صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : جامع الدروس العربية.
المؤلف : الشيخ العلامة مصطفى الغلاييني.
مصدر الكتاب : شبكة مشكاة الإسلامية
www.almeshkat.net
قام بفهرسته : أخوكم أبو عمر غفر الله له ولوالديه.
الكتاب مرقم الكترونيا غير موافق للمطبوع

وتكون "مذ ومنذ" ظرفين منصوبين محلا، فيرفع ما بعدهما. ويشترط فيهما أيضا ما اشترط فيهما وهما حرفان. وقد سبق الكلام عليهما في المفعول فيه، عند الكلام على شرح الظروف المبنية فراجعه.
ومذ أصلها "منذ" فخففت، بدليل رجوعهم إلى ضم الذال عند ملاقاتها ساكنا، نحو "انتظرتك مذ الصباح". ومنذ أصلها "من" الجارة و "إذ" الظرفية، فجعلتا كلمة واحدة. ولذا كسرت ميمها - في بعض اللغات - باعتبار الأصل.
14- رب
رب تكون للتقليل وللتكثير، والقرينة هي التي تعين المراد. فمن التقليل قول الشاعر
*ألا رب مولود، وليس له أب * وذي ولد لم يلده أبوان*

يريد بالأول عيسى، وبالثاني آدم، عليهما السلام. ومن التكثير حديث "يا رب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة"، وقول بعض العرب عند انقضاء رمضان "يا رب صائمه لن يصومه ويا رب قائمه لن يقومه".
واعلم أنه يقال "رب وربة وربما وربتما". والتاء زائدة لتأنيث الكلمة، و "ما" زائدة للتوكيد. وهي كافة لها عن العمل.
وقد تخفف الباء. ومنه قوله تعالى {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين}.
ولا تجر "رب" إلا النكرات، فلا تباشر المعارف. وأما قوله "يا رب صائمه، ويا رب قائمه" المتقدم، فإضافة صائم وقائم إلى الضمير لم تفدهما التعريف، لأن إضافة الوصف إلى معموله غير محضة، فهي لا تفيد تعريف المضاف ولا تخصيصه، لأنها على نية الانفصال، ألا ترى أنك تقول "يا رب صائم فيه، ويا رب قائم فيه".
والأكثر أن تكون هذه النكرة موصوفة بمفرد أو جملة. فالأول نحو "رب رجل كريم لقيته". والثاني نحو "رب رجل يفعل الخير أكرمته". وقد تكون غير موصوفة، نحو "رب كريم جبان".
وقد تجر ضميرا منكرا مميزا بنكرة. ولا يكون هذا الضمير إلا مفردا مذكرا. أما مميزه فيكون على حسب مراد المتكلم مفردا أو مثنى أو جمعا أو مذكرا أو مؤنثا، تقول "ربه رجلا. ربه رجلين. ربه رجالا. ربه امرأة. ربه امرأتين. ربه نساء". قال الشاعر
*ربه فتية دعوت إلى ما * يورث الحمد دائبا، فأجابوا*
وسيأتي الكلام على محل مجرور "رب" من الإعراب، في الكلام على موضع المجرور بحرف الجر.
15 و 16 و 17- خلا وعدا وحاشا
خلا وعدا وحاشا تكون أحرف جر للاستثناء، إذا لم يتقدمهن "ما". وقد سبق الكلام عليهن في مبحث الاستثناء. فراجعه.
18- كي

كي حرف جر للتعليل بمعنى اللام. وإنما تجر "ما" الاستفهامية، نحو "كيمه؟"، نقول "كيم فعلت هذا؟"، كما تقول "لم فعلته؟". والأكثر استعمال "لمه؟" وتحذف ألف "ما" بعدها كما تحذف بعد كل جار، نحو "ممه وعلامه وإلامه". وإذا وقفوا ألحقوا بها هاء السكت، كما رأيت. وإذا وصلوا حذفوها، لعدم الحاجة إليها في الوصل.
وقد تجر المصدر المؤول بما المصدرية كقول الشاعر
*إذا أنت لم تنفع فضر، فإنما * يراد الفتى كيما يضر وينفع*
(فكي حرف جر. وما مصدرية، فما بعدها في تأويل مصدر مجرور بكي. أي يراد الفتى للضر والنفع. ويجوز أن تكون "كي" هنا هي المصدرية الناصبة للمضارع. فما. بعدها. زائدة كافة لها عن العمل).
19- متى
متى تكون حرف جر - بمعنى "من" - في لغة "هذيل"، ومنه قوله
*شربن بماء البحر، ثم ترفعت * متى لجج خضر لهن نئيج*
20- لعل
لعل تكون حرف جر في لغة "عقيل" وهي مبنية على الفتح أو الكسر، قال الشاعر
*فقلت ادع أخرى وارفع الصوت جهرة * لعل أبي المغوار منك قريب*
وقد يقال فيها "عل" بحذف لامها الأولى.
وهي حرف جر شبيه بالزائد، فلا تتعلق بشيء. ومجرورها في موضع رفع على أنه مبتدأ. خبره ما بعده.
وهي عند غير "عقيل" ناصبة للاسم رافعة للخبر، كما تقدم.
2- ما الزائدة بعد الجار
قد تزاد "ما" بعد "من وعن والباء"، فلا تكفهن عن العمل، كقوله تعالى {مما خطيئاتهم أغرقوا}، وقوله {عما قليل ليصبحن نادمين}، وقوله {فبما رحمة من الله لنت لهم}.
وقد تزاد بعد "رب والكاف" فيبقى ما بعدهما مجرورا، وذلك قليل، كقول الشاعر
*ربما ضربة بسيف صقيل * بين بصرى وطعنة نجلاء*

وقول غيره
*وننصر مولانا، ونعلم أنه * كما الناس، مجروم عليه وجارم*
وإنما وجب أن تكونا هنا عاملتين، غير مكفوفتين، لأنهما لم تباشرا الجملة، وإنما باشرتا الاسم.

(71/6)


والاكثر أن تكفهما "ما" عن العمل، فيدخلانش حينئذ على الجمل الاسمية والفعلية كقول الشاعر
*أخ ماجد لم يخزني يوم مشهد * كما سيف عمر ولم تخنه مضاربه*
وقول الآخر
*ربما أوفيت في علم * ترفعن ثوبي شمالات*
والغالب على "رب" المكفوفة أن تدخل على فعل ماض، كهذا البيت. وقد تدخل على فعل مضارع، بشرط أن يكون متحقق الوقوع، فينزل منزلة الماضي للقطع بحصوله، كقوله تعالى {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين}. وندر دخولها على الجملة الاسمية، كقول الشاعر
*ربما الجامل المؤبل فيهم * وعناجيج بينهن المهار*
3- واو رب وفاؤها
قد تحذف "رب"، ويبقى عملها بعد الواو كثيرا، وبعد الفاء قليلا، كقول الشاعر
*وليل كموج البحر، أرخى سدوله * علي. بأنواع الهموم، ليبتلي*
وقوله
*فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع * فألهيتها عن ذي تمائم محول*
4- حذف حرف الجر قياسا
يحذف حرف الجر قياسا في ستة مواضع
1- قبل أن، كقوله تعالى {وعجبوا أن جاءهم منذر منهم}، أي لأن جاءهم، وقوله {أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم}، وقول الشاعر
*الله يعلم أنا لا نحبكم * ولا نلومكم أن لا تحبونا*
أي على أن لا تحبونا.
2- قبل أن، كقوله تعالى {شهد الله انه لا إله إلا هو}، أي شهد بأنه.

واعلم أنه إنما يجوز حذف الجار قبل "أن وأن"، إن يؤمن اللبس بحذفه. فإن لم يؤمن لم يجز حذفه، فلا يقال "رغبت أن أفعل"، لإشكال المراد بعد الحذف، فلا يفهم السامع ماذا أردت أرغبتك في الفعل، أم رغبتك عنه؟ فيجب ذكر الحرف ليتعين المراد، إلا إذا كان الإبهام مقصودا من السامع.
3- قبل "كي" الناصبة للمضارع، كقوله تعالى {فرددناه إلى أمه كي تقر عينها}، أي لكي تقر.
واعلم أن المصدر المؤول بعد "أن وأن وكي" في موضع جر بالحرف المحذوف، على الأصح. وقال بعض العلماء هو في موضع النصب بنزع الخافض.
4- قبل لفظ الجلالة في القسم، نحو "الله لأخدمن الأمة خدمة صادقة"، أي والله.
5- قبل مميز "كم" الاستفهامية، إذا دخل عليها حرف الجر، نحو "بكم درهم اشتريت هذا الكتاب؟" أي بكم من درهم؟ والفصيح نصبه، كما تقدم في باب التمييز، نحو "بكم درهما اشتريته؟".
6- بعد كلام مشتمل على حرف جر مثله، وذلك في خمس صور
الأولى بعد جواب استفهام، تقول "ممن أخذت الكتاب؟"، فيقال لك "خالد"، أي من خالد.
الثانية بعد همزة الاستفهام، تقول "مررت بخالد"، فيقال "أخالد ابن سعيد؟" أي أبخالد بن سعيد؟.
الثالثة بعد "إن" الشرطية، تقول "إذهب بمن شئت، إن خليل، وإن حسن" أي إن بخليل، وإن بحسن.
الرابعة بعد "هلا"، تقول "تصدقت بدرهم"، فيقال "هلا دينار"، أي هلا تصدقت بدينار.
الخامسة بعد حرف عطف متلو بما يصح أن يكون جملة، لو ذكر الحرف المحذوف، كقولك "لخالد دار، وسعيد بستان"، أي ولسعيد بستان، وقول الشاعر
*ما لمحب جلد أن يهجرا * ولا حبيب رأفة فيجبرا*
وقول الآخر

*أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته * ومدمن القرع للأبواب أن يلجا*
أي وبمدمن القرع. ومنه قوله تعالى {وفي خلقكم وما يبث من دآبة آيات لقوم يوقنون، واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق، فأحيا به الأرض بعد موتها، وتصريف الرياح، آيات لقوم يعقلون}.
5- حذف حرف الجر سماعا
قد يحذف الجر سماعا، فينتصب المجرور بعد حذفه تشبيها له بالمفعول به. ويسمى أيضا المنصوب على نزع الخافض، أي الاسم الذي نصب بسبب حذف حرف الجر، كقوله تعالى {ألا إن ثمود كفروا ربهم}، أي بربهم، وقوله {واختار موسى قومه أربعين رجلا} أي من قومه، وقول الشاعر
*تمرون الديار ولم تعوجوا * كلامكم علي إذا حرام*
أي تمرون بالديار، وقول الآخر
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به * فقد تركتك ذا مال وذا نشب*
أي أمرتك بالخير، وقول غيره
*أستغفر الله ذنبا لست محصيه * رب العباد، إليه الوجه والعمل*
أي أستغفر الله من ذنب.
ويسمى هذا الصنيع بالحذف والإيصال، أي حذف الجار وإيصال الفعل غلى المفعول بنفسه بلا واسطة. وقال قوم إنه قياسي. والجمهور على انه سماعي.

(71/7)


وندر بقاء الاسم مجرورا بعد حذف الجار، في غير مواضع حذفه قياسا. ومن ذلك قول بعض العرب، وقد سئل "كيف أصبحت؟" فقال "خير، إن شاء الله"، أي "على خير"، وقول الشاعر
*إذا قيل أي الناس شر قبيلة * أشارت كليب بالأكف الأصابع*
أي إلى كليب. ومثل هذا شذوذ لا يلتفت إليه.
6- أقسام حرف الجر
حرف الجر على ثلاثة أقسام أصلي وزائد وشبيه بالزائد.

فالأصلي ما يحتاج غلى متعلق. وهو لا يستغنى عنه معنى ولا إعرابا، نحو "كتبت بالقلم".
والزائد ما يستغنى عنه إعرابا، ولا يحتاج إلى متعلق. ولا يستغنى عنه معنى، لأنه إنما جيء به لتوكيد مضمون الكلام، نحو "ما جاءنا من أحد" ونحو "ليس سعيد بمسافر".
والشبيه بالزائد ما لا يمكن الاستغناء عنه لفظا ولا معنى، غير أنه لا يحتاج إلى متعلق.
وهو خمسة أحرف "رب وخلا وعدا وحاشا ولعل".
(وسمي شبيها بالزائد لأنه لا يحتاج إلى متعلق. وهو أيضا شبيه بالأصلي من حيث أنه لا يستغنى عنه لفظا ولا معنى. والقول بالزائد هو من باب الاكتفاء، على حد قوله تعالى {سرابيل تقيكم الحر}، أي وتقيكم البرد أيضا).
7- مواضع زيادة الجار
لا يزاد من حروف الجر إلا "من والباء والكاف واللام".
وزيادتها إنما هي في الإعراب، وليست في المعنى، لأنها إنما يؤتى بها للتوكيد.
أما الكاف، فزيادتها قليلة جدا. وقد سمعت زيادتها في خبر "ليس"، كقوله تعالى {ليس كمثله شيء}، أي "ليس مثله شيء"، وفي المبتدأ، كقول الراجل "لواحق الأقراب فيها كالمقق". وزيادتها سماعية.
وأما اللام فتزاد سماعا بين الفعل ومفعوله. وزيادتها في ذلك رديئة.
قال الشاعر
*وملكت ما بين العراق ويثرب * ملكا أجار لمسلم ومعاهد*
أي أجار مسلما ومعاهدا.
وتزاد قياسا في مفعول تأخر عنه فعله تقوية للفعل المتأخر لضعفه بالتأخر، كقوله تعالى {الذين هم لربهم يرهبون}، أي ربهم يرهبون، وفي مفعول المشتق من الفعل تقوية له أيضا، لأن عمله فرع عن عمل فعله المشتق هو منه، كقوله تعالى {مصدقا لما معهم}، أي مصدقا لما معهم، وقوله {فعال لما يريد}، أي فعال ما يريد وقد سبق الكلام عليها.

وأما "من" فلا تزاد إلا في الفاعل والمفعول به والمبتدأ، بشرط أن تسبق بنفي أو نهي أو استفهام بهل، وأن يكون مجرروها نكرة. وزيادتها فيهن قياسية. ولم يشترط الأخفش تقدم نفي أو شبهه، وجعل من ذلك قوله تعالى {ويكفر عنكم من سيئاتكم}، وقوله {فكلوا مما أمسكن عليكم}. و "من" في هاتين الآيتين تحتمل معنى التبعيض أيضا. وبذلك قال جمهور النحاة. وأقوى من هذا الاستشهاد الاستدلال بقوله تعالى {وينزل من السماء، من جبال فيها، من برد}. فمن في قوله "من برد" لا ريب في زيادتها، وإن قالوا إنها تحتمل غير ذلك، لأن المعنى أن ينزل بردا من جبال في السماء.
فزيادتها في الفاعل، كقوله تعالى {ما جاءنا من بشير}.
وزيادتها في المفعول، كقوله {تحس منهم من أحد}.
وزيادتها في المبتدأ، كقوله {هل من خالق غير الله يرزقكم!}.
وأما الباء فهي أكثر أخواتها زيادة. وهي تزاد في الإثبات والنفي. وتزاد في خمسة مواضع
1- في فاعل "كفى"، كقوله تعالى {وكفى بالله وليا، وكفى بالله نصيرا}.
2- في المفعول به، سماعا نحو "أخذت بزمام الفرس"، ومنه قوله تعالى {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}، وقوله {وهزي إليك بجذع النخلة}، وقوله {ومن يرد فيه بإلحاد}، وقوله {فطفق مسحا بالسوق والأعناق}.
ومنه زيادتها في مفعول "كفى" المتعدية إلى واحد، كحديث "كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع".
وتزاد في مفعول "عرف وعلم - التي بمعناها - ودرى وجهل وسمع وأحس".
ومعنى زيادتها في المفعول به سماعا أنها لا تزاد إلا في مفعول الأفعال التي سمعت زيادتها في مفاعيلها، فلا يقاس عليها غيرها من الأفعال. وأما ما ورد، فلك أن تزيد الباء في مفعوله في كل تركيب.

3- في المبتدأ، إذا كان لفظ "حسب" نحو "بحسبك درهم"، أو كان بعد لفظ "ناهيك"، نحو "ناهيك بخالد شجاعا"، أو كان بعد "إذا الفجائية، نحو "خرجت فإذا بالأستاذ"، أو بعد "كيف"، نحو "كيف بك، أو بخليل، إذا كان كذا وكذا؟".
4- ي الحال المنفي عاملها. وزيادتها فيها سماعية، كقول الشاعر
*فما رجعت بخائبة ركاب * حكيم بن المسيب منتهاها*
وقول الآخر
*كائن دعيت إلى بأساء داهمة * فما انبعثت بمزءود ولا وكل*

(71/8)


وجعل بعضهم زيادتها فيها مقيسة، والذوق العربي لا يأبى زيادتها فيها.
5- في خبر "ليس وما" كثيرا، وزيادتها هنا قياسية. فالأول كقوله تعالى {أليس الله بكاف عبده}، وقوله {أليس الله بأحكم الحاكمين}. والثاني كقوله سبحانه {وما ربك بظلام للعبيد}، وقوله {وما الله بغافل عما تعملون}.
وإنما دخلت الباء في خبر "إن" في قوله تعالى {أو لم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض، ولم يعي بخلقهن، بقادر على أن يحيي الموتى، بلى، إنه على كل شيء قدير}، لأنه في معنى "أوليس" بدليل أنه مصرح به في قوله عز وجل {أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم، بلى، وهو الخلاق العليم}.
فائدتان
1- قد يتوهم الشاعر أنه زاد الباء في خبر "ليس" أو خبر "ما" العاملة عملها، فيعطف عليه بالجر توهما، وحقه أن ينصبه، كقوله
*بدا لي أني لست مدرك ما مضى * ولا سابق شيئا، إذا كان جائيا*
وقول الآخر
*أحقا، عباد الله، أن لست صاعدا * ولا هابطا إلا علي رقيب*
ولا سالك وحدي، ولا في جماعة * من الناس، إلا قيل أنت مريب!*
وقول غيره

*مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة * ولا ناعب إلا ببين غرابها*
فالخفض في "سابق وسالك وناعب" على توهم وجود الباء في "مدرك وصاعد ومصلحين".
والجر على التوهم سماعي لا يقاس عليه.
2- وقد يجر ما حقه الرفع أو النصب، لمجاورته المجرور، كقولهم "هذا جحر ضب خرب"، ومنه قول امرئ القيس
*كأن ثبيرا، في عرانين وبله * كبير أناس في بجاد مزمل*
ويسمى الجر بالمجاورة. وهو سماعي أيضا.
8- متعلق حرف الجر الأصلي
متعلق حرف الجر الأصلي هو ما كان مرتبطا به من فعل أو شبهه أو معناه. فالفعل نحو "وقفت على المنبر". وشبه الفعل، نحو "أنا كاتب بالقلم". ومعنى الفعل نحو "أف للكسالى".
وقد يتعلق باسم مؤول بما يشبه الفعل، كقوله تعالى {وهو الله في السموات وفي الأرض}، فحرف الجر متعلق بلفظ الجلاة لأنه مؤول بالمعبود، أي وهو المعبود في السموات وفي الأرض، أو وهو المسمى بهذا الاسم فيهما. ومثل ذلك أن تقول "أنت عبد الله في كل مكان" و "خالد ليث في كل موقعة". ومن ذلك قول الشاعر
*وإن لساني شهدة يشفى بها * وهو على من صبه الله علقم*
فحرف الجر "على" متعلق بعلقم، لأنه بمعنى "مر"، وأراد به أنه صعب أو شديد، وقول الآخر
ما أمك اجتاحت المنايا * كل فؤاد عليك أم*
فحرف الجر متعلق بأم، لأنها بمعنى "مشفق".
وقد يتعلق بما يشير إلى معنى الفعل، كأداة النفي، كقوله تعالى {ما أنت بنعمة ربك بمجنون}. فحرف الجر في "بنعمة" متعلق بما، لأنه بمعنى "انتفى".
وقد يحذف المتعلق. وذلك على ضربين جائز وواجب.

فالجائز أن يكون كونا خاصا، بشرط أن لا يضيع الفهم بحذفه، نحو "بالله"، جوابا لمن قال لك "بمن تستعين؟".
والواجب أن يكون كونا عاما، نحو "العلم في الصدور. الكتاب لخليل, نظرت نور القمر في الماء. مررت برجل في الطريق".
9- محل المجرور من الإعراب
حكم المجرور بحرف جر زائد أنه مرفوع المحل أو منصوبه، حسب ما يطلبه العامل قبله.
(فيكون مرفوع الموضع على أنه فاعل في نحو "ما جاءنا من أحد". والأصل ما جاءنا أحد. وعلى أنه نائب فاعل في نحو "ما قيل من شيء". والأصل ما قيل شيء. وعلى أنه مبتدأ في نحو "بحسبك الله"؛ والأصل حسبك الله. ويكون منصوب الموضع على أنه مفعول به في نحو "ما رأيت من أحد"، والأصل ما سعى سعيا يحمد عليه. وعلى أنه خبر "ليس" في نحو {أليس الله بأحكم الحاكمين}. والأصل أليس الله أحكم الحاكمين).
أما المجرور بحرف جر شبيه بالزائد، فإن كان الجار "خلا وعدا وحاشا"، فهو منصوب محلا على الاستثناء.
وإن كان الجار "رب" فهو مرفوع محلا على الابتداء، نحو "رب غني اليوم فقير غدا. رب رجل كريم أكرمته". إلا إذا كان بعدها فعل متعد لم يأخذ مفعوله، فهو منصوب محلا على أنه مفعول به للفعل بعده، نحو "رب رجل كريم أكرمت". فإن كان بعدها فعل لازم، أو فعل متعد ناصب للضمير العائد على مجرورها فهو مبتدأ، والجملة بعده خبره، نحو "رب عامل مجتهد نجح. رب تلميذ مجتهد أكرمته".

(71/9)


وأما المجرور بحرف جر أصلي فهو مرفوع محلا، إن ناب عن الفاعل بعد حذفه، نحو "يؤخذ بيد العاثر. جيء بالمجرم الفار" أو كان في موضع خبر المبتدأ، أو خبر "إن" أو إحدى أخواتها، أو خبر "لا" النافية للجنس، نحو "العلم كالنور. إن الفلاح في العمل الصالح لا حسب كحسن الخلق".

وهو منصوب محلا على أنه مفعول فيه، إن كان ظرفا، نحو "جلست في الدار. سرت في الليل". وعلى أنه مفعول لأجله غير صريح، إن كان الجار حرفا يفيد التعليل والسببية، نحو "سافرت للعلم، ونصبت من أجله، واغتربت فيه". وعلى أنه مفعول مطلق، إن ناب عن المصدر، نحو "جرى الفرس كالريح". وعلى أنه خبر للفعل الناقص، إن كان في موضع خبره. نحو "كنت في دمشق".
وإن وقع تابعا لما قبله كان محله من الإعراب على حسب متبوعه، نحو "هذا عالم من أهل مصر. رأيت عالما من أهل مصر. أخذت عن عالم من أهل مصر".
فإن لم يكن، أي المجرور، شيئا مما تقدم كان في محل نصب على أنه مفعول به غير صريح، نحو "مررت بالقوم، وقفت على المنبر. سافرت من بيروت إلى دمشق".

(71/10)


( مجرورات الأسماء ) ضمن العنوان ( الإضافة )
الإضافة نسبة بين اسمين، على تقدير حرف الجر، توجب جر الثاني أبدا، نحو "هذا كتاب التلميذ. لبست خاتم فضة. لا يقبل صيام النهار ولا قيام الليل إلا من المخلصين".
ويسمى الأول مضافا، والثاني مضافا إليه. فالمضاف والمضاف إليه اسمان بينهما حرف جر مقدر.
وعامل الجر في المضاف إليه هو المضاف، لا حرف الجر المقدر بينهما على الصحيح.
وفي هذا المبحث سبعة مباحث
1- أنواع الإضافة
الإضافة أربعة أنواع لامية وبيانية وظرفية وتشبيهية.
فاللامية ما كانت على تقدير "اللام". وتفيد الملك أو الاختصاص. فالأول نحو "هذا حصان علي". والثاني نحو {أخذت بلجام الفرس}.

والبيانية ما كانت على تقدير "من". وضابطها أن يكون المضاف إليه جنسا للمضاف، بحيث يكون المضاف بعضا من المضاف إليه، نحو "هذا باب خشب. ذاك سوار ذهب. هذه أثواب صوف".
(فجنس الباب هو الخشب., وجنس السوار هو الذهب. وجنس الأثواب هو الصوف. والباب بعض من الخشب. والسوار بعض من الذهب. والأثواب بعض من الصوف. والخشب بين جنس الباب. والذهب بين جنس السوار. والصوف بين جنس الأثواب.والإضافة البيانية يصح فيها الإخبار بالمضاف إليه عن المضاف. ألا ترى أنك إن قلت "هذا الباب خشب، وهذا السوار ذهب، وهذه الأثواب صوف" صح).
والظرفية ما كانت على تقدير "في". وضابطها أن يكون المضاف إليه ظرفا للمضاف. وتفيد زمان المضاف أو مكانه، نحو "سهر الليل مضن وقعود الدار مخمل". ومن ذلك أن تقول "كان فلان رفيق المدرسة، وإلف الصبا، وصديق الأيام الغابرة". قال تعالى {يا صاحبي السجن}.
والتشبيهية ما كانت على تقدير "كاف التشبيه". وضابطها أن يضاف المشبه به إلى المشبه، نحو "انتثر لؤلؤ الدمع على ورد الخدود" ومنه قول الشاعر
*والريح تعبث بالغصون، وقد جرى * ذهب الأصيل على لجين الماء*
2- الإضافة المعنوية والإضافة اللفظية
تنقسم الإضافة أيضا إلى معنوية ولظفية.
فالمعنوية ما تفيد تعريف المضاف أو تخصيصه. وضابطها أن يكون المضاف غير وصف مضاف إلى معموله. بأن يكون غير وصف أصلا كمفتاح الدار، أو يكون وصفا مضافا إلى غير معموله ككاتب القاضي، ومأكول الناس، ومشربهم وملبوسهم.

وتفيد تعريف المضاف إن كان المضاف إليه معرفة، نحو "هذا كتاب سعيد"، وتخصيصه، إن كان نكرة، نحو "هذا كتاب جل". إلا إذا كان المضاف متوغلا في الإبهام والتنكير، فلا تفيده إضافته إلى المعرفة تعريفا، وذلك مثل صغير ومثل وشبه ونظير"، نحو "جاء رجل غيرك، أو مثل سليم، أو شبه خليل، أو نظير سعيد"، ألا ترى أنها وقعت صفة لرجل، وهو نكرة، ولو عرفت بالإضافة لما جاز أن توصف بها النكرة، وكذا المضاف إلى ضمير يعود إلى نكرة، فلا يتعرف بالإضافة إليه، نحو "جاءني رجل وأخوه. رب رجل وولده. كم رجل وأولاده".
وتسمى الإضافة المعنوية أيضا "الإضافة الحقيقية" و "الإضافة المحضة". (وقد سميت معنوية لأن فائدتها راجعة إلى المعنى، من حيث أنها تفيد تعريف المضاف أو تخصيصه. وسميت حقيقية لأن الغرض منها نسبة المضاف إلى المضاف إليه. وهذا هو الغرض الحقيقي من الإضافة. وسميت محضة لأنها خالصة من تقدير انفصال نسبة المضاف من المضاف إليه. فهي على عكس الإضافة اللفظية، كما سترى).
والإضافة اللفظية ما لا تفيد تعريف المضاف ولا تخصيصه وإنما الغرض منها التخفيف في اللفظ، بحذف التنوين أو نوني التثنية والجمع.
وضابطها أن يكون المضاف اسم فاعل أو مبالغة اسم فاعل، أو اسم مفعول، أو صفة مشبهة، بشرط أن تضاف هذه الصفات إلى فاعلها أو مفعولها في المعنى، نحو "هذا الرجل طالب علم. رأيت رجلا نصار المظلوم. أنصر رجلا مهضوم الحق. عاشر رجلا حسن الخلق".
والدليل على بقاء المضاف فيها على تنكيره أنه قد وصفت به النكرة، كما رأيت، وأنه يقع حالا، والحال لا تكون إلا نكرة، كقولك "جاء خالد باسم الثغر، وقول الشاعر
*فأتت به حوش الفؤاد مبطنا * سهدا إذا ما نام ليل الهوجل*

وأنه تباشره "رب"، وهي لا تباشر إلا النكرات، كقول بعض العرب، وقد انقضى رمضان "يا رب صائمه لن يصومه، ويا رب قائمه لن يقومه".
وتسمى هذه الإضافة أيضا "الإضافة المجازية" و "الإضافة غير المحضة".

(72/1)


(أما تسميتها باللفظية فلان فائدتها راجعة إلى اللفظ فقط، وهو التخفيف اللفظي، بحذف التنوين ونوني التثنية والجمع. وأما تسميتها بالمجازية فلانها لغير الغرض الأصلي من الإضافة. وانما هي للتخفيف، كما علمت. وأما تسميتها بغير المحضة فلانها ليست اضافة خالصة بالمعنى المراد من الإضافة بل هي على تقدير الانفصال، ألا ترى أنك تقول فيما تقدم "هذا الرجل طالب علما. رأيت رجلا نصارا للمظلوم. انصر رجلا مهضوما حقه. عاشر رجلا حسنا خلقه").
3- أحكام المضاف
يجب فيما تراد إضافته شيئان
1- تجريده من التنوين ونوني التثنية وجمع المذكر السالم ككتاب الأستاذ، وكتابي الأستاذ، وكاتبي الدرس.
2- تجريده من "أل" إذا كانت الإضافة معنوية، فلا يقال "الكتاب الأستاذ". وأما في الإضافة اللفظية. فيجوز دخول "أل" على المضاف، بشرط أن يكون مثنى، "المكرما سليم"، أو جمع مذكر سالما، نحو "المكرمو علي"، أو مضافا إلى ما فيه" أل"، نحو "الكاتب الدرس"، أو لاسم مضاف إلى ما فيه "أل" نحو "الكاتب درس النحو"، أو لاسم مضاف إلى ضمير ما فيه "أل"، كقول الشاعر
*الود، أنت المستحقة صفوه * مني وإن لم أرج منكش نوالا*
(ولا يقال "المكرم سليم، والمكرمات سليم، والكاتب درس"، لأن المضاف هنا ليس مثنى، ولا جمع مذكر سالما، ولا مضافا الى ما فيه "ألى" أو الى اسم مضاف الى ما فيه "أل". بل يقال "مكرم سليم، ومكرمات سليم، وكاتب درس". بتجريد المضاف من "أل").

وجوز الفراء إضافة الوصف المقترن بأل إلى كل اسم معرفة، بلا قيد ولا شرط. والذوق العربي لا يأبى ذلك.
3- بعض أحكام للإضافة
1- قد يكتسب المضاف التأنيث أو التذكير من المضاف إليه، فيعامل معاملة المؤنث، وبالعكس، بشرط أن يكون المضاف صالحا للاستغناء عنه، وإقامة المضاف إليه مقامه، نحو "قطعت بعض أصابعه"، ونحو "شمس العقل مكسوف بطوع الهوى"، قال الشاعر
*أمر على الديار، ديار ليلى * أقبل ذا الجدار وذا الجدارا*
*وما حب الديار شغفن قلبي * ولكن حب من سكن الديارا*
والأولى مراعاة المضاف، فتقول "قطع بعض أصابعه. وشمس العقل مكسوفة بطوع الهوى. وما حب الديار شغف قلبي". إلا إذا كان المضاف لفظ "كل" فالأصلح التأنيث، كقوله تعالى "يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا"، وقول الشاعر
*جادت عليه كل عين ثرة * فتركن كل حديقة كالدرهم*
أما إذا لم يصح الاستغناء عن المضاف، بحيث لو حذف لفسد المعنى، فمراعاة تأنيث المضاف أو تذكيره واجبة، نحو "جاء غلام فاطمة، وسافرت غلامة خليل"، فلا يقال "جاءت غلام فاطمة"، ولا "سافر غلامة خليل"، إذ لو حذف المضاف في المثالين، لفسد المعنى.
3- لا يضاف الاسم إلى مرادفه، فلا يقال "ليث أسد"، إلا إذا كانا علمين فيجوز، مثل "محمد خالد"، ولا موصوف إلى صفته، فلا يقال "رجل فاضل". وأما قولهم "صلاة الأولى، ومسجد الجامع، وحبة الحمقاء، ودار الآخرة، وجانب الغربي، فهو على تقدير حذف المضاف إليه وإقامة صفته مقامه. والتأويل "صلاة الساعة الأولى، ومسجد المكان الجامع، وحبة البقلة الحمقاء، ودار الحياة الآخرة، وجانب المكان الغربي".

وأما إضافة الصفة إلى الموصوف فجائزة، بشرط ان يصح تقدير "من" بين المضاف والمضاف إليه، نحو "كرام الناس، وجائبة خبر، ومغربة خبر، وأخلاق ثياب، وعظائم الأمور، وكبير أمر". والتقدير "الكرام من الناس، وجائبة من خبر الخ". أما إذا لم يصح "من" فهي ممتنعة، فلا يقال "فاضل رجل، وعظيم أمير".
3- يجوز أن يضاف العام إلى الخاص. كيوم الجمعة، وشهر رمضان. ولا يجوز العكس، لعدم الفائدة، فلا يقال "جمعة اليوم، ورمضان الشهر".
4- قد يضاف الشيء إلى الشيء لأدنى سبب بينهما (ويسمون ذلك بالإضافة لأدنى ملابسة)، وذلك أنك تقول لرجل كنت قد أجتمعت به بالأمس في مكان "انتظرني مكانك أمس"، فأضفت المكان إليه لأقل سبب، وهو اتفاق وجوده فيه، وليس المكان ملكا له ولا خاصا به، ومنه قول الشاعر
*إذا كوكب الخرقاء لاح بسحرة * سهيل، أذاعت غزلها في القرائب*

(72/2)


5- إذا أمنوا الالتباس والإبهام حذفوا المضاف وأقاموا المضاف إليه مقامه، وأعربوه بإعرابه، ومنه قوله تعالى {واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها}، والتقدير واسأل أهل القرية وأصحاب العير. أما إن حصل بحذفه إبهام والتباس فلا يجوز، فلا يقال "رأيت عليا"، وأنت تريد "رأيت غلام علي".
6- قد يكون في الكلام مضافان اثنان، فيحذف المضاف الثاني استغناء عنه بالأول، كقولهم "ما كل سوداء تمرة، ولا بيضاء شحمة"، فكأنك قلت "ولا كل بيضاء شحمة". فبيضاء مضاف إلى مضاف محذوف. ومثله قولهم "ما مثل عبد الله يقول ذلك، ولا أخيه"، وقولهم "ما مثل أبيك، ولا أخيك يقولان ذلك".

7- قد يكون في الكلام اسمان مضاف إليهما فيحذف المضاف إليه الأول استغناء عنه بالثاني، نحو "جاء غلام وأخو علي". والأصل "جاء غلام علي وأخوه". فلما حذف المضاف إليه الأول جعلت المضاف إليه الثاني اسما ظاهرا، فيكون "غلام" مضافا، والمضاف إليه محذوف تقديره "علي"، ومنه قول الشاعر
*يا من رأى عارضا أسر به * بين ذراعي وجبهة الأسد*
والتقدير "بين ذراعي الأسد وجبهته". وليس مثل هذا بالقوي والأفضل ذكر الاسمين المضاف إليهما معا.
5- الأسماء الملازمة للإضافة
من الأسماء ما تمتنع إضافته، كالضمائر وأسماء الإشارة والأسماء الموصولة وأسماء الشرط وأسماء الاستفهام، إلا "أيا"، فهي تضاف.
ومنها ما هو صالح للاضافة والإفراد (أي عدم الإضافة)، كغلام وكتاب وحصان ونحوهما.
ومنها ما هو واجب الإضافة فلا ينفك عنها.
وما يلازم الإضافة على نوعين نوع يلازم الإضافة إلى المفرد. ونوع يلازم الإضافة إلى الجملة.
6- الملازم الإضافة إلى المفرد
إن ما يلازم الإضافة إلى المفرد نوعان نوع لا يجوز قطعه عن الإضافة، ونوع لا يجوز قطعه عنها لفظا لا معنى، أي يكون المضاف إليه منويا في الذهن.
فما يلازم الاضافة إلى المفرد، غير مقطوع عنها، هو "عند ولدى ولدن وبين ووسط (وهي ظروف) وشبه وقاب وكلا وكلتا وسوى وذو وذات وذوا وذواتا وذوو وذوات وأولو وأولات وقصارى وسبحان ومعاذ وسائر ووحد ولبيك وسعديك وحنانيك ودواليك" (وهي غير ظروف).

وأما ما يلازم الإضافة إلى المفرد، تارة لفظا وتارة معنى، فهو "أول ودون وفوق وتحت ويمين وشمال وأمام وقدام وخلف ووراء وتلقاء وتجاه وإزاء وحذاء وقبل وبعد ومع (وهي ظروف) وكل وبعض وغير وجميع وحسب وأي" (وهي غير ظروف).
أحكام ما يلازم الاضافة إلى المفرد
1- ما يلازم الاضافة إلى المفرد لفظا، منه ما يضاف إلى الظاهر والضمير، وهو "كلا وكلتا ولدى ولدن وعند وسوى وبين وقصارى ووسط ومثل وذوو ومع وسبحان وسائر وشبه".
ومنه ما لا يضاف إلا إلى الظاهر، وهو "أولو وأولات وذو وذات وذوا وذواتا وقاب ومعاذ".
ومنه ما لا يضاف إلا إلى الضمير، وهو "وحد"، ويضاف إلى كل مضمر فتقول "وحده ووحدك ووحدها ووحدهما ووحدكم" الخ، و "لبيك وسعديك وحنانيك ودواليك" ولا تضاف إلا إلى ضمير الخطاب، فتقول "لبيك ولبيكما وسعديكم" الخ.
(وهي مصادر مثناة لفظا، ومعناها التكرار، فمعنى "لبيك" اجابة لك بعد اجابة. ومعنى "سعديك" اسعادا لك بعد اسعاد. وهي لا تستعمل الا بعد "لبيك". ومعنى "حنانيك" تحننا عليك بعد تحنن. ومعنى "دواليك" تداولا بعد تداول. وهذه المصادر منصوبة على أنها مفعول مطلق لفعل محذوف، اذ التقدير "ألبيك تلبية بعد تلبية. وأسعدك إسعادا بعد اسعاد" الخ. وعلامة نصبها الياء لأنها تثنية).
2- كلا وكلتا إن أضيفتا إلى الضمير أعربتا إعراب المثنى، بالألف رفعا، وبالياء نصبا وجرا، نحو "جاء الرجلان كلاهما. رأيت الرجلين كليهما. مررت بالرجلين كليهما". وإن أضيفتا إلى اسم غير ضمير أعربتا إعراب الاسم المقصور، بحركات مقدرة على الألف للتعذر، رفعا ونصبا وجرا. نحو "جاء كلا الرجلين. رأيت كلا الرجلين. مررت بكلا الرجلين".

وحكمهما أنهما يصح الإخبار عنهما بصفة تحمل ضمير المفرد، باعتبار اللفظ، وضمير المثنى، باعتبار المعنى، فتقول "كلا الرجلين عالم" و "كلا الرجلين عالمان". ومراعاة اللفظ أكثر.
وهما لا تضافان إلا إلى المعرفة، وإلى كلمة واحدة تدل على اثنين، فلا يقال "كلا رجلين"، لأن "رجلين" نكرة، ولا "كلا علي وخالد"، لأنها مضافة إلى المفرد.
3- أي. على خمسة أنواع موصولية ووصفية وحالية واستفهامية وشرطية.

(72/3)


فإن كانت اسما موصولا فلا تضاف إلا إلى معرفة، كقوله تعالى {ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا}.
وإن كانت منعوتا بها، او واقعة حالا، فلا تضاف إلا إلى النكرة، نحو "رأيت تلميذا أي تلميذ"، ونحو "سرني سليم أي مجتهد".
وإن كانت استفهامية، أو شرطية، فهي تضاف إلى النكرة والمعرفة، فتقول في الاستفهامية "أي رجل جاء؟ وأيكم جاء؟"، وتقول في الشرطية "اي تلميذ يجتهد أكرمه. وأيكم يجتهد أعطه".
وقد تقطع "أي"، الموصولية والاستفهامية والشرطية، عن الاضافة لفظا، ويكون المضاف إليه منويا، فالشرطية كقوله تعالى {أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى}. والتقدير "أي اسم تدعو"، والاستفهامية نحو "أي جاء؟ وأيا أكرمت؟"، والموصولية نحو "أي هو مجتهد يفوز. وأكرم ايا هو مجتهد".
أما "أي" الوصفية والحالية فملازمة للاضافة لفظا ومعنى.
4- مع وقبل وبعد وأول ودون والجهات الست وغيرها من الظروف، قد سبق الكلام عليها مفصلا في مبحث الأسماء المبنية، وفي مبحث أحكام الظروف المبنية، في باب المفعول فيه. فراجع ذلك.
5- غير اسم دال على مخالفة ما بعده لحقيقة ما قبله. وهو ملازم للاضافة.

وإذا وقع بعد "ليس" أو "لا" جاز بقاؤه مضافا، نحو "قبضت عشرة ليس غيرها، أو لا غيرها" وجاز قطعهه عن الاضافة لفظا وبناؤه على الضم، على شرط أن يعلم المضاف إليه، فتقول "ليس غير أو لا غير".
6- حسب بمعنى "كاف". ويكون مضافا، فيعرب بالرفع والنصب والجر. وهو لا يكون إلا مبتدأ، مثل "حسبك الله"، أو خبرا نحو "الله حسبي"، أو حالا نحو "هذا عبد الله حسبك من رجل"، أو نعتا نحو "مررت برجل حسبك من رجل. رأيت رجلا حسبك من رجل. هذا رجل حسبك من رجل".
ويكون مقطوعا عن الاضافة، فيكون بمنزلة "لا غير" فيبنى على الضم، ويكون إعرابه محليا، نحو "رأيت رجلا حسب. رأيت عليا حسب. هذا حسب". فحسب، في المثال الأول، منصوب محلا، لأنه نعت لرجلا، وفي المثال الثاني منصوب محلا، لأنه حال من "علي" وفي المثالث الثالث مرفوع محلا لأنه خبر المبتدأ.
وقد تدخله الفاء الزائدة تزيينا للفظ، نحو "أخذت عشرة فحسب".
7- كل وبعض يكونان مضافين، نحو "جاء كل القوم أو بعضهم" ومقطوعين عن الاضافة لفظا، فيكون المضاف إليه منويا، كقوله تعالى {وكلا وعد الله الحسنى}، أي كلا من المجاهدين والقاعدين، أي كل فريق منهم، وقوله {وفضلنا بعض النبيين على بعض}، أي على بعضهم.
8- جميع يكون مضافا، نحو "جاء القوم جميعهم". ويكون مقطوعا عن الاضافة منصوبا على الحال، نحو "جاء القوم جميعا"، أي مجتمعين.
7- الملازم الإضافة إلى الجملة
ما يلازم الاضافة إلى الجملة هو "إذ وحيث وإذا ولما ومذ ومنذ".

فإذ وحيث تضافان إلى الجمل الفعلية والاسمية، على تأويلها بالمصدر. فالأول كقوله تعالى {واذكروا إذ كنتم قليلا}، وقوله {فأتوهن من حيث أمركم الله}، والثاني كقوله عز وجل {واذكروا إذ أنتم قليل}، وقولك "اجلس حيث العلم موجود".
و "إذا ولما". تضافان إلى الجمل الفعلية خاصة، غير أن "لما" يجب أن تكون الجملة المضافة إليها ماضية، نحو "إذا جاء علي أكرمته" و "لما جاء خالد أعطيته".
و مذ ومنذ" إن كانتا ظرفين؛ أضيفتا إلى الجمل الفعلية والاسمية، نحو "ما رأيتك مذ سافر سعيد. وما اجتمعنا منذ سعيد مسافر". وإن كانتا حرفي جر، فما بعدهما اسم مجرور بهما. كما سبق الكلام عليهما في مبحث حروف الجر.
واعلم أن "حيث" لا تكون إلا ظرفا. ومن الخطأ استعمالهما للتعليل، بمعنى "لأن"، فلا يقال "أكرمته حيث إنه مجتهد"، بل يقال "لأنه مجتهد".
وما كان بمنزلة "إذ" أو إذا"، في كونه اسم زمان مبهما لما مضى أو لما يأتي، فإنه يضاف إلى الجمل، نحو "جئتك زمن علي وال"، أو "زمن كان علي واليا"، ومنه قوله تعالى {يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم}، وقوله {هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم}.

(72/4)


( التوابع وإعرابها ) ضمن العنوان ( النعت )
النعت (ويسمى الصفة أيضا) هو ما يذكر بعد اسم ليبين بعض أحواله أو أحوال ما يتعلق به. فالأول نحو "جاء التلميذ المجتهد"، والثاني نحو "جاء الرجل المجتهد غلامه".
(فالصفة في المثال الأول بينت حال الموصوف نفسه. وفي المثال الثاني لم تبين حال الموصوف، وهو الرجل، وإنما بينت ما يتعلق به، وهو الغلام).
وفائدة النعت التفرقة بين المشتركين في الاسم.

ثم إن كان الموصوف معرفة ففائدة النعت التوضيح. وإن كان نكرة ففائدته التخصيص.
(فان قلت "جاء علي المجتهد" فقد أوضحت من هو الجائي من بين المشتركين في هذا الاسم. وإن قلت "صاحب رجلا عاقلا"، فقد خصصت هذا الرجل من بين المشاركين له في صفة الرجولية).
وفي هذا المبحث خمسة مباحث
1- شرط النعت
الأصل في النعت أن يكون اسما مشتقا، كاسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة واسم التفضيل. نحو "جاء التلميذ المجتهد. أكرم خالدا المحبوب. هذا رجل حسن خلقه. سعيد تلميذ أعقل من غيره".
وقد يكون جملة فعلية، أو جملة اسمية على ما سيأتي.
وقد يكون اسما جامدا مؤولا بمشتق. وذلك في تسع صور
1- المصدر، نحو "هو رجل ثقة"، أي موثوق به، و "أنت رجل عدل"، أي عادل.
2- اسم الاشارة، نحو "أكرم عليا هذا"، أي المشار إليه.
3- "ذو"، التي بمعنى صاحب، و "ذات"، التي بمعنى صاحبة، نحو "جاء رجل ذو علم، وامرأة ذات فضل، أي صاحب علم، وصاحبة فضل.
4- الاسم الموصول المقترن بأل، نحو "جاء الرجل الذي اجتهد"، أي المجتهد.
5- ما دل على عدد المنعوت، نحو "جاء رجال أربعة"، أي معدودون بهذا العدد.
6- الاسم الذي لحقته ياء النسبة، نحو "رأيت رجلا دمشقيا، منسوبا إلى دمشق.
7- ما دل على تشبيه، نحو "رأيت رجلا أسدا، أي شجاعا، و "فلان رجل ثعلب"، أي محتال. والثعلب يوصف بالاحتيال.
8- "ما" النكرة التي يراد بها الابهام، نحو "أكرم رجلا ما" أي رجلا مطلقا غير مقيد بصفة ما. وقد يراد بها مع الابهام التهويل، ومنه المثل "لأمر ماجدع قصير أنفه"، أي لأمر عظيم.

9- كلمتا "كل وأي"، الدالتين على استكمال الموصوف للصفة، نحو "أنت رجل كل الرجل"، أي الكامل في الرجولية، و "جاءني رجل أي رجل"، أي كامل في الرجولية. ويقال أيضا "جاءني رجل أيما رجل"، بزيادة "ما".
2- النعت الحقيقي والنعت السببي
ينقسم النعت إلى حقيقي وسببي.
فالحقيقي ما يبين صفة من صفات متبوعه، نحو "جاء خالد الأديب".
والسببي ما يبين صفة من صفات ما له تعلق بمتبوعه وارتباط به نحو "جاء الرجل الحسن خطه".
(فالأديب بين صفة مبتوعه، وهو خالد. أما الحسن فلم يبين صفة الرجل، إذ ليس القصد وصفة بالحسن، وإنما بين صفة الخط الذي له ارتباط بالرجل، لأنه صاحبه المنسوب إليه).
والنعت يجب أن يتبع منعوته في الاعراب والافراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث والتعريف والتنكير. إلا إذا كان النعت سببيا غير متحمل لضمير المنعوت، فيتبعه حينئذ وجوبا في الاعراب والتعريف والتنكير فقط. ويراعى في تأنيثه وتذكيره ما بعده. ويكون مفردا دائما.
فتقول في النعت الحقيقي "جاء الرجل العاقل. رأيت الرجل العاقل.مررت بالرجل العاقل. جاءت فاطمة العاقلة. رأيت فاطمة العاقلة. مررت بفاطمة العاقلة. جاء الرجلان العاقلان. رأيت الرجلين العاقلين. جاء الرجال العقلاء. رأيت الرجال العقلاء. مررت بالرجال العقلاء. جاءت الفاطمات العاقلات. رأيت الفاطمات العاقلات. مررت بالفاطمات العاقلات".

وتقول في النعت السببي، الذي لم يتحمل ضمير المنعوت "جاء الرجل الكريم أبوه، والرجلان الكريم أبوهما، والرجال الكريم أبوهم، والرجل الكريمة أمه. والرجلان الكريمة أمهما، والرجال الكريمة. أمهم، والمرأة الكريم أبوها، والمرأتان الكريم أبوهما، والنساء الكريم أبوهن، والمرأة الكريمة أمها، والمرأتان الكريمة أمهما، والنساء الكريمة أمهن".
أما النعت السببي، الذي يتحمل ضمير المنعوت، فيطابق منعوته إفرادا وتثنية وجمعا وتذكيرا وتأنيثا، كما يطابقه إعرابا وتعريفا وتنكيرا، فتقول "جاء الرجلان الكريما الأب، والمرأتان الكريمتا الأب، والرجال الكرام الأب، والنساء الكريمات الأب".
واعلم أنه يستثنى من ذلك أربعة أشياء

(73/1)


1- الصفات التي على وزن "فعول" - بمعنى "فاعل" نحو "صبور وغيور وفخور وشكور"، أو على وزن "فعيل" - بمعنى "مفعول" - نحو "جريح وقتيل وخضيب"، أو على وزن "مفعال"، نحو "مهذار ومكسال ومبسام"، أو على وزن "مفعيل" نحو "معطير ومسكين"، أو على وزن "مفعل"، نحو "مغشم ومدعس ومهذر". فهذه الأوزان الخمسة يستوي في الوصف بها المذكر والمؤنث، فتقول "رجل غيور، وامرأة غيور، ورجل جريح، وارمأة جريح" الخ.
2- المصدر الموصوف به، فغنه يبقى بصورة واحدة للمفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث، فتقول "رجل عدل، وامرأة عدل. ورجلان عدل. وامرأتان عدل. ورجال عدل. ونساء عدل".
3- ما كان نعتا لجمع ما لا يعقل، فإنه يجوز فيه وجهان أن يعامل معاملة الجمع، وأن يعامل معاملة المفرد المؤنث، فتقول "عندي خيول سابقات، وخيول سابقة". وقد يوصف الجمع العاقل، إن لم يكن جمع مذكر سالما، بصفة المفردة المؤنثة كالأمم الغابرة.

4- ما كان نعتا لاسم الجمع، فيجوز فيه الإفراد، باعتبار لفظ المنعوت والجمع، باعتبار معناه، فتقول "إن بني فلان قوم صالح وقوم صالحون".
3- النعت المفرد والجملة وشبه الجملة
ينقسم النعت أيضا إلى ثلاثة أقسام مفرد وجملة وشبه جملة.
فالمفرد ما كان غير جملة ولا شبهها، وإن كان مثنى أو جمعا، نحو "جاء الرجل العاقل، والرجلان العاقلان، والرجال العقلاء".
والنعت الجملة أن تقع الجملة الفعلية أو الاسمية منعوتا بها، نحو "جاء رجل يحمل كتابا" و "جاء رجل أبوه كريم".
ولا تقع الجملة نعتا للمعرفة، وإنما تقع نعتا للنكرة كما رأيت. فإن وقعت بعد المعرفة كانت في موضع الحال منها، نحو "جاء علي يحمل كتابا". إلا إذا وقعت بعد المعرف بأل الجنسية، فيصح أن تجعل نعتا له، باعتبار المعنى، لأنه في المعنى نكرة، وأن تجعل حالا منه، باعتبار اللفظ، لأنه معرف لفظا بأل، نحو "لا تخالط الرجل يعمل عمل السفهاء"، ومنه قول الشاعر
*ولقد أمر على اللئيم يسبني * فمضيت ثمت قلت لا يعنيني*
وقول الآخر
*وإني لتعروني لذكراك هزة * كما انتفض العصفور بلله القطر*
(فليس القصد رجلا مخصوصا، ولا لئيما مخصوصا، ولا عصفورا، مخصوصا، لأنك ان قلت "لا تخالط رجلا يعمل عمل السفهاء. لقد أمر على لئيم يسبني. كما انتفض عصفور بلله القطر" صح).
ومثل المعرف بأل الجنسية ما أضيف إلى المعرف بها، كقول الشاعر
*وتضيء في وجه الظلام منيرة * كجمانة البحري سل نظامها*
أي كجمانة بحري سل نظامها.

وشرط الجملة النعتية (كالجملة الحالية والجملة الواقعة خبرا) أن تكون جملة خبرية (أي غير طلبية)، وان تشتمل على ضمير يربطها بالمنعوت، سواء أكان الضمير مذكورا نحو "جاءني رجل يحمله غلامه"، أم مستترا، نحو "جاء رجل يحمل عصا، أو مقدرا، كقوله تعالى {واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا}، والتقدير "لا تجزى فيه".
(ولا يقال "جاء رجل أكرمه" على أن جملة "أكرمه" نعت لرجل. ولا يقال "جاء رجل هل رأيت مثله، أو ليته كريم" لأن الجملة هنا طلبية. وما ورد من ذلك فهو على حذف النعت؛ كقوله "جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط". والتقدير "جاءوا بمذق مقول فيه هل رأيت الذئب". والمذق بفتح الميم وسكون الذال اللبن المخلوط بالماء فيشابه لونه لون الذئب).
والنعت الشبيه بالجملة أن يقع الظرف أو الجار والمجرور في موضع النعت، كما يقعان في موضع الخبر والحال، على ما تقدم، نحو "في الدار رجل أمام الكرسي"، "ورأيت رجلا على حصانه". والنعت في الحقيقة إنما هو متعلق الظرف أو حرف الجر المحذوف.
(والأصل في الدار رجل كائن، أو موجود، أمام الكرسي. رأيت رجلا كائنا، أو موجودا، على حصانه).
واعلم أنه إذا نعت بمفرد وظرف ومجرور وجملة، فالغالب تأخير الجملة، كقوله تعالى "وقال رجل من آل فرعون يكتم إيمانه" وقد تقدم الجملة، كقوله سبحانه "فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين".
4- النعت المقطوع

قد يقطع النعت، عن كونه تابعا لما قبله في الإعراب، إلى كونه خبرا لمبتدأ محذوف، أو مفعولا به لفعل محذوف. والغالب أن يفعل ذلك بالنعت الذي يؤتى به لمجرد المدح، أو الذم، أو الترحم، نحو "الحمد لله العظيم، أو العظيم". ومنه قوله تعالى {وامرأته حمالة الحطب}. وتقول "أحسنت إلى فلان المسكين، أو المسكين".

(73/2)


وقد يقطع غيره مما لم يؤت به لذلك، نحو "مررت بخالد النجار أو النجار".
وتقدير الفعل، إن نصبت، وأمدح، فيما أريد به المدح، "وأذم"، فيما أريد به الذم، و "أرحم"، فيما أريد به الترحم، و "أعني" فيما لم يرد به مدح ولا ذم ولا ترحم.
وحذف المبتدأ والفعل، في المقطوع المراد به المدح أو الذم أو الترحم، واجب، فلا يجوز إظهارهما.
ولا يقطع النعت عن المنعوت إلا بشرط أن لا يكون متمما لمعناه، بحيث يستقل الموصوف عن الصفة. فإن كانت الصفة متممة معنى الموصوف، بحيث لا يتضح إلا بها، لم يجز قطعه عنها، نحو "مررت بسليم التاجر"، إذا كان سليم لا يعرف إلا بذكر صفته.
وإذا تكررت الصفات، فإن كان الموصوف لا يتعين إلا بها كلها، وجب إتباعها كلها له، نحو "مررت بخالد الكاتبش الشاعر الخطيب"، إذا كان هذا الموصوف (وهو خالد) يشاركه في اسمه ثلاثة أحدهم كاتب شاعر، وثانيهم كاتب خطيب. وثالثهم شاعر خطيب. وإن تعين ببعضها دون بعض وجب إتباع ما يتعين به، وجاز فيما عداه الإتباع والقطع.
وإن تكرر النعت، الذي لمجرد المدح أو الذم أو الترحم، فالأولى إما قطع الصفا كلها، وإما إتباعها كلها. وكذا إن تكرر ولم يكن للمدح أو الم. غير أن الاتباع في هذا أولى على كل حال، سواء أتكررت الصفة أم لم تكرر.
5- تتمة

1- الاسم العلم لا يكون صفة، وإنما يكون موصوفا. ويوصف بأربعة أشياء بالمعرف بأل، نحو "جاء خليل المجتهد" وبالمضاف إلى معرفة، نحو "جاء علي صديق خالد"، وباسم الاشارة، نحو "أكرم عليا هذا"، وبالاسم الموصول المصدر بأل، نحو "جاء علي الذي اجتهد".
2- المعرف بأل يوصف بما فيه "أل"، وبالمضاف إلى ما فيه "أل"، نحو "جاء الغلام المجتهد" و "جاء الرجل صديق القوم".
3- المضاف إلى العلم يوصف بما يوصف به العلم، نحو "جاء تلميذ علي المجتهد. جاء تلميذ علي صديق خالد. جاء تلميذ علي هذا. جاء تلميذ علي الذي اجتهد".
4- اسم الاشارة و "أي" يوصفان بما فيه "أل" مثل "جاء هذا الرجل"، ونحو "يا أيها الانسان". وتوصف "أي" أيضا باسم الاشارة، نحو "يا أيها الرجل".
5- قال الجمهور من حق الموصوف أن يكون أخص من الصفة وأعرف منها أو مساويا لها. لذلك امتنع وصف المعرف بأل باسم الاشارة وبالمضاف إلى ما كان معرفا بغير "أل". فإن جاء بعده معرفة غير هذين فليست نعتا له، بل هي بدل منه أو عطف بيان، نحو "جاء الرجل هذا، أو الذين كان عندنا، أو صديق علي، أو صديقنا".
والصحيح أنه يجوز أن ينعت الأعم بالأخص، كما يجوز العكس، فتوصف كل معرفة بكل معرفة، كما توصف كل نكرة بكل نكرة.
6- حق الصفة أن تصحب الموصوف. وقد يحذف الموصوف إذا ظهر أمره ظهورا يستغنى معه عن ذكره. فحينئذ تقوم الصفة مقامه كقوله تعالى {أن اعمل سابغات}، أي "دروعا سابغات"، ونحو "نحن فريقان منا ظعن ومنا أقام"، والتقدير "منا فريق ظعن، ومنا فريق أقام". ومنه قوله تعالى أيضا {وعندهم قاصرات الطرف عين}، والتقدير "نساء قاصرات الطرف"، وقول الشاعر

*أنا ابن جلا وطلاع الثنايا * متى أضع العمامة تعرفوني*
والتقدير "أنا ابن رجل جلا"، أي جلا الأمور بأعماله وكشفها.
وقد تحذف الصفة، إن كانت معلومة، كقوله تعالى {يأخذ كل سفينة غصبا}، والتقدير {يأخذ كل سفينة صالحة}.
7- إذا تكررت الصفات، وكانت واحدة، يستغنى بالتثنية أو الجمع عن التفريق، نحو "جاء علي وخالد الشاعران، أو علي وخالد وسعيد الشعراء، أو الرجلان الفاضلان. أو الرجال الفضلاء". وان اختلفت وجب التفريق فيها بالعطف بالواو، نحو "جاءني رجلان كاتب وشاعر، أو رجال كاتب وشاعر وفقيه".
8- الأصل في الصفة أن تكون لبيان الموصوف. وقد تكون لمجرد الثناء والتعظيم، كالصفات الجارية على الله سبحانه، أو لمجرد الذم والتحقير نحو "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" أو للتأكيد نحو "أمس الدابر لا يعود"، ومنه قوله تعالى {فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة}.

(73/3)


( التوابع وإعرابها ) ضمن العنوان ( التوكيد )
التوكيد (أو التأكيد) تكرير يراد به تثبيت أمر المكرر في نفس السامع، نحو "جاء علي نفسه"، ونحو "جاء علي علي".
وفي التوكيد ثلاثة مباحث
1- التوكيد اللفظي
التوكيد قسمان لفظي ومعنوي.

فاللفظي يكون بإعادة المؤكد بلفظه أو بمرادفه، سواء أكان اسما ظاهرا، أم ضميرا، أم فعلا، أم حرفا، أم جملة. فالظاهر نحو "جاء علي علي". والضمير نحو "جئت أنت. وقمنا نحن". ومنه قوله تعالى {يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة} والفعل نحو "جاء جاء علي". والحرف نحو "لا، لا أبوح بالسر. والجملة نحو "جاء علي، جاء علي، وعلي مجتهد، عليلإ مجتهد". والمرادف نحو "أتى جاء علي".
وفائدة التوكيد اللفظي تقرير المؤكد في نفس السامع وتمكينه في قلبه، وإزالة ما في نفسه من الشبهة فيه.
(فانك ان قلت "جاء علي"، فان اعتقد المخاطب أن الجائي هو لا غيره ادميت بذلك وأن أنكر، أو ظهرت عليه دلائل الانكار، كررت لفظ "علي" دفعا لإنكاره، أو ازالة للشبهة التي عرضت له. وان قلت "جاء علي، جاء علي"، فانما تقول ذلك اذا أنكر السامع مجيئه، أو لاحت عليه شبهة فيه، فتثبت ذلك في قلبه وتميط عنه الشبهة).
2- التوكيد المعنوي
التوكيد المعنوي يكون بذكر "النفس أو العين أو جميع أو عامة أو كلا أو كلتا، على شرط أن تضاف هذه المؤكدات إلى ضمير يناسب المؤكد، نحو "جاء الرجل عينه، والرجلان أنفسهما. رأيت القوم كلهم. أحسنت إلى فقراء القرية عامتهم. جاء الرجلان كلاهما، والمرأتان كلتاهما".
وفائدة التوكيد بالنفس والعين رفع احتمال أن يكون في الكلام مجاز أو سهو أو نسيان.
(فان قلت "جاء الأمير" فربما يتوهم السامع أن اسناد المجيء إليه، هو على سبيل التجوز أو النسيان أو السهو، فتؤكده بذكر النفس أو العين، رفعا لهذا الاحتمال، فيعتقد السامع حينئذ أن الجائي هو لا جيشه ولا خدمه ولا حاشيته ولا شيء من الأشياء المتعلقة به).
وفائدة التوكيد بكل وجميع وعامة الدلالة على الاحاطة والشمول.

(فاذا قلت "جاء القوم"، فربما يتوهم السامع أن بعضهم قد جاء، والبعض الآخر قد تخلف عن المجيء. فتقول "جاء القوم كلهم"، دفعا لهذا التوهم. لذلك لا يقال "جاء علي كله"، لأنه لا يتجزأ. فاذا قلت "اشتريت الفر كله" صح، لأنه يتجزأ من حيث المبيع).
وفائدة التوكيد بكلا وكلتا اثبات الحكم للاثنين المؤكدين معا.
(فاذا قلت "جاء الرجلان"، وأنكر السامع أن الحكم ثابت للاثنين معا، أو توهم ذلك، فتقول "جاء الرجلان كلاهما"، دفعا لإنكاره، أو دفعا لتوهمه أن الجائي أحدهما لا كلاهما. لذلك يمتنع أن يقال "اختصم الرجلان كلاهما، وتعاهد سليم وخالد كلاهما"، بل يجب أن تحذف كلمة "كلاهما"، لأن فعل المخاصمة والمعاهدة لا يقع إلا من اثنين فأكثر، فلا حاجة الى توكيد ذلك، لأن السامع لا يعتقد ولا يتوهم أنه حاصل من أحدهما دون الآخر).
3- تتمة
1- إذا أريد تقوية التوكيد يؤتى بعد كلمة "كله" بكلمة "أجمع"، وبعد كلمة "كلها" بكلمة "جمعاء"، وبعد كلمة "كلهم" بكلمة "أجمعين"، وبعد كلمة "كلهن" بكلمة "جمع"، تقول "جاء الصف كله أجمع" و "جاءت القبيلة كلها جمعاء"، قال تعالى {فسجد الملائكة كلهم أجمعون} وتقول "جاء النساء كلهن جمع".
وقد يؤكد بأجمع وجمعاء وأجمعين وجمع، وإن لم يتقدمهن لفظ "كل" ومنه قوله تعالى {لأغوينهم أجمعين}.
2- لا يجوز تثنية "أجمع وجمعاء"، استغناء عن ذلك بلفظي "كلا وكلتا" فيقال "جاءا جمعان" ولا "جاءتا جمعاوان" كما استغنوا بتثنية "سي" عن تثنية "سواء"، فقالوا "زيد وعمرو سيان في الفضيلة"، ولم يقولوا "سواءان".

3- لا يجوز توكيد النكرة، إلا إذا كان توكيدها مفيدا، بحيث تكون النكرة المؤكدة محدودة، والتوكيد من ألفاظ الإحاطة والشمول نحو "اعتكفت أسبوعا كله". ولا يقال "صمت دهرا كله"، ولا "سرت شهرا نفسه"، لأن الأول مبهم، والثاني مؤكد بما لا يفيد الشمول.
4- إذا أريد توكيد الضمير المرفوع، المتصل أو المستتر، بالنفس أو العين؛ وجب توكيده أولا بالضمير المنفصل، نحو "جئت أنا نفسي. ذهبوا هم أنفسهم. علي سافر نفسه". أما إن كان الضمير منصوبا أو مجرورا، فلا يجب فيه ذلك، نحو "أكرمتهم أنفسهم، ومررت بهم أنفسهم". "وكذا إن كان التوكيد غير النفس والعين"، نحو "قاموا كلهم. وسافرنا كلنا".

(74/1)


5- الضمير المرفوع المنفصل يؤكد به كل ضمير متصل، مرفوعا كان، نحو "قمت أنت"، أو منصوبا، نحو "أكرمتك أنت"، أو مجرورا، نحو "مررت بك أنت". ويكون في محل رفع، إن أكد به الضمير المرفوع، وفي محل نصب، إن أكد به الضمير المنصوب، وفي محل جر، إن أكد به الضمير المجرور.
6- يؤكد المظهر بمثله، لا بالضمير، فيقال "جاء علي نفسه". ولا يقال "جاء علي هو". والمضمر يؤكد بمثله وبالمظهر أيضا. فالأول نحو "جئت أنت نفسك"، والثاني نحو "أحسنت إليهم أنفسهم".
7- إن كان المؤكد بالنفس أو العين مجموعا جمعتهما، فتقول "جاء التلاميذ أنفسهم، أو أعينهم". وإن كان مثنى فالأحسن أن تجمعهما، نحو "جاء الرجلان أنفسهما، أو أعينهما". وقد يجوز أن يثنيا تبعا للفظ المؤكد، فتقول "جاء الرجلان نفساهما أو عيناهما" وهذا أسلوب ضعيف في العربية.

8- يجوز أن تجر "النفس" أو "العين" بالباء الزائدة، نحو "جاء علي بنفسه". والأصل "جاء علي نفسه"، فتكون "النفس" مجرورة لفظا بالباء الزائدة، مرفوعة محلا، لأنها توكيد للمرفوع، وهو "علي".

(74/2)


( التوابع وإعرابها ) ضمن العنوان ( البدل )
البدل هو التابع المقصود بالحكم بلا واسطة بينه وبين متبوعه نحو "واضع النحو الإمام علي".
(فعلي تابع للامام في إعرابه. وهو المقصود بحكم نسبة وضع النحو اليه. والإمام انما ذكر توطئة وتمهيدا له، ليستفاد بمجموعهما فضل توكيد وبيان، لا يكون في ذرك أحدهما دون الآخر. فالإمام غير مقصود بالذات، لأنك لو حذفته لاستقل "علي" بالذكر منفردا، فلو قلت "واضع النحو علي"، كان كلاما مستقلا. ولا واسطة بين التابع والمتبوع.
أما ان كان التابع مقصودا بالحكم، بواسطة حرف من أحرف العطف، فلا يكون بدلا بل هو معطوف، نحو "جاء علي وخالد" وقد خرج عن هذا التعريف النعت والتوكيد أيضا، لأنهما غير مقصودين بالذات وانما المقصود هو المنعوت والمؤكد).
وفي البدل مبحثهان
1- أقسام البدل
البدل أربعة أقسام البدل المطابق (ويسمى أيضا بدل الكل من الكل)، وبدل البعض من الكل، وبدل الاشتمال، والبدل المباين.
فالبدل المطابق (أو بدل الكل من الكل) هو بدل الشيء مما كان طبق معناه، كقوله تعالى {إهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم}. فالصراط المستقيم وصراط المنعم عليهم متطابقان معنى، لأنهما، كليهما، بدلان على معنى واحد.

وبدل البعض من الكل هو بدل الجزء من كله، قليلا كان ذلك الزء، أو مساويا للنصف، أو أكثر منه، نحو " جاءت القبيلة ربعها. أو نصفها، أو ثلثاها"، ونحو "الكلمة ثلاثة أقسام اسم وفعل وحرف"، ونحو "جاء التلاميذ عشرون منهم".
وبدل الاشتمال هو بدل الشيء مما يشتمل عليه، على شرط أن لا يكون جزءا منه، نحو "نفعني المعلم علمه. أحببت خالدا شجاعته. أعجبت بعلي خلقه الكريم". فالمعلم يشتمل على العلم، وخالد يشتمل على الشجاعة، وعلي يشتمل على الخلق. وكل من العلم والشجاعة والخلق، ليس جزءا ممن يشتمل عليه.
ولا بد لبدل البعض وبدل الاشتمال من ضمير يربطهما بالبدل، مذكورا، كان، كقوله تعالى {ثم عموا وصموا، كثير منهم}، وقوله {يسألونك عن الشهر الحرام. قتال فيه}، أو مقدرا، كقوله سبحانه {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا}، وقوله {قتل أصحاب الأخدود، النار ذات الوقود}.
والبدل المباين هو بدل الشيء مما يباينه، بحيث لا يكون مطابقا له، ولا بعضا منه، ولا يكون المبدل منه مشتملا عليه. وهو ثلاثة أنواع بدل الغلط، وبدل النسيان، وبدل الاضراب.
فبدل الغلط ما ذكر ليكون بدلا من اللفظ الذي سبق إليه اللسان، فذكر غلطا، نحو "جاء المعلم، التلميذ"، أردت أن تذكر التلميذ، فسبق لسانك، فذكرت المعلم غلطا، فتذكرت غلطك، فأبدلت منه التلميذ.
وبدل النسيان ما ذكر ليكون بدلا من لفظ تبين لك بعد ذكره فساد قصده، نحو "سافر علي إلى دمشق، بعلبك"، توهمت أنه سافر إلى دمشق، فأدركك فساد رأيك، فأبدلت بعلبك من دمشق.
فبدل الغلط يتعلق باللسان، وبدل النسيان يتعلق بالجنان.

وبدل الاضراب ما كان في جملة، قصد كل من البلد والمبدل منه فيها صحيح، غير أن المتكلم عدل عن قصد المبدل منه إلى قصد البدل، نحو "خذ القلم، الورقة"، أمرته بأخذ القلم، ثم أضربت عن الأمر بأخذه إلى أمره بأخذ الورقة، وجعلت الأول في حكم المتروك.
والبدل المباين بأقسامه لا يقع في كلام البلغاء. والبليغ إن وقع في شيء منها، أتى بين البدل والمبدل منه بكلمة "بل"، دلالة على غلطه أو نسيانه أو إضرابه.
2- أحكام تتعلق بالبدل
1- ليس بمشروط أن يتطابق البدل والمبدل منه تعريفا وتنكيرا. بل لك أن تبدل أي النوعين شئت من الآخر، قال تعالى {إلى صراط مستقيم، صراط الله}، فأبدل "صراط الله"، وهو معرفة، من "صراط مستقيم"، وهو نكرة، وقال "لنفسعا بالناصية، ناصية كاذبة خاطئة"، فأبدل "ناصية"، وهي نكرة، من "الناصية"، وهي معرفة. غير أنه لا يحسن إبدال النكرة من المعرفة إلا إذا كانت موصوفة كما رأيت في الآية الثانية.
2- يبدل الظاهر من الظاهر، كما تقدم. ولا يبدل المضمر من المضمر. وأما مثل "قمت أنت. ومررت بك أنت"، فهو توكيد كما تقدم.
ولا يبدل المضمر من الظاهر على الصحيح. قال ابن هشام وأما قولهم "رأيت زيدا أياه"، فمن وضع النحويين، وليس بمسموع.

(75/1)


ويجوز إبدال الظاهر من ضمير الغائب كقوله تعالى {وأسروا النجوى، الذين ظلموا} فأبدل "الذين" من "الواو"، التي هي ضمير الفاعل. ومن ضمير المخاطب والمتكلم، على شرط أن يكون بدل بعض من كل، أو بدل اشتمال، فالأول كقوله تعالى {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، لمن كان يرجو الله واليوم الآخر} فأبدل الجار والمجرور، وهما "لمن" من الجار والمجرور المضمر وهما "لكم" وهو بدل بعض من كل، لأن الأسوة الحسنة في رسول الله ليست لكل المخاطبين، بل هي لمن كان يرجو الله واليوم الآخر منهم. والثاني كقولك "أعجبتني، علمك"، فعلمك بدل من "التاء"، التي هي ضمير الفاعل، وهو بدل اشتمال، ومنه قول الشاعر
*بلغنا السماء مجدنا وسناونا * وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا*
فأبدل "مجدنا" من "نا"، التي هي ضمير الفاعل، وهو بدل اشتمال أيضا.
3- يبدل كل من الاسم والفعل والجملة من مثله.
فإبدال الاسم من الاسم قد تقدم.
وإبدال الفعل من الفعل كقوله تعالى {ومن يفعل ذلك يلق أثاما، يضاعف له العذاب}، أبدل "يضاعف" من "يلق".
وإبدال الجملة من الجملة كقوله تعالى {أمدكم بما تعلمون، أمدكم بأنعام وبنين}، فأبدل جملة "أمدكم بأنعام وبنين" من جملة "أمدكم بما تعلمون".
وقد تبدل الجملة من المفرد، كقول الشاعر
*إلى الله أشكو بالمدينة حاجة * وبالشام أخرى، كيف يلتقيان؟!*
أبدل "كيف يلتقيان" من حاجة وأخرى، والتقدير الإعرابي "أشكون هاتين الحاجتين، تعذر التقائهما". والتقدير المعنوي "أشكو إلى الله تعذر التقاء هاتين الحاجتين".

4- إذا أبدل اسم من اسم استفهام، أو اسم شرط، وجب ذكر همزة الاستفهام، أو "إن" الشرطية مع البدل، فالأول نحو "كم مالك؟ أعشرون أم ثلاثون؟. من جاءك؟ أعلي أم خالد؟. ما صنعت؟ أخيرا أم شرا؟". والثاني نحو "من يجتهد، إن علي، وإن خالد، فأكرمه. ما تصنع، إن خيرا، وإن شرا، تجز به. حيثما تنتظرني، إن في المدرسة، وإن في الدار أوافك".

(75/2)


( التوابع وإعرابها ) ضمن العنوان ( عطف البيان )
عطف البيان هو تابع جامد، يشبه النعت في كونه يكشف عن المراد كما يكشف النعت. وينزل من المتبوع منزلة الكلمة الموضحة لكلمة غريبة قبلها، كقول الراجز "أقسم بالله أبو حفص عمر".
(فعمر عطف بيان على "أبو حفص"، ذكر لتوضيحه والكشف عن المراد به، وهو تفسير له وبيان، وأراد به سيدنا عمر بن الخطاب، رضي الله عنه).
وفائدته إيضاح متبوعه، إن كان المتبوع معرفة، كالمثال السابق، وتخصيصه إن كان نكرة، نحو "اشتريت حليا سوارا". ومنه قوله تعالى "أو كفارة طعام مساكين".
ويجب أن يطابق متبوعه في الإعراب والإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث والتعريف والتنكير.
ومن عطف البيان ما يقع بعد "أي وأن" التفسيريتين. غير أن "أي" تفسر بها المفردات والجمل، و "أن" لا يفسر بها إلا الجمل المشتملة على معنى القول دون أحرفه. تقول "رأيت ليثا، أي أسدا" و "أشرت إليه، أي اذهب". وتقول "كتبت إليه، أن عجل بالحضور.
وإذا تضمنت "إذا" معنى "أي" التفسيرية، كانت حرف تفسير مثلها، نحو "تقول امتطيت الفرس إذا ركبته". وسيأتي لهذا البحث فضل بيان في باب الحروف.
أحكام تتعلق بعطف البيان

1- يجب أن يكون عطف البيان أوضح من متبوعه وأشهر، وإلا فهو بدل نحو "جاء هذا الرجل"، فالرجل. بدل من اسم الإشارة، وليس عطف بيان، لأن اسم الإشارة أوضح من المعرف بأل. وأجاز بعض النحويين أن يكون عطف بيان، لأنهم لا يشترطون فيه أن يكون أوضع من المتبوع. وما هو بالرأي السديد، لأنه إنما يؤتى به للبيان والمبين يجب أن يكون أوضح من المبين.
2- الفرق بين البدل وعطف البيان أن البدل يكون هو المقصود بالحكم دون المبدل منه. وأما عطف البيان فليس هو المقصود، بل إن المقصود بالحكم هو المتبوع، وإنما جيء بالتابع (أي عطف البيان) توضيحا له وكشفا عن المراد منه.
3- كل ما جاز أن يكون عطف بيان جاز أن يكون بدل الكل من الكل، إذا لم يمكن الاستغناء عنه أو عن متبوعه، فيجب حينئذ أن يكون عطف بيان. فمثال عدم جواز الاستغناء عن التابع قولك "فاطمة جاء حسين أخوها"، لأنك لو حذفت "أخوها" من الكلام لفسد التركيب. ومثال عدم جواز الاستغناء عن المتبوع قول الشاعر
*أنا بان التارك البكري بشر * عليه الطير ترقبه وقوعا*
فبشر عطف بيان على "البكري"، لا بدل منه، لأنك لو حذفت المتبوع، وهو "البكري" لوجب أن تضيف "التارك" إلى "بشر"، وهو ممتنع، لأن إضافة ما فيه "أل" إذا كان ليس مثنى أو مجموعا جمع مذكر سالما، إلى ما كان مجردا عنها غير جائزة، كما علمت في مبحث الإضافة.
ومن ذلك قول الآخر
*أيا أخوينا، عبد شمس ونوفلا * أعيذ كما بالله أن تحدثا حربا*

فعبد شمس معطوف على "أخوينا" عطف بيان، و "نوفلا" معطوف بالواو على "عبد شمس"، فهو مثله عطف بيان. ولا تجوز البدلية هنا، لأنه لا يستغنى عن المتبوع، إذ لا يصح أن يقال "أيا عبد شمس ونوفلا"، بل يجب أن يقال "ونوفل" بالنباء على الضم، لأن المنادى إذا عطف عليه اسم مجرد من "أل" والإضافة، وجب بناؤه، لأنك إن ناديته كان كذلك، نحو "يا نوفل". كما عرفت ذلك في مبحث "أحكام توابع المنادى".
ومن ذلك أن تقول "يا زيد الحارث". فالحارث عطف بيان على "زيد". ولا يجوز أن يكون بدلا منه، لأنك لو حذفت المتبوع، وأحللت التابع محله، لقلت "يا الحارث". وذلك لا يجوز، لأن "يا" و "أل" لا يجتمعان إلا في لفظ الجلالة.
4- يكون عطف البيان جملة، كقوله تعالى {فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى}، فجملة "قال يا آدم هل أدلك" عطف بيان على جملة "فوسوس إليه الشيطان". وقد منع النحاة عطف البيان في الجمل، وجعلوه من باب البدل. وأثبته علماء المعاني، وهو الحق. ومنه قوله تعالى أيضا {ونودوا أن تلكم الجنة}، فجملة "أن تلكم الجنة" عطف بيان على جملة "نودوا".

(76/1)


( التوابع وإعرابها ) ضمن العنوان ( المعطوف بالحرف )
المعطوف بالحرف هو تابع يتوسط بينه وبين متبوعه حرف من أحرف العطف، نحو "جاء علي وخالد. أكرمت سعيدا ثم سليما". ويسمى العطف بالحرف "عطف النسق" أيضا.
وفيه ثلاثة مباحث
1- أحرف العطف
احرف العطف تسعة. وهي "الواو والفاء وثم وحتى وأو وأم وبل ولا ولكن".
فالواو والفاء وثم وحتى تفيد مشاركة المعطوف للمعطوف عليه في الحكم والإعراب دائما.

وأو، وأم، إن كانتا لغير الإضراب على المعطوف عليه إلى المعطوف، فكذلك، نحو "خذ القلم أو الورقة"، ونحو "أخالد جاء أم سعيد؟". وإن كانتا للاضراب فلا تفيدان المشاركة بينهما في المعنى، وإنما هما التشريك في الإعراب فقط، نحو "لا يذهب سعيد أو لا يذهب خالد"، ونحو "أذهب سعيد؟! أم أذهب خالد؟".
وبل تفيد الاضراب والعدول عن المعطوف عليه إلى المعطوف، نحو "جاء خالد، بل علي".
ولكن تفيد الاستدراك، نحو "ما جاء القوم، لكن سعيد".
ولا تفيد مع العطف نفي الحكم عما قبلها وإثباته لما بعدها نحو "جاء علي لا خالد".
2- معاني أحرف العطف
1- الواو تكون للجمع بين المعطوف والمعطوف عليه في الحكم والاعراب جمعا مطلقا، فلا تفيد ترتيبا ولا تعقيبا. فإذا قلت "جاء علي وخالد"، فالمعنى أنهما اشتركا في حكم المجيء، سواء أكان علي قد جاء قبل خالد، أم بالعكس، أم جاءا معا، وسواء أكان هناك مهلة بين مجيئهما أم لم يكن.
2- الفاء تكون للترتيب والتعقيب. فإذا قلت "جاء علي فسعيد". فالمعنى أن عليا جاء أول، وسعيدا جاء بعده بلا مهلة بين مجيئهما.
3- ثم تكون للترتيب والتراخي. فإذا قلت "جاء علي ثم سعيد"، فالمعنى أن "عليا" جاء أول، وسعيدا جاء بعده، وكان بين مجيئهما مهلة.
4- حتى العطف بها قليل. وشرط العطف بها أن يكون المعطوف اسما ظاهرا، وأن يكون جزءا من المعطوف عليه أو كالجزء منه،وأن يكون أشرف من المعطوف عليه أو أخس منه، وأن يكون مفردا لا جملة، نحو "يموت الناس حتى الأنبياء. غلبك الناس حتى الصبيان. أعجبني علي حتى ثوبه".
واعلم أن "حتى" تكون أيضا حرف جر، كما تقدم. وتكون حرف ابتداء، فما بعدها جملة مستأنفة، كقول الشاعر

*فما زالت القتلى تمج دماءها * بدجلة، حتى ماء دجلة أشكل*
5- أو إن وقعت بعد الطلب، فهي إما للتخيير، نحو "تزوج هندا أو أختها"، وإما للاباحة، نحو "جالس العلماء أو الزهاد". وإما للاضراب، نحو "إذهب إلى دمشق، أو دع ذلك، فلا تذهب اليوم"، أي بل دع ذلك، أمرته بالذهاب، ثم عدلت عن ذلك.
والفرق بين الإباحة والتخيير، أن الاباحة يجوز فيها الجمع بين الشيئين، فإذا قلت "جالس العلماء أو الزهاد"، جاز لك الجمع بين مجالسة الفريقين، وجاز أن تجالس فريقا دون فريق. وأما التخيير فلا يجوز فيه الجمع بينهما، لأن الجمع بين الأختين في عقد النكاح غير جائز.
وإن وقعت "أو" بعد كلام خبري، فهي إما للشك، كقوله تعالى {قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم}، وإما للابهام، كقوله عز وجل {وإنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين}. ومنه قول الشاعر
*نحن أو أنتم الألى ألفوا الحق * فبعدا للمبطلين وسحقا*
وإما للتقسيم، نحو "الكلمة أسم أو فعل أو حرف"، وإما للتفصيل بعد الإجمال، نحو "اختلف القوم فيمن ذهب، فقالوا ذهب سعيد أو خالد أو علي". ومنه قوله تعالى {قالوا ساحر أو مجنون} أي بعضهم قال كذا، وبعضهم قال كذا. وإما للاضراب بمعنى "بل"، كقوله تعالى {وأرسلناه إلى مئة ألف، أو يزيدون}. أي بل يزيدون، ونحو "ما جاء سعيد، أو ما جاء خالد".
6- أم على نوعين متصلة ومنقطعة.

فالمتصلة هي التي يكون ما بعدها متصلا بما قبلها، ومشاركا له في الحكم وهي التي تقع بعد همزة الاستفهام أو همزة التسوية، فالأول كقولك "أعلي في الدار أم خالد؟"، والثاني كقوله تعالى {سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم}. وإنما سميت متصلة لأن ما قبلها وما بعدها لا يستغنى بأحدهما عن الآخر.

(77/1)


و "أم" المنقطعة هي التي تكون لقطع الكلام الأول واستئناف ما بعده. ومعناها الإضراب، كقوله تعالى {هل يستوي الأعمى والبصير؟ أم هل تستوي الظلمات والنور؟ أم جعلوا لله شركاء}. والمعنى "بل جعلوا لله شركاء"، قال الفراء "يقولون هل لك قبلنا حق؟ أم أنت رجل ظالم" يريدون "بل أنت رجل ظالم" وتارة تتضمن مع الإضراب استفهاما إنكاريا، كقوله تعالى {أم له البنات ولكم البنون؟}. ولو قدرت "أم" في هذه الآية للاضراب المحض، من غير تضمن معنى الانكار، لزم المحال.
7- بل تكون للاضراب والعدول عن شيء إلى آخر، إن وقعت بعد كلام مثبت، خبرا أو أمرا، وللاستدراك بمنزلة "لكن"، إن وقعت بعد نفي أو نهي.
ولا يعطف بها إلا بشرط أن يكون معطوفها مفردا غير جملة.
وهي، إن وقعت بعد الإيجاب أو الأمر، كان معناها سلب الحكم عما قبلها، حتى كأنه مسكوت عنه، وجعله لما بعدها، نحو "قام سليم، بل خالد" ونحو "ليقم علي. بل سعيد".
وإن وقعت بعد النفي أو النهي، كان معناها إثبات النفي أو النهي لما قبلها وجعل هذه لما بعدها، نحو "ما قام سعيد بل خليل"، ونحو "لا يذهب سعيد بل خليل".

فإن تلاها جملة لم تكن للعطف، بل تكون حرف ابتداء مفيدا للاضراب الإبطالي أو الإضراب الانتقالي. فالأول كقوله تعالى {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا، سبحانه، بل عباد مكرمون}، أي بل هم عباد، وقوله {أو يقولون به جنة، بل جاءهم بالحق}. والثاني كقوله تعالى {قد أفلح من تزكى، وذكر اسم ربه فصلى، بل تؤثرون الحياة الدنيا}، وقوله {ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون، بل قلوبهم في غمرة}.
وقد تزاد قبلها "لا"، بعد إثبات أو نفي، فالأول كقول الشاعر
*وجهك البدر، لا، بل الشمس، لو لم * يقض للشمس كسفة أو أفول*
والثاني كقول الآخر
*وما هجرتك، لا، بل زادني شغفا * هجر وبعد تراخ لا إلى أجل*
8- لكن تكون للاستدراك، بشرط أن يكون معطوفها مفردا، أي غير جملة، وأن تكون مسبوقة بنفي أو نهي، وأن لا تقترن بالواو، نحو "ما مررت برجل طالح، لكن صالح"، ونحو لا يقم خليل، لكن سعيد". فإن وقعت بعدها جملة، أو وقعت هي بعد الواو، فهي حرف ابتداء، فالأول كقول الشاعر
*إن ابن ورقاء لا تخشى بوادره * لكن وقائعه في الحرب تنتظر*
والثاني كقوله تعالى {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم، ولكن رسول الله وخاتم النبيين}، أي لكن كان رسول الله. فرسول منصوب لأنه خبر "كان" المحذوفة، وليس معطوفا على "أبا". وكذلك إن وقعت بعد الإيجاب، فهي حرف ابتداء أيضا، مثل "قام خليل، لكن علي"، فعلي مبتدأ محذوف الخبر، والتقدير "لكن علي لم يقم".
وهي بعد النفي والنهي مثل "بل" معناها إثبات النفي أو النهي لما قبلها وجعل ضده لما بعدها.

9- لا تفيد مع النفي العطف. وهي تفيد إثبات الحكم لما قبلها ونفيه عما بعدها. وشرط معطوفها أن يكون مفردا، أي غير جملة، وأن يكون بعد الإيجاب أو الأمر، نحو "جاء سعيد لا خالد"، ونحو خذ الكتاب لا القلم".
وأثبت الكوفيون العطف بليس، إن وقعت موقع "لا"، نحو "حذ الكتاب ليس القلم". وعليه قول الشاعر
*أين المقر؟ والإله الطالب * والأشرم المغلوب ليس الغالب*
(فليس هنا حرف عطف. والغالب معطوف على المغلوب. ولو كانت هنا فعلا ناقصا لنصب الغالب على أنه خبر لها).
3- أحكام تتعلق بعطف النسق
1- يعطف الظاهر على الظاهر، نحو "جاء زهير وأسامة" والمضمر على المضمر؛ نحو "أنا وأنت صديقان"، ونحو "أكرمتهم وإياكم"، والمضمر على الظاهر، نحو "جاءني على وأنت"، ونحو "أكرمت سليما وإياك"، والظاهر على المضمر، نحو "ما جاءني إلا أنت وعلي" ونحو "ما رأيت إلا إياك وعليا". غير أن الضمير المتصل المرفوع، والضمير المستتر، لا يحسن أن يعطف عليهما إلا بعد توكيدهما بالمضير المنفصل، نحو "جئت أنا وعلي"، ومنه قوله تعالى {إذهب أنت وربك}. ويجوز العطف عليهما أيضا إذا كان بينهما فاصل أي فاصل، كقوله تعالى {يدخلونها ومن صلح}، وقوله {ما أشركنا ولا آباؤنا}، فقد عطف "من"، في الآية الأولى، على الواو في "يدخلونها"، لوجود الفاصل، وهو "ها"، التي هي ضمير المفعول به، وعطف "آباء"، في الآية الثانية، على "نا" في "أشركنا"، لوجود الفاصل، وهو "لا"، وذلك جائز.

(77/2)


أما العطف على الضمير المجرور، فالحق أنه جائز، ومنه قوله تعالى {وكفر به والمسجد الحرام}. وقريء في بعض القراءات السبع {واتقوا الله لاذي تساءلون به والأرحام}، بالجر عطفا على الهاء. والكثير إعادة الجار كقوله تعالى {فقال لها وللأرض ائتيا طوعا وكرها}، ونحو "أحسنت إليك وإلى علي"، ونحو "أكرمت غلامك وغلام سعيد".
2- يعطف الفعل على الفعل، بشرط أن يتحدا زمانا، سواء اتحدا نوعا، كقوله تعالى {وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم}، أم اختلفا، نحو "إن تجيء أكرمتك وأعطك ما تريد".
3- يجوز حذف الواو والفاء مع معطوفهما إذا كان هناك دليل، كقوله تعالى {أن اضرب بعصاك الحجر، فانبجست}، أي فضرب فانبجست، وقول الشاعر
*فما كان بين الخير، لو جاء سالما * أبو حجر، إلا ليال قلائل*
أي "بين الخير وبيني".
4- تختص "الواو" من بين سائر أخواتها بأنها تعطف اسما على اسم لا يكتفي به الكلام، نحو "اختصم زيد وعمرو. اشترك خالد وبكر. جلست بين سعيد وسليم"، فإن الاختصام والاشتراك والبينية من المعاني التي لا تقوم إلا باثنين فصاعدا. ولا يجوز أن تقع الفاء ولا غيرها من أحرف العطف في مثل هذا الموقع، فلا يقالث "اختصم زيد فعمرو. اشترك خالد ثم بكر. جلست بين سعيد أو سليم".
5- كثيرا ما تقتضي الفاء مع العطف معنى السببية، إن كان المعطوف بها جملة، كقوله تعالى {فوكزه موسى، فقضى عليه}.

(77/3)


( حروف المعاني ) ضمن العنوان ( أنواع الحروف )
الحروف بحسب معناها، سواء أكانت عاملة أم عاطلة، واحد وثلاثون نوعا. وهي

(78/1)


1- أحرف النفي

وهي "لم ولما"، اللتان تجزمان فعلا مضارعا واحدا، و "لن"، التي تنصب الفعل المضارع، و "ما وإن ولا ولات".
فما وإن تنفيان الماضي، نحو "ما جئت. إن جاء إلا أنا" والحال نحو "ما أجلس. إن يجلس إلا أنا".
وتدخلان على الفعل، كما رأيت، وعلى الاسم، نحو "ما هذا بشرا. إن أحد خيرا من أحد إلا بالعافية".
و "لا" تنفي الماضي، كقوله تعالى {فلا صدق ولا صلى}، والمستقبل كقوله {قل لا أسألكم عليه أجرا}.
و "لات". خاصة بالدخول على "حين" وما أشبهه من ظروف الزمان، نحو {ولات حين مناص}، وكقول الشاعر "ندم البغاة ولات ساعة مندم" وهي بمعنى "ليس".

(79/1)


2- أحرف الجواب
وهي "نعم وبلى وإي وأجل وجير وإن ولا وكلا".
ويؤتى بها للدلالة على جملة الجواب المحذوفة، قائمة مقامها. فإن قيل لك "أتذهب؟"، فقلت "نعم"، فالمعنى نعم أذهب. فنعم سادة مسد الجواب، وهو "أذهب".
و "أجل" بمعنى "نعم" وهي مثلها تكون تصديقا للمخبر في أخباره كأن يقول قائل حضر الاستاذ، فتقول نعم، تصدق كلامه. وتكون لإعلام المستخبر، كأن يقال هل حضر الأستاذ؟ فتقول نعم. وتكون لوعد الطالب بما يطلب، كأن يقول لك الأستاذ "اجتهد في دروسك" فتقول "نعم"، تعده بما طلب منك.
و "أي" لا تستعمل إلا قبل القسم، كقوله تعالى {قل إي وربي إنه لحق}. "أي" توكيد للقسم، والمعنى نعم وربي.

وبين "بلى ونعم وأجل" فرق. فبلى. تختص بوقوعها بعد النفي فتجعله إثباتا، كقوله تعالى {زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا، قل بلى وربي لتبعثن}، وقوله {ألست بربكم، قالوا "بلى"}، أي بلى أنت ربنا. بخلاف "نعم وأجل" فإن الجواب بهما يتبع ما قبلهما في إثباته ونفيه، فإن قلت لرجل "أليس لي عليك الف درهم؟" فإن قال "بلى" لزمه ذلك، لأن المعنى "بلى لك علي ذلك" وإن قال "نعم" أو "أجل" لم يلزمه، لأن المعنى "نعم ليس لك علي ذلك".
و "جير" حرف جواب، بمعنى "نعم". وهو مبني على الكسر. وقد يبنى على الفتح. والأكثر أن يقع قبل القسم، نحو "جير لأفعلن"، أي "نعم والله لأفعلن". ومنهم من يجعله اسما، بمعنى "حقا" قال الجوهري في صحاحه "قولهم جير لآتينك، بكسر الراء يمين للعرب" بمعنى "حقا".
و "إن" حرف جواب، بمعنى "نعم"، يقال لك "هل جاء زهير؟" فتقول "إنه"، قال الشاعر
*بكر العواذل، في الصبو * ح، يلمنني وألومهنه*
*ويقلن شيب قد علا * ك، وقد كبرت، فقلت إنه*
والهاء، التي تلحقه، هي هاء السكت، التي تزاد في الوقف، لا هاء الضمير ولو كانت هاء الضمير لثبتت في الوصل، كما تثبت في الوقف. وليس الأمر كذلك، لأنك تحذفها إن وصلت، يقال لك "هل رجع أسامة؟" فتقول "إن" يا هذا، أي نعم، يا هذا قد رجع. وأيضا قد يكون الكلام على الخطاب أو التكلم، والهاء هذه على حالها، نحو "هل رجعتم؟"، فتقول "إنه"، وتقول "هل نمشي؟" فتقول "إنه". ولو كانت هذه الهاء هاء الضمير، وهي للغيبة، لكان الكلام فاسدا.

و "إن"، الجوابية هذه، منقولة عن "إن" المؤكدة، التي تنصب الاسم وترفع الخبر، لأن الجواب تصديق وتحقيق، وهما والتأكيد من باب واحد.
و "لا وكلا" تكونان لنفي الجواب. وتفيد "كلا"، مع النفي، ردع المخاطب وزجره. تقول لمن يزين لك السوء ويغريك بإتيانه "كلا"، أي لا أجيبك إلى ذلك، فارتدع عن طلبك.
وقد تكون "كلا" بمعنى "حقا"، كقوله تعالى "كلا، إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى".

(80/1)


3- حرفا التفسير
وهما "أي وأن". وهما موضوعان لتفسير ما قبلهما، غير أن "أي" تفسر بها المفردات، نحو "رأيت ليثا، أي أسدا"، والجمل، كقول الشاعر
*وترمينني بالطرف، أي، أنت مذنب * وتقلينني، لكن إياك لا أقلي*
وأما "أن" فتختص بتفسير الجمل. وهي تقع بين جملتين، تتضمن الأولى منهما معنى القول دون أحرفه، كقوله تعالى {فأوحينا إليه، ان اصنع الفلك}، ونحو "كتبت إليه، أن تحضر".

(81/1)


4- أحرف الشرط
وهي "إن وإذ ما" الجازمتان، و "لو ولولا ولوما وأما ولما". و "لو" على نوعين
1- أن تكون حرف شرط لما مضى، فتفيد امتناع شيء لامتناع غيره وتسمى حرف امتناع لامتناع، أو حرفا لما كان سيقع لوقوع غيره. فإن قلت "لو جئت لأكرمتك"، فالمعنى قد امتنع إكرامي إياك لامتناع مجيئك، لأن الإكرام مشروط بالمجيء ومعلق عليه. ولا يليها إلا الفعل الماضي صيغة وزمانا، كقوله تعالى {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة}.

2- أن تكون حرف شرط للمستقبل، بمعنى "إن". وهي حينئذ لا تفيد الامتناع، وإنما تكون لمجرد ربط الجواب بالشرط، كإن، إلا أنها غير جازمة مثلها، فلا عمل لها، والأكثر أن يليها فعل مستقبل معنى لا صيغة، كقوله تعالى {وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم}، أي "إن يتركوا" وقد يليها فعل مستقبل معنى وصيغة "لو تزورنا لسررنا بلقائك"، أي "إن تزرنا".
وتحتاج "لو" بنوعيها إلى جواب، كجميع أجوات الشرط. ويجوز في جوابها أن يقترن باللام، كقوله تعالى {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا}، وأن يتجرد منها، كقوله تعالى {ولو نشاء جعلناه أجاجا}، وقوله "ولو شاء ربك ما فعلوه". إلا أن يكون مضارعا منفيا، فلا يجوز اقترانه بها، نحو "لو اجتهدت لم تندم".
و "لولا ولوما"، حرفا شرط بدلان على امتناع شيء لوجود غيره. فإن قلت "لولا رحمة الله لهلك الناس" و "لوما الكتابة لضاع أكثر العلم"، فالمعنى أنه امتنع هلاك الناس لوجود رحمة الله تعالى، وامتنع ضياع أكثر العلم لوجود الكتابة.
وهما تلزمان الدخول على المبتدأ والخبر، كما رأيت. غير أن الخبر بعدهما يحذف وجوبا في أكثر التراكيب. والتقدير "لولا رحمة الله حاصلة أو موجودة" و "لولا الكتابة حاصلة أو موجودة".
وتحتاجان إلى جواب، كما تحتاج إليه "لو". وحكم جوابهما كحكم جوابها، فيقترن باللام، كما رأيت، أو يجرد منها، نحو "لولا كرم أخلاقك ما علوت"، ويمتنع من اللام في نحو
"لولا حب العلم لم أغترب" لأنه مضارع منفي.

و "أما" بالفتح والتشديد، حرف شرط يكون للتفصيل أو التوكيد. وهي قائمة مقام أداة الشرط وفعل الشرط. والمذكور بعدها جواب الشرط، فلذلك تلزمه فاء الجواب للربط. فإن قلت "أما أنا فلا أقول غير الحق" فالمعنى "مهما يكن من شيء فلا أقول غير الحق".
أما كونها للتفصيل فهو الأصل فيها، كقوله تعالى {فأما اليتيم فلا تقهر، وأما السائل فلا تنهر، وأما بنعمة ربك فحدث}.
وأما كونها للتأكيد، فنحو أن تقول "خالد شجاع"، فإن أردت توكيد ذلك، وأنه لا محالة واقع، قلت "أما خالد فشجاع". والأصل "مهما يكن من شيء فخالد شجاع".
و "لما" حرف شرط، موضوع للدلالة على وجود شيء لوجود غيره. ولذلك تسمى حرف وجود لوجود. وهي تختص بالدخول على الفعل الماضي. وتقتضي جملتين، وجدت أخراهما عند وجود أولاهما. والأولى هي الشرط، والأخرى هي الجواب، نحو "لما جاء أكرمته".
وتحتاج إلى جواب، لأنها في معنى أدوات الشرط. ويكون جوابها فعلا ماضيا، كما رأيت، أو جملة اسمية مقرونة بإذ الفجائية، كقوله تعالى {فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون}، أو بالفاء، كقوله تعالى {فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد}.
ومن العلماء من يجعلها ظرفا للزمان بمعنى "حين"، ويضيفها إلى جملة الشرط وهو المشهور بين المغربين، والمحققون على أنها حرف للربط.

(82/1)


5- أحرف التخضيض و التنديم
وهي "هلا وألا ولوما ولولا وألا".

والفرق بين التحضيض والتنديم، أن هذه الأحرف، إن دخلت على المضارع فهي للحض على العمل وترك التهاون به، نحو "هلا يرتدع فلان عن غيه. ألا تتوب من ذنبك. لولا تستغفرون الله. لوما تأتينا بالملائكة. {ألا تحبون أن يغفر الله لكم}". وإن دخلت على الماضي كانت لجعل الفاعل يندم على فوات الأمر وعلى التهاون به، نحو "هلا اجتهدت"، تقرعه على إهماله، وتوبخه على عدم الاجتهاد، فتجعله يندم على ما فرط وضيع. ومنه قوله تعالى {فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قرناء آلهة}.

(83/1)


6- أحرف العرض
العرض الطلب بلين ورفق، فهو عكس التحضيض، لأن هذا هو الطلب بشدة وحث وإزعاج.
وأحرفه هي "ألا وأما ولو"، نحو "ألا تزورنا فنأنس بك. أما تضيفنا فتلقى فينا أهلا. لو تقيم بيننا فتصيب خيرا".
وقد تكون "أما" تحقيقا للكلام الذي يتلوها، فتكون بمعنى "حقا"، "أما إنه رجل عاقل" تعني أنه عاقل حقا.

(84/1)


7- أحرف التنبيه
وهي "ألا وأما وها ويا".
فـ "ألا وأما" يستفتح بهما الكلام، وتفيدان تنبيه السامع إلى ما يلقى إليه من الكلام. وتفيد "ألا"، مع التنبيه، تحقق ما بعدها، كقوله تعالى {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون}.
واعلم أن "ألا وأما". معناهما التنبيه، ومكانهما مفتتح الكلام.
و "ها" حرف موضوع لتنبيه المخاطب. وهو يدخل على أربعة أشياء
1- على أسماء الإشارة الدالة على القريب، نحو "هذا وهذه وهذين وهاتين وهؤلاء"، أو على المتوسط، إن كان مفردا، نحو "هذاك". أما على البعيد فلا.

ويجوز الفصل بينهما بكاف التشبيه، كقوله تعالى {فلما جاءت قيل أهكذا عرشك؟}، وبالضمير المرفوع، كقوله {ها أنتم أولاء}، ونحو "ها أنا ذا. ها أنتما ذان. ها أنت ذي".
2- على ضمير الرفع، وإن لم يكن بعده اسم إشارة، كقول الشاعر
*فها أنا تائب من حب ليلى * فما لك كلما ذكرت تذوب؟!*
غير أنها، إن دخلت على ضمير الرفع، فالأكثر أن يليه اسم الاشارة، نحو "ها أنا ذا. ها نحن أولاء. ها أنتم أولاء. ها هو ذا. ها هما ذان. ها هم أولاء. ها أنتما تان يا امرأتان".
3- على الماضي المقرون بقد، نحو "ها قد رجعت".
4- على ما بعد "أي" في النداء، كقوله تعالى {يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم. يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية} وهي تلزم في هذا الموضع وجوبا، للتبيه على أن ما بعدها هو المقصود بالنداء.
و "يا" أصلها حرف نداء. فإن لم يكن بعدها منادى، كانت حرفا يقصد به تنبيه السامع إلى ما بعدها. وقيل إن جاء بعدها فعل أمر فهي حرف نداء، والمنادى محذوف، كقوله تعالى {ألا يا اسجدوا}، والتقدير "ألا يا قوم اسجدوا".وإلا فهي حرف تنبيه، كقوله {يا ليت قومي يعلمون}، وكحديث "يارب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة". ومنه قول الشاعر
*يا لعنة الله والأقوام كلهم * والصالحين على سمعان من جار*
والحق أنها حرف تنبيه في كل ذلك.

(85/1)


8- الأحرف المصدرية
وتسمى الموصولات الحرفية أيضا وهي التي تجعل ما بعدها في تأويل مصدر. وهي "أن وأن وكي وما ولو وهمزة التسوية"، نحو "سرني أن تلازم الفضيلة. أحب أنك تجتنب الرذيلة. إرحم لكي ترحم. أود لو تجتهد. {والله خلقكم وما تعملون}. {سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم}".

والمصدر المؤول بعدها يكون مرفوعا أو منصوبا أو مجرورا، بحسب العامل قبله.
(ففي المثال الأول مرفوع، لأنه فاعل. وفي المثال الثاني منصوب، لأنه مفعول به. وفي المثال الثالث مجرور باللام. وفي المثال الرابع منصوب أيضا، لأنه مفعول به. وفي المثال الخامس منصوب أيضا، لأنه معطوف على كاف الضمير في "خلقكم" المنصوبة محلا، لأنها مفعول به. وفي المثال السادس مرفوع، لأنه مبتدأ خبره مقدم عليه، وهو سواء).
وتكون "ما" مصدرية مجردة عن معنى الظرفية، نحو "عدبت مما تقول غير الحق"، أي "من قولك غير الحق". وتكون مصدرية ظرفية، كقوله تعالى {وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا}، أي "مدة دوامي حيا". فحذف الظرف وخلفته "ما" وصلتها. ويكون المصدر المؤول بعدها منصوبا على الظرفية، لقيامه مقام المدة المحذوفة (وهو الأحسن)، أو يكون في موضع جر بالإضافة إلى الظرف المحذوف.
وأكثر ما تقع "لو" بعد "ود ويود"، كقوله تعالى {ودوا لو تدهن فيدهنون}. {يود أحدهم لو يعمر ألف سنة}. وقد تقع بعد غيرهما كقول قتيلة
*ما كان ضرك لو مننت، وربما * من الفتى وهو المغيظ المخنق*
أي ما كان ضرك منك عليه بالعفو.

(86/1)


9- أحرف الاستقبال
وهي "السين، وسوف، ونواصب المضارع، ولام الأمر، ولا الناهية وإن، وإذ ما الجازمتان".
فالسين وسوف تختصان بالمضارع وتمحضانه الاستقبال، بعد أن كان يحتمل الحال والاستقبال، كما أن لام التأكيد تخلصه للحال، نحو "إن سعيدا ليكتب".

والسين تسمى حرف استقبال، وحرف تنفيس (أي توسيع)، لأنها تنقل المضارع من الزمان الضيق، وهو الحال؛ إلى الزمان الواسع وهو الاستبقال. وكذلك "سوف"، إلا أنها أطول زمانا من السين، ولذلك يسمونها "حرف تسويف"، فتقول "سيشب الغلام، وسوف يشيخ الفتى"، لقرب زمان الشباب من الغلام وبعد زمان الشيخوخة من الفتى.
ويجب التصاقهما بالفعل، فلا يجوز أن يفصل بينهما وبينه شيء.
وإذا أردت نفي الاستبقال أتيت بلا، في مقابلة "السين"، وبلن، في مقابلة "سوف"، نحو "لا أفعل"، تنفي المستقبل القريب، ونحو "لن أفعل"، تنفي المستقبل البعيد.
ولا يجوز أن يؤتى بسوف و "لا" معا، ولا بسوف و "لن" معا، فلا يقال "سوف لا أفعل" ولا "سوف لن أفعل" كما يقول كثير من الناس، وبينهم جمهرة من كتاب العصر.

(87/1)


10- أحرف التوكيد
وهي "إن، وأن، ولام الابتداء، ونونا التوكيد، واللام التي تقع في جواب القسم، وقد".
و "نونا التوكيد" إحداهما ثقيلة والأخرى خفيفة. وقد اجتمعتا في قوله تعالى {ليسجنن وليكونا من الصاغرين}.
ولا يوكد بهما إلا فعل الأمر، نحو "تعلمن"، والمضارع المستقبل الواقع بعد أداة من أدوات الطلب، ونحو "لنجتهدن ولا نكسلن"، والمضارع الواقع شرطا بعد "إن" المؤكدة بما الزائدة، كقوله تعالى {فإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله}، والمضارع المنفي بلا. كقوله {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة}، والمضارع المثبت المستقبل الواقع جوابا لقسم" كقوله {تالله لأكيدن أصنامكم}. وتأكيده في هذه الحال واجب، وفي غيرها، مما تقدم، جائز.

و "لام القسم" هي التي تقع في جواب القسم تأكيدا له، كقوله تعالى {تالله لقد آثرك الله علينا}. والجملة بعدها جواب القسم وقد يكون القسم مقدرا، كقوله سبحانه {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة}.
وتختص "قد" بالفعل الماضي والمضارع المتصرفين المثبتين ويشترط في المضارع أن يتجرد من النواصب والجوازم والسين وسوف. ويخطىء من يقول "قد لا يذهب، وقد لن يذهب".
(وقد شاع على ألسنة كثير من أدباء هذا العصر وعلمائه وأقلامهم دخول "قد" على "لا". ولم يسلم من ذلك بعض قدماء الكتاب وعلمائهم. وإن "ربما" تقوم مقام "لا" في مثل هذا المقام، فبدل أن يقال "قد لا يكون" مثلا، يقال "ربما لا يكون").
ولا يجوز أن يفصل بينها وبين الفعل بفاصل غير القسم، لأنها كالجزء منه، أما بالقسم فجائز، نحو "قد والله فعلت".
وهي، إن دخلت على الماضي أفادت تحقيق معناه. وإن دخلت على المضارع أفادت تقليل وقوعه، نحو "قد يصدق الكذوب. وقد يجود البخيل". وقد تفيد التحقيق مع المضارع، إن دل عليه دليل، كقوله تعالى {قد يعلم الله ما أنتم عليه}.
ومن معانيها التوقع، أي توقع حصول ما بعدها، أي انتظار حصوله، تقول "قد جاء الأستاذ"، إذا كان مجيئه منتظرا وقريبا، وإن لم يجىء فعلا، وتقول "قد يقدم الغائب". إذا كنت تترقب قدومه وتتوقعه قريبا. ومن ذلك "قد قامت الصلاة"، لأن الجماعة يتوقعون قيامها قريبا.
ومنها التقريب، أي تقريب الماضي من الحال، تقول "قد قمت بالأمر"، لتدل على أن قيامك به ليس ببعيد من الزمان الذي أنت فيه.
ومنها الكثير، نحو {قد نرى تقلب وجهك في السماء}.
وتسمى "قد" حرف تحقيق، أو تقليل، أو توقع، أو تقريب، أو تكثير، حسب معناها في الجملة التي هي فيها.

(88/1)


11- حرفا الاستفهام

وهما "الهمزة وهل".
فالهمزة يستفهم بها عن المفرد وعن الجملة. فالأول نحو "أخالد شجاع أم سعيد؟". والثاني نحو "اجتهد خليل؟"، تستفهم عن نسبة الاجتهاد إليه. ويستفهم بها في الإثبات، كما ذكر، وفي النفي، نحو "ألم يسافر أخوك؟".
و "هل" لا يستفهم بها إلا عن الجملة في الإثبات، نحو "هل قرأت النحو؟"، ولا يقال "هل لم تقرأه؟". وأكثر ما يليها الفعل، كما ذكر، وقل أن يليها الاسم، نحو "هل علي مجتهد؟".
وإذا دخلت على المضارع خصصته بالاستقبال؛ لذلك لا يقال "هل تسافر الآن؟". ولا تدخل على جملة الشرط، وتدخل على جملة الجواب، نحو "إن يقم سعيد فهل تقوم؟". ولا تدخل على "إن" ونحوها لأنها للتوكيد وتقرير الواقع، والاستفهام ينافي ذلك.

(89/1)


12- أحرف التمني
وهي "ليت ولو وهل".
فليت موضوعة للتمني. وهو طلب ما لا طمع فيه (أي المستحيل) أو ما فيه عسر (أي ما كان عسر الحصول). فالأول نحو "ليت الشباب يعود" والثاني نحو "ليت الجاهل عالم".
و "لو وهل" قد تفيدان التمني، لا بأصل الوضع، لأن الأولى شرطية والثانية استفهامية. فمثال "لو"، في التمني، قوله تعالى {لو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين} ومثال "هل" فيه قوله سبحانه {هل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا}.

(90/1)


13- حرف الترجي و الإشفاق
وهو "لعل". وهي موضوعة للترجي والإشفاق.
فالترجي طلب الممكن المرغوب فيه، كقوله تعالى {لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا}.
الإشفاق هو توقع الأمر المكروه، والتخوف من حدوثه، كقوله تعالى {لعلك باخع نفسك على آثارهم}.

(91/1)


14- حرفا التشبيه
وهما "الكاف وكأن" فالكاف نحو "العلم كالنور".

وقد تخرج عن معنى التشبيه، فتكون زائدة للتوكيد، نحو {ليس كمثله شيء}، أي ليس مثله شيء. وتكون بمعنى "على"، نحو "كن كما أنت"، أي على ما أنت عليه. وتكون اسما بمعنى "مثل". وقد تقدمت أمثلتها في حروف الجر.
وكأن، نحو "كأن العلم نور". وإنما تتعين للتشبيه إن كن خبرها اسما جامدا، كما مثل. فإن كان غير ذلك، فهي للشك، نحو "كأن الأمر واقع أو وقع"، أو للظن، نحو "كأن في نفسك كلاما"، أو التهكم، نحو "كأنك فاهم!"، وكأن تقول لقبيح المنظر "كأنك البدر!"، أو للتقريب، نحو "كأن المسافر قادم"، ونحو "كأنك بالشتاء مقبل".

(92/1)


15- أحرف الصلة
المراد بحرف الصلة هي حرف المعنى الذي يزاد للتأكيد.
وأحرف الصلة هي "إن وأن وما ومن والباء"، نحو "ما إن فعلت ما تكره. لمان أن جاء البشير. أكرمتك من غير ما معرفة. ما جاءنا من أحد. ما أنا بمهمل".
وتزاد "من" في النفي خاصة، لتأكيده وتعميمه، كقوله سبحانه {ما جاءنا من بشير ولا نذير}. والاستفهام كالنفي، كقوله سبحانه {هل من خالق غير الله}، وقوله {هل من مزيد}.
وتزاد الباء لتأكيد النفي، كقوله تعالى {أليس الله بأحكم الحاكمين؟}، ولتأكيد الإيجاب، نحو "بحسبك الاعتماد على النفس"، ونحو {كفى بالله شهيدا}، أي "حسبك الاعتماد على النفس، وكفى الله شهيدا".

(93/1)


16- حرف التعليل
الحرف الموضوع للتعليل هو "كي"، يقول القائل "إني أطلب العلم" فتقول "كيمه؟" أي لم تطلبه؟ فيقول "كي أخدم به الأمة"، أي "لأجل أن أخدمها به".
وقد تأتي "اللام وفي ومن" للتعليل، نحو "فيم الخصام؟. سافرت للعمل. {مما خطيئاتهم أغرقوا}".

(94/1)


17- حرف الردع والزجر

وهو "كلا". ويفيد، مع الردع والزجر، النفي والتنبيه على الخطأ، يقول القائل "فلان يبغضك"، فتقول "كلا" تنفي كلامه، وتردعه عن مثل هذا القول؛ وتنبهه على خطئه فيه. وقد سبق الكلام عليه في أحرف الجواب. فراجعه.

(95/1)


18- اللامات
هي لام الجر، نحو "الحمد لله".
ولام الأمر، كقوله تعالى {لينفق ذو سعة من سعته}.
ولام الابتداء، نحو "لدرهم حلال خير من ألف درهم حرام".
ولام البعد، وهي التي تلحق أسماء الإشارة، للدلالة على البعد أو توكيده نحو "ذلك وذلكما وذلكم وذلكن".
ولام الجواب، وهي التي تقع في جواب "لو ولولا"، نحو "لو اجتهدت لأكرمتك. لولا الدين لهلك الناس"، أو في جواب القسم، كقوله تعالى {تالله لأكيدن أصنامكم}.
واللام الموطئة للقسم، وهي التي تدخل على أداة شرط للدلالة على أن الجواب بعدها إنما هو جواب لقسم مقدر قبلها، لا جواب الشرط، نحو" "لئن قمت بواجباتك لأكرمتك". وجواب القسم قائم مقام جواب الشرط ومغن عنه.

(96/1)


19- تاء التأنيث الساكنة
وهي التاء في نحو "قامت وقعدت". وتلحق الماضي، للايذان من أول الأمر بأن الفاعل مؤنث. وهي ساكنة، وتحرك بالكسر إن وليها ساكن، كقوله تعالى {قالت امرأة عمران} وقوله {قالت الأعراب آمنا}، وبالفتح، إن اتصل بها ضمير الاثنين، نحو "قالتا".

(97/1)


20- هاء السكت
وهي هاء ساكنة تلحق طائفة من الكلمات عند الوقف، نحو {ما أغنى عني ماليه، هلك عني سلطانيه}، ونحو "لمه؟ كيمه؟ كيفه؟" ونحوها. فإن وصلت ولم تقف لم تثبت الهاء، نحو "لم جئت، كيم عصيت أمري؟ كيف كان ذلك؟".

ولا تزاد "هاء السكت"، للوقف عليها، إلا في المضارع المعتل الآخر، المجزوم بحذف آخره، وفي الأمر المبني على حذف آخره، وفي "ما" الاستفهامية، وفي الحرف المبني على حركة، وفي الاسم المبني على حركة بناء أصليا. ولا يوقف بهاء السكت في غير ذلك، إلا شذوذا. وقد سبق شرح ذلك في الكلام على "الوقف" في الجزء الثاني.

(98/1)


22- حرف التنوين
حرف التنوين هو نون ساكنة زائدة، تلحق أواخر الأسماء لفظا، وتفارقها خطا ووقفا. وقد سبق الكلام عليه، في أوائل الجزء الأول.

(99/1)


بقية الحروف
(23) أحرف النداء (24) أحرف العطف (25) أحرف نصب المضارع (26) أحرف جزمه (27) حرف الأمر (28) حرف النهي (29) الأحرف المشبهة بالفعل، الناصبة للاسم الرافعة للخبر (30) الأحرف المشبهة بليس، الرافعة للاسم الناصبة للخبر (31) حروف الجر.
وقد سبق الكلام عليها في مواضعها من هذا الكتاب.

(100/1)


( الخاتمة : مباحث إعرابية متفرقة ) ضمن العنوان ( العامل والمعمول والعمل )
وهذا الفصل يشتمل على أربعة مباحث
1- معنى العامل والمعمول والعمل
متى انتظمت الكلمات في الجملة.
فمنها ما يؤثر فيما يليه، فيرفع ما بعده، أو ينصبه أو يجزمه، أو يجره، كالفعل، يرفع الفاعل وينصب المفعول به، وكالمبتدأ، يرفع الخبر، وكأدوات الجزم، تجزم الفعل المضارع، وكحروف الجر، تخفض ما يليها من الأسماء. فهاذ هو المؤثر، أو العامل.

ومنها ما يؤثر فيه ما قبله، فيرفعه، أو ينصبه، أو يجره، أو يجزمه، كالفاعل، والمفعول، والمضاف إليه، والمسبوق بحرف جر، والفعل المضارع وغيرها. فهذا هو المتأثر أو المعمول.
ومنها ما لا يؤثر ولا يتأثر، كبعض الحروف، نحو "هل وبل وقد وسوف وهلا"، وغيرها من حروف المعاني.
والنتيجة الحاصلة من فعل المؤثر وانفعال المتأثر، هي الأثر، كعلامات الإعراب الدالة على الرفع أو النصب أو الجر أو الجزم، فهي نتيجة لتأثير العوامل الداخلة على الكلمات ولتأثر الكلمات بهذه العوامل.
فما يحدث تغيرا في غيره، فهو العامل.
وما يتغير آخره بالعامل، فهو المعمول.
وما لا يؤثر ولا يتأثر، فهو العاطل، أي ما ليس بمعمول ولا عامل.
والأثر الحاصل، من رفع، أو نصب، أو جزم، أو خفض، يسمى "العمل"، أي الإعراب.
2- العامل
العامل ما يحدث الرفع، أو النصب، أو الجزم، أو الخفض، فيما يليه.
والعوامل هي الفعل وشبهه، والأدوات التي تنصب المضارع أو تجزمه، والأحرف التي تنصب المبتدأ وترفع الخبر، والأحرف التي ترفع المبتدأ وتنصب الخبر، وحروف الجر، والمضاف، والمبتدأ.
وقد سبق الكلام عليها، إلا شبه الفعل، فسيأتي الكلام عليه.
وهي قسمان لفظية ومعنوية.
فالعامل اللفظي هو المؤثر الملفوظ، كالذي ذكرناه.
والعامل المعنوي هو تجرد المبتدأ من عامل لفظي كان سبب رفعه. وتجرد المضارع من عوامل النصب والجزم كان سبب رفعه أيضا.
فالتجرد. هو عدم ذكر العامل. وهو سبب معنوي في رفعه ما تجرد من عامل لفظي كالمبتدأ والمضارع الذي لم يسبقه ناصب أو جازم).
3- المعمول
المعمول هو ما يتغير آخره برفع، أو نصب، أو جزم، أو خفض بتأثير العامل فيه.
والمعمولات هي الأسماء، والفعل المضارع.

والمعمول على ضربين معمول بالأصالة، ومعمول بالتبعية.
فالمعمول بالأصالة هو ما يؤثر فيه العامل مباشرة، كالفاعل ونائبه، والمبتدأ وخبره، واسم الفعل الناقص وخبره، واسم إن وأخواتها وأخبارها، والمفاعيل، والحال، والتمييز، والمستثنى، والمضاف إليه، والفعل المضارع.
والمبتدأ يكون عاملا، لرفعه الخبر. ويكون معمولا، لتجرده من العوامل اللفظية للابتداء، فهو الذي يرفعه.
والمضاف يكون عاملا، لجره المضاف إليه، ويكون معمولا، لأنه يكون مرفوعا أو منصوبا أو مجرورا، حسب العوامل الداخلة عليه.
والمضارع وشبهه (ما عدا اسم الفعل) عاملان فيما يليهما، معمولان لما يسبقهما من العوامل.
والمعمول بالتبعية هو ما يؤثر فيه العامل بواسطة متبوعه، كالنعت والعطف والتوكيد والبدل، فإنها ترفع أو تنصب أو تجر أو تحزم، لأنها تابعة لمرفوع أو منصوب أو مجرور أو مجزوم. والعامل فيها هو العامل في متبوعها الذي يتقدمها.
وقد سبق الكلام على ذلك كله مفصلا.
4- العمل
العمل (ويسمى الإعراب أيضا) هو الأثر الحاصل بتأثير العامل، من رفع أو نصب أو خفض أو جزم.
وقد تقدم الكلام عليه مفصلا في أوائل الجزء الأول من هذا الكتاب.

(101/1)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية