صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ شرح شذور الذهب - ابن هشام ]
الكتاب : شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب
المؤلف : عبدالله بن يوسف بن عبدالله بن يوسف بن أحمد بن عبدالله بن هشام
الناشر : الشركة المتحدة للتوزيع - دمشق
الطبعة الأولى ، 1984
تحقيق : عبدالغني الدقر
عدد الأجزاء : 1

وأقول الثاني من المرفوعات نائب الفاعل وهو الذي يعبرون عنه بمفعول ما لم يسم فاعله والعبارة الأولى أولى لوجهين احدهما أن النائب عن الفاعل يكون مفعولا وغيره كما سيأتي والثاني أن المنصوب في قولك أعطي زيد دينارا يصدق عليه أنه مفعول للفعل الذي لم يسم فاعله وليس مقصودا لهم ومعنى قولي أقيم هو مقامه أنه أقيم مقامه في اسناد الفعل إليه
ولما فرغت من حده شرعت في بيان ما يعمل بعد حذف الفاعل فذكرت أن الفعل يجب تغييره الى فعل أو يفعل ولا أريد بذلك هذين الوزنين فإن ذلك لا يتأتى الا في الفعل الثلاثي وانما أريد أنه يضم أوله مطلقا ويكسر ما قبل آخره في الماضي ويفتح في المضارع ثم بعد ذلك يقام المفعول به مقام الفاعل فيعطى أحكامه كلها فيصير مرفوعا بعد أن كان منصوبا وعمدة بعد أن كان فضلة وواجب التأخير عن الفعل بعد أن كان جائز التقديم عليه
والمفعول به عند المحققين مقدم في النيابة على غيره وجوبا لأنه قد يكون فاعلا في المعنى كقولك أعطيت زيدا دينارا ألا ترى أنه آخذ وأوضح من هذا ضارب زيد عمرا لأن الفعل صادر من زيد وعمرو

(1/207)


فقد اشتركا في إيجاد الفعل حتى أن بعضهم جوز في هذا المفعول أن يرفع وصفه فيقول ضارب زيد عمرا الجاهل لأنه نعت المرفوع في المعنى
ومثلت لنيابته عن الفاعل بقوله تعالى ( وقضي الأمر ) وأصله قضى الله الأمر فحذف الفاعل للعلم به ورفع المفعول به وغير الفعل بضم أوله وكسر ما قبل آخره فانقلبت الألف ياء
فإن لم يكن في الكلام مفعول به أقيم غيره من مصدر أو ظرف زمان أو مكان أو مجرور
فالمصدر كقوله تعالى ( فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة ) وقوله تعالى ( فمن عفي له من أخيه شيء ) وكون نفخة مصدرا واضح

(1/208)


وأما شيء فلأنه كناية عن المصدر وهو العفو والتقدير والله أعلم فأي شخص من القاتل عفي له عفو ما من جهة أخيه
وظرف الزمان كقولك صيم رمضان وأصله صام الناس رمضان
وظرف المكان كقولك جلس أمامك والدليل على أن الأمام من الظروف المتصرفة التي يجوز رفعها قول الشاعر
( فغدت كلا الفرجين تحسب أنه ... مولى المخافة خلفها وأمامها )

(1/209)


والمجرور كقوله تعالى ( وان تعدل كل عدل لا يؤخذ منها ) ف يؤخذ فعل مضارع مبني لما لم يسم فاعله وهو خال من ضمير مستتر فيه ومنها جار ومجرور في موضع رفع أي لا يكن أخذ منها ولو قدر ما هو المتبادر من أن في يؤخذ ضميرا مستترا هو القائم مقام الفاعل ومنها في موضع نصب لم يستقم لأن ذلك الضمير عائد حينئذ على كل عدل وكل عدل حدث والأحداث لا تؤخذ وانما تؤخذ الذوات نعم ان قدر أن لا يؤخذ بمعنى لا يقبل صح ذلك
وفهم من قولي فإن فقد فالمصدر الى آخره أنه لا يجوز اقامة غير المفعول به مع وجود المفعول به وهو مذهب البصريين الا الأخفش واستدل المخالفون بنحو قول الشاعر

(1/211)


( أتيح لي من العدى نذيرا ... به وقيت الشر مستطيرا )

(1/212)


وبقراءة أبي جعفر ( ليجزي قوما بما كانوا يكسبون ) فأقيم فيهما الجار والمجرور وترك المفعول به منصوبا
ثم قلت ولا يحذفان بل يستتران ويحذف عاملهما جوازا نحو زيد لمن قال من قام أو من ضرب ووجوبا نحو ( اذا السماء انشقت وأذنت لربها وحقت واذا الأرض مدت )

(1/213)


و لا يكونان جملة فنحو ( وتبين لكم كيف فعلنا بهم ) على إضمار التبين ونحو ( وإذا قيل إن وعد الله حق ) على الإسناد الى اللفظ ويؤنث فعلهما لتأنيثهما وجوبا في نحو الشمس طلعت وقامت هند أو الهندان أو الهندات وجوازا راجحا في نحو طلعت الشمس ومنه قامت الرجال أو النساء أو الهنود و حضرت القاضي امرأة ومثل قامت النساء نعمت المرأة هند ومرجوحا في نحو ما قام الا هند وقيل ضرورة ولا تلحقه علامة تثنية ولا جمع وشذ نحو أكلوني البراغيث
وأقول ذكرت هنا خمسة أحكام يشترك فيها الفاعل والنائب عنه
الحكم الأول أنهما لا يحذفان وذلك لأنهما عمدتان ومنزلان

(1/214)


من فعلهما منزلة الجزء فان ورد ما ظاهره أنهما فيه محذوفان فليس محمولا على ذلك الظاهر وانما هو محمول على أنهما ضميران مستتران فمن ذلك قول النبي لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ففاعل يشرب ليس ضميرا عائدا الى ما تقدم ذكره وهو الزاني لأن ذلك خلاف المقصود ولا الأصل ولا يشرب فحذف الشارب لأن الفاعل عمدة فلا يحذف وانما هو ضمير مستتر في الفعل عائد على الشارب الذي استلزمه يشرب فإن

(1/215)


يشرب يستلزم الشارب وحسن ذلك تقدم نظيره وهو لا يزني الزاني وعلى ذلك فقس وتلطف لكل موضع بما يناسبه وعن الكسائي اجازة حذف الفاعل وتابعه على ذلك السهيلي وابن مضاء
الثاني أن عاملهما قد يحذف لقرينة وأن حذفه على قسمين جائز وواجب
فالجائز كقولك زيد جوابا لمن قال لك من قام أو من ضرب فزيد في جواب الأول فاعل فعل محذوف وفي جواب الثاني نائب عن فاعل فعل محذوف وان شئت صرحت بالفعلين فقلت قام زيد وضرب عمرو
والواجب ضابطه أن يتأخر عنه فعل مفسر له وقد اجتمع المثالان في الآية الكريمة ف ( السماء ) فاعل ( انشقت ) محذوفة كالسماء في

(1/216)


قوله تعالى ( فإذا انشقت السماء ) الا أن الفعل هنا مذكور والأرض نائب عن فاعل مدت محذوفة وكل من الفعلين يفسره الفعل المذكور فلا يجوز أن يلتفظ به لأن المذكور عوض عن المحذوف وهم لا يجمعون بين العوض والمعوض عنه
الحكم الثالث أنهما لا يكونان جملة هذا هو المذهب الصحيح وزعم قوم أن ذلك جائز واستدلوا بقوله تعالى ( ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه ) ( وتبين لكم كيف فعلنا بهم ) ( واذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض ) فجعلوا جملة ليسجننه فاعلا ل ( بدا ) وجملة ( كيف فعلنا بهم ) فاعلا ل ( تبين ) وجملة ( لا تفسدوا في الأرض ) قائمة مقام فاعل ولا حجة لهم في ذلك أما الآية الأولى فالفاعل فيها ضمير مستتر عائد إما على مصدر الفعل والتقدير

(1/217)


ثم بدا لهم بداء كما تقول بدالي رأي ويؤيد ذلك أن اسناد بدا الى البداء قد جاء مصرحا به في قول الشاعر
( لعلك والموعود حق لقاؤه ... بدا لك في تلك القلوص بداء )
وإما على السجن بفتح السين المفهوم من قوله تعالى ( ليسجننه ) ويدل عليه قوله تعالى ( قال رب السجن أحب الي مما يدعونني اليه )

(1/218)


وكذلك القول في الآية الثانية أي وتبين هو أي التبين وجملة الاستفهام مفسرة وأما الآية الثالثة فليس الإسنادفيها من الإسناد المعنوي الذي هو محل الخلاف وانما هو من الإسناد اللفظي اللفظي أي وإذا قيل لهم هذا اللفظ والإسناد اللفظى جائز في جميع الألفاظ كقول العرب زعموا مطية الكذب وفي الحديث لا حول ولا قوة الا بالله كنز من كنوز الجنة
الحكم الرابع أن عاملهما يؤنث اذا كانا مؤنثين وذلك على ثلاثة أقسام تأنيث واجب وتأنيث راجح وتأنيث مرجوح
احداهما أن يكون الفاعل المؤنث ضميرا متصلا ولا فرق في ذلك بين حقيقي التأنيث ومجازيه فالحقيقي نحو هند قامت فهند مبتدأ وقام فعل ماض والفاعل ضمير مستتر في الفعل والتقدير قامت هي والتاء علامة التأنيث وهي واجبة لما ذكرناه والمجازي نحو الشمس طلعت وإعرابه ظاهر ولما مثلت به في المقدمة للتأنيث

(1/219)


الواجب علم أن وجوب التأنيث مع الحقيقي من باب أولى بخلاف ما لو عكست فأما قول الشاعر
77 - ( ان السماحة والمروءة ضمنا ... قبرا بمرو على الطريق الواضح )
ولم يقل ضمنتا فضرورة
الثانيه أن يكون الفاعل اسمأ ظاهرا متصلا حقيقي التأنيث مفردا أو تثنية له أو جمعا بالألف والتاء فالمفرد كقوله تعالى ( اذ قالت

(1/220)


امرأة عمران ) والمثنى كقولك قامت الهندان والجمع كقولك قامت الهندات فأما قوله ( تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما ... وهل أنا الا من ربيعة أو مضر )

(1/221)


فضرورة إن قدر الفعل ماضيأ وأما إن قدر مضارعا وأصله تتمنى فحذفت إحدى التاءين كما قال تعالى ( فأنذرتكم نارا تلظى ) فلا ضرورة
وأما قوله تعالى ( اذا جاءك المؤمنات ) فإنما جاز لأجل الفصل بالمفعول أو لأن الفاعل في الحقيقة أل الموصولة وهي اسم جمع

(1/222)


فكأنه قيل اللاتي آمن او لأن الفاعل اسم جمع محذوف موصوف بالمؤمنات أي النسوة التي آمن
وأما التأنيث الراجح ففي مسألتين أيضا
إحداها ان يكون الفاعل ظاهرا متصلا مجازي التأنيث كقولك

(1/223)


طلعت الشمس وقوله تعالى ( وما كان صلاتهم عند البيت ) ( فانظر كيف كان عاقبة مكرهم ) ( وجمع الشمس والقمر )
والثانية أن يكون ظاهرا حقيقي التأنيث منفصلا بغير الا كقولك قام اليوم هند وقامت اليوم هند وكقوله
( ان امرأ غره منكن واحدة ... بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور )

(1/224)


والمبرد يخص ذلك بالشعر
ومن النوع الأول أعني المؤنث الظاهر المجازي التأنيث أن يكون الفاعل جمع تكسير أو اسم جمع تقول قامت الزيود وقام الزيود وقامت النساء وقام النساء قال الله تعالى ( قالت الأعراب ) ( وقال نسوة ) وكذلك اسم الجنس ك أورق الشجر وأورقت الشجر فالتأنيث في ذلك كله على معنى الجماعة والتذكير على معنى الجمع وليس لك أن تقول التأنيث في النساء والهنود حقيقي لأن الحقيقي هو الذي له فرج والفرج لآحاد الجمع لا للجمع وأنت انما أسندت الفعل الى الجمع لا الى الآحاد
ومن هذا الباب أيضا قولهم نعمت المرأة هند ونعم المرأة هند فالتأنيث على مقتضى الظاهر والتذكير على معنى الجنس لأن المراد بالمرأة الجنس لا واحدة معينة مدحوا الجنس عموما ثم خصوا من أرادوا مدحه وكذلك بئس بالنسبة إلى الذم كقولك بئس المرأة حمالة الحطب وبئست المرأة هند

(1/225)


وأما التأنيث المرجوح ففي مسألة واحدة وهي أن يكون الفاعل مفصولا بإلا كقولك ما قام إلا هند فالتذكير هنا أرجح باعتبار المعنى لأن التقدير ما قام أحد إلا هند فالفاعل في الحقيقة مذكر ويجوز التأنيث باعتبار ظاهر اللفظ كقوله ( ما برئت من ريبة وذم ... في حربنا الا بنات العم )
والدليل على جوازه في النثر قراءة بعضهم ( ان كانت الا صيحة واحدة ) برفع ( صيحة ) وقراءة جماعة السلف ( فأصبحوا الا ترى الا

(1/226)


مساكنهم ) ببناء الفعل لما لم يسم فاعله وبجعل حرف المضارعة التاء المثناة من فوق
وزعم الأخفش أن التأنيث لا يجوز الا في الشعر وهو محجوج بما ذكرنا
الحكم الخامس ان عاملهما لا تلحقه علامة تثنية ولا جمع في الأمر الغالب بل تقول قام أخواك وقام إخوتك وقام نسوتك كما تقول قام أخوك ومن العرب من يلحق علامات دالة على ذلك كما يلحق الجميع علامة دالة على التأنيث كقوله
( تولى قتال المارقين بنفسه ... وقد أسلماه مبعد وحميم )

(1/227)


وقوله يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار وقول بعض العرب أكلوني البراغيث وقول الشاعر ( نتج الربيع محاسنا ... ألقحنها غر السحائب )

(1/228)


وقول الآخر ( رأين الغواني الشيب لاح بعارضي ... فأعرضن عني بالخدود النواضر )

(1/229)


وقد حمل على هذه اللغة آيات من التنزيل العظيم منها قوله سبحانه ( وأسروا النجوى الذين ظلموا ) والأجود تخريجها على غير ذلك وأحسن الوجوه فيها إعراب ( الذين ظلموا ) مبتدأ ( وأسروا النجوى ) خبرا
ثم قلت الثالث المبتدأ وهو المجرد عن العوامل اللفظية مخبرا عنه أو وصفا رافعا لمكتفى به فالأول ك زيد قائم

(1/230)


و ( وأن تصوموا خير لكم ) و ( هل من خالق غير الله ) والثاني شرطه نفي أو استفهام نحو أقائم الزيدان و ما مضروب العمران
وأقول الثالث من المرفوعات المبتدأ وهو نوعان مبتدأ له خبر وهو الغالب ومبتدأ ليس له خبر لكن له مرفوع يغني عن الخبر
ويشترك النوعان في أمرين أحدهما أنهما مجردان عن العوامل اللفظية والثاني أن لهما عاملا معنويا وهو الابتداء ونعني به كونهما على هذه الصورة من التجرد للإسناد
ويفترقان في أمرين أحدهما أن المبتدأ الذي له خبر يكون اسما صريحا نحو ( الله ربنا ) و ( محمد نبينا ) ومؤولا بالاسم نحو ( وأن تصوموا خير لكم ) أي وصيامكم خير لكم ومثله قولهم تسمع بالمعيدي خير من أن تراه ولذلك قلت المجرد ولم أقل الاسم المجرد ولا يكون المبتدأ المستغني عن الخبر في تأويل الاسم البتة بل ولا كل اسم بل يكون اسما هو صفة نحو أقائم الزيدان وما مضروب العمران

(1/231)


والثاني أن المبتدأ الذي له خبر لا يحتاج الى شيء يعتمد عليه والمبتدأ المستغني عن الخبر لا بد أن يعتمد على نفي أو استفهام كما مثلنا وكقوله
( خليلي ما واف بعهدي أنتما ... اذا لم تكونا لي على من أقاطع )

(1/232)


وقوله
( أقاطن قوم سلمى أم نووا ظعنا ... ان يظعنوا فعجيب عيش من قطنا )

(1/233)


وقولي رافعا لمكتفى به أعم من أن يكون ذلك المرفوع اسما ظاهرا ك قوم سلمى في البيت الثاني أو ضميرا منفصلا ك أنتما في البيت الأول وفيه رد على الكوفيين والزمخشري وابن الحاجب اذ أوجبوا أن يكون المرفوع ظاهرا وأوجبوا في قوله تعالى ( أراغب أنت ) أن يكون محمولا على التقديم والتأخير وذلك لا يمكنهم في البيت الأول اذ لا يخبر عن المثنى بالمفرد وأعم من أن يكون ذلك المرفوع فاعلا كما في البيتين أو نائبا عن الفاعل كما في قولك امضروب الزيدان
وخرج عن قولي مكتفى به نحو اقائم ابواه زيد فليس لك ان تعرب اقائم مبتدأ وابواه فاعلا اغنى عن الخبر لأنه لا يتم به الكلام بل زيد مبتدأ مؤخر وقائم خبر مقدم وابواه فاعل به
ثم قلت ولا يبتدأ بنكرة إلا إن عمت نحو ما رجل في الدار أو خصت نحو رجل صالح جاءني وعليهما ( ولعبد مؤمن خير )

(1/234)


وأقول الأصل في المبتدأ أن يكون معرفة ولا يكون نكرة إلا في مواضع خاصة تتبعها بعض المتأخرين وأنهاها الى نيف وثلاثين وزعم بعضهم أنها ترجع الى الخصوص والعموم
فمن أمثلة الخصوص أن تكون موصوفة اما بصفة مذكورة نحو ( ولأمة مؤمنة خير من مشركة ) ( ولعبد مؤمن خير من مشرك ) أو بصفة مقدرة كقولهم السمن منوان بدرهم فالسمن مبتدأ أول ومنوان مبتدأ ثان وبدرهم خبره والمبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول والمسوغ للابتداء بمنوان أنه موصوف بصفة مقدرة أي منوان منه
ومنها أن تكون مصغرة نحو رجيل جاءني لأن التصغير وصف في المعنى بالصغر فكأنك قلت رجل صغير جاءني
ومنها أن تكون مضافة كقوله خمس صلوات كتبهن الله على العباد

(1/235)


ومنها أن يتعلق بها معمول كقوله أمر بمعروف صدقة ونهى عن منكر صدقة فأمر ونهي مبتدآن نكرتان وسوغ الابتداء بهما من الجار والمجرور وكقولك أفضل منك جاءني
ومن أمثلة العموم أن يكون المبتدأ نفسه صيغة عموم نحو ( كل له قانتون ) و من يقم أقم معه ومن جاءك أجيء معه أو يقع في سياق النفي نحو ما رجل في الدار
وعلى هذه الأمثلة قس ما أشبهها
ثم قلت الرابع خبره وهو ما تحصل به الفائدة مع مبتدأ غير الوصف المذكور
وأقول الرابع من المرفوعات خبر المبتدأ وقولي مع مبتدأ

(1/236)


فصل أول مخرج لفاعل الفعل وقولي غير الوصف المذكور فصل ثان مخرج لفاعل الوصف في نحو أقائم الزيدان وما قائم الزيدان والمراد بالوصف المذكور ما تقدم ذكره في حد المبتدأ
ثم قلت ولا يكون زمانا والمبتدأ اسم ذات ونحو الليلة الهلال متأول
وأقول لما بينت في حد المبتدأ ما لا يكون مبتدأ وهو النكرة التي ليست عامة ولا خاصة بينت بعد حد الخبر مالا يكون خبرا في بعض الأحيان وذلك اسم الزمان فإنه لا يقع خبرا عن أسماء الذوات وإنما يخبر به عن أسماء الأحداث تقول الصوم والسفر غدا ولا تقول زيد اليوم ولا عمرو غدا فأما قولهم الليلة الهلال بنصب الليلة على أنها ظرف مخبر به عن الهلال مقدم عليه فمؤول وتأويله على أن أصله الليلة رؤية الهلال والرؤية حدث لا ذات ثم حذف المضاف وهو الرؤية وأقيم المضاف إليه مقامه ومثله قولهم في المثل اليوم خمر وغدا أمر التقدير اليوم شرب خمر وغدا حدوث أمر

(1/237)


ثم قلت الخامس اسم كان وأخواتها وهي أمسى وأصبح وأضحى وظل وبات وصار وليس مطلقا وتالية لنفي أو شبهه زال ماضي يزال وبرح وفتيء وانفك وصلة لما الوقتية دام نحو ( ما دمت حيا )
وأقول الخامس من المرفوعات اسم كان وأخواتها الاثنتي عشرة المذكورة فإنهن يدخلن على المبتدأ والخبر فيرفعن المبتدأ ويسمى اسمهن حقيقة وفاعلهن مجازا وينصبن الخبر ويسمى خبرهن حقيقة ومفعولهن مجازا

(1/239)


ثم هن في ذلك على ثلاثة أقسام
ما يعمل هذا العمل بلا شرط وهي ثمانية كان وليس وما بينهما
وما يشترط أن يتقدم عليه نفي أو شبهه وهو النهي والدعاء وهي أربعة زال وبرح وفتيء وانفك نحو ( ولا يزالون مختلفين ) ( لن نبرح عليه عاكفين ) وتقول لا تزل ذاكر الله ولا برح ربعك مأنوسا ولا زال جنابك محروسا ويشترط في زال شرط آخر وهو أن يكون ماضي يزال فإن ماضي يزول فعل تام قاصر بمعنى الذهاب والانتقال نحو ( ان الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا ان أمسكهما من أحد من بعده ) وان الأولى في الآية شرطية والثانية نافية وماضي يزيل فعل تام متعد بمعنى ماز يميز يقال زال زيد ضأنه من معز فلان اي ميزه منه
وما يشترط ان يتقدم عليه ما المصدرية النائبه عن ظرف

(1/240)


الزمان وهو دام والى ذلك أشرت بالتمثيل بالآية الكريمة كقوله سبحانه وتعالى ( وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا ) أي مدة دوامي حيا فلو قلت دام زيد صحيحا كان قولك صحيحا حالا لا خبرا وكذلك عجبت من ما دام زيد صحيحا لأن ما هذه مصدرية لا ظرفية والمعني عجبت من دوامه صحيحا
ثم قلت ويجب حذف كان وحدها بعد أما في نحو أما أنت ذا نفر ويجوز حذفها مع اسمها بعد ان ولو الشرطيتين وحذف نون مضارعها المجزوم الا قبل ساكن أو مضمر متصل
وأقول هذه ثلاث مسائل مهمة تتعلق بكان بالنظر الى الحذف
أحدها حذفها وجوبا دون اسمها وخبرها وذلك مشترط بخمسة أمور أحدها أن تقع صلة لأن والثاني أن يدخل على أن حرف التعليل الثالث أن تتقدم العلة على المعلول الرابع أن يحذف الجار الخامس أن يؤتى بما كقولهم أما أنت منطلقا انطلقت وأصل هذا الكلام

(1/241)


انطلقت لأن كنت منطلقا أي انطلقت لأجل انطلاقك ثم دخل هذا الكلام تغيير من وجوه أحدها تقديم العلة وهي لأن كنت منطلقا على المعلول وهي انطلقت وفائدة ذلك الدلالة على الاختصاص والثاني حذف لام العلة وفائدة ذلك الاختصار والثالث حذف كان وفائدته أيضا الاختصار والرابع انفصال الضمير وذلك لازم عن حذف كان والخامس وجوب زيادة ما وذلك لإرادة التعويض والسادس إدغام النون في الميم وذلك لتقارب الحرفين مع سكون الأول وكونهما في كلمتين
ومن شواهد هذه المسألة قول العباس بن مرداس رضي الله عنه
( أبا خراشة أما أنت ذا نفر ... فإن قومي لم تأكلهم الضبع )

(1/242)


أبا منادى بتقدير يا أبا وخراشة بضم الخاء المعجمة وأما أنت ذا نفر أصله لأن كنت ذا نفر فعمل فيه ما ذكرناه والذي يتعلق به اللام محذوف أي لأن كنت ذا نفر افتخرت علي والمراد بالضبع السنة المجدبة
المسألة الثانية حذف كان مع اسمها وابقاء خبرها وذلك جائز لا واجب وشرطه أن يتقدمها ان أو لو الشرطيتان فالأول كقوله الناس مجزيون بأعمالهم إن خيرا فخير وإن شرا فشر فتقديره ان كان عملهم خيرا فجزاؤهم خير وان كان عملهم شرا فجزاؤهم شر وهذا أرجح الأوجه في مثل هذا التركيب وفيه وجوه أخر

(1/243)


والثاني كقوله التمس ولو خاتما من حديد أي ولو كان الذي تلتمسه خاتما من حديد
المسألة الثالثة حذف نون كان وذلك مشروط بأمور أحدها أن تكون بلفظ المضارع والثاني أن يكون المضارع مجزوما والثالث أن لا يقع بعد النون ساكن والرابع أن لا يقع بعده ضمير متصل وذلك نحو ( ولم يك من المشركين ) ( ولم أك بغيا ) ولا يجوز في قولك كان وكن لانتفاء المضارع ولا في نحو هو يكون ولن يكون لانتفاء الجزم ولا في نحو ( لم يكن اللذين كفروا ) لوجود الساكن ولا في نحو قوله ان يكنه فلن تسلط عليه وان لا يكنه فلا خير لك في قتله

(1/244)


لوجود الضمير
ثم قلت السادس اسم أفعال المقاربة وهي كاد وكرب وأوشك لدنو الخبر وعسى واخلولق وحرى لترجيه وطفق وعلق وأنشأ وأخذ وجعل وهب وهلهل للشروع فيه ويكون خبرها مضارعا
وأقول السادس من المرفوعات اسم الأفعال المذكورة
وهي تنقسم باعتبار معانيها الى ثلاثة أقسام
ما يدل على مقاربة المسمى باسمها للخبر وهي ثلاثة كاد وكرب وأوشك
وما يدل على ترجي المتكلم للخبر وهي ثلاثة أيضا عسى وحرى واخلولق
وما يدل على شروع المسمى باسمها في خبرها وهي كثيرة ذكرت

(1/245)


منها هنا سبعة فكملت أفعال هذا الباب ثلاثة عشر كما أن الأفعال في باب كان كذلك
فهذه الثلاثة عشر تعمل عمل كان فترفع المبتدأ وتنصب الخبر الا أن خبرها لا يكون الا فعلا مضارعا ثم منه ما يقترن بأن ومنه ما يتجرد عنها كما يأتي تفصيله إن شاء الله تعالى في باب المنصوبات ولو لا اختصاص خبرها بأحكام ليست لكان وأخواتها لم تنفرد بباب على

(1/246)


حدة قال الله سبحانه ( يكاد زيتها يضيء ) ( عسى ربكم أن يرحمكم ) وقال الشاعر
( وقد جعلت اذا ما قمت يثقلني ... ثوبي فأنهض نهض الشارب السكر )
( وكنت أمشي على رجلين معتدلا ... فصرت أمشي على أخرى من الشجر )

(1/247)


وقال الآخر ( هببت ألوم القلب في طاعة الهوى ... )

(1/248)


وقال الآخر ( وطئنا ديار المعتدين فهلهلت ... نفوسهم قبل الإماتة تزهق )

(1/249)


وهذان الفعلان أغرب أفعال الشروع وطفق أشهرها وهي التي وقعت التنزيل وذلك في موضعين أحدهما ( وطفقا يخصفان ) أي شرعا يخيطان ورقة على أخرى كما تخصف النعال ليستترا بها وقرأ أبو السمال العدوي ( وطفقا ) بالفتح وهي لغة حكاها الأخفش وفيها ثالثة طبق بباء مكسورة مكان الفاء والثاني ( فطفق مسحا ) أي شرع يمسح بالسيف سوقها وأعناقها مسحا أي يقطعها قطعا

(1/250)


ثم قلت السابع اسم ما حمل على ليس وهي أربعة لات في لغة الجمع ولا تعمل إلا في الحين بكثرة أو الساعة أو الأوان بقلة ولا يجمع بين جزءيها والأكثر كون المحذوف اسمها نحو ( ولات حين مناص ) وما ولا النافيتان في لغة الحجاز وإن النافية في لغة أهل العالية وشرط إعمالهن نفي الخبر وتأخيره وأن لا يليهن معموله وليس ظرفا ولا مجرورا وتنكير معمولي لا وأن لا يقترن اسم ما بإن الزائدة نحو ( ما هذا بشرا ) و ( ولا وزر مما قضى الله واقيا ... )
وإن ذلك نافعك ولا ضارك
وأقول السابع من المرفوعات اسم ما حمل في رفع الاسم ونصب الخبر على ليس وهي أحرف أربعة نافية وهي ما ولا و لات و إن
فأما ما فإنها تعمل هذا العمل بأربعة شروط أحدها أن يكون اسمها مقدما وخبرها مؤخرا والثاني أن لا يقترن الاسم بإن الزائدة والثالث أن لا يقترن الخبر بإلا والرابع ألا يليها معمول الخبر وليس ظرفا ولا جارا ومجرورا

(1/251)


فإذا استوفت هذه الشروط الأربعة عملت هذا العمل سواء أكان اسمها وخبرها نكرتين أو معرفتين أو كان الاسم معرفة والخبر نكرة فالمعرفتان كقوله تعالى ( ما هن أمهاتهم ) والنكرتان كقوله تعالى ( فما منكم من أحد عنه حاجزين ) ف ( أحد ) اسمها ( وحاجزين ) خبرها و ( منكم ) متعلق بمحذوف تقديره أعنى ويحتمل أن أحدا فاعل ( منكم ) لاعتماده على النفي و ( حاجزين ) نعت له على لفظه
فإن قلت كيف يوصف الواحد بالجمع وكيف يخبر به عنه
قلت جوابهما أنه اسم عام ولهذا جاء ( لا نفرق بين أحد من رسله ) والمختلفان كقوله تعالى ( ما هذا بشرا ) ولم يقع في القرآن إعمال ما صريحا في غير هذه المواضع الثلاثة على الاحتمال المذكور في الثاني وإعمالها لغة أهل الحجاز ولا يجيزونه في نحو قوله
( بني غدانة ما إن أنتم ذهب ... ولا صريف ولكن أنتم الخزف )

(1/252)


لاقتران الاسم بإن ولا في نحو قوله سبحانه ( وما محمد إلا رسول ) ( وما أمرنا إلا واحدة ) لاقتران الخبر بإلا ولا في نحو قولهم في المثل ما مسيء من أعتب لتقدم خبرها ولا في نحو قوله

(1/253)


( وقالوا تعرفها المنازل من منى ... وما كل من وافى منى أنا عارف )

(1/254)


لتقدم معمول خبرها وليس بظرف ولا جار ومجرور
ولا يعملها بنو تميم ولو استوفت الشروط الأربعة بل يقولون ما زيد قائم وقرئ على لغتهم ( ما هذا بشر ) و ( ما هن أمهاتهم ) بالرفع وقريء أيضا بأمهاتهم بالجر بباء زائدة وتحتمل الحجازية والتميمية خلافا لأبي علي والزمخشري زعما أن الباء تختص بلغة النصب
وأما لا فإنها تعمل بالشروط المذكورة لما إلا شرط انتفاء اقتران إن بالاسم فلا حاجة له لأن إن لا تزاد بعد لا ويضاف الى الشروط الثلاثة الباقية أن يكون اسمها وخبرها نكرتين كقوله

(1/255)


( تعز فلا شيء على الأرض باقيا ... ولا وزر مما قضى الله واقيا )
وربما عملت في اسم معرفة كقوله ( أنكرتها بعد أعوام مضين لها ... لا الدار دارا و لا الجيران جيرانا )

(1/256)


وعلى ذلك قول المتنبي ( إذا الجود لم يرزق خلاصا من الأذى ... فلا الحمد مكسوبا ولا المال باقيا )

(1/257)


وإعمال لا العمل المذكور لغة أهل الحجاز أيضا وأما بنو تميم فيهملونها ويوجبون تكريرها
وأما إن فتعمل بالشروط المذكورة إلا أن اقتران اسمها بإن ممتنع فلا حاجة لاشتراط انتفائه وتعمل في اسم معرفة وخبر نكرة قرأ سعيد بن جبير رحمه الله ( إن الذين تدعون من دون الله عبادا أمثالكم ) بتخفيف إن وكسرها لالتقاء الساكنين ونصب عبادا على الخبرية وأمثالكم على أنه صفة لعبادا وفي نكرتين سمع

(1/258)


إن أحد خيرا من أحد إلا بالعافية وفي معرفتين سمع إن ذلك نافعك ولا ضارك
وإعمال إن هذه لغة أهل العالية
وأما لات فإنها تعمل هذا العمل أيضا ولكنها تختص عن أخواتها بأمرين
أحدهما أنها لا تعمل إلا في ثلاث كلمات وهي الحين بكثرة والساعة والأوان بقلة
والثاني أن اسمها وخبرها لا يجتمعان والغالب أن يكون المحذوف اسمها والمذكور خبرها وقد يعكس

(1/259)


فالأول كقوله تعالى ( كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص )
ومن إعمالها في الساعة قول الشاعر
( ندم البغاة ولات ساعة مندم ... والبغي مرتع مبتغيه وخيم )

(1/260)


وفي الأوان قوله ( طلبوا صلحنا ولات أوان ... فأجبنا أن ليس حين بقاء )
وأصله ليس الحين أوان صلح أو ليس الأوان أوان صلح فحذف اسمها على القاعدة وحذف ما أضيف إليه خبرها وقدر ثبوته فبناه كما يبني

(1/261)


قبل وبعد إلا أن أوانا شبيه بنزال فبناه على الكسر ونونه للضرورة
ثم قلت الثامن خبر إن وأخواتها أن ولكن وكأن وليت ولعل نحو ( إن الساعة آتية ) ولا يجوز تقدمه مطلقا ولا توسطه إلا ان كان ظرفا أو مجرورا نحو ( إن في ذلك لعبرة ) ( إن لدينا أنكالا )
وأقول الثامن من المرفوعات خبر إن وأخواتها الخمسة فإنهن يدخلن على المبتدأ والخبر فينصبن المبتدأ كما سيأتي في باب المنصوبات ويسمى اسمها ويرفعن خبره كما نذكره الآن ويسمى خبرها نحو ( إن الساعة آتية ) ( اعلموا أن الله شديد العقاب ) ( كأنهم خشب مسندة ) ( لعل الساعة قريب )
ولا تتقدم أخبارهن عليهن مطلقا وقد أشار الى ذلك الشيخ شرف الدين ابن عنين حيث قال

(1/262)


( كأني من أخبار إن ولم يجز ... له أحد في النحو أن يتقدما )
( عسى حرف جر من نداك يجرني ... إليك فإني من وصالك معدما )

(1/263)


ولا على أسمائهن فإن الحروف محمولة في الإعمال على الأفعال فلكونها فرعا في العمل لا يليق التوسع في معمولاتها بالتقديم والتأخير اللهم إلا ان كان الخبر ظرفا أو جارا ومجرورا فيجوز توسطه بينها وبين أسمائها كقوله تعالى ( إن لدينا أنكالا ) ( إن في ذلك لعبرة لمن يخشى ) وفي الحديث إن في الصلاة لشغلا وإن من الشعر لحكما ويروى لحكمة فأما تقديمه عليهما فلا سبيل الى جوازه لا تقول في الدار ان زيدا
ثم قلت وتكسر ان في الابتداء وفي أول الصلة والصفة

(1/264)


والجملة الحالية والمضاف اليها ما يختص بالجمل والمحكية بالقول وجواب القسم والمخبر بها عن اسم عين وقبل اللام المعلقة وتكسر أو تفتح بعد إذا الفجائية والفاء الجزائية وفي نحو أول قولي أني أحمد الله وتفتح في الباقي
وأقول لإن ثلاث حالات وجوب الكسر ووجوب الفتح وجواز الأمرين
فيجب الكسر في تسع مسائل
إحداها في ابتداء الكلام نحو ( إنا أعطيناك الكوثر ) ( إنا أنزلناه في ليلة القدر )
الثانية أن تقع في أول الصلة كقوله تعالى ( وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء ) ( ما مفعول ثان لآتيناه وهي موصول بمعنى الذي ( وإن ) وما بعدها صلة واحترزت بقولي أول الصلة من نحو جاء الذي عندي أنه فاضل فإن واجبة الفتح وإن كانت في الصلة لكنها ليست في أولها
الثالثة أن تقع في أول الصفة ك مررت برجل انه فاضل ولو

(1/265)


قلت مررت برجل عندي أنه فاضل لم تكسر لأنها ليست في ابتداء الصفة
الرابعة أن تقع في أول الجملة الحالية كقوله تعالى ( كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون ) واحترزت بقيد الأولية من نحو أقبل زيد وعندي أنه ظافر
الخامسة أن تقع في أول الجملة المضاف إليها ما يختص بالجمل وهو إذ وإذا وحيث نحو جلست حيث ان زيدا جالس وقد أولع الفقهاء وغيرهم بفتح إن بعد حيث وهو لحن فاحش فإنها لا تضاف إلا إلى الجملة وأن المفتوحة ومعمولاها في تأويل المفرد واحترزت بقيد الأولية من نحو جلست حيث اعتقاد زيد أنه مكان حسن
ولم أر أحدا من النحويين اشترط الأولية في مسألتي الحال وحيث ولا بد من ذلك

(1/266)


السادسة أن تقع قبل اللام المعلقة نحو ( والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ) فاللام من ( لرسوله ) ومن ( لكاذبون ) معلقان لفعلي العلم والشهادة أي مانعان لهما من التسلط على لفظ ما بعدهما فصار لما بعدهما حكم الابتداء فلذلك وجب الكسر ولولا اللام لوجب الفتح كما قال الله تعالى ( واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ) و ( شهد الله أنه لا إله إلا هو )
السابعة أن تقع محكية بالقول نحو ( قال إني عبد الله ) ( ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم ) ( قل إن ربي يقذف بالحق )
الثامنة أن تقع جوابا للقسم كقوله تعالى ( حم والكتاب المبين إنا أنزلناه )
التاسعة أن تقع خبرا عن اسم عين نحو زيد إنه فاضل وقوله تعالى ( ان الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة )

(1/267)


وقد أتيت في شرح هذا الموضع بما لم أسبق إليه فتأملوه
ويجب الفتح في ثمان مسائل
إحداها أن تقع فاعلة نحو ( أو لم يكفهم أنا أنزلنا ) أي إنزالنا
الثانية أن تقع نائبة عن الفاعل نحو ( وأوحي الى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ) ( قل أوحي الي أنه استمع نفر من الجن )
الثالثة أن تقع مفعولا لغير القول نحو ( و لا تخافون أنكم أشركتم بالله )
الرابعة أن تقع في موضع رفع بالابتداء نحو ( ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة )
الخامسة أن تقع في موضع خبر عن اسم معنى نحو اعتقادي أنك فاضل

(1/268)


السادسة أن تقع مجرورة بالحرف نحو ( ذلك بأن الله هو الحق )
السابعة أن تقع مجرورة بالإضافة نحو ( إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون )
الثامنة أن تقع تابعة لشيء مما ذكرنا نحو ( اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين ) ونحو ( واذ يعدكم الله احدى الطائفتين انها لكم ) فإنها في الأولى معطوفة على المفعول وهو نعمتي وفي الثانية بدل منه وهو احدى
ويجوز الوجهان في ثلاث مسائل في الأشهر
احداها بعد اذا الفجائية كقولك خرجت فإذا ان زيدا بالباب قال الشاعر ( وكنت أرى زيدا كما قيل سيدا ... اذا انه عبد القفا واللهازم )

(1/269)


يروى بفتح ان وبكسرها
الثانية بعد الفاء الجزائية كقوله تعالى ( من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم ) قريء بكسر ان وفتحها
الثالثة في نحو اول قولي اني احمد الله وضابط ذلك ان تقع خبرا عن قول وخبرها قول كأحمد ونحوه وفاعل القولين واحد فما

(1/270)


استوفى هذا الضابط كالمثال المذكور جاز فيه الفتح على معنى أول قولي حمد الله والكسر على جعل أول قولي مبتدأ واني أحمد الله جملة أخبر بها عن هذا المبتدأ وهي مستغنية عن عائد يعود على المبتدأ لأنها نفس المبتدأ في المعنى فكأنه قيل أول قولي هذا الكلام المفتتح بإني ونظير ذلك قوله سبحانه ( دعواهم فيها سبحانك اللهم ) وقول النبي أفضل ما قلته أنا و النبيون من قبلي لا اله الا الله
ثم قلت التاسع خبر لا التي لنفي الجنس نحو لا رجل أفضل من زيد ويجب تنكيره كالاسم وتأخيره ولو ظرفا ويكثر حذفه ان علم وتميم لا تذكره حينئذ
وأقول التاسع من المرفوعات خبر لا التي لنفي الجنس
اعلم ان لا على ثلاثة أقسام
احدها أن تكون ناهية فتختص بالمضارع وتجزمه نحو ( ولا

(1/271)


تمش في الأرض مرحا ) ( فلا يسرف في القتل ) ( لا تحزن ان الله معنا ) وتستعار للدعاء فتجزم أيضا نحو ( لا تؤاخذنا )
الثاني أن تكون زائدة دخولها في الكلام كخروجها فلا تعمل شيئا نحو ( ما منعك أن لا تسجد ) أي أن تسجد بدليل أنه قد جاء في مكان آخر بغير لا وقوله تعال ( لئلا يعلم أهل الكتاب أن لا يقدرون على شيء من فضل الله ) وقوله تعالى ( وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون )
الثالث أن تكون نافية وهي نوعان داخلة على معرفة فيجب اهمالها وتكرارها نحو لا زيد في الدار ولا عمرو وداخلة على نكرة وهي ضربان عاملة عمل ليس فترفع الاسم وتنصب الخبر كما تقدم وهو قليل وعاملة عمل ان فتنصب الاسم وترفع الخبر والكلام الآن فيها وهي التي أريد بها نفي الجنس على سبيل التنصيص لا على سبيل الاحتمال

(1/272)


وشرط إعمالها هذا العمل أمران أحدهما أن يكون اسمها وخبرها نكرتين كما بينا والثاني أن يكون الاسم مقدما والخبر مؤخرا وذلك كقولك لا صاحب علم ممقوت ولا طالعا جبلا حاضر
فلو دخلت على معرفة أو على خبر مقدم وجب إعمالها وتكرارها
فالأول كما تقدم من قولك لا زيد في الدار ولا عمرو وأما قول بعض العرب لا بصرة لكم وقول عمر قضية ولا أبا حسن لها يريد علي بن أبي طالب رضي الله عنهما وقول أبي سفيان يوم فتح مكة لا قريش بعد اليوم وقول الشاعر ( أرى الحاجات عند أبي خبيب ... نكدن ولا أمية في البلاد )

(1/273)


فمؤول بتقدير مثل أي ولا مثل أبي حسن ولا مثل البصرة ولا مثل قريش ولا مثل أمية
والثاني كقول الله سبحانه وتعالى ( لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون )
ويكثر حذف الخبر اذا علم كقول الله سبحانه وتعالى ( ولو ترى اذ فزعوا فلا فوت ) أي فلا فوت لهم وقوله تعالى ( لا ضير ) أي لا ضير علينا وبنو تميم يوجبون حذفه إذا كان معلوما وأما إذا جهل فلا يجوز حذفه عند أحد فضلا عن أن يجب وذلك نحو لا أحد أغير من الله عز وجل
ثم قلت العاشر المضارع اذا تجرد من ناصب وجازم

(1/274)


وأقول العاشر من المرفوعات وهو خاتمتها الفعل المضارع اذا تجرد من ناصب وجازم كقولك يقوم زيد ويقعد عمرو
فأما قول أبي طالب يخاطب النبي ( محمد تفد نفسك كل نفس ... اذا ما خفت من شيء تبالا )

(1/275)


فهو مقرون بجازم مقدر وهو لام الدعاء وقوله تبالا أصله وبالا فأبدل الواو تاء كما قالوا في وراث ووتجاه تراث وتجاه
وأما قول امرئ القيس
( فاليوم أشرب غير مستحقب ... اثما من الله ولا واغل )

(1/276)


فليس قوله أشرب مجزوما وانما هو مرفوع ولكن حذفت الضمة للضرورة أو على تنزيل ربغ بالضم من قوله أشرب غير منزلة عضد بالضم فإنهم قد يجرون المنفصل مجرى المتصل فكما يقال في عضد بالضم عضد بالسكون كذلك قيل في ربغ بالضم ربغ بالإسكان باب المنصوبات
ولما أنهيت القول في المرفوعات شرعت في المنصوبات فقلت

(1/277)


باب المنصوبات خمسة عشر أحدها المفعول به وهو ما وقع عليه فعل الفاعل ك ضربت زيدا
وأقول المراد بالوقوع التعلق المعنوي لا المباشرة أعني تعلقه بما لا يعقل الا به ولذلك لم يكن الا للفعل المتعدي ولولا هذا التفسير لخرج منه نحو أردت السفر لعدم المباشرة وخرج بقولنا ما وقع عليه المفعول المطلق فإنه نفس الفعل الواقع والظرف فإن الفعل يقع فيه والمفعول له فإن الفعل يقع لأجله والمفعول معه فإن الفعل يقع معه لا عليه
ثم قلت ومنه ما أضمر عامله جوازا نحو ( قالوا خيرا ) ووجوبا في مواضع منها باب الاشتغال نحو ( وكل أنسان ألزمناه )
وأقول الذي ينصب المفعول به واحد من أربعة الفعل المتعدى

(1/278)


ووصفه ومصدره واسم فعله فالفعل المعتدى نحو ( وورث سليمان داود ) ووصفه نحو ( ان الله بالغ أمره ) ومصدره نحو ( ولولا دفع الله الناس ) واسم فعله نحو ( عليكم أنفسكم )
وكونه مذكورا هو الأصل كما في هذه الأمثلة وقد يضمر جوازا اذا دل عليه دليل مقالي أو حالي فالأول نحو ( قالوا خيرا ) أي أنزل ربنا خيرا بدليل ( ماذا أنزل ربكم ) والثاني نحو قولك لمن تأهب لسفر مكة بإضمار تريد ولمن سدد سهما القرطاس بإضمار تصيب
وقد يضمر وجوبا في مواضع منها باب الاشتغال وحقيقته أن يتقدم اسم ويتأخر عنه فعل أو وصف صالح للعمل فيما قبله مشتغل عن العمل فيه بالعمل في ضميره أو ملابسه
فمثال اشتغال الفعل بضمير السابق زيدا ضربته وقوله تعالى

(1/279)


( وكل انسان ألزمناه )
ومثال اشتغال الوصف زيدا أنا ضاربه الآن أو غدا
ومثال اشتغال العامل بملابس ضمير السابق زيدا ضربت غلامه وزيدا أنا ضارب غلامه الآن أو غدا
فالنصب في ذلك وما أشبهه بعامل مضمر وجوبا تقديره ضربت زيدا ضربته وألزمنا كل انسان ألزمناه
وانما كان الحذف هنا واجبا لأن العامل المؤخر مفسر له فلم يجمع بينهما
هذا رأي الجمهور وزعم الكسائي أن نصب المتقدم بالعامل المؤخر على الغاء العائد وقال الفراء الفعل عامل في الظاهر المتقدم وفي الضمير المتأخر
ورد على الفراء بأن الفعل الذي يتعدى لواحد يصير متعديا لاثنين وعلى الكسائي بأن الشاغل قد يكون غير ضمير السابق ك ضربت غلامه فلا يستقيم إلغاؤه

(1/280)


ثم قلت ومنه المنادى وإنما يظهر نصبه اذا كان مضافا أو شبهه أو نكرة مجهولة نحو يا عبد الله ويا طالعا جبلا وقول الأعمى يا رجلا خذ بيدي
وأقول المنادى نوع من أنواع المفعول به وله أحكام تخصه فلهذا أفردته بالذكر وبيان كونه مفعولا به أن قولك يا عبد الله أصله يا أدعو عبد الله ف يا حرف تنبيه وأدعو فعل مضارع قصد به الإنشاء لا الإخبار وفاعله مستتر وعبد الله مفعول به ومضاف اليه ولما علموا أن الضرورة داعية الى استعمال النداء كثيرا أوجبوا فيه حذف الفعل اكتفاء بأمرين أحدهما دلالة قرينة الحال والثاني الاستغناء بما جعلوه كالنائب عنه والقائم مقامه وهو يا وأخواتها
وقد تبين بهذا أن حق المناديات كلها أن تكون منصوبة لأنها مفعولات ولكن النصب انما يظهر اذا لم يكن المنادى مبنيا وانما يكون مبنيا اذا أشبه الضمير بكونه مفردا معرفة فإنه حينئذ يبنى على الضمة أو نائبها نحو يا زيد ويا زيدان ويا زيدون وأما المضاف
والشبيه بالمضاف والنكرة غير المقصودة فإنهن يستوجبن ظهور النصب وقد مضى ذلك كله مشروحا ممثلا في باب البناء فمن أحب الوقع عليه فليرجع اليه

(1/281)


ثم قلت والمنصوب بأخص بعد ضمير متكلم ويكون بأل نحو نحن العرب أقرى الناس للضيف ومضافا نحو نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة وايا فيلزمها في النداء نحو أنا أفعل كذا أيها الرجل وعلما قليلا فنحو بك الله نرجو الفضل شاذ من وجهين
والمنصوب بالزم أو باتق ان تكرر أو عطف عليه أو كان اياك نحو السلاح السلاح والأخ الأخ ونحو السيف والرمح ونحو الأسد الأسد أو نفسك نفسك ونحو ( ناقة الله وسقياها ) واياك من الأسد
والمحذوف عامله والواقع في مثل أو شبهه نحو الكلاب على البقر وانته خيرا لك
وأقول من المفعولات التي التزم معها حذف العامل المنصوب على الاختصاص وهو كلام على خلاف مقتضى الظاهر لأنه خبر بلفظ النداء
وحقيقته أنه اسم ظاهر معرفة قصد تخصيصه بحكم ضمير قبله
والغالب على ذلك الضمير كونه لمتكلم نحو أنا ونحن ويقل كونه لمخاطب ويمتنع كونه لغائب

(1/282)


والباعث على هذا الاختصاص فخر او تواضع أو بيان
فالأول كقول بعض الأنصار
( لنا معشر الأنصار مجد مؤثل ... بإرضائنا خير البرية أحمدا )
المؤثل الذي له أصل
ومثال الثاني قوله
( جد بعفو فإنني أيها العبد ... الى العفو يا الهى فقير )

(1/283)


ومثال الثالث
( انا بني نهشل لا ندعي لأب ... )

(1/284)


وتعريفه بأل نحو نحن العرب أقرى الناس للضيف التقدير نحن أخص العرب وتعريفه بالاضافة كقوله
( نحن بني ضبة أصحاب الجمل ... ننعى ابن عفان بأطراف الأسل )

(1/285)


الأسل الرماح

(1/286)


ومن تعريفه بالإضافة قوله إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة ونحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة
ويكون المنصوب على الاختصاص بلفظ أي فنلزمها في هذا الباب ما يلزمها في النداء من التزام البناء على الضمة وتأنيثها مع المؤنث والتزام افرادها فلا تثنى ولا تجمع باتفاق ومفارقتها للاضافة لفظا وتقديرا ولزوم ها التنبيه بعدها ومن وصفها باسم معرف بأل لازم

(1/287)


الرفع مثال ذلك أنا أفعل كذا أيها الرجل واللهم اغفر لنا أيتها العصابة المعنى أنا أفعل كذا مخصوصا من بين الرجال واللهم اغفر لنا مختصين من بين العصائب
ويقل تعريفه بالعلمية ففي بك الله نرجو الفضل شذوذان كونه بعد ضمير مخاطب وكونه علما
ومن المحذوف عامله المنصوب بالزم ويسمى اغراء
والاغراء تنبيه المخاطب على أمر محمود ليلزمه نحو
( أخاك أخاك إن من لا أخاله ... كساع الى الهيجا بغير سلاح )

(1/288)


وانما يلزم حذف عامله اذا تكرر كما سبق في البيت أو عطف عليه نحو المروءة والنجدة فإن فقد التكرار والعطف جاز ذكر العامل وحذفه نحو الصلاة جامعة ف الصلاة منصوب باحضروا مقدرا وجامعة منصوب على الحال
ويمكن أن يكون من هذا النوع قول الشاعر
( أخاك الذي إن تدعه لملمة ... يجبك كما تبغى ويكفك من يبغى )
( وان تجفه يوما فليس مكافئا ... فيطمع ذو التزوير والوشي أن يصغى )

(1/289)


على تقدير الزم أخاك الذي من صفته كذا ويحتمل أن يكون مبتدأ والموصول خبره وجاء على لغة من يستعمل الأخ بالألف في كل حال وتسمى لغة القصر كقولهم مكره أخاك لا بطل

(1/291)


ثم قلت الثاني المفعول المطلق وهو المصدر الفضلة المؤكد لعامله أو المبين لنوعه أو لعدده ك ضربت ضربا أو ضرب الأمير أو ضربتين وما بمعنى المصدر مثله نحو ( فلا تميلوا كل الميل ) ( ولا تضروه شيئا ) ( فاجلدوهم ثمانين جلدة )
وأقول الثاني من المنصوبات المفعول المطلق
وسمي مطلقا لأنه يقع عليه اسم المفعول بلا قيد تقول ضربت ضربا فالضرب مفعول لأنه نفس الشيء الذي فعلته بخلاف قولك ضربت زيدا فإن زيدا ليس الشيء الذي فعلته ولكنك فعلت به فعلا وهو الضرب فلذلك سمي مفعولا به وكذلك سائر المفاعيل ولهذه العلة قدم الزمخشري وابن الحاجب في الذكر المفعول المطلق على غيره لأنه المفعول حقيقة
وحده ما ذكرت في المقدمة وقد تبين منه أن هذا المفعول يفيد ثلاثة أمور

(1/292)


أحدها التوكيد كقولك ضربت ضربا وقول الله تعالى ( وكلم الله موسى تكليما ) ( ويسلموا تسليما ) ( صلوا عليه وسلموا تسليما )
الثاني بيان النوع كقوله تعالى ( فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر ) وكقولك جلست جلوس القاضي وجلست جلوسا حسنا ورجع القهقرى
الثالث بيان العدد كقولك ضربت ضربتين أو ضربات وقول الله تعالى ( فدكتا دكة واحدة )
وقولي الفضلة احتراز من نحو قولك ركوع زيد ركوع حسن أو طويل فإنه يفيد بيان النوع ولكنه ليس بفضلة
وقولي المؤكد لعامله مخرج لنحو قولك كرهت الفجور الفجور

(1/293)


فان الثاني مصدر فضلة مفيد للتوكيد ولكن المؤكد ليس العامل في المؤكد

(1/294)


ثم قلت الثالث المفعول له وهو المصدر الفضلة المعلل لحدث شاركه في الزمان والفاعل ك قمت اجلالا لك ويجوز فيه أن يجر بحرف التعليل ويجب في معلل فقد شرطا أن يجر باللام أو نائبها
وأقول الثالث من المنصوبات المفعول له ويسمى المفعول لأجله والمفعول من أجله
وهو ما اجتمع فيه أربعة أمور أحدها أن يكون مصدرا والثاني أن يكون مذكورا للتعليل والثالث أن يكون المعلل به حدثا مشاركا له في الزمان والرابع أن يكون مشاركا له في الفاعل
مثال ذلك قوله تعالى ( يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت ) فالحذر مصدر مستوف لما ذكرنا فلذلك انتصب على المفعول له والمعنى لأجل حذر الموت
ومتى دلت الكلمة على التعليل وفقد منها شرط من الشروط الباقية

(1/295)


فليست مفعولا له ويجب حينئذ أن تجر بحرف التعليل
فمثال ما فقد المصدرية قولك جئتك للماء وللعشب وقوله تعالى ( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ) وقول امرئ القيس
( ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليل من المال )

(1/296)


ومثال ما فقد الاتحاد في الزمان قولك جئتك اليوم للسفر غدا وقول امرئ القيس أيضا
( فجئت وقد نضت لنوم ثيابها ... لدى الستر إلا لبسة المتفضل )

(1/297)


فإن زمن النوم متأخر عن زمن خلع الثوب
ومثال ما فقد الاتحاد في الفاعل قولك قمت لأمرك اياي وقول الشاعر
110 - ( وإني لتعروني لذكراك هزة ... كما انتفض العصفور بلله القطر )

(1/298)


فإن فاعل تعروني هو الهزة وفاعل الذكرى هو المتكلم لأن التقدير لذكرى اياك
ثم قلت الرابع المفعول فيه وهو ما ذكر فضلة لأجل أمر وقع فيه من زمان مطلقا أو مكان مبهم أو مفيد مقدارا أو مادته مادة

(1/299)


عامله ك صمت يوما أو يوم الخميس وجلست أمامك وسرت فرسخا وجلست مجلسك والمكاني غيرهن يجر بفي ك صليت في المسجد ونحو قالا خيمتي أم معبد وقولهم دخلت الدار على التوسع
وأقول الرابع من المنصوبات الخمسة عشر المفعول فيه ويسمى الظرف وهو عبارة عما ذكرت
والحاصل أن الاسم قد لا يكون ذكر لأجل أمر وقع فيه ولا هو زمان ولا مكان وذلك كزيدا في ضربت زيدا وقد يكون إنما ذكر لأجل أمر وقع فيه ولكنه ليس بزمان ولا مكان نحو رغب المتقون أن يفعلوا خيرا فإن المعنى في أن يفعلوا وعليه في أحد التفسيرين قوله تعالى ( وترغبون أن تنكحوهن ) وقد يكون العكس نحو ( إنا نخاف من ربنا يوما ) ونحو ( لينذر يوم التلاق ) ( وأنذرهم يوم الآزفة ) ونحو ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) فهذه

(1/300)


الأنواع لا تسمى ظرفا في الاصطلاح بل كل منها مفعول به وقع الفعل عليه لا فيه يظهر ذلك بأدنى تأمل للمعنى وقد يكون مذكورا لأجل أمر وقع فيه وهو زمان أو مكان فهو حينئذ منصوب على معنى في وهذا النوع خاصة هو المسمى في الاصطلاح ظرفا وذلك كقولك صمت يوما أو يوم الخميس وجلست أمامك
وأشرت بالتمثيل بيوما ويوم الخميس الى أن ظرف الزمان يجوز أن يكون مبهما وأن يكون مختصا وفي التنزيل ( سيروا فيها ليالي وأياما ) ( النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ) ( وسبحوه بكرة وأصيلا )
وأما ظرف المكان فعلى ثلاثة أقسام أحدها أن يكون مبهما ونعني به ما لا يختص بمكان بعينه وهو نوعان أحدهما أسماء الجهات الست وهي فوق وتحت ويمين وشمال وأمام وخلف قال الله تعالى ( وفوق كل ذي علم عليم ) ( فناداها من تحتها ) في قراءة من فتح ( من ) ( وكان وراءهم ملك )

(1/301)


وقريء ( وكان أمامهم ملك ) ( وترى الشمس اذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين واذا غربت تقرضهم ذات الشمال )
وقال الشاعر
( صددت الكأس عنا أم عمرو ... وكان الكأس مجراها اليمينا )

(1/302)


يجوز كون مجراها مبتدأ واليمين ظرف مخبر به أي مجراها في اليمين والجملة خبر كان ويجوز كون مجراها بدلا من الكأس بدل اشتمال فاليمين أيضا ظرف لأن المعتمد في الإخبار عنه انما هو البدل لا الاسم ويجوز في وجه ضعيف تقدير اليمين خبر كان لا ظرفا وذلك على اعتبار المبدل منه دون البدل وقال الآخر
( لقد علم الضيف والمرملون ... اذا اغبر أفق وهبت شمالا )

(1/303)


النوع الثاني ما ليس اسم جهة ولكن يشبهه في الإبهام كقوله تعالى ( أو اطرحوه أرضا ) ( واذا ألقوا منها مكانا ضيقا )
والقسم الثاني أن يكون دالا على مساحة معلومة من الأرض ك سرت فرسخا وميلا وبريدا وأكثرهم يجعل هذا من المبهم وحقيقة القول فيه أن فيه ابهاما واختصاصا أما الإبهام فمن جهة انه لا يختص ببقعة بعينها وأما الاختصاص فمن جهة دلالته على كمية معينة فعلى هذا يصح فيه القولان
والقسم الثالث اسم المكان المشتق من المصدر ولكن شرط هذا ان يكون عامله من مادته ك جلست مجلس زيد وذهبت مذهب عمرو ( وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع ) ولا يجوز جلست مذهب عمرو ونحوه

(1/304)


وما عدا هذه الأنواع الثلاثة من أسماء المكان لا يجوز انتصابه على الظرف فلا تقول صليت المسجد ولا قمت السوق ولا جلست الطريق لأن هذه الأمكنة خاصة ألا ترى أنه ليس كل مكان يسمى مسجدا ولا سوقا ولا طريقا وإنما حكمك في هذه الأماكن ونحوها أن تصرح بحرف الظرفية وهو في وقال الشاعر وهو رجل من الجن سمعوا بمكة صوته ولم يروا شخصه يذكر النبي وأبا بكر رضي الله عنه حين هاجر
( جزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين قالا خيمتي أم معبد )
( هما نزلا بالبر ثم ترحلا ... فأفلح من أمسى رفيق محمد )
( فيا لقصي ما روى الله عنكم ... به من فعال لا تجازى وسؤدد )

(1/305)


وكان حقه أن يقول قالا في خيمتي أم معبد أي قيلا فيها ويروى حلا بدل قالا والتقدير أيضا حلا في خيمتي ولكنه اضطر فأسقط في وأوصل الفعل بنفسه وكذا عملوا في قولهم دخلت الدار والمسجد ونحو ذلك إلا أن التوسع مع دخلت مطرد لكثرة استعمالهم إياه

(1/307)


ثم قلت الخامس المفعول معه وهو الاسم الفضلة التالي واو المصاحبة مسبوقة بفعل أو ما فيه معناه و حروفه ك سرت والنيل و أنا سائر والنيل
وأقول الخامس من المنصوبات المفعول معه
وانما جعل آخرها في الذكر لأمرين أحدهما أنهم اختلفوا فيه هل هو قياسي أو سماعي وغيره من المفاعيل لا يختلفون في أنه قياسي والثاني أن العامل انما يصل إليه بواسطة حرف ملفوظ به وهو الواو بخلاف سائر المفعولات
وهو عبارة عما اجتمع فيه ثلاثة أمور أحدها أن يكون اسما والثاني أن يكون واقعا بعد الواو الدالة على المصاحبة والثالث أن تكون تلك الواو مسبوقة بفعل أو ما فيه معنى الفعل وحروفه
وذلك كقولك سرت والنيل واستوى الماء والخشبة وجاء البرد والطيالسة وكقول الله تعالى ( فأجمعوا أمركم وشركاءكم ) أي

(1/308)


فأجمعوا أمركم مع شركائكم ف ( شركاءكم ) مفعول معه لاستيفائه الشروط الثلاثة ولا يجوز على ظاهر اللفظ أن يكون معطوفا على ( أمركم ) لأنه حينئذ شريك له في معناه فيكون التقدير أجمعوا أمركم وأجمعوا شركاءكم وذلك لا يجوز لأن أجمع انما يتعلق بالمعاني دون الذوات تقول أجمعت رأيي ولا تقول أجمعت شركائي وانما قلت على ظاهر اللفظ لأنه يجوز أن يكون معطوفا على حذف مضاف أي وأمر شركائكم ويجوز أن يكون مفعولا لفعل ثلاثي محذوف أي واجمعوا شركاءكم بوصل الألف ومن قرأ ( فاجمعوا ) وصل الألف صح العطف على قراءته من غير اضمار لأنه من جمع وهو مشترك بين المعاني والذوات تقول جمعت أمري وجمعت شركائي قال الله تعالى ( فجمع كيده ثم أتى ) ( الذي جمع مالا وعدده ) ويجوز هذه القراءة أن يكون مفعولا معه ولكن اذا أمكن العطف فهو أولى لأنه الأصل
وليس من المفعول معه قول أبي الأسود الدؤلي

(1/309)


( يا أيها الرجل المعلم غيره ... هلا لنفسك كان ذا التعليم )
( ابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم )
( فهناك يسمع ما تقول ويشتفى ... بالقول منك وينفع التعليم )
( لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك اذا فعلت عظيم )

(1/310)


الشاهد في قوله وتأتي مثله فإنه ليس مفعولا معه وان كان بعد واو بمعنى مع أي لا تنه عن خلق مع اتيانك مثله لأنه ليس باسم ولا نحو قولك بعتك الدار بأثاثها والعبد بثيابه وقول الله سبحانه وتعالى ( وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به ) وقولك جاء زيد مع عمرو فإن هذه الأسماء وإن كانت مصاحبة لما قبلها لكنها ليست بعد الواو ولا نحو قولك مزجت عسلا وماء وقول الشاعر

(1/311)


( علفتها تبنا وماء باردا ... حتى غدت همالة عيناها )

(1/312)


وقول الآخر
116 - ( اذ ما الغانيات برزن يوما ... وزججن الحواجب والعيونا )

(1/313)


لأن الواو ليست بمعنى مع فيهن وإنما هي في المثال الأول لعطف مفرد على مفرد واستفيدت المعية من العامل وهو مزجت وفي المثالين الأخيرين لعطف جملة على جملة والتقدير وسيقيتها ماء وكحلن العيونا فحذف الفعل والفاعل وبقي المفعول ولا جائز أن يكون الواو فيهما لعطف مفرد لعدم تشارك ما قبلها وما بعدها في العامل لأن علفت لا يصح تسليطه على الماء وزججن لا يصح تسليطه على العيون و لا تكون للمصاحبة لانتفائها في قوله علفتها تبنا وماء ولعدم فائدتها في وزججن الحواجب والعيونا اذ من المعلوم لكل أحد أن العيون مصاحبة للحواجب ولا نحو كل رجل وضيعته لأنه وان كان اسما واقعا بعد الواو التي بمعنى مع لكنها غير مسبوقة بفعل ولا ما في معناه ولا نحو هذا لك وأباك ونحوه على أن يكون أباك مفعولا معه منصوبا بما في ها من معنى أنتبه أو بما في ذا من معنى أشير أو بما في لك من معنى استقر لأن كلا من ها وذا ولك فيه معنى الفعل دون حروفه بخلاف سرت والنيل وأنا سائر والنيل فإن العامل في الأول الفعل وفي الثاني الاسم الذي

(1/314)


فيه معنى الفعل وحروفه قال سيبويه رحمه الله وأما نحو هذا لك وأباك فقبيح لأنك لم تذكر فعلا ولا ما في معناه وقالوا مراده بالقبيح الممتنع
ثم قلت السادس المشبه بالمفعول به نحو زيد حسن وجهه وسيأتي
وأقول السادس من المنصوبات المشبه بالمفعول به وهو المنصوب بالصفة المشبهة باسم الفاعل المتعدى الى واحد وذلك في نحو قولك زيد حسن وجهه بنصب الوجه والأصل زيد حسن وجهه بالرفع فزيد مبتدأ وحسن خبر ووجهه فاعل بحسن لأن الصفة تعمل عمل الفعل وأنت لو صرحت بالفعل فقلت حسن بضم السين وفتح النون لوجب رفع الوجه بالفاعلية فكذلك حق الصفة أن يجب معها الرفع ولكنهم قصدوا المبالغة مع الصفة فحولوا الإسناد عن الوجه الى ضمير مستتر في الصفة راجع الى زيد ليقتضي ذلك أن الحسن قد عمه بجملته فقيل زيد حسن أي هو ثم نصب وجهه وليس ذلك على المفعولية لأن الصفة انما تتعدى فعلها وحسن الذي هو الفعل لا يتعدى فكذلك صفته التي هي فرعه ولا على التمييز لأنه معرفة بالإضافة الى الضمير ومذهب البصريين وهو الحق أن التمييز لا يكون معرفة واذا

(1/315)


بطل هذان الوجهان تعين ما قلنا من أنه مشبه بالمفعول به وذلك أنه شبه حسن بضارب في أن كلا منهما صفة تثنى وتجمع وتذكر وتؤنث وهي طالبة لما بعدها بعد استيفائها فاعلها فنصب الوجه على التشبيه بعمرو في قولك زيد ضارب عمرا فحسن مشبه بضارب ووجهه مشبه بعمرا وسيأتي الكلام على هذا الباب بأبسط من هذا ان شاء الله في موضعه
ثم قلت السابع الحال وهو وصف فضلة مسوق لبيان هيئة صاحبه أو تأكيده أو تأكيد عامله أو مضمون الجملة قبله نحو ( فخرج منها خائفا ) ( لآمن من في الأرض كلهم جميعا ) ( فتبسم ضاحكا ) ( وأرسلناك للناس رسولا )
وأنا ابن دارة معروفا بها نسبي
ويأتي من الفاعل ومن المفعول ومنهما مطلقا ومن المضاف اليه ان كان المضاف بعضه نحو ( لحم أخيه ميتا ) أو كبعضه نحو ( ملة إبراهيم حنيفا ) أو عاملا فيها نحو ( إليه مرجعكم جميعا )
وحقها أن تكون نكرة منتقلة مشتقة وأن يكون صاحبها معرفة أو خاصا أو عاما أو مؤخرا وقد يتخلفن
وأقول السابع من المنصوبات الحال وهو يذكر ويؤنث

(1/316)


وهو الأفصح يقال حال حسن وحال حسنة وقد يؤنث لفظها فيقال حالة قال الشاعر
( على حالة لو أن في القوم حاتما ... على جوده لضن بالماء حاتم )

(1/317)


وحده في الاصطلاح ما ذكرت فقولي وصف جنس يدخل تحته الحال والخبر والصفة وقولي فضلة فصل مخرج للخبر نحو زيد قائم وقولي مسوق لبيان هيئة ما هو له مخرج لأمرين أحدهما نعت الفضلة من نحو رأيت رجلا طويلا ومررت برجل طويل فإنه وان كان وصفا فضلة لكنه لم يسق لبيان الهيئة ولكنه سيق لبيان جنس المتعجب منه وجاء بيان الهيئة ضمنا وقولي أو تأكيده الى آخره تممت به ذكر أنواع الحال
والحاصل أن الحال أربعة أقسام مبينة للهيئة وهي التي لا يستفاد معناها بدون ذكرها ومؤكدة لعاملها وهي التي لو لم تذكر لأفاد عاملها معناها ومؤكدة لصاحبها وهي التي يستفاد معناها من صريح لفظ صاحبها ومؤكدة لمضمون الجملة وهي الآتية بعد جملة معقودة من اسمين معرفتين جامدين وهي دالة على وصف ثابت مستفاد من تلك الجملة
فالمبينة للهيئة كقولك جاء زيد راكبا وأقبل عبد الله فرحا

(1/318)


وقول الله تعالى ( فخرج منها خائفا )
والمؤكدة لصاحبها كقوله تعالى ( لآمن من في الأرض كلهم جميعا ) وقولك جاء الناس قاطبة أو كافة أو طرا وهذا القسم أغفل التنبيه عليه جميع النحويين ومثل ابن مالك بالآية للحال المؤكدة لعاملها وهو سهو
والمؤكدة لعاملها كقولك جاء زيد آتيا وعاث عمرو مفسدا وقول الله تعالى ( وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد ) وذلك لأن الإزلاف هو التقريب فكل مزلف قريب وكل قريب غير بعيد وقوله تعالى ( وأرسلناك للناس رسولا ) ( فتبسم ضاحكا ) ( ولى مدبرا ) ( ولا تعثوا في الأرض مفسدين ) فإنه يقال عثي بالكسر يعثي بالفتح اذا أفسد
والمؤكدة لمضمون الجملة كقولك زيد أبوك عطوفا وقول الشاعر
320
- 118 ( أنا ابن دارة معروفا بها نسى ... وهل بدارة يا للناس من عار )
وأشرت بقولي قبله الى أنه لا يجوز أن يقال عطوفا زيد أبوك ولا زيد عطوفا أبوك
ثم بينت أن الحال تارة يأتي من الفاعل وذلك كما كنت مثلت به من قوله تعالى ( فخرج منها خائفا ) فإن خائفا حال من الضمير

(1/319)


( أنا ابن دارة معروفا بها نسى ... وهل بدارة يا للناس من عار )
وأشرت بقولي قبله الى أنه لا يجوز أن يقال عطوفا زيد أبوك ولا زيد عطوفا أبوك
ثم بينت أن الحال تارة يأتي من الفاعل وذلك كما كنت مثلت به من قوله تعالى ( فخرج منها خائفا ) فإن ( خائفا ) حال من الضمير

(1/320)


المستتر في ( خرج ) العائد على موسى عليه السلام
وتارة يأتي من المفعول كما كنت مثلت به من قوله تعالى ( وأرسلناك للناس رسولا ) فإن ( رسولا ) حال من الكاف التي هي مفعول أرسلنا
وأنه لا يتوقف مجيء الحال من الفاعل والمفعول على شرط
والى أنها تجيء من المضاف إليه وأن ذلك يتوقف على واحد من ثلاثة أمور
أحدها أن يكون المضاف بعضا من المضاف اليه كما في قوله تعالى ( أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا ) فميتا حال من الأخ وهو مخفوض بإضافة اللحم إليه والمضاف بعضه وقوله تعالى ( ونزعنا ما في صدورهم من غل اخوانا )
والثاني ان يكون المضاف كبعض من المضاف إليه في صحة حذفه والاستغناء عنه بالمضاف إليه وذلك كقوله تعالى ( بل ملة ابرهيم حنيفا ) ف ( حنيفا ) حال من ابراهيم وهو مخفوض بإضافة الملة إليه وليست الملة بعضه ولكنها كبعضه في صحة الإسقاط والاستغناء به

(1/321)


عنها ألا ترى أنه لو قيل اتبعوا إبراهيم حنيفا صح كما أنه لو قيل أيحب أحدكم أن يأكل أخاه ميتا ونزعنا ما فيهم من غل اخوانا كان صحيحا
الثالث أن يكون المضاف عاملا في الحال كما في قوله تعالى ( إليه مرجعكم جميعا ) ف ( جميعا ) حال من الكاف والميم المخفوضة بإضافة المرجع والمرجع هو العامل في الحال وصح له أن أن يعمل لأن المعنى عليه مع أنه مصدر فهو بمنزلة الفعل ألا ترى أنه لو قيل اليه ترجعون جميعا كان العامل الفعل الذي المصدر بمعناه
ثم بينت أن للحال أحكاما أربعة وأن تلك الأربعة ربما تخلفت
فالأول الانتقال ونعني به أن لا يكون وصفا ثابتا لازما وذلك كقولك جاء زيد ضاحكا ألا ترى أن الضحك يزايل زيدا ولا يلازمه هذا هو الأصل وربما جاءت دالة على وصف ثابت كقول الله تعالى ( وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا ) أي مبينا وقول العرب خلق الله الزرافة يديها أطول من رجليها فالزرافة بفتح الزاي

(1/322)


مفعول لخلق ويديها بدل منها بدل بعض من كل وأطول حال من الزرافة ومن رجليها متعلق بأطول
الثاني الاشتقاق وهو أن تكون وصفا مأخوذا من مصدر كما قدمناه من الأمثلة وربما جاءت اسما جامدا كقوله تعالى ( فانفروا ثبات ) ف ( ثبات ) حال من الواو في ( انفروا ) وهو جامد لكنه في تأويل المشتق أي متفرقين بدليل قوله تعالى ( أو انفروا جميعا ) وقد اشتملت هذه الآية على مجيء الحال جامدة وعلى مجيئها مشتقة
الثالث أن تكون نكرة كجميع ما قدمناه من الأمثلة وقد تأتي بلفظ المعرف بالألف واللام كقولهم ادخلوا الأول فالأول

(1/323)


وأرسلها العراك و جاؤوا الجماء الغفير أي جميعا وأل في ذلك كله زائدة وقد تأتي بلفظ المعرف بالإضافة كقولهم اجتهد وحدك أي منفردا و جاؤوا قضهم بقضيضهم أي جميعا

(1/324)


وقد تأتي بلفظ المعرف بالعلمية كقولهم جاءت الخيل بداد أي متبددة فإن بداد في الأصل علم على جنس التبدد كما أن فجار علم للفجرة
الرابع أن لا يكون صاحبها نكرة محضة كما تقدم من الأمثلة و قد تأتي كذلك كما روى سيبويه من قولهم عليه مائة بيضا و قال الشاعر و هو عنترة العبسي
( فيها اثنتان و أربعون حلوبة ... سودا كخافية الغراب الأسحم )

(1/325)


فحلوبة لتميز العدد و سودا اما حال من العدد أو من حلوبة أو صفة و على هذين الوجهين ففيه حمل على المعنى لأن حلوبة بمعنى حلائب فلهذا صح أن يحمل عليها سودا و الوجه الأول أحسن
و في الحديث صلى رسول الله جالسا و صلى وراءه رجال قياما فجالسا حال من المعرفة وقياما حال من النكرة المحضة
و انما الغالب اذا كان صاحب الحال نكرة أن تكون عامة أو خاصة أو مؤخرة عن الحال
فالأول كقوله تعالى ( وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون )

(1/326)


فإن الجملة التي بعد ( الا ) حال من ( قرية ) و هي نكرة عامة لأنها في سياق النفي
و الثاني نحو ( فيها يفرق كل أمر حكيم أمرا من عندنا ) ف ( أمرا ) اذا أعرب حالا فصاحب الحال اما المضاف فالمسوغ أنه عام أو خاص أما الأول فمن جهة أنه أحد صيغ العموم أما الثاني فمن جهة الإضافة وأما المضاف إليه فالمسوغ أنه خاص لوصفه بحكيم و قرأ بعض السلف ( ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدقا ) بالنصب فجعله الزمخشري حالا من كتاب لوصفه بالظرف و ليس ما ذكر بلازم لجواز أن يكون حالا من الضمير المستتر في الظرف
و الثالث كقوله
( لمية موحشا طلل ... )

(1/327)


فهذه المواضع ونحوها مجيء الحال فيها نكرة قياسي كما أن الابتداء بالنكرة في نظائرها قياسي وقد مضى ذلك في باب المبتدأ فقس عليه هنا

(1/328)


ثم قلت الثامن التمييز و هو اسم نكرة فضلة يرفع ابهام اسم أو اجمال نسبة
فالأول بعد العدد الأحد عشر فما فوقها إلى المائة وكم الأستفهامية نحو كم عبدا ملكت وبعد المقادير ك رطل زيتا وك شبر أرضا وقفيز برا وشبههن من نحو ( مثقال ذرة خيرا ) و نحى سمنا ومثلها زبدا و موضع راحة سحابا وبعد فرعه نحو خاتم حديدا
والثاني اما محول عن الفاعل نحو ( واشتعل الرأس شيبا ) أو عن المفعول نحو ( وفجرنا الأرض عيونا ) أو عن غيرهما نحو ( أنا أكثر منك مالا ) أو غير محول نحو لله دره فارسا
وأقول الثامن من المنصوبات التمييز
وهو والتفسير والتبيين ألفاظ مترادفة لغة واصطلاحا وهو في اللغة بمعنى فصل الشيء عن غيره قال الله تعالى ( وامتازوا اليوم أيها المجرمون ) أي انفصلوا من المؤمنين ( تكاد تميز من الغيظ ) أي ينفصل بعضها من بعض وهو في الاصطلاح مختص بما اجتمع فيه ثلاثة أمور وهي المذكورة في المقدمة

(1/329)


وفهم مما ذكرته في حدي الحال والتمييز أن التمييز وان أشبه الحال في كونه منصوبا فضلة مبينا لإبهام الا أنه يفارقه في أمرين أحدهما أن الحال انما يكون وصفا إما بالفعل أو بالقوة وأما التمييز فإنه يكون بالأسماء الجامدة كثيرا نحو عشرون درهما ورطل زيتا وبالصفات المشتقة قليلا كقولهم لله دره فارسا ولله دره راكبا الثاني أن الحال لبيان الهيآت والتمييز يكون تارة لبيان الذوات وتارة لبيان جهة النسبة
وقسمت كلا من هذين النوعين أربعة أقسام فأما أقسام التمييز المبين للذات فأحدها أن يقع بعد الأعداد وقسمت العدد الى قسمين صريح وكناية فالصريح الأحد عشر فما فوقها الى المائة تقول عندي أحد عشر عبدا وتسعة وتسعون درهما وقال الله تعالى ( اني رأيت أحد عشر كوكبا ) ( وبعثنا منهم اثنى عشر نقيبا ) ( وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة ) ( فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما )

(1/330)


( فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ) ( ذرعها سبعون ذراعا ) ( فاجلدوهم ثمانين جلدة ) ( ان هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ) وفي الحديث إن لله تسعة وتسعين اسما وأردت بقولي الى المائة عدم دخول الغاية في المغيا وهو أحد احتمالي حرف الغاية
والكناية هي كم الاستفهامية تقول كم عبدا ملكت فكم مفعول مقدم وعبدا تمييز واجب النصب والإفراد وزعم الكوفي أنه يجوز جمعه فتقول كم عبيدا ملكت وهذا لم يسمع ولا قياس يقتضيه ويجوز لك جر تمييزكم الاستفهامية وذلك مشروط بأمرين أحدهما أن يدخل عليها حرف جر والثاني أن يكون تمييزها الى

(1/331)


جانبها كقولك بكم درهم اشتريت وعلى كم شيخ اشتغلت والجر حينئذ عند جمهور النحويين بمن مضمرة والتقدير بكم من درهم وعلى كم من شيخ وزعم الزجاج أنه بالإضافة
القسم الثاني أن يقع بعد المقادير وقسمتها على ثلاثة أقسام أحدها ما يدل على الوزن كقولك رطل زيتا ومنوان سمنا والمنوان تثنية منا وهو لغة في المن وقيل في تثنيته منوان كما يقال في تثنية عصا عصوان الثاني ما يدل على مساحة كقولك شبر أرضا وجريب نخلا وقولهم ما في السماء موضع راحة سحابا الثالث ما يدل على الكيل كقولهم قفيز برا وصاع تمرا
القسم الثالث أن يقع بعد شبه هذه الأشياء وذكرت لذلك أربعة أمثلة أحدها قول الله تعالى ( مثقال ذرة خيرا ) فهذا يعد شبه الوزن وليس به حقيقة لأن مثقال الذرة ليس اسما لشيء يوزن به في عرفنا الثاني قولهم عندي نحى سمنا والنحى بكسر النون واسكان الحاء المهملة وبعدها ياء خفيفة اسم لوعاء السمن وهذا يعد شبه الكيل وليس به حقيقة لأن النحى ليس مما يكال به السمن ويعرف به مقداره

(1/332)


انما هو اسم لوعائه فيكون صغيرا وكبيرا ومثله قولهم وطب لبنا والوطب بفتح الواو وسكون الطاء وبالباء الموحدة اسم لوعاء اللبن وقولهم سقاء ماء وزق خمرا وراقود خلا الثالث ما في السماء موضع راحة سحابا فسحابا واقع بعد موضع راحة وهو شبيه بالمساحة والرابع قولهم على التمرة مثلها زبدا فزبدا واقع بعد مثل وهي شبيهة ان شئت بالوزن وان شئت بالمساحة
والقسم الرابع أن يقع بعد ما هو متفرع منه كقولهم هذا خاتم حديدا وذلك لأن الحديد هو الأصل والخاتم مشتق منه فهو فرعه وكذلك باب ساجا وجبة خزا ونحو ذلك
وأما أقسام التمييز المبين لجهة النسبة فأربعة
أحدها أن يكون محولا عن الفاعل كقول الله عز و جل ( واشتعل الرأس شيبا ) أصله واشتعل شيب الرأس وقوله تعالى ( فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا ) أصله فإن طابت أنفسهن لكم عن شيء منه فحول الإسناد فيهما عن المضاف وهو الشيب في الآية الأولى والأنفس في الآية الثانية الى المضاف اليه وهو الرأس وضمير النسوة

(1/333)


فارتفعت الرأس وجيء بدل الهاء والنون بنون النسوة ثم جيء بذلك المضاف الذي حول عنه الإسناد فضلة وتمييزا وأفردت النفس بعد أن كانت مجموعة لأن التمييز انما يطلب فيه بيان الجنس وذلك يتأدى بالمفرد
الثاني أن يكون محولا عن المفعول كقوله تعالى ( وفجرنا الأرض عيونا ) قيل التقدير ( وفجرنا ) عيون الأرض وكذا قيل في غرست الأرض شجرا ونحو ذلك
الثالث أن يكون محولا عن غيرهما كقوله تعالى ( أنا أكثر منك مالا ) أصله مالي أكثر فحذف المضاف وهو المال وأقيم المضاف اليه وهو ضمير المتكلم مقامه فارتفع وانفصل وصار أنا أكثر منك ثم جيء بالمحذوف تمييزا ومثله زيد أحسن وجها وعمرو أنقى عرضا وشبه ذلك التقدير وجه زيد أحسن وعرض عمرو أنقى

(1/334)


الرابع أن يكون غير محول كقول العرب لله دره فارسا وحسبك به ناصرا وقول الشاعر
( يا جارتا ما أنت جاره ... )
يا حرف نداء جارتا منادى مضاف للياء وأصله يا جارتي فقلبت الكسرة فتحة والياء ألفا ما مبتدأ وهو اسم استفهام أنت خبره والمعني عظمت كما يقال زيد وما زيد أي شيء عظيم وجارة تمييز وقيل حال وقيل ما نافية وأنت اسمها وجارة خبر ما الحجازية أي لست جارة بل أنت أشرف من الجارة والصواب الأول ويدل عليه قول الشاعر

(1/335)


( يا سيدا ما أنت من سيد ... موطأ الأكناف رحب الذراع )
ومن لا تدخل على الحال وانما تدخل على التمييز

(1/336)


ثم قلت التاسع المستثنى بليس أو بلا يكون أو بما خلا أو بما عدا مطلقا أو بإلا بعد كلام تام موجب أو غير موجب وتقدم المستثنى نحو ( فشربوا منه إلا قليلا منهم )
ومالي إلا آل أحمد شيعة ... )
وغير الموجب إن ترك فيه المستثنى منه فلا أثر فيه لإلا ويسمى مفرغا نحو ما قام إلا زيد وإن ذكر فإن كان الاستثناء متصلا فإتباعه للمستثنى منه أرجح نحو ( ما فعلوه إلا قليل منهم ) أو منقطعا فتميم تجيز اتباعه ان صح التفريغ والمستثنى بغير وسوى مخفوض وبخلا وعدا وحاشا مخفوض أو منصوب وتعرب غير باتفاق وسوى على الأصح إعراب المستثنى بإلا
وأقول التاسع من المنصوبات المستثنى
وانما يجب نصبه في خمس مسائل احداها أن تكون أداة الاستثناء ليس كقولك قاموا ليس زيدا وقول النبي ما أنهر الدم وذكر اسم الله فكلوا ليس

(1/337)


السن والظفر فليس هنا بمنزلة إلا في الاستثناء والمستثنى بها واجب النصب مطلقا باجماع الثانية أن تكون أداة الاستثناء لا يكون كقولك قاموا لا يكون زيدا فلا يكون أيضا بمنزلة إلا في المعنى والمستثنى بها واجب النصب مطلقا كما هو واجب مع ليس
والعلة في ذلك فيهما أن المستثنى بهما خبرهما وسيأتي لنا أن كان وليس وأخواتهما يرفعن الاسم وينصبن الخبر
فإن قلت فأين اسمها
قلت مستتر فيهما وجوبا وهو عائد على البعض المفهوم من الكل السابق وكأنه قيل ليس بعضهم زيدا ولا يكون بعضهم زيدا ومثله قوله تعالى ( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين ) أي فإن كانت البنات وذلك لأن الأولاد قد تقدم ذكرهم وهم شاملون للذكور والإناث فكأنه قيل أولا يوصيكم الله في بنيكم وبناتكم ثم قيل فإن كن وكذلك هنا
الثالثة أن تكون الأداة ما خلا كقولك جاء القوم ما خلا زيدا وقول لبيد بن ربيعة العامري الصحابي

(1/338)


( ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل )
الرابعة أن تكون الأداة ما عدا كقولك جاء القوم ما عدا زيدا وكقول الشاعر
( تمل الندامى ما عداني فإنني ... بكل الذي يهوى نديمي مولع )

(1/339)


فالياء في موضع نصب بدليل لحاق نون الوقاية قبلها وحكى الجرمي والربعي والأخفش الجر بعدما خلا وما عدا وهو شاذ فلهذا لم أحفل بذكره في المقدمة
فإن قلت لم وجب عند الجمهور النصب بعد ما خلا وما عدا وما وجه الجر الذي حكاه الجرمي والرجلان
قلت أما وجوب النصب فلأن ما الداخلة عليهما مصدرية وما لا تدخل الا على الجملة الفعلية وأما جواز الخفض فعلى تقدير ما زائدة لا مصدرية وفي ذلك شذوذ فإن المعهود في زيادة ما مع حرف الجر أن لا تكون قبل الجار والمجرور بل بينهما كما في قوله تعالى ( عما قليل ليصبحن نادمين ) ( فبما نقضهم ) ( مما خطيئاتهم أغرقوا )

(1/340)


وقولي مطلقا راجع الى المسائل الأربع أي سواء تقدم الإيجاب أو النفي أو شبهه
الخامسة أن تكون الأداة إلا وذلك في مسألتين احداهما أن تكون بعد كلام تام موجب ومرادي بالتام أن يكون المستثنى منه مذكورا وبالإيجاب أن لا يشتمل على نفي ولا نهي ولا استفهام وذلك كقوله تعالى ( فشربوا منه إلا قليلا منهم ) وقوله تعالى ( فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس )
الثانية أن يكون المستثنى مقدما على المستثنى منه كقول الكميت يمدح آل البيت رضي الله عنهم
( ومالي إلا آل أحمد شيعة ... ومالي إلا مذهب الحق مذهب )

(1/341)


ولما انتهيت الى هنا استطردت في بقية أنواع المستثنى وان كان بعض ذلك ليس من المنصوبات البته وبعضه متردد بين باب المنصوبات وغيرها فذكرت أن الكلام اذا كان غير ايجاب وهو النفي والنهي والاستفهام فإن كان المستثنى منه محذوفا فلا عمل لإلأ وانما يكون العمل لما قبلها ومن ثم سموه استثناء مفرغا لأن ما قبلها قد تفرغ للعمل فيما بعدها ولم يشغله عنه شيء تقول ما قام الا زيد فترفع زيدا على الفاعلية

(1/342)


وما رأيت الا زيدا فتنصبه على المفعولية وما مررت الا بزيد فتخفضه بالباء كما تفعل بهن لو لم تذكر إلا وان كان المستثنى منه مذكورا فإما أن يكون الاستثناء متصلا وهو أن يكون المستثنى داخلا في جنس المستثنى منه أو منقطعا وهو أن يكون غير داخل
فإن كان متصلا جاز في المستثنى وجهان أحدهما وهو الراجح أن يعرب بإعراب المستثنى منه على أن يكون بدلا منه بدل بعض من كل والثاني النصب على أصل الاستثناء وهو عربي جيد مثال ذلك في النفي قوله تعالى ( ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم ) أجمعت السبعة على رفع ( أنفسهم ) وقال تعالى ( ما فعلوه إلا قليل منهم ) قرأ السبعة إلا ابن عامر برفع قليل على أنه بدل من الواو في ( فعلوه ) كأنه قيل ما فعله إلا ( قليل ) منهم وقرأ ابن عامر وحده إلا قليلا بالنصب ومثاله في النهي قوله تعالى ( ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك ) قريء بالرفع والنصب ومثاله في الاستفهام قوله تعالى ( ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون ) أجمعت السبعة على الإبدال من الضمير المستتر في يقنط ولو قرئ ( الضالين ) بالنصب على الاستثناء لم يمتنع ولكن القراءة سنة متبعة

(1/343)


وان كان منقطعا فالحجازيون يوجبون نصبه وهي اللغة العليا ولهذا أجمعت السبعة على النصب في قوله تعالى ( ما لهم به من علم إلا اتباع الظن ) وقوله تعالى ( وما لأحد عنده من نعمة تجزى الا ابتغاء وجه ربه الأعلى ) ولو أبدل مما قبله لقرئ برفع ( إلا اتباع ) و ( إلا ابتغاء ) لأن كلا منهما في موضع رفع اما على أنه فاعل بالجار والمجرور المعتمد على النفي واما على أنه مبتدأ تقدم خبره عليه والتميميون يجيزون الإبدال ويختارون النصب قال الشاعر
( وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس )

(1/344)


فأبدل اليعافير والعيس من أنيس وليس من جنسه
وذكرت أيضا أن المستثنى بغير وسوى مخفوض دائما لأنهما ملازمان للاضافة لما بعدهما فكل اسم يقع بعدهما فهما مضافان اليه فلذلك يلزمه الخفض

(1/345)


وأن المستثنى بخلا وعدا وحاشا يجوز فيه الخفض والنصب فالخفض على أن يقدرن حروف جر والنصب على أن يقدرون أفعالا استتر فاعلهن والمستثنى مفعول هذا هو الصحيح ولم يجوز سيبويه في المستثنى بعدا غير النصب لأنه يرى أنها لا تكون الا فعلا ولا في المستثنى بحاشا غير الجر لأنه يرى أنها لا تكون الا حرفأ

(1/346)


ثم قلت والبواقي خبر كان وأخواتها وخبر كاد وأخواتها ويجب كونه مضارعا مؤخرا عنها رافعا لضمير أسمائها مجردا من أن بعد أفعال الشروع ومقرونا بها بعد حرى واخلولق وندر تجرد خبر عسى وأوشك واقتران خبر كاد وكرب وربما رفع السببي بخبر عسى ففي قوله وماذا عسى الحجاج يبلغ جهده
فيمن رفع جهده شذوذان وخبر ما حمل على ليس واسم ان وأخواتها
وأقول العاشر من المنصوبات خبر كان وأخواتها نحو ( وكان ربك قديرا ) ( فأصبحتم بنعمته اخوانا ) ( ليسوا سواء ) ( وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا )

(1/347)


الحادي عشر خبر كاد وأخواتها وقد تقدم في باب المرفوعات أن خبرهن لا يكون الا فعلا مضارعا وذكرت هنا أنه ينقسم باعتبار اقترانه بأن وتجرده منها أربعة أقسام أحدها ما يجب اقترانه بها وهو حرى واخلوق تقول حرى

(1/348)


زيد أن يفعل واخلولقت السماء أن تمطر ولا أعرف من ذكر حرى من النحويين غير ابن مالك وتوهم أبو حيان أنه وهم فيها وانما هي حرى بالتنوين اسما لا فعلا وأبو حيان هو الواهم بل ذكرها أصحاب كتب الأفعال من اللغويين كالسرقسطي وابن طريف وأنشدوا عليها شعرا وهو قول الأعشى
( ان يقل هن من بني عبد شمس ... فحرى أن يكون ذاك وكانا )

(1/349)


القسم الثاني ما الغالب اقترانه بها وهو عسى وأوشك مثال ذكر أن قول الله تعالى ( عسى ربكم أن يرحمكم ) وقول الشاعر
( ولو سئل الناس التراب لأوشكوا ... اذا قيل هاتوا أن يملوا فيمنعوا )

(1/350)


ومثال تركها قول الشاعر
( عسى فرج يأتي به الله إنه ... له كل يوم في خليقته أمر )

(1/351)


وقول الآخر
( يوشك من فر من منيته ... في بعض غراته يوافقها )

(1/352)


القسم الثالث يترجح تجرد خبره من أن وهو فعلان كاد وكرب مثال التجرد منها قوله تعالى ( وما كادوا يفعلون ) وقول الشاعر
( كرب القلب من جواه يذوب ... حين قال الوشاة هند غضوب )

(1/353)


ومثال الاقتران بها قول الشاعر
( كادت النفس أن تفيض عليه ... مذثوى حشو ريطة وبرود )

(1/354)


وقوله
( سقاها ذوو الأحلام سجلا على الظما ... وقد كربت أعناقها أن تقطعا )

(1/355)


تقطع فعل مضارع وأصله تتقطع فحذف احدى التاءين ولم يذكر سيبويه في خبر كرب الا التجرد
القسم الرابع ما يمتنع اقتران خبره بأن وهو أفعال الشروع طفق وجعل وأخذ وعلق وأنشأ وهب وهلهل قال الله تعالى ( وطفقا يخصفان )
وقال الشاعر

(1/356)


( وقد جعلت إذا ما قمت يثقلني ... ثوبي فأنهض نهض الشارب السكر )
وقال الشاعر
( فأخذت أسأل والرسوم تجيبني ... وفي الاعتبار إجابة وسؤال )
وقال الآخر
( أراك علقت تظلم من أجرنا ... )

(1/357)


وقال
135 - ( أنشأت أعرب عما كان مكنونا ... )

(1/358)


وقال
( هببت ألوم القلب في طاعة الهوى ... )
وقال
( وطئنا ديار المعتدين فهلهلت ... نفوسهم قبل الإماتة تزهق )
النوع الثاني عشر خبر ما حمل على ليس وهو أربعة
أحدها لات كقوله تعالى ( فنادوا ولات حين مناص )
والثاني ما كقوله تعالى ( ما هذا بشرا )
والثالث لا كقول الشاعر
( تعز فلا شيء على الأرض باقيا ... ولا وزر مما قضى الله واقيا )

(1/359)


والرابع إن النافية كقول الشاعر
( إن هو مستوليا على أحد ... إلا على أضعف المجانين )
وقد تقدم شرح شروطهن مستوفى في باب المرفوعات
النوع الثالث عشر اسم إن وأخواتها نحو إن زيدا فاضل ولعل عمرا قادم وليت بكرا حاضر
ثم قلت وإن قرنت بما المزيدة ألغيت وجوبا إلا ليت فجوازا

(1/360)


وأقول مثال ذلك ( إنما الله إله واحد ) ( كأنما يساقون إلى الموت ) وقول الشاعر
( أعد نظرا يا عبد قيس لعلما ... أضاءت لك النار الحمار المقيدا )
وجه الاستشهاد بهما أنه لولا الغاؤهما لم يصح دخولهما على الجملة الفعلية ولكان دخولهما على المبتدأ والخبر واجبا واحترزت بالمزيدة من الموصولة نحو ( أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين ) أي أن الذي بدليل عود الضمير من ( به ) اليها ومن المصدرية نحو أعجبني أنما قمت أي قيامك وقوله تعالى ( إنما صنعوا كيد ساحر ) يحتملهما أي

(1/361)


ان الذي صنعوه أو ان صنعهم وعلى التأويلين جميعا فإن عاملة واسمها في الوجه الأول ما دون صلتها وفي الوجه الثاني الاسم المنسبك من ما وصلتها وقال النابغة
( قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا ... الى حمامتنا أو نصفه فقد )

(1/362)


يروى بنصب الحمام ورفعه على الإعمال والإهمال وذلك خاص بليت أما الإهمال فلأنهم أبقوا لها الاختصاص بالجملة الاسمية فقالوا ليتما زيد قائم ولم يقولوا ليتما قام زيد وأما الإعمال فللحمل على أخواتها
ثم قلت ويخفف ذو النون منها فتلغى لكن وجوبا وكأن قليلا وإن غالبا ويغلب معها مهملة اللام وكون الفعل التالي لها ناسخا ويجب استتار اسم إن وكون خبرها جملة وكون الفعل بعدها دعائيا أو جامدا أو مفصولا بتنفيس أو شرط أو قد أولو ويغلب لكأن ما وجب لأن إلا أن الفعل بعدها دائما خبري مفصول بقد أو لم خاصة
واسم لا النافية للجنس وإنما يظهر نصبه ان كان مضافا أو شبهه نحو لا غلام سفر عندنا ولا طالعا جبلا حاضر
وأقول يجوز في إن ولكن وكأن أن تخفف استثقالا للتضعيف فيما كثر استعماله وتخفيفها بحذف نونها المحركة لأنها آخر
ثم ان كان الحرف المخفف إن المكسورة جاز الإهمال والإعمال

(1/363)


والأكثر الإهمال نحو ( إن كل نفس لما عليها حافظ ) فيمن خفف ميم ( لما ) وأما من شددها فإن نافية ولما بمعنى إلا ومن إعمال المخفف قراءة بعض السبعة ( وإن كلا لما ليوفينهم )
وان كان المخفف أن المفتوحة وجب بقاء عملها ووجب حذف اسمها ووجب كون خبرها جملة ثم ان كانت اسمية فلا اشكال نحو ( أن الحمد لله رب العالمين ) وان كانت فعلية وجب كونها دعائية

(1/364)


سواء كان دعاء بخير نحو ( أن بورك من في النار ) أو بشر نحو ( والخامسة أن غضب الله عليها ) فيمن قرأ من السبعه بكسر الضاد وفتح الباء ورفع اسم الله أو كون الفعل جامدا نحو ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ) ( وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم ) أو مفصولا بواحد من أمور احدها النافي ولم يسمع إلا في لن ولم ولا نحو ( أيحسب أن لن يقدر عليه أحد ) ( أيحسب أن لم يره أحد ) ( وحسبوا أن لا تكون فتنة ) فيمن قرأ برفع ( تكون ) والثاني الشرط نحو ( وقد نزل عليكم في الكتاب أن

(1/365)


اذا سمعتم آيات الله يكفر بها ) الآية والثالث قد نحو ( ونعلم أن قد صدقتنا ) والرابع لو نحو ( أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ) والخامس حرف التنفيس وهو السين نحو ( علم أن سيكون منكم مرضى ) وسوف كقوله
( واعلم فعلم المرء ينفعه ... أن سوف يأتي كل ما قدرا )

(1/366)


وان كان الحرف كأن فيغلب لها ما وجب لأن لكن يجوز ثبوت اسمها وافراد خبرها وقد روى قوله
( ويوما توافينا بوجه مقسم ... كأن ظبية تعطو الى وارق السلم )

(1/367)


بنصب الظبية على انه اسم كأن والجملة بعدها صفة لها والخبر محذوف والتقدير كأن ظبية عاطية هذه المرأة على التشبيه المعكوس وهو أبلغ وبرفع الظبية على أنها الخبر والجملة بعدها صفة والاسم محذوف والتقدير كأنها ظبية وبجر الظبية على زيادة أن بين الكاف ومجرورها والتقدير كظبية
واذا حذف اسمها وكان خبرها جملة اسمية لم تحتج لفاصل نحو قوله

(1/368)


( ووجه مشرق اللون ... كأن ثدياه حقان )
أو فعلية فصلت بقد نحو
( لا يهولنك اصطلاء لظى الحرب ... فمحذورها كأن قد ألما )

(1/369)


أو لم نحو ( كأن لم تغن بالأمس )
وان كان الحرف لكن وجب الغاؤها نحو ( ولكن الله قتلهم ) فيمن قرأ بتخفيف النون وعن يونس والأحفش اجازة اعمالها وليس بمسموع ولا يقتضيه القياس لزوال اختصاصها بالجمل الاسمية نحو ( ولكن كانوا أنفسهم يظلمون )

(1/370)


النوع الرابع عشر اسم لا النافية للجنس وهو ضربان معرب ومبني
فالمعرب ما كان مضافا نحو لا غلام سفر عندنا أو شبيها بالمضاف وهو ما اتصل به شيء من تمامه اما مرفوع به نحو لا حسنا وجهه مذموم أو منصوب به نحو لا مفيضا خيره مكروه ولا طالعا جبلا حاضر أو مخفوض بخافض متعلق به نحو لا خيرا من زيد عندنا
والمبني ما عدا ذلك وحكمه أن يبنى على ما ينصب به لو كان معربا وقد تقدم ذلك مشروحا في باب البناء
ثم قلت والمضارع بعد ناصب وهو لن أو كي المصدرية مطلقا واذن ان صدرت و كان الفعل مستقبلا متصلا أو منفصلا بالقسم أو بلا أو بعد أن المصدرية نحو ( والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي ) إن لم تسبق بعلم نحو ( علم أن سيكون منكم مرضى ) فإن سبقت بظن فوجهان نحو ( وحسبوا أن لا تكون فتنة )
وأقول هذا النوع المكمل للمنصوبات الخمسة عشر وهو الفعل المضارع التالي ناصبا والنواصب أربعة لن وكي واذن وأن
فأما لن فإنها حرف بالإجماع وهي بسيطة خلافا للخليل في زعمه

(1/371)


أنها مركبة من لا النافية وأن الناصبة وليست نونها مبدلة من ألف خلافا للفراء في زعمه أن أصلها لا وهي دالة على نفي المستقبل وعاملة النصب دائما بخلاف غيرها من الثلاثة فلهذا قدمتها عليها في الذكر قال الله عز و جل ( لن نبرح عليه عاكفين ) ( فلن أبرح الأرض ) ( أيحسب أن لن يقدر عليه أحد ) ( أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه ) وأن في هاتين الآيتين مخففة من الثقلية وأصلها أنه وليست الناصبة لأن الناصب لا يدخل على الناصب
وأما كي فشرطها أن تكون مصدرية لا تعليلية
ويتعين ذلك في نحو قوله تعالى ( لكي لا يكون على المؤمنين حرج ) فاللام جارة دالة على التعليل وكي مصدرية بمنزلة أن لا تعليلية لأن الجار لا يدخل على الجار
ويمتنع أن تكون مصدرية في نحو جئتك كي أن تكرمني

(1/372)


اذ لا يدخل الحرف المصدري على مثله ومثل هذا الاستعمال انما يجوز للشاعر كقوله
( فقالت أكل الناس أصبحت مانحا ... لسانك كيما أن تغر وتخدعا )
ولا يجوز في النثر خلافا للكوفيين
وتقول جئت كي تكرمني فتحتمل كي أن تكون

(1/373)


تعليلية جارة والفعل بعدها منصوبا بأن محذوفة وأن تكون مصدرية ناصبة وقبلها لام جر مقدرة
وقولي مطلقا راجع الى لن وكي المصدرية فإن النصب لا يتخلف عنهما
ولما كانت كي تنقسم الى ناصبة وهي المصدرية وغير ناصبة وهي التعليلية أخرتها عن لن
وأما اذن فللنصب بها ثلاثة شروط
أحدها أن تكون مصدرة فلا تعمل شيئا في نحو قولك أنا

(1/374)


اذن أكرمك لأنها معترضة بين المبتدأ والخبر وليست صدرا قال الشاعر
( لئن عاد لي عبد العزيز بمثلها ... وأمكنني منها اذن لا أقيلها )
فالرفع لعدم التصدر لا لأنها فصلت عن الفعل لأن فصلها لا مغتفر كما يأتي
والثاني أن يكون الفعل بعدها مستقبلا فلو حدثك شخص بحديث فقلت له إذن تصدق رفعت لأن نواصب الفعل تقتضي الاستقبال وأنت تريد الحال فتدافعا

(1/375)


والثالث أن يكون الفعل اما متصلا أو منفصلا بالقسم أو بلا النافية فالأول كقولك إذن أكرمك والثاني نحو اذن والله أكرمك وقول الشاعر
( إذن والله نرميهم بحرب ... تشيب الطفل من قبل المشيب )
والثالث نحو إذن لا أفعل
فلو فصل بغير ذلك لم يجز العمل كقولك اذن يا زيد أكرمك
وأما أن فشرط النصب بها أمران

(1/376)


أحدهما أن تكون مصدرية لا زائدة ولا مفسرة
الثاني أن لا تكون مخففة من الثقيلة وهي التابعة علما أو ظنا نزل منزلته
مثال ما اجتمع فيه الشرطان قوله تعالى ( والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين ) ( والله يريد أن يتوب عليكم )
ومثال ما انتفى عنه الشرط الأول قولك كتبت اليه أن يفعل اذا أردت بأن معنى أي فهذه يرتفع الفعل بعدها لأنها تفسير لقولك كتبت فلا موضع لها و لا لما دخلت عليه ولا يجوز لك أن تنصب كما لا تنصب لو صرحت بأي فإن قدرت معها الجار وهو الباء فهي مصدرية ووجب عليك أن تنصب بها
وانما تكون أن مفسرة بثلاثة شروط أحدها أن يتقدم عليها جملة والثاني أن تكون تلك الجملة فيها معنى القول دون حروفه والثالث أن لا يدخل عليها حرف جر لا لفظا ولا تقديرا وذلك كقوله تعالى ( فأوحينا اليه ان اصنع الفلك ) ( واذ أوحيت الى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي ) ( وانطلق الملأ منهم أن امشوا )

(1/377)


أي انطلقت السنتهم بهذا الكلام
بخلاف نحو ( وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ) فإن المتقدم عليها غير جملة وبخلاف نحو ( ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ) فليست أن فيها مفسرة لقلت بل لأمرتني وبخلاف كتبت اليه بأن افعل
ومثال ما انتفى عنه الشرط الثاني قوله تعالى ( علم ان سيكون منكم مرضى ) ( افلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ) ( وحسبوا أن لا تكون فتنة ) فيمن قرأ برفع ( تكون ) ألا ترى أنها في الآيتين الأوليين وقعت بعد فعل العلم أما في الآية الأولى فواضح وأما في الآية الثانية فلأن مرادنا بالعلم ليس لفظ ع ل م بل ما دل على التحقيق فهي فيهما مخففة من الثقيلة واسمها محذوف والجملة بعدها في موضع رفع على الخبرية والتقدير علم أنه سيكون أفلا يرون أنه لا يرجع اليهم قولا

(1/378)


وفي الآية الثالثة وقعت بعد الظن لأن الحسبان ظن وقد اختلف القراء فيها فمنهم من قرأ بالرفع وذلك على إجراء الظن مجرى العلم فتكون مخففة من الثقيلة واسمها محذوف والجملة بعدها خبرها والتقدير وحسبوا أنها لا تكون فتنة ومنهم من قرأ بالنصب على اجراء الظن على أصله وعدم تنزله منزلة العلم وهو الأرجح فلهذا أجمعوا على النصب في نحو ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ) ( أم حسبتم أن تتركوا ) ( أحسب الناس أن يتركوا ) ( تظن أن يفعل بها فاقره ) ويؤيد القراءة الأولى أيضا قوله تعالى ( أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه ) ( أيحسب أن لن يقدر عليه أحد ) ( أيحسب أن لم يره أحد ) ألا

(1/379)


ترى أنها فيهن مخففة من الثقيلة اذ لا يدخل الناصب على ناصب آخر ولا على جازم
ثم قلت وتضمر أن بعد ثلاثة من حروف الجر وهي كي نحو ( كي لا يكون دولة ) وحتى إن كان الفعل مستقبلا بالنظر الى ما قبلها نحو ( حتى يرجع الينا موسى ) وأسلمت حتى أدخل الجنة واللام تعليلية مع المضارع المجرد من لا نحو ( ليغفر لك الله ) بخلاف ( لئلا يعلم ) أو جحودية نحو ما كنت أو لم أكن لأفعل
وبعد ثلاثة من حروف العطف وهي أو التي بمعنى الى نحو لألزمنك أو تفضيني حقي أو الا نحو لأقتلنه أو يسلم وفاء السببية وواو المعية مسبوقين بنفي محض أو طلب بغير اسم الفعل نحو ( لا يقضى عليهم فيموتوا ) ( ويعلم الصابرين ) ونحو ( لا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي )
( ولا تنه عن خلق وتأتي مثله ... )
وبعد الفاء والواو وأو وثم إن عطفن على اسم خالص نحو ( أو يرسل رسولا )
و ( للبس عباءة وتقر عيني ... )
ولك معهن ومع لام التعليل اظهار أن

(1/380)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية