات ... محكمات القوى بعقد شديد
فأنبني ثواب مثلك مثلي ... تلقني للثواب غير جحود
حدثني الحرمازي عن أبي زبالة وغيره قال: كانت أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان أخت عمر بن عبد العزيز عند الوليد، وكان معجبا بها محبا لها، وكانت امرأة برزة عفيفة تحب الشعر فبعثت إلى كثير أن صفني وامدحني فكره ذلك، فقالت له: قل الشعر في غاضر جاريتي فذلك حين يقول:

(3/47)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية