صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : شرح شافية ابن الحاجب
مصدر الكتاب : الإنترنت
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

منتبها مذعورا للقائه، وأرقني لما لم يحصل اجتماع محقق، ثم ارتبت لعدم الاجتماع: هل كان على التحقيق أو كان ذلك في المنام ؟ ويجوز أن يريد فقمت للطيف وأنا في النوم إجلالا في حال كونى مذعورا لاستعظامها، وأرقني ذلك لما انتبهت فلم أجد شيئا محققا، ثم من فرط صبابته شك أهى في التحقيق سرت أم كان ذلك حلما، على عادتهم في مبالغاتهم.
وقد تكلمنا عليه وعلى غالب القصيدة وترجمة قائلها في شرح الشاهد التاسع والسبعين بعد الثلثمائة من شرح شواهد شرح الكافية.
الوقف أنشد فيه، وهو الشاهد التاسع والتسعون (من المتقارب) 99 - * وآخذ من كل حى عصم * على أن أصله عصما، ووقف عليه في لغة ربيعة بالسكون، فإنهم يجيزون تسكين المنصوب المنون في الوقف.
وهذا المصراع من قصيدة للاعشى ميمون مدح بها قيس بن معدى كرب،
وقبله: - ويهماء تعزف جنانها * مناهلها آجنات سدم قطعت برسامة جسرة * عذافرة كالفنيق القطم إلى المرء قيس أطيل السرى * وآخذ من كل حى عصم قوله " ويهماء " الواو واو رب -، واليهماء - بفتح المثناة التحتية -: الفلاة التى لا يهتدى فيها، وتعزف - بالعين المهملة والزاى المعجمة - أي: تصوت، والجنان - بكسر الجيم - جمع جان، والمنهل: المورد، والاجن: الماء التغير المطعم واللون، والسدم - بضم السين والدال المهملتين - وهى البئر المدفونة، وقوله " قطعت " جواب رب المقدرة، وهو العامل في محل يهماء النصب، والرسامة:

(4/191)


الناقة التى تؤثر في الارض من شدة الوطء، والجسرة - بفتح الجيم - الناقة القوية، ومثلها العذافرة، والفنيق - بفتح الفاء وكسر النون - الفحل العظيم الخلق، والقطم - بفتح القاف وكسر الطاء - وصف من قطم الفحل بالكسر: أي هاج للضراب، وهو في هذه الحالة أقوى ما يكون، وقوله " إلى المرء " أراد المرء المستغرق لخصائص أفراد الرجال، وقيس: بدل منه أو عطف بيان، والسرى: السير، وهذه طريقة المتقدمين في التخلص إلى المديح، وهو أنهم يصفون الفيافي وقطعها بسير الابل وذكر ما يقاسون من الشدائد في الوصول إلى الممدوح ليوجبوا عليه ذمة ويجزل لهم الصلة والاكرام، و " آخذ " معطوف على أطيل، والحى: القبيلة، والعصم: مفعول آخذ، قال ابن جنى: هو بضمتين جمع عصام، وعصام القربة، وكاؤها وعروتها أيضا، يعنى عهدا يبلغ به وقال ابن هشام صاحب السيرة النبوية: هو بكسر ففتح جمع عصمة، وهى الحبل والسبب، وإنما كان يأخذ من كل قبيلة إلى أخرى عهدا لان له في كل قبيلة
أعداء ممن هجاهم أو ممن يكره ممدوحه فيخشى القتل أو غيره فيأخذ عهدا ليصل بالسلامة إلى ممدوحه.
وقد تكلمنا عليه بأبسط من هذا في شرح الشاهد الرابع والعشرين بعد الثلاثمائة من شرح شواهد شرح الكافية.
وأنشد هنا قول الشاطبي رحمه الله، وبه توفى المائة.
100 - وفى هاء تأنيث وميم الجميع قل * وعارض شكل لم يكونا ليدخلا وفى الهاء للاضمار قوم أبوهما * ومن قبله ضم أو الكسر مثلا أو اماهما واو وياء، وبعضهم * يرى لهما في كل حال محللا على أن ابن الحاجب ظن أن الشاطبي أراد بقوله " وبعضهم يرى لهما في كل حال

(4/192)


محللا " كل حال من أحوال هاء التأنيث وميم الجمع وعارض الشكل وهاء المذكر، كما وهم بعض شراح كلامه أيضا، فأجاز ابن الحاجب بناء على هذا الوهم الروم والاشمام في الاربعة، وإنما معنى قول " الشاطبي في كل حال " من أحوال هاء الضمير فقط.
أقول: شرح الجعبرى كما ذكره الشارح، ثم نقل أن بعضهم جعله عاما في هذه الثلاثة وغيرها، قال: وتوهم بعضهم في كل حال من أحوال الحرف الموقوف عليه، ومنها النصب، وهذا صرف للكلام إلى غير ما فرض، وغلط في النقل، انتهى وكذا شرح أبو شامة، على ما ذكره الشارح المحقق، وكذا شرح السمين، لكنه عمم في آخر كلامه، وهذه عبارته: قوله " وبعضهم يرى لهما في كل حال محللا " إشارة إلى أن بعض أهل الاراء حلل الروم والاشمام: أي جوزهما: في هاء الاضمار في كل حال، حتى في الحال التى منع فيها، وهى ما إذا كانت الهاء مضمومة بعد ضمة أو واو مكسورة بعد كسرة أو ياء، فيروم ويشم ونحو (يعلمه) و (بمزحزحه) و (عقلوه)
و (لابيه)، وممن ذهب إلى جواز الروم والاشمام مطلقا أبو جعفر النحاس، وليس هو مذهب القراء.
وقد تحصل مما تقدم أن الامر دائر في الروم والاشمام بين ثلاثة أشياء: استثناء هاء التأنيث وميم الجمع والحركة العارضة، وهذا أشهر المذاهب، الثاني استثناء هذه الثلاثة مع هاء الكناية بالشرط المتقدم عند بعض أهل الاراء، الثالث عدم استثناء شئ من ذلك، وهو الذى عبر عنه بقوله " وبعضهم يرى لهما في كل حال محللا " انتهى كلامه.
فقوله " وهذا أشهر المذاهب " يؤكد (1) ما حكاه ابن الحاجب من جوازهما في الثلاثة أيضا، وقول الشارح المحقق " لم أر أحدا من القراء ولا من النحاة ذكر أنهما يجوزان في أحد الثلاثة " وهم، فإن بعض القراء صرح بجوازهما في ميم
__________
(1) في نسخة " يؤيد " (*)

(4/193)


الجمع، قال أبو شامة والسمين: وما ذكره الناظم من منع الروم والاشمام في ميم الجمع هو المشهور، وهو اختيار أبى عمرو الدانى وغيره، وخالف في ذلك مكى فجوزهما فيها، قال (مكى): ميم الجمع أغفل القراء الكلام عليها، والذى يجب فيها على قياس شرطهم أن يجوز فيها الروم والاشمام، لانهم يقولون: لا فرق بين حركة الاعراب وحركة البناء في جواز الروم والاشمام، فالذي يشم ويروم حركة النص غير مفارق له، والذى لا يروم حركة الميم خارج عن النص بغير رواية، اللهم إلا أن يوجد الاستثناء فيها منصوصا، فيجب الرجوع إليه إذا صح، وليس ذلك بموجود، ومما يقوى جواز ذلك فيها نصهم على هاء الكناية بالروم والاشمام، فهى مثل الهاء لانها توصل بحرف بعدها حركة، كما توصل الهاء، وتحذف ذلك الحرف في الوقف كما تحذف مع الهاء، فهى مثلها في هذا، غير أن
الهاء أخفى منها، فلذلك امتنعت الهاء من الروم والاشمام إذا كانت حركتها مثل حركة ما قبلها أو كان قبلها ساكن من جنس حركتها، وهذا لا يكون في الميم، لانها ليست بالخفية، ولو كانت في هذا مثل الهاء لم يجز الاشمام في يقوم ويحكم، وليس في جوازه اختلاف، وليس قول من يمنع ذلك لان الميم من الشفتين بشئ، لاجماع الجميع على الروم والاشمام في الميم التى في أواخر الافعال والاسماء التى ليست للجمع، ولو تم له منع الاشمام فيها لم يتم له منع الروم، إلى آخر ما فصله.
قال السمين: فمكي جوز ذلك فيها لثلاثة أوجه: أحدها الدخول في عموم نص القراء على جوازهما في المتحرك، ولم يستثنوا من ذلك ميم الجمع، فالمتمسك بذلك فيها غير خارج عن النص ولا مفارق له، الثاني القياس على هاء الاضمار، بل جعل الميم أولى بذلك لعدم خفائها، الثالث إفساد علة من علل منعهما فيها بأنها من حروف الشفتين، وقد أغلظ الدانى في الرد على مكى، وفرق بين ميم

(4/194)


الجمع وهاء الكناية، ورد على الدانى في ذلك كما فصله السمين وقول الشاطبي: " وفى هاء تأنيث " قال أبو شامة: هذا مشروع فيما يمتنع فيه الروم والاشمام على رأى القراء، والالف في " يكونا " و " ليدخلا " يرجع إلى الروم والاشمام، أي: لم يقعا في هذه المواضع الثلاثة حيث كانت، انتهى، ومفهومه أنهما يجوزان في الثلاثة عند غير القراء وقوله " وعارض شكل " قال السمين: أي عارض الحركة، وذلك على قسمين: الاول ما عرض تحريكه لالتقاء الساكنين، نحو: (ومن يشاق الله) (وإن امرؤ) و (قالت اخرج) و (قل الله) والثانى ما عرض تحريكه بالنقل، نحو: (من استبرق) و (من أجل ذلك) و (قد افلح) وكلا القسمين ممتنع
فيه الروم والاشمام، ثم قال: واعلم أنهما يمتنعان في حركة التقاء الساكنين، إذا كان الساكنان من كلمتين، نحو (ومن يشاق الله) و (عصوا الرسول) أو من كلمة واحدة وأحدهما التنوين، نحو يومئذ وحينئذ، أما إذا كان الساكنان في كلمة واحدة وليس أحدهما تنوينا فإن الروم والاشمام جائزان في تلك الحركة وإن كانت حركة التقاء الساكنين، لوجود علة الحركة وصلا ووقفا، وذلك نحو (ومن يشاق الله) فالروم فيه غير ممتنع، لان الساكن الذى وجدت الحركة من أجله موجود في الوصل والوقف، بخلاف ما مر، فإن الساكن الذى وجدت الحركة من أجله معدوم في الوقف حيث كان بعضه من كلمة أخرى، وفى بعضه تنوينا، وبهذا يعلم أن إطلاق من أطلق منع دخول الروم والاشمام في حركة التقاء الساكنين ليس بجيد، انتهى وهذا أيضا يرد على الشارح في قوله " لم أرد أحدا من القراء أجازهما في أحد الثلاثة المذكورة " وقول الشاطبي " وفى الهاء للاضمار " إلى آخر البيتين، قال السمين: أخبر

(4/195)


عن قوم من أهل القرآن أنهم أبو أي امتنعوا من الروم والاشمام في هاء الضمير بشرط أن يكون قبلها ضمة أو كسرة أو واو أو ياء ساكنة، وذلك نحو (يعلمه) و (بمزحزه) و (عقلوه) و (لابيه) فكل هذه الامثلة الاربعة وما أشبهها لايدخل فيها روم ولا إشمام.
وقوله " وفى الهاء " الظاهر أنه متعلق بمقدر: أي أعنى في الهاء، ولا يجوز تعلقه بقوله " أبوهما " لان القاعدة تمنع من تقديم المعمول حيث لا يتقدم العامل عندهم، و " أبوهما " لا يجوز تقديمه على " قوم " لانه صفة له أو خبر، وعلى كلا التقديرين تقديمه ممتنع، لان الصفة لا تتقدم على موصوفها والخبر الفعلى لا يتقدم على مبتدئه (1)
وقوله " للاضمار " حال من الهاء أي كائنة للاضمار، وقوله " قوم " مبتدأ، وفى خبره قولان: أحدهما أنه محذوف تقديره ومن القراء قوم، " وأبوهما " على هذا في موضع النعت للمبتدأ، والثانى أنه قوله " أبوهما " وحينئذ يقال: ما المسوغ للابتداء بقوم، وهو نكرة ؟ والجواب أن المسوغ له العطف، وهو معدود من المسوغات، والاباء: الامتناع، وقوله " ومن قبله ضم " مبتدأ مؤخر قدم خبره عليه، والهاء في " قبله " فيها وجهان ذكرهما أبو شامة: أحدهما أنه تعود على الاضمار، وهذا وإن كان مساعدا له من حيث اللفظ إلا أنه غير ظاهر من حيث المعنى إذ الاضمار معنى من المعاني، فلا يتحقق أن يكون قبله ضم، والثانى أنها تعود على الهاء، وهذا واضح: أي ومن قبل الهاء ضم، قال أبو شامة: ولو قال قبلها لجاز على هذا، وكان أحسن
__________
(1) هذا الذى ذكره من أن الخبر الفعلى لايتقدم على المبتدأ ليس على إطلاقه بل هو مخصوص بما إذا كان الفعل مسندا إلى ضمير الواحد نحو قولك " محمد حضر " فأما إذا كان الفعل مسندا إلى ضمير الاثنين نحو " المحمدان حضرا " أو إلى ضمير الجمع نحو " المحمدون حضروا " فانه يجوز التقديم فتقول: حضرا المحمدان، وحضروا المحمدون.
(*)

(4/196)


لانه أوضح، والوزن موات له، والجملة من قوله " ومن قبله " ضم في موضع الحال من الهاء: أي أبوهما في الهاء للاضمار والحال أن قبلها ضما أو كسرا، وقوله " أو الكسر " عطف على " ضم " عطف معرفة على نكرة، وأو للتنويع، وقوله " مثلا " جملة فعلية في موضع الحال أو في موضع رفع، فإن كانت حالا ففى صاحبها ثلاثة أوجه: أحدها أنه الكسر، والثانى أنه الضم، فإن قيل: كيف ساغ مجيئها من نكرة ؟ فجوابه أن سيبويه، يرى ذلك، أو تقول: العطف يسوغه كما سوغ الابتداء، وقد ذكروا أن كل ما سوغ الابتداء بنكرة سوغ مجئ الحال منها، والثالث أنه الضمير
المستتر في الخبر، وهو قوله " ومن قبله "، وهو في الحقيقة راجع لاحد القولين المتقدمين، فإن الضمير المستتر عائد على الضم أو الكسر، وحيث جعلناه حالا من أحدهما فالحال في الاخر مرادة، وإنما استغنى عنها لدلالة المعنى، ولان العطف بأو، وهو يقتضى الافراد، وإن كانت في موضع رفع فهى صفة لقولهم ضم، وحينئذ يكون الحال من قوله " أو الكسر " لدلالة صفة الاول عليها، فإنه لا فرق بين الصفة والحال معنى، والالف في " مثلا " الظاهر أنها للاطلاق، لان العطف بأو، وجوز أبو شامة أن تكون للتثنية، فتعود على قوله ضم أو الكسر، ومعنى مثل شخص من مثل بين يديه: أي شخص، ومنه قول العلماء: مثل له المسألة: أي شخصها له، وقوله " أو اماهما " أو عاطفة على ضم أو كسر، فالضمير في " أماها " للضم والكسر، ويعنى بأميهما الواو والياء، ولذلك بينهما بقوله " واو وياء " أي: أم الضم الواو وأم الكسر الياء، فهو من باب اللف والنشر، لان كل واحد يليق بصاحبه للتجانس المعروف، ونقل حركة همزة " أما هما " إلى واو " أو " فضمها، وأسقط همزة " أما هما " على قاعدة النقل، وأم الشئ: أصله، وقوله " واو وياء " بدل من أما هما، وقوله " أو اماهما " بناء منه على المذهب الصحيح، وهو أن الحرف أصل الحركة، والحركة متولدة منه، وقيل بالعكس

(4/197)


وقد سبق الناظم إلى هذه العبارة الحصرى في قصيدته المشهورة حيث يقول (من الطويل): وأشمم ورم ما لم تقف بعد ضمة * ولا كسرة أو بعد أميهما فادر وقوله " وبعضهم " مبتدأ، والضمير للقراء، للعلم بهم، و " يرى " مبنى للمفعول، ومرفوعه ضمير بعضهم، و " لهما "، و " في كال حال " متعلقا منه بمحللا، ومحللا: مفعول ثان للرؤية، والمحلل: اسم فاعل من حلل الشئ تحليلا: أي
جعله حلالا، ضد حرمه، إذا منعه: أي أن بعضهم أباح ذلك في كل حال والشاطبى: هو القاسم (1) بن فيرة بن خلف بن أحمد الرعينى الشاطبي نسبة إلى شاطبة قرية بجزيرة الاندلس كان إماما في القرآن والحديث والنحو واللغة في شدة ذكاء، وكراماته تلوح منه، ولد آخر سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، فيكون عمره أقل من اثنين وخمسين سنة (2)، وهذه القصيدة في القراءات السبع سماها حرز الامانى ووجه التهانى، ولها شروح تفوت الحصر، وأجلها هذه الشروح الثلاثة، وشرح، الامام علم الدين السخاوى تلميذ المصنف، وهو أول من شرحها، وشرح أبى عبد الله الفاسى، رحمهم الله تعالى ونفعنا بعلومهم وأنشد بعده، وهو الشاهد الواحد بعد المائة (من الرجز) 101 - * بل جوز تيهاء كظهر الحجفت *
__________
(1) في الاصول " هو أبو القاسم " وليس صحيحا، والتصويب عن بغية الوعاة للسيوطي (2) هذه التفريع غير ظاهر، لانه إنما يتم بعد ذكر سنة وفاته، وجميع أصول الكتاب خالية من ذلك، وقد توفى القاسم بن فيرة في جمادى الاولى من عام 590 تسعين وخمسمائة من الهجرة، وانظر ترجمته في البغية (379) (*)

(4/198)


على أنه يجوز الروم والاشمام عند من يقف بالتاء، فيجوز في " الحجفت " الروم دون الاشمام قال السمين في شرح الشاطبية: وفى قول الناظم رحمه الله تعالى " وفى هاء تأنيث " شبهة على أنه لو لم تبدل التاء هاء في الوقف، وذلك كما رسمت بعض التاءات بالتاء دون الهاء، نحو (جنت نعيم) و (رحمت ربك) و (بقيت الله فإن الروم والاشمام بعد خلاف تلك التاء لانتفاء العلتين المانعتين من روم الهاء
وإشمامها، أعنى كون الحركة فيها نفسها وكونها غير مشبهة ألف التأنيث، وقد نص مكى على ذلك، فقال: لم يختلف القراء في هاء التأنيث أنهم يقفون عليها بالاسكان، ولا يجوز الروم والاشمام فيها، لان الوقف على حرف لم يكن عليه إعراب إنما هو بدل من الحرف الذى كان عليه الاعراب، إلا أن تقف على شئ منها بالتاء إتباعا لخط المصحف، فإنك تروم وتشم إذا شئت، لانك تقف على الحرف الذى كانت الحركة لازمة له فيحسن الروم والاشمام، انتهى وقال ابن جنى في سر الصناعة: من العرب من يجرى الوقف مجرى الوصل فيقول في الوقف: هذا طلحت، وعليه السلام والرحمت، وأنشدنا أبو على: * بل جوزتيهاء كظهر الحجفت * انتهى وقال الصاغانى في العباب: ومن العرب من إذا سكت على الهاء جعلها تاء، وهو طيئ، فقال: هذا طلحت، وخبز الذرت وقال ابن المستوفى أيضا: وجدت في كتاب أنها لغة طيئ وقوله " بل جوزتيهاء " قال الصاغانى في " بل ": ربما وضعوا بل موضع رب، قال سؤر الذئب * بل جوزتيهاء كظهر الحجفت *

(4/199)


أي: رب جوزتيهاء، كما يوضع الحرف موضع غيره، والجوز - بفتح الجيم وآخره زاى معجمة - الوسط، وجوز كل شئ: وسطه، والجمع أجواز، والتيهاء - بفتح المثناة الفوقية - المفازة التى يتيه فيها سالكها: أي يتحير، والحجفة - بفتح الحاء المهملة والجيم والفاء - الترس، قال عبد القاهر: يقولون تيهاء كظهر المجن، يريدون الملاسة، وقال ابن المستوفى: شبه التيهاء بظهر
المجن في الملاسة، والشئ قد يشبه بالشئ ويراد منهما معنى فيهما، " كظهر الحجفت " إنما أراد أن التيهاء ملساء لا أعلام فيها كظهر الحجفة ملاسة، ولم يرد أنها مثله في المقدار، انتهى وذكر الوسط ليدل على أنه توسط المفازة ليصف نفسه بالقوة والجلادة، قال صاحب العباب: يقال للترس إذا كان من جلود ليس فيه خشب ولا عقب: حجفة، ودرقة، وأنشد البيت لسؤر الذئب، وكذا قال الجوهرى، وقال: قال الراجز: ما بال عينى عن كراها قد جفت * مسبلة تستن لما عرفت دارا لليلى بعد حول قد عفت * بل جوزتيهاء كظهر الحجفت انتهى.
قال ابن برى في أماليه على الصحاح: هذا الرجز لسؤر الذئب، وصواب إنشاده: ما بال عينى عن كراها قد جفت * وشفها من حزنها ما كلفت كأن عوارا بها أو طرفت * مسبلة تستن لم عرفت دارا لليلى بعد حول قد عفت * كأنها مهارق قد زخرفت تسمع للحلى إذا ما انصرمت * كزجل الريح إذا ما زفزفت

(4/200)


ما ضرها أم ما عليها لو شفت * منيما بنظرة وأسعفت (1) بل جوزتيهاء كظهر الحجفت * قطعتها إذا المها تجوفت مأزقا إلى ذراها أهدفت (2) انتهى ما أورده وقوله " ما بال عينى " ما استفهامية مبتدأ، وبال: خبره، والبال: الشأن والحال،
وعن: متعلقة بجفت، والكرى: النوم، قال الخوارزمي: جفت أي انقطعت عن كراها، انتهى.
وهو بالجيم، وهو من جفا الشئ عن كذا وتجافى عنه: أي نبا عنه وتباعد، وجملة " قد جفت " حال من العين، و " شفها " من شفه الهم يشفه: أي هزله وأنحله، و " كلفت " بالبناء للمفعول، والعوار - بضم العين وتشديد الواو، وهو ما يسقط في العين فتدمع، يقال: بعينه عوار: أي قذى، ومثله العائر، " وطرفت " بالبناء للمفعول، من طرفت عينه طرفا - من باب ضرب - إذا أصبتها بشئ، فدمعت.
فهى مطروفة، ومسلبة: أي تصب دمعها، من أسبلت الماء: أي صببته، وتستن: تجرى بدمعها، من سننت الماء، إذا أرسلته إرسالا من غير تفريق، وقوله " دارا لليلى " مفعول عرفت، وعفت: ذهبت آثارها وانمحت معالمها، وقوله " كأنها " أي كأن ليلى،
__________
(1) في اللسان (ح ج ف) زيادة بيت بعد هذا البيت وهو * قد تبلت فؤاده وشغفت * (2) في اللسان (ح ج ف - أرن) " مآرنا إلى ذراها - الخ " والمآرن: جمع إران على غير لفظه كمحاسن ومشابه، أو جمع مئران، وهو كناس الوحش، وأصله على هذا الوجه مآرين، كما قال جرير: قد بدلت ساكن الارام بعدهم * والباقر الخنس يبحثن المآرينا فحذف الياء كما حذفت في قوله تعالى: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو) وكما قال الراجز وجمع عوارا: * وكحل العينين بالعواور * (*)

(4/201)


والمهارق: جمع مهرق، وهى الصحيفة البيضاء يكتب (1) فيها، شبهها بالكاغد لصقالته وبياضه ونعومته، وزخرفت: زينت بالذهب، والزخرف: الذهب،
والحلى - بفتح فسكون - ما تتزين به المرأة كالخلخال والسوار، وانصرفت: ذهبت فمشت، وزجل الريح: صوتها، وهو بفتح الزاى والجيم، وزفزفت - بزاءين معجمتين وفاءين - أي هبت بشدة، وقوله " قطعتها " هو جواب رب المقدرة بعد بل، والمها - بالفتح -: جمع مهاة، وهى البقرة الوحشية، والمآزق: جمع مأزق، وهو المضيق، وذراها - بفتح الذال - أي: ناحيتها، وأهدفت: قربت، قال شمر: الاهداف الدنو من الشئ والاستقبال له وأنشد الجاربردى بعد هذا البيت، وهو الشاهد الثاني بعد المائة (من الرجز) 102 - * بل مهمه قطعت بعد مهمه * على أن رب بعد بل مقدرة، والجر بها والمهمه: المفازة البعيدة الاطراف، ومفعول " قطعت " محذوف، وهو ضمير المهمه: أي قطعتها وتجاوزتها وهذا البيت نسب إلى رؤبة، ورجعت إلى ديوانه فلم أجده فيه، ونسب إلى والده العجاج، قال العينى: لم أجده في ديوانه، والله تعالى أعلم وأنشد بعده، وهو الشاهد الثالث بعد المائة (من الرجز): 103 - ورب ضيف طرق الحى سرى * صادف زادا وحديثا ما اشتهى
__________
(1) هو فارسي معرب، وزنته كزنة اسم المفعول من الرباعي، قال حسان: كم للمنازل من شهر وأحوال * لال أسماء مثل المهرق البالى (*)

(4/202)


* إن الحديث جانب من القرى * على أن السيرافى استدل على كون الاف لام الكلمة في الاحوال أنها
جاءت رويا في النصب، فألف " سرى " لام الكلمة، لا أنها بدل من نون التنوين للوقف، إذ لا يجوز أن تكون رويا مع الالف الاصلية كألف " اشتهى " و " القرى " وبما حقق الشارح المحقق من مذهب سيبويه يرد على ابن هشام اللخمى في شرح المقصورة الدريدية عند قوله (من الرجز) فاستنزل الزباء قسرا وهى من * عقاب لوح الجو أعلى منتمي (1) قال في شرحه: قوله " منتمي " قد غلط فيه، لان العرب لا تقف بالتنوين، ومنتمي هنا منصوب على التمييز، والوقف فيه عند سيبويه على الالف المبدلة من التنوين، هذا كلامه.
وقال أبو حيان في الارتشاف: " والمقصور المنون يوقف عليه بالالف، وفيه مذاهب: أحدها أن الالف بدل من التنوين، واستصحب حذف الالف المنقلبة.
وصلا ووقفا، وهو مذهب أبى الحسن والفراء والمازني وأبى على في التذكرة، والثانى أنها الالف المنقلبة، لما حذف التنوين عادت مطلقا، وهو مروى عن أبى عمرو والكسائي والكوفيين وسيبويه والخليل فيما قال أبو جعفر الباذش، والثالث اعتباره بالصحيح، فالالف في النصب بدل من التنوين، وفى الرفع والجر هي بدل من لام الفعل، وذهب إليه أبو على في أحد قوليه، ونسبه أكثر الناس إلى سيبويه ومعظم النحويين، انتهى.
وهذا من رجز أورده أبو تمام في باب الاضياف والمديح من الحماسة، قال: وقال الشماخ في عبد الله بن جعفر بن أبى طالب أخى أسد الله على كرم الله وجههما.
__________
(1) لوح الجو - بضم اللام - أعلاه (*)

(4/203)


إنك يا ابن جعفر خير فتى * ونعم مأوى طارق إذا أتى
ورب ضيف طرق الحى سرى * صادف زادا وحديثا ما اشتهى إن الحديث طرف من القرى * ثم اللحاف بعد ذاك في الذرى انتهى.
وفى الاغانى أن الشماخ خرج يوما يريد المدينة، فلقيه عرابة بن أوس، وكان سيدا من سادات قومه، وجوادا، فسأله عما أقدمه المدينة، فقال: أردت أن أمتار لاهلي، وكان معه بعيران، فأوقرهما له برا وتمرا، وكساه وبره وأكرمه، فخرج عن المدينة وامتدحه بقصيدته التى يقول فيها (من الوافر) رأيت عرابة الاوسي يسمو * إلى الخيرات منقطع القرين إذا ما راية رفعت لمجد * تلقاها عرابة باليمين ولما سمع ابن دأب كلام الشماخ في عبد الله بن عبد جعفر بن أبى طالب * إنك يا ابن جعفر نعم الفتى * إلى آخر الابيات، قال: العجب للشماخ، يقول هذا في عبد الله بن جعفر، ويقول في عرابة بن أوس: إذا ما راية رفعت لمجد * تلقاها عرابة باليمين ابن جعفر كان أحق بهذا من عرابة، انتهى.
قال عبد اللطيف البغدادي في شرح نقد الشعر لقدامة قول الشماخ: * رأيت عرابة الاوسي * البيت - معناه علمته كذا وصح عندي ذلك منه، ويجوز أن يكون هنا بمعنى أبصرته، وهو الامثل عندي، ويكون " يسمو " حالا، وذلك أن المشاهدة أدل شئ على صحة الامر، فلا دليل أقوى منها، والخيرات هي: الافعال المعتدلة المتوسطة بين طرفين هما شر، فكأنه قال: شاهدت منه أفعال الخير والفضائل، وقوله " إذا ما راية رفعت لمجد " هذا استعارة: أي إذا حدث أمر يقتضى فعل مكرمة ويفتقر فيه أن يضطلع به رب فضيلة وشرف تلقاها

(4/204)


عرابة باليمين: أي بقوة وبطش واجتهاد وانشراح صدر، وفى قوله " تلقاها " ما يشعر بهذا المعنى أشد من قوله أخذها، وهذا البيت دل به على الاخلاق العتيدة والفضائل النفسية، وأما البيت الاول فدل به على الافعال الحميدة والخيرات المشاهدة، فصار البيت الاول توطئة للثاني، وكالدال عليه والمثبت له، فإن الافعال المشاهدة سابقة في الاحساس لما في النفس ودالة عليه، فتلمح ذلك وأعجب لشرف طباع هؤلاء كيف تسمو بهم جودة القريحة وصحة الفكرة والروية إلى مثل هذا، انتهى كلامه.
ومثله للمبرد في الكامل قال: قوله " تلقاها عرابة باليمين " قال أصحاب المعاني معناه بالقوة، وقالوا مثل ذلك في قوله تعالى (والسموات مطويات بيمينه) وقال معاوية لعرابة بن أوس الانصاري: بم سدت قومك ؟ قال: لست بسيدهم، ولكني رجل منهم، فعزم عليه، فقال: أعطيت في نائبتهم، وحملت عن سفيههم وشددت على يدى حليمهم، فمن فعل منهم مثل فعلى فهو مثلى، ومن قصر عنه فأنا أفضل منه، ومن تجاوزني فهو أفضل منى، وكان سبب ارتفاع عرابة أنه قدم من سفر فجمعه الطريق والشماخ بن الضرار المرى فتحادثا، فقال له عرابة: ما الذى أقدمك المدينة ؟ قال: قدمت لامتار منها، فملا له عرابة رواحله برا وتمرا وأتحفه بغير ذلك، فقال الشماخ * رأيت عرابة الاوسي يسمو * إلى آخر الابيات انتهى.
وأما عبد الله بن جعفر الطيار بن أبى طالب فقد قال ابن عبد ربه (1) في العقد الفريد: أجواد أهل الاسلام أحد عشر رجلا في عصر واحد لم يكن قبلهم ولا بعدهم مثلهم، فأجواد أهل الحجاز ثلاثة في عصر واحد: عبيد الله بن العباس، وعبد الله بن جعفر، وسعيد بن العاص، إلى أن قال: ومن جود عبد الله بن جعفر أن عبد الرحمن بن
__________
(1) انظر العقد الفريد لابن عبد ربه (1: 112) (*)

(4/205)


عمار (1) دخل على نخاس يعرض قيانا له، فعلق واحدة منهن، فشهر بذكرها حتى مشي إليه عطاء وطاووس ومجاهد يعذولنه، فكان جوابه (من البسيط) يلومني فيك أقوام أجالسهم * فما أبالى أطار اللوم أم وقعا فانتهى خبره إلى عبد الله بن جعفر، فلم يكن له هم غيره، فحج فبعث إلى مولى الجارية، فاشتراها منه بأربعين ألف درهم، وأمر قيمة جواريه أن تزينها وتحليها ففعلت، وبلغ الناس قدومه فدخلوا عليه، فقال: ما لى لا أرى ابن عمار (1) زارنا ؟ فأخبر الشيخ، فأتاه مسلما، فلما أراد أن ينهض استجلسه، ثم قال: ما فعل حب فلانة ؟ قال: في اللحم والمخ والعصب ! قال: أتعرفها لو رأيتها ؟ قال (2) نعم، فأمر بها مباركا لك فيها، فلما ولى قال: يا غلام، احمل معه مائة ألف درهم ينعم بها معها، فبكى عبد الرحمن وقال: يا أهل البيت، لقد خصكم الله بشرف ما خص به أحدا قبلكم من صلب آدم، فهنيئا لكم هذه النعمة وبورك لكم فيها، ومن جوده أيضا أنه أعطى أمرأة سألته مالا عظيما، فقيل له: إنها لا تعرفك، وكان يرضيها اليسير، قال: إن كان يرضيها اليسير فإنى لا أرضى إلا بالكثير، وإن كاتت لا تعرفني فأنا أعرف نفسي، هذا ما أورده ابن عبد ربه.
وزعم الخطيب التبريزي في شرح الحماسة، وتبعه العينى، أن المخاطب بقوله * إنك يا ابن جعفر * إلى آخر الشعر، هو عبد الله بن جعفر بن محمد الصادق رضى الله عنه، وهذا لا يصلح، فإن الشماخ صحابي وجعفر كان في زمن هارون الرشيد، والصواب أيضا أن يقول: جعفر الصادق بن محمد الباقر.
وقوله " خير فتى " أي الجامع المروءة، وقوله " ونعم مأوى طارق "
__________
(1) في العقد " بن أبى عمار " (2) في العقد " لو أدخلت الجنة لم أنكرها " (*)

(4/206)


الطارق: الذى يأتي ليلا، والمأوى: اسم مكان من أوى إلى منزله يأوى، من باب ضرب، أويا: أي قام، وهو فاعل " نعم "، وجاء الفاعل هنا منكرا على قلة، والكثير الغالب تعريفه باللام، حكى الاخفش أن ناسا من العرب يرفعون بنعم النكرة مفردة ومضافة، نحو نعم امرؤ زيد، ونعم صاحب قوم عمرو، وقد روى أيضا: إنك يا ابن جعفر نعم الفتى * وخيرهم لطارق إذا أتى وقوله " طرق الحى سرى " الطروق: الاتيان ليلا، والحى: القبيلة، والسرى: جمع سرية (1) بضم السين وفتحها، يقال: سرينا سرية من الليل بالضم والفتح، قال أبو زيد: ويكون السرى أول الليل وأوسطه وآخره، وهو في البيت على حذف: أي طروق سرى، وقال الخطيب التبريزي، وتبعه العينى: سرى أي ليلا، لان السرى لا يكون إلا ليلا، وقوله " صادف " جواب رب، وما: مصدرية ظرفية، والقرى: الضيافة، والذرى - بالفتح: الكنف والناحية.
وأنشد بعده وهو الشاهد الرابع بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه (من الرمل): 104 - وقبيل من لكيز شاهد * رهط مرجوم ورهط ابن المعل على أنه قد يحذف الالف المقصورة في ضرورة الشعر، كما حذف الالف هنا من " المعل "
__________
(1) الذى في اللسان والقاموس أن السرى بمعنى السرية - بضم السين أو فتحها - والذى نراه أنه سرى في هذا البيت منصوب على أنه مفعول مطلق أو على أنه
ظرف مثل قولك: أزورك قدوم الحواج (*)

(4/207)


قال سيبويه لا يقولون في جمل جمل، أي بسكون الميم، لان الفتحة أخف عليهم والالف، فمن ثمة لم تحذف الالف، إن لم يضطر شاعر فيشبهها بالياء، لانها أختها، وهى قد تذهب مع التنوين، قال لبيد رضى الله عنه حيث اضطر: وقبيل من لكيز شاهد * رهط مرجوم ورهط ابن المعل قال الاعلم: الشاهد فيه حذف ألف المعلى في الوقف ضرورة، تشبيها بما يحذف من الياءات في الاسماء المنقوصة، نحو قاض وغاز، وهذا من أقبح الضرورة، لان الالف لا تستثقل كما تستثقل الياء والواو، وكذلك الفتحة، لانها من الالف، انتهى.
وقال أبو على في المسائل العسكرية: ومما حذف في الضرورة مما لا يستحسن حذفه في حال السعة الالف (1) من " المعل " في القيافة تشبيها بالياء في قوله: * وبعض القوم يخلق ثم لا يفر * فكما حذفت الياء في القوافى والفواصل كذلك حذف منه الالف ولم يكن (ليحذف (2) لان من يقول: (ما كنا نبغ) يقول: (والليل إذا يغشى) فلا يحذف، كما أن الذين يقولون: " هذا عمرو " يقولون: رأيت عمرا، إلا أن " المعلى " في الضرورة لا يمتنع، للتشبيه، ويؤكد ذلك أن أبا الحسن قد أنشد (من الوافر): فلست بمدرك ما فات منى * بلهف ولا بليت ولا لواتى فقال " ليت " وهو يريد ليتنى، فحذف النون مع الضمير للضرورة، ثم
__________
(1) في الاصول " حذف الالف " وله وجه بعيد
(2) زيادة لابد منها (*)

(4/208)


أبدل من الياء الالف، ثم حذف، وقد يمكن أن يكون " يا ابن أم " على هذا كأنه محذوف منه مثل قول من قال (من الرجز): * يا ابنة عما لا تلومني واهجعي * فأبدل ثم حذف، وعلى هذا تأويل أبو عثمان قول من قرأ: " يا أبت لم تعبد " انتهى أقول: ألف " يا ابن أم " وألف " يا أبت " كلمة، لانها ضمير المتكلم فهى مستقلة، وليست كألف المعلى، فإنها جزء كلمة، فليست مثلها، واعتبر ابن عصفور في كتاب الضرائر حذف اللام الثانية مع الالف، قال: وقد يحذف المشدد ويحذف حرف بعده، ومن ذلك قول لبيد: * ورهط ابن المعل * يريد المعلى، وقول النابغة: (من الوافر) إذا حاولت في أسد فجورا * فإنى لست منك ولست من يريد منى، انتهى وعد بيت النابغة من الضرورة غير جيد، قال سيبويه في " باب ما يحذف من الاسماء من الياءات في الوقف التى لا تذهب في الوصل (ولا يلحقها تنوين) (1): وتركها في الوقف أقيس وأكثر، لانها في هذه الحال، ولانها ياء لا يلحقها التنوين على كل حال، فشبهوها بياء " قاضى " لانها ياء بعد كسرة ساكنة في اسم وذلك قولك: هذا غلام، وأنت تريد هذا غلامي، (وقد أسقان وأسقن، وأنت تريد أسقاني وأسقنى، لان نى اسم) (1) و (قد) (1) قرأ أبو عمرو (فيقول ربى أكرمن) و (ربى أهانن) على الوقف، وقال النابغة: (من الوافر)
__________
(1) ما بين القوسين ثابت في كلام سيبويه، ولكنه غير موجود في الاصول التى
بأيدينا.
أنظر كتاب سيبويه (ح 2 ص 289) (*)

(4/209)


* فإنى لست منك ولست من * انتهى.
وقال الاعلم: الشاهد فيه حذف الضمير من قوله: " منى " وهو جائز في الكلام، كما قرئ في الوقف (أكرمن) و (أهانن) يقول: هذا لعيينة بن حصن الفزارى، وكان قد دعاه وقومه لمقاطعة بنى أسد ونقضض حلفهم، فأبى عليه وتوعده، وأراد بالفجور: نقض الحلف، انتهى وقال " وقبيل من لكيز إلخ " قبيل: مبتدأ، و " من لكيز " في موضع الصفة له، وشاهد: خبره، والقبيل: العريف والكفيل، وهذا هو المناسب هنا، لانه كما قال الاعلم: " وصف لبيد رضى الله عنه مقاما فاخر فيه قبائل ربيعة بقبيلته من مضر " انتهى ولا يناسبه أن يكون القبيل بمعنى الجماعة تكون من الثلاثة فصاعدا من قوم شتى من الزنج والروم والعرب، وقال العينى: القبيل هنا بمعنى القبيلة، ولم أره كذا في كتب اللغة، ولكيز - بضم اللام وفتح الكاف وآخره زاى معجمة -: أبو قبيلة، وهو لكيز بن أفصى - بالفاء والصاد المهملة والالف - ابن عبد القيس بن أفصى بن دعمى - بضم الدال وسكون المهملة وكسر الميم وتشديد الياء - ابن جديلة - بالجيم - ابن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، وكان لكيز عاقا لامه ليلى، وكانت تحبه، وكان شقيقه شن بارا بها، فحملها شن ذات يوم فجعلت تقول: فديت لكيزا، فرمى بها شن من بعيرها، وكانت عجوزا كبيرة، فماتت، فقال شن: دونك لكيز جعرات (1) أمك، وقال: " يحمل شن ويفدى لكيز " فذهبت مثلا، فولد لكيز وديعة
وصباحا - بضم الصاد - ونكرة - بضم النون - وكل منهم بطن، ثم
__________
(1) الجعرات: جمع جعرة، وهو ما ليس من العذرة في الدبر (*)

(4/210)


صار في أولاد كل منهم بطون، كذا في جمهرة الانساب، وشاهد: بمعنى حاضر، وبه روى أيضاض، والرهط: قوم الرجل وقبيلته، والرهط أيضا: ما دون العشرة من الرجال لا تكون فيهم امرأة، ومرجوم: بالجيم، قال ابن دريد في الجمهرة هو لقب رجل من العرب، كان سيدا ففاخر رجلا من قومه إلى بعض ملوك الحيرة، فقال له: " قد رجمتك بالشرف "، فسمى مرجوما، وأنشد هذا البيت، وكذا في التصحيف للعسكري، قال: " وفى فرسان عبد القيس مرجوم بن عبد القيس بعد الراء جيم، قال الشاعر: * رهط مرجوم ورهط ابن المعل * وإنما سمى مرجوما لانه نافر رجلا إلى النعمان فقال له النعمان: " قد رجمك بالشرف " فسمى مرجوما، وإنما ذكرته لان من لا يعرفه يصحفه بمرحوم - بحاء غير معجمة، وأما مرحوم بن عبد العزيز - بالحاء غير المعجمة - فرجل من محدثي البصرة " انتهى ورهط مرجوم: بالرفع خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: هو رهط مرجوم، ويجوز نصبه بتقدير أعنى، وقال العينى: " رهط مرجوم بالرفع بدل من قبيل أو عطف بيان " هذا كلامه فتأمله (1).
وقال الاعلم: " مرجوم وابن المعل سيدان من لكيز " وهذه نسبة مرجوم من الجمهرة، قال: " مرجوم هو ابن عبد عمرو بن قيس بن شهاب بن زياد بن عبد الله بن زياد بن عصر - بتحريك المهملات - بن عمرو بن عوف بن بكر بن عوف بن أنمار بن عمرو بن وديعة بن لكيز " وأما المعلى فقد قال ابن
دريد في الجمهرة: " هو جد الجارود بشر بن عمرو بن المعلى " انتهى والجارود: اسمه بشر، وسمى الجارود لبيت قاله بعض الشعراء (من الطويل):
__________
(1) الخطأ في تجويزه عطف البيان، لكون الثاني معرفة والاول نكرة، وشرطه التوافق (*)

(4/211)


* كما جردا الجارود بكر بن وائل * (1) وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابنه المنذر بن الجارود استعمله على بن أبى طالب رضى الله عنه على فارس، وعبد الله بن الجارود كان رأس عبد القيس، واجتمعت إلى القبائل من أهل البصرة وأهل الكوفة فقاتلوا الحجاج فظفر بهم، فأخذه الحجاج فصلبه، والحكم بن المنذر بن الجارود سيد عبد القيس (2) مات في حبس الحجاج الذى يعرف بالديماس، وهذه نسبته من الجمهرة: الجارود: هو بشر بن حنش بن المعلى، وهو الحارث بن يزيد بن حارثة بن معاوية بن ثعلبة بن جذيمة بن عوف بن بكر بن عوف بن أنمار بن عمرو بن وديعة بن لكيز المذكور، ولم أقف على ما قبل البيت وبعده حتى أورده.
ولبيد رضى الله عنه صحابي تقدمت ترجمته في الشاهد الثاني والعشرين بعد المائة من شرح شواهد شرح الكافية وأنشد بعده وهو الشاهد الخامس بعد المائة وهو من شواهد سيبويه (من الرجز) 105 - خالي عويف وأبو علج * المطعمان اللحم بالعشج
__________
(1) في اللسان (ج ر د) والجارود العبدى: رجل من الصحابة، واسمه بشر ابن عمرو، وسمى الجارود لانه فر بأبله إلى أخواله من بنى شيبان وبابله داء ففشى ذلك الداء في إبل أخواله فأهلكها، وفيه يقول الشاعر: * لقد جرد الجارود بكر بن وائل *
ومعناه شتم عليهم، وقيل: استأصل ما عندهم، وللجارود حديث، وقد صحب النبي صلى الله عليه وسلم وقتل بفارس في عقبة الطين (2) وهو الذى عناه الشاعر بقوله: يا حكم بن المنذر بن الجارود * سرادق المجد عليك ممدود وهو من شواهد سيبويه (*)

(4/212)


وبالغداة فلق البرنج * يقلع بالود وبالصيصج على أن بعض بنى سعد يبدلون الياء، شديدة كانت أو خفية، جيما في الوقف، كما في قوافى هذه الابيات، فإن الجيم في أواخر ما عدا الاخير بدل من ياء مشددة، وأما الاخير فالجيم فيه بدل من ياء خفيفة، كما يأتي بيانه وإنما حركها الشاعر هنا لانه أجرى الوصل مجرى الوقف، قال سيبويه: " وأما ناس من بنى سعد فإنهم يبدلون الجيم مكان الياء في الوقف، لانها خفية، فأبدلوا من موضعها أبين الحروف، وذلك قولهم: هذا تميمج، يريدون تميمي، وهذا علج، يريدون على، وسمعت بعضهم يقول: عربانج يريدون عربانى، وحدثني من سمعهم يقولون: خالي عويف وأبو علج * المطعمان اللحم بالعشج * وبالغداة فلق البرنج * يريدون بالعشى والبرنى، فزعم أنهم أنشدوه هكذا " انتهى كلامه ولم يذكر إجراء الوصل مجرى الوقف، وذكره الزمخشري في المفصل، وكلام ابن جنى في سر الصناعة وغيره ككلام سيبويه، قال ابن المستوفى في شرح أبيات المفصل: " ومتى خرج هذا الابدال عن هذين الشرطين، وهما الياء المشددة والوقف، عدوه شاذا، ولذلك قال الزمخشري: وقد أجرى الوصل مجرى الوقف "
انتهى.
وهذه الابيات لبدوي، قال ابن جنى في سر الصناعة: " قرأت على أبى بكر، عن بعض أصحاب بن السكيت، عن يعقوب، قال: قال الاصمعي: حدثنى خلف، قال: أنشدني رجل من أهل البادية: * عمى عويف وأبو علج *

(4/213)


إلى آخر الابيات الاربعة يريد أبو على وبالعشي والصيصية، وهى قرن البقرة " انتهى.
وقال شارح شواهد أبى على الفارسى: " جاء به أبو على شاهدا على أن ناسا من العرب يبدلون من الياء جيما، لما كان الوقف على الحرف يخفيه والادغام فيه يقتضى الاظهار ويستدعيه أبدلوا من الياء المشددة في الوقف الجيم، لانها أبين، وهى قريبة من مخرجها، وزعم أبو الفتح أنه احتاج إلى جيم مشددة للقافية، فحذف الياء ثم ألحق ياء النسب كما ألحقوها في الصفات مبالغة، وإن لم يكن منسوبا في المعنى نحو أحمرى في أحمر، ثم أبدل من الياء المشددة جيما، ثم قال: وما علمت أحدا تعرض لتفسيره قبلى، سوى أبى على فيما أظن، قال الشيخ: أقرب من هذا وأشبه بالمعنى أن يكون أراد الصيصاء، وهو ردى التمر الذى لا يعقد نوى، ألحقته بقنديل فقال: صيصئ، ثم أبدل من الياء جيما في الوقف، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف في هذا " انتهى كلامه افتخر بخاله أو بعميه، والمطعمان: صفة لهما، واللحم والشحم: مفعوله، والعشي: قيل: ما بين الزوال إلى الغروب، وقيل: هو آخر النهار، وقيل: من الزوال إلى الصباح، وقيل: من صلاة المغرب إلى العتمة، كذا في المصباح، والغداة: الضحوة، والفلق - بكسر الفاء وفتح اللام - جمع فلقة، وهى القطعة
وروى " قطع " بدله، وروى أيضا " كتل البرنج " وهو جمع كتلة - بضم الكاف - قال الجوهرى: الكتلة: القطعة المجتمعة من الصمغ وغيره، والبرنى - بفتح الموحدة -: نوع من أجود التمر، ونقل السهيلي أنه عجمى، ومعناه حمل مبارك، قال: " بر " حمل و " نى " جيد، وأدخلته العرب في كلامها وتكلمت به، كذا في المصباح، وأقول: " بر " في لغة ثمرة الشجرة أي شجرة كانت، وأما حملها فهو عندهم " بار " بزيادة ألف، والفرق أن " بر " الثمر الذى يؤكل، وأما " بار " فعام سواء كان مما يؤكل أم لا، فصوابه أن يقول: " بر " ثمر الشجر لا حملها، وأما " نى "

(4/214)


فأصله نيك - بكسر النون، فعند التعريب حذفت الكاف وشددت الياء، و " نيك " في لغة الفرس الجيد، ويقلع بالبناء للمفعول، ونائب الفاعل ضمير البرنج، والجملة حال منه، وقال العينى: صفة له، والود، بفتح الواو لغة في وتد، والصيصية بكسر الصادين وتخفيف الياء: القرن، واحد الصيصى، والجمع الصياصى، وصياصى البقر: قرونها، وكان يقلع التمر المرصوص بالوتد وبالقرن، قال ابن المستوفى: الصيصى: جمع صيصية، وهى القرن، كأنه شدد في الوقف على لغة من يشدد ثم أبدل، وزادها أن أجرى الوقف مجرى الوصل، كما قال (من الرجز): * مثل الحريق وافق القصبا * وقال الزمخشري في الحواشى: " شدد ياء الصيصى في الوقف كما لو وقف على القاضى " انتهى وقال ابن جنى في شرح تصريف المازنى: " الذى عندي فيه أنه لما اضطر إلى جيم مشددة عدل فيه إلى لفظ النسب، وإن لم يكن منسوبا في المعنى، كما تقول: أحمر وأحمرى، وهو كثير في كلامهم، فإذا كان الامر كذلك جاز أن يراد بالصيصج لفظ النسب، فلما اعتزمت على ذلك حذفت تاء التأنيث، لانها لا تجتمع
مع ياء النسبة، فلما حذفت الهاء بقيت الكلمة في التقدير صيص بمنزلة قاض، فلما ألحقها ياء النسبة حذفت الياء لياء النسبة، كما تقول في النسبة إلى قاض: قاضى، فصارت في التقدير صيصى، ثم إنها أبدلت من الياء المشددة الجيم، كما فعلت في القوافى التى قبلها، فصارت صيصج، كما ترى، فهذا الذى عندي في هذا، وما رأيت أحدا من عرض لتفسيره، إلا أن يكون أبا على فيما أظنه " انتهى وأنشد بعده، وهو الشاهد السادس بعد المائة (من الرجز): 106 - يا رب إن كنت قبلت حجتج * فلا يزال شاحج يأتيك بج

(4/215)


أقمر نهات ينزى وفرنج على أنه أبدل الجيم من الياء الخفيفة، وأصله حجتى وبى ووفرتي، بياء المتكلم في الثلاثة وأنشد أبو زيد هذه الابيات الثلاثة في أوائل الجزء الثالث من نوادره، قال: " قال المفضل: أنشدني أبو الغول هذه لبعض أهل اليمن " ولم يخطر ببال أبى على ولا على بال ابن جنى رواية هذه الابيات عن أبى زيد في نوادره، ولهذا نسباها إلى الفراء، وقالا: أنشدها الفراء، ولو خطرت ببالهما لم يعدلا عنه إلى الفراء البتة، لان لهما غراما بالنقل عن نوادره، ولو أمكنها أن لا ينقلا شيئا إلا منها فعلا، قال ابن جنى في سر الصناعة: " وكان شيخنا أبو على يكاد يصلى بنوادر أبى زيد إعظاما لها، وقال لى وقت قراءتى إياها عليه: ليس فيها حرف إلا لابي زيد تحته غرض ما، وهو كذلك، لانها محشوة بالنكت والاسرار " انتهى كلامه رحمه الله ولله در الشارح المحقق في سعة اطلاعه، فإنه لم يشاركه أحد في نقل هذه
الابيات عن أبى زيد إلا ابن المستوفى وقد ذهب ابن عصفور في كتاب الضرائر إلى أن إبدال الياء الخفيفة جيما خاص بالشعر، ولم أره لغيره، قال: " ومنها إبدالهم الجيم من الياء الخفيفة، نحو قول هميان بن قحافة (من الرجز) (1) * يطير عنها الوبر الصهابجا * يريد الصهابى، فحذف إحدى الياءين تخفيفا، وأبدل من الاخرى جيما، لتتفق القوافى، وسهل ذلك كون الجيم والياء متقاربين في المخرج، ومثل ذلك قول الاخر، أنشده الفراء:
__________
(1) انظر سمط الالى في شرح أمالى على القالى (ص 572) (*)

(4/216)


* يا رب إن كنت قبلت حجتج * إلى آخر الابيات يريد حجتى، ويأتيك بى، وينزى وفرتى، فأبدل من الياء جيما، وقول الاخر (من الرجز): * حتى إذا ما أمسحت وأمسجا * يريد أمست وأمسى: لانه ردهما إلى أصلهما وهو أمسيت وأمسيا، ثم أبدل الياء جيما لتقاربهما لما اضطر إلى ذلك " انتهى وجعله ابن المستوفى من الشاذ، قال: " ومن الابدال الشاذ قوله، وهو مما أنشده أبو زيد: * يا رب إن كنت قبلت حجتج * وهذا أسهل من الاول، لانه أورد الشاعر في الوقف، إلا أن الياء غير مشددة " انتهى وقوله " يا ربن إن كنت " أنشده الزمخشري في المفصل " لاهم إن كنت "
وكذا أنشده ابن مالك في شرح الشافية، والحجة - بالكسر -: المرة من الحج، قال القيومى في المصباح: " حج حجا من باب قتل: قصد، فهو حاج، هذا أصله، ثم قصر استعماله في الشرع على قصد الكعبة للحج أو العمرة، يقال: ما حج ولكن دج، فالحج: القصد للنسك، والدج: القصد للتجارة، والاسم الحج بالكسر، والحجة المرة بالكسر، على غير قياس، والجمع حجج، مثل سدرة وسدر، قال ثعلب: قياسه الفتح، ولم يسمع من العرب، وبها سمى الشهر ذو الحجة بالكسر، وبعضهم يفتح في الشهر، وجمعه ذوات الحجة " انتهى والشاحج - بالشين المعجمة والحاء المهملة قبل الجيم -: البغل والحمار، من شحج البغل والحمار والغراب - بالفتح - يشحج - بالفتح والكسر - شحيجا وشحاجا، إذا صوت، وقال بعض أفاضل العجم في شرح أبيات المفصل: " قال

(4/217)


صدر الافاضل: أراد بشاحج حمارا: أي عيرا، قيل في نسخة الطباخي بخطه: شبه ناقته أو جمله، بالعير " انتهى وروى ابن جنى عن أبى على في سر الصناعة " شامخ " أيضا بالخاء المعجمة بعد الميم، وقال: يعنى بعيرا مستكبرا، انتهى.
وهذا لا يناسبه " أقمر نهات " وقوله " يأتيك " يأتي بيتك بى، والاقمر: الابيض، والنهات: النهاق، يقال: نهت الحمار ينهت - بالكسر - أي نهق، ونهت الاسد أيضا: أي زأر، والنهيت: دون الزئير، وينزى - بالنون والزاى المعجمة -: أي يحرك، والتنزيه: التحريك، والوفرة بالفاء: الشعر إلى شحمة الاذن، قال ابن المستوفى: أي يحرك لسرعة مشيه، وقال بعض أفاضل العجم في شرح أبيات المفصل قيل: عبر بالوفرة عن نفسه كما يعبر بالناصية تسمية للمحل باسم الخال، يقول: اللهم
إن قبلت حجتى هذه فلا تزال دابتي تأتى بيتك وأنا عليها محرك وفرتى أو جسدي في سيرها إلى بيتك: إى إن علمت أن حجتى هذه مقبولة فأنا أبدا أزور بيتك وأنشد بعده، وهو الشاهد السابع بعد المائة (من الرجز): 107 - الله نجاك بكفى مسلمت * من بعد ما وبعد ما وبعد مت صارت نفوس القوم عند الغلصمت * وكادت الحرة أن تدعى أمت على أن هاء التأنيث في نحو مسلمت والغلصمت وأمت بعض العرب يقف عليها بالتاء كما هنا، وأبو الخطاب من مشايخ سيبويه، وهذا الكلام نقله عنه سيبويه في كتابه بدون هذا الشعر، وهذا نصه (1): " أما كل اسم منون فإنه
__________
(1) انظر كتاب سيبويه (2: 281) تعلم أنه لم ينقل العبارة بحروفها، ولكنه تصرف فيها (*)

(4/218)


يلحقه في حال النصب في الوقف الالف، كراهية أن يكون التنوين بمنزلة النون اللازمة للحرف، ومثل هذا في الاختلاف الحرف الذى فيه تاء التأنيث، فعلامة التأنيث - إذا وصلته - التاء، وإذا وقفت ألحقت الهاء، أرادوا أن يفرقوا بين هذه التاء والتاء التى هي من نفس الحرف نحو تاء ألقت (1) وما هو بمنزلة ما هو من نفس الحرف نحو تاء سنبتة (2) وتاء عفريت، لانهم أرادوا أن يلحقوها ببناء قحطبة وقنديل، وكذلك التاء في بنت وأخت: لان الاسمين ألحقا بالتاء ببناء عمر وعدل، وفرقوا بينها وبين منطلقات لانها كأنها منفصلة من الاول، وتاء الجميع أقرب إلى التاء التى بمنزلة ما هو من نفس الحرف من تاء طلحة، لان تاء طلحة كأنها منفصلة، وزعم أبو الخطاب أن ناسا من العرب يقولون في الوقف: طلحت، كما قالوا في تاء الجميع قولا واحدا في الوقف والوصل " انتهى كلام
سيبويه وقال ابن جنى في سر الصناعة: " فأما قولهم قائمة وقاعدة فإنما الهاء في الوقف بدل من التاء في الوصل، والتاء هي الاصل، فإن قيل: وما الدليل على أن التاء هي الاصل وأن الهاء بدل منها ؟ فالجواب أن الوصل ما يجرى فيه الاشياء على أصولها، والوقف من مواضع التغيير، ألا ترى أن من قال في الوقف: هذا بكر، ومررت ببكر، فنقل الضمة والكسرة إلى الكاف في الوقف، فإنه إذا وصل أجرى الامر على حقيقته، وكذلك من قال في الوقف هذا خالد، وهو يجعل، فإنه إذا وصل خفف الدال واللام، على أن من العرب من
__________
(1) القت: اسم للكذب، ومنه الحديث " لا يدخل الجنة قتات " هو النمام أو المتسمع أحاديث الناس (2) هذا التمثيل في نص كلام سيبويه، وقد اعترضه أبو سعيد السيرافى بأن هذا المثال مما يوقف عليه بالهاء لا التاء فكان ينبغى أن يمثل بسنبت ونحوه مما يوقف عليه بالتاء (*)

(4/219)


يجرى الوقف مجرى الوصل، فيقول في الوقف: هذا طلحت، وعليه السلام والرحمت، وأنشدنا أبو على (من الرجز): * بل جوزتيهاء كظهر الحجفت * وأخبرنا بعض أصحابنا يرفعه بإسناده إلى قطرب أنه أشد (من الرجز): الله نجاك بكفى مسلمت * من بعدما وبعدما وبعدمت صارت نفوس القوم عند الغلصمت * وكادت الحرة أن تدعى أمت فلما كان الوصل مما يجرى فيه الاشياء على أصولها في غالب الامر، وكان الوقف مما يغير فيه الاشياء عن أصولها، ورأينا علم التأنيث في الوصل تاء نحو قائمتان وقائمتكم، وفى الوقف هاء نحو ضاربه، علمنا أن الهاء في الوقف بدل
من التاء في الوصل، وأما قوله " وبعد مت " فأصله " وبعد ما " فأبدل من الالف في التغيير هاء، فصارت " وبعدمه " كما أبدلها الاخر من الالف فقال فيما أخبرنا به بعض أصحابنا يرفعه بإسناده إلى قطرب (من الرجز المجزوء): قد وردت من أمكنه * من ها هنا ومن هنه يريد " ومن هنا " فأبدل من الالف في الوقف هاء، فصار التقدير على هذا " من بعد ما وبعد ما وبعدمه " ثم أبدل الهاء تاء ليوافق بقية القوافى التى تليها، ولا تختلف، وشجعه على ذلك شبه الهاء المقدرة بهاء التأنيث في طلحة وحمزة، ولما كان يراهم يقولون في بعض المواضع في الوقف: هذا طلحت، قال هو أيضا: " وبعدمت " فأبدل الهاء المبدلة من الالف تاء تشبيها لفظيا، وأما ما قرأته على محمد بن الحسن من قول الاخر (من المتقارب): إذا اعتزلت من مقام القرين * فيا حسن شملتها شملتا فقال فيه: إنه شبه هاء التأنيث في " شملة " بالتاء الاصلية في نحو بيت وصوت، فألحقها في الوقف عليها ألفا، كما تقول: رأيت بيتا، فشملتا على هذا

(4/220)


منصوب على التمييز، كما تقول: يا حسن وجهها وجها: أي من وجه " انتهى كلام ابن جنى باختصار.
فقول الشارح المحقق " والظاهر أن هؤلاء لا يقولون في النصب رأيت أمتا " يريد أنهم لا يقولون في الاختيار، وأما في الضرورة فقد قيل، كما نقله ابن جنى في " شملتا ".
وروى ابن عصفور الشعر في كتاب الضرائر بالهاء على الاصل، قال: " ومنه إبدال ألف " ما " و " ها هنا " هاء في الوقف عند الاضطرار إلى ذلك نحو قوله: الله نجاك بكفى مسلمه * من بعدما وبعدما وبعدمه
يريد " وبعدما " وقوله: قد وردت من أمكنه * من ههنا وههنه يريد " وها هنا " وسهل ذلك كون الالف والهاء من مخرج واحد " انتهى.
وهذا الشعر لم أقف على قائله.
وقوله " الله نجاك - الخ " الله: مبتدأ، وجملة " نجاك " خبره، ونجاه من الهلاك تنجية: أي خلصه، ويقال: أنجاه، أيضا، وبه رواه ابن هشام في شرح الالفية، و " بكفى " الباء متعلقة بنجاك، وكفى: مثنى كف، قال الازهرى: الكف الراحة مع الاصابع، سميت بذلك لانها تكف الاذى عن البدن، وأراد بالكف اليد، من إطلاق الجزء على الكل، واليد: من المنكب إلى أطراف الاصابع، والمراد من اليد هنا الدفع، يقال: مالى بهذا الامر يد، ولا يدان، لان المباشرة والدفاع إنما تكون باليد، فكأن يديه معدومتان لعجزه عن الدفع، وإنما ثنى لان كمال الدفع بهما، قال ابن الاثير في النهاية: " في الحديث " عليكم بالجماعة فإن يد الله عليها " كناية عن الحفظ والدفاع عن أهل الضر، كأنهم خصوا بواقية الله وحسن دفاعه، ومنه الحديث الاخر " يد الله على الجماعة " أي أن الجماعة المتفقة من أهل الاسلام في كنف الله ووقايته "

(4/221)


ومسلمة - بفتح الميم واللام - الظاهر أنه مسلمة بن عبد الملك بن مروان، وقوله " من بعدما " الاصل من بعدما صارت نفوس القوم فكرر " من بعدما " ثلاث مرات للتهويل، وأبدل ألف ما الثالثة هاء فتاء للقافية، وقوله " صارت نفوس القوم " متصل في التقرير ببعدما الاولى، ويقدر للثانية والثالثة مثلها، أولا يقدر، لانهما كررا لمجرد التهويل، و " ما " قيل: هي كافة لبعد عن الاضافة ومهيئتها للدخول على الجملة الفعلية، وقيل: مصدرية، وهو الاولى، لان فيه إبقاء " بعد "
على أصلها من الاضافة، ولانها لو لم تكن مضافة لنونت، كذا قال ابن هشام في المغنى، والنفوس: جمع نفس، وهى الروح، يقال: جاد بنفسه، وخرجت نفسه، وهى مؤنثة، قال تعالى: (خلقكم من نفس واحدة) وإن أريد بها الشخص فمذكرة، كذا في المصباح، والغلصمة - بالفتح: رأس الحلقوم، وهو الموضع الناتئ في الحلق، والجمع غلاصم، كذا فيه أيضا، و " كادت " معطوف على صارت، والحرة: خلاف الامة، والحر: خلاف العبد، وأصل الحر الخالص من الاختلاط بشئ غيره، فالحر والحرة مأخوذان منه، لانهما خلصا من الرق، يقول: كاد الاعداء يسبون فتصير الحرة أمة، و " تدعى " بالبناء للمفعول: أي تسمى، وجاءت أن في خبر كاد على أحد الجائزين وأنشد الجاربردى هنا، وهو الشاهد الثامن بعد المائة (من الرجز) 108 - لو كنت أدرى فعلى بدنه * من كثرة التخليط أنى من أنه على أنه يوقف على " أنا " بالهاء قليلا، كما في البيت قال ابن جنى في سر الصناعة: " فأما قولهم في الوقف على " أن فعلت ": أنا، وأنه، فالوجه أن تكون الهاء في " أنه " بدلا من الالف في " أنا " لان الاكثر في الاستعمال إنما هو أنا بالالف، والهاء قليلة جدا، فهى بدل من الالف، ويجوز

(4/222)


أن تكون الهاء أيضا في " أنه " ألحقت لبيان الحركة كما ألحقت الالف، ولا تكون بدلا منها، بل قائمة بنفسها " انتهى والبدنة: ناقة أو بقرة أو بعير، ولا تقع على الشاة، وقال بعض الائمة: البدنة هي الابل خاصة، وإنما ألحقت البقرة بالابل بالسنة، وقوله " من كثرة " متعلق بالفعل المنفى ضمنا: أي ما أدرى من كثرة التخليط، والتخليط في الامر:
الافساد فيه، و " أنى " بفتح الهمزة، ومن: مبتدأ، وأنه: خبره، وقيل بالعكس، والجملة في محل رفع خبر أنى، وجملة " أنى من أنه " في محل نصب سادة مسد مفعولي أدرى، وروى صدره الشارح المحقق رحمه الله في شرح الكافية " إن كنت أدرى " بإن الشرطية وهذا البيت لم أقف على أثر منه وأنشد هنا، وهو الشاهد التاسع بعد المائة (من الوافر): 109 - أنا سيف العشيرة فاعرفوني * حميدا قد تذريت السناما على أن إثبات ألف " أنا " في الوصل لضرورة الشعر، كما في البيت، والقياس حذفها فيه وتقدم ما يتعلق به في الشاهد الثامن والسبعين بعد الثلاثمائة من شرح شواهد شرح الكافية و " حميدا " روى مصغرا ومكبرا، وهو بدل من الياء في " فاعرفوني " لبيان الاسم، أو هو منصوب على المدح بتقدير أعنى، و " تذريت السنام " بمعنى علوته، وهو من الذروة بالكسر والضم، وهو أعلى السنام، وحقيقته علوت ذروة السنام، وقائله حميد بن بحدل الكلبى، وتقدمت ترجمته هناك

(4/223)


وأنشد بعده، وهو الشاهد العاشر بعد المائة (من الرمل) 110 - يا أبا الاسود لم خليتني * لهموم طارقات وذكر على أنه سكن الميم من " لم " إجراء للوصل مجرى الوقف وتقدم أيضا ما يتعلق به في الشاهد السادس عشر بعد الخمسمائة من شرح شواهد شرح الكافية
و " لم " معناه لاجل أي شئ، وخليتني: تركتني، وروى " أسلمتني " وروى أيضا " خذلتني "، والطروق: المجئ ليلا، وإنما جعل الهموم طارقات لان أكثر ما يعترى الانسان في الليل حيث يجمع فكره ويخلو باله فيتذكر ما فيه من الهموم المؤلمة، و " ذكر " بكسر ففتح جمع ذكر على غير قياس وأنشد بعده، وهو الشاهد الحادس عشر بعد المائة (من الوافر): 111 - على ما قام يشتمني لئيم * كخنزير تمرغ في دمان على أن بع العرب لا يحذف ألف " ما " الاستفهامية المجرورة وتقدم أيضا ما يتعلق به في الشاهد السادس والثلاثين بعد الاربعمائة من شرح شواهد شرح الكافية وصواب العجز: * كخنزير تمرغ في رماد * (1) لان القافية داليه، وهو من أبيات لحسان بن ثابت شرحناها هناك وأنشد بعده، وهو الشاهد الثاثنى عشر بعد المائة (من الرجز): 112 - * قالت سليمى اشتر لنا سويقا *
__________
(1) هذا هو الموجود في نسخ الشارح التى بأيدينا (*)

(4/224)


على أن الشاعر سكن الراء، وهى عين الفعل، وكان حقها الكسر، كأنه توهم أنها لام الفعل فسكن الامر (1) وأبو الخطاب: من مشايخ سيبويه، وما نقله عنه الشارح هو في كتاب سيبويه، وليس فيه هذا الشعر، وهذا نصه: " وزعم أبو الخطاب أن ناسا من العرب يقولون: ادعه، من دعوت، فيكسرون العين، كأنها لما كانت في موضع الجزم توهموا أنها ساكنة، إذ كانت آخر شئ في الكلمة في موضع
الجزم، فيكسرون حيث كانت الدال ساكنة، لانه لا يلتقى ساكنان، كما قالوا: رديا يا فتى، وهذه لغة رديئة، وإنما هو غلط، كما قال زهير (من الطويل): بدالى أنى لست مدرك ما مضى * ولا سابق شيئا إذا كان حائيا " انتهى.
وأورده ابن عصفور في الضرائر الشعرية، قال: " فإن كانت الضمة والكسرة اللتان في آخر الكلمه علامتى بناء اتفق النحويون على جواز حذفها في الشعر تخفيفا، نحو قول أبى نخيلة (من الرجز): إذا اعوجبن قلت صاحب قوم * بالدو أمثال السفين العوم وقال العذافى الكندى (من الرجز) قالت سليمى اشتر لنا دقيقا * وهات خبر البر أو سويقا وقال الاخر (من الرجز) فاحذ ولا تكتر كريا أهوجا * علجا إذا ساق بنا عفنججا وقال الاخر (من الوافر): ومن يتق فإن الله معه * ورزق الله موتاب وغادى ألا ترى أن الاصل: صاحب قوم، واشتر، ولا تكتر كريا، ومن يتق
__________
(1) في نسخة " فسكن اللام " وما هنا أدق (*)

(4/225)


فإن الله معه، إلا أنه أسكن إجراء للمتصل مجرى المنفصل أو إجراء للوصل مجرى الوقف، كما تقدم في تسكين المرفوع والمخفوض ؟ فأما قراءة من قرأ (ويخش الله ويتقه) فسكن القاف يريد ويتقه بكسرها، فإن التسكين فيها أحسن من التسكين في اشتر لنا وأمثاله، لشدة اتصال الضمير بما قبله " انتهى وقال شارح شواهد أبى على الفارسى: " لما كانت الياء في هذا الفعل حرف
علة، وكانت تحذف في حالتى الجزم والامر وتبقى الكسرة في الراء قبلها دالة عليها، اغتفر هذا الشاعر كونها منتهى الكلمة فحذفها للامر، شبه الوصل بالوقف، أو شبه المتصل بالمنفصل، وهذا أشبه " أشرب (1) "، لانه لم يخل بإعراب، لان اتصال اللام بمتعلقها أشد من اتصال غيره، أو حذف الياء تخفيفا كما حذفها من لا أدر ولا أبال، ثم أدخل الجازم، ولم يعتد بما حذفه فأسكن للجزم كما أسكن لم أبله قبل أن يحرك لالتقاء الساكنين " انتهى كلامه والبيت الاول من الاربعة من شواهد سيبويه قال الاعلم: " الشاهد تسكين باء صاحب ضرورة، وهو يريد يا صاحب - بالضم - وهذا من أقبح الضرورة، والدو: الصحراء، وأراد بأمثال السفين: رواحل محملة تقطع الصحراء كقطع السفن البحر " انتهى.
والبيت الشاهد من رجز أورده أبو زيد في نوادره لرجل من كندة يقال له العذافر، وهو: قالت سليمى اشتر لنا سويقا * وهات بر البخس أو دقيقا واعجل بلحم نتخذ خرديقا * واشتر وعجل خادما لبيقا واصبغ ثيابي صبغا تحقيقا * من جيد العصفر لا تشريفا
__________
(1) يشير إلى قول امرئ القيسي فاليوم أشرب غير مستحقب * إثما من الله ولا واغل (*)

(4/226)


الخرديق: المرقة باللحم، وتشريقا: مشرق قليل الصبغ، واصبغ واصبغ: لغتان " انتهى.
وزاد بعدها أبو محمد الاعرابي ضالة الاديب سبعة أبيات، وهى: يا سلم لو كنت لذا مطيقا
لما جعلت عيشكم ترميقا فارضي بضيح الرائب الممذوقا وارضى بحب الحنظل المدقوقا فبرقت وصفقت تصفيقا ثم غدت تلتحم الطريقا نحو الامير تبتغى التطليقا وقال: هذه الابيات لسكين بن نضرة عبد لبجيلة، وكان تزوج بصرية فكلفته عيش العراق والسويق: ما يجعل من الحنطة والشعير، معروف، والبر - بالضم - الحنطة والقمح، والبخس - بفتح الموحدة وسكون الخاء المعجمة وآخره سين مهملة -: أرض تنبت من غير سقى، ورواه أبو محمد الاعرابي كذا: * وهات خبز البر أو دقيقا * والخرديق - بضم الخاء المعجمة وسكون الراء المهملة - قال أبو الحسن فيما كتبه على نوادر أبى زيد: الخرديق بالفارسية: المرقة مرقة الشحم بالتابل، واللبيق: الحاذق، واللباقة: الحذاقة، واصبغ - بفتح الباء وضمها - من بابى نفع وقتل وفى لغة من باب ضرب، والصبغ - بفتحتين - لغة في سكون الباء، وقوله " يا سلم " هو مرخم سلمى، وكنت - بضم التاء - والترميق: ضيق المعيشة، وفلان مرمق العيش: أي ضيقه، ويروى: ترنيقا - بالنون موضع

(4/227)


الميم - وهو التكدير، قال ابن الاعرابي: رنق الماء ترنيقا: أي كدره، والضيح - بإعجام الاول وإهمال الاخر - وهو اللبن الرقيق من كثرة الماء، والمذق: الخلط، وارضى: أمر بالرضا في الموضعين، وبرقت: أي عبنها، وتلتحم الطريق:
أي تسده بكثرة الناس عليها من صياحها وشرها وأنشد بعده، وهو الشاهد الثالث عشر بعد المائة (من الوافر): 113 - ومن يتق فإن الله معه * ورزق الله مؤتاب وغادى لما تقدم قبله من تسكين الاخر، والقياس كسر القاف، وقد أورده الجوهرى في موضعين من صحاحه: في مادة (أوب) قال: آب رجع، وأتاب مثل آب فعل وافتعل بمعنى، وأنشد البيت، وأورده ثانيا في مادة الوقاية فأصل مؤتاب بهمز الواو، لان الهمزة فاء الكلمة، والالف مبدلة من واو هي عين الكلمة ولم أقف على تتمته، ولا على قائله، ولم يكتب ابن برى ولا الصفدى عليه شيئا في الموضعين.
وأنشد الجاربردى، وهو الشاهد الرابع عشر بعد المائة (من الرجز): 114 - يا رب يا رباه إياك أسل * عفراء يا رباه من قبل الاجل * فإن عفراء من الدنيا الامل * على أن إلحاق هاء السكت في الوصل لضرورة الشعر، وحركها بالكسر، وروى ضمها أيضا.
وقد تكملنا عليه في الشاهد الثاني والثلاثين بعد الخمسمائة من شرح شواهد شرح الكافية.

(4/228)


وأنشد بعده، وهو الشاهد الخامس عشر، وهو من شواهد سيبويه: (من الكامل) 115 - ولانت تفرى ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفر على أن أصله يفرى، فحذفت الياء، وسكنت الراء، للوقف على القافية، ولا يبالون بتغير وزن الشعر وانكساره
قال سيبويه: (1) " واعلم أن الياءات والواوات اللاتى هن لامات إذا كان ما قبلها حرف الروى فعل بها ما فعل بالياء والواو اللتين ألحقتا للمد في القوافى، لانها تكون في المدة بمنزلة الملحقة، ويكون ما قبلها رويا، كما كان ما قبل تلك رويا، فلما ساوتها في هذه المنزلة ألقحت بها في المنزلة الاخرى، وذلك قولهم لزهير: * وبعض القوم يخلق ثم لا يفر * وكذلك " يغزو " لو كانت في قافية كنت حاذفها إن شئت، وهذه اللامات لا تحذف في الكلام، وما حذف منهن في الكلام فهو هاهنا أجدر أن يحذف، إذ كنت تحذف هنا مالا يحذف في الكلام انتهى كلامه.
قال الاعلم (1): " الشاهد فيه حذف الياء في الوقف من قوله يفرى فيمن سكن الراء، ولم يطلق القافية للترنم، وإثبات الياء أكثر وأقيس، لانه فعل لا يدخله التنوين ويعاقب ياءه في الوصل، فيحذف لذلك في الوقف كقاض وغاز وما أشبههما " انتهى.
وقال شارح شواهد أبى على الفارسى: " جاء شاهدا على أن مثل هذه الياء في الفواصل والقوافي حذف: حذف الياء لثقلها، ثم أسكن الراء للوقف، كما يفعل ذلك في الفواصل من كتاب الله، ولا يفعلون ذلك في الالف لخفتها إلا في ضرورة الشعر، كما قال (من الرمل):
__________
(1) انظر كتاب سيبويه (2: 289) (*)

(4/229)


رهط مرجوم ورهط ابن المعل أراد المعلى، فحذف، وشبه الالف بالياء ضرورة " انتهى كلامه.
والبيت من قصيدة لزهير بن أبى سلمى مدح بها هرم بن سنان المرى، وقد شرحنا ثلاثة أبيات من أولها في الشاهد السابع والستين بعد الاربعمائة من شرح
شواهد شرح الكافية.
وقوله " ولانت تفرى الخ " هذا مثل ضربه لممدوحه، وهو هرم بن سنان المرى، والمراد العزم، و " تفرى " بالفاء تقطع، يقال: فريت الاديم، إذا قطعته على وجه الاصلاح، وأفريته - بزيادة ألف - إذا قطعته على وجه الافساد، والخلق: أحد معانيه التقدير، وهو المراد هنا، يقال: خلقت الاديم، إذا قدرته لتقطعه، فضربه هنا مثلا لتقدير الامر وتدبيره ثم إمضائه وتنفيذ العزم فيه، والمعنى أنك إذا تهيأت لامر مضيت له وأنفذته ولم تعجز عنه، وبعض القوم يقدر الامر ويتهيأ له ثم لا يعزم عليه ولا يمضيه عجزا وضعف همة: وأنشد بعده * رهط مرجوم ورهط بن المعل * على أن أصله ان المعلى فحذفت الالف، لضرورة الشعر، وهو عجز وصدره: * وقبيل من لكيز شاهد * وتقدم شرحه في الشاهد الثالث بعد المائة من هذا الكتاب.
وأنشد بعده، وهو الشاهد السادس عشر بعد المائة (من الكامل): 116 - ولانت أشجع من أسامة إذ * دعيت نزال ولج في الذعر

(4/230)


على أنه حذف الياء من " لا يفر " في البيت السابق تبعا لحذف الياء من " الذعر " في هذا البيت، والياء في " الذعر " إذا أطلقت القافية ولم تسكن تنشأ من كسرة الراء، فهى زائدة حصلت من الاشباع، بخلاف " يفرى " فإنها لام الكلمة.
وهذا البيت قبل البيت السابق في القصيدة، وليس البيت في شعر زهير
كما أنشده، فإن المصراع الاول أجنبي، وإنما قوله: ولنعم حشو الدرع أنت إذا * دعيت نزال ولج في الذعر وذاك المصراع إنما هو للمسيب بن علس، وهو قوله من قصيدة (من الكامل): ولانت أشجع من أسامة إذ * يقع الصراخ ولج في الدعر فالبيت مركب من شعرين، تبع فيه صاحب الصحاح، وقد حققنا الكلام فيه وفى القصيدتين في الشاهد السابع والستين بعد الاربعمائة.
وأسامة - بضم الهمزة - معرفة علم للاسد، " ودعيت " بالبنال للمفعول، و " نزال " في محل رفع نائب الفاعل، ونزال بالكسر: اسم فعل أمر بمعنى انزل، وقد استدل الشارح المحقق وغيره بهذا البيت على أن فعال الامرى مؤنث، ولهذا أنث لها الفعل المسند إليها، ومعنى دعاء الابطال بعضهم بعضا بنزال أن الحرب إذا اشتدت بهم وتزاحموا فلم يمكنهم التطاعن بالرماح تداعوا بالنزول عن الخيل والتضارب بالسيوف، ومعنى " لج في الذعر " بالبناء للمفعول: تتابع الناس في الفزع، وهو من اللجاج في الشئ، وهو النمادى فيه.
وأنشد بعده، وهو الشاهد السابع عشر بعد المائة (من الطويل):

(4/231)


117 - وقد كنت من سلمى سنين ثمانيا * على صير أمر ما يمر وما يحل على أنه حذف الواو من " يحل " للوقف، وهى لام الكلمة، كما حذفت واو الاشباع من " الثقل " في البيت الذى هو بعده.
وهو مطلع قصيدة لزهير بن أبى سلمى مدح بها سنان بن أبى حارثة المرى.
وصحا: أفاق: أي رجع عقله إليه، وأقفر: صار قفرا لا أنيس به، والتعانيق:
موضع، وكذا الثقل - بكسر المثلثة وسكون القاف - موضع، يقول أفاق قلبى من حب سلمى لبعدها منه، وقد كان لا يفيق من شدة التباس حبها به، وقوله: و " قد كنت من سلمى - إلخ " الصير - بكسر الصاد المهملة -: الاشراف على الشئ والقرب منه، يقال: أنا من حاجتى على صير: أي على طرف منها، وإشراف من قضائها، وفى الصحاح: " وأمر الشئ: صار مرا، وكذلك مر الشئ يمر بالفتح مرارة، وأمره غيره ومره " انتهى.
وأنشد العسكري هذا البيت في كتاب التصحيف، وقال: " على صير أمر " على منتهاه ويقال: صيره وصيرورته، قال أبو عمرو: أي على شرف أمر، والياء من يمر مضمومة، لان اللغة العليا أمر الشئ يمر إمرارا، وهو مذهب البصريين وابن الاعرابي، وأهل بغداد يقولون: مر الشئ، قالوا: من العرب من يقول: مر الشئ يمر مرارة، انتهى.
و " يحلو " مضارع حلا الشئ: أي صار حلوا، وأما أحلى فمعناه أن يجعله حلوا، يقال: فلان لا يحلو ولا يمر: أي لا يأتي بحلو ولا مر، وقوله " ما يمر وما يحلو " أي: لم يكن الامر الذى بينى وبينهما مرا فأيأس منه، ولا حلوا فأرجوه، وهذا مثل، وإنما يريد أنها كانت لا تصرمه فيحمله ذلك على اليأس والسلو ولا

(4/232)


تواصله كل المواصلة فيهون أمرها عليه، ويشفى قلبه منها، يقول: كنت في هذه السنين بين يأس وطمع، ولم أيئس منها فيمر عيشي ولم أطمع أن تصلنى فيحلو، وأنشد بعده، وهذا الشاهد الثامن عشر بعد المائة (من الطويل) 118 - صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسل * وأقفر من سلمى التعانيق فالثقل على أنه حذفت واو الاطلاق من " الثقل " فسكن اللام للوقف، وهذه
الواو ناشئة من إشباع ضمة اللام، وقد تقدم شرحه وأنشد بعده وهو الشاهد التاسع عشر بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه: من الرجز) 119 - داينت أروى والديون تقضى * فمطلت بعضا وأدت بعظا على أن الالف لا يجوز حذفها في الوقف قال سيبويه: " وأما يخشى ويرضى ونحوهما فإنه لا يحذف منهن الالف، لان هذه الالف لما كانت تثبت في الكلام جعلت بمنزلة ألف النصب التى تكون في الوقف بدلا من التنوين، فكما تبين تلك الالف في القوافى فلا تحذف، كذلك لا تحذف هذه، فلو كانت تحذف في الكلام ولا تمد إلا في القوافى لحذفت ألف يخشى كما حذفت ياء يقضى، حيث شبهتها بالياء التى في " الايامى " فإذا ثبتت التى بمنزلة التنوين في القوافى لم تكن التى هي لام أسوأ حالا منها، ألا ترى أنه لا يجوز لك أن تقول (من الطويل): *...لم يعلم لنا الناس مصرع * فتحذف الالف ؟ لان هذا لا يكون في الكلام، فهو في القوافى لا يكون،

(4/233)


فإنما فعلوا ذلك بيقضى ويغزو لان بناءهما لا يخرج نظيره إلا في القوافى، وإن شئت حذفته فإنما ألحقتا بما لا يخرج في الكلام، وألحقت تلك بما يثبت على كل حال، ألا ترى أنك تقول: داينت أروى والديون تقضي * فمطلت بعضا وأدت بعضا فكما لا تحذف ألف بعضا كذلك لا تحذف ألف تقضى " (1) انتهى.
وقوله " في الايامى " هو قطعة من بيت لجرير عليه رحمة ربه القدير، وهو:
(من الكامل) أيهات منزلنا بنعف سويقه * كانت مباركة من الايامى وقول: " لم يعلم لنا الناس الخ " فهو أيضا قطعة من بيت ليزيد بن الطثرية (2)، وهو: (من الطويل) فبتنا تحيد الوحش عنا كأننا * قتيلان لم يعلم لنا الناس مصرعا
__________
(1) انظر كتاب سيبويه (ح 2 ص 300) (2) في الاغانى (ح 8 ص 155 طبع دار الكتب): " والطثرية أمه فيما أخبرني به على بن سليمان الاخفش عن السكرى عن محمد بن حبيب، امرأه من طثر (بفتح فسكون) وهم حى من اليمن عدادهم في جرم، وقال غيره: إن طثرا من عنز ابن وائل إخوة بكر بن وائل...وزعم بعض البصريين أن الطثرية أم يزيد كانت مولعة باخراج زبد اللبن فسميت الطثرية، وطثرة اللبن: زبدته " اه وفى القاموس (ط ث ر) " والطثرية محركة: أم يزيد بن الطثرية الشاعر القشيرى "، ولم يخالفه المرتضى في شرحه.
وفى ابن خلكان (2: 299) " والطثرية: بفتح الطاء وسكون الثاء وبعدها راء ثم ياء النسب وهاء، وهى أم يزيد ينسب إليها، وهى من بنى طثر بن عنز بن وائل، والطثر: الخصب وكثرة اللبن، يقال: إن أمه كانت مولعة بأخراج زبد اللبن " اه

(4/234)


و " أروى " بالقصر اسم امرأة.
يقول: أسلفتها محبة وودا توجب المكافأة عليها فلم تجازنى على فعلى وهذا مطلع أرجوزة لرؤبة بن العجاج، إنما هي غزل وافتخار، قال الاصمعي: هي من رجز رؤبة القديم، وبعدهما:
وهى ترى ذا حاجة مؤتضا * ذا معض لولا ترد المعضا فقلت قولا عربيا غضا * لو كان خرزا في الكلا مابضا (1) قال الجوهرى: يقال أضنى إليك كذا وكذا يؤضنى ويئضنى: أي ألجأنى واضطرنى، وائتضنى إليه ائتضاضا: أي اضطرني إليه، قال الراجز: * وهى ترى ذا حاجة مؤتضا * انتهى.
وقوله " ذا معض الخ " هو بالعين المهملة، قال الجوهرى: معضت من ذلك الامر أمعض معضا.
وامتعضت منه، إذا غضبت وشق عليك، قال الراجز: * ذا معض لولا ترد المعضا * انتهى.
يريد أن فعله من باب فرح، وجاء في مصدره تسكين العين أيضا، كما في البيت، وترد بالبناء للفاعل، والغض - بالغين المعجمة -: الطرى.
وقوله: " لو كان خرزا في الكلا " مراده ما بض منها بلل: أي لم يسل لاحكامه تتمه: لم يذكر الشارح المحقق حكم ألف الاطلاق التى لم يلحقها التنوين، وحكمها جواز حذفها سواء كانت في اسم أم فعل، وقد ذكرها سيبويه، قال: " إذا أنشدوا ولم يترنموا فعلى ثلاثة أوجه: ثالثها أن يجروا القوافى مجراها لو كانت
__________
(1) انظر هذه الابيات في ديوان رؤبة (ص 79) (*)

(4/235)


في الكلام ولم تكن قوافى شعر، جعلوه كالكلام حيث لم يترنموا وتركوا المدة (لعلمهم أنها في أصل البناء) (1)، سمعناهم يقولون لجرير: (من الوافر) * أقلى اللوم عاذل والعتاب *
وللاخطل: (من البسيط) * واسأل بمصقلة البكري ما فعل * وكان هذا أخف عليهم، ويقولون: (من الرجز) * قد رابنى حفص فحرك حفصا * يثبتون الالف، لانها كذلك في الكلام " انتهى.
قال الاعلم: " الشاهد فيه حذف الالف من " ما فعلا " حيث لم يرد الترنم، وهذا في المنصوب غير المنون جائز حسن، مثله في الكلام، ولا فرق بينه وبين المخفوض والمرفوع في الحذف والسكون، ما لم يريدوا التغني، وقوله " قد رابنى حفص الخ ": " الشاهد فيه إثبات الالف في قوله " حفصا " لانه منون ولا يحذف في الكلام إلا على ضعف كالمعل " انتهى.
وأنشد بعده، وهو الشاهد العشرون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه: (من البسيط) 120 - لا يبعد الله إخوانا تركتهم * لم أدر بعد غداة العين ما صنع على أن أصله " صنعوا " فحذفت واو الضمير للوقف، وإن كان ينكسر الشعر بحذفها، فإنهم لا يبالون للوقف.
قال سيبويه: " وزعم الخليل أن ياء يقضى وواو إذا كانت واحدة منهما
__________
(1) الزيادة من كتاب سيبويه (ح 2 ص 299) (*)

(4/236)


حرف الروى (لم تحذف، لانها ليست بوصل حينئذ، وهى حرف روى) كما أن القاف في: * وقاتم الاعماق خاوى المخترق *
(حرف الروى)، وكما لا تحذف هذه القاف لا تحذف واحدة منهما، وقد دعاهم حذف ياء يقضى إلى أن حذف ناس كثير من قيس وأسد الواو والياء اللتين هما علامة المضمر، ولم تكثر واحدة منهما في الحذف ككثرة ياء يقضى، لانهما تجيئان لمعنى الاسماء، وليستا حرفين بنيا على ما قبلهما، فهما بمنزلة الهاء في قوله: (من الطويل) * يا عجبا للدهر شتى طرائقه * سمعت ممن يروى هذا الشعر من العرب ينشده (من البسيط): لا يبعد الله أصحابا تركتهم * لم أدر بعد غداة البين ما صنع يريد ما صنعوا.
وقال (من الكامل) * يا دار عبلة بالجواء تكلم * يريد تكلمي ".
مع أبيات أخر قال الاعلم: " الشاهد فيه حذف واو الجماعة من صنعوا، كما تحذف الواو الزائدة، إذا لم يريدوا الترنم، وهذا قبيح لما تقدم من العلة " (1) انتهى.
والبيت من قصيدة لتميم بن أبى بن مقبل، وقبله: ناط الفؤاد مناطا لا يلائمه * حيان داع لاصعاد ومندفع حى محاضرهم شتى ويجمعهم * دوم الايادي وفاثور إذا انتجعوا لا يبعد الله أصحابا تركتهم *...البيت
__________
(1) يريد بالذى تقدم أن الواو اسم جاء لمعنى فلا يحسن حذفه كما تحذف حروف الترنم إذا كانت زائدة

(4/237)


ناط الشئ ينوط نوطا: أي علقه، فالفؤاد مفعوله، وحيان: فاعله، والحى: القبيلة، وداع ومندفع: بدل من حيان، وأصعد من بلد بكذا إلى بلد كذا إصعادا،
إذا سافر من بلد سفلى إلى بلد عليا، وأصعد إصعادا، إذا ارتقى شرفا، كذا في المصباح، ومندفع: منحدر إلى أسفل، والمحاضر: الذين يحضرن المياه، في الصحاح " يقال: على الماء حاضر، وقوم حضار إذا حضروا المياه، ومحاضر " وشتى: جمع شتيت بمعنى متفرق، ودوم الايادي: موضع، وهو فاعل يجمعهم، وفاثور - بالفاء والمثلثة - معطوف على دوم، قال ياقوت في معجم البلدان: فاثور: موضع أو واد بنجد، وأنشد هذا البيت، وإذا: ظرف ليجمعهم، وانتجع القوم: إذا ذهبوا لطلب الكلا في موضعه وقوله " لا يبعد الله الخ " لفظه إخبار ومعناه دعاء، ويجوز أن يقرأ بالجزم على أنه دعاء صورة النهى، و " يبعد " مضارع أبعده بمعنى أهلكه، ويجوز أن يكون بمعنى بعده تبعيدا: أي جعله بعيدا، و " إخوانا " مفعلوله، وتركتهم: فارقتهم، والبين: الفراق، وما: استفهامية وتميم: شاعر إسلامى معاصر للفرزدق وجرير وقد ترجمناه في الشاهد الثاني والثلاثين من شرح شواهد شرك الكافية وأنشد بعده، وهو الشاهد الواحد والعشرون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه: (من الكامل) 121 - يا دار عبلة بالجواء تكلم * وعمى صباحا دار عبلة واسلم على أن أصله تكلمي، واسلمى، حذف ضمير المخاطبة منهما - وهو الياء - للوقف والبيت من أوائل معلقة عنترة بن شداد العبسي، وعبلة - بالعين المهملة

(4/238)


والموحدة -: اسم امرأة، والجواء - بكسر الجيم والمد -: اسم موضع، قال يونس: سئل أبو عمرو بن العلاء عن قول عنتره: وعمى صباحا، فقال: هو
من قولهم: يعم المطر ويعم البحر إذا كثر زبده، وكأن يدعو لدارها بكثرة الاستسقاء والخير، وقال الاصمعي: عم وانعم واحد: أي كن ذا نعمة وأهل إلا أن عم أكثر في كلام العرب، وأنشد بيت امرئ القيس (من الطويل): الأعم صباحا أيها الطلل البالى * وهل يعمن من كان في العصر الخالى وقد استقصينا ما قيل في هذه الكلمة في الشاهد الثالث من أول شرح شواهد شرح الكافية.
و " دار عبلة " منادى، وحرف النداء محذوف، يقول: يا دار حبيبتي بهذا الموضع تكلمي، وأخبريني عن أهلك ما فعلوا، ثم أضرب عن استخبارها إلى تحيتها فقال: طاب عيشك في صباحك، وسلمت يادار حبيبتي.
وقد ترجمنا عنترة مع شرح شئ من هذه القصيدة، وبيان التسمية وعدد المعلقات في الشاهد الثاني عشر من أوائل شرح شواهد شرح الكافية.
وأنشد بعده، وهو الشاهد الثاني والعشرون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه (من الطويل) 122 - * خليلي طيرا بالتفرق أوقعا * على أنه لا يجوز حذف الالف من " قعا " للوقف لانه ضمير مثنى، قال سيبويه: " وأنشدنا الخليل: * خليلي طيرا بالتفرق أوقعا * فلم يحذف الالف كما لم يحذفها من تقضى "، قال الاعلم: " أراد أن الالف من قوله " قعا " لا تحذف كما لا تحذف ألف تقضى، يقال: وقع الطائر، إذا نزل بالارض، والوقوع: ضد الطيران " انتهى.

(4/239)


وخليلي: مثنى خليل مضاف إلى ياء المتكلم، و " طيرا " فعل أمر الطيران
مسند إلى ضمير الخليلين، و " قعا " فعل أمر من الوقوع مسند إلى ضميرهما، ومعموله محذوف، بدليل ما قبله: أي به ولم أقف على تتمته ولا على قائله والله تعالى أعلم وأنشد بعده، وهو الشاهد الثالث والعشرون بعد المائة (من البسيط): 123 - تعثرت به في الافواه ألسنها * والبرد في الطرق والاقلام في الكتب على أنه إذا كان قبل هاء الضمير متحرك فلا بد من الصلة، إلا أن يضطر شاعر فيحذفها، كما حذفها المتنبي من قوله " به "، قال ابن جنى في سر الصناعة: " ومن حذف الواو في نحو: (من الوافر) له رجل كأنه صوت حاد * إذا طلب الوسيقة أو زئير وقول الاخر: (من البسيط) وأشرب الماء ما بى نحوه عطش * إلا لان عيونه سيل واديها لم يقل في نحو " رأيتها " و " نظرتها " إلا بإثبات الالف، وذلك لخفة الالف وثقل الواو، إلا أنا قد روينا عن قطرب بيتا حذفت فيه هذه الالف تشبيها بالواو والياء لما بينهما وبينها من الشبه، وهو قوله: (من البسيط) أعلقت بالذيب حبلا ثم قلت له * الحق بأهلك واسلم أيها الذيب أما تقود به شاة فتأكلها * أو أن تبيعه في بعض الاراكيب يريد تبيعها، فحذفت الالف، وهذا شاذ " انتهى.
وقافيه البيت الثاني مقواة.

(4/240)


والبيت من قصيدة للمتنبي نظمها في الكوفة بعد رجوعه إليها من مصر رثى
بها خولة أخت سيف الدولة بن حمدان البكري، وتوفيت بميا فارقين، من ديار بكر، لثلاث بقين من جمادى الاخرة من سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة ورد خبر موتها العراق، فرثاها بهذه القصيدة في شعبان وأرسلها إليه، وقبله: طوى الجزيرة حتى جاءني خبر * فزعت فيه بآمالى إلى الكذب حتى إذا لم يدع لى صدقه أملا * شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بى تعثرت به في الافواه ألسنها...البيت طى البلاد: قطعها بالسير، والجزيرة: بلد يتصل بأرض الموصل، والفزع إلى الشئ: الاعتصام به والالتجاء إليه، والشرق: الغصص، وتعثر الالسن: توقفها عن الابانة، مستعار من عثار الرجل، والبرد - بالضم - رجال يحملون الرسائل على دواب تتخذ لهم، الواحد منها يريد، يقول: طوى أرض الجزيرة خبر هذه المتوفاة مسرعا غير متوقف حتى طرقني بغتة، وورد على فجأة، ففزعت بآمالى فيه إلى تكذيب صدقه ومخادعة نفسي في أمره، ثم قال: حتى إذا لم يدع لى صدقه أملا أتعلل بانتظاره ورجاء أخدع نفسي بارتقابه أعلنت بالحزن، واستشفيت بالدمع فأذريت منه ما أشرقني تتابعه، وأدهشني ترادفه، حتى كدت أولمه كتألمي به وأشرقه كشرقي به، ثم قال: تعثرت الالسن بذلك الخبر في الافواه فلم تظهره لشنعته، ولم تفصح به لجلالته، وكذلك تعثرت به البرد في الطرق استعظاما لحمله، والاقلام في الكتب استكراها لذكره وقد أوردنا ما يتعلق به بأبسط من هذا في الشاهد السادس والثمانين بعد الاربعمائة من شرح شواهد شرح الكافية

(4/241)


وأنشد بعده: (من الرمل)
* رهط مرجوم ورهط ابن المعل * وتقدم شرحه في الشاهد الثالث بعد المائة وأنشد بعده، وهو الشاهد الرابع والعشرون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه: (من الطويل) 124 - * قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل * على أن حرف الاطلاق لا يلحق الكلمة في الوقف إلا في الشعر إذا أريد التغني والترنم، كما ألحقت الياء لام منزل، ولولا الشعر لكانت اللام ساكنة، قال سيبويه في باب وجوه القوافى في الانشاد: " أما إذا ترنموا فإنهم يلحقون الالف والياء والواو ما ينون وما لا ينون، لانهم أرادوا مد الصوت، وذلك قولهم لامرئ القيس: * قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل * وقال في النصب ليزيد بن الطثرية: (من الطويل) فبتنا تحيد الوحش عنا كأننا * قتيلان لم يعلم لنا الناس مصرعا وقال في الرفع للاعشى: (من الطويل) * هريرة ودعها وإن لام لائم * هذا ما ينون فيه، وما لا ينون فيه قولهم لجرير: (من الوافر) * أقلى اللوم عاذل والعتابا * وقال في الرفع لجرير أيضا: (من الوافر) * سقيت الغيث أيتها الخيام * وقال في الجر لجرير أيضا: (من الكامل) * كانت مباركة من الايام *

(4/242)


وإنما ألحقوا هذه المدة في حروف الروى لان الشعر وضع للغناء والترنم، فألحقوا كل حرف الذى حركته منه، فإذا أنشدوا ولم يترنموا فعلى ثلاثة أوجه: أما أهل الحجاز فيدعون هذه القوافى: ما نون منها، وما لم ينون، على حالها في الترنم، ليفرقوا بينه وبين الكلام الذى لم يوضع للغناء، وأما ناس كثير من بنى تميم فإنهم يبدلون مكان المدة النون فيما ينون وفيما لم ينون لما لم يريدوا الترنم أبدلوا مكان المدة نونا، ولفظوا بتمام البناء وما هو منه، كما فعل أهل الحجاز ذلك بحروف المد، سمعناهم يقولون للعجاج: (من الرجز) * يا أبتا علك أو عساكن * و * يا صاح ما هاج الدموع الذرفن * وقال العجاج: * من طلل كالاتحمى أنهجن * وكذلك الجر والرفع، والمكسور والمفتوح والمضموم في جميع هذا كالمجرور والمنصوب والمرفوع، وأما الثالث فأن يجروا القوافى مجراها لو كانت في الكلام ولم تكن قوافى شعر، جعلوه كالكلام حيث لم يترنموا وتركوا المدة (لعلمهم أنها في أصل البناء) (1)، سمعناهم يقولون لجرير: (من الوافر) * أقلى اللوم عاذل والعتاب * وللاخطل: (من البسيط) * واسأل بمصقلة البكري ما فعل * وكان هذا أخف عليهم.
ويقولون: (من الرجز) * قد رابنى حفص فحرك حفصا *
__________
(1) هذه الزيادة عن سيبويه (2: 299) (*)

(4/243)


يثبتون الالف لانها كذلك في الكلام " انتهى كلام سيبويه، ونقلناه برمته، لان الشارح المحقق لم يورد مسائله بتمامها والمصراع صدره، وعجزه * بسقط اللوى بين الدخول فحومل * والبيت مطلع معلقة امرئ القيس، وقد شرحناه شرحا وافيا في الشاهد السابع والثمانين بعد الثمانمائة من شواهد شرح الكافية وأنشد بعده، وهو الشاهد الخامس والعشرون بعد المائة: (من الخفيف) 125 - * آذنتنا ببينها أسماءو * على أن واو الاطلاق لحقت الهمزة من " أسماء " في الوقف لارادة الترنم، ولو كان في نثر لكنت الهمزة ولما جاز إلحاق الواو لها والمصراع صدر، وعجزه: * رب ثاو يمل منه الثواء * والبيت مطلع معلقة الحارث بن حلزة اليشكرى، وبعده: آذنتنا ببينها ثم ولت * ليت شعرى متى يكون اللقاء و " آذنتنا " أعلمتنا، قال تعالى: (فقل آذنتكم على سواء) قال ابن السكيت: يقال: آذن يؤذن إيذانا، وأذن يؤذن تأذينا، والاسم الاذان، بمعنى الاعلام، والبين: الفراق، مصدر بان يبين بينا وبينونة، وأسماء: اسم امرأة، لا ينصرف للعلمية والتأنيث، وأصله وسماء، أبدلت الواو همزة، ووزنه فعلاء، من الوسم والوسامة: أي الحسن والجمال، ولم يصب النحاس في شرح المعلقة في زعمه أنه قبل العلمية جمع اسم (1) قال: ولو سميت به رجلا
__________
(1) عدم تصويب أبى جعفر النحاس في ذلك غير سديد، فان هذا مذهب (*)

(4/244)


لكان الاكثر فيه الصرف، لانه جمع اسم، وقد قال: إنه لا ينصرف إذا سميت به رجلا لان الاصل أن يكون اسما لمؤنث فقد صار بمنزلة زينب " انتهى وقوله " رب ثاو - الخ " أرسله مثلا، والتقدير رب شخص ثاو، وجواب رب العامل في محل مجرورها هو يمل بالبناء للمفعول، بمعنى يسأم، يقال: مللته أمله ورجل ملول وملولة، والهاء للمبالغة، والثاوى: المقيم، يقال: ثوى يثوى ثواء وثواية، إذا أقام، يقول: أعلمتنا أسماء بمفارقتها إيانا: أي بعزمها على فراقنا، ورب مقيم تمل إقامته، ولم تكن أسماء ممن يمل وإن طال إقامتها.
وتقدم ترجمته مع شرح أبيات من هذه المعلقة وذكر سببها في الشاهد الثامن والاربعين من شرح شواهد شرح الكافية وأنشد بعده، وهو الشاهد السادس والعشرون بعد المائة (من الطويل) 126 - ومستلئم كشفت بالرمح ذيله * أقمت بعضب ذى شقاشق ميله لما تقدم قبله والواو واو رب، والمستلئم: اسم فاعل من استلام الرجل: أي لبس اللامة، واللامة بالهمز: الدرع، وكشفت - بالتشديد - للمبالغة، وذيله: مفعوله، يعنى طعنته بالرمح فسقط عن فرسه وانكشف ذيله، وأقمت: بمعنى عدلت تعديلا، والعضب - بفتح العين المهملة وسكون الضاد المعجمة -: السيف القاطع، وهنا مستعار للسان (1)، شبه به للتأثير والايلام، والشقاشق: جمع شقشقة
__________
(1) للفراء، نعم الاول مذهب سيبويه، وهو أرجح المذهبين، لكون النقل إلى العلمية من الصفة أكثر من النقل من الجمع.
(1) دعاه إلى ذلك التصحيف، والرواية " بعضب دى سفاسق " والسفاسق: جمع سفسقة، وهى فرند السيف، وانظر اللسان.
(*)

(4/245)


بكسر الشين، وهى شئ كالرئة يخرجها البعير من فيه إذا هاج، ويشبه الفصيح المنطبق بالفحل الهادر، ولسانه بشقشقته، وميله: اعوجاجه، وهو مفعول أقمت وأنشد بعده، وهو الشاهد السابع والعشرون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه (من الرجز): 127 - ببازل وجناء أو عيهل على أنهم جوزوا في الشعر تحريك اللام المضعف لاجل حرف الاطلاق مع أن حقه السكون في غير الشعر كما جوزوا فيه أن يحركوا لاجل المجئ بحرف الاطلاق ما حقه السكون في غيره قال سيبويه: " وأما التضعيف فقولك: هذا خالد، وهو يجعل، (وهذا فرج) (1) حدثنا بذلك الخليل عن العرب، ومن ثم قالت العرب (في الشعر) (1) في القوافى سبسبا تريد السبسب، وعيهل تريد العيهل، لان التضعيف لما كان في كلامهم في الوقف أتبعوه الياء في الوصل والواو على ذلك.
كما يلحقون الواو والياء في القوافى فيما لا تدخله واو ولا ياء في الكلام، وأجروا الالف مجراهما، لانها شريكتهما في القوافى، ويمد بها في غير موضع التنوين، (ويلحقونها في غير التنوين) (1)، فألحقوها بها فيما ينون في الكلام، وجعلت سبسب كأنه مما لا تلحقه الالف في النصب، إذا وقفت، قال رجل من بنى أسد (من الرجز) * ببازل وجناء أو عيهل * وقال رؤبة: (من الرجز) لقد خشيت أن أرى جدبا * في عامنا ذا بعد ما أخصبا أراد جدبا، وقال رؤبة: (من الرجز)
__________
(1) هذه الزيادة عن كتاب سيبويه (2: 282) (*)

(4/246)


* بدء يحب الخلق الاضخما * فعلوا هذا إذ كان من كلامهم أن يضعفوا " انتهى كلامه وقوله " ومن ثمة قالت العرب في الشعر سبسبا تريد السبب، وعيهل تريد العيهل " صريح في أنه ضرورة، وكذا صرح الاعلم بقوله: " الشاهد فيه تشديد عيهل في الوصل ضرورة، وأراد جدبا فشدد الباء ضرورة، وحرك الدال بحركة الباء قبل التشديد لالتقاء الساكنين، وكذلك شدد أخصبا للضرورة " انتهى.
فقول الشارح المحقق " وليس في كلام سيبويه ما يدل على كون مثله شاذا أو ضرورة " مخالف لنصه وقد أورده ابن السراج في باب الضرائر الشعرية من كتابه الاصول، قال: " الثاني إجراؤهم الوصل كالوقف، من ذلك قولهم في الشعر للضرورة في نصب) (1) سبسب وكلكل رأيت سبسبا وكلكلا، ولا يجوز مثل هذا في الكلام، إلا أن تخفف، وإنما جاز هذا في الضرورة لانك كنت تقول في الوقف في الرفع والجر: هذا سبسب، ومررت بسبسب، فتثقل على أنه متحرك الاخر في الوصل، لانك إذا ثقلت لم يجز أن يكون الحرف الاخر إلا متحركا، لانه لا يلتقى ساكنان، فلما اضطر إليه في النصب أجراه على حاله في الوقف، وكذلك فعل به في القوافى المرفوعة والمجرورة في الوصل، ثم أنشد أبيات سيبويه، وقال: فهذا أجراء في الوصل على حده في الوقف " انتهى.
وكذلك عده ابن عصفور ضرورة في كتاب الضرائر، وقد نقلنا مثله من المسائل العسكرية لابي على في الشاهد الثاني والاربعين بعد الاربعمائة من شواهد شرح الكافية
__________
(1) سقطت هذه الكلمة من بعض النسخ (*)

(4/247)


وقال ابن جنى في شرح تصريف المازنى: " التثقيل إنما يكون في الوقف، ليعلم باجتماع الساكنين في الوقف أنه متحرك في الوصل، حرصا على البيان، لانه معلوم أنه لا يجتمع في الوصل ساكنان، وعلى هذا قالوا: خالد وهو يجعل، فإذا وصلوه قالوا: خالد أنى، وهو يجعل لك، فكان سبيله إذا أطلق في الاضخم بالنصب أن يزيل الثقيل، إلا أنه أجراه في الوصل مجراه في الوقف للضرورة، ومثله: (من الرجز) * ببازل وجناء أو عيهل * يريد العيهل، وهذا أكثر من أن أضبطه لك لسعته وكثرته " وقال في المحتسب أيضا: " وقد كان ينبغى - إذ كان إنما شدد عوضا من الاطلاق - أنه إذا أطلق عاد إلى التخفيف إلا أن العرب قد تجرى الوصل مجرى الوقف تارة، وتارة الوقف مجرى الوصل " انتهى.
والبيت من أرجوزة طويلة لمنظور بن مرثد الاسدي، وقيل: لمنظور بن حبة (1) الاسدي، أولها: ليت شبابى (كان) (2) للاول * وغض عيش قد خلا أرغل شدد لام أول، وأرغل كذلك، وهو بالغين المعجمة، قال صاحب العباب " وعيش أرغل وأغرل: أي واسع " * من لى من هجران ليلى من لى * * والحبل من حبالها المنحل *
__________
(1) منظور بن حبة هو بعينه منظور بن مرثد، قال المجد: " ومنظور بن حبة راجز، وحبة أمه، وأبوه مرثد " اه
(2) هذه زيادة يقتضيها الوزن، وقد بحثنا عن هذا البيت في كثير من المظان لنثبت لفظ الشاعر نفسه فلم نجده، فأثبتنا ما يقتضيه المقام (*)

(4/248)


قال أبو على في المسائل العسكرية: " المنحل لا يخلو من أن يكون محمولا على الحبل أو الحبال، وكلا الامرين قبيح " تعرضت لى بمكان حل * تعرض المهرة في الطول * تعرضا لم تعد عن قتلا لى (1) * قال أبو على: قال " أبو الحسن (1): يكون " عن قتلا لى " على الحكاية، ويكون يريد أن، فأبدل منها العين في لغة من يقولون في أن: عن، وتسمى عنعنة تميم " انتهى.
والطول بكسر الطاء وتخفيف اللام، وشددت لما ذكرنا، وهو الحبل الذى يطول للدابة فترعى فيه، ورواه صاحب العباب: * تعرضا لم تأل عن قتل لى * أي: لم تقصر عن قتل، وهذا ظاهر لا يحتاج إلى تأويل: ترى مراد نسعه المدخل * بين رجى الحيزوم والمرحل * مثل الزحاليف بنعف التل * وقال ابن جنى في سر الصناعة: " يريد المدخل والمرحل فشدد "، إلى أن قال: إن تبخلي يا جمل أو تعتلى * أو تصبحي في الظاعن المولى
__________
(1) هذان وجهان ذكرهما ابن المكرم عن ابن برى، وذكر وجها ثالثا عن سيبويه عن الخليل، قال: أراد عن قتلى، فلما أدخل عليه لاما مشددة كما أدخل نونا مشددة في قول دهلب بن قريع جارية ليست من الوخشن * كأن مجرى دمعها المستن
قطنة من أجود القطن * أحب منك موضع القرطن وصار الاعراب فيه - فتح اللام الاولى كما تفتح في قولك مررت بتمر وبتمرة وبرجل وبرجلين " اه (*)

(4/249)


نسل وجد الهائم المغتل * ببازل وجناء أو عيهل كأن مهواها على الكلكل * وموقعا من ثفنات زل موقع كفى راهب يضلى * في غبش الصبح وفى التجلى جمل: اسم امرأة - بضم الجيم - وتعتلى: من الاعتلاال وهو التمارض والتمسك بحجة، ونسل: من التسلية، وهى تطييب النفس، وهو جواب الشرط، والمغتل - بالغين المعجمة -: الذى قد اغتل جوفه من الشوق والحب والحزن، كغلة العطش، و " ببازل " متعلق بنسل، والبازل: الداخل في السنة التاسعة من الابل ذكرا كان أم أنثى، والوجناء: الناقة الشديدة، والعيهل: الناقة الطويلة، ومهواها: مصدر ميمى بمعنى السقوط، والكلكل: الصدر، قال أبو على: " استعمال العيهل والكلكل بتخفيف اللام، قدر الوقف عليه فضاعف إرادة للبيان، وهذا ينبغى أن يكون في الوقف دون الوصل، لان ما يتصل به في الوصل يبين الحرف وحركته، ويضطر الشاعر فيجرى الوصل بهذه الاطلاقات في القوافى مجرى الوقف، وقد جاء ذلك في النصب أيضا، قال: (من الرجز) * مثل الحريق وافق القصبا * وهذا لا ينبغى أن يكون في السعة " انتهى والثفنة - بفتح المثلثة وكسر الفاء بعدها نون - وهو ما يقع على الارض من أعضاء الابل إذا استناخ وغلظ كالركبتين، وزل - بضم الزاى -: جمع
أزل، وهو الخفيف، شبه الاعضاء الخشنة من الناقة بكثرة الاستناخة بكفى راهب قد خشنتا من كثرة اعتماده عليهما في السجود، والغبش - بفتحتين -: بقية الليل، وأراد بالتجلى النهار، قال السخاوى في سفر السعادة: " وهذا الشعر لمنظور بن مرثد الاسدي، وقد روى لغيره، ويزاد فيه:

(4/250)


إن صح عن داعى الهوى المضل * ضحوة ناسى الشوق مستبل أو تعدني عن حاجها حاج لى * نسل وجد الهائم المغتل " انتهى.
ومستبل: من أبل من مرضه، إذا صح وتوجه إلى العافية، وتعدني: تتجاوزنى، وحاج: جمع حاجة وقد تكلمنا على هذه الابيات في شواهد شرح الكافية بأبسط من هذا.
وأنشد بعده، وهو الشاهد الثامن والعشرون بعد المائة: (من الوافر) 128 - * ولا تبقى خمور الاندرينا * على أن (حق) (1) نون الاندرين في الكلام السكون عند الوقف وهذا عجز وصدره: * ألا هبى بصحنك فاصبحينا * وهو مطلع معلقة عمرو بن كلثوم التغلبي و " ألا " حرف يفتتح به الكلام ومعناه التنبيه، وهبى: فعل أمر مسند إلى ضمير المخاطبة، ومعناه قومي من نومك يقال: هب من نومه يهب - بالضم - هبا، إذا انتبه وقام من موضعه، والصحن: الكبير الواسع، واصبحينا: اسقينا الصبوح، وهو الشرب بالغداة، وهو خلاف الغبوق، يقال: صبحه صبحا - من باب نفع - واصطبح: أي شرب الصبوح، والعرب
تسمى شرب الغداة صبوحا - بفتح الصاد - وشرب نصف النهار قيلا - بفتح القاف - وشرب العشاء غبوقا - بفتح الغين - وشرب الليل فحمة -
__________
(1) كان الاصل " على أن نون الاندرين في الكلام على السكون...الخ " وهو غير ظاهر المعنى فأثبتنا ما ترى ليستقيم الكلام (*)

(4/251)


بفتح الفاء وسكون المهملة - وشرب السحر جاشرية - بالجيم والشين المعجمة - وقد نظمها محمد التوجى (1) فقال: (من الطويل) صبوح وقيل والغبوق وفحمة * لدى العرب العرباء يا صاح تعتبر لشرب غداة والظهيرة والعشا * وليل، وشرب الجاشرية بالسحر وقوله " ولا تبقى الخ " أبقيت الشئ وبقيته بمعنى: أي لا تبقيها لغيرنا وتسقيها سوانا، والمعنى ولا تدخرى خمر هذه القرية.
والاندرين: قرية بالشام، وهى معدن الخمر، وقيل: إنما هي أندر، وجمعها بما حولها، وقيل: إنها أندرون، وفيها لغتان: منهم من يرفعه بالواو ويجره وينصبه بالياء، ويفتح النون في كل ذلك، ولهذا قال " خمور الاندرينا " ومنهم من يجعل الاعراب على النون ويجعل ما قبلها ياء في كل حال، وإنما فتح (2) هنا في موضع الجر لانه لا ينصرف للعلمية والتأنيث، أو للعلمية والعجمة وقال أبو إسحق: " ويجوز أن تأتى بالواو، ويحتمل الاعراب على النون، ويكون مثل زيتون، وخبرنا بهذا أبو العباس المبرد، ولا أعلم أحدا سبقه إليه " وقال أبو عبيد في معجم ما استعجم: " الاندرين: قرية بالشام، وقال الطوسى: قرية من قرى الجزيرة، وأنشد هذا البيت " وقال ياقوت في معجم البلدان: " الاندرين: اسم قرية في جنوبى حلب، بينهما مسيرة يوم للراكب، في طرف البرية ليس بعدها عمارة، وهى الان خراب ليس إلا بقية جدر، وإياها عنى عمرو بن كلثوم بقوله:
* ولا تبقى خمور الاندرينا * وهذا ما لا شك فيه، سألت عنه ذوى المعرفة من أهل حلب فكل وافق
__________
(1) نسبة إلى توج، وهى مدينة بفارس قريبة من كازرون، فتحت في أيام عمر ابن الخطاب، وأمير المسلمين في الموقعة مجاشع بن مسعود (2) غير مستقيم لوجود ال، بل هو على اللغة الاولى لا غير.
(*)

(4/252)


عليه، وقد تكلف جماعة اللغويين لما لم يعرفوا حقيقة اسم هذه القرية، وألجأتهم الحيرة إلى أن شرحوا هذه اللفظة من هذا بضروب الشروح، فقال صاحب الصحاح: الاندر: اسم قرية بالشام، إذا نسبت إليها تقول: هؤلاء الاندريون، وذكر البيت، ثم قال: لما نسب الخمر إلى هذه القرية اجتمعت ثلاث ياءات فخففها للضرورة كما قال الاخر: (من الوافر) * وما علمي بسحر البابلينا * وقال صاحب كتاب العين: الاندرى، ويجمع الاندرين (يقال: هم الفتيان يجتمعون من مواضع شتى، وأنشد البيت وقال الازهرى: الاندر قرية بالشأم فيها كروم، وجمعها الاندرين) (1) فكأنه على هذا المعنى أراد الاندريين فخفف ياء النسبة، كما قال الاشعرين في الاشعريين، وهذا حسن منهم، صحيح القياس، ما لم يعرف حقيقة اسم هذا الموضع، فأما إذا عرفت فلا افتقار بنا إلى هذا التكلف " انتهى باختصار وتقدم ذكر هذه المعلقة مع ترجمة ناظمها في الشاهد الثامن والثمانين بعد المائة من شواهد شرح الكافية وأنشد بعده وهو الشاهد التاسع والعشرون بعد المائة: (من الكامل) 129 - لعب الرياح بها وغيرها * بعدى سوافى المور والقطر
على أن تحريك الراء بالكسر لاجل حرف الاطلاق وهو الياء (2)، وليس بشاذ اتفاقا، مع أن حقه السكون في غير الشعر
__________
(1) الزيادة من ياقوت (2) هذا الذى أثبتناه هو الموافق لروى القصيدة التى منها هذا البيت، ووقع في الاصول " على أن تحريك الراء بالضم لاجل حرف الاطلاق وهو الواو " وهو خطأ ظاهر (*)

(4/253)


والبيت من قصيدة لزهير بن أبى سلمى، وقبله وهو مطلع القصيدة لمن الديار بقنة الحجر * أقوين من حجج ومن شهر وهذا الاستفهام تعجب من شدة خرابها حتى كأنها لا تعرف ولا يعرف سكانها، وقنة الشئ - بضم القاف وتشديد النون -: أعلاه، وحجر - بفتح الحاء المهملة وسكون الجيم -: قصبة اليمامة، وأل فيه زائدة لضرورة الشعر، وقيل: العلم إنما هو الحجر بأل، وأقوين: أقفرن، يقال: أقوت الدار إذا خلت من سكانها، والحجج - بكسر الحاء المهملة وفتح الجيم الاولى -: جمع حجة - بالكسر أيضا - وهى السنة، وأراد بالشهر الشهور فوضع الواحد موضع الجمع اكتفاء به، والسوافى: جمع سافية اسم فاعل من سفت الريح التراب سفيا، إذا ذرته والمور - بضم الميم -: الغبار بالريح، والقطر: المطر قال أبو عبيد: " ليس للقطر سواف، ولكنه أشركه في الجر " أقول: ليس هذا من الجر على الجوار، لانه لا يكون في النسق، ووجهه أن الرياح السوافى تذرى التراب من الارض وتنزل المطر من السحاب وقد شرحنا هذين البيتين شرحا وافيا في الشاهد الرابع والسبعين بعد السبعمائة من شواهد شرح الكافية
وأنشد بعده، وهو الشاهد الثلاثون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه: (من الرجز) 130 - لقد خشيت أن أرى جدبا * في عامنا ذا بعد ما أخصبا إن الدبا فوق المتون دبا * وهبت الريح بمور هبا تترك ما أبقى الدبا سبسبا * كأنه السيل إذا اسلحبا أو الحريق وافق القصبا * والتبن والحلفاء فالتهبا

(4/254)


على أن تحريك المضعف للوقف كثير، وليس ضرورة عند سيبويه تقدم قبله أن هذا النقل خلاف نصه، وهو في هذا تابع لقول المفصل: " وقد يجرى الوصل مجرى الوقف، منه قوله: * مثل الحريف وافق القصبا * ولا يختص بحال الضرورة، يقولون: ثلثهربعة، وفى التنزيل (لكنا هو الله ربى) " أنتهى وقد رد عليه الاندلسي في شرحه قال: " جمع في هذا الفصل بين ما لا يجوز إلا في الضرورة وبين ما يجوز في غيرها، فقوله " ولا يختص هذا بحال الضرورة " ينبغى أن يكون في آخر الفصل حتى يرجع إلى ثلثهر بعة، و (لكنا هو الله ربى) أو يعنى به أن التشديد في الوقف لا يختص بالضرورة، فأما أن يعنى به أن تحريك المشدد لاجل الوقف يجوز في غير الضرورة فمما لا يعرف، فإنه من المشهور أن من جملة المعدود في الضرورات تشديد المخفف، وأصله الوقف، ثم للشاعر أن يجرى الوصل محرى الوقف، بل غير سيبويه لا يجيز التشديد في المنصوب إلا في الشعر، فكيف لا يختص هذا بالضرورة " انتهى.
ونقله ابن المستوفى وسلمه، قال: " إنما أراد الزمخشري بقوله " ولا يختص
بالضرورة " ما ذكره من قوله " وقد يجرى الوصل مجرى الوقف " ولم يرد أن تحريك المشدد لاجل الوقف جائز، ولهذا علله بثلثهربعة، و (لكنا هو الله ربى)، فلا شبهة في أن هذين الموضعين أجرى فيهما الوصل مجرى الوقف، وهما من كلام فصحاء العرب والوارد في الكتاب العزيز، وأما إسناده البيت ليريك صورة إجراء الوصل مجرى الوقف لا أنه ممن يخفى عليك ذلك " انتهى.
وبالغ ابن يعيش في شرحه فعمم، قال: " قد يجرى الوصل مجرى الوقف، وبابه الشعر، ولا يكون في حال الاختيار، من ذلك قولهم: السبسبا والكلكل،

(4/255)


وربما جاء ذلك في غير الشعر تشبيها بالشعر، ومن ذلك ما حكاه سيبويه من قولهم في العدد: ثلثهر بعة، ومنه (لكنا هو الله ربى) في قراءة ابن عامر بإثبات الالف " هذا كلامه وهو غير جيد، والاولى التفصيل، وحرره ابن عصفور بقوله في كتاب الضرائر: " ومنها تضعيف الاخر في الوصل إجراء له مجرى الوقف، نحو قول ربيعة بن صبيح (من الرجز): * تترك ما أبقى الدبا سبسبا * الابيات فشدد آخر سبسبا والقصبا والتهبا في الوصل ضرورة، وكأنه شدد وهو ينوى الوقف على الباء نفسها، ثم وصل القافية بالالف فاجتمع له ساكنان فحرك الباء وأبقى التضعيف، لانه لم يعتد بالحركة لكونها عارضة، بل أجرى الوصل مجرى الوقف، ومثل ذلك قول الاخر: ببازل وجناء أو عيهل * كأن مهواها على الكلكل يريد أو عيهل وعلى الكلكل، فشدد " انتهى.
وقال شارح شواهد أبى على الفارسى: " جلبه شاهدا على أن الشاعر لم
يحدث فيه أكثر من القطع لالف الوصل " (1) وهذه الابيات الثمانية نسبها الشارح المحقق تبعا لابن السيرافى وغيره إلى رؤبة، وقد فتشت ديوانه فلم أجدها فيه (2) وقال أبو محمد الاعرابي في فرحة الاديب: " توهم ابن السيرافى أن الاراجيز
__________
(1) في الاصول " على أن الشاعر إذا لم يحدث فيه الخ " وكلمة (إذا) لم يظهر لنا وجه إثباتها فحذفناها، والظاهر أن مراد شارح شواهد أبى على بقطع همزة الوصل كلمة أخصبا، وكأنه جعلها من باب احمر ونحوه (2) قد فتشنا ديوان أراجيز رؤبة فوجدنا هذه الاحد عشر بيتا مسطورة في زيادات ديوانه (169) التى عثر عليها ناشره في كتب غير الديوان منسوبة إليه (*)

(4/256)


كلها لرؤبة، لاجل أن رؤبة كان راجزا، وهذه عامية، وليست الابيات لرؤبة، بل هي من شوارد الرجز لا يعرف قائلها، والابيات التى جاء بها مختل أكثرها، والصواب: إنى لارجو (1) أن أرى جدبا * في عامكم ذا بعد ما أخصبا إذا الدبا فوق المتون دبا * وهبت الريح بمور هبا تترك ما أبقى الدبا سبسبا * أو كالحريق وافق القصبا والتبن والحلفاء فالتهبا * كأنه السيل إذا اسلحبا وتمام الابيات ولا يتم معنى البيت إلا بها: حتى ترى البويزل الازبا * والسدس الضواضى المحبا من عدم المرعى قد اجلعبا " انتهى.
قلت: بقى بيت آخر لم يورده، وهو:
* تبا لاصحاب الشوى تبا * ونسبها ابن عصفور وابن يسعون نقلا عن الجرمى والسخاوى إلى ربيعة بن صبيح، وكذا قال شارح أبى على الفارسى والله أعلم.
وأورد الابيات ابن هشام اللخمس في شرح أبيات الجمل كرواية الشارح، وقال: أخبر أنه إنما خاف الجدب لاجل الجراد الذى هب في متون الارض، فأكل ما مر عليه، ثم هبت الريح فاقتلعت ما أبقى الدبا ولم تترك شيئا من المرعى
__________
(1) المحفوظ - وهو الموافق لما رواه الشارح المحقق ولما في زيادات الديوان - * لقد خشيت أن أرى جدبا * وفيه " في عامنا " وفى " إن الدبا " وفيه " كأنه الحريق " وفيه " الارزبا " وفيه " قد اقرعبا " (*)

(4/257)


ولا غيره، فشبهها بالسيل في حمله ما يمر عليه، أو بالنار إذا وافقت القصب والتبن والحلفاء، فإنها تحطم جميعها وقوله بعد " ما أخصبا " ما: مهيئة عند المبرد، ومصدرية عند سيبويه " انتهى.
ورواية أبى محمد الاعرابي دعاء على المخاطبين بخلاف الرواية الاولى فإنها إخبار عما وقع، وأرى بصرية، والجدب - بفتح الجيم وسكون الدال -: نقيض الخصب والرخاء، ومكان جذب أيضا وجديب: بين الجدوبة، وأرض جدبة، وأجدب القوم: أصابهم الجدب، وأجدبت أرض كذا: وجدتها جدبة، قال السخاوى في سفر السعادة: " وجدبا أصله جدبا بإسكان الدال، وإنما حركها لالتقاء الساكنين حين شدد الباء، وإنما حركها بالفتح لانها أقرب الحركات إليه " وقال في موضع آخر: " وشدد الباء في الشعر في الوصل تشبيها
بحال الوقف " وقال أبو الفتح: " لا يقال في هذا إنه وقف ولا وصل " وقوله " أخصبا " هو من الخصب - بالكسر - نقيض الجدب، وأخصبت، ومكان مخصب وخصيب وأخصب القوم إذا صاروا إلى الخصب.
قال السخاوى و " أما قوله: أخبا (فإنه) يروى بفتح الهمزة وكسرها، فالفتح على أنه أخصب يخصب إخصابا، وشدد الباء، كما قال: القصبا، ومن رواه بالكسر كان مثل احمر، إلا أنه قطع همزة الوصل " انتهى.
وكل منهما ضرورة إلا أن تشديد الباء أخف من قطع همزة الوصل، فإنه لحن في غير الشعر، وقول العينى: " جدبا بتشد الباء هو نقيض الخصب، وقوله: أخصبا بتشديد الباء ماض من الخصب " لا يعرف منه هل الدال مفتوحة أم لا ولا يعرف هل حركة الهمزة من أخصبا مفتوحة أم مكسورة.
وقوله " إن الدبا الخ " يروى بكسر همزة إن وبفتحها، وعلى رواية " إذ الدبا " إذا شرطية وجوابها

(4/258)


تترك، والدبا - بفتح الدال بعدها موحدة - قال صاحب الصحاح: " هو الجراد قبل أن يطير، الواحدة دباة " والمتون: جمع متن، وهو المكان الذى فيه صلابة وارتفاع، ودب: تحرك، من دب على الارض يدب دبيبا، وكل ماش على الارض دابة ودبيب، والالف للاطلاق، وتشديد الباء أصلى لا للوقف، وفاعل دب ضمير الدبا، وفيه جناس شبه الاشتقاق، وقوله " بمور " الباء متعلقة بهبت، والمور - بضم الميم -: الغبار، والسبسب - كجعفر -: القفر، والمفازة، وتشديد الباء للضرورة، وهو المفعول الثاني لتترك، و " ما " هو المفعول الاول إن كان ترك بمعنى جعل وصير، وإن كان بمعنى خلى المتعدى إلى مفعول واحد وهو " ما " الواقعة على النبات، فسبسب حال من " ما " وفاعل تترك ضمير الريح، والمراد كسبسب، على التشبيه، وأراد تترك الريح المكان
الذى أبقى فيه الدبا شيئا من النبات أجرد لا شئ فيه، لانها جففت النبت وحملته من مكان إلى مكان، ورواه بعض أفاضل العجم في شرح أبيات المفصل: * تترك ما انتحى الدبا سبسبا * وقال: المراد انتحاه: أي قصده، فحذف الراجع إلى الموصول، وقوله " كأنه " أي كان الدبا، واسلحب اسلحبابا بالسين والحاء المهملتين: أي امتد امتدادا، هذا على الرواية المشهورة، وأما على رواية أبى محمد الاعرابي فهو متأخر عن البيتين بعده، ويكون ضمير " كأنه " للحريق: أي كأن صوت التهاب النار في القصب والحلفاء والتبن صوت السيل وجريه، ويكون على روايته قوله " أو كالحريق " معطوفا على قوله " سبسبا "، فيكون الجار والمجرور في محل نصب، وروى السخاوى الابيات بالرواية المشهورة، وقال: " وأنشده أبو على " مثل الحريق " بدل قوله " أو كالحريق " فيكون منصوبا على الحال من الضمير في اسلحبا: أي اسلحب مثل الحريق، أو على أنه نعت لمصدر محذوف:

(4/259)


أي اسلحبابا مثل اسلحباب الحريق: أي امتد الدبا وانتشر امتداد النار في القصب والتبن والحلفاء " وقال العينى: قوله " مثل الحريق " هكذا هو في رواية سيبويه، وفى رواية أبى على " أو كالحريق ".
أقول: ليس هذا البيت من شواهد سيبويه البتة، وإنما أورد سيبويه البيتين الاولين فقط، والنقل عن أبى على معكوس، وتشديد الباء من القصبا والتهبا ضرورة، والتبن بكسر المثناة وتسكين الموحدة، والحلفاء: نبت في الماء، قال أبو زيد: واحدتها حلفة، مثل قصبة وطرفة، وقال الاصمعي حلفة بكسر اللام، وقوله " حتى ترى البويزل إلخ " هو مصغر البازل من بزل البعير بزولا من باب قعد، إذا فطر نابه بدخوله في السنة التاسعة، فهو بازل، يستوى
فيه المذكر والمؤنث، والازب - بالزاى المعجمة -: وصف من الزبب، وهو طول الشعر وكثرته، وبعير أزب، ولا يكاد يكون الازب إلا نفورا، لانه ينبت على حاجبيه شعيرات، فإذا ضربته الريح نفر، وقال السخاوى: الارزب - بكسر الهمزة وسكون الراء المهملة بعدها زاى - قال الارزب الضخم الشديد، وقوله " والسدس الضواضى الخ " السدس - بفتحتين -: السن التى قبل البازل يستوى فيه المذكر والمؤنث، لان الاناث في الاسنان كلها بالهاء إلا السدس والسديس والبازل، قال صاحب الصحاح، والضواضي: بضادين معجمتين الاولى مضمومة، وهو الجمل الضخم، كذا في القاموس، والمحب - بفتح الحاء -: المحبوب، واجلعب: بالجيم، في الصحاح: " واجلعب الرجل اجلعبابا، إذا اضطجع وامتد وانتصب، واجلعب في السير إذا مضى وجد " انتهى، ورواه السخاوى قد اقرعبا: بالقاف والراء والعين المهملتين، وقال: " اقرعب: اجتمع وتقبض من الضر، أي الهزل " انتهى: وليست هذه المادة في الصحاح، والجملة حال من البويزل والسدس، والالف للتثنية، وترى بصرية، الشوى بفتح الشين

(4/260)


المعجمة وكسر الواو، قال السخاوى: هو الشاء (1) وقال العينى: " تبا: أي خسرانا وهلاكا لاصحاب الشاء، لانها أقل احتمالا للشدة " انتهى.
وفى الصحاح: والشاة من الغنم: تذكر وتؤنث، وأصلها شاهة، وجمعها في القلة شياه بالهاء، وفى الكثرة شاء، وجمع الشاء شوى.
وأنشد بعده وهو الشاهد الحادى والثلاثون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه (من الرجز) 131 - عجبت والدهر كثير عجبه * من عنزي سبنى لم أضربه
على أن ضمة الباء منقولة من الهاء إليها للوقف قال سيبويه: " هذا باب الساكن الذى تحركه في الوقف إذا كان بعده هاء المذكر الذى هو علامة الاضمار ليكون أبين لها كما أردت ذلك في الهمزة، وذلك قولك ضربته واضربه، وقده ومنه وعنه، سمعنا ذلك من العرب، ألقوا عليه حركة الهاء حيث حركوا لتبيانها، قال زياد الاعجم: عجبت والدهر كثير عجبه * من عنزي سبنى لم أضربه وقال أبو النجم: (من الرجز) * فقربن هذا وهذا أزحله " اه * قال الاعلم: " الشاهد فيه نقل حركة الهاء إلى الباء في الاول، وإلى اللام في الثاني ليكون أبين في الوقف، لان مجيئها ساكنة بعد ساكن أخفى لها، وعنزة: قبيلة من ربيعة بن نزار، وهم عنزة بن أسد بن ربيعة، وزياد الاعجم من عبد القيس، وسمى الاعجم للكنة كانت فيه، ومعنى أزحله أبعده " انتهى
__________
(1) في نسخة الشياه (*)

(4/261)


وهو بالزاى المعجمة والحاء المهملة، يقال: زحل عن مكانه زحولا: أي تنحى وتباعد وزحلته تزحيلا: بعدته، و " من عنزي " متعلق بعجبت، وما بينهما اعتراض.
وأنشد بعده، وهو الشاهد الثاني والثلاثون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه: (من الرجز) 132 - بالخير خيرات وإن شرافا * ولا أريد الشر إلا أن تا على أنه يوقف على حرف واحد فيوصل بألف كما هنا، والتقدير وإن شرا فشر، ولا أريد الشر إلا أن تشاء.
ولم يورد سيبويه هذا البيت في باب من أبواب الوقف، وإنما أورده في باب إرادة اللفظ بالحرف الواحد من أبواب التسمية، وهذا نصه: (1) " قال الخليل يوما وسأل أصحابه: كيف تقولون إذا أردتم أن تلفضوا بالكاف التى في لك، والكاف التى في مالك، والباء التى في ضرب ؟ فقيل له: تقول: باء، كاف، فقال: إنما جئتم بالاسم ولم تلفظوا بالحرف، وقال: أقول: كه، وبه، فقلنا: لم ألحقت الهاء ؟ فقال: رأيتهم قالوا عه فألحقوا هاء (حتى صيروها يستطاع الكلام بها)، لانه لا يلفظ بحرف، فإن وصلت قلت " ك وب فاعلم يا فتى "، كما تقول " ع يا فتى " فهذه طريقة كل حرف كان متحركا، وقد يجوز أن تكون الالف هنا بمنزلة الهاء، لقربها منها وشبهها بها، فتقول: " با " و " كا " كما تقول: " أنا " وسمعت من العرب من يقول: " ألا تاء، بلى فا " فإنما أرادوا ألا تفعل وبلى فافعل، ولكنه قطع كما كان قاطعا بالالف في " أنا "،
__________
(1) انظر (ج 2 ص 61 من كتاب سيبويه) (*)

(4/262)


وشركت الالف الهاء كشركتها في قوله " أنا "، بينوها بالالف كبيانهم بالهاء في هية وهنة وبغلتية، قال الراجز: بالخير خيرات وإن شرا فا * ولا أريد الشر إلا أن تا يريد إن شرا فشر، ولا أريد الشر إلا أن تشاء " انتهى كلامه.
قال الاعلم: " الشاهد في لفظه بالفاء " من قوله " فشر " والتاء من قوله " تشاء " ولما لفظ بهما وفصلهما مما بعدهما ألحقهما الالف للسكت عوضا من الهاء التى يوقف عليها، كما قالوا " أنا " و " حيهلا " في الوقف، والمعنى أجزيك بالخير خيرات، وإن كان منك شر كان منى مثله، ولا أريد الشر إلا ان تشاء، فحذف لعلم السامع " انتهى.
وكذا أورده المبرد في الكامل قال: " حدثنى أصحابنا عن الاصمعي، وذكره سيبويه في كتابه، ولم يذكر قائله، ولكن الاصمعي قال: كان أخوان متجاوران لا يكلم واحد منهما صاحبه سائر سنته حتى يأتي وقت الرعى فيقول أحدهما للاخر " ألا تا " فيقول الاخر " بلى فا " يريد ألا تنهض فيقول الاخر: بلى فانهض، وحكس سيبويه في كتابه * بالخير خيرات وإن شرا فا * الخ يريد إن شرا فشر ولا أريد الشر إلا أن تريد " انتهى.
وهذا على رواية الالف الواحدة، وأما الرواية بألف بعد همزة في البيت فقد قال ابن جنى في سر الصناعة: " أنشدنا أبو على: بالخير خيرات وإن شرا فأا * ولا أريد الشر إلا أن تأا والقول في ذلك أنه يريد " فا " و " تا " ثم زاد على الالف ألفا أخرى توكيدا كما تشبع الفتحة، فتصير ألفا كما تقدم، فلما التقت ألفان حرك الاولى فانقلبت همزة، وقد أنشدنا أيضا " فا " و " تا " بألف واحدة " انتهى.

(4/263)


وفيه أمور: أحدها: ظاهر كلام هؤلاء جوازه، وبه صرح الشارح المحقق تبعا لجماعة منهم الفراء، قال في تفسير سورة (ق): " ويقال: إن (ق) جبل محيط بالارض، فإن يكن كذلك فكأنه في موضع رفع: أي هو قاف، والله أعلم، وكان لرفعه أن يظهر لانه اسم وليس بهجاء، فلعل القاف وحدها ذكرت من اسمه كما قال الشاعر: (من السريع) * قلنا لها قفى فقالت فاف * ذكرت القاف وأرادت القاف من الوقف: أي إنى واقفة " انتهى.
ومنهم أبو إسحق الزجاج رحمه الله، قال في أول سورة البقرة: " وأختار من
هذه الاقوال التى حكينا في (ألم) بعض ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما، وهو أن العرب تنطق بالحرف الواحد تدل على الكلمة التى هو منها، قال الشاعر: قلت لها قفى فقالت قاف * لا تحسبى أنا نسينا الايجاف فنطق بقاف فقط يريد قالت: أقف، وقال الشاعر أيضا: (من السريع) نا دوهم أن الجموا ألا تا * قالوا جميعا كلهم ألافا تفسيره نادوهم أن ألجموا، ألا تركبون ؟ قالوا جميعا ألا فاركبوا، فإنما نطق بتا وفا كما نطق الاول بقاف، وأنشد بعض أهل اللغة للقيم بن أوس: بالخير خيرات وإن شرافا * ولا أريد الشر إلا أن تا أنشده جميع البصريين هكذا " انتهى.
وتبعه الامام البيضاوى فقال: " ويجوز أن تكون إشارة إلى كلمات هي منها، اقتصرت عليها اقتصار الشاعر في قوله: * قلت لها قفى، فقالت: قاف * كما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: الالف آلاء الله، واللام لطفه، والميم ملكه، وعنه أنه " ألر " و " حم " و " ن " مجموعها

(4/264)


الرحمن، وعنه أن " ألم " معناه أنا الله أعلم، ونحو ذلك في سائر الفواتح، وعنه أن الالف من الله، واللام من جبريل والميم من محمد: أي القرآن منزل من الله عز وجل بلسان جبريل على محمد صلى الله تعالى عليهما وسلم " انتهى.
ومنهم ابن جنى قاله في باب (شجاعة العربية) (1) من الخصائص، وقال أيضا في المحتسب عند توجيه قراءة (يا حسره على العباد) من سورة يس: " قرأ جماعة (يا حسره) بالهاء ساكنة، وفيه نظر، لان قوله (على العباد) متعلقة بها أو صفة لها، وكلاهما لا يحسن الوقوف عليها دونه، ووجهه عندي أن العرب إذا
أخبرت عن الشئ غير معتمد ولا معتزمة عليه أسرعت فيه، ولم تتأن على اللفظ المعبر به عنه، وذلك كقوله: * قلنا لها قفى، فقالت: قاف * معناه وقفت، فاقتصر من جملة الكلمة على حرف منها تهاونا بالحال وتثاقلا عن الاجابة واعتماد المقال...إلى آخر ما ذكره ".
وذهب جماعة إلى أن هذا ضرورة لا يجوز في فصيح الكلام، قال المبرد بعد ما نقلناه عنه: " وهذا ما تستعمله الحكماء، فانه يقال: إن اللسان إذا كثرت حركته رقت عذبته (2)...إلى آخر ما ذكره " ومنهم أبو الحسن الاخفش، قال فيما كتبه على نوادر أبى زيد: " وهذا الحذف كالايماء والاشارة، يقع من بعض العرب لفهم بعض عن بعض ما يريد، وليس هذا هو البيان، لان البيان ما لم يكن محذوفا وكان مستوفى شائعا، حدثنا أبو العباس المبرد قال: حدثنا أصحابنا عن الاصمعي قال: كان أخوان من العرب يجتمعان في موضع لا يكلم أحدهما الاخر إلا في وقت النجعة (3)، فإنه يقول
__________
(1) كذا، وانظر الخصائص (1: 299) (2) عذبة اللسان طرفه الدقيق، يريد درب على الكلام ومرن عليه (3) النجعة - بالضم -: طلب الكلا من مواضعه، ويتجوز به في غير ذلك (*)

(4/265)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية