صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : أنساب الأشراف
المؤلف : أنساب الأشراف
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

قال هشام بن الكلبي وغيره: صار زفر بن الحارث إلى قرقيسياء فتحصن بها، وجعل يغير منها على بلاد كلب لأن كلبا كانوا مروانية، وكانت قيس زبيرية، فكان يقتل ويسوق الأموال، وكانت كلب تفعل مثل ذلك بقيس، وكان عمير بن الحباب السلمي يغير مع زفر أيضا ببني تغلب وذلك بعد انصراف عمير من جيش عبيد الله بن زياد حين قتل وقبل وقوع الحرب بين قيس وتغلب؛ وغزا زفر تدمر وعليها عامر بن الأسود الكلبي من بني عامر الأجدار بن عوف بن كنانة بن عوف بن عذرة بن زيد اللات، ومعه ابنه الهذيل بن زفر فقتلهم جميعا ففي ذلك يقول زفر:
يا كلب قد كلب الزمان عليكم ... وأصابكم مني عذاب تنزل
إن السماوة لا سماوة فالحقوا ... بمنابت الأشنان وابني بحدل
فأجابه جواس بن القعطل الكلبي:
دسنا ولم نفشل هوازن دوسة ... تركت هوازن كالفريد الأعزل
من بعد ما دسنا ترائق هامها ... بالمشرفية والوشيج الذبل
وأذل معطسكم وأضرع خدكم ... قتلى فزارة إذ سما ابنا بحدل
قالوا: فلما رأت كلب المدر ما لقيته كلب البوادي من زفر بن الحارث، وعمير بن الحباب أمروا عليهم حميد بن حريث بن بحدل الكلبي، فخرج حتى نزل بتدمر، وعبد الملك يومئذ يريد أن يزحف إلى زفر بن الحارث، ثم يأتي العراق لمحاربة مصعب بن الزبير، وكان من شهد المرج من بني نمير بن عامر بناحية الشام بقرب تدمر، وبينهم وبين أهل تدمر عهد وعقد، فأرسل إليهم حميد بن حريث عن نفسه، وعن أهل تدمر: إنا قد نقضنا عهدكم فالحقوا بمأمنكم من الأرض، ثم سار إليهم فقتلهم، ويقال: إنه وجه إليهم جماعة من كلب فأتت عليهم، وإن حميدا لم يكن معهم؛ وسار حميد يريد بني تغلب لمظاهرتهم عمير بن الحباب وقيسا على كلب، فوجد عميرا قد أغار على قوم من كلب فمضى في طلبه ودليلاه العكبش بن حليطة الكلبي والمأموم بن زيد الكلبي، فلم يلحقه ولحق قوما من قيس ممن كان مع عمر فقتلهم، ولم ينج منهم إلا رجل عريان ركب فرسه وأتى عميرا فقال عمير: ما زلت أسمع بالنذير العريان حتى رأيت، ولحق عمير بقرقيسياء وانطلق حميد إلى من قتل من أولئك القيسية الذين كانوا مع عمير، فقطع آذانهم ونظمها في خيط ومضى بها إلى الشام.
وانتهى الخبر إلى عبد الملك، وعبد الله بن الزبير يومئذ بمكة، وكان عند عبد الملك حسان بن مالك بن بحدل الكلبي، وعبد الله بن مسعدة بن حكمة بن مالك بن حذيفة بن بدر الفزاري، فأتي عبد الملك بالغداء فقال عبد الملك لعبد الله بن مسعدة: ادن فكل، فقال ابن مسعدة: والله لقد أوقع حميد بسليم وعامر وأخلاط قيس وقعة لا ينفعني معها غداء، ولا يسوءني بعدها شراب حتى يكون لها غير، فقال حسان بن مالك: يا بن مسعدة غضبت لقيس إن قتلت، وأنسيت دخولهم قرقيسياء يغيرون على أهل البادية منا قوم ضعفاء لا ذنب لهم، فلما رأى حميد ما نزل بقومه وما نالهم طلب بثأره فأدركه، وبلغ حميدا قول ابن مسعدة فقال: والله لأوقعن بفزارة وقعة تشغل ابن مسعدة عن الغضب لعامر وسليم، فتجهز وخرج حتى أتى فزارة ومعه دليل من كلب يقال له العكبش بن حليطة وآخر يقال له المأموم بن زيد بن مضرس الكلبي، ومعه كتاب قد افتعله على لسان عبد الملك بتوليته صدقاتهم، فلما اجتمعت إليه وجوههم قال: يا بني فزارة هذا كتاب أمير المؤمنين وعهده، وقد كان ضرب فسطاطا وخباء فجعل يدعو الرجل منهم فيدخل الفسطاط، ثم يخرج من مؤخرة فيقتل، وعلم قوم من خارج الفسطاط بما يفعل بأصحابهم فامتنعوا من الدخول، فكثرهم بمن معه فقتلهم فكان جميع من قتل منهم: من بني بدر خمسين رجلا، سوى من قتل من غيرهم، وأخذ أموالهم ثم رجع حميد إلى الشام.
فلما قتل عبد الملك مصعب بن الزبير بالعراق وقدم النخيلة بالكوفة، كلمه أسماء بن خارجة بن حصن، وبنو فزارة، وذكروا ما صنع حميد بن حريث بن بحدل، وحدثوه بأن ادعى أنه مصدقه وقالوا: يا أمير المؤمنين أقدنا منه فأبى عبد الملك ذلك وقال: كنتم في فتنة، والفتنة كالجاهلية ولا قود فيها، ولكني صانع بكم ما لا أصنعه بغيرهم أدي كل قتيل منكم بدية من أعطيه قضاعة وحمير ممن بأجناد الشام، فقبل القوم الديات؛ فقال عمرو بن المخلى، وبعضهم يقول: ابن المخلاة، وقال ابن الكلبي: هو المخلى.

(2/391)


خذوها يا بني ذبيان عقلا ... على الأحياء واعتقدوا الخزاما
مواعد من بني مروان دينا ... ندافعكم بها عاما فعاما
فلما قبضوا الديات، مضى قوم منهم إلى اليمن، فاشتروا الخيل والسلاح، فلما قدموا أغارت بنو فزارة على بني عبد ود وبني عليم من كلب وهم على ماء يقال له بنات قين، وقال غير أبي مخنف: هو ماء عند جبل يقال له بنات قين، فقتلوا منهم مائة وثمانين، ويقال: نيفا وخمسين، وكان قائدا القوم: سعيد بن عيينة بن حصن، وحلحلة بن قيس بن الأشيم بن سيار من بني العشراء من فزارة.
فقال عويف القوافي ابن معاوية:
فسائل جحجبى وبني عدي ... وتيم اللات من عقد الحزاما
فإنا قد جمعنا جمع صدق ... يفرج عن مناكبه الزحاما
في أبيات.
وبلغ عبد الملك أن كلبا جمعت لتغير على قيس وفزارة خاصة، فكتب إليهم يقسم لهم بالله لئن قتلوا من بني فزارة رجلا ليقيدنهم به، فكفوا وكتب عبد الملك إلى الحجاج بن يوسف، وهو عامله على الحجاز يأمره بأن يحمل إليه سعيد بن عيينة، وحلحلة بن قيس الفزاريين، فبعث بهما إليه فحبسهما، وقدم على عبد الملك وفد كلب فعرض عليهم الديات فأبوها، فقال: إنما قتل منكم الشيخ الكبير والصبي الصغير، فقال له النعمان بن فرية: قتل منا من لو كان أخاك لاختير عليك، فغضب عبد الملك، وأراد ضرب عنقه فقيل له: إنه شيخ كبير خرف فأمسك؛ وقال أبناء القيسيات، وهم: الوليد وسليمان ابنا عبد الملك، وأبان بن مروان لعبد الملك: لا تجبهم إلا إلى الديات، وقال خالد بن يزيد بن معاوية وأبناء الكلبيات: لا إلا القتل واختصموا، وتكلم الناس في ذلك في المقصورة حتى علت أصواتهم، وكاد يكون بينهم شر، فلما رأى عبد الملك ذلك أخرج سعيد بن عيينة وحلحلة بن قيس، فدفع حلحلة إلى بني عبد ود من كلب، وحلحلة يقول:
إن أك مقتولا أقاد برمتي ... فمن قبل قتلي ما شفى نفسي القتل
وقد تركت حربي رفيدة كلها ... مجاورها في داهرها الخوف والذل
ومن عبد ود قد أبرت قبائلا ... فغادرتهم كلا يطيف به كل
وقال أيضا:
إن يقتلوني يقتلوني وقد شفى ... غليل فؤادي ما أتيت إلى كلب
فقرت به عيني وأفنيت جمعهم ... وأثلج لما أن قتلتهم قلبي
شفى النفي ما لاقت رفيدة كلها ... وأشياخ ود من طعان ومن ضرب
ووقف حلحلة بين يدي عبد الملك فقال لعبد الملك: ما تنتظر بنا يا بن الزرقاء فوالله لو ملكناها منك ما أنظرناك طرفة عين، فلما قدم ليقتل قيل له: اصبر يا حلحلة فقال:
أصبر من عود بجنبيه جلب ... قد أثرت فيه الغروض والحقب
أصبر من ذي ضاغط عركرك ... ألقى بوابي زوره للمبرك
ومد عنقه وهو يقول: اجعلها خير الميتتين فقتل، وكان الذي تولى قتله شعيب بن سويد، ودفع سعيد بن عيينة بن حصن إلى بني عليم من كلب فقتلوه، ويقال إن سعيدا هو الذي قال لعبد الملك: يا بن الزرقاء ما تنتظر بنا ؟.
وقال حين حبس:
فإن أقتل فقد أقررت عيني ... وقد أدركت قبل الموت ثأري
وما قتل على حر كريم ... أباد عدوه يوما بعار
فإن أقتل فقد أهلكت كلبا ... ولست على بني بدر بزار
وقال حلحلة وهو في الحبس:
لعمري لئن شيخا فزارة أسلما ... لقد حزنت قيس وقد ظفرت كلب
فلا تأخذوا عقلا وخصوا بغارة ... بني عبد ود بين دومة والهضب
سلام على حيي هلال ومالك ... جميعا وخصوا بالسلام أبا وهب
أبو وهب زبان بن سيار بن عمرو، أحد بني العشراء من فزارة، ومالك بن سعد بن عدي بن فزارة؛ وقال زبان حين بلغه شعر حلحلة: رحم الله أبا ثوابة قد كفانا النار والعار، وأدرك بالثأر، ولنا في القوم فضل فلم يحرضنا عليهم؛ وقال بعض الفزاريين: لقد وفى أبو الذبان لكلب وآثرهم على بني عمه.
وقال علي بن الغدير الغنوي في قتل سعيد وحلحلة:
وحلحلة القتيل مع ابن بدر ... وأهل دمشق أنجية عزين

(2/392)


فبعد اليوم أيام طوال ... وبعد خمود فتنتكم فتون
خليفة أمة قسرت عليه ... تخمط فاستخف بمن يدين
وقال أرطاة بن سهية:
ألا أبلغ بني مروان عنا ... فقد أعطيتم كرما وخيرا
أيقتل شيخنا ويرى حميد ... رخي البال يستبىء الخمورا
فناكت أمها قيس جهارا ... وعضت بعدها مضر الأيورا
ولا والله ما كرمت ثقيف ... ولا كانوا على كلب نصيرا
يقول حين حمل الحجاج سعيدا وحلحلة.
وقال رجل من كلب:
ونحن قتلنا سيديهم بشيخنا ... سويد فما كانا وفاء به ذما
سويد بن زمان بن ماطل.
حرب قيس وتغلب
قالوا: لما انقضى أمر مرج راهط، وصار زفر بن الحارث إلى قرقيسياء صار معه عمير بن الحباب بن جعدة السلمي، وهو ابن الصمعاء، والصمعاء أمه أوجدته، وكانت سوداء، فجعلا يطلبان كلبا واليمانية بقتلى مرج راهط وكان معهما قوم من بني تغلب يدلونهما ويقاتلون معهما إذا أغارا، فطلبت كلب قوما أغاروا عليهم من بني تغلب مع زفر، ففي ذلك يقول غياث الأخطل بن غوث:
نبئت كلبا تمنى أن تحاربنا ... وطال ما حاربونا ثم ما ظفروا
وحدثني داوود بن عبد الحميد قاضي الرقة عن مشايخ القيسيين قالوا: لما انقضى أمر المرج بايع عمير مروان بن الحكم وفي نفسه ما فيها من أمر قتلى قيس يوم المرج، فلما عقد مروان لعبيد الله بن زياد وجهه إلى الجزيرة والعراق، وشخص عمير في جيشه، فجعله على إحدى مجنبتيه وهي الميسرة، وكان معه يوم لقي ابن صرد بعين الوردة، وأتى معه قرقيسياء فكان عمير يثبطه عن المقام عليها ويشير عليه بتلقي جيش المختار بن أبي عبيد الثقفي قبل أن يدخل الجزيرة، فأغذ ابن زياد السير حتى لقي ابراهيم بن الأشتر، فمال عمير مع ابن الأشتر حتى فض عسكر عبيد الله بن زياد وقتل عند نهر يقال له الخازر بقرب الزابي، وكره عمير أن يصير إلى المختار، فأتى قرقيسياء، فأقام بها مع زفر بن الحارث، فكانا يغيران على كلب واليمانية، وشغل عبد الملك عن زفر فلم يسر إليه، ولم يوجه جيشا، ومل عمير المقام بقرقيسياء فطلب الأمان من عبد الملك فآمنه وكان عليه في نفسه ما كان، ووشى به إليه مع ذلك واش فحبسه فاحتال حتى هرب من الحبس، فيقال: انه اتخذ سلما من خيوط قنب وتسلق به حتى تخلص من حبسه على سلم من خيوط من كوة البيت وأنشأ يقول:
عجبت لما تظنته الموالي ... بخراج من الغمرات ناج
ونوم شرطة الريان عني ... كميت اللون صافية المزاج
والريان مولى عبد الملك وصاحب حرسه، وكان عمير محبوسا عنده، فسقى أعوانه نبيذا حتى أسكرهم ونجا، ويقال: بل كلم فيه فخلاه، والأول أثبت؛ فعاد إلى الجزيرة وكان منزله على النهر المعروف بالبليخ، فاجتمعت إليه قيس فكان يغير بهم على كلب واليمانية، وكان من معه من القيسية يسيئون جوار بني تغلب ويسخرون مشايخهم من النصارى، فهاج ذلك بينهم شرا لم يبلغ الحرب وذلك قبل شخوص عبد الملك إلى زفر والمصعب بن الزبير، وكانت قيس زبيرية وتغلب مروانية.

(2/393)


وقال أبو عمرو الشيباني الراوية فيما أخبرني عنه ابنه عمرو بن أبي عمرو: أغار عمير بن الحباب على كلب، ثم انكفأ راجعا فنزل ومن معه من قيس بثني من أثناء الفرات، ويقال: على الخابور، والخابور نهر يخرج من رأس العين ويصب في الفرات، وكانت منازل بني تغلب فيما بين الخابور والفرات ودجلة، وكانت بحيث نزل عمير وأصحابه امرأة من بني تميم ناكح في بني تغلب يقال لها أم دوبل ولها غنيمة، فأخذ غلام من بني الحريش بن كعب بن ربيعة بن عامر عنزا منها فذبحها، فشكت ذلك إلى عمير فلم يشكها، وقال: هذا من مغمرة الجيش فلما رأى الحرشيون أن عميرا لم يغير على صاحبهم شدوا على باقي الغنيمة فذبحوها وأكلوها، ومانعهم قوم من بني تغلب حضروهم فقتل رجل منهم يقال له مجاشع التغلبي، وجاء دوبل وهو من بني مالك بن جشم بن بكر بن حبيب، وكان من فرسان بني تغلب، فأخبرته أمه بما أصيبت به، فسار في قومه، فشكا إليهم ما صنع بغنم أمه، وجعل يذكرهم تعالي قيس عليهم، وسوء جوابهم لهم، فاجتمعت منهم جماعة، وأمروا عليهم شعيث بن مليل التغلبي، ثم أغاروا على بني الحريش، ومع بني الحريش حينئذ قوم من إخوتهم بني قشير بن كعب، فقتلوا منهم واستاقوا ذودا لامرأة من بني الحريش يقال لهم أم الهيثم، فلم يقدر القيسيون على تخلصه من أيديهم؛ فقال الأخطل وبلغه الخبر وهو براذان:
أتاني ودوني الزابيان كلاهما ... ودجلة أنباء أمر من الصبر
أتاني بأن ابني نزار تضاغنا ... وتغلب أولى بالوفاء وبالغدر
وقال الأخطل أيضا:
فإن تسألونا بالحريش فإننا ... بلينا بنوك منهم وفجور
غداة تحامتنا الحريش كأنها ... كلاب بدت أنيابها لهرير
وجاؤوا بجمع ناصري أم هيثم ... فما رجعوا من ذودها ببعير
وقال عمرو بن الأهتم التغلبي:
وإنا يوم سار بنا شعيث ... قريناهم وأي قرى قرينا
نصصنا الخيل والرايات حتى ... قضينا من هوازن ما قضينا
وما أبقين من قيس شريدا ... وما غادرن للجشمي دينا
فرد عليه نفيع بن صفار المحاربي بعد مقتل شعيث بن مليل فقال:
وإنا يوم لاقينا شعيثا ... قريناه فأي قرى قرينا
في أبيات.
وقال القطامي وهو عمير بن شييم.
وإنا يوم نازلهم شعيث ... كليث الغيل أصحر ثم ثارا
وتغلب جدعوا أشراف قيس ... وذاقوا من تخمطها البوارا
بضرب يقعص الأبطال منهم ... ويمتكر اللحى منه امتكارا
المكر المغرة.
ومن رواية أبي عبيدة فيما أخبرني عنه علي بن المغيرة الأثرم: أن غنم أم دوبل، وهي فيما ذكر تغلبية، نفشت في زرع لرجل من قيس في بعض الليالي، فشكا القيسي ذلك إليها فلم تشكه وضحكت به، ثم نفشت في زرعه ليلة أخرى، فأخذ عنزا منها فذبحها، فلما جاء ابنها دوبل اعلمته ذلك فأتى وأخ له وعدة معهما من بني تغلب الرجل القيسي فذبحوه على دم العنز، فأغار قومه على بني تغلب فقتلوا منهم اثني عشر رجلا فيهم مجاشع التغلبي، وأغارت بنو تغلب وعليها شعيث بن مليل على قوم من بني قشير فقتلوا منهم خمسة وعشرين رجلا، ولم يذكر أبو عبيدة بني الحريش البتة.
وقوم يزعمون: أن شعيثا كان بآذربيجان وكان يرى رأي الخوارج، فأرسلت إليه تغلب تستنجده، فأقبل في ألفي فارس ومعه ثعلبة بن نياط فعبر دجلة إلى لبى وهي بين تكريت والموصل، وأتى الثرثار فوجد قيسا مجتمعين عليه وتغلب بإزائهم وعليهم ابن هوبر التغلبي، فكره أن يسير تحت لواء ابن هوبر، فقصد قصد قيس، وأتت عمير بن الحباب طلائعه فأخبرته بخبر شعيث، فانفرد له في جمع كبير من قيس، وخلف من يكيفه أمر ابن هوبر والتغلبيين، فلقي شعيثا، فأقتتلا فظهر عمير على شعيث، فقتل وأصحابه فلم ينج منهم إلا عدة يسيرة لحقوا ببني تغلب، وكان ثعلبة بن نياط فارق شعيثا ولحق ببني تغلب فقاتل معهم؛ والخبر الأول أثبت، والشعر على صحته أدل.
يوم ماكسين

(2/394)


قالوا: استحكم الشر بين قيس وتغلب، وعلى قيس عمر بن الحباب وعلى تغلب شعيث بن مليل، فغزا عمير بن تغلب وجماعتهم بماكسين وهي قرية من قرى الخابور، بينها وبين رأس العين يوم أو يومان، فاقتتلوا قتالا شديدا، وهي أول وقعة لهم تزاحفوا فيها، فقتل من بني تغلب خمسمائة، وقتل شعيث بن مليل، وكانت الوقعة عند قنطرة هناك، فقال نفيع بن صفار المحاربي:
وأيام القناطر قد تركتم ... رئيسكم لنا غلقا رهينا
تركنا الباكيات على شعيث ... سواجم عبرة ما ينقضينا
وكان زفر بن الحارث قال حين أغارت تغلب على بني الحريش ومن معهم من قشير: شغلت قيس بغزل نسائها عن هؤلاء النصارى، فقال عمير بن الحباب:
ما همنا يوم شيعث بالغزل ... يوم انتضيناهن أمثال الشعل
وهن يردين كعقبان الخيل ... من بين دهماء وطرف ذي خصل
وزعموا أن رجل شعيث قطعت يومئذ، فجعل يقاتل حتى قتل وهو يقول:
قد علمت قيس ونحن نعلم ... أن الفتى يقتل وهو أجذم
وقال نفيع بن صفار:
وبشاطىء الخابور صبحناكم ... بالمرهفات البيض يفرين الذرى
وقال جرير بن عطية:
تركوا شعيث بني مليل مسندا ... والآسيين وأقعصوا شعرورا
وقال نفيع بن صفار المحاربي:
ما بعد قتل شعيث في سراتكم ... وبعد قتل أبي أفعى وشعرور
وقال تميم بن أبي بن مقبل العجلاني:
قل لابنة الأخطل المسلوب مئزرها ... يوم الفوارس لما راث فاديها
ولست سائلها إلا بواحدة ... ما رد تغلب عنها إذ تناديها
وقال عبيد بن حصين النميري الراعي:
أبا مالك لا تنطق الشعر بعدها ... وأعط القياد القائدين على كثر
ونحن تركنا تغلب ابنة وائل ... كمنكشر الأنياب منقطع الظهر
يعني بما كان بينهم يوم الخابور ويوم ماكسين.
يوم الثرثار الأول
والثرثار نهر ينزع من هرماس نصيبين ويفرغ في دجلة بين الكحيل ورأس الإيل.
قالوا: استمدت تغلب بعد يوم ماكسين وحشدت واجتمعت إليها النمر بن قاسط، وأتاها المجشر بن الحارث من ولد أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان، وكان من سادات بني شيبان بالجزيرة، وأتاها زمام بن مالك الشيباني في جمع، وأتت جماعة منهم مالك بن مسمع قبل يوم الجفرة وقبل مصيره إلى ناحية اليمامة والبحرين، فشكوا إليه قيسا وما كان منهم يوم ماكسين وقبله، فقال: ما أحسبكم إلا من نبيط تكريت، ولو كنتم من بني تغلب لدافعتم عن أنفسكم وحرمكم، فقالوا: إنا حي فينا ما قد علمت من النصرانية، ومضر مضر وأي السلطانين غلب فهو مع قيس، فقال مالك: اذهبوا فإن أمدهم السلطان بفارس فلكم علي فارسان، وإن أمدهم برجل فلكم رجلان، إن السلطان اليوم لفي شغل عنكم وعنهم، فانطلقوا وقد غضبوا وجعلوا عليهم بعد شعيث بن مليل زياد بن هوبر، ويقال يزيد بن هوبر التغلبي، وقال ابن الكلبي: هو حنظلة بن قيس بن هوبر أحد بني كنانة بن تيم بن أسامة بن مالك بن بكر بن حبيب، وكان على قيس عمير بن الحباب السلمي، فلما رأى من مع بني تغلب، استنجد تميما وبني أسد فلم يأته منهم أحد فقال عمير:
أيا أخوينا من تميم هديتما ... ومن أسد هل تسمعان المناديا
ألم تعلما إذ جاء بكر بن وائل ... وتغلب ألفافا تهز العواليا
إلى قومكم قد تعلمون مكانهم ... وكانوا جميعا حاضرين وباديا
وزعموا أن عبيد الله بن زياد بن ظبيان البكري ممن أنجدهم من ربيعة، فلذلك حقد عليهم المصعب بن الزبير حتى قتل أخاه النابىء ولم يقتل صاحبه، وكانت القيسية زبيرية، وأنجد بني تغلب أيضا ركضة بن النعمان الشيباني.
قالوا: ثم إن الربعيين والقيسيين على الثرثار فاقتتلوا قتالا شديدا وجعل بنو تغلب يقولون:
ننعى بأطراف القنا المجاشعا ... فإنه كان كريما فاجعا
وابن مليل شيخنا المدافعا
ثم إن قيسا انهزمت وقتلت بنو تغلب وألفافهم منهم مقتلة عظيمة، وبقروا بطون ثلاثين امرأة من بني سليم.
وقالت ليلى بنت الحمارس التغلبية، ويقال قالها الأخطل:

(2/395)


لما رأونا والصليب طالعا ... ومار سرجيس وسما ناقعا
والخيل لا تحمل إلا دارعا ... والبيض في أيماننا قواطعا
خلوا لنا الثرثار والمزارعا ... وحنطة طيسا وكرما يانعا
كأنما كانوا غرابا واقعا
ويروى: زاذان والمزارعا وقال الأخطل.
عتبتم علينا آل عيلان كلكم ... وأي عدو لم نبته على عتب
في قصيدة له.
فأجابه جرير بن عطية في قصيدة له:
ستعلم ما يغني الصليب إذا غدت ... كتائب قيس كالمهنأة الجرب
لعلك يا خنزير تغلب فاخر ... إذا مضر يوما تسامت بها الحرب
وقال الأخطل في شعر طويل:
لعمري لقد لاقت سليم وعامر ... إلى جانب الثرثار راغية البكر
وقال نفيع بن صفار المحاربي:
أبا مالك لا تدع الفخر بالمنى ... فما بسفاه القول يغضب للوتر
ولكن بحد المشرفية ينتمى ... بها للمعالي والمثقفة السمر
فيقال: انه بهته بهذا الشعر، بل قاله له وقد ادعى الأخطل باطلا في بعض أيامهم.
يوم الثرثار الثاني
قالوا: ثم إن قيسا تجمعت واستمدت واستعدت، وعليها عمير بن الحباب وهم في عسكر، فأتاهم زفر بن الحارث من قرقيسياء وعبد الملك مشغول عنه، فكان في عسكر آخر، وكان رئيس بني تغلب والنمر ومن معهما ابن هوبر، فالتقوا بالثرثار فاقتتلوا أشد قتال اقتتلته الناس، فانحازت بنو عامر وكانت في إحدى المجنبتين، وصبرت بنو سليم وأعصرت حتى انهزمت بنو تغلب، وقتل ابنا عبد يسوع بن حرب ومحكان، وعبد الحارث من بني الأوس بن تغلب؛ فقال عمير بن الحباب:
فدى لفوارس الثرثار نفسي ... وما جمعت من أهل ومال
وولت عامر عنا فأجلت ... وحولي من ربيعة كالجبال
أكاوحهم بدهم من سليم ... وأعصر كالمصاعيب النهال
وقال زفر بن الحارث:
ألا من مبلغ عني عميرا ... رسالة ناصح وعليه زار
أتترك حي ذي يمن وكلبا ... وتجعل حد نابك في نزار
كمعتمد على إحدى يديه ... فخانته بوهن وانكسار
يوم الفدين
قالوا: وأغار عمير بن الحباب على الفدين، وهي قرية على شاطىء الخابور ولها حصن، فاكتسح ما فيها وقتل عامة اهلها، ويقال: بل قاتل فيها جميع بني تغلب، وكانوا بها مزاحفة مهزمهم؛ فقال ابن صفار:
لو تسأل الأرض الفضاء بأمركم ... شهد الفدين بهلككم والصور
كذبتك شيبان الأخوة وانفت ... أسيافكم بكم سدوس ويشكر
والعامة تسمي هذه القرية الصور، وهي قريبة من الفدين بينهما نحو من أربعة فراسخ.
يوم السكير
وهو يسمى اليوم سكير العباس؛ قال: ولقي عمير بن الحباب تغلب والنمر وعليهم ابن هوبر بالسكير. وهي قرية تشرع على الخابور، ومنها ناحية تشرع على الفرات فاقتتلوا فانهزمت تغلب والنمر، وهرب عمير بن جندل وكان من فرسان تغلب؛ وقال عمير بن الحباب:
وأفلتنا يوم السكير ابن جندل ... على سابح غوج اللبان مثابر
ونحن كررنا الخيل قبا شوازبا ... دقاق الهوادي داميات الدوائر
وقال ابن صفار:
صبحناكم بهن على سكير ... فلاقيتم هناك الأقورينا
يوم المعارك
والمعارك بين الحضر والعقيق من أرض الموصل، قال: اجتمعت تغلب يوم السكير بهذا المكان، فالتقوا وقيس به، واشتد قتالهم فانهزمت تغلب؛ فقال ابن صفار:
ولقد تركنا بالمعارك منكم ... والحضر والثرثار أجسادا جثا
فيقال: إن يوم المعارك والحضر واحد، هزموهم إلى الحضر فقتلوا منهم بشرا، وقال بعضهم: هما يومان مختلفان كانا لقيس والله اعلم.
يوم لبى
قالوا: والتقوا أيضا بلبى عند ديرها، ولبى فوق تكريت من أرض الموصل، فتناصفوا فقيس تقول كان الفضل لنا وتغلب تقول كان الفضل لنا.
يوم بلد
وقال أبو الوليد الكلابي: كانت بين قيس وتغلب وقعة ببلد تكافأوا فيها، وقال أبو عيسى القيسي: كانت لقيس.
يوم الشرعبية

(2/396)


قالوا: التقوا بالشرعبية وعلى قيس عمير بن الحباب، وعلى تغلب وألفافها ابن هوبر، فكان بينهم قتل شديد وقتل يومئذ عمار بن المهزم وعاصم السليمان. وكان يوم الشرعبية لتغلب على قيس، فقال الأخطل:
ولقد بكى الجحاف لما أوقعت ... بالشرعبية إذ رأى الأهوالا
والشرعبية من بلاد بني تغلب، وبناحية منبج أيضا شرعبية. فبعضهم يقول إن هذه الواقعة كانت بناحية منبج وذلك غلط.
يوم البليخ
قالوا: اجتمعت تغلب وسارت إلى البليخ وهناك عمير والقيسية، والبليخ نهر بين الرقتين، فقالوا، وعلى قيس عمير، وعلى تغلب ابن هوبر، فهزمت تغلب وقتلت وبقرت بطون نساء من نسائهم كما فعلوا يوم الثرثار، وفي ذلك يقول ابن الصفار:
زرق الرماح ووقع كل مهند ... زلزلن قلبك بالبليخ فزالا
وأنشدني أبو الوليد الكلابي لبعضهم:
تسامت جموع بني تغلب ... إلينا فكنا عليهم وبالا
بقرنا النساء غداة البليخ ... إذا جئتنا وقتلنا الرجالا
يوم الحشاك
ومقتل عمير بن الحباب السلمي
قالوا: لما رأت تغلب إلحاح عمير بن الحباب عليها، جمعت حاضرتها وباديتها وصاروا إلى الحشاك، وهو نهر يأخذ من الهرماس، وعلى الحشاك تلال وقور وبقربه الشرعبية وإلى جنبه براق ويقال براق، ودلف إليهم عمير في قيس ومعه زفر بن الحارث والهذيل ابنه، وعلى تغلب ابن هوبر، فاقتتلوا عند تل الحشاك أشد قتال وأبرحه حتى جن عليهم الليل ثم تفرقوا، فاقتتلوا من الغد إلى الليل، ثم تحاجزوا، وأصبحت تغلب في اليوم الثالث فتعاقدوا ألا يفروا، فلما رأى عمير جدهم وأن نساءهم معهم قال لقيس: يا قوم أرى لكم أن تنصرفوا عن هؤلاء فإنهم مستقتلون، فإذا اطمأنوا وصاروا إلى سرحهم وجهنا إلى كل قوم منهم من يغير عليهم، فقال له عبد العزيز بن حاتم بن النعمان الباهلي: يا بن الصمعاء قتلت فرسان قيس أمس وأول من أمس ثم ملىء سحرك وجبنت، ويقال: إن عيينة بن أسماء بن خارجة الفزاري، وكان أتاه منجدا له، قال ذلك، فغضب عمير من قوله وقال كأني بك لو حمس الوغى أول فار، فنزل عمير وجعل يقاتل راجلا وهو يقول:
أنا عمير وأبو المغلس ... قد أحبس القوم بضنك المحبس
وانهزم زفر يومئذ وهو اليوم الثالث فلحق بقرقيسياء، وذلك أنه بلغه أن عبد الملك قد عزم على الحركة إليه بقرقيسياء، فبادر لإحكام أمره والتأهب بما يحتاج إليه، ويقال: أنه ادعى ذاك حين فر تحسنا به؛ وركبت تغلب ومن معها أكساء القيسية وجعلوا يقولون:
أما تعلمون أن تغلب تغلب
وشد على عمير جميل بن قيس من بني كعب بن زهير فقتله؛ فقال الأخطل لزفر:
لعمر أبيك يا زفر ابن ليلى ... لقد أنجاك جد بني معاز
وركضك غير منقلب إلينا ... كأنك ممسك بجناح بازي
ويقال: بل تعاوى على عمير غلمان من بني تغلب فرموه بالحجارة وقد أعيا حتى أثخنوه، وكر عليه ابن هوبر فقتله، وأصابت ابن هوبر يومئذ جراحة فلما انقضت الحرب أوصى بني تغلب وهو لمآبه من جراحته بأن يولوا أمرهم مرار بن علقمة الزهيري.
وروي أيضا: أن ابن هوبر جرح في اليوم الثاني من أيامهم هذه الثلاثة، فأوصى بني تغلب بأن يؤمروا عليهم مرارا، ومات من ليلته فكان مرار رئيسهم في اليوم الثالث، فعبأهم على راياتهم، وأمر كل بني أب أن يجعلوا نساءهم خلفهم، فلما أبصرهم عمير قال لأصحابه: يا معشر قيس إن تغلب حي كثير العدد، وقد اجتمعوا لقتالكم ونساؤهم معهم فأطيعوني وانصرفوا فإذا تفرقوا شددنا عليهم حيا حيا، فقيل له القول الذي قيل له وفعل ما فعل حتى قتله جميل الزهيري، قال الشاعر:
أرقت بأثناء الفرات وشفني ... نوائح أبكاها قتيل ابن هوبر
ولم تظلمي إن نحت أم مغلس ... قتيل النصارى في نوائح حسر
وقال بعض الشعراء ينكر قتل ابن هوبر عميرا:
وإن عميرا يوم لاقته تغلب ... قتيل جميل لا قتيل ابن هوبر
قالوا: وكانت ابنة الحمارس تنشر شعرها وتحرض الناس وهي تقول:
إيها بني تغلب إيها إيها ... نحن بنو الحرب نشأنا فيها
واستحر القتل يومئذ ببني سليم وغني خاصة، وقد قتل من غيرهم من قيس بشر كثير.

(2/397)


وقال عمير في أول يوم لاقى بني تغلب فيه فصابروه فيما ذكر بعضهم:
وكنا حسبنا كل بيضاء تمرة ... ليالي لاقينا جذاما وحميرا
فلما قرعنا النبع بالنبع بعضه ... ببعض أبت عيداننا أن تكسرا
وإنا لقينا من ربيعة معشرا ... يقودون خيلا للمنية ضمرا
سقيناهم كأسا سقونا بمثلها ... على أنهم كانوا على الموت أصبرا
ويقال: أنه لغيره والله أعلم.
وقال زفر:
ألا يا كلب غيرك أوجعوني ... وقد ألصقت خدك بالتراب
ألا يا كلب فانتشري ونامي ... فقد أودى عمير بني الحباب
وبعثت بنو تغلب برأس عمير بن الحباب إلى عبد الملك وهو بغوطة دمشق مع وفد منهم، فأعطى الوفد وكساهم، فلما صالح عبد الملك زفر بعد ذلك واجتمع الناس عليه، قال الأخطل شعرا يقول فيه:
بني أمية قد ناضلت دونكم ... أبناء قوم هم آووا وهم نصروا
وقيس عيلان حتى أقبلوا رقصا ... فبايعوا لك قسرا بعد ما قهروا
ضجوا من الحرب إذ عضت غواربهم ... وقيس عيلان من أخلاقها الضجر
فلا هدى الله قيسا من ضلالتها ... ولا لعا لبني ذكوان إن عثروا
ولم يزل لسليم أمر جاهلها ... حتى تعايا بها الإيراد والصدر
فقد نصرت أمير المؤمنين بنا ... لما أتاك بمرج الغوطة البقر
يعرفونك رأس ابن الحباب فقد ... أضحى وللسيف في خيشومه أثر
وقال الأخطل في قصيدة له:
ألا من مبلغ قيسا رسولا ... فكيف وجدتم طعم الشقاق
فإن يك كوكب الصماء نحسا ... به ولدت وبالقمر المحاق
ولاقى ابن الحباب له حميا ... كفته كل حازية وراق
فأضحى رأسه ببلاد عك ... وسائر خلقه بجبا براق
وإلا تذهب الأيام نرفد ... جميلة مثلها قبل الفراق
ملأنا جانب الثرثار منهم ... وجهزنا أميمة لانطلاق
أميمة امرأة عمير بن الحباب.
يوم الكحيل
من أرض الموصل في عبر دجلة المغربي
قالوا: لما قتل عمير بن الحباب تجمعت قيس بناحية حدث الرقاق وهي بناحية قيس؛ فقال الأخطل:
ضربناهم على المكروه حتى ... حدوناهم إلى حدث الرقاق
قالوا: ثم إن تميم بن الحباب أتى زفر بن الحارث، فسأله أن يطلب له بثأره فامتنع من ذلك، فقال له الهذيل ابنه: والله لئن ظفر بهم إن ذلك لعار عليك، وإن ظفروا وقد خذلتهم إن ذلك لأشد، فاستخلف زفر على قرقيسياء أخاه أوس بن الحارث، وعزم على أن يغير على بني تغلب ويغزوهم، فوجه يزيد بن حمران في خيل إلى بني فدوكس، فقتل رجالهم واستباح أموالهم، حتى لم يبق امرأة واحدة يقال لها حميدة أعاذها ابن حمران وقد استعاذت به؛ وبعث الهذيل بن زفر إلى بني كعب بن زهير، فقتل فيهم قتلا ذريعا، وبعث مسلم بن ربيعة أخا بني عقيل إلى قوم من بني تغلب مجتمعين فأكثر فيهم القتل، ثم قصد لبني تغلب وقد اجتمعوا بالعقيق من أرض الموصل، فلما أحست به بنو تغلب ارتحلت تريد عبور دجلة، فلما صارت بالكحيل، لحقهم زفر بن الحارث في القيسية فاقتتلوا قتالا شديدا، وترجل أصحاب زفر اجمعون وبقي زفر على بغل له فقتلوهم ليلتهم وبقروا بطون نساء منهم، وغرق في دجلة أكثر ممن قتل بالسيف، وأتى فلهم لبى، فوجه زفر إليهم الهذيل بن زفر فأوقع بهم إلا من عبر فنجا، وأسر زفر منهم مائتين فقتلهم صبرا؛ فقال زفر:
ألا يا عين جودي بانسكاب ... وبكي عاصما وابن الحباب
فان تك تغلب قتلت عميرا ... ورهطا من غني في الحراب
فقد أفنى بني جشم بن بكر ... ونمرهم فوارس من كلاب
قتلنا منهم مائتين صبرا ... وما عدلوا عمير بن الحباب
فقتلانا نعدهم كراما ... وقتلاهم تعد مع الكلاب
وقال أيضا:
قتلنا من بني جشم جموعا ... فما عدلت جموعهم عميرا
وقال ابن صفار المحاربي:
ألم تر حربنا تركت حبيبا ... محالفها المذلة والصغار

(2/398)


وقد كانوا أولي عز فأضحوا ... وليس بهم من الذل انتصار
حدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه حدثنا ابن الجصاص قال: وقف عكرمة بن ربعي التيمي من ربيعة على أسماء بن خارجة الفزاري بالكوفة فقال: قتلت بنو تغلب عمير بن الحباب، فقال أسماء: لا بأس إنما قتل في ديار القوم مقبلا غير مدبر، ثم قال:
يدي لك رهن عن سليم بغارة ... تشيب لها أصداع بكر بن وائل
وتترك أولاد الفدوكس عالة ... يتامى أيامى نهزة للقبائل
وحدثني الأثرم عن خالد بن كلثوم عن المفضل الضبي وغيره قالوا: أسر القطامى في يوم من أيامهم، وأخذ ماله، فقام زفر بأمره حتى رد عليه ماله وجميع ما أخذ منه ووصله فقال فيه:
إني وإن كان قومي ليس بينهم ... وبين قومك إلا ضربة الهادي
مثن عليك بما أوليت من حسن ... وقد تعرض مني مقتل بادي
في شعر طويل.
وقال أيضا:
فمن يكن استلام إلى ثوي ... فقد أحسنت يا زفر المتاعا
أأكفر بعد دفع الموت عني ... وبعد عطائك المائة الرتاعا
وقال عوانة بن الحكم وغيره: لما ولى مصعب المهلب بن أبي صفرة الموصل والجزيرة بعث إلى بني تغلب وكانوا مروانية: إن تبايعوا أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير وإلا أتاكم جيش ينسيكم قيسا ويلحقكم بمن قتلتم منهم وقتلوا منكم فعزل قبل أن يحدث فيهم حدثا، فلذلك قال القطامي:
أتاني من الأزذ النذيرة بعد ما ... تناشد قولي بالحجاز المجالس
فقالوا عليك ابن الزبير فعذ به ... أبى الله أن أخزى وعز خنابس
وما جعل الله المهلب فارسا ... ولكن أمثال الهذيل الفوارس
يوم البشر
والبشر جبل في عبر الفرات الغربي قالوا: وفد الأخطل على عبد الملك بن مروان فدخل عليه الجحاف بن حكيم بن عاصم بن قيس السلمي، والأخطل عنده فقال له عبد الملك: أتعرف هذا يا أخطل ؟ قال: نعم هذا الذي أقول فيه:
ألا سائل الجحاف هل هو ثائر ... بقتلى أصيبت من سليم وعامر
وأنشد القصيدة حتى فرغ منها فتغالظا في الكلام، فنهض الجحاف يجر مطرفا كان عليه حتى أتى الديوان فنظر إلى مقادير القراطيس التي تكتب فيها العهود، ثم لطف لبعض الكتاب حتى كتب له عهدا مفتعلا على صدقات بكر وتغلب بالجزيرة وقال لأصحابه: إن أمير المؤمنين قد ولاني هذه الصدقات فمن أراد اللحاق بي فليفعل وسار حتى أتى الموضع الذي يدعى اليوم برصافة هشام، وهو بقرب الرقة فاجتمع إليه أصحابه بها، فقال لهم: إن الأخطل أتعبني وأسمعني، ولست بوال فمن كان يحب أن يرحض عني العار وعن نفسه في فليصحبني فإني آليت أن لا أغسل رأسي أو أوقع ببني تغلب، فرجعوا غير ثلاثمائة قالوا له: نموت معك ونحيا، فسار ليلته حتى أصبح الرحوب وهو ماء لبني جشم بن بكر قوم الأخطل فصادف عليه جماعة عظيمة من بني تغلب فقتل منهم مقتلة عظيمة، وأخذ الأخطل وعليه عباءة وسخة فظن أخذه أنه عبد وسئل فقال: أنا عبد فخلى سبيله فرمى بنفسه في جب من جبابهم مخافة أن يراه من يعرفه من قيس فيقتل، وقتل أبوه يومئذ؛ فلما انصرفت القيسية خرج من البئر وجعلت عبلة امرأته تسله أن يعود إلى البئر خوفا عليه من كرتهم وعودتهم فقال:
يا عبل أكرم حرة في قومها ... حسبا وأرعاها لكهل سيد
قامت تتبعنا دموعا قرة ... منها بطرف غضيضة لم تبرد
ثم إن الجحاف استخفى فطلبه عبد الملك بن مروان فمضى حتى دخل بلاد الروم مما يلي أرمينية.
وأرادت بنو تغلب دفن موتاهم فقال لهم الشمرذى: إنكم إن دفنتموهم، فرأى الناس كثرتهم غزوكم استقلالا لكم واجترأوا عليكم فأحرقوهم.
وقال الجحاف للأخطل:
أبا مالك هل لمتني إذ حضضتني ... على القتل أم هل لامني لك لائم
ألم أفنكم قتلا وأجدع أنوفكم ... بفتيان قيس والسيوف الصوارم
بكل فتى ينعى عميرا بسيفه ... إذا اعتصمت أيمانهم بالقوائم
فإن يطرودني يطردوني وقد جرى ... بي الورد يوما في دماء الأراقم
نكحت بسيفي من زهير ومالك ... نكاح اغتصاب لا نكاح الدراهم

(2/399)


لقد أوقدت نار الشمرذى بأرؤس ... عظام اللحى معرنزمات اللهازم
تحش بأوصال من القوم بينها ... وبين الرجال الموقديها محارم
فلا تحمدوا إلا الإمام لترككم ... تمشون بالخابور دسم العمائم
في أبيات.
وقال نفيع بن صفار المحاربي:
لقد رفعت نار الشرمذى لقومه ... شنارا وخزيا طار كل مطار
ولم يزل الجحاف ببلاد الروم حتى طلب له الأمان من عبد الملك فآمنه؛ وسمعت مشايخ من أهل أرمينية يذكرون: ان الجحاف أقام بطرابزندة ثم اتى كمخ ثم أتى قاليقلا وبعث إلى بطانة عبد الملك من القيسيين حتى أخذوا له أمانا.
قالوا: فلما صار إليه حمله ديات من قتل، وأخذ منه الكفلاء، وأمره بالسعي والاضطراب فقال: أسأل قومي، فأتى الحجاج بن يوسف فحجبه فلقي أسماء بن خارجة فقال له: إني لا أعصب لومها إلا بك، فدخل على الحجاج بن يوسف فكلمه فأذن له، فلما دخل عليه حمد الله وأثنى عليه ثم قال: إني أعملت المطي إليك من الشام لأنه ليس أمامك مذهب ولا وراءك مطلب وليست يد دون الله تحجزك، وأنت أمير العراق، وسيد قيس ففك رهني وتلاف أمري؛ فيقال أن الحجاج قال له: يا جحاف أعملت المطي من الشام فقلت آتي الحجاج فإن أعطاني شكرت وإن منعني بخلت وذممت، والله ما أعطيك مال الله فقال: تعطيني عمالتك، فقال: هذا نعم فتركها له؛ ويقال إن الحجاج قال له: أعهدتني خائنا ؟ فقال: لا ولكنك سيد قومك، ولك عمالة واسعة، فقال: لقد ألهمت الصدق، ونظرت بنور الله، فأمر له بمائة ألف درهم، وكانت عمالة الحجاج خمسمائة ألف درهم؛ ثم أقبل الحجاج عليه يضاحكه ويسأله عن خبره وخبر بني تغلب والأخطل، فلما ولى قال: لله رجال قيس ! وقال الجحاف:
رحلت إلى الحجاج أطلب رفده ... على ثقة بالله والرهن قد غلق
فأحفى سؤالي ثم أقبل ضاحكا ... إلي وأعطاني الوفاء من الورق
فلما أدى الجحاف ما ألزمه عبد الملك أظهر التوبة وأصحابه ومضى حاجا؛ فذكروا أن محمد بن سوقة قال: مر بي الجحاف وأنا في دكاني في السوق فاشترى مني خزا قسمه في أصحابه، وإذا هو وأصحابه قد زموا انفسهم. قلت: ما هذا الذي أراك وأصحابك صنعتموه فقال: جعلنا ما ترى لنذكر خطيئتنا في قتل القوم الذين قتلناهم، ونحن نريد الحج فلعل الله يرحمنا ويتوب علينا؛ وقدم الجحاف مكة وأصحابه معه فتعلق بأستار الكعبة فجعل ينادي اللهم اغفر لي وما أظن أن تفعل، فسمعه محمد بن الحنفية فقال: يا شيخ القنوط شر من الذنب، ثم سأل عنه فقيل: هذا الجحاف.
وقال الأخطل:
لقد أوقع الجحاف بالبشر وقعة ... إلى الله منها المشتكى والمعول
فإلا تغيرها قريش بملكها ... يكن عن قريش مستماز ومرحل
فإن تحملوا عنهم فما من حمالة ... وإن ثقلت إلا دم القوم أثقل
وزعموا أن عبد الملك قال له لما انشده:
يكن عن قريش مستماز ومرحل
قال: إلى أين ويلك ؟ قال: إلى النار.
خبر مصعب بن الزبير
بن العوام ومقتله
حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثنا وهب بن جرير بن حازم حدثنا أبي عن صعب بن زيد: أن المصعب بن الزبير لما فرغ من قتال المختار، كان إبراهيم بن الأشتر على الموصل والجزيرة وآذربيجان وأرمينية فعزله ووجهه لقتال الأزراقة، ووجه المهلب بن أبي صفرة على عمله، ثم عزل المهلب ورد إبراهيم بن الأشتر على العمل، ووجه المهلب لقتال الأزراقة.
قال: وبلغ المصعب إقبال عبد الملك نحوه وهو يومئذ بالبصرة قد قدم من عند أخيه بعد أن وفد عليه، فسأل أهل البصرة النهوض معه وكانت الحرورية قد نزلت سوق الأهواز وعليهم قطري بن الفجاءة، فقالوا: أصلح الله الأمير كيف نسير معك فهذه الحرورية مطلة علينا وعلى ديارنا وأموالنا؛ وقال المهلب للمصعب: اعلم أن أهل البصرة والكوفة قد كاتبوا عبد الملك وكاتبهم وأنه انما اجترأ على المسير إلى العراق بكتبهم، فقال له المهلب: لا تنحني عنك واجعلني منك قريبا، فقال له المصعب: إن أهل البصرة قد أبوا أن يسيروا حتى ابعثك لقتال الحرورية، وأنا أكره إذا أقبل عبد الملك إلي ألا أسير إليه فاكفني هذا الثغر، فقال المهلب: إني لست آمن غدر القوم بك، وإن فعلوا فأبعدهم الله.

(2/400)


وحدثنا أبو خيثمة زهير بن حرب وأحمد بن إبراهيم قالا: حدثنا وهب بن جرير عن أبيه عن محمد بن الزبير الحنظلي عن معاوية بن صعصعة بن معاوية وهو ابن اخي الأحنف بن قيس - قال: والله إني لواقف مع عمي بالحيرة في ظل قصر بني بقيلة، إذ أقبل زياد بن عمرو العتكي حتى وقف إلى جنب الأحنف فذكر المصعب وسوء رأيه فيما بينه وبينه وعابه، فقال له الأحنف: أظنك والله يا زياد وأصحابك ستدخلون علينا ذلا وبلاء عظيما، أحسبكم والله ستدخلون علينا أهل الشام فيقتلونا وينزلون دورنا، فمهلا يا زياد ! فقال زياد: إن حالي قد اشتدت وإن علي دينا، فقال الأحنف: وهل تكفيك عشرة آلاف أكلم المصعب فيأمر لك بها، وأيم الله إني لأعلم أنها لا تنفعه عندك، فكلمه الأحنف فأمر بها له فكان زياد عند ذلك أسوأ ما كان رأيا وأشده على المصعب.
قال أحمد بن إبراهيم: قال وهب: قال أبي: هذا حين دخل مصعب الكوفة لقتال عبد الملك، وفي تلك الأيام مات الأحنف بالكوفة، ألا ترى أن الأحنف قد كان رجع إلى البصرة بعد مقتل المختار، وكتب في حمزة بن عبد الله مع من كتب فيه من أهل البصرة.
حدثنا أبو خيثمة وأحمد بن ابراهيم قالا: حدثنا وهب بن جرير عن أبيه، قال وهب: ولا أعلمه ألا عن صعب بن زيد: إن اشراف أهل العراق كتبوا إلى عبد الملك يدعونه إلى أنفسهم، ويخبرونه أنهم مبايعوه، فلم يبق بالبصرة شريف إلا كاتبه غير المهلب.
وحدثنا أبو خيثمة وخلف بن سالم المخزومي وأحمد بن إبراهيم قالوا: حدثنا وهب بن جرير حدثنا محمد بن أبي عيينة قال: سار المصعب يريد عبد الملك حتى انتهى إلى باجميرا، ثم التقى هو وعبد الملك فغدر أهل البصرة بالمصعب فقتل، واجتمع الناس على عبد الملك.
وحدثنا خلف وأحمد بن إبراهيم قالا: حدثنا وهب حدثني أبي قال: كتبوا إلى عبد الملك يسألونه المسير إليهم ويخبرونه أنهم لو قد رأوه مالوا إليه بمن تبعهم، فأقبل عبد الملك وخرج إليه مصعب فلما صفوا للقتال مال أهل العراق إلى عبد الملك، وبقي المصعب في خف من الناس، فقال لابنه عيسى: أي بني انصرف، فأبى وقال: والله لا آتي قريشا فأخبرهم عن مصرعك أبدا، قال: فتقدم إذا فتقدم فقتل.
وأقبل عبيد الله بن زياد بن ظبيان فقال للمصعب كيف ترى الله صنع بك وأخزاك، قال: بل أخزاك، والمصعب راجل وابن ظبيان راكب؛ قال: فقتل ابن زياد المصعب، واحتز رأسه فأتى به عبد الملك فألقاه بين يديه وهو يقول:
نعاطي الملوك الحق ما قسطوا لنا ... وليس علينا قتلهم بمحرم
فخر عبد الملك ساجدا، فكان ابن ظبيان يقول: ما ندمت على شيء قط ندامتي على ألا أكون ضربت رأس عبد الملك حين أتيته برأس المصعب، فأرحت الناس، وأكون قد قتلت ملكي العرب في يوم واحد.
وحدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثنا وهب بن جرير حدثنا الأسود بن شيبان عن خالد بن سمير بحديث طويل فاختصرته قال: لم يكن لأحد من الناس مثل منزلة عبد الله بن أبي فروة عند المصعب، فلما قتل المصعب رحل إلى عبد الله بن الزبير، فجعل عبد الملك لمن رده عليه مائة ألف درهم، فلم يقدر عليه حتى قدم مكة فقال له عبد الله بن الزبير: يا بن أبي فروة أخبرني عن الناس قال: يا أمير المؤمنين خرجنا حتى إذا واقفنا عبد الملك مال داود بن قحذم براية بكر بن وائل، ومال فلان براية بني فلان، فلما رأيت المصعب قد بقي في رقة من الناس أتيته بأفراس قد أضمرتها فهي مثل القداح فقلت له: اركب فالحق بأمير المؤمنين فدث في صدري دثة وقال: ليس أخوك بالعبد، وأحببت الحياة فانصرفت، فقال ابن الزبير: حسبنا الله ونعم الوكيل ثلاث مرار.
حدثني العمري عن الهيثم بن عدي عن مجالد عن الشعبي قال: قدم مصعب حين وليي العراقين فبدأ بالبصرة، وولى القباع الكوفة، وكان خليفة القباع بها عمرو بن حريث، ثم شخص إلى الكوفة فقتل المختار ومعه الأحنف بن قيس، ثم عزله أخوه عن البصرة، وولاها حمزة ابنه فغضب وأقر على خلافته القباع ومضى إلى أخيه فرده على المصرين، وأقام بالبصرة حتى شخص منها إلى الكوفة واستخلف عباد بن الحصين، ويقال: انه استخلف سنان بن سلمة، وجعل عبادا على شرطه وكان الأحنف مع مصعب، فمات الأحنف بالكوفة، ثم إن مصعبا شخص إلى مسكين فقتل بها.

(2/401)


وقال الهيثم: ثم خرج عبد الملك يريد العراق لمحارقة مصعب في خمسين الفا فقصد لزفر بن الحارث حتى آمنه وخرج معه إلى مصعب فشهد حربه ولم يقاتل، وقال غيره، لما صالح عبد الملك زفر بن الحارث رجع إلى دمشق ثم شخص قصدا فواقع مصعبا.
وحدثني هشام بن عمار عن الوليد بن مسلم وغيره أن عبد الملك صالح زفر بن الحارث، ثم قدم دمشق فأصلح أمر ملك الروم والجراجمة الذين خرجوا عليه، ثم استشار في المسير إلى مصعب بن الزبير فقال له بعض من معه: إنك قد واليت بين سنتين، شخصت فيهما فخسرت خيلك ورجالك، وعامك هذا عام جدب فأرج الأمر سنة أو سنتين، واسترح ثم اشخص فقال: الشام بلد قليل المال، ولا آمن نفاده، وقد كتب إلي أشراف أهل العراق يدعوني إليهم.
قال: وكان يشاور يحيى بن الحكم بن أبي العاص، ثم يخالفه ويقول: من أراد صواب الرأي فليخالف يحيى بن الحكم فيما يشير به عليه، فدعاه فاستشاره فقال: أرى أن ترضى بالشام وتقيم به، وتدع مصعبا والعراق، فلعن الله العراق، فضحك عبد الملك، ودعا بخالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد فشاوره فقال: يا أمير المؤمنين غزوت مرة فنصرك الله، ثم ثانية فزادك الله عزا، فأقم عامك هذا، ثم قال لمحمد بن مروان أخيه: ما ترى ؟ قال: أرجو أن ينصرك الله أقمت أو غزوت فاغز عدوك وشمر في طلب حقك، فأمر الناس بالاستعداد للمسير، وقدم محمد بن مروان ومعه خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وبشر بن مروان وقال: قد استعملت عليكم سيد الناس محمد بن مروان أخي ونصيحي.
وحدثني عباس بن هشام عن أبيه عن عوانة قال: بعثت عاتكة بنت يزيد، امرأة عبد الملك، وهي أم يزيد ابنه: ما رأيت خليفة قط غزا بنفسه فوجه الناس وأقم، فقال: والله لو بعثت إلى مصعب جميع أهل الشام لفضهم وفلهم ما لم أكن معهم، وتمثل:
ومستخبر عنا يريد بنا الردى ... ومستخبرات والعيون سواكب
وقال ابن الكلبي والهيثم قال عوانة: لما بلغ مصعبا إقبال عبد الملك إليه وأن قد قدم مقدمته وهو بالبصرة، أراد المسير إليه بأهل البصرة، فأبوا أن يسيروا معه وقالوا: عدونا من الخوارج مطل علينا، فأرسل إلى المهلب وهو عامله على الموصل والجزيرة فولاه قتال الخوارج وخرج فقال بعض الشعراء:
أكل عام لك باجميرا ... تغزو بنا ولا تفيد خيرا
وباجميرا موضع كان إذا بلغ مصعبا إقبال الملك نحوه خرج إليه من الكوفة، فيبلغه انصراف عبد الملك فينصرف.
وقال أبو مخنف: ولى عبد الله مصعبا أخاه العراقين، ثم إن مولى لبني عجل أتى عبد الله بن الزبير بعد مقتل المختار فأشار عليه باستعمال حمزة ابنه على البصرة وقال له: إن ذلك يعجب أهلها ويحبونه فولاه إياها، فأراد المصعب الامتناع من تسليمها، فقال الأحنف: إن رأيت أن لا يكون بينك وبين أخيك ما تتضاران فيه فافعل فإن ضرر ذلك ينالنا، فقدم حمزة البصرة فأقام سنة أو نحوها، فكان إذا عرض عليه ما يرتفع من الخراج قال: فأين خراج الزاوية ؟ فكان الأحنف بن قيس ومالك بن مسمع يقولان: أما الفتى فيخبرنا أنه لا يستوفي عندنا سنة حتى يعزل، وخرج مصعب مغضبا إلى أخيه فرده على المصرين، فأشخص حمزة إلى أبيه، ويقال بل قدم حمزة إلى أبيه فرد مصعبا، فكتب مصعب من الكوفة إلى المهلب وهو عامله بالموصل والجزيرة أن يقدم، فقدم عليه فضمه إلى حمزة فولاه قتال الخوارج وسار إلى الكوفة وكان خليفته بها القباع، وكان سبب خروجه إلى الكوفة أنه بلغته حركة عبد الملك فأقام بها والأحنف معه، فمات بالكوفة قبل مصير مصعب إلى مسكن، ومشى في جنازته، وظفر مصعب بإبراهيم بن حيان فقطع يده ونفاه، فصار إلى الروم فجنى هناك جناية فقطعوا رجله.
قال عوانة: وكان إبراهيم بن الأشتر عاملا للمختار حين قتل على الموصل ونواحيها، فكتب إليه المصعب يدعوه إلى طاعته والبيعة لعبد الله بن الزبير فسارع إلى ذلك، وقدم عليه فولى المهلب ما كان يليه من الموصل والجزيرة ثم عزله وأعاد إبراهيم بن الأشتر إلى عمله.

(2/402)


فلما صح عنده وصول عبد الملك يريده بعث إلى ابن الأشتر فأقدمه عليه، فجعله على مقدمته وسار حتى أتى دمما، وهي من عمل الأنبار، ثم قطع منها حتى نزل بقرب أوانا وهناك دجيل ودير الجاثليق وباجميرا فعسكره وموضع وقعته بين هذه المواضع، وكاتب عبد الملك وجوه أهل الكوفة والبصرة ورغبهم في الأموال والأعمال، وكتب إليه جماعة منهم يستجعلونه على نصرتهم إياه وانحرافهم عن المصعب ولاية أصبهان، فكان يسأل عنها ويقول: ما أصبهان هذه أتنبت الذهب والفضة، لقد كتب إلي فيها أربعون كتابا، وكتب عبد الملك إلى إبراهيم بن الأشتر فجعل له ولاية العراقين، فأخذ كتابه فدفعه إلى المصعب وقال له: أصلح الله الأمير إن عبد الملك لم يكتب إلي بهذا الكتاب إلا وقد كتب إلى هؤلاء الوجوه بمثله وقد أفسدهم عليك، فأنا أرى أن تأخذ وجوه أهل المصرين فتشدهم بالحديد، فقال له: يا أبا النعمان أتأخذ الناس بالظنة ؟ قال: فاجمعهم في أبيض المدائن لئلا يشهدوا الحرب معك، قال: إذا أفسد قلوب عشائرهم، قال: فابعث بهم إلى أخيك بمكة، فقال: ليس هذا برأي، قال: فإن لقيت العدو فلا تمدني بأحد منهم وأتهمهم.
قالوا: وبكت عاتكة بنت يزيد بن معاوية حين أراد عبد الملك المسير نحو العراق، وبكى جواريها فقال؛ كأن كثير عزة كان يرى ما نحن فيه حين يقول:
إذا ما أراد الغزو لم تثن رأيه ... حصان عليها نظم در يزينها
نهته فلما لم تر النهي عاقه ... بكت فبكى مما شجاها قطينها
فسار عبد الملك حتى نزل الأحيونية وهي بين مسكن وتكريت، ونزل مصعب دير الجاثليق وهو بمسكن، وبين العسكرين ثلاثة فراسخ، ويقال: فرسخان، وخندق مصعب خندقا على عسكره وعسكره اليوم يعرف بخربة مصعب، وقال مصعب: رحم الله أبا بحر - يعني الأحنف بن قيس - لقد كان يقول لي: لا تلق بأهل العراق عدوا فإنهم كالمومسة تريد كل يوم بعلا، وهم يريدون كل يوم أميرا.
وكان عكرمة بن ربعي أحد بني تيم الله بن ثعلبة، وحوشب بن يزيد بن الحارث بن يزيد بن رويم الشيباني يتباريان في إطعام الطعام فقال مصعب: دعوهما فلينفقا من خيانتهما وفجورهما.
وأرسل عبد الملك إلى مصعب رجلا من كلب فقال له: أقرىء ابن أختك السلام وقل له: يدع دعاءه إلى أخيه، وأدع دعائي إلى نفسي ونصير الأمر شورى، فقال مصعب: قل له: السيف بيننا.
فقدم عبد الملك محمد بن مروان ومعه بشر بن مروان وقال: اللهم انصر محمدا، اللهم انصر خيرنا لهذه الأمة، وقدم مصعب إبراهيم بن الأشتر للقائه فالتقيا وبين عسكر مصعب وبين عسكر ابن الأشتر فرسخ، فتناوش الفريقان فقتل صاحب لواء محمد، وجعل عبد الملك يمد محمدا، وجعل المصعب يمد إبراهيم، وجعل محمد يكف أصحابه عن مناجزة القوم فوجه إليه عبد الملك يشتمه، فوقف محمد رجلا في جماعة وأمره أن يمنع من يأتيه من جهة عبد الملك من دخول عسكره، فوجه عبد الملك خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد فرده أشد الرد حتى إذا كان قرب المساء قال محمد للناس حركوهم فتهايج القوم.
ووجه المصعب إلى إبراهيم بن الأشتر عتاب ورقاء الرياحي، وكان قد بايع عبد الملك ووعده أن يكيد له المصعب، فلما رآه إبراهيم غمه أمره وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون قد سألته أن لا يمدني بهذا ونظرائه، وانهزم عتاب على مواطأة منه لأهل الشام، فوقعت الهزيمة وقتل ابن الأشتر وهو يقول: قد قلت: أعفني من عتاب وذوي عتاب، وكان الذي قتل ابن الأشتر مولى لبني عذرة له عبيد بن ميسرة، واحتز رأسه وأتى به عبد الملك، وأحرق جثته موالي حصين بن نمير، وقال عوانة: لما واقع محمد بن مروان ابن الأشتر قال ابن الأشتر لأصحابه: لا تنصرفوا حتى ينصرف أهل الشام عنكم، فقال عتاب بن ورقاء: ولم لا ننصرف، فانصرف وانهزم الناس حتى أتوا مصعبا، وصبر إبراهيم بن الأشتر حتى قتل، فلما أصبح محمد بن مروان وجه إلى عسكر مصعب رجلا وقال: انظر كيف تراهم فلم يعرف الطريق، فدله عليه إبراهيم بن عربي الكناني فأتى العسكر ثم انصرف، فقال: رأيتهم منكسرين، وقاتل مع مصعب شعيث بن ربيع بن حشيش العنبري فصبر.

(2/403)


قالوا: وأصبح مصعب فدنا من محمد، ودنا منه حتى التقوا فنزل قوم من أصحاب مصعب، وأتوا محمدا، فدنا محمد من المصعب، وناداه: أنا ابن عمك محمد بن مروان فاقبل أمان أمير المؤمنين فقد بذله لك، قال: أمير المؤمنين بمكة، يعني عبد الله أخاه، فقال: يا بن عم إن القوم خاذلوك، فأبى ما عرض وجعل يقول:
إن الألى بالطف من آل هاشم ... تأسوا فسنوا للكرام التأسيا
والشعر لابن قتة.
ودعا محمد عيسى بن مصعب، فقال له مصعب: انظر ما يريد عمك فدنا منه فقال: إني لكم ناصح، ولك ولأبيك الأمان وناشده، فرجع إلى أبيه فأخبره بما قال له، فقال: إني أظن القوم سيفون فإن أحببت أن تأتيهم فافعل، فقال: لا تتحدث نساء قريش بأني خذلتك ورغبت بنفسي عنك، فال: فتقدم حتى احتسبك، فتقدم وناس معه فقتل وقتلوا، ونظر مصعب إلى عتاب بن ورقاء فقال: لا يبعد الله ابن الأشتر فقد كان حذرنيك، وترك الناس مصعبا وخذلوه حتى بقي في سبعة نفر، وجاء رجل من أهل الشام ليحتز رأس عيسى بن مصعب فشد عليه مصعب فقتله، وشد على الناس فانفرجوا عنه، ثم جاء إلى مرفقة ديباج فجلس عليها، ثم قام فشد على الناس فانفرجوا عنه.
وبذل له عبد الملك الأمان، وقال له: إنه يعز علي أن تقتل فاقبل أماني ولك حكمك في المال والولاية، فأبى وجعل يضارب، فقال عبد الملك: هذا والله كما قال القائل:
ومدجج كره الكماة نزاله ... لا ممعن هربا ولا مستلئم
هذا والله الذي لا يجيبنا إلى أماننا، ولا يصدف عنا، ودخل مصعب سرادقه، فيقال: إنه تحنط، فرمى السرادق حتى سقط، وخرج فقاتل.
وأتاه عبيد الله بن زياد بن ظبيان فدعاه إلى المبارزة، فقال له: يا كلب اغرب مثلي يبارز مثلك، لعمري لقد ألجأني الدهر إلى مبارزتك، وشد عليه مصعب فضربه على البيضة فهشمها وجرحه، فرجع عبيد الله فعصب رأسه، وأتى عبد الله بن أبي فروة مصعبا، وكان كاتبه فقال له: جعلت فداك تركك الناس وهذا الرجل، يعني عبد الملك، مستديم لك لعلك تقبل أمانه وعندي خيل مقدحة فاركب أيها شئت وانج بنفسك فدث في صدره، ورجع ابن ظبيان إلى مصعب فحمل عليه، فضربه مصعب وهو مثخن لما أصابته من الجراحة، فلم تعمل ضربته فيه، وضربه عبيد الله بن ظبيان حتى مات، ويقال: ان ابن ظبيان ضربه وزرقه زائدة بن قدامة الثقفي أو رماه، ونادى يا لثارات المختار فسقط ميتا واحتز ابن ظبيان رأسه، ويقال: بل أمر غلاما له ديلميا فاحتز رأسه وحمله إلى عبد الملك، فوضعه بين يديه وهو ينشد.
نعاطي الملوك الحق ما قسطوا لنا ... وليس علينا قتلهم بمحرم
فسجد عبد الملك، فكان ابن ظبيان يقول: لقد هممت أن أضرب رأس عبد الملك وهو ساجد، فأكون قد قتلت ملكي العرب وأرحت الناس منهما، وقال عبد الملك لقد هممت أن أقتل ابن ظبيان فأكون قد قتلت أفتك الناس بأشجع الناس.
وقال الهيثم بن عدي: كتب عبد الملك إلى إبراهيم بن الأشتر، وهو مع مصعب، كتابا فأتى به المصعب قبل أن يقرأه، فلما قرأه قال له: يا أبا النعمان أتدري ما فيه ؟ قال: لا، قال يعرض عليك ما سقت دجلة أو ما سقى الفرات، فإن أبيت جمعهما لك، وإن هذا لما يرغب فيه، فقال إبراهيم: ما كنت لأتقلد الغدر والخيانة، وما عبد الملك من أحد بأيأس منه مني، وما ترك أحدا ممن معك إلا وقد كتب إليه، فابعث إليهم فاضرب أعناقهم، وإلا فأوقرهم حديدا، ثم ألقهم في أبيض كسرى ووكل بهم حفظة، فإن ظفرت عفوت عنهم أو عاقبت، فقال: يا أبا النعمان إني أخاف في هذا القالة، ووالله لو لم أجد إلا النمل لقاتلت به أهل الشام.

(2/404)


قال: فلما اصطف الناس مال عتاب بن ورقاء فذهب، وكان على خيل أهل الكوفة، وجعل ابراهيم يقول لرجل رجل: تقدم فيأبون عليه، فيتقدم هو فيقاتل فلم يزل يفعل ذلك حتى قتل، ثم تقدم مصعب فخذله الناس، فقال لحجار بن أبجر: تقدم يا أبا أسيد إلى هؤلاء الأنتان، قال: ما تتأخر إليه أنتن، ثم قال للغضبان بن القبعثرى: تقدم يا أبا السمط، فقال ما أرى ذاك، فالتفت إلى قطن بن عبد الله الحارثي، وهو على مذحج، وأسد فقال: تقدم فقال: أسفك دماء مذحج في غير شيء، فقال: أف لكم، ثم أقبل في عدة، فلما برز قال زياد بن عمرو العتكي لعبد الملك: يا أمير المؤمنين إن أبا البختري إسماعيل بن طلحة بن عبيد الله كان لي صديقا، وقد خفت أن يقتل فآمنه، قال: هو آمن.
ودنا محمد بن مروان فأعطى مصعبا الأمان، فأباه ورمي مصعب من كل جانب فأثخن، وقاتل ابنه عيسى حتى قتل، وقتل ابن ظبيان مصعبا، ويقال: ضربه غلام له على جبينه واعتوره الناس فقتل ووقف ابن ظبيان فاحتز رأسه وأتى به عبد الملك.
قالوا: وقتل يحيى بن جعدة فأتي عبد الملك برأسه فقال: ما لآل جعدة وآل الزبير، وقتل عبد الله بن شداد بن الهاد الكناني، ويقال: لم يقتل ولكنه مات في تلك السنة، وقتل يحيى بن مبشر اليربوعي، وشد رجل على مسلم بن عمرو الباهلي فطعنه فأذراه عن فرسه، فمر به رجل وهو مرتث فقال: هذا صنيعة من صنائع بني أمية يقتل تحت رايات آل الزبير، وقال عوانة: أتي به عبد الملك وقد طلب له منه الأمان وهو مثقل فقال: يا مسلم ويحك نسيت بلاء يزيد بن معاوية عندك.
قالوا: وكان قتل مصعب في سنة اثنتين وسبعين.
قال ابن الزبير الأسدي في إبراهيم بن الأشتر:
سأبكي وإن لم تبك فتيان مذحج ... فتاها إذا الليل التمام تأوبا
فتى لم يكن في مرة الحرب جاهلا ... ولا بمطيع في الوغى من تهيبا
أبان أنوف الحي قحطان قتله ... وأنف نزار قد أبان فأوعبا
فمن يك أمسى خائنا لأميره ... فما خان إبراهيم في الموت مصعبا
ولما قتل مصعب قال عبد الملك: متى تغذو النساء مثل مصعب لقد حرصنا على استبقائه ولكن الله أبى ذلك.
وقال عدي بن الرقاع العاملي، ويقال البعيث اليشكري:
ونحن قتلنا ابن الحوراي مصعبا ... أخا أسد والمذحجي اليمانيا
ومرت عقاب الموت قصدا بمسلم ... فأهوت له ظفرا فأصبح ثاويا
يعني مسلم بن عمرو الباهلي.
ولعدي بن الرقاع قصيدته التي يقول.
لعمري لقد أصحرت خيلنا ... بأكناف دجلة للمصعب
إذا شئت نازلت مستقدما ... إلى الموت كالجمل الأجرب
فمن يك منا يكن آمنا ... ومن يك من غيرنا يهرب
وقال عبيد الله بن قيس الرقيات:
لقد أورث المصرين خزيا وذلة ... قتيل بدير الجاثليق مقيم
فما قاتلت في الله بكر بن وائل ... ولا صبرت عند اللقاء تميم
في أبيات.
وقال ابن قيس أيضا:
إن الرزية يوم مسكن ... والمصيبة والفجيعة
بابن الحوراي الذي ... لم يعده يوم الوقيعه
يا لهفتي لو أن لي ... بالدير يوم الدير شيعه
وقال الأقيشر الأسدي:
حمى أنفه أن يقبل الضيم مصعب ... فمات كريما لم تذم خلائفه
ولو شاء أعطى الضيم من رام هضمة ... فعاش ملوما في الرجال طرائقه
ولكن مضى والموت يبرق خاله ... يساوره مرا ومرا يعانقه
تولى كرما لم تنله مذلة ... ولم يك رغدا تطيبه نمارقه
وقال عرفجة بن شريك أحد بني قيس بن ثعلبة
ما لابن مروان أعمى الله ناظره ... ولا أصاب رغيبات ولا نفلا
يرجو الفلاح ابن مروان وقد قتلت ... خيل ابن مروان خرقا ماجدا بطلا
يا بن الحواري كم من نعمة لكم ... لو رام غيركم أمثالها شغلا
حملتم فحملتم كل معضلة ... إن الكريم إذا حملته احتملا
وقال الحارث بن خالد المخزومي:

(2/405)


هلا صبرتم بني السوداء أنفسكم ... حتى تموتوا كما ماتت بنو أسد
وقال سويد بن منجوف السدوسي من أهل البصرة يحذر مصعبا غدر أهل الكوفة:
ألا أبلغ مصعبا عني رسولا ... ولن تلقى النصيح بكل واد
تعلم أن أكثر من تناجي ... وإن أدنيتهم فهم الأعادي
وقال الأقيشر في أبيات له، ويقال: ابن الزبير:
من كان أمسى خائنا لأميره ... فما خان إبراهيم في الحرب مصعبا
وقال موسى شهوات:
قد مضى مصعب فولى حميدا ... وابن مروان آمن حيث سارا
مصعب كان منك أورى زنادا ... حين تغشى القبائل الأقتارا
وقال سالم بن وابصة الأسدي:
أبلغ أمير المؤمنين رسالة ... ليس المبلد كالجواد المسهب
لا تجعلن مؤنثا ذا سرة ... ضخما سرادقة وطيء المركب
يغدو إذا ما الحرب أطفىء نارها ... ويروح مزهوا عظيم الموكب
كأغر يتخذ السيوف سرادقا ... يمشي برايته كمشي الأنكب
ومشهر في الحرب فرج سيفه ... غمرات مخشي الردى متهيب
فاذكر ولا تجعل بلاء محمد ... والخاذليه لدى الحروب كجندب
يدعى إذا ما الحيس أحس أدمه ... وإذا تكون عظيمة لم يندب
وإلى ابن مروان الأغر محمد ... بين ابن أشرتهم وبين المصعب
نفسي فداءك يوم ذلك من فتى ... يكفي بمشهده حضور الغيب
وهي في ديوانه طويلة.
المدائني، قال: سار مصعب وحوله نفر يسير وقد خذله أهل العراق، لعدة عبد الملك إياهم، وعد حجار بن أبجر ولاية أصبهان، ووعدها غضبان بن القبعثرى، وعتاب بن ورقاء، وقطن بن عبد الله الحارثي، ومحمد بن عمير بن عطارد.
قال: وقال عروة بن المغيرة: خرج مصعب يسير فوقعت عينه علي فقال: يا عروة كيف صنع الحسين فأخبرته بإبائه النزول على حكم ابن زياد وعزمه على الحرب فقال:
إن الألى بالطف من آل هاشم ... تأسوا فسنوا للكرام التأسيا
والبيت لسليمان بن قتة.
قال: وقال قيس بن الهيثم لأهل البصرة ويحكم لا تدخلوا أهل الشام عليكم فوالله لئن تطعموا بعيشكم ليضيقن عليكم منازلكم ادفعوهم عن داركم، فوالله لقد رأيت سيد أهل الشام على باب الخليفة يفرح بأن أرسله في حاجة، ولقد رأيتنا في الصوائف وإن زاد أحدنا على عدة أجمال وإن أحدهم ليغزو على فرسه وزاده خلفه.
قال: والتقى القوم فقتل مسلم بن عمرو الباهلي، وقتل يحيى بن مبشر أحد بني ثعلبة بن يربوع فقال جرير:
صلى الإله عليك يا بن مبشر ... إما ثويت بملتقى الأجناد
مأوى الضريك إذا السنون تتابعت ... وفتى الطعان عشية العصواد
والخيل ساطعة الغبار كأنها ... قصب تحرق أو رعيل جراد
قالوا: ولما أخبر ابن خازم بمسير مصعب يريد عبد الملك قال: أمعه عمر بن عبيد الله بن معمر ؟ قالوا: لا استعمله على فارس، قال: أفمعه المهلب ؟ قيل: لا استعمله على الموصل، قال: أفمعه عباد بن الحصين ؟ قيل: لا استخلفه على البصرة، قال: وأنا بخراسان.
خذيني فجريني ضباع وأبشري ... بلحم امريء لم يشهد اليوم ناصره
وقال ابن الكلبي: لما أخبر بأن ابن معمر والمهلب غائبان عن مصعب، قال:
فلو بهما حكت رحا الحرب بركها ... لقاما ولو كان القيام على رجل

(2/406)


وحدثني العمري عن الهيثم بن عدي عن عوانة قال: قال عبد الملك يوما لجلسائه: من أشد الناس ؟ قالوا: أمير المؤمنين، قال: اسلكوا غير هذه الطريق، قالوا: عمير بن الحباب، قال: قبح الله عميرا لص ثوب ينازع عليه أعز عنده من نفسه ودينه قالوا: فشبيب، قال: إن للحرورية طريقا، قالوا: فمن ؟ قال: مصعب كانت عنده عقيلتا قريش: سكينة بنت الحسين، وعائشة بنت طلحة، ثم هو أكثر الناس مالا، جعلت له الأمان وضمنت أن أوليه العراق، وعلم أني سأفي له لصداقة كانت بيني وبينه فأبى وحمي أنفا وقاتل حتى قتل؛ فقال رجل: كان يشرب الشراب، قال: ذاك قبل أن يطلب المروءة، فأما مذ طلبها فلو ظن أن الماء ينقص من مروءته ما ذاقه.
وقال المدائني: أتي عبد الملك بجيفة مصعب فجعل ينظر إلى جسده ويقول: متى تغذو النساء مثلك على نفاقك، وكانت على رأسه جارية تذب عنه فبدا لها ذكره، وأول ما يعظم من الميت ويتسمد جردانه فقالت يا سيدي: ما أغلظ أيور المنافقين فقال: اغربي قبحك الله.
حدثنا أبو بكر الأعين حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين حدثني عبد الله بن الزبير عن عبد الله بن شريك العامري قال: إني لواقف إلى جنب مصعب فأخرجت إليه كتابا من قبائي فقلت: هذا كتاب عبد الملك، فقال: اصنع ما شئت.
وأخذ رجل من أهل الشام جارية له فصاحت: واذلاه، فنظر إليها فأعرض عنها.
قال أبو نعيم: وقتل مصعب وهو ابن ست وثلاثين سنة.
وقال الهيثم عن ابن عياش: استأمن زياد بن عمرو العتكي لإسماعيل بن طلحة، وقال: إنه كان يدفع شر المصعب عني فآمنه، فدنا فصاح به وكان زياد ضخما فأتاه وكان اسماعيل نحيفا فضرب بيده إلى منطقته، وكانت مناطقهم حواشي محشوة فاقتلعه من سرجه فقال: انشدك الله أبا المغيرة فإن هذا ليس بوفاء لمصعب، فقال زياد: هذا والله أحب إلي من أن أراك غدا مقتولا.
قال: خرج عبيد الله بن زياد بن ظبيان، وداود بن قحذم القيسي، وبسطام بن مصقلة بن هبيرة الشيباني، وعمر بن ضبيعة إلى عبد الملك برأس إبراهيم بن الأشتر.
وقال الهيثم: لما قتل عبد الملك مصعبا نزل النخيلة أربعين ليلة، فوجه الحجاج إلى عبد الله بن الزبير، وولى بشرا الكوفة، وولى خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد البصرة، ووجه أمية إلى أبي فديك فهزمه، فقدم البصرة في ثلاث، فوجه عبد الملك عمر بن عبيد الله بن معمر إلى أبي فديك، ووج معه ابن عضاه الأشعري وأفرشه ديوان المصرين فانتخب منه، فقتل أبا فديك، وكتب بالفتح إلى بشر بن مروان؛ فقال العجاج:
لقد شفاك عمر بن معمر ... من الحروريين يوم العسكر
وقع امرىء ليس كوقع الأعور
يعني عبد الله بن عمير الليثي، وكان وجه إلى نجدة فلم يصنع شيئا. وقال غير الهيثم: وجه خالد أخاه أمية، ووجه عبد الملك إبراهيم بن عربي إلى اليمامة أميرا عليها، فخرج عليه نوح بن هبيرة، وكان معه من أهل الشام ألف فقتلهم.
المدائني، قال عبد الملك: لله مصعب لو كان لأخيه سخاؤه، وله شجاعة أخيه، وشدة شكيمته ما طمع فيهما، على أن مصعبا كان شجاعا أبيا لقد أعطيناه أمانا لو قبله لوفينا له به، ولكنه آثر الموت صابرا على الحياة. وحدثني الحرمازي عن أبي زيد عن أبي عمرو بن العلاء قال: ذكر رجل مصعبا عند عبد الملك، فوقع فيه وصغر شأنه فقال عبد الملك: اسكت فإن من صغر مقتولا صغر قاتله.

(2/407)


حدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن عوانة عن رجل من أهل مكة قال: لما أتى عبد الله بن الزبير مقتل مصعب أضرب عن ذكره أياما، ثم تحدث به الإماء بمكة في الطريق، ثم صعد المنبر فجلس عليه مليا لا يتكلم، وإذا الكآبة بادية في وجهه وجبينه يرشح عرقا، قال: فقلت لصاحب لي: ألا تراه، أتراه يهاب المنطق والله إنه لخطيب جريء فما تظنه تهيب، قال: أراه يريد ذكر مصعب سيد العرب، فهو يفظع ذكره، ثم قام فقال: الحمد لله الذي له الخلق والأمر، وملك الدنيا والآخرة، يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير وهو على كل شيء قدير، ألا وإنه لم يذل امرؤ كان معه الحق وإن كان فردا ولم يعز أحد من أولياء الباطل ولو كان الناس معه طرا، إنه أتانا خبر من العراق حزننا وأفرحنا، وساءنا وسرنا، أتانا قتل مصعب بن الزبير رحمه الله، فأما الذي حزننا من ذلك فأن لفراق الحميم لوعة يجدها حميمه عند المصيبة، ثم يرعوي ذا الرأي والدين والحجى والنهى إلى جميل الصبر، وكريم العزاء، وأما الذي سرنا من ذلك فإنا قد علمنا أن قتله شهادة وأن الله جاعل ذلك لنا وله خيرة، إن أهل العراق أهل الغدر والنفاق أسلموه وباعوه بأقل ثمن وأخسه فقتل. وإن قتل فمه، قد قتل أبوه وعمه وهما من الخيار الصالحين، إنا والله ما نموت حبجا، ما نموت إلا قتلا قعصا بأطراف الأسنة وظباة السيوف، ليس كما يموت بنو مروان في حجالهم، فوالله ما قتل منهم رجل قط في جاهلية ولا إسلام، ولئن ابتليت بالمصيبة بمصعب، لقد ابتليت قبله بالمصيبة بإمامي عثمان بن عفان، ألا وإنما الدنيا عارية من الملك الجبار الذي لا يزول ملكه، ولا يبيد سلطانه فإن تقبل على لا آخذ الأشر البطر، وإن تدبر عني لا أبك عليها بكاء الخزف الهتر؛ ثم نزل وهو يقول:
خذيني فجريني ضباع وأبشري ... بلحم امرىء لم يشهد اليوم ناصره
قالوا: وتمثل عبد الله حين قتل مصعب:
لقد عجبت وما بالدهر من عجب ... أنى قتلت وأنت الحازم البطل
وقال عبد الملك: إن عبد الله بن الزبير لو كان خليفة كما يقول لخرج فآسى بنفسه، ولم يغرز ذنبه في الحرم، ثم قال: لله درك يا مصعب ما كان أسخى نفسك بنفسك.
وقال أعشى همدان، وهو عبد الرحمن بن الحارث بن نظام قصيدة طويلة أولها:
ألا من لهم آخر الليل منصب ... وأمر جليل فادح لي مشيب
وفيها:
ألا بهلة الله الذي عز جاره ... على الغادرين الناكثين بمصعب
جزى الله حجارا هناك ملامة ... وفرخ عمير من مناج مؤلب
وما كان عتاب له بمناصح ... ولا كان عن سعي عليه بمغرب
ولا قطن ولا ابنه لم يناصحا ... فتبا لسعي الحارثي المخبب
وضاربهم يحيى وعيسى ذمامة ... وضارب تحت الساطع المتنصب
وأدبر عنه المارق ابن القبعثرى ... فما كان بالحامي ولا بالمذبب
ولا العتكي إذ أمال لواءه ... فولى به عنه إلى شر موكب
ولا ابن رويم لا سقى الغيث قبره ... فباء بجدع آخر الدهر موعب
وما سرني من هيثم فعل هيثم ... وإن كان فينا ذا غناء ومنصب
ولا فعل داود القليل وفاؤه ... فقد ظل محمولا على شر مركب
ولكن على فياض بكر بن وائل ... سأثني وخير القول ما لم يكذب
يعني بفرخ عمير محمد بن عمير بن عطارد، ويعني بالهيثم الهيثم بن الأسود بن الهيثم النخعي، ويعني بفياض بكر عكرمة بن ربعي من بني تيم الله بن ثعلبة بن عكابة وكان جوادا، ويعني بعيسى عيسى بن مصعب وبيحيى يحيى بن مبشر اليربوعي من بني تميم، ويعني بحوشب حوشب بن يزيد بن رويم، ويعني بداود داود بن قحذم.
وقال أبو السفاح من ولد عميرة بن طارق اليربوعي:
صلى على يحيى وأشياعه ... رب غفور وشفيع مطاع
يا سيدا ما أنت من سيد ... موطإ الرحل رحيب الذراع
قوال معروف وفعاله ... عقار مثنى أمهات الرباع

(2/408)


وقال المدائني: كان أبو العباس الأعمى يهجو آل الزبير ويمدح مصعبا من بينهم، ويمدح بني أمية، وكان عثمانيا فقال له عبد الملك: أنشدني شعرك في مصعب فإنا لا نتهمك فأنشده:
رحم الله مصعبا إنه عا ... ش جوادا وكان فينا كريما
طلب الملك ثم مات فقيدا ... لم يعش باخلا ولا مذموما
فقال عبد الملك: صدقت والله كذا كان.
وقال هشام ابن الكلبي: تزوج مصعب فاطمة بنت عبد الله بن السائب، أحد بني أسد بن عبد العزى، فولدت له عيسى بن مصعب وعكاشة فقتل عيسى يوم دجيل، ونجا عكاشة بنفسه فقال الشاعر:
ولو كان صلب العود أو ذا حفيظة ... رأى ما رأى في الموت عيسى بن مصعب
والثبت أن البيت قيل في حوشب بن يزيد بعد هذه الأيام وهو:
ولو كان حرا حوشب ذا حفيظة ... رأى ما رأى في الموت عيسى بن مصعب
وقالوا: قال عوانة: اشترط زفر في صلحه ألا يقاتل مع عبد الملك وابن الزبير حي، ولم يدخل الهذيل في الشرط، فلما سار عبد الملك إلى مصعب سار الهذيل بن زفر معه، ثم تحول إلى مصعب وقاتل مع ابراهيم بن الأشتر يوم دجيل، فلما قتل استخفى بالكوفة في قومه، ثم إن زفر طلب له الأمان فآمنه عبد الملك وبايعه.
ويقال: إنه قدر عليه بغير أمان فقال له عبد الملك: ما ظنك بي ؟ قال: ظني أنك قاتلي، قال: فقد أكذب الله ظنك بل قد عفوت عنك، وكان يحبه لشجاعته.
قالوا: وبويع عبد الملك بدير الجاثليق، ودفنت جثة مصعب هناك فقبره معروف بمسكن بقرب أوانا، ويعرف موضع عسكره ووقعته بخربة مصعب، وبصحراء مصعب، وزعموا انها لا تنبت شيئا.
وبعث عبد الملك برأس مصعب إلى الكوفة، أو حمله معه، ثم بعث به إلى عبد العزيز بمصر، فلما رآه وقد حذى السيف انفه قال: رحمك الله أما والله لقد كنت من أحسنهم خلقا، وأشدهم بأسا، وأسخاهم نفسا، ثم رد رأسه إلى الشام فنصب بدمشق، وأرادوا أن يطوفوا به في نواحي الشام، فأخذته عاتكة بنت يزيد بن معاوية وهي أم يزيد بن عبد الملك فغسلته وطيبته ودفنته، وقالت: أما رضيتم بأن صنعتم ما صنعتم حتى تطوفوا وتنصبوه في المدن هذا بغي.
قالوا: وكان محمد بن مروان أخذ جارية لإبراهيم بن الأشتر كردية فواقعها فولدت على فراشه مروان بن محمد الجعدي، فلذلك قيل لمروان ابن أمة النخع.
وحدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن جده، وأبي محنف، أن مصعب بن الزبير قتل في سنة اثنتين وسبعين، فشخص عبد الملك إلى الكوفة وجعل على شرطه قطن عبد الله بن الحصين الحارثي، فكان قائما بأمرها، ثم ولاها عبد الملك بشر بن مروان، وولى خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد البصرة، وكان قطن عثمانيا لم يمل إلى عبد الملك أحد ميله؛ ومضى عبد الملك إلى الشام، ثم إنه جمع العراقين لبشر، فأتى البصرة فأقام بها أربعة أشهر، ويقال: ستة أشهر، وهو عليل ومات؛ فولى عبد الملك الحجاج العراق ومات عبد الملك في سنة ست وثمانين؛ فكانت ولايته بعد قتل مصعب أربع عشرة سنة.
وقال أبو اليقظان: عاش عبد الملك بعد قتل المصعب أربع عشرة سنة.
المدائني عن مسلمة بن محارب وعوانة: أن عبد الملك قدم الكوفة حين قتل المصعب فقال للهيثم بن الأسود: كيف رأيت صنع الله ؟ قال: صنع يا أمير المؤمنين خيرا، فخفف الوطء وأقل التثريب، فوالله ما نيل فضل قط إلا بعفو وصبر واحتمال.
وتقدم رجل من الأنصار فأنشده:
الله أعطاك التي ما فوقها ... وقد أراد الملحدون عوقها
عنك ويأبى الله إلا سوقها ... إليك حتى قلدوك طوقها
وحملوك ثقلها وأوقها

(2/409)


قالوا: وهيأ عمرو بن حريث - وكان خليفة المصعب على الكوفة حين شخص إلى مسكن، وكان مائلا إلى عبد الملك وقد كاتبه فيمن كاتبه - لعبد الملك طعاما فدخل عبد الملك قصر الكوفة من النخيلة فقال له عمرو تأذن لخاصتك أم تجعله إذنا عاما ؟ فقال: بل اجعله إذنا عاما، فأذن للناس ووضعت الموائد فأكل عبد الملك وأكلوا؛ ويقال: ان عبد الملك اجلس عمرا معه على المائدة فقال له: أي الطعام أحب إليك وأطيب عندك ؟ فقال: عناق حمراء قد أجيد تمليحها وأحكم نضجها فقال عبد الملك: ما صنعت يا أبا سعيد رحمك الله شيئا، فأين أنت عن عمروس راضع قد أجيد سمطه، واحكم شيه إذا اختلجت منه عضوا تبعك العضو الذي يليه؛ فلما فرغوا من طعامهم أقبل عبد الملك يدور في القصر ومعه عمرو بن حريث، وجعل يسأله عما أحدث فيه رجل رجل، ويسأله أيضا عما أشرف عليه من قصور الكوفة فيقول: هذا لفلان، وهذا لفلان، وأحدث هذا فلان، وجعل عبد الملك ينشد:
فكل جديد يا أميم إلى بلى ... وكل امرىء يوما يصير إلى كان
ثم استلقى على فراشه وأنشد
إعمل على مهل فإنك ميت ... واكدح لنفسك أيها الإنسان
فكأن ما قد كان لم يك إذ مضى ... وكأن ما هو كائن قد كان
وقال بعضهم: إن عبد الملك أمر فاتخذ له الطعام ووضعت الموائد فجاء عمرو بن حريث يتريبل في مشيته فاستدناه وأكل معه وسأله عن أطيب الطعام فأجابه بما ذكرنا، وأن الطعام كان بالخورنق، قال: فلما أكل عبد الملك وأكل الناس أقبل يطوف ويسأل عمرا عن الخورنق، وعما أشرف عليه من الأبنية فيخبره بذلك ثم أنشد الشعر.
وولى عبد الملك الحجاج بن يوسف محاربة عبد الله بن الزبير، وأنفذه من الكوفة.
وقال ابن الكلبي والهيثم بن عدي وغيرهما: لما دخل عبد الملك الكوفة قصد إلى المسجد فخطب خطبة ذكر فيها صنع الله له، ووعد المحسن، وتوعد المسيء وقال: إن الجامعة التي وضعت في عنق عمرو بن سعيد عندي، والله لا أضعها في عنق رجل فأنزعها إلا صعدا لا أفكها عنه فكا، فلا يتقين امرؤ الا على نفسه ولا يولغني دمه.
المدائني، قال: دعا عبد الملك بالنخيلة إلى البيعة، فجاءت قضاعة فرأى قلتها فقال: يا معشر قضاعة كيف سلمتم من مضر مع قلتكم ؟ فقال عبد الله بن يعلى النهدي: نحن أعز منهم وأمنع، قال: بمن ؟ قال: بمن معك يا أمير المؤمنين، ثم جاءت مذحج وهمدان فقال: ما أرى لأحد مع هؤلاء بالكوفة شيئا، ثم جاءت جعفي، فلما رآهم قال: يا معشر جعفي اشتملتم على ابن اختكم وورايتموه، يعني يحيى بن سعيد بن العاص ؟ قالوا: نعم قال: فأتوني به، قالوا: وهو آمن ؟ قال: وتشترطون أيضا ؟ ! فقالوا: إنا والله ما نشترط جهلا بحقك، ولكنا نتسحب عليك تسحب الولد على والده، قال: أما والله لنعم الحي أنتم إن كنتم لفرسانا في الجاهلية والإسلام، نعم هو آمن، فجاءوا به، فقال له - وكان يكنى أبا أيوب - : باي وجه تلقى ربك وقد خلعتني ؟ قال: بالوجه الذي خلق فسوى، فقال عبد الملك: لله دره أي ابن زوملة هو، يعني عربية.
وتقدم رجل من عدوان فقال له: ممن أنت ؟ قال: من عدوان، فقال عبد الملك:
غدير الحي من عدوا ... ن كانوا حية الأرض
بغى بعضهم بعضا ... فلم يرعوا على بعض
ومنهم كانت السادا ... ت والموفون بالقرض
ثم قال للرجل: إيه ؟ فقال: لا أدري، فقال معبد بن خالد الجدلي
ومنهم حكم يقضي ... فلا ينقض ما يقضي
ومنه من يجيز الح ... ج بالسنة والفرض
فقال للرجل: لمن هذا ؟ قال: لا أدري، قال معبد: هو لذي الإصبع العدواني واسمه حرثان بن محرث بن الحارث بن شباب، فقال للرجل: كم عطاؤك ؟ قال: سبعمائة، وقال لمعبد: في كم أنت ؟ قال في ثلاثمائة، فأمر فحط الرجل أربعمائة، وزيدها معبد، فصار في سبعمائة، والآخر في ثلاثمائة وقال: هذا لجهلك؛ ثم أوصى به عبد الله بن اسحاق بن الأشعث، وقال لبشر: اجعله في صحابتك.

(2/410)


وولى عبد الملك قطن بن عبد الله الكوفة أربعين يوما، ثم عزله وولى بشرا وقال: قد وليت عليكم بشرا وأمرته بالإحسان إلى محسنكم، واللين لأهل الطاعة والشدة على أهل المعصية والريبة منكم، فاسمعوا له وأطيعوا وأحسنوا مكانفته ومعاونته، وولى محمد بن عمير همدان وحوشب بن يزيد بن رويم الري، وبعضهم يقول: ولى يزيد بن رويم الري، وذلك وهم، لأن يزيد قتل قبل مقتل الزبير بن علي الخارجي، وخروج قطري، وذلك قبل قتل مصعب، وقال بعضهم: ولى الري وهمدان محمد بن عمير، وهو أشبه، وفرق العمال ولم يف لأحد وعده بولاية أصبهان.
وقال المدائني: لجأ عبد الله بن يزيد بن أسد إلى علي بن عبد الله بن العباس، ولجأ إليه أيضا يحيى بن معيوف الهمداني، ولجأ الهذيل بن زفر بن الحارث وعمرو بن يزيد الحكمي إلى خالد بن يزيد بن معاوية، فآمنهم عبد الملك بن مروان.
حدثني محمد بن سعد عن أبي نعيم حدثنا يونس بن أبي اسحاق عن أبي اسحاق قال: كنت أنا والأسود بن يزيد في الشرط أيام مصعب، قالوا: ولما أراد عبد الملك الشخوص إلى الشام خطب الناس فعظم عليهم حق السلطان، وقال لهم هو ظل الله في الأرض، وحثهم على الطاعة والجماعة، وذكر ابن الزبير وخلافه وخروجه مما دخل الناس فيه من بيعة يزيد وغيره وحكم الله له عليه، وقال: إنه لو كان خليفة كما يزعم لأبدى صفحته وآسى أنصاره بنفسه ولم يغرز ذنبه في الحرم، ثم أعلمهم أنه قد ولى مصرهم أخاه بشرا وآثرهم به وأمره بالإحسان إلى محسنهم والطاعة له، وأن يحسنوا موازرته ومكانفته ويخفوا لما أهاب بهم إليه، وولى خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد البصرة.
وأنشدني محمد بن الأعرابي الراوية في بيعة عبد الملك لرجل من بلقين:
بدير الجاثليق على دجيل ... عقدنا بيعة الملك الهمام
عقدنا بيعة لا إثم فيها ... سيحوي فخرها أهل الشآم
بسم الله الرحمن الرحيم
أمر عبد الله بن الزبير
في أيام عبد الملك ومقتله
قال الواقدي وغيره: لما بويع عبد الملك وهو بالشام بعث إلى المدينة عروة بن أنيف في سنة آلاف من أهل الشام وأمره أن لا ينزل على أحد وأن لا يدخل المدينة، وأن يعسكر بالعرصة ففعل، وكان عامل عبد الله بن الزبير على المدينة الحارث بن حاطب بن الحارث بن معمر الجمحي، ولاه إياها بعد عزله مقوم الناقة لتشاؤم الناس بمقوم الناقة، وغلاء السعر في ولايته، حتى بلغ مد النبي صلى الله عليه وسلم درهمين، فهرب الحارث وكان ابن أنيف يدخل فيصلي الجمعة بالناس ثم يعود إلى معسكره، فأقام وأصحابه شهرا لا يبعث إليهم ابن الزبير أحدا، ولم يلقوا كيدا، فكتب عبد الملك إلى ابن أنيف ومن معه في القفول إلى الشام فلم يتخلف منهم أحد، وكان يصلي بالناس بعده عبد الرحمن بن سعد القرظ ثم عاد الحارث بن حاطب إلى المدينة، ووجه ابن الزبير سليمان بن خالد الزرقي من الأنصار، وكان رجلا صالحا، وجده ممن شهد العقبة، إلى الحارث، وأمره بتوليته خيبر وفدك، فخرج سليمان فنزل في عمله.
وبعث عبد الملك عبد الواحد بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص، ويقال عبد الملك بن الحارث بن الحكم وهو الثبث، في أربعة آلاف إلى المدينة فلما نزل أول عمل ابن الزبير مما يلي الشام، هرب عماله، وسار عبد الملك حتى نزل وادي القرى ووجه منها خيلا عليها أبو القمقام إلى سليمان بن خالد فوجدوه قد هرب، فطلبوه حتى لحقوه فقتلوه ومن معه، فلما بلغ ذلك عبد الملك اغتم وقال: قتلوا رجلا مسلما محرما صالحا بغير ذنب، ودخل عليه قبيصة بن ذؤيب بن حلحلة بن عمرو الخزاعي، وكان يتولى خاتم عبد الملك، وروح بن زنباع الجذامي فنعاه إليهما فارتاعا لذلك، وترحما عليه.
وعزل ابن الزبير ابن حاطب الجمحي، وولى مكانه جابر بن الأسود بن عوف الزهري، فوجه جابر أبا بكر بن أبي قيس في ستمائة وأربعين فارسا إلى خيبر، فوجدوا أبا القمقام ومن معه وهم الخمسمائة الذين قتلوا سليمان الزرقي مقيمين بفدك يعسفون الناس ويأخذون أموالهم، فقاتلوهم وانهزم أصحاب أبي القمقام، وأخذ منهم ثلاثون رجلا أسرى فقتلهم أبو بكر صبرا، ويقال: بل قتل الخمس المائة أو أكثرهم، وكان عبد الملك قد وجه طارق بن عمرو مولى عثمان بن عفان، وهو الذي يقول فيه الشاعر:

(2/411)


ولو تكلمن ذممن طارقا ... والدهر قد أمر عبدا آبقا
وأمره أن ينزل بين أيلة ووادي القرى، فيمنع عمال ابن الزبير من الانتشار، ويحفظ ما بينه وبين الشام، ويسد خللا إن ظهر له، فوجه طارق إلى أبي باكر خيلا فاقتتلوا، فأصيب أبو بكر في المعركة، وأصيب من أصحابه أكثر من مائتي رجل، وكان ابن الزبير قد كتب إلى القباع أيام كان عامله على البصرة في البعث إليه بألفي رجل ليعينوا عامله على المدينة، ويقيموا معه بها فوجه رجلا في ألفين فكان مع جابر.
فلما قتل أبو بكر بن أبي قيس، كتب ابن الزبير إلى القادم من البصرة يأمره أن يخرج في أصحابه فيلقى طارقا، وبلغ طارقا الخبر، فصار نحو المدينة فالتقيا بموضع يعرف بشبكة الدوم، فقتل البصري وقتل أصحابه قتلا ذريعا، فطلب مدبرهم وأجهز على جريحهم ولم يستبق أسيرهم ولم ينج منهم إلا الشريد، فلما بلغ ابن الزبير مقتله كتب إلى عامله على المدينة يأمره أن يفرض لألفي رجل من أهل المدينة وما والاها ليكونوا ردءا لها، ففرض الفرض ولم يأته مال فبطل فسمي ذلك الفرض فرض الريح.
قال الواقدي: ويقال إن هذا الفرض كان في ولاية ابن حاطب.
ورجع طارق إلى وادي القرى فكان سيارة فيما بين المدينة ووادي القرى وأيله، وكان عامل ابن الزبير مقيما بالمدينة؛ قال: وعزل ابن الزبير جابر بن الأسود وولى في صفر سنة سبعين طلحة بن عبد الله بن عوف، الذي يعرف بطلحة الندى، فلم يزل على المدينة حتى أخرجه طارق بن عمرو، وقد قدمها يريد الحجاج والحجاج بمكة، وكان طارق حسن العفو والتقية له رفق.
وقال الواقدي: لما قتل عبد الملك مصعب بن الزبير وأتى الكوفة، وجه منها الحجاج بن يوسف إلى عبد الله بن الزبير في ألفين، ويقال: في ثلاثة آلاف، ويقال في خمسة آلاف من أهل الشام، وذلك في سنة اثنتين وسبعين، فلم يعرض للمدينة ولا طريقها، وسار على الربذة حتى أتى الطائف، فكان يبعث البعوث إلى عرفة، ويبعث ابن الزبير إليه أصحابه فيقتتلون هناك وكل ذلك تهزم خيل ابن الزبير، وترجع خيل الحجاج إلى الطائف.
وقال عوانة بن الحكم: دخل عبد الملك بن مروان الكوفة حين قتل مصعبا فأقام بها أياما، ثم وجه جيشا إلى ابن الزبير، وهو بمكة واستعمل عليه الحجاج بن يوسف الثقفي، فأقبل عليه الهيثم بن الأسود النخعي فقال له: يا أمير المؤمنين أوص هذا الغلام الثقفي بالكعبة، ومره أن لا ينفر أطيارها، ولا يهتك أستارها، ولا يرمي أحجارها، وأن يأخذ على ابن الزبير بشعابها وفجاجها وأنفاقها، حتى يموت فيها جوعا أو يخرج عنها مخلوعا، فقال عبد الملك للحجاج: افعل ذلك واجتنب الحرم وانزل الطائف.
فسار الحجاج حتى نزل الطائف، ثم إنه كتب إلى عبد الملك إنك متى تدع ابن الزبير وتكف عنه ولا تأمر بزحمه ومصادمته يكثر عدده وعدده وسلاحه فأذن لي في قتاله ومناجزته فكتب إليه: افعل ما ترى، فأمر أصحابه أن يتجهزوا للحج، ثم أقبل من الطائف، وقدم مقدمته، فنصبوا المنجنيق على أبي قبيس، فلما هبطوا إلى منى رأى من في عسكر الحجاج المنجنيق منصوبة فقال الأقيبل بن شهاب الكلبي، وهو ينسب في القين بن جسر، فيقال القيني:
لعمر أبي الحجاج لو خفت ما أرى ... من الأمر ما ألفيت تعذلني نفسي
فلم أر جيشا غر بالحج قبلنا ... ولم أر جيشا مثلنا غير ما خرس
يقول لا يتكلم ولا ينكر:
خرجنا لبيت الله نرمي ستوره ... وأحجاره زفن الولائد في العرس
دلفنا له يوم الثلاثاء من منى ... بجيش كصدر الفيل ليس بذي رأس
فإلا ترحنا من ثقيف وملكها ... نصل لأيام السباسب والنحس
فبلغ الحجاج الشعر، فطلبه ليقتله، فهرب حتى لحق بدمشق، فضرب على قبر مروان بن الحكم خيمة مستجيرا به، فدعا به عبد الملك، فلما صار بين يديه أنشده:
إني أعوذ بقبر لست مخفره ... ولا أعوذ بقبر بعد مروانا

(2/412)


فقال عبد الملك: وأنا لا أعوذ به أحدا بعدك، وأمر كاتبه أن يكتب له إلى الحجاج بأن يمسك عنه، ويعلمه أنه قد آمنه، فقال له الكاتب: عد إلي، فلما خرج أمره عبد الملك أن يكتب إليه إني قد صرفت إليك الأقيبل فاعمل فيه بما ترى فإنك محمود الرأي موفق للصواب فكتبه وختمه، فلما أخذه وانطلق به متوجها يريد مكة فكر في أمره، فقال لعل الكتاب مثل صحيفة المتلمس ففتحه ودفعه إلى من قرأه له فأنشأ يقول:
لأطلبن حمولا قد علت شرفا ... كأنها في الضحى نخل مواقير
فقد علمت وعلم المرء ينفعه ... أن انطلاقي إلى الحجاج تغرير
مستحقبا صحفا تدمى طوابعها ... وفي الصحائف حيات مناكير
لئن أتيتك يا حجاج معتذرا ... إذا فلا قبلت تلك المعاذير
وإن ظهرت لحجاج ليقتلني ... إني لأحمق من تحدى به عير
ثم لحق بقومه في باديتهم، فلم يزل معهم حتى هلك.
وحصر الحجاج ابن الزبير في المسجد، وألح عليه بالمنجنيق، وصير على رماتها رجلا من خثعم فجعل يرمي البيت وهو يقول:
خطارة مثل الفنيق المزبد ... نرمي بها عواذ هذا المسجد
وقد كان رماة المنجنيق يقولون مثل هذا في حصار حصين بن نمير أيام يزيد بن معاوية.
وقال الواقدي: كتب الحجاج من الطائف إلى عبد الملك يسأله المدد ويستأذنه في حصار ابن الزبير ودخول الحرم ويعلمه أنه قد روخي له في خناقه، وأنه في فسحة من أمره، فأذن له في ذلك وكتب إلى طارق بن عمره يأمره باللحاق به، فقدم المدينة في ذي القعدة سنة اثنتين وسبعين، فخرج عامل ابن الزبير عنها، وصير عليها طارق بن عمرو رجلا من أهل الشام يقال له ثعلبة، فكان ثعلبة ينكت المخ على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويأكله، ويأكل التمر على المنبر ليغيظ بذلك أهل المدينة، وكان مع ذلك شديدا على أهل الريبة، فأمنت الطرق وكان أصحابه يتعبثون فيضربهم بالسياط، وأخذ قوما تناولوا من شعير لرجل قد دق شعيره فضرب كل امرىء منهم خمسمائة سوط، وأتي برجل اغتصب امرأة نفسها فضربه بالسياط حتى مات، ثم صلبه على باب المرأة، وقال جابر بن عبد الله لما رأى صنيعه على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: رحم الله عثمان أنكروا من أمره ما قد رأوا أعظم منه أضعافا، وإن كانت سيرة طارق صالحة.
قال: وكانت العير تحمل إلى أهل الشام من عند عبد الملك السويق والكعك والدقيق، لا تفتر حتى أخصبوا.
قال: ونحر ابن الزبير ونفر معه البدن عند المروة إذ لم يقدروا على إتيان منى وعرفة، وسأل الحجاج ابن الزبير أن يطوف بالبيت فلم يأذن له في ذلك إذ لم يأذن له الحجاج في حضور عرفة.
وكان عبد الملك ينكر رمي البيت في أيام يزيد بن معاوية، ثم أمر بذلك، فكان الناس يتعجبون منه ويقولون خذل في دينه، وحج عبد الله بن عمر في تلك السنة، فأرسل إلى الحجاج أن اتق الله واكفف هذه الحجارة عن الناس، فإنك في شهر حرام، وبلد حرام، وقد قدمت وفود الله من أقطار الأرض يضربون آباط الإبل ويمشون على أقدامهم ليودوا فريضة أو يزدادوا مزداد خير، فإن المنجنيق قد منعتهم من الطواف، فكف عن الرمي حتى قضوا ما يجب عليهم بمكة.
وخرجوا إلى مني وعرفة فوقف بالناس بها وشهد معهم المشاهد ولم يعرض ابن الزبير للحجاج في الزيارة وغيرها، ونادى منادي الحجاج في الناس أن انصرفوا إلى بلادكم، فإنا نعود بالمنجنيق على الملحد ابن الزبير، وتحلب الناس إلى ابن الزبير ليقاتلوا معه إعظاما للبيت وحرمته، وقدم عليه قوم من الأعراب تقعقع وفاضهم، وقالوا: قدمنا لنقاتل معك فأعنا على قتال أعدائك، فإذا مع كل امرىء منهم سيف كأنه شفرة قد خرج من غمده فقال: يا معشر الأعراب لا قربكم الله، فوالله إن سلاحكم لرث، وإن حديثكم لغث، وإنكم لعيال في الجدب، وأعداء في الخصب فتفرقوا عنه.

(2/413)


وقال الواقدي في روايته: قدم على ابن الزبير حبشان من الحبشة فقاتلوا معه، فكانوا يرمون بمزاريقهم فلا يقع لهم مزراق إلا في رجل، فقتلوا من الشاميين جماعة ونهكوا، فحمل عليهم أهل الشام فانكشفوا وجعلوا يعتذرون إلى ابن الزبير ويقولون: لسنا بأصحاب مواجهة، ولكنا أصحاب اتباع بالمزاريق إذا ولوا، فلم يزل بعد ذلك يواجه الشاميين بأصحاب السيوف ويتقدم، وإذا ولى القوم أمر أصحاب المزاريق فرموهم، ثم إنهم فارقوه لضيق الأمر عليهم.
قال: وكان مع ابن الزبير قوم قدموا مع ابن عديس من مصر، ثم صاروا خوارج ذوو شجاعة وبأس فقاتلوا معه دافعين عن البيت معظمين لحرمته وكانت لهم نكاية في أهل الشام، فبلغه عنهم ما يقولون في عثمان رضي الله تعالى عنه فقال: والله ما أحب أن أستظهر على عدوي بمن يبغض عثمان، ولا بأن ألقي الله إلا ناصرا له، وجعل يماكرهم، فقالوا: والله ما نرى أن نقاتل مع رجل يكفر أسلافنا، وما قاتلنا إلا لحرمة هذا البيت، وأن نردها شورى فتفرقوا عنه فاختل عسكره وعريت مصافه ودنا منه عدوه حتى قاتلوه في جوف المسجد، فقال عبيد بن عمير: عجبا لك ولما صنعت لهؤلاء القوم، وهم أهل البلاء الحسن والأثر الجميل هلا سكت عنهم واحتملتهم إلى أن يصنع الله وتضع الحرب أوزارها، وقد قلت: لو أن الشياطين أعانتني على هؤلاء القوم لقبلتهم وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعين في حربه بالمنافقين واليهود.
قال: وأصابت الناس مجاعة شديدة حتى ذبح ابن الزبير فرسا له وقسم لحمه في أصحابه.
وقال الواقدي: حدثني ابن جريج عن عطاء قال: رأيت العباد من أصحاب ابن الزبير يأكلون لحوم البراذين في حصر ابن الزبير.
وقال الواقدي في روايته: وبيعت الدجاجة بعشرة دراهم، ومد الذرة بعشرين درهما، وإن بيوت ابن الزبير لمملوءة قمحا وشعيرا وذرة وتمرا.
وقال ابن الكلبي وغيره: كان أهل الشام ينتظرون فناء ما كان عند ابن الزبير من الطعام، فكان يحوط ذلك ولا ينفق منه إلا ما يمسك الرمق ويقول: أنفسهم قوية ما لم يفن، يعني أنفس أصحابه.
قالوا: ولما صدر الناس عن الحج أعاد الحجاج الرمي بالمنجنيق، فلقد كان الحجر يقع بين يدي عبد الله بن الزبير وهو يصلي فلا يبرح.
وحدثني أحمد بن ابراهيم الدورقي حدثنا محمد بن كثير حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة قال: كان حجر المنجنيق يجيء عبد الله بن الزبير فيقال له تنح فيقول:
سهل عليك فإن الأمور ... بكف الإله مقاديرها
فليس بآتيك منهيها ... ولا قاصر عنك مأمورها
وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه قال: رأيت حجارة المنجنيق يرمى بها الكعبة حتى كأنها جيوب النساء، ولقد رميت بكلب فكفأ قدرا لنا فيها جشيشة فأخذناه فوجدناه كثير الشحم، فكان أشد إشباعا لنا من الجشيشة.
وقال عوانة: رميت الكعبة حتى ارتجت ووهت فارتفعت سحابة ذات برق ورعد فسقطت صاعقة على المنجنيق فأحرقتها وقتلت من أصحابها اثني عشر رجلا، فذعر أهل الشام من ذلك، وكفوا عن القتال، فقال الحجاج إنها تهامة، وهي بلاد كثيرة الصواعق فلا يروعنكم ما ترون فإن من قبلكم كانوا إذا قربوا قربانا بعثت نار فأكلته، فيكون ذلك علامة تقبل ذلك القربان، فأتي بمنجنيق أخرى وعاود الرمي.
المدائني عن مسلمة عن أشياخ له قال: رمى الحجاج البيت، فسقطت على المنجنيق صاعقة في يوم مطير فقال: لا يروعنكم فإنها صواعق تهامة.
قال: وجعل أهل الشام يقولون وهم يرمون:
يا بن الزبير طال ما عصيكا ... وطال ما عنيتنا اليكا
لتجزين بالذي أتيكا ... لنضربن بسيفنا قفيكا
وجعلوا يقولون كقولهم في أيام حصار حصين بن نمير:
كيف ترى صنيع أم فروه ... تقتلهم بين الصفا والمروه
وكان مع الحجاج ممن مع الحصين.

(2/414)


حدثني محمد بن سعد والوليد بن صالح قالا: حدثنا الواقدي حدثني اسحاق بن يحيى بن يوسف قال: رمي بالمنجنيق فرعدت السماء وبرقت فتهيب ذلك أهل الشام فرفع الحجاج بيده حجرا ووضعه في كفة المنجنيق ورمى بعضهم، فلما أصبحوا جاءت صاعقة فقتلت من أصحاب المنجنيق اثني عشر رجلا فانكسر أهل الشام، فقال الحجاج، يا أهل الشام لا تنكروا ما ترون فإنما هي صواعق تهامة، وعظم عندهم أمر الخلافة، وطاعة الخلفاء.
وقال ابن الكلبي: اصابت الناس مجاعة في أيام ابن الزبير وكان عامله على وادي القرى الجراح بن الحصين بن الحارث الجعفي، وكان لابن الزبير بها تمر كثير من تمر الصدقة، فأنهبه فلما قدم عليه جعل يضربه بدرته ويقول: أكلت تمري وعصيت أمري، فلما كان حصار الحجاج إياه، دعا الحجاج الجراح بن الحصين فقال له حدثني حديث الملحد وحديثك فدعا وجوه من معه فقال: اسمعوا أهذا ممن يرجى لخير ؟ ! قال: وقدم عبد الله بن دراج، مولى معاوية مكة، فاتهمه ابن الزبير فقتله، فقال ابن الزبير الأسدي:
أيها العائذ في مكة كم ... من دم أجريته في غير دم
أيد عائذة معصمة ... ويد تقتل من جاء الحرم
قالوا: ولما كان قبل مقتل عبد الله بن الزبير بيوم، خطب الحجاج أصحابه وحضهم وقال: هذا الفتح قد حضر، وقد ترون خفة من مع الملحد ابن الزبير من الرجال وقلتهم وما فيه أصحابه من الضيق والجهد، ففرحوا واستبشروا وملأوا ما بين الحجون إلى الأبواب.
وقالت أسماء بنت أبي بكر، أم عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهم: والله ما أنتظر إلا أن تقتل فأحتسبك، أو تظفر فأسر بظفرك فإن كنت على حق وبصيرة في أمرك فما أولاك بالجد ومنازلة هؤلاء القوم، وإلا فالسلم منهم أولى بك، فقال: يا أمه إني أخاف إن قتلني أهل الشام أن يمثلوا بي ويصلبوني، فقالت: يا بني إن الشاة إذا ذبحت لم تألم السلخ، فامض على بصيرتك فاستعن بالله ربك فخرج ابن الزبير، فدفع أهل الشام دفعة منكرة، وقتل منهم ثم انكشف وأصحابه فرجع، وبلغ أمه الخبر فقالت: خذلوه وأحبوا الحياة ولم ينظروا لدنياهم ولا آخرتهم، ثم قامت تصلي وتدعو فتقول: اللهم إن عبد الله بن الزبير كان معظما لحرمتك، وقد جاهد فيك أعدائك وبذل مهجة نفسه لرجاء ثوبك فلا تخيبه، اللهم أظهره وانصره، اللهم ارحم طول ذلك السجود والنحيب، وذلك الظمأ في الهواجر، وما أقول هذا القول تزكية له، ولكنه الذي أعلمه منه وأنت أعلم بسريرته وعلانيته، اللهم إنه كان برا بوالديه فاشكر ذلك له، فلما كان يوم الثلاثاء، وهو اليوم الذي قتل فيه، جاء إلى أمه وعليه درعه ومغفره فودعها وقبل يدها فقالت: لا تبعد إلا من النار، وقال يا أمه خذلني الناس إلا ولدي وأهل بيتي، وكان الحجاج قد بسط الأمان للناس، فاستأمن إليه خلق واعتزلوا ابن الزبير.
قالوا: وخرج ابن الزبير من عند أمه فقاتل أشد قتال وضرب رجلا من أهل الشام فقال: خذها وأنا ابن الحواري، فقتله، وضرب آخر وكان حبشيا فقطع يده وقال: اصبر أبا حممه، اصبر ابن حام.
وقال أبو مخنف: جعل يقاتل يومئذ قتالا لم ير مثله وهو يقول:
صبرا عفاق إنه شر باق
قبلك سن الناس ضرب الأعناق
قد قامت الحرب بنا على ساق
المدائني عن يزيد بن عياض عن صالح بن كيسان قال: برز عبد الله بن الزبير في اليوم الذي قتل فيه فدمي وهو يقول:
لسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولك على أقدامنا يقطر الدما
وهذا البيت لخالد بن الأعلم. حليف بني مخزوم، وهو عقيلي، وكان أسر يوم بدر، فقدم في فدائه عكرمة بن أبي جهل، وقال بعضهم: هو لأبي عزة الجمحي.
قالوا: ورأى الحجاج الناس يخيمون عن ابن الزبير، فغضب وترجل، وأقبل يسوق الناس ويصمد بهم صمد صاحب علم ابن الزبير، وهو بين يديه فتقدم ابن الزبير صاحب علمه، وضاربهم فانكشفوا، وعرج فصلى ركعتين عند المقام فحملوا على صاحب علمه فقتلوه عند باب بني شيبة، وصار العلم في أيدي أصحاب الحجاج فلما فرغ من صلاته تقدم فقاتل بغير علم، والحجاج يذمر الناس، وقد شحنت الأبواب ولم يتخلف من أهل عسكر الحجاج أحد من أصحابه وأصحاب طارق، فأصابت ابن الزبير رمية فسقط، وصاحت امرأة: واأمير المؤمنيناه، وتعاووا عليه فقتلوه.

(2/415)


وقال أبو مخنف وغيره: أتى عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب ابن الزبير ليلة الثلاثاء فعرض عليه أن يخرج إلى الحجاج على أن يأخذ له أمانا، وقال: خرجت منكرا للظلم، متبعا لهدي الصالحين، وقد قتل على ذلك قوم معي مستبصرين، فإن قتلت فإني سأجتمع وقاتلي بين يدي الحكم العدل، فلما أصبح سمع الحجاج يقول: خذوا الأبواب لا يهرب، فقال: لقد ظن ابن الخبيثة بي ظنه بأبيه ونفسه يوم فر من الحنتف بن السجف.
وقال أبو مخنف في روايته: دخل ابن الزبير على أمه فقبل يدها وعانقها، وكانت عمياء، فلما مست الدرع قالت: هذه تثقلك فنزعها وشمر ثيابه وأدرج كمه، فقالت: والله ما أحب أن أموت يومي هذا حتى أعلم إلى ما يصير أمرك إليه من الظفر الذي أرجوه، أو الأخرى، فأحتسبك وتمض لسبيلك على بصيرتك ونيتك.
وجعل أهل الشام ينادونه: يا بن العمياء يا بن ذات النطاقين فأنشد:
وعيرها الواشون أني أحبها ... وتلك شكاة ظاهر عنك عارها
وقاتل وهو يقول:
شيخ كبير عل ... قد عاش حتى مل
وقال ابن الزبير - وأخبر أن بني سهم قد مالوا برايتهم إلى الحجاج فدخلوا في أمانه، وأنه قال: من دخل دار الحارث بن خالد ودار شيبة الجحبي فهو آمن - فقال:
فرت سلامان وفرت النمر ... وقد تلاقى معهم فلا تفر
وفي رواية الواقدي: أن أسماء كانت تقول: وابن الزبير يقاتل الحجاج: لمن كانت الدولة اليوم، فيقال: للحجاج، فتقول: ربما أمر بالباطل، فإذا قيل هي لعبد الله قالت: اللهم انصر أهل طاعتك، ومن غضب لك.
وفي روايته أيضا: أن إسحاق بن عبيد الله الأسلمي قال: شهدت حصار ابن الزبير الآخر، فكان يباشر القتال بنفسه، ولقد رأيته يقتل بيده مثل جميع من يقتله أصحابه، ورأيته اليوم الذي قتل فيه وهو يوم الثلاثاء، وإنه لبين الركن والمقام يقاتلهم أشد القتال حتى إنهم ليغشونه من كل ناحية حتى قتل، وكان يدعى إلى تبييت الحجاج، فيقول: البيات لا يصلح ولا نستحله.
قالوا: وعرض على ابن الزبير أن يدخل الكعبة، فقال: والله إني لأكره أن أدخلها فأوخذ كما تؤخذ الضبع من وجارها، ولكني أقاتل بسيفي هذا حتى أقتل، والله ما باطن الكعبة عند الحجاج إلا كظاهرها، وكان يحمل على رجليه حتى يبلغ الأبطح كأنه أسد في أجمة، ثم يرجع إلى المسجد، وقد جعل الحجاج يومئذ على كل باب أهل جند من أجناد الشام، وجعل ابن الزبير يقول:
إني إذا أعرف يوم أصبر ... والصبر أولى بالفتى وأعذر
وبعضهم يعرف ثم ينكر
وقال أبو مخنف وعوانة في روايتهما: قال حمزة بن الزبير لعبد الله: لو رقيت فوق الكعبة يا أمير المؤمنين قاتلنا حولك حتى نقتل جميعا قبلك، فقال ابن الزبير:
أبى لابن سلمى أنه غير خالد ... حذار المنايا أي وجه تيمما
فلست بمبتاع الحياة بسبة ... ولا مرتق من خيفة الموت سلما
ثم قال لأصحابه: أيكم طلبني، فإني في الرعيل الأول.
وقيل له لو لحقت بموضع كذا ؟ فقال: لبئس الشيخ أنا في الإسلام لئن أوقعت قوما فقتلوا، ثم فررت عن مثل مصارعهم، وقال لمن بقي معه: غضوا أبصاركم عن البارقة، وعضوا على النواجذ، ولينظر رجل كيف يضرب، ولا تخطئوا مضاربها فتكسروها، فإن الرجل إذا كان أعضب لا سيف معه أخذ أخذا كما تؤخذ المرأة وكان يقول:
لا عهد لي بغارة مثل السيل ... لا ينقضي غبارها حتى الليل
قالوا: وقاتل ابن مطيع حتى قتل وهو يقول:
أنا الذي فررت يوم الحرة ... والحر لا يفر إلا مرة
فاليوم أجزي فرة بكرة
ويقال: إنه أصابته جراح فمات منها بعد أيام، وذلك أثبت.
قالوا: وشرب ابن الزبير الصبر أياما، ثم المسك مخافة أن يصلب فيشم نتنه وقال طارق، ورأى ابن الزبير: ما ولدت النساء أذكر من هذا، فقال الحجاج اتقرظ مخالفا لأمير المؤمنين وطاعته ؟ قال: ذلك أعذر لنا في محاصرته سبعة أشهر ونصفا، أو قال: ستة أشهر ونصفا، وهو في غير حصن ولا منعة، فبلغ ذلك عبد الملك ذلك فصوب طارقا.

(2/416)


وقال الواقدي: حصر ابن الزبير في غرة ذي القعدة سنة اثنتين وسبعين، وقتل يوم الثلاثاء في جمادى الآخرة سنة ثلاث وسبعين، وكان الحصار ستة أشهر وسبع عشرة ليلة، وحج الحجاج بالناس في سنة ثلاث وسبعين حجا تاما، وقتل ابن الزبير وهو ابن ثلاث وسبعين سنة.
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة قال: رمى عبد الله بن الزبير رجل من السكون بآجرة فأثبته فوقع، وتولى قتله رجل من مراد وحمل رأسه إلى الحجاج، فسجد الحجاج وأوفد السكوني والمرادي إلى عبد الملك فأعطى كل واحد منهما خمسمائة دينار، وفرض لكل واحد منهما في مائتي دينار، ونصب عبد الملك رأس ابن الزبير، وأمر فبعث به إلى النواحي.
وحدثني محمد بن سعد عن محمد بن عمر الواقدي عن خالد بن إلياس عن أبي سلمة الحضرمي قال: دخلت على أسماء بنت أبي بكر يوم الثلاثاء، وبين يديها كفن قد أعدته ونشرته ودخنته، وأمرت جواري لها أن يقمن على أبواب المسجد فإذا قتل عبد الله صحن، فلما قتل سمعت صياحهن فأرسلت لتحمله، فوجدت الحجاج قد حز رأسه فبعث به إلى عبد الملك وصلبه منكسا، وإذا هي تقول: قاتل الله المبير يحول بيني وبين جثته أن أواريها.
وحدثني روح بن عبد المؤمن حدثنا عارم بن الفضل حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع: ان ابن عمر مر بجذع ابن الزبير، فقال: أهو هو، قلت: نعم، قال: لقد كان عن هذا غنيا.
وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن شرحبيل بن أبي عون عن أبيه قال: لما أحس ابن الزبير بالقتل تمسك، وكانت له سجادة كركبة العنز، فلما قتله الحجاج صلبه على الثنية اليمنى بالحجون، فأرسلت أسماء إليه قاتلك الله على ماذا صلبته ؟ فقال: إني استبقت أنا وهو إلى هذه الخشبة، فكانت اللبجة به، فسبقني إليها، فاستأذنته في تكفينه، ودفنه فأبى ووكل بجثته من يحرسها، وكتب إلى عبد الملك بصلبه إياه، فكتب إليه عبد الملك يلومه على صلبه، ويقول: ألا خليت بينه وبين أمه فأذن لها الحجاج فوارته بمقبرة الحجون، وصلى عليه عروة بن الزبير، ويقال غيره.
وقال عوانة بن الحكم: مر عبد الله بن عمر حين أخبر بصلب ابن الزبير فجعلت ناقته تحتك بخشبته، أو قال: بجذعه، ورائحة المسك تسطع منه فقال: رحمك الله أبا خبيب، رحمك الله أبا خبيب، والله لقد كنت صواما قواما، ولكنك رفعت الدنيا فوق قدرها وأعظمتها، ولم تكن لذلك بأهل، وإن قوما أنت من شرارهم لقوم صدق أخيار.
وقال عوانة: بلغني أن الحجاج ربط إلى ابن الزبير هرة ميته، ويقال: كلبة ميتة، فكانت رائحة المسك تغلب على ريحها، قال: وتوفيت أمه بعده بقليل.
قال: ولما قتل ابن الزبير كبر أهل الشام، فقال ابن عمر: لمن كبر من الأخيار لمولده أكثر ممن كبر من الأشرار لقتله، وكان أول مولود ولد بالمدينة من أبناء المهاجرين.
وقال عوانة وغيره: لما قتل الحجاج ابن الزبير وصلبه بعث إلى أمه أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين لتأتيه، فأبت أن تفعل، فبعث إليها لتقبلن أو لأبعثن إليك من يجرك بقرونك فقالت لرسوله: قل لابن أبي رغال: لست أفعل أو تبعث إلي من يجرني بقروني، فلبس سبته وجعل يتوذف في مشيته حتى دخل عليها فقال: كيف رأيت ما صنعت بطاغيتك ؟ قالت: من عنيت ؟ قال: عبد الله، قالت: رأيتك أفسدت عليه دنياه، وأفسد عليك آخرتك، وإن أعجب مما فعلت تعييرك إياي بالنطاقين، فليت شعري بأي نطاقي عيرتني، أبالذي كنت أحمل به الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في الغار، أم بنطاقي الذي تنتطق الحرة بمثله في بيتها، أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يكون في ثقيف مبير وكذاب، فأما الكذاب فقد رأيناه، وأما المبير فأنت هو، فانصرف وهو يقول: مبير المنافقين، مبير المنافقين، قالت: بل عمودهم.
قالوا: وكتب الحجاج إلى عبد الملك يسأله أن يبعث إليه بعروة بن الزبير، وكان عروة بن الزبير قد شخص إلى عبد الملك حين قتل أخوه وذكر أن أموال عبد الله عنده، فلما وصل الكتاب إليه قال للحرسي: خذ بيده، وكان عروة في مجلسه، وقد آمنه فقال عروة: ما على هذا أتيتك ؟ ! فقال: لا بد من الحجاج فنهض عروة وهو يقول: ليس الذليل من قتلتموه، ولكن الذليل من ملكتموه، فاستحيا عبد الملك وقال للحرسي: خل عنه، وكتب إلى الحجاج ينهاه عن الكتاب فيه فكف عنه، وكانت أم عروة أيضا أسماء.

(2/417)


المدائني عبد الله بن فائد، قال: ركب عروة ناقة لم يدرك مثلها، فقدم الشام قبل قدوم رسل الحجاج بقتل عبد الله بن الزبير على عبد الملك، فأتى رباب عبد الملك فاستؤذن له، فلما دخل سلم عليه بالخلافة فرد عليه عبد الملك ورحب به وعانقه وأجلسه على السرير، ثم قال عروة:
نمت بأرحام إليك قريبة ... ولا قرب للأرحام ما لم تقرب
ثم تحدث حتى جرى ذكر عبد الله، فقال عروة: إن أبا بكر بان، فقال عبد الملك: وما فعل ؟ قال: قتل رحمه الله، فخر عبد الملك ساجدا، فقال عروة: فإن الحجاج صلبه فهب جثته لأمه، قال: نعم، وكتب إلى الحجاج يعظم ما بلغه من صلبه، وكتب إليه إياك وعروة فقد آمنته فكان مسيره من الشام راجعا إلى مكة ثلاثين يوما، فأنزل الحجاج جثة عبد اله عن خشبته، وبعث بها إلى أمه فغسلته فلما أصابه الماء تقطع، فقال: قيل لي في المنام يا أم المقطع، فكنت أظنه المنذر لأنه جدع بالسيوف، ولم أظنه ابني فغسلته عضوا عضوا فاستمسك ودفنته، وصلى عليه عروة.
المدائني عن عامر بن حفص، قال: صلب الحجاج ابن الزبير وقرن به كلبا ميتا.
قال: وكتب الحجاج في عروة إن عروة كان مع أخيه، فلما قتل عدو الله أخذ مالا من مال الله، وهرب فكتب إليه عبد الملك: إنه لم يهرب ولكنه أتاني مبايعا، وقد آمنته وحللته مما كان، وهو قادم عليك فإياك وعروة فعاوده، فكتب إليه أعرض عنه ولا ترادني فيه.
المدائني، قال: قال عوانة: أكثر الحجاج الكتب في عروة حتى هم عبد الملك أن يشخصه إليه، فقال عروة: ليس الذليل من قتلتموه، ولكنه من ملكتموه.
قال أبو الحسن المدائني: ويقال إن عروة قال: ليس بملوم من صبر حتى مات كريما، ولكن الملوم من خاف من الموت، وسمع مثل هذا الكلام فقال: لن تسمع أبا عبد الله منا شيئا تكرهه.
قال عامر بن حفص: ووفد عروة مع الحجاج فقال يوما: قال أبو بكر، فقال الحجاج: لا أم لك أتكني منافقا عند أمير المؤمنين، فقال له: ألي تقول لا أم لك، وأنا ابن عجائز الجنة، أمي أسماء بنت أبي بكر الصديق، وجدتي صفية بنت عبد المطلب، وخالتي عائشة وعمتي خديجة بنت خويلد؟! وقال الواقدي في بعض روايته: ركبت أسماء دابتها ووقفت على ابنها مصلوبا، فقالت: لأثنين عليك بعلمي لقد قتلوك مسلما محرما ظمآن الهواجر، مصليا في ليلك ونهارك، ودعت له طويلا وما تقطر من عينها قطرة، ثم انصرفت وهي تقول: من قتل على باطل، فلقد قتلت على حق، وأنت منيع بسيفك فلا تبعد.
وفي بعض رواية الواقدي: أن الحجاج وقف على أسماء فقال: كيف رأيت نصر الله الحق ؟ قالت: إنه ربما أديل الباطل على الحق ليجعل الله ذلك فتنة للقوم الظالمين، قال: إن ابنك ألحد في البيت، وقال الله: " ومن يرد فيه بالحاد بظلم نذقه من عذاب أليم " وقد أذاقه الله ذلك العذاب، قالت: كذبت لقد كان أول مولود في الإسلام بالمدينة، فسر به المسلمون، وكبروا يوم ولد، ولقد سررت أنت وأصحابك بقتله، فلمن فرح به يومئذ خير منك ومن أصحابك، ولقد كان صواما قواما تعوذ بالبيت فما أعذتموه وانتهكتم حرمته، يا بن أم الحجاج إن الله للظالمين بمرصاد، وبلغ عبد الملك ما جرى بينه وبين أسماء فكتب إليه: ما لك ولابنة الرجل الصالح.
وقال الواقدي: شخص عروة مستأمنا إلى عبد الملك، وكان له صديقا ومجالسا في مسجد المدينة أيام تنسك عبد الملك، فآمنه عبد الملك وطلبه الحجاج منه، فأراد أن يبعث به إليه، ثم تذمم فتركه وأرسل مع رسولا إلى الحجاج في ترك التعرض له، وأن لا يراجعه فيه بكتاب وأن ينزل عبد الله من خشبته، ويخلي بين أهله وبين دفنه، فأنزل وصلى عليه عروة.
قال الواقدي: وقد سمعت أنه أنزل وعروة غائب، فصلى عليه غيره، والأول أثبت.
قال الواقدي: وأما أبو الزناد فكان يقول: حال الحجاج بينهم وبين الصلاة عليه وقال: إنما أمر أمير المؤمنين بإنزاله ودفنه.
وحدثني هشام بن عمار قال: حدثت عن الزبيري عن الزهري أنه قال: كان من أعظم ما أنكر على عبد الله بن الزبير تركه ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته، وقوله حين كلم في ذلك: إن له أهيل سوء إذا ذكر استطالوا ومدوا أعناقهم لذكره.

(2/418)


وقال الواقدي: قتل مع عبد الله بن الزبير عروة بن عبد الله بن الزبير، ومعاوية بن المنذر بن الزبير، وحمزة بن الزبير، مات من جراح أصابته، وعبد الله بن صفوان بن أمية الجمحي، وعبد الله بن مطيع العدوي، مات من جراح بعد المعركة، وصلى الحجاج عليه، فقيل أتصلي عليه وأنت قتلته ؟ فقال: أتدرون ما قلت، إنما قلت: اللهم إنه كان يعادي أولياءك ويوالي أعداءك فأصله النار، وعمارة بن عمرو بن حزم الأنصاري، وبعث الحجاج برؤوس: عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن صفوان، وعمارة بن عمرو بن حزم إلى المدينة، فنصبت بها، ثم أنفذت إلى عبد الملك، فلما رأى رأس ابن صفوان قال: ألم يكن أعرج حائنا ؟.
وقال جابر بن عبد الله الأنصاري لعبد الله بن عمير بعد مقتل ابن الزبير: كيف أنت يا أبا عاصم؟ فقال: بخير من رجل قتل إمامه وظهر عليه عدوه، فقال جابر: اللهم " لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين " .
المدائني في اسناده، قال: نظر ثابت بن عبد الله بن الزبير إلى أهل الشام فشتمهم، فقال له سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان بن عفان: إنما تبغضهم لأنهم قتلوا أباك، قال: صدقت لقد قتلوا أبي، ولكن المهاجرين والأنصار قتلوا أباك.
وقال الواقدي: لما فرغ الحجاج من أمر ابن الزبير، كنس المسجد الحرام من الحجارة والدم، وأتته ولاية مكة والمدينة، وكان عبد الملك حين بعثه لقتال عبد الله بن الزبير عقد له على مكة، ولكنه أحب تجديد ولايته إياها، فشخص الحجاج إلى المدينة واستخلف على مكة عبد الرحمن بن نافع بن عبد الحارث الخزاعي، فلما قدم المدينة أقام بها شهرا أو شهرين فأساء إلى أهلها واستخف بهم، وقال: أنتم قتلة أمير المؤمنين عثمان، وختم يد جابر بن عبد الله برصاص وأيدي قوم آخرين كما يفعل بالذمة، ثم عاد فبنى الكعبة على ما هي عليه اليوم وذلك لورود كتاب من عبد الملك عليه في ذلك، وغير بناءها الذي بناها عليه عبد الله بن الزبير بعد حصاره الأول، فكان عبد الملك يقول بعد ذلك: لوددت أني قلدت ابن الزبير من أمر الكعبة ما تقلد، وكان المتولي لبنائها والنفقة عليها عبد الرحمن بن نافع، ويقال: إنه كتب إلى عبد الرحمن من المدينة أن يأخذ في بنائها، فابتدأه ثم قدم الحجاج مكة فاستتم بحضرته.
وقال الواقدي: استخلف نافع بن علقمة الكناني، خال مروان، ولما رجع إلى مكة استخلف على المدينة عبد الله بن قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف، وكان إليه القضاء.
وروي: أن الحجاج لما فرغ من أمر ابن الزبير وبناء الكعبة شخص إلى عبد الملك واستخلف على مكة عبد الرحمن بن نافع، وعلى المدينة عبد الله بن قيس، وأشخص معه محمد ابن الحنفية بأمر عبد الملك، فأمره أن لا يكون له عليه أمر ورده مكرما، وسأله عمن استخلف بالمدينة فقال: عبد الله بن قيس، فقال عبد الملك: استخلفته من أحمق أهل بيت من قريش، ثم رجع الحجاج بعد ذلك فلم يزل واليا على الحجاز حتى أتته ولايته على العراق حين مات بشر بن مروان بالبصرة.
وقال قوم: كان الحجاج قد وفد إلى عبد الملك، فأتاه نعي أخيه وهو عنده، فولاه العراق، فشخص من الشام إلى الكوفة، وذلك في سنة خمس وسبعين، وولى عبد الملك مكة عبد الرحمن بن نافع أقره عليها، وولى المدينة يحيى بن الحكم بن أبي العاص، ثم بعده أبان بن عثمان بن عفان.
وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي في اسناده قال: لما خرج الحجاج من المدينة قال: الحمد لله الذي أخرجني من أم نتن، أهلها أخبث أهل، أغشه لأمير المؤمنين وأحسده له على نعمته، والله لولا ما كان يأتيني من كتب أمير المؤمنين فيهم لجعلتها مثل جوف الحمار أعواد يعوذون بها، ورمة قد بليت، يقولون منبر رسول الله وقبر رسول الله، فبلغ جابر بن عبد الله قوله فقال: إن أمامه ما يسوءه، قد قال فرعون ما قال، ثم أخذه الله بعد أن أنظره.
وقال المدائني: لما قتل الحجاج ابن الزبير دخل المسجد فصلى ركعتين، ثم وقف على ابن الزبير فرآه صريعا فأمر به فصلب منكسا، قال: وكان الحجاج رأى كأنه أخذ ابن الزبير فسلخه، ويقال: بل رأى أنه نكحه، فذلك كان سبب تولية عبد الملك الحجاج حربه.
قال: وقال ابن الزبير يوم قتل انا ابن اثنتين وسبعين سنة وأشهر، ثم قاتل وهو يقول:
أنا ابن أنصار النبي أحمد ... عبد الإله والرسول المهتدي
أضرب منهم كل وغد قعدد

(2/419)


قال: وقاتل عروة يوما فقال:
أبى الحواريون إلا مجدا ... من يقتل اليوم يلاق رشدا
وقال ابن الزبير:
فما ميتة إن متها غير عاجز ... بعار إذا ما غالت النفس غولها
أرى الموت يغشاني عيانا وإنما ... رأيت منايا الناس يشقى ذليلها
قالوا: وأخر الحجاج الصلاة يوما فقال ابن عمر: إن الشمس لا تنتظرك. ووطىء ابن عمر زج رمح، فكان ذلك سبب موته فقال الحجاج: من بك ؟ قال: أنت قتلتني وأصحابك.
وقال النهشلي
نحن وفينا مقتل الإمام ... بابن الزبير وبني هشام
حتى جعلناهم مع الحمام ... بين مصلى الناس والمقام
المدائني عن عامر بن حفص وغيره، قالوا: قاتل عطاء بن أبي رباح مع ابن الزبير.
قالوا: وقال عروة لعبد الله: قد دعاك هؤلاء القوم إلى الأمان وخيروك نزول أي بلد شئت من البلدان، وخيروك من الولاية ما أحببت، وقد صالح الحسن فكن مثله، قال: أفلا أكون مثل الحسين مات كريما.
قالوا: وكتب ابن الزبير بعد مقتل مصعب إلى أهل العراق يدعوهم إلى طاعته وبعث بكتابه إليهم مع رجل من الأنصار، فرفع ذلك إلى بشر بن مروان فأخذ الأنصاري فقتله، وكان هذا الأنصاري نازلا على نعيم بن القعقاع بن معبد بن زرارة بن عدس وكان نعيم يذم بشرا وينسبه إلى الفسق والأفن، ويقرظ ابن الزبير، ويدعو إلى طاعته سرا؛ ويقال: إنه كان مع الأنصاري كتاب من ابن الزبير إليه في معاونته على أمره، فسعى بالأنصاري وبنعيم إلى بشر بن مروان حوشب بن يزيد بن الحارث بن يزيد بن رويم الشيباني فقتله وقتل الأنصاري.
وقال بعض الرواة: سعى بهما يزيد بن الحارث نفسه، وذلك غلط، لأن يزيد قتل بالري في أيام مصعب، قتله الزبير بن علي الحارثي.
وبعث بشر بالكتاب الذي كتبه ابن الزبير إلى عبد الملك، فكتب إلى الحجاج، والحجاج بالطائف أن سر إلى ابن الزبير فانزل معه وأشغله، فقدم مكة وحصره ورماه بالمنجنيق.
وقال جواس بن القعطل الكلبي:
إن الخلافة يا أمية لم تكن ... أبدا تدر لغيركم ثدياها
فخذوا خلافتكم بأمر حازم ... لا يحلبن الملحدون صراها
سيروا إلى البلد الحرام وشمروا ... لا تصلحوا وسواكم مولاها
لا تتركن منافقين ببلدة ... إلا أملتم بالسيوف طلاها
قالوا: ووجد الحجاج في بيت مال ابن الزبير عشرة آلاف ألف درهم فأخذها.
وقال عبد الله بن زهير بن أبي أمية لابن الزبير: إن الناس قد خذلوك فإن أحببت أن نأخذ لك أمانا أخذناه ؟ فقال: خذ لنفسك أمانا إن أردت، فأما أنا فلا حاجة لي في أمانهم، وقال له الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، وهو القباع: أما والله لو قبلت أمان القوم كان خيرا لك مما أنت فيه، فقال: يا ابن آكلة حمام مكة ألي تقول هذا، ويحك إن موتا في عز خير من حياة في ذل، وطلب عبد الله بن عمرو بن عثمان الأمان من الحجاج فأومن، وأتى حمزة بن عبد الله وخبيب بن عبد الله الحجاج، فقال عبد الله لابنه الزبير: إن أردت أن تذهب فاذهب فلأن تحيوا أحب إلي من أن تقتلوا، فقال: لبئس الولد أنا لك إن لم أواسك بنفسي حتى يصيبني ما أصابك، فقتل مع أبيه.
المدائني، قال: قاتل غلام لابن الزبير، أو مولى له، وهو يقول:
العبد يحمي ربه ويحتمي
وقتل ابن صفوان، وحمزة بن الزبير، وابناه عروة، والزبير، وأم عطاء بن أبي رباح من ضربة ضربتها.
المدائني، قال: لما بلغ عبد الملك مقتل ابن الزبير سجد ودعا بمقص فأخذ من ناصيته، وأخذ من نواصي صغار أولاده، وأخذ من ناصية روح بن زنباع، وقال أنت منا.
المدائني عن أبي طالب بن ميمون عن ابن أبي عتيق، قال: كان ابن الزبير مضطجعا في المسجد وولده وأهل مكة يخرجون إلى الحجاج، وأنا عند رجله فقال: ما هذه الأصوات، أين يذهبون ؟ قلت: إلى الحجاج، قال: فما يمنعهم أن يكفوا أصواتهم فقد منعونا النوم، فقلت في نفسي: أتراه جادا، ثم سمعت غطيطه؛ قال: ووقف الحجاج على جثة ابن الزبير ومعه نافع بن جبير بن مطعم، فقيل لنافع: ما قال لك ؟ قال: أريد صلبه، فنهيته.
وقال أبو دهبل
أتاركة عليا قريش سراتها ... وساداتها عند المقام تذبح

(2/420)


وهم عوذ بالله جيران بيته ... به معصمون أن يباحوا ويفضحوا
المدائني، قال: كتب عبد الملك إلى ابن عمر أن بايع الحجاج فإن فيك خصالا لا تصلح لك معها الخلافة، منها: البخل، والعي، فقال ابن عمر: " سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير " يعيرني ابن مروان بالبخل والعي، فوالله لو وليت فأعطيت الناس حقوقهم ما كان ذلك من مالي، وما من قرأ كتاب الله وترك القول فيما لا يعنيه بعيي.
وقال جرير بن عطية في ابن الزبير
دعوت الملحدين أبا خبيب ... جماحا هل شفيت من الجماح
وقال الراعي:
ما إن أتيت أبا خبيب راغبا ... أبدا أريد لبيعتي تحويلا
ولا أتيت نجيدة بن عويمر ... أبغي الهدى فيزيدني تضليلا
وقال سليمان بن سلام الحنفي:
إنا دعونا سميعا فاستجاب لنا ... وما به حين يدعو العبد من صم
أراحنا من بني العوام إذ قسطوا ... واستخلف الله عدلا من بني الحكم
مجرب الوقع لا تنبو مضاربه ... يمسي العدو له لحما على وضم
بابن الزبير جنون لا شفاء له ... إلا سريجية تشفي من اللمم
رام الأمور فأعيته مطالعها ... حتى أحل بركن البيت والحرم
وغرنا بكتاب الله يدرسه ... ولم يدع بطنه تمرا لمجترم
وغال أعطية المصرين يأكلها ... ولم يخف نقمة الرحمن ذي النقم
في أبيات.
المدائني، قال: قال ابن عمر: أهل الحجاز أسرع الناس إلى فتنة، وأهل الشام أطوع الناس لمخلوق في معصية الخالق، وأهل العراق أسأل الناس عن صغيرة، وأركبهم للكبيرة، يسألون عن قتل جرادة وقد قتلوا ابن بنت نبيهم.
وتزوج عبد الله بن الزبير أم الحسن بنت الحسن بن علي وعائشة بنت عثمان بن عفان، فولدت بكرا؛ وتزوج قهطم بنت منظور فولدت حمزة، وخبيبا، والزبير، ومنذرا، وثابتا، وعبادا؛ ثم خلف على أختها أم هاشم؛ وتزوج ريطة بنت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فولدت له عبد الرحمن؛ وتزوج حنتمة بنت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فولدت له موسى، وعامرا. وسودت أم الحسن وجواريها على عبد الله حين قتل.
أمر الخوارج
فيما بين موت يزيد بن معاوية وولاية عبد الملك بن مروان
الأزارقة ومقتل نافع
قالوا: كان نافع بن الأزرق من بني حنيفة، ويقال: إنه كان مقيما معهم فنسب إليهم، وكان يكنى أبا راشد، وكان مع نجدة بن عامر ففارقه.
حدثني حفص بن عمر عن الهيثم بن عدي قال: كان نافع مع نجدة بن عامر، فأحدث المحنة، وقتل في السر، فعابت ذلك الخوارج وقالوا: أحدثت ما لم يكن عليه السلف من أهل النهروان وأهل القبلة، فقال: هذه حجة قامت علي لم تقم عليهم، ففارقه الخوارج، فسموا أهل الوقوف، لأنهم وقفوا عند الشبهة. وكان ابن الأزرق ممن حبس من الخوارج، فدل ابن زياد علي رجل اتهم برأي الخوارج فحبسه، فقال له نافع: لم حبسك ابن زياد ؟ قال حبسني في ظنة الحرورية لعنهم الله ولعن من كان على دينهم، فقال له نافع أنت والله ظالم مظلوم ولم يزل نافع محبوسا حتى مات يزيد بن معاوية وهرب ابن زياد.

(2/421)


وقال أبو الحسن علي بن محمد المدائني: بايع أهل البصرة ابن زياد بعد موت يزيد، وفي السجن أربعمائة من الخوارج، فكلم فيهم ابن زياد فأخرجهم فأفسدوا الناس حتى نكثوا بيعته، فتحول عبيد الله بن زياد إلى الأزد، وأقبل الخوارج يأتون المربد كل يوم فيقفون به فيعيبون الظلم ويدعون إلي قتال السلطان والجبابرة وليس لهم رأس منهم، حتى قتل مسعود الأزدي، وحاربت الأزد وبكر تميما، ثم أمروا عليهم نافع بن الأزرق، وأمر الناس يومئذ بالبصرة إلي عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، الذي يعرف بببة، وخرجوا إلى الأهواز في آخر شوال سنة أربع وستين، فتوافوا بالأهواز وهم ثلاثمائة وخمسون فيهم نجدة بن عامر بن عبد الله بن سيار بن المطرح بن ربيعة من بني حنيفة وبنو الماحوز التميميون ثم السليطيون فأخرجوا عمال الأهواز، وأقاموا شهرا لا يهيجون أحدا، وليس بينهم اختلاف، ثم إن مولى لبني هاشم كلمهم فقال: إن الإستعراض وقتل الأطفال لنا حلال، فمال نافع بن الأزرق إلى مقالته فقال: " اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم " ورأى قتل الأطفال وقال بالاستعراض وتأول قول الله تعالى: " إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا " وضيق التقية لقول الله عز وجل " فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس " وقوله " يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم " وبريء من القعد واستحل قتلهم تأولا لقول الله جل وعز: " وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كانوا الله ورسوله " . وامتحن المهاجر وقال لا يحل لنا مناكحة قومنا ولا موارثتهم ولا أكل ذبائحهم، والدار دار كفر.
فخالف نجدة نافعا، فقال نجدة: البقية واسعة، والمقام في دار الكفر حلال، وليس لنا أن نمتحن من جاء مقرا بالإيمان، فبايع نجدة قوم فصار نجدة إلي اليمامة، وبريء وأصحابه من نافع بن الأزرق ونزل بإباض، وكان أبو طالوت سالم بن مطر بالخضارم وقد بايعه قوم فخلعوه وبايعوا نجدة.
وأبو طالوت في قول ابن الكلبي مطر بن عقبة بن زيد بن جهينة بن الفند، وهو سهل بن شيبان. قال: ويقال سالم بن مطر، وقد قال غيره: هو سالم بن مطر مولى بني زمان.
وقال الهيثم: هو حنفي.
وكتب نجدة إلي نافع كتابا يدعوه فيه إلي معاودة ما كان من قوله الأول وترك ما أحدث وقال: إنه قد قعد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم فلم يكفروا، وأنزل الله جل وعز: " لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله " إلى قوله " وكلا وعد الله الحسنى " فكتب نافع إلى نجدة كتابا يقول فيه إن المؤمنين من أهل مكة كانوا يومئذ مقهورين لا يستطيعون أن يعلنوا دينهم، وقد أظهر الله الدين، وقمع النفاق، وقد قعد قوم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسماهم كفارا فقال جل وعز: " وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله " وقال حين شكوا الضعف فقالوا: كنا مستضعفين في الأرض: " ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها " .
وكتب نافع إلى عبد الله بن الزبير يدعوه إلى أمره ويقول له: إنك تتولى عثمان، وكان أبوك وعلي وطلحة أشد الناس عليه حتى قتل، وأنت تتولى أباك وطلحة فكيف تجتمع ولاية قاتل ومقتول في دين الله، وقد بايع أبوك وطلحة عليا، ثم نكثا بيعته وحارباه فاتق الله الذي إليه المصير ولا تتول الظالمين.
وكتب نافع إلى من بالبصرة من الحرورية يدعوهم إلي الجهاد، ويرغبهم فيه، ويحذرهم الدنيا وغرورها، وينهاهم عن القعود، فلما أتاهم الكتاب قال أبو بيهس هيصم بن جابر الضبعي بقوله: في أن الدار دار كفر والإستعراض مباح وإن أصيب الأطفال فلا حرج على من أصابهم.
وقالت الصفوية وهم أصحاب عبيد الله بن قبيص، ويقال إنهم أصحاب عبيد الله بن صفار التميمي، وإنما سموا صفرية لصفرة وجوههم: لا يحل قتل الأطفال تعمدا، ولا الإستعراض، وقال نصر بن عاصم الليثي:
فارقت نجدة والذين تزرقوا ... وابن الزبير وشعية الكذاب
والصفر الآذان حين تخيروا ... دينا بلا علم ولا بكتاب

(2/422)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية