صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ سر صناعة الإعراب - ابن جني ]
الكتاب : سر صناعة الإعراب
المؤلف : أبي الفتح عثمان بن جني
الناشر : دار القلم - دمشق
الطبعة الأولى ، 1985
تحقيق : د.حسن هنداوي
عدد الأجزاء : 2

فإن قلت فإذا كانت النون عند سيبويه عوضا مما منع الاسم من الحركة والتنوين فما بالهم قالوا في الجر والنصب ضربت الزيدين ومررت بالزيدين فقلبوا الألف ياء وذلك علم الجر والنصب ثم إنهم عوضوا من الحركة نونا وكيف يعوضون من الحركة نونا وهم قد جعلوا قلب الألف ياء قائما مقام علم الجر والنصب وهل يجوز أن يعوض من شيء شيء وقد أقيم مقام المعوض منه ما يدل عليه ويغني عنه وهو القلب
فالجواب أن أبا علي ذكر أنهم إنما جوزوا ذلك لأن الانقلاب معنى لا لفظ إعراب فلما لم يوجد في الحقيقة في اللفظ إعراب جاز أن تعوض منه النون وصار الانقلاب دليلا على التمكن واستحقاق الإعراب وهذا أيضا من لطيف ما حصلته عنه فافهمه
فإن قلت فإذا كانت الدلالة قد صحت على قول سيبويه أنه لا تقدير إعراب في حرف الإعراب من التثنية فما كانت الحاجة من العرب إلى ذلك وما السر وما السبب الذي أوجب ذلك فيها
فالجواب أنهم لو اعتقدوا في حرف إعراب التثنية تقدير حركة كما يعتقدونه في حرف الإعراب من المقصور لوجب أن تقر الألف في الأحوال الثلاث على صورة واحدة كما يقر حرف الإعراب من المقصور على حال واحدة في رفعه ونصبه وجره ولو فعلوا ذلك فقالوا قام الزيدان

(2/707)


الزيدان ومررت بالزيدان لدخل الكلام من الإشكال والاستبهام ما قد تقدم قولنا فيه وأنه تنكب لاستكراههم ما فيه من عدم البيان ولما كان الاسم المثنى معربا متمكنا وكرهوا أن يعتقدوا في حرف إعرابه تقدير حركة إعراب لئلا يبقى في الأحوال الثلاث على صورة واحدة كما تبقى جميع الأسماء المقصورة فيها كذلك عوضوه من الإعراب الذي منعوه حرف إعرابه نونا وأبدلوا من ألفه في الرفع ياء في الجر والنصب ليدلوا بذلك على تمكنه وأنه معرب غير مبني ك متى وإذا وأنى فكان ذلك أحوط وأحزم
فإن قلت فهلا نووا في الألف أنها في موضع حركة كما نووا ذلك في جميع المقصور ثم إنهم أبدلوا الألف ياء ليدلوا على تمكن الاسم ولم يعوضوه من الحركة نونا لأنها منوية مرادة فقالوا قام الزيدا ومررت بالزيدي وضربت الزيدي
فالجواب أن ما قدمناه يمنع من ذلك وهو أنهم لو نووا في الياء حركة وما قبلها مفتوح لوجب أن يقلبوها ألفا فكان يجب على هذا أن يقولوا إذا لم يأتوا بالنون قام الزيدا ورأيت الزيدا ومررت بالزيدا فيعود الكلام من الإشكال واللبس إلى ما هربوا منه فتركوا ذلك لذلك
ونظير ألف التثنية في أنها حرف إعراب وعلامة التثنية ألف التأنيث في نحو حبلى وسكرى ألا تراها حرف إعراب وهي علم التأنيث إلا أنهما يختلفان في أن حرف التثنية لا نية حركة فيه وأن ألف حبلى فيها نية الحركة

(2/708)


قال أبو علي ويدل على أن الألف في التثنية حرف أعراب صحة الواو في مذروان قال ألا ترى أنه لو كانت الألف إعرابا أو دليل إعراب وليست مصوغة في جملة بناء الكلمة متصلة بها اتصال حرف الإعراب بما قبله لوجب أن تقلب الواو ياء فيقال مذريان لأنها كانت تكون على هذا القول طرفا كلام معزى ومدعى وملهى فصحة الواو في مذروان دلالة على أن الألف من جملة الكلمة وأنها ليست في تقدير الانفصال الذي يكون في الإعراب قال فجرت الألف في مذروان مجرى الألف في عنفوان وإن اختلفت النونان وهذا حسن في معناه فأما قولهم قشوت العود فشاذ غير مقيس عليه غيره
ونظير هذا الذي ذهب إليه أبو علي قولهم عقلته بثنايين ولو كانت ياء التثنية إعرابا أو دليل إعراب لوجب أن تقلب الياء التي بعد الألف همزة فيقال عقلته بثناءين وذلك لأنها ياء وقعت طرفا بعد ألف زائدة فجرت مجرى يا رداء ورماء وظباء
ونظير هذا قولهم في الجمع هؤلاء مقتوون ورأيت مقتوين ومررت بمقتوين فلو كانت الواو والياء في هذا أيضا إعرابا أو دليل إعراب لوجب أن يقال هؤلاء مقتون ورأيت مقتين ومررت بمقتين ويجري مجرى مصطفين فهذا كله يؤكد مذهب سيبويه في أن الألف والياء

(2/709)


والواو حروف الإعراب في التثنية والجمع الذي على حد التثنية والقول فيهما من وجه واحد
وأما قول أبي الحسن إن الألف ليست حرف إعراب ولا هي إعراب ولكنها دليل الإعراب فإذا رأيت الألف علمت أن الاسم مرفوع وإذا رأيت الياء علمت أن الاسم منصوب أو مجرور قال ولو كانت حرف إعراب لما عرفت بها رفعا من نصب ولا جر كما أنك إذا سمعت دال زيد لم تدلك على رفع ولا نصب ولا جر فإنه غير لازم وذلك أنا قد رأينا حروف الإعراب بلا خلاف تفيدنا الرفع والنصب والجر وذلك نحو أبوك وأخوك وأباك وأخاك وأبيك وأخيك ألا ترى أن الواو حرف الإعراب وقد أفادتنا الرفع والألف حرف الإعراب وقد أفادتنا النصب والياء حرف الإعراب وقد أفادتنا الجر فأما قوله إنها ليست بإعراب فصحيح وسنذكر ذلك في فساد قول الفراء والزيادي فأما قوله لو كانت الألف حرف إعراب لوجب أن يكون فيها إعراب هو غيرها كما كان ذلك في دال زيد فيفسد بما ذكرناه من الحجاج في هذا عند شرح مذهب سيبويه أول
وبلغني أن أبا إسحاق قال منكرا على أبي الحسن أنها دليل الإعراب إن الإعراب دليل المعنى فإذا كانت الألف تدل على الإعراب والإعراب دليل فقد احتاج الدليل إلى دليل وإذا احتاج الدليل إلى دليل فقد سقط المعنى المدلول عليه وهذا وإن كان ظاهره سائغا متقبلا فإنه غير داخل على غرض أبي الحسن وذلك أن معنى قوله دليل الإعراب

(2/710)


أنها تقوم مقام الضمة والفتحة والكسرة وتفيد ما يفدنه فشابهت الألف النون التي لرفع الفعل المضارع في نحو يقومان ويقومون وتقومين في أنها تقوم مقام الضمة في يقوم ويقعد وأنها ليست من أصول الإعراب ألا ترى أن جنس الإعراب هو الحركة ولذلك جعل جنس البناء سكونا إذ كانا ضدين وكانت الحركة ضد السكون فالألف إذن هناك كالنون هنا
ويدلك على أن الأفعال المضارعة التي رفعها بالنون ليست على طريق قياس أصول الإعراب حذفك النون في موضع النصب في قولك لن يقوما ألا ترى أن النصب هنا مدخل على الجزم كما أدخل النصب في الأسماء المثناة والمجموعة على سبيل التثنية على الجر في قولك ضربت الزيدين والعمرين ولست تجد في الآحاد المتمكنة الإعراب ما يحمل فيه أحد الإعرابين على صاحبه فأما مررت بأحمد فإن ما لا ينصرف غير متمكن الإعراب ويزيد عندك في بيان ضعف إعراب الفعل المضارع أنك إذا ثنيت الضمير فيه أو جمعته أو أنثته أنك تجده بغير حرف إعراب ألا ترى أنه لو كان ل يقومان حرف إعراب لم يخل من أن يكون الميم أو الألف أو النون فمحال أن تكون الميم لأن الألف بعدها قد صيغت معها وحصلت الميم لذلك حشوا لا طرفا ومحال أن يكون حرف الإعراب وسطا ولا يجوز أن يكون إلا آخرا طرفا ولا يجوز أن تكون

(2/711)


الألف في يقومان حرف إعراب قال سيبويه لأنك لم ترد أن تثني هذا البناء فتضم إليه يفعلا آخر أي لم ترد أن تضم هذا المثال إلى مثال آخر وإنما أردت أن تعلم أن الفاعل اثنان فجئت بالألف التي هي علم الضمير والتثنية ولو أردت أن تضم نفس الفعل إلى فعل آخر من لفظة لكانت الألف في يقومان حرف إعراب كما كانت الألف في الزيدان حرف إعراب لما أردت أن تضم إلى زيد زيدا آخر فقد بطل إذن أن تكون الألف حرف إعراب ومحال أيضا أن تكون النون حرف إعراب في يقومان لأمرين أحدهما أنها متحركة محذوفة في الجزم وليس في الدنيا حرف متحرك يحذف في الجزم والآخر أنه لو كانت النون حرف إعراب لوجب أن تجري عليها حركات الإعراب فتقول هما يقومان وأريد أن تقومان فتضمها في الرفع وتفتحها في النصب فإذا صرت إلى الجزم وجب تسكينها فإذا سكنت والألف قبلها ساكنة كسرت لالتقاء الساكنين فتقول لم يقومان فلما كان القضاء بكون نون يقومان حرف إعراب يقود إلى هذا الذي ذكرته ورأيت العرب قد اجتنبته علمت أن النون ليست عندهم بحرف إعراب فإذا لم يجز أن تكون الميم حرف إعراب ولا الألف ولا النون علمت أنه لا حرف إعراب للكلمة وإذا لم يكن لها حرف إعراب دلك ذلك على أن الإعراب فيها ليس له تمكن الإعراب الأصلي الذي هو الحركة وإذا كان ذلك كذلك علمت به أن النون في يقومان تقوم مقام الضمة في يقوم وأنها ليس لها تمكن الحركة وإنما هي دالة عليها ونائبة عنها فكذلك أيضا لا يمتنع أن تكون الألف عند أبي

(2/712)


الحسن دليل الإعراب أي قائمة مقامه ونائبة عنه فإذا رأيتها فكأنك قد رأيته كما أنك إذا رأيت النون في الأفعال المضارعة فكأنك قد رأيت الضمة في الواحد فقد سقط بهذا الذي ذكرناه ما ألزمه ابو إسحاق إياه
قال أبو علي ولا تمتنع الألف على قياس قول سيبويه إنها حرف إعراب أن تدل على الرفع كما دلت عليه عند أبي الحسن لوجودنا حروف إعراب تقوم مقام الإعراب في نحو أبوك وأباك وأبيك وأخواته وكلاهما وكليهما ولكن وجه الخلاف بينهما أن سيبويه يزعم أنها حرف إعراب وأبو الحسن يقول إنها ليست حرف إعراب فهذا ما في خلاف أبي الحسن
وأما قول أبي عمر إنها في الرفع حرف إعراب كما قال سيبويه ثم إنه كان يزعم أن انقلابها هو الإعراب فضعيف مدفوع أيضا وإن كان أدنى الأقوال إلى الصواب الذي هو رأي سيبويه ووجه فساده أنه جعل الإعراب في الجر والنصب معنى لا لفظا وفي الرفع لفظا لا معنى فخالف بين جهات الإعراب في اسم واحد ألا ترى أن القلب معنى لا لفظ وإنما اللفظ هو نفس المقلوب والمقلوب إليه وليس كذلك قول سيبويه إن النون عوض مما منع الاسم من الحركة والتنوين لأن النون على كل حال لفظ وليست بمعنى

(2/713)


وألزم أبو العباس أبا عمر هنا شيئا لا يزلمه عندي وذلك أنه قال قد علمنا أن أول أحوال الاسم الرفع فأول ما وقعت التثنية وقعت والألف فيها فقد وجب أن لا يكون فيها في موضع الرفع إعراب وذلك أن أبا عمر إذا كان يقول في الألف ما قاله سيبويه فله فيه ماله وعليه ما عليه وقد صح أن سيبويه يقول إن النون عوض مما منع الاسم من الحركة والتنوين وكذلك أيضا قول أبي عمر في الرفع إن النون عوض من الحركة والتنوين وإذا كانت عوضا من الحركة فإن الاسم معرب والنون تقوم مقام حركة إعرابه فقد كان يجب على أبي العباس أن لا يدعي على أبي عمر أنه يعتقد أن الاسم في حال الرفع لا إعراب فيه فإن أراد أبو العباس أنه ليس في الألف إعراب وإنما النون عوض من الإعراب فهذا هو الذي قاله سيبويه أيضا وقد قامت الدلالة على صحته فينبغي أن يكون قول أبي عمر صحيحا إذ هو قول سيبويه الصحيح وإنما الذي يلزم أبا عمر في هذا ما قدمناه من أنه جعل اسما واحدا في حال الرفع معربا لفظا وجعل ذلك الاسم بعينه في حال الجر والنصب معربا معنى فخالف بين جهتي إعراب اسم واحد من حيث لا يجوز الخلاف
فإن قلت فإذا كان قلب الألف ياء في الجر والنصب هو الإعراب عند أبي عمر فما الذي ينبغي أن يعتقد في النون في حال الجر والنصب هل هي عنده عوض من الحركة والتنوين جميعا أو عوض من التنوين وحده إذ القلب قد ناب على مذهبه عن اعتقاد النون عوضا من الحركة
فالجواب أن أبا علي سوغه أن تكون النون عوضا من الحركة

(2/714)


والتنوين جميعا وإن كان يقول إن الانقلاب هو الإعراب قال وذلك أنه لم تظهر إلى اللفظ حركة وإنما هناك قلب فحسن العوض من الحركة وإن قام القلب مقامها في الإعراب وهذا الذي رآه أبو علي حسن جدا ويشهد بقوته أن من رأى صرف المؤنث المعرفة إذا كان ثلاثيا ساكن الأوسط نحو جمل ودعد لخفته بسكون وسطه يرى مثل ذلك سواء في نحو دار ونار إذا سمى بهما مؤنثا وإن كانت الألف تدل على أن العين محركة في الأصل وأصلهما دور ونور إلا أن تلك الحركة في العين لما لم تظهر إلى اللفظ لم يعتد بها ولم تجر الكلمة وإن كانت مقدرة حركة العين مجرى قدم وفخذ إذا صارا علمين لمؤنث في ترك صرفهما كما يترك صرفهما فكذلك أيضا لما كان الإعراب في رأيت الزيدين ومررت بالزيدين على مذهب أبي عمر معنى لفظا جاز أن يعوض من الحركة التي كان ينبغي للاسم أن يحرك حرف إعرابه بها نون في الزيدين والعمرين ونظائره كثيرة فهذا يؤيد ما رآه أبو علي لقياس مذهب أبي عمر
ولو أن قائلا قال قياس قول أبي عمر أن تكون النون في تثنية المنصوب والمجرور عنده عوضا من التنوين وحده لأن الانقلاب قد قام مقام الحركة لم أر به بأسا
فإن قلت فإذا كان الأمر كذلك فقد يجب على قول أبي عمر أن تكون النون محذوفة مع اللام في موضع الجر والنصب إذا كانت عوضا من التنوين الذي يحذف مع اللام وثابتة في حال الرفع معها لأنها عوض من الحركة معها على ما بيناه في حرف النون فكان يلزم أبا عمر أن يقول قام

(2/715)


وضربت الزيدي ومررت بالزيدي
فالجواب أن النون على هذا القول وإن كانت في حال الجر والنصب عوضا من التنوين وحده فإنها لم تحذف مع اللام كما يحذف التنوين معها من حيث كانت النون أقوى من التنوين إذ كانت ثابتة في الوصل والوقف متحركة والتنوين يزيله الوقف وهو أبدا ساكن إلا أن يقع بعده ما يحرك له فلما كانت النون أقوى من التنوين لم تقو اللام على حذفها كما قويت على حذف التنوين
وأما قول الفراء وأبي إسحاق الزيادي إن الألف هي الإعراب فهو أبعد الأقاويل من الصواب قال أبو علي يلزم من قال إن الألف هي الإعراب أن يكون الاسم متى حذفت منه الألف دالا من معنى التثنية على ما كان يدل عليه والألف فيه لأنك لم تعرض لصيغة الاسم وإنما حذفت إعرابه فسبيل معناه أن يكون قبل الحذف وبعده واحدا كما أن زيدا ونحوه متى حذفت إعرابه فمعناه الذي كان يدل عليه معربا باق فيه بعد سلب إعرابه ويفسده أيضا شيء آخر وهو أن الألف لو كانت إعرابا لوجب أن تقلب الواو في مذروان ياء لأنها رابعة وقد وقعت طرفا والألف بعدها إعراب كالضمة في زيد وبكر وقد تقدم هذا ونحوه من باب ثنايين ومقتوين
وقال أبو علي سرق الزيادي هذا القول من لفظ سيبويه إن الألف حرف الإعراب قال معناه عند الزيادي أن الألف هو الحرف الذي يعرب به كما تقول ضمة الإعراب أي الضمة التي يعرب بها ويدلك أيضا على أن ألف التثنية ليست إعرابا ولا دليل إعراب وجودك إياها في اسم العدد

(2/716)


نحو واحد اثنان فكما أن جميع أسماء الأعداد مبنية لأنها كالأصوات نحو ثلاثه أربعه خمسه فكذلك اثنان لا إعراب فيه ولو قال لك إنسان الفظ لي بالتثنية غير معربة لم تقل إلا الزيدان بالألف وكذلك أيضا أسماء الإشارة نحو هذان وهاتان والأسماء الموصولة نحو اللذان واللتان لا إعراب في شيء منها وهي بالألف كما ترى وكذلك الألف في النداء إذا قلت يا رجلان ألا ترى أن الكلمة غير مرفوعة وإنما هي في موضع المبني على الضم في نحو يا رجل لأن الاسم في التثنية معرفة كحاله قبل التثنية ألا تراك تقول يا رجلان الظريفان كما تقول يا رجل الظريف وإنما فعلوا هذا في هذه الأشياء التي ليست معربة وألحقوها أيضا بعد الألف النون لئلا يختلف حال التثنية فيكون مرة بالألف والنون ومرة بلا ألف ولا نون فجعلوها بلفظ واحد وقد تقدمت الدلالة في حرف النون على أن النون في نحو هذان واللذان ليست بعوض من الحركة والتنوين إذ موجب ترك الحركة والتنوين في الواحد موجود الآن في التثنية وأنه إنما لحقت النون هنا لئلا يختلف الباب وجميع ما ذكرناه في الألف من الخلاف واقع في واو الجمع نحو الزيدون والعمرون وإنما تركنا ذكر ذلك في حرف الواو لأنا كنا أجمعنا القول عليه في باب ألف التثنية
فإن سأل سائل فيما بعد فقال ما بالهم ثنوا بالألف وجمعوا بالواو وهلا عكسوا الأمر

(2/717)


فالجواب أن التثنية أكثر من الجمع بالواو ألا ترى أن جميع ما تجوز فيه التثنية من الأسماء فتثنيته صحيحة لأن لفظ واحدها موجود فيها وإنما تزيد عليه حرف التثنية وليس كل ما يجوز جمعه يجمع بالواو ألا ترى أن عامة المؤنث وما لا يعقل لا يجمع بالواو وإنما يجمع بغير الواو إما بالألف والتاء وإما مكسرا على أن ما يجمع بالواو قد يجوز تكسيره نحو زيد وزيود وقيس وأقياس وغير ذلك فالتثنية إذن أصح من الجمع لأنها لا تخطىء لفظ الواحد أبدا فلما ساغت فيمن يعقل وما لا يعقل وفي المذكر والمؤنث وكان الجمع الصحيح إنما هو لضرب واحد من الأسماء كانت التثنية أوسع من الجمع الصحيح فجعلوا الألف الخفيفة في التثنية الكثيرة وجعلوا الواو الثقيلة في الجمع القليل ليقل في كلامهم ما يستثقلون ويكثر في كلامهم ما يستخفون فاعرف ذلك قال أبو علي لما كان الجمع أقوى من التثنية لأنه يقع على أعداد مختلفة وكان لذلك أعم تصرفا من التثنية التي تقع لضرب واحد من العدد لا تتجاوزه وهو اثنان جعلوا الواو التي هي أقوى من الألف في الجمع الذي هو أقوى من التثنية
وقد زيدت الألف علامة للتثنية والضمير في الفعل نحو أخواك قاما وعلامة للتثنية مجردة من الضمير نحو قول الشاعر
( ألفيتا عيناك عند القفا ... أولى فأولى لك ذا واقيه )
وقد ذكرنا هذه اللغة في حرف النون وحرف الواو قد أخذت التثنية بحظ على أن فيها شيئا آخر سوى هذا

(2/718)


واعلم أن الألف قد زيدت في أثناء الكلام على أنها ليست مصوغة في تلك الكلم وإنما زيدت لمعان حدثت وأغراض أريدت وهي في تقدير الانفكاك والانفصال فمن ذلك أن العرب قد أشبعت بها الفتحة يقولون بينا زيد قائم أقبل عمرو وإنما هي بين زيدت الألف في آخرها إشباعا للفتحة ومن أبيات الكتاب
( بينا نحن نرقبه أتانا ... معلق وفضة وزناد راع )
وقال الهذلي
( بينا تعنقه الكماة وروغه ... يوما أتيح له جريء سلفع )
أي بين وهو كثير ومن ذلك فيما حدثنا به أبو علي قولهم جىء به من حيث وليسا أي وليس فأشبعت فتحة السين إما لبيان الحركة في الوقف وإما كما ألحقت بينا في الوصل وأنشدنا أبو علي لابن هرمة يرثي ابنه
( فأنت من الغوائل حين ترمى ... ومن ذم الرجال بمنتزاح )
أي بمنتزح وأنشدنا أيضا لفترة
( ينباع من ذفرى غضوب جسرة ... زيافة مثل الفنيق المكدم )
وقال أراد ينبع وروينا عن قطرب

(2/719)


( عضضت بأير من أبيك وخالكا ... وعض بنو العمار بالسكر الرطب )
أشبع فتحة الكاف فحدثت بعدها ألف ونحو من ذلك قولهم في الوقف عند التذكر قالا أي قال زيد ونحوه فجعلوا الاستطالة بالألف دليلا على أن الكلام ناقص وكذلك تقول أينا أي أين أنت فتتذكر أنت
وقد زادوها أيضا عند التذكر بعد الألف فقالوا الزيدان ذهباا إذا نووا ذهبا أمس أو نحوه مما يصحبه من الكلام وتقول على هذا زيد رماا أي رمى عمرا ونحوه فتزيد في التذكر على الألف ألفا وتمده
( وكما زيدت الألف إشباعا فقد حذفت اختصارا من ذلك قصر الممدود نحو قوله
( . . . ... . وتبوا بمكة بطحاها )
أي بطحاءها ومن الصحيح ما رويناه عن قطرب

(2/720)


( ألا لا بارك الله في سهيل ... إذا ما الله بارك في الرجال )
وقال الآخر
( أقبل سيل جاء من عند الله ... يحرد حرد الجنة المغلة )
وعلى هذا بيت الكتاب
( أوالفا مكة من ورق الحمي ... )
أراد الحمام فحذف الألف وأبدل الميم ياء هذا أحسن ما قيل فيه
ومن ذلك لحاقها في الوقف لبيان الحركة كما تبين الحركة بالهاء وذلك قولهم في الوصل أن فعلت فإذا وقفت قلت أنا وكذلك حيهلا
ومن ذلك لحاقها فصلا بين النونات في نحو قولك للنساء اضربنان يا نسوة واشتمنان بكرا وأصل هذا أن تدخل نون التوكيد وهي مشددة على

(2/721)


نون جماعة المؤنث فتجتمع ثلاث نونات فكان يلزم أن يقال اضربنن زيدا فكرهوا اجتماعهن ففصلوا بينهن بالألف ومن كلام أبي مهدية اخسأنان عني ودار بيني وبين المتنبي في قوله
( . . . ... . . . . وقلنا للسيوف هلمنا )
كلام فيه طول وأنكرت ضم الميم هنا من طريق القياس إلى أن قال لي فكيف كان ينبغي أن يكون إذا أكدته هنا بالنون فقلت كان قياسه أن تقول هلممنان فقال هذا طويل فقلت هذا جواب مسألتك فأما طوله وقصره فشيء غير ما نحن فيه
ومن ذلك أن تدخل فاصلة بين الهمزتين المحققتين استكراها لاجتماعهما محققتين قال ذو الرمة
( آأن ترسمت من خرقاء منزلة ... ماء الصبابة من عينيك مسجوم )
وقال الآخر
( تطاللت فاستشرفته فرأيته ... فقلت له آأنت زيد الأراقم )
وقرأت على أبي علي في كتاب الهمز عن أبي زيد

(2/722)


( حزق إذا ما القوم أبدوا فكاهة ... تفكر آإياه يعنون أم قردا )
وقرأ بعضهم ( آئذا ) و ( آئنا ) و ( آأنت قلت للناس ) وقال ذو الرمة أيضا
( هيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النقا آأنت أم أم سالم )
أراد أأنت فثقل عليه تحقيق الهمزتين ففصل بينهما بالألف وكذلك الباقي
ومن ذلك الألف التي تلحق أواخر الأسماء الموصولة وأسماء الإشارة إذا حقرت عوضا من ضمة أول الحرف وذلك قولهم في ذا ذيا وفي تا تيا وفي ذاك ذياك وفي ذلك ذيالك وفي الذي اللذيا وفي التي اللتيا وفي هؤلاء مقصورا هؤليا وفي أولاء ممدودا ألياء وهذه مسألة اعترضت ههنا ونحن نوضحها اعلم أن أولاء وزنه إذا مثل فعال كغراب وكان حكمه إذا حقرته على مثال تحقير الأسماء المتمكنة أن تقول هذا أليىء ورأيت أليئا ومررت بأليىء فلما صار تقديره أليىء أرادوا أن يزيدوا في آخره الألف

(2/723)


التي تكون عوضا من ضمة أوله كما قالوا في ذا ذيا وفي تا تيا فلو فعلوا ذلك لوجب أن يقولوا أليئا فيصير بعد التحقير مقصورا وقد كان قبل التحقير ممدودا فأرادوا أن يقروه بعد التحقير على ما كان عليه قبل التحقير من مده فزادوا الألف قبل الهمزة فالألف الآن التي قبل الهمزة في ألياء ليست بتلك التي كانت قبلها في أولاء إنما هذه في ألياء هي الألف التي كان سبيلها أن تلحق آخرا فقدمت كما ذكرنا وأما ألف أولاء فقد قلبت ياء كما تقلب ألف غلام إذا قلت غليم وهي الياء الثانية في ألياء والياء الأولى هي ياء التحقير
فإن قلت فإن الألف إنما تلحق آخرا في تحقير هذه الأسماء لأنها جعلت عوضا من ضمة أوائلها وأنت في ألياء قد ضممت أول الاسم فلم جئت بالألف في آخره
فالجواب أن ضمة أول ألياء ليست مجتلبة للتحقير بمنزلة ضمة كاف كتيب وحاء حسيب وإنما هي الضمة التي كانت موجودة في التكبير في قولك أولاء يدلك على صحة ذلك تركهم أول ما هو مثله في الإشارة واستحقاق البناء بحاله غير مضموم وذلك قولك ذيا وتيا ألا ترى أن الذال والتاء مفتوحتان كما كانتا قبل التحقير في ذا وتا فكذلك ضمة همزة ألياء هي ضمة الهمزة في أولاء فلما كان أول الكلمة باقيا بحاله غير مجتلبة له ضمة التحقير عوض الألف من آخره فأما ضمة عين غريب وغليم فضمة التحقير لا الضمة التي كانت في غراب وغلام ألا تراك تقول كتاب وغزال فتجد الأولين مفتوحا ومكسورا

(2/724)


فإذا حقرت ضممت فقلت كتيب وغزيل فقد بان ذلك وكذلك ضمة قاف قفيل إنما هي ضمة التحقير وليست بضمة القاف من قفل يدلك على ذلك ضمك ما أوله مفتوح أو مكسور وهو كعب وحلس إذا قلت كعيب وحليس فالضمتان وإن اتفقتا في اللفظ فإنهما مختلفتان في المعنى وغير منكر أن يتفق اللفظان من أصلين مختلفين ألا ترى أن من رخم منصورا في قول من قال يا حار قال يا منص فبقى الصاد مضمومة كما بقى الراء مكسورة ومن قال يا حار فاجتلب للنداء ضمة قال أيضا يا منص فحذف ضمة الصاد كما حذف كسرة الراء واجتلب للصاد ضمة النداء كما اجتلب للراء ضمة النداء إلا أن لفظ يا منص في الوجهين واحد والمعنيان متباينان وكذلك قول سيبويه في الفلك إذا جمع على فلك فضمة الفاء من الواحد بمنزلة ضمة باء برد وخاء خرج وضمة الفاء من الجمع بمنزلة ضمة حاء حمر وصاد صفر جمع أحمر وأصفر وهذا أوسع من أن أتحجره ولكني قد رسمت طريقه وأمثلته
ومن ذلك لحاقها للندبة نحو واغلاماه ووازيداه وواأمير المؤمنيناه

(2/725)


ومن ذلك زيادة الألف للإطلاق في نحو
( أقلي اللوم عاذل والعتابا ... . . . . )
و
( يا دار عمرة من محتلها الجرعا ... . . . . )
وقد ذكرنا ذلك بما فيه في هذا الكتاب وغيره ونحو منه لحاقها في أواخر الآي نحو ( الظنونا ) و ( السبيلا ) و ( قواريرا ) وقد ذكرناه أيضا
ومن ذلك زيادتها بعد هاء الضمير علامة للتأنيث وذلك نحو رأيتها ومررت بها فالاسم هو الهاء وأما الألف فزيدت علما للتأنيث ومن حذف الواو في نحو قوله
( له زجل كأنه صوت حاد ... إذا طلب الوسيقة أو زمير ) وقول الآخر

(2/726)


( فظلت لدى البيت العتيق أخيله ... ومطواي مشتاقان له أرقان )
وقول الآخر رويناه عن قطرب
( وأشرب الماء ما بي نحوه عطش ... إلا لأن عيونه سيل واديها )
وغير ذلك من هذه الأبيات لم يقل في نحو رأيتها ونظرت إليها إلا بإثبات الألف وذلك لخفة الألف وثقل الواو إلا أنا قد روينا عن قطرب بيتا حذفت فيه هذه الألف تشبيها بالواو والياء لما بينها وبينهما من الشبه وهو قوله
( أعلقت بالذئب حبلا ثم قلت له ... الحق بأهلك واسلم أيها الذيب )
( إما تقود به شاة فتأكلها ... أو أن تبيعه في بعض الأراكيب )
يريد تبيعها فحذف الألف وهذا شاذ ونحو منه بيت أنشدناه أبو علي عن أبي الحسن وهو

(2/727)


( فلست بمدرك ما فات مني ... ب لهف ولا ب ليت ولا لو آني )
يريد بلهفى وقرأ بعضهم ( يا أبت ) بفتح التاء يريد يا أبتاه وأنشد سيبويه
( وقبيل من لكيز شاهد ... رهط مرجوم ورهط ابن المعل )
يريد ابن المعلى فحذف الألف على أن هذا شاذ قليل النظير فهذه وجوه زيادة الألف في كلام العرب فاعرفها
واعلم أن الألف متى حركت انقلبت همزة وذلك لضعفها عن تحمل الحركة وقد ذكرنا ذلك في باب الهمزة في ولنا شأبة ودأبة وفي القرآن ( ولا الضالين ) و ( لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جأن ) ونحو ذلك مما أثبتناه هناك

(2/728)


حرف الياء
اعلم أن الياء حرف مجهور يكون في الكلام على ثلاثة أضرب أصلا وبدلا وزائدا فإذا كانت أصلا وقعت فاء وعينا ولاما فالفاء نحو يسر ويعر والعين نحو بيت وسار واللام نحو ظبي ورميت
وقد يكون التضعيف في الياء كما يكون في سائر الحروف من ذلك الفاء والعين وهو قولهم في اسم مكان يين وليس له في الأسماء نظير وقالوا في الفعل يييت ياء حسنة أي كتبت ياء على أن ذلك شاذ ومن ذلك الفاء واللام قالوا يد وأصلها يدي بوزن فعل يدلك على ذلك قولهم أيد فهذا يدل على أن العين ساكنة ويدل على أن اللام ياء قولهم يديت إليه يدا ولم يقولوا يدوت ومن ذلك العين واللام وهو أكثر من الاثنين الماضيين وذلك قولهم حييت وعييت والحية من هذا أيضا عينها ياء وليست واوا كعين لية يدل على ذلك

(2/729)


ما حكاه سيبويه من قولهم في النسب إلى حية بن بهدلة حيوي ولو كانت العين واوا لقالوا حووي كما تقول في النسب إلى لية لووي
فإن قلت فهلا كانت الحية مما عينه واو استدلالا بقولهم رجل حواء لظهور الواو عينا في حواء
فالجواب أن أبا علي ذهب إلى أن حية وحواء ك سبط وسبطر ولؤلؤ ولأال ودمث ودمثر ودلاص ودلامص في قول أبي عثمان وأن هذه ألفاظ اقتربت أصولها واتفقت معانيها وكل واحد لفظه غير لفظ صاحبه فكذلك حية مما عينه ولامه ياءان وحواء مما عينه واو ولامه ياء كما أن لؤلؤا رباعي ولأال ثلاثي ولفظاهما مقتربان ومعنياهما متفقان
ونظير ذلك في العين قولهم جبت جيب القميص ف جبت عينه واو لأنه من جاب يجوب والجيب عينه ياء لقولهم في جمعه جيوب قال الله عز و جل ( وليضربن بخمرهن على جيوبهن ) وقال ابن الدمينة

(2/730)


( ألا لا أبالي ما أجنت قلوبهم ... إذا نصحت ممن أحب جيوب )
وإنما جعلنا حواء من باب ما عينه واو ولامه ياء وإن كان يمكن لفظه أن يكون مما عينه ولامه واوان من قبل أن هذا هو الأكثر في كلامهم
ولم تأت الفاء والعين واللام كلها ياءات إلا في قولهم يييت ياء حسنة على أن فيه ضعفا من طريق الرواية
وليس في كلامهم اسم في أوله ياء مكسورة إلا قولهم في اليسار اسم اليد يسار بكسر الياء وقالوا يقظان ويقاظ ويعر ويعرة للجدي وقالوا ييأس وييئس وإنما رفض ذلك استثقالا للكسرة في الياء
إبدال الياء
قد أبدلت الياء من الألف والواو والهمزة والهاء والسين والباء والراء والنون واللام والصاد والضاد والميم والدال والعين والكاف والتاء والثاء والجيم
فأما إبدالها من الألف فقولهم في حملاق حميليق وحماليق وفي مفتاح مفيتيح ومفاتيح وفي خلخال خليخيل وخلاخيل وكذلك الياء في قيتال وضيراب إنما هي بدل من ألف قاتلت وضاربت
فإن قلت إن المصدر هو الأصل والفعل هو الفرع فكيف جعلت ما هو موجود في الأصل بدلا مما هو موجود في الفرع وهل لهذا إلا عكس ما يوجبه القياس

(2/731)


فالجواب أن ذلك لا تعلق له بالأصل والفرع ألا ترى أنهم أعلوا عدة وهي المصدر لاعتلال يعد وهو الفعل وأعلوا أيضا يقوم لاعتلال قام ومرتبة الحال والاستقبال جميعا أن يكونا قبل الماضي والعلة في هذا ونحوه أن المصدر وإن كان أصلا للفعل فإن أمثلة الأفعال المختلفة في الماضي والحال والاستقبال والمصادر تجري مجرى المثال الواحد حتى إنه إذا لزم بعضها شيء لزم جميعها وحتى إنه إذا حصل في بعضها بعض التعويض صار كأن ذلك التعويض قد عم جميعها إذ كانت كلها كالمثال الواحد ألا ترى أنهم لما حذفوا الهمزة من أكرم وبابه صار وجودها في الإكرام كالعوض من حذفها في يكرم وكذلك أيضا وجودها في أكرم وأكرم يصير عوضا من حذفها في أكرم ونكرم وتكرم ويكرم فاعرف ذلك وكذلك كل ألف انكسر ما قبلها أو وقعت قبلها ياء التحقير نحو كتيب وحسيب
إبدال الياء من الواو
كل واو سكنت غير مدغمة وانكسر ما قبلها قلبت ياء وذلك نحو ميقات وميزان وميعاد أصل ذلك موقات وموزان وموعاد فلما سكنت الواو غير مدغمة وانكسر ما قبلها قلبت ياء فإن تحركت الواو أو زالت الكسرة من قبلها صحت وذلك نحو مويزين

(2/732)


وموازين ومويقيت ومواقيت ومن ذلك حول وعوض وطول فأما قولهم ثياب وحياض ورياض فإنما قلبت الواو ياء وإن كانت متحركة من قبل أنه اجتمعت خمسة أشياء منها أن الكلمة جمع والجمع أثقل من الواحد ومنها أن واو الواحد منها ضعيفة ساكنة في ثوب وحوض وروضة ومنها أن قبل الواو كسرة لأن الأصل ثواب وحواض ومنها أن بعد الواو ألفا والألف قريبة الشبه بالياء ومنها أن اللام صحيحة إنما هي باء وضاد وإذا صحت اللام أمكن إعلال العين ومتى لم تذكر هذه الأسباب كلها وأخللت ببعضها انكسر القول ولم تجد هناك علة ألا ترى أن طوال جمع وقبل واوه كسرة وبعد واوه ألف ولامه صحيحه ومع ذلك فعينه سالمة لما تحركت في الواحد الذي هو طويل فلما نقص بعض تلك الأوصاف لم يجب الإعلال وكذلك زوج وزوجة وعود وعودة قد اجتمع فيها سكون واو الواحد والكسرة التي قبل الواو في الجمع وأنه جمع ولامه صحيحة إلا أنه لم تقع بعد عينه ألف صحت الواو فأما ثيرة فشاذ وقال أبو العباس إنما أعلوا ثيرة جمع ثور هذا الحيوان للفرق بينه وبين ثورة

(2/733)


جمع ثور وهو القطعة من الأقط وكذلك رواء جمع ريان وطواء جمع طيان هو مثال جمع وقد انكسر ما قبل واوه وبعدها ألف والواو في واحده ساكنة بل معتلة لأن الأصل رويان وطويان إلا أنه لما كانت لامه معتلة صححت عينه ولم تعلل فاعرف ما ذكرته فإن أحدا من أصحابنا لم يحتط في بابه وذكر علته الموجبة لقلبه هذا الاحتياط ولا قيده هذا التقييد
فأما غازية ومحنية فأصلهما غازوة ومحنوة وإنما قلبت الواو وإن كانت متحركة من قبل أنها وقعت لاما فضعفت فقلبت ولم تجر مجرى العين في الصحة للحركة نحو عوض وحول وطول فأما حنذوة فإنما صحت فيها الواو وإن كانت آخرا من قبل أنهم لو قلبوها فقالوا حنذية لم يعلم أأصلها فعلوة أم فعلية ولجرت مجرى حذرية وهبرية وعفرية قال أبو العباس حنذوة أيضا بضم الحاء والذال شعبة من الجبل
فإن كانت الواو مدغمة لم تقلب الأولى منهما وإن انكسر ما قبلها لتحصنها بالإدغام وقد ذكرنا ذلك في فصل اجلواذ من حرف الواو وقول

(2/734)


بعضهم اجليواذ ونظير اجليواذ قولهم ديوان لأن أصله دوان ومثاله فعال والنون فيه لام لقولهم دونته ودواوين ودويوين ولم تقلب الواو في ديوان وإن كانت قبلها ياء ساكنة من قبل أن الياء غير لازمة وإنما أبدلت من الواو تخفيفا ألا تراهم قالوا دواوين لما زالت الكسرة من قبل الواو على أن بعضهم قد قال دياوين فأقر الياء بحالها وإن كانت الكسرة قد زالت من قبلها وأجرى غير اللازم مجرى اللازم وقد كان سبيله إذا أجراها مجرى الياء اللازمة أن يقول ديان إلا أنه كره تضعيف الياء كما كره الأول تكرير الواو قال الشاعر
( عداني أن أزورك أم عمرو ... دياوين تشقق بالمداد )
واعلم أن الواو متى وقعت قبلها الياء ساكنة قلبت الواو ياء وكذلك إن وقعت الواو ساكنة قبل الياء فالأول نحو سيد وميت والثاني نحو لية وطية وقد ذكرنا هذا كله مستقصى في حرف الواو وذكرنا هناك ضيون ورجاء بن حيوة فأما قولهم في فعل من فاعلت وفيعلت وفوعلت من سرت وبعت سوير وبويع فلم تقلب فيه الواو ياء لأن الواو ليست بلازمة في فاعلت وأجرو فيعلت وفوعلت مجرى فاعلت ولو أدغموا فقالوا بيع وسير التبس أيضا ب فعل
وقد أبدلت الياء من الواو إذا كانت لام فعلى وذلك نحو العليا والدنيا والقصيا وقالوا القصوى فأخرجوها على أصلها فأما

(2/735)


حزوى فعلم ولا ينكر في الأعلام كثير من التغيير نحو حيوة ومزيد ومحبب وقد ذكرنا هذا قديما في هذا الكتاب ونظير القصوى في الشذوذ قولهم خذ الحلوى وأعطه المرى
واعلم أنهم قد أبدلوا الياء من الواو إذا وقعت الكسرة قبل الواو وإن تراخت عنها بحرف ساكن لأن الساكن لضعفه ليس حاجزا حصينا فلم يعتد فاصلا فصارت الكسرة كأنها قد باشرت الواو ولا يقاس ذلك وذلك قولهم صبية وصبيان والأصل صبوة وصبوان لأنه من صبوت صبوا فقلبت الواو لكسرة الصاد ولم تفصل الباء بينهما لضعفها بالسكون وقد قالوا أيضا صبوان فأخرجوها على أصلها وقالوا أيضا صبوان وهو نحو من صبوان فأما قول بعضهم صبيان بضم الصاد وبالياء ففيه من النظر أنه ضم الصاد بعد أن قلب الواو ياء في لغة من كسر الصاد فقال صبيان فلما قلبت الواو ياء للكسرة وضمت الصاد بعد ذلك أقرت الياء بحالها التي كانت عليها في لغة من كسر
ومن ذلك قولهم قنية هو من قنوت هكذا يقول أصحابنا وقد روي أيضا قنية وقنوة وقنوة وقالوا أيضا قنوت

(2/736)


وقنيت فمن قال قنيت فلا نظر في قنية وقنيكي في قوله ومن قال قنوت فإن كان ممن يقول قنية فالكلام في إبدال الواو ياء في قوله هو الكلام في قول من قال صبيان وقال الراجز
( بعنق أسطع في جرانه ... كالجذع مال البسر من قنيانه )
والواحد قنو والقول فيه القول في صبيان بضم الصاد
ومثله علي وعلية وأصله علوة لأنه من علوت وقالوا فلان قدية في الخير يريدون قدوة ومثله ناقة بلو سفر وبلي سفر وهما من بلوت وقالوا ناقة عليانة وهي من علوت وقالوا أرض عذي وطعام عذي وقالوا في جمع عذاة عذوات بالواو ومن كلام بعضهم في صفة أرض قد حفتها الفلوات وبعجتها العذوات وقالوا حذية وهي من حذوت
ومتى صارت الواو رابعة فصاعدا قلبت ياء وذلك نحو أغزيت واستغزيت وتقصيت وادعيت ومغزيان وملهيان ومستغزيان وقد تقدمت علة ذلك
وقال بعضهم في يوجل ييجل وفي يوحل ييحل وقالوا أيضا ييجل وييحل كل ذلك هربا من الواو

(2/737)


إبدال الياء من الهمزة
اعلم أن كل همزة سكنت وانكسر ما قبلها وأردت تخفيفها قلبتها ياء خالصة تقول في ذئب ذيب وفي بئر بير وفي مئرة ميرة وكذلك إذا انفتحت وانكسر ما قبلها تقول في مئر مير وفي يريد أن يقرئك يريد أن يقريك وفي بئار بيار قالت امرأة من العرب
( ألم ترنا غبنا ماؤنا ... سنين فظلنا نكد البيارا )
وكذلك إن وقعت الهمزة بعد ياء فعيل ونحوه مما زيدت فيه لمد أو بعد ياء التحقير فتخفيفها أن تخلصها ياء وذلك قولك في خطيئة خطية وفي نبيء نبي وفي أفيئس تصغير أفؤس أفيس وفي تخفيف أريئس تحقير أرؤس أريس ولا تحرك واحدة من هاتين الياءين البتة لأن حرف المد متى تحرك فارق المد ولأن ياء التحقير أخت ألف التكسير فكما أن الألف لا تحرك كذلك أجروا الياء هنا إذ كانت فيه رسيلتها على أن بعضهم قد قال في تخفيف خطيئة خطية فحرك الياء بحركة الهمزة وهذا من الشذوذ في القياس والاستعمال جميعا بحيث لا يلتفت إليه
ومتى اجتمعت همزتان وانكسرت الأولى منهما قلبت الثانية ياء البتة وكان البدل لازما وذلك قولك إيمان وإيلاف وإيناس وأصله إئمان وإئلاف وإئناس فقلبت الثانية باء البتة لانكسار ما قبلها ولم يجز التحقيق لاجتماع الهمزتين فقس على هذا

(2/738)


وقد أبدلوا الهمزة ياء لغير علة إلا طلبا للتخفيف وذلك قولهم في قرأت قريت وفي بدأت بديت وفي توضأت توضيت وعلى هذا قال زهير
( جريء متى يظلم يعاقب بظلمه ... سريعا وإلا يبد بالظلم يظلم )
أراد يبدأ فأبدل الهمزة وأخرج الكلمة إلى ذوات الياء ومن أبيات الكتاب
( وكنت أذل من وتد بقاع ... يشجج رأسه بالفهر واجي )
يريد واجىء فأبدل الهمزة ياء وأجراها مجرى الياء الأصلية والدليل على ذلك أنه جعلها وصلا لحركة الجيم ألا ترى أن البيت جيمي ولو كانت الهمزة منوية عنده لم يجز أن تكون الياء وصلا كما لا يجوز أن تكون الهمزة المرادة المنوية وصلا وحدثنا أبو علي قال قال أبو العباس لقي أبو زيد سيبويه فقال له سمعت من العرب من يقول قريت وتوضيت فقال له سيبويه كيف يقول منه يفعل فقال

(2/739)


فقال سيبويه لا ينبغي أن يقول أقري يريد سيبويه بذلك أن هذا الإبدال لا قوة له ولا قياس يوجبه ولو كان على القياس لوجب أن تخرج الكلمة إلى ذوات الياء فيقول أقري كما تقول رميت أرمي ألا ترى أن البدل لما وجب في جاء ونحوه جرى لذلك مجرى قاض فاعرفه ونحو من هذا قول ابن هرمة
( إن السباع لتهدى عن فرائسها ... والناس ليس بهاد شرهم أبدا )
يريد ليس بهادىء فأبدل الهمزة ياء ضرورة وجميع هذا لا يقاس إلا أن يضطر شاعر وقالوا في أعصر اسم رجل يعصر فالياء بدل من الهمزة قال أبو علي إنما سمي أعصر بقوله
( أبني إن أباك شيب رأسه ... كر الليالي واختلاف الأعصر )
إبدال الياء من الهاء
قالوا دهديت الحجر أي دحرجته وأصله دهدهته ألا تراهم قالوا هي دهدوهة الجعل لما يدحرجه قال أبو النجم
( كأن صوت جرعها المستعجل ... جندلة دهديتها في جندل )

(2/740)


وقالوا في صهصت بالرجل إذا قلت له صه صه صهصيت فأبدلوا من الهاء ياء
إبدال الياء من السين
قال الشاعر
( إذا ما عد أربعة فسال ... فزوجك خامس وأبوك سادي )
أي سادس وقال الآخر
( بويزل أعوام أذاعت بخمسة ... وتعتدني إن لم يق الله ساديا )
أي سادسا وقال الآخر

(2/741)


( عمرو وكعب وعبد الله بينهما ... وابناهما خمسة والحارث السادي )
وقال الآخر
( مضى ثلاث سنين منذ حل بها ... وعام حلت وهذا التابع الخامي )
أي الخامس
إبدال الياء من الباء
أنشد سيبويه
( لها أشارير من لحم تتمره ... من الثعالي ووخز من أرانيها )

(2/742)


قال أراد الثعالب والأرانب فلم يمكنه أن يقف على الباء فأبدل منها حرفا يمكن أن يقفه في موضع الجر وهو الياء قال وليس ذلك أنه حذف من الكلمة شيئا ثم عوض منه الياء ويحتمل عندي أن تكون الثعالي جمع ثعالة وهو الثعلب وأراد أن يقول ثعائل فقلب فقال ثعالي كما قال
( وكأن أولاها كعاب مقامر ... ضربت على شزن فهن شواعي )
أراد شوائع ومن أبيات الكتاب
( تكاد أواليها تفرى جلودها ... ويكتحل التالي بمور وحاصب )
يريد أوائلها وله نظائر إلا أن الذي ذهب إليه سيبويه أشبه لقوله أرانيها ولأن ثعالة اسم جنس وجمع أسماء الأجناس ضعيف
وقالوا ديباج ودبابيج فدل قولهم دبابيج بالباء على أن أصله دباج وأنه إنما أبدل الباء ياء استثقالا لتضعيف الباء وأخبرنا أبو علي أن

(2/743)


أبا العباس أحمد بن يحيى حكى عنهم لا وربيك لا أفعل أراد لا وربك لا أفعل فأبدل الباء الثانية ياء لأجل التضعيف وقال بعضهم في لبيت بالحج إنما هو لببت فعلت من قولهم ألب بالمكان أي أقام به قرأت على أبي علي للمضرب بن كعب
( فقلت لها فيئي إليك فإنني ... حرام وإني بعد ذاك لبيب )
أي ملب بالحج قال ابن السكيت وقوله بعد ذاك أي مع ذاك فأما حقيقة لبيت عند أهل الصنعة فليس أصل يائه باء وإنما الياء في لبيت هي الياء في قولهم لبيك وسعديك اشتقوا من الصوت فعلا فجمعوه من حروفه كما قالوا من سبحان الله سبحلت ومن لا إله إلا الله هللت ومن لا حول ولا قوة إلا

(2/744)


بالله حولقت ومن بسم الله بسملت ومن هلم وهو مركب من ها ولم عندنا ومن هل وأم عند البغداذيين هلممت وكتب إلي أبو علي في شيء سألته عنه قال قال بعضهم سألتك حاجة فلا ليت لي أي قلت لي لا وسألتك حاجة فلوليت لي أي قلت لي لولا قال وقالوا بأبأ الصبي أباه أي قال له بابا وحكي لنا عن الأصمعي أو أبي زيد أنهم يقولون رجل ويلمة للداهية فاشتقوا وصفا من قولهم ويلمه وأصله ويل لأمه وهذا كثير وكذلك أيضا اشتقوا لبيت من لفظ لبيك فجاءوا في لبيت بالياء التي هي للتثنية في لبيك وهذا على قول سيبويه فأما يونس فزعم أن لبيك أم مفرد وأصله عنده لبب ووزنه

(2/745)


فعلل ولا يجوز أن تحمله على فعل لقلة فعل في الكلام وكثرة فعلل فقلبت الباء التي هي اللام الثانية من لبب ياء هربا من التضعيف فصار لبي ثم أبدلت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فصارت لبى ثم إنها لما وصلت بالكاف في لبيك وبالهاء في لبيه نحو ما أنشدناه أبو علي
( إنك لو دعوتني ودوني ... زوراء ذات منزع بيون )
( لقلت لبيه لمن يدعوني ... )
قلبت الألف ياء كما قلبت في إلى وعلى ولدى إذا وصلتها بالضمير فقلت إليك وعليك ولديك ووجه الشبه بينهما أن لبيك اسم ليس له تصرف غيره من الأسماء لأنه لا يكون إلا منصوبا ولا يكون إلا مضافا كما أن إليك وعليك ولديك لا تكون إلا منصوبة المواضع ملازمة للإضافة فقلبوا ألفه ياء فقالوا لبيك كما قالوا عليك وإليك ولديك ونظير هذا كلا وكلتا في قلبهم ألفها ياء متى اتصلت بضمير وكانت في موضع نصب أو جر نحو ضربت الرجلين كليهما ومررت بهما كليهما وضربت المرأتين كلتيهما ومررت بهما كلتيهما ولم يقلبوا الألف في موضع الرفع ياء فيقولوا قام الرجلان كليهما ولا قامت المرأتان كلتيهما لأنهما بعدا برفعهما عن شبه إليك وعليك ولديك إذ كن لا حظ لهن في الرفع

(2/746)


واحتج سيبويه على يونس فقال لو كانت ياء لبيك بمنزلة ياء عليك وإليك ولديك لوجب متى أضفتها إلى المظهر أن تقرها ألفا كما أنك متى أضفت عليك وأختيها إلى المظهر أقررت ألفها بحالها ولكنت تقول على هذا لبى زيد ولبى جعفر كما تقول إلى زيد وعلى جعفر ولدى سعيد وأنشد قول الشاعر
( دعوت لما نابني مسورا ... فلبى فلبي يدي مسور )
قال فقوله فلبي بالياء مع إضافته إياه إلى المظهر دلالة على أنه اسم مثنى بمنزلة غلامي زيد وصاحبي سعيد وهذا شرح المذهبين وبسطهما ومعاني قول سيبويه ويونس فيهما وإن لم يكن لفظهما فإنه غرضهما
ثم إن أبا علي فيما بعد انتزع لنا شيئا يؤنس به قول يونس ولم يقطع به وإنما ذكره تعللا وهو أنه قال ليونس أن يحتج فيقول قوله فلبي يدي إنما جاء على قول من قال في الوصل هذه أفعى عظيمة وهذه عصي طويلة أي أفعى وعصا وقد حكى سيبويه أنهم يقولون ذلك في الوصل كما يقولونه في الوقف وهذا ليس عذرا مقنعا وإنما فيه بعض التأنيس والقول بعد قول سيبويه فقول من قال إن لبيت بالحج

(2/747)


من قولنا ألب بالمكان إلى قول يونس أقرب منه إلى قول سيبويه ألا ترى أن الياء في لبيك عند يونس إنما هي بدل من الألف المبدلة من الياء المبدلة من الباء الثالثة في لبب على تقدير قول يونس وهذا كله منتزع من قول سيبويه والخليل إن لبيك من قولهم ألب بالمكان إلا أنهما لم يزعما أن الياء في لبيك بدل من باء وإنما الياء عندهم علم على التثنية وإن وزن لبيك على قولهما فعليك كما أن سعديك كذلك لا محالة ووزنه عند يونس فعللك والياء فيه بدل من اللام الثانية فاعرف هذه المسألة فإنها من لطيف ما في هذا الكتاب وإن أعان الله على شرحه وتفسيره سقت جميعه من التقصي والتنظيف على هذه الطريق وعلى ما هو ألطف وأدق بإذن الله
إبدال الياء من الراء
وذلك قول بعضهم شيراز وشراريز حكاها أبو الحسن فأصل شيراز على هذا شراز فأبدلت الراء الأولى ياء ومثله قولهم قيراط وقراريط وأصله قراط والعلة واحدة فأما من قال في شيراز شواريز فإنه جعل الياء فيه مبدلة من واو وكان أصله على هذا شوراز فلما سكنت الواو وانكسر ما قبلها قلبت ياء ثم إنه لما زالت الكسرة في الجمع رجعت الواو فقالوا شواريز

(2/748)


فإن قلت فإن بناء فوعال ليس موجودا في الكلام فمن أين حملت واحد شواريز عليه
فالجواب أن ذلك إنما رفض في الواحد لأجل وقوع الواو ساكنة بعد الكسرة فلم يمكن إظهارها فلما لم يصلوا إلى إظهار الواو في الواحد لما ذكرناه وكانوا يريدونها أظهروها في الجمع ليدلوا على ما أرادوه في الواحد وليعلموا أنها لم تزد في الواحد ياء في أول أحوالها وأنها ليست ك ديماس ودياميس ولا ك ديباج وديابيج فيمن نطق بالياء بعد الدال ويشبه أن يكون سيبويه إنما لم يذكر في الآحاد مثال فوعال لما لم يجده مظهرا مصححا فهذا جواب
ويحتمل عندي قولهم شواريز قولا آخر على غير هذا المذهب الأول وهو أن يكون شيراز فيعالا والياء فيه غير مبدلة من راء ولا واو بمنزلة ديماس وكان قياسه على هذا أن يقولوا في تكسيره شياريز ك دياميس ولكنهم أبدلوا من الياء واوا لضرب من التوسع في اللغة وذلك أن الواو في هذا المثال المكسر أعم تصرفا من الياء ألا ترى إلى كثرة ضوارب وقواتل وخواتم وطوابق وحواطيم وجواريف وسوابيط وحوانيت ودواليب وقلة صيارف

(2/749)


وجيائل جمع جيأل وهي الضبع فلما ألفت الواو في هذه الأمثلة المكسرة وكانت أعم تصرفا من الياء قلبت الياء أيضا في شياريز واوا في شواريز كما قلبت الواو أيضا في نحو هذا من مكسر الأمثلة ياء لضرب من الاتساع في الكلام فقالوا في جمع ناطل وهو المكيال الصغير الذي يري فيه الخمار شرابه نياطل ولم يقولوا نواطل مثل خواتم ودوانق قال لبيد
( . . . ... . تكر عليهم بالمزاج النياطل )
وقد يجوز أيضا على هذا أن يكون أصل واحده شراز إلا أنهم أبدلوا من الراء الأولى ياء كما ذكرنا ثم إنهم لما جمعوا أبدلوا الياء المبدلة من الراء واوا لقرب ما بين الياء والواو والقول الذي قبل هذا أشبه
وذكر أبو الحسن في هذه المسألة في كتابه في التصريف ما أذكره لك لتعجب منه قال وأما شيراز فإنه في وزن فعلال وهو من بنات الأربعة نحو سرداح والياء في شيراز واو يدلك على ذلك قولهم

(2/750)


شواريز ومن قال من العرب شراريز كان شيراز عنده بمنزلة قيراط والذي أنكرته من هذا قوله إن شيرازا من بنات الأربعة نحو سرداح وليست تخلو الياء في شيراز إذا كانت بدلا من أن تكون بدلا من راء في قول من قال شراريز أو من واو في قول من قال شواريز على ما ذكره هو وذهب إليه وعلى كلا القولين لا يجوز أن يكون رباعيا لأنه إن كان في الأصل شرازا فوزنه فعال وإن كان شورازا فوزنه فوعال وشراز ثلاثي بلا خلاف لأنه من باب صنارة وخنابة وفوعال ثلاثي أيضا لأن الواو لا تكون أصلا في ذوات الأربعة إلا في التضعيف نحو الوصوصة والوزوزة والوحوحة وباب قوقيت وضوضيت وزوزيت لأنه في الأصل قوقوت وضوضوت وزوزوت وفوعال ليس مضعفا فتجعل واوه أصلا فأما ورنتل فحرف شاذ ولو أمكننا أن نقضي بزيادة الواو فيه لضاق العذر عن تولي ذلك ولكن كونها أولا يمنع من القضاء بزيادتها وهذا الذي حكيته لك عن أبي الحسن موجود في نسخ كتابه في التصريف وهكذا قرأته

(2/751)


على أبي علي ووجدته أيضا في نسخة أخرى مقروءة عليه وفي نسخة أخرى كان يستجيدها ويصف صحتها وكذلك كانت وكان يقول هذا مصحف جيد يثني بذلك على النسخة وقد كثر التخليط في كتابه هذا وزيد فيه ما ليس من قول أبي الحسن وألحق بمتونه فصار كأنه من الكتاب وقد شك أبو بكر محمد بن السري رحمه الله في شيء من كلامه في هذا الكتاب في فصل آوتاه وأخلق ما يصرف إليه كلام أبي الحسن في قوله إنه رباعي نحو سرداح أن يقال إنه أراد أن فوعال ملحق بالواو بذوات الأربعة نحو سرداح فترك لفظ الإلحاق للعلم به إذ قد ثبت في الأصول أن الواو لا تكون في هذا النحو أصلا على أن في هذا التمحل بعدا وضعفا
فإن قال قائل ما تنكر أن يكون أبو الحسن في هذا على صواب وأن تكون الكلمة رباعية وإن كانت فيها الواو منفردة غير مضعفة كما كانت الواو في ورنتل أصلا وإن لم تكن مضعفة ولكنها لما وقعت أولا لم يسغ القضاء بزيادتها فتكون أيضا الواو في شوراز لما وقعت ساكنة بعد كسرة ولم يمكن تصحيحها قضي بكونها أصلا لأنا لا نعلم واوا استؤنفت في أول أحوالها مفردة زائدة ساكنة بعد كسرة فأما اجلواذ واخرواط فالواو فيه مضعفة غير منفردة
فالجواب أن واو ورنتل وقعت موقعا لا يمكن معه القضاء بكونها زائدة لأنا لا نعلم واوا زيدت أولا وقد ذكرنا العلة في امتناع

(2/752)


العرب من ذلك في حرف الواو فأما واو شوراز المقدرة قبل القلب فهي على كل حال ثانية ساكنة في موضع الواو من كوثر وحوقل وتوارب وطومار وقوصرة وخوزلي وحوفزان وتورور لأنه فوعول من الترارة كذا قال أبو علي وهو الصواب فواو شوراز المقدرة على كل حال في الموضع الذي تزاد فيه الواو فلا مانع من الحكم بزيادتها
فأما الدلالة على كون الياء في شيراز بدلا من الواو في شوراز وأن الياء فيه ليست بمنزلة ياء ديماس فظهورها في الجمع إذ قالوا شواريز فأما ما شبه السائل بذكره وطلب التلبيس به في سؤاله من أنه لا يعرف واوا زائدة مفردة استؤنفت في أول أحوالها بعد كسرة فلا معتبر بقوله من قبل أنه إذا قامت الدلالة على صحة قضية لم يلزم إيراد النظير لها وإن كان في النظير بعض الأنس ألا ترى أن كدت

(2/753)


لا نظير له وقد دلت الدلالة على كونه فعل يفعل وكذلك قولهم ماء سخاخين فعاعيل وإن لم نجد له نظيرا في الكلام وكذلك إنقحل إنفعل عند سيبويه وإن لم يكن له نظير عنده وهذا واسع فكذلك قولهم إن الواو في شيراز زائدة وإن لم نجد لها نظيرا استؤنفت هكذا ويؤكد ذلك عندك قول بعضهم شراريز فهذه دلالة قاطعة على زيادة الواو في شواريز وجرت شراريز مجرى صنانير وخنانيب كما دلت الألف في شرابث وجرافس على زيادة النون في شرنبث وجرنفس ومع هذا فقد أجمعوا على أن عباديد وشعاليل يجوز أن يكون واحدها فعلولا كأنه عبدود وشعلول وإن لم تنطق العرب بواحد ذلك وإذا كان ذلك كذلك فالياء في عباديد وشعاليل جائز أن تكون منقلبة عن واو فعلول فكأنه قبل القلب شعالول وعبادود فانقلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها فصارت عباديد وشعاليل أفلا ترى أن الياء في عباديد وشعاليل منقلبة عن واو زائدة منفردة مستأنفة مكسور ما قبلها فأما الواحد منها فلا اعتداد به لأنه أصل مرفوض لا ينطق به فجرى لذلك مجرى ما ليس مقدرا وإذا كان ما ينطق به في كثير من الكلام قد تصيره إلى أن يجري

(2/754)


مجرى ما قد سقط حكمه وصار غير معتد به فما لا يظهر على وجه من الوجوه أولى بأن يلغى ولا يعتد به وذلك قولك زيد خلفك فأصل هذا زيد مستقر خلفك فحذف اسم الفاعل للعلم به وأقيم الظرف مقامه وانتقل الضمير الذي كان في اسم الفاعل إلى الظرف وصار موضع الظرف رفعا لأنه خبر المبتدأ وألغي مستقر حتى صار لا حكم له ولا اعتداد به وأنت مع هذا لو شئت لأظهرته فقلت زيد مستقر خلفك ويدلك على أن حكم مستقر ونحوه في نحو هذا قد سقط عندهم وصارت معاملة اللفظ الآن إنما هي للظرف امتناعهم من تقديم الحال على الظرف في نحو قولهم زيد خلفك واقفا فلو قلت زيد واقفا خلفك لم يجز فلولا أن نصب الحال الآن إنما وجب بالظرف لا باسم الفاعل المحذوف لكان يجوز تقديم الحال على الظرف بغير اسم الفاعل كما كان يجوز عليه مع اسم الفاعل في قولك زيد واقفا في الدار مستقر ف واقفا الآن منصوب بمستقر لا بالظرف ولذلك جاز تقديمه على الظرف فكذلك إذا قلت زيد خلفك واقفا نصبت الحال بالظرف لا باسم الفاعل فإذا كان حكم اسم الفاعل قد يبطل إذا أقمت الظرف مقامه مع أنه قد يجوز لك أن تلفظ معه باسم الفاعل وتجمع بينهما فأن يكون ما لا ينطق به البتة غير مراد ولا معتد به وهو واحد شعاليل وعباديد أجدر فهذا ما احتمله القول واقتضاه النظر في قولنا شيراز وشواريز وشراريز
فأما قولهم تسريت فيكون أيضا من باب إبدال الياء من الراء

(2/755)


وأصلها على هذا تسررت لأنها من السرية والسرية فعلية من السر وذلك أن صاحبها أبدا ما يخفيها ويسر أمرها عن حرمته وصاحب منزله ومن كانت سرية عنده فعيلة مثل مريقة وعلية فاشتقاقها عنده من سراة الشيء وهو أعلاه وأوله ودفع أبو الحسن هذا القول وقال إن الموضع الذي تؤتى منه المرأة ليس أعلاها ولا سراتها والقول كما قال والذي ذهب إليه أبو الحسن فيها هو أنها فعلية من السرور لأن صاحبها يسر بها ولو قال قائل إنها فعيلة من سريت أي سرت ليلا لأن في ذلك ضربا من الإخفاء والستر لكان قولا ولكن حملها على أنها فعلية أوجه لأمرين أحدهما أن فعلية أكثر في الكلام من فعيلة والآخر أن معنى السر ههنا والسرور أظهر من معنى السراة والسرى وإذا كانت سرية من السراة فأصلها سريوة لأن السراة من الواو لقول الفرزدق
( وأصبح مبيض الصقيع كأنه ... على سروات البيت قطن مندف )
فلما اجتمعت الياء والواو وسبقت الياء بالسكون قلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء فصارت سرية وكذلك القول في علية أصلها

(2/756)


عليوة لأنها من علوت والقول فيها كالقول في سرية إذا أخذت من السراة
إبدال الياء من النون
من ذلك قولهم دينار وأصله دنار والقول فيه كالقول في قيراط لقولهم في التكسير دنانير ولم يقولوا ديانير وكذلك التحقير وهو دنينير وقالوا إيسان فأبدلوا نون إنسان ياء قال
( فيا ليتني من بعدما طاف أهلها ... هلكت ولم أسمع بها صوت إيسان )
البيت لعامر بن جوين إلا أنهم قد قالوا في جمعه أيضا أياسي بياء قبل الألف فعلى هذا يجوز أن تكون الياء غير مبدلة وجائز أيضا أن يكون من البدل اللازم نحو عيد وأعياد وعييد ونحوه ميثاق ومياثيق وميثرة ومياثر وهذا هو الوجه عندي في إيسان
ومن ذلك قولهم تظنيت وإنما هي تفعلت من الظن وأصلها تظننت فقلبت النون الثالثة ياء كراهية التضعيف

(2/757)


وقرأت على أبي علي بإسناده عن أبي عبيدة قال سمعت أبا عمرو ابن العلاء يقول ( لم يتسن ) لم يتغير هو من قوله تعالى ( من حمأ مسنون ) أي متغير فقلت له ( لم يتسن ) من ذوات الياء و ( مسنون ) من ذوات التضعيف فقال هو مثل تظنيت وهو من الظن وأصله على هذا القول لم يتسنن ثم قلبت النون الآخرة ياء هربا من التضعيف فصار يتسني ثم أبدلت الياء ألفا فصار يتسنى ثم حذفت الألف للجزم فصار ( لم يتسن )
وقالوا إنسان وأناسي وظربان وظرابي فالياء الثانية بدل من نون الواحد
إبدال الياء من اللام
وهو في قولهم أمليت الكتاب إنما أصله أمللت فأبدلت اللام الآخرة ياء هربا من التضعيف وقد جاء القرآن باللغتين جميعا قال

(2/758)


تعالى ( فهي تملى عليه بكرة وأصيلا ) وقال عز اسمه ( وليملل الذي عليه الحق )
إبدال الياء من الصاد
أخبرنا أبو علي بإسناده عن يعقوب قال قال اللحياني قصيت أظفاري في معنى قصصتها فهذا مثل تظنيت أبدلت الصاد الثالثة ياء كراهية للتضعيف وقد يجوز عندي أن يكون قصيت فعلت من أقاصي الشيء لأن أقاصيه أطرافه والمأخوذ من الأظفار إنما هو أطرافها وأقاصيها فلا يكون في هذا بدل
إبدال الياء من الضاد
أخبرنا أبو علي قال قال الأصمعي وأبو عبيدة في قول العجاج
( تقضي البازي إذا البازي كسر ... )
هو تفعل من الانقضاض وأصله تقضض فأبدلت الضاد الآخرة ياء لما ذكرت لك وقالوا تفضيت من الفضة وهو مثله

(2/759)


ويجوز أن يكون تقضي البازي تفعلا من قضيت أي عملت كقول أبي ذؤيب
( وعليهما مسردوتان قضاهما ... داود أو صنع السوابغ )
أي عملهما فيكون تقضي البازي أي عمل البازي في طيرانه والوجه هو الأول
إبدال الياء من الميم
أخبرنا أبو علي بإسناده عن يعقوب عن ابن الأعرابي أنه أنشد
( نزور امرءا أما الإله فيتقي ... وأما بفعل الصالحين فيأتمي )
قال ابن الأعرابي أراد يأتم فأبدل الميم الثانية ياء وقالوا في قول الراجز

(2/760)


( بل لو رأيت الناس إذ تكموا ... بغمة لو لم تفرج غموا )
قالوا أراد تكمموا من كممت الشيء إذا سترته فأبدل الميم الأخيرة ياء مثل تظنيت فصار في التقدير تكميوا فأسكنت الياء وحذفت كما تقول قد تولوا وتعلوا من وليت وعلوت وقد يحتمل هذا عندي وجها غير القلب وهو أن يكون تكموا تفعلوا من كميت الشيء إذا سترته ومن قولهم كمي لأنه هو الذي قد تستر في سلاحه فيكون تكموا على هذا مما لامه معتلة ولا يكون أصله من ذوات التضعيف
وقال ابن الأعرابي في قول ذي الرمة
( منطقة بالآي معمية به ... دياجيرها الوسطى وتبدو صدورها )
قال أراد معممة فأبدل من الميم ياء ويجوز عندي أيضا أن يكون من العمى قال سيبويه من قال في جمع ديماس دماميس فالياء فيه بدل من ميم دماس

(2/761)


إبدال الياء من الدال
أخبرنا أبو علي بإسناده عن يعقوب قال قال أبو عبيدة التصدية التصفيق والصوت وفعلت منه صددت أصد ومنه قوله تعالى ( إذا قومك منه يصدون ) أي يعجون ويضجون فحول إحدى الدالين ياء وأنكر أبو جعفر الرستمي هذا القول على أبي عبيدة وقال إنما هو من الصدى وهو الصوت فكيف يكون مضعفا وقال أبو علي ليس ينبغي أن يقال هذا خطأ لأنه قد ثبت بقوله عز و جل ( يصدون ) وقوع هذه الكلمة على الصوت أو ضرب منه وإذا كان ذلك كذلك لم يمتنع أن تكون ( تصدية ) منه فتكون تفعلة من ذلك وأصلها تصددة مثل التحلة والتعلة ألا ترى أن أصلهما تحللة وتعللة فلما قلبت الدال الثانية من تصددة تخفيفا اختلف الحرفان فبطل الإدغام
إبدال الياء من العين
أنشد سيبويه
( ومنهل ليس له حوازق ... ولضفادي جمه نقانق )

(2/762)


يريد ولضفادع جمه فكره أن يسكن العين في موضع الحركة فأبدل منها حرفا يكون ساكنا في حال الجر وهو الياء
وأخبرنا أبو علي بإسناده عن يعقوب قال قال ابن الأعرابي تلعيت من اللعاعة واللعاعة بقلة وأصل تلعيت تلععت فأبدلوا من العين الآخرة ياء كما قالوا تفضيت وتظنيت
إبدال الياء من الكاف
حكى أبو زيد مكوك ومكاكي فالياء الثانية بدل من كاف وأصلها مكاكيك كما تقول شبوط وشبابيط وسمور وسمامير
إبدال الياء من التاء
أنشد بعضهم

(2/763)


( قام بها ينشد كل منشد ... فايتصلت بمثل ضوء الفرقد )
أراد فاتصلت فأبدل من التاء الأولى ياء كراهية للتشديد
إبدال الياء من الثاء
قال
( يفديك يا زرع أبي وخالي ... قد مر يومان وهذا الثالي )
( وأنت بالهجران لا تبالي ... )
أراد الثالث
إبدال الياء من الجيم
قالوا ديجوج ودياج وأصله دياجيج فأبدلت الجيم الآخرة ياء وحذفت الياء قبلها تخفيفا وأما قولهم في شجرة شيرة فينبغي أن تكون الياء فيها أصلا ولا تكون بدلا من الجيم أنشد الأصمعي
( تحسبه بين الأنام شيرة ... )
قال أبو الفضل الرياشي سمعت أبا زيد يقول كنا عند المفضل

(2/764)


وعنده أعراب فقلت قل لهم يقولون شيرة فقالوها فقلت له قل لهم يصغرونها فصغروها شييرة وإنما كانت الياء عندنا في شيرة أصلا غير بدل من الجيم لأمرين
أحدهما ثبات الياء في تصغيرها في قولهم شييرة ولو كانت بدلا من الجيم لكانوا خلقاء إذا حقروا الاسم أن يردوها إلى الجيم ليدلوا على الأصل
والأخر أن شين شجرة مفتوحة وشين شيرة مكسورة والبدل لا تغير فيه الحركات إنما يوقع حرف موقع حرف وعلى ذلك عامة البدل في كلامهم ألا ترى أن من يقول إيل فيأتي به على الأصل إذا أبدل الياء جيما قال إجل فلم يعرض لشيء من الاسم سواها ولم يزل شيئا عما كان عليه من أحوال حركته هذا هو الظاهر من حال شيرة
فإن قلت فهل تجد لجعل الياء في شيرة بدلا من الجيم وجها
فإن الطريق إلى ذلك وإن كان فيها بعض الصنعة أن تقول إنه أراد شجرة ثم أبدل الجيم ياء كما أبدلت الياء جيما في نحو الإجل وعلج وفقيمج ومرج فكان حكمه أن يدع الشين مفتوحة فيقول شيرة إلا أن العرب إذا قلبت أو أبدلت فقد تغير في بعض الأحوال حركات تلك الكلمة ألا ترى أن الجاه مقلوب من الوجه فكان سبيله

(2/765)


إذا قدمت الجيم وأخرت الواو أن يقال جوه فتسكن الواو كما كانت الجيم في وجه ساكنة إلا أنها حركت لأن الكلمة لما لحقها القلب ضعفت فغيروها بتحريك ما كان ساكنا إذ صارت بالقلب قابلة للتغيير فصار التقدير جوه فلما تحركت الواو وقبلها فتحة قلبت ألفا فقيل جاه فكما غيرت حال الجاه لما لحق الكلمة من القلب كذلك غيرت فتحة شين شجرة إلى الكسر لما لحق الجيم من القلب وزاد في الأنس بذلك أنه لو أقرت الفتحة في الشين فقيل شيرة لانفتحت الشين قبل الياء والياء متحركة فتصير إلى قلب الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فكان يلزم أن يقال شارة كما يقال باعة جمع بائع وأصلها بيعة فهربوا لذلك مع ما قدمناه إلى أن كسروا الشين لتقر الياء ولا تنقلب
فإن قلت فهلا تركوا فتحة الشين بحالها فقلبوا الياء ألفا فقالوا شارة كما قالوا جاه
قيل جاه وإن كانت واوه قد قلبت فإنه بعد ذلك أشبه في اللفظ ب وجه ألا ترى أن ثاني وجه ساكن وثاني جاه أيضا ساكن فعلى كل حال قد سكن الثاني من كل واحد منهما فأما شجرة فلو قيل فيها شارة لكان الثاني من شارة ساكنا وقد علمنا أن ثاني شجرة متحرك فلما تباينا من هذا الوجه عدلوا إلى أن غيروا حركة شين شجرة إلى الكسر فقالوا شيرة ليبقى ثاني شيرة متحركا كما كان ثاني شجرة متحركا وكان هذا أوفق وأليق وأشبه بالحال من قلب الياء ألفا

(2/766)


زيادة الياء
قد زيدت الياء أولا وثانية وثالثة ورابعة وخامسة وسادسة
زيادة الياء أولا وذلك نحو يرمع ويعملة ويسروع ويعضيد وفي الفعل نحو يقوم ويقعد وينطلق
زيادة الياء ثانية وذلك نحو خيفق وصيرف وغيداق وخيتام وقيصوم وعيثوم وعيهوم وخيسفوج وعيضموز وحيزبون وقيتال وضيراب وحيفس وصيهم وفي الفعل نحو بيطر وبيقر
زيادة الياء ثالثة وذلك نحو عثير وحذيم وطريم وسرياح وجريال وكديون وهليون وسعيد

(2/767)


وقضيب وللتحقير نحو كليب ودريهم ودنينير وعليب ولا نظير له وهبيخ
زيادة الياء رابعة وذلك نحو دهليز ومنديل وقنديل وشمليل وزحليل وفي الفعل نحو سلقيت وجعبيت
زيادة الياء خامسة وذلك نحو عنتريس وخربصيص وجعفليق وشفشليق وقرقرير وفي الفعل نحو احرنبيت واسلنقيت واحبنطيت واسرنديت واغرنديت وابرنتيت
زيادة الياء سادسة قال بعضهم فيما حكاه الأصمعي في تحقير

(2/768)


وتكسيره عنيكبيت وعناكبيت وقرأ بعضهم ( وعباقري حسان ) وهذا شاذ لا يقاس عليه
واعلم أن الياء قد تزاد في التثنية والجمع الذي على حد التثنية نحو الزيدين والعمرين والزيدين والعمرين وقد تقصينا حالها في هذا في حرف الألف
وتزاد أيضا علما للتأنيث والضمير في الفعل المضارع نحو أنت تقومين وتقعدين وتنطلقين وتعتذرين
وتزاد أيضا إشباعا للكسرة وذلك نحو بيت الكتاب
( تنفي يداها الحصى في كل هاجرة ... نفي الدراهيم تنقاد الصياريف )
يريد الصيارف فأشبع كسرة الراء فتولدت بعدها ياء فأما الدراهيم فإن كان جمع درهم فهو كالصياريف وإن كان جمع درهام فلا ضرورة فيه ومن ذلك قول العرب في جمع دانق وخاتم وطابق دوانيق وخواتيم وطوابيق وإنما الوجه دوانق وخواتم وطوابق قال
( . . . ... . وتترك أموال عليها الخواتم )

(2/769)


وقال زبان بن سيار
( متى تقرؤوها تهدكم من ضلالكم ... وتعرف إذا ما فض عنها الخواتم )
وقد أولعت العامة بقولهم في جمع زورق زواريق ولا وجه للياء هناك إلا أن يسمع ذلك من العرب فأما من طريق القياس فإنها زوارق مثل جوهر وجواهر وجورب وجوارب وقال أبو النجم
( منها المطافيل وغير المطفل ... )
يريد المطافل فأما قول يزيد الغواني الضبعي
( وما زال تاج الملك فينا وتاجهم ... قلاسي فوق الهام من سعف النخل )
فإنما زاد الياء الأولى لأنها عوض من نون قلنسوة وليست بإشباع للكسرة كالتي قبلها
وربما عكست العرب هذا فحذفت الياء في غير موضع الحذف واكتفت بالكسرة منها قال

(2/770)


( والبكرات الفسج العطامسا ... )
يريد العطاميس وهذا من أبيات الكتاب ومثله
( وغير سفع مثل يحامم ... )
يريد يحاميم جمع يحموم وهو الأسود ومن أبياته أيضا
( وكحل العينين بالعواور ... )
يريد العواوير وهو جمع عوار وهو الرمد وقال أبو طالب
( ترى الودع فيها والرخام وزينة ... بأعناقها معقودة كالعثاكل )
يريد العثاكيل وقال عبيد الله بن الحر
( وبدلت بعد الزعفران وطيبه ... صدا الدرع من مستحكمات المسامر )

(2/771)


يريد المسامير
وحذفوها أيضا وهي أصل لا زائدة قال
( كفاك كف ما تليق درهما ... جودا وأخرى تعط بالسيف الدما )
يريد تعطي ومن أبيات الكتاب
( وطرت بمنصلي في يعملات ... دوامي الأيد يخبطن السريحا )
يريد الأيدي ومنها
( وأخو الغوان متى يشأ يصرمنه ... ويعدن أعداء بعيد وداد )
يريد الغواني ومنها
( كنواح ريش حمامة نجدية ... ومسحت باللثتين عصف الإثمد )
يريد كنواحي فحذف الياء وذلك أنه شبه المضاف إليه بالتنوين فحذف الياء لأجله كما يحذفها لأجل التنوين كما شبه الأول لام المعرفة في الغوان والأيد بالتنوين من حيث كانت هذه الأشياء من

(2/772)


خواص الأسماء ومعتقبة عليها فحذف الياء لأجل اللام كما يحذفها لأجل التنوين هكذا أخذت من لفظ أبي علي وقت القراءة عليه وقال الآخر
( قلت لها يا هذ في هذا إثم ... )
يريد هذي فحذف الياء تخفيفا
وتحذف أيضا الياء الزائدة بعد هاء إضمار الواحد نحو مررت به يا فتى قرأ بعضهم ( فخسفنا به وبداره الأرض ) وبعد ميم الضمير نحو عليهم وإليهم وبهم وأصله عليهمو وإليهمو وبهمو فالهاء للإضمار والميم علامة تجاوز الواحد والواو لإخلاص الجمع ثم إنهم يبدلون ضمة الهاء كسرة لخفاء الهاء ووقوع الكسرة والياء الساكنة قبلها فيقولون عليهمو وبهمو وإليهمو ثم إنهم قد يستثقلون الخروج من كسر الهاء إلى ضم الميم فيبدلون من ضمة الميم كسرة فيصير في التقدير ولا يستعمل البتة كما استعمل جميع ما ذكرناه قبله عليهمو وإليهموا وبهموا فتقلب الواو ياء لوقوع الكسرة قبلها فيصير عليهمي وإليهمي وبهمي ثم تستثقل الياء هنا فتحذف تخفيفا هي والكسرة قبلها ولا يخاف لبس لأن التثنية بالألف لا بد منها فيقال عليهم وإليهم وبهم وهي قراءة أبي عمرو إلا أن أبا الحسن

(2/773)


قد حكى أن منهم من يقر الكسرة في الميم بحالها بعد حذف الياء فيقول عليهم وإليهم وبهم كما أقرت آخرون الضمة في الميم بعد حذف الواو فقالوا عليهم بكسر الهاء وضمها
وتزاد الياء أيضا بعد كاف المؤنث إشباعا للكسرة في نحو عليكي ومنكي وضربتكي وروينا عن قطرب لحسان
( ولست بخير من أبيك وخالكي ... ولست بخير من معاظلة الكلب )
وتزاد أيضا لإطلاق حرف الروي إذا كانت القوافي مجرورة نحو قوله
( هيهات منزلنا بنعف سويقة ... كانت مباركة من الأيامي )
وقول الآخر
( ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح فيك بأمثلي )
وقول النابغة

(2/774)


( أفد الترحل غير أن ركابنا ... لما تزل برحالنا وكأن قدي )
يريد وكأن قد زالت وهو كثير
وتزاد أيضا بعد لام المعرفة عند التذكر وذلك قولهم قام الي يريد الغلام أو الإنسان أو نحو ذلك فينسى الاسم فيقف مستذكرا فلا يقطع على اللام لأنها ليست بغاية لكلامه وإنما غايته ما يتوقعه بعده فيطول وقوفه وتطاوله إلى ما بعد اللام فيكسرها تشبيها بالقافية المجرورة إذا وقع حرف رويها حرفا ساكنا صحيحا نحو قوله وكأن قدي وكذلك لو وقعت أن قافية لقيل أني ولو وقعت عن قافية لقيل عني ولو وقعت من قافية لأطلقت تارة إلى الفتح وتارة في قصيدة أخرى إلى الكسر وذلك لأن من قد تفتح في نحو قولك من الرجل وقد تكسر وتفتح أيضا في نحو من ابنك ومن ابنك فتقول في القافية المنصوبة منا وفي القافية المجرورة مني إلا أن الفتح أغلب عليها لأنه أكثر في الاستعمال وإنما جمعنا بين القافية وبين التذكر من قبل أن القافية موضع مد واستطالة كما أن التذكر موضع استشراف وتطاول إلى المتذكر فاعرف ذلك وعلى هذا قالوا في التذكر قدي أي قد قام أو قعد أو نحو ذلك وكذلك كل ساكن وقفت عليه وتذكرت بعده كلاما فإنك تكسره وتشبع كسرته للاستطالة والتذكر نحو قولك

(2/775)


من أنت إذا وقفت على من مستذكرا لما بعدها قلت مني وعلى هذا يتوجه عندي قول الحصين بن الحمام
( ما كنت أحسب أن أمي علة ... حتى رأيت إذي نحاز ونقتل )
ومعناه إذ نحاز إلا أنه لما كان يقول في التذكر إذي وهو متذكر إذ كان كذا وكذا أجرى الوصل مجرى الوقف فألحق الياء في الوصل فقال إذي ولهذا نظائر وقال سيبويه وسمعنا من يوثق به في ذلك يقول هذا سيفني يريد هذا سيف ولكنه تذكر بعد كلاما ولم يرد أن يقطع اللفظ لأن التنوين حرف ساكن ينكسر فكسر كما كسر دال قد هذا قول سيبويه كما تراه وقال الراجز
( تقول يا رباه يا رب هل ... هل أنت من هذا منج أحبلي )
( إما بتطليق وإما ب ارحلي ... )
فحرك لام هل لما أطلقها بالكسر
فإن كان الساكن مما يكون وقتا مضموما أو مفتوحا ثم وقفت عليه مستذكرا ألحقت ما يكون مضموما واوا وما يكون مفتوحا ألفا فتقول ما رأيته مذو أي مذ يوم كذا لأن أصله ضم الذال في منذ وتقول عجبت منا أي من زيد أو غيره لأنك قد كنت تقول من

(2/776)


اليوم ومن الرجل ومن الغلام فتفتحه ومن كان من لغته من الغلام قال في التذكر عجبت مني فحكم التذكر في هذا الباب حكم القافية ألا ترى أنك تقول في التذكر عجبت من الغلامي فتلحق الياء بعد الميم كما تلحقها بعدها في القافية في نحو قوله
( . . . ... . كانت مباركة من الأيامي )
وكذلك إن وقفت على ياء ساكنة مكسور ما قبلها ألحقتها ياء أخرى ومددت فقلت رغبت فيي أي في زيد ونحوه وضربت غلاميي أي ضربت غلامي أمس مستذكرا أمس ونحوه فتزيد على الياء ياء أخرى وقد ذكرنا نحو هذا في حرف الواو وحرف الألف فاعرفه
فإن كانت قبل الياء والواو فتحة كسرتهما في التذكر وألحقت بعدهما ياء وذلك قولك قام زيد أوي أي أو عمرو ونحوه وضربت غلاميي أي غلامي زيد أو نحوه وإنما كسرتهما لأنك قد كنت تكسرهما لالتقاء الساكنين في نحو قولك قام الغلام أو الرجل وضربت غلامي الرجل وتقول ( أولئك الذين اشترووا ) وتقف متذكرا ( الضلالة ) وفي ( عصوا الرسول ) ( عصووا ) لأجل أن هذه الواو مضمومة لالتقاء الساكنين فتضمها هنا وتلحق ضمتها واوا ومن كان من لغته من الكلام ( اشتروا الضلالة ) قال في التذكر

(2/777)


( اشتروي ) ومن قرأ ( اشتروا الضلالة ) ففتح الواو قال في التذكر ( اشترو ) فألحق الواو ألفا وحكى الكوفيون عن العرب أكلت لحما شاة أي لحم شاة فهذا على تذكر الشاة فأشبع الفتحة فاستطالت ألفا ومن قال لو انطلق بزيد لكان كذا قال في التذكر لوو ومن كسر الواو هناك قال هنا لوي فالواو والياء إذا انفتح ما قبلهما تجريان هنا مجرى الصحيح كما ترى
وتزاد الياء بمعنى الاسم في نحو غلامي وصاحبي وللعرب في هذه الياء لغتان منهم من يفتحها ومنهم من يسكنها فمن فتحها قال هي اسم وهي على أقل ما تكون عليه الكلم فقويتها بالحركة كما فتحت كاف المخاطب في نحو رأيتك ومررت بك ومن سكنها قال الحركات على كل حال مستثقلة في حرفي اللين ألا ترى أن من قال في قصعة وجفنة قصعات وجفنات لم يقل في نحو جوزة وبيضة إلا جوزات وبيضات بالإسكان فأما ما جاء عنهم من قول الشاعر
( أبو بيضات رائح متأوب ... رفيق بمسح المنكبين سبوح )

(2/778)


فشاذ لا يعقد عليه باب
فأما الياء في إياي فقد تقدم من قولنا في حرف الكاف إنها على مذهب أبي الحسن حرف لمعنى التكلم كما أن الكاف في إياك لمعنى الخطاب وإنها هنا ليست على هذا القول باسم كما أن الكاف ليست هناك باسم ومن رأى أن إياك بكماله هو الاسم كانت إياي أيضا بكمالها هي الاسم ومن رأى أن الكاف في إياك في موضع جر بإضافة إيا إليها رأى أيضا مثل ذلك في الياء من إياي وكان ذلك في الياء أسهل منه في الكاف وذلك أن الكاف قد رأيناها في نحو ذلك وأولئك وهنالك حرفا لا محالة ولم نر نحو الياء التي في إياي حرفا في غير إياي إلا أن أبا الحسن أجرى الياء هنا مجرى الكاف في إياك وقد تقدم من الحجاج في باب الكاف ما يصح به مذهب أبي الحسن وإن كان غريبا لطيفا
وتزاد للنسب وذلك نحو بصري وكوفي وتزاد أيضا في الاستفهام عن النكرة المجرورة إذا وقفت وذلك إذا قيل مررت برجل قلت في الوقف مني فهذه الياء إنما لحقت في الوقف زائدة لتدل على أن السائل إنما سأل عن ذلك الاسم المجرور بعينه ولم يسأل عن غيره فجعلت هذه الياء هنا أمارة لهذا المعنى ودلالة عليه وكانت الياء هنا أولى من الألف والواو لأن المسؤول عنه مجرور والياء بالكسرة أشبه منها بالواو والألف وليست الياء هنا بإعراب إنما دخلت لما ذكرت لك ولو كانت إعرابا لثبتت في الوصل فقلت مني يا فتى وهذا لا يقال

(2/779)


بل يقال من يا فتى في كل حال وإنما هذه زيادة لحقت في الوقف لأن الوقف من مواضع التغيير
ونظيرها التشديد الذي يعرض في الوقف في نحو هذا خالد وهو يجعل قال سيبويه إنما ثقل هذا ونحوه في الوقف حرصا على البيان وإعلاما أن الكلمة في الوصل مطلقة لأنه معلوم أنه لا يجتمع في الوصل ساكنان على هذا الحد والقول في الألف في منا والواو في منو هو القول في الياء الذي مضى آنفا

(2/780)


فصل في تصريف حروف المعجم واشتقاقها وجمعها
اعلم أن هذه الحروف ما دامت حروف هجاء غير معطوفة ولا موقعة موقع الأسماء فإنها سواكن الأواخر في الإدراج والوقف وذلك قولك ألف با تا ثا جيم حا خا دال ذال را زاي سين شين صاد ضاد وكذلك إلى آخرها وذلك أنها إنما هي أسماء الحروف الملفوظ بها في صيغ الكلم بمنزلة أسماء الأعداد نحو ثلاثة أربعه خمسه تسعه ولا تجد لها رافعا ولا ناصبا ولا جارا وإذا جرت كما ذكرنا مجرى الحروف لم يجز تصريفها ولا اشتقاقها ولا تثنيتها ولا جمعها كما أن الحروف كذلك ويدلك على كونها بمنزلة هل وبل وقد وحتى وسوف ونحو ذلك أنك تجد فيها ما هو على حرفين الثاني منهما ألف وذلك نحو با تا ثا حا خا طا ظا ولا تجد في الأسماء المعربة ما هو على حرفين الثاني منهما حرف لين إنما ذلك في الحروف نحو ما ولا ويا وأو ولو وأي وكي فلا تزال هذه الحروف هكذا مبنية غير معربة لأنها أصوات بمنزلة صه ومه وإيه وغاق وحاء وعاء حتى

(2/781)


توقعها مواقع الأسماء فترفعها حينئذ وتنصبها وتجرها كما تفعل ذلك بالأسماء وذلك قولك أول الجيم جيم وآخر الصاد دال وأوسط الكاف ألف وثاني السين ياء وكتبت جيما حسنة وخططت قافا صحيحة وكذلك العاطف لأنه نظير التثنية فتقول ما هجاء بكر فيقول المجيب باء وكاف وراء فيعرب لأنه قد عطف فإن لم يعطف بنى فقال با كاف را قال
( كافا وميما ثم سينا طاسما ... )
وقال الآخر
( . . . ... . كما بينت كاف تلوح وميمها )
وقال الآخر
( إذا اجتمعوا على ألف وباء ... وتاء هاج بينهم جدال )
وكذلك أسماء العدد مبنية أيضا تقول واحد اثنان ثلاثة أربعه

(2/782)


خمسه ويؤكد ذلك عندك ما حكاه سيبويه من قول بعضهم ثلاثهربعه فتركه الهاء من ثلاثه بحالها غير مردودة إلى التاء وإن كانت قد تحركت بفتحة همزة أربعه دلالة على أن وضعها وبنيتها أن تكون في العدد ساكنة حتى إنه لما ألقى عليها حركة الهمزة التي بعدها أقرها هاء في اللفظ بحالها على ما كانت عليه قبل إلقاء الحركة عليها ولو كانت كالأسماء المعربة لوجب أن تردها متى تحركت تاء فتقول ثلاثتربعه كما تقول رأيت طلحة يا فتى فإن أوقعتها موقع الأسماء أعربتها وذلك قولك ثمانية ضعف أربعة وسبعة أكثر من أربعة بثلاثة فأعربت هذه الأسماء ولم تصرفها لا جتماع التأنيث والتعريف فيها ألا ترى أن ثلاثة عدد معروف القدر وأنه أكثر من اثنين بواحد وكذلك خمسة مقدار من العدد معروف ألا ترى أنه أكثر من ثلاثة باثنين
فإن قلت ما تنكر أن تكون هذه الأسماء نكرة لدخول لام المعرفة عليها وذلك قولك الثلاثة نصف الستة والسبعة تعجز عن الثمانية واحدا
فالجواب أنه قد ثبت أن هذه الأسماء التي للعدد معروفة المقادير فهي على كل حال معرفة وأما نفس المعدود فقد يجوز أن يكون معرفة ونكرة فأما إدخالهم اللام على أسماء العدد فيما ذكره السائل نحو الثمانية ضعف الأربعة والاثنان نصف الأربعة فإنه لا يدل على تنكير هذه الأسماء إذا لم تكن فيها لام وإنما ذلك لأن هذه الأسماء يعتقب عليها تعريفان أحدهما العلم والآخر اللام ونظير ذلك قولك لقيته فينة

(2/783)


والفينة وقالوا للشمس إلاهة والإلاهة وقالوا للمنية شعوب والشعوب ولهذا نظائر فكما أن هذه الأسماء لا يدل دخول اللام عليها على أنها إذا لم تكن فيها فهي نكرات فكذلك أيضا أربعة والأربعة وخمسة والخمسة هو بمنزلة فينة والفينة وإلاهة والإلاهة أنشدنا أبو علي ورويناه أيضا عن قطرب من غير جهته
( تروحنا من اللعباء قصرا ... وأعجلنا إلاهة أن تؤوبا ) ويروى الإلاهة فاعرف هذا فإنه لطيف
فإذا ثبت بما قدمناه أن حروف المعجم أصوات غير معربة وأنها نظيرة الحروف نحو هل ولو ومن وفي لم يجز أن يكون شيء منها مشتقا ولا مصرفا كما أن الحروف ليس في شيء منها اشتقاق ولا تصريف وقد تقدم القول على ذلك في حرف الألف فإذا كان ذلك كذلك فلو قال لك قائل ما وزن جيم أو طاء أو كاف أو واو من الفعل لم يجز أن تمثل ذلك له كما لا يجوز أن تمثل له قد وسوف ولولا وكيلا فأما إذا نقلت هذه الحروف إلى حكم الأسماء بإيقاعها

(2/784)


مواقعها من عطف أو غيره فقد نقلت إلى مذاهب الاسمية وجاز فيها تصريفها وتمثيلها وتثنيتها وجمعها والقضاء على ألفاتها وياءاتها إذ قد صارت إلى حكم ما ذلك جائز فيه غير ممتنع منه وهذا الفصل هو الذي يطلف فيه النظر ويحتاج إلى بحث وتأمل ونحن نقول في ذلك مما رويناه ورأيناه ما يوفق الله تعالى له إن شاء الله وبه الثقة
اعلم أن هذه الحروف تأتي على ضربين أحدهما ما هو ثنائي والآخر ثلاثي ونبدأ بذكر الثنائي لأنه أسبق في مرتبة العدة وذلك با تا ثا حا خا را طا ظا فا ها يا وأما الزاي فللعرب فيها مذهبان منهم من يجعلها ثلاثية فيقول زاي ومنهم من يجعلها ثنائية فيقول زي وسنذكرها على وجهيها وقد حكي فيها زاء ممدودة ومقصورة وأما الألف التي بعد اللام في قولك لا فقد ذكرنا حالها لم دخلت اللام عليها وأن ذلك إنما لزمها لما كانت لا تكون إلا ساكنة والساكن لا يمكن ابتداؤه وأنها دعمت باللام من قبلها توصلا إلى النطق بها ولم يمكن تحريكها فينطق بها في أول الحرف ويزاد عليها غيرها كما فعل ذلك بجيم قاف لام وغير ذلك مما تجد لفظه في أول اسمه فلم يكن بد في إرادة اللفظ بها من حرف تدعم به أمامها واختيرت لها اللام دون غيرها لما ذكرناه في حرف الألف

(2/785)


فأما ما كان على نحو با تا حا طا فإنك متى أعربته لزمك أن تمده وذلك أنه على حرفين الثاني منهما حرف لين والتنوين يدرك الكلمة فتحذف الألف لالتقاء الساكنين فيلزمك أن تقول هذه طا يا فتى ورأيت طا حسنة ونظرت إلى طا حسنة فيبقى الاسم على حرف واحد فإن ابتدأته وجب أن يكون متحركا وإن وقفت عليه وجب أن يكون ساكنا فإن ابتدأته ووقفت عليه جميعا وجب أن يكون ساكنا متحركا في حال وهذا ظاهر الاستحالة فأما ما رواه سلمة عن الفراء عن الكسائي فيما أخبرنا به أبو بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى من قول بعضهم شربت ما بقصر ماء فحكاية شاذة لا نظير لها ولا يسوغ قياس غيرها عليها فإذا كان الأمر كذلك زدت على ألف با تا ثا ونحو ذلك ألفا أخرى كما رأيت العرب فعلت لما أعربت لو فقالوا
( ليت شعري وأين مني ليت ... إن ليتا وإن لوا عناء )
وأنشدنا أبو علي
( أفلا سبيل لأن يصادف روعنا ... لوا ولو كاسمها لا توجد )

(2/786)


وقال الآخر
( علقت لوا تكرره ... إن لوا ذاك أعيانا )
فكما زادت العرب على هذه الواو واوا أخرى وجعلت الثاني من لفظ الأول لأنه لا أصل له فيرجع عند الحاجة إليه كذلك زدت على الألف من با تا ثا ألفا أخرى عروضا لما رأيت العرب فعلت في لو لما أعربتها فصار التقدير باا تاا طاا هاا فلما التقت ألفان ساكنتان لم يكن من حذف إحداهما أو حركتها بد فلم يسغ حذف إحداهما لئلا تعود إلى القصر الذي منه هربت فلم يبق إلا أن تحرك إحادهما فلما وجب التحريك لالتقاء الساكنين كانت الألف الثانية بذلك أحرى لأنك عندها ارتدعت إذ كنت إليها تناهيت فلما حركت الثانية قلبتها همزة على حد ما بيناه في حرف الهمزة من إبدال الهمزة من الألف فعلى هذا قالوا خططت باء حسنة وكتبت حاء جيدة وأراك تكتب طاء صحيحة وما هذه الراء الكبيرة فأما قول الشاعر
( يخط لام ألف موصول ... والزاي والرا أيما تهليل )

(2/787)


فإنما أراد الراء ممدودة فلم يمكنه ذلك لئلا ينكسر الوزن فحذف الهمزة من الراء وجاء بذلك على قراءة أبي عمرو في تخفيف الأولى من الهمزتين إذا التقتا من كلمتين وكانتا جميعا متفقتي الحركتين نحو قوله ( فقد جا أشراطها ) و ( إذا شا أنشره ) على ما يرويه أصحابه من القراء عنه فكذلك كان أصل هذا والزاي والراء أيما تهليل فلما اتفقت الحركتان حذف الأولى من الهمزتين كما حذفها أبو عمرو
فإن قلت ولم حذف أبو عمرو الأولى من الهمزتين وإنما ارتدع عند الثانية وهلا حذف الهمزة الآخرة التي انتهى دونها وارتدع عندها
فالجواب أنه قد علم أن ههنا همزتين وقد اعتزم حذف إحداهما فكان الأحرى بالحذف عنده التي هي أضعفهما والهمزة الأولى أضعف من الثانية في مثل هذا ألا ترى أن الهمزة من جاء لام وأن الهمزة من أشراط قبل الفاء والفاء أقوى من العين والعين أقوى من اللام وما قبل الفاء أشد تقدما من الفاء التي هي أقوى من العين التي هي أقوى من اللام فكان الحذف بما هو آخر أولى منه بما هو أول فلذلك حذف أبو عمرو الأولى لضعفها بكونها آخرا وأقر الثانية لقوتها بكونها أولا فهذا أحد ما يصلح أن يحتج به لأبي عمرو رحمه الله

(2/788)


حذفه الأولى من الهمزتين إذا كانتا من كلمتين ومتفقتي الحركتين وسألت أبا علي عن هذا الذي ذكرناه في باء وتاء ونحوهما فقلت ما تقول في هذه الألف التي قبل الهمزة أتقول إنها منقلبة عن واو أو ياء أو تقول إنها غير منقلبة فقال لا بل الألف الآن مقضي عليها بأنها منقلبة عن واو والهمزة بعدها في حكم ما انقلب عن الياء لتكون الكلمة بعد التكملة والصيغة الإعرابية من باب شويت وطويت وحويت فقلت له ألسنا قد علمنا أن الألف في باء هي الألف التي في با تا ثا إذا تهجيت وأنت تقول إن تلك الألف غير منقلبة من ياء أو واو لأنها بمنزلة ألف ما ولا فقال لما نقلت إلى الاسمية دخلها الحكم الذي يدخل الأسماء من الانقلاب والتصرف ألا ترى أنا إذا سمينا رجلا ب ضرب أعربناه لأنه قد صار في حيز ما يدخله الإعراب وهو الاسم وإن كنا نعلم أنه قبل أن يسمى به لا يعرب لأنه فعل ماض ولم تمنعنا معرفتنا بذلك من أن نقضي عليه بحكم ما صار منه وإليه فكذلك أيضا لا يمنعنا علمنا بأن ألف با تا ثا غير منقلبة ما دامت حروف هجاء من أن نقضي عليها إذا زدنا عليها ألفا أخرى ثم همزنا تلك المزيدة بأنها الآن منقلبة عن واو وأن الهمزة منقلبة عن ياء إذ صارت إلى حكم الأسماء التي يقضى عليها بهذا ونحوه وهذا صحيح منه حسن ويؤكده عندك أنه لا يجوز وزن با

(2/789)


تا ثا حا خا ونحوها ما دامت مقصورة متهجاة فإذا قلت هذه باء حسنة ونظرت إلى هاء مشقوقة جاز أن تمثل ذلك فتقول وزنه فعل كما تقول في داء وماء وشاء إنه فعل فقال لأبي علي بعض حاضري المجلس أفيجمع على الكلمة إعلال العين واللام فقال قد جاء من ذلك أحرف صالحة فيكون هذا منها ومحمولا عليها والذي زاد على أبي علي هذه الزيادة فتى كان يقرأ عليه يعرف بالبوراني وكان هذا الفتى رحمه الله دقيق حسن التصور بحاثا مفتشا ولا أظلمه حقه فقلما رأيت ابن سنه في لطف نظره عفا الله عنا وعنه وأنا أذكر الأحرف التي اعتلت فيها العين واللام
فمنها ماء وألفه منقلبة عن واو وهمزته منقلبة عن هاء لقولهم أمواه ومويه وماهت الركية تموه وقولهم موهت عليه الأمر أي حسنته له فكأني جعلت له عليه طلاوة وماء ليقبله سامعه
ومنها شاء في قول من قال شويهة وتشوهت شاة إذا صدتها حكى ذلك أبو زيد وحكى أيضا شيه وأشاوه ف شاء على هذا مما عينه واو ولامه هاء وهو نظير ماء سواء ومن قال شوي فهو من باب طويت ولويت وصارت شاء في هذا القول أخت باء وتاء

(2/790)


وحاء على ما فسره أبو علي قال النابغة
( . . . ... . . . . في شوي وجامل )
ومنها ما رويناه عن قطرب من قول الشاعر
( من را مثل معدان بن يحيى ... إذا ما النسع طال على المطية )
( ومن را مثل معدان بن يحيى ... إذا هبت شآمية عرية )
فأصل هذا رأى فأبدل الهمزة ياء كما يقال في ساءلت سايلت وفي قرأت قريت وفي أخطأت أخطيت فلما أبدل الهمزة التي هي عين ياء أبدل الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ثم حذف الألف المنقلبة عن الياء التي هي لام الفعل لسكونها وسكون الألف التي هي عين الفعل
وسألت أبا علي فقلت له من قال من را مثل معدن بن يحيى كيف ينبغي أن يكون فعلت منه فقال رييت ويجعله من باب حييت وعييت قال لأن الهمزة في مثل هذا الموضع إذا أبدلت فإلى الياء تقلب يريد سايلته ونحوه وذهب أبو علي في بعض

(2/791)


مسائله إلى أنه أراد رأى وحذف الهمزة كما حذفها من أريت ونحوه وكيف كان الأمر فقد حذف الهمزة وقلب الياء ألفا وهذان إعلالان تواليا في
ومنها ما حكاه سيبويه من قول بعضهم جا يجي فهذا أبدل الياء التي هي عين الفعل ألفا وحذف الهمزة تخفيفا فأعل العين واللام جميعا ومثله ما حكاه أيضا من سا يسو
ومنها أن أبا علي أجاز في قول لبيد
( بصبوح صافية وجذب كرينة ... بموتر تأتا له إبهامها )
فيمن فتح اللام من له أن يكون أراد تأتوي له أي تفتعل له من أويت إليه أي عدت إليه إلا أنه قلب الواو ألفا وحذف الياء التي هي لام الفعل لسكونها فأعل العين واللام جميعا
وقد كنت حملت قولهم في النكاح الباء أن تكون همزته مبدلة من الهاء التي تظهر في الباه وعللت ذلك وأريت وجه الاشتقاق فيهما ومن أين اشترك ب و ه و ب وء في الباء في معنى النكاح إذ كان كل واحد منهما قائما بنفسه غير مقلوب عن صاحبه وذكرت ذلك في كتابي في شرح تصريف أبي عثمان رحمه الله فتجنبت الإطالة بذكره هنا

(2/792)


فإذا كان هذا وغيره مما ندع ذكره اكتفاء بهذا قد أعلت عينه ولامه جميعا جاز أيضا أن تحمل باء وطاء وهاء وأخواتهن في إعلال عيناتها ولاماتها جميعا عليه فقد صار إذن تركيب طاء وحاء ونحوهما بعد التسمية من ط و ي ومن ح و ي وصارا كأنهما من باب طويت وحويت وإن لم يكونا في الحقيقة منه ولكنهما قد لحقا بحكمه وجريا في القضية مجراه فلو اشتققت على هذا من هذه الحروف بعد التسمية فعلا على فعلت لقلت من الباء بويت ومن التاء تويت ومن الثاء ثويت ومن الحاء حويت ومن الخاء خويت ومن الراء رويت ومن الطاء طويت ومن الظاء ظويت ومن الفاء فويت ومن الهاء هويت ومن الياء يويت كما تقول في فعلت من طويت وحويت طويت وحويت هذا هو القياس الذي تقتضيه حقيقة النظر وأما المسموع المحكي عنهم فأن يقولوا بييت وتييت وثييت وحييت وخييت وطييت وظييت ويييت ياء حسنة وكذلك بقية أخواتها فظاهر هذا القول يدل من رأيهم على أنهم اعتقدوا أن الألف في نحو باء وتاء وحاء وخاء بدل من ياء وجعلوا الكلمة من باب حييت وعييت ونحوهما مما عينه ولامه ياءان والذي حملهم على هذا عندي سماعهم الإمالة في ألفاتهن قبل التسمية وبعدها ألا تراك تقول إذا تهجيت با تا ثا حا خا را طا ظا فا ها يا وقالوا بعد التسمية والنقل باء وتاء وثاء وحاء وطاء وظاء فلما رأوا الإمالة شائعة في هذه الألفات قبل

(2/793)


النقل وبعده حكموا لذلك بأن الألفات فيهن منقلبات عن ياءات وأنها قد لحقت في الحكم بالألفات المنقلبة من الياءات فلذلك قالوا حييت حاء وطييت طاء ونحو ذلك وأنا أذكر وجه الإمالة في هذه الحروف وأدل على صحة القياس الذي ذهب إليه أبو علي
أما إمالتهم إياها وهي حروف تهج فليس ذلك لأنها منقلبة عن ياء ولا غيرها وذلك أنها حينئذ أصوات غير مشتقة ولا متصرفة ولا انقلاب في شيء منها لجمودها ولكن الإمالة فيها حينئذ إنما دخلتها من حيث دخلت بلى وذلك أنها شابهت بتمام الكلام واستقلاله بها وغناها عما بعدها الأسماء المستقلة بأنفسها فمن حيث جازت إمالة الأسماء كذلك أيضا جازت إمالة بلى ألا ترى أنك تقول في جواب من قال لك ألم تفعل كذا بلى فلا تحتاج بلى لكونها جوابا مستقلا إلى شيء بعدها فلما قامت بنفسها وقويت لحقت في القوة بالأسماء في جواز إمالتها كما أميل نحو أنى ومتى وكذلك أيضا إذا قلت با تا ثا قامت هذه الحروف بأنفسها ولم تحتج إلى شيء يقويها ولا إلى شيء من اللفظ تتصل به فتضعف وتلطف لذلك الاتصال عن الإمالة المؤذنة بقوة الكلمة وتصرفها ويؤكد ذلك عندك ما رويناه عن قطرب من أن بعضهم قال لا أفعل فأمال لا وإنما أمالها لما كانت جوابا قائمة بنفسها فقويت

(2/794)


بذلك فلحقت بالقوة باب الأسماء والأفعال فأمليت كما أميلا فهذا وجه إمالتها وهي حروف هجاء
وأما إمالتها وقد نقلت فصارت أسماء ومدت فإنما فعلوا ذلك لأن هذه الألفات قد كانت قبل النقل والمد مألوفة فيها الإمالة فأقروها بعد المد والتسمية والإعراب بحالها ليعلموا أن هذه الممدودة المعربة هي تلك المقصورة قبل النقل المبنية لا لأن هذه الألفات عندهم الآن بعد النقل والمد مما سبيله أن يقضى بكونه منقلبا عن ياء ولهذا نظائر في كلامهم منها إمالتهم الألف في حبالى ليعلم أن الواحدة قد كانت فيها ألف ممالة وهي حبلى فالألف الآن في حبالى إنما هي بدل من ياء حبال كما قالوا دعوى ودعاو ثم أبدلوا من ياء حبال ألفا وأمالوها كما كانت في الواحد ممالة محافظة على الواحد فكذلك حافظ هؤلاء أيضا فأمالوا قولهم هذه حاء وياء لقولهم قبل الإعراب با تا ثا حا خا
ومما راعوا فيه حكم غيره مما هو أصل له إعلالهم العين في نحو أقام وأسار واستقام واستسار ألا ترى أن الأصل في هذا

(2/795)


أقوم وأسير واستقوم واستسير فنقلوا فتحة الواو والياء إلى ما قبلهما وقلبوهما لتحركهما في الأصل وانفتاح ما قبلهما الآن ولولا أنهما انقلبتا في قام وسار اللتين أصلهما قوم وسير لما قلبتا في أقوم وأسير لأنهما في أقوم وأسير ساكن ما قبلهما وإذا سكن ما قبل الواو والياء صحتا وجرتا مجرى الصحيح ولكن لما أعلتا في قام وسار لتحركهما وانفتاح ما قبلهما حملتا في أقام وأسار على اعتلال الثلاثي في قام وسار أفلا تراهم كيف راعوا في الرباعي وما فوقه حكم الثلاثي ولولا جريانه عليه واتباعه في الإعلال له لوجب تصحيحه وخروجه سالما على أصله فكذلك أيضا أميلت حاء وخاء لإمالة حا خا فقد صح بما ذكرناه أنه لا اعتداد بإمالة هذه الألفات مقصورة كانت أو ممدودة إذ كان ذلك لا يدل على أنهن منقلبات عن الياء إذ قد أميلت وهي مقصورة وإذا كانت مقصورة جرت مجرى لا وما ونحو ذلك مما ألفه غير منقلبة البتة فإذا لم يكن في إمالتها دلالة على كونها منقلبة كما لم يدل ذلك في ألف بلى ولا ويا في النداء ثبت أن الأمر فيها على ما ذهب إليه أبو علي من أن العين سبيلها أن تكون واوا وتكون اللام ياء لتكون الكلمة من باب طويت وشويت وضويت لأنه أكثر من باب حييت وعييت ومن باب قويت وحويت من القوة والحوة فلو لم يكن في هذا إلا الجنوح إلى

(2/796)


والرجوع إليها عن القلة لكان سببا قويا وعذرا قاطعا فكيف به وقد دللنا على قوته بما قدمناه
ولو جمعت هذه الحروف بعد النقل على نحو باب أبواب وناب وأنياب لأظهرت العين صحيحة لسكون ما قبلها فقلت على مذهب أبي علي في باء أبواء وفي تاء أتواء وفي ثاء أثواء وفي حاء أحواء وفي خاء أخواء وفي راء أرواء وفي طاء أطواء وفي ظاء أظواء وفي فاء أفواء وفي هاء أهواء وفي ياء أياء وأصلها أيواء ففعل بها ما فعل بأيوام جمع يوم وعلى قول العامة سوى أبي علي أبياء وأتياء وأثياء وأحياء وأخياء وأرياء وأطياء وأظياء وأفياء وأهياء وأياء أيضا ومن ذهب إلى التأنيث فجمعها على أفعل نحو نار وأنؤر ودار وأدؤر وساق وأسؤق قال على مذهب أبي علي باء وأبو وتاء وأتو وثاء وأثو وحاء وأحو وخاء وأخو فأجراه مجرى جدي وأجد وظبي وأظب وفي الياء ياء وأي وأصلها أيوي فقلبت الواو لوقوع الياء ساكنة قبلها فاجتمعت ثلاث ياءات فحذفت الأخيرة منهن تخفيفا كما حذفت من تصغير أحوى أحي فصار أي وعلى قول الجماعة غيره أبي

(2/797)


وأتي وأحي وأخي وفي الياء أي بالحذف كما تقدم فاعرف ذلك فهذه أحكام الحروف التي على حرفين
وأما ما كان على ثلاثة أحرف فعلى ضربين أحدهما ما ثانية ياء والآخر ما ثانية ألف
الأول جيم سين شين عين غين ميم فسبيل هذه أن تجري بعد النقل والإعراب مجرى ديك وفيل وبيت وقيد مما عينه ياء ومن قال في ديك وفيل إنه يجوز أن يكون فعلا وفعلا جميعا وهو الخليل احتمل عنده جيم سين شين ميم أن تكون أيضا فعلا وفعلا جميعا فأما عين غين ففعل لا غير
فإن قلت فهل تجيز أن يكون أصلهما فيعلا كميت وهين ولين ثم حذفت عين الفعل منهما
فإن ذلك هنا لا يجوز ولا يحسن من قبل أن هذه حروف جوامد بعيدة عن الحذف والتصرف
فإن بنيت منها فعلت قلت جيمت جيما وسينت سينا وشينت شينا وعينت عينا وغينت غينا وميمت ميما وتقول في الجمع أجيام وأسيان وأشيان وأعيان وأغيان وأميام بلا خلاف لظهور العين

(2/798)


ياء فيهن ولو جاءت على أفعل لقلت أجيم وأسين وأشين وأعين وأغين وأميم
وأما ما ثانيه ألف فدال وذال وصاد وضاد وقاف وكاف ولام وواو فهذه الحروف ما دامت حروف هجاء لم تمثل ولم يقض فيها بقلب ولا غيره مما لا يوجد في الحروف فإن نقلتها إلى الاسمية لزمك أن تقضي بأن الألف فيهن منقلبة عن واو وذلك مما وصى به سيبويه لأنه هو الأكثر في اللغة ألا ترى إلى كثرة باب ودار ونار وجار وغار وساق وطاق وهامة وقامة ولابة وعادة ورادة وسادة وذادة وشارة وزارة وقلة ناب وعاب وغاب وعار ورار فعلى الأكثر ينبغي أن يحمل فإذا كان ذلك كذلك فلو بنيت منه فعلت لقلت دولت دالا وذولت ذالا وصودت صادا وضودت ضادا وقوفت قافا وكوفت كافا ولومت لاما

(2/799)


فأما الواو فقد ذكرنا ما في ألفها من الخلاف فمن ذهب إلى أن ألفها منقلبة عن ياء وجب عليه أن يقول في فعلت منها وييت واوا وأصلها ويوت إلا أن الواو لما وقعت رابعة قلبت ياء كما قلبت في غديت وعشيت وقضيت ودنيت فصارت وييت ومن ذهب إلى أن ألفها منقلبة من واو لزمه أن يقول أويت وأصلها وووت فلما التقت في أول الكلمة واوان همزت الأولى منهما كما همزت الواو الأولى من الأولى وأصلها وولى لأنها فعلى من أول وأول فاؤه وعينه واوان لأنه أفعل وقد ذكرت في كتابي في تفسير تصريف أبي عثمان خلاف الناس في أول وكما همزوا تصغير واصل وجمعه في قولهم أويصل وأواصل وأصله وويصل وواصل فهمزت الواو الأولى لاجتماع الواوين في أول الكلمة ومثله قول الشاعر
( ضربت صدرها إلي وقالت ... يا عديا لقد وقتك الأواقي )
فالأواقي جمع واقية وأصلها وواق فهمزت الواو الأولى وقال

(2/800)


( فإنك والتأبين عروة بعدما ... دعاك وأيدينا إليه شوارع )
( لكالرجل الحادي وقد تلع الضحى ... وطير المنايا فوقهن أواقع )
جمع واقعة وقال الآخر
( شهم إذا اجتمع الكماة وألجمت ... أفواقها بأواسط الأوتار )
يريد جمع واسط وأصلها وواسط فلما همزت الواو الأولى صار اللفظ في التقدير إلى أووت فلما وقعت الواو رابعة قلبت ياء كما تقدم ذكره آنفا فصارت أويت هذا هو صريح القياس وحقيقته
وأخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن يعقوب بن مقسم عن أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب قال ما كان على ثلاثة أحرف الأوسط منه ياء فليس فيه إلا وجه واحد بالياء تقول سينت سينا وعينت عينا وقال بعضهم في ما ولا من بين أخواتها مويت ماء حسنة ولويت لاء حسنة بالمد لمكان الفتحة من ما ولا وتقول في الواو وهي على ثلاثة أحرف الأوسط ألف بالياء لا غير لكثرة الواوات تقول وييت واوا حسنة وبعضهم يجعل الواو الأولى همزة لاجتماع الواوين فيقول أويت واوا حسنة انتهت الحكاية عن أبي بكر
فأما ما أجازه من قوله وويت فمردود عندنا لأنه إذا لم تجتمع واوان في أول الكلمة فالثلاث أحرى بأن لا يجوز اجتماعها

(2/801)


فأما قوله عز اسمه ( ما ووري عنهما ) فإنما اجتمعت في أوله واوان من قبل أن الثانية منهما مدة مبدلة من ألف واريت وليست بلازمة فلأجل ذلك لم تعتد وأما قوله وبعضهم يجعل الواو الأولى همزة فهذا هو الصواب الذي لا بد منه ولا مذهب لنظار عنه وأما ما حكاه من قولهم في ما ولا مويت ولويت فإن القول عندي في ذلك أنهم لما أرادوا اشتقاق فعلت من ما ولا لم يمكن ذلك فيهما وهما على حرفين فزادوا على الألف ألفا أخرى ثم همزوا الثانية كما تقدم فصارت ماء ولاء فجرت بعد ذلك مجرى باء وحاء بعد المد وعلى هذا قالوا في النسب إلى ما لما احتاجوا إلى تكميلها اسما محتملا للإعراب قد عرفت مائية الشيء فالهمزة الآن إنما هي بدل من ألف ألحقت ألف ما وقضوا بأن ألف ماء ولاء مبدلة من واو كما قدمناه من قول أبي علي وأن اللام منهما ياء حملا على طويت ورويت ثم لما بنوا منهما فعلت قالوا مويت ماء حسنة ولويت لاء حسنة وقوله لمكان الفتحة فيهما أي لأنك لا تميل ما ولا فتقول ما ولا أي فذهب إلى أن الألف فيهما من واو وهذا هو الذي حكيناه عنهم من أن اعتقادهم أن ألف باء وحاء وأخواتهما منقلبة عن ياء لأجل ما فيهما من الإمالة حتى إنهم لما لم يروا في ما ولا إمالة حكموا بأن ألفهما منقلبة من واو وقد ذكرنا وجه الإمالة من أين أتى هذه الألفات ودللنا على صحة مذهب أبي علي فيما مضى من هذا الفصل

(2/802)


ولو جمعت هذه الأسماء على أفعال لقلت في دال وذال أدوال وأذوال وفي صاد وضاد أصواد وأضواد وفي قاف وكاف أقواف وأكواف وفي لام ألوام وفي واو فيمن جعل ألفها منقلبة عن واو أواء وأصلها أواو فلما وقعت الواو طرفا بعد ألف زائدة قلبت ألفا ثم قلبت تلك الألف همزة كما قلنا في أبناء وأسماء وأعداء وأفلاء ومن كانت ألف واو عنده من ياء قال إذا جمعها على أفعال أياء وأصلها عنده أوياء فلما اجتمعت الواو والياء وسبقت الواو بالسكون قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء التي بعدها فصارت أياء كما ترى
ومن جمع ذلك على أفعل قال أدول وأذول وأصود وأضود وأقوف وأكوف وألوم ومن كانت عين واو عنده واوا قال في جمعها على أفعل أو وأصلها أوو فلما وقعت الواو طرفا مضموما ما قبلها أبدل من الضمة كسرة ومن الواو ياء فقال أو كما قالوا دلو وأدل وحقو وأحق ومن كانت عين واو عنده ياء قال في جمعها على أفعل أي وأصله أويو فلما اجتمعت الواو والياء وسبقت الواو بالسكون قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء بعدها فصارت أيو فلما وقعت الواو طرفا مضموما ما قبلها أبدلت من الضمة كسرة ومن الواو ياء على ما ذكرناه الآن فصار التقدير أيي فلما اجتمعت ثلاث ياءات والوسطى منهن مكسورة حذفت الياء الأخيرة كما حذفت في تحقير أحوى وأعيا في قولهم أحي وأعي فكذلك قلت أنت أيضا أي
وأما نون فإن أمرها ظاهر لأن عينها واو كما ترى ومن قال في فعل من البيع بوع وهو أبو الحسن ويشهد بصحة قوله هيف

(2/803)


وهوف لم يجز له مثل ذلك في نون أن تكون واوها بدلا من ياء لقولهم نونت الكلمة تنوينا وهذا حرف منون فظهور الواو في هذه المواضع ولا ضمة قبلها يدل على أن الواو فيها أصل غير بدل
فإن جمعتها على أفعال قلت أنوان وعلى أفعل أنون ومن همز الواو لانضمامها فقال
( لكل دهر قد لبست أثؤبا ... )
وقال
( . . . ... . مصابيح شبت بالعشاء وأنؤر )
همز أيضا هذا فقال أنؤن وأكؤف وأقؤف وأدؤل وأذؤل وأصؤد وأضؤد
وأما زاي فيمن لفظ بها ثلاثية هكذا فألفها على ما قدمناه ينبغي أن

(2/804)


تكون منقلبة عن واو ولامه ياء كما ترى فهو من لفظ زويت إلا أن عينه اعتلت وسلمت لامه ولحق بباب غاي وراي وثاي وطاي وآي في الشذوذ لاعتلال عينه وصحة لامه وقولي اعتلت إنما أريد به أنها متى أعربت فقيل هذه زاي حسنة أو كتبت زايا صغيرة أو نحو ذلك فإنها بعد ذلك ملحقة في الاعتلال بباب راي وغاي إلا أنه ما دام حرف هجاء فألفه غير منقلبة فلهذا كان عندي قولهم في التهجي زاي أحسن من غاي وطاي لأنه ما دام حرفا فهو غير مصرف وألفه غير مقضي عليها بالانقلاب وغاي وبابه متصرف فالانقلاب وإعلال العين وتصحيح اللام جار عليه ومعروف به
ولو اشتققت منها فعلت لقلت زويت وإن كانت الإمالة قد سمعت في ألفها وهي على مذهب أبي علي زويت أيضا وعلى قول غيره زييت زايا
وإن كسرتها على أفعال قلت أزواء وعلى قول غير أبي علي

(2/805)


أزياء إن صحت إمالتها وإن كسرتها على أفعل قلت أزو وأزي على المذهبين
وأما من قال زي وأجراها مجرى كي فإنه إذا اشتق منها فعلت كملها قبل اسما فزاد على الياء ياء أخرى كما أنه إذا سمى رجلا ب كي ثقل الياء فقال هذا كي وكذلك تقول أيضا زي ثم تقول منه فعلت زييت كما تقول من حييت حييت
فإن قلت فإذا كانت الياء من زي في موضع العين فهلا زعمت أن الألف من زاي ياء لوجودك العين في زي ياء
فالجواب أن ارتكاب هذا خطأ من قبل أنك لو ذهبت إلى هذا لحكمت بأن زي محذوفة من زاي والحذف ضرب من التصرف وهذه الحروف كما تقدم جوامد لا تصرف في شيء منها وأيضا فلو كانت الألف في زاي هي الياء في زي لكانت منقلبة والانقلاب في هذه الحروف مفقود غير موجود
وعلقت عن أبي علي في شرح الكتاب لفظا من فيه قال من قال اللاء فهو عنده كالباب ومن قال اللائي فهو عنده كالقاضي قال ولا يكون اللاء محذوفا من اللائي فإذا لم يجز الحذف في هذه الأسماء التي توصف ويوصف بها ويحقر كثير منها وتدخل عليها لام التعريف المختصة بالأسماء فأن لا يجوز الحذف في حروف الهجاء التي هي جوامد أبدا أحرى لو جمعتها لقلت في القولين جميعا أزياء وأزي
فأما قولنا ألف فأمرها ظاهر ووزنها فعل وعينها ولامها صحيحتان كما ترى
وأما الألف الساكنة التي هي مدة بعد اللام في قولهم

(2/806)


و لا ي فلا يجوز أن تسميها كما تسمي أول ما تجده في لفظك من ضرب بقولك ضاد وثانيه بقولك راء وثالثه بقولك باء من قبل أنك تجد في أوائل هذه الحروف التي تسميها بهذه الأسماء المبنية لفظ الحرف الذي تريده والألف أبدا ساكنة فلا يمكن تسميتها لأنه كان يلزمك أن توقع الألف الساكنة أول ذلك الاسم المبني والساكن لا يمكن ابتداؤه فرفض ذلك لذلك وقد تقدم ذكر هذا ألا ترى أن أول قولك جيم جيم وأول طاء طاء وهذا واضح فإن تكلفت أن تبني من الألف الساكنة في قولنا لا مثال فعلت لم يمكنك ذلك حتى تتم الألف الساكنة ثلاثة أحرف لأنه لا يمكن الاشتقاق من كلمة على أقل من ثلاثة أحرف فيلزمك على ذلك أن تزيد على الألف ألفا أخرى ليكون الثاني من لفظ الأول كما أنك إذا سميت رجلا لا زدت على الألف ألفا أخرى وهمزتها لأنك حركتها لالتقاء الساكنين فقلت لاء وفي ذا ذاء وفي ما ماء فتزيد على الألف من لا وهي ساكنة كما ترى ألفا أخرى بعد أن تزيل اللام التي كانت الألف معتمدة عليها لأنك الآن إنما تريد تكميلها للبناء منها ولست تريد الآن أن تلفظ بها فتتركها مدعومة باللام من قبلها وإنما حذفت اللام لأنها زائدة والبناء أبدا من الأصول لا من الزوائد فيصيرك التقدير إلى أن تجمع بين ألفين ساكنين وذا لا يمكنك اللفظ به لتعذر الابتداء بالساكن إلا أنك تعلم أن هذا الذي أشكله الآن صورتهما وهو اا فيلتقي ألفان ساكنتان فلا يمكن الابتداء بالأولى منهما لسكونها فلا تخلو حينئذ من حذف إحداهما أو حركتها فلا يمكن الحذف لأنك لو حذفت إحداهما عدت إلى اللفظ بالواحدة التي عنها

(2/807)


هربت فكان ذلك يكون مؤديا إلى نقض الغرض الذي أجمعته من تكميل الحرف بالزيادة فيه للبناء منه فلما لم يسغ الحذف وجب تحريك إحداهما فكانت الألف الأولى أولى بالحركة ليمكن الابتداء بها فلما حركت كان الكسر أولى بها إذ الحركة فيها إنما هي لالتقاء الساكنين فانقلبت همزة على حد ما قدمناه من أن الألف إذا حركت قلبت همزة نحو شأبة ودأبة وما أشبه ذلك فلما حركت الألف الأولى فقلبت همزة مكسورة انقلبت الألف الثانية ياء لسكونها وانكسار ما قبلها كما قلبت في نحو قراطيس وحماليق جمع قرطاس وحملاق فصار اللفظ حينئذ إي فلما أردت التكملة زدت على الياء ياء أخرى كما أنك لو سميت رجلا ب في زدت على الياء ياء أخرى فقلت هذا في فصار اللفظ فيما بعد إي فإن بنيت من إي هذا فعلت كما قلت قوفت قافا وكوفت كافا وسينت سينا وعينت عينا وجب عليك أن تقول أويت
فإن سأل سائل فقال من أين لك الواو في هذا المثال وأنت تعلم أن الأول من الحرفين المدغم إنما هو ياء في إي ثم زدت على الياء كما زعمت ياء أخرى فصار إي ولسنا نجد للواو هنا مذهبا ولا أصلا أولست لو بنيت فعلت من في لقلت فييت فيا حسنة ومن إي في قوله تعالى ( إي وربي ) أييت فهلا قلت قياسا على هذا أييت
فالجواب أن الياء في في وإي أصلان لا حظ لهما في غيرهما فوجب عليك إذا أردت أن تكملهما كلمتين ثلاثيتين أن تعتقد أن الياء فيهما عينان فإذا زدت على الياء ياء أخرى مثلها صارت الكلمة عندك كأنها من

(2/808)


حييت وعييت من مضاعف الياء فلذلك قلت فييت فيا وأييت إيا وأما الياء في إي في الهجاء على ما تأدت إليه الصنعة فإنما هي بدل من الألف الثانية من الألفين اللتين صورتهما اا ثم إنها قلبت ياء لانكسار الألف الأولى قبلها فصارت إي فقد علمنا بذلك أن أصلها الألف وأنها إنما قلبت للكسرة قبلها وإذا كانت الألف المجهولة ثانية عينا أو في موضع العين وجب على ما وصى به سيبويه وقد ذكرناه أن يعتقد فيها أنها منقلبة عن واو وإذا كان ذلك كذلك فقد صارت إي على هذا الاعتقاد مثل قي من القواء وسي من السواء ولحقت بما عينه واو ولامه ياء نحو طويت وشويت فكما أنك لو بنيت فعلت من القي والسي لقلت قويت وسويت فأظهرت العينين واوين لزوال الكسرة من قبلها وكونها ساكنة قبل الياء فكذلك ينبغي أن تقول في إي أويت
فإن جمعت إيا هذه على أفعال أقررت الفاء همزة بحالها وقلت آواء وإذا كانوا قد أقروا الهمزة التي هي بدل من العين بحالها في قويئم تحقير قائم فهم بإقرار الفاء المبدلة همزة بحالها أجدر
وإن كسرتها على أفعل قلت آو كما ترى فاعرف هذا وتأمله فإن أحدا من العلماء لم يعمله فيما علمته ولا تضمنه كتاب ولا اشتمل عليه تعليق وهو من غامض صنعة التصريف ولطيف هذا العلم المصون الشريف

(2/809)


وهذا فصل
نذكر فيه مذهب العرب في مزج الحروف بعضها ببعض وما يجوز من ذلك وما يمتنع وما يحسن وما يقبح وما يصح
اعلم أن حروف المعجم تنقسم على ضربين ضرب خفيف وضرب ثقيل وتختلف أحوال الخفيف منهما فيكون بعضه أخف من بعض وتختلف أيضا أحوال الثقيل منهما فيكون بعضه أثقل من بعض وفي الجملة فأخف الحروف عندهم وأقلها كلفة عليهم الحروف التي زادوها على أصول كلامهم وتلك الحروف العشرة المسماة حروف الزيادة وهي الألف والياء والواو والهمزة والميم والنون والتاء والهاء والسين واللام ويجمعها في اللفظ قولك اليوم تنساه وإن شئت قلت سألتمونيها وإن شئت قلت هويت السمان
فإن قلت ألست تعلم أن الهمزة مستثقلة عندهم ولذلك ما دخلها الحذف والبدل في كثير من الكلام فلم ذكرتها في الحروف الخفيفة
فالجواب أن الهمزة وإن كانت كذلك فإنك قادر على إعلالها

(2/811)


وقلبها والتلعب بها تارة كذا وتارة كذا وهذا لا يمكنك في الجيم ولا في القاف ولا في غيرهما من الحروف الصحاح وأيضا فإن مخرجها مجاور لمخرج أخف الحروف وهي الألف وأيضا فإنها لتباعدها من الحروف ما يستروح إلى مزج المتقارب مما بعد عنها بها ألا ترى أنك تقول دأب فتفصل بين الدال والباء بالهمزة فيكون ذلك أحسن من فصلك بينهما بالفاء لو جاء عنهم نحو دفب وتقول نأل فتفصل بها بين النون واللام ولو فصل بينهما بالراء فقيل نرل لم يكن حسنا فالهمزة وإن ثقلت في بعض الأحوال وتباعدت ففيها من المنفعة في الفصل ما ذكرت لك هذا مع ما وصفناه من مجاورتها للألف وأنها مما يمكن إعلاله وتقليبه والتلعب به
واعلم أن أقل الحروف تألفا بلا فصل حروف الحلق وهي ستة الهمزة والهاء والعين والحاء والغين والخاء فسبيل هذه الحروف متى اجتمع منها في كلمة اثنان أن يكون بينهما فصل وذلك نحو هدأت وخبأت وعبء وخيعل وغيهب وحضأت النار وحطأت به الأرض فهذه حال هذه الحروف وحكمها ألا تتجاور غير مفصولة إلا في ثلاثة مواضع

(2/812)


أحدها أن تبتدأ الهمزة فيجاورها من بعدها واحد من ثلاثة أحرف حلقية وهي الهاء والحاء والخاء فالهاء نحو أهل وأهر وإهاب وأهبة وهذا خاصة قد تتقدم فيه الهاء الهمزة وذلك نحو بهأت ونهىء اللحم والحاء نحو أحد وإحنة والخاء نحو أخذ وأخر فأما قولهم حأحأت بالكبش إذا دعوته فقلت حؤحؤ وهأهأت بالإبل إذا قلت لها هأهأ فإنما احتمل فيه تأخر الهمزة عن الحاء والهاء لأجل التضعيف لأنه يجوز فيه ما لا يجوز في غيره
الثاني ائتلاف الهاء مع العين ولا تكون العين إلا مقدمة وذلك نحو عهد وعهر وعهن
الثالث ائتلاف العين مع الخاء ولا تكون الخاء إلا مقدمة وذلك نحو بخع والنخع
ولأجل ما ذكرناه من ترك استعمالهم لحروف الحلق متجاورة ما قل تضعيفهم إياها وذلك نحو الضغيغة والرغيغة والمهه

(2/813)


والبحح والشعاع وقد كنا ذكرنا نحوا من هذا في أول الكتاب
وأحسن التأليف ما بوعد فيه بين الحروف فمتى تجاور مخرجا الحرفين فالقياس ألا يأتلفا وإن تجشموا ذلك بدأوا بالأقوى من الحرفين وذلك نحو أرل وورل ووتد ومحتد فبدأوا بالراء قبل اللام وبالتاء قبل الدال لأنهما أقوى منهما ويدلك على قوة الراء والتاء على اللام والدال أنك إذا ذقتهما ساكنتين ووقفت عليهما وجدت الصوت ينقطع عند التاء بجرس قوي ووجدته ينقطع عند الدال بجرس خفي وذلك قولك إت إد وكذلك الراء واللام فإذا وقفت على الراء وجدت الصوت هناك مكررا ولذلك اعتدت في الإمالة بحرفين وإذا وقفت على اللام وجدت في الصوت لينا وغنة وذلك قولك إر إل ويؤكد عندك قوة الراء على اللام أنك لا تكاد تجد اللام معتاصة على أحد وكثرة ما تجد الراء متعذرة على كثير من الناس لا سيما الأرت حتى إنك لا تستبينها في كلامه
ويتلو حروف الحلق حروف أقصى اللسان وهي القاف والكاف والجيم وهذه لا تتجاور البتة لا تجد في الكلام نحو قج ولا جق

(2/814)


ولا كج ولا جك ولا قك ولا كق فأما قول رؤبة
( لواحق الأقراب فيها كالمقق ... )
وقولهم يأجج ومأجج وسكك فإنما جاز ذلك وإن كان متكررا من قبل أن المكرر معرض في أكثر أحواله للإدغام ألا تراك تقول فرس أمق ومج فوه وأجت النار وسكة والحرفان المتجاوران لا يمكنك إدغام أحدهما في صاحبه حتى تتكلف قلبه إلى لفظه ثم تدغمه فكانت المشقة فيه أغلظ فرفض ذلك لذلك ولأجل هذا ما جاء عنهم في حروف الحلق التي تباعدت عن معظم الحروف فلم تسطها نحو المه والبحح والبعع والرخخ وهو السهولة واللين ولم يأت عنهم ذلك في المتجاور منها إلا فيما حددناه في أول هذا الفصل ألا ترى أنهم لم يأت عنهم فيها نحو المهح ولا البحع ولا الرخغ لما ذكرت لك ولهذا أيضا ما جاء عنهم نحو الشمم والخبب والحفف ولم يأت نحو السمب ولا الحبف ولا الخعم وذلك أن الصوت إذا انتحى مخرج حرف فأجرس فيه ثم أريد نقله عنه فالأخلق بالحال أن يعتمد به مخرج حرف يبعد عنه ليختلف

(2/815)


الصوتان فيعذبا بتراخيهما فأما أن ينقل عنه إلى مخرج يجاوره وصدى يناسبه ففيه من الكلفة ما في نقد الدينار من الدينار ونحو ذلك ففي هذا إشكال وفيهما إذا تباعدا من الكلفة ما في نقد الدينار من الدرهم أو نحو ذلك وهذا أمر واضح غير مشكل فلذلك حسن تأليف ما تباعد من الحروف وكان تضعيف الحرف عليهم أسهل من تأليفه مع ما يجاوره فلأجل ذلك أنه لما أراد بنو تميم إسكان العين من معهم استكرهوا أن يقولوا معهم فأبدلوا الحرفين حاءين وأدغموا الأولى في الآخرة فقالوا محم فكان ذلك أسهل عليهم من اللفظ بالحرفين المقتربين
فقد تحصل لنا من هذه القضايا أن الحروف في التأليف على ثلاثة أضرب أحدها تأليف المتباعدة وهو الأحسن والآخر تضعيف الحرف نفسه وهو يلي القسم الأول في الحسن والآخر تأليف المتجاورة وهو دون الاثنين الأولين فإما رفض البتة وإما قل استعماله
فإن قلت ألست تعلم أن الإمالة إنما وقعت في الكلام ليتقارب الصوتان وذلك أن تنحو بالفتحة نحو الكسرة لتميل الألف نحو الياء نحو مالك وحاتم وكذلك الحرفان إذا ضورع بأحدهما صاحبه نحو مزدر وتزدير أو أدنى منه تقلبه إلى حرف آخر صريح نحو صبقت في سبقت وصقت في سقت وصويق في سويق فإذا كانوا من إيثار المضارعة والتقريب على ما تراه فمن أين ساغ لك أن تقضي عليهم بكلفة التقارب في المخارج نحو الذال مع الثاء والسين مع الصاد

(2/816)


فالجواب أن الحس أعدل شاهد وذلك أنك إذا قلت دث أو سص أو كق أو حع رأيت الكلفة ظاهرة والمؤونة مجحفة فأما تقريب الحرف من الحرف فليس ذلك التقريب بينهما بمصير للمقرب إلى حرف يجاور المقرب منه وإنما هي مضارعة وإيجاد حروف فروع غير أصول وهي التي ذكرناها في أول هذا الكتاب ألا ترى أن ألف الإمالة والصاد التي كالزاي إنما هما من الفروع الستة وليستا بأصلين مستقرين كالثاء ولا السين ولا الجيم اللواتي إذا ضممتهن إلى مجاورهن فقد استعملت هناك أصولا مستقرة ولم ترتجل فروعا يمكن التسلط عليها وقلة الحفل بها وأما من أخلصها زايا فقال مزدر فإنما جاز ذلك له لأن الزاي ليست من مخرج الدال فلما بعدا حسن الجمع بينهما وأما قلب السين من سقت صادا لأجل القاف فليست الصاد أختا للقاف ولا مجاورة لها كالكاف والجيم ألا ترى أن القاف من أصل اللسان والصاد من صدره وأسلته وإنما جمع ما بينهما ما فيهما من الاستعلاء وهما على كل حال بائنتان متراخيتان أولا ترى أن الشين لا تؤلف مع الضاد لما بينهما من التجاور والاستطالة إلا أنهم جمعوا بينها وبين حروف وسط الفم فقالوا شصاصاء وشصب وشزب وشزر وشسف وشسع ولم يفعلوا ذلك حتى بدأوا بالشين التي هي أقوى ولو قدمت واحدة من الصاد أو السين أو الزاي على الشين لم يجز ألا ترى أنه ليس في الكلام نحو سش ولا زش ولا صش وحروف الصفير وهي الصاد والسين والزاي لا

(2/817)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية