صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : أنساب الأشراف
المؤلف : أنساب الأشراف
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وحدثني غير واحد أن عيسى تزوج امرأة من آل جرير بن عبد الله، فقال: من يحملها إلي؟ فقال له ابن شبرمة: يحملها أبو السمح، وهو رجل كان يدخل في أعمال الخراج، فقال مساور:
بينما نحن نرتجي لأبي ... السمح طساسيج تستر والفراتا
إذ أتانا على الزفاف بعهد ... ليته قبل هذه كان ماتا
ولقي عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عيسى فقال له: ما يمنعك من إتياني؟ قال: وما أصنع عندك، إن أدنيتني فتنتني، وإن أقصيتني حزنتني، وليس عندك ما أرجوه، ولا عندي ما أخافك عليه، وكان عامل عيسى على الصدقات الجراح بن مليح، وعلى بيت ماله حميد الرواسي، وكان ابن أبي ليلى على قضاء الكوفة، وابن شبرمة على قضاء الحيرة.
قالوا: لما بويع أبو العباس ندب أهل بيته إلى قتال مروان، فلم ينتدب له عبد الله بن علي فوجهه لحربه، فكان من أمره ما كان.
أمر ابن هبيرة ومقتله
قالوا: ووجه أبو سلمة: الحسن بن قحطبة إلى ابن هبيرة، وقد تحصن بواسط فحاصره، وكتب أبو سلمة إلى أبي نصر مالك بن الهيثم وهو بسجستان من قبل أبي مسلم يأمره بالمصير إلى البصرة، فلما قدمها وجد عليها سفيان بن معاوية قد سود بها ودعا إلى بني هاشم، فكتب أبو سلمة إلى نصر يأمره بالمصير إلى الحسن بواسط ففعل، وواقع الحسن ابن هبيرة فهزم أهل الشام وغرق منهم خلق، ثم واقعهم أيضا فهزمهم ابن هبيرة، وقاتل عمر بن حفص بن عثمان بن قبيصة بن أبي صفرة قتالا شديدا، وثاب الناس فهزم ابن هبيرة.
ثم إن أبا العباس رأى توجيه أبي جعفر المنصور إلى واسط، وذلك أن قوما من أهل خراسان كان في أنفسهم على الحسن أشياء فكرهوه، وسألوا أبا العباس أن يوجه مكانه رجلا من أهل بيته ليسكنوا إليه ويقاتلوا معه، فلما قدم المنصور واسطا تحول له الحسن بن قحطبة عن مضربه. وكتب أبو العباس إلى الحسن: إنما وجهت أخي إلى ما قبلك ليسكن الناس إليه ويثق ابن هبيرة بأمانه إن طلب الأمان، وأنت على أمرك وجيشك والتدبير لك.
ثم التقوا وأهل الشام، فانهزم أهل الشام، وثبت معن بن زائدة الشيباني، وكان مع ابن هبيرة فقاتل، وترجل أبو نصر مالك بن الهيثم ثم افترقوا. ومكثوا أياما، فخرج معن بن زائدة، ومحمد بن نباتة بن حنظلة، فقاتلوا أهل خراسان فهزموهم إلى دجلة، فقال لهم أبو نصر: يا أهل خراسان، ويلكم إلى أين تفرون؟ إن الموت بالسيف خير منه غرقا، فثابوا وحملوا فهزموا أهل الشام، فكانوا على ذلك أحد عشر شهرا، فلما طال عليهم الحصار وجاءهم قتل مروان ببوصير من أرض مصر طلبوا الصلح، وأتاهم اسماعيل بن عبد الله القسري فقال: علام تقتلون أنفسكم وقد قتل مروان! فطلب معن بن زائدة الأمان فأمنه، المنصور، ثم طلب ابن هبيرة الأمان فأمنه المنصور أيضا، وكتب له كتابا، واشترط عليه أنه إن نكث أو غدر فلا أمان له. وكان مقيما بواسط يغدو ويروح إلى المنصور في جماعة كثيرة، ويتغدى عنده ويتعشى إذا حضر في وقت غذائه وعشائه، وهو في ذلك يدس إلى محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب وغيره، ويهم بالدعاء لآل أبي طالب وخلع أبي العباس، فتيقن أبو العباس ذلك من أمره. وكان أبو مسلم يكتب إليه فيشير عليه بقتله، ويقول: إن الطريق إذا كثرت حجارته فسد، وصعب سلوكه، فكتب أبو العباس إلى أبي جعفر يأمره بقتل ابن هبيرة، فأبي ذلك وكرهه للذي أعطاه من الأمان.

(2/4)


فكتب إليه: إن هذا الرجل قد غدر ونكث وهو يريد بنا العظمى، وما لكتاب عبد الرحمن فيه اقتله ولكن لما أبان لي من نكثه وفجوره، فلا تراجعني في أمره فقد أحل لنا دمه. فأمر المنصور الحسن بن قحطبة بأن يقتله فأبى. فقال خازم بن خزيمة: أنا أقتله، وساعده على ذلك الاغلب بن سالم التميمي، والهيثم بن شعبة وغيرهما، فداروا في القصر ثم دخلوا على ابن هبيرة وعليه قميص مصري وملاءة موردة أو صفراء، ومعه ابنه داود وكاتبه عمر بن أيوب في عدة من مواليه، وكان قد دعا بحجام ليحتجم، فلما رآهم مقبلين خر ساجدا فضرب بالسيوف حتى مات، وقتل ابنه ومن كان معه، وأراد عمر بن أيوب الخروج فقتل، ويقال إنهم جروه برجله حتى أنزلوه عن فراشه ثم قتلوه، وجاؤوا برأسه ورؤوس من كان معه إلى المنصور. وأخذ عثمان بن نهيك سيف حوثرة بن سهل فضرب به عنقه، وفعل بمحمد بن نباتة مثل ذلك، وفعل بيحيى بن حضين بن المنذر مثل ذلك. وكان معن بن زائدة الشيباني قد وفد إلى أبي العباس ببيعة ابن هبيرة، وأقام بالكوفة، فقتل ابن هبيرة وهو بالكوفة فسلم.
حدثني العمري عن الهيثم بن عدي قال: كان ابن هبيرة إذا رأى وهنا وضعفا من أمره أنشد:
والثوب إن أسرع فيه البلى ... أعيا على ذي الحيلة الصانع
كنا نداريها فقد مزقت ... واتسع الخرق على الراقع
قال الهيثم: وكان زياد بن صالح الحارثي مع ابن هبيرة، فكتب إليه أبو العباس: ان لك قرابة وحقا، وأرغبه فخرج إليه، فانكسر ابن هبيرة وطلب الأمان.
قال الهيثم: لما أومن ابن هبيرة ونزل بواسط كتب ابو مسلم: انه قل طريق سهل فيه حجارة إلا أضرت بأهله، ولا يصلح والله لكم أمر دونه ابن هبيرة فاقتلوه عاجلا فلست آمن ان يكيدكم، فوجه ابو العباس رسولا إلى المنصور بكتاب منه يعزم عليه فيه ليقتلنه، فوجه المنصور أبا خزيمة والهيثم بن شعبة والاغلب بن سالم بن سلام الحاجب في جماعة فدخلوا رحبة القصر وارسلوا إلى ابن هبيرة، انا نريد حمل ما في الخزائن، فقال: افعلوا، فدخلوا الخزائن فوكلوا بكل باب خزانة جماعة ودخلوا عليه فقتلوه، ونادى منادي المنصور: أمن خلق الله إلا عمر بن ذر، والحكم بن بشر، وخالد بن سلمة المخزومي، وقتل من وجوه أصحاب ابن هبيرة خمسون رجلا، ونودي: يا أهل الشام الحقوا بشامكم، فاشهدوا أسماءكم هناك، ووجه إلى المثنى بن يزيد بن عمر أبا حماد الابرص، وهو إبراهيم بن حسان، فقتله ويقال إن داود بن علي وجهه، واستخلف أبو جعفر بواسط الهيثم بن زياد الخزاعي، وانصرف هو والحسن ومن معهم إلى أبي العباس.
قال أبو عطاء السندي يرثي ابن هبيرة:
ألا إن عينا لم تجد يوم واسط ... عليك بجاري دمعها لجمود
عشية قام النائحات وصفقت ... جيوب بأيدي مأتم وخدود
فإن تمس مهجور الفناء فربما ... اقام به بعد الوفود وفود
يقولون لا تبعد على متعهد ... بلى كل من تحت التراب بعيد
أبو الحسن المدائني عن مسلم بن المغيرة قال: كنت مع أبي أيوب الخوزى في عسكر أبي جعفر، وكان لأبي جعفر بيت قد بني له ومضربه يحيط به وكان في ستارة المضرب خلل، فكنت أنظر منه فرأيت الحسن بن قحطبة إلى جانب المنصور يحدثه، ثم دعا بحوثرة بن سهيل فجاء عثمان فأخذ سيفه فأراد أن يتكلم ثم سكت فأدخل البيت وأغلق عليه، ثم خرج سلام صاحب أبي جعفر فدعا بمحمد بن نباتة فصنع به مثل ذلك، ثم خرج فقال: أين يحيى بن الحضين؟ ثم دعي ببشر بن عبد الملك بن بشر، أو قال بالحكم بن عبد الملك، فقام ومعه أخوه أبان فقال: ما فرق بيني وبينه شيء قط، فقال له سلام: اجلس فانما نفعل ما نؤمر به فجلس، ثم دعا بخالد بن سنان المري وكان على شرطة ابن هبيرة، ثم قتل خالد بن سلمة المخزومي وابنه، ثم قتل حرب بن قطن الهلالي، ثم خرج سلام فقال للناس: انصرفوا.

(2/5)


قال مسلم بن المغيرة: فسألت عثمان بن نهيك عن السبعة النفر، فقال: أما حوثرة فإني أدخلت السيف بين ضلعين من أضلاعه وقلت: يا عدو الله أنت الكاتب إلى مروان إن الله مخزيهم، ثم لم يرضك إلا شتمنا! ولم يكن في القوم أجزع من ابن نباتة، كان يصيح كما يصيح الصبيان على شجاعته وبأسه، وأما خالد بن سنان فقال: يا مجوس قتلتمونا غدرا، والله لقد قتلنا سيدكم قحطبة، وقتل مع ابن هبيرة رباح بن أبي عمارة مولى هشام، وكان هشام اشتراه بعشرة آلاف فأعتقه، فلما جرى الصلح بين ابن هبيرة وبين أبي جعفر قال له أبو جعفر: أعربي أم مولى؟ قال: ان كانت العربية لسانا فقد نطقنا بها، وإن كانت دينا فقد دخلنا فيه، فاستبرعه فسأل عنه فقيل قتل، ويقال إنه أمر أن يستبقى فعجل عليه، وهرب ابن علاثة، وهشام بن هشيم بن صفوان الفزاريان فلحقا فقتلا على الفرات، وقتل أبو عثمان الحاجب وهو يتغذى بلحم بقر، دعا به خازم فضرب وسطه. وقتل الحكم بن عبد الملك أخو بشر بن عبد الملك وابنان له، وقيل إنه هرب، وأبو علاثة الفزاري وكان حلوان، ويوسف بن محمد بن القاسم الثقفي. ودعي بحرب بن قطن فطلب فيه الحسن بن قحطبة وقال: خالكم، فقال أبو جعفر: إن أمير المؤمنين كتب يؤمنك لرحمك وحقن دمك.
قال بعض الرواة: قام سعد الموصلي - ويقال سعيد - خليفة عثمان الحاجب دون ابن هبيرة فقال: وراءكم، فضربه الهيثم على حبل عاتقه فصرعه، وقام داود دون أبيه فقتل.
قالوا: وكان عمر بن ذر يقول: ضاقت علي الأرض، فخرجت على دابتي أقرأ أية الكرسي فما عرض لي أحد، فاستأمن لي زياد بن عبيد الله الحارثي فآمنني أبو العباس، وكان عمر يقص ويحرض على المسودة. وكان أبو جعفر قد آمن خالد بن سلمة، فقال أبو العباس، لو كانت له ألف نفس لأتيت عليه، فقتله.
قالوا: وكان خازم يقول: والله ما بدرت إلى قتل ابن هبيرة إلا مخافة أن يدفع إلى رجل من اليمانية فيفخر علينا بقتله، وطلب سليمان بن علي الأمان لعقال بن شبة بن عقال المجاشعي، فأمنوه فذكر بني العباس ففضلهم وذم بني أمية وتنقصهم، وتكلم ثمامة بن الرحيل الحنفي، وكان خطيبا، فقال:
ألا ليت أم الجهم سقيا لذكرها ... ترى حيث قمنا بالفراق مقامي
عشية بذ الناس جهدي ومنظري ... وبذ كلام الناطقين كلامي
وحدثت ان ابن هبيرة لما بنى مدينته هم بأن يسميها الجامعة، فقال له سلم بن قتيبة، وهو يومئذ معه: أرأيت إن قيل أين الامير، أيقال في الجامعة؟ فتطير فسماها المحفوظة، فلما قدم أبو العباس سماها الهاشمية وأتم بناءها.
قالوا: وكان يزيد سخيا وكان يطعم الناس طعاما واسعا ويؤتون قبل الطعام بعساس اللبن وبأنواع الأشربة. وكان جلساؤه وسماره داود بن أبي هند، وابن شبرمة وابن ابي ليلى، فقال ابن شبرمة:
اذا نحن أعتمنا وماد بنا الكرى ... أتانا باحدى الركعتين عياض
يعني حاجبه. وكان يقضي في كل ليلة عشر حوائج، فإذا أصبح أنفذها. وكان ربما لحن في كلامه، فقال له سلم بن قتيبة في ذلك فتحفظ.
حدثنا المدائني قال: كتب أبو مسلم إلى أبي العباس: إن أهل الكوفة قد شاركوا شيعة أمير المؤمنين في الاسم، وخالفوهم في الفعل، ورأيهم في آل علي الرأي الذي يعلمه أمير المؤمنين، يؤتى فسادهم من قبلهم باغوائهم إياهم واطماعهم فيما ليس لهم، فالحظهم يا أمير المؤمنين بلحظة بوار ولا تؤهلهم لجوارك فليست دراهم لك بدار، واشار عليه أيضا عبد الله بن علي بنحو من ذلك، فابتنى مدينته بالأنبار وتحول إليها وبها توفي.
وأخذ يوما بيد عبد الله بن حسن فجعل يطوف به فيها وكان له مكرما، وكان ذلك لا يمنعه من حسد، فجعل يتمثل قول الشاعر:
ألم تر حوشبا أضحى يبني ... منازل نفعها لبني بقيله
يؤمل أن يعمر عمر نوح ... وأمر الله يأتي كل ليله
فتطير أبو العباس وقال: أف، لقل ما يملك الحسود نفسه ولسانه، فقال عبد الله: اقلني، فقال: لا أقالني الله إذا، اخرج عني، فخرج إلى المدينة. ويقال إنه أنشد هذا الشعر، وقد طوفه الهاشمية حين استتم بناءها.

(2/6)


قالوا: واستعمل أبو العباس أبا جعفر المنصور على: الجزيرة، وأرمينية، وأذربيجان، في ذي العقدة سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وولى يحيى بن محمد بن علي الموصل، فقدم ابو جعفر قرقيسيا وعليها المنذر بن الزبير بن عبد الرحمن بن هبار بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، فدعاه إلى الطاعة فأبى، فخلف عليها مالك بن الهيثم فقتل المنذر وصلبه وذلك في سنة ثلاث وثلاثين ومائة، وفي تلك السنة ولد عبد الله بن مالك. ومضى المنصور إلى الرقة فدعاهم فلم يجيبوه، فخلف عليها موسى بن كعب ففتحها وغلب عليها، وسار المنصور في مدن الجزيرة يصالح من دخل في طاعته، ويخلف على من التوى عليه حتى فتحها، فكان ممن صالح أهل الرها، وأهل نصبين، وأهل دارا.
قالوا: وخرج على أبي العباس، والمنصور عامله على الجزيرة، قوم من الخوارج وأميرهم بكر بن حميد الشيباني، فوجه إليهم محقن بن غزوان فهزموهم فأتى رأس عين، وبلغ ذلك أبا جعفر فوجه اليهم مقاتل بن حكيم العكي، وأتبعه أبو جعفر من كفرتوثى، إلى بعض قرى دارا، فالتقوا فقتل محمد بن سعيد خدينة بن عبد العزيز بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص، وكان مع الخوارج، وانهزمت الخوارج؛ واعتصم بكر بجبل دارا، فتوجه اليه العكي فقتله. وأمر أبو جعفر بهدم مدائن الجزيرة إلا حران، واستعمل على أرمينية يزيد بن أسيد بن زفر السلمي، ثم شخص أبو جعفر في جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين ومائة إلى أرمينية فدوخها، واستأمن إليه جماعة كانوا في قلعة الكلاب، وقفل منها سنة ست وثلاثين ومائة؛ وعزل يزيد بن أسيد، وولى أرمينية الحسن بن قحطبة.
وقال الهيثم بن عدي: وجه أبو العباس حين استخلف أبا جعفر في ثلاثين من بني هاشم والفقهاء فيهم الحجاج بن أرطاة، إلى أبي مسلم ليهنؤوه بظهور الإمام وما فتح الله على يديه، ويعلموه ما كان له من الأثر الجميل عند أمير المؤمنين والذي هو عليه من شكره، فلما قدم عليه أبو جعفر وقف على بابه محجوبا ساعات. ثم أذن له ولم يظهر له من التبجيل ما كان يستحقه ولم يؤمره، فحقد عليه، فلما قدم على أبي العباس قال: إنه لا ملك ولا سلطان حتى تقتل أبا مسلم فقد أفرط في الدالة وعدا طوره، فأشار إليه أن أسكت.
وحدثني أبو مسعود الكوفي عن إسحاق بن عيسى بن علي عن المنصور، حدثني عبد الله بن صالح عن الهيثم بن عدي وغيره قال: أرسل يزيد بن عمر بن هبيرة وهو محصور بواسط إلى المنصور وهو بإزائه: " إني خارج اليك يوم كذا وداعيك إلى المبارزة فقد بلغني تجبينك إياي " ، فكتب إليه المنصور: " يا بن هبيرة إنك امرؤ متعد لطورك جار في عنان غيك، يعدك الشيطان ما الله مكذبه، ويقرب لك ما الله مباعده، أفصح رويدا تتم الكلمة ويبلغ الكتاب أجله وقد ضريت لي، مثلي ومثلك أن أسدا لقي خنزيرا فقال الخنزير: قاتلني، فقال الأسد: إنما أنت خنزير ولست لي بكفؤ ولا نظير، ومتى فعلت الذي دعوتني إليه فقتلتك قيل قتل خنزيرا، فلم أعتقد بذلك فخرا ولا ذكرا، وإن نالني منك شيء كان سبة علي وإن قل، فقال: إن أنت لم تفعل رجعت فأعلمت السباع أنك نكلت عني وجبنت عن قتالي، فقال الأسد: احتمال عار كذبك أيسر علي من لطخ شاربي بدمك، " ولم يمكث ابن هبيرة بعد ذلك إلا أياما حتى طلب الأمان وضرع إليه.
حدثني المدائني قال: قال بعض أهل خراسان لبعض الفزاريين: ما كان أعظم رأس صاحبكم؟! فقال: أمانكم له كان أعظم.
وقال أبو الحسن: حصره أبو جعفر تسعة أشهر، ولما قتل أخرج إلى باب المضمار بواسط فصب النفط على جثته وأحرق، وأمر أبو جعفر بهدم مدينة واسط، وقال: حصر ابن هبيرة وما في رأسه بيضاء، فما قتل إلا وقد شاب.
قالوا: وكان ابن هبيرة يقول حين حصر: والله لو كان أبو جعفر أعز من كليب وائل ما قدر علي، ولو كان أشجع من شبيب ما هبته. وقال المنصور لإسحاق بن مسلم العقيلي: كيف رأيت صنيعي بابن هبيرة؟ قال: تغرير وقد سلم الله، كنت في خرق وحولك من يطيعه ويموت دونه ويتعصب له من قيس وغيرها، فلو ثاروا لذهب الناس ولكن أمركم جديد والناس بين راج وهائب.

(2/7)


وقال هشام: خرج ابن هبيرة حين خرج إلى أبي جعفر في جماعة، فيهم جعفر بن حنظلة البهراني، فألقى له الحاجب وسادة وقال: اجلس راشدا يا أبا خالد، وقد أطاف بالحجرة عشرة آلاف من أهل خراسان، ثم أذن له فدخل على أبي جعفر فالتقيت له وسادة فحدث أبا جعفر ساعة، وكان يركب في خمسمائة فارس وثلاثمائة راجل، فقال يزيد بن حاتم: ما ذهب سلطان ابن هبيرة بعد، إنه ليأتينا فيتضعضع له العسكر، فليت شعري ما يقول في هذا عبد الجبار وجهور بن مرار وأشباههم؟! فقال سلام لابن هبيرة: يقول لك الأمير لا تسر في هذه الجماعة، فلما ركب ركب في ثلاثين، فقال سلام: كأنك تريد المباهاة؟! فقال: إن أحببتم أن نمشي إليكم فعلنا، فقال: ما هذا باستخفاف ولكن أهل العسكر كرهوا هذا الجمع، فأمر الأمير بهذا نظرا لك، فكان يركب في رجلين وغلامه، وختمت خزانته وبيت ماله ودار الرزق وفيها طعام كثير، وعزم أبو العباس على قتله ووجد له كتاب إلى عبد الله بن حسن، فأمر أبو جعفر عثمان بن نهيك بقتله، فقال: ليقتله رجل من العرب، فندب له خازما، والأغلب، والهيثم بن شعبة.
قالوا: وسأل المنصور ابن هبيرة عن أدم كان قسمه، فقال: أيها الرجل توسع توسعا قرشيا ولا تضق ضيقا حجازيا فما مثلي يسأل عن آدم ولا تعاتب عليه، وهذا ضرب أخماس لأسداس، وقال له المنصور يوما: يا أبا خالد حدثنا، فقال: والله لأمحضنك النصيحة إمحاضا، ولأخلصنها لك إخلاصا، إن عهد الله لا ينكث وعقده لا يحل، وإن امارتكم حديثة، وخلافتكم بكر فأذيقوا الناس حلاوتها وجنبوهم مرارتها، ثم نهض ونهض معه سبعمائة من القيسية، فقال المنصور: لا يعز ملك هذا فيه.
المدائني عن أبي عمرو القرشي قال: دخل ابن هبيرة على أبي جعفر فجعل يحدثه وأبو جعفر مزور عنه، فجعل ابن هبيرة يقول: علي، فأقبل أيها الرجل، فلما خرج قال أبو جعفر، ألا تعجبون من ابن اللخناء وقوله لي.
حدثني ابن القتات قال: قال أبو جعفر لسلم بن قتيبة: ما كلمت عربيا قط أعظم نخوة من ابن هبيرة ولا أحسن عقلا، قال لي يوما وهو يكلمني: اسمع الله أبوك، ثم تداركها فقال: إن عهدنا بالإمرة والولاية قريب فلا تلمني فإنها خرجت مني على غير تقدير فاغفرها، فقلت: قد غفرتها.
أمر أبي سلمة
قال ابن القتات: قال المنصور: دعاني أبو العباس فذاكرتي أمر أبي سلمة، فقال: والله ما أدري لعل الذي كان منه عن رأي أبي مسلم وما لها غيرك، اخرج إلى أبي مسلم مهنئا بما وهب الله لنا، وبنجح سعيه فيما قام به من أمرنا، وخذ البيعة عليه وأعلمه بما كان من أمر أبي سلمة، واعرف رأيه، وعرفه الذي نحن عليه من شكره ومعرفة حقه. قال: فخرجت إلى خراسان ومعي ثلاثون رجلا منهم إسحاق بن الفضل الهاشمي والحجاج بن أرطاة ونحن على وجل، فلما شارفت مرو تلقاني أبو مسلم فلما دنا مني نزل وقبل يدي، فقلت: اركب، فركب وقدمت مرو فنزلت دارا، ومكث ثلاثة أيام لا يسألني عن شيء، ثم قال لي: ما أقدمك يا أبا جعفر؟ فأخبرته، فقال: قد تقدمت بيعتي وأخذتها لأمير المؤمنين قبل قدومك علي ولكني أماسحك له، فماسحني، ثم قال: أفعلتها أبو سلمة؟ قلت: قد فعلها، فقال: اكفيكموه، ودعا بمرار بن أنس الضبي فقال: انطلق إلى حفص بن سليمان بالكوفة فاقتله حيث لقيته، فقدم مرار الكوفة، وكان أبو سلمة يسمر عند أبي العباس فقعد له بعض الليالي على طريقه فلما خرج قتله، فقالوا: قتلته الخوارج. وكان أبو جعفر يأتي دهليز أبي مسلم فيجلس فيه ويستأذن له الحاجب، ثم أمره بعد ذلك أن يرفع له الستور إذا جاء ويفتح له الأبواب.
وحدثنا ابن القتات عن إسحاق بن عيسى قال: أراد أبو العباس قتل أبي سلمة فقال له عمه داود بن علي: لا تتول قتله فتخبث نفس أبي مسلم ويحتج بذلك عليك، ولكن اكتب إليه فليوجه من يقتله، ففعل.
وقال أبو اللفائف الأسدي:
ويح من كان مذ ثلاثون حولا ... يبتغي حتف نفسه غير آل
لم يزل ذاك داب كفيه حتى ... عضه حد صارم في القذال
كاده الهاشمي منه بكيد ... حيلة غير حيلة الخلال

(2/8)


وحدثني أبو مسعود عن المفضل الضبي قال: كتب أبو العباس بخطه أو بإملائه إلى أبي مسلم كتابا مع أبي جعفر حين وجهه إلى خراسان: إنه لم يزل من رأي أمير المؤمنين وأهل بيته الإحسان إلى المحسن، والتجاوز عن المسيء ما لم يكد دينا، وإن أمير المؤمنين قد وهب جرم حفص بن سليمان لك وترك إساءته لإحسانك إن أحببت ذلك. فلما قرأ مسلم الكتاب وجه مرار بن أنس إلى الكوفة لقتل حفص حيث ثقفه، وكتب: إنه لا يتم إحسان أحد حتى لا تأخذه في الله لومة لائم، وقد قلبت منة أمير المؤمنين وآثرت الانتقام له، فقتل مرار أبا سلمة غيلة، فقيل قتلته الخوارج، وأمر أبو العباس أخاه يحيى بن محمد بالصلاة عليه.
وقال الهيثم بن عدي: كان أبو مسلم يكتب إلى أبي سلمة: لوزير آل محمد من عبد الرحمن بن مسلم أمين آل محمد. فكتب أبو العباس إلى أبي مسلم يعلمه الذي كان من تدبيره في صرف الأمر عنه ونكث بيعة الإمام، فكتب أبو مسلم يشير بقتله، فكتب إليه: أنت أولى بالحكم فيه فابعث من يقتله، فوجه مرار بن أنس الضبي فلقيه ليلا فأنزله عن دابته ثم ضرب عنقه، ثم جمع أبو الجهم بن عطية، وكان عينا لأبي مسلم، يكتب إليه بالأخبار، جميع القواد، فقال: إن حفصا كان غاشا لله ورسوله والأئمة فالعنوه، فلعن. فقال سليمان بن مهاجر البجلي:
إن الوزير وزير آل محمد ... أودى فمن يشناك كان وزيرا
قالوا: وقال المنصور حين قتل أبو سلمة: دوي العبد وأصاب أمير المؤمنين داوه. وقال عبد الله بن علي حين بلغه قتله: كلب أصابه قدر فطاح.
قال: وسمع أبو العباس الصراخ على أبي سلمة فتمثل قول الشاعر:
أفي أن أحش الحرب فيمن يحشها ... ألام وفي أن لا أقر المخاويا
ألم آل نارا يتقي الناس حرها ... فترهبني إن لم تكن لي راجيا
وكان بقاء أبي سلمة في الدولة ثلاثة أشهر، أو أربعة أشهر.
وحدثني محمد بن عباد، حدثني رجل من ولد جرير بن عبد الله قال: أعطى أبو العباس محمد بن خالد بن عبد الله القسري ضياع أبيه، فأعطى محمد ولد أخيه يزيد نصفها، فقال له أبو العباس: إنا إنما سلمنا هذه الضياع إليك لبلائك ومخاطرتك بنفسك ولم نعطك إياها لتقسمها بينك وبين ورثة أبيك. قال: وقال قوم إنما أعطاه نصف ضياع أبيه، فقال له داود بن علي: ما جزاؤه معما فعل إلا أن تعطيه إياها كملا، فقد أحسن وأجمل، فأعطاه جميعها.
وقال المدائني: حصر عبد الله بن علي إسحاق بن مسلم العقيلي بسميساط، أو بسروج، أو غيرها أيام ولايته لأبي العباسن فقال: إن في عنقي بيعة فأنا لا أنكثها ولا أزال متمسكا بها حتى أعلم أن صاحبها قد هلك، فقال له عبد الله: إن مروان قد قتل، فلما تيقن ذلك طلب الصلح والأمان فأومن وحمل إلى أبي العباس فكان أثيرا عنده وعند المنصور. وكانوا ينسبونه إلى الوفاء وكان فيه جفاء يدارى له، فلما خالف عبد الله بن علي أبا جعفر وصار بكار بن مسلم معه فكان أشد الناس على أهل خراسان قال أبو جعفر: يا إسحاق ألا تكفينا أخاك؟! قال: اكفني عمك حتى أكفيك أخي، فضحك لقوله.
قالوا: وكان أبو نخيلة يوما عند أبي العباس وإسحاق بن مسلم حاضر، وذلك بعد قتل ابن هبيرة وهدم مدينة واسط وبناء أبي العباس مدينته بالأنبار، فأنشده:
أصبحت الأنبار دارا تعمر ... وخرجت من النفاق أدور
حمص وقنسرينها وتدمر ... أين أبو الورد وأين الكوثر
وأين مروان الأشقر ... وأين أجساد رجال قبروا
هيهات لا نصر لمن لا ينصر ... وواسط لم يبق إلا القرقر
بها وإلا الديدبان الأخضر ... منازل كانت بهن العهر
فغضب إسحاق وقال: والله لقد سمعته يقول فيكم مثل هذا القول، فقال المنصور: إنما أنت يا أبا نخيلة مع كل ريح، وكان في إسحاق جفاء، وأمر أبو العباس لأبي نخيلة بخمسين ألف درهم.
وحدثنا المدائني قال: جلس أبو العباس للناس ذات يوم، فقام رجل فذم أهل الشام والجزيرة، فقال له إسحاق: كذبت يا بن الزانية، فقال زياد بن عبيد الله: خذ للرجل بحقه يا أمير المؤمنين. فقال أبو العباس: أترى قيسا ترضى بأن يضرب سيدها حدا؟ لو دعوته بالبينة لجاء مائة من قيس يشهدون أن القول قوله، فترك الرجل مطالبته.
ذكر برد رسول الله

(2/9)


صلى الله عليه وسلم وقضيبه وقعبه ومخضبه
وحدثني عبد الله بن صالح العجلي، حدثنا يحيى بن آدم عن الحسن بن صالح، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دفع بردا له إلى أناس من النصارى من أهل دومة الجندل أو أهل مقنا أمانا لهم فاشتراه أبو العباس أمير المؤمنين من أولادهم بأربعمائة دينار، فهو الذي يلبسه الخلفاء.
قال عبد الله، وذكر الواقدي، أن الذين دفع البرد إليهم أهل تبوك، قال: وقال الهيثم بن عدي: هم أهل أيلة. وقال بعضهم: دفن مروان البرد والقعب والقضيب والمخضب لئلا يصير إلى بني العباس فدلهم عليه خصي لمروان.
حدثني محمد بن الربيع بن أبي الجهم بن عطية عن أبيه قال: قال أمير المؤمنين أبو العباس: إذا عظمت القدرة قلت الشهوة، وقل تبرع إلا ومعه حق مضاع.
وحدثني محمد بن الربيع عن أبيه قال: قال أبو العباس: إن من أدنياء الناس ووضعائهم من عد البخل حزما والحلم ذلا.
حدثني عمر بن بكير عن الهيثم بن عدي عن عبد الله بن عياش الهمداني قال: دخلت على أبي العباس أمير المؤمنين بعد مقتل مروان فقلت: الحمد لله الذي أبدلنا بحمار الجزيرة وابن أمة النخع ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عبد المطلب.
قال الهيثم: وكان محمد بن مروان بن الحكم أخذ جارية لابراهيم بن الأشتر النخعي حين حاربه أيام مصعب، فولدت مروان بن محمد.
وكان الجعد بن درهم قد أفسد دين مروان، وكان عاتيا لا يبالي ما صنع، فكان يقال: مروان أكفر من حمار الأزد، وهو حمار بن مالك بن نصر بن الأزد، وكان جبارا قتالا لا يبالي ما أقدم عليه، فسمي حمار الجزيرة.
حدثني عبد الله بن صالح، عن رجل، عن عمارة بن حمزة، قال: كان أبو العباس يقول: أو قال كتب: إذا كان الحلم مفسدة كان العفو معجزة، والصبر حسن إلا على ما أوتغ الدين وأوهن السلطان، والأناة محمودة إلا عند إمكان الفرصة.
وحدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه قال: دخل على أبي العباس مشيخة من أهل الشام فقالوا: والله ما علمنا أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة يرثونه إلا بني أمية حتى وليتم. فقال إبراهيم بن مهاجر:
أيها الناس اسمعوا أخبركم ... عجبا زاد على كل عجب
عجبا من عبد شمس انهم ... فتحوا للناس أبواب الكذب
ورثوا أحمد فيما زعموا ... دون عباس بن عبد المطلب
كذبوا والله ما نعلمه ... يحرز الميراث ألا من قرب
وحدثني عبد الله بن صالح، أخبرني الثقة، قال: وجد أبو العباس على إبراهيم بن جبلة بن مخرمة الكندي، وكان من صحابته وسماره فحجبه، فذكر عنده وقيل إنه لحسن العلم والحديث، فقال عيسى بن علي: إنه لكذلك أفلا تصفح عنه يا أمير المؤمنين وتعيده إلى مجلسك وسمرك؟ فقال: ما يمنعني من ذلك إلا أني لا أحب أن يتبين الناس أن رضاي قريب من سخطي، وسوف أدعو به.
المدائني قال: قالت أم سلمة، امرأة أبي العباس: يا أمير المؤمنين ما أحسن الملك لو كان يدوم، فقال: لو كان يدوم لدام لمن قبلنا فلم يصل إلينا.
حدثني الحسن بن علي الحرمازي عن العتبي وغيره، قالوا: كان أبو العباس يقول: إن أردنا علم الحجاز وتهامة فعند سعيد بن عمرو بن الغسيل الأنصاري، وان أردنا علم وعلوم فارس والعجم فعند خالد بن صفوان، وإن أردنا علم الدنيا والآخرة والجن والأنس فعند أبي بكر الهذلي، وكان هؤلاء سمارة وحداثه.
وقال عبد الله بن صالح العجلي: ركب أبو العباس بالأنبار فمر بقوم من الفعلة فقال لعيسى بن علي: يا أبا العباس إن السعيد لمن سلم من الدنيا، وددت أني لم أتقلد شيئا مما تقلدت، أهؤلاء أحسن حالا وأخف ظهورا في معادهم أم أنا؟ فقال عيسى: يا أمير المؤمنين قد أحسن الله إليك وإلى الأمة بك وأنقذهم ببركتك من جور بني أمية وجبروتهم.
المدائني قال: كتب أبو العباس إلى زياد بن عبيد الله بن عبد الله الحارثي وهو عامله على المدينة أن يخرج المخنثين عنها، فأمر بإخراجهم، فقال له صاحب شرطه: إن في دارنا مخنثا، فإن رأى الأمير أن يدعه، فقال: دع في كل دار مخنثا، فقال: إذا نحتاج إلى أن نجلبهم من الآفاق.

(2/10)


وكان زياد بخيلا حقن بادهان لعلة كانت به، فأراد غلمانه هراقة ما خرج منه، فقال: صفوا هذه الأدهان واستصبحوا بها ولا تهريقوها، وأكل معه رجل يوما فأتي بجدي فجعل الرجل يتناول منه تناولا شديدا، فقال له: إني أراك تأكل لحم هذا الجدي كأن أمه نطحتك، فقال: وأراك أيها الأمير تشفق عليه كأن أمه أرضعتك. وأكل عنده الغاضري، ويقال أشعب، في شهر رمضان فقدمت إليه مضيرة فجعل يأكل منها أكلا شديدا، فقال له: إن أهل السجن يحتاجون في هذا الشهر إلى إمام يصلي بهم فأدخلوا فلانا ليصلي بهم، فقال: أو غير ذلك أصلح الله الأمير، أحلف بالطلاق أن لا آكل مضيرة أبدا.
حدثني حفص بن عمر عن الهيثم بن عدي قال: كانت أم سلمة بنت يعقوب المخزومية امرأة أبي العباس عند مسلمة بن هشام المعروف بأبي شاكر، وكان أبو شاكر صاحب شراب فشكته أم سلمة إلى العباس بن الوليد بن عبد الملك فعاتبه فطلقها، فصارت إلى فلسطين فتزوجها أبو العباس أمير المؤمنين فكلمته في سليمان بن هشام وقالت انه كان مباينا لمروان فأمر أن لا يعرض له، فكان يدخل عليه. فبينا هو ذات يوم عنده إذ دخل عليه سديف بن ميمون مولى بني هاشم، وكان طويلا أحنى، فأنشده:
أصبح الدين ثابت الآساس ... بالبهاليل من بني العباس
يا كريم المطهرين من الرج ... س ويا رأس كل قرم ورأس
أنت مهدي هاشم ورضاها ... كم أناس رجوك بعد أناس
لا تقيلن عبد شمس عثارا ... واقطعن كل رقلة وغراس
انزلوها بحيث انزلها الل ... ه بدار الهوان والاتعاس
فلقد غاظني وأوجع قلبي ... قربها من نمارق وكراسي
اذكروا مصرع الحسين وزيد ... وقتيلا بجانب المهراس
والامام الذي بحران أمسى ... رهن رمس مجاور الأرماس
وأنشد:
لا يغرنك ما ترى من رجال ... إن تحت الضلوع داء دويا
فضع السيف في ذوي الغدر حتى ... لا ترى فوق ظهرها امويا
وأنشد:
علام وفيم تترك عبد شمس ... لها في كل ناحية ثغاء
فما بالرمس من حران فيها ... وان قتلت بأجمعها، وفاء
وكان أبو مسلم يكتب إلى أبي العباس في أمر سليمان: إذا كان عدوك ووليك عندك سواء، فمتى يرجوك المطيع لك المائل إليك، ومتى يخافك عدوك المتجانف عنك؟ فلما خرج سليمان من عند أبي العباس قال لسديف: قتلتني قتلك الله.
قال: ثم دعا أبو العباس أبا الجهم بن عطية فقال له: قد بلغني عن سليمان بن هشام أمر أكرهه فاقتله، فأخرجه إلى الغريين فقتله وابنا له وصلبهما، وحضر غلام له أسود فجعل يبكي على مولاه ويقول: هكذا الدنيا تصبح عليك مقبلة وتمسي عنك مدبرة.
وقال غير الهيثم: دفع سليمان إلى عبد الجبار صاحب شرط أبي العباس فأمر المسيب بن زهير فقتله. ويقال، إن سديفا لما أنشد الشعر قام سليمان فقال: ان هذا يشحذك علي، فقد بلغني أنك تريد اغتيالي، فقال: يا جاهل، ومن يمنعني منك حتى أقتلك اغتيالا، خذوه، فأخذ فقتل.
حدثني عبد الله بن مالك الكاتب وغيره، قالوا: ضم سالم بن عبد الرحمن كاتب هشام بن عبد الملك: عبد الحميد بن يحيى إلى مروان حين شخص إلى أرمينية، وكان عبد الحميد من حديثة النورة من الأنبار، وأتى الشام فتخرج هناك، وقوم يقولون إنه مولى لبني أمية، وقوم يقولون إنه مولى لغيرهم من قريش، فلم يزل عبد الحميد مع مروان حتى نزل بمروان الأمر فقال له: إن القوم محتاجون إلى مثلك، فاستأمن إليهم فلعلك تنفعني في حياتي أو تحفظني في حرمتي بعد وفاتي، فأنشأ عبد الحميد يقول أو ينشد:
أسر وفاء ثم أظهر غدرة ... فمن لي بعذر يوسع الناس ظاهره
وأنشد أيضا:
فلومي ظاهر لا شك فيه ... للائمة وعذري بالمغيب
ثم قال: يا أمير المؤمنين، إن الذي أمرتني به أنفع الأمرين لك وأقبحهما لي، ولكني أصبر حتى يفتح الله عليك أو أقتل معك، فأخذ فحبس ثم قتل.
وحدثني عدة من ولد عبد الحميد بن يحيى أن عبد الحميد استخفى فوجد بالشام أو بالجزيرة، فدفعه أبو العباس، إلى عبد الجبار بن عبد الرحمن وكان على شرطه، فكان يحمي طستا ويضعه على رأسه حتى مات.

(2/11)


وكان يقول: ويحكم إنا خطباء كل دولة، وسئل عن أموال مروان فقال: والله ما أعلم منها ما تعلمون.
وحدثني بعض ولد عبد الحميد أنه كان يكنى أبا يحيى وأنه كان يقول: من كان منطقه أكثر من عقله كان منطقه عليه، ومن كان عقله أكثر من منطقه كان منطقه له.
وحدثني ابن القتات قال: لما ولي أبو العباس مدح أبو عطاء السندي بني العباس فقال:
أن الخيار من البرية هاشم ... وبنو أمية أرذل الأشرار
وبنو أمية عودهم من خروع ... ولهاشم في المجد عود نضار
أما الدعاة إلى الجنان فهاشم ... وبنو أمية من دعاه النار
فلم يصله بشيء، فقال:
يا ليت جور بني مروان عاد لنا ... وان عدل بني العباس في النار
وقال أبو عطاء أيضا:
بني هاشم عودوا إلى نخلاتكم ... فقد عاد سعر التمر صاعا بدرهم
فإن قلتم رهط النبي محمد ... فإن النصارى رهط عيسى بن مريم
حدثني العمري عن الهيثم بن عدي قال: دفع ابن عياش المنتوف إلى أبي العباس حوائج له وكان فيها أن يجز لحية علي بن صفوان ليسويه به وكان علي طويل اللحية، فلما ودخل أبو العباس المقصورة وصعد المنبر رأى ابن عياش وابن صفوان قبالته، ورأى طول لحية ابن صفوان فاستضحك فوضع كمه على وجهه فلما انصرف قال لابن عياش: ويلك كدت تفضحني، فقال: والله ما أردت إلا أن تذكر حاجتي.
حدثني العمري عن الهيثم بن عدي عن ابن عياش قال: ابتدأ أبو العباس آل أبي طالب بالبر والتكرمة، فكان ذلك لا يزيدهم إلا التواء عليه، وكان عبد الله بن حسن بن حسن أشدهم له حسدا، وأقلهم له شكرا، فقال يوما: لقد صدق معاوية حين قال: ما أحد من الناس إلا وأنا استطيع رضاه إلا حاسد نعمة لا يرضيه عني إلا زوال نعمتي فلا أرضاه الله عني أبدا، وهؤلاء بنو أبي طالب أرحامهم وأحسنت برهم وهم يأبون بحسدهم وسوء نياتهم إلا القطيعة، وإني لأتخوف أن يعود حلمي عليهم بما يكرهون في عواقب الأمور والله المستعان.
وحدثني عبد الله بن صالح عن علي بن صالح صاحب المصلى قال: أقدم أبو العباس عبد الله بن حسن عليه، فبره وأكرمه وأعطاه ألف ألف درهم، فلما انصرف إلى المدينة أتاه أهلها مسلمين عليه وجعلوا يدعون لأبي العباس لبره به واجزاله صلته، فقال عبد الله: يا قوم ما رأيت أحمق منكم تشكرون رجلا أعطانا بعض حقنا وترك أكثره. فبلغ ذلك أبا العباس فدعا إخوته وأهل بيته وجعل يعجبهم من قول عبد الله، فقالوا: يا أمير المؤمنين إنما يتم احسانك إليه وإنعامك عليه بالصفح عنه، وتكلم أبو جعفر فيه بكلام شديد وقال: إن الحديد بالحديد يفلح. فقال أبو العباس: من تشدد أنفر، ومن لان تألف، والجاهل تكفيكه مساوئه.
حدثني عمر بن بكير عن الهيثم عن ابن عياش، قال: كان أبو العباس أسخى الناس، وما وعد عدة قط فأخرها عن وقتها أو قام من مجلسه حتى يقضيها، ولقد سمعناه يقول: إن المقدرة تصغر الأمنية، لقد كنا نستكثر أمرورا أصبحنا نستقلها لأخس من صحبنا، ثم يسجد لله شكرا.
المدائني قال: سمر خالد بن صفوان عند أبي العباس، ففخر قوم من بني الحارث بن كعب وخالد ساكت، فقال له أبو العباس: تكلم يا خالد، فقال: هؤلاء أخوال أمير المؤمنين، قال: وأنت من أعمامه وليس الأعمام بدون الأخوال، فقال: وما أكلم من قوم إنما هم على افتخارهم بين ناسج برد وسائس قرد ودابغ جلد، دل عليهم هدهد، وغرقتهم فأرة، وملكتهم امرأة، فجعل أبو العباس يضحك.
أبو الحسن المدائني عن أبي محمد المغربي قال: قال أبو العباس لخالد بن صفوان حين أخذ سليمان بن حبيب: أشعرت أن سليمان أخذ من بئر؟ فقال: هذا الذي خرج رقصا، ودخل قفصا.
وحدثني أبو مسعود الكوفي عن عبد الجبار الكاتب قال: دخل بخالد بن صفوان على أبي العباس أمير المؤمنين، فقال له: لقد وليت الخلافة فكنت أهلها وموضعها، ورعيت الحق في مسارحه وأوردته موارده فأعطيت كلا بقسطه من نظرك وعدلك ورأيك ومجلسك، حتى كأنك من كل أحد، وكأنك لست من أحد، فأعجبه قوله وأمر له بمال.

(2/12)


المدائني قال: دخل خالد بن صفوان على أبي العباس فقال له: ما تقول في أخوالي بني الحارث بن كعب؟ قال: هنالك هامة الشرف، وخرطوم الكرم، وغرس الجود، إن فيهم لخصالا ما اجتمعت في غيرهم من قومهم، إنهم لأطولهم أمما وأكرمهم شيما وأطيبهم طعما، وأوفاهم ذمما، وأبعدهم همما، هم الجمرة في الحرب، والرفد في الجدب، والرأس في كل خطب، وغيرهم بمنزلة العجب، فقال: لقد وصفت أبا صفوان فأحسنت.
حدثني أبو دهمان بن أبي الأسوار قال: كان أبو العباس يسمع الغناء فإذا قال للمغني أحسنت لم ينصرف من عنده إلا بجائزه وكسوة.
وقيل له أن الخلافة جليلة، فلو حجبت عنك من يشاهدك على النبيذ، فاحتجب عنهم، وكانت صلاته قائمة لهم.
حدثني عبد الله بن مالك الكاتب قال: لما بلغ أبا جعفر استئذان أبي مسلم للحج وهو يومئذ بالجزيرة، وكان والي الجزيرة وأرمينية لأبي العباس، كتب إلى أبي العباس يسأله توليته الموسم فكتب إليه يأمره بالقدوم ليقلده الموسم، ووافى أبو مسلم فدخل على أبي العباس وأبو جعفر عنده، فسلم على أبي العباس ولم يسلم على أبي جعفر، فقال له أبو العباس: هذا أبو جعفر أخي؟ فقال: إن مجلس أمير المؤمنين لا تقضي فيه الحقوق.
قالوا: كان سليمان بن كثير الخزاعي من النقباء، فلما قدم المنصور خراسان على أبي مسلم قال له: إنما كنا نحب تمام أمركم وقد تم بحمد الله ونعمته، فإذا شئتم قلبناها عليه، وكان محمد بن سليمان بن كثير خداشيا فكره تسليم أبيه الأمر إلى أبي مسلم، فلما ظهر أبو مسلم وغلب على الأمر قتل محمدا، ثم قال سليمان للكفية - وهم الذين بايعوا على أن لا يأخذوا مالا وأن تؤخذ أموالهم إن احتيج اليها ويدخلوا الجنة، ويقال إنهم أعطوا كفا كفا من حنطة فسموا الكفية - : حفرنا نهرا بأيدينا فجاء غيرنا فأجرى فيه الماء، يعني أبا مسلم، فبلغ قوله أبا مسلم فاستوحش منه، وشهد عليه أبو تراب الداعية ومحمد بن علوان المروزي وغيرهما في وجهه بأنه أخذ عنقود عنب فقال: اللهم سود وجه أبي مسلم كما سودت هذا العنقود واسقني دمه، وشهدوا أن ابنه كان خداشيا وأنه بال على كتاب الإمام، فقال لبعضهم: خذه بيدك فألحقه بخوارزم، وكذلك كان يقول لمن أراد قتله، فقتل سليمان، وكتب إلى أبي العباس بخبره وقتله إياه، فلم يجبه على كتابه، فكان مما عاتبه عليه المنصور أن قال: قتلت سليمان بن كثير نقيب نقبائنا، ورئيس شيعتنا، وشيخ دعوتنا، وابنه، وقتلت لا هزا.
أمر زياد بن صالح
وحدثني أبو الصلت الخراساني وغيره، قالوا: بلغ أبا مسلم عن زياد بن صالح تنقص له وذم، وأنه كان يقول: إنما بايعنا على إقامة العدل وإحياء السنن، وهذا جائز ظالم يسير سير الجبابرة، وإنه مخالف له قد أفسد عليه قلوب أهل خراسان، فدعا به فقتله. وكان عيسى بن ماهان مولى خزاعة صديقا له ومطابقا على بعض أمره، فقال للناس: إن أمير المؤمنين قد أعظم قتل زياد، وذم أبا مسلم وأنكر فعله وقال: إنه قتل رجلا ذا قدم وبلاء حسن في دولتنا، وبريء منه، وقد بعث إلي بعهدي على خراسان، ودعا قوما إلى حرب أبي مسلم فأجابوه سرا وخالفه أقوام قتلهم، وكان عيسى يومئذ بإزاء قرية وجهه أبو داود إليها ليحارب أهلها، وقدم رسول أبي العباس وهو أبو حميد إلى أبي مسلم بخلع وبز وبكتاب يلعن فيه زياد بن صالح وأشياعه ويصوب رأي أبي مسلم في قتله، فأمر أبو مسلم أبا داود بقتل عيسى بن ماهان فكتب إليه: إن رسول أمير المؤمنين قد قدم على الأمير بخلع وبز له وللأولياء، وذكرناك له فصر إلينا لتشركنا في أمرنا وسرورنا وترى رسول أمير المؤمنين فتعرفه حالك، فقدم على أبي داود فقال: خذوا ابن الفاعلة، وأمر به فأدخل في جوالق ثم ضرب بالخشب حتى مات، فكتب أبو العباس إلى أبي مسلم يعظم قتل عيسى، ويأمره أن يقتل أبا داود به، فكتب في جواب ذلك يعذر أبا داود خالد بن إبراهيم ويذكر ان ابن ماهان لو ترك لكان منه مثل الذي كان من زياد بن صالح، من إفساد الناس وحملهم على المعصية والخلاف.
أمر السفياني

(2/13)


قالوا: ونزل عبد الله بن علي على نهر أبي فطرس، وكانت ببالس ابنة لمسلمة بن عبد الملك، فخطبها عامل عبد الله بن علي، وهو رجل من أهل خراسان فأنعمت له وقالت: أتهيأ لك، وكتبت إلى أبي الورد مجزأة بن الهذيل بن زفر الكلابي تستجير به، فخرج أبو الوازع أخو أبي الورد في جماعة فأتوا بالس والخراساني في الحمام فدخلوا عليه فقتل، ولحق بهم أبو الورد ودعا الناس فأجابه من قيس وغيرها زهاء سبعة ألاف، أكثرهم من قيس، وبلغ أبا محمد زياد بن عبد الله بن يزيد بن معاوية، وذلك الثبت - وقيل ان اسم هذا السفياني العباس بن محمد بن عبد الله بن يزيد بن معاوية، وان زيادا كان خرج طالبا بدم الوليد بن يزيد وليس هو بالخارج أيام عبد الله بن علي، والثبت أنه زياد - فطمع وقال: أنا السفياني الذي يروى أنه يرد دولة بني أمية، ونزل دير حنينا، وبايعه الوليد والناس وكتب إلى هشام بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط يدعوه إلى الخروج معه فاعتل عليه.
وبلغ عبد الله بن علي الخبر فقتل جميع من كان معه من بني أمية ومن يهدي هداهم، ووجه عبد الصمد إلى السفياني وأصحابه وهم بقنسرين في سبعة آلاف فاقتتلوا فانهزم الناس عن عبد الصمد حتى أتوا حمص، وأقبل ابن علي حتى نزل على أربعة أميال من حمص ووجه بسام بن إبراهيم وخفافا المازني بين يديه إلى حمص، وكتب إلى حميد بن قحطبة فقدم عليه. وصار السفياني وأبو الورد إلى مرج الأخرم، وأتاهم عبد الله بن علي ومعه عبد الصمد وحميد بن قحطبة فاقتتلوا في آخر ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وعلى ميمنة أبي محمد أبو الورد وعلى ميسرته الأصبغ بن ذؤالة الكلبي، فانهزم أهل الشام وهرب السفياني وجرح أبو الورد، فحمل إلى أهله فمات، ولجأ قوم من أصحاب أبي الورد إلى أجمة فأحرقت عليهم.
وبلغ ابن علي أن أبا محمد لبس الحمرة ودعا الناس، فأجابه خلق، فسار إليه فهزمه فتوارى، ثم أتى المدينة وعليها زياد بن عبيد الله الحارثي فاستدل عليه حتى عرف الدار التي هو فيها فوجه إليه من يأخذه، فخرج من الدار فقاتل ورماه رجل بسهم فأصاب ساقه فصرعه واعتوروه فقتلوه وكبروا، فسمع التكبير ابن له يقال له مخلد، فخرج فقاتل حتى قتل، وصلب أبو محمد وابنه.
قال الحرمازي: خرج السفياني في أيام أبي العباس ثم انهزم وتوارى حينا فقتل في أول خلافة المنصور.
أمر بسام بن إبراهيم
قال المدائني وغيره: كان بسام بن إبراهيم مع نصر بن سيار، فلما ظهر أبو مسلم صار إليه وترك نصرا، فقدم مع قحطبة وشخص مع ابن علي إلى الشام، فلما خلع أبو الورد وبايع أبا محمد السفياني ثم هرب السفياني واستخفى، صار بسام إلى تدمر وعزمه على الخلاف لأشياء أنكرها من سيرة ابن علي، فمنعه أهل تدمر من دخولها فقاتلهم وهزمهم وقتل منهم جماعة بعث برؤوسهم إلى عبد الله بن علي ليوهمه أنه على طاعته. وأظهر بسام الخلاف فانصرف عنه عامة جنده وأتى قرقيسيا، فكتب ابن علي بخبره إلى أبي العباس، ثم أتى المدائن في جمع فوجه إليه أبو العباس خازم بن خزيمة فقاتله فانهزم بسام وصار إلى السوس وتفرق عنه أصحابه، ثم مضى إلى ماه وخازم يتبعه، ثم توارى وكتب إلى جعفر بن محمد بن علي بن الحسين: إن أجبتني ضربت بين أهل خراسان وبايعت لك، فخاف جعفر أن يكون أبو العباس دس الكتاب إليه فأتى أبا العباس بكتاب بسام، فقال: أحسن الله جزاءك يا بن عم، اكتب إليه فواعده مكانا يلقاك فيه، فواعده الحيرة ووجه إليه بذلك ابنه إسماعيل بن جعفر، وأمر أبو العباس أبا غسان مولاه وحاجبه بتفقده ومراعاته، فلما رآه أبو غسان مع إسماعيل بن جعفر عرف أنه بسام وكان عليه سواد بلا سيف، فقال له: من أنت؟ قال له: رجل من أهل الجزيرة من العباد، فرفع أبو غسان عليه العمود، فشتمه بسام وقال: لو كان معي سيفي ما اجترأت أن ترفع علي عمودك، فأخذه وأتى به أبا العباس، فأمر به فقطعت يداه ورجلاه ثم صلب.
وحدثني العمري عن الهيثم بن عدي قال: خرج على أبي مسلم ببخارى.
شريك بن شيخ المهري
وقال: إنما بايعناكم على العدل ولم نبايعكم على سفك الدماء والعمل بغير الحق، فاتبعه أكثر من ثلاثين ألفا، فبعث إليه أبو مسلم زياد بن صالح الخزاعي قبل قتله بسنة أو نحوها، ويقال بعث غيره، فحاربه وأوقع بأصحابه وقتله.
أمر سلم بن قتيبة بن مسلم

(2/14)


حدثني علي بن المغيرة الأثرم عن معمر بن المثنى، وحدثني غيره: أن يزيد بن عمر بن هبيرة قدم وايا على العراق من قبل مروان بن محمد، فكتب ابن هبيرة إلى مروان يستأذنه في تولية سلم بن قتيبة البصرة، فنهاه عن ذلك للذي كان من قتيبة بن مسلم في خلع سليمان بن عبد الملك والخلاف عليه، فلم يزل يراجعه في أمره ويصف له دينه وفضله ومذهبه حتى أذن له في توليته البصرة، وكان سلم يجالس بن سيرين، ومات ابن سيرين وله عليه خمسة آلاف درهم جعله منها في حل، وكان يجالس بعده أيوب السختياني فقال بعض أهل البصرة حين ولي سلم: ترفقي تصيدي.
ولما ولي سلم، بعث إليه آل المهلب عبد الله بن عبيد الله أبا النضر النحوي الأزدي، وكان خلا له، يستأذنونه في قدوم البصرة، وكان آل المهلب مع عمرو بن سهيل فهربوا، فأذن لهم، وكتب إليه ابن هبيرة يأمره بأخذهم والجد في طلبهم فغيب عنهم وعذر في أمرهم وأمر الناس، وبعث إليه بنو المهلب بثلاثين ألف درهم، ويقال أكثر من ذلك، فلم يقبلها وردها وقال: يا سبحان الله، أبيع المعروف بيعا؟! وكانوا ربما أتوا سلما ليلا في حوائجهم، فلم يزالوا كذلك حتى ظهرت المسودة وحصر الحسن بن قحطبة يزيد بن عمر بن هبيرة بواسط. وولى سلم بن قتيبة شرطته الحكم بن يزيد بن عمير الأسيدي، فاستخلف ابن رالان المازني، من بني مازن بن مالك بن عمرو واسمه الفضل بن عاصم بن عبد الرحمن بن شداد بن أبي محياة بن جابر بن رويل بن رالان وهو يعرف بابن رالان، ثم إن ابن هبيرة ولى الحكم بن يزيد كرمان فقتل بها، قتله تميم بن عمر التيمي وأقر ابن رالان على شرطه، فقال سلمة بن عياش يهجوه:
أتيت ابن رالان في حاجة ... فلم أر خيرا ولم أحمد
وقد جاءنا عاقدا نخوة ... يضيق لها شكة المربد
فيا ليت أني غرمت الذي ... أصبت وإنك لم تشهد
حدثنا إسحاق حدثنا إسماعيل بن علية عن ابن عون قال: مات محمد بن سيرين ولسلم عليه خمسة آلف درهم فجعله منها في حل وقال: أترون عبد الله بن محمد مستعديا إن لم آخذها؟ قال: وأتى سلم بن قتيبة رجل فقال له: اني كنت في نعمة من الله فزالت ولم أجد أحدا أولى بأن أفزع إليه منك فأفعل ما يشبهك، فقال سلم:
يرى بدهات الحمد لا يستطيعها ... فيجلس وسط القوم لا يتكلم
ثم نهض، وقال: الرجل لا يبرح، فدخل إلى أهله ثم جمع ملء كمه دنانير وحلى من ذهب وجوهر، ثم خرج إلى الرجل فنبذ ذلك إليه وقال: استمتع بهذا. وكان يقول: عجبا لمن يضن بما يصير إلى هذه المزابل.
وقال له رجل: لي إليك حاجة لا مرزئة عليك فيها ولا عناء، فقال: ما مثلي يسأل عن هذه الحاجة، وقال سلم: ما أعرف قافية يستغنى عن صدرها إلا قول الحطيئة.
.............................. لا يذهب العرف بين الله والناس المدائني قال: قال عمرو بن هداب: إنما كنا نعرف سؤدد سلم بأنه كان يركب وحده ثم يرجع في خمسين.
قال: واستنشد سلم أبا عمرو بن العلاء شعر الفرزدق:
تحن بزوراء المدينة ناقتي ... حنين عجول تبتغي البو رائم
ونسي أبو عمرو ما فيها من هجاء قيس، فوقف، وعرف سلم ما سبب وقرفه فقال: هات لله أبوك، فقال: اعفني أصلح الله الأمير، قال: والله لتسلسلنها في آذانهم في سواد هذا الليل.
المدائني قال: قيل لسلم بن قتيبة: قد ساءت آداب حشمك لحسن خلقك، فقال: لأن ينسب حشمي إلى سوء الأدب أحب إلي من أنسب إلى سوء الخلق. وكان أهل طستنجان قطعوا الطريق في عمل سلم، ففرض فرضا بالبصرة ووجهه إليهم فقاتلوهم، ثم اصطلحوا فكتب عليهم كتابا وكان أول من فعل ذلك.
وقال المدائني: قسم يزيد الرشك بين سلم واخوته أرضا بالطف، فجار على سلم، فلما ولي تجنى عليه فضربه، وكان يزيد قاسم أهل البصرة في زمانه، وتكلم رجل بكلام حسن، فقال بعض من حضر: هذا كلام تعلمه، فقال سلم: قد أحسن من تعلم كلاما حسنا من غيره فأداه في موضعه.

(2/15)


قالوا: ولما حصر ابن هبيرة، وظهر أمر المسودة كتب سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب إلى أبي سلمة حفص بن سليمان الداعية: إنك إن وليتني البصرة أخذتها لك، فكتب إليه بولايتها، فسود وأرسل إلى سلم: إني لك شاكر ما سلف من بلائك عندنا وقد ولاني هؤلاء القوم البصرة فأخرج من دار الامارة وانزل حيث شئت في الرحب والسعة، فأرسل إليه سلم: اني غير خارج منها، ولكن وادعني حتى ننظر ما يصنع ابن هبيرة فإن خرج عن واسط وقتل خرجت لك عن دار الامارة فإنك تعلم أن مروان وابن هبيرة لم يقتلا ولم يهزما، فأبى سفيان أن يفعل، فأرسل سلم إلى بني تميم يستنصرهم، فحثهم على نصرته جيهان بن محرز المنقري وأذكرهم خذلانهم عدي بن أرطاة، فأجابوه، وسفر بين سلم وسفيان: إسماعيل بن مسلم المكي، هو وعباد بن منصور، وعثمان البتي مولى ثقيف، وأبو سفيان بن العلاء، ومعاوية بن عمر بن غلاب، ومسلمة بن علقمة، وقال أبو النضر النحوي: أنشدك الله في نفسك فإن تميما لا تناصحك وقد ذهبت دولة أهل الشام، فنهره وزبره، وكلم هؤلاء الذين سميناهم سفيان وحذروه الفتنة، فقال سفيان لابن العلاء: أترى سلما مقاتلي؟ فقال: أي والله ولو كنت في تسعة آلاف وتسعمائة وتسعة وتسعين وهو وحده حتى تخرج نفسه، وكان عبد الرحمن بن يزيد بن المهلب حاضرا فصوب قول ابن العلاء وقال: صدقته ونصحته، فوادعه سفيان وكتب بينهما كتابا على أن يقيما على هيئتهما حتى ينظرا ما يصنع ابن هبيرة والمسودة.
وبلغ الخبر أبا سلمة، فكتب إلى بلج بن المثنى بن محربة العبدي: ان قاتل سفيان سلما وإلا فأنت أمير البصرة، فأعلم بلج سفيان ذلك، فقال: لا بل أقاتل سفيان، وأمسك بلج عن تولي البصرة، وكتب أبو سلمة إلى الصمة بن دريد بن حبيب بن المهلب بعهده على البصرة، فحرك ذلك سفيان بن معاوية تحريكا شديدا وعزم على محاربة سلم، فأرسل إلى المشارع فأخذ كل دابة وجدها، وبلغ ذلك سلما فأبرز سريره وأرسل إلى أصحابه فجاءته: قيس، وتميم، وبنو مسمع من بكر بن وائل، وأتاه تسنيم بن الحواري، واجتمع إلى سفيان أصحابه الأزد وبكر بن وائل وعبد القيس، فعقد سلم لأبان بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان على أهل العالية ومن كان من قريش وثقيف، ولعمر بن المسور بن عمر بن عباد على بني عمرو وحنظلة، وعمر بن المسور الذي يقول فيه غيلان بن حريث التميمي:
يا عمر بن مسور بن عباد ... أنت الجواد ابن الخيار الأجواد
وجعل سفيان على ميمنته معاوية ابنه، وعلى ميسرته محمد بن المهلب، وعقد لعبد الواحد بن زياد بن عمرو على طائفة من أصحابه، وصار سفيان في أصحابه إلى موضع بالبصرة يعرف بسقاية ابن برثن، وأتته بنو حنيفة، وبنو هزان من عنزة بن أسد بن ربيعة.
وخرج دريد بن الصمة بن حبيب بن المهلب في أحسن من عدة سفيان، وقدم على سلم مدد من أهل الشام فالتقوا في يوم أربعاء، وأمر سفيان فنودي: من جاء برأس فله خمسمائة درهم ومن جاء بأسير فله ثلاثمائة، ووجه عبد الواحدين بن زياد بن عمر العتكي فحرق ظلال السوق، ووجه سلم أبان بن معاوية ومعه أمية بن خالد بن أبي عثمان، من ولد خالد بن أسيد، وعبد الله بن عمرو الثقفي إلى ناحية من النواحي فمر بقوم لهم صنيع فأخرجوا فالوذج فإنه ليأكل اذ حمل على أصحابه فانهزموا، فمسح يده ووضع بيضته على رأسه وركب فهزم أولئك الذين حملوا على أصحابه وهزم أصحاب سفيان أقبح هزيمة، وقاتل سفيان سلما في يوم الخميس فهزم سفيان وأصحابه حتى خرج من باب البصرة ومعه عبد الرحمن بن يزيد بن المهلب، وقتل معاوية ابنه، وكان على الشاميين الذين أمد سلم بهم جابر بن توبة الكلابي، فانتهبوا دور العتيك حتى أخذوا الشاء والدجاج، واردادوا استعراض ربيعة حتى كلم جابر فكفهم، وصار سفيان إلى ناحية ميسان أوكسكر، وأقام سلم بالبصرة نحوا من شهرين فلما رأى علوا من المسودة شخص عن البصرة إلى البادية واستخلف على البصرة محمد بن جعفر أحد بني نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، فكان أول من سود بعد سفيان بن معاوية. ولما هرب سفيان سود مسمع بن مالك بن مسمع الأبرص وضبط البصرة، وقدم بسام وهو والي الأهواز فأم بالبصرة حتى ولي سفيان بن معاوية البصرة ثانية.

(2/16)


ولما قدم بسام بن إبراهيم البصرة هدم دار عبد الله بن أبي عثمان وهو ابن عبد الله بن خالد بن أسيد، ودار محمد بن واسع بن عبيد بن عاصم بن قيس بن الصلت بن حبيب السلمي، ودار ابن رالان ودار بشر بن هلال بن أحوز، ودورا من دور المضرية. وكان بسام قد ولي الأهواز من قبل أبي سلمة الداعية.
وقال المدائني: هدم هذه الدور سفيان حين ولي البصرة بعد أن سكنت الفتنة. وقدم عبد الصمد بن علي فأخذ بيعة أهلها.
ولما خرج سلم من البصرة كتب أبو العباس إلى داود بن علي وهو عامله على الحجاز يأمره بطلبه، فوجه في طلبه فلم يقدر عليه وبعث سلم إلى أبي العباس ببيعته مع محمد بن سعد الأنصاري وكتب يذكر طاعته وأنه استخلف على البصرة رجلا من بني هاشم لميله إليهم، فقال: لو أقام لنفعه ذلك، وكتب له أمانا وأمره بالظهور والقدوم. وكتب سفيان إلى أبي العباس مع سليمان بن أبي عيينة يعلمه ما كان من ميادرته إلى الطاعة والتسويد ويشكو اجتماع مضر عليه، فقال أبو سلمة: يكتب عهد سفيان على البصرة، فكتب له عهد من أمير المؤمنين أبي العباس بولايتها، فلما قتل أبو سلمة أمر أبو العباس بعزل سفيان وقال: هو من عمال الناكث أبي سلمة، وولى البصرة عمر بن حفص هزارمرد، ثم ولى سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس.
وقال أبو عبيدة: أتى سلم البادية فأقام في قومه وولد له، ثم أتاه أمان أبي العباس عن غير طلب منه له فأقبل إلى البصرة حتى نزل في دار أبي سفيان بن العلاء ليلا، وبعث إلى سليمان بن علي يعلمه مكانه، وقد كان كتاب أبي العباس ورد عليه بإيمانه وأخذ البيعة عليه، فغدا على سليمان فأمنه وأخذ عليه البيعة، فاعترضه محمد بن أبي عيينة بن المهلب فقال: أصلح الله الأمير أتؤمنه وسيفه يقطر من دماء أنصاركم؟ فلم يكلمه، فقال سليمان: كلمه، فقال سلم: إن آل المهلب فراش قين وذبان طمع شرابون بأنقع، لا يوثق منهم بثقة، ولا يحامون على حرمه وهم أصحاب يزيد بالعقر أسلموه، وأصحاب سليمان بن حبيب بالأمس خذلوه، وهذا بعد في نفسه فإنما هو نطفة سكران في رحم صناجة. فقال محمد: أصلح الله الأمير خذ لي بحدي، فأمر سليمان بإخراجه فأخرج، ثم غدا على سليمان مستعديا عليه، فقال له: ويحك ما كان سلم ليقول شيئا إلا شهد عليه ألف نزاري، فأمسك.
وقال يونس النحوي: نظرت إلى رؤبة بن العجاج في مربعة باب عثمان وذلك في الحرب بين سلم وسفيان وهو على فرس متقلدا سيفه ومتنكبا قوسه يقول: يا معشر الفتيان - يعني بني تميم - أطلقوا لساني بجميل ذكركم، فإذا أتى رجل بأسير أو رأس قتيل قال: لا شلل ولا عمى. وقال ابن المقفع، ويقال يحيى بن زياد الحارثي:
ما كنت أعجب ممن نال ميسرة ... حتى مررت على دار لسفيان
لا تعجبن، فقد يلفى الكريم له ... جد عثور ويضحي الوغد ذا شأن
إن كنت لا تدعي بيتا له قدم ... إلا بقصرك لم تنهض بأركان
سام الرجال بآباء لهم شرف ... تلك الفضيلة لا ما شيد الباني
وإن سموت بيوم العقر مفتخرا ... فذلك العار للباقي وللفاني
واذكر ليالي سلم إذ تركت له ... ما في رحالك من مال ونسوان
فظل يفري أديم الأزد ضاحية ... فريا وامعنت منه أي إمعان
وكان سلم لا يؤتي بأسير الا حبسه، حتى أتي بابن عم له يكنى أبا عصام فأمر بضرب عنقه وقال:
دقك بالمنحار حب الفلفل
وكان عمر بن مسور يأخذ أسلحة الاسارى ويخلي سربهم.
قالوا: ولما ولي سفيان دعا بخالد بن صفوان وكان قد قتل له ولد أيضا في الحرب فقال له: عزني، فقال: أنا وأنت كما قالت الباكية:
اسعدنني اخواتي فالويل لي ولكنه
فغضب وقال: جددت لي خزنا، فقال: ليسل عنك ما تجد من اللوعة عليه علمك بأنك غير باق.
وفاة السفاح

(2/17)


حدثني أبو مسعود عن مشايخ الكوفيين قالوا: كان أبو العباس طويلا أبيض أقنى ذا شعر أسود جعد حسن اللحية جعدها، قدم من الشام ثم قدم أهله بعده، فجاءته الخلافة ومعه داود بن علي، وموسى بن داود، والمنصور، وعيسى بن موسى، ومحمد وعبد الوهاب ابنا ابراهيم الإمام، والعباس بن محمد، ويحيى بن محمد، وسليمان، وصالح، وعبد الله، وعبد الصمد، واسماعيل، وعيسى بنو علي بن عبد الله، ويحيى بن جعفر بن تمام، ومحمد بن جعفر بن عبيد الله بن العباس، ورجل من بني معبد بن العباس. قال: وكان قاضياه ابن أبي ليلى وابن شبرمة.
حدثني أبو مسعود عن زهير بن المسيب الضبي عن أبيه قال: اجتمع لأبي العباس في سنة ست وثلاثين: فتح السند، وإفريقية، ومكاتبة صاحب الأندلس فقال لبعض عمومته: سمعت أنه إذا فتح السند وإفريقية مات القائم من آل محمد، فقال له: كلا، فما برح حتى دعا بدواج لقشعريرة أصابته.
المدائني وأبو مسعود قالا: كان الدم قد هاج بأبي العباس فأشار عليه الاطباء بالفصد فلم يقدم عليه فحم، ثم خرج بعد الموم فمات بالأنبار.
وكان أراد البيعة لابنه محمد، ثم قال: ابني حدث فما عذري عند ربي، فقالت له أم سلمة بنت يعقوب امرأته وهي أم محمد: ول غيره واجعله ثانيا، وكلمت أخواله في أن يسألوه ذلك، فقال: أخاف أن يقصر عمر من اجعله قبله فتدركه الخلافة وهو صغير فيصير الأمر إليه قبل أن يستحقه، ولكني أصيره إلى رجل من أهلي أثق بفضله واحتماله، فاثبت اسم أبي جعفر المنصور، وعيسى بن موسى بن محمد من بعده في كتاب، وختم الكتاب، وجعل في منديل وجمعت أطرافه وختم عليه بخاتم أبي العباس، وأخذه عيسى بن علي إليه.
وحدثني أبو الحسن المدائني قال: كان أبو العباس يتقلب فيبقى جلده على الفراش، وخرج رجيع داود بن علي من فمه، وسقي بطن يحيى بن محمد.
وحدثني أبو الحسن المدائني قال: قال لأبي العباس بعض عمومته: كيف أصبح أمير المؤمنين؟ فقال الطبيب: أصبح صالحا، فسلت ذراعه بيده فتناثر لحمه وقال: كيف يكون صالحا من هذه حاله؟ وكانت خلافة أبي العباس أربع سنين وثمانية أشهر وأياما، وتوفي بالأنبار سنة ست وثلاثين ومائة ودفن بالأنبار، وصلى عليه عيسى بن علي عمه؛ وقال بعضهم عيسى بن موسى ابن أخيه، وكان له يوم توفي ست وثلاثون سنة، ويقال أقل من ذلك. وكان آخر ما تكلم به أن تشهد، ثم قال: إليك ربي لا إلى النار.
وحدثني عبد الله بن صالح قال: بلغني أن عيسى بن علي قال لأبي العباس: يا أمير المؤمنين اذكر رجلا يمد الناس إليه أعناقهم بعدك، فإن ذلك لا يقدم ولا يؤخر، فقال: كنت وعدت عبد الله بن علي إن قام بهذا الأمر أن أوليه الخلافة بعدي، فقال له سعيد بن عمرو بن جعدة المخزومي: لا تخرجها من ولد محمد بن علي، فقبل قوله.
وولد لأبي العباس
محمد والعباس وعلي وابراهيم واسماعيل، درج هؤلاء الأربعة، وريطة، وأمهم أم سلمة بنت يعقوب بن سلمة بن عبد الله بن الوليد بن الوليد بن المغيرة المخزومي.
فأما ريطة فتزوجها محمد بن عبد الله بن علي المخالف لأبي جعفر، فتوفي قبل أن يجتمعا، فتزوجها محمد فولدت له عليا وعبد الله ابني المهدي، وكانت ريطة من أشد الناس قوة وبطشا.
وأما محمد بن أبي العباس، فكان أشد الناس أيضا بطشا عابثه المهدي وهو أمير فغمز ركابه حتى ضاق وضغط رجله فلم يقدر على إخراجها منه حتى رده فأخرجها. وأغزى المنصور محمد بن أبي العباس الديلم في سنة إحدى وأربعين ومائة في أهل البصرة والكوفة والجزيرة والسواد، ووجهه في سنة سبع وأربعين ومائة عاملا على البصرة، فاشتكى واستعفى فأعفاه، واستخلف على البصرة عقبة بن سلم، فأقره المنصور بعده إلى سنة إحدى وخمسين ومائة. وكان محمد يقول الشعر ويتغنى به الحكم الوادي المغني، فمن شعره:
زينب ما ذنبي وماذا الذي ... غضبتم فيه ولم تغضبوا
والله ما أعرف لي عندكم ... ذنبا، ففيم العتب يا زينب
ويقال ان حمادا المعروف بعجرد قال له هذا الشعر، وقال له:
يا ساكن المربد قد هجت لي ... شوقا فما أنفك بالمربد
سوف أوافي حفرتي عاجلا ... يا منيتي إن أنت لم تسعدي

(2/18)


وحدثني عباس بن هشام عن أبيه قال: دخل دحمان الأشقر المغني، وحكم الوادي على محمد بن أبي العباس بالبصرة، فدعا بكيس فيه أربعة آلاف درهم فقال: من غنى صوتا يطربني فالكيس له، فغنى دحمان صوتا قديما ثقيلا فلم يطرب له، فغنى حكم هزجا فطرب له وحرك رجليه ورأسه، وأمر بالكيس فدفع إليه. قال: والحكم منسوب إلى وادي القرى.
وحدثني عبد الله بن مالك الكاتب قال: كان محمد بن أبي العباس يلوي العمود ويلقيه إلى ريطة فترده؛ قال: وولاه المنصور البصرة، فكان يخضب لحيته بالغالية فكنوه أبا الدبس. قال: وكان معه حكم الوادي وكان ضاربا، قال: وقد رأيته في خلافة الرشيد جسيما أحول. قال المدائني: ومن غناء الحكم شعر حماد عجرد في محمد بن أبي العباس:
أرجو بعد أبي العباس إذ بانا ... يا أكرم الناس أعراقا وعيدانا
فأنت أكرم من يمشي على قدم ... وانضر الناس عند المحل أغصانا
لو مج عود على قوم غضارته ... لمج عودك فينا المسك والبانا
وقال المدائني: قال محمد بن أبي العباس:
قولا لزينب لو رأي ... ت تشوفي لك واشترافي
وتبددي كيما أرا ... ك وكان شخصك غير جاف
ووجدت ريحك ساطعا ... كالبيت جمر للطواف
وتركتني وكأنما ... قلبي يوجأ بالأثافي
قال: وفيه غناء ليونس الكاتب.
قال: ويقال إن زينب هذه زينب بنت سليمان، ويقال زينب بنت محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن، وكان قد زوجها فأراد الابتناء بها في المدينة حين قتل أبوها فمنعه عيسى بن موسى من ذلك ولامه عليه وقال له: يا جاهل، ما يؤمنك أن تقتلك بأبيها؟ فيقال ان عيسى بن موسى تزوجها بعد وفاته، ولم يدخل بها محمد حتى توفي. وكان موت محمد بن أبي العباس ببغداد.
وقال الحرمازي: كان حماد عجرد يقول الشعر لمحمد بن أبي العباس في زينب بنت سليمان بن علي، فطلب محمد بن سليمان عجردا فاستجار عجرد بقبر سليمان بن علي فلم ينفعه ذلك عنده. وقيل إن محمد بن سليمان لما ولي الكوفة طلب عجردا فشخص إلى البصرة فاستجار بقبر سليمان بن علي، وقال في أبيات له:
إن اكن مذنبا فأنت اب ... ن من كان لمن كان مذنبا غفارا
يا بن بنت النبي إني لا أجع ... ل إلا إليك منك الفرارا
غير أني جعلت قبر أبي أيو ... ب لي من حوادث الدهر جارا
لم أجد لي من الأنام مجيرا ... فاستجرت التراب والأحجارا
فألح في طلبه فأتى قبر سليمان فكتب عليه:
قل لوجه الخصي ذي العار إني ... سوف أهدي لزينب الأشعارا
قد لعمري فررت من شدة الخو ... ف وأنكرت صاحبي جهارا
وظننت القبور تمنع جارا ... فاستجرت التراب والأحجارا
فإذا القبر ليس لي بمجير ... فحشا الله ذلك القبر نارا
وكانت أم سلمة بنت يعقوب عند مسلمة بن هشام المعروف بأبي شاكر، فطلقها فخلف أبو العباس عليها؛ ويقال كانت عند عبد الله بن عبد الملك، ويقال عند مسلمة بن عبد الملك، والثبت عند أبي شاكر، وكان اسماعيل بن علي تزوج أم سلمة بعد أبي العباس، فغضب المنصور من ذلك فطلقها، وقال بعضهم: خطبها فلما أنكر المنصور ذلك أمسك.
وأما عبد الله بن محمد أبو جعفر وهو
المنصور
فكان يعرف بعبد الله الطويل، ولم يزل مشهورا بطلب العلم والفقه والآثار.
حدثني ابن الاعرابي الراوية عن سعيد بن سلم قال: وجه محمد بن علي عبد الله ابنه أبا جعفر إلى البصرة ليزور من بها، ويدعو إلى الرضا من آل محمد، فكان يأتي عمرو بن عبيد ويألفه، فلما صار إلى الشام سمعه أبوه يتكلم بشيء يقايس فيه فأنكره عليه وقال: هذا من كلام مولى بني تميم، يعني عمرو بن عبيد.

(2/19)


وحدثني جماعة من المشايخ قالوا: لما خرج عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر على عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، عامل يزيد بن الوليد بن عبد الملك، سار إليه المنصور فيمن أتاه من بني هاشم، فولاه ايذج من الأهواز، فأخذه سليمان بن حبيب بن المهلب وكان عامل عبد الله بن عمر على الأهواز فحبسه وشتمه ومن هو منه وأراد قتله، فقال له سفيان بن معاوية ويزيد بن حاتم: إنما أفلتنا من بني أمية بالأمس، أفتريد أن يكون لبني هاشم عندنا دم؟ فخلى سبيله، ويقال إنه كان ضربه؛ فلما خلصا المنصور من يد سليمان بن حبيب، صار إلى عمرو بن عبيد فأقام عنده، ثم سار مستترا إلى الحميمة من أرض الشراة.
وحدثني أبو مسعود عن اسحاق بن عيسى قال: لما شخص أبو جعفر يريد عبد الله بن معاوية مر بالراوي فقيل له: إن ها هنا منجما يقال له توبخت، فعدل إليه وسأله عما يؤول إليه حاله في وجهه فيما بعد ذلك، فقال له توبخت: أما أنت فسيصير إليك ملك العرب، وأما وجهك هذا فسينالك فيه مكروه، فلحق بعبد الله وكان من أمره ما كان.
حدثني عمر بن بكير عن الهيثم بن عدب وغيره، أن أبا مسلم كتب إلى أبي العباس يستأذنه في الحج، فكتب إليه: إن الجهاد أفضل من الحج، فكتب إنه لا بد لي من الحج فإني حججت وأنا تابع بغير مالي وعلى غير ظهري، وفي نفسي من ذلك شيء، فكتب إليه يأمره بالقدوم في ألف ويقول: إنما تسير في سلطان أهلك، وطريق مكة طريق لا يحتمل العساكر، فأما المال فلا تستكثر منه وعول علينا فيه؛ فأقبل في الرجال ومعه الأموال حتى نزل الري وخلف بها ثمانية آلاف فارس، وخلف الأموال، وأتى الأنبار في ألف وقال: أني لأرجو أن يموت أبو العباس فأكون مع أقوى من يأتي بعده، ثم أغلب على الأمر، ويكون لي شأن فلا يبقى بلد إلا وطئته برجلي هاتين.
فلما دخل على أبي العباس أظهر أبو العباس له جفوة، لما بلغه عنه، ثم أظهر مبرته وقال له: لولا أن أخي على الحج في عامه هذا لوليتك الموسم فإنك رجل منا أهل البيت، وكان المنصور لما بلغه أن أبا مسلم على الحج كتب من الجزيرة يسأل أن يولى الموسم، ويقال: بل كره أبو العباس أن يسأله أبو مسلم ولاية الموسم فلا يجد بدا من توليته إياه. فكان أبو مسلم يتقدم أمام أبي جعفر باديا وراجعا خوفا على نفسه لما كان حقد عليه حين أتاه بخراسان من إجلاسه إياه في دهليزه، وكتابه إليه يبدأ بنفسه، مع أشياء كانت تبلغه عنه فكان أبو مسلم يقول: أما وجد أبو جعفر سنة يحج فيها إلا هذه السنة التي حججت فيها؟ فلما قضيا حجمها، فأقبل أبو مسلم فكان بين البستان وذات عرق جاء المنصور خبر وفاة أبي العباس، وأبو مسلم متقدمه بمرحلة، فكتب إلى أبي مسلم: إنه قد حدث حدث ليس مثلك غاب عنه فصر إلي، فلم يقدم عليه وكتب إلى المنصور كتابا بدأ فيه بنفسه، فقال المنصور: انا بريء من العباس ان لم أقتل ابن وشيكة. وكان أبو مسلم يصلح العقاب ويكسو الأعراب في كل منزل، فكان ذلك يغيظ أبا جعفر، ويرى أنه استطالة منه عليه. فلما ورد أبو جعفر الأنبار وجد عيسى بن موسى بها وقد حوى الخزائن والأموال وحفظها، فسلمها إليه.
وكان عبد الله بن علي قد خلع، فندب المنصور أبا مسلم لحربه، فسارع إلى ذلك ليتخلص من يده. وذكروا أن أبا مسلم لما ورد الأنبار أراد عيسى بن موسى على خلع المنصور ومخالفته، وقال له: أنت وصي الإمام وأحق بالأمر من أبي جعفر، فقال له: الأمر لعمي ولو قدمني أبو العباس لقدمته على نفسي.
وحدثني ابن الأعرابي عن المفضل قال: أتت أبا مسلم وفاة أبي العباس ولم يعلم أنه قد ولى المنصور الخلافة بعده، فكتب إلى المنصور: عافاك الله وأمتع بك، أتاني خبر وفاة أمير المؤمنين رحمه الله، فبلغ مني أعظم مبلغ وأمسه وجعا وألما، فاعظم الله أجرك، وجبر مصيبتك، ورحم الله أمير المؤمنين وغفر له وجزاه بأحسن من عمله. فلما قرأ المنصور كتابه استشاط غضبا، وكتب إليه: من عبد الله عبد الله أمير المؤمنين إلى عبد الرحمن، وصل إلي كتابك فرأيتك غير موفق فيه للرشد ولا مسدد للصواب، ولكني ذكرت ما تقدم من طاعتك فعطفني عليك، وقد وليتك مقدمتي فسر على اسم الله وبركته حتى توافي الأنبار، ومن أمره شيئا من عمالنا فصرفه والاستبدال به إليك، فحقد كل واحد منهما على صاحبه.

(2/20)


قال ابن الأعرابي: وحدثني سعد بن الحسن، أن المنصور لما قرأ كتابه أجابه عليه وقد استشاط فقال لعطية بن عبد الرحمن التغلبي: لمثلها كنت أحسيك الحسى، إن العبد كتب إلي بما ترى وقد أجبته فانطلق بالكتاب إليه، فإذا أخذ في قراءته فاضرب عنقه، فإن قتلت فشهادة والله خليفتك على من تخلف وهم عندي عدل ولدي، وإن سلمت فلك من المكافأة ما تطأ العرب به عقبك، فقال له اسحاق بن مسلم: يا أمير المؤمنين إنه لا يؤمن أن ينبو سيفه فيقتل باطلا ويكر العلج علينا، وقال له يزيد بن أسيد اذكر قول القطامي:
قد يدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل
وقال له أبو أيوب كاتبه: أخر الأمر حتى تقدم إلى شيعتك وأهل بيتك. فأنفذ المنصور كتابه مع غير عطية.
وحدثني عبد الله بن خلف الوراق عن عدة من آل حميد بن قحطبة قالوا: لما بلغ أبا مسلم موت أبي العباس كتب به إلى أبي جعفر وهو لا يعلم باستخلافه إياه، فلما أتاه أنه قد استخلفه كتب إليه: أصلحك الله يا أمير المؤمنين صلاحا ناميا باقيا، بلغني هذا الأمر الذي أفظعني وأتاني به كتاب عيسى بن موسى مع محمد بن الحصين، إلا أنه سرى عني الغم ولوعة المصيبة ما صار إليك من الأمر، فنسأل الله أن يعظم أجرك ويحسن الخلافة عليك فيما ولاك، وأن يبارك لك فيما قلدته، إعلم أنه ليس أحد يا أمير المؤمنين أشد تعظيما لحقك وحرصا على مسرتك مني، والله أسأل لك السلامة في الدين والدنيا. وكان ورود الكتاب بصفينة، ثم بعث أبو مسلم بالبيعة بعد يومين، وإنما أراد أن يرهبه.

(2/21)


حدثني أبو مسعود الكوفي عن اسحاق بن عيسى بن علي، أن أبا العباس توفي والمنصور بمكة، وأبو مسلم حاج أيضا، فقام أبي - عيسى بن علي - فخطب الناس بالأنبار فقال: الحمد لله أهل الحمد ووليه، ذي المجد والعظمة الكبرياء والقدرة الذي كتب الموت على خلقه وسوى فيه بين عباده فلم يعز منه ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا ولا خليفة هاديا، جعلهم فيه شرعا، وجعله عليهم حتما، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: " وما جعلنا لبسر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون، " وقال: " إنك ميت وإنهم ميتون فتبارك الله رب العالمين، " ثم ان خليفتكم عبد الله أبا العباس أمير المؤمنين رحمة الله عليه كان عبدا من عباد الله الذين كتب عليهم الموت ونقلهم إلى دار الثواب، أكرمه بخلافته وأحيا به سنة نبيه ورد به حق أهل هذا البت إليهم حتى استقر في مقره، وحل محله وخرج من أيدي الفجرة الظلمة أهل بيت اللعنة الذين أخذوه اغتصابا وظلما وابتزازا بالتمويه والشبه وادعاء الأباطيل، ثم استعمله الله بطاعته إلى انقضاء مدته وأثره ونفاد أجله وأكله، وقبضه إليه حميدا رشيدا، قد رضي سعيه وأقام به حقه، فرحمة الله عليه وبركاته وصلواته، وقد استخلف أخاه أبا جعفر أصلحه الله وأمتع الخاصة والعامة به لكمال سنه، وفضل رأيه، وصحة عزمه، ونفاذ بصيرته، وجعل ولي العهد بعده عيسى بن موسى بن علي، وهو من قد عرفتم جزالته وبراعته وفضله، فعند الله نحتسب أبا العباس أمير المؤمنين، وإياه نسأل أن يعظم أجورنا وأجوركم فيه، وأن يبارك لأمير المؤمنين فيما ولاه واسترعاه، ويحضره الرشد والسداد في أموره. فبايعوا رحمكم الله لأمير المؤمنين عبد الله أمتع الله به، ولعيسى بن موسى بن محمد بن علي إن كان من بعده، بيعة صادقة عن طوع واعتقاد ونية حسنة بيعة تنشرح بها صدوركم، وتخلص فيها نياتكم، لتنالوا بها عاجل المكافأة وآجل الثواب إن شاء الله، أحسن الله عليكم الخلافة وتولاكم بالكفاية. ثم بكى الناس، فلما نزل كتب إلى عيسى بن موسى بالقدوم وكان بالكوفة فقدم الأنبار وأعطى الناس أرزاقهم، وكتب عيسى بن علي إلى أبي جعفر: أما بعد، أصلح الله أمير المؤمنين، وأصلح به وعلى يديه، فإن أقل المصائب يا أمير المؤمنين نكاتة وإن عظمت بها الرزية وجل الخطب وأفظع الأمر مصيبة جبرت بحسن العوض في الدنيا وجزيل الثواب في الآخرة، وإن أمير المؤمنين أبا العباس رحمة الله وصلاته عليه كان من عباد الله الذين حتم عليهم الموت وخلقهم للفناء، فقبضه الله حميدا سعيدا قائما بالحق جميل النظر للخاصة والعامة، مشفقا عليهم، معفيا بعدله على جور الظلمة من أهل بيت اللعنة، وبإحسانه على إساءتهم وشرارتهم، وقد استخلفك يا أمير المؤمنين بعده وجعل ولي عهدك عيسى بن موسى بن محمد، فأعظم الله أجر أمير المؤمنين على الرزية الفاجعة، وبارك له في العطية الفاضلة، فلا مصيبة أجل من مصيبته ولا عقبى أحسن من عقباه، ورحم الله أبا العباس وغفر له وضاعف له حسناته، وجعل الله أمير المؤمنين خير خليفة وإمام، أعمله بعدل، وأقومه بحق، وأنظره لعامة، وأحناه على خاصة بمنه وقدرته، وقد دعوت الناس إلى بيعتك يا أمير المؤمنين، فسارعوا إليها واحتسبوا الخير فيها، حقق الله آمالهم وبلغهم لك وفيك أمانيهم يا أمير المؤمنين، فاشكر الله يزدك، واستعنه يعنك، واستكفه يكفك، أسأل الله لأمير المؤمنين أحسن الحفظ وأدوم العافية والسلامة في الدنيا والآخرة.
قال: وكتب رقعة أدرجها في الكتاب لم يدر ما فيها، وبعث بالكتاب مع محمد بن الحصين العبدي، فلما قرأه أبو جعفر بكى. وحمل عيسى بن علي وعيسى بن موسى محمد بن الحصين كتابين إلى أبي مسلم بالتعزية والتهنئة بولاية أمير المؤمنين أبي جعفر. وقال محمد بن الحصين لأبي جعفر حين قرأ كتاب عيسى بن علي إليه: قد أعقب الله المصيبة الجليلة بالنعمة العظيمة، فأحسن الله يا أمير المؤمنين من المصيبة عقباك وبارك لك فيما ولاك وأعطاك، فأمر له بخمسمائة دينار، ويقال بألف دينار، وكتب إلى عيسى بن علي بأبر كتاب وألطفه وجزاه الخير على ما كان منه، وكتب إلى عيسى بن علي وعيسى بن موسى في القيام بأمر الناس وضبط ما قبلهما إلى قومه.

(2/22)


قال: وكتب عيسى بن علي إلى عبد الله بن علي بالخبر وعزاه عن أبي العباس وهنأه بولاية أمير المؤمنين أبي جعفر، وأنفذ الكتاب مع أبي غسان حاجب أبي العباس والهيثم بن زياد الخزاعي، فلما دخلا عليه سلم الهيثم بالإمرة وسلم أبو غسان بالخلافة، فقال الهيثم: مه فإن أبا العباس قد استخلف أبا جعفر أخاه، فقال عبد الله: أنا أحق بالأمر منه، إن أمير المؤمنين رحمه الله ندب الناس إلى الجعدي فتثاقلوا عنه فقال: من انتدب إليه فهو الخليفة بعدي، فانتدبت، فقال الهيثم: نشدتك الله أن تهيج الفتنة وتعرض أهل بيتك لزوال النعمة، فقال: اسكت لا أم لك، وقام فخطب ونعى أبا العباس وادعى أنه ولاه الخلافة بعده، فصدقه ابو غسان وكذبه الهيثم ورجل آخر معه، فأمر بالهيثم والرجل فضربت أعناقهما. وخرج ابن علي من دابق، وكان متوجها إلى بلاد الروم للغزو في مائة ألف، فقال له ابن حنظلة البهراني: يا أمير المؤمنين، الرأي أن توجه ألف رجل وتبعث عليهم رجلا تثق بصرامته وبأسه ونصيحته، وتأمره أن يأخذ طريق السماوة فلا يشعر أبو جعفر وأبو مسلم إلا بموافاته إياهما، وتغذ أنت السير حتى تنزل الأنبار، فلم يقبل مشورته لأنه من أهل الشام، وقد كان أبو جعفر خاف هذا الفعل من عبد الله فأسرع السير وأغذه حتى نزل الأنبار فسأل عن ابن علي فأخبر أنه بحران قد صمد صمد مقاتل بن حكيم العكي لإبائه بيعته حتى يجتمع الناس، فحمد الله على ذلك، ثم بلغه أنه قد اخذه وبعث به إلة عثمان بن سراقة فحبسه بدمشق فقال: لله العكي ماذا يذهب منه.
حدثني أبو مسعود قال: لما أتى أبا جعفر خبر وفاة أبي العباس دعا إسحاق بن مسلم العقيلي، وكان قد حج معه، فقال له: ماذا ترى أن نصنع؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إن كان ابن علي حازما فسيوجه خيلا تلقانا في هذه البراري فتحول بيننا وبين دار الخلافة، ويأخذنا أسراء فاقعد على دوابك فإنما هي ليال حتى نقدم الأنبار، قال: فإن هو لم يخالف؟ قال: فلا حياة به، والرأي اغذاذ السير على حال. قال: فارتحل أبو جعفر وقدم أبا مسلم أمامه يطوي المراحل إلى الأنبار، وندب أبا مسلم لعبد الله بن علي فسارع إلى محاربته.
حدثني محمد بن الأعرابي قال: لقيت المنصور أعرابية في طريقه، وقد توفي أبو العباس والمنصور مقبل إلى الأنبار، فقالت له: أعظم الله أجرك يا أمير المؤمنين في أخيك، فإنه لا مصيبة أعظم من مصيبتك، ولا عوض أفضل من خلافتك، فقال: بلى، الأجر؛ فقالت: هو لك مذخور إن شاء الله، فوهب لها ألف درهم.
وحدثني أبو مسعود قال: حج المنصور أمير المؤمنين في السنة التي استخلف فيها، وفي سنة سبع وأربعين ومائة أو ثمان وأربعين ومائة، وفي السنة التي توفي فيها، وكانت وفاته بمكة.
وحدثني المدائني قال: حج مع المنصور اسحاق بن مسلم العقيلي، فكان عديله، فقال المنصور ذات يوم: لقد أبطأنا عن الحج وإني لأخاف فوته، فقال اسحاق، وكان فيه جفاء: اكتب في تأخير الحج إلى قدومك، فقال: ويحك أو يكون أن يؤخر الحج عن وقته؟ فقال: أو تريدون شيئا فلا يكون؟ وحدثني المدائني قال: كان أمير المؤمنين المنصور يقول: الملوك تحتمل كل شيء إلا ثلاث خلال: إفشاء السر، والتعرض للحرم، والقدح في الملك.
وحدثني المدائني قال: اسحاق بن مسلم العقيلي: حججت مع أبي جعفر فقال: قل للحادي أحد، فقلت: يا عاصم أحد، فحدا فأجاد، فقال: قل له: قد أمرك المؤمنين بألف درهم فدعا له، ثم قال: قل له أحد أيضا، فأعاد فأجاد، فقال: قل له: قد أمر لك أمير المؤمنين بكسوة، فدعا له، ثم قال: له احد ايضا فحدا فأجاد، فقال: قل له: أمر لك أمير المؤمنين بخادم، فقلت: يا عاصم قد أمر لك أمير المؤمنين بخادم، فقال لي مسرا لقوله: بأبي أنت مسه فلعله موعوك؟ فأعطى ذلك الذي أمر له به.
حدثني محمد بن عباد البجلي، حدثني زهير بن المسيب عن أبيه قال: جرى عند المنصور ما كان من مداراته إياه، فقال المنصور: إذا مد عدوك إليك يده فإن أمكنك أن تقطعها وإلا فقبلها.

(2/23)


وحدثني عبد الله بن صالح المقريء قال: حدثني من أثق به قال: كان أبو الجهم بن عطية مولى باهلة من أعظم الدعاة قدرا وغناء، وهو الذي أخرج أبا العباس من موضعه الذي أخفاه فيه أبو سلمة وخزيمة، وقام بأمره حتى بويع، وكان أبو العباس يعرف له ذلك، وكان أبو مسلم يثق به ويكاتبه من خراسان ويأمره أن يكاتبه بالأخبار، فلما استخلف المنصور بلغه أنه يكتب إلى أبي مسلم بخبره، وأنه قال: ما على هذا بايعناهم وإنما بايعناهم على العدل، فدعاه ذات يوم فتغدى عنده ثم سقي شربة عسل فلما وقعت في جوفه هاج به وجع فتوهم أنه قد سم فوثب، فقال له المنصور: إلى أين يا أبا الجهم؟ قال: إلى حيث أرسلتني، ومات بعد يوم أو يومين.
وحدثني بعض ولد أبي الجهم أنه سقي شربة من سويق لوز، فقال الشاعر:
احذر سويق اللوز لا تشربنه ... فشرب سويق اللوز أردى أبا الجهم
قالوا: وسار أبو جعفر في جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين ومائة إلى أرمينية فدوخها، واستخلف الحسن بن قحطبة عليها، ثم قفل منها إلى الجزيرة في سنة ست وثلاثين ومائة، وأذن له أبو العباس في القدوم عليه، وولاه الموسم، فحج بالناس ومعه اسحاق بن مسلم فكان عديله.
حدثني المدائني قال: أهديت إلى ولد المنصور حملان من هذه البربرية فقال لقهرمانه: خذها إليك فاذبح لنا كل يوم منها حملا فإن الصبيان يكتفون بالصعو.
قال: وقال المنصور لعيسى بن عبد الله النوفلي لما مات أبو العباس: قد عرفتني في السلطان وقبله، فهل رأيت لي لذة في مطعم أو مركب أو ملبس؟ ولقد أتتني الخلافة وما طلبتها، فقال: ما زلت والله أعرفك بالزهد والفضل وطلب العلم.
وحدثني علي بن المأمون عن أبيه عن الرشيد قال: أدخلت على المنصور وأنا صبي فرأيته جالسا على حصير متكئا على مسورة جلود فدعا بعشرة دنانير جدد فوهبها لي، وأخذني فقبلني وصرفني.
وحدثني المدائني قال: كان المنصور يخرج من مقصورة النساء ليلا يريد المسجد ومعه جارية حبشية، أو قال صفراء، تحمل له سراجا.
وحدثني قال: كان المنصور يقول: الملوك ثلاثة: معاوية وكفاه زياد، وعبد الملك وكفاه الحجاج، وأنا ولا كافي لي.
وكان يذكر بني أمية فيقول: رجلهم هشام. وكان يقول: الخلفاء أربعة والملوك أربعة، فالخلفاء: أبو بكر، وعمر، وعلي، وعثمان على ما نال وقد نيل منه أعظم، والملوك: معاوية، وعبد الملك، وهشام، وأنا، ولنعم الرجل كان عمر بن عبد العزيز، وكان أعور بين عميان. وكان يقول: نعم صاحب الحرب حمار الجزيرة من رجل لم يكن عليه طابع الخلافة، يعني مروان.
المدائني، قال: أتى ابن ليوسف بن عمر المنصور فوصله بثلاثة آلاف درهم، فقال: ياأمير المؤمنين أملت منك أكثر من هذا، فقال: هذه كانت صلة أبيك لنا، قال: يا أمير المؤمنين فأين فضل قريش على ثقيف، وفضل الخلافة على الإمارة؟ فضحك وأمر له بعشرة آلاف درهم.
وحدثني ابن الأعرابي قال: قال المنصور: معاوية للحلم والأناة، وعبد الملك للإقدام والإحجام، وهشام لتقسيط الأمور ووضعها مواضعها، قال: وشاركت عبد الملك في قول كثير:
يصد ويرضى وهو ليث عرينه ... وإن أمكنته فرصة لا يقيلها
حدثني المدائني قال: بلغني أن المنصور قال ذات يوم في كلامه: إن الحلم يزيد العزيز عزا، والذليل ذلا.
المدائني، قال: قال ابو جعفر لسفيان بن معاوية: ما أسرع الناس إلى قومك، فقال:
إن العرانين تلقاها محسدة ... ولن ترى للئام الناس حسادا
قال: صدقت. قال: وبينا المنصور يخطب اذ قام رجل فقال: " يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، " فأخذ، لما قضى المنصور صلاته ودخل القصر ودعا به فقال: طالت صلاتك وكثر صومك، فضجرت من الحياة وقلت: أعترض هذا الرجل فأعطه فإن قتلني دخلت الجنة، وهيهات أن تدخلها بي، خلوا سبيله.
وحدثني أبو فراس الشامي عن أبيه، قال: خطب المنصور في بعض الجمع، فقام رجل من الصوفيين فقال: " أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم؟ " فأخذ، فلما فرغ المنصور من خطبته وقضى كلامه أمر أن يضرب أربعين درة فضرب، ثم دعا به فقال: إنا لم نضربك لقولك، إنما ضربناك لكلامك في الخطبة فلا تعد، وأمر بتخلية سبيله.

(2/24)


وحدثني أبو مسعود وغيره قال: خطب المنصور فلما قال: وأشهد أن لا اله إلا الله، قام إليه رجل في أخريات الناس فقال: يا أمير المؤمنين إني أذكرك من ذكرت، فقال: سمعا سمعا لمن ذكر بالله وأيامه وأعوذ بالله أن أكون جبارا عنيدا، وأن تأخذني العزة بالاثم لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين، وأنت فما أردت الله بها إنما أردت أن يقال قام فقال فعوقب فصبر، وأهون علي بقائلها لو هممت، فاهتبلها ويلك إذ عفوت وإياك وإياكم أيها الناس وما أشبهها، فإن الموعظة علينا نزلت ومن عندنا انتشرت وعنا أخذت وحملت، ثم عاد في خطبته.
حدثني أبو مسعود، قال: قدم على المنصور قوم من أهل الشام بعد هزيمة عبد الله بن علي، وفيهم الحارث بن عبد الرحمن الحرشي، فقام عدة منهم فتكلموا، ثم قام الحارث فقال: يا أمير المؤمنين لسنا وفد مباهاة ولكن وفد توبة، ابتلينا بفتنة استفزت شريفنا، واستخفت حليمنا، فكنا بما قدمنا معترفين، ومما فرط منا معذورين، فإن تعاقبنا فبجرمنا، وإن تعف عنا فبفضلك علينا، فاصفح يا أمير المؤمنين إذا ملكت وأمنن إذ قدرت، وأحسن فطال ما أحسنت، فقال المنصور: أنت خطيبهم، وأمر برد قطائعه بالغوطة عليه.
قال: ووجه المنصور إسحاق الأزرق مولاه فأتاه بامرأتين وصفتا له، احداهما من ولد خالد بن أسيد، والأخرى فاطمة بنت محمد بن محمد بن عيسى بن طلحة بن عبيد الله، فجيء بهما وقد خرج إبراهيم بن عبد الله بن حسن بالبصرة، فقيل له إن هاتين الجاريتين قد استوحشتا إذ لم ترهما، فقال: والله لا كشفت ثوب امرأة عني حتى أدري أرأسي لإبراهيم أو رأس إبراهيم لي. ومحمد بن عيسى بن طلحة الذي يقول:
فلا تعجل على أحد بظلم ... فان الظلم مرتعه وخيم
ولا تفحش وان ملئت غيظا ... على أحد فإن الفحش لوم
ولا تقطع أخا لك عند ذنب ... فإن الذنب يغفره الكريم
وما جزع بمغن عنك شيئا ... ولا ما فات ترجعه الهموم
وقال:
اجعل قرينك من رضيت فعاله ... واحذر مقارنة القرين الشائن
وقال:
لا تلم المرء على فعله ... وأنت منسوب إلى مثله
من ذم شيئا وأتى مثله ... فإنما يزري على عقله
فزعموا أن أبا جعفر كان يقول: كان محمد بن عيسى عاقلا، وينشد شعره ويقول: كان محمد بن محمد عاقلا أيضا، وإن صاحبتنا لعاقلة.
وحدثني محمد بن عباد، حدثني أزهر بن زهير عن أبيه زهير بن المسيب قال: بعث أمير المؤمنين المنصور إلى جعفر بن محمد بن علي بن الحسين فقال: إني أريد مشاورتك في امر، فلما دخل عليه قال: إني قد تأنيت أهل المدينة مرة بعد اخرى، وثانية بعد أولى، فلا اراهم ينتهون ولا يرجعون، وقد رأيت أن أبعث إليهم من يعقر نخلهم ويغور عيونهم، قال: فسكت جعفر، فقال له: ما لك لا تتكلم؟ قال: إن أذن لي أمير المؤمنين تكلمت، فقال: قل، قال: إن سليمان عليه السلام أعطي فشكر، وإن أيوب ابتلي فصبر، وإن يوسف قدر فغفر، وقد وضعك الله في السطة من بيت النبوة وفضلك بالخلافة وآتاك علما كاملا فأنت حقيق بالعفو عن المسيء والصفح عن المجرم، قال: ففثأ غضبه وسكنه.
حدثنا محمد بن الأعرابي عن علي مولى قريش قال: دخل رجل من قيس أحسبه أبا الهيذام، وقال غير علي: دخل ابن شبرمة على المنصور فقال له المنصور: ألك حاجة؟ قال: نعم بقاءك يا أمير المؤمنين، فقال: ويحك سلني قبل أن لا يمكنك مسألتي، فقال: يا أمير المؤمنين، والله ما أستقصر عمرك، ولا أخاف بخلك، ولا أغتنم مالك، وإن سؤالك لشرف وعطاك لفخر؛ وما بامرئ بذل وجهه إليك شين ولا نقص، وعندي من فضل الله خير كثير.
وحدثني أحمد بن الحارث عن المدائني قال: مات إسحاق بن مسلم من بثرة خرجت به في ظهره، فحضر المنصور جنازته، وحمل سريره حتى وضعه وصلى عليه، وجلس عند قبره، فقال له موسى بن كعب أو غيره: يا أمير المؤمنين، أتفعل هذا به، وكان والله مبغضا لك كارها لخلافتك؟ قال: ما فعلت هذا إلا شكرا لله إذ قدمه أمامي، قال: أفلا أخبر أهل خراسان بهذا من رأيك، فقد دخلتهم وحشة لما فعلت؟ قال: بلى، فأخبرهم فكبروا.

(2/25)


وكان مروان بن محمد أودع يزيد بن أسيد جاريتين يقال لهما سبيكة وزنبرة، فلما صار يزيد إلى المنصور استوهبهما منه فوهبهما له، وفيهما يقول إسحاق بن سماعة المعيطي في شعر له:
لعن الله أحمد بن يزي ... د بن زافر حيث كانا
فضح الله أحمد بن يزي ... د وكساه مذلة وهوانا
شان قيسا بخونه وأبوه ... لم يزل شانيا لها خوانا
خان مروان في سبيكة لما ... زال ظل السلطان عن مروانا
فأتتني بأحمد من حلال ... أو حرام من التقى عريانا
يشتهي ما اشتهت سبيك ... ة بالأمس وأن كان في الحروب جبانا
هو دان الزبير دين غوي ... راح من سورة الهوى سكرانا
وابنه في الفعال ليس بمحم ... ود اذا الفعل زين الفتيانا
وحدثني أبو مسعود قال: حدثني من سمع المنصور يوم مات إسحاق بن مسلم وكان موته بالهاشمية يتمثل:
كفاك عدياموته ولربما ... تغيظك أيام له وليال
وحدثني أبو مسعود، حدثني إسحاق بن عيسى قال: ولى المنصور عبدا له يقال له طارق ضيعة من ضياعه بالشام فاستقصى على أهلها، فقدم منهم قوم على المنصور فشكوه فقال: إنما نقمتم عليه لما اخترته له وأحمدته عليه، قالوا: انه عبد وربما صلى بنا، قال: حر فصلوا خلفه، فقام متكلمهم فقال: بت بخير يا أمير المؤمنين، فضحك وكتب إلى صاحبهم بالرفق بهم.
وحدثني جماعة من بني العباس وغيرهم أن المنصور كان ربما علق البواري على أبوابه في الشتاء، وقال هي أوقى. حدثني بعض ولد إسحاق بن عيسى، عن أبيه عن جده، قال: قدمت إلى المنصور عصيدة فقال: ليس هذه بالعصيدة التي نعرف، ليعمل لنا تمرها بنواه. فلما كان الغد من ذلك اليوم حضرت غداه فأتينا بقصعة فيها ثردة صفراء وعليها عراق وأكلنا منها ثم رفعت، وأتينا بلونين فلما رفعا أتي بالعصيدة فأكل منها أكلا صالحا، وقال: هذه هي فلما رفعت المائدة غسل يده ودعا ببخور فبخرها ثم قال: إنما فعلت هذا لأني أريد الجلوس للناس ومنهم من يقبل يدي.
وحدثني أبو مسعود قال: قال المنصور لعبد الله بن الربيع: قد عرفتني سوقة وخليفة، فهل رأيتني كلفا بأمر مطعم أو مشرب أو ملبس؟ فقال: لا ولكني رأيتك تلذ حسن الذكر، وتنفي الضيم، وتضع الأمور مواضعها.
وحدثني الربيع بن عبيد الله بن عبد الله بن عبد المدان وأخوه زياد، وحدثني بعض ولد المنصور، أنه كان إذا ولد لرجل من أهل بيته مولود ذكر أمر له من دار الرقيق بظئر وجارية تخدمه ووصيف، وأمر لأمه بجاريتين ومائتي دينار وطيب، وإذا كان المولود انثى بعث نصف ذلك.
وحدثني أبو مسعود وغيره قالوا: قدم إسحاق الأزرق، صاحب الدار ببغداد عند القنطرة العتيقة، وهو مولى المنصور، عليه بامرأتين كان أشخصه لحملهما، إحداهما فاطمة بنت محمد الطلحية، والأخرى أمة الكريم بنت عبد الرحمن بن عبد الله من ولد خالد بن أسيد بن أبي العاص، ويقال العالية بنت عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد بن أسيد، فقالت له ريسانة قيمة نسائه: يا أمير المؤمنين أن الطلحية قد استحقبتك واستبطأت برك وأنكرت وصاحبتها تركك الدعاء لهما، فقال: أما ترين ما نحن فيه، وكان إبراهيم بن عبد الله قد خرج بالبصرة، ثم أنشد:
قوم اذا حاربوا شدوا مآزرهم ... دون النساء ولو باتت باطهار
وقال: ما أنا بناظر إلى امرأة حتى أدري أرأسي لإبراهيم أو رأس إبراهيم لي، وكانت عليه جبة قد اتسخ جبينها، فقيل له: لو نزعتها وغيرتها، فقال: لا والله أو أدري أهي لي أم لإبراهيم.

(2/26)


المدائني قال: قال عبد الله بن الربيع الحارثي: قال لي أبو العباس ذات يوم إني أريد أن أبايع لأبي جعفر أخي، فأخبرت أبا جعفر بذلك فأمر لي بكسوة ومال، فقلت: أصلح الله الأمير، إن لك مؤونة ولعله أن يأتيك من أنا أعذر لك منه، فأمر برد ذلك، وقمت فانصرفت وراح ورحت إلى أبي العباس، فدخل عليه وجلست غير بعيد، فطال تناجيهما، ثم ارتفعت أصواتهما بقول أبو العباس: بلى والله، وبقول المنصور: لا والله، ثم خرج أبو جعفر فأخذ بيدي فسألته عن تحالفهما، فقال: ليس هذا وقت اخبارك وغمز بيدي، فلما أفضى الأمر إليه وقتل أبا مسلم دخلت عليه وهو طيب النفس فقال: ألقوا لأبي الربيع وسادة، فثنيت لي وسادة وجلست، فقال: ألا أخبرك بالأمر الذي سألتني عنه يوم دخلت على أبي العباس فتحالفنا؟ فقلت: أمير المؤمنين أعلم، قال: تذاكرنا الدعوة، فقلت: أتذكر إذ كنا نرمي وأبو مسلم يرد علينا النبل، فقال إبراهيم: ما أكيسه ويقتله عبد الله فقلت: بلى، قال: فأنت عبد الله وأنت تقتله، فقلت: لا والله، قال: بلى والله، فلما خالف عبد الله بن علي وجهته إليه فقلت هو يقتله، فلما سلم منه وصنع ما صنع قلت أنا عبد الله، أقتله، فقتلته.
حدثني أبو مسعود الكوفي، حدثني إسحاق بن عيسى وجماعة من العباسيين، أن المنصور قال: رأيت فيما يرى النائم، وأنا بالشراة، كأنا حول الكعبة فنادى مناد من جوف الكعبة: أبو العباس، فنهض فدخل الكعبة ثم خرج وبيده لواء قصير على قناة قصيرة فمضى، ثم نودي.
عبد الله، فنهضت أنا وعبد الله بن علي نبتدر، فلما صرنا على درجة الكعبة دفعته عن الدرجة فهوى ودخلت الكعبة، وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس فعقد لي لواء طويلا على قناة طويلة، وقال خذه بيدك حتى تقاتل به الدجال.
وحدثني عبد الله بن أبي هارون الكاتب قال: وردت على المنصور خريطة من صاحب أرمينية ليلا فلم يوصلها الربيع الحاجب إلا مصبحا، فقال له: يا بن اللخناء، والله لهممت أن أضرب عنقك، أتحبس عني خريطة صاحب الثغر الأعظم ساعة واحدة فضلا عن ليلة! وسخط عليه يوما، ثم رضي عنه وقال: لا تعد.
وحدثني المدائني قال: قال المنصور: من أحب أن يحمد بغير مرزئة فليحسن خلقه ولينبسط بشره.
وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي، قال: قدم وفد من أهل المدينة على أبي جعفر، وفيهم عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، فدخلوا عليه فساءل عبد الرحمن عن حالهم فأخبره بما كان من الوليد من أخذ أموالهم، فأمر بردها عليهم.
حدثني الحرمازي، حدثني عبد الله بن صالح، عن شيخ له، قال: كان زياد بن عبيد الله الحارثي، خال أبي العباس، مع خالد بن عبد الله القسري بالعراق وولي شرطنه، ثم كان مع يوسف بن عمر بعده، ومع يزيد بن عمر بن هبيرة، فلما ولي أبو العباس قال له يزيد بن عمر: والله لأضربن عنقك فقد سررت بأمر بني العباس ودولة ابن اختك، وكان معه بواسط، فلما وقع الصلح خرج حتى قدم على أبي العباس فقال له: أبطأت عني يا خال، فأخبره بقصته، ثم ولاه مكة والمدينة بعد داود بن علي، وابنه موسى بن داود، فلما توفي أبو العباس بعث إليه المنصور بعهده فغدر فيما كان يأمره به في عبد الله بن حسن وفي طلب ابنه، فعزله وأغرمه ثم ضمه إلى المهدي حين وجهه إلى الري، فلما سار ثلاث مراحل تغدى المهدي ثم صار إلى فسطاطه فأتي بقدح فيه عسل قد خيض له فشربه ونام، فطلبه المهدي فوجد ميتا فبكى عليه وأمر فحفر له وصلى عليه ودفنه، فكان يقال انه سم ووجد منتفخا، وذلك باطل والثبت أنه مات فجأة.
حدثنا المدائني قال: حدث المنصور بأن عجلان بن سهيل الباهلي سمع رجلا قال، وقد مر هشام بن عبد الملك: قد مر الأحول، فقال له: يا بن اللخناء أتسمي أمير المؤمنين بالنبز، وعلاه بسوطه، ثم قال: لولا رحمتي لك لضربت عنقك، فقال المنصور: هذا والله الذي ينفع معه المحيا والممات.
وحدثني سليمان بن أبي شيخ قال: قدم ابن أنعم المحدث على المنصور فقال له المنصور: لقد استرحت من وقوفك بباب هشام وذوي هشام، فقال: يا أمير المؤمنين ما رأيت في تلك المواضع شيئا يكره إلا وقد رأيت في طريقي إليك ما هو أعظم منه، فقال المنصور: ويحك إنا لا نجد من نوليه أعمالنا ممن نوتضيه، فقال: بلى والله يا أمير المؤمنين لو طلبتهم لوجدتهم، إنما الملك بمنزلة السوق يجلب إليها ما ينفق فيها.

(2/27)


قال: وأقبل المنصور يوما راجعا من ركوبه يريد قصره، فلما صار على بابه رأى فرج بن فضالة المحدث جالسا فلم يقم له، فلما دخل القصر دعا به فقال: ما منعك من القيام حين رأيتني؟ قال: منعني من ذلك أني خفت أن يسألني الله لم فعلت، ويسألك لم رضيت، وقد كره رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، فسكت المنصور، وخرج فرج.
وحدثني محمد بن حبيب عن أبي فراس قال: قال المنصور لهشام بن عروة: أتذكر يا أبا المنذر حين دخلت إليك أنا وإخوتي مع أبي الخلائف وانت تشرب سويقا، فإنا لما خرجنا قال لنا أبونا: يا بني استوصوا بهذا الشيخ فإنه لا يزال في قومكم عمارة ما بقي مثله، فقال: ما أذكر ذلك. فلما خرج هشام قيل له: ذكرك أمير المؤمنين شيئا يتوسل بدونه، فقال: لم أذكر ما ذكرني، ولم يعودني الله في الصدق إلا خيرا.
قالوا: ودخل عليه سوار بن عبد الله العنبري فقال: السلام عليك أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، ادن أبا عبد الله، فقال: أدنو على ما مضى عليه الناس أم على ما أحدثوا؟ قال: على ما مضى، فدنا ومد يده، فصافحه ثم جلس.
قال: وكتب المنصور إلى سوار في بعض الأمور، فكان في ذلك إضرار بقوم، فلم ينفذ سوار الكتاب، فاشتد ذلك على المنصور، فكتب إليه سوار: إن عدل سوار مضاف إليك، وزين لخلافتك، فسكن غضبه وأمسك عن ذلك الأمر.
وحدثني الحسن بن علي الحرمازي قال: نظر المنصور إلى بعض القضاة، وبين عينيه سجادة فقال له: لئن كنت أردت الله بالسجود فما ينبغي لنا أن نشغلك عنه، وان كنت إنما أردتنا بهذه السجادة فينبغي لنا أن نحترس منك.
وحدثنا أبو مسعود الكوفي قال: كان يحيى بن عروة رضيع المنصور، وهو مولى لهم، فصيره أبو جعفر على ثقله عام حج، فلما دعا عبد الله بن علي إلى نفسه حمل ثقل أبي جعفر وجواريه وصار إلى عبد الله بن علي، فلما هرب استخفى يحيى، ثم ظفر به المنصور، فقطع بالسيوف.
حدثني أبو مسعود الكوفي قال: كانت عبدة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية عند هشام، وكانت أجمل الناس، وكانت إذا رأت أم حكيم بنت يوسف بن يحية بن الحكم بن أبي العاص امرأة هشام أيضا عنده قالت لها: كيف انت يا أمه؟ فيضحك هشام من قولها ويعجبه ظرفها، وأم حكيم هذه التي يقول فيها الوليد بن يزيد:
عللاني بعاتقات الكروم ... واسقياني بكأس أم حكيم
فلما صار عبد الله بن علي إلى الشام خطب عبدة، فأبت عليه التزويج فأمر بها فبقر بطنها، فكان المنصور إذا فعله بها لعنه. قال: وجعلت عبدة حين أتي بها ليبقر بطنها وتقتل تنشد:
فقل للشامتين بنا أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا
أمر أبي مسلم في خلافة المنصور.
حدثني محمد بن عباد الكاتب، عن أزهر بن زهير، عن أبيه، قال: كان أبو مسلم مستخفا بمواليه، فإذا أتاه كتاب المنصور فقرأه لوى شدقه ثم ألقاه إلى أبي نصر مالك بن الهيثم فيتضاحكان، ويبلغ أبا جعفر ذلك فيقول: إنا لنخاف من أبي مسلم أكثر مما كنا نخاف من حفص بن سليمان.
قال: لما فرغ أبو مسلم من محاربة عبد الله بن علي، وحوى عسكره وما فيه، بعث المنصور مرزوقا أبا الخصيب لإحصاء ذلك، فغضب أبو مسلم وقال: ما لأبي جعفر ولهذا، إنما له الخمس، فقال مرزوق: هذا مال أمير المؤمنين دون الناس: وليس سبيل ما له منه الخمس، فشتمه وهم بقتله ثم أمسك.
وحدثنا عبد الله بن صالح - وذكره المدائني - قال: بعث المنصور يقطين بن موسى إلى أبي مسلم بعد هزيمة عبد الله بن علي ليحصي ما كان في عسكره، فقال أبو مسلم: أفعلها ابن سلامة الفاعلة، لا يكني، فقال يقطين: عجلت أيها الأمير، إنما أمرني أن أحصي ما وجد في عسكره الناكث ثم أسلمه إليك لتعمل فيه برأيك، وتصنع به ما أردت، ويكون قد عرف مبلغه.

(2/28)


فلما ورد يقطين على المنصور أعلمه ما قال وما قال هو له، فخاف أن يمضي أبو مسلم إلى خراسان، فكتب إليه: إني قد وليتك الشام ومصر، فهما أفضل من خراسان، ومنزلك بالشام أقرب إلى أمير المؤمنين فمتى أحببت لقاءه لقيته، وأنفذ الكتاب إليه مع يقطين أيضا، فلما قرأه قال: أهو يوليني الشام ومصر مكان خراسان وخراسان لي؟ وعزم على إتيان خراسان، فنزل المنصور المدائن، وأخذ أبو مسلم، طريق حلوان، فقال المنصور: رب أمر لله دون حلوان، وأمر عمومته ومن حضر من بني هاشم أن يكتبوا إليه فيعظموا عليه حتى الطاعة ويحذروه سوء عواقب الغدر والتبديل والنكث ويسألوه الرجوع ويشيروا عليه به. وكتب إليه المنصور: إني أردت مذاكرتك أشياء لم يحتملها الكتاب فأقبل فإن مقامك قبلي يسير، فلم يلتفت إلى الكتاب، فبعث إليه جرير بن يزيد البجلي، وكان صديقا لأبي مسلم راجحا عنده، فلم يزل يمسح جوانبه، ويرفق به، ويعرفه قبح ما ركب، وأن النعمة إنما دامت عليه بالطاعة، وقال له: إن أمر القوم لم يبلغ بك ما تكره، وإنما لك إن عصيتهم خراسان ولا تدري ما ينباق عليك من شيعتهم من أهل خراسان ممن ترى أنه معك، وإن أطعتهم فخراسان وغيرها من البلاد لك، فانصرف راجعا.
وحدثني محمد بن عباد عن أزهر بن زهير، وحدثني شيخ لنا أيضا، أن المنصور كتب إلى أبي مسلم كتابا لطيفا مع أبي حميد المروروذي وقال: إن أجاب إلى الانصراف وإلا فقل له، يقول لك أمير المؤمنين: نفيت من العباس لئن مضيت ولم تلقني لا وكلت أمرك إلى أحد سواي، ولو خضت إليك البحر الأخضر حتى أموت أو أقتلك. فلما قرأ الكتاب عزم على المضي لوجهه، فأدى إليه أبو حميد الرسالة فكسرته وعزم على الانصراف إلى المنصور، وخلف ثقله بحلوان وعليه مالك بن الهيثم وقال: لئن أمكنني قتله لأقتلنه ثم لأبايعن من أحببت، وتمثل بعض من معه:
ما للرجال مع القضاء محالة ... ذهب القضاء بحيلة الأقوام
وحدثني بعض ولد يقطين بن موسى قال: كان أبو مسلم آنس الناس بيقطين، فلما قدم الكوفة وهو يريد الحج قال له: يا يقطين بلغني أنه نشأ بالكوفة رجل يقال له حجا ظريف مليح، وأن أهلها عملوا بعدنا جوذابة تنسب إلى رجل يكنى أبا جرير، فأطعمني من الجوذابة وارني جحاكم، فاتخذت جوذابات وأتي بها مع طعام كثير، فلما تغدى أبو مسلم قال: أرني الأن جحا هذا، فطلب حتى وجد وأتي به يقطين وأبو مسلم وهما في غرفة ليس فيها غيرهما، فأخذ بعضادة الباب ثم قال: يا يقطين، ايكم أبو مسلم؟ فضحك أبو مسلم وكلمه فاستملحه فوهب له خمسة آلاف درهم.
قال: ثم شخص أبو مسلم إلى مكة، وقدم فمضى لمحاربة عبد الله بن علي، فلما هزمه بعث المنصور إليه يقطينا بكلام شتم المنصور فيه لأنسه كان بيقطين، فأداه يقطين إلى المنصور، فكان أبو مسلم يقول والله لأقتلن يقطينا.
قال: ولما قدم أبو مسلم على المنصور وهو بالرومية التي عند المدائن أمر الناس بتلقيه، وقام إليه فعانقه وأكرمه، وقال: كدت تمضي قبل أن نلتقي فألقي إليك ما أريد، وأمره أن ينصرف إلى منزله فيستريح ويدخل الحمام ليذهب عنه كلال السفر ثم يعود، وجعل يزيده برا وإعظاما وهو ينتظر الفرصة فيه حتى قتله.
وحدثني أبو مسعود الكوفي قال: لما اراد أبو مسلم الشخوص إلى خراسان عاصيا كتب إلى المنصور: من عبد الرحمن بن مسلم إلى عبد الله بن محمد، أما بعد فاني اتخذت أخاك إماما، وكان في قرابته برسول الله صلى الله عليه وسلم ومحله من العلم على ما كان، ثم استخف بالقرآن وخرقه طعما في قليل من الدنيا قد نعاه الله لأهله، ومثلت له ضلالته على صورة العدل، فأمرني أن أجرد السيف، وآخذ بالظنة، ولا أقبل معذرة وأن اسقم البريء، وابرئ السقيم وآثر أهل الدين في دينهم، وأوطأني في غيركم من أهل بيتكم العشوة بالأفك والعدوان؛ ثم إن الله بحمده ونعمته استنقذني بالتوبة وكره إلي الحوبة، فإن يعف فقديما عرف ذلك منه، وإن يعاقب فبذنوبي وما الله بظلام للعبيد.

(2/29)


فكتب إليه المنصور: قد فهمت كتابك وللمدل على أهله بطاعته ونصيحته ونصرته ومحاماته وجميل بلائه مقال، ولم يرك الله في طاعتنا إلا ما تحب، فراجع أحسن نيتك وعملك ولا يدعونك ما أنكرته إلى التجني، فإن المغيظ ربما تعدى في القول فأخبر بما لا يلع، والله ولي توفيقك وتسديدك، فأقبل رحمك الله مبسوط اليد في أمرنا، محكما فيما هويت الحكم فيه، ولا تشمت الأعداء بك وبنا إن شاء الله.
قال: فلما قدم بره وأكرمه وهو يريد أن تمكنه الفرصة. ثم صرفه إلى منزله ليستريح.

(2/30)


حدثني محمد بن عباد عن أزهر بن زهير بن المسيب الضبي قال: ندم المنصور على انصراف أبي مسلم حين دخل عليه، وكان أبو أيوب المورياني أشار عليه بالاذن له، فلما أصبح غدا إلى المنصور فتلقاه أبو الخطيب فقال له: إن أمير المؤمنين مشغول فانصرف ساعة حتى يفرغ، فأتى منزل عيسى بن موسى وكا يحبه، وكان عيسى شديد التعظيم له، فدعا له عيسى بالغداء، فبينا هو على ذلك إذ أتاه الربيع، وهو يومئذ مع مرزوق أبي الخصيب، فقال له: يدعوك أمير المؤمنين، فركب وشغل عيسى بن موسى بالوضوء، وقد كان أبو مسلم قال له: اركب معي فقد أحسست بالشر، فقال له: أنت في ذمتي فتقدم فإني لا حقك. فلما صار أبو مسلم إلى الرواق قيل له إن أمير المؤمنين: يتوضأ فلو جلست، فجلس، وأبطأت عليه عيسى فجعل يسأل عنه، وأعد له المنصور عثمان بن نهيك، وهو يومئذ على حرسه، وعدة منهم: شبيب بن واج، صاحب المربعة ببغداد، وأبو حنيفة صاحب الدرب في المدينة ببغداد، ورجلين من الحرس، وقال لعثمان، إذا عاتبته فعلا صوتي فلا تخرجوا، وكان وأصحابه وراء ستر خلف أبي مسلم، فإذا أنا صفقت فدونكم العلج. ثم قيل لأبي مسلم: قد جلس أمير المؤمنين فقم، فلما قام ليدخل نزع سيفه فقال: ما كان يصنع بي مثل هذا، فقيل: ليس ذاك إلا الخير. وكان عليه قباء خز أسود وتحته جبة خز بنفسجي فدخل فسلم وجلس على وسادة ليس في البيت غيرها والقوم خلف ظهره، فقال: يا أمير المؤمنين استخف بي واخذ سيفي، قال: ومن فعل ذلك قبحه الله؟ ثم قال: هيه، قتلت أهل خراسان وفعلت وفعلت، ثم جعلت تقول بمكة أيصلي هذا الغلام بالناس، وألقيت نعلي من رجلي فرفعت نفسك عن مناولتي إياها حتى ناولنيها معاذ بن مسلم، وأعجب من هذا إقعادك إياي في دهليز بخراسان مستخفا بحقي، حتى أشير عليك بخلاف ذلك، فتكارهت على تسهيل إذني وفتح الأبواب لي، ثم كتابك إلي تبدأ بنفسك، وخطبتك إلي أمية بنت علي، وقولك أنك ابن سليط بن عبد الله، لقد ارتقيت يا بن اللخناء مرتقى صعبا، ثم ذمك أخي وسيرته وقولك: إنه أوطأك العشوة، وحملك على الاثم، ثم أنت صاحبي بمكة تنادي: من أكل طعام الأمير فله درهم، ثم كسوتك الأعراب وقولك: لأتخذنكم دون أهل خراسان، وأعجب من هذا أني دفعت في صدر حاجبك، بخراسان فقلت لي أيضرب حاجبي، ردوه عنا إلى العراق. فقال أبو مسلم: إنه لا يقال لي هذا القول بعد بلائي وعنائي. فقال: يا بن الخبيثة إنما عملت ما عملت بدولتنا ولو كان الأمر إليك ما قطعت فتيلا، ثم فتل شاربه وفرك يده. فلما رأى أبو مسلم فعله قال: يا أمير المؤمنين لا تدخلن على نفسك ما أرى فإن قدري أصغر من أن يبلغ شيء من أمري منك هذا المبلغ. وصفق المنصور بإحدى يديه على الأخرى، فضرب عثمان بن نهيك أبا مسلم ضربة خفيفة، فأخذ برجل المنصور فدفعه برجله، وضربه شبيب بن واج على حبل عاتقه ضربة أسرعت فيه فقال: وانفساه، ألا قوة، ألا مغيث؟ فقال المنصور: اضربوا ابن اللخناء، فاعتوره القوم بأسيافهم، وأمر به فلف في مسح ويقال في عباءة وصير ناحية، وكان الطعام قد وضع للحرس في وقت دخول أبي مسلم فكانوا قد شغلوا به فلم يعلم أحد بمقتله. ووافى عيسى الباب فاستؤذن له فقال المنصور: أدخلوه، فلما وقف بين يديه قال: يا أمير المؤمنين أين أبو مسلم؟ قال: كان هنا آنفا، فقال: يا أمير المؤمنين قد عرفت طاعته ومناصحته ورأي الإمام كان فيه؟ فقال: اسكت يا بن الشاة - وكانت أم عيسى توفيت وهو صغير أو مرضت فأرضع لبن شاة - فوالله ما كان في الأرض عدو أعدى لك منه، ها هو ذا في البساط، والله ما تم سلطانك إلا اليوم. ودخل إسماعيل بن علي وهو لا يعلم الخبر فقال: إني رأيت يا أمير المؤمنين في ليلتي هذه كأنك قتلت أبا مسلم، وكأني وطئته برجلي، فقال: قم فصدق رؤياك فها هو ذا في البساط. فوطئه ثم رجع فرمى بخفه وقال: لا ألبس خفا وطئت به مشركا، فأتي بخف فلبسه، وأنشد المنصور:
وما العجز إلا تؤامرا عاجرا ... وما الفتك إلا أن تهم فتفعلا
وقال أبو مسعود: بلغني أن المنصور سأل أبا مسلم عن نصلين أصابهما في متاع عبد الله بن علي، فقال: أحداهما سيفي الذي كان علي. قال أبو دلامة مولى بني أسد:
أبا مسلم ما غير الله نعمة ... على عبده حتى يغيرها العبد

(2/31)


أفي دولة المنصور حاولت غدرة ... ألا إن أهل الغدر أباؤك الكرد
فلا يقطع الله اليمين التي بها ... علاك صقيل الشفرتين له حد
فما كان الا الموت غمد سيفه ... وما دخلت أن الموت يضبطه غمد
أبا مسلم خوفتني القتل فانتحى ... عليك بما خوفتني الأسد الورد
فأصبحت في أهلي وأصبحت ثاويا ... بحيث تلاقي في ذرى دجلة المد
وحدثني محمد بن موسى الخوارزمي الحاسب، عن بعض آل الحسن بن قحطبة وغيرهم، قال: قتل أبا مسلم: عثمان بن نهيك، وشبيب بن واج، وابو حنيفة ورجلان من الحرس ضربوه بأسيافهم فلم يمت، وجر برجله فألقي في دجلة، وكان يومئذ ابن ثمان وثلاثين سنة.
قال: وحدثني أبي قال: لما قتل أبو مسلم حمل أبو حنيفة جيفته في صندوق حتى توسط بدجلة ثم ألقاه. وسار أبو جعفر بعد ذلك بثلاث إلى الحيرة.
وحدثني أبو مسعود قال: تمثل المنصور بعد قتل أبي مسلم ببيت الشماخ:
وما ان شفى نفسا كأمر صريمة ... اذا حاجة في النفس طال اعتراضها
وقال بشار الأعمى:
أبا مسلم ما طيب عيش بدائم ... وما سالم عما قليل بسالم
كأنك لم تسمع بقتل متوج ... عزيز ولم تعلم بقتل الأعاجم
لحى الله قوما شرفوك عليهم ... وقد كنت مشروفا خبيث المطاعم
قالوا: وكان المنصور يقول: اخطأت مرات وقاني الله شرها، قتلت أبا مسلم وحولي من يقدم طاعته على طاعتي فلو وثبوا بي وأنا في خرق لذهبت ضياعا، وخرجت يوم الراوندية ولو أصابني سهم غرب لذهبت ضياعا، وخرجت إلى الشام ولو اختلفت بالعراق سيفان لذهبت الخلافة ضياعا.
قالوا: وأمر المنصور حين قتل أبا مسلم بوضع الاعطاء في الناس، فجعلوا يأخذون ويبايعون ويلعنون أبا مسلم. وقال أبو دلامة أيضا:
أبو مسلم عبد لعيسى بن معقل ... أخي دلف لا قول من يكذب
حمدت إلهي حين قيل عدوكم ... أبو مجرم أمسى على الوجه يسحب
فإن يك عبدا ذاق حتفا بجرمه ... فقد صادف المقدار والحين يجلب
بكت عين من تبكيه ميتا ولا أرى ... من الله روحا من له يتغضب
وقال أبو عطاء السندي:
زعمت أن الدين لا يقتضى ... كذبت والله أبا مجرم
سقيت كأسا كنت تسقي بها ... أمر في الحلق من العلقم
المدائني قال: كان أفلح بن مالك بن أسماء بن خارجة الفزاري بخراسان وكان صديقا لأبي مسلم يلاعبه بالشطرنج ويؤانسه، وكان ذا قدر بخراسان، فلما ظهرت الدعوة قدم على أبي مسلم وقال:
قل للأمير أمين الامام ... وصي وصي وصي الوصي
أتيتك لا طالبا حاجة ... ومالي في أرضكم من كفي
وكان أبو مسلم يبره ويكرمه، ثم أمر بقتله، فقيل له: صديقك وأنيسك، فقال: رأيته ذا همة وأبهة فقتلته مخافة أن يحدث حدثا، وكان لا يقعد على الأرض إذا قعدت على السرير، ولقد كان علي كريما وكنت له محبا. قال: فعير المنصور أبا مسلم بقتله فيما عيره به.
حدثني الأثرم عن أبي عمرو الشيباني الراوية قال: لما قتل المنصور أبا مسلم دعا بجعفر بن حنظلة البهراني فأراه إياه مقتولا، فقال: وفقك الله يا أمير المؤمنين وسددك عد خلافتك مذ اليوم.
وحدثني الأثرم عن الأصمعي قال: قال رؤبة بن العجاج: كان أبو مسلم فصيحا على غلظ وفصح كان في لسانه، دخلت عليه فأنشدته:
لبيك اذ دعوتني لبيكا ... أحمد ربا ساقني إليكا
أصبح سيف الله في يديكا
فأمر لي بكسوة ومال وقال لي: يا رؤبة، إن لك إلينا عودة وعلينا معولا، والدهر اطراق مستتب، فاذا أتيت خراسان فصر إلي أغنك، فقلت له: إني أريد أن أسالك وأنا أفرق منك، فقال: سل آمنا، فقلت: أرى لسانا عضبا وكلاما فصيحا، فأين نشأت أيها الأمير؟ قال: بالكوفة والشام، قلت: بلغني أنك لا ترحم، قال: كذبوا إني لأرحم؛ قلت: فما هذا القتل؟ قال: إنما أقتل من يريد قتلي.

(2/32)


قالوا: ولما قتل أبو مسلم كتب المنصور إلى أبي نصر مالك بن الهيثم، وكان أبو مسلم خلفه في ثقله بحلوان، وهو يرى أنه يرجع إلى خراسان، كتابا عن لسان أبي مسلم في القدوم بثقله وما خلف معه، وختم الكتاب بالخاتم الذي أخذه من إصبع أبي مسلم، وكانت بينهما علامة فلم يعرفها فيكتب بها، فامتنع أبو نصر من القدوم، فكتب المنصور إلى عامله بهمذان يأمره بمنعه من النفوذ، فأخذه وحبسه في القصر وقال لمن معه: والله لا يتحرك متحرك إلا ميت إليكم برأسه، ثم حمله إلى المنصور فعفا عنه، فلما كان يوم الرواندية قام على الباب فذب وأبلى، فرضي عنه وصارت له مكانة عنده وولاه الموصل.
حدثني المدائني قال: قال ابن شبرمة: دخلت على أبي مسلم وفي حجره مصحف وإلى جانبه سيف، فسلمت عليه، فقال: يا أبا شبرمة إنما هما أمران: زهد في الدنيا أو سيف يضرب به أهل العناد.
وحدثني عباس بن القاسم أبو الفضل قال: سمعت مشايخنا يذكرون أن أب مسلم كان رجلا ربعة، وكانت له شعرة وكان أسمر اللون حسن الوجه جيد الألواح، قليل اللحم تعلوه صفرة.
وحدثني الحرمازي قال: استشار المنصور إسحاق بن مسلم العقيلي، أو سلم بن قتيبة، في أمر أبي مسلم فقال: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا.
حدثني ابراهيم بن عتاب، حدثني سلام الأبرش قال: أرق المنصور ذات ليلة فقال للربيع: انظر من في الدار من الصحابة فأدخله إلا أن يكون عبد الله بن عياش فإنه سائل ملحف، فنظر فلم يجد في الدار غيره، فقال: أدخله وتقدم إليه في ترك مسألتي شيئا، فضمن له أن لا يسأل ليلته شيئا، فلما دخل أقبل يحدث بأمر السواد وفتوحه وما كان يرتفع من جباياته، ثم قال: فطول السواد يا أمير المؤمنين كذا وعرضه كذا ولا والله ما لعبدك منه شبر في شبر، فضحك المنصور وقال: قد أقطعتك غلة ثلاثين ألف درهم من حيث تختار من السواد.
وحدثني عبد الله بن مالك الكاتب، عن الربيع قال: جلس المنصور يوما بالنجف بالكوفة يشرف على الخورنق وظهر الكوفة، فقال: يا ربيع ابغني رجلا يحدثني، فقال: يا أمير المؤمنين بالباب عبد الله بن الربيع الحارثي وأنت تحب حديثه، فقال: نعم لولا كثرة سؤاله الحوائج، فقال: أنا أقطع عنك حوائجه في هذا اليوم، فخرج إليه فاشترى منه مسألته الحوائج بمائتي دينار، فلما دخل ورأى طيب نفس المنصور جعل يعرض بالسخاء وينشد شعر حاتم الطائي، فقال: يا ربيع لا تف له فإنه لم يف لك، كفى بالتعريض مسألة. وقال: أنشدني قول كثير: إذا المال لم يوجب عليك، فأنشده:
إذا المال لم يوجب عليك عطاءه ... صنيعة تقوى أو صديق تخالقه
منعت وبعض المنع حزم وقوة ... فلم يفتلذك المال إلا حقائقه
فكان عبد الله بن الربيع يقول: خرجت من عند المنصور وأنا أحب الناس إليه.
المدائني، قال: دخل المنصور المدينة فقال للربيع: ائتني برجل يسامرني ويحدثني، فأتاه برجل كان ظريف كان منقطعا إليه، فقال له المنصور: من أنت وأين منزلك؟ قال: ما لي منزل وإني لمغمور النسب لا تبلغني معرفتك. وحدثه فاستظرفه وأمر له بخمسة آلاف درهم، فلما انصرف قال للربيع: تنجز لي صلتي بأبي أنت وأمي، فقال الربيع: هيهات احتل لنفسك، فلما ركب المنصور من الغد دعا به فحدثه ثم أنشده قصيدة الأحوص:
يا بيت عاتكة الذي أتعزل ... حذر العدى وبه الفؤاد موكل
حتى انتهى إلى قوله:
وأراك تفعل ما تقول وبعضهم ... مذق الحديث يقول ما لا يفعل
فقال المنصور: وأبيك لقد اقتضيت فأحسنت ولطفك، يا ربيع يعطى جائزته.
باب في أخبار الربيع
حدثني العمري عن الهيثم بن عدي وهشام بن محمد وغيرهما، قالوا: كان عيسى بن روضة - وهي أمة وأبوه نجيح - عبد لآل طلحة، فرآه المنصور بالكوفة في حلقة المسجد وذلك قبل خلافة أبي العباس، فقال: لئن ملكنا لنشترينه فإني لم أر ألسن ولا أظرف منه مع عقل كامل، فلما ولي أبو العباس سأله أن يشتريه فاشتراه بمائة ألف درهم، فكان حاجب المنصور حتى ظهر منه على تشيع فعزله عن حجابته.
حدثني أبو فراس الشامي قال: كان حاجب المنصور عيسى بن روضة مولاه، ومعه مرزوق أبو الخصيب مولاه، فلما نحي ابن روضة أو مات صير أبا الخصيب مكانه، وكان الربيع مع أبي الخصيب يكون فلما مات أبو الخصيب صار الربيع مكانه.

(2/33)


وحدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه، قال: كان أبو فروة من أراشة من بلي سبيا أخذ من جبل الخليل بالشام فيما يقال، قال: والثبت أنه كان من سبي عين التمر فأعتقه رجل من بني ضبة.
وقال الهيثم والمدائني: كان أبو فروة من سبي عين التمر فابتاعه ناعم الأسدي، ثم ابتاعه منه عثمان بن عفان فأعتقه وجعله يحفر القبور، فلما وثب الناس بعثمان قال له: يا أثمان رد المذالم، فقال له عثمان: أنت أولها، ابتعتك من مال الصدقة لتحفر القبور فتركت ذلك. وكنى أبا فروة لانه أدخل المدينة وعليه فروة.
فحدثت عن أحمد بن إبراهيم بن اسماعيل، عن محمد بن صبيح الأبيضي، قال: كان يونس بن محمد بن عبد الله بن أبي فروة يتيما في حجر جدته، وكانت لجدته جارية نفيسة، فغشيها يونس يوما بغير علم جدته فأحبلها فولدت الربيع، أبا الفضل بن الربيع، وربيع هو صاحب المنصور، فجحدته جدته وجحده يونس، فلما شب باعته جدته فاشتراه زياد بن عبيد الله الحارثي عامل أبي العباس على المدينة وأهداه إلى أبي العباس، ثم صار إلى المنصور، فلما استحجبه استمال بني أبي فروة وبرهم وأرغبهم فشهدوا أنه ابن يونس وأنه كان قد أقر به.
حدثني الوليد بن صالح عن الواقدي، قال: كان لهشام بن عمرو مولى قبيصة بن ذؤيب قدر في نفسه وفعال جميل، وكانت بنو أمية تجيزه وكان سخيا مطعاما للطعام، فطلب عينة في بعض أيامه وبلغ ذلك عبد الله بن أبي فروة مولى عثمان فقال لقهرمان هشام هذا: بلغني أن عمرو يطلب عينة وعندنا مال فخذ حاجتك منه قرضا إلى متى شئت واكتمه اسمي، فأخبر القهرمان هشام بذلك ولم يزل يقسم عليه فأخبره بأن أبا فروة صاحبه، فقال: إنا نحضر أبواب السلطان وغيره فنتساوى وإن كان له علي دين ذللت له وعلاني فخذ لي من غيره مالا.
وكان عبد الله كاتب مصعب بن الزبير وأنيسه، وكان عبد الله بن أبي فروة سريا يفعل افعالا شريفة ويعم بمعروفه من انقطع إليه وغيرهم فشهد بعض دور السلطان ومطرت السماء فنظر إلى جلسائه فقال: يا غلام هات لنا مماطر، فأتى بمماطر خز بعدتهم وكانوا نحوا من عشرين.
قال: وامسك رجل بركابه يوما، فقال: ألك حاجة؟ قال: لك على أبي ألف دينار وقد ترك مالا ولي إخوة، فقال: صدقت قد عرفتك، أعطوه الصك، والمال لك دون إخوتك.
وحدثني الحسن بن علي الحرمازي عن القاسم بن سهل النوشجاني، ان زياد بن عبيد الله الحارثي، خال أبي العباس، ابتاع الربيع في خمسين غلاما بالمدينة وهو عامل المنصور عليها وأهداهم إليه فصيره مع أبي الخصيب ثم ضمه إلى ياسر صاحب وضوئه، وهو يومئذ ابن ثمان عشرة سنة. وحج المنصور في تلك السنة فكان ياسر إذا وضع للمنصور الماء عند نزوله لحاجته لم يرم حتى يفرغ المنصور من الاستنجاء، واعتل ياسر فصير الربيع يقوم مقامه في الخدمة، فكان إذا وضع الماء للمنصور تنحى عنه فإذا تحرك صار إلى الابريق فأخذه، فقال له: ويحك يا غلام ما أكيسك وأخفك على قلبي، وسأله عن سنيه فزاد فيها ليتكبر بذلك، فأعجبه ما أرى منه، ورأى المنصور في طريقه كتابا على حائط فقرأه فإذا هو:
وما لي لا أبكي وأنشد فاقتي ... إذا صدر الرعيان عن كل منهل
وفي أسفله: آه، آه، آه، فجعل المنصور يردد نظره في ذلك وينكره، فقال الربيع: ان أذن لي أمير المؤمنين تكلمت، فقال: تكلم، فقال: اتبع البيت تأوها وحكاية للبكاء، فأعجبه ما رأى من فطنته فقال: قاتلك الله، وأعتقه وصيره مكان ياسر، ثم رأى تقليده أمر حجابته فكان مع أبي الخصيب فلما مات صيره مكانه. قال: فدخل بعض الهاشميين على المنصور يوما فذكر أباه فترحم عليه، فقال له الربيع: مه، اتترحم على أبيك وأنت تخاطب أمير المؤمنين؟ فقال: انك لو عرفت حلاوة الآباء ومواقعهم من القلوب لم تنكر علي ما قلت. وكان الفضل بن الربيع حاجب الرشيد، وكان يدعوه العباسي.
وحدثني الحرمازي أو غيره أن المنصور أمر رجلا ولاه عملا بالقصد، فقال: عليك بالقصد والسداد فإنه كان يقال الظمأ الفاضح خير من الري الفاضح.
حدثني العمري قال: مر المنصور في بعض السكك وكانت مضيقة بالبناء فأمر بهدم ما ضيقت به من ذلك البناء وبلغ الهدم دار أبي دلامة فدخل على المنصور فقال:
يا بن عم النبي زارك زور ... قد دنا هدم داره وبواره

(2/34)


فهو كالماخض التي اعتا ... دها الطلق فقرت وما يقر قراره
كيف يخشى البوار شاعر قوم ... هرمت في مديحهم أشعاره
لكم الأرض كلها فأعيروا ... عبدكم ما احتوى عليه جداره
وحدثني أبو مسعود قال: أمر المنصور الربيع أن يحضر أبا دلامة القصر ويأخذه بصلاة الظهر والعصر والمغرب فأنشأ يقول:
ألم تريا أن الامام ألزني ... بمسجده والقصر ما لي وللقصر
يكلفني الأولى جميعا وعصرنا ... فويلي من الأولى وويلي من العصر
لقد كان في أهلي مساجد جمة ... ولكن هذا الأمر قدر من القدر
ويحبسني عن مجلس استلذه ... وأكرم فيه بالسماع وبالخمر
وماذا عليه أرشد الله أمره ... لو أن خطايا العالمين على ظهري
فقال: صدق لعنه الله، دعوه.
قال المدائني: وماتت ابنة للمنصور، فرأى المنصور أبا دلامة عند قبرها فقال: ما أعددت لهذا المضجع؟ قال: التي حفر لها يا أمير المؤمنين، فقال: ويلك الا قلت كما قال الفرزدق حين سأله البصري ورآه عند قبر النوار امرأته عن مثل ما سألتك فقال: شهادة أن لا إله إلا الله مذ ثمانون سنة! فقال أبو دلامة: إنا لا نحب المعاد من الكلام.
وحدثني الحرمازي، قال: دخل أبو دلامة على المنصور فأنشد:
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قوم لقيل اقعدوا يا آل عباس
ثم ارتقوا في شعاع الشمس كلكم ... إلى السماء فأنتم أكرم الناس
فقال المنصور: لقد غدا بك أمر، قال: نعم، ولدت لي البارحة ابنة فقلت فيها:
فما ولدتك مريم أم عيسى ... ولم يكفلك لقمان الحكيم
ولكن قد تضمك أم سوء ... إلى لباتها وأب لئيم
فتبسم المنصور وأمر له بأربعة آلاف درهم.
وحدثني أبو العالية البصري قال: أنشد المنصور أبو دلامة قوله:
قالت تبغ لنا نخلا ومزرعة ... كما لجيراننا نخل ومزدرع
خادع خليفتنا عن ذاك في لطف ... إن الخليفة للسؤال ينخدع
فقال لعبد الملك بن حميد: أقطعه ألف جريب نصفها عامر ونصفها غامر.
فقال: بأبي أنت وما الغامر؟ قال: الذي لا يناله الماء إلا بالكلفة والنفقة، قال: أبو دلامة: فإني قد أقطعت عبد الملك بن حميد بادية بني أسد وصحراء بزيقيا وصحراء أنقف، فضحك المنصور وأمر أن تجعل الألف جريب عامرة كلها، فقال له: جعلني الله يا أمير المؤمنين فداك ايذن لي في تقبيل رجلك، فقال: لست أفعل، فقال: والله أصلحك الله ما منعت عيالي شيئا أهون عليهم من هذا.
وحدثني أبو أحمد سلموية بن عمرو النحوي قال: أشار أبو عبد الله الكاتب على المهدي بنزول الرافقة وأراد أن يبعده من المنصور فكتب أبو دلامة:
إن الخليفة والمهدي إذ نأيا ... فنحن في حيث لا ماء شجر
ولا نهار ولا ليل يطيب لنا ... ولا تضيء لنا شمس ولا قمر
الله يعلم أني ناصح لكم ... فيما أقول وأني حية ذكر
أرى وأسمع ما لا تسمعان به ... من الحسود وفي الحاسد الحجر
فرد المنصور المهدي إليه ولم يأذن له في نزول الرافقة.
حدثني عبد الله بن مالك الكاتب، قال: كان المنصور يقول: ما شيء أجلب لقلب من كلام يصاب به موضعه، ويروى ذلك أيضا عن ابن المقفع.
حدثنا العمري، عن الهيثم بن عدي قال: قال المنصور لا بن عياش المنتوف: لو تركت لحيتك لطالت، أما ترى عبد الله بن الربيع ما أحسنه، فقال: يا أمير المؤمنين أنا أحسن منه، فقال ابن الربيع: أما ترى هذا الشيخ يا أمير المؤمنين ما أكذبه! فقال ابن عياش: يا أمير المؤمنين مر بجز لحيته ويقام إلى جانبي حتى ينظر أينا أحسن.
وحدثني عمر بن بكير، عن الهيثم بن عدي، عن ابن عياش، قال: قال المنصور للأعلم الهمداني: ما مالك؟ قال: ما أكف به وجهي ولا أعود بفضله على صديق، فقال: لقد ألطفت المسألة، وأمر له بخمسة آلاف درهم.
وحدثني عمر عن الهيثم، قال: قال المنصور لسفيان: ما أسرع الناس إلى قومك، فقال:
إن العرانين تلقاها محسدة ... ولن ترى للئام الناس حسادا
أمر ابن المقفع

(2/35)


كان عبد الله بن داذبة، وهو المقفع، من أشراف أهل فارس وكان أبوه دخل في عمل للحجاج فخرج عليه مال فضرب به حتى تقفعت يده، فغلب على اسمه المقفع، واحتال حتى اقترض من صاحب العذاب مالا، فكان يبقي عليه من القتل، وكان منزله البصرة وكان حريصا على تأديب عبد الله ابنه يجمع إليه الأدباء ويأخذه بمشاهدة مجالسهم، وألزمه أبا الغول الأعرابي وابا الخاموش، وكان فصيحين فلما مات المقفع كتب لعامر بن ضبارة، ثم لما جاءت الدولة صحب بني علي بن عبد الله فكان يكتب لهم كتبهم، وكان أكثر ميله إلى عيسى بن علي وعلى يده أسلم.
فحدثني محمد بن قادم النحوي، عن بعض الهاشميين، أن عبد الله بن المقفع دخل على عيسى ليلا فقال له: إني أريد الاسلام فقد خامر قلبي حبه وكرهت المجوسية، فقال له: إذا أصبحنا جمعت أخوتي ووجوها من وجوه الناس فشهدوا إسلامك. وحضر عشاء عيسى فدعاه ليأكل فامتنع فعزم عليه، وكان نظيفا حسن المؤاكلة، فلم يدن من الطعام إلا على زمزمة فقيل: اتزمزم وأنت على الاسلام غدا؟ فقال: إني أكره أن أبيت غدا على غير دين، فلما أصبح أسلم. وكا يكنى أبا عمرو فتكنى أبا محمد.
وحدثني عبد الله بن مالك الكاتب قال: كانت لعبد الله بن المقفع حال جميلة وغلة تأتيه من فارس كافية، وكانت له مروج تقاد إليه منها البراذين والبغال فيهديها ويحمل عليها.
حدثني المدائني، قال: حضر سلم بن قتيبة ومعن بن زائدة وعبد الله بن المقفع منزل ابن رامين، وكان له قيان وهو الذي يقول فيه الشاعر:
إن ابن رامين قد أضحى له بقر ... عين وليس لنا غير البراذين
لو شئت أعطيته مالا على قدر ... يرضى به منك دون الربرب العين
قال: فتغنت الزرقاء أم سعدة جارية ابن رامين صوتا أعجب سلما فبعث إلى خازنه فحمل إليه عشرة آلاف درهم فدفعها إليها، ثم غنت إحداهما صوتا اقترحه معن، فبعث إلى وكيله فحمل إليه إلف دينار، وغنت صوتا لعبد الله بن المقفع، وكان قد ابتاع ضيعة بمائة ألف درهم فأمر غلمانه فأتوه بصك الضيعة فدفعه إليها، فقال معن: لله الفارسي لقد برز علينا. وكان ما بين ابن شبرمة وابن أبي ليلى متباعدا فحاول ابن المقفع أن يصلح بينهما فأبى ذلك ابن أبي ليلى. وكان ابن شبرمة صديقا لابن المقفع، فقال ابن المقفع:
تنوقت في الاحسان لم آل جاهدا ... إلى ابن أبي ليلى فصيره ذما
ووالله ما آسي على فوت شكره ... ولكن سوء الرأي يحدث لي غما
وماذا يضر المرء من قول قائل ... إذا هو لم يغش الدناءة والإثما
وحدثني عبد الله بن مالك، قال: أخبرت أن عبد الله بن المقفع كان إذا أقبل يريد منزله يقدم غلام له مجيئه، فمن كان من غلمانه على غير هيئة تهيأ، ويفتح له أبوابه فيدخل منزله ومعه عدة من إخوانه، فإذا حضر طعامه وقف قهرمانه فقال: قد هيىء في المطبخ كذا وكذا وكذا، ليعلموا ما يؤتون به من الطعام فيبقي الرجل نفسه لما يشتهيه، وكانت أيديهم تغسل بالاشنان قبل الأكل ويقول: ان الأيدي تقع في الحار والبارد ولا يؤمن ان يتحلل في ذلك شيء من وسخها مما لا ينفيه الغسل بالماء وحده.
وحدثني المدائني عن ابن جابان، قال: كان ابن المقفع ظريفا مزاحا ذا دعابة، فكان بعض من يحسده يقول: إن أدبه أكثر من عقله. وقال ابن المقفع يوما لغلامه، وسمعه يقول: ما أكثر الدخان، فقال: ويلك لا تقل الدخان. إنما هو الدخان. ثم سمع يوما كلاما فقال: ما هذا الذي اسمع؟ فقال الغلام: هذا كلام قوم جلوس على الدكان، فضحك وقال: أنا كنت أعجب منك يا بني. وسمع يوما ولد اسماعيل بن علي يقول: أعطوني برذوني الأسود، فقال له: لا تقل هذا وقل برذوني الأدهم، فلما أتي ببرذونه قال: هاتوا طيلساني الأدهم، فقال له: إن عناء تقويم ما لا يستقيم.

(2/36)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية