صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : البلاغة العربية أسسها وعلومها وفنونها

أقول: هذا النقاش الذي دار حول هذا الموضوع سببه الفكرة التي سبقت إلى تصور الناس حول الصيغ التي أسماها علماء العربية اصطلاحا صيغ مبالغة، مع العلم بأن العرب قد استعملوا هذه الصيغ ولو يقولوا: إنها صيغ مبالغة، بمعنى أنها تدل دواما على ما هو زائد على الواقع والحقيقة حتى ترد الإشكالات التي أوردها المستشكلون حول صفات الله عز وجل.
وباستطاعتنا أن نقول: إن هذه الصيغ موضوعة في الأصل للدلالة على كمال الصفة، وهذا الكمال لا يوجد في الناس، أو للدلالة على الكثرة والوفرة في أجزاء الصفة، دون أن يكون ذلك على سبيل المبالغة بمعنى الزيادة على الحقيقة والواقع دواما، فإذا أطلقت على غير مستحق الكمال فيها كان هذا الإطلاق على سبيل المبالغة، وإذا أطلقت على مستحق الكمال أو الكثرة فيها فهو إطلاق على وجه الحقيقة ولا مبالغة فيه، فما يسمى بصيغ المبالغة إذا أطلقت على الله عز وجل فهي مطلقة بحسب وضعها اللغوي، ولا مبالغة فيها، وبهذا ينحل الإشكال من أساسه، وسبب الإشكال التقيد بتعريفات اصطلاحية جاءت على ألسنة علماء اللغة، دون الرجوع إلى التبصر بأصل الاستعمالات العربية، وتحرير المراد من الاصطلاح.

(1/809)


(22): حول التتابع في المفردات والجمل
يتناول الكلام هنا الاختيارات البديعة التالية:
(1) الاطراد.
(2) الترتيب.
(3) الترقي والتدلي.
(4) حسن النسق.
(5) التعديد - أو "حسن التعديد".
نظر علماء البديع إلى عناصر جمالية معنوية تتعلق بتتابع المفردات والجمل في الكلام الواحد، فوضعوا لما اكتشفوه منها أسماء.
أولا - الاطراد:

قالوا: من البديع أن يذكر المتكلم آباء من يتحدث عنه متسلسلة على وفق الترتيب الطبيعي الذي هولهم، في سلسلة نسبهم، بدءا من الجد الأعلى وتنازلا إلى الأب المباشر، أو بالعكس، إذا كان له غرض بذكرهم، وسموا هذا "الاطراد" وهذه التسمية ملائمة للمعنى اللغوي للكلمة، فالاطراد في اللغة: التتابع والتسلسل، يقال: اطرد النهر، إذا تتابع جريان مائة، واطرد الكلام أو الحديث، إذا جرى مجرى واحدا متسقا.
ومخالفة الاطراد هذا لا تحسن إلا لنكتة بلاغية يريد المتكلم بها الإشارة إليها.
فالاطراد يلائم السلسلة الفكرية الطبيعية لدى المتلقي.
أمثلة:
المثال الأول: قول الله عز وجل في سورة (يوسف/ 12 مصحف/ 53 نزول) حكاية لما قال يوسف عليه السلام لصاحبيه في السجن:
{...إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون * واتبعت ملة آبآئي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنآ أن نشرك بالله من شيء ذالك من فضل الله علينا وعلى الناس ولاكن أكثر الناس لا يشكرون}.
بدأ يوسف عليه السلام بذكر جده العالي إبراهيم أولا، لأنه الأول من آبائه الأقربين الذين حملوا الملة التي يدعو صاحبيه في السجن لاتباعها، فذكر بعده ابن إبراهيم المباشر إسحاق، فذكر يعقوب بن إسحاق، ويعقوب هو الأب المباشر ليوسف عليهم السلام.
المثال الثاني: قول الرسول صلى الله عليه وسلم حين سئل عن أكرم الناس: "الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم".
المثال الثالث: قول الشاعر:
*إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم * بعتيبة بن الحارث بن شهاب*

(1/810)


ثللت عروشهم: أي: أذهبت سلطانهم، ويقال: ثل الدار إذا هدمها.
المثال الرابع: قول "دريد بن الصمة":
*قتلنا بعبد الله خير لداته * ذؤاب بن أسماء بن زيد بن قارب*
لداته: نظرائه في السن، لدة الإنسان من ولد معه في وقت واحد.
ثانيا - الترتيب:
وقالوا: من البديع إذا أراد المتكلم أن يذكر أوصافا متعددة لموصوف بها واحد، أن يذكرها على وفق ترتيبها الطبيعي، دون إخلال، ما لم يدع داع بلاغي آخر يحرص المتكلم أن يشير إليه بمخالفة الترتيب الطبيعي، وسموا ذكر الأوصاف المتعددة متتابعة على وفق ترتيبها الطبيعي "ترتيبا".
أمثلة:
المثال الأول: قول الله عز وجل في سورة (غافر/ 40 مصحف/ 60 نزول):
{هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون}.
جاء في الآية ذكر أطوار خلق الإنسان وفق ترتيبها الطبيعي، وهو أمر مستحسن بديع.
المثال الثاني: قول الله عز وجل في سورة (الشمس/ 91 مصحف/ 26 نزول):
{كذبت ثمود بطغواهآ * إذ انبعث أشقاها * فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها * فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها * ولا يخاف عقباها}.
جاء ترتيب الأحداث في هذا النص وفق ترتيبها في الواقع الذي حدث، وهو أمر مستحسن بديع.
المثال الثالث: قول الله عز وجل في سورة (الرعد/ 13 مصحف/ 96 نزول):

(1/811)


{أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغآء حلية أو متاع زبد مثله كذالك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذالك يضرب الله الأمثال}.
جار الترتيب في هذه الآية وفق ترتيب الأحداث في الواقع وهو أمر مستحسن بديع.
ثالثا: الترقي والتدلي:
وقالوا: من البديع لدى ذكرا لمتعددات من جنس أو نوع أو صنف واحد، إذا كان بينها تفاضل في الدرجات أو المراتب، أن تذكر إما من الأدنى إلى الأعلى ترقيا، أو من الأعلى إلى الأدنى تدليا، ما لم يدع داع بلاغي آخر يحرص المتكلم أن يشير إليه بمخالفة هذا النظام، كمراعاة رؤوس الآي، وكالتنويع في نصوص متعددة.
ووضعوا للالتزام بهذا النظام عنوان: "الترقي والتدلي".
أمثلة:
المثال الأول: قول الله عز وجل في سورة (الأعراف/ 7 مصحف/ 39 نزول) بشأن معبودات المشركين من الأصنام:
{ألهم أرجل يمشون بهآ أم لهم أيد يبطشون بهآ أم لهم أعين يبصرون بهآ أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركآءكم ثم كيدون فلا تنظرون}.
جاء في هذه الآية البدء بالأدنى لغرض الترقي، إذ اليد أشرف من الرجل، والعين أشرف من اليد، والسمع أشرف من البصر، فالأعمى يستغني بالسمع لتحصيل المعارف الكثيرة، لكن الأصم البصير دونه في ذلك.
المثال الثاني: قول الله عز وجل في سورة (النور/ 24 مصحف/ 102 نزول):

(1/812)


{والله خلق كل دآبة من مآء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشآء إن الله على كل شيء قدير}.
جاء في هذه الآية البدء بالأعلى الأدل على قدرة الرب الخالق، وهو المشي على البطن دون أرجل، فالأدنى وهو المشي على رجلين، فالأدنى وهو المشي على أربع، لغرض الأخذ بنظام التدلي.
رابعا - حسن النسق:
وقالوا: من البديع في الجمل المتتالية التي جاء بعضها معطوفا على بعض أن تكون فيما بينها متلاحمة تلاحما سليما مستحسنا، وأن تكون كل واحدة منها قابلة لأن تستقل بنفسها لو أفردت وسموا هذا "حسن النسق".
أمثلة:
المثال الأول: قول الله عز وجل في سورة (هود/ 11 مصحف/ 52 نزول) في عرض لوحة من قصة نوح عليه السلام وقومه:
{وقيل ياأرض ابلعي مآءك وياسمآء أقلعي وغيض المآء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين}.
إن جمل هذه الآية معطوف بعضها على بعض بواو عطف النسق على الترتيب الذي تقتضيه البلاغة.
* فقد جاء فيه البدء بالأهم، الذي هو انحسار الماء عن الأرض، المتوقف عليه غاية مطلوب أهل السفينة، الذين يترقبون الخلاص من سجنها.
* وبعده جاء. بيان انقطاع مدد الماء من السماء، الذي يتوقف عليه كمال المطلوب.
* وبعدهما جاء الإخبار بذهاب الماء بعد الأمر بالبلع والإقلاع.
* وبعد ذلك جاء بيان انقضاء الأمر كله الذي من أجله حدث الطوفان العظيم، وهو هلاك الكافرين ونجاة نوح والذين آمنوا معه.
* وبعد ذلك جاء بيان استواء السفينة على جبل الجودي، الذي وقع فعلا بعد أن قضي الأمر.

(1/813)


* وأخيرا جاء الختم بإعلان طرد الكافرين بعبارة: [وقيل: بعدا للقوم الظالمين] للإشارة إلى أن من أبعد من الرحمة هم الكافرون فقط.
المثال الثاني: قول الله عز وجل في سورة (الأعراف/ 7 مصحف/ 39 نزول):
{وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين}.
جمل ثلاث قالها موسى لأخيه هارون تتضمن مرسوم تعيين من ثلاث مواد متلاحمة متفاصلة:
المادة الأولى: اخلفني في قومي.
المادة الثانية: وأصلح: (أي: في إدارتك وخلافتك لي).
المادة الثالثة: ولا تتبع سبيل المفسدين (أي: مهما كانت كثرتهم، فاحزم أمرك ولا تتبعهم مداريا لهم).
أقول:
ويمكن أن ندخل تحت عنوان "حسن النسق" ما يتضمن مراعاة حالة أنفس المتلقين، لدى ملاحظة المشهد الذي يعرضه المتكلم في الصورة الكلامية.
فمن حسن النسق أن تكون الصورة الكلامية مطابقة لواقع حال المتلقي لدى إدراكه المشهد في الواقع، ومن الأمثلة على هذا قول الله عز وجل في سورة (الغاشية/ 88 مصحف/ 68 نزول):
{أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت * وإلى السمآء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت * وإلى الأرض كيف سطحت}.
أقل هنا ما سبق أن كتبته في كتابي: "أمثال القرآن وصور من أدبه الرفيع"، إذ أعالج في هذا النص من جوانبه الأدبية فية ترتيب جمله فقط.

(1/814)


قد يهدف ترتيب الجمل القرآنية إلى عرض لوحة فنية من لوحات ما خلق الله في كونه، حتى كأنها رسم قد روعيت فيه كل الشروط الفنية التي تراعى في الرسوم والصور الرفية، فتبدو الصورة مثالا مطابقا لحركة تتابع المشهد في نفس المشاهد.
تصور أنك جالس في بادية في خيمة، كواحد من عربان البادية، وأمامك سهل ممتد، وبعده سلسلة جبال متتابعة، ومرت قافلة جمال في هذا السهل بينك وبين الجبال.
فكيف تتنقل نفسك في هذا المشهد، بعد هذا الحدث المتحرك المثير، وهو قافلة الجمال؟.
لقد تمثلت هذه الصورة، فوجدت أنني أتنقل في متابعتها مركزا على بؤرة المشهد مرحلة فمرحلة على الوجه التالي:
اللقطة الأولى: صورة قافلة الجمال السائرة، إذ كانت أولا لافت لنظري، بسبب الحركة، وغرابة المشهد، ورغبة النفس في متابعة مشاهدته قبل أن يغيب عن النظر، فكانت في حسي هي بؤرة المشهد البارزة، وما سواها كان أرضية لها.
اللقطة الثانية: صورة السماء من جهة الأفق البعيد وراء القافلة، إذ شبعت نفسي من متابعة التركيز على قافلة الجمال، فتركتها، وجعلتها أرضية الصورة، وانتقلت للتأمل في السماء، فكانت السماء في حسي هي بؤرة المشهد البارزة، وتوجه بصري للتركيز على السماء، بحثا وتأملا، حتى إذا شبعت من ذلك ظهرت في شعوري لقطة أخرى.
اللقطة الثالثة: هي صورة الجبال المتتابعة، إذ أخذت تبرز في حسي، فتكون بؤرة المشهد، وتوجه بصري للتركيز على الجبال بحثا وتأملا فيها.

(1/815)


وأدركت أن من طبيعة النفوس لدى مشاهدة مشهد متعدد العناصر، أن تبدأ بالمتحرك لأن أكثر إثارة، ثم تنتقل إلى أعلى المشهد، ثم تتدلى شيئا فشيئا حتى أدناه.
ولما شبعت من التأمل في الجبال ظهرت في شعوري اللقطة التي وراءها.
اللقطة الرابعة: هي صورة الأرض المنبسطة الممتدة أمامي كأنها السطح، أخذت تبرز في حسي، فتكون بؤرة المشهد، وتوجه بصري للتركيز على الأرض بحثا وتأملا فيها.
عندئذ علمت الحكمة التي دعت إلى ترتيب الجمل القرآنية، من سورة (الغاشية) في الآيات من (17 - 20) وما فيها من تصوير كلامي متابع لحركة النفس لدى مشاهدة مثل هذه اللوحة التي عرضها النص.
وقلت في نفسي: إنها بهذا الترتيب تقدم لوحة فنية، تطابق ما يحدث لمشاهد واقع في مثل هذا المشهد.
إن العليم الحكيم الخبير يقدم هذه اللوحة الفنية، ليلفت نظر المشاهد من خلالها إلى إدراك طائفة من صفات الخالق جل جلاله، التي تدل عليها آيات هذا المشهد البديع، ومنها أنه عليهم حكيم قدير بديع السماوات والأرض، قد أتقن كل شيء صنعا.
خامسا - التعديد أو (حسن التعديد):
وقالوا: من البديع في الألفاظ المفردة المتتالية أن يؤتى بها على سياق واحد، دون أن يكون بينها ما يشذ وينبو عن الذوق الأدبي الرفيع، في دلالتها وفي ألفاظها، وأكثر ما يوجد هذا في الصفات المتتاليات.
وسموا إيقاعها على سياق واحد متلائم: "التعديد" والأحسن أن يسمى "حسن التعديد".
أمثلة:
المثال الأول: قول الله عز وجل في سورة (الحشر/ 59 مصحف/ 101 نزول):
{هو الله الذي لا اله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون}.

(1/816)


فجاء البدء بذكر اسم "الملك" إذ هو مالك كل شيء وذو السلطان على كل شيء، والبدء به هو الملائم في السياق بعد بيان اسمه (الله) ويبان أنه لا إله بحق إلا هو، وجاء بعد "الملك" اسمان من أسماء الله الحسنى متلائمان يتطلبهما السياق وهما "القدوس" و "السلام" فمعنى القدوس: المنزه عن صفات النقص التي لا تليق بالرب الخالق المعبود. ومعنى السلام: ذو السلام من كل نقص في ذاته وصفاته وأفعاله، فهما متلائمان، وبعد التنزيه يستدعي السياق إثبات صفات الكمال له، وأولها شمول علمه كل شيء، وأنه يعلم كل شيء علما يقينيا لا يخالطه أدنى شك، والاسم الملائم لهذا "المؤمن" وبعد شمول علمه كل شيء يستدعي الفكر إثبات هيمنته بقدرته وسلطانه على كل ما سواه مما هو خالق له، ومما سيخلقه، فجاء الاسم الملائم وهو "المهيمن" ومن هيمنته بقدرته وسلطانه، أن يكون قويا ذا قوة غالبة، لا يستطيع معارض أن يعارضها، فجاء الاسم الملائم لهذا هو "العزيز" إذ معناه القوي الغالب، ومن عزته أن يكون إذا أراد شيئا فعله بالجبر، ضد أية قوة لها إرادة معارضة، من خلقه الذين منحهم الإرادات الحرة وسخر لهم في كونه بعض المسخرات، والاسم الدال على هذا هو "الجبار" ويدرك الذهن أن من جمع الصفات السابقات لا بد أن يكون أكبر من كل كبير في الوجود، وأن يكون عالما بهذه الصفة من صفاته، فجاء الاسم الدال على هذه الحقيقة "المتكبر" أي: المثبت لنفسه أنه أكبر من كل كبير إثباتا مؤكدا.
المثال الثاني: قول الله عز وجل في سورة (التوبة/ 9 مصحف/ 113 نزول) في وصف المؤمنين الذين اشترى منهم أنفسهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون:

(1/817)


{التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين}.
وبالتأمل نلاحظ أن هذه الصفات المذكورات لخيار المؤمنين متعانقات تعانقا متلائما يستدعي سابقها تاليها لدى التحليل الذهني.
فالتوبة هي المطلوب الأول من الصفات، لأنها بمثابة تنظيف الدار قبل جلب الأثاث إليها، وبعد التوبة تأتي العبادة، وأول عناصر العبادة الحمد، فالسياحة بمعنى إطلاق الفكر في آيات الله وآلائه فكثرة الركوع والسجود في الصلوات لله عز وجل، فالقيام بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالمحافظة على حدود الله عند كل عمل لله فيه حكم شرعي ذو حد من الحلال والحرام.
وهكذا جاءت مفردات الصفات منسابة متلائمة على سياق واحد لا تنافر فيه ولا شذوذ.
المثال الثالث: قول الله عز وجل في سورة (الأحزاب/ 33 مصحف/ 90 نزول):
{إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما}.
من الملاحظ في هذه المتعددات الانسيابية والتلاؤم والتعانق المتدرج.
الإسلام هو يقدمه الظاهر أولا، وهل هو أثر إيمان أم لا؟ فيأتي التدقيق عن الإيمان ثانيا، وبعدهما ينظر إلى التزام الطاعة المعبر عنه بالقنوت، فالقانت هو المطيع الخاضع، فيأتي البحث عن الصدق في الطاعة، أي: عن سلامة النية في ابتغاء مرضاة الله، فالتوسع في أعمال البر فوق فعل الواجبات وترك المحرمات، ويأتي في مقدمته الصبر، فخشوع القلب لذكر الله، فبذل الصدقات فوق الزكاة والنفقة الواجبة، فالصوم زيادة على الصوم المفروض، فالمحافظة التامة على الفروج، فالذكر الكثير لله عز وجل.

(1/818)


(23): المراوغة:
بالمواربة، أو مجاراة ظاهر القول المواربة: أن يقول المتكلم قولا يتضمن ما ينكر عليه به، فإذا وجه له الإنكار استحضر بحذقه وجها من الوجوه يتخلص به، إما بحمل الكلمة على معانيها، أو بتحريفها، أو بتصحيفها، أو نحو ذلك. والمواربة في اللغة: المخادعة والمخاتلة.
كقول اليهود عند السلام: السام عليكم، يوهمون أنهم يقولون: السلام عليكم، وهم يقصدون: الموت، لأن السام الموت.
وحين أمرهم الله على لسان نبي من أنبيائهم أن يدخلوا باب القرية سجدا ويقولوا: حطة، بمعنى: اللهم احطط عنا خطيئاتنا، حرفوا الكلمة وواربوا فيها، وقصدوا معنى غير الذي طلب منهم.
المجاراة: هي مسايرة المخاطب بحسب ظاهر كلامه، والتغاضي عن مراده منه، والبناء على ظاهر كلامه كأنه هو مقصوده الحقيقي.
ومن أمثله المجاراة حمل كلام الكافرين الذي طلبوا فيه من رسلهم استعجال العذاب الذي أنذروهم به، لا على معنى أنهم يريدون إنزال العذاب بهم، ولكنهم يعبرون بهذا الاستعجال عن تكذيبهم رسل ربهم، وأنهم ليسوا صادقين فيما يخبرونهم به من أن الله ينذرهم بعذابه إذا أصروا على تكذيبهم وكفرهم ومعاداتهم لرسل ربهم والذين آمنوا معهم.
ومنه قول الله عز وجل في سورة (العنكبوت/ 29 مصحف/ 85 نزول) خطابا لرسوله:
{ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجآءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون * يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين}.

(1/819)


(24): النزاهة
النزاهة: هي خلوص ألفاظ الهجاء والذم من الفحش.
قيل لأبي عمرو بن العلاء: ما هو أحسن الهجاء؟
قال: هو الذي إذا أنشدته العذراء في خدرها لا يقبح عليها.
أمثلة:
المثال الأول: ما جاء في سورة (المسد/ 111 مصحف/ 6 نزول) من ذم أبي لهب وامرأته.
المثال الثاني: ما جاء في سورة (القلم/ 68 مصحف/ 2 نزول) من ذم للوليد بن المغيرة بصيغة عامة، بقول الله تعالى:
{ولا تطع كل حلاف مهين * هماز مشآء بنميم * مناع للخير معتد أثيم * عتل بعد ذلك زنيم * أن كان ذا مال وبنين * إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين * سنسمه على الخرطوم}.
يلاحظ أن هذا الهجاء خال من أي كلام فيه فحش.
المثال الثالث: قول الله عز وجل في سورة (النور/ 24 مصحف/ 102 نزول) بشأن الذين يدعون إلى الله ورسوله ليحكم بينهم فيعرضون حين لا يكون لهم الحق في الخصومة:
{أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولائك هم الظالمون}.
وهكذا سائر ما جاء في القرآن من ذم وهجاء يتحلى بهذه النزاهة.

(1/820)


(25): نفي الشيء بصيغة تشعر بإثباته،
أو نفي الشيء بإيجابه وهو أن يكون ظاهر الكلام يفيد إثبات الشيء إلا أن باطانه يفيد نفيه مطلقا.
والغرض تأكيد النفي.
قال ابن رشيق في تعريفه: أن يكون الكلام ظاهره إيجاب الشيء وباطنه نفيه، بأن ينفى ما هو من سببه، كنفي وصفه، وهو المنفي في الباطن. وقال غيره: أن ينفى الشيء مقيدا والمراد نفيه مطلقا.
أمثلة:
المثال الأول: قول الله عز وجل في سورة (المدثر/ 74 مصحف/ 4 نزول) بشأن الكفرة المكذبين بيوم الدين، حين يلاقون عذابهم يومئذ:
{فما تنفعهم شفاعة الشافعين}.
أي: ليس لهم شافعون يومئذ ولو كان لهم شافعون لما نفعتهم شفاعتهم.
ودل على أنهم لا يجدون يومئذ شافعين يشفعون لهم قول الله عز وجل في سورة (الشعراء/ 26 مصحف/ 47 نزول) مخبرا عما يقولون يؤمئذ:
{ومآ أضلنآ إلا المجرمون * فما لنا من شافعين * ولا صديق حميم}.
المثال الثاني: قول الله عز وجل في سورة (غافر/ 40 مصحف/ 60 نزول):
{وأنذرهم يوم الأزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع}.
أي: لو فرض وجود شفيع لهم لم يكن مطاعا، فذكر احتمال وجود شفيع غير مطاع يؤكد عدم وجود شفيع لهم، إذ فائدة الشفيع الاستجابة لشفاعته، لكن إذا علم ابتداء أن شفاعته مرفوضة فإنه لا يعتبر شفيعا أصلا، ولا يسمح له بأن يكون شفيعا.

(1/821)


المثال الثالث: قول الله عز وجل في سورة (المؤمنون/ 23 مصحف/ 74 نزول):
{ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون}.
إن اتخاذ إله مع الله عز وجل لا يمكن أن يدل عليه برهان، فلا يوجد إله غير الله يوصف بأن إلهيته ذات برهان.
فقيد لا برهان به يؤكد ضمنا عدم وجود شريك لله عز وجل في إلهيته.
أقول: في هذا تكريم للفكر الإنساني أن يبحث كل أصول الإيمان، وقضاياه الكبرى بالبراهين العقلية، ولا يأخذها بمجرد التسليم للخبر، فمن استطاع أن يأتي برهان على أن لله شريكا في ربوبيته، أو في إلهيته، فإن الله عز وجل يعطيه العذر في أن يؤمن بما توصل إليه بالدليل البرهاني.
على أن في التعبير معنى التحدي بأن يأتي المشركون ببرهان يثبتون به ما يعتقدونه من شرك، وهذا التحدي يتضمن تأكيد نفي وجود برهان يثبت ادعاءهم، وبالتالي يؤكد نفي وجود أي شريك لله عز وجل.
المثال الرابع: قول الله عز وجل في سورة (آل عمران/ 3 مصحف/ 89 نزول):
{إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم}.
لقد كان اليهود يقتلون النبيين بغير حق، ولا يمكن أن يكون قتل النبيين بحق، لكن إثبات هذا القيد يؤكد مبلغ جرمهم.

(1/822)


(26): الافتنان
هو الإتيان في الكلام الواحد بفنين مختلفين أو أكثر من فنون القول، كالمدح والهجاء، والفخر والتحدي، والتهنئة والتعزية، والمدح والعتاب.
أمثلة:
المثال الأول: قول المتنبي يعاتب سيف الدولة ويمدحه من قصيدة:

*يا أعدل الناس إلا في معاملتي * فيك الخصام وأنت الخصم والحكم*
وقول فيها:
*أعيذها نظرات منك صادقة * أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم*
فقد جمع في هذا البيت بين الثناء عليه بصدق الفراسة، وتحذيره من التورط في حسن الظن بالمرائين المخادعين.
المثال الثاني: قول الله عز وجل في سورة (مريم/ 19 مصحف/ 44 نزول) بشأن المرور على الصراط القائم على متن جهنم:
{وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا * ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا}.
يلاحظ في هذا النص أنه جمع بين تهنئة للمتقين بالنجاة وإخزاء للظالمين بالقعود في دار العذاب.
المثال الثالث: قولي صانعا مثلا يجمع بين الحزن والفرح والثناء:
*كادت تفارقنا أنفاسنا أسفا * لما غدا خير من يحمي الحمى سلفا*
*لم ترق أدمعنا من حزن أكبدنا * عليه حتى رأينا نجله خلفا*

(1/823)


(27): حسن المراجعة
هي أن يحكي المتكلم مراجعة في القول بينه وبين محاور له بأوجز عبارة، وأعدل سبك، وأعذب ألفاظ.
أقول: لا داعي لتقييد المراجعة بأن تكون بين المتكلم وبين محاور له، فلو حكى مراجعة بين شخصين أو بين خصمين على الوجه الذي جاء في التعريف بيانه لكانت عملا بديعا يدخل في حسن المراجعة.
أمثلة:
المثال الأول: قول الله عز وجل في سورة (البقرة/ 2 مصحف/ 87 نزول):
{وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين}.
حوار مصوغ بأوجز عبارة، وأعدل سبك، وأعذب ألفاظ.

المثال الثاني: قول الله عز وجل في سورة (طه/ 20 مصحف/ 45 نزول) في قصة موسى وهارون عليهما السلام:
{اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري * اذهبآ إلى فرعون إنه طغى * فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى * قالا ربنآ إننا نخاف أن يفرط علينآ أو أن يطغى * قال لا تخافآ إنني معكمآ أسمع وأرى * فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى * إنا قد أوحي إلينآ أن العذاب على من كذب وتولى * قال فمن ربكما ياموسى * قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى * قال فما بال القرون الأولى * قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى}.

(1/824)


(28): التنكيت
هو أن يقصد المتكلم إلى كلمة أو كلام بالذكر دون غيره مما يسد مسده، لأجل نكتة في المذكور ترجع مجيئه على سواه.
أمثلة:
المثال الأول: قول الله عز وجل في سورة (النجم/ 53 مصحف/ 23 نزول):
{وأنه هو رب الشعرى}.
الشعرى: نجم يقال له الشعرى العبور، وهم نجم نير يطلع عند شدة الحر، ولشعرى العبور أخت يقال لها: الشعرى الغميصاء، قالوا: وهما أختا نجم سهيل.

والشعرى العبور عبدها رجل ظهر في العرب يعرف بابن أبي كبشة، ودعا خلقا من العرب إلى عبادتها، فخص الله في هذه الآية من سورة (النجم) الشعرى بالذكر دون غيرها من النجوم، مع أنه جل وعلا رب كل النجوم ورب كل شيء، لأن هذا الرجل قد ظهر في العرب ودعا الناس إلى عبادتها، فمن أجل هذه النكتة خصت الشعرى بالذكر.
المثال الثاني: قول الله عز وجل في سورة (النجم/ 53 مصحف/ 23 نزول) أيضا:
{ألكم الذكر وله الأنثى * تلك إذا قسمة ضيزى}.
القسمة الضيزى: هي القسمة الجائرة.
ونلاحظ أن اختيار كلمة "ضيزى" في هذا الموضع دون الكلمات التي تؤدي معناها له نكتتان: معنوية، ولفظية.
* أما المعنوية فهي الإشعار بقباحة التعامل مع الرب الخالق بقسمة جائرة، يختار المشركون فيها لأنفسهم الذكور ويختارون فيها لربهم الإناث، عن طريق استخدام لفظ يدل بحروفه على قباحة مسماه.
* وأما اللفظية فهي مراعاة رؤوس الآي، في الآيات قبلها، وفي الآيات بعدها.

(1/825)


(29): الإرداف
شبيه بالتنكيت إلا أن الإرداف يترك فيه اللفظ الذي يدل به عادة على المعنى، ويستخدم تعبير غيره لتحقيق أغراض فكرية ومعاني لا تؤدى بالتعبير المتروك.
* ومن أمثلة الإرداف ما جاء في قول الله عز وجل في سورة (هود/ 11 مصحف/ 52 نزول):
{وقيل ياأرض ابلعي مآءك وياسمآء أقلعي وغيض المآء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين}.
قالوا: إن عبارة: {وقضي الأمر} اختيرت بإحكام بدل أن يقال: وهلك من قضى الله إهلاكهم، ونجا من قضى الله نجاتهم.

وحصل العدول عن التعبير المتروك، واختير رديف له يؤدي المقصود منه مع أغراض أخرى، منها: الإيجاز في العبارة، والتنبيه على أن هلاك الهالك ونجاة الناجي كان بأمر آمر أمره تكوين، إذا أراد شيئا فإنما يقول له: كن فيكون، وكان بقضاء من لا راد لقضائه، ومنها توازن الفقرات في الآية.
وإن عبارة: {واستوت على الجودي} اختيرت بإحكام بدل أن يقال: وجلست على الجودي. أو واستقرت على الجودي. لما في التعبير بالاستواء من الإشعار بأنها استقرت على جبل الجودي استقرار تمكن لا زيغ فيه ولا ميل إلى جهة الأمام، إو إلى جهة الخلف، أو إلى اليمين، أو إلى الشمال، فالاستقرار المستوي لا تفيده عبارة أخرى كما تفيده عبارة: {واستوت}.
* وذكروا من أمثلته قول الله عز وجل في سورة (ص/ 38 مصحف/ 38 نزول) بشأن أهل جنات عدن:
{وعندهم قاصرات الطرف أتراب}.
أتراب: أي: على سن واحدة، وهن الحور العين.
جاء التعبير بعبارة {قاصرات الطرف} للكناية بها عن أنهن غفيفات، وقد عدل عن عبارة "عفيفات" إلى عبارة أخرى تؤدي معناها لإضافة معنى آخر لا تؤديه العبارة المتروكة، وذلك لأن العبارة المختارة تدل على أنهن مع عفتهن لا تطمح أعيهن إلى غير أزواجهن، ولا يشتهين غيرهم.
وهذا المعنى لا تدل عليه عبارة "عفيفات" فالعفة التطبيقية قد تكون مصحوبة بتطلع وتشه.
* وذكروا من أمثلة الإرداف قول الله عز وجل في سورة (النجم/ 53 مصحف/ 23 نزول):
{ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى}.
جاء في الجملة الأولى: {ليجزي الذين أساءوا بما عملوا} فاختير فيها التعبير بعبارة: {بما عملوا} دون عبارة: بالسوأى. مع ما في هذه العبارة من مقابلة عكسية لعبارة {بالحسن} في الجملة الثانية يتحقق بها الطباق، لتأدية معاني لا تؤدى بعبارة: بالسوأى، أو بالسيئة، ومن هذه المعاني: أن الجزاء على السيئة يكون بمثلها تماما، وهذا المعنى تؤديه عبارة {بما عملوا} أداء وافيا، أما عبارة: بالسوأى، فهي غير صالحة، لأن لفظ السوأى مؤنث أسوء، والله لا يجزي على السيئة بالأسوء منها. وأما عبارة: بالسيئة، فهي عبارة عامة لا تدل على المماثلة، إذ قد تكون سيئة الجزاء أكثر من سيئة العمل، وهذا أمر غير مراد. مع ما في عبارة: {بما عملوا} من البعد عن نسبة فعل السيئة إلى الله ولو كانت على سبيل الجزاء.

(1/826)


(30): الإبداع
وهو أن يشتمل الكلام على عدة ضروب من البديع.
ومن أمثلته قول الله عز وجل في سورة (هود/ 11 مصحف/ 52 نزول):
{وقيل ياأرض ابلعي مآءك وياسمآء أقلعي وغيض المآء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين}.
ذكر ابن أبي الإصبع أن في هذه الآية قرابة عشرين ضربا من ضروب البديع فذكر منها: الطباق، وحسن النسق، وحسن التعليل، وصحة التقسيم، والتسهيم "=الإرصاد"، والإرداف.
وذكر الإيجاز، والمجاز، والاستعارة، إلى غير ذلك.

(1/827)


البديعة اللفظية
(1): "الجناس"
الجناس ويسمى أيضا "التجنيس"
الجناس في اللغة: المشاكلة، والاتحاد في الجنس، يقال لغة: جانسه، إذا شاكله، وإذا اشترك معه في جنسه، وجنس الشيء أصله الذي اشتق منه، وتفرع عنه، واتحد معه في صفاته العظمى التي تقوم ذاته.

والجناس في الاصطلاح هنا: أن يتشابه اللفظان في النطق ويختلفا في المعنى.
وهو فن بديع في اختيار الألفاظ التي توهم في البدء التكرير، لكنها تفاجئ بالتأسيس واختلاف المعنى.
ويشترط فيه أن لا يكون متكلفا، ولا مستكرها استكراها، وأن يكون مستعذبا عند ذوي الحس الأدبي المرهف، وقد نفر من تصنعه وتكلفه كبار الأدباء والنقاد.
قال: "ابن حجة الحموي" في كتابه: "خزانة الأدب": "أما الجناس فإنهه غير مذهبي ومذهب من نسجت على منواله من أهل الأدب".
وقال "ابن رشيق" في كتابه: "العمدة": "التجنيس من أنواع الفراغ، وقلة الفائدة، ومما لا يشك في تكلفه، وقد أكثر منه الساقة المتعقبون في نظمهم ونثرهم، حتى برد ورك".
يعني بالساقة الذين لم يصلوا إلى أن يكونوا فرسان أدب في نثر أو شعر، وأرى أنه يذم الجناس المتكلف الممجوج.
وقال "الشيخ عبد القاهر الجرجاني" في كتابه "أسرار البلاغة": "أما التجنيس فإنك لا تستحسن تجانس اللفظتين إلا إذا كان موقع معنييهما من العقل موقعا حميدا، ولم يكن مرمى الجامع بينهما مرمى بعيدا، أتراك استضعفت تجنيس أبي تمام في قوله:
*ذهبت بمذهبه السماحة فالتوت * فيه الظنون: أمذهب أم مذهب*
واستحسنت قول القائل:
*"حتى نجا من خوفه وما نجا"*
وقول المحدث:
*ناظراه فيما جنى ناظراه * أو دعاني أمت بما أودعاني*

(1/828)


لأمر يرجع إلى اللفظ؟ أم لأنك رأيت الفائدة ضعفت عند الأول، وقويت في الثاني؟ ورأيتك لم يزدك بمذهب ومذهب على أن أسمعك حروفا مكررة، تروها لها فائدة فلا تجدها إلا مجهولة منكرة، ورأيت الآخر قد أعاد عليك اللفظة، كأنه يخدعك عن الفائدة وقد أعطاها، ويوهمك كأنه لم يزدك وقد أحسن الزيادة ووفاها، فبهذه السريرة صار التجنيس - وخصوصا المستوفى منه المتفق في الصورة - من حلي الشعر، ومذكورا في أقسام البديع.
فقد تبين لك أن ما يعطي التجنيس من الفضيلة أمر لم يتم إلا بنصرة المعنى، إذ لو كان باللفظ وحده لما كان فيه مستحسن، ولما وجد فيه إلا معيب مستهجن، ولذلك ذم الإكثار منه والولوع به، وذلك أن المعاني لا تدين في كل موضع لما يجذبها التجنيس إليه...".
وهكذا أعطى "الشيخ عبد القاهر الجرجاني" الجناس قيمته، فلم يبخسه حقه، ولم يغل فيه.
وقد اعتنى علماء البديع بتقسيم الجناس إلى أنواع، اعتمادا على استقراء الأمثلة، والنظر الفكري في احتمالات التقسيم، إلا أنهم أسرفوا في وضع أسماء لكل فرع من فروع أنواعه، وهو أمر يرهق محلل النصوص، ويصرفه عن تذوق الجمال الأدبي، ليهتم بالتحليل الآلي، وتذكر الاسم الخاص بكل فرع من هذه الفروع، وإني أوردها لا لأكلف الدارس حفظها وتطبيقها على ما يشرحه من الأمثلة في دراساته الأدبية، متذكرا ما وضع لكل فرع منها من اسم خاص به، ولكن ليكتشف مدى الدقة التي كانت لدى علمائنا الأقدمين، فيما قدموه من دراسات تفصيلية، وليكون لديه تصور عام يستفيد منه لدى دراساته للنصوص الأدبية.
أنواع الجناس وفروعها:
/ قسم علماء البديع الجناس إلى ستة أنواع ذوات فروع: / النوع الأول: "الجناس التام":

(1/829)


/ وهو ما اتفق فيه اللفظان في أربعة أمور:
(1) في نوع الحروف.
(2) وفي هيئتها (أي: في حركاتها وسكناتها). (3) وفي عددها.
(4) وفي ترتيبها.
مثل: "يحيا" فعلا مضارعا مصدره الحياة، و "يحيى" اسما علما لإنسان، ومثل: "جنى" بمعنى ارتكب جناية، و "جنى" بمعنى قطف ثمرة من شجرتها.
واشتقوا من هذا النوع الأول خمسة فروع، وهي ما يلي:
الفرع الأول: "المماثل" وهو الجناس التام الذي يكون اللفظان المتشابهان فيه من نوع واحد من أنواع الكلام، كاسمين، أو فعلين، ومن أمثلته ما يلي:
(1) قول الله عز وجل في سورة (الروم/ 30 مصحف/ 84 نزول):
{ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة...} [الآية:55].
المراد من لفظ "الساعة" ساعة البعث إلى يوم الحساب والجزاء، والمراد من لفظة "ساعة" أنهم ما لبثوا في البرزخ بين الموت والبعث غير مدة زمنية من أزمان النهار والليل المقسم إلى (24) ساعة أو نحوها.
(2) وقول أبي تمام يصف فرسان ممدوحيه:
*إذا الخيل جابت قسطل الحرب صدعوا * صدور العوالي في صدور الكتائب*
جابت قسطل الحرب: أي: اخترقت وقطعت غبار موقعه الحرب من وسطه.
صدعوا: أي: كسروا. صدور العوالي: أي: المتقدم من الرماح مما هو قريب من السنان، فالعالية: هي النصف الذي يلي السنان من قناة الرمح، وجمعها العوالي. وصدور الكتائب: هي صدور أفراد الجيش المحارب.
صدور وصدور: اسمان.
(3) قول أبي نواس يمدح عباس بن فضل الأنصاري الذي ولي قضاء الموصل في عهد الرشيد، ويمدح الفضل بن الربيع بن يونس وزير الرشيد، ثم وزير الأمين، ويمدح الربيع بن يونس، وزير المنصور العباسي، في بيت واحد:
*عباس عباس إذا احتدم الوغى * والفضل فضل، والربيع ربيع*

(1/830)


الفرع الثاني: "المستوفى" وهو الجناس التام الذي يكون اللفظان المتشابهان فيه من نوعين مختلفين من أنواع الكلام، كأن يكون أحدهما اسما والآخر فعلا، ومن أمثلته ما يلي:
(1) قول أبي تمام:
*ما مات من كرم الزمان فإنه * يحيا لدى يحيى بن عبد الله*
(2) قول صانعا مثلا:
*يزيد له أياد لا تبارى * ويسبق من رجاه لما يريد*
*"يزيد" عطاؤه ما جئت ترجو * نداه بكل آونة يزيد*
"يزيد" الأول اسم علم. و "يزيد" الثاني فعل مضارع.
الفرع الثالث: "المتشابه" وهو الجناس التام الذي يكون أحد اللفظين المتشابيهن فيه مركبا من كلمتين فأكثر مع اتفاقهما في الخط، ومن أمثلته ما يلي:
(1) قول أبي الفتح البستي:
*إذا ملك لم يكن ذا هبة * فدعه فدولته ذاهبة*
"ذا هبة" الأول: أي: صاحب هبة. والثانية اسم فاعل من الذهاب.
(2) قول القاضي الفاضل:
*عضنا الدهر بنابه * ليت ما حل بنا به*
* لا يوالي الدهر إلا * خاملا ليس بنابه*
"بنابه" الأول: أي: بسنه المعروف بالناب. و"بنا به" الثاني" الباء حرف جر و "نا" ضمير، و "به" حرف وضمير متصل يعود عل الدهر. و "بنابه" الثالث، الباء حرف جر، و "نابه" أي ذي شرف وشهرة.
(3) قول بعض البلغاء: "يا مغرور أمسك، وقس يومك بأمسك".
الفرع الرابع: "المفروق" وهو الجناس التام الذي يكون أحد اللفظين المتشابهين فيه مركبا من كلمتين فأكثر مع اختلافهما في الخط، ومن أمثلته ما يلي:
(1) قول أبي الفتح البستي:
*كلكم قد أخذ الجا * م ولا جام لنا*
*ما الذي ضر مدير الجا * م لو جاملنا*
الجام: إناء للشراب من فضة أو نحوها.
ولا جام لنا: أي ليس لنا هذا الإناء.

(1/831)


لو جاملنا: أي: لو عاملنا بالجميل.
(2) قول أحدهم:
*لا تعرضن على الرواة قصيدة * ما لم تبالغ قبل في تهذيبها
*فمتى عرضت الشعر غير مهذب * عدوه منك وساوسا تهذي بها*
"تهذي بها" الثاني من الهذيان. والأول من التهذيب.
الفرع الخامس: "المرفو" وهو الجناس التام الذي يكون أحد اللفظين المتشابهين فيه مركبا من كلمة وبعض كلمة أخرى، ومن أمثلته ما يلي:
(1) قول الحريري:
*والمكر مهما استطعت لا تأته * لتقنني السؤدد والمكرمة*
(2) وقوله أيضا:
*فلا تله عن تذكار ذنبك وابكه * بدمع يحاكي المزن حال مصابه*
*ومثل لعينيك الحمام ووقعه * وروعة ملقاه ومطعم صابه*
حال مصابه: أي: حال انصبابه، تقول: صاب المطر، إذا انصب. الحمام: الموت.
ومطعم صابه: أي: مطعم شجرته المرة، الصاب: شجر مر له عصارة بيضاء كاللبن بالغة المرارة، إذا أصابت العين أتلفتها.
(3) ومنه قول الله عز وجل في سورة (التوبة/ 9 مصحف/ 113 نزول):
{أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين}.
النوع الثاني: "الجناس المحرف":
وهو ما اختلف فيه اللفظان في هيئة الحروف، واتفقا في نوعها وعددها وترتيبها.

(1/832)


مثل: "البرد" بمعنى الكساء، وهو كساء مخطط يلتحف به، و"البرد" بمعنى انخفاض درجة الحرارة، و"البرد" بمعنى الماء الجامد الذي ينزل من السماء، إن حروف هذه الكلمات متفقة في نوعها وعددها وترتيبها، لكنها مختلفة في هيئتها، فالباء مضمومة في الأولى ومفتوحة في الثانية مع سكون الراء، ومفتوحة في الثالثة مع فتح الراء.
ومثل: "الشرك" بمعنى جعل شريك لله عز وجل، و "الشرك" بفتح الشين والراء بمعنى الحبل الذي يضعه الصياد ويخفيه ليصيد به ما يترصد من حيوان الوحش، كغزال، وتيس جبلي.
ومن أمثلة الجناس المحرف ما يلي:
(1) قولهم: "جبة البرد جنة البرد" فبين البرد والبرد جناس محرف.
(2) وقولهم: "البدعة شرك الشرك".
(3) قول المعري:
*والحسن يظهر في بيتين رونقه * بيت من الشعر أو بيت من الشعر*
فبين الشعر، والشعر جناس محرف.
(4) قولهم:
*"لا تنال الغرر إلا بركوب الغرر"*
الغرر: جمع أغر، وهو الحسن من كل شيء.
الغرر: الخطر، والتعرض للهلكة.
(5) قول ابن الفارض:
*هلا نهاك نهاك عن لوم امرئ * لم يلف غير منعم بشقاء*
نهاك: ضد أمرك. نهاك: النهى: العقل، والمعنى: هلا زجرك عقلك عن لوم امرئ...
(6) قول الحريري يصف هيام الجاهل بالدنيا:
*ما يستفيق غراما * بها وفرط صبابة*
*ولو درى لكفاه * مما يروم صبابة*
النوع الثالث: "الجناس الناقص":
وهو ما نقصت فيه حروف أحد اللفظين عن الآخر، مع اتفاق الباقي في النوع والهيئة والترتيب.
مثل: "جواب" و "جوانح". ومثل: "صالح" و "صوالح". ومثل: "سابح" و "مسابح".
واشتقوا من هذا النوع الثالث أربعة فروع، وهي ما يلي:

(1/833)


الفرع الأول: "المردوف" وهو ما كان الحرف الأول هو الناقص في أحدهما، مثل: "مساق" و "ساق". ومثل: "باح - رباح" و "جاء - رجاء" ومنه قول الله عز وجل في سورة (القيامة/ 75 مصحف/ 31 نزول):
{والتفت الساق بالساق * إلى ربك يومئذ المساق}.
ومنه: {كلي من كل الثمرات}.
ومثل: "ساء مساء المجرم إذ ضاء مضاء سيف الجلاد".
الفرع الثاني: "المكتنف" وهو ما كان الحرف الناقص في وسط أحدهما، مثل: "حديقة مطوفة، وثمارها مقطوفة" - "السكران بلذات دنياه هو المجنون، وهو لا يصحو ما لم ينزل به ريب المنون" - "من فقد بالسكر عقله كشف ستره، واستبيح سره".
الفرع الثالث: "المطرف" وهو ما كان الحرف الناقص في آخر أحدهما، مثل: "سار" و "سارق". و "عار" و "عارف". و "قاض" و "قاضم". و "جوار" و "جوارح"، ومنه قول أبي تمام:
*يمدون من أيد عواص عواصم * تصول بأسياف قواض قواضب*
عواص: جمع "عاصية" من: "عصاه" إذا ضربه بالعصا فهو عاص، وهي عاصية.
عواصم: جمع "عاصمة" وهي الحافظة الحامية.
قواض: جمع "قاضية" من "قضى عليه" إذا قتله.
قواضب: جمع "قاضبة" من "قضب" بمعنى "قطع" أي: قواطع.
ومنه قول ابن الفارض:
*أشكو وأشكر فعله * فاعجب لشاك منه شاكر*
الفرع الرابع: "المذيل" وهو ما كان الناقص في آخر أحدهما أكثر من حرف، فيكون مقابله بمثابة ما له ذيل، مثل: "الجوى" و "الجوانج". و "الصفا" و "الصفائح". و "القنا" و "القنابل" ومنه قول الخنساء من قصيدة ترثي فيها أخاها صخرا:
*إن البكاء هو الشفا * ء من الجوى بين الجوانح*

(1/834)


الجوى: الحرقة وشدة الوجد. الجوانح: الأضلاع التي تحت الترائب ما يلي الصدر.
ومنه قول حسان بن ثابت رضي الله عنه:
*وكنا متى يغز النبي قبيلة * نصل جانبيه بالقنا والقنابل*
القنا: جمع "القناة" وهي الرمح. القنابل: جمع "القنبلة" وهي الطائفة من الناس، ومن الخيل.
ومنه: {وانظر إلى إلهك}.
النوع الرابع: "الجناس المضارع":
وهو ما اختلف فيه اللفظان المتشابهان في نوع حرف واحد منهما مع تقاربهما في النطق، في الأول أو الوسط أو الآخر.
مثل: "الخيل" و "الخير". و "دامس" و "طامس". و "البرايا" و "البلايا". و "صالح" و "سالح" ومنه قول الله عز وجل في سورة (غافر/ 40 مصحف/ 60 نزول):
{ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون}.
"تفرحون" و "تمرحون" متشابهان باختلاف في حرف واحد هو "الفاء" في اللفظ الأول، و "الميم" في اللفظ الثاني، وهما حرفان متقاربان.
ومنه قول الله عز وجل في سورة (القيامة/ 75 مصحف/ 31 نزول):
{وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة}.
ومنه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم:
"الخيل معقود في نواصيها الخير".
ومنه قول الله عز وجل في سورة (الأنعام/ 6 مصحف/ 55 نزول):
{وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون}.
النوع الخامس: "الجناس اللاحق":
وهو ما اختلف فيه اللفظان المتشابهان في نوع حرف واحد منهما غير متقاربين في النطق، في الأول أو الوسط أو الآخر.
مثل: "تقهر" و "تنهر" فالقاف والنون غير متقاربين في النطق. ومثل: "تلاق" و "تلاف" فالقاف والفاء غير متقاربين، ومثل: "همزة" و "لمزة".
* ومن هذا النوع قول الله عز وجل في سورة (الضحى/ 93 مصحف/ 11 نزول):

(1/835)


{فأما اليتيم فلا تقهر * وأما السآئل فلا تنهر}.
* وقول الله عز وجل في سورة (الهمزة/ 104 مصحف/ 32 نزول):
{ويل لكل همزة لمزة}.
* وقول البحتري:
*ألما فات من تلاق تلاف؟ * أم لشاك من الصبابة شاف؟*
النوع السادس: "الجناس المزدوج ويسمى "المكرر" و "المردد" وهو أن يلي أحد المتجانسين الآخر، ومنه ما يلي:
(1) قول الله تعالى في سورة (النمل/ 27 مصحف/ 48 نزول) حكاية لما قال الهدهد لسليمان عليه السلام:
{جئتك من سبإ بنبإ يقين} [الآية:22].
(2) وقولهم: "من جد وجد" - "من قرع بابا ولج ولج".
النوع السابع: "جناس القلب".
وهو ما اختلف فيه ترتيب حروف اللفظين، واتفقا في النوع والعدد والهيئة.
مثل: "حتف" و "فتح". ومثل: "عورة" و "روعة".
واشتقوا من هذا النوع ثلاثة فروع:
الفرع الأول: "قلب الكل" وهو أن تكون حروف كل منهما على عكس حروف الآخر، مثل: "فتح" و "حتف".
ومن أمثلة هذا الفرع قول الأحنف بن قيس:
*حسامك فيه للأحباب فتح * ورمحك فيه للأعداء حتف*
ومثل: "وربك فكبر".
الفرع الثاني: "قلب البعض" وهو أن يكون بعض حروف أحدهما على عكس بعض حروف الآخر منهما، مثل: "عورات" و "روعات" ومنه قول الرسول صلى الله عليه وسلم في بعض أدعيته:
"اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا".
الروعة: المرة من الروع، وهو الخوف.
ومنه قول بعضهم: "رحم الله امرأ أمسك ما بين فكيه وأطلق ما بين كفيه".
أي: أمسك لسانه وحفظه، وجاد بماله.
الفرع الثالث: "المقلوب المجنح" وهو أن يكون أحد اللفظين من "جناس القلب" في أول البيت من الشعر، أو الفقرة من النثر، والآخر في آخر البيت، أو في آخر الفقرة.

(1/836)


* ومنه قول ابن نباتة:
*ساق يريني قلبه قسوة * وكل ساق قلبه قاس*
أي: وكل لفظ "ساق" إذا قلبته بعكس حروفه فهو "قاس".
* قولي صانعا مثلا:
*جان علينا في الهوى ظالم * هل هو من نار الهوى ناج*
*قال: فهل يلزمني وصلكم؟ * قلت: وحق الجار واللاجي؟*
*فجار ذي الحسن ومن عنده * فيض عطاء طامع راج*
النوع الثامن: "الجناس المصحف" ويسمى "جناس الخط".
*وهو أن يتشابه اللفظان في الكتابة مع اختلاف في نقط الحروف، مثل: "يسقي" و"يشفي".
ومنه قول الله عز وجل في سورة (الشعراء/ 26 مصحف/ 47 نزول) حكاية لقول إبراهيم عليه السلام لقومه:
{والذي هو يطعمني ويسقين * وإذا مرضت فهو يشفين}.
ما يلحق بالجناس:
يلحق بالجناس ما يسمى "الجناس المطلق" وهو قسمان:
القسم الأول: "المتلاقيان في الاشتقاق".
وهو أن يجمع بين اللفظين الاشتقاق، مثل قول الله عز وجل في سورة (الروم/ 30 مصحف/ 84 نزول):
{فأقم وجهك للدين القيم...} [الآية:43].
لفظ "أقم" ولفظ "القيم" مشتقان من مادة لغوية واحدة ومنه: "تأخر كليم الله في رحلة الميعاد أياما قليلة فعجل بنو إسرائيل إلى عبادة العجل".
القسم الثاني: "المتلاقيان فيما يشبه الاشتقاق".
وهو أن يجمع بين اللفظين ما يشبه الاشتقاق، مثل قول الله عز وجل في سورة (الشعراء/ 26 مصحف/ 47 نزول) حكاية لما قال لوط عليه السلام لقومه: {قال إني لعملكم من القالين}.
فعل "قال" مشتق من "القول" وكلمة "القالين" جمع "القالي" وهو المبغض والهاجر، من "قلاه قلى" إذا أبغضه وهجره، ولكن جمع بينهما ما يشبه الاشتقاق، فقد اشتركا في القاف والألف واللام، وإن كانا من مادتين مختلفتين.

(1/837)


ومنه: {وجنى الجنتين دان} - {ليريه كيف يواري} - {وإن يردك بخير فلا راد له} - {أثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا} - {وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه، وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض}.
أمثلة مختلفة من أقسام الجناس وفروعها
(1) قال شاعر في رثاء ولده يحيى:
*وسميته يحيى ليحيا فلم يكن * إلى رد أمر الله فيه سبيل*
(2) وقال الشاعر:
*قال لي والدلال يعطف منه * قامة كالقضيب ذات ليانه*
*هل عرفت الهوى فقلت وهل أنـ * ـكر دعواه قال: فاحمل هوانه*
(3) قول هارون لأخيه موسى عليهما سلام الله كما حكى الله عز وجل:
{خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل}.
(4) قول أبي العلاء المعري:
*لم نلق غيرك إنسانا يلاذ به * فلا برحت لعين الدهر إنسانا*
(5) قول أبي الفتح البستي:
*فهمت كتابك يا سيدي * فهمت ولا عجب أن أهيما*
(6) قول ابن جبير الأندلسي:
*فيا راكب الوجناء هل أنت عالم * فداؤك نفسي كيف تلك المعالم*
(7) قول الله عز وجل في سورة (النساء/ 4 مصحف/ 92 نزول):
{وإذا جآءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به...} [الآية:83].
(8) قول النابغة في الرثاء:
*فيا لك من حزم وعزم طواهما * جديد الردى بين الصفا والصفائح*
الصفا: الحجارة العريضة الملساء، والواحدة منها صفاة.
الصفائح: جمع صفيحة، وهي كل عريض من حجارة أو لوح أو نحوهما، وتطلق على السيف، لأنه حديدة عريضة.
(9) قول الحريري:
"لا أعطي زمامي من يخفر ذمامي، ولا أغرس الأيادي في أرض الأعادي".

(1/838)


يخفر: أي ينقض. ذمامي: أي عهدي. الأيادي: أي النعم.
(10) قول البحتري:
*فقف مسعدا فيهن إن كنت عاذرا * وسر مبعدا عنهن إن كنت عاذلا*
عاذلا: أي: لائما.
(11) قول أبي تمام:
*بيض الصفائح لا سود الصحائف في * متونهن جلاء الشك والريب*
الصفائح: يريد بها السيوف. ومتن السيف حده.
(12) قول الله عز وجل في سورة (غافر/ 40 مصحف/ 60 نزول):
{ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون}.
(13) قول الشاعر:
*إلى حتفي سعى قدمي * أرى قدمي أراق دمي*
*فما أنفك عن ندمي * وهان دمي فها ندمي*
خاتمة:
يحسن ترك الجناس وإن تيسر إذا اقتضى معنى مقصود تركه وعدم الاحتفاء به، فمرعاة المعاني أولى من مراعاة الألفاظ.
* ومن الأمثلة الكاشفة ما جاء في قول الله عز وجل في سورة (يوسف/ 2 مصحف/ 53 نزول) حكاية لما قال إخوة يوسف عليه السلام لأبيهم يعقوب عليه السلام:
{قالوا ياأبانآ إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب ومآ أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين}.
كان من الممكن أن يقولوا: وما أنت بمصدق لنا وإن كنا صادقين، فيصنعوا جناسا.
لكن هذا الجناس يفوت معنى قصدوا التعبير عنه، وهو أن أباهم غير مطمئن لمشاعرهم تجاه أخيهم، إذ هو يعلم حسدهم له، فلو كانوا صادقين حقا وصدقهم لما وصل تصديقه إلى درجة الإيمان يحدث في القلب الطمأنينة.
ومن الأمثلة الكاشفة أيضا قول الله عز وجل في سورة (الصافات/ 37 مصحف/ 56 نزول) حكاية لمقالة "إلياس عليه السلام" لقومه بشأن إلههم "بعل":

(1/839)


{أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين}.
كان من الممكن أن يستخدم في هذا التعبير الجناس، بأن يقال: أتدعون بعلا وتدعون أحسن الخالقين.
لكن استخدام هذا الجناس يفوت معنى مقصودا، والدلالة عليه أولى من الاحتفاء بمحسن لفظي، وذلك لأن كلمة "تدعون" تدل على أن المتروك شيء معتنى به، بشهادة الاشتقاق، إذ مادة الكلمة ليست موضوعة لمطلق الترك، بل هو ترك مقرون بالاعتناء بحال المتروك، ومنه ترك الوديعة، ولذلك يختار لها من هو مؤتمن عليها، وتودع لتستعاد بعد حين.
والمخاطبون عباد "بعل" غير مهتمين ولا معتنين بالله رب العالمين، أحسن الخالقين.
بخلاف عبارة: "تذرون" فإن مادتها موضوعة لمطلق الترك أو للترك مع إعراض وإهمال وعدم اعتناء بالمتروك مطلقا.
قال الراغب: يقال: فلان يذر الشيء، أي: يقذفه لقلة الاعتداد به، ومنه "الوذرة" وهي القطعة الصغيرة من اللحم لا عظم فيها، لقلة الاعتداد بها.
ولما كان سياق النص يناسبه معنى: "وتذرون" دون "وتدعون" كان الاختيار القرآني مرجحا جانب المعنى على جانب المحسن اللفظي، إذ حال المخاطبين من أهل الشرك والكفر الذين كانوا يعبدون بعلا حال المدبر المتولي الذي بلغ الغاية في توليه عن ربه وما جاء به الرسول.

(1/840)


(2): "السجع"
يقال لغة: سجعت الحمامة أو الناقة سجعا، إذا رددت صوتها على طريقة واحدة.
ويقال: سجع المتكلم في كلامه، إذا تكلم بكلام له فواصل كفواصل الشعر مقفى غير موزون.
والسجع في البديع: هو تواطؤ الفاصلتين من النثر على حرف واحد، وهو في النثر كالقافية في الشعر.
وأفضل السجع ما كانت فقراته متساويات، مثل:
(1) قول الرسول صلى الله عليه وسلم في دعائه المتضمن الحث على الإنفاق في الخير، والتحذير من الإمساك:
"اللهم أعط منفقا خلفا، وأعط ممسكا تلفا".
(2) وقول أعرابي ذهب السيل بابنه:
"اللهم إن كنت قد أبليت، فإنك طالما قد عافيت".
يقال لغة: بلاه وأبلاه، إذا اختبره، والمصائب من الأمور التي يختبر الله بها عباده كالنعم.
(3) قولهم:
"الحر إذا وعد وفى، وإذا أعان كفى، وإذا قدر عفا".
وقد جاء في كلام الرسول صلى الله عليه وسلم النهي عن سجع الكهان، إبعادا عن التشبه بهم، وهو غير السجع الذي إذا كان تلقائيا غير متكلف ولا ملتزم به في كل الكلام، كان من المحسنات اللفظية، وكان من البديع، لوروده في القرآن وفي أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم.
والأسجاع مبنية على سكون الأعجاز (أي: الأواخر) مثل:
"ما أبعد ما فات، وما أقرب ما هو آت".
والأصل في السجع، أن يكون في النثر، لكنه قد يأتي داخل فقرات البيت من الشعر، فيزيده حسنا إذا كان مستوفيا شروطه الفنية غير متكلف.
وتأدب بعض العلماء فخص ما هو ملاحظ في القرآن من سجع باسم "فواصل".
ويطلق على الفقرة المنتهية بالفاصلة: "سجعه" وجمعها "سجعات" ويطلق عليها "قرينة" لمقارنتها لأختها، وتجمع على "قرائن" ويطلق عليها "فقرة" وجمعها "فقرات" و"فقرات" و"فقر".
أقسام السجع:
من الدقة في التقسيمات والتفصيلات لدى علمائنا الأقدمين تقسيمهم السجع إلى عدة أقسام هداهم إليها واقع الأمثلة التي نظروا في شرحها وتحليلها، مع النظر في الاحتمالات العقلية التي تتعرض لها الجمل المسجوعة في اللسان العربي.
فقسموا السجع إلى عدة أقسام، ووضعوا لها أسماء اصطلاحية وفيما يلي بيانها.
أولا:

(1/841)


فمن جهة بناء كلمات السجعتين واتفاقها في الوزن والحرف الأخير منها أو عدمه ظهرت لهم ثلاثة أقسام:
القسم الأول: "الترصيع" ويقال فيه: "السجع المرصع".
وهو أن تكون الألفاظ المتقابلة في السجعتين متفقة في أوزانها وفي أعجازها، "أي: في الحرف الأخير من كل متقابلين فيها" مثل ما يلي:
(1) قول الله عز وجل في سورة (الغاشية/ 88 مصحف/ 68 نزول):
{إن إلينآ إيابهم * ثم إن علينا حسابهم}.
فالتقابل في كلمات الفقرتين يلاحظ فيه الاتفاق في الأوزان وفي الحرف الأخير.
إن - إلينا - إيابهم - ثم.
إن - علينا - حسابهم.
أما كلمة "ثم" فهي بمثابة المشترك بين الفقرتين.
(2) قول الحريري:
"فهو يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه".
التقابل في كلمات هاتين الفقرتين تقابل اتفاق في الأوزان وفي الحرف الأخير:
فهو: يطبع - الأسجاع - بجواهر - لفظه.
و: يقرع - الأسماع - بزواجر - وعظه.
ويلاحظ فيهما مع الترصيع، تصنع الجناس الناقص.
القسم الثاني: "المتوازي" ويقال فيه: "السجع المتوازي".
وهو أن تكون الكلمتان الأخيرتان من السجعتين متفقتين في الوزن وفي الحرف الأخير منهما، مع وجود اختلاف ما قبلهما في الأمرين، أو في أحدهما، مثل ما يلي:
(1) قول الله عز وجل في سورة (الغاشية/ 88 مصحف/ 68 نزول) في وصف الجنة:
{فيها سرر مرفوعة * وأكواب موضوعة}.
كلمتا: "مرفوعة" و "موضوعة" متفقان في الوزن والحرف الأخير، لكن ما قبلهما وهما: "سرر" و "أكواب" غير متفقتين فيهما.
(2) قول أبي منصور الثعالبي:
"الحقد صدأ القلوب، واللجاج سبب الحروب".
اللجاج: التمادي في الخصومة.

(1/842)


كلمتا: "القلوب" و "الحروب" متفقتان في الوزن والحرف الأخير، لكن كلمتي "صدأ" و "سبب" مختلفتان في الحرف الأخير، وإن اتفقتا في الوزن، وكلمتي "الحقد" و "اللجاج" مختلفتان في الأمرين كليهما.
(3) قول الحريري:
"ارتفاع الأخطار باقتحام الأخطار" الأخطار الأولى: المنازل الاجتماعية.
والأخطار الثانية: المهالك.
(4) وقال أعرابي لرجل سأل لئيما:
"نزلت بواد غير ممطور، وفناء غير معمور، ورجل غير ميسور، فأقدم بندم، أو ارتحل بعدم".
(5) وقال أعرابي:
"باكرنا وسمي، ثم خلفه ولي، فالأرض كأنها وشي منشور، علين لؤلؤ منثور، ثم أتتنا غيوم جراد، بمناجل حصاد، فجردت البلاد، وأهلكت العباد، فسبحان من يهلك القوي الأكول، بالضعيف المأكول".
الوسمي: مطر الربيع الأول.
الولي: المطر يسقط بعد المطر.
القسم الثالث: "المطرف" ويقال فيه: "السجع المطرف".
وهو أن تكون الكلمتان الأخيرتان من السجعتين مختلفتين في الوزن، متفقتين في الحرف الأخير، وعندئذ لا ينظر إلى ما قبلهما في الاتفاق أو الاختلاف، مثل ما يلي:
(1) قول الله عز وجل في سورة (نوح/ 71 مصحف/ 71 نزول) حكاية لما قال نوح عليه السلام لقومه:
{ما لكم لا ترجون لله وقارا * وقد خلقكم أطوارا}.
كلمتا: "وقارا" و "أطوارا" مختلفتان في الوزن، متفقتان في الحرف الأخير.
(2) قول أحد البلغاء:
"الإنسان بآدابه لا بزيه وثيابه".
ثانيا:
والسجع في الشعر قد يأتي على وجوه السجع في النثر، إلا أنه يختص بقسمين لا يوجدان في النثر، هما: التصريع، والتشطير:

(1/843)


* فالتصريع: يكون بجعل العروض (وهي آخر المصراع الأول من البيت) مقفاة تفية الضرب (وهو آخر المصراع الثاني من البيت) ومنه أغلب أوائل القصائد، مثل:
(1) قول امرئ القيس:
*أفاطم مهلا بعض هذا التدلل * وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي*
صرمي: أي: قطع وصالي.
وقوله:
*قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل * بسقط اللوى بين الدخول فحومل*
(2) وقول أبي الطيب المتنبي:
*مغاني الشعب طيبا في المغاني * بمنزلة الربيع من الزمان*
* والتشطير: يكون بجعل كل شطر من شطري البيت مسجوعا سجعا مخالفا للسجع في الشطر الآخر، مثل قول أبي تمام:
*تدبير معتصم: بالله منتقم * لله مرتغب. في الله مرتقب*
فالسجع في الشطر الأول على حرف الميم، وفي الشطر الثاني على حرف الباء.
أمثلة على السجع من الشعر:
(1) قول أبي تمام يمدح أبا العباس "نصر بن بسام":
*سأحمد نصرا ما حييت وإنني * لأعلم أن قد جل نصر عن الحمد*
*تجلى به رشدي وأثرت به يدي * وفاض به ثمدي وأورى به زندي*
ثمدي: الثمد: الماء القليل.
أورى الزند: خرجت ناره، والزند هوض العود الأعلى الذي تقدح به النار.
(2) وقول الخنساء:
*حامي الحقيقة. محمود الخليقة * مهدي الطريقة. نفاع وضرار*
*جواب قاصية. جزار ناصية * عقاد ألوية. للخيل جرار*
ثالثا:
والسجع من جهة الطول والقصر ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: "السجع القصير".
ومنه قول الله عز وجل في سورة (المرسلات/ 77 مصحف/ 33 نزول):
{والمرسلات عرفا * فالعاصفات عصفا}.

(1/844)


القسم الثاني: "السجع المتوسط".
ومنه قول الله عز وجل في سورة (القمر/ 54 مصحف/ 37 نزول):
{اقتربت الساعة وانشق القمر * وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر * وكذبوا واتبعو?ا أهوآءهم وكل أمر مستقر}.
القسم الثالث: "السجع الطويل".
ومنه قول الله عز وجل في سورة (الأنفال/ 8 مصحف/ 88 نزول):
{إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولاكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور * وإذ يريكموهم إذ التقيتم في? أعينكم قليلا ويقللكم في? أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور}.
درجات السجع في الحسن:
رتب علماء البديع السجع من جهة الحسن في ثلاث درجات:
الدرجة الأولى "العليا": ما تساوت سجعاته، مثل قول الله عز وجل في سورة (الواقعة/ 56 مصحف/ 46 نزول):
{وأصحاب اليمين مآ أصحاب اليمين * في سدر مخضود * وطلح منضود * وظل ممدود}.
مخضود: أي: منزوع الشوك.
وطلح منضود: الطلح: الموز.
منضود: أي: مضموم بعضه إلى بعض بتناسق.
الدرجة الثانية "الوسطى": ما طالت سجعته الثانية، أو الثالثة، مثل ما يلي:
(1) قول الله عز وجل في سورة (النجم/ 53 مصحف/ 23 نزول):
{والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى}.
السجعة الثانية هنا أطول من الأولى.
(2) وقول الله عز وجل في سورة (الحاقة/ 69 مصحف/ 78 نزول) بشأن من أوتي كتابه بشماله يوم الدين:
{خذوه فغلوه * ثم الجحيم صلوه}.
السجعة الثالثة هنا هي الأطول.
أقول:

(1/845)


هذه الدرجة الثانية قد تكون في موقعها الملائم مثل الدرجة الأولى في الحسن، وطول السجعة الثانية أو الثالثة قد يزيد السجع حسنا، لأنه يخرجه عن النمطية المتناظرة، فيكون أكثر تنبيها وإثارة لنفس الأديب الذواق للجمال، وكتاب الله متشابه في الحسن.
الدرجة الثالثة: ما كانت سجعته الثانية أقصر من الأولى قصرا كثيرا، يحس معه الذوق الجمالي عند الأديب بأنه كالشيء المبتور الذي قطع قبل أن يستكمل ما كان ينبغي له.
أقول:
المحكم في كل ذلك الحس الجمالي لدى ذواقي الجمال في الكلام، لا التساوي في الفقرات المقترنات، ولا طول بعضها وقصر بعضها.
على أن المعاني ينبغي أن تكون صاحبة الحظ الأوفر من الاعتبار، وما تستدعيه المعاني من تساو في الفقرات أو تفاضل فهو الذي يحسن أن يصار إليه دواما، والقيود من وراء ذلك قيود شكلية لا لزوم لها.
أخيرا:
قد يلجأ البليغ إلى بعض تصرف في الكلمة على خلاف قاعدتها في اللسان العربي مراعاة للسجع المتناظر، ومنه ما جاء في قول الرسول صلى الله عليه وسلم للواتي كن يخرجن إلى المقابر للنواح على الموتى:
"ارجعن مأزورات غير مأجورات".
أصل "مأزورات" أن يقال فيها "موزورات" فحصل التصرف في الحرف الثاني، لتناظر الكلمة السجعة الثانية "مأجورات".

(1/846)


(3): "الموازنة"
الموازنة: هي تساوي الفاصلتين في الوزن من الفقرتين المقترنتين، مع اختلافهما في الحرف الأخير منهما "=القافية في الشعر".
ولولا أن السجع يشترط فيه الاتفاق في الحرف الأخير من سجعاته لكانت الموازنة قسما منه.
واشتق أهل البديع منها فرعا أطلقوا عليه اسم "المماثلة" وهي الموازنة التي كون كل ما في إحدى الفقرتين المقترنتين أو معظمه مثل مقابله من الفقرة الأخرى في الوزن.
أمثلة:
(1) قول الله عز وجل في سورة (الغاشية/ 88 مصحف/ 68 نزول) في وصف الجنة:
{ونمارق مصفوفة * وزرابي مبثوثة}.
هذا مثال للموازنة، إذ اتفقت الكلمتان الأخيرتان في الوزن دون التقفية، فالأولى على الفاء، والثانية على الثاء.
نمارق: جمع "نمرق"، وهي الوسادة الصغيرة يتكأ عليها، ويقال فيها: نمرقة، ونمرقة، ونمرقة.
زرابي: جمع "زربية" وهي حشية تبسط للجلوس عليها.
(3) قول أبي تمام:
*فأجحم لما لم يجد فيك مطمعا * وأقدم لما لم يجد عنك مهربا*
هذا مثال للماثلة، إذ كل كلمات الفقرتين متفقات في الوزن.
*فأحجم - لما - لم - يجد - فيك - مطمعا.
*وأقدم - لما - لم - يجد - عنك - مهربا.

(1/847)


(4): "رد العجز على الصدر"
يكون في النثر ويكون في الشعر:
* أما في النثر: فهو أن يجعل المتكلم أحد اللفظين المكررين، أو المتجانسين أو ما هو ملحق بالمتجانسين في أول الفقرة، والآخر في آخرها، مثل ما يلي:
(1) قول الله عز وجل في سورة (الأحزاب/ 33 مصحف/ 90 نزول) خطابا لرسوله صلى الله عليه وسلم بشأن تزوجه من زينب مطلقة متبناه زيد:
{وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه...} [الآية:37].
هذا مثال اللفظين والمكررين.
(2) قول الله عز وجل في سورة (نوح/ 71 مصحف/ 71 نزول) في حكاية ما قال نوح عليه السلام لقومه:
{فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا}.
هذا مثال للفظين المتلاقيين في الاشتقاق.
(3) قول الله عز وجل في سورة (الشعراء/ 26 مصحف/ 47 نزول) حكاية لما قال لوط عليه السلام لقومه:
{قال إني لعملكم من القالين}.
هذا مثال للفظين المتلاقيين فيما يشبه الاشتقاق.

* وأما في الشعر: فهو أن يجعل المتكلم أحد اللفظين المكررين، أو المتجانسين، أو ما هو ملحق بالمجانسين في واحد من الوجوه التالية:
الوجه الأول: أن يكون أحدهما في آخر البيت والآخر في أول البيت، مثل قول الأفيشر:
*سريع إلى ابن العم يلطم وجهه * وليس إلى داعي الندى بسريع*
الوجه الثاني: أن يكون أحدهما في آخر البيت والآخر في آخر الشطر الأول، مثل قول أبي تمام:
*ومن كان بالبيض الكواعب مغرما * فما زلت بالبيض القواضب مغرما*
الكواعب: جمع "كاعب" وهو الجارية حين يبدو ثديها.
بالبيض القواضب: أي: بالسيوف القواطع.
الوجه الثالث: أن يكون أحدهما في آخر البيت، والآخر في حشو الشطر الأول، مثل قول الصمة بن عبد الله القشيري:
*أقول لصاحبي والعيس تهوي * بنا بين المنيفة فالضمار*
*تمتع من شميم عرار نجد * فما بعد العشية من عرار*
العرار: وردة ناعمة صفراء طيبة الرائحة.
الوجه الرابع: أن يكون أحدهما في آخر البيت والآخر في أول الشطر الثاني، مثل قول ذي الرمة:
*ألما على الدار التي لو وجدتها * بها أهلها ما كان وحشا مقيلها*
*وإن لم يكن إلا معرج ساعة * قليلا فإني نافع لي قليلها*
ألما: أي: انزلا نزولا قليلا.
معرج: يقال: عرج عليه، إذا مال إليه. وعرج بالمكان. إذا نزل به.
قليلا: أي: إلا معرجا قليلا.
أمثلة متنوعة من رد العجز على الصدر:
(1) قال القاضي الأرجاني:
*دعاني من ملامكما سفاها * فداعي الشوق قبلكما دعاني*
(2) وقال الثعالبي:
*وإذا البلابل أفصحت بلغاتها * فانف البلابل باحتساء بلابل*

(1/848)


البلابل: الأولى جمع "بلبل" وهو الطائر المعروف بالتغريد. والثانية جمع "بلبال" وهو الحزن. والثالثة: جمع "بلبلة" وهو إبريق الخمر.
(3) وقال الحريري:
*فمشغوف بآيات المثاني * ومفتون برنات المثاني*
المثاني: الأولى: آيات القرآن. والثانية: أوتار المزامير التي ضم طاق منها إلى طاق.
(4) وقال القاضي الأرجاني:
*أملتهم ثم تأملتهم * فلاح لي أن ليس فيهم فلاح*
(5) وقال البحتري:
*ضرائب أبدعتها في السماح * فلسنا نرى لك فيها ضريبا*
ضرائب: جمع "ضريبة" وهي ما طبع عليه الإنسان.
ضريبا: أي مثيلا ونظيرا.
(6) وقال أبو العلاء المعري:
*لو اختصر تم من الإحسان زرتكم * والعذب يهجر للإفراط في الخصر*
الخصر: شدة البرودة.
(7) وقال ابن عيينة المهلبي:
*فدع الوعيد فما وعيدك ضائري * أطنين أجنحة الذباب يضير*
(8) وقال أبو تمام من قصيدة يرثي بها محمد بن نهشل حين استشهد:
*وقد كانت البيض القواضب في الوغى * بواتر وهي الآن من بعده بتر*
البيض القواضب: السيوف القواطع.
بواتر: أي: قواطع.
بتر: جمع "أبتر" وهي بمعنى: أقطع، أي: مقطوع.

(1/849)


(5): "الانسجام"
الانسجام: هو أن يكون الكلام في مفرداته وجمله منسابا انسياب الماء في مجاريه السهلة، متحدرا لينا، بسبب التلاؤم بين كلماته، وجمله، وعذوبة ألفاظه، وجمال تموجات فقراته، وخلوه من التعقيد والتنافر، وخلوه من كل ما يند عن النطق، وينفر منه السمع.
وإذا قوي الانسجام في النثر جاءت قراءته موزونة ترقب ولا قصد ولا تكلف، بل يندفع بتلقائية الذوق الأدبي، والحس الجمالي المرهف.

والقرآن المجيد كله منسجم، قد يسره الله للذكر، وفيه فقرات موزونة وزنا شعريا، وهي في مواضعها من القرآن ليست بشعر، ومن هذه الفقرات الموزونة ما يلي:
(1) {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} شطر من "الطويل".
(2) {واصنع الفلك بأعيننا} شطر من "المديد".
(3) {فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم} شطر من "البسيط".
(4) {ويخزهمو وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين}.
ويخزهمو: على قراءة من يضم الميم مع الصلة. هذا بيت من "الوافر".
(5) {والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم}.
متفاعل - متفاعل - متفاعل - متفاعل.
(6) *[دانية عليهم ظلالها * وذللت قطونها تذليلا]*
هذا بيت من الرجز.
إلى غير ذلك من أمثلة كثيرة في القرآن.

(1/850)


(6): ائتلاف اللفظ مع اللفظ وائتلاف المعنى مع المعنى
* من المحسنات البديعية اللفظية أن يكون اللفظ مع اللفظ المجاور له في الكلام مؤتلفين، وهذا يلزم منه أن تكون الألفاظ في الكلام متآلفة يلائم بعضها بعضها.
ومن الائتلاف في الألفاظ أن ينتقى في النص من الكلمات ما يكون من نوع من الكلام واحد، كأن تكون الكلمات من نوع الغريب، أو من نوع المتداول، أو مما يلائم العامة، أو مما يلائم الخاصة، أو مما يلائم مخاطبين معينين ذوي تخصص واحد من تخصصات المعارف والعلوم والصناعات والمهن.

* ومن المحسنات البديعية اللفظية أن تكون ألفاظ الكلام ملائمة للمعنى المراد منها، ومن هذه الملاءمة أن يحكي صوت الكلمة صوتا يوجد فيما دلت عليه، مثل "حفيف" لحركة أوراق الشجر، و "فحيح" لصوت الأفعى، و "صرصر" لصوت الريح الشديدة، والهمز للصوت الذي يصدر عنه إقفال القفل أو تحريك المزلاج في "مؤصدة" و "سلسبيل" لصوت الماء الذي يجري بيسر، و "خرير" للماء النازل في شلال، إلى أمثلة كثيرة.
وإذا كان المعنى جزلا اختيرت له ألفاظ جزلة تلائمة.
وإذا كان المعنى رقيقا اختيرت له ألفاظ رقيقة تلائمه.
وإذا كان المعنى خشنا اختيرت له ألفاظ خشنة تلائمه.
وإذا كان المعنى غريبا اختيرت له ألفاظ غريبة تلائمه.
وإذا كان المعنى متداولا اختيرت له ألفاظ متداولة تلائمه.
وإذا كان المعنى متوسطا بين الغرابة والتداول اختير له ما يلائمه.
وإذا كان المعنى فخما اختير له ألفاظ مفخمة تلائمه.
وهكذا، فألفاظ الحب والغزل، غير ألفاظ العتاب والتثريب، وألفاظ المدح غير ألفاظ الهجاء.
إنه ليس من المستحسن في المدح أن يقال: ثقيل الجود، ولا أن يقال في الغزل: ثقيل الحب، أو عنيف الهوى، ولا أن يقال في الإرهاب: لطيف العبور نافذ الإرادة، إلا في مخاطبة لماحي الذكاء، وعلى سبيل الإشارة، إلى غير ذلك من اختيار ألفاظ غير ملائمة للمعاني التي يراد التأثير بها.
أمثلة:
المثال الأول: قول الله عز وجل في سورة (يوسف/ 12 مصحف/ 53 نزول) يحكي ما قال أولاد يعقوب عليه السلام بشأن يوسف عليه السلام:
{قالوا تالله تفتؤا تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين}.

(1/851)


في هذ النص من الائتلاف جمع اللفظ الغريب مع اللفظ الغريب، وبيانه "الحرض" في اللغة هو الذي أضناه الحزن والعشق، فهو به شديد المرض، وهذا اللفظ من الألفاظ الغريبة، وكان من فنية جمع الغريب مع الغريب اختيار أغرب ألفاظ القسم، وهي "التاء" فإنها أقل استعمالا وأبعد عن أفهام العامة من القسم، بحرف "الباء" أو حرف "الواو"، واختيار أغرب صيغ الأفعال التي ترفع الاسم وتنصب الخبر من أخوات "كان" وهو فعل "تفتأ" وكان من الممكن اختيار فعل: "ما تزال" فهو أقرب إلى الأفهام، وأكثر استعمالا من فعل: "ما تفتأ" وهو بحذف "ما" منه أشد غرابة.
وهكذا رأينا أن من حسن الاختيار في نظم الكلام اختيار الألفاظ المتلائمة في الغرابة، توخيا لحسن الجوار كما يجمع في الحفل من الناس كل صنف من صنفه.
المثال الثاني: قول الله عز وجل في سورة (النحل/ 16 مصحف/ 70 نزول):
{وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولاكن أكثر الناس لا يعلمون}.
ألفاظ هذه الآية كلها متداولة لا غرابة في كلمة منها، فكانت متلائمة حنسة التجاور.
المثال الثالث: قول الله عز وجل في سورة (هود/ 11 مصحف/ 52 نزول):
{ولا تركنو?ا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار} [الآية:113].
في هذا النص تلاؤم بديع بين اللفظ والمعنى المراد، وبيانه أن الركون إلى الذين ظلمو نوع من الميل إليهم والاعتماد عليهم، دون انغماس معهم في الظلم، فلاءم هذا المعنى أن يختار في بيان العقاب لفظ {فتمسكم النار} لأن المس فيه معنى ملاصقة النار دون الانغماس فيها.
أي: فعذاب من يركن إلى الظالمين هو من نوع عذاب الظالمين، لكنه دونه في الكيف والكم، إنه للراكنين مس، لكنه للظالمين انغماس وحريق.

(1/852)


المثال الرابع: قول الله عز وجل في سورة (البقرة/ 2 مصحف/ 87 نزول):
{لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت...} [الآية:286].
جاء في هذا النص تلاؤم بين اللفظ المختار والمعنى المراد به، إذ جاء فيه التفريق بين ما يدل على فعل الحسنات وما يدل على فعل السيئات، فاختير فيه فعل "كسب" الذي يستعمل في مكاسب الحياة الدنيا من مال وغيره مرادا به فعل الحسنات والخيرات، لأنها ثروة يدخرها الإنسان، فتنفعه في دنياه وأخراه، وإن شق فعلها على نفسه.
واختير فيه فعل "اكتسب" الذي فيه معنى تكلف حمل العبء مرادا به فعل السيئات والمعاصي والآثام، لأنها أوزار وأحمال ثقيلة تأتيه بأنواع من العذاب في دنياه وأخراه، وإن جلبت له لذة عاجلة، وهان فعلها على نفسه.
المثال الخامس: قول الله عز وجل في سورة (الشعراء/ 26 مصحف/ 47 نزول) بشأن إدخال أهل جهنم فيها:
{فكبكبوا فيها هم والغاوون * وجنود إبليس أجمعون}.
جاء في هذا النص اختيار لفظ [كبكبوا] ملائما تماما للمعنى المراد منه، وذلك لأن فعل: "كب" يدل على المرة الواحدة، والمعنيون لا يجمعون ويكبون كبة واحدة. أما فعل: [كبكب] فهو يدل على معنى الكب المتكرر المتتابع، وهو أمر تدل عليه الصيغة التي فيها تكرير للحروف كدلالة "الوسوسة" على التكرير، ودلالة "السلسلة" على تتابع الحلقات، ودلالة "الصلصلة" على تكرار الصوت، كصوت الجرس.
إن الكبكبة الجماعية المتكررة أدل على الإهانة، وأكثر ملاءمة للمعنى المراد.
المثال السادس: قول الله عز وجل في سورة [طه/ 20 مصحف/ 45 نزول):
{وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها...} [الآية:132].

(1/853)


جاء في النص اختيار كلمة [اصطبر] ملائما للمعنى المراد، وهو تكلف الصبر، بمغالبة النفس.
ولو اختير لفظ "اصبر" لما استفيد هذا المعنى.
إلى غير ذلك من أمثلة كثيرة.
خاتمة:
لذواقي التلاؤم والائتلاف بين الكلمات من كبار البلغاء حس أدبي رفيع، قد لا يرقى إليه غيرهم من محبي الأدب، وعشاق الكلام البليغ من شعر أو نثر.
وأذكر بهذه المناسبة ما رواه الواحدي في شرح ديوان المتنبي أن المتنبي لما أنشد سيف الدولة قوله فيه:
*وقفت وما في الموت شك لواقف * كأنك في جفن الردى وهو نائم*
*تمر بك الأبطال كلمى حزينة * ووجهك وضاح وثغرك باسم*
أنكر عليه سيف الدولة تطبيق عجزي البيتين على صدريهما، وقال له: كان ينبغي أن تجعل عجز الثاني عجز الأول، وأنت في هذا مثل امرئ القيس في قوله:
*كأني لم أركب جوادا للذة * ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال*
*ولم أسبأ الراح الكميت ولم أقل * لخيلي كري كرة بعد إجفال*
قال سيف الدولة: ووجه الكلام على ما قاله العلماء بالشعر، أن يكون عجز البيت الأول للثاني، وعجز البيت الثاني للأول، ليكون ركوب الخيل مع الأمر للخيل بالكر، ويكون سباء الخمر مع تبطن الكاعب.

(1/854)


فقال أبو الطيب: "إن صح أن الذي استدرك على امرئ القيس هذا أعلم منه بالشعر فقد أخطأ امرؤ القيس وأخطأت أنا، ومولانا الأمير يعلم أن الثوب لا يعرفه البزاز معرفة الحائك، لأن البزاز لا يعرف إلا جملته، والحائك يعرف جملته وتفصيله، لأنه أخرجه من الغزلية إلى الثوبية، وإنما قرن امرؤ القيس لذة النساء بلذة الركوب للصيد، وقرن السماحة في شراء الخمر للأضياف بالشجاعة في منازلة الأعداء.
وأنا لما ذكرت الموت في أول البيت أبعته بذكر الردى لتجانسه، ولما كان وجه المنهزم لا يخلو من أن يكون عبوسا، وعينه من أن تكون باكية، قلت: "ووجهك وضاح وثغرك باسم" لأجمع بين الأضداد في المعنى..".
أقول:
لقد أدرك المتنبي بما لديه من ذوق فني رفيع لدقائق الجمال في قرن الأشباه والنظائر والأضداد، أن قرن الأضداد الفكرية في تتابع اللوحة البيانية، أجمل وأكثر تأثيرا في النفس من قرن الأشباه والنظائر بعضها ببعض، لأن تخاطر الأضداد في الأذهان أقرب من تخاطر الأشباه والنظائر.

(1/855)


(7): "التعانق"
وهو قسمان:
القسم الأول: "اقتباس أوائل اللاحق من أواخر السابق" ويطلق عليه "تشابه الأطراف".
وهو أن يؤتى بآخر الفقرة السابقة من الكلام، أو بآخر الشطرة الأولى من البيت، أو بآخر البيت، فيجعل بدأ للكلام اللاحق، وقد يكرر هذا في النص الواحد.
* فمنه قول ليلى الأخيلية في مدح الحجاج بن يوسف الثقفي:
*إذا نزل الحجاج أرضا مريضة * تتبع أقصى دائها فشفاها*
*شفاها من الداء العضال الذي بها * غلام إذا هز القناة سقاها*
*سقاها فرواها بشرب سجاله * دماء رجال يحلبون صراها*

أي: إذا نزل بأرض فيها خارجون يفسدون تتبعهم حتى قتل الهاربين والمتخفين ورؤوس الفتنة منهم، وأجهز عليهم.
بشرب: أي: بشراب.
سجاله: السجال جمع "السجل" وهي الدلو العظيمة، والضرع العظيمة، ومرادها هنا الضروع، تشبيها لأوعية دماء الخارجين المسفدين بالضروع الممتلئة المصراة (وهي التي حبس فيها لبنها).
يحلبون صراها: الصرى ما طال مكثه ففسد، تريد أن جنود الحجاج يستخرجون برماحهم وسيوفهم الدماء الفاسدة من الأشرار الخارجين المفسدين في الأرض.
* ومنه قول الله عز وجل في سورة (النور/ 24 مصحف/ 102 نزول):
{الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري...} [الآية:35].
يلاحظ في هذا النص ثلاث فقرات اشتملت على هذا النوع من أنواع البديع:
كمشكاة فيها مصباح.
المصباح في زجاجة.
الزجاجة كأنها كوكب دري.
القسم الثاني: "اقتباس الركائز".
وهو أن يؤتى من الجملة السابقة ما يتخذ ركيزة في بناء الجملة اللاحقة.
الركيزة في اللغة: ما يرتكز عليه مما هو ثابت في الأرض وغيرها، يقال لغة: ركز شيئا في شيء إذا أثبته فيه. وركز السهم في الأرض إذا غرزه فيها، ويقال ارتكز على الشيء إذا اعتمد عليه.
ومن "اقتباس الركائز" قول الله عز وجل في سورة (المؤمنون/ 23 مصحف/ 74 نزول):
{ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة في قرار مكين * ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين}.

(1/856)


في هذا النص أخذت الركيزة من جملة {ثم جعلناه نطفة في قرار مكين} وهي كلمة {نطفة} وبني عليها الجملة التي بعدها، وهي: {ثم خلقنا النطفة علقة}، وأخذت الركيزة من هذه الجملة، وهي كلمة {علقة} وبني عليها الجملة التي بعدها، وهي: {فخلقنا العلقة مضغة} وأخذت الركيزة من هذه الجملة، وهي كلمة {مضغة} وبني عليها الجملة التي بعدها، وهي: {فخلقنا المضغة عظاما} وأخذت الركيزة من هذه الجملة، وأخذت الركيزة من هذه الجملة، وهي كلمة "عظاما" وبني عليها الجملة التي بعدها، وهي: {فكسونا العظام لحما}.
وهكذا تعانق النص باقتباس الركائز والبناء عليها، وساعد المعنى على إبداع هذا الفن.
وهو فن يصلح في مجال التعليم والتفهيم، وبناء الأفكار بعضها على بعض وفي مجال الإقناع وتثبيت الأفكار، كما تقول في الحساب مثلا:
خمسة أضف إليها خمسة تصير عشرة، عشرة اضربها بعشرة تصير مئة، مئة قسمها على خمسة يكون الحاصل عشرين. عشرون إذا قسمناها على أربعة يكون الحاصل خمسة إذن: (5+5×10÷5÷4=5).

(1/857)


(8): "التفويت"
هو أن يأتي المتكلم بمعاني شتى من موضوعات مختلفات، كالمدح، والوصف، والإقرار، والإنكار، والنصح، والأمر، والنهي، وغير ذلك ويجعل ذلك في جمل متفاصلة، مع تساويها في الوزن بوجه عام.
ويكون في الجمل الطويلة والمتوسطة والقصيرة.
ويبدو لي أن هذا العنوان الاصطلاحي مشتق من كلمة "الفوت" وهي الفرجة بين كل إصبعين، تشبيها للجمل المتفاصلة بأصابع الكف المتقاربة المخالفة المتفاصلة.
والأمثلة على هذا النوع من أنواع البديع في القرآن كثيرة منها ما يلي:
المثال الأول: قول الله عز وجل في سورة (الشعراء/ 26 مصحف/ 47 نزول) حكاية لأقوال إبراهيم عليه السلام لقومه:

{قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون * أنتم وآبآؤكم الأقدمون * فإنهم عدو لي إلا رب العالمين * الذي خلقني فهو يهدين * والذي هو يطعمني ويسقين * وإذا مرضت فهو يشفين * والذي يميتني ثم يحيين * والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين * رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين}.
المثال الثاني: قول الله عز وجل في سورة (آل عمران/ 3 مصحف/ 89 نزول):
{قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشآء وتنزع الملك ممن تشآء وتعز من تشآء وتذل من تشآء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير * تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشآء بغير حساب} المثال الثالث: قول الله عز وجل في سورة (الرحمن/ 55 مصحف/ 97 نزول):
{الرحمان * علم القرآن * خلق الإنسان * علمه البيان * الشمس والقمر بحسبان * والنجم والشجر يسجدان}.
وهكذا إلى آخر السورة.
المثال الرابع: قول الرسول صلى الله عليه وسلم في دعائه:
"اللهم احفظني بالإسلام قائما، واحفظني بالإسلام قاعدا، واحفظني بالإسلام راقدا، ولا تشمت بي عدوا ولا حاسدا، اللهم إني أسألك من كل خير خزائنه بيدك، وأعوذ بك من كل شر خزائنه بيدك".
رواه الحاكم عن ابن مسعود

(1/858)


المثال الخامس: خطبة "قس بين ساعدة الإيادي" الذي كان أسقف نجران، وخطيب العرب، وحكيمها وحكمها في زمانه، توفي سنة "600م".
قال في خطبته التي خطبها في سوق عكاظ:
"أيها الناس اسمعوا وعوا، إنه من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت. ليل داج، ونهار ساج، وسماء ذات أبراج، ونجوم تزهر، وبحار تزخر، وجبال مرساة، وأرض مدحاة، وأنهار مجراة، إن في السماء لخبرا، وإن في الأرض لعبرا. ما بال الناس يذهبون ولا يرجعون؟ أرضوا فأقاموا أم تركوا فناموا.
يا معشر إياد، أين الآباء والأجداد؟ وأين الفراعنة الشداد؟ ألم يكونوا أكثر منكم مالا؟ وأطول آجالا؟ طحنهم الدهر بكلكله، ومزقهم بتطاوله".
بكلكله: أي: بصدره.

(1/859)


(9): "التشريع"
التشريع ويسمى: "التوشيح"
وهو بناء البيت من الشعر عل قافيتين أولى يصح الوقوف عندها، فثانية يوقف عندها، ويطول بها البيت، وتشتمل الزيادة على إضافة معنى.
وهو فن يحسن ما لم يكن متكلفا تظهر فيه الصنعة التي قد تعجب الفكر، لكن لا تستأثر بالحس الأدبي الذواق للجمال، ومتى كثرت الأبيات التي نظمت على هذا المنوال من قصيدة واحدة ظهرت فيها الركاكاة، وبدت ممجوجة غير مستساغة.
أمثلة:
(1) قول الحريري في بعض مقاماته:
*يا خاطب الدنيا الدنية إنها شرك الردى. وقرارة الأكدار*
*دار متى ما أضحكت في يومها أبكت غدا. بعدا لها من دار*
*غاراتها لا تنقضي وأسيرها لا يفتدى. بجلائل الأخطار*
(2) قول أحدهم:

*اسلم ودمت على الحوادث مارسا ركنا ثبير. أو هضاب حراء*
*ونل المراد ممكنا منه على كر الدهور. وفز بطول بقاء*
(3) قولي صانعا مثلا:
*من رام أن ينجح في. مقصوده. فليتئد. وليتق الجبار*
*وليمش في صبر على. منهاجه. وليستند. للواحد القهار*
*وليتخذ أسبابه. بحصافة. وليستفد. من سالف الأخبار*

(1/860)


(10): "لزوم مالا يلزم"
هو فن في الشعر وفي السجع يلتزم فيه الشاعر أو الساجع قبل الحرف الأخير من أبيات قصيدته، أو سجعاته ما لا يلزمه، كأن يكون الحرفان الأخيران متماثلين في كل القوافي، أو الثلاثة الأخيرة، أو تكون الكلمات مع ذلك متماثلة الوزن، إلى غير ذلك من التزام ما ليس بلازم في نظام التقفيات.
قال "عبد القاهر الجرجاني": لا يحس هذا النوع إلا إذا كانت الألفاظ تابعة للمعاني، فإن المعاني إذا أرسلت على سجيتها، وتركت وما تريد طلبت لأنفسها الألفاظ، ولم تكتس إلا ما يليق بها، فإن كان خلاف ذلك كان كما قال أبو الطيب:
*إذا لم تشاهد غير حسن شياتها * وأعضائها فالحسن عنك مغيب*
وقد يقع في كلام بعض المتأخرين ما حمل صاحبه عليه فرط شغفة بأمور ترجح إلى ماله اسم في البديع، على أنه نسي أنه يتكلم ليفهم، ويقول ليبين، ويخيل إليه أنه إذا جمع عدة من أقسام البديع في بيت، فلا ضير أن يقع ما عناه في عمياء، وأن يجعل السامع يتخبط خبط عشواء" هـ.
أمثلة:
(1) قول الله عز وجل في سورة (الأعراف/ 7 مصحف/ 39 نزول):
{إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون * وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون}.
إن المماثلة بين: "مبصرون" و "يقصرون" في الوزن وحرفي الصاد والراء مع الواو والنون من لزوم ما لا يلزم، وقد جاء حسنا بديعا، لأنه جاء سلسا غير متكلف، ولا مجلوب اجتلابا، وجاء كل من اللفظين ملائما للمعنى المراد منه.
(2) قول عبد الله بن الزبير الأسدي في مدح عمرو بن عثمان بن عفان رضي الله عنهما:
*سأشكر عمرا ما تراخت منيتي * أيادي لم تمنن وإن هي جلت*
*فتى غير محجوب الغنى عن صديقه * ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت*
*رأى خلتي من حيث يخفى مكانها * فكانت قذى عينيه حتى تجلت*
لم تمنن: أي: لم تنقطع.
رأى خلتي: أي: رأى خصاصتي وفقري.
قذى عينيه: القذى جمع مفرده "القذاة" وهي ما يتكون في العين من رمص وغمص وغيرهما.
في هذه الأبيات التزام الشاعر ما لا يلزمه فجعل قبل حرف الروي وهو التاء، حرفا آخر يكرره مع كل القوافي وهو اللام المشددة.
(3) قول الحماسي:
*إن التي زعمت فؤادك ملها * خلقت هواك كما خلقت هوى لها*
*بيضاء باكرها النعيم فصاغها * بلباقة فأدقها وأجلها*
*حجبت تحيتها فقلت لصاحبي: * ما كان أكثرها لنا وأقلها*
*وإذا وجدت لها وساوس سلوة * شفع الضمير إلى الفؤاد فسلها*
فالتزم اللام المشددة قبل حرف الروي الذي هو "ها".
(4) قول الفرزدق:
*منع الحياة من الرجال ونفعها * حدق تقلبها النساء مراض*

(1/861)


*وكأن أفئدة الرجال إذا رأوا * حدق النساء لنبلها أغراض*
خاتمة:
رأى أبو العلاء المعري ما لديه من قدرة شعرية، وثروة لغوية واسعة، فاهتم لهذا الفن من فنون البديع، فجمع ما أملى من شعر فيه، ووضعه في ديوان خاص بعنوان: "لزوم ما لا يلزم" ويعرف باللزوميات.
واعتنى المتأخرون بهذا الفن اعتناء بلغ حد الإسراف، ولئن وجدنا فيه ما هو جيد، ففيه أيضا الغث السمج.
فلا ينبغي تكلفه، ولا توجيه الاهتمام له، لكن إذا جاء تلقائيا منسابا على السجية كان فنا بديعا.

(1/862)


(11): "القلب"
أو "العكس اللفظي" وهو أن يقرأ الكلام من آخره إلى أوله كما يقرأ من أوله إلى آخره، والمعتبر فيه الحروف المكتوبة لا الملفوظة.
وهو فن لا يعدو أن يكون مهارة شكلية لفظية، لا يرتبط به معنى، وتكلفه قد يفسد المعاني المقصودة، أو يلجئ إلى استجلاب معاني ليست ذات قيمة تعتبر لدى أهل الفكر، أو تستحق تخصيصها بالذكر.
* ومن أمثلته في القرآن مثالان لا ثالث لهما:
1- {كل في فلك}.
2- {ربك فكبر}
* ومن الأمثلة قول بعضهم:
*"أرانا الإله هلالا أنارا"*
* ومن الأمثلة قول القاضي الأرجاني:
*مودته تدوم لكل هول * وهل كل مودته تدوم*
وقد تفنن المتأخرون من الأدباء في صناعة أمثلة لهذا النوع الشكلي البحت، وللحريري في بعض مقاماته نثر وشعر منه.

(1/863)


(12): "الاقتباس"
الاقتباس وما اشتق منه من فروع وهي: التضمين - العقد - الحل - التلميح
الاقتباس: أن يضمن المتكلم كلامه من شعر أو نثر كلاما لغيره بلفظه أو بمعناه، وهذا الاقتباس يكون من القرآن المجيد، أو من أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم، أو من الأمثال السائرة، أو من الحكم المشهورة، أو من أقوال كبار البلغاء والشعراء المتداولة، دون أن يعزو المقتبس القول إلى قائله.
والاقتباس منه ما هو حسن بديع يقوي المتكلم به كلامه، ويحكم به نظامه، ولا سيما ما كان منه في الخطب، والمواعظ، وأقوال الحكمة، ومقالات الدعوة والإرشاد، ومقالات الإقناع والتوجيه للفضائل في نفوس المؤمنين بكتاب الله وكلام رسوله.
وبعض الأدباء يقتبس من القرآن المجيد أو من أقوال الرسول مستنصرا بما اقتبس لتقوية فكرته، أو لتزيين كلامه في أغراض مختلفة كالمدح والهجاء والغزل والإخوانيات ونحو ذلك، فإذا لم يحرف في المعنى، ولم يكن في اقتباس سوء أدب مع كلام الله أو كلام الرسول فلا بأس باقتباسه، وإذا كان في اقتباسه تحريف في المعنى، أو سوء أدب فهو ممنوع ويأثم به المقتبس، وقد يصل بعض الاقتباس إلى دركة الكفر والعياذ بالله.
أمثلة:
1) قال عبد المؤمن الأصفهاني:
لا تغرنك من الظلمة كثرة الجيوش والأنصار {إنما نؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار}.
(2) قول ابن نباتة في بعض خطبه:
فيا أيها الغفلة المطرقون، أما أنتم بهذا الحديث مصدقون، ما لكم لا تشفقون {فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون}.
(3) قول ابن سناء الملك:
*رحلوا فلست مسائلا عن دارهم * أنا "باخع نفسي على آثارهم"* مقتبس من قول الله عز وجل لرسوله: {فلعلك باخع نفسك على آثارهم}.
باخع نفسك: أي: قاتل نفسك غما من أجلهم.
(4) قول بديع الزمان الهمذاني:

*لآل فريغون في المكرما * ت يد أولا واعتذار أخيرا*
*إذا ما حللت بمغناهمو * "رأيت نعيما وملكا كبيرا"*
الشطرة الأخير مقتبسة من القرآن.
(5) قول الحماسي:
*إذا رمت عنها سلوة قال شافع * من الحب ميعاد السلو المقابر*
*ستبقى لها في مضمر القلب والحشا * سريرة حب "يوم تبلى السرائر"*
"يوم تبلى السرائر": عبارة قرآنية.
(6) قول أبي جعفر الأندلسي:
*لا تعاد الناس في أوطانهم * قلما يرعى غريب الوطن*
*وإذا ما شئت عيشا بينهم * "خالق الناس بخلق حسن"*
الشطرة الأخيرة مأخوذة من أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم.
(7) قول الصاحب بن عباد:
*قال لي: إن رقيبي * سييء الخلق فداره*
*قلت: دعني "وجهك * الجنة حفت المكاره"*
العبارة الأخيرة مقتبسة من قول الرسول صلى الله عليه وسلم: حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات.
ولست أرى استخدام مثل هذه المعاني الدينية في فانيات الدنيا ولو كانت خالية من المعصية، فلا يستقيم هذا إلا بتحريف في أصل المعنى.
(8) قول الصاحب بن عباد أيضا:
*أقول وقد رأيت له سحابا * من الهجران مقبلة إلينا*
*وقد سحت غواديها بهطل * "حوالينا" الصدود "ولا علينا"*
مقتبس من دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم: "اللهم حوالينا ولا علينا".
(9) قول ابن الرومي:
*لئن أخطأت في مدحك ما أخطأت في منعي*
*لقد أنزلت حاجاتي * "بواد غير ذي زرع"*

(1/864)


مقتبس من دعاء إبراهيم عليه السلام كما جاء في القرآن: {ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم} استعمله ابن الرومي مجازا في رجل بخيل لا خير فيه ولا نفع.
(10) من كتاب لمحي الدين عبد الظاهر (من الكتاب المقدمين في دولة المماليك):
لا عدمت الدولة بيض سيوفه التي {ترى بها الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة}.
(11) قول عمر الخيام:
*سبقت العالمين إلى المعالي * بصائب فكرة وعلو همه*
*ولاح بحكمتي نور الهدى في * ليال للضلالة مد لهمه*
*يريد الجاهلون ليطفئوه * "ويأبى الله إلا أن يتمه"*
الشطرة الأخيرة مقتبسة من القرآن.
ما اشتق من الاقتباس من فروع
اشتق البلاغيون من الاقتباس أربعة فروع، وهي:
(1) التضمين (2) العقد (3) الحل (4) التلميح.
الفرع الأول: "التضمين" ومنه: "الاستعانة"، و "الإيداع" و "الرفو".
التضمين: هو أن يضمن الشاعر شعره شيئا من شعر غيره، مع التنبيه عليه إن لم يكن مشهورا عند البلغاء، ودون التنبيه عليه إن كان مشهورا.
* ومن هذا التضمين قول الحريري:
*على أني سأنشد عند بيعي * "أضاعوني وأي فتى أضاعوا"*
الشطر الأخير للعرجى، وبيت العرجى هو:
*أضاعوني وأي فتى أضاعوا * ليوم كريهة وسداد ثغر*
وقد نبه الحريري على التضمين بقوله: "سأنشد".
* ومن هذا التضمين قول ابن العميد:
*وصاحب كنت مغبوطا بصحبته * دهرا فغادرني فردا بلا سكن*
*هبت له ريح إقبال فطار بها * نحو السرور وألجاني إلى الحزن*

(1/865)


*كأنه كان مطويا على إحن * ولم يكن في ضروب الشعر أنشدني*
*"إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا * من كان يألفهم في المنزل الخشن"*
البيت الأخير لأبي تمام، وقد نبه ابن العميد على التضمين بقوله: "ولم يكن في ضروب الشعر أنشدني".
وأحسن التضمين ما زاد على الأصل أمرا حسنا، كتورية، أو تشبيه، ومنه قول ابن أبي الإصبع مستغلا شعر المتنبي لمعنى آخر غير الذي قصده:
*إذا الوهم أبدى لي لماها وثغرها * "تذكرت ما بين العذيب وبارق"*
*ويذكروني من قدها ومدامعي * "مجر عوالينا ومجرى السوابق"*
الشطران الثانيان مطلع قصيدة للمتنبي يمدح بها سيف الدولة، ولم ينبه ابن أبي الإصبع على التضمين لأن قصيدة المتنبي مشهورة عند المشتغلين بالأدب.
العذيب وبارق: موضعان بظاهر الكوفة مجر عوالينا: أي: مكان جر الرماح، وحركة جرها. ومجرى السوابق: أي: مكان جري الخيل السوابق، وحركة جريها.
فأخذ ابن أبي الإصبع من "العذيب" معنى عذوبة ريق صاحبته، وأخذ من "بارق" البريق الذي يرى من ثغرها، على سبيل التورية.
وشبه قدها بحركة جر الرماح، وشبه جريان دمعه بجري الخيل السوابق.
قالوا: ولا يضر التغيير اليسير عند التضمين.
والتضمين على حالتين:
* فإذا بلغ مقداره تضمين بيت فأكثر، فقد يطلق عليه لفظ "الاستعانه".
* وإذا كان مقداره شطر بيت أو دونه، فقد يطل عليه "الإيداع" إذ الشاعر قد أودع شعره شيئا من شعر غيره، وقد يطلق عليه "الرفو" لأن الشاعر "رفا" خرق شعره بشيء من شعر غيره.
الفرع الثاني: "العقد":
وهو أن ينظم الشاعر نثرا لغيره لا على طريقة الاقتباس.
* ومن العقد قول أبي العتاهية:

(1/866)


*ما بال من أوله نطفة * وجيفة آخره يفخر؟!*
عقد أو العتاهية في هذا البيت قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
"وما لابن آدم والفخر، وإنما أوله نطفة، وآخره جيفة".
ومن العقد قول أبي العتاهية أيضا:
*وكانت في حياتك لي عظات * وأنت اليوم أوعظ منك حيا*
عقد في هذا البيت قول بعض الحكماء في الإسكندر لما توفي:
كان الملك أمس أنطق منه اليوم، وهو اليوم أوعظ منه أمس".
الفرع الثالث: "الحل":
وهو أن ينثر الكاتب أو المتكلم شعرا لغيره، ويكون حسنا إذا كان سبك الحل حسن الموقع، مستقرا غير قلق، وافيا بمعاني الأصل، غير ناقص في الحسن عن سبك أصله، أو أن يكون بمثابة الشرح لدقائقه، وإلا كان عملا غير مقبول في الأعمال الأدبية.
* ومن أمثلة الحل التي ذكرها البلاغيون قول بعض المغاربة، يصف شخصا بأنه سيئ الظن، إذ يقيس غيره على نفسه:
"فإنه لما قبحت فعلاته، وحنظلت نخلاته، لم يزل سوء الظن يقتاده، ويصدق توهمه في الذي يعتاده".
حل بقوله قول المتنبي:
*إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه * وصدق ما يعتاده من توهم*
أي: ما يتوهمه من أن الآخرين أساءوا يصدق توهمه فيهم، لأنه يقيسهم على نفسه، وما يعتاده من سوء عمل.
* ومنه قول صاحب "الوشي المرقوم في حل المنظوم" يصف قلم كاتب:
"فلا تحظى به دولة إلا فخرت على الدول، وغنيت به عن الخيل والخول، وقالت: أعلى الممالك ما يبنى على الأقلام لا على الأسل".

(1/867)


العبارة الأخيرة حل لقول أبي الطيب مع رد لمقاله وجعل أعلى الممالك ما يبنى على الأقلام:
*"أعلى الممالك ما يبنى على الأسل" * والطعن عند محبيهن كالقبل.
الفرع الرابع: "التلميح":
وهو أن يشير الناثر أو الشاعر إلى قصة أو شعر أو نثر ذكر ما أشار إليه.
* ومنه قول أبي تمام:
*لحقنا بأخراهم وقد حوم الهوى * قلوبا عهدنا طيرها وهي وقع*
*فردت علينا الشمس والليل راغم * بشمس لهم من جانب الخدر تطلع*
*نضا ضوؤها صبغ الدجنة وانطوى * لبهجتها ثوب السماء المجزع*
*فوالله ما أدري أأحلام نائم * ألمت بنا أم كان في الركب يوشع*
فقد أشار إلى قصة يوشع عليه السلام على ما روي أنه قاتل الجبارين يوم الجمعة، فلما أدبرت الشمس خاف أن تغيب قبل أن يفرغ منهم، ويدخل السبت فلا يحل له قتالهم، فدعا الله عز وجل فرد له الشمس حتى فرغ من قتالهم.
ومنه قول أبي تمام أيضا:
*لعمرو مع الرمضاء والنار تلتظي * أرق وأحفى منك في ساعة الكرب*
يشير إلى البيت المشهور:
*المستجير بعمرو عند كربته * كالمستجير من الرمضاء بالنار*
وقصة ذلك أن عمروا ترصد كليبا حتى ابتعد عن الحمى، فركب فرسه فأتبعه فرمى صلبه، ثم وقف عليه فقال له: يا عمرو أغثني بشربة ماء فأجهز عليه، فمات، فقيل هذا البيت.
ونشبت العداوة بين تغلب وبكر أربعين سنة، وكان سببها ناقة رماها كليب فقتلها، وكان اسم هذه الناقة أو اسم صاحبتها "البسوس" وفيها قيل: "أشأم من البسوس" وهذه الحادثة من حروب الجاهلية قبل الإسلام في قبائل العرب.

(1/868)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية