صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : البلاغة العربية أسسها وعلومها وفنونها

*أم هل ظعائن بالعلياء نافعة * وإن تكامل فيها الأنس والشنب*
عقد "نصيب" واحدة.
فقال الكميت: ماذا تحصي؟
قال نصيب: خطأك، باعدت في القول، ما الأنس من الشنب (أي: ما الرابط الفكري بين الأنس والشنب) ألا قلت كما قال ذو الرمة:
*لمياء في شفتيها حوة لعس * وفي اللثات وفي أنيابها شنب*
فانكسر الكميت، (أي: طأطأ رأسه معترفا بأنه لم يحسن الجمع بين الأنس والشنب).
الشنب: جمال الثغر، وصفاء الأسنان ورقتها.
لمياء: أي: ذات شفاه حمرتها ضاربة إلى سواد، وهذا نوع من الجمال يستحسنه العرب.
حوة: الحوة لون مستحسن في الشفاء، وهو حمرة إلى سواد.
لعس: اللعس سواد في باطن الشفة.
أقول لقد كان يكفي ذا الرمة أن يقول: "لمياء" دون أن يؤكد ذلك بقوله: "في شفتيها حوة لعس" إلا أنه فيما يبدو قد حلا له أن يتلذذ بتنويع العبارة حول هذا الجمال، الذي هو شغوف به في شفاه لميائه.
***
الفصل الثاني: الفصل والوصل بين عناصر الجملة الواحدة
1) مقدمة عامة
يراد بالوصل الربط بين أجزاء الكلام بحرف عطف، ويراد بالفصل عدم الربط بين أجزاء الكلام بحرف عطف.
وأجزاء الكلام قسمان:
القسم الأول: "المفرد" ويراد به هنا ما يقابل الجملة، وهو الذي لا تتحقق به وحده الفائدة من عناصر الجملة.
القسم الثاني: "الجملة" وهي القول المفيد معنى تاما مكتفيا بنفسه.
***
(2) عناصر الجملة
سبق في فصل "بناء الجملة في اللسان العربي وتقسيمها" أن الجملة تتألف من العناصر التالية:
(1) المسند إليه.
(2) المسند.
(3) الإسناد الذي لا يصرح به في اللفظ.
(4) ما يتعلق بواحد مما سبق من توابع وأدوات إن وجدت.
والعنصر من عناصر الجملة:

(1/436)


* إما أن يكون عنصرا بسيطا غير مركب.
* وإما أ، يكون عنصرا مركبا (وما تركب منه هذا العنصر من أجزاء قد صار بالتركيب جزءا واحدا فلا توصل بحرف عطف).
وينقسم العنصر المركب إلى سبعة أقسام:
القسم الأول: "المركب الإضافي" مثل: "كتاب الله - صلاة الجمعة - رأس الحكمة - باب العلم".
ومعلوم أنه لا عطف بين المضاف والمضاف إليه، لأنهما صارا بالتركيب الإضافي بمثابة الكلمة الواحدة، ذات الأجزاء الملتحمة، والإضافة على تقدير حرف جر بين المضاف والمضاف إليه.
القسم الثاني: "المركب الوصفي" مثل: "الرجل العالم زارني - أكلت طعاما طيبا - وسقاهم ربهم شرابا طهورا".
ومعلوم أنه لا عطف في الأصل بين النعت والمنعوت به، لأن الصفة جزء من الموصوف فهما متشابكان، فلا معنى لعطف الصفة على الموصوف بها، إذ العطف في أصل معناه يقتضي التغاير، وكيفي للدلالة على كونها صفة إتباعها للموصوف بها في الإعراب ضمن الشروط المبينة عند النحويين.
القسم الثالث: "المركب التوكيدي" مثل: "حضر الضيوف كلهم - فسجد الملائكة كلهم أجمعون".
ومعلوم أنه لا عطف بين المؤكد والمؤكد به، لأن المؤكد به محقق للمراد من المؤكد، فهما بمثابة شيء واحد، فلا معنى للعطف بينهما، والتوكيد تابع من التوابع.
القسم الرابع: "المركب البدلي" سواء أكان بدلا مطابقا، أو بدل بعض من كل، أو بدل اشتمال، أو بدلا مباينا، مثل:
"اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم (في البدل المطابق) - قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه (في بدل البعض من الكل) - أفادني الشيخ علمه (في بدل الاشتمال) ناولني كتاب النحو كتاب اللغة (في البدل المباين) وهكذا...".

(1/437)


ومعلوم أنه لا عطف بين البدل والمبدل منه إذ المراد أن يحل البدل مكان المبدل منه، والعطف يقتضي اجتماعهما.
القسم الخامس: "المركب البياني" وهو ما يكون الجزء الثاني منه معطوفا على الأول بيان، مثل: "أقسم بالله أبو حفص عمر".
ومعلم أنه لا تتوسط أداة عطف بين البيان والمبين، إذ هما: إما بمثابة المركب الوصفي، أو بمثابة المركب البدلي.
القسم السادس: "المركب المزجي" مثل: "بعلبك - حضرموت - معديكرب" ونحو ذلك.
ومعلوم أن المركب المزجي هو في الحقيقة كلمة واحدة يلاحظ في لفظها أصلها قبل أن تمتزج عناصرها في كلمة واحدة.
القسم السابع: "الأسماء المركبة من أكثر من كلمة" مثل: "عبدالله - شاب قرناها - ذو نواس - ذو الخويصرة" ونحو ذلك.
ومعلوم أن الأعلام المركبة من كلمتين فأكثر صارت بالنقل إلى العملية كلمة واحدة جديدة، تقال كما كانت قبل النقل إلى العلمية، وكذلك الألفاظ المتعددة التي تطلق بهيئتها التركيبية على أشياء إطلاق النكرات على أجناسها وأنواعها.
القسم الثامن: "المركب العددي" مثل: "أحد عشر - ثلاثة عشر". والمركب العددي هو بمثابة كلمة واحدة كانت كلمتين، وكان ينبغي عطف الثانية منهما على الأولى بحرف العطف، إلا أنه استغني عن حرف العطف بينهما باعتبارهما قد صارتا مركبتين تركيب كلمة واحدة.
***
(3) الاحتمالات التي يتعرض لها "المفرد" وكذلك "الجملة التي لها محل من الإعراب"
"المفرد" المقابل للجملة (ومثله الجملة التي لها محل من الإعراب إذ هي مؤولة بالمفرد) لا يخلوا عن أن يكون واحدا من الاحتمالات التاليات:
الاحتمال الأول: أن يكون حرفا من المعاني أو من الحروف التي تزاد للتأكيد، في أي موقع من مواقع الجملة.

(1/438)


ومن الملاحظ أن الحرف يدخل في الجملة كالجزء من العنصر الذي دخل قبله، كحرف النفي، وحرف الجر، وحرف التوكيد، والجزء من العنصر الذي التحق به، كنون التوكيد، ونون الوقاية.
فالحرف بطبيعته ملتحم أو شبه ملتحم بالعنصر الذي دخل عليه أو التحق به من عناصر الجملة، ولهذا كان بطبيعته لا يحتاج وصلا بحرف عطف بداهة.
الاحتمال الثاني: أن يأتي العنصر في صدر الكلام، وهذا بطبيعة حاله لا يلاحظ وصله بشيء قبله حتى يدخل عليه حرف عطف، إلا أن يسبق بكلام مقدر ذهنا، فقد يكون للمقدرات الذهنية اعتبارات تلاحظ في المنطوق من الكلام، مثل:
*قالت بنات العم يا سلمى وإن * كان فقيرا معدما قالت: وإن*
الاحتمال الثالث: أن يكون خبرا لمبتدأ أو لما كان مبتدأ، كاسم "كان" وسام "إن".
ومعلوم أن الرابط بين المبتدأ والخبر رابط معنوي هو الإسناد الذي يجعل المسند وصفا من جهة المعنى للمسند إليه في الإيجاب، أو نفي ذلك في السلب، ودليل الإسناد مع المعنى علامة الإعراب.
الاحتمال الرابع: أن يكون فاعلا، والرابط بين الفعل أو ما يعمل عمله وبين الفاعل رابط معنوي، وهو الإسناد الذي يجعل المسند وصفا من جهة المعنى للمسند إليه في الإيجاب، أو نفي ذلك في السلب، ودليله مع المعنى علامة الإعراب.
الاحتمال الخامس: أن يكون مفعولا به (واحدا أو أكثر إذا تعددت المفاعيل". والرابط بين الفعل أو ما يعمل عمله وبين المفعول به رابط معنوي أيضا مشتق من الإسناد، ودليله مع المعنى في الجملة علامة الإعراب، ويلحق بالمفعول به المجرور بحرف جر، لأن تعدية الفعل إلى المفعول به إما أن تكون بغير أداة، أو بأداة حرف الجر سواء أكان لمجرد التعدية أو لإضافة معنى يدل عليه حرف الجر.

(1/439)


الاحتمال السادس: أن يكون مفعولا فيه (ظرف زمان أو ظرف مكان) والرابط بين الفعل أو ما يعمل عمله وبين المفعول فيه رابط معنوي أيضا مشتق من الإسناد، وهو رابط يدخل في عموم رابط المفعول به، ودليله مع المعنى علامة الإعراب، وهو على تقدير حرف الجر "في" فلما حذف نصب الاسم الذي كان مجرورا به، وألحق بالمفاعيل.
الاحتمال السابع: أن يكون مفعولا مطلقا، وهو في الحقيقة كالجزء من عامله، فهو لا يحتاج ربطا بحرف عطف، لأن الربط بحرف العطف يقتضي في الأصل التغاير، وهذا جزء مكمل للعامل به، لا مغاير له، وحركته الإعرابية النصب لأنه يدخل في عموم المفاعيل.
الاحتمال الثامن: أن يكون مفعولا لأجله، وهو في الحقيقة على تقدير حرف علة، ولو كان مصرحا به في اللفظ لكان جارا لأنه من حروف الجر، فلما حذف نصب الاسم الذي كان مجرورا به وألحق بالمفاعيل.
الاحتمال التاسع: أن يكون مفعولا معه، مثل: "سرت والجبل" إن مثل هذا التعبير الذي يفيد المعية والمصاحبة أصله: سرت مع الجبل، أي: مصاحبا لأجزاء الجبل في مسيري، فلما وضعت الواو التي من معانيها المعية بدل "مع" والواو ليست اسما حتى تعتبر مضافة إلى ما بعدها، نصب ما بعدها إلحاقا له بالمفاعيل، ولأن واو المعية هذه يمكن أن يعبر عنها بالحال، فيقال: سرت مصاحبا الجبل، فألقيت حركة النصب على المفعول معه.
فالواو في المفعول معه ليست في الحقيقة حرف عطف، والكلام لا وصل فيه.
الاحتمال العاشر: أن يكون تمييزا، ومعلوم أن التمييز هو والمميز شيء واحد، فلا يعطف عليه بحرف عطف، لأنه في الحقيقة بيان له، والتمييز:
* إما منصوب على تقدير حذف حرف "من" الجارة، مثل: "اشتريت عشرين كتابا" إذ المعنى اشتريت عشرين من الكتب، وتعليل النصب هنا كالتعليل النصب في المفعول فيه والمفعول لأجله.

(1/440)


* وإما مجرور بالإضافة، مثل: "ثلاثة رجال وعشر نسوة" وهذا يدخل في عموم المضاف إليه.
وطبيعي أن لا يحتاج التمييز إلى الوصل بحرف العطف.
الاحتمال الحادي عشر: أن يكون منادى، وهو في الحقيقة بمثابة المفعول به، لأن أداة النداء نائبة مناب أدعو أوأنادي.
الاحتمال الثاني عشر: أن يكون مستثنى، وهو في الحقيقة على وجهين:
* إما أن يكون بمثابة المفعول به، لأن أداة الاستثناء "إلا" نائبه مناب "استثني".
* وإما أن يكون ما بعد أداة الاستثناء معمولا لما قبلها، ويكون هذا في الاستثناء المفرغ.
وفي كل من الوجهين لا يحتاج المستثنى إلى الوصل بحرف عطف.
الاحتمال الثالث عشر: أن يكون حالا مفردا غير جملة، والحال في الحقيقة صفة لصاحبها، وهي مع صاحبها كالصفة مع الموصوف، فهي كالجزء منه، فلا تعطف عليه بحرف عطف.
الاحتمال الرابع عشر: أن يراد إدخال عنصر في الجملة شريكا لأحد العناصر السابقة في الحكم، استغناء بذلك عن تكرار الجمل.
والوسيلة لذلك في معظم الأحوال الوصل بالعطف بحرف من حروف العطف حسب اقتضاء المعنى.
وينبغي أن تلاحظ هنا معاني حروف العطف، وشروط العطف بها، على ما فصله النحويون واللغويون.
وإجمال معاني حروف العطف فيما يلي:
(1) "الواو" لمطلق الجمع فلا تقتضي بأصل الوضع ترتيبا ولا تعقيبا.
(2) "الفاء" للترتيب مع التعقيب حقيقة أو مجازا.
(3) "ثم" للترتيب مع التراخي حقيقة أو مجازا.
(4) "حتى" لانتهاء الغاية.
(5) "بل" وتأتي على وجهين:
الوجه الأول: للإضراب والعدول عن شيء إلى آخر بعد كلام مثبت خبرا كان أو أمرا.
الوجه الثاني: للاستدراك بمنزلة "لكن" إذا وقعت بعد نفي أو نهي.
(6) "لكن" للاستدراك.
(7) "لا" بعد المثبت، وهي تفيد تأكيد إثبات الحكم لما قبلها، ونفيه عما بعدها.
(8) "أم" وتأتي على وجهين:

(1/441)


الوجه الأول: "أم" المتصلة، وهي التي يكون ما بعدها متصلا بما قبلها، ومشاركا له في الحكم، وتقع بعد همزة الاستفهام مثل: "أعلي في الدار أم خالد؟" أو بعد همزة التسوية، مثل: {سوآء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون}.
وسميت متصلة لأن ما قبلها وما بعدها لا يستغنى بأحدهما عن الآخر.
الوجه الثاني: "أم" المنقطعة، وهي التي تكون لقطع الكلام الأول واستئناف ما بعده، ومعناه الإضراب، مثل قول الله عز وجل في سورة (الرعد/ 13 مصحف/ 96 نزول):
{قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله شركآء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار (16)}.
هذه هي القاعدة العامة فيما يراد جعله شريكا لعنصر من عناصر الجملة التي سبق بيانها، باستثناء تعدد الأخبار، وتعدد الصفات أو تعدد الأحوال.
أما القاعدة بالنسبة إلى تعدد الأخبار.
فإذا جاء في الجملة أخبار متعددة لمبتدأ أو لما أصله مبتدأ فإذا كان الخبران متكاملين فيما بينهما ومفردين، وهما بقوة الخبر الواحد، لم يجز عطف الثاني على الأول، مثل: "هذا الرمان حلو حامض" لأنهما بمعنى خبر واحد تقديره: "مز".
والأصل عند تعدد الأخبار إذا كان اللاحق مفردا لا جملة، أن لا يعطف اللاحق منها على السابق، مثل قول الله عز وجل في سورة (البروج/ 85 مصحف/ 27 نزول):
{وهو الغفور الودود (14) ذو العرش المجيد (15) فعال لما يريد (16)}.

(1/442)


ويجوز عطف بعضها على بعض لدى ملاحظة غرض بلاغي خاص بدل عليه العطف، فتقول مثلا: "علي بن أبي طالب شجاع ذو بأس لا تلين له قناة، وعالم وبليغ، وذو بصر في الأقضية، حتى قيل: قضية ولا أبا حسن لها".
أما إذا كان اللاحق جملة فيأتي موصولا بحرف العطف، مثل قول الله عز وجل في سورة (البروج) أيضا:
{إنه هو يبدىء ويعيد (13)}.
***
وأما القاعدة بالنسبة إلى تعدد الصفات:
فإذا كان الموصوف لا يتعين إلا بعدد من الصفات فيجب إتباعها وعدم عطف بعضها على بعض.
وإذا كان الموصوف لا يحتاج إلى تعيين أو كان يتعين ببضعها فقط، فما يتحقق به تعيين الموصوف منها فإنه يذكر دون توسط حرف عطف، وأما سائر الصفات فيجوز فيها وجهان:
الأول: أن تذكر توابع بلا عطف، وهو الأصل، مثل:
{بسم الله الرحمن الرحيم - لله الواحد القهار -}.
الثاني: أن تذكر معطوفة، وينبغي أن يلاحظ في العطف غرض بلاغي، لأن الأصل في النعوت أن تأتي توابع دون أن توصل بحرف عطف.
* ومما جاء من ذلك معطوفا لغرض بلاغي قول الله عز وجل حكاية لمقالة إبراهيم لقومه في سورة (الشعراء/ 26 مصحف/ 47 نزول):
{قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون (75) أنتم وآبآؤكم الأقدمون (76) فإنهم عدو لي إلا رب العالمين (77) الذي خلقني فهو يهدين (78) والذي هو يطعمني ويسقين (79) وإذا مرضت فهو يشفين (80) والذي يميتني ثم يحيين (81) والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين (82)}.
فعطف الصفات للتأكيد على أن كل واحدة منها كافية لعابدة الرب وحده.
* ومنه أيضا قول الشاعر:

(1/443)


*إلى الملك القرم وابن الهمام * وليث الكتيبة في المزدحم*
القرز: السيد المعظم.
الهمام: السيد الشجاع السخي من الرجال، والأسد.
فعطف الصفات مع أن الأصل عدم عطفها، ليلفت النظر إلى أنه مع كونه ملكا قرما هو ابن سيد شجاع سخي، وهو أيضا شجاع كالأسد.
* ومن الصفات المتعددة التي اجتمع فيها الفصل والوصل قول الله عز وجل في سورة (غافر/ 40 مصحف/ 60 نزول):
{حم (1) تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم (2) غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا اله إلا هو إليه المصير (3)}.
إن صفات {العزيز العليم غافر الذنب} جاءت منفصلة دون حرف عطف كما هو الأصل في الصفات.
وبعدها جاءت: {وقابل التوب} صفة معطوفة بالواو على خلاف الأصل لغرض بلاغي، وهو فيما أرى دفع توهم المطابقة بين غفران الذنب وقبول التوبة، فغفران الذنب قد يكون دون أن يتوب المذنب من ذنبه، بل يسأل الله الغفران فقط، أما قبول التوبة، بمعنى رجوع الله إلى التائب من عباده بفيوضات عطاءاته التي يعطيها المتقين إذا كان منهم، أو الأبرار أو المحسنين إذا كان منهم، فهو شيء آخر غير غفران الذنب.
وعاد النص بعد هذا إلى ذكر سائر الصفات دون عطف، وهذا من بدائع القرآن.
***
(4) الجمل التي لها محل من الإعراب
كل جملة صح تأويلها بمفرد فلها محل من الإعراب: "الرفع أو النصب أو الجر" كالمفرد الذي تؤول به، ويكون إعرابها كإعرابه، إذ تكون واقعة موقعة.
وكل جملة لا يصح تأويلها بمفرد، لأنها غير واقعة موقع مفرد فليس لها محل من الإعراب.
والجمل التي لها محل من الإعراب سبع:

(1/444)


الجملة الأولى: هي الواقعة خبرا، ومحلها من الإعراب الرفع أو النصب بحسب الخبر المفرد الذي وقعت موقعه، مثل: "العلم يرفع منزلة صاحبه - كان رسول الله يواظب على قيام الليل".
الجملة الثانية: هي الواقعة مفعولا به، ومحلها من الإعراب النصب، مثل: {قال إني عبد الله} فجملة "إني عبد الله" في محل نصب مفعول به لفعل "قال".
الجملة الثالثة: هي الواقعة موقع المضاف إليه، ومحلها من الإعراب الجر، مثل: {هاذا يوم ينفع الصادقين صدقهم} فجملة {ينفع الصادقين صدقهم} في محل جر لأنها في تأويل مفرد هو مضاف إليه، والتقدير: يوم نفع الصدق للصادقين.
الجملة الرابعة: هي الواقعة جوابا لشرط جازم، وشرطها أن تقترن بالفاء أو بإذا الفجائية، ومحلها من الإعراب الجزم، مثل: {ومن يضلل الله فما له من هاد (33)}، {وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون (36)}.
فكل جملة من هاتين الجملتين: {فماله من هاد - إذا هم يقنطون} واقعة موقع فعل مجزوم هو جواب الشرط.
الجملة الخامسة: هي الواقعة موقع الصفة، ومحلها من الإعراب بحسب الموصوف بها، مرفوعا كان أو منصوبا أو مجرورا، مثل: "وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى - الزم عالما يعلم علوم الدين الإسلامي - اعتصم بحبل يصلك بالله".
فكل جملة من هذه الجمل الثلاث "يسعى - يعلم علوم الدين الإسلامي - يصلك بالله" واقعة موقع صفة للاسم النكرة الذي قبلها.

(1/445)


الجملة السادسة: هي الجملة التابعة لجملة لها محل من الإعراب، ومحلها من الإعراب يكون بحسب الجملة التي هي تابعة لها، رفعا أو نصبا أو جرا، مثل: "كل حيوان يأكل ويشرب - كان رسول ا لله يحمل الكل ويقري الضيف ويعين على نوائب الدهر - مررت برجل يأكل بشره، يأكل بشره".
الجملة السابعة: هي الجملة الواقعة موقع الحال، ومحلها من الإعراب النصب، كالحال التي جاء لفظها "مفردا غير جملة" ومؤولة بمفرد، فقول القائل: "ولد الطفل يبكي" هو بمثابة قوله: "ولد الطفل باكيا".
وكان الأصل في الجملة الحالية أن تكون خالية من الواو، لأنها كالنعت مع المنعوت به، وأن يكون الربط بين الجملة الحالية وصاحبها ضميرا فيها يعود عليه.
ولكن قد تكون الجملة الحالية خالية من هذا الضمير الرابط، مثل: "صلى المتهجد -الناس نائمون" إذا أريد أن تكون جملة "الناس نائمون" جملة حالية. أو يكون هذا الضمير الرابط صدر الجملة الحالية، مثل: "سافر خالد - هو صائم" إذا أريد أن تكون جملة "هو صائم" حالية. إلا أن مثل هذين التعبيرين لا دليل فيهما على أن جملة كل منهما جملة حالية، فجاء في اللغة العربية اختيار حرف "الواو" التي تستعمل في العطف، رابطا يدل على أن الجملة حالية، سواء قلنا بتجريد هذه الواو من معنى العطف، أو قلنا بأن معنى العطف ما زال باقيا يجمع الصفة التي دلت عليها الحال مع الصفة المسندة إلى صاحب الحال التي دل عليها المسند فعلا كان أو غيره، وقد أضيف إلى معنى الجمع بين الوصفين معنى الحالية.
ودعت ذوقية جمالية وفكرية في الجمل الحالية أن تجب واو الحال في بعضها، وأن تمتنع في بعضها، وأن يجوز ذكرها وتركها في بعضها.
* فتجب واو الحال في ثلاث صور.
* وتمتنع في سبع صور.

(1/446)


* ويجوز ذكرها وتركها فيما سوى ذلك.
على ما فصله النحويون في باب الحال، وذكره البلاغيون في باب "الفصل والوصل" استكمالا لذكر أحوال "الواو" في الجمل وجودا وعدما، على اعتبار أن "واو" الحال تدخل في عموم الواو العاطفة، إلا أنني رأيت إحالة أمر هذه الواو على مقرره النحاة بشأنها.
ومما سبق ظهر لنا أن الجمل التي لها محل من الإعراب هي بمثابة المفرد، لأنها تؤول بمفرد، وتشملها أحكام المفرد في الوصل والفصل، حتى الجملة الحالية التي تدخل عليها واو الحال رابطة، إذا لاحظنا أن هذه الواو قد استدعاها حاجة الجملة الحالية إلى رابط، والأصل فيه أن يكون ضميرا يعود على صاحب الحال، وحين تستخدم واو الحال للربط فليس ذلك من وصل الجمل بالعطف، وإنما هو للدلالة على معنى الحالية بحرف رابط.
***
الفصل الثالث: الفصل والوصل بين الجمل التي لا محل لها من الإعراب
1) مقدمة
اهتم البلاغيون بالبحث لاستخراج الأسس الفكرية العامة للفصل والوصل بين الجمل التي لها محل من الإعراب، بعد أن نظروا نظرات عامات إلى المفرد، وإلى الجملة التي لا محل لها من الإعراب باعبارها بمنزلة المفرد، وتؤول بمفرد، وتحكمهما الأسس التي سبق بيانها في الفصل الثاني من هذا الباب، أخذا مما بحثه النحويون، وبحث بعضه البلاغيون متناثرا.

(1/447)


(2) وقد أبان البلاغيون أهمية معرفة مواطن الفصل والوصل بين الجمل التي لا محل لها من الإعراب، واعتبروا إدراك ذلك من الأمور التي تحتاج بصيرة نفاذة قادرة على إدراك مدى التلاقي والافتراق، والتقارب والتباعد بين المضامين الفكرية للجمل التي يتلو بعضها بعضا في الكلام، وأن هذا مما يصعب على الكثيرين إدراكه، فلا يستطيعون دواما تحديد ما يجب أو يحسن فصله، وما يجب أو يحسن وصله، وما يستوي فيه الأمران، فلا يرتقي ما ينشؤون من كلامة مؤلف من جمل كثيرة في مراقي البلاغية الرفعية، وفي حسن وضع كل من الفصل والوصل في موضعه.
ولا تكتسب ملكة وضع كل من الفصل والوصل في موضعه بالملائم بالتقائية إلا بممارسة طويلة، مع حس فطري مرهف، وموهبة بلاغية ممتازة.
ويتفاوت الكلام بالفصل والوصل تفاوتا كبيرا ارتقاء أو نزولا من المراتب البلاغية، ويتفاضل في هذا المجال أيضا الكتاب والشعراء والخطباء والمحدثون.
وبالغ بعضهم فقال: البلاغة معرفة مواطن الفصل والوصل في الكلام (أي: العطف بالواو وترك العطف بها).
***
(2) الجمل التي لا محل لها من الإعراب
لما كان الكلام هنا يتناول الفصل والوصل في الجمل التي لا محل لها من الإعراب، فمن المناسب أن نأخذ من النحويين ما ذكروه من تفصيل لها، ليكون ذلك تمهيدا لكلام البلاغيين حولها.
ذكر النحاة أن الجمل التي لا محل لها من الإعراب تسع جمل، وهي ما يلي:
الأولى: "الجملة الابتدائية" وهي التي تكون في بدء الكلام، مثل: {*الله نور السماوات والأرض} فهي جملة لا محل لها من الإعراب.

(1/448)


وهذه الجملة بطبيعتها لا توصل بشيء قبلها، إلا أن تسبق بكلام مقدر ذهنا، فقد يكون للمقدرات الذهنية اعتبارات تلاحظ في المنطوق من الكلام، كأن يسأل رجل صديقه: هل تعشيت عند فلان؟، فيقول له: وبت عنده حتى الصباح.
الثانية: "الجملة الاستئنافية" وهي التي تقع في أثناء الكلام منقطعة عما قبلها لاستئناف كلام جديد، وهي جملة لا محل لها من الإعراب.
والأصل فيها أن تكون منفصلة غير مقترنة بحرف عطف، مثل قول الله عز وجل في سورة (النحل/ 16 مصحف/ 70 نزول):
{خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما يشركون (3)}.
فجملة: "تعالى الله عما يشركون" جملة استئنافية.
وقد تقترن بالفاء الاستئنافية، مثل قول الله عز وجل في سورة (الأعراف/ 7 مصحف/ 39 نزول):
{فلمآ آتاهما صالحا جعلا له شركآء فيمآ آتاهما فتعالى الله عما يشركون (190)}.
وقد تقترن بالواو الاستئنافية، مثل قول الله عز وجل في سورة (آل عمران/ 3 مصحف/ 89 نزول) في عرض قصة امرأة عمران:
{فلما وضعتها قالت رب إني وضعتهآ أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم (36)}.
فجملة: "والله أعلم بما وضعت" جملة استئنافية اقترنت بالواو الاستئنافية.
الثالثة: "الجملة التعليلية" وهي التي تقع في أثناء الكلام تعليلا لما قبلها، وهي جملة لا محل لها من الإعراب.
والأصل في هذه الجملة أن تكون منفصلة غير مقترنة بحرف عطف، مثل قول الله عز وجل في سورة (التوبة/ 9 مصحف/ 113 نزول) خطابا لرسوله:

(1/449)


{خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاوتك سكن لهم والله سميع عليم (103)}.
فجملة: "إن صلاتك سكن لهم" جملة تعليلية.
وقد تقترن بفاء التعليل، مثل أن تقول: "الزم سبيل الهدى فإنه سبب السعادة".
الرابعة: "الجملة الاعتراضية" وهي التي تعترض بين شيئين متلازمين: "كالمبتدأ والخبر، والفعل ومرفوعه، والفعل ومنصوبه، والشرط وجوابه، والحال و صاحبها، والصفة والموصوف بها، وحرف الجر ومتعلقه، والقسم وجوابه" وهي جملة لا محل لها من الإعراب.
قالوا: ويؤتى بالجملة الاعتراضية لإفادة الكلام تقوية وتسديدا وتحسينا.
أقول: أغراض الجملة الاعتراضية عند البلغاء كثيرة يصعب تحديد أطرها العامة، فضلا عما هو أكثر من ذلك تحديدا أو تفصيلا، إذ دواعي ذكرها، فكرية، تشتق من الموضوعات التي تذكر ضمنها. ومن أمثلة الجمل الاعتراضية:
* قول الله عز وجل في سورة (البقرة/ 2 مصحف/ 87 نزول):
{وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهدآءكم من دون الله إن كنتم صادقين (23) فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين (24)}. فجملة {ولن تفعلوا} جملة اعتراضية جاءت بين متلازمين هما: "الشرط وجوابه" والواو فيها استئنافية.
* وقول الله عز وجل في سورة (الواقعة/ 56 مصحف/ 46 نزول):
{فلا أقسم بمواقع النجوم (75) وإنه لقسم لو تعلمون عظيم (76)}.
فجملة: {لو تعلمون} جملة اعتراضية جاءت بين متلازمين هما: الصفة والموصوف بها".

(1/450)


الخامسة: "الجملة الواقعة صلة للموصول" سواء أكان الموصول موصولا اسميا أم موصولا حرفيا.
* فالموصول الاسمي: "كالذي - والتي - ومن -" مثل قول الله عز وجل في سورة (البقرة/ 2 مصحف/ 87 نزول):
{الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين (2) الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (3)...}.
فجملة: {يؤمنون بالغيب} صلة لموصول اسمي، لا محل لها من الإعراب.
* والموصول الحرفي هو الحرف المصدري الذي يؤول مع ما بعده بمصدر، والحروف المصدرية هي "أن الناصبة للفعل المضارع - أن - كي - ما المصدرية - لو - همزة التسوية".
ومن الأمثلة قول الله عز جل في سورة (المائدة/ 5 مصحف/ 113 نزول):
{فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دآئرة...} [الآية 52].
فجملة {تصيبنا دآئرة} لا محل لها من الإعراب لأنها صلة موصول حرفي، وهي مع الموصول الحرفي في تأويل مصدر مفعول به لفعل {نخشى}.
السادسة: "الجملة التفسيرية" وهي التي تأتي مفسرة لجملة أو مفرد قبلها، وتأتي خبرية أوإنشائية.
والجملة المفسرة لما قبلها، قد تأتي مقرونة بكلمة "أي" أو بكلمة "أن" أو مجردة منهما، وهي لا محل لها من الإعراب.
* فمن أمثلة المقرونة بكلمة "أي" قول الشاعر:
"وترمينني بالطرف أي: أنت مذنب".
* من أمثلة المقرونة بكلمة "أن" قول الله عز وجل في سورة (المؤمنون/ 23 مصحف/ 74 نزول) في عرض قصة نوح عليه السلام:
{فأوحينآ إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا...} [الآية 27].
ومن أمثلة المجردة من "أي" و "أن" قول الله عز وجل في سورة (الصف/ 61 مصحف/ 109 نزول):

(1/451)


{ياأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم (10) تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (11)}.
فجملة {تؤمنون بالله ورسوله} وما عطف عليها مفسرة للتجارة المنجية.
السابعة: "الجملة الواقعة جوابا لقسم" مثل قول الله عز وجل في سورة (يس/ 36 مصحف/ 41 نزول):
{يس (1) والقرآن الحكيم (2) إنك لمن المرسلين (3)}.
فجملة: {إنك لمن المرسلين} جواب القسم الوارد في {والقرآن الحكيم} وهي لا محل لها من الإعراب.
* وقول الله عز وجل في سورة (الأنبياء/ 21 مصحف/ 73 نزول) في عرض قصة إبراهيم عليه السلام:
{وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين (57)}.
فجملة: {لأكيدن أصنامكم} جواب القسم في {تالله} وهي لا محل لها من الإعراب.
الثامنة: "الجملة الواقعة جوابا لشرط غير جازم" وهي جملة لا محل لها من الإعراب.
وأدوات الشرط غير الجازم هي: "لو - لولا - لوما - أما - لما - إذا".
أمثلة:
(1) {لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا}.
(2) {لو نشآء جعلناه أجاجا}.
(3) {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض}.
(4) (لوما الكتابة لضاع أكثر العلم).
(5) {فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم}.
(6) {فلمآ أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم}.
(7) {وإذا لقوا الذين آمنوا}.
فجواب الشرط الوارد في هذه الأمثلة جمل لا محل لها من الإعراب.

(1/452)


التاسعة: "الجملة التابعة لجملة لا محل لها من الإعراب" فلها حكم الحجملة التابعة لها، مثل: {إذا جآء نصر الله والفتح... فسبح بحمد ربك واستغفره} فجملة {واستغفره} معطوفة على جملة {فسبح بحمد ربك واستغفره} وهي لا محل لها من الإعراب لأنها جواب شرط غير جازم.
***
(3) الأسس العامة للفصل الوصل بين الجمل التي لا محل لها من الإعراب
سبق أن عرفنا أسس الفصل والوصل بين المفردات في الجملة الواحدة، وبين الجمل التي لها محل من الإعراب.
وعلينا هنا أن نستبصر الأسس العامة للفصل والوصل بين الجمل التي لا محل لها من الإعراب، وهو البحث الذي اعتبره البلاغيون عماد هذا الباب من أبواب البلاغة، كما سبق به البيان.
وقبل أن نبدأ ببيان هذه الأسس لا بد من التنبيه على أن المعنى إذا كان يقتضي العطف بحرف من حروف العطف غير الواو، وهي: "الفاء - ثم - حتى - بل - لكن - لا - أم" فالأصل العطف بالحرف الذي يقتضيه المعنى من هذه الحروف، ولا يترك هذا الأصل إلا لغرض من الأغراض التي يقصدها البلغاء، ومنها أن لا يريد صاحب الكلام بيان المعنى الذي يدل عليه حرف العطف ذو المعنى الخاص، وإن كان واقع الحال مطابقا لدلالته لو عطف به، إذ له غرض في إغفال المعنى وعدم التعبير عنه، وهذا موضوع لا يحتاج بحثا ولا تأصيلا.
ولا بد من التنبيه أيضا على أن عطف الجملة التالية على الجملة السابقة بالواو، إذا كان يفيد إشراكها في حكمها، والمتكلم لا يريد أن يدل على هذا الاشتراك لأمر ما، فإنه لا يربط الجملة التالية بحرف العطف، بل يأتي بها منفصلة، لئلا يدل كلامه على ما لا يريد بيانه والدلالة عليه، وهذا أيضا موضوع لا يحتاج بحثا ولا تأصيلا.

(1/453)


إذن: ينحصر الكلام هنا في العطف "بالواو" أو عدم العطف بها، ضمن المقاصد التي يريد المتكلم التعبير عنها والدلالة عليها.
و "الواو" العاطفة التي يدور البحث هنا حول استخدامها عطافة أو عدم استخدامها، بين الجمل التي لا محل لها من الإعراب، لها أربع صفات:
الصفة الأولى: أنها لمطلق الجمع، فلا تقتضي ترتيبا ولا تعقيبا ولا غير ذلك من معاني حروف العطف، سواء أعطفت المفردات أم عطفت الجمل.
الصفة الثانية: أنها تفيد الإشراك في الحكم في عطف المفردات وفي عطف الجمل التي لها محل من الإعراب، لأنها مؤولة بالمفردات التي حلت محلها.
الصفة الثالثة: أنها تقتضي التغاير بين المعطوف بها والمعطوف عليه، فلا يعطف بها المتحدان في المعنى.
الصفة الرابعة: أن الربط بها يتطلب مناسبة فكرية بين المعطوف والمعطوف عليه بها تسوغ عند البلغاء هذا العطف.
فلا بد من ملاحظة هذه الصفات لدى العطف بالواو حتى يكون العطف مستقيما نحويا وبلاغيا، ما قد يراه النحوي جائزا بحسب القواعد النحوية، قد لا يراه البلاغي جائزا إذا نظر إلى المعاني.
وبالنظر إلى الصفات الأربع للواو العاطفة تظهر لنا الاحتمالات التالية للعطف بها أو عدم العطف بين الجمل التي لا محل لها من الإعراب، والتي يراد رصف بعضها وراء بعض.
الاحتمال الأول: أن يكون المعنيان في الجملتين السابقة واللاحقة لا يتلاءم معهما مفهوم التغاير بينهما، لشدة اتحادهما أو لشدة تقاربهما، أو كانت التالية منهما جواب سؤال مطوي تستدعيه السابقة منهما.
وفي هذه الحالة لا يصح بلاغيا العطف "بالواو" لأن الواو تقتضي التغاير بين المعطوف بها والمعطوف عليه، وهذا العطف يفسد المعنى المقصود بالبيان.

(1/454)


لكن إذا كان ترك الواو يوهم خلاف المقصود، كان إدخال "الواو" بين الجملتين أمرا لازما كأن يسألك سائل: هل شفي معلمكم؟ فتقول له: لا. وشفاه الله، إذ لو حذفت الواو لأوهم أنك تدعو عليه بعدم الشفاء، والمعنى: لم يشف وشفاه الله.
الاحتمال الثاني: أن يكون بين الجملتين السابقة واللاحقة تغاير في المعنى، ولكن ليس بينهما تناسب أو تلاؤم فكري يسمح بأن يجمع بينهما برباط تشير "الواو" الرابطة إليه حين العطف بها.
فإذا وجدت هذه الواو الرابطة وكان واقع حال الجملتين خاليا من التناسب والتلاؤم، إذ ليس بينهما خيوط فكرية متلائمة، كان وجود الواو الرابطة بمثابة مدع كذاب، يدعي وجود التناسب والتلاؤم، وهو في الواقع غير موجود، وهذا أمر تنفر منه النفوس وتأباه، ولا يسمح البلغاء وأهل الفكر باستخدامه.
ويستثنى من هذا أن يحدث من ترك الواو بين الجملتين إيهام خلال المقصود، فتذكر الواو للدلالة على استئناف الكلام الذي بعدها، كأن يسألك سائل: هل أنت مذنب؟ فتقول: لا. وغفر الله لك.
الاحتمال الثالث: أن يتوافر في الجملتين السابقة واللاحقة شرطا التغاير في المعنى من جهة، والتناسب بين معنييهما المتغايرين من جهة أخرى.
فإذا كان غرض المتكلم أن يجمع بينهما برباط "واو" العطف الدالة على مطلق الجمع مع التغاير والتناسب بين معنييهما، ليدل بها على ذلك، كان استخدامه هذا الرابط عملا بليغا، ويدل على حس مرهف، وذوق رفيع، باستثناء بعض الصور التي يوجد فيها سبب في نظم الكلام يقتضي عدم العطف، كإيهام خلاف المقصود، مثل قول الشاعر:
*وتظن سلمى أنني أبغي بها * بدلا أراها في الضلال تهيم*

(1/455)


إن جملة "وتظن سلمى" يناسبها أن تعطف عليها بالواو جملة "أراها في الضلال تهيم" أي: هي تظن بي شيئا مخالفا لواقع حالي، وأنا أرى جازما أنها في هذا الظن تهيم في الضلال.
لكنه لو عطفها "بالواو" لأوهم أن هذه الجملة معطوفة على جملة "أنني أبغي بها بدلا" أي: وتظن أيضا أنني أراها في الضلال تهيم، وهذا خلاف مقصود الشاعر.
ملاحظة:
هذا التقسيم هو التقسيم الذي رأيته الأسهل والحاصر لمختلف الاحتمالات، دون إرباك الذهن، بمصطلحات متشعبات، وتفريعات قلما يستفيد منها من يريد التعرف على أسس ربط الجمل التي لا محل لها من الإعراب بواو العطف أوعدم ربطها بها.
***
ما يخرج عن دائرة هذا التقسيم السابق:
(1) يخرج عن دائرة هذا التقسيم عطف كلام كلي على كلام كلي، كعطف قصة على قصة، وعطف موضوع كلي علىموضوع آخر كلي، إذ يكفي لتسويغ العطف "بالواو" في ذلك مجرد ملاحظة عطف كلام ما، على كلام ما، وعطف قصة ما، على قصة ما.
أما التغاير الذي تقتضيه "الواو" العاطفة فقائم في ذلك، ما لم تكن القصة التالية تفصيلا لملخص القصة السابقة، أو الموضوع التالي تفصيلا لملخص الموضوع السابق، أو العكس فيهما، فإذا كان التالي تفصيلا أو تلخيصا للسابق فهما بمثابة البيان من المبين، متحدان أو شبه متحدين، وترك العطف بالواو هو الأصل الذي ينبغي أن يتبع، إلا لغرض بلاغي يقوم في نفس البليغ يرجح عنده العطف.
ومن أمثلة عرض القصة المفصلة بعد ذكرها ملخصة قصة أهل الكهف التي قصها الله في سورة (الكهف/ 18 مصحف/ 69 نزول) فقد جاء التلخيص في الآيات من (9-12) وبعدها جاء التفصيل في الآيات من (13-26) وعند بدء التفصيل جاء الكلام غير مقترن بواو العطف.

(1/456)


وأما التناسب فيمكن أن ينتزع من الموضوع العام، إذ الباحث مثلا في النحو قد يعطف باب المفعول به على باب الفاعل، وقد يعطف أبواب المنصوبات على أبواب المرفوعات أو المجرورات، فالناظم العام لأبواب علم النحو بحث أحوال الكلمة من جهة إعرابها.
والباحث في علم الفقه قد يعطف أبواب المعاملات على أبواب العبادات، وقد يعطف فصلا على فصل في الباب الواحد، وفرعا على فرع في الفصل الواحد، وباستطاعته أن ينتزع مناسبة عامة كافية للعطف، وكلما كانت هذه المناسبة ألصق بالمقسم القريب للقسم الذي يذكره كان العطف مقبولا غير مستهجن، وقد تكون منتزعة من المقسم البعيد بحسب اقتضاءات المعاني.
والقصاص قد يعطف قصة على قصة، إذ باستطاعته أن ينتزع مناسبة عامة كافية للعطف، كأن يكون حديثه حول قصص الأنبياء وأقوامهم، أو قصص المتقين، أو قصص المجاهدين، أو يكون حديثه حول قصص اللصوص، أو قصص القتلة، أو قصص غرائب السلوك عند الحيوانات، إلى غير ذلك.
(2) ويخرج عن دائرة هذا التقسيم إيضا استخدام "الواو" للدلالة على استئناف كلام جديد، غير مرتبط بالكلام السابق، وتكون عندئذ بمعنى: التوقف عن متابعة ما يتعلق بما سبق من موضوع واستئناف الكلام في موضوع آخر.
ومن أمثلة "واو" الاستئناف قول الله عز وجل في سورة (الحج/ 22 مصحف/ 103 نزول):
{ياأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشآء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا...}. [الآية 5].

(1/457)


فجملة: {ونقر في الأرحام ما نشآء} جملة مستأنفة، مصدرة بواو الاستئناف، وليست هذه الواو عاطفة على ما ذكر النحويون إذ لو كانت عاطفة على {لنبين لكم} لكان ينبغي أن يكون فعل {ونقر} منصوبا. ولنا أن نقول: إن جملة {ونقر في الأرحام...} معطفة على جملة {فإنا خلقناكم من تراب} ولواحقها.
ومن الأمثلة التي ذكرها النحويون قول أبي اللحام التغلبي:
*على الحكم المأتي يوما إذا قضى * قضيته أن لا يجور ويقصد*
ويقصد: بالرفع اي: وهو يعدل، فحمل الكلام هنا على الاستئناف متعين، إذ كيف يجب على الحكم إذا قضى قضيته أن لا يجور ولا يعدل، هذا تناقض.
وأرى أن الواو التي تدخل على الجملة الاعتراضية هي واو استئناف وليست واو عطف.
***
(4) مع علماء البلاغة في تقسيماتهم
تأملت فيما ذكر البلاغيون من تقسيم لأحوال الجمل التي لا محل لها من الإعراب حول الفصل والوصل بينها في الكلام، فرأيت أنهم بالبحث التحليلي قد ذكروا لها سبعة أقسام متفرعة من تقسيمين رئيسين، وأنهم فصلوا بعض هذه الأقسام إلى فروع بحسب أحوالها.
وفيما يلي بيان ذلك مع بعض تعديل في شجرة التقسيم التي ذكروها.
القسم الأول: ما يجب فيه الفصل (أي: عدم عطف الجملة التالية على الجملة السابقة بالواو).
وهذا يكون في أربع صور:
الصورة الأولى: أن يكون بين الجملتين "كمال اتصال" إذ لا تغاير بين الجملتين حتى تعطف التالية على السابقة.
وهذ الصورة تظهر في ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: أن تكون الجملة التالية توكيدا للجملة السابقة، لزيادة التقرير، أو لدفع توهم المجاز، أو لدفع توهم الغلط، وهذه الجملة التوكيدية:
* قد تكون من قبيل التوكيد اللفظي مثل قول الله عز وجل:{فمهل الكافرين أمهلهم رويدا}.

(1/458)


* وقد تكون من قبيل التوكيد المعنوي، مثل ما حكى الله عز وجل في سورة (يوسف/ 12 مصحف/ 53 نزول) عما قال النسوة حين رأين يوسف عليه السلام في بيت العزيز:
{ما هذا بشرا إن هذآ إلا ملك كريم (31)}.
فجملة {إن هذآ إلا ملك كريم } توكيد معنوي لجملة {ما هذا بشرا} لأن إثبات كون ملكا كريما تأكيد وتحقيق لنفي كونه بشرا.
ومثل قول المتنبي:
*وما الدهر إلا من رواة قصائدي * إذا قلت شعرا أصبح الدهر منشدا*
الوجه الثاني: أن تكون الجملة التالية بدلا من الجملة السابقة، وجملة البدل:
* قد تكون بدل كل من كل، ويسمى "البدل المطابق" مثل قول الله عز وجل في سورة (المؤمنون/ 23 مصحف/ 74 نزول):
{بل قالوا مثل ما قال الأولون (81) قالوا أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون (82)}.
*وقد تكون بدل بعض من كل، مثل قول الله عز وجل في سورة (الشعراء/ 26 مصحف/ 47 نزول) حكاية لمقالة هود عليه السلام لقومه:
{فاتقوا الله وأطيعون (131) واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون (132) أمدكم بأنعام وبنين (133) وجنات وعيون (134)}.
فالأنعام والبنون والجنات والعيون هي بعض ما أمدهم به مما يعلمون، وفائدة هذا البدل ذكر بعض العناصر مفصلة لأهميتها عند المخاطبين، بعد ذكرها بشكل مجمل.
* وقد تكون بدل اشتمال، مثل قول الله عز وجل في سورة (يس/ 36 مصحف/ 41 نزول) حكاية لمقالة الرجل المؤمن الذي جاء يسعى من أهل أنطاكية، يعظ قومه أن يتبعوا المرسلين الثلاثة الذين أرسلو إليهم:

(1/459)


{وجآء من أقصى المدينة رجل يسعى قال ياقوم اتبعوا المرسلين (20) اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون (21)}.
فجملة {اتبعوا من لا يسألكم أجرا...} بدل من جملة {اتبعوا المرسلين} التي تشتمل بمفهومها العام على معنى الجملة التي جاءت بدلا منها. والغرض التنبيه على قضية مهمة فيهم، وهي إخلاصهم وعدم سعيهم لغرض دنيوي من دعوتهم.
الوجه الثالث: أن تكون الجملة التالية معطوفة على الجملة السابقة عطف بيان، مثل قول الله عز وجل في سورة (طه/ 20 مصحف/ 45 نزول):
{فوسوس إليه الشيطان قال ياآدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى (120)}.
فجلمة: "قال يا آدم..." عطف بيان على جملة {فوسوس...} وهي لبيان مضمون الوسوسة التي وسوس بها الشيطان.
وقول الله عز وجل في سورة (الأعراف/ 7 مصحف/ 39 نزول) خطابا لبني إسرائيل:
{وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم وفي ذالكم بلا?ء من ربكم عظيم (141)}.
فجملة: "يقتلون أبناءكم" والتي بعدها عطف بيان لجملة: "يسومونكم سوء العذاب".
الصورة الثانية: أن يكون بين الجملتين "شبه كمال الاتصال". وهذا يكون حينما تكون الجملة السابقة مما يثير في نفس المتلقي سؤالا يتردد في نفسه ولو لم يصرح به، فتأتي الجملة التالية لتجيب على هذا السؤال، وتأتي دون أن تعطف بالواو، وعلى أسلوب الاستئناف، فالجملة الواقعة جوابا لسؤال مقدر ذهنا غير مصرح به في اللفظ، لكن من شأنه أن تثيره في النفوس الجملة السابقة هي جملة استئنافية.
قالوا: والسؤال الذي تثيره الجملة السابقة على وجوه:

(1/460)


* فإما أن يكون سؤالا عن سبب الحكم الذي تضمنته الجملة السابقة بوجه عام، مثل قول الشاعر:
*قال لي: كيف أنت؟ قلت: عليل * سهر دائم وحزن طويل*
فجملة "سهر دائم..." جلمة استئنافية جاءت بدون عطف بالواو، إذ وقعت جواب سؤال تثيره جملة "أنا عليل" لأن من طبيعة المتلقي أن تتحرك نفسه بسؤال مضمونه: ما سبب كونك عليلا؟ وأسرع المتكلم فأجاب على السؤال دون أن يطرح عليه، أي: أنا عاشق بعيد عن محبوبه.
فالسؤال عن سبب حدوث العلة المرضية هو سؤال عن السبب بوجه عام، إذ عادة الناس أنهم إذا قيل لهم: فلان مريض، قالوا: ما سبب مرضه؟.
* وإما أن يكون سؤالا عن سبب خاص، مثل قول الله عز وجل في سورة (يوسف/ 12 مصحف/ 53 نزول) حكاية لمقالة يوسف عليه السلام:
{*ومآ أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم (53)}.
فجملة: {إن النفس لأمارة بالسوء} جملة مستأنفة وقعت جواب سؤال تثيره جملة {ومآ أبرىء نفسي}.
لقد سبق هذه الآية بيان أن يوسف عليه السلام قال:
{ذالك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين (52)}.
فبعد أن أعلن براءته من الخيانة، واعترفت امرأة العزيز بأنها هي التي راودته عن نفسه، تتساءل النفس قائلة: ما الذي جعل يوسف عليه السلام يقول: {ومآ أبرىء نفسي} بعد أن ثبتت براءته وثبتت طهارته وعفته، فما هو السبب الخاص الذين جعله يقول هذا القول؟ وقد أسرع عليه السلام فأجاب على السؤال بقوله: {إن النفس لأمارة بالسوء} والسوء الذي حدثته نفسه به ولم يعمله، هو همه بضربها بعد أن همت بضربه لما استعصم بالله، متعففا عن الفاحشة.

(1/461)


* وإما أن تثير الجملة السابقة سؤالا ما، لا عن السبب العام للحكم فيها، ولا عن السبب الخاص، مثل ما جاء في قول الله عز وجل يقص قصة إبراهيم عليه السلام في سورة (هود/ 11 مصحف/ 52 نزول):
{ولقد جآءت رسلنآ إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جآء بعجل حنيذ (69)}.
حنيذ: أي: مشوي.
إن من طبيعة أي متلق للقصة، أن يتساءل بعد أن يسمع أن الرسل من الملائكة الذين جاءوه وقالوا له سلاما، فيقول في نفسه، فماذا أجابهم إبراهيم عليه السلام؟ فجاءت جملة: {قال سلام} جوابا على هذا السؤال.
ومنه قول الشاعر:
*زعم العواذل أنني في غمرة * صدقوا ولكن غمرتي لا تنجلي*
إن الشطر الأول يثير في النفس سؤالا وهو: إذا كان العواذل قد زعموا أنك في غمرة فماذا تقول أنت؟ فأجاب على هذا التساؤل بقوله: "صدقوا" وزاد على قولهم تأكيدا بقوله: "ولكن غمرتي لا تنجلي" وهذا من تأكيد الشيء بما يوهم في بدايته خلافه.
الغمرة: الشدة.
ملحوظتان:
(1) قد يحذف صدر جواب السؤال المقدر الذي أثارته الجملة السابقة، ويستغنى عنه بما جاء بعده مما يدل عليه، ومنه قول الله عز وجل في سورة (النور/ 24 مصحف/ 102 نزول) كما جاء في قراءة ابن عامر الشامي وشبعة {يسبح} بالبناء للمجهول:
{في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال (36) رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتآء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار (37)}.

(1/462)


قراءة جمهور القراء العشرة {يسبح} وليس فيها شاهد لما نحن فيه، أما قراءة ابن عامر وشعبة {يسبح} بالبناء لما لم يسم فاعله فهي التي تتضمن الشاهد المطلوب.
إن جملة {يسبح له فيها بالغدو والآصال} جملة تامة تثير سؤالا وهو: من الذي يسبح لله فيها؟
والجواب: يسبح فيها رجال... فحذف صدر الجواب وهو فعل واستغني عنه بذكر فاعله "رجال".
(2) وقد تحذف جملة الجواب كلها، ويكتفى بذكر ما يدل عليها، منه قول الشاعر "مساور بن هند" يهجو "بني أسد":
*زعمتم أن إخوتكم قريش * لهم إلف وليس لكم إلاف*
إن الشطر الاول جملة تامة تثير سؤالا: ألسنا صادقين؟
وجوابه: "كذبتم فإن قريشا ليسوا إخوتكم" هذا الجواب محذوف لكن دل عليه ما جاء في الشطر الثاني، أي: لو كنتم إخوة قريش لكان لكم إلف كما لهم.
الإلف والإلاف: العهد والأمان الذي يؤخذ لتأمين خروج التجار من أرض إلى أرض، وقد كانت قريش لها هذا الإلاف الذي يمكنها من رحلتي الشاء والصيف، إلى الشام واليمن ومصر.
الصورة الثالثة: أن يكون بين الجملتين "كمال الانقطاع".
وهذا يكون حينما يكون بين الجملتين تباين تام، فيجب فصل الجملة التالية عن الجملة السابقة، وعدم وصلها بالواو العاطفة، بشرط أن لا يؤدي ذلك إلى إيهام غير المقصود.
وهذه الصورة تظهر في ثلاثة وجوه:
الوجه الأول:
أن تختلف الجملتان السابقة والتالية خبرا وإنشاء في لفظيهما وفي دلالتيهما مثل قول الله عز وجل في سورة (الحجرات/ 49 مصحف/ 106 نزول):
{وأقسطوا إن الله يحب المقسطين (9)}.
فالجملة السابقة {وأقسطوا} إنشائية، مصدرة بفعل أمر.

(1/463)


والجملة التالية {إن الله يحب المقسطين} خبرية في لفظها وفي معناها.
وظاهر أن بين هاتين الجملتين "كمال انقطاع" فوجب فصلهما.
الوجه الثاني:
أن تختلف الجملتان السابقة والتالية خبرا وإنشاء في دلالتيهما، ولو لم تختلفا في لفظيهما، كأن تكون الأولى خبرا في لفظها ومعناها، والثانية خبرا في لفظها إنشاء في معناها، كأن تقول: نجح ابني في امتحاناته كلها، وفقه الله. فالأولى خبرية لفظا ومعنى، والتالية خبرية لفظا إنشائية دعائية معنى.
الوجه الثالث:
أن لا يكون بين لجملتين مناسبة ما في المعنى، ولا يوجد ارتباط مابين المسند إليه فيهما، ولا بين المسند، ومنه قول الشاعر:
*إنما المرء بأصغريه * كل امرىء رهن بما لديه*
ومثل أن تعدد حكما في موضوعاته مختلفات لا ترابط بينها، كأن تقول:
"رأس الحكمة مخافة الله - لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين - ارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس - كفى بالموت واعظا".
أما الوصل مع وجود كما الانقطاع لأن الفصل يوهم خلاف المقصود، فمن أمثلته ما روي أن "هارون الرشيد" سأل وزيره عن شيء فقال:
"لا وأيد الله الخليفة" فبلغ هذا القول "الصاحب بن عباد" فقال: هذه الواو أحسن من الواوات في خدود الملاح (أي: أحسن من الشعر الذي يتدلى من الصدغ ويكون مثل الواو على الخدود).
الصورة الرابعة: أن يكون بين الجملتين "شبه كمال الانقطاع".
وهذا يكون حينما تكون الجملة التالية مسبوقة بجملتين يصح عطفها على إحداهما، ولا يصح عطفها على الأخرى، لأنه يفسد المعنى المقصود للمتكلم، فيترك العطف، ويجب حنيئذ الفصل دفعا لما قد يحدث من إيهام بالوصل بالواو.
وذكروا من أمثلة هذا القسم قول الشاعر:

(1/464)


*وتظن سلمى أنني أبغي بها * بدلا أراها في الضلال تهيم*
وقد سبق شرح هذا الشاهد.
***
القسم الثاني:
ما ينبغي فيه الوصل أو يحسن (أي: أن تعطف الجملة التالية على الجملة السابقة بالواو).
ويظهر هذا حينما تكون العلاقة بين الجملتين متوسطة تماما بين حالتي "كمال الانقطاع" و"كمال الاتصال".
ويلاحظ هذا التوسط حينما تتفق الجملتان التالية والسابقة خبرا أو إنشاء، لفظا ومعنى، أو معنى فقط، مع جامع يجمع بينهما، فتعطف التالية على السابقة إلا إذا أوهم العطف خلاف المقصود.
أمثلة:
(1) قول الله عز وجل في سورة (الانفطار/ 82 مصحف/ 82 نزول):
{إن الأبرار لفي نعيم (13) وإن الفجار لفي جحيم (14)}.
يلاحظ في هاتين الجملتين المعطوفة بالواو والمعطوف عليها توسطا بين كمال الاتصال وكمال الانقطاع، وجامعا يجمع بينهما، فالعلاقة بينهما قانون الجزاء الرباني، ذي الصورتين المتضادتين، لفريقين متضادين، هما الأبرار والفجار، إن عنوان الجزاء عنوان جامع دون اتحاد ولا شبه اتحاد، وإن التضاد لا يصل إلى مستوى التابين التام في الفكر، لأن الضد أقرب خطورا بالبال عن ذكر الضد من النظير إلى النظير، فحصل بذلك التوسط بين الكمالين، والجملتان هما أيضا خبريتان لفظا ومعنى، فحسن عطف التالية على السابقة بالواو.
(2) وقول الله عز وجل في سورة (الروم/ 30 مصحف/ 84 نزول):
{فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون (17) وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون (18) يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون (19)}.

(1/465)


إن الجمل المعطوفة على سوابقها في هذا النص ليس فيها كمال اتصال ولا شبهه، ولا كمال انقطاع ولا شبهه، مع وجود جامع يحسن العطف بالواو، إن التسبيح مغاير للحمد، لأن معنى "سبحان الله" أنزه الله عما لا يليق به من صفات، ومعنى: "الحمد لله" أثبت لله كل صفات الكمال التي تقتضي الثناء عليه بها، ومع هذا التغاير فإن بينهما تلاؤما فكريا لأنهما متكاملتان حول صفات الله عز وجل، والجملتان هما أيضا خبريتان لفظا ومعنى، فحسن عطف التالية منهما بالواو على السابقة.
وكذلك نقول في الجمل الواردة في الآية (19) إذ عطفت الثلاثة الأخيرة منها على الأولى: {يخرج الحي من الميت} لوجود التغاير بينها مع التلاؤم الفكري.
إن إخراج الميت من الحي مغاير لإخراج الحي من الميت وملائم له، إذ هما مظهران من مظاهر قدرة الرب الخالق جل وعلا، وكذلك إحياء الأرض بعد موتها، وكذلك البعث يوم الدين.
فاقتضى التوسط بين الكمالين مع التلاؤم وكونها جملا خبرية لفظا ومعنى عطفها بالواو العاطفة.
(3) وقول الله عز وجل في سورة (الأعراف/ 7 مصحف/ 39 نزول):
{يابني ءادم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين (31)}.
إن جمل {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا} معطوفة على: {خذوا زينتكم} لما بينهما من التغاير الذي يجعلها متوسطة بين الكمالين، مع التلاؤم الفكري بينها، والجمل كلها متفقة في كونها جملا إنشائية واردة إما بصيغة الأمر وإما بصيغة النهي، ومعناها جميعا على الإنشاء.
والأمثلة على هذا كثيرة من القرآن ومن السنة ومن أقوال البلغاء.
***
الجامع المسوغ للعطف بالواو بين الجمل التي لا محل لها من الإعراب

(1/466)


العلاقة الجامعة بين الجملتين فكرة تسوغ الربط بالواو، وهذه الفكرة تنتزع من أركان الإسناد بين الجملتين وتوابع هذه الأركان، وأرى أنه ليس باستطاعة الباحث أن يملك ضوابط محددة للصور التي يلاحظ فيها الجامع المسوغ للعطف، يميزها عن الصور الأخرى التي يكون الجامع فيها صعيفا لا يحسن معه العطف بالواو لدى أذكياء البلغاء.
وقد حاول السكاكي مستفيدا من دراساته المنطقية والفلسفية الواسعة، أن يقدم تصنيفا للكليات التي يمكن أن يندرج تحتها الجامع، فرأى أن الجامع، إما أن يكون عقليا، أو وهميا، أو خياليا.
* فالجامع العقلي: له عدة صور:
(1) أن يتحد في الجملتين واحد فأكثر من المسند إليه، والمسند إليه، وقيودهما.
(2) أن يتماثل في الجملتين واحد فأكثر من المسند إليه، والمسند، وقيودهما، والتماثل هو التشابه، وهو غير الاتحاد.
(3) أن تربط بين الجملتين العلاقة التي تسمى في الفلسفة مقولة "الإضافة" وهي التي يرتبط فيها فهم الشيء بفهم شيء آخر، مثل العلاقة بين الأبوة والنبوة، والعلاقة بين العلة والمعلول، والسبب والمسبب، والأسفل والأعلى، والأقل والأكثر، والبيع والشراء، والشريك مع شريكه، إلى غير ذلك.
* والجامع الوهمي: هو أن تتواصل الجملتان ببعض عناصرهما عن طريق القوة الواهمة في الذهن.
(1) فمنه أن يكون بينهما شبه تماثل، إذ الوهم من شأنه أن يرفع شبيه المتماثلين إلى مرتبة المتماثلين ويجمع بينهما لتقاربهما.
كأن يجمع بين الأبيض والأصفر لأنهما يشبهان المتماثلين، وكأن يجمع بين شديد الخضرة والسواد.
(2) ومنه أن يكون بينهما تضاد، كالسواد والبياض، والإيمان والكفر، والضحك والبكاء، والقيام والقعود، إذ من شأن القوة الواهمة أن تجمع بين الأضداد.
(3) ومنه أن يكون بينهما شبه تضاد، كالسماء والأرض، والسهل ولجبل.

(1/467)


* الجامع الخالي: هو أن تتواصل الجملتان ببعض عناصرهما عن طريق "المخيلة" في الذهن، إذ الذهن يؤلف بين المتقارنين في الخيال لأسباب مختلفة، كالقلم والقرطاس، والعقد والجيد، والمعصم والسوار، والخاتم والإصبع، والغراب والسواد، إلى غير ذلك.
***
محسنات الوصل بالعطف بالواو
إضافة إلى الجامع المسوغ للعطف بالواو بين الجمل التي لا محل لها من الإعراب توجد محسنات تحسن هذا الوصل، ومن هذه المحسنات ما يلي:
(1) أن تكون الجملتان اسميتين.
(2) أن تكون الجملتان فعليتين، ويزيد في الحسن أن يكون الفعل في كل منهما ماضيا، أو مضارعا.
هذا إذا لم يوجد داع فكري يقتضي خلاف ما سبق من محسنات، فالداعي الفكري هو الأحق بالمراعاة دواما، إذ كانت قواعد العربية تسمح بذلك.
***

(1/468)


"علم المعاني"
الباب الخامس: الإيجاز الإطناب والمساواة
ينقسم الكلام بالنظر إلى المنطوق به، وإلى معانيه من جهة نسب الكثافة بين كل منهما في مقابل الآخر إلى ثلاثة أقسام رئيسة سوية، ويأتي وراءها أقسام أخرى.
* فالأقسام السوية الثلاثة هي مايلي:
القسم الأول: الكلام المتصف بالمساواة بين ألفاظه ومعانيه مع مطابقته لمقتضى الحال.
المساواة: هي التطابق التام بين المنطوق من الكلام وبين المراد منه دون زيادة ولا نقصان.
القسم الثاني: الكلام المتصف بالإيجاز غير المخل، مع مطابقته لمقتضى الحال.
الإيجاز: كون الكلام دالا على معان كثيرة بعبارات قليلة وجيزة دون إخلال بالمراد.
القسم الثالث: الكلام المتصف بالإطناب لاشتماله على زيادة ذات فائدة، مع مطابقته لمقتضى الحال.
الإطناب: كون الكلام زائدا عما يمكن أن يؤدى به من المعاني فى معتاد الفصحاء لفائدة تقصد.
ويكون الكلام بليغا إذ وضع كل قسم من هذه الأقسام فى موضعه الملائم له، وروعي فيه مقتضى حال المتلقي.

* وأما المعيب من الكلام فى هذا الباب فيكون بواحد فأكثر من الوجوه الثلاثة التالية:
الوجه الأول: الإيجاز المخل بالمعنى المقصود بالبيان.
الوجه الثاني: الإطناب بزيادة غير ذات فائدة تقصد لدى أذكياء البلغاء، وقد يطلق عليه لفظ "الإسهاب" أو لفظ "التطويل".
ويكون الإطناب غير المفيد بأحد أمرين:
* بالتطويل دون فائدة، وطريقه أن لا يتعين الزائد فى الكلام على وجه الخصوص، كأن توجد لفظتان مترادفتان تصلح كل منهما لأن تكون هي الزائدة.
* أو بالحشو دون فائدة، وطريقه أن يكون الزائد غير المفيد فى الكلام متعينا بلفظه، كلمة فأكثر.
هذا ما توصلت إليه أنظار المحققين من أهل البلاغة والأدب حول تقسيمات الكلام من جهة النسب العامة للكثافة بين الألفاظ والمعاني.
مقتضيات استعمال كل من الأقسام السوية:
مما اتفق عليه أئمة البلاغة والأدب أن لكل قسم من أقسام الكلام الثلاثة: "المساواة - الإيجاز - الإطناب" مقتضيات أحوال تلائمه، ومناسبات تقتضيه، ودواعى بلاغية تستدعيه، وموضوعات يحسن أن يختار لها.
وفيما يلي طائفة من أقوالهم:
(1) روي أن الخليل بن أحمد الفراهيدي أحد أئمة اللغة والأدب قال: "يختصر الكتاب ليحفظ، ويبسط ليفهم".
(2) قيل لأبي عمرو بن العلاء "وهو أحد أئمة اللغة والأدب، وأحد القراء ووصف بأنه أعلم الناس بالأدب والعربية والقرآن والشعر": هل كانت العرب تطيل؟
قال "نعم، كانت تطيل ليسمع منها، وتوجز ليحفظ عنها".
(3) وروي أن جعفر بن يحيى البرمكي "أحد الموصوفين بفصاحة المنطق وبلاغة القول" قال:
"متى كان الإيجاز أبلغ كان الإكثار عيا، ومتى كانت الكفاية بالإكثار كان الإيجاز تقصيرا".
(4) وقال أحد الشعراء يثني على خطباء "إياد" كما ذكر الجاحظ:

(1/469)


*يرمون بالخطب الطوال وتارة * وحي الملاحظ خشية الرقباء*
أي: يخطبون تارة خطبا طوالا، إذا كانت حال المخاطبين تقتضي الإطالة، ويوجزون خطبهم تارة أخرى إيجازا يشبه وحي الملاحظ.
الوحي: الكلام الخفي السريع.
الملاحظ: جمع "ملحظ" وهو اللحظ أو موضعه من العين، واللحظ هو النظر بطرف العين مما يلي الصدغ، ومن المعروف أن الناس قد يتفاهمون عن طريق اللحظ، وإشارته خشية الرقباء.
(5) وقال قائل لبشار بن برد "أحد فحول الشعراء، وقد أدرك الدولتين الأموية والعباسية": إنك لتجيء بالشيء الهجين المتفاوت.
قال بشار: وما ذاك؟
قال: بينما تثير النقع وتخلع القلوب بقولك:
*إذا ما غضبنا غضبة مضرية * هتكنا حجاب الشمس أو تمطر الدما*
*إذا ما أعرنا سيدا من قبيلة * ذرا منبر صلى علينا وسلما*
نراك تقول:
*ربابة ربة البيت * تصب الخل في الزيت*
*لها عشر دجاجات * وديك حسن الصوت*
فقال بشار:
"لكل وجه وموضع، فالقول الأول جد، والثاني قلته في "ربابة" جاريتي، وأنا لا آكل البيض من السوق. و "ربابة" لها عشر دجاجات وديك، فهي تجمع لي البيض، فهذا القول عندها أحسن من (قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل) عندك".
(6) وقال الزمخشري: "كما يجب على البليغ فى مظان الإجمال أن يجمل ويوجز، فكذلك الواجب عليه فى موارد التفصيل أن يفصل ويشبع".
(7) وقالوا: "لكل مقام مقال".
(8) ومن أمثلة مراعاة مقتضيات الأحوال بكل من "المساواة والإيجاز والإطناب" ما جاء فيما حكاه الله عز وجل من قصة موسى والخضر عليهما السلام في سورة (الكهف /18 مصحف /69 نزول):

(1/470)


{قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا * قال إنك لن تستطيع معي صبرا * وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا * قال ستجدني إن شآء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا * قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا * فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا * قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا * قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا * فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا * قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا * قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا * فانطلقا حتى إذآ أتيآ أهل قرية استطعمآ أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لتخذت عليه أجرا * قال هاذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا}.
* نلاحظ فى هذا النص أن الخضر قال لموسى عليهما السلام في بدء الأمر: {إنك لن تستطيع معي صبرا}.
هذا كلام مؤكد مساو للمعنى المقصود بيانه، لا إطناب فيه ولا إيجاز.
* وحين اعترض موسى عليه السلام الاعتراض الأول على الخضر بشأن خرقه السفينة، قال له الخضر:
{ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا}.

(1/471)


هذا أيضا كلام مؤكد ومساو للمعنى المقصود بيانه، لا إطناب فيه ولا إيجاز.
وحين اعترض موسى عليه السلام الاعتراض الثاني على الخضر بشأن قتله الغلام، قال له الخضر:
{ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا}.
فأطنب إذ أضاف عبارة {لك} مع أن هذه الزيادة لا لزوم لها في الكلام المساوي، فعبارة {إنك لن تستطيع معي صبرا} بأسلوب الخطاب تدل على أن الخطاب قد وجهه الخضر، فما الداعي لأن يقول له: {ألم أقل لك}؟
أقول: إن الداعي البلاغي لهذا الإطناب هو أن موسى عليه السلام تصرف تصرف من لم يدرك أن الخطاب قد كان موجها له فيما سبق، فاعترض، فاقتضى حاله أن يقول له الخضر: إني كنت وجهت الخطاب لك بأنك لن تستطيع معي صبرا.
وحين اعترض موسى عليه السلام الاعتراض الثالث على الخضر بشأن إقامته الجدار المائل فى قرية أبى أهلها أن يضيفوهما، قال له الخضر:
{هذا فراق بيني وبينك}.
فأوجز فى كلامه، إذ طوى من اللفظ عبارة: لأنك لم تستطع معي صبرا، وقد انتهت مدة الاتفاق على مصاحبتي.
وبعد أن أبان الخضر لموسى عليهما السلام التأويل الحكيم للأحداث التي أجراها بأمر الله أو إذنه قال له:
{ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا}.
فأوجز في بيانه حتى في كلمة "تستطع" إذ قال: "تسطع" بحذف التاء التي بعد السين.
إن مقتضى الحال بعد انتهاء أجل المصاحبة، إذ لم يلتزم موسى عليه السلام بشروطها، أن يكون الكلام موجزا جدا، إذ لا داعي للإطناب ولا للمساواة، ومثل موسى عليه السلام يكفيه من الكلام عبارة: "هذا فراق بيني وبينك" فهو الخبير بإخلاله بشروط المصاحبة المتفق عليها.
مجالات استعمال الأقسام السوية

(1/472)


ذكر أساطين الأدب، وبلغاء الناس وفطناؤهم طائفة من مجالات القول التي يحسن فيها استعمال كل من أقسام الكلام الثلاثة:
"المساواة - الإيجاز - الإطناب".
وفيما يلي عرض مفصل لبعض هذه المجالات:
أولا:
مما هو متفق عليه لزوم اختيار أسلوب "المساواة" بين الألفاظ والمعاني، حتى تكون الألفاظ كالقوالب للمعاني دون زيادة ولا نقصان، في عدة مجالات من مجالات القول، منها ما يلي:
(1) متون العلوم المحررة.
(2) نصوص المواد القانونية والتشريعية.
(3) نصوص المعاهدات بين الدول.
(4) القرارات والمراسيم.
(5) بيانات أحكام الدين، ومطالب الشريعة المحددة.
(6) بيانات الحقوق والواجبات.
إلى غير ذلك ما يشبه هذه المجالات.
ثانيا:
واستحسن الأدباء والبلغاء والعلماء "الإيجاز" فى طائفة من مجالات القول، منها ما يلي:
(1) الكتب الصادرة عن الملوك والرؤساء إلى الولاة والعمال، ولا سيما في أوقات الحروب، وفى الشدائد والأزمات.
(2) الأوامر والنواهي السلطانية.
(3) كتب السلاطين بطلب الخراج وجباية الأموال وتدبير الأعمال.
(4) كتب الوعد والوعيد.
(5) الشكر على النعم التي تهدى، العوارف التي تسدى.
(6) الاستعطاف وشكوى الحال.
(7) استجداء حسن النظر وشمول العناية.
(8) الاعتذار، والتنصل من تهمة الذنب وتبعاته.
(9) العتاب بين المحبين والأصحاب.
(10) مخاطبة الأذكياء الذين يكفيهم اللمح، وتقنعهم الإشارة.
(11) المواطن التي يحسن فيها الرمز لإخفاء المقاصد عن غير من يوجه له القول، من رقباء أو ذوي فضول.
إلى غير هذه المجالات مما يشبهها.
ثالثا:
واستحسن الأدباء والبلغاء وذوو التجارب "الإطناب" وبسط الكلام والإسهاب فيه، فى عدة مجالات من القول، منها ما يلي:

(1/473)


(1) الحاجة إلى الإقناع في مشكلات القضايا الفكرية، وفي تعليم مسائل العلوم الدقيقة الخفية الصعبة الفهم.
(2) الوعظ بالترغيب والترهيب، والتحسين والتزيين، والتنفير، والتقبيح، وسوق الأمثال والقصص.
(3) الخطب فى الحماسة، وفى إثارة مشاعر الحب أو الكراهية، وفي استجلاب الرضا، أو استثارة الغضب، وذلك لأن تحريك العواطف واستثارتها يحتاج إطنابا، وبيانا مفصلا مبسوطا.
(4) كتابة التاريخ وتدوين الحوادث.
(5) الخطب في الصلح بين المتخاصمين، لإصلاح ذات البين، وتهديم ما في النفوس من ضغائن.
(6) بعض مجالات المدح لمستحقيه، بغية دفع الممدوح للاستزادة من الخير، والالتزام بالبعد عما يوجه لفاعله أو تاركه الذم بسببه.
(7) تعبيرات العشاق والمحبين عن مشاعرهم وأشواقهم.
(8) تعبيرات ذوي الأحزان والآلام عن مشاعرهم.
(9) كتب الصكوك والعقود في البيوع والمداينات ونحوها، إذ ينبغي فيها التفصيل الدقيق، لأمن الخلاف والتلاعب.
وفي الفصول الثلاثة التالية شرح وتفصيل لأقسام الكلام السوية التالية: "المساواة، والإيجاز، والإطناب".
الفصل الثاني: المساواة بين الألفاظ والمعاني الأصل في الكلام أن يؤتى به مساويا للمعاني التي يدل عليها، دون أن تكون ألفاظه زائدة ولا ناقصة.
أما القدرة على المطابقة التامة بين الجمل المنطوقة والمعاني المرادة منها، فهي من القدرات النادرة في المتكلمين من الناس، لأن الناس في النسبة العظمى منهم:
* إما أن يكونوا من ذوي القدرة على الكلام والرغبة فيه مع تمتعهم بذاكرة كلامية واسعة وفياضة، فتفيض لديهم منابع القول، وبذلك يزداد المنطوق من كلامهم عما يريدون التعبير عنه من المعاني.
وقد يصل بعض هؤلاء إلى مستوى الإسراف والتبذير في القول، والثرثة بلا طائل، وللنساء النصيب الأكبر من هذا.

(1/474)


* وإما أن يكونوا ميالين إلى قلة الكلام وإيثار الصمت إلا عند الحاجة الماسة، بسبب ضابط حكيم من عقولهم، أو بسبب شعورهم بالعجز عن استدعاء الكلمات المعبرات عما يريدون من المعاني، إذ لا تساعدهم ذاكرتهم على اختيار الكلمات المناسبات لما يريدون التعبير عنه، أو يصابون بالعى والحصر فى مواقف الرغبة أو الرهبة، أو اضطراب النفس وقلقها لأمر ما، فيتعثرون في الكلام، ويحاولون عند الحاجة إليه اختيار أقله، للدلالة عما يريدون التعبير عنه، أو تكون ألسنتهم ثقيلة الحركة يتعثر فيها النطق بحسب فطرتهم.
* لكن الذين يتحلون بالقدرة على القول الكثير، والقدرة أيضا على ضبط نفوسهم وألسنتهم عن شهوة الكلام والإطالة فيه، وعلى اختيار الكلام المساوي تماما للمعاني التي يريدون التعبير عنها دون زيادة ولا نقص، فهم القلة النادرة من الناس.
ولا يصل الواصلون إلى القدرة على هذه المطابقة إلا إذا اجتمعت لديهم عدة صفات يتضح لنا منها الصفات التاليات:
الأول: الاستعداد الفطري للتحكم بما يقولون.
الثانية: الثورة اللغوية الواسعة.
الثالثة: القدرة على حسن الاختيار والانتفاء من الكلمات وأساليب التعبير.
الرابعة: الحكمة في ضبط مسيرة القول على منهج التوسع دون وكس وشطط.
الخامسة: التدرب الطويل والممارسة، مع متابعة النظر الناقد، والتمحيص والتحسين.
وبالتتبع نلاحظ أن الكلام المطابق للمعاني التي يراد التعبير عنها به حتى يكون بمثابة القوالب لها تماما كلام نادر، وهو الأقل دواما من مجموع الكلام ومنزلته رفيعة جدا إذا كان فى الموضوعات التي يحسن أن يكون الكلام فيها مطابقا للمعاني المرادة منه تماما، لا زائدا ولا ناقصا، وهي الموضوعات التي سبق بيانها في الفصل الأول من هذا الباب.

(1/475)


إن القادر على ضبط كلامه وجعله مطابقا لما يريد من المعاني دون زيادة ولا نقصان متكلم ماهر جدا، وهو بمثابة من يمشي على طريق مطابق لحدود مواطئ قدميه تماما، إذا انحرف يمينا أو شمالا خرج عنه فأساء منحدرا أو صاعدا أو ساقطا.
ولذلك يختار لصياغة القوانين والقرارات والمعاهدات والبيانات المحددة والمواد المحررة الممحصة أمهر كتاب القوانين وصائغي نصوصها، إذ يجب أن تكون موادها مطابقة تماما للمعاني التي يراد الدلالة عليها بها، حتى لا تفسر بما ينقص عن المعاني التي حصل عليها الاتفاق، أو بما يزيد عليها، فلمفسري مواد القوانين والمعاهدات والعقود والقرارات ونحوها حيل كثيرة يغيرون بها مفاهيم نصوصها، متى وجدوا فيها ثغرات نقص أو زيادة تسمح بالتحايل والتلاعب في التفسير.
وقلما نجد في مجموع كلام كثير كلاما مساويا للمعاني المرادة منه دون زيادة ولا نقص، ولا سيما في النصوص التي تصاغ بأساليب أدبية، فالأمثلة على الكلام المساوي في النصوص الأدبية أو المطعمة بالأساليب الأدبية نادرة، قد نجدها في جمل، وفي كلام قصير، وفي بيت من الشعر، أو شطر من بيت.
ولندرة المساواة في الكلام توهم بعض الباحثين أنه لا واسطة بين الإيجاز والإطناب، وجعل القسمة ثنائية لا ثلاثية وأدخل المساواة في الإيجاز.
اختلاف مقادير الكلام في المساواة مع اتحاد المعنى المراد
من الملاحظ في أساليب الكلام العربي ذي التعبيرات المختلفات عن المعنى الواحد، أنه قد يوجد فيها تعبيران أو أكثر عن معنى واحد، ينطبق عليهما أنهما مساويان للمعنى، مع أن عدد كلمات أحدهما أكثر من عدد كلمات الآخر، فيقال لذي الكلمات الأكثر أطول، ولذي الكلمات الأقل أقصر.
إن قول القائل: "أريد أن أشرب ماء" كلام مطابق لمعناه دون زيادة ولا نقص بحسب أصول الكلام العربي.

(1/476)


فإذا قال: "أريد شرب ماء" باستعمال المصدر "شرب" بدل: "أن أشرب" المؤولان بمصدر، فقد جاء أيضا بكلام مطابق لمعناه دون زيادة ولا نقص وفق أصول الكلام العربي.
لكن العبارة الثانية أقصر بالنظر إلى أنها مؤلفة من ثلاث كلمات ملفوظة، أما الأولى فهي مؤلفة من أربع كلمات ملفوظة.
ورب كلمة تدل على معنيين فأكثر، ويكون فيها غناء عن كلمتين فأكثر، واستعمالها يقلل من طول الكلام المطابق المساوي لمعناه.
إن عبارة "مدينة" أو "قرية" مساوية في المعنى لعبارة "مباني سكنية مجتمعة" وقول القائل: "سكنت في قرية" أو "سكنت في مدينة" يساوي في المعنى قوله: "سكنت في مبان سكنية مجتمعة" وكل من التعبيرين ينطبق عليه عنوان الكلام المساوي لمعناه الذي لا زيادة فيه ولا نقصان، مع أن أحدهما مؤلف من ثلاث كلمات ملفوظة، والآخر مؤلف من خمس كلمات ملفوظة.
وبناء على هذا فباستطاعتنا أن نفصل الكلام المساوي لمعناه فنجعله ذا نسب مختلفة في الطول والقصر، كشأن القسمين الآخرين من الكلام: "الإيجاز والإطناب" كما سيأتي به البيان إن شاء الله، ففي المساوي أقصر وقصير، وطويل وأطول أحيانا.
بعد هذا أقول: إن كلا من المساوي الأقصر والمساوي القصير والمساوي الطويل والمساوي الأطول له مواضع تلائمه، ويكون فيها هو الأبلغ بحسب مقتضيات الأحوال.
فكتاب المتون المكثفة يلجؤون إلى اختيار المساوي القصير أو الأقصر، وكذلك مختزلو المقالات الطوال لتقديمها لرؤسائهم الذين تضيق أوقاتهم عن قراءة الكلام الكثير.
وشراح المتون بشروح موجزة تقتصر على حل العبارة يلجؤون إلى اختيار المساوي الطويل أو الأطول.
ملاحظتان:

(1/477)


(1) لم ينبه علماء البلاغة - فيما أعلم - على هذا التفصيل للكلام المطابق المساوي لمعناه، لتعذر رسم حدود له، إلا أنني رأيت أن من المناسب التنبيه عليه، لبيان أن لكل من أقسام الكلام المساوي مواضع تلائمه، ومقتضيات أحوال من المستحسن اختياره لها.
(2) قد يلتبس المساوي القصير أو القصر بقسم: "إيجاز القصر" الآتي بيانه - إن شاء الله - إلا أن باستطاعتنا التفريق بأن "إيجاز القصر" يختص بجوامع الكلم الذي تختار فيه الكليات العامة، بدلالاتها الشاملات، وتكون عباراته بوجه عام مما لا ينطبق عليها عنوان "المساواة" فإيجاز القصر قد يفيض بمعان كثيرة، تحتاج شروحا وتفصيلات بكلام كثير جدا.
أمثلة:
أورد البلاغيون أمثلة من الكلام الذي رأوا أنه يتصف بالمساواة بينه وبين المعاني المرادة منه، دون أن يتبعوها بدراسات تحليلية كاشفات، وليس من المستبعد أن يكون بعض ما أوردوه منها عرضة لاحتمالات كونه مما ينطبق عليه عنوان: "الإيجاز" لا عنوان المساواة أو ينطبق على بعض عناصره عنوان: "الإطناب" والكاشف لذلك الدراسة التحليلية الشاملة للنص بكل جمله وعناصرها.
والمهم أن نقول: إن من الكلام ما ينطبق عليه عنوان المساواة حتما، ولو كانت الأمثلة منه ذات النصوص الطويلة نادرة، ولا تخلو من اعتراضات وإشكالات قد تجعلها أمثلة غير مطابقة لما سيقت له.
فمن الأمثلة على الكلام المتصف بالمساواة ما يلي:
المثال الأول:
قول الله عز وجل في سورة (فاطر / 35 مصحف / 43نزول) على ما أورد القزويني في التلخيص:
{ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله...} [الآية:42].
يحيق: أي: يحيط. الحوق: الإطار المحيط بالشيء المستدير حوله.

(1/478)


المكر السيئ: أي: التدبير الخفي الموصوف بأنه سيئ لأنه استخدم في الشر لا في الخير، فليس كل مكر سيئا، إذ من المكر ما هو مكر في الخير، وهو عندئذ يكون مكرا حسنا لا سيئا.
إلا بأهله: أي إلا بأصحابه المدبرين له، أو إلا بالمستحقين له.
دلت هذه العبارة القرآنية على أن إحاطة المكر السيئ إحاطة تامة لا تكون إلا بأصحابه المدبرين له، أو المستحقين له.
لكن هذا المثال قابل للمناقشة من وجهين:
الوجه الأول: أن كلمة [يحيق] فى اللغة تدل على معنى الإحاطة، وقد فهم المفسرون منها مع معنى الإحاطة معنى الإصابة والنزول، وهذه الزيادة إنما فهموها من دلالات لزومية فكرية، خارجة عن المعنى المطابقي لفعل "يحيق" وبناء على هذا يكون المثال مما يندرج تحت عنوان: "الإيجاز" الذي اعتمد فيه على الدلالة اللزومية، ولا يندرج تحت عنوان: "المساواة" التي فيها تطابق تام بين اللفظ والمعنى بحسب الأوضاع اللغوية.
الوجه الثاني: أن عبارة [بأهله] ذات احتمالين:
* فهل المراد منها أصحاب المكر المدبرون له؟
* أو المراد منها المستحقون له، سواء أكانوا هم المدبرين له، أوهم ومعهم الذين دبر ضدهم، إذا كان هؤلاء أصحاب شر أيضا يستحقون أن يحيق بهم المكر السيئ؟. فإذا كان المراد هذا المعنى الثاني فالعبارة تشتمل على إيجاز القصر باستخدام لفظ ذي معنى كلي صالح لنوعين: مدبري المكر، ومستحقيه من غيرهم.
المثال الثاني:
قول النابغة الذبياني من قصيدة يمدح بها "النعمان بن المنذر" ملك الحيرة، على ما أورد القرويني في التخليص:
*فإنك كالليل الذى هو مدركي * وإن خلت أن المنتأى عنك واسع*
مدركي: أي: بالغ إلي ومحيط مهما فررت منه.
خلت: أي: ظننت.

(1/479)


المنتأى: أي: مكان الابتعاد.
والمعنى: فإنك - أيها الملك - بسبب قدرتك على الوصول إلى القبض علي، والإمساك بي تشبه الليل الذي هو مدركي لا محالة أينما فررت منه قاصدا أي مكان من الأرض.
هذا واقع حالي بالنسبة إلى قدرتك على الظفر بي، وإن ظننت أن مكان الابتعاد عن جنود سلطانك في البلاد مكان واسع أجد فيه مفرا منهم.
لكن هذا المثال قابل للمناقشة أيضا من وجوه:
الوجه الأول: أن استخدام "النابعة" أسلوب تشبيه "النعمان" بالليل في قدرته على الظفر بمن يطلبه من قومه أسلوب أوجز فيه كلاما طويلا فهو مثال يصلح للإيجاز لا للمساواة.
الوجه الثاني: من الملاحظ أن "النابغة" خاطب الملك بكاف الخطاب، وهو يريد سلطته عن طريق جنوده، إذ هو بشخصه لا يستطيع أن يدرك النابغة لو أراد الفرار منه، وهذا من إطلاق السبب وإرادة المسبب، فهو من المجاز المرسل أحد العناصر التي تستخدم للإيجاز، والتقدير فإن سلطتك التي تستخدم فيها جنودك الكثيرين كالليل الذي هو مدركي، وهذا إيجاز بالحذف.
الوجه الثالث: بالغ النابغة فشبه "النعمان" بالليل، فزاد عما يريد التعبير عنه من أن الملك قادر على أن يوجه أوامره فتلحق جنوده بمن يفر منه فتقبض عليه، وهذه الزيادة ذات فائدة، فهي من الإطناب الحسن.
الوجه الرابع: أن الشطر الأول من البيت كاف للدلالة على مقصوده، إلا أنه زاده تأكيدا بقوله فى الشطر الثاني: "وإن خلت أن المنتأى عنك واسع" وهذا إطناب بزيادة مفيدة.
المثال الثالث:
قول الله عز وجل في سورة (الروم/ 30 مصحف/ 84 نزول).
{من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون}.

(1/480)


يقرب هذا المثال من أن يكون مثالا صالحا للمساواة، إلا أن استعمال عبارة: {فعليه كفره} تصلح لأن تكون مثالا للإيجار بالحذف، إذ التقدير: فعليه ينزل عقاب كفره.
وكذلك عبارة: {فلأنفسهم يمهدون} إذ تقديرها: فلخير أنفسهم، أو لمصلحة أنفسهم يمهدون.
يضاف إلى هذا أن عبارة {ومن عمل صالحا} فيها إيجاز بالحذف أيضا، إذ التقدير: ومن عمل عملا صالحا هو ثمرة إيمان صحيح.
المثال الرابع:
قول الله عز وجل فى سورة (الطور/ 52 مصحف/ 76 نزول):
{كل امرىء بما كسب رهين}.
أي: كل امرئ محبوس بما كسب.
هذا المثال مع قربه لأن يكون مثالا صالحا للمساواة، إلا أننا نجد فيه لدى التحليل إيجازا بالحذف، إذ التقدير: كل امرئ كسب إثما فهو بما كسب منه محبوس حتى يحاسب على ما كسب ويجازى، أو يغفر الله له.
المثال الخامس:
قول الله عز وجل في سورة (النساء/ 4 مصحف/ 92 نزول) خطابا للمؤمنين الذكور حول المواريث:
{ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بهآ أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بهآ أو دين...} [الآية:12].
نظرت في هذا النص فوجدت معظمه صالحا لأن يكون مثالا للمساواة، إلا أن من الملاحظة فيه أن عبارة: {من بعد وصية} الواردة فيه مرتين تشتمل على إيجاز بالحذف، إذ التقدير: من بعد عزل وصية أو من بعد تنفيذ وصية.
المثال السادس:
قول الله عز وجل في سورة (النساء) أيضا:

(1/481)


{ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذالك الفوز العظيم}.
يبدو أن هذا النص صالح لأن يعتبر مثالا للمساواة، إذ لم ألاحظ فيه عبارة فيها إيجاز، ولا عبارة هي من قبيل الإطناب. إلا أن يقال: إن المراد من عبارة {تجري من تحتها} تجري من تحت قصورها، أو تجري من تحت فروع أشجارها.
وقد يجاب بأن {جنات} يطلق على الساترات من الأشجار والقصور لا على الأرض من تحتها، فتكون الأنهار الجاريات على أراضيها جاريات من تحتها، ولا حاجة إلى تقدير مضاف محذوف.
المثال السابع:
وذكروا من أمثلة الكلام الموصوف "بالمساواة" قول الشاعر:
*ولما قضينا من منى كل حاجة * ومسح بالأركان من هو ماسح*
*وشدت على دهم المطايا رحالنا * ولم ينظر الغادي الذي هو رائح*
*أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا * وسالت بأعناق المطي الأباطح*
المثال الثامن:
وذكروا منها أيضا قول أبي نواس الذي قال "الجاحظ" بشأنه: لا أعرف شعرا يفضله:
*ودار ندامى عطلوها وأدلجوا * بها أثر منهم: جديد ودارس*
*مساحب من جر الزقاق على الثرى * وأضغاث ريحان: جني ويابس*
*حبست بها صحبي فجددت عهدهم * وإني على أمثال تلك لحابس*
*تدار عليها الراح في عسجدية * حبتها بأنواع التصاوير فارس*
قرارتها كسرى وفي جنباتها * مها تدريها بالقسي الفوارس*
*فللراح ما زرت عليه جيوبها * وللماء ما دارت عليه القلانس*

(1/482)


لكن هذين المثالين الأخيرين يحتاجان إلى دراسة تحليلية للتحقق من انطباق عنوان "المساواة" عليهما.
الفصل الثالث: الإيجاز
التعريف
الإيجاز لغة: اختصار الكلام وتقليل ألفاظه مع بلاغته، يقال لغة: أوجز الكلام إذا جعله قصيرا ينتهي من نطقه بسرعة.
ويقال: كلام وجيز، أي: خفيف قصير. ويقال: أوجز في صلاته إذا خففها ولم يطل فيها.
فالمادة تدور حول التخفيف والتقصير، وفي الحديث أن رجلا قال للرسول صلى الله عليه وسلم: عظني وأوجز، أي: قل لي كلاما خفيفا قصيرا أحفظه عنك فيه موعظة لي.
روى الإمام أحمد بسنده عن أبي أيوب الأنصاري قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: عظني وأوجز. فقال:
"إذا قمت في صلاتك فصل صلاة مودع، ولا تكلم بكلام تعتذر منه غدا، وأجمع الإياس مما في أيدي الناس".
فوعظه الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه الفقرات الثلاث، وأوجز له فيها.
الإيجاز في اصطلاح البلاغيين: هو التعبير عن المراد بكلام قصير ناقص عن الألفاظ التي يؤدى بها عادة في متعارف الناس، مع وفاة بالدلالة على المقصود.
أو نقول: هو صياغة كلام قصير يدل على معنى كثير واف بالمقصود، عن طريق اختيار التعبيرات ذات الدلالات الكثيرات، كالأمثال والكليات من الكلمات، أو عن طريق استخدام مجاز الحذف، لتقليل الكلمات المنطوقة، والاستغناء بدلالة القرائن على ما حذف، أو عن طريق استخدام ما بني على الإيجاز في كلام العرب، كالحصر، والعطف، والضمير، والتثنية، والجمع، وأدوات الاستفهام، وأدوات الشرط، وألفاظ العموم، وغير ذلك.
فإذا لم يكن الكلام وافيا بالدلالة على المقصود كان الإيجاز فيه إيجازا مخلا، إذ رافق التقصير في الألفاظ تقصير في المعنى الذي أراد المتكلم التعبير عنه.

(1/483)


قالوا: ومن أمثلة التعبير بكلام قصير فيه إخلال بأداء المعنى المراد قول "الحارث بن حلزة اليشكري" هو شاعر جاهلي من أهل بادية العراق، وهو أحد أصحاب المعلقات:
*عش بجد لا يضرك النوك ما أوليت جدا*
*والعيش خير في ظلال النوك ممن عاش كدا*
بجد: أي: بحظ من الدنيا، كالنعمة والسعة.
لا يضرك: أي: لا ينزل بك ضررا، من "ضاره يضيره".
النوك: الحماقة من قلة العقل.
قال في البيت الأول: إذا كان لك حظ من الدنيا يسعدك وكنت أحمق فعش بحظك فإن حماقتك لا تضيرك.
وقال في البيت الثاني: والعيش مع الحظ السعيد في ظلال النوك (=الحمق) خير ممن عاش عيشا كدا مضنيا بعقل ورشد دون أن يكون محظوظا بما يسعده في دنيا.
لكن هذا المعنى الذي أراده لا تدل عليه عبارات البيت الثاني مهما تكلفنا في استخراج اللوازم الذهنية، لكثرة المحاذيف فيه، مع عدم وجود قرائن تدل عليها، ولولا البيت الأول لصعب جدا إدراك مراده، فهو من الإيجاز المخل.
ولدى إبراز المحاذيف نقول: والعيش بجد في ظلال النوك خير ممن عاش عيشا كدا غير محظوظ في ظلال العقل والرشد.
ومن أمثلة الإيجاز المخل على ما قالوا قول "عروة بن الورد بن زيد العبسي" هو شاعر جاهلي، كان من فرسان قومه وأجوادهم:
*عجبت لهم إذ يقتلون نفوسهم * ومقتلهم عند الوغى كان أعذرا*
قالوا: أراد إذ يقتلون نفوسهم في السلم من غير حرب، فحذف عبارة: "في السلم" وهذا من الإيجاز المخل.

(1/484)


أقول: لقد استغنى بدلالة الشطر المقابل، إذ قيد القتل الذى يعذر به القتيل بأن يكون عند الوغى، أي: عند الحرب، وهذه قرينة كافية لمثل هذا الحذف، قتقابل التضاد ذو دلالة قوية، وقرينته تدل على المحذوف في مقابله بسهولة، وله نظائر في القرآن المجيد.
وذكروا من أمثلة الإيجاز المخل قول الشاعر:
*أعاذل عاجل ما أشتهي * أحب من الأكثر الرائش*
الرائش: بمعنى المعين، والمنعش، والمغني بالمال الوفير.
يريد أن يقول: إن عاجل ما يشتهي مع قلته أحب إلى نفسه من المؤجل وإن كان كثيرا منعشا مغنيا.
فحذف محاذيف لا تستخرج إلا بصعوبة، فهو من الإيجاز المخل على ما ذكروا.
(2)
تقسيم الإيجاز
الإيجاز السوي ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: "إيجاز القصر" وهو الإيجاز الذي لا يعتمد فيه على استخدام الحذف.
القسم الثاني: "إيجاز الحذف" وهو الإيجاز الذي يكون قصر الكلام فيه بسبب استخدام حذف بعض الكلام اكتفاء بدلالة القرائن على ما حذف.
(3)
شرح إيجاز القصر
سبق بيان أن "إيجاز القصر" هو الإيجاز الذي لا يعتمد فيه على استخدام الحذف.
ولكن كيف يكون "إيجاز القصر" هذا؟.
لقد جاء في وصف خاتم المرسلين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم: أنه أوتي جوامع الكلم، ونجد في أقواله أمثلة كثيرة جدا ينطبق عليها عنوان "إيجاز القصر" ألفاظها قليلة، ومعانيها غزيرة، دون أن يكون فيها ما يدل على كلام مطوي محذوف من اللفظ، مشار إليه بقرينة من قرائن المقال، أو قرائن الحال، أو الاقتضاء العقلي.
وفي القرآن أمثلة رائعة وكثيرة جدا، يرى فيها متدبر وكتاب الله المجيد قصرا في ألفاظها، وثروة واسعة في معانيها ودلالتها، مع أنها لا تطوي في مثانيها محاذيف، بل جاءت ثروة المعاني من منطوق الألفاظ المختارة بعناية فائقة.

(1/485)


ولعلنا بنظرة تحليلية متأنية فاحصة نكتشف أسباب قصر العبارات وغزارة المعاني.
أولا: من الملاحظ أن متتبع الجزئيات بالبحث والتأمل يكتشف صفاتها أفرادا، ثم بعد أن يجمع في نفسه أو في سجلاته صفات هذه الجزئيات يلاحظ أنها قد تشترك جميعا في بعض الصفات التي وجدها فيها، فإذا أراد أن يتحدث عما اكتشفه فأمامه طريقان:
* إما أن يفصل فيذكر كل جزئية ويعدد صفاتها، لكنه في هذا التفصيل سيجد نفسه مضطرا أن يكرر بعض هذه الصفات مع ذكر كل جزئية، وعندئذ يطول معه حبل الكلام طولا مملا مكروها.
* وإما أن يلجأ إلى اختيار عبارة كلية شاملة موجزة مختصرة قليلة الكلمات تدل على أن جميع الجزئيات التي تتبعها ويدل عليها لفظ "كذا" تتصف بصفة "كذا وكذا".
وهنا نلاحظ أن "القصر" في التعبير قد جاء من جمع الجزئيات التي تتبعها بلفظ عام يشملها، ووصفها جميعا بالوصف الذي رآها تتصف به، فيقول مثلا دارس طبائع بعض الحيوانات:
"الثبات والسطو في الأسود، والغدر في النمور، والحيلة في الثعالب، والهمة والخيلاء في الخيل، والجلد في البغال، والبلادة في الحمير".
وبهذا يكون قد أوجز في عباراته، إذ جمع تفصيلات كثيرات، دون أن يقدر في كلامه محاذيف، وكانت وسيلته في هذا الإيجاز استخدام العبارات ذوات الدلالات الكليات الشاملات.
ثانيا: وقد يجد منشئ الكلام أن ما يريد الحديث عنه له صفات كثيرات يحتاج تفصيلها إلى بيان طويل قد يكتب في صفحات أو كراسات أو أكثر من ذلك.

(1/486)


ثم ينظر في مخزونات معارفه فيرى صورة من صور الكون مثلا، أو طائفة من المعلومات الجزئية مجتمعة في إطار واحد له عنوان خاص يدل على المحاط به، ويلاحظ أن ما يريد الحديث عنه متشابه لهذه الصورة، أو لما أحيط بهذا الإطار ذي العنوان الخاص، فيهتبلها فرصة يوفر بها على نفسه كلاما طويلا؛ إذ يبين أن ما يريد التحدث عن صفاته مشابه لهذه الصورة، أو لما أحيط بهذا الإطار، ثم إن المتلقي يتتبع تفصيل الصفات عن طريق النظر في العناصر المتشابهة بين المشبه والمشبه به، وهذه إحدى الفوائد الثمينة من ضرب الأمثال.
فإذا قال المتحدث: لما ألقى الأمريكيون القنبلة الذرية على المدينة اليابانية "هيروشيما" صارت هذه المدينة كلها كما لو تفجرت ألف ألف قنبلة فنثرت رمادا ودخانا في الجو.
فإنه قد اختصر تفصيلات المشهد العظيم كله بهذه العبارة التمثيلية.
وبهذا يكون قد أوجز في عبارته، إذ جمع تفصيلات كثيرات، دون أن يقدر في كلامه محاذيف، وكانت وسيلته في هذا الإيجاز استخدام أسلوب التشبيه وضرب المثل.
ثالثا: وقد يجد منشئ الكلام أنه يحتاج إلى عدد من الكلمات أو العبارات حتى تؤدي معنى من المعاني، ثم يرى أن باستطاعته أن يختار كلمة واحدة، أو عبارة ما قصيرة، تستدعي بطبيعة معناها لوازم فكرية، يستطيع المتلقي أن يكتفي بها عن الكلمات أو العبارات المتعددات إذا جاءت بديلا في الكلام.
عندئذ يعدل إلى اختيار الكلمة أو العبارة ذات اللوازم الفكرية، مستغنيا بها عن كلام طويل، ليوجز في كلامه ويجعله قصيرا مع غزارة في معانيه.

(1/487)


فمن الأمثلة نلاحظ أن كلمة "الذكر" المختارة للتعبير بها عن القرآن في كثير من نصوص الكتاب العزيز تغني بلوازمها الفكرية عن جملة كلمات أو عبارات تتضمن المعاني التالية "تبليغ القرآن - وجوب تلقيه عن المبلغ - وجوب فهمه وتدبره - وجوب حفظه - وجوب جعله حاضرا في الذاكرة ليرجع إلى نصوصه عند كل مناسبة داعية لمعرفة دين الله وأحكامه".
كل هذه المعاني فهمناها باللزوم الذهني، لأنه لا يكون ذكرا دواما ما لم يكن مسبوقا بالتبليغ والتلقي والفهم والتدبر والحفظ فمن استوفى كل هذه الأمور كان القرآن بالنسبة إليه ذكرا، وإلا كان متروكا منسيا.
فأغنت كلمة واحدة ذات لوازم ذهنية عن عدد من الكلمات أو العبارات، دون أن يقدر في الكلام محاذيف، والوسيلة هنا في هذا الإيجاز الاستغناء بما تعطيه اللوازم الفكرية، وحسن انتقاء الكلمات التي تدل على اللوازم الفكرية المطلوبة.
بهذه النظرات التحليلية استطعنا أن نكشف أسبابا ثلاثة نستطيع بوساطتها أن نجعل الكلام قصيرا موجزا، مع دلالته على معان غزيرة كثيرة، دون الحاجة إلى تقدير محاذيف حذفت من منطوق اللفظ وبقيت مقدرة فيه ذهنا.
وتلخيص هذه الأسباب الثلاثة فيما يلي:
السبب الأول: اختيار الألفاظ والتعبيرات الكلية، ذوات الدلالات العامات الشاملات.
السبب الثاني: الاستغناء عن التفصيلات الكثيرات بالأمثال والتشبيهات التي تدل فيها الأشباه والنظائر على مقابلاتها، إذ يدل الممثل به الجامع لصور وصفات ومعان كثيرة على صور وصفات ومعان موجودة في الممثل له.
السبب الثالث: الاستغناء بما تعطيه اللوازم الفكرية لعبارة، عن ذكر كلام ذي دلالات مباشرات تدل بالمطابقة على هذه اللوازم.
أمثلة على "إيجاز القصر"
المثال الأول:
قول الله عز وجل في سورة (الزلزلة/ 99 مصحف/ 93 نزول):

(1/488)


{فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره}.
وصف الرسول صلى الله عليه وسلم هذا القول بأنه فاذ جامع، فقد روى البخاري عن أبي هريرة أن الرسول تحدث عن اقتناء الخيل فقسمها ثلاثة أقسام، وشرحها، وبعد ذلك سئل عن الحمر فقال:
"ما أنزل علي فيها إلا الآية الفاذة الجامعة": {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره}.
جعل الآيتين لترابطهما بمثابة الآية الواحدة، ووصفها بأنها فاذة، وبأنها جامعة.
* أما كونها فاذة فمعناه أنها منفردة فيما دلت عليه من معنى، لم يأت في القرآن نظيرها بهذا الإيجاز الجامع.
* وأما كونها جامعة فمعناه أنها شاملة عامة تتناول كل عمل صغيرا كان أو كبيرا خيرا كان أو شرا، فهي من جوامع الكلم.
إن هذا البيان القرآني على قصره وقلة كلماته يدل على معان يمكن أن تفصل وتشرح بسفر، لما جاء فيها من اختيار الألفاظ ذوات الدلالات العامات الشاملات.
(1) كلمة "من" من ألفاظ العموم، فهي تعطي دلالة كلية عامة تشمل كل مكلف، وهي اسم شرط جازم.
(2) وفعل الشرط "يعمل" يشمل كل عمل إرادي من الأعمال الظاهرة والباطنة.
(3) وعبارة "مثقال ذرة" عبارة ذات شمول يبدأ من أصغر الأعمال وأقلها عددا، وينطلق دون حدود عظما وعددا كثيرا.
(4) وكل من كلمتي: "خيرا" و "شرا" تمييز على تقدير "من" وهو منكر، فهو يفيد العموم الذي يشمل كل خير وكل شر ظاهر أو باطن.
(5) وكلمة: "يره" التي هي جواب الشرط تدل على حتمية رؤية عمله الذي كان عمله في الدنيا، إذ يراه في كتاب أعماله مسجلا بالصورة والصوت والخواطر والنيات.

(1/489)


هذا من أبدع وأعجب "إيجاز القصر" وطريقه اختيار الألفاظ والتعبيرات ذوات الدلالات العامات الشاملات.
المثال الثاني:
قول الله عز وجل في سورة (البقرة/ 2 مصحف/ 87 نزول):
{ولكم في القصاص حياة ياأولي الألباب لعلكم تتقون}.
إن جملة: {ولكم في القصاص حياة} من أبدع وأتقن "إيجاز القصر" الذي لا حذف فيه، إنما فيه حسن انتقاء الكلمات، مع اتقان الصياغة، فهي على قصرها وقلة ألفاظها تدل على معنى كثير جدا.
وطريق الإنجاز فيها اختيار الألفاظ ذوات الدلالات العامات الشاملات.
وقد اشتغل البلاغيون في تحليل هذه العبارة القرآنية لاكتشاف عناصر إيجازها البديع المتقن، ولمقارنتها بما كان لدى فصحاء العرب من عبارة مناظرة كانوا يرددونها ويعتبرونها من أقصر الكلم وأوجزه، وهي قولهم: "القتل أنفى للقتل".
وأعرض فيما يلي أبرزها مع إضافات تحليلية من عندي:
(1) إن كلمة "القصاص" كلمة عامة تشمل القتل بالقتل، والقطع بالقطع، والجروح بالجروح، وتدخل فيها كل تفصيلات الجنايات مما يتعلق بذوات الأحياء من الناس، أنفسهم فما دون ذلك.
(2) وإن كلمة "حياة" تشمل حياة النفس، وحياة كل بعض من أبعاض الجسد الذي إذا انقطع مات، فيكون حاله كحال كل الجسد إذا ماتت النفس.

(1/490)


وتنكير لفظ "حياة" يدل على أصل بقاء الحياة للنفس، ويدل على نوع نفيس من أنواع الحياة يتمناه الأحياء، وهو نوع الحياة الآمنة، التي لا خوف فيها ولا قلق، والذي يتحقق بتقرير حكم القصاص وتنفيذه، وذلك لأن من تحدثه نفسه بالعدوان على فرد أو أكثر من أفراد المجتمع في كل النفس، أو في بعض أعضاء الجسد، فإن خوفه من القصاص يروعه فيكف عن ارتكاب الجريمة، وبهذا تقل جرائم القتل والقطع والجروح في المجتمع إلى أدنى الحدود، فيعيش أفراد المجتمع مطمئنين حياة آمنة.
وبالمقارنة بين العبارة القرآنية: {ولكم في القصاص حياة} وبين أوجز عبارة مشابهة كان العرب يرددونها، وهي قولهم: "القتل أنفى للقتل" ظهر ما يلي:
(1) إن حروف العبارة القرآنية: {في القصاص حياة} أقل من عبارة العرب: "القتل أنفى للقتل".
(2) العبارة القرآنية ذكرت "القصاص" فعمت كل ما تقابل به الجناية على الأنفس فما دون الأنفس من عقوبة مماثلة، وحددت الأمر بأن يكون عقوبة لعمل سبق، ودلت على مبدأ العدل.
أما عبارة العرب فقد ذكرت القتل فقط، ولم تقيده بأن يكون عقوبة، ولم تشر إلى مبدأ العدل، فهي قاصرة وناقصة.
(3) العبارة القرآنية نصت على ثبوت الحياة بتقرير حكم القصاص.
أما عبارة العرب فذكرت نفي القتل، وهو لا يدل على المعنى الذي يدل عليه لفظ "حياة".
(4) العبارة القرآنية خالية من عيب التكرار، بخلاف الأخرى.
(5) العبارة القرآنية صريحة في دلالتها على معانيها، مستغنية بكلماتها عن تقدير محاذيف.
بخلاف عبارة "العرب" فهي تحتاج إلى عدة تقديرات حتى يستقيم معناها، إذ لا بد فيها من ثلاثة تقديرات، وهي كما يلي:
"القتل" قصاصا "أنفى من تركه "للقتل" عمدا وعدوانا.
(6) في العبارة القرآنية سلاسة، لاشتمالها على حروف متلائمة سهلة التتابع في النطق.

(1/491)


أما عبارة "العرب" ففيها تكرير حرف القاف المتحرك بين ساكنين، وفي هذا ثقل على الناطق.
(7) في العبارة القرآنية من البديع "الطباق" بين لفظتي: القصاص والحياة.
(8) العبارة القرآنية خالية من عيب إيهام التناقض، إذ الموضوع تشريع لا يحتمل مثل هذا الإيهام الذي قد يحسن في موضع آخر، كالمدح والذم.
فظاهر عبارة "القتل أنفى للقتل" متناقض، ولا يستقيم المعنى، إلا بملاحظة المقدرات المحذوفة من اللفظ.
إلى غير ذلك من دقائق يكشفها المحلل الخبير بتحليل دلالات الكلام.
المثال الثالث:
قول الله عز وجل لرسول في سورة (الحجر/ 15 مصحف/ 60 نزول):
{فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين}.
إن جملة {فاصدع بما تؤمر} موجزة العبارة، لكنها تدل على معان كثيرة، وقد ذكرها "ابن أبي الإصبع" من أمثلة "الإيجاز" ونبه على ما في عبارة {فاصدع} من دقائق، فقال:
"المعنى: صرح بجميع ما أوحي إليك، وبلغ كل ما أمرت ببيانه، وإن شق بعض ذلك على بعض القلوب فانصدعت".
وأشار إلى أن استعمال {فاصدع} هنا هو استعمال على سبيل الاستعارة، ومعلوم أن الاستعارة عمادها التشبيه، فشبه تأثير التصريح في القلوب الكارهة للبيانات الدينية، بالضرب على الزجاج الذي ينصدع دون أن يتكسر ويتفرق، فتابع قائلا:
"والمشابهة بينهما فيما يؤثره التصريح في القلوب، فيظهر أثر ذلك على ظاهر الوجوه من القبض والانبساط، وما يلوح عليها من علامات الإنكار والاستبشار، كما يظهر على ظاهر الزجاجة المصدوعة.
فانظر إلى جليل هذه الاستعارة، وعظم إيجازها، وما انطوت عليه من المعاني الكثيرة".
وحكي أن بعض الأعراب لما سبمع هذه الآية سجد، وقال سجدت لفصاحة هذا الكلام.

(1/492)


أقول: إن إيجاز هذه الجملة القرآنية: "إيجاز قصر" وطريقه التشبيه الذي جاء بأسلوب الاستعارة، و "إيجاز حذف" إذ في العبارة حذف المفعول به لفعل "تؤمر" والتقدير: فاصدع بما تؤمر أن تبلغه للناس.
المثال الرابع:
قول الله عز وجل في سورة (الأعراف/ 7 مصحف/ 39 نزول) خطابا لرسوله فكل داع إلى سبيل ربه:
{خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين}.
في هذه الآية إيجاز عجيب، إذ تتألف من كلمات معدودات، إلا أنها تدل على معان كثيرة.
وطريق الإيجاز فيها استخدام التعبيرات الكلية ذوات الدلالات العامات الشاملات، والاستغناء بما تعطيه اللوازم الفكرية.
وقد شرحت هذا النص وآيات ثلاثا بعده في كتاب "أمثال القرآن وصور من أدبه الرفيع" فلا داعي لإعادة شرحه هنا.
المثال الخامس:
قول الله عز وجل في سورة (هود/ 11 مصحف/52 نزول) في عرض لقطات من قصة نوح وقومه:
{وقيل ياأرض ابلعي مآءك وياسمآء أقلعي وغيض المآء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين}.
قالوا في هذه الآية من الإيجاز ما يعجز البيان عن استيفاء تحليله وشرحه، فقد أمر فيها ربنا ونهى، وأخبر، ونادى، ونعت، وسمى، وأهلك وأبقى، وأسعد، وأشقى، وقص من الأنباء ما حقق به الغاية القصوى من البيان.
وطريق الإيجاز فيها التعبيرات الكلية العامة، والاستغناء بما تعطيه اللوازم الفكرية.
وقد شرحت هذه الآية في كتاب "نوح عليه السلام وقومه في القرآن المجيد".
المثال السادس:
قول الله عز وجل في سورة (النمل/ 27 مصحف/48 نزول) في عرض لقطات من قصة سليمان وجنوده:

(1/493)


{حتى إذآ أتوا على واد النمل قالت نملة ياأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون}.
قالوا: إن التعبير عن قول النملة قد جمع ثلاثة عشر جنسا من الكلام:
(النداء - الكناية في "أي" - التنبيه في "ها" - التسمية في (النمل) - الأمر - القصة في "مساكنكم - النهي التحذيري - التخصيص في "سليمان" - التعميم في "وجنوده" - الكناية بالضمير في مواضع - العذر في "وهم لا يشعرون" - التأكيد في "لا يحطمنكم" - الإيجاز بالعطف -).
وفي أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم من هذا الإيجاز الشيء الكثير.
ونجد أيضا في أقوال فصحاء العرب، وبلغاء الأدباء والكتاب أمثلة كثيرة. وفيما أوردته من أمثلة قرآنية كفاية.
(4)
شرح "إيجاز الحذف"
سبق بيان أن "إيجاز الحذف" هو الإيجاز الذي كون قصر الكلام فيه بسب استخدام حذف بعضه، اكتفاء بدلالة القرائن على ما حذف.
إن من طبيعة البلغاء والمتحدثين الأذكياء أن يحذفوا من كلامهم ما يرون المتلقي له قادرا على إدراكه بيسر وسهولة، أو بشيء من التفكير والتأمل إذا كان أهلا لذلك.
والسبب في هذا أن الإسراف في الكلام لا يليق برزانة ورصانة أهل العقل والفكر الحصيف، بل هو من صفات الثرثارين وأهل الطيش والخفة، وهو في الغالب من طبائع النساء.
وقد سمى "ابن جني" الحذف شجاعة العربية، وقال: "عبد القاهر الجرجاني": "ما من اسم حذف في الحالة التي ينبغي أن يحذف فيها إلا وحذفه أحسن من ذكره".
وأعالج شرح "إيجاز الحذف" من خلال ثلاثة مباحث مع الأمثلة.
المبحث الأول: فوائد الحذف.
المبحث الثاني: شروط الحذف.
المبحث الثالث: أنواع الحذف.
وفيما يلي التفصيل والشرح.
أولا - فوائد الحذف:

(1/494)


ذكر الباحثون في هذا المجال إحدى عشرة فائدة أجمعها في "تسع" إذا تحققت واحدة منها فأكثر دون الإساءة إلى المعنى المراد فالحذف بشروطه عمل بليغ، ومسلك في الكلام رشيد.
الفائدة الأولى: الاختصار اقتصادا في التعبير، واحترازا عن البعث، عند تحقق المطلوب بظهور المعنى المراد لدى المتلقي، ككون المذكور لا يصلح إلا للمحذوف، ومنه حذف المبتدأ إذا كان الخبر من الصفات التي لا تصلح إلا لله عز وجل، وككون المحذوف حتى يكون ذكره وحذفه سواء.
الفائدة الثانية: التنبيه على أن الوقت مع الحدث لا يتسع للتصريح بالمحذوف من اللفظ، أو أن الاشتغال بالتصريح به يفضي إلى تفويت أمر مهم، وتظهر هذه الفائدة كثيرا في باب "التحذير والإغراء" ومنه ما في قول الله عز وجل في سورة (الشمس/ 91 مصحف/ 26 نزول) المشتمل على قول صالح عليه السلام لقومه:
{كذبت ثمود بطغواهآ * إذ انبعث أشقاها * فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها}.
فحذرهم أن يمسوا ناقة الله، فحذف فعل التحذير فقال: "ناقة الله" والتقدير: ذروا ناقة الله.
وأغراهم بأن يحافظوا على شروط سقياها، فحذف فعل الإغراء فقال: "وسقياها" والتقدير: الزموا سقياها، أو الزموا شروط سقياها.
الفائدة الثالثة: التفخيم والتعظيم، أو التهويل ونحو ذلك، بسبب ما يحدثه الحذف في نفس المتلقي من الإبهام الذي قد يجعل نفسه تقدر ما شاءت دون حدود، ويحسن مثل هذا الحذف في المواضع التي يراد بها التعجيب والتهويل وأن تذهب النفس في تقدير المحذوف كل مذهب.
كحذف جواب الشرط في قول الله عز وجل في سورة (الزمر/ 39 مصحف/ 59 نزول):

(1/495)


{وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جآءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين}.
وتقدير الجواب: لرأوا شيئا عظيما جدا تعجز عباراتهم عن وصفه.
وكحذف جواب الشرط أيضا في قول الله عز وجل في سورة (الأنعام/ 6 مصحف/ 55 نزول):
{ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا ياليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين}.
أي: ولو ترى إذ وقفوا على النار لرأيت ما هم فيه من الرعب والكرب والحسرة والندم شيئا لا تستطيع وصفه بالعبارة.
الفائدة الرابعة: التخفيف على النطق لكثرة دورانه في الكلام على الألسنة.
وهذه الفائدة تظهر في حذف أداة النداء، وحذف النون من فعل "يكن" المجزوم، وحذف ياء المتكلم، وحذف مثل ياء "يسري" كما قال تعالى: {والليل إذا يسر} وحذف آخر المرخم في النداء، ونحو ذلك.
الفائدة الخامسة: صيانة المحذوف عن الذكر تشريفا له.
الفائدة السادسة: صيانة اللسان عن ذكره فيحذف تحقيرا له وامتهانا.
الفائدة السابعة: إرادة العموم، مثل قولنا في الفاتحة خطابا لربنا: {وإياك نستعين} أي: في أمور دنيانا وأمور أخرانا.
الفائدة الثامنة: مراعاة التناظر في الفاصلة، مثل قول الله عز وجل في سورة (الضحى/ 93 مصحف/11 نزول):
{والضحى * والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما قلى}.
أي: وما قلاك.
الفائدة التاسعة: إرادة تحريك النفس وشغلها بالإبهام الذي يتبعه البيان، حتى يكون البيان أوقع وأثبت في النفس.
مثل قول الله عز وجل في سورة (النحل/ 16 مصحف/ 70 نزول):
{...ولو شآء لهداكم أجمعين}.

(1/496)


أي: ولو شاء هدايتكم لسلبكم الاختيار ولجعلكم مجبورين، وإذن لهداكم أجمعين.
قالوا: إن مفعول المشيئة والإرادة بعد الشرط لا يذكر غالبا إلا إذا كان غريبا أو عظيما.
ثانيا - شروط الحذف:
ذكروا شروطا سبعة لجواز الحذف، منها ما هو بلاغي، ومنها ما يدور في فلك الصناعة النحوية، ولكن لم يتضح لي منها بلاغيا غير شرطين:
الشرط الأول: أن لا يؤدي الحذف إلى الجهل بالمقصود، فيشترط أن يوجد دليل يدل على المحذوف، وقد يعبر عنه بالقرائن الدالة.
الشرط الثاني: أن لا يكون المحذوف مؤكدا للمذكور، إذ الحذف مناف للتأكيد.
والدليل الدال على المحذوف:
(1) إما أن يكون من قرائن المقال الموجودة في السباق أو في السياق.
(2) وإم أن يكون من قرائن الحال.
(3) وإما أن يكون من المفاهيم الفكرية والاقتضاءات العقلية، واللوازم الذهنية.
أمثلة:
المثال الأول:
قول الله عز وجل في سورة (النحل/ 16 مصحف/ 70 نزول) في عرض لقطة من أحداث يوم الدين:
{وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا...} [الآية:30].
أي: قالوا: أنزل ربنا خيرا. إن إجابتهم تقتصر على ذكر المفعول به فقط، وهو لفظ "خيرا" وقد دلت قرينة المقال في سباقه على المحذوف.
المثال الثاني:
قول الله عز وجل في سورة (الذاريات/ 51 مصحف/ 67 نزول):
{هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين * إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون}.
هؤلاء الضيوف كانوا الملائكة الذين بشروه بغلام عليم من زوجته "سارة" وأخبروه بأنهم ذاهبون لإهلاك قوم لوط.
وقد جرى في تحيتهم له حذف، وفي رد إبراهيم عليهم حذف أيضا ودل على المحذوف قرينة الحال، وتقدير الكلام إذا رددنا المحذوفات كما يلي:

(1/497)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية