صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : أسرار البلاغة
المؤلف : أبوبكر عبدالقاهر بن عبدالرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

ثم إن هذا الشبه العقلي ربما انتزع من شيء واحد، كما مضى انتزاع الشبه للفظ من حلاوة العسل وربما انتزع من عدة أمور يجمع بعضها إلى بعض، ثم يستخرج من مجموعها الشبه، فيكون سبيله سبيل الشيئين يمزج أحدهما بالآخر، حتى تحدث صورة غير ما كان لهما في حال الإفراد، لا سبيل الشيئين يجمع بينهما وتحفظ صورتهما، ومثال ذلك قوله عز وجل: " مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا " " الجمعة:5 " ، الشبه منتزع من أحوال الحمار، وهو أنه يحمل الأسفار التي هي أوعية العلوم ومستودع ثمر العقول، ثم لا يحس بما فيها ولا يشعر بمضمونها، ولا يفرق بينها وبين سائر الأحمال التي ليست من العلم في شيء، ولا من الدلالة عليه بسبيل، فليس له مما يحمل حظ سوى أنه يثقل عليه، ويكد جنبيه فهو كما ترى مقتضى أمور مجموعة، ونتيجة لأشياء ألفت وقرن بعضها إلى بعض، بيان ذلك: أنه احتيج إلى أن يراعى من الحمار فعل مخصوص، وهو الحمل، وأن يكون المحمول شيئا مخصوصا، وهو الأسفار التي فيها أمارات تدل على العلوم، وأن يثلث ذلك بجهل الحمار ما فيها، حتى يحصل الشبه المقصود، ثم إنه لا يحصل من كل واحد من هذه الأمور على الانفراد، ولا يتصور أن يقال إنه تشبيه بعد تشبيه، من غير أن يقف الأول على الثاني، ويدخل الثاني في الأول، لأن الشبه لا يتعلق بالحمل حتى يكون من الحمار، ثم لا يتعلق أيضا بحمل الحمار حتى يكون المحمول الأسفار، ثم لا يتعلق بهذا كله حتى يقترن به جهل الحمار بالأسفار المحمولة على ظهره فما لم تجعله كالخيط الممدود، ولم يمزج حتى يكون القياس قياس أشياء يبالغ في مزاجها حتى تتحد وتخرج عن أن تعرف صورة كل واحد منها على الانفراد، بل تبطل صورها المفردة التي كانت قبل المزاج، وتحدث صورة خاصة غير اللواتي عهدت، وتحصل مذاقة لو فرضت حصولها لك في تلك الأشياء من غير امتزاج، فرضت ما لا يكون لم يتم المقصود، ولم تحصل النتيجة المطلوبة، وهي الذم بالشقاء في شيء يتعلق به غرض جليل وفائدة شريفة، مع حرمان ذلك الغرض وعدم الوصول إلى تلك الفائدة، واستصحاب ما يتضمن المنافع العظيمة والنعم الخطيرة، من غير أن يكون ذلك الاستصحاب سببا إلى نيل شيء من تلك المنافع والنعم، ومثال ما يجيء فيه التشبيه معقودا على أمرين إلا أنهما لا يتشابكان هذا التشابك قولهم: هو يصفو ويكدر ويمر ويحلو ويشج ويأسو، ويسرح ويلجم، لأنك وإن كنت أردت أن تجمع له الصفتين، فليست إحداهما ممتزجة بالأخرى، لأنك لو قلت: هو يصفو، ولم تتعرض لذكر الكدر أو قلت: يحلو، ولم يسبق ذكر يمر، وجدت المعنى في تشبيهك له بالماء في الصفاء وبالعسل في الحلاوة بحاله وعلى حقيقته، وليس كذلك الأمر في الآية لأنك لو قلت: كالحمار يحمل أسفارا، ولم تعتبر أن يكون جهل الحمار مقرونا بحمله، وأن يكون متعديا إلى ما تعدى إليه الحمل، لم يتحصل لك المغزى منه، وكذلك لو قلت: هم كالحمار في أنه يجهل الأسفار، ولم تشرط أن يكون حمله الأسفار مقرونا بجهله لها لكان كذلك، وكذلك لو ذكرت الحمل والجهل مطلقين، ولم تجعل لهما المفعول المخصوص الذي هو الأسفار، فقلت: هو كالحمار في أنه يحمل ويجهل، وقعت من التشبيه المقصود في الآية بأبعد البعد، والنكتة أن التشبيه بالحمل للأسفار، إنما كان بشرط أن يقترن به الجهل، ولم يكن الوصف بالصفاء والتشبيه بالماء فيه بشرط أن يقترن به الكدر، ولذلك لو قلت: يصفو ولا يكدر لم تزد في صميم التشبيه وحقيقته شيئا، وإنما استدمت الصفة كقولك: يصفو أبدا وعلى كل حال.
فصل

(1/37)


اعلم أن الشبه إذا انتزع من الوصف لم يخل من وجهين أحدهما أن يكون لأمر يرجع إلى نفسه والآخر أن يكون لأمر لا يرجع إلى نفسه، فالأول ما مضى في نحو تشبيه الكلام بالعسل في الحلاوة، وذلك أن وجه التشبيه هناك أن كل واحد منهما يوجب في النفس لذة وحالة محمودة، ويصادف منها قبولا، وهذا حكم واجب للحلاوة من حيث هي حلاوة، أو للعسل من حيث هو عسل، وأما الثاني وهو ما ينتزع منه الشبه لأمر لا يرجع إلى نفسه، فمثاله أن يتعدى الفعل إلى شيء مخصوص يكون له من أجله حكم خاص، نحو كونه واقعا في موقعه وعلى الصواب، أو واقعا غير موقعه، كقولهم هو كالقابض على الماء والراقم في الماء، فالشبه ها هنا منتزع مما بين القبض والماء، وليس بمنزع من القبض نفسه، وذلك أن فائدة قبض اليد على الشيء أن يحصل فيها، فإذا كان الشيء مما لا يتماسك، ففعلك القبض في اليد لغو وكذلك القصد في الرقم أن يبقى أثر في الشيء، وإذا فعلته فيما لا يقبله، كان فعلك كلا فعل وكذلك قولهم: يضرب في حديد بارد و ينفخ في غير فحم، وإذا ثبت هذا فكل شبه كان هذا سبيله، فإنك لا تجد بين المعنى المذكور وبين المشبه إذا افردته، ملابسة البتة، ألاتراك تضرب الرقم في الماء والقبض عليه، لأمور لا شبه بينهما وبينها البتة، من حيث هما رقم وقبض، وإذا قد عرفت هذا فالحمل في الآية من هذا القبيل أيضا، لأنه تضمن الشبه من اليهود، لا لأمر يرجع إلى حقيقة الحمل، بل لأمرين آخرين: أحدهما تعديه إلى الأسفار، والآخر اقتران الجهل للأسفار به، وإذا كان الأمر كذلك، كان قطعك الحمل عن هذين الأمرين في البعد من الغرض، كقطعك القبض والرقم عن الماء، في استحالة أن يعقل منها ما يعقل بعد تعديهما إلى الماء بوجه من الوجوه فاعرفه. فإن قلت: ففي اليهود شبه من الحمل، من حيث هو حمل على حال، وذلك أن الحافظ للشيء بقلبه، يشبه الحامل للشيء على ظهره، وعلى ذلك يقال: حملة الحديث، وحملة العلم كما جاء في الأثر: يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، فالجواب أن الأمر وإن كان كذلك، فإن هذا الشبه لم يقصد ها هنا وإنما قصد ما يوجبه تعدي الحمل إلى الأسفار، مع اقتران الجهل بها به، وهو العناء بلا منفعة، يبين ذلك: أنك قد تقول للرجل يحمل في كمه أبدا دفاتر علم، وهو بليد لا يفهم، أو كسلان لا يتعلم: إن كان يحمل كتب العلم فالحمار أيضا قد يحمل، تريد أن تبطل دعواه أن له في حمله فائدة، وأن تسوي بينه وبين الحمار في فقد الفائدة مما يحمل، فالحمل ها هنا نفسه موجود في المشبه بالحمار، ثم التشبيه لا ينصرف إليه من حيث هو حمل، وإنما ينصرف إلى ما ذكرت لك من عدم الجدوى والفائدة، وإنما يتصور أن يكون الشبه راجعا إلى الحمل من حيث هو حمل، حيث يوصف الرجل مثلا بكثرة الحفظ للوظائف، أو جهد النفس في الأشغال المتراكمة، وذلك خارج عن الغرض مما نحن فيه، ومن هذا الباب قولهم: أخذ القوس باريها، وذلك أن المعنى على وقوع الأخذ في موقعه ووجوده من أهله، فلست تشبهه من حيث الأخذ نفسه وجنسه، ولكن من حيث الحكم الحاصل له بوقوعه من باري القوس على القوس، وكذلك قولهم: ما زال يفتل منه في الذروة والغارب الشبه مأخوذ ما بين الفتل وما تعدى إليه من الذروة والغارب، ولو أفردته لم تجد شبها بينه وبين ما يضرب هذا الكلام مثلا له، لأنه يضرب في الفعل أو القول يصرف به الإنسان عن الامتناع إلى الإجابة، وعن الإباء عليك مرادك، إلى موافقتك والمصير إلى ما تريد منه، وهذا لا يوجد في الفتل من حيث هو فتل، وإنما يوجد في الفتل إذا وقع في الشعر من ذروة البعير وغاربه، واعلم أن هذا الشبه حكمه واحد، سواء أخذته ما بين الفعل والمفعول الصريح، أو ما يجري مجرى المفعول، فالمفعول كالقوس في قولك: أخذ القوس باريها، وما يجري مجرى المفعول، الجار مع المجرور، كقولك: الرقم في الماء وهو كمن يخط في الماء، وكذلك الحال، كقولهم: كالحادي وليس له بعير، فقولك: وليس له بعير، جملة من الحال، وقد احتاج الشبه إليها، لأنه مأخوذ ما بين المعنى الذي هو

(1/38)


الحدو، وبين هذه الحال، كما كان مأخوذا بين الرقم والماء، وما بين الفتل والذروة والغارب، وقد تجد بك حاجة إلى مفعول و إلى الجار مع المجرور كقولك: وهل يجمع السيفان في غمد، وأنت كمن يجمع السيفين في غمد، ألا ترى أن الجمع فيه لا يغني بتعديه إلى السيفين، حتى يشترط كونه جمعا لهما في الغمد؟ فمجموع ذلك كله يحصل الغرض، وهكذا نحو قول العامة: هو كثير الجور على إلفه، وقولهم: كمبتغي الصيد في عريسة الأسد، لأن الصيد مفعول و في عريسة جار مع المجرور، فإذا ثبت هذا ظهر منه أنه لا بد لك في هذا الضرب من الشبه من جملة صريحة أو حكم الجملة، فالجملة الصريحة قولك: أخذ القوس باريها وحكم الجملة أن تقول: هذا منك كالرقم في الماء، و كالقابض على الماء، فتأتي باسم الفاعل، وذاك أن المصدر واسم الفاعل ليسا بجملتين صريحا ولكن حكم الجملة قائم فيهما، وهو أنك أعملتهما عمل الفعل، ألا ترى أنك عديتهما على حسب ما تعدى الفعل؟ وخصائص هذا النوع من التمثيل أكثر من أن تضبط، وقد وقفتك على الطريقة،دو، وبين هذه الحال، كما كان مأخوذا بين الرقم والماء، وما بين الفتل والذروة والغارب، وقد تجد بك حاجة إلى مفعول و إلى الجار مع المجرور كقولك: وهل يجمع السيفان في غمد، وأنت كمن يجمع السيفين في غمد، ألا ترى أن الجمع فيه لا يغني بتعديه إلى السيفين، حتى يشترط كونه جمعا لهما في الغمد؟ فمجموع ذلك كله يحصل الغرض، وهكذا نحو قول العامة: هو كثير الجور على إلفه، وقولهم: كمبتغي الصيد في عريسة الأسد، لأن الصيد مفعول و في عريسة جار مع المجرور، فإذا ثبت هذا ظهر منه أنه لا بد لك في هذا الضرب من الشبه من جملة صريحة أو حكم الجملة، فالجملة الصريحة قولك: أخذ القوس باريها وحكم الجملة أن تقول: هذا منك كالرقم في الماء، و كالقابض على الماء، فتأتي باسم الفاعل، وذاك أن المصدر واسم الفاعل ليسا بجملتين صريحا ولكن حكم الجملة قائم فيهما، وهو أنك أعملتهما عمل الفعل، ألا ترى أنك عديتهما على حسب ما تعدى الفعل؟ وخصائص هذا النوع من التمثيل أكثر من أن تضبط، وقد وقفتك على الطريقة

(1/39)


فهذا أحد الوجوه التي يكون الشبه العقلي بها حاصلا لك من جملة من الكلام، وأظنه من أقوى الأسباب والعلل فيه، وعلى الجملة، فينبغي أن تعلم أن المثل الحقيقي، والتشبيه الذي هو الأولى بأن يسمى تمثيلا لبعده عن التشبيه الظاهر الصريح، ما تجده لا يحصل لك إلا من جملة من الكلام أو جملتين أو أكثر، حتى إن التشبيه كلما كان أوغل في كونه عقليا محضا، كانت الحاجة إلى الجملة أكثر، ألا ترى إلى نحو قوله عز وجل: " إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس " " يونس:42 " ، كيف كثرت الجمل فيه؟ حتى إنك ترى في هذه الآية عشر جمل إذا فصلت، وهي وإن كان قد دخل بعضها في بعض حتى كأنها جملة واحدة، فإن ذلك لا يمنع من أن تكون صور الجمل معنا حاصلة تشير إليها واحدة واحدة، ثم إن الشبه منتزع من مجموعها، من غير أن يمكن فصل بعضها عن بعض، وإفراد شطر من شطر، حتى إنك لو حذفت منها جملة واحدة من أي موضع كان، أخل ذلك بالمغزى من التشبيه، ولا ينبغي أن تعد الجمل في هذا النحو بعد التشبيهات التي يضم بعضها إلى بعض، والأغراض الكثيرة التي كل واحد منها منفرد بنفسه، بل بعد جمل تنسق ثانية منها على أولة، وثالثة على ثانية، وهكذا، فإن ما كان من هذا الجنس لم تترتب فيه الجمل ترتيبا مخصوصا حتى يجب أن تكون هذه سابقة وتلك تالية والثالثة بعدهما، ألا ترى أنك إذا قلت: زيد كالأسد بأسا، والبحر جودا، والسيف مضاء، والبدر بهاء، لم يجب عليك أن تحفظ في هذه التشبيهات نظاما مخصوصا؟ بل لو بدأت بالبدر وتشبيهه به في الحسن، وأخرت تشبيهه بالأسد في الشجاعة، كان المعنى بحاله، وقوله:
النشر مسك والوجوه دنا ... نير وأطراف الأكف عنم
إنما يجب حفظ هذا الترتيب فيها لأجل الشعر، فأما أن تكون هذه الجمل متداخلة كتداخل الجمل في الآية، وواجبا فيها أن يكون لها نسق مخصوص كالنسق في الأشياء إذا رتبت ترتيبا مخصوصا كان لمجموعها صورة خاصة مقررة فلا. وقد يجيء الشيء من هذا القبيل يتوهم فيه أن إحدى الجملتين أو الجمل تنفرد وتستعمل بنفسها تشبيها وتمثيلا، ثم لا يكون كذلك عند حسن التأمل، مثال ذلك قوله:
كما أبرقت قوما عطاشا غمامة ... فلما رجوها أقشعت وتجلت

(1/40)


هذا مثل في أن يظهر للمضطر إلى الشيء، الشديد الحاجة إليه، أمارة وجوده، ثم يفوته ويبقى لذلك بحسرة وزيادة ترح، وقد يمكن أن يقال: إن قولك: أبرقت قوما عطاشا غمامة، تشبيه مستقل بنفسه، لا حاجة به إلى ما بعده من تمام البيت في إفادة المقصود الذي هو ظهور أمر مطمع لمن هو شديد الحاجة، إلا أنه وإن كان كذلك، فإن حقنا أن ننظر في مغزى المتكلم في تشبيهه، ونحن نعلم أن المغزى أن يصل ابتداء مطمعا بانتهاء مؤيس، وذلك يقتضي وقوف الجملة الأولة على ما بعدها من تمام البيت، ووزان هذا أن الشرط والجزاء جملتان، ولكنا نقول: إن حكمهما حكم جملة واحدة، من حيث دخل في الكلام معنى يربط إحداهما بالأخرى، حتى صارت الجملة لذلك بمنزلة الاسم المفرد في امتناع أن تحصل به الفائدة، فلو قلت: إن تأتني وسكت، لم تفد كما لا تفيد إذا قلت: زيد وسكت، فلم تذكر اسما آخر ولا فعلا، ولا كان منويا في النفس معلوما من دليل الحال، ثم إن الأمر، وإن كان كذلك، فقد يجوز أن تخرج الكلام عن الجزاء فتقول: تأتيني، فتعود الجملة على الإفادة، لإغنائك لها عن أن ترتبط بأخرى، وإزالتك المعنى الذي أوجب فقرها إلى صاحبة لها، إلا أن الغرض الأول يبطل والمعنى يتبدل، فكذلك الاقتصار على الجملة التي هي: أبرقت قوما عطاشا غمامة، يخرج عن غرض الشاعر، فإن قلت: فهذا يلزمك في قولك: هو يصفو ويكدر، وذلك أن الاقتصار على أحد الأمرين يبطل غرض القائل، وقصده أن يصف الرجل بأنه يجمع الصفتين، وأن الصفاء لا يدوم، فالجواب أن بين الموضعين فرقا، وإن كان يغمض قليلا، وهو أن الغرض في البيت أن يثبت ابتداء مطمعا مؤنسا أدى إلى انتهاء مؤيس موحش، وكون الشيء ابتداء لآخر هو له انتهاء، معنى زائد على الجمع بين الأمرين، والوصف بأن كل واحد منها يوجد في المقصود، وليس لك في قولك يصفو ويكدر، أكثر من الجمع بين الوصفين، ونظير هذا أن تقول هو كالصفو بعد الكدر، في حصول معنى يجب معه ربط أحد الوصفين بالآخر في الذكر ويتعين به الغرض، حتى لو قلت: يكدر ثم يصفو، فجئت بثم التي توجب الثاني مرتبا على الأول، وأن أحدهما مبتدأ والآخر بعده، صرت بالجملة إلى حد ما نحن عليه من الارتباط، ووجوب أن يتعلق الحكم بمجموعهما، ويوجد الشبه إن شبهت ما بينهما، على التشابك والتداخل، دون التباين والتزايل، ومن الواضح في كون الشبه معلقا بمجموع الجملتين، حتى لا يقع في الوهم تميز إحداهما على الأخرى قوله: بلغني أنك تقدم رجلا وتؤخر أخرى، فإذا أتاك كتابي هذا فاعتمد على أيهما شئت والسلام، وذلك أن المقصود من هذا الكلام: التردد بين الأمرين، وترجيح الرأي فيهما، ولا يتصور التردد والترجيح في الشىء الواحد، فلو جهدت وهمك أن تتصور لقولك: تقدم رجلا معنى وفائدة ما لم تقل: وتؤخر أخرى، أو تنوه في قلبك، كلفت نفسك شططا، وذكر أبو أحمد العسكري أن هذا النحو من الكلام يسمى: المماثلة، وهذه التسمية توهم أنه شيء غير المراد بالمثل و التمثيل وليس الأمر كذلك، كيف وأنت تقول مثلك مثل من يقدم رجلا ويؤخر أخرى؟ ووزان هذا أنك تقول زيد الأسد، فيكون تشبيها على الحقيقة وإن كنت لم تصرح بحرف التشبيه ومثله أنك تقول أنت ترقم في الماء، وتضرب في حديد بارد، وتنفخ في غير فحم، فلا تذكر ما يدل صريحا على أنك تشبه، ولكنك تعلم أن المعنى على قولك أنت كمن يرقم في الماء، وكمن يضرب في حديد بارد، وكمن ينفخ في غير فحم، وما أشبه ذلك مما تجيء فيه بمشبه به ظاهر تقع هذه الأفعال في صلة اسمه أو صفته

(1/41)


واعلم أن المثل قد يضرب بجمل لا بد فيها من أن يتقدمها مذكور يكون مشبها به، ولا يمكن حذف المشبه به والاقتصار على ذكر المشبه، ونقل الكلام إليه حتى كأنه صاحب الجملة، إلا أنه مشبه بمن صفته وحكمه مضمون تلك الجملة بيان هذا أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: الناس كإبل مئة لا تكاد تجد فيها راحلة، لا بد فيه من المحافظة على ذكر المشبه به الذي هو الإبل، فلو قلت: الناس لا تجد فيهم راحلة أو لا تجد في الناس راحلة، كان ظاهر التعسف، وها هنا ما هو أشد اقتضاء للمحافظة على ذكر ما تعلق الجملة به وتسند إليه، وذلك مثل قوله عز وجل: " إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء " " يونس:42 " ، لو أردت أن تحذف الماء الذي هو المشبه به، وتنقل الكلام إلى المشبه الذي هو الحياة، أردت ما لا تحصل منه على كلام يعقل، لأن الأفعال المذكورة المحدث بها عن الماء، لا يصح إجراؤها على الحياة فاحفظ هذا الأصل فإنك تحتاج إليه، وخصوصا في الاستعارة، على ما يجيء القول فيه إن شاء الله تعالى، والجملة إذا جاءت بعد المشبه به، لم تخل من ثلاثة أوجه أحدها أن يكون المشبه به معبرا عنه بلفظ موصول، وتكون الجملة صلة، كقولك أنت الذي من شأنه كيت وكيت، كقوله تعالى: " مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله " " البقرة:71 " ، والثاني أن يكون المشبه به نكرة تقع الجملة صفة له، كقولنا أنت كرجل من أمره كذا وكذا، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: " الناس كإبل مئة لا تجد فيها راحلة " ، وأشباه ذلك، والثالث أن تجيء مبتدأة، وذلك إذا كان المشبه به معرفة، ولم يكن هناك الذي، كقوله تعالى: " كمثل العنكبوت اتخذت بيتا " " العنكبوت:14 " .
فصل في مواقع التمثيل وتأثيره
واعلم أن مما اتفق العقلاء عليه، أن التمثيل إذا جاء في أعقاب المعاني، أو برزت هي باختصار في معرضه، ونقلت عن صورها الأصلية إلى صورته، كساها أبهة، وكسبها منقبة، ورفع من أقدارها، وشب من نارها، وضاعف قواها في تحريك النفوس لها، ودعا القلوب إليها، واستثار لها من أقاصي الأفئدة صبابة وكلفا، وقسر الطباع على أن تعطيها محبة وشغفا، فإن كان مدحا، كان أبهى وأفخم، وأنبل في النفوس وأعظم، وأهز للعطف، وأسرع للإلف، وأجلب للفرح، وأغلب على الممتدح، وأوجب شفاعة للمادح، وأقضى له بغر المواهب المنائح، وأسير على الألسن وأذكر، وأولى بأن تعلقه القلوب وأجدر، وإن كان ذما، كان مسه أوجع، وميسمه ألذع، ووقعه أشده، وحده أحد، وإن كان حجابا، كان برهانه أنور، وسلطانه أقهر، وبيانه أبهر، وإن كان افتخارا، كان شأوه أمد، وشرفه أجد، ولسانه ألد، وإن كان اعتذارا، كان إلى القبول أقرب، وللقلوب أخلب، وللسخائم أسل، ولغرب الغضب أفل، وفي عقد العقود أنفث، وعلى حسن الرجوع أبعث، وإن كان وعظا، كان أشفى للصدر، وأدعى إلى الفكر، وأبلغ في التنبيه والزجر، وأجدر بأن يجلي الغياية، ويبصر الغاية، ويبرئ العليل، ويشفي الغليل، وهكذا الحكم إذا استقريت فنون القول وضروبه، وتتبعت أبوابه وشعوبه، وإن أردت أن تعرف ذلك وإن كان تقل الحاجة فيه إلى التعريف، ويستغنى في الوقوف عليه عن التوقيف فانظر إلى نحو قول البحتري:
دان على أيدي العفاة وشاسع ... عن كل ند في الندى وضريب
كالبدر أفرط في العلو وضوءه ... للعصبة السارين جد قريب

(1/42)


وفكر في حالك وحال المعنى معك، وأنت في البيت الأول لم تنته إلى الثاني ولم تتدبر نصرته إياه، وتمثيله له فيما يملي على الإنسان عيناه، ويؤدي إليه ناظراه، ثم قسهما على الحال وقد وقفت عليه، وتأملت طرفيه، فإنك تعلم بعد ما بين حالتيك، وشدة تفاوتهما في تمكن المعنى لديك، وتحببه إليك، ونبله في نفسك، وتوفيره لأنسك، وتحكم لي بالصدق فيما قلت، والحق فيما ادعيت وكذلك فتعهد الفرق بين أن تقول: فلان يكد نفسه في قراءة الكتب ولا يفهم منها شيئا وتسكت، وبين أن تتلوا الآية، وتنشد نحو قول الشاعر:
زوامل للأشعار لا علم عندهم ... بجيدها إلا كعلم الأباعر
لعمرك ما يدرى البعير إذا غدا ... بأوساقه أو راح ما في الغرائر
والفصل بين أن تقول أرى قوما لهم بهاء ومنظر، وليس هناك مخبر، بل في الأخلاق دقة، وفي الكرم ضعف وقلة وتقطع الكلام، وبين أن تتبعه نحو قول الحكيم أما البيت فحسن، وأما الساكن فرديء، وقول ابن لنكك:
في شجر السرو منهم مثل ... له رواء وما له ثمر
وقول ابن الرومي:
فغدا كالخلاف يورق للعي ... ن ويأبى الإثمار كل الإباء
وقول الآخر:
فإن طرة راقتك فانظر فربما ... أمر مذاق العود والعود أخضر
وانظر إلى المعنى في الحالة الثانية كيف يورق شجره ويثمر، ويفتر ثغره ويبسم، وكيف تشتار الأري من مذاقته، كما ترى الحسن في شارته، وأنشد قول ابن لنكك:
إذا أخو الحسن أضحى فعله سمجا ... رأيت صورته من أقبح الصور
وتبين المعنى واعرف مقدراه، ثم أنشد البيت بعده:
وهبك كالشمس في حسن ألم ترنا ... نفر منها إذا مالت إلى الضرر
وانظر كيف يزيد شرفه عندك، وهكذا فتأمل بيت أبي تمام:
وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود
مقطوعا عن البيت الذي يليه، والتمثيل الذي يؤديه، واستقص في تعرف قيمته، على وضوح معناه وحسن بزته، ثم أتبعه إياه:
لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود
وانظر هل نشر المعنى تمام حلته، وأظهر المكنون من حسنه، وزينته، وعطرك بعرف عوده، وأراك النضرة في عوده، وطلع عليك من طلع سعوده، واستكمل فضله في النفس ونبله، واستحق التقديم كله، إلا بالبيت الأخير، وما فيه من التمثيل والتصوير، وكذلك فرق في بيت المتنبي:
ومن يك ذا فم مر مريض ... يجد مرا به الماء الزلالا
لو كان سلك بالمعنى الظاهر من العبارة كقولك: إن الجاهل الفاسد الطبع يتصور المعنى بغير صورته، ويخيل إليه في الصواب أنه خطأ، هل كنت تجد هذه الروعة، وهل كان يبلغ من وقم الجاهل ووقذه، وقمعه وردعه والتهجين له والكشف عن نقصه، ما بلغ التمثيل في البيت، وينتهي إلى حيث انتهى، وإن أردت اعتبار ذلك في الفن الذي هو أكرم وأشرف، فقابل بين أن تقول: إن الذي يعظ ولا يتعظ يضر بنفسه من حيث ينفع غيره، وتقتصر عليه وبين أن تذكر المثل فيه على ما جاء في الخبر من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " مثل الذي يعلم الخير ولا يعمل به، مثل السراج الذي يضيء للناس ويحرق نفسه " ، ويروي: مثل الفتيلة تضيء للناس وتحرق نفسها. وكذا فوازن بين قولك للرجل تعظه إنك لا تجزى السيئة حسنة، فلا تغر نفسك وتمسك، وبين أن تقول في أثره إنك لا تجني من الشوك العنب، وإنما تحصد ما تزرع، وأشباه ذلك. وكذا بين أن تقول لا تكلم الجاهل بما لا يعرفه ونحوه، وبين أن تقول لا تنثر الدر قدام الخنازير أو لا تجعل الدر في أفواه الكلاب، وتنشد نحو قول الشافعي رحمه الله

(1/43)


" أأنثر درا بين سارحة الغنم " وكذا بين أن تقول: الدنيا لا تدوم ولا تبقى، وبين أن تقول: هي ظل زائل، وعارية تسترد، ووديعة تسترجع، وتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: " من في الدنيا ضيف وما في يديه عارية، والضيف مرتحل، والعارية مؤداة " ، وتنشد قول لبيد:
وما المال والأهلون إلا وديعة ... ولا بد يوما أن ترد الودائع
وقول الآخر:
إنما نعمة قوم متعة ... وحياة المرء ثوب مستعار
فهذه جملة من القول تخبر عن صيغ التمثيل وتخبر عن حال المعنى معه، فأما القول في العلة والسبب، لم كان للتمثيل هذا التأثير؛ وبيان جهته ومأتاه، وما الذي أوجبه واقتضاه، فغيرها، وإذا بحثنا عن ذلك، وجدنا له أسبابا وعللا، كل منها يقتضي أن يفخم المعنى بالتمثيل، وينبل ويشرف ويكمل، فأول ذلك وأظهره، أن أنس النفوس موقوف على أن تخرجها من خفي إلى جلي، وتأتيها بصريح بعد مكنى، وأن تردها في الشيء تعلمها إياه إلى شيء آخر هي بشأنه أعلم، وثقتها به في المعرفة أحكم نحو أن تنقلها عن العقل إلى الإحساس وعما يعلم بالفكر إلى ما يعلم بالاضطرار والطبع، لأن العلم المستفاد من طرق الحواس أو المركوز فيها من جهة الطبع وعلى حد الضرورة، يفضل المستفاد من جهة النظر والفكر في القوة والاستحكام، وبلوغ الثقة فيه غاية التمام، كما قالوا: ليس الخبر كالمعاينة، ولا الظن كاليقين، فلهذا يحصل بها العلم هذا الأنس أعني الأنس من جهة الاستحكام والقوة، وضرب آخر من الأنس، وهو ما يوجبه تقدم الإلف، كما قيل:
ما الحب إلا للحبيب الأول
ومعلوم أن العلم الأول أتى النفس أولا من طريق الحواس والطباع، ثم من جهة النظر والروية، فهو إذن أمس بها رحما، وأقوى لديها ذمما، وأقدم لها صحبة، وآكد عندها حرمة وإذ نقلتها في الشيء بمثله عن المدرك بالعقل المحض وبالفكرة في القلب، إلى ما يدرك بالحواس أو يعلم بالطبع، وعلى حد الضرورة، فأنت إذن مع الشاعر وغير الشاعر إذا وقع المعنى في نفسك غير ممثل ثم مثله كمن يخبر عن شيء من وراء حجاب، ثم يكشف عنه الحجاب ويقول: ها هو ذا، فأبصر تجده على ما وصفت. فإن قلت إن الأنس بالمشاهدة بعد الصفة والخبر، إنما يكون لزوال الريب والشك في الأكثر، أفتقول إن التمثيل إنما أنس به، لأنه يصحح المعنى المذكور والصفة السابقة، ويثبت أن كونها جائز ووجودها صحيح غير مستحيل، حتى لا يكون تمثيل إلا كذلك، فالجواب إن المعاني التي يجيء التمثيل في عقبها على ضربين غريب بديع يمكن أن يخالف فيه، ويدعى امتناعه واستحالة وجوده، وذلك نحو قوله:
فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال

(1/44)


وذلك أنه أراد أنه فاق الأنام وفاتهم إلى حد بطل معه أن يكون بينه وبينهم مشابهة ومقاربة، بل صار كأنه أصل بنفسه وجنس برأسه، وهذا أمر غريب، وهو أن يتناهى بعض أجزاء الجنس في الفضائل الخاصة به إلى أن يصير كأنه ليس من ذلك الجنس، وبالمدعي له حاجة إلى أن يصحح دعواه في جواز وجوده على الجملة إلى أن يجيء إلى وجوده في الممدوح، فإذا قال: فإن المسك بعض دم الغزال، فقد احتج لدعواه، وأبان أن لما ادعاه أصلا في الوجود، وبرأ نفسه من ضعة الكذب، وباعدها من سفه المقدم على غير بصيرة، والمتوسع في الدعوى من غير بينة، وذلك أن المسك قد خرج عن صفة الدم وحقيقته، حتى لايعد في جنسه، إذ لا يوجد في الدم شيء من أوصافه الشريفة الخاصة بوجه من الوجوه، لا ما قل ولا ما كثر، ولا في المسك شيء من الأوصاف التي كان لها الدم دما البتة. والضرب الثاني أن لا يكون المعنى الممثل غريبا نادرا يحتاج في دعوى كونه على الجملة إلى بينة وحجة وإثبات، نظير ذلك أن تنفي عن فعل من الأفعال التي يفعلها الإنسان الفائدة، وتدعي أنه لا يحصل منه على طائل، ثم تمثله في ذلك بالقابض على الماء والراقم فيه، فالذي مثلت ليس بمنكر مستبعد، إذ لا ينكر خطأ الإنسان في فعله أو ظنه وأمله وطلبه، ألا ترى أن المغزى من قوله:
فأصبحت من ليلى الغداة كقابض ... على الماء خانته فروج الأصابع
أنه قد خاب في ظنه أن يتمتع بها ويسعد بوصلها، وليس بمنكر ولا عجيب ولا ممتنع في الوجود، خارج من المعروف المعهود، أن يخيب ظن الإنسان في أشباه هذا من الأمور، حتى يستشهد على إمكانه، وتقام البينة على صدق المدعي لوجدانه، وإذا ثبت أن المعاني الممثلة تكون على هذين الضربين، فإن فائدة التمثيل وسبب الأنس في الضرب الأول بين لائح، لأنه يفيد فيه الصحة وينفي الريب والشك، ويؤمن صاحبه من تكذيب المخالف، وتهجم المنكر، وتهكم المعترض، وموازنته بحالة كشف الحجاب عن الموصوف المخبر عنه حتى يرى ويبصر، ويعلم كونه على ما أثبتته الصفة عليه موازنة ظاهرة صحيحة، وأما الضرب الثاني فإن التمثيل وإن كان لا يفيد فيه هذا الضرب من الفائدة، فهو يفيد أمرا آخر يجري مجراه، وذلك أن الوصف كما يحتاج إلى إقامة الحجة على صحة وجوده في نفسه، وزيادة التثبيت والتقرير في ذاته وأصله، فقد يحتاج إلى بيان المقدار فيه، ووضع قياس من غيره يكشف عن حده ومبلغه في القوة والضعف والزيادة والنقصان، وإذا أردت أن تعرف ذلك، فانظر أولا إلى التشبيه الصريح الذي ليس بتمثيل، كقياس الشيء على الشيء في اللون مثلا: كحنك الغراب، تريد أن تعرف مقدار الشدة، لا أن تعرف نفس السواد على الإطلاق، وإذا تقرر هذا الأصل، فإن الأوصاف التي يرد السامع فيها بالتمثيل من العقل إلى العيان والحس، وهي في أنفسها معروفة مشهورة صحيحة لا تحتاج إلى الدلالة على أنها هل هي ممكنة موجودة أم لا فإنها وإن غنيت من هذه الجهة عن التمثيل بالمشاهدات والمحسوسات، فإنها تفتقر إليه من جهة المقدار، لأن مقاديرها في العقل تختلف وتتفاوت، فقد يقال في الفعل: إنه من حال الفائدة عل حدود مختلفة في المبالغة والتوسط، فإذا رجعت إلى ما تبصر وتحس عرفت ذلك بحقيقته، وكما يوزن بالقسطاس، فالشاعر لما قال: " كقابض على الماء خانته فروج الأصابع " ؛ أراك رؤية لا تشك معها ولا ترتاب أنه بلغ في خيبة ظنه وبوار سعيه إلى أقصى المبالغ، وانتهى فيه إلى أبعد الغايات، حتى لم يحظ لا بما قل ولا ما كثر، فهذا هو الجواب، ونحن بنوع من التسهل والتسامح، نقع على أن الأنس الحاصل بانتقالك في الشىء عن الصفة والخبر إلى العيان ورؤية البصر، ليس له سبب سوى زوال الشك والريب، فأما إذا رجعنا إلى التحقيق فإنا نعلم أن المشاهدة تؤثر في النفوس مع العلم بصدق الخبر، كما أخبر الله تعالى عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام في قوله: " قال بلى ولكن ليطمئن قلبي " " سورة البقرة: 62 " ، والشواهد في ذلك كثيرة، والأمر فيه ظاهر، ولولا أن الأمر كذلك، لما كان لنحو قول أبي تمام:

(1/45)


وطول مقام المرء في الحي مخلق ... لديباجتيه فاغترب تتجدد
فإني رأيت الشمس زيدت محبة ... إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد
معنى، وذلك أن هذا التجدد لا معنى له، إذا كانت الرؤية لا تفيد أنسا من حيث هي رؤية، وكان الأنس لنفيها الشك والريب، أو لوقوع العلم بأمر زائد لم يعلم من قبل، وإذا كان الأمر كذلك، فأنت إذا قلت للرجل أنت مضيع للحزم في سعيك، ومخطئ وجه الرشاد، وطالب لما لا تناله، إذا كان الطلب على هذه الصفة ومن هذه الجهة، ثم عقبته بقولك وهل يحصل في كف القابض على الماء شيء مما يقبض عليه؟، فلو تركنا حديث تعريف المقدار في الشدة والمبالغة ونفي الفائدة من أصلها جانبا بقي لنا ما تقتضيه الرؤية للموصوف على ما وصف عليه من الحالة المتجددة، مع العلم بصدق الصفة يبين ذلك، أنه لو كان الرجل مثلا على طرف نهر في وقت مخاطبة صاحبه وإخباره له بأنه لا يحصل من سعيه على شيء، فأدخل يده في الماء وقال: انظر هل حصل في كفي من الماء شيء؟ فكذلك أنت في أمرك، كان لذلك ضرب من التأثير زائد على القول والنطق بذلك دون الفعل، ولو أن رجلا أراد أن يضرب لك مثلا في تنافي الشيئين فقال: هذا وذاك هل يجتمعان؟، وأشار إلى ماء ونار حاضرين، وجدت لتمثيله من التأثير ما لا تجده إذا أخبرك بالقول فقال: هل يجتمع الماء والنار؟، وذلك الذي تفعل المشاهدة من التحريك للنفس، والذي يجب بها من تمكن المعنى في القلب إذا كان مستفاده من العيان، ومتصرفه حيث تتصرف العينان وإلا فلا حاجة بنا في معرفة أن الماء والنار لا يجتمعان إلى ما يؤكده من رجوع إلى مشاهدة واستيثاق تجربة، ومما يدلك على أن التمثيل بالمشاهدة يزيدك أنسا، وإن لم يكن بك حاجة إلى تصحيح المعنى، أو بيان لمقدار المبالغة فيه، أنك قد تعبر عن المعنى بالعبارة التي تؤديه، وتبالغ وتجتهد حتى لا تدع في النفوس منزعا، نحو أن تقول وأنت تصف اليوم بالطول: يوم كأطول ما يتوهم و كأنه لا آخر له، وما شاكل ذلك من نحو قوله:
في ليل صول تناهى العرض والطول ... كأنما ليله بالليل موصول
فلا تجد له من الأنس ما تجده لقوله:
ويوم كظل الرمح قصر طوله
على أن عبارتك الأولى أشد وأقوى في المبالغة من هذا فظل الرمح على كل حال متناه تدرك العين نهايته، وأنت قد أخبرت عن اليوم بأنه كأنه لا آخر له، وكذلك تقول: يوم كأقصر ما يتصور وكأنه ساعة وكلمح البصر وكلا ولا، فتجد هذا مع كونه تمثيلا، لا يؤنسك إيناس قولهم: أيام كأباهيم القطا، وقول ابن المعتز:
بدلت من ليل كظل حصاة ... ليلا كظل الرمح غير موات
وقول آخر:
ظللنا عند باب أبي نعيم ... بيوم مثل سالفة الذباب
وكذا تقول: فلان إذا هم بالشيء لم يزل ذاك عن ذكره وقلبه، وقصر خواطره على إمضاء عزمه، ولم يشغله شيء عنه، فتحتاط للمعنى بأبلغ ما يمكن، ثم لا ترى في نفسك له هزة، ولا تصادف لما تسمع أريحية، وإنما تسمع حديثا ساذجا وخبرا غفلا، حتى إذا قلت:
إذا هم ألقى بين عينيه عزمه

(1/46)


امتلأت نفسك سرورا وأدركتك طربة كما يقول القاضي أبو الحسن لا تملك دفعها عنك، ولا تقل إن ذلك لمكان الإيجاز، فإنه وإن كان يوجب شيئا منه، فليس الأصل له، بل لأن أراك العزم واقعا بين العينين، وفتح إلى مكان المعقول من قلبك بابا من العين، وها هنا إذا تأملنا مذهب آخر في بيان السبب الموجب لذلك، هو ألطف مأخذا، وأمكن في التحقيق وأولى بأن يحيط بأطراف الباب، وهو أن لتصوير الشبه من الشيء في غير جنسه وشكله، والتقاط ذلك له من غير محلته، واجتلابه إليه من الشق البعيد، بابا آخر من الظرف واللطف، ومذهبا من مذاهب الإحسان لا يخفى موضعه من العقل، وأحضر شاهدا لك على هذا: أن تنظر إلى تشبيه المشاهدات بعضها ببعض، فإن التشبيهات سواء كانت عامية مشتركة، أم خاصية مقصورة على قائل دون قائل تراها لا يقع بها اعتداد، ولا يكون لها موقع من السامعين، ولا تهز ولا تحرك حتى يكون الشبه مقررا بين شيئين مختلفين في الجنس، فتشبيه العين بالنرجس، عامي مشترك معروف في أجيال الناس، جار في جميع العادات، وأنت ترى بعد ما بين العينين وبينه من حيث الجنس وتشبيه الثريا بما شبهت به من عنقود الكرم المنور، واللجام المفضض، والوشاح المفصل، وأشباه ذلك، خاصي، والتباين بين المشبه والمشبه به في الجنس على ما لا يخفى، وهكذا إذا استقريت التشبيهات، وجدت التباعد بين الشيئين كلما كان أشد، كانت إلى النفوس أعجب، وكانت النفوس لها أطرب، وكان مكانها إلى أن تحدث الأريحية أقرب، وذلك أن موضع الاستحسان، ومكان الاستظراف، والمثير للدفين من الارتياح، والمتألف للنافر من المسرة، والمؤلف لأطراف البهجة أنك ترى بها الشيئين مثلين متباينين، ومؤتلفين مختلفين، وترى الصورة الواحدة في السماء والأرض، وفي خلقة الإنسان وخلال الروض، وهكذا، طرائف تنثال عليك إذا فصلت هذه الجملة، وتتبعت هذه اللحمة، ولذلك تجد تشبيه البنفسج في قوله:
ولازوردية تزهو بزرقتها ... بين الرياض على حمر اليواقيت
كأنها فوق قامات ضعفن بها ... أوائل النار في أطراف كبريت
أغرب وأعجب وأحق بالولوع وأجدر من تشبيه النرجس: بمداهن در حشوهن عقيق، لأنه أراك شبها لنبات غض يرف، وأوراق رطبة ترى الماء منها يشف، بلهب نار في جسم مستول عليه اليبس، وباد فيه الكلف. ومبنى الطباع وموضوع الجبلة، على أن الشيء إذا ظهر من مكان لم يعهد ظهوره منه، وخرج من موضع ليس بمعدن له، كانت صبابة النفوس به أكثر، وكان بالشغف منها أجدر، فسواء في إثارة التعجب، وإخراجك إلى روعة المستغرب، وجودك الشيء من مكان ليس من أمكنته، ووجود شيء لم يوجد ولم يعرف من أصله في ذاته وصفته، ولو أنه شبه البنفسج ببعض النبات، أو صادف له شبها في شيء من المتلونات، لم تجد له هذه الغرابة، ولم ينل من الحسن هذا الحظ، وإذا ثبت هذا الأصل، وهو أن تصوير الشبه بين المختلفين في الجنس، مما يحرك قوى الاستحسان، ويثير الكامن من الاستظراف، فإن التمثيل أخص شيء بهذا الشأن، وأسبق جار في هذا الرهان، وهذا الصنيع صناعته التي هو الإمام فيها، والبادئ لها والهادي إلى كيفيتها، وأمره في ذلك أنك إذا قصدت ذكر ظرائفه، وعد محاسنه في هذا المعنى، والبدع التي يخترعها بحذقه، والتأليفات التي يصل إليها برفقه، ازدحمت عليك، وغمرت جانبيك، فلم تدر أيها تذكر، ولا عن أيها تعبر، كما قال:
إذا أتاها طالب يستامها ... تكاثرت في عينه كرامها

(1/47)


وهل تشك في أنه يعمل عمل السحر في تأليف المتباينين حتى يختصر لك بعد ما بين المشرق والمغرب، ويجمع ما بين المشئم والمعرق، وهو يريك للمعاني الممثلة بالأوهام شبها في الأشخاص الماثلة، والأشباح القائمة، وينطق لك الأخرس، ويعطيك البيان من الأعجم، ويريك الحياة في الجماد، ويريك التئام عين الأضداد، فيأتيك بالحياة والموت مجموعين، والماء والنار مجتمعين، كما يقال في الممدوح هو حياة لأوليائه، موت لأعدائه، ويجعل الشيء من جهة ماء، ومن أخرى نارا، كما يقال:
أنا نار في مرتقى نظر الحا ... سد، ماء جار مع الإخوان
وكما يجعل الشيء حلوا مرا، وصابا عسلا وقبيحا حسنا، كما قال:
حسن في وجوه أعدائه أق ... بح من ضيفه رأته السوام
ويجعل الشيء أسود أبيض في حال، كنحو قوله:
له منظر في العين أبيض ناصع ... ولكنه في القلب أسود أسفع
ويجعل الشيء كالمقلوب إلى حقيقة ضده، كما قال:
غرة بهمة ألا إنما كن ... ت أغر أيام كنت بهيما
ويجعل الشيء قريبا بعيدا معا، كقوله: " دان على أيدي العفاة وشاسع " وحاضرا وغائبا، كما قال:
أيا غائبا حاضرا في الفؤاد ... سلام على الحاضر الغائب
ومشرقا مغربا، كقوله:
له إليكم نفس مشرقة ... أن غاب عنكم مغربا بدنه
وسائرا مقيما، كما يجيء في وصف الشعر الحسن الذي يتداوله الرواة وتتهاداه الألسن، كما قال القاضي أبو الحسن:
وجوابة الأفق موقوفة ... تسير ولم تبرح الحضرة
وهل يخفى تقريبه المتباعدين، وتوقيفه بين المختلفين، وأنت تجد إصابة الرجل في الحجة، وحسن تخليصه للكلام، وقد مثلت تارة بالهناء ومعالجة الإبل الجربى به، وأخرى بحز القصاب اللحم وإعماله السكين في تقطيعه وتفريقه في قولهم " يضع الهناء مواضع النقب ويصيب الحز وويطبق المفصل " ، فانظر هل ترى مزيدا في التناكر والتنافر على ما بين طلاء القطران، وجنس القول والبيان ثم كرر النظر وتأمل كيف حصل الائتلاف، وكيف جاء من جمع أحدهما إلى الآخر، ما يأنس إليه العقل ويحمده الطبع؟ حتى إنك لربما وجدت لهذا المثل إذا ورد عليك في أثناء الفصول، وحين تبين الفاضل في البيان من المفضول قبولا، ولا ما تجد عند فوح المسك ونشر الغالية، وقد وقع ذكر الحز والتطبيق منك موقع ما ينفى الحزازات عن القلب، ويزيل أطباق الوحشة عن النفس، وتكلف القول في أن للتمثيل في هذا المعنى الذي لا يجارى إليه، والباع الذي لا يطاول فيه، كالاحتجاج للضرورات، وكفى دليلا على تصرفه فيه باليد الصناع، وإيفائه على غايات الابتداع، أنه يريك العدم وجودا والوجود عدما، والميت حيا والحي ميتا أعني جعلهم الرجل إذا بقي له ذكر جميل وثناء حسن بعد موته، كأنه لم يمت، وجعل الذكر حياة له، كما قال: " ذكر الفتى عمره الثاني " ؛ وحكمهم على الخامل الساقط القدر الجاهل الدنيء بالموت، وتصييرهم إياه حين لم يكن ما يؤثر عنه ويعرف به، كأنه خارج عن الوجود إلى العدم، أو كأنه لم يدخل في الوجود، ولطيفة أخرى له في هذا المعنى، هي، إذا نظرت، أعجب، والتعجب بها أحق ومنها أوجب، وذلك جعل الموت نفسه حياة مستأنفة حتى يقال: إنه بالموت استكمل الحياة في قولهم فلان عاش حين مات، يراد الرجل تحمله الأبية وكرم النفس والأنفة من العار، على أن يسخو بنفسه في الجود والبأس، فيفعل ما فعل كعب بن مامة في الإيثار على نفسه، أو ما يفعله الشجاع المذكور من القتال دون حريمه، والصبر في مواطن الإباء، والتصميم في قتال الأعداء، حتى يكون له يوم لا يزال يذكر، وحديث يعاد على مر الدهور ويشهر، كما قال ابن نباتة:
بأبي وأمي كل ذي ... نفس تعاف الضيم مرة
ترضى بأن ترد الردى ... فيميتها ويعيش ذكره

(1/48)


وإنه ليأتيك من الشيء الواحد بأشباه عدة، ويشتق من الأصل الواحد أغصانا في كل غصن ثمر على حدة، نحو أن الزند بإيرائه يعطيك شبه الجواد، والذكي الفطن، وشبه النجح في الأمور والظفر بالمراد وبإصلاده شبه البخيل لا يعطيك شيئا، والبليد الذي لا يكون له خاطر ينتج فائدة ويخرج معنى وشبه من يخيب سعيه، ونحو ذلك ويعطيك من القمر الشهرة في الرجل والنباهة والعز والرفعة، ويعطيك الكمال عن النقصان، والنقصان بعد الكمال، كقولهم هلا نما فعاد بدرا، يراد بلوغ النجل الكريم المبلغ الذي يشبه أصله من الفضل والعقل وسائر معاني الشرف، كما قال أبو تمام:
لهفي على تلك الشواهد منهما ... لو أمهلت حتى تصير شمائلا
لغدا سكونهما حجى وصباهما ... كرما وتلك الأريحية نائلا
إن الهلال إذا رأيت نموه ... أيقنت أن سيصير بدرا كاملا
وعلى هذا المثل بعينه، يضرب مثلا في ارتفاع الرجل في الشرف والعز من طبقة إلى أعلى منها، كما قال البحتري:
شرف تزيد بالعراق إلى الذي ... عهدوه بالبيضاء أو ببلنجرا
مثل الهلال بدا فلم يبرح به ... صوغ الليالي فيه حتى أقمرا
ويعطيك شبه الإنسان في نشئه ونمائه إلى أن يبلغ حد التمام، ثم تراجعه إذا انقضت مدة الشباب، كما قال:
المرء مثل هلال حين تبصره ... يبدو ضئيلا ضعيفا ثم يتسق
يزداد حتى إذا ما تم أعقبه ... كر الجديدين نقصا ثم ينمحق
وكذلك يتفرع من حالتي تمامه ونقصانه فروع لطيفة، فمن غريب ذلك قول ابن بابك:
وأعرت شطر الملك ثوب كماله ... والبدر في شطر المسافة يكمل
قاله في الأستاذ أبي علي، وقد استوزره فخر الدولة بعد وفاة الصاحب وأبا العباس الضبي وخلع عليهما وقول أبي بكر الخوارزمي:
أراك إذا أيسرت خيمت عندنا ... مقيما وإن أعسرت زرت لماما
فما أنت إلا البدر إن قل ضوءه ... أغب وإن زاد الضياء أقاما
المعنى لطيف، وإن كانت العبارة لم تساعده على الوجه الذي يجب، فإن الإغباب أن يتخلل وقتي الحضور وقت يخلو منه، وإنما يصلح لأن يراد أن القمر إذا نقص نوره، لم يوال الطلوع كل ليلة، بل يظهر في بعض الليالي، ويمتنع من الظهور في بعض، وليس الأمر كذلك، لأنه على نقصانه يطلع كل ليلة حتى يكون السرار، وقال ابن بابك في نحوه:
كذا البدر يسفر في تمه ... فإن خاف نقص المحاق انتقب
وهكذا ينظر إلى مقابلته الشمس واستمداده من نورها، وإلى كون ذلك سبب زيادته ونقصه وامتلائه من النور والائتلاق، وحصوله في المحاق، وتفاوت حاله في ذلك، فتصاغ منه أمثال، وتبين أشباه ومقاييس، فمن لطيف ذلك قول ابن نباتة:
قد سمعنا بالعز من آل ساسا ... ن ويونان في العصور الخوالي
والملوك الألى إذا ضاع ذكر ... وجدوا في سوائر الأمثال
مكرمات إذا البليغ تعاطى ... وصفها لم يجده في الأقوال
وإذا نحن لم نضفه إلى مد ... حك كانت نهاية في الكمال
إن جمعناهما أضر بها الجم ... ع وضاعت فيه ضياع المحال
فهو كالشمس بعدها يملأ البد ... ر وفي قربها محاق الهلال
وغير ذلك من أحواله كنحو ما خرج من الشبه من بعده وارتفاعه، وقرب ضوئه وشعاعه، في نحو ما مضى من قول البحتري: " دان على أيدي العفاة " البيتين. ومن ظهوره بكل مكان، ورؤيته في كل موضع، كقوله:
كالبدر من حيث التفت رأيته ... يهدي إلى عينيك نورا ثاقبا
في أمثال لذلك تكثر، ولم أعرض لما يشبه به من حيث المنظر، وما تدركه العين، نحو تشبيه الشيء بتقويس الهلال ودقته، والوجه بنوره وبهجته، فإنا في ذكر ما كان تمثيلا، وكان الشبه فيه معنويا.

(1/49)


فصل آخر
وإن كان مما مضى، إلا أن الأسلوب غيره، وهو أن المعنى إذا أتاك ممثلا، في الأكثر ينجلي لك بعد أن يحوجك إلى غير طلبه بالفكرة وتحريك الخاطر له والهمة في طلبه، وما كان منه ألطف، كانت امتناعه عليك أكثر، وإباؤه أظهر، واحتجابه أشد، ومن المركوز في الطبع أن الشيء إذا نيل بعد الطلب له أو الاشتياق إليه، ومعاناة الحنين نحوه، كان نيله أحلى، وبالمزية أولى، فكان موقعه من النفس أجل وألطف، وكانت به أضن وأشغف، ولذلك ضرب المثل لكل ما لطف موقعه ببرد الماء على الظمأ، كما قال:
وهن ينبذن من قول يصبن بهمواقع الماء من ذي الغلة الصادي
وأشباه ذلك مما ينال بعد مكابدة الحاجة إليه، وتقدم المطالبة من النفس به، فإن قلت فيجب على هذا أن يكون التعقيد والتعمية وتعمد ما يكسب المعنى غموضا، مشرفا له وزائدا في فضله، وهذا خلاف ما عليه الناس، ألا تراهم قالوا إن خير الكلام ما كان معناه إلى قلبك أسبق من لفظه إلى سمعك، فالجواب إني لم أرد هذا الحد من الفكر والتعب، وإنما أردت القدر الذي يحتاج إليه في نحو قوله:
فإن المسك بعض دم الغزال
وقوله:
وما التأنيث لاسم الشمس عيب ... ولا التذكير فخر للهلال
وقوله:
رأيتك في الذين أرى ملوكا ... كأنك مستقيم في محال
وقول النابغة:
فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
وقوله:
فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
وقول البحتري:
ضحوك إلى الأبطال وهو يروعهم ... وللسيف حد حين يسطو ورونق
وقول امرئ القيس: " بمنجرد قيد الأوابد هيكل " وقوله:
ثم انصرفت وقد أصبت ولم أصب ... جذع البصيرة قارح الإقدام
فإنك تعلم على كل حال أن هذا الضرب من المعاني، كالجوهر في الصدف لا يبرز لك إلا أن تشقه عنه، وكالعزيز المحتجب لا يريك وجهه حتى تستأذن عليه، ثم ما كل فكر يهتدي إلى وجه الكشف عما اشتمل عليه، ولا كل خاطر يؤذن له في الوصول إليه، فما كل أحد يفلح في شق الصدفة، ويكون في ذلك من أهل المعرفة، كما ليس كل من دنا من أبواب الملوك، فتحت له وكان:
من النفر البيض الذين إذا اعتزواوهاب رجال حلقة الباب قعقعوا
أو كما قال:
تفتح أبواب الملوك لوجهه ... بغير حجاب دونه أو تملق
وأما التعقيد، فإنما كان مذموما لأجل أن اللفظ لم يرتب الترتيب الذي بمثله تحصل الدلالة على الغرض، حتى احتاج السامع إلى أن يطلب المعنى بالحيلة، ويسعى إليه من غير الطريق كقوله:
ولذا اسم أغطية العيون جفونها ... من أنها عمل السيوف عوامل

(1/50)


وإنما ذم هذا الجنس، لأنه أحوجك إلى فكر زائد على المقدار الذي يجب في مثله، وكدك بسوء الدلالة وأودع لك في قالب غير مستو ولا مملس، بل خشن مضرس حتى إذا رمت إخراجه منه عسر عليك، وإذا خرج خرج مشوه الصورة ناقص الحسن، هذا وإنما يزيدك الطلب فرحا بالمعنى وأنسا به وسرورا بالوقوف عليه إذا كان لذلك أهلا، فأما إذا كنت معه كالغائص في البحر، يحتمل المشقة العظيمة، ويخاطر بالروح، ثم يخرج الخرز، فالأمر بالضد مما بدأت به، ولذلك كان أحق أصناف التعقد بالذم ما يتعبك، ثم لا يجدي عليك، ويؤرقك ثم لا يورق لك، وما سبيله سبيل البخيل الذي يدعوه لؤم في نفسه، وفساد في حسه، إلى أن لا يرضى بضعته في بخله، وحرمان فضله، حتى يأبى التواضع ولين القول، فيتيه ويشمخ بأنفه، ويسوم المتعرض له بابا ثانيا من الاحتمال تناهيا في سخفه أو كالذي لا يؤيسك من خيره في أول الأمر فتستريح إلى اليأس، ولكنه يطمعك ويسحب على المواعيد الكاذبة، حتى إذا طال العناء وكثر الجهد، تكشف عن غير طائل، وحصلت منه على ندم لتعبك في غير حاصل، وذلك مثل ما تجده لأبي تمام من تعسفه في اللفظ، وذهابه به في نحو من التركيب لا يهتدي النحو إلى إصلاحه، وإغراب في الترتيب يعمي الإعراب في طريقه، ويضل في تعريفه، كقوله:
ثانيه في كبد السماء ولم يكن ... لاثنين ثان إذ هما في الغار
وقوله:
يدي لمن شاء رهن لم يذق جرعا ... من راحتيك درى ما الصاب والعسل
ولو كان الجنس الذي يوصف من المعاني باللطافة ويعد في وسائط العقود، لا يحوجك إلى الفكر، ولا يحرك من حرصك على طلبه، بمنع جانبه وببعض الإدلال عليك وإعطائك الوصل بعد الصد، والقرب بعد البعد، لكان باقلي حار وبيت معنى هو عين القلادة وواسطة العقد واحدا، ولسقط تفاضل السامعين في الفهم والتصور والتبيين، وكان كل من روى الشعر عالما به، وكل من حفظه إذا كان يعرف اللغة على الجملة ناقدا في تمييز جيده من رديئه، وكان قول من قال:
زوامل للأشعار لا علم عندهم ... بجيدها إلا كعلم الأباعر
وكقول ابن الرومي:
قلت لمن قال لي عرضت على الأخ ... فش ما قلته فما حمده
قصرت بالشعر حين تعرضه ... على مبين العمى إذا انتقده
ما قال شعرا ولا رواه فلا ... ثعلبه كان لا ولا أسده
فإن يقل إنني رويت فكالدف ... تر جهلا بكل ما اعتقده

(1/51)


وما أشبه ذلك، دعوى غير مسموعة ولا مؤهلة للقبول، فإنما أرادوا بقولهم ما كان معناه إلى قلبك أسبق من لفظه إلى سمعك، أن يجتهد المتكلم في ترتيب اللفظ وتهذيبه وصيانته من كل ما أخل بالدلالة، وعاق دون الإبانة، ولم يريدوا أن خير الكلام ما كان غفلا مثل ما يتراجعه الصبيان ويتكلم به العامة في السوق. هذا وليس إذا كان الكلام في غاية البيان وعلى أبلغ ما يكون من الوضوح، أغناك ذاك عن الفكرة إذا كان المعنى لطيفا، فإن المعاني الشريفة اللطيفة لا بد فيها من بناء ثان على أول، ورد تال على سابق، أفلست تحتاج في الوقوف على الغرض من قوله: " كالبدر أفرط في العلو " إلى أن تعرف البيت الأول، فتتصور حقيقة المراد منه ووجه المجاز في كونه دانيا شاسعا، وترقم ذلك في قلبك، ثم تعود إلى ما يعرض البيت الثاني عليك من حال البدر، ثم تقابل إحدى الصورتين بالأخرى، وترد البصر من هذه إلى تلك، وتنظر إليه كيف شرط في العلو والإفراط، ليشاكل قوله شاسع، لأن الشسوع هو الشديد البعد، ثم قابله بما لا يشاكله من مراعاة التناهي في القرب فقال " جد قريب " فهذا هو الذي أردت بالحاجة إلى الفكر، وبأن المعنى لا يحصل لك إلا بعد انبعاث منك في طلبه، واجتهاد في نيله، هذا وإن توقفت في حاجتك أيها السامع للمعنى إلى الفكر في تحصيله، فهل تشك في أن الشاعر الذي أداه إليك، ونشر بزه لديك، قد تحمل فيه المشقة الشديدة، وقطع إليه الشقة البعيدة، وأنه لم يصل إلى دره حتى غاص، ولم ينل المطلوب حتى كابد منه الامتناع والاعتياص؛ ومعلوم أن الشيء إذا علم أنه لم ينل في أصله إلا بعد التعب، ولم يدرك إلا باحتمال النصب، كان للعلم بذلك من أمره من الدعاء إلى تعظيمه، وأخذ الناس بتفخيمه، ما يكون لمباشرة الجهد فيه، وملاقاة الكرب دونه، وإذا عثرت بالهوينا على كنز من الذهب، لم تخرجك سهولة وجوده إلى أن تنسى جملة أنه الذي كد الطالب، وحمل المتاعب، حتى إن لم تكن فيك طبيعة من الجود تتحكم عليك، ومحبة للثناء تستخرج النفيس من يديك كان من أقوى حجج الضن الذي يخامر الإنسان أن تقول: إن لم يكدني فقد كد غيري، كما يقول الوارث للمال المجموع عفوا إذا ليم على بخله به، وفرط شحه عليه: إن لم يكن كسبي وكدي، فهو كسب أبي وجدي، ولئن لم ألق فيه عناء، لقد عانى سلفي فيه الشدائد، ولقوا في جمعه الأمرين، أفأضيع ما ثمروه، وأفرق ما جمعوه، وأكون كالهادم لما أنفقت الأعمار في بنائه، والمبيد لما قصرت الهمم على إنمائه؟، وإنك لا تكاد تجد شاعرا يعطيك في المعاني الدقيقة من التسهيل والتقريب، ورد البعيد إلى المألوف القريب، ما يعطي البحتري، ويبلغ في هذا الباب مبلغه، فإنه ليروض لك المهر الأرن رياضة الماهر، حتى يعنق من تحتك إعناق القارح المذلل، وينزع من شماس الصعب الجامح، حتى يلين لك لين المنقاد الطيع، ثم لا يمكن ادعاء أن جميع شعره في قلة الحاجة إلى الفكر، والغنى عن فضل النظر، كقوله:
فؤادي منك ملآن ... وسري فيك إعلان
وقوله:
عن أي ثغر تبتسم
وهل ثقل على المتوكل قصائده الجياد حتى قل نشاطه لها واعتناؤه بها، إلا لأنه لم يفهم معانيها كما فهم معاني النوع النازل الذي انحط له إليه؟ أتراك تستجيز أن تقول إن قوله

(1/52)


" منى النفس في أسماء لو يستطيعها " من جنس المعقد الذي لا يحمد، وإن هذه الضعيفة الأسر، الواصلة إلى القلوب من غير فكر، أولى بالحمد، وأحق بالفضل. هذا والمعقد من الشعر والكلام لم يذم لأنه مما تقع حاجة فيه إلى الفكر على الجملة، بل لأن صاحبه يعثر فكرك في متصرفه، ويشيك طريقك إلى المعنى، ويوعر مذهبك نحوه، بل ربما قسم فكرك، وشعب ظنك، حتى لا تدري من أي تتوصل وكيف تطلب. وأما الملخص فيفتح لفكرتك الطريق لمستوى ويمهده، وإن كان فيه تعاطف أقام عليه المنار، وأوقد فيه الأنوار، حتى تسلكه سلوك المتبين لوجهته، وتقطعه قطع الواثق بالنجح في طيته، فترد الشريعة زرقاء، والروضة غناء، وصادفت نهجا مستقيما، مذهبا قويما، وطريقة تنقاد، وتبينت لها الغاية فيما ترتاد؟ فقد قيل: قرة العين، وسعة الصدر، وروح القلب، وطيب النفس، من أربعة أمور الاستبانة للحجة، والأنس بالأحبة، والثقة بالعدة، والمعاينة للغاية، وقال الجاحظ في أثناء فصل يذكر فيه ما في الفكر والنظر من الفضيلة: وأين تقع لذة البهيمة بالعلوفة، ولذة السبع بلطع الدم وأكل اللحم، من سرور الظفر بالأعداء، ومن انفتاح باب العلم بعد إدمان قرعه، وبعد، فإذا مدت الحلبات لجري الجياد، ونصبت الأهداف لتعرف فضل الرماة في الإبعاد والسداد، فرهان العقول التي تستبق، ونضالها الذي تمتحن قواها في تعاطيه، هو الفكر والروية والقياس والاستنباط، ولن يبعد المدى في ذلك، ولا يدق المرمى إلا بما تقدم من تقرير الشبه بين الأشياء المختلفة، فإن الأشياء المشتركة في الجنس، المتفقة في النوع، تستغني بثبوت الشبه بينها، وقيام الاتفاق فيها، عن تعمل وتأمل في إيجاب ذلك لها وتثبته فيها، وإنما الصنعة والحذق، والنظر يلطف ويدق، في أن تجمع أعناق المتنافرات والمتباينات في ربقة، وتعقد بين الأجنبيات معاقد نسب وشبكة، وما شرفت صنعة، ولاذكر بالفضيلة عمل، إلا لأنهما يحتاجان من دقة الفكر ولطف النظر نفاذ الخاطر، إلى ما لا يحتاج إليه غيرهما، ويحتكمان على من زاولهما والطالب لهما من هذا المعنى، ما لا يحتكم ما عداهما، ولا يقتضيان ذلك إلا من جهة إيجاد الائتلاف في المختلفات، وذلك بين لك فيما تراه من الصناعات وسائر الأعمال التي تنسب إلى الدقة، فإنك تجد الصورة المعمولة فيها، كلما كانت أجزاؤها أشد اختلافا في الشكل والهيئة، ثم كان التلاؤم بينها مع ذلك أتم، والائتلاف أبين، كان شأنها أعجب، والحذق لمصورها أوجب، وإذا كان هذا ثابتا موجودا، ومعلوما معهودا، من حال الصور المصنوعة والأشكال المؤلفة ، فاعلم أنها القضية في التمثيل واعمل عليها، واعتقد صحة ما ذكرت لك من أن أخذ الشبه للشيء مما يخالفه في الجنس وينفصل عنه من حيث ظاهر الحال، حتى يكون هذا شخصا يملأ المكان، وذاك معنى لا يتعدى الأفهام والأذهان وحتى إن هذا إنسان يعقل، وذاك جماد أو موات لا يتصف بأنه يعلم أو يجهل وهذا نور شمس يبدو في السماء ويطلع، وذاك معنى كلام يوعى ويسمع وهذا روح يحيا به الجسد، وذاك فضل ومكرمة تؤثر وتحمد، كما قال:
إن المكارم أرواح يكون لها ... آل المهلب دون الناس أجسادا
وهذا مقال متعصب منكر للفضل حسود، وذاك نار تلتهب في عود، وهذا مخلاف ،وذاك ورق خلاف، كما قال ابن الرومي:
بذل الوعد للأخلاء سمحا ... وأبى بعد ذاك بذل العطاء
فغدا كالخلاف يورق للعي ... ن ويأبى الإثمار كل الإباء
وهذا رجل يروم العدو تصغيره والإزراء به، فيأبى فضله إلا ظهورا، وقدره إلا سموا، وذاك شهاب من نار تصوب وهي تعلو، وتخفض وهي ترتفع، كما قال أيضا:
ثم حاولت بالمثيقيل تصغي ... ري فما زدتني سوى التعظيم
كالذي طأطأ الشهاب ليخفى ... وهو أدنى له إلى التضريم

(1/53)


وأخذ هذا المعنى من كلام في حكم الهند، وهو: إن الرجل ذا المروءة والفضل ليكون خامل المنزلة غامض الأمر، فما تبرح به مروءته وعقله حتى يستبين ويعرف، كالشعلة من النار التي يصوبها صاحبها وتأبى إلا ارتفاعا. هذا هو الموجب للفضيلة، والداعي إلى الاستحسان، والشفيع الذي أحظى التمثيل عند السامعين، واستدعى له الشغف والولوع من قلوب العقلاء الراجحين، ولم تأتلف هذه الأجناس المختلفة للممثل، ولم تتصادف هذه الأشياء المتعادية على حكم المشبه، إلا لأنه لم يراع ما يحضر العين، ولكن ما يستحضر العقل، ولم يعن بما تنال الرؤية، بل بما تعلق الروية، ولم ينظر إلى الأشياء من حيث توعى فتحويها الأمكنة بل من حيث تعيها القلوب الفطنة، ثم على حسب دقة المسلك إلى ما استخرج من الشبه، ولطف المذهب وبعد التصعد إلى ما حصل من الوفاق، استحق مدرك ذلك المدح، واستوجب التقديم، واقتضاك العقل أن تنوه بذكره، وتقضي بالحسنى في نتائج فكره، نعم، وعلى حسب المراتب في ذلك أعطيته في بعض منزلة الحاذق الصنع، والملهم المؤيد، والألمعي المحدث، الذي سبق إلى اختراع نوع من الصنعة حتى يصير إماما، ويكون من بعده تبعا له وعيالا عليه وحتى تعرف تلك الصنعة بالنسبة إليه، فيقال صنعة فلان، و عمل فلان ووضعته في بعض موضع المتعلم الذكي، والمقتدي المصيب في اقتدائه، الذي يحسن التشبه بمن أخذ عنه، ويجيد حكاية العمل الذي استفاد، ويجتهد أن يزداد. واعلم أني لست أقول لك إنك متى ألفت الشيء ببعيد عنه في الجنس على الجملة فقد أصبت وأحسنت، ولكن أقوله بعد تقييد وبعد شرط، وهو أن تصيب بين المختلفين في الجنس وفي ظاهر الأمر شبها صحيحا معقولا، وتجد للملاءمة والتأليف السوي بينهما مذهبا وإليهما سبيلا وحتى يكون ائتلافهما الذي يوجب تشبيهك، من حيث العقل والحدس، في وضوح اختلافهما من حيث العين والحس، فأما أن تستكره الوصف وتروم أن تصوره حيث لا يتصور، فلا لأنك تكون في ذلك بمنزلة الصانع الأخرق، يضع في تأليفه وصوغه الشكل بين شكلين لا يلائمانه ولا يقبلانه، حتى تخرج الصورة مضطربة، وتجيء فيها نتو، ويكون للعين عنها من تفاوتها نبو، وإنما قيل: شبهت، ولا تعني في كونك مشبها أن تذكر حرف التشبيه أو تستعير، إنما تكون مشبها بالحقيقة بأن ترى الشبه وتبينه، ولا يمكنك بيان ما لا يكون، وتمثيل ما لا تتمثله الأوهام والظنون، ولم أرد بقولي إن الحذق في إيجاد الائتلاف بين المختلفات في الأجناس، أنك تقدر أن تحدث هناك مشابهة ليس لها أصل في العقل، وإنما المعنى أن هناك مشابهات خفية يدق المسلك إليها، فإذا تغلغل فكرك فأدركها فقد استحققت الفضل، ولذلك يشبه المدقق في المعاني بالغائص على الدر، ووزان ذلك أن القطع التي يجيء من مجموعها صورة الشنف والخاتم أو غيرهما من الصور المركبة من أجزاء مختلفة الشكل، لو لم يكن بينها تناسب، أمكن ذلك التناسب أن يلائم بينها الملائمة المخصوصة، ويوصل الوصل الخاص، لم يكن ليحصل لك من تأليفها الصورة المقصودة، ألا ترى أنك لو جئت بأجزاء مخالفة لها في الشكل، ثم أردتها على أن تصير إلى الصورة التي كانت من تلك الأولى، طلبت ما يستحيل؟ فإنما استحققت الأجرة على الغوص وإخراج الدر، لا أن الدر كان بك، واكتسى شرفه من جهتك، ولكن لما كان الوصول إليه صعبا وطلبه عسيرا، ثم رزقت ذلك، وجب أن يجزل لك، ويكبر صنيعك، ألا ترى أن التشبيه الصريح إذا وقع بين شيئين متباعدين في الجنس، ثم لطف وحسن، لم يكن ذلك اللطف وذلك الحسن إلا لاتفاق كان ثابتا بين المشبه والمشبه به من الجهة التي بها شبهت، إلا أنه كان خفيا لا ينجلي إلا بعد التأنق في استحضار الصور وتذكرها، وعرض بعضها على بعض، والتقاط النكتة المقصودة منها، وتجريدها من سائر ما يتصل بها، نحو أن تشبه الشيء بالشيء في هيئة الحركة، فتطلب الوفاق بين الهيئة والهيئة مجردة من الجسم وسائر ما فيه من اللون وغيره من الأوصاف؟ كما فعل ابن المعتز في تشبيه البرق

(1/54)


حيث قال:يث قال:
وكأن البرق مصحف قار ... فانطباقا مرة وانفتاحا
لم ينظر من جميع أوصاف البرق ومعانيه إلا إلى الهيئة التي تجدها العين له من انبساط يعقبه انقباض، وانتشار يتلوه انضمام، ثم فلى نفسه عن هيئات الحركات لينظر أيها أشبه بها، فأصاب ذلك فيما يفعله القارئ من الحركة الخاصة في المصحف، إذا جعل يفتحه مرة ويطبقه أخرى، ولم يكن إعجاب هذا التشبيه لك وإيناسه إياك لأن الشيئين مختلفان في الجنس أشد الاختلاف فقط، بل لأن حصل بإزاء الاختلاف اتفاق كأحسن ما يكون وأتمه، فبمجموع الأمرين شدة ائتلاف في شدة اختلاف حلا وحسن، وراق وفتن، ويدخل في هذا الوضع الحكاية المعروفة في حديث عدي بن الرقاع، قال جرير أنشدني عدي: " عرف الديار توهما فاعتادها " . فلما بلغ إلى قوله " تزجي أغن كأن إبرة روقه " . رحمته وقلت قد وقع ما عساه يقول وهو أعرابي جلف جاف؟ فلما قال: " قلم أصاب من الدواة مدادها " استحالت الرحمة حسدا فهل كانت الرحمة في الأولى، والحسد في الثانية، إلا أنه رآه حين افتتح التشبيه قد ذكر ما لا يحضر له في أول الفكر وبديهة الخاطر، وفي القريب من محل الظن شبه، وحين أتم التشبيه وأداه صادفه قد ظفر بأقرب صفة من أبعد موصوف، وعثر على خبيء مكانه غير معروف، وعلى ذلك استحسنوا قول الخليل في انقباض كف البخيل:
كفاك لم تخلقا للندى ... ولم يك بخلهما بدعه
فكف عن الخير مقبوضة ... كما نقضت مئة سبعه
وكف ثلاثة آلافها ... وتسع مئيها لها شرعه
وذلك أنه أراك شكلا واحدا في اليدين، مع اختلاف العددين، ومع اختلاف المرتبتين في العدد أيضا، لأن أحدهما من مرتبة العشرات والآحاد، والآخر من مرتبة المئين والألوف، فلما حصل الاتفاق كأشد ما يكون في شكل اليد مع الاختلاف، كأبلغ ما يوجد في المقدار والمرتبة من العدد، كان التشبيه بديعا، قال المرزباني وهذا ما أبدع فيه الخليل، لأنه وصف انقباض اليدين بحالين من الحساب مختلفين في العدد، متشاكلين في الصورة، وقوله هذا إجمال ما فصلته، ومما ينظر إلى هذا الفصل ويداخله ويرجع إليه حين تحصيله، الجنس الذي يراد فيه كون الشيء من الأفعال سببا لضده، كقولنا أحسن من حيث قصد الإساءة ونفع من حيث أراد الضر، إذ لم يقنع المتشاغل بالعبارة الظاهرة والطريقة المعروفة، وصور في نفس الإساءة الإحسان، وفي البخل الجود، وفي المنع العطاء، وفي موجب الذم موجب الحمد، وفي الحالة التي حقها أن تعد على الرجل حكم ما يعتد له، والفعل الذي هو بصفة ما يعاب وينكر، صفة ما يقبل المنة ويشكر، فيدل ذلك بما يكون فيه من الوفاق الحسن مع الخلاف البين، على حذق شاعره، وعلى جودة طبعه وحدة خاطره، وعلو مصعده وبعد غوصه، إذا لم يفسده بسوء العبارة، ولم يخطئه التوفيق في تلخيص الدلالة، وكشف تمام الكشف عن سرر المعنى وسره بحسن البيان وسحره، مثال ما كان من الشعر بهذه الصفة قول أبي العتاهية:
جزي البخيل علي صالحة ... عني بخفته على ظهري
أعلي وأكرم عن يديه يدي ... فعلت ونزه قدره قدري
ورزقت من جدواه عافية ... أن لا يضيق بشكره صدري
وغنيت خلوا من تفضله ... أحنو عليه بأحسن العذر
ما فاتني خير امرئ وضعت ... عني يداه مؤونة الشكر
ومن اللطيف مما يشبه هذا قول الآخر:
أعتقني سوء ما صنعت من ال ... رق فيا بردها على كبدي
فصرت عبدا للسوء فيك وما ... أحسن سوء قبلي إلى أحد
فصل

(1/55)


" هذا فن آخر من القول يجمع التشبيه والتمثيل جميعا " ؛ اعلم أن معرفة الشيء من طريق الجملة، غير معرفته من طريق التفصيل، فنحن وإن كنا لا يشكل علينا الفرق بين التشبيه الغريب وغير الغريب إذا سمعنا بهما، فإن لوضع القوانين وبيان التقسيم في كل شيء، وتهيئة العبارة في الفروق، فائدة لا ينكرها المميز، ولا يخفى أن ذلك أتم للغرض وأشفى للنفس، والمعنى الجامع في سبب الغرابة أن يكون الشبه المقصود من الشيء مما لا يتسرع إليه الخاطر، ولا يقع في الوهم عند بديهة النظر إلى نظيره الذي يشبه به، بل بعد تثبت وتذكر وفلي للنفس عن الصور التي تعرفها، وتحريك للوهم في استعراض ذلك واستحضار ما غاب منه، بيان ذلك أنك كما ترى الشمس ويجري في خاطرك استداراتها ونورها، تقع في قلبك المرآة المجلوة، ويتراءى لك الشبه منها فيها، وكذلك إذا نظرت إلى الوشي منشورا وتطلبت لحسنه ونقشه واختلاف الأصباغ فيه شبها، حضرك ذكر الروض ممطورا مفترا عن أزهاره، متبسما عن أنواره، وكذلك إذا نظرت إلى السيف الصقيل عند سله وبريق متنه، لم يتباعد عنك أن تذكر انعقاق البرق، وإن كان هذا أقل ظهورا من الأول، وعلى هذا القياس، ولكنك تعلم أن خاطرك لا يسرع إلى تشبيه الشمس بالمرآة في كف الأشل، كقوله " والشمس كالمرآة في كف الأشل " ؛ هذا الإسراع ولا قريبا منه، ولا إلى تشبيه البرق بإصبع السارق، كقول كشاجم:
أرقت أم نمت لضوء بارق ... مؤتلقا مثل الفؤاد الخافق
كأنه إصبع كف السارق
وكقول ابن بابك:
ونضنض في حضني سمائك بارق ... له جذوة من زبرج اللاذ لامعه
تعوج في أعلى السحاب كأنها ... بنان يد من كلة اللاذ ضارعه
ولا إلى تشبيه البرق في انبساطه وانقباضه والتماعه وائتلافه، بانفتاح المصحف وانطباقه، فيما مضى من قول ابن المعتز:
وكأن البرق مصحف قار ... فانطباقا مرة وانفتاحا
ولا إلى تشبيه سطور الكتاب بأغصان الشوك في قوله:
بشكل يأخذ الحرف المحلى ... كأن سطوره أغصان شوك
ولا إلى تشبيه الشقيق بأعلام ياقوت على رماح زبرجد، كقول الصنوبري:
وكأن محمر الشقي ... ق إذا تصوب أو تصعد
أعلام ياقوت نشر ... ن على رماح من زبرجد
ولا إلى تشبيه النجوم طالعات في السماء مفترقات مؤتلفات في أديمها، وقد مازجت زرقة لونها بياض نورها، بدر منثور على بساط أزرق، كقول أبي طالب الرقي:
وكأن أجرام النجوم لوامعا ... درر نثرن على بساط أزرق

(1/56)


ولا ما جرى في هذا السبيل، وكان من هذا القبيل، بل تعلم أن الذي سبقك إلى أشباه هذه التشبيهات لم يسبق إلى مدى قريب، بل أحرز غاية لا ينالها غير الجواد، وقرطس في هدف لا يصاب إلا بعد الاحتفال والاجتهاد. واعلم أنك إن أردت أن تبحث بحثا ثانيا حتى تعلم لم وجب أن يكون بعض الشبه على الذكر أبدا، وبعضه كالغائب عنه، وبعضه كالبعيد عن الحضرة لا ينال إلا بعد قطع مسافة إليه، وفضل تعطف بالفكر عليه فإن ها هنا ضربين من العبرة يجب أن تضبطهما أولا، ثم ترجع في أمر التشبيه، فإنك حينئذ تعلم السبب في سرعة بعضه إلى الفكر، وإباء بعض أن يكون له ذلك الإسراع. فإحدى العبرتين أنا نعلم أن الجملة أبدا أسبق إلى النفوس من التفصيل، وأنت تجد الرؤية نفسها لا تصل بالبديهة إلى التفصيل، لكنك ترى بالنظر الأول الوصف على الجملة، ثم ترى التفصيل عند إعادة النظر، ولذلك قالوا: النظرة الأولى حمقاء، وقالوا لم ينعم النظر ولم يستقص التأمل، وهكذا الحكم في السمع وغيره، من الحواس، فإنك تتبين من تفاصيل الصوت بأن يعاد عليك حتى يسمعه مرة ثانية، ما لم تتبينه بالسماع الأول، وتدرك من تفصيل طعم المذوق بأن تعيده إلى اللسان ما لم تعرفه في الذوقة الأولى، وبإدراك التفصيل يقع التفاضل بين راء وراء، وسامع وسامع، وهكذا، فأما الجمل فتستوي فيها الأقدام، ثم تعلم أنك في إدراك تفصيل ما تراه وتسمعه أو تذوقه، كمن ينتقي الشيء من بين جملة، وكمن يميز الشيء مما قد اختلط به، فإنك حين لا يهمك التفصيل، كمن يأخذ الشيء جزافا وجرفا. وإذا كانت هذه العبرة ثابتة في المشاهدة وما يجري مجراها مما تناله الحاسة، فالأمر في القلب كذلك تجد الجمل أبدا هي التي تسبق إلى الأوهام وتقع في الخاطر أولا، وتجد التفاصيل مغمورة فيما بينها، وتراها لا تحضر إلا بعد إعمال للرؤية وإستعانة بالتذكر. ويتفاوت الحال في الحاجة إلى الفكر بحسب مكان الوصف ومرتبته من حد الجملة وحد التفصيل، وكلماكان أوغل في التفصيل، كانت الحاجة إلى التوقف والتذكر أكثر، والفقر إلى التأمل والتمهل أشد، وإذ قد عرفت هذه العبرة، فالاشتراك في الصفة إذا كان من جهة الجملة على الإطلاق، بحيث لا يشوبه شيء من التفصيل نحو أن كلا الشيئين أسود أو أحمر فهو يقل عن أن تحتاج فيه إلى قياس وتشبيه، فإن دخل في التفصيل شيئا نحو أن هذا السواد صاف براق، والحمرة رقيقة ناصعة احتجت بقدر ذلك إلى إدارة الفكر، وذلك مثل تشبيه حمرة الخد بحمرة التفاح والورد، فإن زاد تفصيله بخصوص تدق العبارة عنه، ويتعرف بفضل تأمل، ازداد الأمر قوة في اقتضاء الفكر، وذلك نحو تشبيه سقط النار بعين الديك في قوله:
وسقط كعين الديك عاورت صحبتي
وذلك أن ما في لون عينه من تفصيل وخصوص، يزيد على كون الحمرة رقيقة ناصعة والسواد صافيا براقا، وعلى هذا تجد هذا الحد من المرتبة التي لا يستوي فيها البليد والذكي، والمهمل نفسه والمتيقظ المستعد للفكر والتصور، فقوله:
كأن على أنيابها كل سحرة ... صياح البوازي من صريف اللوائك
أرفع طبقة من قوله:
كأن صليل المرو حين تشذه ... صليل زيوف ينتقدن بعبقرا
لأن التفصيل والخصوص في صوت البازي، أبين وأظهر منه في صليل الزيوف، وكما أن قوله يصف الفرس:
وللفؤاد وجيب تحت أبهره ... لدم الغلام وراء الغيب بالحجر
لا يسوى بتشبيه وقع الحوافر بهزمة الرعد، وتشبيه الصوت الذي يكون لغليان القدر بنحو ذلك، كقوله:
لها لغط جنح الظلام كأنه ... عجارف غيث رائح متهزم

(1/57)


لأن هناك من التفصيل الحسن ما تراه، وليس في كون الصوت من جنس اللغط تفصيل يعتد به، وإنما هو كالزيادة والشدة في الوصف. ومثال ذلك مثال أن يكون جسم أعظم من جسم في أنه لا يتجاوز مرتبة الجمل كبير تجاوز، فإذا رأى الرجل شخصا قد زاد على المعتاد في العظم والضخامة، لم يحتج في تشبيهه بالفيل أو الجبل أو الجمل أو نحو ذلك إلى شيء من الفكر، بل يحضره ذلك حضور ما يعرف بالبديهة، والمقابلات التي تريك الفرق بين الجملة والتفصيل كثيرة، ومن اللطيف في ذلك أن تنظر إلى قوله:
يتابع لا يبتغي غيره ... بأبيض كالقبس الملتهب
ثم تقابل به قوله:
جمعت ردينيا كأن سنانه ... سنا لهب لم يتصل بدخان
فإنك ترى بينهما من التفاوت في الفضل ما تراه، مع أن المشبه به في الموضعين شيء واحد وهو شعلة النار، وما ذاك إلا من جهة أن الثاني قصد إلى تفصيل لطيف، ومر الأول على حكم الجمل. ومعلوم أن هذا التفصيل لا يقع في الوهم في أول وهلة، بل لا بد فيه من أن تتثبت وتتوقف وتروى وتنظر في حال كل واحد من الفرع والأصل، حتى يقوم حيئذ في نفسك أن في الأصل شيئا يقدح في حقيقة الشبه، وهو الدخان الذي يعلو رأس الشعلة، وأنه ليس في رأس السنان ما يشبه ذلك، وأنه إذا كان كذلك، كان التحقيق وما يؤدي الشيء كما هو، أن تستثني الدخان وتنفي، وتقصر التشبيه على مجرد السنا، وتصور السنان فيه مقطوعا عن الدخان، ولو فرضت أن يقع هذا كله على حد البديهة من غير أن يخطر ببالك ما ذكرت لك، قدرت محالا لا يتصور، كما أنك لو قدرت أن يكون تشبيه الثريا بعنقود ملاحية حين نور بمنزلة تشبيهها بالنور على الإطلاق، أو تفتح نور فقط، كما قال:
كأن الثريا في أواخر ليلها ... تفتح نور
حتى ترى حاجتهما إلى التأمل على مقدار واحد، وحتى لا يحوج أحدهما من الرجوع إلى النفس وبحثها عن الصور التي تعرفها، إلا إلى مثل ما يحوج إليه الآخر أسرفت في المجازفة، ونفضت يدا بالصواب والتحقيق. والعبرة الثانية أن ما يقتضي كون الشيء على الذكر وثبوت صورته في النفس، أن يكثر دورانه على العيون، ويدوم تردده في مواقع الأبصار، وأن تدركه الحواس في كل وقت أو في أغلب الأوقات وبالعكس، وهو أن من سبب بعد ذلك الشيء عن أن يقع ذكره بالخاطر، وتعرض صورته في النفس، قلة رؤيته، وأنه مما يحس بالفينة بعد الفينة، وفي الفرط بعد الفرط، وعلى طريق الندرة، وذلك أن العيون هي التي تحفظ صور الأشياء على النفوس، وتجدد عهدها بها، وتحرسها من أن تدثر، وتمنعها أن تزول، ولذلك قالوا: من غاب عن العين فقد غاب عن القلب، وعلى هذا المعنى كانت المدارسة والمناظرة في العلوم وكرورها على الأسماع، سبب سلامتها من النسيان، والمانع لها من التفلت والذهاب، وإذا كان هذا أمرا لا يشك فيه، بان منه أن كل شبه رجع إلى وصف أو صورة أو هيئة من شأنها أن ترى وتبصر أبدا، فالتشبيه المعقود عليه نازل مبتذل، وما كان بالضد من هذا وفي الغاية القصوى من مخالفته، فالتشبيه المردود إليه غريب نادر بديع، ثم تتفاضل التشبيهات التي تجيء واسطة لهذين الطرفين، بحسن حالها منهما، فما كان منها إلى الطرف الأول أقرب، فهو أدنى وأنزل، وما كان إلى الطرف الثاني أذهب، فهو أعلى وأفضل بوصف الغريب أجدر. واعلم أن قولنا التفصيل عبارة جامعة، ومحصولها على الجملة أن معك وصفين أو أوصافا، فأنت تنظر فيها واحدا واحدا، وتفصل بالتأمل بعضها من بعض وأن بك في الجملة حاجة إلى أن تنظر في أكثر من شيء واحد، وأن تنظر في الشىء الواحد إلى أكثر من جهة واحدة. ثم إنه يقع في أوجه أحدها وهو الأولى والأحق بهذه العبارة أن تفصل، بأن تأخذ بعضا وتدع بعضا، كما فعل في اللهب حين عزل الدخان عن السنا وجرده، وكما فعل الآخر حين فصل الحدق عن الجفون، وأثبتها مفردة فيما شبه، وذلك قوله:
لها حدق لم تتصل بجفون

(1/58)


ويقع في هذا الوجه من التفصيل لطائف، فمنها قول ابن المعتز:
بطارح النظرة في كل أفق ... ذي منسر أقنى إذا شك خرق
ومقلة تصدقه إذا رمق ... كأنها نرجسة بلا ورق
وقوله:
تكتب فيه أيدي المزاج لنا ... ميمات سطر بغير تعريق
والثاني أن تفصل، بأن تنظر من المشبه في أمور لتعتبرها محلها، وتطلبها فيما تشبه به، وذلك كاعتبارك، في تشبيه الثريا بالعنقود، الأنجم أنفسها، والشكل منها واللون، وكونها مجتمعة على مقدار في القرب والبعد، فقد نظرت في هذه الأمور واحدا واحدا، وجعلتها بتأملك فصلا فصلا، ثم جمعتها في تشبيهك، وطلبت للهيئة الحاصلة من عدة أشخاص الأنجم، والأوصاف التي ذكرت لك من الشك واللون والتقارب على وجه مخصوص هيئة أخرى شبيهة بها، فأصبتها في العنقود المنور من الملاحية ولم يقع لك وجه التشبيه بينهما إلا بأن فصلت أيضا أجزاء العنقود بالنظر، وعلمت أنها خصل بيض، وأن فيها شكل استدارة النجم، ثم الشكل إلى الصغر ما هو، كما أن شكل أنجم الثريا كذلك وأن هذه الخصل لا هي مجتمعة اجتماع النظام والتلاصق، ولا هي شديدة الافتراق، بل لها مقادير في التقارب والتباعد في نسبة قريبة مما تجده في رأى العين بين تلك الأنجم، يدلك على أن التشبيه موضوع على مجموع هذه الأوصاف، أنا لو فرضنا في تلك الكواكب أن تفترق وتتباعد تباعدا أكثر مما هي عليه الآن، أو قدر في العنقود أن ينتثر، لم يكن التشبيه بحاله وكذلك الحكم في تشبيه الثريا باللجام المفضض، لأنك راعيت الهيئة الخاصة من وقوع تلك القطع والأطراف بين اتصال وانفصال، وعلى الشكل الذي يوجبه موضوع اللجام، ولو فرضت أن تركب مثلا على سنن واحد طولا في سير واحد مثلا ويلصق بعضها ببعض، بطل التشبيه، وكذا قوله:
تعرض أثناء الوشاح المفصل
وقد اعتبر فيه هيئة التفصيل في الوشاح، والشكل الذي يكون عليه الخرز المنظوم في الوشاح، فصار اعتبار التفصيل أعجب تفصيل في التشبيه، والوجه الثالث أن تفصل بأن تنظر إلى خاصة في بعض الجنس، كالتي تجدها في صوت البازي وعين الديك، فأنت تأبى أن تمر على جملة أن هذا صوت وذاك حمرة، ولكن تفصل فتقول فيهما ما ليس في كل صوت وكل حمرة، واعلم أن هذه القسمة في التفصيل موضوعة على الأغلب الأعرف، وإلا فدقائقه لا تكاد تضبط، ومما يكثر فيه التفصيل ويقوى معناه فيه، ما كان من التشبيه مركبا من شيئين أو أكثر، وهو ينقسم قسمين :أحدهما أن يكون شيئا يقدره المشبه ويضعه ولا يكون، ومثال ذلك تشبيه النرجس بمداهن در حشوهن عقيق، وتشبيه الشقيق بأعلام ياقوت نشرت على رماح من زبرجد، لأنك في هذا النحو تحصل الشبه بين شيئين تقدر اجتماعهما على وجه مخصوص وبشرط معلوم، فقد حصلته في النرجس من شكل المداهن والعقيق، بشرط أن تكون الداهن من الدر، وأن يكون العقيق في الحشو منها وكذلك اشترطت هيئة الأعلام، وأن تكون من الياقوت، وأن تكون منشورة على رماح من زبرجد فبك حاجة في ذلك إلى مجموع أمور، لو أخللت بواحد منها لم يحصل الشبه، وكذلك لو خالفت الوجه المخصوص في الاجتماع والاتصال بطل الغرض، فكما بك حاجة إلى أن يكون الشكل شكل المدهن، وأن يكون من الدر وأن يكون معه العقيق، فبك أيضا فقر إلى أن يكون العقيق في حشو المداهن، وعلى هذا القياس، والقسم الثاني أن تعتبر في التشبيه هيئة تحصل من اقتران شيئين، وذلك الاقتران مما يوجد ويكون، ومثاله قوله:
غدا والصبح تحت الليل باد ... كطرف أشهب ملقى الجلال

(1/59)


قصد الشبه الحاصل لك إذا نظرت إلى الصبح والليل جميعا، وتأملت حالهما معا، وأراد أن يأتي بنظير للهيئة المشاهدة من مقارنة أحدهما الآخر، ولم يرد أن يشبه الصبح على الانفراد والليل على الانفراد، كما لم يقصد الأول أن يشبه الدارة البيضاء من النرجس بمدهن الدر، ثم يستأنف تشبيها للثانية بالعقيق، بل أراد أن يشبه الهيئة الحاصلة من مجموع الشكلين، من غير أن يكون بين في البين، ثم إن هذا الاقتران الذي وضع عليه التشبيه مما يوجد ويعهد، إذ ليس وجود الفرس الأشهب قد ألقى الجل، من المعوز فيقال إنه مقصور على التقدير والوهم، فأما الأول فلا يتعدى التوهم وتقدير أن يصنع ويعمل، فليس في العادة أن تتخذ صورة أعلاها ياقوت على مقدار العلم، وتحت ذلك الياقوت قطع مطاولة من الزبرجد كهيئة الأرماح والقامات وكذلك لا يكون ها هنا مداهن تصنع من الدر، ثم يوضع في أجوافها عقيق، وفي تشبيه الشقيق زيادة معنى يباعد الصورة من الوجود، وهو شرطه أن تكون أعلاما منشورة، والنشر في الياقوت وهو حجر، لا يتصور موجودا، وينبغي أن تعلم أن الوجه في إلقاء الجل، أن يريد أنه أداره عن ظهره، وأزاله عن مكانه، حتى تكشف أكثر جسده، لا أنه رمى به جملة حتى انفصل منه، لأنه إذا أراد ذلك، كان قد قصد إلى تشبيه الصبح وحده من غير أن يفكر في الليل، ولم يشاكل قوله في أول البيت " والصبح تحت الليل باد " ، وأما قوله:
إذا تفرى البرق فيها خلته ... بطن شجاع في كثيب يضطرب
وتارة تبصره كأنه ... أبلق مال جله حين وثب
فالأشبه فيه أن يكون القصد إلى تشبيه البرق وحده ببياض البرق، دون أن يدخل لون الجل في التشبيه، حتى كأنه يريد أن يريك بياض البرق في سواد الغمام، بل ينبغي أن يكون الغرض بذكر الجل أن البرق يلمع بغتة، ويلوح للعين فجأة، فصار لذلك كبياض الأبلق إذا ظهر عند وثوبه وميل جله عنه، وقد قال ابن بابك في هذا المعنى:
للبرق فيها لهب طائش ... كما يعرى الفرس الأبلق
إلا أن لقول ابن المعتز " حين وثب " ، من الفائدة ما لا يخفى. وقد عني المتقدمون أيضا بمثل هذا الاحتياط، ألا تراه قال:
وترى البرق عارضا مستطيرا ... مرح البلق جلن في الأجلال
فجعلها تمرح وتجول، ليكون قد راعى ما به يتم الشبه، وما هو معظم الغرض من تشبيهه، وهو هيئة حركته وكيفية لمعه. ثم اعلم أن هذا القسم الثاني الذي يدخل في الوجود يتفاوت حاله، فمنه ما يتسع وجوده، ومنه ما يوجد في النادر، ويبين ذلك بالمقابلة، فأنت إذا قابلت قوله:
وكأن أجرام النجوم لوامعا ... درر نثرن على بساط أزرق
بقول ذي الرمة: " كأنها فضة قد مسها ذهب " . علمت فضل الثاني على الأول في سعة الوجود، وتقدم الأول على الثاني في عزته وقلته، وكونه نادر الوجود، فإن الناس يرون أبدا في الصياغات فضة قد أجري فيها ذهب وطليت به، ولا يكاد يتفق أن يوجد در قد نثر على بساط أزرق، وإذ قد عرفت انقسام المركب من التشبيه إلى هذين القسمين، فاعتبر موضعهما من العبرتين المذكورتين، فإنك تراهما بحسب نسبتهما منهما، وتحققهما بهما،قد أعطتاهما لطف الغرابة، ونفضتا عليهما صبغ الحسن، وكستاهما روعة الإعجاب، فتجد المقدر الذي لا يباشر الوجود، نحو قوله:
أعلام ياقوت نشر ... ن على رماح من زبرجد
وكقوله في النيلوفر:
كلنا باسط اليد ... نحو نيلوفر ندي
كدبابيس عسجد ... قضبها من زبرجد
قد اجتمع فيه العبرتان جميعا، وتجد العبرة الثانية قد أتت فيه على غاية القوة، لأنه لا مزيد في بعد الشيء عن العيون على أن يكون وجوده ممتنعا أصلا حتى لا يتصور إلا في الوهم، وإذا تركت هذا القسم ونظرت إلى القسم الثاني الذي يدخل في الوجود نحو قوله:
درر نثرن على بساط أزرق

(1/60)


وجدت العبرة الثانية لا تقوى فيه تلك القوة، لأنه إذا كان مما يعلم أنه يوجد ويعهد بحال وإن كان لا يتسع بل يندر ويقل فقد دنا من الوقوع في الفكر والتعرض للذكر دنوا لا يدنوه الأول الذي لا يطمع أن يدخل تحت الرؤية للزومه العدم، وامتناعه أن يجوز عليه إلا التوهم، ولا جرم، لما كان الأمر كذلك، كان للضرب الأول من الروعة والحسن، لصاحبه من الفضل في قوة الذهن، ما لم يكن ذلك في الثاني، وقوي الحكم بحسب قوة العلة، وكثر الوصف الذي هو الغرابة، بحسب الجالب له، وفي هذا التقرير ما تعلم به الطريق إلى التشبيه من أين تفاوت في كونه غريبا؟ ولم تفاضل في مجيئه عجيبا؟ وبأي سبب وجدت عند شيء منه من الهزة ما لم تجده عند غيره علما يخرجك عن نقيصة التقليد، ويرفعك عن طبقة المقتصر على الإشارة، دون البيان والإفصاح بالعبارة. واعلم أن العبرة الثانية التي هي مرور الشيء على العيون، هو معنى واحد لا يتكثر، ولكنه يقوى ويضعف كما مضى، وأما العبرة الأولى، وهي لتفصيل فإنها في حكم الشيء يتكثر وينضم فيه الشيء إلى الشيء، ألا ترى أن أحد التفصيلين يفضل الآخر بأن تكون قد نظرت في أحدهما إلى ثلاثة أشياء، أو ثلاث جهات، وفي الآخر إلى شيئين أو جهتين والمثال في ذلك قول بشار:
كأن مثار النفع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
مع قول المتنبي:
يزور الأعادي في سماء عجاجة ... أسنته في جانبيها الكواكب
أو قول كلثوم بن عمرو:
تبني سنابكها من فوق أرؤسهم ... سقفا كواكبه البيض المباتير
التفصيل في الأبيات الثلاثة كأنه شيء واحد، لأن كل واحد منهم يشبه لمعان السيوف في الغبار بالكواكب في الليل، إلا أنك تجد لبيت بشار من الفضل، ومن كرم الموقع ولطف التأثير في النفس، ما لا يقل مقداره، ولا يمكن إنكاره، وذلك لأنه راعى ما لم يراعه غيره، وهو أن جعل الكواكب تهاوى، فأتم الشبه، وعبر عن هيئة السيوف وقد سلت من الأغماد وهي تعلو وترسب، وتجيء وتذهب، ولم يقتصر على أن يريك لمعانها في أثناء العجاجة كما فعل الآخران، وكان لهذه الزيادة التي زداها حظ من الدقة تجعلها في حكم تفصيل بعد تفصيل، وذلك أنا وإن قلنا إن هذه الزيادة وهي إفادة هيئة السيوف في حركاتها إنما أتت في جملة لا تفصيل فيها، فإن حقيقة تلك الهيئة لا تقوم في النفس إلا بالنظر إلى أكثر من جهة واحدة، وذلك أن تعلم أن لها في حال احتدام الحرب، واختلاف الأيدي بها في الضرب، اضطرابا شديدا، وحركات بسرعة، ثم إن لتلك الحركات جهات مختلفة، وأحوالا تنقسم بين الاعوجاج والاستقامة والارتفاع والانخفاض، وأن السيوف باختلاف هذه الأمور تتلاقى وتتداخل، ويقع بعضها في بعض ويصدم بعضها بعضا، ثم أن أشكال السيوف مستطيلة، فقد نظم هذه الدقائق كلها في نفسه، ثم أحضرك صورها بلفظة واحدة، ونبه عليها بأحسن التنبيه وأكمله بكلمة، وهي قوله: تهاوى، لأن الكواكب إذا تهاوت اختلفت جهات حركاتها، وكان لها في تهاويها تواقع وتداخل، ثم إنها بالتهاوي تستطيل أشكالها، فأما إذا لم تزل عن أماكنها فهي على صورة الاستدارة. ويشبه هذا الموضع في زيادة أحد التشبيهين مع أن جنسهما جنس واحد، وتركيبهما على حقيقة واحدة بأن في أحدهما فضل استقصاء ليس في الآخر، قول ابن المعتز في الآذريون:
وطاف بها ساق أديب بمبزل ... كخنجر عيار صناعته الفتك
وحمل آذريونة فوق أذنه ... ككأس عقيق في قرارتها مسك
مع قوله:
مداهن من ذهب ... فيها بقايا غالية

(1/61)


الأول ينقص عن الثاني شيئا، وذلك أن السواد الذي في باطن الآذريونة الموضوع بإزاء الغالية والمسك، فيه أمران أحدهما أنه ليس بشامل لها، والثاني أن هذا السواد ليس صورته صورة الدرهم في قعرها، أعني أنه لم يستدر هناك، بل ارتفع من قعر الدائرة حتى أخذ شيئا من سمكها من كل الجهات، وله في منقطعه هيئة تشبه آثار الغالية في جوانب المدهن، إذا كانت بقية بقيت عن الأصابع، وقوله: في قرارتها مسك يبين الأمر الأول، ويؤمن من دخول النقص عليه، كما كان يدخل لو قال: ككأس عقيق فيها مسك، ولم يشترط أن يكون في القرارة. وأما الثاني من الأمرين، فلا يدل عليه كما يدل قوله بقايا غالية، وذاك من شأن المسك والشيء اليابس إذا حصل في شيء مستدير له قعر، أن يستدير في القعر ولا يرتفع في الجوانب الارتفاع الذي تراه في سواد الأذريونة، وأما الغالية فهي رطبة، ثم هي تؤخذ بالأصابع، وإذا كان كذلك، فلا بد في البقية منها من أن تكون قد ارتفعت عن القرارة، وحصلت بصفة شبيهة بذلك السواد، ثم هي لنعومتها ترق فتكون كالصبغ الذي لا جرم له يملك المكان وذلك أصدق للشبه. ومن أبلغ الاستقصاء وعجيبه قول ابن المعتز:
كأنا وضوء الصبح يستعجل الدجى ... نطير غرابا ذا قوادم جون
شبه ظلام الليل حين يظهر فيه الصبح بأشخاص الغربان، ثم شرط أن تكون قوادم ريشها بيضا، لأن تلك الفرق من الظلمة تقع في حواشيها، من حيث تلى معظم الصبح وعموده لمع نور يتخيل منها في العين كشكل قوادم إذا كانت بيضا، وتمام التدقيق والسحر في هذا التشبيه في شيء آخر، وهو أن جعل ضوء الصبح، لقوة ظهوره ودفعه لظلام الليل، كأنه يحفز الدجى ويستعجلها ولا يرضى منها بأن تتمهل في حركتها، ثم لما بدأ بذلك أولا اعتبره في التشبيه آخرا فقال: نطير غرابا، ولم يقل: غراب يطير مثلا، وذلك أن الغراب وكل طائر إذا كان واقعا هادئا في مكان، فأزعج وأخيف وأطير منه، أو كان قد حبس في يد أو قفص فأرسل، كان ذلك لا محالة أسرع لطيرانه وأعجل وأمد له وأبعد لأمده، فإن تلك الفزعة التي تعرض له من تنفيره، أو الفرحة التي تدركه وتحدث فيه من خلاصه وانفلاته، ربما دعته إلى أن يستمر حتى يغيب عن الأفق ويصير إلى حيث لا تراه العيون، وليس كذلك إذا طار عن اختيار، لأنه يجوز حينئذ أن يصير إلى مكان قريب من مكانه الأول، وأن لا يسرع في طيرانه، بل يمضي على هينته ويتحرك حركة غير المستعجل فاعرفه. ومما حقه أن يكون على فرط الاستقصاء في التشبيه وفضل العناية بتأكيد ما بدئ به، قول أبي نواس في صفة البازي:
كأن عينيه إذا ما أتأرا ... فصان قيضا من عقيق أحمرا
في هامة غلباء تهدي منسرا ... كعطفة الجيم بكف أعسرا
أراد أن يشبه المنقار بالجيم، والجيم خطان الأول الذي هو مبدأه وهو الأعلى، والثاني وهو الذي يذهب إلى اليسار، وإذا لم توصل فلها تعريق كما لا يخفى، والمنقار إنما يشبه الخط الأعلى فقط، فلما كان كذلك قال: كعطفة الجيم ولم يقل كالجيم، ثم دقق بأن جعلها بكف أعسر، لأن جيم الأعسر قالوا أشبه بالمنقار من جيم الأيمن، ثم إنه أراد أن يؤكد أن الشبه مقصور على الخط الأعلى من شكل الجيم فقال:
يقول من فيها بعقل فكرا ... ولو زادها عينا إلى فاء ورا

(1/62)


فاتصلت بالجيم صارت جعفرا، فأراك عيانا أنه عمد في التشبيه إلى الخط الأول من الجيم دون تعريقها، ودون الخط الأسفل، أما أمر التعريق وإخراجه من التشبيه فواضح، لأن الوصل يسقط التعريق أصلا، وأما الخط الثاني فهو، ، وإن كان لا بد منه مع الوصل، فإنه إذ قال لو زادها عينا إلى فاء ورا ثم قال فاتصلت بالجيم، فقد بين أن هذا الخط الثاني خارج أيضا من قصده في التشبيه، من حيث كانت زيادة هذه الحروف ووصلها هي السبب في حدوثه، وينبغي أن يكون قوله بالجيم، يعني بالعطفة المذكورة من الجيم، ولأجل هذه الدقة قال يقول من فيها بعقل فكرا، فمهد لما أراد أن يقول، ونبه على أن بالمشبه حاجة إلى فضل فكر، وأن يكون فكره فكر من يراجع عقله ويستعينه على تمام البيان، وجملة القول أنك متى زدت في التشبيه على مراعاة وصف واحد أو جهة واحدة، فقد خلت في التفصيل والتركيب، وفتحت باب التفاضل، ثم تختلف المنازل في الفضل، بحسب الصورة في استنفادك قوة الاستقصاء، أو رضاك بالعفو دون الجهد.
فصل
اعلم أن مما يزداد به التشبيه دقة وسحرا، أن يجيء في الهيئات التي تقع على الحركات، والهيئة المقصودة في التشبيه على وجهين أحدهما أن تقترن بغيرها من الأوصاف كالشكل واللون ونحوهما، والثاني أن تجرد هيئة الحركة حتى لا يراد غيرها، فمن الأول قوله:
والشمس كالمرآة في كف الأشل
أراد أن يريك مع الشكل الذي هو الاستدارة، ومع الإشراق والتلألؤ على الجملة، الحركة التي تراها للشمس إذا أنعمت التأمل، ثم ما يحصل في نورها من أجل تلك الحركة، وذلك أن للشمس حركة متصلة دائمة في غاية السرعة، ولنورها بسبب تلك الحركة تموج واضطراب عجب، ولا يتحصل هذا الشبه إلا بأن تكون المرآة في يد الأشل، لأن حركتها تدور وتتصل ويكون فيها سرعة وقلق شديد، حتى ترى المرآة، ويقع الاضطراب الذي كأنه يسحر الطرف، وتلك حال الشمس بعينها حين تحد النظر وتنفذ البصر، حتى تتبين الحركة العجيبة في جرمها وضوئها، فإنك ترى شعاعها كأنه يهم بأن ينبسط حتى يفيض من جوانبها، ثم يبدو له فيرجع في الانبساط الذي بدأه، إلى انقباض كأنه يجمعه من جوانب الدائرة إلى الوسط، وحقيقة حالها في ذلك مما لا يكمل البصر لتقريره وتصويره في النفس، فضلا عن أن تكمل العبارة لتأديته، ويبلغ البيان كنه صورته، ومثل هذا التشبيه، وإن صور في غير المرآة، قول المهلبي الوزير:
الشمس من مشرقها قد بدت ... مشرقة ليس لها حاجب
كأنها بوتقة أحميت ... يجول فيها ذهب ذائب
وذلك أن الذهب الذائب يتشكل بأشكال البوتقة، فيستدير إذا كانت البوتقة على النار، فإنه يتحرك فيها حركة على الحد الذي وصفت لك، طبع الذهب من النعومة، وفي أجزائه من شدة الاتصال والتلاحم، يمنعه أن يقع فيه غليان على الصفة التي تكون في الماء ونحوه، مما يتخلله الهواء فيرتفع وسطه ارتفاعا شديدا، ولكن جملته كأنها تتحرك بحركة واحدة، ويكون فيها ما ذكرت من انبساط إلى الجوانب، ثم انقباض إلى الوسط، فاعرفه، ومن عجيب ما جمع فيه بين الشكل وهيئة الحركة، قول الصنوبري:
كأن في غدرانها ... حواجبا ظلت تمط
أراد ما يبدو في صفحة الماء من أشكال كأنصاف دوائر صغار ثم إنك تراها تمتد امتدادا ينقص من انحنائها وتحدبها، كما تباعد بين طرفي القوس وتثنيهما إلى ناحية الظهر، كأنك تقربها من الاستواء وتسلبها بعض شكل التقوس، الذي هو إقبال طرفيها على الآخر، ومتى حدثت هذه الصفة في تلك الأشكال الظاهرة على متون الغدران، كانت أشبه شيء بالحواجب إذا مدت، لأن الحاجب لا يخفى تقويسه، ومده ينقص من تقويسه، ومن لطيف ذلك أيضا أعني الجمع بين الشكل وهيئة الحركة، قول ابن المعتز يصف وقوع القطر على الأرض:
بكرت تعير الأرض ثوب شباب ... رجبية محمودة الإسكاب
نثرت أوائلها حيا فكأنه ... نقط على عجل ببطن كتاب

(1/63)


وأما هيئة الحركة مجردة من كل وصف يكون في الجسم، فيقع فيها نوع من التركيب، بأن يكون للجسم حركات في جهات مختلفة، نحو أن بعضها يتحرك إلى يمين والبعض إلى شمال، وبعض إلى فوق وبعض إلى قدام ونحو ذلك، وكلما كان التفاوت في الجهات التي تتحرك أبعاض الجسم إليها أشد، كان التركيب في هيئة المتحرك أكثر، فحركة الرحا والدولاب وحركة السهم لا تركيب فيها، لأن الجهة واحدة، ولكن في حركة المصحف في قوله: " فانطباقا مرة وانفتاحا " . تركيب لأنه في إحدى الحالتين يتحرك إلى جهة غير جهته في الحالة الأخرى، فمما جاء في التشبيه معقودا على تجريد هيئة الحركة، ثم لطف وغرب لما فيه من التفصيل والتركيب، قول الأعشى يصف السفينة في البحر وتقاذف الأمواج بها:
تقص السفين بجانبيه كما ... ينزو الرباح خلا له كرع
الرباح الفصيل، وقيل القرد، والكرع ماء السماء، شبه السفينة في انحدارها وارتفاعها بحركات الفصيل في نزوه، وذلك أن الفصيل إذا نزا، ولا سيما في الماء، وحين يعتريه ما يعتري المهر ونحوه من الحيوانات التي هي في أول النشء، كانت له حركات متفاوتة تصير لها أعضاؤه في جهات مختلفة، ويكون هناك تسفل وتصعد على غير ترتيب، وبحيث تكاد تدخل إحدى الحركتين في الأخرى، فلا يتبينه الطرف مرتفعا حتى يراه منحطا متسفلا، ويهوي مرة نحو الرأس ومرة نحو الذنب، وذلك أشبه شيء بحال السفينة وهيئة حركاتها حين يتدافعها الموج، ونظيره قول الآخر، يصف الفصيل وهو يثب على الناقة ويعلوها ويلقي نفسه عليها، لأنها قد بركت فلا يتمكن من أن يرتضع، فهو يفعل ذلك لتثور الناقة:
يقتاعها كل فصيل مكرم ... كالحبشي يرتقي في السلم

(1/64)


يقتاعها يفتعل من قولهم: قاع البعير الناقة، إذا ضربها، يقوعها قوعا، أراد يعلوها ويثبت عليها، وشبه بالحبشي في هذه الحالة المخصوصة، لما يكون له عند ارتقائه في السلم من تصعد بعض أعضائه وتسفل بعض، على اضطراب مفرط وغيثرة شديدة، وذلك كما ترى في أنه اختلاف في جهات أبعاض الجسم على غير نظام مضبوط، كحركات الفصيل في الماء وقد خلا له، وقد عرفتك أن الاختلاف في جهات الحركات الواقعة في أبعاض الجسم، كالتركيب بين أوصاف مختلفة، ليحصل من مجموعها شبه خاص. واعلم أن هذه الهيئات يغلب عليها الحكم المستفاد من العبرة الثانية، وذلك أن كل هيئة من هيئات الجسم في حركاته إذا لم يتحرك في جهة واحدة، فمن شأنها أن تقل وتعز في الوجود، فيباعدها ذلك أيضا من أن تقع في الفكر بسرعة، زيادة مباعدة مضمومة إلى ما يوجب حديث التركيب والتفصيل فيها،، ألا ترى أن الهيئة التي اعتمدها في تشبيه البرق بالمصحف، ليست تكون إلا في النادر من الأحوال، وبعد عمد من الإنسان، وخروج عن العادة، وبقصد خاص أو عبث غالب على النفس غير معتاد وهكذا حال الفصيل في وثوبه على أمه ليثيرها واستنانه في الماء ونزوه، كما توجبه رؤيته الماء خاليا، وطباع الصغر والفصيلة مما لا يرى إلا نادرا، وليس الأمر في هذا النحو كالأمر في حركة الدولاب والرحا والسهم ونحو ذلك من الحركات المعتادة التي تقع في مصارف العيون كثيرا، ومما يقوى فيها أن يكون سبب غرابته قلة رؤية العيون له، ما مضى من تشبيه الشمس بالمرآة في كف الأشل، وذلك أن الهيئة التي تراها في حركة المرآة إذا كانت في كف الأشل، مما يرى نادرا وفي الأقل، فربما قضى الرجل دهره ولا يتفق له أن يرى مرآة في يد مرتعش، هذا وليس موضع الغرابة من التشبيه دوام حركة المرآة في يد الأشل فقط، بل النكتة والمقصود فيما يتولد من دوام تلك الحركة من الالتماع وتموج الشعاع، وكونه في صورة حركات من جوانب الدائرة إلى وسطها، وهذه صفة لا تقوم في نفس الرائي المرآة الدائمة الاضطراب، إلا أن يستأنف تأملا، وينظر متثبتا في نظره متمهلا، فكأن ها هنا هيئتين كلتاهما من هيئات الحركة إحداهما حركة المرآة على الخصوص الذي يوجبه ارتعاش اليد والثانية حركة الشعاع واضطرابه الحادث من تلك الحركة، وإذا كان كون المرآة في يد الأشل مما يرى نادرا، ثم كانت هذه الصفة التي هي كائنة في الشعاع، إنما ترى وتدرك في حال رؤية حركة المرآة بجهد وبعد استئناف إعمال للبصر، فقد بعدت عن حد ما تعتاد رؤيته مرتين، ودخلت في النادر الذي لا تألفه العيون من جهتين فاعرفه. واعلم أنه كما تعتبر هيئة الحركة في التشبيه، فكذلك تعتبر هيئة السكون على الجملة وبحسب اختلافه، نحو هيئة المضطجع وهيئة الجالس ونحو ذلك، فإذا وقع في شيء من هيئات الجسم في سكونه تركيب وتفصيل، لطف التشبيه وحسن، فمن ذلك قول ابن المعتز يصف سيلا:
فلما طغا ماؤه في البلاد ... وغص به كل واد صدي
ترى الثور في متنه طافيا ... كضجعة ذي التاج في المرقد
وكقول المتنبي في صفة الكلب: " يقعي جلوس البدوي المصطلي " . فقد اختص هيئة البدوي المصطلي، في تشبيه هيئة سكون أعضاء الكلب ومواقعها فيها، ولم ينل التشبيه حظا من الحسن، إلا بأن فيه تفصيلا من حيث كان لكل عضو من الكلب في إقعائه موقع خاص، وكان مجموع تلك الجهات في حكم أشكال مختلفة تؤلف فتجيء منها صورة خاصة، ومن لطيف هذا الجنس قوله في صفة المصلوب:
كأنه عاشق قد مد صفحته ... يوم الوداع إلى توديع مرتحل
أو قائم من نعاس فيه لوثته ... مواصل لتمطيه من الكسل

(1/65)


ولم يلطف إلا لكثرة ما فيه من التفصيل، ولو قال كأنه متمط من نعاس واقتصر عليه، كان قريب المتناول، لأن الشبه إلى هذا القدر يقع في نفس الرائي المصلوب، لكونه من حد الجملة، فأما بهذا الشرط وعلى هذا التقييد الذي يفيد به استدامة تلك الهيئة، فلا يحضر إلا مع سفر من الخاطر، وقوة من التأمل، وذلك لحاجته أن ينظر إلى غير جهة فيقول هو كالمتمطي، ثم يقول المتمطي يمد ظهره ويديه مدة، ثم يعود إلى حالته، فيزيد فيه أنه مواصل لذلك، ثم إذا أراد ذلك طلب علته، وهي قيام اللوثة والكسل في القائم من النعاس، وهذا أصل فيما يزيد به التفصيل، وهو أن يثبت في الوصف أمر زائد على المعلوم المتعارف، ثم يطلب له علة وسبب. ويشبه التشبيه في البيت قول الآخر، وهو مذكور معه في الكتب:
لم أر صفا مثل صف الزط ... تسعين منهم صلبوا في خط
من كل عال جذعه بالشط ... كأنه في جذعه المشتط
أخو نعاس جد في التمطي ... قد خامر النوم ولم يغط
فقوله جد في التمطي، شرط يتم التشبيه، كما أن قوله مواصل كذلك، إلا أن في اشتراط المواصلة من الفائدة ما ليس في هذا وذلك أنه يجوز أن يبالغ ويجتهد ويجد في تمطيه، ثم يدع ذلك في الوقت، ويعود إلى الحالة التي يكون عليها في السلامة مما يدعو إلى التمدد، وإذا كان كذلك، كان المستفاد من هذه العبارة صورة التمطي وهيئته الخاصة، وزيادة معنى، وهو بلوغ الصفة، غاية ما يمكن أن يكون عليها، وهذا كله مستفاد من الأول، ثم فيه زيادة أخرى، وهو أخص ما يقصد من صفة المصلوب، وهي الاستمرار على الهيئة والاستدامة لها، فأما قوله بعد: قد خامر النوم ولم يغط، هو وإن كان كأنه يحاول أن يرينا هذه الزيادة من حيث يقال إنه إذا أخذه النعاس فتمطى ثم خامر النوم، فإن الهيئة الحاصلة له من جده في التمطي تبقى له فليس ببالغ مبلغ قوله: مواصل لتمطيه، وتقييده من بعد بأنه من الكسل، واحتياطه قبل بقوله " فيه لوثته " . وشبيه بالأول في الاستقصاء قول ابن الرومي:
كأن له في الجو حبلا يبوعه ... إذا ما انقضى حبل أتيح له حبل
يعانق أنفاس الرياح مودعا ... وداع رحيل لا يحط له رحل
فاشتراطه أن يكون له بعد الحب الذي ينهي ذرعه حبل آخر يخرج من بوع الأول إليه، كقوله مواصل لتمطيه من الكسل، في استيفاء الشبه، والتنبيه على استدامته، لأنه إذا كان لا يزال يبوع حبلا لم يقبض باعه ولم يرسل يده، وفي ذلك بقاء شبه المصلوب على الاتصال فاعرفه.

(1/66)


واعلم أن من حقك أن لا تضع الموازنة بين التشبيهين في حاجة أحدهما إلى زيادة من التأمل على وقتنا هذا ولكن تنظر إلى حالهما في قوى العقل ولم تسمع بواحد منهما، فتعلم أن لو أرادهما مريد، أو اتفقا له جميعا ولم يكن قد سمع بواحد منهما أيهما كان يكون أسهل عليه، وأسرع إليه، وأعطى بيديه، وأيهما تجده أدل على ذكاء من تسمعه منه، وأرجى لتخرج من يقوله، وذلك أن تقابل بين تشبيه النجوم بالمصابيح والمصابيح بها، وبين تشبيه سل السيوف بعقائق البرق وتشبيهها بسل السيوف، فإنك تعلم أن الأول يقع في نفس الصب أول ما يحس بنفسه، وأن الثاني لا يجيب إجابته، و لا يبذل طاعته وكذلك تعلم أن تشبيه الثريا بنور العنقود لا يكون في قرب تشبيهها بتفتح النور وأن تشبيه الشمس بالمرآة المجلوة كما مضى، يقع في نفس الغر العامي والصبي، ولا يقع تشبيهها بالمرآة في كف الأشل إلا في قلب المميز الحصيف وتشبيهها في حركتها تلك بمرآة تضطرب على الجملة، من غير أن تجعل في كف الأشل، قد يقع لمن لا يقع له بهذا التقييد، وذلك لما مضى من حاجته إلى الفكرة في حال الشمس، وأن حركتها دائمة متصلة، ثم طلب متحرك حركة غير اختيارية، وجعل حركة المرآة صادرة عن تلك الحركة ومأسورة في حكمها دائما. وإنما اشترطت عليك هذا الشرط لأنه لا يمتنع أن يسبق الأول إلى تشبيه لطيف بحسن تأمله وحدة خاطره، ثم يشيع ويتسع، ويذكر ويشهر حتى يخرج إلى حد المبتذل، وإلى المشترك في أصله، وحتى يجري مع دقة تفصيل فيه مجرى المجمل الذي تقوله الوليدة الصغيرة والعجوزة الورهاء، فإنك تعلم أن قولنا لا يشق غباره الآن في الابتذال كقولنا لا يلحق ولا يدرك، وهو كالبرق ونحو ذلك ، إلا أنا إذا رجعنا إلى أنفسنا علمنا أنه لم يكن كذلك من أصله، وأن هذا الابتذال أتاه بعد أن قضى زمانا بطراءة الشباب وجدة الفتاء وبعزة المنيع، ولو قد منعك جانبه وطوى عنك نفسه، لعرفت كيف يشق مطلبه ويصعب تناوله، ومثل هذا وأظهر منه أمرا أن قولنا أما بعد، منسوب في الأصل إلى واحد بعينه، وإن كان الآن في البذلة كقولنا هذا بعد ذاك، مثلا، وهكذا الحلم في الطرق التي ابتدأها الأولون، والعبارات التي لخصها المتقدمون، والقوانين التي وضعوها حتى صارت في الاشتراك كالشيء المشترك من أوله، والمبتذل الذي لم يكن الصون من شأنه، والمبذول الذي لم يعترض دونه المنع في شيء من زمانه، ورب نفيس جلب إليك من الأمكنة الشاسعة، وركب فيه النوى الشطون، وقطع به عرض الفيافي، ثم أخفى عنك فضله حتى جهلت قدره أن سهل مرامه، واتسع وجوده، ولو انقطع مدده عنك حتى تحتاج إلى طلبه من مظنته، لعلمت إحسان الجائي به إليك، والجالب المقرب نيله عليك، ولأكثرت من شكره بعد أن أقللت، وأخذت نفسك بتلافي ما أهملت، وكذلك رب شيء نال فوق ما يستحقه من شغف النفوس به، وأكثر مما توجبه المنافع الراجعة إليه، لأنه لا يتسع اتساع الأول الذي فوائده أعم وأكثر، ووجود العوض عنه عند الفقد أعسر، فكسبت عزة الوجود هذا عزا لم يستحقه بفضله، كما منعت سعته الآخر فضلا هو ثابت له في أصله، ويتصل بهذا الموضع حديث عبد الرحمن بن حسان، وذلك أنه رجع إلى أبيه حسان وهو صبي، يبكي ويقول لسعني طائر، فقال حسان: صفه يا بني، فقال كأنه ملتف في بردى حبرة، وكان لسعه زنبور، فقال حسان قال ابني الشعر ورب الكعبة أفلا تراه جعل هذا التشبيه مما يستدل به على مقدار قوة الطبع، ويجعل عيارا في الفرق بين الذهن المستعد للشعر وغير المستعد له، وسره ذلك من ابنه كما سره نفس الشعر حين قال في وقت آخر:
الله يعلم أني كنت منتبذا ... في دار حسان أصطاد اليعاسيبا

(1/67)


فإن قلت إن التشبيه يتصور في مكان الصبغ والنقش العجيب، ولم يعجب حسان هذا وإنما أعجبه قوله ملتف، وحسن هذه العبارة، إذ لو قال: طائر فيه كوشي الحبرة، لم يكن له هذا الموقع، فهو أن يكون مشبها ما أنت فيه، فمن حيث دلالته على الفطنة في الجملة، قيل مسلم لك أن نكتة الحسن في قوله ملتف، ولكن لا يسلم أنه خارج من الغرض، بل هو عين المراد من التشبيه وتمامه فيه، وذلك أنه يفيد الهيئة الخاصة في ذلك الوشي والصبغ وصورة الزنبور في اكتسائه لهما، ويؤدى الشبه كما مضى من طريق التفصيل دون الجملة، فما ظننت أنه يبعده عما نحن بصدده، هو الذي يدنيه منه،ولقد نفيت العيب من حيث أردت إثباته.
فصل في التشبيه المتعدد والفرق بينه وبين المركب
اعلم أني قد قدمت بيان المركب من التشبيه، وها هنا ما يذكر مع الذي عرفتك أنه مركب ويقرن إليه في الكتب، وهو على الحقيقة لا يستحق صفة التركيب، ولا يشارك الذي مضى ذكره في الوصف الذي له كان تشبيها مركبا، وذلك أن يكون الكلام معقودا على تشبيه شيئين بشيئين ضربة واحدة، إلا أن أحدهما لا يداخل الآخر في الشبه، ومثاله في قول امرئ القيس:
كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي
وذلك أنه لم يقصد إلى أن يجعل بين الشيئين اتصالا، وإنما أراد اجتماعا في مكان فقط، كيف ولا يكون لمضامة الرطب من القلوب اليابس هيئة يقصد ذكرها، أو يعنى بأمرها، كما يكون ذلك لتباشير الصبح في أثناء الظلماء، وكون الشقيقة على قامتها الخضراء، فيودي ذلك الشبه الحاصل من مداخلة أحد المذكورين الآخر واتصاله به، اجتماع الحشف البالي والعناب، كيف ولا فائدة لأن ترى العناب مع الحشف، أكثر من كونهما في مكان واحد، ولو أن اليابسة من القلوب كانت مجموعة ناحية، والرطبة كذلك في ناحية أخرى، لكان التشبيه بحاله، وكذلك لو فرقت التشبيه فقلت: كأن الرطب من القلوب عناب، وكأن اليابس حشف بال، لم تر أحد التشبيهين موقوفا في الفائدة على الآخر، وليس كذلك الحكم في المركبات التي تقدمت، وقد يكون في التشبيه المركب ما إذا فضضت تركيبه وجدت أحد طرفيه يخرج عن أن يصلح تشبيها لما كان جاء في مقابتله مع التركيب بيان ذلك أن الجلال في قوله " كطرف أشهب ملقى الجلال " . في مقابلة الليل، وأنت لو قلت كأن الليل جلال وسكت لم يكن شيئا، وقد يكون الشيء منه إذا فض تركيبه استوى التشبيه في طرفيه، إلا أن الحال تتغير، ومثال ذلك قوله:
وكأن أجرام النجوم لوامعا ... درر نثرن على بساط أزرق
فأنت وإن كنت إذا قلت: كأن النجوم درر، وكأن السماء بساط أزرق، وجدت التشبيه مقبولا معتادا مع التفريق، فإنك تعلم بعد ما بين الحالتين، ومقدار الإحسان الذي يذهب من البين، وذلك أن المقصود من التشبيه أن يريك الهيئة التي تملأ النواظر عجبا وتستوقف العيون وتستنطق القلوب بذكر الله تعالى من طلوع النجوم مؤتلفة مفترقة في أديم السماء وهي زرقاء زرقتها الصافية التي تخدع العين، والنجوم تتلألأ وتبرق في أثناء تلك الزرقة، ومن لك بهذه الصورة إذا فرقت التشبيه، وأزلت عنه الجمع والتركيب؟ وهذا أظهر من أن يخفى، وإذ قد عرفت هذه التفاصيل، فاعلم أن ما كان من التركيب في صورة بيت امرئ القيس، فإنما يستحق الفضيلة من حيث اختصار اللفظ وحسن الترتيب فيه، لا لأن للجمع فائدة في عين التشبيه، ونظيره أن للجمع بين عدة تشبيهات في بيت كقوله:
بدت قمرا وماست خوط بان ... وفاحت عنبرا ورنت غزالا

(1/68)


مكانا من الفضيلة مرموقا، وشأوا ترى فيه سابقا ومسبوقا لا أن حقائق التشبيهات تتغير بهذا الجمع، أو أن الصور تتداخل وتتركب وتأتلف ائتلاف الشكلين يصيران إلى شكل ثالث، فكون قدها كخوط البان، لا يزيد ولا ينقص في شبه الغزال حين ترنو منه العينان، وهكذا الحكم في أنها تفوح فوح العنبر، ويلوح وجهها كالقمر، وليس كذلك بيت بشار: كأن مثار النقع، لأن التشبيه هناك كما مضى مركب وموضوع على أن يريك الهيئة التي ترى عليها النقع المظلم، والسيوف في أثنائه تبرق وتومض وتعلو وتنخفض، وترى لها حركات من جهات مختلفة كما يوجبه الحال حين يحمى الجلاد، وترتكض بفرسانها الجياد. كما أن قول رؤبة مثلا:
فيها خطوط من سواد وبلق ... كأنها في الجلد توليع البهق
ليس القصد فيه أن يريك كل لون على الانفراد، وإنما القصد أن يرى الشبه من اجتماع اللونين، وقول البحتري:
تري أحجاله يصعدن فيه ... صعود البرق في الغيم الجهام
لا يريد به تشبيه بياض الحجول على الانفراد بالبرق، بل المقصود الهيئة الخاصة الحاصلة من مخالطة أحد اللونين الآخر، كذلك المقصود في بيت بشار بتشبيه النقع والسيوف فيه، بالليل المتهاوي كواكبه، لا تشبيه الليل بالنقع من جانب، والسيوف بالكواكب من جانب، ولذلك وجب الحكم، كما كنت ذكرت في موضع، بأن الكلام إلى قوله: وأسيافنا في حكم الصلة للمصدر، وجار مجرى الاسم الواحد، لئلا يقع في التشبيه تفريق ويتوهم أنه كقولنا كأن مثار النقع ليل وكأن السيوف كواكب، ونصب الأسياف لا يمنع من تقدير الاتصال، ولا يوجب أن يكون في تقدير الاستئناف، لأن الواو فيها معنى مع، كقوله: " فإني وقىارا بها لغريب " وقوله كل رجل وضيعته، وهي إذا كانت بمعنى مع، لم يكن في معطوفها الانقطاع، وأن يكون الكلام في حكم جملتين، ألا ترى أن قولهم: لو تركت الناقة وفصيلها لرضعها، لا يكون بمنزلة أن تقول لو تركت الناقة ولو ترك فصيلها، فتجعل الكلام جملتين وكذا لا يمكنك أن تقول كل رجل كذا وضيعته كذا، فتفرق الخبر عنهما كما يجوز في قولك زيد وعمرو كريمان، أن تقول: زيد كريم وعمرو كريم، وهذا موضع غامض، وللكلام فيه موضع آخر، وإن أردت أن تزداد تبيينا، لأن التشبيه إذا كان معقودا على الجمع دون التفريق، كان حال أحد الشيئين مع الآخر حال الشيء في صلة الشيء وتابعا له ومبنيا عليه، حتى لا يتصور إفراده بالذكر، فالذي يفضي بك إلى معرفة ذلك أنك تجد في هذا الباب ما إذا فرق لم يصلح للتشبيه بوجه، كقوله:
كأنما المريخ والمشتري ... قدامه في شامخ الرفعه
منصرف بالليل عن دعوة ... قد أسرجت قدامه شمعه
لو قلت كأن المريخ منصرف بالليل عن دعوة، وتركت حديث المشتري والشمعة، كأن خلفا من القول، وذاك أن التشبيه لم يكن للمريخ من حيث هو نفسه، ولكن من حيث الحالة الحاصلة له من كون المشتري أمامه، وأنت وإن كنت تقول: المشتري شمعة، على التشبيه العامي الساذج في قولهم كأن النجوم مصابيح وشموع، فإنه لم يضع التشبيه على هذا وإنما قصد إلى الهيئة التي يكتسبها المريخ من كون المشتري أمامه، وهكذا قول ابن المعتز:
كأنه وكأن الكأس في فمه ... هلال أول شهر غاب في شفق
لم يقصد أن يشبه الكأس على الانفراد بالهلال، والشفة بالشفق على الاستئناف، بل أراد أن يشبه مجموع الصورتين، ألا ترى أنك لو فرقت لم تحل من التشبيه بطائل، إذ لا معنى لأن تقول: كأن الشفة شفق، وتسكت، أترى أن قوله:
بياض في جوانبه احمرار ... كما احمرت من الخجل الخدود

(1/69)


استوجبت الفضل والخروج من التشبيه العامي، وأن يقال قد زاد زيادة لم يسبق إليها، إلا بالتركيب والجمع، وبأن ترك أن يراعى الحمرة وحدها. وقال القاضي أبو الحسن رحمه الله: لو اتفق له أن يقول احمرار في جوانبه بياض، لكان قد استوفى الحسن وذلك لأن خد الخجل هكذا، يحدق البياض فيه بالحمرة لا الحمرة بالبياض، إلا أنه لعله وجد الأمر كذلك في الوردة، فشبه على طريق العكس فقال هذا البياض حوله الحمرة ها هنا، كالحمرة حولها البياض هناك، فانظر الآن، إن فرقت، كيف يتفرق عنك الحسن والإحسان، ويحضر العي ويذهب البيان لأن تشبيه البياض على الانفراد لا معنى له، وأما تشبيه الحمرة، وإن كانت تصح على الطريقة الساذجة أعني تشبيه الورد الأحمر بالخد فإنه يفسد من حيث أن القصد إلى جنس من الورد مخصوص، هو ما فيه بياض تحدق به حمرة، فيجب أن يكون وصف المشبه به على هذا الشرط أيضا، وبهذا الاختصاص ولما ذكرت لك، تجد أحد المشبهين في الأمر الأعم الأكثر وقد ذكر في صلة الآخر، ولم يعطف عليه كقوله: " والشيب ينهض في الشباب " و " بياض في جوانبه احمرار " .
وأشباه ذلك، فإن جاءت الواو كانت واو حال كقوله:
كأنما المريخ والمشتري ... قدامه في شامخ الرفعه
وهي إذا كانت حالية، فهي كالصفة في كونها تابعة، وبحيث لا ينفرد بالذكر، بل يذكر في ضمن الأول، وعلى أنه من تبعه وحاشيته، وهكذا الحكم في الطرف الآخر، ألا ترى قوله:
ليل تهاوى كواكبه
فتهاوى كواكبه، جملة من الصفة لليل، وإذا كان كذلك، فالكواكب مذكورة على سبيل التبع لليل، ولو كانت مستبدة بشأنها لقلت: ليل وكواكب، وكذلك قوله:
ليل يصيح بجانبيه نهار
وأشد من ذلك أن يجيء كما في الطرف الثاني كقوله: " كما احمرت من الخجل الخدود " وبيت امرئ القيس على خلاف هذه الطريقة، لأن أحد الشيئين فيه في الطرفين معطوف على الآخر، أما في طرف الخبر، وهو طرف المشبه به، فبين وهو قوله: " العناب والحشف البالي " وأما في طرف المخبر عنه، وهو المشبه، فإنك وإن كنت ترى اسما واحدا، هو القلوب، فإن الجمع الذي تفيده الصيغة في المتفق يجري مجرى العطف في المختلف، فاجتماع شيئين أو أشياء في لفظ أو جمع، لا يوجب أن أحدهما في حكم التابع للآخر، كما يكون ذلك إذا جرى الثاني في صفة الأول أو حاله أو ما شابه ذلك، هذا وقد صرح بالعطف في البدل، وهو المقصود فقال: رطبا ويابسا. واعلم أنه قد يجيء في هذا الباب شيء له حد آخر، وهو نحو قوله:
إني وتزييني بمدحي معشرا ... كمعلق درا على خنزير

(1/70)


هو على الجملة جمع بين شيئين في عقد تشبيه، إلا أن التشبيه في الحقيقة لأحدهما، ألا ترى أن المعنى على أن فعله في التزيين بالمدح، كفعل الآخر في محاولته أن يزين الخنزير بتعليق الدر عليه؟ ووجه الجمع أن كل واحد منهما يضع الزينة حيث لا يظهر لها أثر، لأن الشيء غير قابل للتحسين، ومتى كان المشبه به كمعلق في البيت، فلا شك أن التشبيه لا يرجع إلى ذات الشيء، بل المعنى المشتق منه الصفة، وإذا رجع إليه مقرونا بصلته على ما مضى في نحو ما زال يفتل في الذروة والغارب، فقد شبه تزيينه بالمدح من ليس من أهله، بتعليق الدر على الخنزير هكذا بجملته، لا بالتعليق غير معدى إلى الدر والخنزير، فالشبه مأخوذ من مجموع المصدر وما في صلته، ولا بد للواو في هذا النحو أن تكون بمعنى مع، وأمرها فيه أبين، إذ لا يمكن أن يقال إني كذا وإن تزييني كذا، لأنه ليس معنا شيئان يكون أحدهما خبرا عن ضمير المتكلم في إني الذي هو المعطوف عليه، والآخر عن تزييني المعطوف، كما يكون نحو بيت بشار شيئان يمكن في ظاهر اللفظ أن يجعل أحدهما خبرا عن النقع، والآخر عن الأسياف، إلى أن تجيء إلى فساده من جهة المعنى، فأنت في نحو إني وتزييني ملجأ إلى جعل الواو بمعنى مع من كل وجه، حتى لا تقدر على إخراج الكلام إلى صورة تكون فيها الواو عارية من معنى مع، ويكون تشبيها بعد تشبيه. فإن قلت إن في معلق معنى الذات والصفة معا، فيمكن أن يكون أراد أن يشبه نفسه بذات الفاعل و تزيينه بالفعل نفسه، أقول لو أريد إني كمعلق درا على خنزير، وإن تزييني بمدحي معشرا كتعليق در على خنزير، كان قولا ظاهر السقوط، لما ذكرت من أنه لا يتصور أن يشبه المتكلم نفسه، من حيث هو زيد مثلا، بمعلق الدر على الخنزير من حيث هو عمرو، وإنما يشبه الفعل بالفعل فاعرفه. فإن قلت فما تقول في قوله:
وحتى حسبت الليل والصبح إذ بدا ... حصانين مختالين جونا وأشقرا
فإن ظاهره أنه من جنس المفرق، أقول نعم، إلا أن ثمة شيئا كالجمع، وهو أن لاقتران الحصانين الجون والأشقر في الاختيال ضربا من الخصوصية في الهيئة، لكنه لا يبلغ مبلغ ليل تهاوى كواكبه، ولا مبلغ قوله: " والصبح مثل غرة في أدهم " . كما أن قوله:
دون التعانق ناحلين كشكلتي ... نصب أدقهما وضم الشاكل
لا يكون كقوله:
إني رأيتك في نومي تعانقني ... كما تعانق لام الكاتب الألفا
فإن هذا قد أدى إليك شكلا مخصوصا لا يتصور في كل واحد من المذكورين على الانفراد بوجه، وصورة لا تكون مع التفريق وأما المتنبي فأراك الشيئين في مكان واحد وشدد في القرب بينهما، وذاك أنه لم يعرض لهيئة العناق ومخالفتها صورة الافتراق، وإنما عمد إلى المبالغة في فرط النحول، واقتصر من بيان حال المعانقة على ذكر الضم مطلقا والأول لم يعن بحديث الدقة والنحول، وإنما عني بأمر الهيئة التي تحصل في العناق خاصة، من انعطاف أحد الشكلين على صاحبه، والتفاف الحبيب بمحبه، كما قال:
لف الصبا بقضيب قضيبا
وأجاد وأصاب الشبه أحسن إصابة، لأن خطى اللام والألف في لا ترى رأسيهما في جهتين، وتراهما قد تماسا من الوسط، وهذه هيئة المعتنقين على الأمر بالمعروف، فأما قصد المتنبي فليس بصفة عناق على الحقيقة، وإنما هو تضام وتلاصق، وهو بنحو قوله:
ضممته ضمة عدنا بها جسدا ... فلو رأتنا عيون ما خشيناها
أشبه، لأن القصد في مثله شدة الالتصاق، من غير تعريج على هيئة الاعتناق، وذهب القاضي في بيت المتنبي إلى أنه كأنه معنى مفرد غير مأخوذ من قوله:

(1/71)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية