صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : البلاغة العربية أسسها وعلومها وفنونها

الموضع الثاني: أن يأتي حرف "إن" في مقام التأكيد بعد واو الحال لمجرد الربط دون إرادة الشرط منه، مثل أن يقول المحب لحبيبه: "سأزورك وإن هجرتني، وأكرمك وإن أهنتني، وأحببتك وإن جفوتني، وذكرتك وإن نسيتني".
* أما "لو" الشرطية فهي على قسمين:
الأول: أن تكون للتعليق في المستقبل، وعندئذ تكون مرادفة "إن" الشرطية، وإذا وليها فعل "ماض" كان معناه على الاستقبال، وقد يدعو إلى ذلك غرض بلاغي، وهو جعل الأمر المستقبل بمثابة الأمر الماضي، ومن فوائد ذلك التحذير والتخويف، كما في قول الله عز وجل في سورة (النساء/4):
{وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا (9)}.
أي: إن من المتوقع أن يترك الذين لا يتقون الله في ذريات غيرهم ذريات لهم يخافون عليهم من ظلم من يتولى أمورهم بعدهم.
الثاني: أن تكون "لو" للتعليق في الماضي، وهو أكثر استعمالاتها، وتقتضي عندئذ لزوم امتناع جوابها/ لامتناع شرطها إن لم يكن لجوابها سبب آخر غير الشرط، مثل قول الله عز وجل في سورة (الفرقان/25):
{ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا (51)}.
أي: لم نشأ ذلك فلم نبعث، لأن الحكمة اقتضت أن نبعث رسولا واحدا في آخر الزمان خاتما للمرسلين، ورسولا لجميع العاملين.
وحين تكون "لو" للتعليق في الماضي فالأصل أن يكون كل من فعلي الشرط وجوابه فعلا ماضيا، وقد يستعمل البليغ الفعل المضارع لغرض بلاغي، ومن الأغراض البلاغية في هذا الاستعمال ما يلي:
الغرض الأول: قصد الاستمرار في الماضي حينا فحينا، مثل قول الله عز وجل في سورة (الحجرات/49) خطابا للمؤمنين في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم:

(1/373)


{واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم...} [الآية 7].
العنت: المشقة، والتعب، وشدة الضرر، والفساد.
أي: لو تابع طاعتكم في كثير من الأمور التي تقدمون فيها آراء خاصة لوقعتم في العنت، وهذا المعنى يفهم من الفعل المضارع الذي يدل على التجدد في المستقبل، فقلب معنى زمانه إلى المضي بحرف "لو" وبقي فيه معنى التجدد.
الغرض الثاني: تصوير ما سيحدث بصورة الأمر الذي وقع وحدث، فيؤتى بالفعل المضارع للإشعار بأنه أمر من أمور المستقبل المتحققة الوقوع، ولما كانت "لو" هذه للتعليق في الماضي كان اجتماع الأمرين بمثابة الإعلام بأن ما نقوله من أمر المستقبل هو بقوة ما وقع وتحقق فعلا، ولهذا أمثلة كثيرة في القرآن، منها قول الله عز وجل في سورة (السجدة/32):
{ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم ربنآ أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون (12)}.
وضع الفعل المضارع "ترى" والأصل - دون ملاحظة الغرض البلاغي - أن يقال: ولو رأيت. لكن الفعل المضارع أدى معنى دقيقا لا يؤديه الفعل الماضي هنا.
***

(1/374)


الخروج على مقتضى الظاهر
مقدمة
درس علماء البلاغة ضمن تتبعهم لموضوعات علم المعاني ظاهرة الخروج عن مقتضى الظاهر في الكلام البليغ، لداع من الدواعي البلاغية ذات التأثير في النفوس والأفكار، لما فيها من عناصر فنية إبداعية تتضمن دلالات فكرية، أو تعبيرات جمالية، أو إلماحات ذكية.
وظهر لهم من التتبع الأنواع التسعة التالية:
النوع الأول: الالتفات.
النوع الثاني: أسلوب الحكيم.
النوع الثالث: الإضمار في مقام الإظهار، والإظهار في مقام الإضمار.
النوع الرابع: التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي.
النوع الخامس: التغليب.
النوع السادس: وضع الخبر موضع الإنشاء ووضع الإنشاء موضع الخبر.
النوع السابع: الانتقال من الماضي إلى المضارع وبالعكس.
النوع الثامن: تجاهل العارف.
النوع التاسع: القلب بإجراء التبادل بين جزئين يمكن إجراء التبادل بينهما من أجزاء الجملة.
وفيما يلي شرح لهذه الأنواع التي يلاحظ فيها خروج في الكلام البليغ عن مقتضى الظاهر لداع بلاغي حسن بسببه هذا الخروج بلاغيا وأدبيا.
***
(1) النوع الأول الالتفات
تعريف الالتفات:
الالتفات: هو في اللغة تحويل الوجه عن أصل وضعه الطبيعي إلى وضع آخر.
وفي اصطلاح البلاغيين هو التحويل في التعبير الكلامي من اتجاه إلى آخر من جهات أو طرق الكلام الثلاث: "التكلم - والخطاب - والغيبة" مع أن الظاهر في متابعة الكلام يقتضي الاستمرار على ملازمة التعبير وفق الطريقة المختارة أولا دون التحول عنها.
وأضاف السكاكي إلى ما اشتمل عليه هذا التعريف التعبير ابتداء بواحدة من هذه الطرق إذا كان على خلاف مقتضى الظاهر، كأن يتحدث المتكلم عن نفسه بأسلوب الخطاب الذي يخاطب به غيره، أو يتحدث مع من يخاطبه بأسلوب التكلم عن الغائب، أو يتحدث عن نفسه بأسلوب الحديث عن الغائب، أو يتحدث عن الغائب بأسلوب الخطأ، وهكذا.
ومنه وفق رأي السكاكي قول البوصيري في بردته يخاطب نفسه:
*أمن تذكر جيران بذي سلم * مزجت دمعا جرى من مقلة بدم*
ومنه حديث الله عز وجل عن نفسه بأسلوب الحديث عن الغائب في القرآن المجيد: مثل قول الله عز وجل في سورة (البقرة/2):
{وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني? أعلم ما لا تعلمون (30)}.

(1/375)


ومنه خطاب الله رسوله بقوله: {عبس وتولى (1) أن جآءه الأعمى (2)}.
وكان مقتضى الظاهر أن يقول: "وإذ قلت للملائكة..." وأن يقول لرسوله: "عبست وتوليت أن جاءك الأعمى".
ويلقب الالتفات بشجاعة العربية، على معنى أن البلغاء من ناطقي العربية كانت لديهم شجاعة أدبية بيانية استطاعوا بها أن يفاجئوا المتلقي بالتنقل بين طرق الكلام الثلاثة "التكلم - والخطاب - والغيبة" مشيرين بذلك إلى أغراض بلاغية يريدون التنبيه عليها بذلك.
والالتفات من الأساليب البلاغية ذات اللطائف النفيسة، وقد تكرر في القرآن المجيد استخدامه جدا، وله فيه أمثلة كثيرة.
وهو فن بديع من فنون القول يشبهه تحريك آلات التصوير السينمائي بنقلها من مشهد إلى مشهد آخر في المختلفات والمتباعدات التي يراد عرض صور منها، ومفاجأة المشاهد بلقطات منها متباعدات، ولكنها تدخل في الإطار الكلي الذي يراد عرض طائفة من مشاهده تدل على ما يقصد الإعلام به.
ويهدي الذوق الأدبي السليم إلى استخدام الالتفات استخداما بارعا يحقق به البليغ فوائد في نفس المتلقي أو فكره، مع ما يحقق به من الاقتصاد والإيجاز في العبارة.
فلننظر إلى الالتفات البديع الموجود في النص القرآني التالي:
بينما يتحدث النص عن بني إسرائيل الأولين ما فعلو من كبائر بأسلوب الحديث عن الغائب، يلتفت النص فيخاطب بني إسرائيل المعاصرين لنزول القرآن فمن يأتي بعدهم كأنهم الأولون أنفسهم، للإشعار بأن هؤلاء الخلوف ما زالوا يتصفون بأوصاف الأولين، لم يغيروا منها شيئا، فهم معنيون بعموم الخطاب، فقال الله عز وجل في سورة (الأعراف/7 مصحف/ 39 نزول):

(1/376)


{فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هاذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون (169)}.
فالالتفات في: {أفلا تعقلون} خطابا لبني إسرائيل المعاصرين لنزول النص فمن بعدهم فيه فائدتان:
الأولى: فنيية التنويع في العبارة المثيرة لانتباه المتلقي، والباعثة لنشاطه في استقبال ما يوجه له، والإصغاء إليه.
الثانية: الاقتصاد والإيجاز في التعبير، فبدل أن يقول النص لمعاصري التنزيل الكافرين من بني إسرائيل فمن بعدهم: وأنتم يا بني إسرائيل ما زلتم علىطريقة أسلافكم، أفلا تعقلون؟. اقتصر النص على: {أفلا تعقلون} مستغنيا بأسلوب الالتفات، للدلالة على ما يمكن فهمه ذهنا، إذ اعتبرهم النص داخلين في عموم خطاب الغائبين السالفين، إذ هم موافقون على ما كانوا يفعلون، أو يفعلون مثلهم.
ونظيره الالتفات البديع في قوله الله عز وجل في سورة (آل عمران/ 3 مصحف/ 89 نزول):
{ما كان الله ليذر المؤمنين على مآ أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب...} [الآية 179].
ففي يهذه الآية تحققت الفائدتان أيضا:
الأولى: فنية التنويع في أسلوب الكلام.
الثانية: الإيجاز في العبارة.

(1/377)


وبسط الكلام يكون كما يلي: ما كان الله ليذر المؤمنين على ما هم عليه من الدعة والأمن والرخاء، وأنتم من المؤمنين، فما كان الله ليذركم على ما أنتم عليه، حتى يميز بالامتحان الشديد على النفوس الخبيث من الطيب في الأعمال والأقوال والنيات وحركات النفوس الإرادية.
ومن فوائد الالتفات من الخطاب إلى الغيبة الإشعار بالعتاب أو الإعراض عمن يليق به أن يكرم بالخطاب بحسب مقتضى الظاهر، ولكن جاء الكلام على خلاف ذلك لأنه أعرض أو تولى في مقام كان ينبغي له في أن لا يعرض أو أن لا يتولى، ومن أمثلته على رأي السكاكي - وهو رأي حسن - المثال الذي سبق الاستشهاد به لما ذهب إليه، وهو قول الله عز وجل في سورة (عبس/ 80 مصحف/ 24 نزول):
{ عبس وتولى (1) أن جآءه الأعمى (2)}.
إذ التفت عنه ابتداء، فتحدث عنه بأسلوب الحديث عن الغائب، مع أن مقتضى الظاهر بحسب منزلته أن يكلمه بأسلوب الخطاب، لكن لم يطل الالتفات عنه بل أسرع إلى الالتفات إليه، فخاطبه بقوله معاتبا:
{وما يدريك لعله يزكى (3)}.
***
فوئد الالتفات:
مما سبق استطعنا أن تكتشف من فوائد الالتفات ما يلي:
الفائدة الأولى: فنيية التنويع في العبارة، المثير لانتباه المتلقي، والباعث لنشاطه في استقبال ما يوجه له من كلام، والإصغاء إليه، والتفكير فيه.
الفائدة الثانية: الاقتصاد والإيجاز في التعبير.
الفائدة الثالثة: الإعراض عن المخاطبين، لأنهم عن البيانات معرضون أو مدبرون وغير مكترثين.
الفائدة الرابعة: إفادة معنى تتضمنه العبار التي حصل الالتفات إليها، وهذا المعنى لا يستفاد إذا جرى القول وفق مقتضى الظاهر.

(1/378)


الفائدة الخامسة: ما يستفاد من معنى بالالتفات إنما يستفاد إلماحا بطريق غير مباشر، ومعلوم أن الطرق غير المباشرة تكون أكثر تأثيرا من الطرق المباشرة حينما تقتضي أحوال المتلقين ذلك.
الفائدة السادسة: إشعار مختلف زمر المقصودين بالكلام بأنهم محل اهتمام المتكلم، ولو لم يكونوا من الزمرة المتحدث عنها أولا، ويظهر هذا في النصوص الدينية الموجهة لجميع الناس، وفي خطب الملوك والرؤساء والوعاظ وأشباههم.
***
ملاحظات حول شروط الالتفات وما يقرب منه:
الملاحظة الأولى: قالوا: يشترط في الالتفات أن يكون الضمير المتنقل إليه عائدا في نفس الأمر إلى المنتقل عنه.
ولكني لست أرى هذا شرطا لازما، لأن مطلق التنقل بين التكلم والخطاب والغيبة له التأثير نفسه، وله خصائصه الفنية البيانية البليغة، إذا استوفىعناصره الجمالية المؤثرة، وأدى بعض فوائده وأغراضه البلاغية.
الملاحظة الثانية: وقالوا: يقرب من الالتفات نقل الكلام من خطاب الواحد أو الاثنين أو الجمع إلى الآخر. أقول: هذا صحيح، ولا مانع من إلحاقه به.
الملاحظة الثالثة: وقالوا: يقرب من الالتفات التنقل بين الماضي والمضارع والأمر. أقول: وهذا صحيح أيضا، وهو من الخروج عن مقتضى الظاهر، ويلحق به التنقل بين الفعل واسم الفاعل واسم المفعول، مثل: {يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي} [95/ الأنعام].
ويلحق به أيضا كل تنويع من هذا القبيل يلاحظ فيه خروج الكلام عن مقتضى الظاهر، مثل قول الله عز وجل في سورة (الفاتحة).
{اهدنا الصراط المستقيم (6) صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضآلين (7)}.
إذ كان الظاهر أن يقال: "غير الذين غضبت عليهم" فخولف هذا الظاهر.
***
صور اللالتفات:
يأتي الالتفات في ست صور:

(1/379)


الصورة الأولى: الانتقال من التكلم إلى الخطاب، وكذا الابتداء بالخطاب، مع أن مقتضى الظاهر يستدعي التكلم أو الغيبة.
الصورة الثانية: الانتقال من التكلم إلى الغيبة، وكذا الابتداء بالغيبة مع أن مقتضى الظاهر يستدعي التكلم أو الخطاب.
الصورة الثالثة: الانتقال من الخطاب إلى التكلم، وكذا الابتداء بالتكلم مع أن مقتضى الظاهر يستدعي الخطاب أو الغيبة.
الصورة الرابعة: الانتقال من الخطاب إلى الغيبة.
الصورة الخامسة: الانتقال من الغيبة إلى التكلم.
الصورة السادسة: الانتقال من الغيبة إلى الخطاب.
***
الأمثلة:
أولا: فمن أمثلة الانتقال من التكلم إلى الخطاب مايلي:
* ما جاء في قول الله عز وجل في سورة (يس/ 36 مصحف/ 41 نزول) في حكاية ما كان من الرجل المؤمن الذي جاء من أقصى المدينة (قيل: هي أنطاطية لنصرة الرسل الثلاثة:
{وجآء من أقصى المدينة رجل يسعى قال ياقوم اتبعوا المرسلين (20) اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون (21) وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون (22) أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمان بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون (23)}.
قوله: {وما لي لا أعبد الذي فطرني} معطوف على محذوف دل عليه حرف العطف "الواو" والمطوي المحذوف يمكن تقديره بأن نقول.
قالوا له: أتؤمن بما جاء به هؤلاء المرسلون وتعبد الرب الذي يدعون لعبادته؟
قال نعم: أومن بما جاؤا به، وأعبد ربي، ومالي لا أعبد الذي فطرني؟!.

(1/380)


ثم انتقل من التكلم إلى الخطاب فقال لهم: {وإليه ترجعون (22)} فخاطبهم مع أن مقتضى الظاهر أن يقول: وإليه أرجع يوم الدين ليحاسبني ويجازيني، كما يرجع إليه سائر الناس وأنتم منهم.
فأوجز في العبارة، وأشعرهم بأسلوب غير مباشر أنهم قد كان عليهم أن يؤمنوا كما آمن هو، لأنهم سيرجعون إليه يوم الدين، وسيحاسبهم ويجازيهم على أعمالهم.
***
ثانيا: ومن أمثلة الانتقال من التكلم إلى الغيبة مايلي:
* قول الله عز وجل في سورة (الكوثر/ 108 مصحف/ 15 نزول):
{إنآ أعطيناك الكوثر (1) فصل لربك وانحر (2)}.
فقد جاء الكلام أولا على طريقة التكلم: {إنآ أعطيناك} ثم انتقل إلى أسلوب الحديث عن الغائب: {فصل لربك} ولم يقل: فصل لنا.
والحكمة من هذا الانتقال التذكير بحق الرب المنعم بعطاءات الربوبية في أن يعبده عباده ويصلوا له، مع الاقتصاد في التعبير، والإيجاز في القول.
* وقول الله عز وجل في سورة (الزمر/ 39 مصحف/ 59 نزول):
{*قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم (53)}.
كان مقتضى الظاهر أن يأتي التعبير: لا تقنطوا من رحمتي إني أغفر الذنوب جميعا.
ولكن حصل العدول عنه إلى {من رحمة الله...} للإشعار بأن من صفات الله الجليل العظيم أن يغفر ذنوب من ينيبون إلى ربهم ويسلمون له، كما جاء في الآية التالية من السورة، مع الإيجاز والاقتصاد في العبارة.
* وقول الله عز وجل في سورة (الدخان/ 44 مصحف/ 64 نزول):

(1/381)


{حم? (1) والكتاب المبين (2) إنآ أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين (3) فيها يفرق كل أمر حكيم (4) أمرا من عندنآ إنا كنا مرسلين (5) رحمة من ربك إنه هو السميع العليم (6)}.
بدأ الأسلوب في هذا النص على طريقة حديث المتكلم عن نفسه: {إنا أنزلناه - إنا كنا منذرين - أمرا من عندنا - إنا كنا مرسلين}.
وبعد ذلك انتقل إلى أسلوب الحديث عن الغائب خلافا لمقتضى الظاهر {رحمة من ربك إنه هو السميع العليم}.
وفائدة هذا الالتفات التذكير بربوبية الله عز وجل والتوطئة لذكر بعض صفاته التي هي من متقضيات ولوازم كونه ربا، مع الإيجاز والاقتصاد في العبارة.
* وقول الحصين بن الحمام في مفضليته يتحدث عن الخيل في موقعه يوم "دارة موضوع" بين بني سعد بن ذبيان، وبين بني سهم بن مرة، وكان الحصين قائد بني سهم، وكتب الله له فيها النصر، فجاء في قصيدته:
*وأنجين من أبقين منا بخطة * من العذر لم يدنس وإن كان مؤلما*
*أبى لابن سلمى أنه غير خالد * ملاقي المنايا أي صرف تيمما*
*فلست بمبتاع الحياة بسبة * ولا مبتغ من رهبة الموت سلما*
يصف الحصين بن الحمام خيل قومه وقد نجت من بقي منهم في معركتهم الظافرة، وأبان أن من بقي حيا فقد بقي بخطة يعذر بها، إذ لم يجبن، بل أبلى بلاء حسنا، فلم يدنس بفرار من المعركة.
وتحدث عن نفسه بأسلوب الحديث عن الغائب فقال: "أبى لابن سلمى" بعد أن تحدث عن نفسه بأسلوب التكلم مع قومه في قوله: "من أبقين منا" وكان هو ممن بقي.

(1/382)


ونقل الحديث إلى الحديث عن الغائب ليوطىء للحديث عن نفسه، كأنه يحدث عن فارس شجاع لا يخشى المنايا، لأنه يعلم أنه غير خالد لوفر من مواقعها، وقصد أي صرف من صروف المهارب.
وبعد ذلك التفت أيضا إلى التكلم، فتحدث عن نفسه فقال:
*فلست بمبتاع الحياة بسبة * ولا مبتغ من رهبة الموت سلما*
بمتاع الحياة: أي بشار لها.
***
ثالثا: ومن أمثلة الانتقال من الخطاب إلى التكلم مايلي:
* قول "علقمة بن عبدة":
*طحابك قلب في الحسان طروب * بعيد الشباب عصر حان مشيب*
* يكلفني ليلى وقد شط وليها * وعادت عواد بيننا وخطوب*
بدأ يتحدث عن نفسه بأسلوب الخطاب في البيت الأول مجردا من نفسه مخاطبا قائلا: "طحا بك قلب" أي: ذهب بك وأتلفك.
وانتقل إلى أسلوب التكلم في الحديث عن نفسه فقال في البيت الثاني "يكلفني ليلى وقد شط وليها" أي: يكلفني حب ليلى وقد بعد قربها.
قال المرصفي: مدح "أي: علقمة بهذا القصيدة" ملك غسان واستعطاه، وسأله مع طلب الجائزة أن يمن على اخيه شاس بن عبدة، وكان أسيرا عند الملك، ولم يكتف بهذا بل طلب الجائزة لأخيه.
***
رابعا: ومن أمثلة الانتقال من الخطاب إلى الغيبة مايلي:
* قول الله عز وجل في سورة (يونس/ 10 مصحف/ 51 نزول):

(1/383)


{هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جآءتها ريح عاصف وجآءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هاذه لنكونن من الشاكرين (22) فلمآ أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق...} [الآية 23].
كان الكلام في صدر الآية جاريا على أسلوب الخطاب: {هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك}، وبعد ذلك انتقل الكلام إلى أسلوب الحديث عن الغائب: {وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جآءتها ريح عاصف}.
وفائدة هذا الالتفات بيان أن الذين تكون منهم هذه الظاهرة التي تحدث عنها النص ليسوا جميع المخاطبين، بل هم فريق منهم، فمن الحكمة الحديث عنهم بأسلوب الحديث عن الغائب، مع ما في الحديث عن الغائب من الإعراص المشعر بالتأنيب على ما يكون منهم، وقد جاء في النص بعد ذلك تأنيبهم صراحة فقال تعالى:
{ياأيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا} ولو تتابع الكلام وفق أسلوب الخطاب دون ما حصل في النص من الالتفات لكان التأنيب موجها لكل الناس، مع أن فيهم صالحين لا تظهر منهم هذه الظاهرة القبيحة من الظواهر المنافية للسلوك الديني المطلوب من العباد.
* وقول الله عز وجل في سورة (الأنبياء/ 21 مصحف/ 73 نزول) في معرض بيان خطابه لجمع كبير من الأنبياء المرسلين الذين جاء ذكرهم في السورة:

(1/384)


{إن هاذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون (92) وتقطعو?ا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون (93)}.
يظهر لنا في هذا النص نظير ما ظهر لنا في النص السابق، فالذين تقطعوا أمرهم بينهم ليسوا كل أتباع الرسل، إذ فيهم من حافظوا على وحدة الأمة الربانية، ولم يتنكبوا صراط الله، وحينما بعث الله الرسول الخاتم أتبعوه مؤمنين بأن أمته هم أمة الرسل الذين جاءوا قبله، تلاحقت مواكبهم، إذ هم رسل مرسل واحد، يقودون أمة واحدة على صراط الله المستقيم.
* وقول الشاعر:
*أأذكر حاجتي أم قد كفاني * حياؤك إن شيمتك الحياء*
كريم لا يغيره صباح * عن الخلق الجميل ولا مساء*
في البيت الأول واجه ممدوحه بالخطاب، وفي البيت الثاني انتقل من الخطاب إلى الغيبة على طريقة الالتفات.
وموضع الحسن في هذا الالتفات أن الشاعر أراد أن يواجه الناس بمدحه، ويعلن على الملأ أنه كريم ذو خلق جميل، ولو تابع طريقة الخطاب لأوهم أنه يتزلف إليه بينه وبينه، وهو لا يريد إعلان مدحه بين الناس.
خامسا: ومن أمثلة الانتقال من الغيبة إلى التكلم ما يلي:
* قول الله عز وجل في سورة (فاطر/ 35 مصحف/ 43 نزول):
{والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور (9)}.
الكلام في صدر الآية جار وفق أسلوب الحديث عن الغائب:
{والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا}.
وبعد ذلك انتقل إلى أسلوب التكلم فقال تعالى:
{فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها}.

(1/385)


وفائدة هذا الالتفات إيقاض الأذهان للتفكر في منة الله على عباده الذي يقدر أسباب رزقهم ويسوقها لهم، وللتفكر في مظهر من مظاهر قدرته التي يحيي بها الأرض الميتة، الذي يشبهه إحياء الموتى يوم القيامة، إذ جاء فيه تحدث الرب الجليل عن نفسه بضمير المتكلم العظيم: {فسقناه - فأحيينا به}.
* وقول الله عز وجل في سورة (فصلت/ 41 مصحف/ 61 نزول):
{ثم استوى إلى السمآء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا طآئعين (11) فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سمآء أمرها وزينا السمآء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم (12)}.
الكلام في صدر النص جار وفق أسلوب الحديث عن الغائب كما هو ظاهر، وبعد ذلك انتقل إلى أسلوب التكلم، فقال تعالى:
{وزينا السمآء الدنيا بمصابيح وحفظا}.
وفائدة هذا الالتفات هو ما سبق في النص السابق.
وبعد ذلك انتقل النص أيضا إلى أسلوب الحديث عن الغائب.
{ذلك تقدير العزيز العليم (12)}.
توطئة لذكر اسمين من أسماء الله الحسنى الملائمة لدقة التقدير العظيم وإحكامه.
* وقول المخبل السعدي في مطلع مفضليته:
*ذكر الرباب وذكرها سقم * فصبا وليس لمن صبا حلم*
*وإذا ألم خيالها طرفت * عيني فماء شؤونها سجم*
*كاللؤلؤ المسجور أغفل في * سلك النظام مخانه النظم*
الرباب: اسم محبوبته.
فصبا: أي: فحن ومال.
طرفت عيني: تحرك جفناها.
فماء شؤنها: شؤون العين مجاري دمعها.
سجم: أي: سائل يتصبب.

(1/386)


كاللؤلؤ المسجور: أي: كالؤلؤ المحمي.
أغفل في سلك النظام: أي ترك مهملا في الخيط الذي نظم فيه فلم يعقد.
فخانه النظم: أي: فتناثر لأن النظم الذي كان له في سلكه خانه لم يمسكه عن التساقط.
في البيت الأول اتبع في الحديث عن نفسه أسلوب الحديث عن الغائب.
وفي البيت الثاني التفت من الغيبة فتحدث عن نفسه بأسلوب التكلم، ليدل على أنه هو المقصود في البيت الأول.
***
سادسا: ومن أمثلة الانتقال من الغيبة إلى الخطاب ما يلي:
* قول الله عز وجل في سورة (الفاتحة/ 1 مصحف/ 5 نزول):
{بسم الله الرحمان الرحيم (1) الحمد لله رب العالمين (2) الرحمان الرحيم (3) مالك يوم الدين (4) إياك نعبد وإياك نستعين (5) اهدنا الصراط المستقيم (6) صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضآلين (7)}.
النص في مطلع السورة جار وفق أسلوب الحديث عن الغائب، وبعد ذلك انتقل إلى أسلوب الخطاب:
{إياك نعبد وإياك نستعين (5)...}.
وفائدة هذا الالتفات التحول من موضوع الثناء على الله عز جل إلى موضوع التوجه له بالعبادة والدعاء، فالثناء يحسن فيه الإعلان العام، وهذا يلائمه أسلوب الحديث عن الغائب، والعبادة الدعاء يحسن فيهما مواجهة المعبود المدعو بالخطاب.
* وقول الله عز وجل في سورة (مريم/ 19 مصحف/ 44 نزول):
{وقالوا اتخذ الرحمن ولدا (88) لقد جئتم شيئا إدا (89)}.
الإد: المنكر الفظيع الشنيع.
بدأ الحديث عمن افترى على الله بأنه اتخذ ولدا بأسلوب الحديث عن الغائب خطابا للمؤمنين.

(1/387)


وعقب ذلك وجه الخطاب للمفترين فقال الله لهم:
{لقد جئتم شيئا إدا}.
وفائدة هذا الالتفات تحقيق غرضين:
الأول: تثبيت المؤمنين على عقيدة تنزيه الله عما لا يليق به سبحانه.
الثاني: تأنيب المفترين على الله بأنهم ارتكبوا أمرا بالغ النكارة والفظاعة والشناعة.
مع الاقتصاد والإنجاز في العبارة.
***
تطبيقات تحليلية لأمثلة قرآنية
المثال الأول: قول الله عز وجل في سورة (يس/ 36 مصحف/ 41 نزول) ضمن عرض قصة أصحاب القرية التي جاءها المرسلون فكذبوهم:
{ وجآء من أقصى المدينة رجل يسعى قال ياقوم اتبعوا المرسلين (20) اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون (21) وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون (22)}.
دلت عبارة {وما لي لا أعبد الذي فطرني} على أن قومه توجهوا له يحاكمونه على انتصاره للرسل، فأخذوا يسألونه ويجيبهم بحكمة وعقل وسداد، وباستطاعتنا أن نتخيل مجلس المحاكمة:
قالوا: هل صدقت هؤلاء الذين يزعمون أنهم مرسلون؟ وهل آمنت بهم؟
قال: نعم.
قالوا: وهل تركت ما يعبد قومك من آلهة؟
قال: نعم.
قالوا: وهل صرت تعبد الإله الذي يدعو هؤلاء إلى عبادته وحده لا شريك له؟.
قال: نعم، إنه هو الذي فطرني، ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون؟!.
فالتفت من الحديث عن نفسه، إذ كانت متابعة الأسلوب تستدعي أن يقول: "وإليه أرجع" أي: للحساب والجزاء، فخاطبهم فقال: {وإليه ترجعون}.

(1/388)


ونلمح في هذا الالتفات البديع أنه بدأ كلامه أولا بأسلوب اتخاذ طريق الخير لنفسه، وهو يريد ضمنا مناصحة قومه تلطفا بهم، وليشعرهم بأنه يريد لهم ما يريد لنفسه، وبعد ذلك التفت إليهم إذ أراد تخويفهم من عذاب الله، ودعوتهم إلى الإيمان واتباع المرسلين.
ولدى تحليل النص بوجه عام نلاحظ أن الرجل المؤمن يريد أن يقدم لهم الدليل الذي اقتنع هو به، وأن عليهم لمصلحة أنفسهم أن يتصبروا بهذا الدليل ليولد لديهم الاقتناع بما اقتنع هو به، فقال لهم: {وما لي لا أعبد الذي فطرني} وطوى ضمن كلامه: وإليه أرجع ليحاسبني ويجازيني، وأنتم كذلك مثلي، فلم لا تعبدون الذي فطركم؟! واكتفى عن ذكر هذا المطوي بعبارة: {وإليه ترجعون}.
فدلت عبارة: {وما لي لا أعبد الذي فطرني} من شطر الكلام الأول على عبارة: "ومالكم لا تبعدون الذي فطركم" من شطر الكلام الثاني.
ودلت عبارة: {وإليه ترجعون} من شطر الكلام الثاني على عبارة: "وإليه أرجع" من شطر الكلام الأول.
وبهذا الحذف الإيجازي ظهر التعبير على صورة الالتفات من أسلوب حديث المتكلم عن نفسه مريدا به المخاطبين، إلى أسلوب الخطاب، ومثل هذا الالتفات البديع يشد الانتباه إلى التأمل وحسن التدبر.
المثال الثاني:
قول الله عز وجل في سورة (الأنعام/ 6 مصحف/ 55 نزول) خطابا للرسول صلى الله عليه وسلم فكل داع إلى سبيل ربه وآمر بالمعروف وناه عن المنكر من بعده:
{قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين (71) وأن أقيموا الصلاة واتقوه وهو الذي? إليه تحشرون (72)}.

(1/389)


عبارة {وأمرنا لنسلم لرب العالمين} جاءت بأسلوب حديث المتكلم عن نفسه ومعه كل المكلفين من الناس، أي: وأمرنا جميعا بالأوامر الربانية المختلفة لنسلم منقادين طائعين لرب العالمين.
وبعد هذه العبارة تحول الأسلوب إلى التكليف بالخطاب، فجاء في النص: {وأن أقيموا الصلاة واتقوه وهو الذي? إليه تحشرون}.
والغرض من هذا الالتفات نلاحظه حينما ندرك أن الأمر بإقامة الصلاة وبتقوى الله مع كونه داخلا في عموم {وأمرنا لنسلم لرب العالمين} إلا أن على الرسول وعلى كل آمر بالمعروف ناه عن المنكر من بعده أن يقوم بهذه الوظيفة الاجتماعية تذكيرا وتحذيرا، فهو آمر وناه بتوجيه منه، وليس مجرد مقدم على سبيل الحكاية ما أمر الله به ونهى عنه، ضمن المأمور به في عبارة: {وأمرنا لنسلم لرب العالمين}.
المثال الثالث:
قول الله عز وجل في سورة (الفتح/ 48 مصحف/ 111 نزول) خطابا لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم:
{إنا فتحنا لك فتحا مبينا (1) ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما (2) وينصرك الله نصرا عزيزا (3)}.
بدأت الآيات بحديث المتكلم العظيم عن نفسه، وهذا الأسلوب يناسبه بحسب الظاهر أن يكون الكلام بعده: "لنغفر لك ما تقدم... ونتم نعمتنا... ونهديك...".
إلا أن الكلام جاء على خلاف ذلك، فحصل الالتفات من التكلم إلى الغيبة، فقال تعالى: {ليغفر لك الله} إذ الاسم الظاهر بقوة ضمير الغائب.

(1/390)


والفائدة الخاصة التي يدل عليها هذا الالتفات الإشعار بأن قائل {إنا فتحنا} هو الله نفسه، والتنبيه على مقام لفظ الجلالة "الله" الدال على الذات وكل الصفات والذي بيده الغفران، وإتمام النعمة، والهداية إلى الصراط المستقيم، والنصر العزيز، مع الفوائد العامة التي تستفاد من الالتفات.
المثال الرابع:
قول الله عز وجل في سورة (الكوثر/ 108 مصحف/ 10 نزول):
{ إنآ أعطيناك الكوثر (1) فصل لربك وانحر (2) إن شانئك هو الأبتر (3)}.
بدأت السورة بحديث المتكلم العظيم عن نفسه، وهذا الأسلوب يناسبه بحسب الظاهر أن يكون الكلام بعده: "فصل لنا وانحر".
إلا أن الكلام جاء على خلاف مقتضى الظاهر هذا، إذ حصل الالتفات من التكلم إلى الغيبة، فقال تعالى: {فصل لربك وانحر}.
والفائدة الخاصة التي يدل عليها هذا الالتفات الإشعار بأن المتكلم هو رب يمد بعطاءات الربوبية دواما، فمن حقه على مربوبيه أن يعبدوه بمختلف أنواع العبادات، ومنها الصلاة له، ونحر الهدي ابتغاء مرضاته.
المثال الخامس:
قول الله عز وجل في سورة (الدخان/ 44 مصحف/ 64 نزول):
{حم (1) والكتاب المبين (2) إنآ أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين (3) فيها يفرق كل أمر حكيم (4) أمرا من عندنآ إنا كنا مرسلين (5) رحمة من ربك إنه هو السميع العليم (6)}.
كما جاء في المثالين السابقين الثالث والرابع بدأت السورة بحديث المتكلم العظيم عن نفسه، وبعد ذلك حصل الالتفات من التكلم إلى الغيبة، فقال تعالى: {رحمة من ربك إنه هو السميع العليم} وكان الأسلوب النمطي يستدعي أن يكون النص: {رحمة منا}.

(1/391)


والفائدة الخاصة في هذا الإلتفات التنبيه على أن كل أمر حكيم يفرق بأمر الله هو رحمة من أثر صفة ربوبية الرب عز وجل.
المثال السادس:
قول الله عز وجل في سورة (الروم/ 30 مصحف/ 84 نزول):
{ومآ آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله ومآ آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولائك هم المضعفون (30)}.
إن أسلوب عبارة {ومآ آتيتم من زكاة تريدون وجه الله} هو من المواجهة بالخطاب، ويلائمه بحسب الظاهر أن يقال: {فأنتم المضعفون}.
إلا أن الكلام جاء على خلال مقتضى الظاهر هذا، إذ حصل الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، فقال تعالى: {فأولائك هم المضعفون}.
والغرض البلاغي الخاص في النص التنبيه باسم الإشارة الذي هو في قوة ضمير الغائب على ارتفاع منزلتهم عند الله، إذ أشير إليهم باسم الإشارة الخاص بالمشار إليه البعيد.
والأمثلة على الالتفات في النصوص القرآنية كثيرة جدا، وفيما سبق استعراضه وتحليله منها كفاية لمن شاء أن يتدبر ويحلل سائر النصوص، إذا كانت لديه ملكة التدبر والتحليل.
***
(2) النوع الثاني أسلوب الحكيم
أسلوب الحكيم: هو عند علماء البلاغة صرف كلام المتكلم أو سؤال السائل عن المراد منه، وحمله على ما هو الأولى بالقصد، أو إجابته على ما هو الأولى بالقصد، وسماه الشيخ "عبدالقادر الجرجاني": "المغالطة".
وهو قسمان:
القسم الأول: حمل كلام المتكلم على غير ما يريد به، تنبيها على أنه الأولى بالقصد، ومنه ما يلي:
* قول ابن حجاج البغدادي "هو أبو عبدالله بن أحمد البغدادي" شاعر فكه:
*قال: ثقلت إذ أتيت مرارا * قلت ثقلت كاهلي بالأيادي*

(1/392)


*قال: طولت. قلت: أوليت طولا * قال: أبرمت قلت: حبل ودادي*
الكاهل: من الإنسان هو ما بين كتفيه، فوق العنق.
بالأيادي: أي: بالنعم.
في البيت الأول أخذ المخاطب ظاهر كلام صاحبه وحمله على غير مراده به، إذ أراد بالتثقيل ما يحمله المضيف من أعباء الضيافة، لكن المضيف حمله على معنى أن صاحبه ثقل كاهله بأياديه في تكرير زيارته له.
وفي البيت الثاني حمل كلمة "أبرمت" على معنى إبرام حبل الوداد، وقصد المتكلم من "أبرمت" معنى أضجرت وأنزلت الملل، وحمل كلمة "طولت" على معنى أفضلت، أي: أعطيت فضلا، وقصد المتكلم أنه أطال الإقامة.
* ومن العبارات الدارجات أن يقول المحتفي بضيفه معتذرا. "أرجو ا لعفو عن قصوري".
فيقول الضيف: "قصورك عالية شماخة" أي: ما قدمته من إكرام عظيم كالقصور الشامخة إلى جانب الأبنية الأخرى، فيحمل كلمة "قصور" على غير ما أراد بها المضيف.
* ما روي من قصة "القبعثري" و"الحجاج بن يوسف الثقفي" وإلى بني أمية على العراق.
قالوا: اجتمع ندماء من أهل الشعر والأدب في مجلس شراب، إلى جانب شجرة من أشجار العنب ذات عناقيد مدلاة، وكان "القبعثرى" واحدا منهم، يعبث بعنقود عنب مدلى من غصنه، فذكر أحد الندماء "الحجاج بن يوسف" فقال "القبعثرى" وبيده عنقود العنب المدلى من غصنه: قطع الله عنقه وسقاني من دمه.
فأبلغ أحد الوشاة كلمته إلى الحجاج، فاستدعاه وقال له: أنت الذي قلت: قطع الله عنقه وسقاني دمه؟
قال: نعم، وقد قصدت عنقود العنب الذي كان بيدي.
قال له الحجاج: لأحملنك على الأدهم (أي: لأقيدنك بالحديد).
قال القبعثرى: مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب (قاصدا من الخيل).

(1/393)


قال الحجاج: قصدت الحديد.
قال القبعثرى: لأن يكون حديدا خير من أن يكون بليدا.
* ققول الشاعر:
*وقالوا: قد صفت منا قلوب * نعم صدقوا ولكن من ودادي*
* قول القاضي الأرجاني:
*غالطتني إذ كست جسمي الضنا * كسوة عرت من اللحم العظاما*
*ثم قالت: أنت عندي في الهوى * مثل عيني. صدقت لكن سقاما*
فقبل ظاهر كلامها: (أنت مثل عيني) لكن حمله على غير ما قصدت إذ ذكر أنه مثل عينها في سقامها، ومعلوم أن السقام في العين يزيدها حسنا.
* وقول أحدهم:
*ولقد أتيت لصاحبي وسألته * ي قرض دينار لأمر كانا*
*فأجابني - والله - داري ما حوت * عينا فقلت له: ولا إنسانا*
أراد بقوله: "ما حوت عينا" أي: ذهبا، لكن المخاطب حمل كلمة "عينا" على العين المبصرة، وعطف عليها قوله: "ولا إنسانا" ومراده إنسان العين.
* وقول أحدهم:
*طلبت منه درهما * يوما فأظهر العجب*
*وقال: ذا من فضة * يصنع لا من الذهب*
تجاهل غرض طالب الدرهم وحمل كلامه على غير مراده موهما بأنه يرد على زعمه بأن الدرهم من الذهب ويبين له أن الدرهم يصنع من الفضة.
ولدينا أمثة قرآنية من هذا القسم:
المثال الأول: قول الله عز وجل في سورة (المنافقون/ 63 مصحف/ 104 نزول) بشأن قول المنافقين في غزوة بني المصطلق، وما بنى الله عز وجل عليه:
{يقولون لئن رجعنآ إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولاكن المنافقين لا يعلمون (8)}.

(1/394)


المنافقون قالوا: ليخرجن الأعز من المدنية الأذل إن رجعنا من الغزوة التي نحن فيها إلى المدينة.
فجاء البيان القرآني تعليقا على مقالهم بحمله على ظاهرة لكن على غير ما قصدوا، وذلك بإثبات أن الأعز الرسول والمؤمنون معه بإمداد الله لهم بالعزة، لأن العزة أي: القوة الغالبة هي له سبحانه ولمن يمدهم بالعزة.
المثال الثاني: قول الله عز وجل في سورة (الأنفال/ 8 مصحف/ 88 نزول) خطابا للكافرين:
{إن تستفتحوا فقد جآءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم...} [الآية 19].
أي: إن تدعو الله بأن ينصركم على الرسول والذين آمنوا معه، فقد جاءكم النصر ولكن على غير ما تطلبون، لقد جاءكم نصر الله لرسوله و الذين آمنوا معه عليكم.
فجاء قبول ظاهرة دعائهم بالنصر ولكن بعد حمله على غير ما طلبوا فيه، لقد طلبوا مجيء النصر فجاءهم النصر للمؤمنين عليهم.
المثال الثالث: قول الله عز وجل في سورة (التوبة/ 9 مصحف/ 113 نزول) بشأن المنافقين الذين تخلفوا عن الرسول والمؤمنين فلم يخرجوا إلى غزوة تبوك:
{سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزآء بما كانوا يكسبون (95)}.
إنهمن يطلبون الإعراض عن مؤاخذتهم على تخلفهم، فإذا حملنا قول الله عز وجل {فأعرضوا عنهم} على معنى الإعراض الدال المجافاة والقطية وعزلهم عن دائرة المؤمنين الصادقين، كان من الأسلوب الحكيم، إذ جاء فيه حمل طلبهم على غير ما يقصدون به.
***
القسم الثاني: إجابة السائل بغير ما يطلب في سؤاله، (لتنبيهه على أنه الأمر الأهم الذي كان ينبغي أن يسأل عنه.
ومن أمثلته في القرآن ما يلي:

(1/395)


المثال الأول: قول الله عز وجل في سورة (البقرة/ 2 مصحف/ 87 نزول):
{يسألونك ماذا ينفقون قل مآ أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم (215)}.
لقد سألوا عن الشيء الذي ينفقونه، فعلم الله رسوله أن يجيبهم عن الذين ينبغي أن توجه لهم النفقة، إشارة إلى أنه كان ينبغي لهم أن يسألوا عمن ينبغي أن توجه لهم النفقة، أما الشيء الذي ينفقون منه ومقدار ما ينفقون فيعم كل ما يصلح للإنفاق منه، وما وراء حد الزكاة المفروضة هو من التطوع المفتوح الذي لا يسأل عن حد له، ويظهر أن حد الزكاة المفروضة لم يكن قد نزل به حكم فأعرض النص عن الإجابة عليه، وقد أجاب الله عز وجل عن هذا حينما كرروا سؤالهم بقوله في السورة:
{ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو...} [الآية 219].
العفو في النفقة: ما زاد على حاجة الإنسان لنفسه ولمن يعولهم.
المثال الثاني: قول الله عز وجل في سورة (البقرة/ 2 مصحف/ 87 نزول):
{*يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج...} [الآية 189].
سأل السائلون عن الظاهرة الكونية في الأهلة، لماذا يبدأ الهلال كالحاجب في أول الشهر، ويتزايد يوما فيوما، حتى يكون القمر بدرا، وبعد ذلك يتناقص حتى يكون في آخر الشهر مثلما بدأ في أوله؟

(1/396)


ولما كانت هذه الظاهرة إحدى أنظمة الكون يمكن بالبحث العلمي أن يكتشفها الناس مستقبلا، وليس بيانها من الأغراض الدينية الأساسية التي بعث الله الرسل لبيانها، جاء الجواب مبينا وظيفة الأهلة المرتبطة ببعض قضايا الدين، وهي تحديد مواقيت الشهور، التي يحتاجها الناس لعباداتهم، ومعاملآتهم، وتواريخهم، وتكاليفهم، المرتبطة بالأشهر القمرية، كالصيام، وأشهر العدة، ومرور الحول لأداء الزكاة، وغير ذلك، وخص الله منها الحج اهتماما بتحديد وقته، إذ دخل فيه التحريف الجاهلي بالنسيء الذي كانوا يصنعونه.
أما الظواهر الكونية القائمة على أسباب غير منظورة فكثيرة جدا، والناس لا يستطيعون إحصاءها، وفتح أبواب السؤال عنها والإجابة عليها. يحول مهمة الرسول من رسالة دينية إلى رسالة عالم من علماء أنظمة الله في كونه.
***
(3) النوع الثالث الإظهار في مقام الإضمار، والإضمار في مقام الإظهار
ومن الخروج عن مقتضى الظاهر: الإظهار في مقام الإضمار، وبالعكس، فهو قسمان:
القسم الأول: الإظهار في مقام ا لإضمار.
قد يكون استخدام الضمير في الكلام هو المتبادر الذي يقتضيه ظاهر الأسلوب المعتاد، لكن قد يوجد داع بلاغي يستدعي الاسم الظاهر بدل استخدام الضمير، ومن الأغراض البلاغية لهذا ما يلي:
الغرض الأول: الإشعار بكمال العناية بما استخدم للدلالة عليه الاسم الظاهر بدل الضمير، من أجل اختصاصه بحكم غريب مثلا، ومنه:
قول أحمد بن يحيى الراوندي:
*كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه * وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا*
*هذا الذي ترك الأوهام حائرة * وصير العالم النحرير زنديقا*

(1/397)


فجاء اسم الإشارة "هذا" في مقام الضمير "هو" لتوجيه العناية تفكرا في حكمة الله بتقدير أرزاق العباد، وإدراك أن الأرزاق قد تقتضي حكمة الله بأن تأتي وافرة للجاهل، وتأتي غير وافرة للعالم العاقل.
الغرض الثاني: التهكم باستخدام سم الإشارة، ويمكن أن أمثل له بقولي:
*قال للأعمى وقد أزعجه * منه إنكار بزوغ القمر*
*أيها الجاحد هذا نوره * ساطع عبر غصون الشجر*
كان مقتضى الظاهر أن يقول له:
*نوره يخترق الأفق لنا * فنراه من خلال الشجر*
لكنه أراد التهكم به لجحوده ما يراه المبصرون وهو أعمى، فاستخدم اسم الإشارة، لإشعاره بأنه لو كان يبصر لرآه.
ومنه فيما أرى باستخدام الاسم المظهر، قول الله عز وجل في سورة (الأنفال/ 8 مصحف/ 88 نزول) خطابا للكافرين:
{إن تستفتحوا فقد جآءكم الفتح...} [الآية 19].
أي: إن تطلبوا الفتح فقد جاءكم الفتح، وكان مقتضى الظاهر أن يكتفى بالضمير فيقال: "إن تستفتحوا فقد جاءكم" ولكن جيء بالاسم المظهر للتهكم بهم، لأن الفتح وهو النصر الذي جاءهم كان عليهم ولصالح المسلمين.
الغرض الثالث: إظهار بلاهة المقصود بالخطاب، وأنه لا يفهم إلا بالإشارة الحسية، فلا يكفيه الضمير لمعرفة المراد، كأن تقول لمن تريد وصفه بالبلادة، وهو يتحدث عن كتاب بيده اشتراه وهو مبتهج بشرائه له: أرني هذا الكتاب الذي اشتريته.
لقد كان مقتضى الظاهر أن تقول له: أرنيه، إلا أنك أردكت إشعاره بالبلادة، وأنه ليس أهلا لاقتناء الكتب.
الغرض الرابع: إظهار فطانة المتكلم أو المخاطب، حتى كأن الأمر الفكري غير المحسوس هو بالنسبة إليه يشبه الأمور الحسية، ومنه قول الشاعر:
*تعاللت كي أشجى وما بك علة * تريدين قتلي قد ظفرت بذلك*

(1/398)


أي: ادعيت العلة كي أحزن من أجلك وأنت سليمة، أتريدين قتلي بما تفعلين.
إن كنت تريدين قتلي فقد ظفرت بذلك، وكان مقتضى الظاهر أن يقول لها: قد ظفرت به.
الغرض الخامس: زيادة تمكين ما استخدم للدلالة عليه الاسم الظاهر بدل الضمير، ومنه قوله الله عز وجل في سورة (الصمد/ 112 مصحف/ 22 نزول):
{قل هو الله أحد (1) الله الصمد (2)}.
كان مقتضى الظاهر أن يكون التعبير: "هو الصمد" لكن بلاغة القرآن جاء فيها استعمال الاسم العلم الظاهر بدل الضمير، لتوكيد وتمكين إسناد الصفات في السورة إلى الله عز وجل.
الغرض السادس: الاستعطاف بإعلان الخضوع، بغية استدرار الرحمة والشفقة، ومنه قول العبد الذي يستدر رحمة ربه:
*إلهي عبدك العاصي أتاكا * مقرا بالذنوب وقد دعاك*
كان مقتضى الظاهر أن يقول: "أنا العاصي أتيتك" لكنه أراد أن يستعطف ربه ويظهر كمال خضوعه له، فذكر الاسم الظاهر بدل ذكر الضمير.
الغرض السابع: إدخال الروعة والمهابة في نفس المخاطب، ومنه قول الله عز وجل في سورة (آل عمران/ 3 مصحف/ 89 نزول) خطابا للرسول صلى الله عليه وسلم:
{فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين (59)}.
إن مقتضى الظاهر يستدعي أن يقال: "فتوكل عليه إنه يحب المتوكلين".
لكن وضع الاسم المظهر وهو لفظة الجلالة "الله" موضع الضمير لإدخال الروعة والمهابة، نظرا إلى أن لفظ الجلالة يجمع كل صفات كمال الله عز وجل، باعتباره اسما علما للذات العلية، وما هو اسم علم للذات يكون جامعا لكل صفات الكمال.

(1/399)


الغرض الثامن: التعجيب واستثارة الإنكار، ومنه قول الله عز وجل في سورة (ص/ 38 مصحف/ 38 نزول):
{ص والقرآن ذي الذكر (1) بل الذين كفروا في عزة وشقاق (2) كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص (3) وعجبوا أن جآءهم منذر منهم وقال الكافرون هاذا ساحر كذاب (4)}.
جاء في هذا النص: {وقال الكافرون} مع أن مقتضى الظاهر أن يقال: "وقالوا" باستخدام الضمير، ولكن وضع الاسم المظهر "الكافرون" مقام الضمير للتعجيب من فظاعة مقالتهم، واستثارة النكير عليهم، والإشعار بأنهم أهل تمرد وعناد، كافرون بالحق، ساترون لأدلته وبراهينه الواضحة.
***
القسم الثاني: الإضمار في مقام الإظهار.
ويلاحظ هذا القسم في موضعين:
الموضع الأول: ضمير الشأن أو القصة، وهو ضمير الغائب الذي يقع قبل الجملة، ويسمى ضمير الشأن إذا كان مذكرا، وضمير القصة إذا كان مؤنثا، ويعود كل منهما إلى ما في الذهن من شأن أو قصة، وذلك هو مضمون الجملة التي بعده.
وضمير الشأن أو القصة لا يحتاج إلى ظاهر يعود عليه، ولا يفسر إلا بجملة.
ويستعمل ضمير الشأن أو القصة في مقام الاسم الظاهر في الأمر الذي يراد فيه التعظيم والتفخيم، أو التهويل، أو الاستهجان، أو نحو ذلك.
ولهذا الضمير أربعة أحوال:
(1) أن يكون بارزا متصلا، في باب "إن" مثل قول الله عز وجل في سورة (يوسف/ 12 مصحف/ 53 نزول) حكاية لمقالة يوسف عليه السلام لإخوته:
{إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين (90)}.
اي: إن الشأن العظيم الذي يعظم لدى أولي الألباب هو "من يتق ويصبر...".

(1/400)


(2) أن يكون بارزا منفصلا، إذا كان عامله معنويا، أي: إذا كان مبتدأ، مثل قول الله عز وجل:
{قل هو الله أحد (1)}.
أي: قل: الشأن العظيم الجليل الذي يجب أن يهتم به كل ذي فكر الله أحد....
(3) أن يكون مستترا، ويكون مستترا في باب "كاد"، مثل قول الله عز وجل في سورة (التوبة/ 9 مصحف/ 113 نزول):
{لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم...} [الآية 117].
أي: من بعد ما كاد شأنهم المستنكر يزيغ قلوب فريق منهم، فضمير الشأن هنا مستتر، ولكن بقيت دلالته.
(4) أن يكون واجب الحذف، ويجب حذفه مع "أن" المفتوحة المخففة من الثقيلة، مثل قول الله عز وجل في سورة (يونس/ 10 مصحف/ 51 نزول):
{وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين (10)}.
أي: وآخر دعاء أهل الجنة في الجنة أن شأنهم المحمود أن يحمدوا ربهم قائلين: الحمد لله رب العالمين.
فضمير الشأن هنا محذوف وجوبا، ولا يجوز في العربية إظهاره.
والغرض من وضع ضمير الشأن موضع الاسم الظاهر التعظيم والتفخيم، أو التهويل، أو الاستهجان، أو نحو ذلك كما سبق، وهذا من خصائصه في أصل الوضع اللغوي واستعمالات العرب له.
الموضع الثاني: الضمير في باب "نعم وبئس وما جرى مجراهما" وهي أفعال لإنشاء المدح أو الذم على سبيل المبالغة، وفاعل هذه الأفعال قد يكون اسما ظاهرا، وقد يكون ضميرا مستترا وجوبا مميزا بكلمة "ما" بمعنى شيء أو كلمة "من" بمعنى شخص، أو بنكرة عامة.

(1/401)


والغرض من الضمير المستتر في هذا الباب الإبهام به أولا للتشويق واستثارة النفس، ويأتي التمييز فيزيل بعض الإبهام ويزيد تشويقا لمعرفة المخصوص بالمدح أو الذم، وهذا من خصائص هذا الضمير في أصل الوضع اللغوي واستعمالات العرب له، ومن الأمثلة ما يلي:
* قول الله عز وجل في وسورة (البقرة/ 2 مصحف/ 87 نزول):
{إن تبدوا الصدقات فنعما هي...} [الآية 271].
أصلها: فنعم ما، أي: فنعم هو شيئا.
* وقول الله عز وجل في سورة (المائدة/ 5 مصحف/ 112 نزول) بشأن كثير من اليهود.
{وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون (62)}.
أي: لبئس هو شيئا قبيحا كانوا يعملونه.
***
(4) النوع الرابع التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي
من الخروج عن مقتضى الظاهر التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي، والغرض من هذا التعبير الدلالة على تحقق الوقوع، وهو كثير في القرآن المجيد.
ومن روائعه ما كان على سبيل اقتطاع أحداث المستقبل التي سيتحقق وقوعها حتما، وتقديمها في صورة أحداث تم وقوعها.
ومن الأمثلة قول الله عز وجل في سورة (الأعراف/ 7 مصحف/ 39 نزول):

(1/402)


{والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولائك أصحاب الجنة هم فيها خالدون (42) ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهاذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جآءت رسل ربنا بالحق ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون (43) ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين (44)}.
فجاء في هذه الآيات وطائفة من الآيات بعدها في السورة تقديم صور من أحداث المستقبل التي ستكون بصيغ أفعال من أفعال الماضي، كأنها أمور قد وقعت فعلا ومضت للدلالة على تحقق وقوعها في المستقبل، ولاعطاء الأحداث المستقبلية صور قصص تم حدوثها، فهي تقدم بتصوير فني مطابق للواقع.
ومعلوم لدى كل ذواق للتصوير الفني في القصص أن ما كان منها أكثر مطابقة للواقع كان أكثر تأثيرا في النفوس، واستثارة للمشاعر.
***
(5) النوع الخامس التغليب
التغليب: إعطاء أحد المتصاحبين في اللفظ، أو المتشاكلين المتشابهين في بعض الصفات، أو المتجاورين أو نحو ذلك حكم الآخر.
ومن فوائده الإيجاز في العبارة، مع فوائد بلاغية تلاحظ في مختلف الأمثلة.

(1/403)


ويكون التغليب في أمور كثيرة، منها: تغليب المذكر على المؤنث، وتغليب الكثير على القليل، وتغليب المعنى على اللفظ، وتغليب المخاطب على الغائب، وتغليب أحد المتناسبين أو المتشابهين أو المتجاورين على الآخر، وتغليب العقلاء على غيرهم، إلى غير ذلك من أمور.
الأمثلة:
* ذكر الله عز وجل في القرآن الذين آمنوا والذين كفروا في نصوص كثيرة، ويدخل المؤمنات في الذين آمنوا، والكافرات في الذين كفروا، لأن الاقتصار في اللفظ على المذكورين قد كان على سبيل التغليب.
* قول الله عز وجل في سورة (ص/ 38 مصحف/ 38 نزول):
{إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين (71) فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين (72) فسجد الملائكة كلهم أجمعون (73) إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين (74)}.
جاء في هذا النص وأشباهه ذكر الملائكة دون ذكر من كان معهم من الجن على سبيل تغليب الكثير على القليل، فالذين كانوا مع الملائكة من الجن داخلون في عموم الامر بالسجود لآدم، دل على هذا استثناء إبليس، فقد كان من الجن ففسق عن أمر ربه، ولو لم يكن الجن الذين كانوا مع الملائكة مأمورين بالسجود لما استثناه الله من عموم المأمورين به إذ لم يسجد.
* قول الله عز وجل في سورة (الأحقاف/ 46 مصحف/ 66 نزول) حكاية لمقالة هود عليه السلام لقومه:
{ولكني أراكم قوما تجهلون (23)}.
كان مقتضى الظاهر أ ن يكون النص: قوما يجهلون، بياء الغائب مراعاة للفظ {قوما} لكن جاء في النص تغليب المعنى، فهو يخاطبهم بقوله: {أراكم} فناسب هذا المعنى أن يقول لهم {تجهلون}.

(1/404)


والغرض البلاغي من هذا التغليب موجهتهم بوصفهم بالجهالة، إذ وصلوا إلى طور العناد الشديد والتحدي بأن يأتيهم بالإهمال الذي كان ينذرهم به.
* ما جاء في قوله الله عز وجل في سورة (طه/ 20مصحف/ 45 نزول) خطابا لموسى عليه السلام، وهو في المناجاة بجانب الطور، ولم يكن معه أخوه:
{ اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري (42) اذهبآ إلى فرعون إنه طغى (43) فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى (44)}.
ففي هذا النص تغليب المخاطب وهو موسى عليه السلام بأسلوب الخطاب على الغائب وهو هارون عليه السلام، والغرض البلاغي اعتبار الغائب كأنه حاضر يتلقى الخطاب.
* إطلاق لفظ {العالمين} في القرآن في سورة (الفاتحة) وفي بعض النصوص الأخرى على كل ما سوى الله، تغليبا للعقلاء على غيرهم.
* قول الله عز وجل في سورة (الأعراف/ 7 مصحف/ 39 نزول):
{يابني ءادم لا يفتننكم الشيطان كمآ أخرج أبويكم من الجنة...} [الآية 27].
أي: كما أخرج أباكم وأمكم، فقد جاء ذكرهما بعبارة {أبويكم} على سبيل التغليب، لما بينهما من علاقة، وغلب الذكر على الأنثى.
ومنه ما هو معروف في استعمال الناس من إطلاق لفظ القمرين على الشمس والقمر.
***
(6) النوع السادس وضع الخبر موضع الإنشاء ووضع الإنشاء موضع الخبر
ومن الخروج عن مقتضى الظاهر وضع الخبر موضع الإنشاء، ووضع الإنشاء موضع الخبر، لأغراض بلاغية متعددة.
أولا: فمن أغراض وضع الخبر موضع الإنشاء مايلي: الغرض الأول: التفاؤل بتحقق المطلوب، كالدعاء بصيغة الخبر، تفاؤلا بالاستجابة، ومنه ما يلي:
* قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "غفار غفر الله لها".

(1/405)


غفر: فعل ماض، فالصيغة خبر، وقد وضع موضع الإنشاء، إذ المعنى: اللهم اغفر، والغرض التفاؤل باستجابة الدعاء.
ومنه قول الشاعر:
*كل خليل كنت خاللته * لا ترك الله له واضحه*
*كلهم أروغ من ثعلب * ما الليلة بالبارحه*
الواضحة: الأسنان التي تبدو عند الضحاك.
ما أشبه الليلة بالبارحة: مثل يضرب لتشابه الأمور.
لقد كان مقتضى الظاهر أن يدعو عليه بمثل: "اللهم كسر أسنانه" بصيغة الإنشاء، لكن جاء بصيغة الخبر تفاؤلا بأن يستجاب دعاؤه.
الغرض الثاني: التأدب بالابتعاد عن صيغة الأمر، احتراما لمن يوجه له الطلب، كأن يقول رافع خطاب طلب للأمير أو الرئيس: "يتكرم الأمير بأن يطلع على خطابي، وينظر في طلبي".
الغرض الثالث: التنبيه على أن المطلوب يسير سهل، قد توافرت أسبابه، كأن يقول القائد لجنده في بدء المعركة: "أنتم تحسونهم حسا، تقتلون ذوي البأس منهم، وتطاردون الفارين، وتأسرون سائرهم".
أي: افعلوا كذا وكذا.
الغرض الرابع: إظهار الرغبة في حصول المطلوب، كأن تكتب رسالة لقريب أو صديق غائب، تقول فيها: "جمع الله شملنا، ووصل ما انقطع من حبالنا، وأمتعنا بأيام أنس وصفاء، كما كنا قبل زمان البعد والغربة".
الغرض الخامس: التنبيه على لزوم سرعة امتثال الأمر التكليفي، وأنه ينبغي ألا يمر زمن إلا والمطلوب متحقق الوقوع، ومنه قول الله عز وجل في سورة (البقرة/ 2 مصحف/ 87 نزول) خطابا لبني إسرائيل:
{وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دمآءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون (84)}.

(1/406)


أي: لا تسفكوا دماءكم، ولا تخرجوا أنفسكم من دياركم، فجاء التكليف بصغية الخبر وبعبارة الفعل المضارع للإشعار بلزوم فورية الامتثال.
الغرض السادس: حمل المخاطب على الفعل بألطف أسلوب، كأن تقول لتميذك الحريص على أنه لا يكذبك فيما تخبر عنه من أحداث المستقبل.
"تلميذي حسين يخطب غدا يوم الجمعة عني في المسجد الجامع بموضوع كذا...".
إلى غير ذلك من أغراض قد تتفتق عنها أذهان البلغاء الأذكياء.
ثانيا: ومن أغراض وضع الإنشاء موض الخبر ما يلي:
الغرض الأول: إظهار العناية والاهتمام بالشيء، ومنه قول الله عز وجل في سورة (الأعراف/ 7 مصحف/ 39 نزول):
{قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون (29)}.
كان مقتضى الظاهر أن يقال: وبإقامة وجوهكم عند كل مسجد وبدعائكم مخلصين له الدين، عطفا على لفظ {بالقسط} وبأسلوب الخبر، لكن خولف هذا الظاهر فجاء التعبير بأسلوب الإنشاء في صيغة الأمر التكليفي، إشعارا بالاهتمام بالمطلوب في أمر التكليف.
الغرض الثاني: التفريق في أسلوب الكلام بين المتقارنين في العبارة للإشعار بالفرق بينهما، وبأنهما لا يحسن الحديث عنهما بتعبيرين متثماثلين، ولو في الصيغة الكلامية، ومن الأمثلة قول الله عز وجل في سورة (هود/ 11 مصحف/ 52 نزول) في حكاية قول هود عليه السلام لقومه:
{قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون (54)}.
كان مقتضى الظاهر أن يقول لهم: إني أشهد الله وأشهدكم أني بريء مما تشركون.
لكن جاء التعبير علىخلاف مقتضى الظاهر هذا، لئلا يكون التحدث عنهم وهم كفرة مشركون بعبارة مشابهة للعبارة التي جاء فيها إشهاد الله عز جل.

(1/407)


الغرض الثالث: الإشعار بأن ما هو مقرر حصوله هو أمر مرغوب فيه للمتحدث، فكأنه مطلوب له، ومن أمثلته قول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:
"من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار".
كان مقتضى الظاهر يستدعي أن يقول: فإنه سيتبوأ مقعده من النار، بأسلوب الخبر، لكن عدل الرسول عن ذلك وجاء بأسلوب الإنشاء "فليتبوأ" للإشعار بأن هذا التبوء أمر يطلبه الرسول صلى الله عليه وسلم ويدعو ربه به.
إلى غير ذلك من أغراض بلاغية قد تتفتق عنها أذهان البلغاء الأذكياء.
***
(7) النوع السابع الانتقال من الفعل الماضي إلى الفعل المضارع وبالعكس
ومن الخروج عن مقتضى الظاهر الانتقال في تتابع الجمل من الفعل الماضي إلى الفعل المضارع وبالعكس.
ولهذا الانتقال أغراض بلاغية يقصدها البلغاء، ويكتشف متدبر النصوص الرفيعة أغراضا نفيسة تقصد بهذا الانتقال.
* فمن الانتقال من الماضي إلى المضارع فالماضي قول الله عز وجل في سورة (فاطر/ 35 مصحف/ 43 نزول):
{والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور (9)}.
كان مقتضى الظاهر بعد فعل {أرسل} الماضي أن يعطف عليه بفعل ماض فيقال: "فأثارت" لكن عدل عن هذا الظاهر إلى: {فتثير} بالمضارع بغية تقديم صورة السحاب المثار كأنه حدث يجري مع تلاوة النص، وهذا أسلوب فني بديع، فيه إحضار للمشاهد الماضية في صور المشاهد الحاضرة الجارية، ذات الأحداث المتجددة، إذ الفعل المضارع يفيد مع الحدوث الحاضر ظاهرة التجدد والتتابع.
يضاف إلى هذا الغرض التنويع في أسلوب التعبير الذي يستثير الانتباه ويستدعيه بقوة.

(1/408)


ونلاحظ في هذه الآية العود إلى الفعل الماضي بقوله تعالى: {فسقناه - فأحيينا} للتأكد على أن الغرض من التعبير بعبارة: {فتثير} تصوير حدث مضى بصورة حدث يجري في الحاضر.
* ومن الانتقال من المضارع إلى الماضي قول الله عز وجل في سورة (النمل/ 27 مصحف/ 48 نزول) في وصف بعض أحداث يوم القيامة:
{ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شآء الله وكل أتوه داخرين (87)}.
داخرين: أي: أذلاء صاغرين خاضعين.
كان مقتضى الظاهر يستدعي أن يقال: {ففزع} بالفعل المضارع عطفا على فعل {ينفخ} لكن عدل عن هذا الظاهر لتقديم الأحداث التي ستأتي في المستقبل في صورة أحداث قد وقعت ومضت.
ومع ما في هذا الأسلوب من تنويع يستثير الانتباه، فهو يتضمن تأكيد أن هذا الأمر الذي سيحدث مستقبلا هو بقوة الأمر الذي وقع في الماضي، إذ مجيئه في المستقبل حتمي، وحتمية وقوعه في المستقبل تسمح بالتحدث عنه بصيغة الفعل الماضي، كما يقول الماهر بالرمي إذا أطلق قذيفة مسددة إلى الهدف بدقة تامة: "لقد أصابت الهدف" مع أنها ما زالت تسير في الجو لم تصل بعد إلى الهدف.
وهذا فن بديع من فنون الإبداع البياني البليغ، ولكن استخدامه يحتاج قدرة بيانية رفيعة، تمكن المتكلم من اختيار المواضع الملائمة لاستخدامه.
***
(8) النوع الثامن تجاهل العارف
ومن الخروج عن مقتضى الظاهر "تجاهل العارف" إذ الأمور التي تجري على طبيعتها بالتلقائية أن يتكلم العارف بالأمر على وفق معرفته له، ولكن قد تدعوه بلاغية إلى الظاهر بالشك أو الجهل.
ومن الدواعي البلاغية لهذا: "المدح - الذم - التعجب - التوبيخ".
أمثلة:
* قول الشاعر:

(1/409)


*ألمع برق جرى أم ضوء مصباح * أم ابتسامتها بالمنظر الضاحي*
المنظر الضاحيك هو المنظر البارز الواضح.
يريد الشاعر أن يصف ابتسامة مالكة هواه بأنها ابتسامة مضيئة، فأراد تأكيد هذه الفكرة بطرح تشكيك حول ثلاثة أمور باعثات ضوء، وهي: "لمع البرق - ضوء مصباح - بريق ثغرها" وهو عارف غير جاهل، فبريق تغرها هو الذي أثار مشاعره، فأراد أن يثني عليه بطرح اختلاطه في تصوره بالأشياء والنظائر، مع تأكيد أن ابتسامتها ذات بريق.
* قول البوصيري:
*أمن تذكر جيران بذي سلم * مزجت دمعا جرى من مقلة بدم*
*أم هبت الريح من تلقاء كاظمة * وأومض البرق في الظلماء من إضم*
يريد تأكيد بكائه المختلط بالدم، بطرح تشكيكه في الأسباب الداعية إلى ذلك، أهي التذكر، أم الريح التي هبت من أرض محبوبه، أم البرق الذي أومض من جهتها، وهو عارف بأن السبب هو التذكر.
* قول المتنبي:
*مالي أكتم حبا قد يرى جسدي * وتدعي حب سيف الدولة الأمم*
يرى جسدي: أي: أنحله وأضناه.
قال العكبري في شرح هذا البيت: يقول: لأي شيء أخفي حبه. وغيري يظهر أنه يحبه، وهو بخلاف ما يضمر، وأنا مضمر من حبه ما يزيد مضمره على ظاهره، ومكتومه على شاهده، و الأمم تشركني في ادعاء ذلك، بقلوب غير خالص، ونيات غير صادقة، فينحل جسمي بقدمي في صدق وده، وتأخري فيما يخصني من فضله".
إنه على طريقة تجاهل العارف قال: "مالي أكتم حبا قد برى جسدي" لتأكيد حبه له بتساؤله عن سبب تكتمه بهذا الحب.
***
(9) النوع التاسع القلب

(1/410)


ومن الخروج عن مقتضى الظاهر "القلب" ويكون القلب بإجراء التبادل بين جزئين من أجزاء الجملة لغرض بلاغي يستحسنه الفطناء، ويلحق به القلب في التشبيه.
وأمثل للقلب في التشبيه بقولي صانعا مثلا:
*تداول الإلماح بدر الدجى * كوجه هند من وراء الشبك*
والوردة الحسناء في غصنها * وجنتها مدت إلينا الشرك*
واستعمل القلب في التشبيه يتضمن ادعاء أن الصفات في المشبه أفضل منها في المشبه به، فيأتي القلب أبلغ إذا كان التشبيه دقيقا متقنا مختارا ببراعة.
* ومن القلب قول الشاعر: "يكون مزاجها عسل وماء".
وكان مقتضى الظاهر أن يقول: تكون مزاج العسل والماء، إلا أن الشاعر أجرى القلب بين جزئين جملته.
* ومن القلب قول الشاعر يصف ناقته.
*فلما أن جرى سمن عليها * كما طينت بالفدن السياعا*
الفدن: القصر.
السياع: الطين المخلوط بالتبن يطين به البناء.
وحسن هذا القلب إذ كان الغرض منه الإشعار بأن الطين كان أكثر من القصر، حتى كأن القصر هو الذي كان طينا للطين.
ملاحظات:
الأولى: حين لا يتضمن القلب غرضا مقبولا لدى البلغاء والأدباء يكون سمجا مرفوضا، كقول عروةم بن الورد.
*"فديت بنفسه نفسي ومالي".*
إن ما يتبادر إلى الذهن هو أنه يؤثر نفسه، ولا يفدي محبوبه بنفسه وماله.
الثانية: أرى أن من القلب أن يوجه الأب مثلا لابنه تكليفا بعمل بصورة مقلوبة، فيقول له مثلا: "أعطني نقودا لأذهب إلى السوق وأشتري لك فاكهة"، أي: خذ مني النقود وأحضر الفاكهة من السوق.

(1/411)


الثالثة: وأرى أن من القلب أن يلاحظ البليغ أن عند غيره كلاما يتلجلج في صدره، ويريد أن يقوله له، إلا أنه يكتمه خجلا، أو خوفا، أو تأدبا، أو غير ذلك، فيقول عنه، لكنه يخاطبه به، كأن يقول لزائره الذي يكثر من زيارته، وفي نفسه أن يوجه له عتابا على أنه لا يقابله بالمثل، في شعر صنعته مثلا لهذا:
*مالي أزورك في شوق وفي حدب * وأنت تهجرني في الفكر والنزل*
*ما هكذا يصنع الأحباب ما صدقت * حبال ودهم في القول والعمل*
أي: من حقك أن تقول لي هذا الكلام.
***

(1/412)


"علم المعاني"
الباب الثالث: القصر
تعريف القصر
القصر: يأتي في اللغة بمعنى التخصيص، يقال لغة: قصر الشيء على كذا، إذا خصصه به، ولم يجاوز به إلى غيره. ويقال: قصر غلة بستانه على عياله، إذا جعلها خاصة لهم، وقصر الشيء على نفسه، إذا خص نفسه به، فلم يجعل لغيره منه شيئا.
ويأتي القصر أيضا بمعنى الحبس، يقال لغة: قصر نفسه على عبادة ربه، إذا حبسها على القيام بعبادة ربه، وقصر جنده على ممارسة التدريب العسكري في القلعة، إذا حبسهم وألزمهم بذلك فيها.
والقصر في اصطلاح علماء البلاغة: تخصيص شيء بشيء بعبارة كلامية تدل عليه.
ويقال في تعريفه أيضا: جعل شيء مقصورا على شيء آخر بواحد من طرق مخصوصة من طرق القول المفيد للقصر.
والمقصور عنه على وجهين:
الوجه الأول: أن يكون جميع ما سوى المقصور عليه، ويسمى عند البلاغيين "قصرا حقيقيا" مثل: "لا إله إلا الله" أي: لا يوجد في الوجود كله معبود بحق سوى الله عز وجل.
وهذا "القصر الحقيقي" إذا كان مضمونه مطابقا للواقع سموه "حقيقيا تحقيقيا" أي: صادقا مطابقا للواقع.
وإذا كان غير مطابق للواقع، وإنما ذكر على سبيل المبالغة والادعاء المجازي، سموه "حقيقيا ادعائيا" أو مجازيا" مثل قولهم: لا سيف إلا ذو الفقار.
الوجه الثاني: أن يكون المقصور عنه شيئا خاصا يراد بالقصر بيان عدم صحة ما تصوره بشأنه أو ادعاه المقصود بالكلام، أو إزالة شكه وتردده، إذا الكلام كله منحصر في دائرة خاصة، ويسمى "قصرا إضافيا" أي: ليس قصرا حقيقيا عاما، وإنما هو قصر بالإضافة إلى موضوع خاص يدور حول احتمالين أو أكثر من احتمالات محصورة بعدد خاص، ويستدل عليها بالقرائن.

(1/413)


مثل: [وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل] لقد جاء هذا البيان لتصحيح تصور الذين يتوهمون أن محمدا رسول لا يموت كما يموت سائر الناس.
فالموضوع الخاص الذي يدور الكلام حوله هو كون محمد رسولا مبرءا من أن يكون عرضة للموت، فجاء النص مبينا قصره على كونه رسولا فقط، والمقصور عنه أمر خاص هو كونه لا يموت، لا سائر الصفات غير صفة كونه رسولا، إذ له صفات كثيرة لا حصر لها، وهي لا تدخل في المقصور عنه.
إذن: فالقصر في هذا المثال هو من قبيل"القصر الإضافي".
***
(2) أقسام القصر بحسب أحوال المقصور والمقصور عليه
كل من القصر الحقيقي والقصر الإضافي ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: قصر موصوف على صفة دون غيرها.
ويكون قصرا حقيقا، وقصرا إضافيا.
القسم الثاني: قصر صفة على موصوف دون غيره.
ويكون قصرا حقيقا، وقصرا إضافيا.
وليس المقصود بالوصف في باب القصر النعت النحوي الذي يتبع منعوته، بل هو كل معنى من المعاني يتصف به موصوف ما، كالفعل يتصف به الفاعل باعتبار كونه فاعلا، ويتصف به المفعول به باعتبار كونه مفعولا به، كالخبر يتصف به المبتدأ، وكالحال يتصف به صاحب الحال، وكفعل ما يتصف بكونه قد وقع في مكان ما أو زمان ما، وهكذا.
فقد يريد المتكلم أن يقصر مثلا الفعل على الفاعل، أو على المفعول به، أو يقصر الخبر مثلا على المبتدأ، أو الحال مثلا على صاحب الحال، وهكذا.
وقد يريد المتكلم أن يقصر مثلا الفاعل أو المفعول به على الفعل، أو المبتدأ مثلا على الخبر، أو صاحب الحال على الحال، وهكذا.
الأمثلة: * حينما نقول: "لا إله إلا الله" فإننا نقصر وصف الإلهية الحق على موصوف هو الله وحده "هذا من قصر الصفة على الموصوف - وهو قصر حقيقي".

(1/414)


* وحينما نقول: "ما لإبليس من عمل في الناس إلا الوسوسة والإغواء" فإننا نقصر عمل إبليس في الناس على صفتي الوسوسة والإغواء.
عمل إبليس في الناس موصوف، والوسوسة والإغواء صفة "هذا من قصر الموصوف على الصفة".
فإذا كان لا صفة لعلمه في الناس بحسب الواقع إلا الوسوسة والإغواء كان قصرا حقيقيا، وإذا كان لعمله صفات أخرى غير الوسوسة والإغواء كان قصرا إضافيا.
* وحينما نقول: "ليس في كلام الله بأطل بل كله حق" فإننا نقصر كلام الله في موضوع الحق والباطل على صفة كونه حقا "هذا من قصر الموصوف على الصفة - وهو قصر إضافي".
* وحينما نقول: "علم قيام الساعة عند الله لا عند غيره" فإننا نقصر علم قيام الساعة على الله وننفيه عن غيره "هذا من قصر الصفة على الموصوف - وهو قصر حقيقي".
* وحينما نقول: "طاف الرسول صلى الله عليه وسلم حول الكعبة راكبا ناقته لا ماشيا" فإننا نقصر طواف الرسول على حالة الركوب، دون المشي، "هذا من قصر الموصوف وهو الطواف على الصفة وهي كونه ركوبا_ وهو من القصر الإضافي".
* وحينما نقول: "إنما تشرق الشمس في النهار" فإننا نقصر شروق الشمس على كونه في النهار دون الليل "هذا من قصر الموصوف وهو شروق الشمس على الصفة وهي كونه في زمن النهار - وهو من القصر الإضافي لأن الشروق له صفات أخرى كثيرة غير كونه في النهار، لكن الموضوع المتحدث عنه خاص بزمن الشروق".
***
(3) أركان القصر
مما سبق يتضح لدينا أن للقصر أربعة أركان:
الركن الأول: المقصور، صفة كان أو موصوفا.
الركن الثاني: المقصور عليه، صفة كان أو موصوفا.
الركن الثالث: المقصور عنه، وهو المنفي المستبعد بالقصر.
الركن الرابع: القول المقصور به.
(1) ففي كلمة التوحيد: "لا إله إلا الله" وهي من القصر الحقيقي بصر صفة على موصوف:
* المقصور: صفة الإلهية للمعبود بحق.

(1/415)


* المقصور عليه قصرا حقيقا: الله عز وجل الموصوف بأنه الإله بحق.
* المقصور عنه: كل ما سوى الله عز وجل.
* القول المقصور به: النفي والاستثناء في العبارة: "لا..إلا..".
(2) وفي عبارة: [وما محمد إلا رسول] وهي من القصر الإضافي بقصر موصوف على صفة:
* المقصور: "محمد" الموصوف بأنه رسول.
* المقصور عليه قصرا إضافيا: صفة رسالته، المفهومة من "رسول".
* المقصور عنه قصرا إضافيا: صفة تبرئه من أني كون عرضة للموت، لتصحيح تصور متوهمي ذلك فيه، ظانين ظنا توهميا أنه لا يموت.
* القول المقصور به: النفي والاستثناء في العبارة: "ما...إلا...".
***
(4) أقسام القصر بحسب أحوال من يوجه له الكلام
من المعلوم أن الكلام يوجه لمن يراد إعلامه بمضمونه وهو خالي الذهن، أو يراد تصحيح تصوره الذي هو مخطىء فيه بحسب اعتقاد موجه القول، أو يراد رفع شكه وتردده، ويستخلص من هذا أربعة أقسام في القصر:
القسم الأول: أن يكون الكلام المشتمل على القصر موجها لخالي الذهن، أو إعلانا عن اعتقاد المتكلم، أو اعترافه بمضمون ما يقول، أو تعبيره عما في نفسه لمجرد الاعلام به، وأسميه: "قصرا إعلاميا ابتدائيا".
وأشير إلى أن البلاغيين لم يذكروا هذا القسم اكتفاء بالمفاهيم العامة المعروفة من توجيه الكلام.
القسم الثاني: أن يكون الكلام المشتمل على القصر موجها لمن يراد إعلامه بخطأ تصوره مشاركة غير المقصور عليه في المقصور.
ويسمي البلاغيون هذا "قصر إفراد".
مثاله: يعتقد المشرك أن الأرباب التي يؤمن بها تخلق، كما أن الله يخلق، فنقول له: "لا خالق إلا الله".

(1/416)


هذا قصر حقيقي، من قصر الصفة على الموصوف، ويراد منه إفراد الله عز وجل بالخلق، ونفي صفة الخلق عن كل ما سواه ومن سواه من الشركاء، لتعريف الخالف بأنه مخطىء في تصوره مشاركة غير الله لله في الخلق، فهو "قصر إفراد".
القسم الثالث: أن يكون الكلام المشتمل على القصر موجها لمن يراد إعلامه بخطأ تصوره نسبة المقصور إلى غير المقصور عليه.
ويسمي البلاغيون هذا "قصر قلب".
مثاله: يعتقد الملحد الذي يجحد وجود الله عز وجل، وينسب أحداث الكون المتقنة العجيبة إلى التطور الذاتي، وإلى المصادفات، فنقول له: "لا محدث لأحداث الكون إلا الله".
هذا قصر حقيقي، من قصر الصفة التي هي إحداث أحداث الكون، على موصوف واحد هو الله عز وجل، ويراد منه قلب تصور من يوجه له الخطاب، وتعريفه بأن ما ينسبه إلى التطور الذاتي وإلى المصادفات هو الله وحده، فهو "قصر قلب".
القسم الرابع: أن يكون الكلام المشتمل على القصر موجها لمن يراد إزالة تردده وشكه، هل المقصور منسوب إلى المقصور عليه أو إلى غيره.
ويسمي البلاغيون هذا "قصر تعيين".
مثاله: يسأل متردد شاك: هل لفظ الكسوف يستعمل لاختفاء ونقصان ضوء الشمس أو نور القمر، فنقول له: "لا يستعمل لفظ الكسوف إلا للشمس، أما ما يحدث للقمر فيسمى الخسوف".
هذا قصر إضافي، لأن كلمة "الكسوف" تستعمل لمعان أخرى غير ما يحدث للشمس، ومنها تنكيس الطرف، وهو من قصر الصفة على الموصوف. ويراد منه إزالة شك وتردد من يوجه له القول بتعيين المقصور عليه، فهو "قصر تعيين".
ملاحظة:

(1/417)


يرى البلاغيون أن "قصر الإفراد، وقصر القلب، وقصر التعيين" أقسام للقصر الإضافي فقط، إلا أني لست أرى هذا، ففي الأمثلة التي أوردتها للأقسام، منها ما هو قصر حقيقي، منها ما هوا قصر إضافي.
فالأقسام الأربعة السابقة نستطيع أن نعتبرها أقساما للقصر بوجه عام، وحال المقصود بتوجيه الكلام له هو التي تحدد كون القصر قصر إعلام ابتدائي، أو قصر إفراد، أو قصر قلب، أو قصر تعيين.
***
(5) طرق القصر
يستفاد القصر بعدة طرق:
الطريق الأول: أن يكون بعبارة تدل عليه بمادتها اللغوية صراحة، مثل: "دخول مكة مقصور على المسلمين - غرفة القصر العليا خاصة بسيد القصر - سبق الفارس خالد جميع المتسابقين - دخل الزوج إلى مخدع العروس وحده - سد الصين أعظم سد في الأرض وأطوله - أبو حنيفة منفرد من بين المجتهدين في باب الاعتماد على الرأي الثاقب".
***
الطريق الثاني: أن يكون بدليل خارج عن النص، كدليل عقلي، أو دليل حسي، أو دليل تجريبي، أو دليل من القرائن الذهنية أو الحالية، مثل:
"فلان رئيس الجمهورية - الله رب السماوات والأرض وهو على كل شيء قدير - تبث الشمس ضياءها على الأرض فتمدها بالحرارة -.
*لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى * حتى يراق على جوانبه الدم*
*أروني أمة بلغت مناها * بغير العلم أو حد اليماني*
لكن القصر بواحد من هذين الطريقين لا يدخل في اهتمامات علماء البلاغة تفصيلا وتقسيما وشرحا، إلا أن القصر المستفاد بواحد منهما - فيما أرى - مشمول بكل أحكام القصر وتفصيلاته من جهة المعنى، والسبب في أن البلاغيين لم يوجهوا لهما اهتماماتهم، أنهما طريقان يتعذر حصر عناصرهما أو يعسر.

(1/418)


واهتم البلاغيون بتحديد وشرح وتقسيم وتفصيل الطريقين الآتيين "الثالث والرابع" فهو القصر الاصطلاحي المدون عند علماء البلاغة، والذي وجهوا له عنايتهم وفيما يلي شرحهما:
***
الطريق الثالث: أن يكون القصر ببعص الأدوات التي تدل عليه بالوضع اللغوي، وهي: النفي والاستثناء - وكلمتا "إنما" و "أنما" - والعطف بالحروف التالية: "لا - بل - لكن".
وفيما يلي الشرح:
أولا: النفي والاستثناء، مثل: "لا إله إلا الله - ما من إله إلا الله - وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله - وإن من شيء إلا عندنا خزائنه - فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا - وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة - قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا" ومثل إلا في الاستثناء كلمة "غير" ونحوها. ومثل النفي ما يدل على معناه، كالاستفهام.
ويكون المقصور بالنفي والاستثناء هو ما قبل الاستثناء صفة كان أو موصوفا، أما المقصور عليه فهو ما بعد أداة الاستثناء.
النفي المقصور أداة الاستثناء المقصور عليه
ما محمد (موصوف) إلا رسول "صفة"
لا صاحب للرسول في إلا أبو بكر الصديق
الغار (صفة) "موصوف"
لن يصيبنا "أي: مصيب ما" إلا ما كتب الله لنا "صفة"
وهو "موصوف" أي: صفة ما يصبنا أنه
مكتوب لنا لا علينا
ثانيا: كلمتا "إنما" بكسر الهمزة، و"أنما" فتح الهمزة، والمقصور بواحد منهما هو ما يلي الأداة، والمقصور عليه هو الذي يجيء بعده.
أمثلة:
قول الله عز وجل في سورة (النساء/ 4 مصحف/ 92 نزول):
{ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه...} [الآية 111].
أي: لا يكسبه إلا على نفسه، والمعنى أن المكسوب من الإثم "وهو هنا موصوف" مقصور على صفة واحدة هي كونه على نفس الكاسب.

(1/419)


فهو من قصر موصوف على صفة، أي: لا يضر به إلا نفسه، وظاهر أنه من قسم القصر الإضافي، إذ الكلام يدور في دائرة الجزاء عند الله، أما في غير دائرة الجزاء الرباني فقد يضر كاسب الإثم به غير من عباد الله ضررا دنيويا.
* قول الله عز وجل في سورة (الأنبياء/ 21 مصحف/ 73 نزول) خطابا لرسوله:
{قل إنمآ يوحى إلي أنمآ الهكم اله واحد فهل أنتم مسلمون (108)}.
في هذا النص قصران: أحدهما بأدامة "إنما" بكسر الهمزة والآخر بأدامة "أنما" بفتح الهمزة.
وهذان القصران مساويان لقولنا: ما يوحى إلي إلا أنه ما إلهكم إله واحد.
فالمقصور بالأداة الأولى "إنما" هو الموحى به، وهو هنا "موصوف" والمقصور عليه مضمون جملة "أنما إلهكم إله واحدا" أي: وحدانية إلهكم، وهو هنا "صفة" أي: صفة الموحى به كون مضمونه هذه الحقيقة.
والمقصور بالأداة الثانية "أنما" هو "إلهكم" وهو هنا "موصوف".
والمقصور عليه هو كونه إلها واحدا، وكونه إلها واحدا صفة.
فالمثالان من قصر موصوف على صفة، وظاهر أنهما من قبيل القصر الإضافي، إذ الكلام مع المشركين يدور في دائرة التوحيد والشرك، ومن المعلوم أن الله عز وجل كان إبان نزول النص يوحي إلى رسوله بيانات ومعلومات أخرى غير كون إلههم إلها واحدا.
* قول الله عز وجل في سرة (المائدة/ 5 مصحف/ 112 نزول) خطابا للذين آمنوا:
{وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلمو?ا أنما على رسولنا البلاغ المبين (92)}.
أي: لا يجب على رسولنا إلا البلاغ المبين.

(1/420)


المقصور بأداة "أنما" هو الوجوب على الرسول، وهو هنا "صفة" والمقصور عليه هو البلاغ المبين، وهو هنا "موصوف" فهو من قصر صفة على موصوف أي: صفة تكليف الرسول مقصورة على على موصوف هو تبليغه ما أمره الله بتبليغه بلاغا مبينا.
وهذا القصر هو من قبيل القصر الإضافي، إذ الكلام حول مسؤولية الرسول صلى الله عليه وسلم تجاه قومه في موضوع رسالته، ولا يدخل في هذه الدائرة الخاصة ما يجب على الرسول من واجبات أخرى تجاه ربه وتجاه أصحاب الحقوق، وواجبات أخرى غير ذلك.
* ونقول في قصر الموصوف على الصف: "إنما الله إله واحد" وهو قصر إضافي.
ونقول في قصر الصفة على الموصوف: "إنما الإله الله" وهو قصر حقيقي.
ثالثا: العطف بالحروف التالية: "لا - بل - لكن".
(1) أما كلمة "لا" العاطفة فيعطف بها لإخراج المعطوف مما دخل فيه المعطوف عليه، مثل: أكلت بصلا لا عسلا، ولبست خزا لا بزا، وللعطف بها ثلاثة شروط:
الأول: أن يكون المعطوف بها مفردا، أي: غير جملة.
الثاني: أن تكون مسبوقة بإيجاب أو أمر أو نداء.
الثالث: أن لا يصدق أحد معطوفيها على الآخر، وهذا الشرط بدهي.
والعطف بكلمة "لا" يفيد القصر، وكل من المقصور والمقصور عليه يأتيان قبل أداة العطف، وكل منهما قد يكون هو المعطوف عليه، أما المعطوف بها فهو مقصور عنه، ففي قولنا: حامل راية المسلمين في فتح خيبر علي لا غيره.
علي: هو المقصور عليه، وهو موصوف هنا.
حمل الراية في فتح خيبر: هو المقصور، وهو صفة هنا.
غير علي: هو المقصور عنه.
والقصر في هذا المثال حقيقي، من قصر الصفة على الموصوف.
وفي قولنا: مالك بن أنس فقيه مجتهد لا شاعر.
مالك بن أنس: هو المقصور، وهو موصوف هنا.
فقيه مجتهد: هو المقصور عليه، وهو صفة هنا.
شاعر: هو المقصور عنه.
والقصر في هذا المثال قصر إضافي، وهو من قصر الموصوف على الصفة.

(1/421)


(2) وأما كلمة"بل" العاطفة، ومعناها الإضراب عن الأول، والإثبات للثاني، وللعطف بها شرطان.
الأول: أن يكون المعطوف بها مفردا، أي: غير جملة.
الثاني: أن تكون مسبوقة بإيجاب أو أمر أو نهي أو نفي.
* فإن وقعت بعد كلام مثبت خبرا كان أو أمرا، كانت للإضراب والعدول عن شيء إلى آخر.
* وإن وقعت بعد نفي أو نهي كانت للاستدراك بمنزلة "لكن".
والعطف بكلمة "بل" يفيد القصر، والمقصور عليه بها هو ما بعدها، المعطوف بها، ففي قولنا: "لا تأكل دهنا حيوانيا بل دهنا نباتيا".
دهنا نباتيا: هو المقصور عليه، وهو المعطوف بكلمة "بل".
دهنا حيوانيا: هو المقصور عنه. وهو المعطوف عليه.
الأكل المفهوم من "لا تأكل": هو المقصور.
أي: ليكن أكلك بالنسبة إلى الأدهان مقصورا على الدهن النباتي، ومبتعدا عن الدهن الحيواني.
وهذا قصر إضافي من قصر الصفة على الموصوف، إذ الموصوف هنا مطلق "الدهن" والصفة كونه دهنا نباتيا، والوصية توجه أن يكون المأكول من الأدهان الدهن النباتي.
وفي قولنا: "المرجان حيوان بحري بل نبات بحري".
نبات بحري: هو المقصور عليه، وهو "صفة".
المرجان: هو المقصور، وهو "موصوف".
حيوان بحري: هو المقصور عنه، وهو "صفة".
القصر في هذا المثال قصر إضافي، من قصر الموصوف على الصفة، إذ لا تقتصر صفات المرجان على كونه نباتا بحريا.
(3) وأما كلمة "لكن" العاطفة، فهي للاستدراك بعد النفي، وللعطف بها ثلاثة شروط:
الأول: أن يكون المعطوف بها مفردا، أي: غير جملة.
الثاني: أن تكون مسبوقة بنفي أو نهي.
الثالث: أن لا تقترن بالواو.
والعطف بكلمة "لكن" يفيد القصر، وحالها كحال "بل" فالمقصور عليه بها هو ما بعدها المعطوف بها، ويصلح هنا مثال: "لا تأكل دهنا حيوانيا لكن دهنا نابتيا" بوضع كلمة "لكن" بدل كلمة "بل" ويكون الشرح هناك هو الشرح هنا.

(1/422)


وفي قولنا: "ما طلع الفحر الصادق لكن الفجر الكاذب".
الفجر الكاذب: هو المقصور عليه، وهو "موصوف".
الفجر الصادق: هو المقصور عنه.
الطلوع الخاص: هو المقصور، وهو "صفة".
القصر في هذا المثال قصر إضافي من قصر الصفة على الموصوف، إذ لا يقتصر الطلوع على الفجر.
***
الطريق الرابع: أن بكون القصر بدلالات في الكلام تفهم من:
(1) تقديم ما حقه التأخير في الجملة.
(2) إضافة ضمير الفصل.
(3) تعريف طرفي الإسناد في الجملة.
والشرح فيما يلي:
أولا: تقديم ما حقه التأخير في الجملة.
سبق في مبحث "التقديم والتأخير" بيان مراتب عناصر الجملة في اللسان العربي، وأن تقديم ما حقه التأخير يكون لأغراض ودواعي بلاغية معنوية، أو جمالية لفظية، وبلغت الدواعي البلاغية لتقديم المسند إليه على المسند "اثني عشر داعيا" وبلغت دواعي تقديم المسند إذا كان الأصل في التأخير في الجملة "اربعة دواعي خاصة" مع دواعي أخرى يمكن أن تستفاد من تقديم المسند إليه، وبلغت دواعي تقديم متعلقات الفعل عن مراتبها. "ثمانية دواعي" وقد سبق شرحها وعرض أمثلتها.
وهنا في باب القصر نبه البلاغيون على أن تقديم ما حقه التأخير في الجملة قد يفيد القصر في بعض صوره، ومن ذلك ما يلي:
(1) تقديم المعمول على عامله.
(2) تقديم المسند إليه إذا كان حقه في الجملة التأخير.
(3) تقديم المسند إذا كان حقه في الجملة التأخير.
* أما تقديم المعمول على عامله فجمهور البلاغيين على أنه يفيد القصر، سواء أكان مفعولا، أم ظرفا، أم مجرورا بحرف جر، والمقصور عليه هو المقدم.
أمثلة:
المثال الأول:
قول الله عز وجل في سورة (الفاتحة/ 1 مصحف/ 5 نزول):
{إياك نعبد وإياك نستعين (5)}.
إياك: الأولى مفعول به لفعل {نعبد}.
وإياك: الثانية مفعول به لفعل {نستعين}، والأصل في المفعول به أن يكون متأخيرا عن عامله.

(1/423)


قالوا: دل هذا التقديم على تخصيص الله عز وجل بالعبادة والاستعانة، فالمعنى: لا نعبد إلا إياك، ولا نستعين إلا بك.
والقصر هنا من قصر الصفة على الموصوف، وهو قصر حقيقي.
المثال الثاني:
قول الله عز و جل في سورة (آل عمران/ 3 مصحف/ 89 نزول) خطابا للذين آمنوا:
{ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون (159)}.
إلى الله: معمول لفعل {تحشرون} لأنه معلق به، والأصل فيه أن يكون متأخرا عن عامله.
قيل: معناه لإلى الله تحشرون لا إلى غيره، أي: ليحاسبكم ويجازيكم، ومعلوم أن الحشر يوم القيامة يكون لله وحده، فهو وحده الذي يحاسب عباده ويجازيهم يوم الدين.
مع ما في هذا التقديم من داع جمالي روعي فيه تناسق رؤؤس الآيات.
ولا مانع من اجتماع عدة دواعي بلاغية لظاهر واحدة.
المثال الثالث:
قول الله عز وجل في سورة (البقرة/ 2 مصحف/ 87 نزول):
{وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا...} [الآية 143].
يلاحظ في هذا النص أن الصلة في العبارة الأولى: {شهدآء على الناس} أخرت عن عاملها، لأن المراد مجرد إثبات شهادة المسلمين على الناس دون تخصيصهم بهذه الشهادة، إذ قد يشهد عليهم عيسى عليه السلام الذي بشرهم بخاتم المرسلين، وسيشهد عليهم عند نزوله.
أما في العبارة الثانية: {ويكون الرسول عليكم شهيدا} فقد قدمت الصلة {عليكم} على عاملها {شهيدا} لأن المراد تخصيص الرسول بشهادة عليهم، إذ هو المبلغ عن الله دين الله لمن بلغهم بعد بعثته، ولا أحد غيره بلغ هذا الدين عن الله.
المثال الرابع:
قول المتنبي يمدح بدر بن عمار:
*برجاء جودك يطرد الفقر * وبأن تعادى ينفد العمر*

(1/424)


قدم الصلة (برجاء جودك) على عاملها (يطرد) والصلة (بأن تعادى) على عاملها (ينفد) لأنه أراد على سبيل المبالغة والادعاء أن يخص برجاء جوده طرد الفقر، دون رجاء جود غيره، وأن يخص بمعاداته نفاد عمر من يعاديه من الناس، دون معاداة غيره من الناس.
فالقصر هنا ادعائي مجازي، وإضافي غير حقيقي.
المقصور (وهو صفة) المقصور عليه (وهو موصوف) المقصور عنه
طرد الفقر رجاء جوده رجاء غيره من الناس
نفاد العمر معاداته معاداة غيره من الناس
المثال الخامس: قول الله عز وجل في سورة (البقرة/ 2 مصحف/ 87 نزول) في معرض الحديث عن كفار اليهود:
{أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزآء من يفعل ذالك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب...} [الآية 85].
في هذا النص قدم الظرف {يوم القيامة} على عامله {يردون إلى أشد العذاب} لإفادة قصر الرد إلى أشد العذاب على كونه يقع يوم القيام، وهو قصر حقيقي.
* وأما تقديم المسند إليه إذا كان حقه في الجملة التأخير، فقد يفيد القصر في بعض أحواله، وقد يفيد مجرد التقوية والتأكيد، ودلالة القصر يساعد عليها سباق الكلام وسياقه، وقرائن الحال، والمقصور عليه هو المقدم.
فمن إفادة تقديم المسند إليه القصر - على ما أبان الشيخ عبدالقاهر الجرجاني الإمام في البلاغيات - ما يلي:
الأول: أن يكون المسند إليه معرفة والمسند فعلا مثبتا، كأن تقول: "أنا قمت - أنا سعيت في حاجتك".
فإذا كان القصر قصر "إفراد" جاء التأكيد بنحو: "أنا قمت وحدي - أنا سعيت في حاجتك وحدي".
وإذا كان قصر "قلب" جاء التأكيد بنحو: "أنا قمت دون غيري - أنا سيعت في حاجتك لا غيري" وكذلك إذا كان القصر قصر تعيين.

(1/425)


ومنه ما جاء في قول الله عز وجل في سورة (النمل/ 27 مصحف/ 48 نزول) في عرض قصة هدية ملكه سبأ لسليمان عليه السلام، قالت:
{وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون (35) فلما جآء سليمان قال أتمدونن بمال فمآ آتاني الله خير ممآ آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون (36)}.
جاء في هذا النص تقديم المسند إ ليه: {أنتم} على المسند: {تفرحون} مع تقديم المعمول {بهديتكم} على عامله {تفرحون}.
والشاهد هنا تقديم المسند إليه المفيد مع القرائن التي اشتمل عليها النص القصر الإضافي، والمعنى أن الفرح بالهدية مقصور عليكم، لا يتعدى إلي، فأنا لست بها فرحا، فما آتاني الله خير مما آتاكم.
ومنه ما جاء في قول الله عز وجل في سورة (التوبة/ 9 مصحف/ 113 نزول) لرسوله بشأن المنافقين:
{وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم...} [الآية 101].
قدم في هذا النص المسند إليه {نحن} على المسند {نعلمهم} لإفادة قصر العلم بهم على الله، وظاهر أن القصر هنا هو من قبيل القصر الإضافي، إذ قد تعلمهم الملائكة أيضا، ولكن جاء القصر في مقابلة نفي العلم بهم عن الرسول، ولعل ذلك قد كان قبل أن يعلمه الله بهم، أو أن بعض المنافقين لم يعلم الله رسوله بهم.
الثاني: أن يكون المسند منفيا، كأن تقول لمن تخاطبه: "أنت لا تكذب" فهذه العبارة أبلغ من أن تقول له: "لا تكذب أنت" وهذا التقديم قد يفيد القصر بمساعدة القرائن.
ومنه قول الله عز وجل في سورة (البقرة/ 2 مصحف/ 87 نزول):

(1/426)


{كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون (216)}.
ففي قوله: {وأنتم لا تعلمون} يلاحظ قصر عدم العلم على المخاطبين في النص، وساعد على هذه الدلالة قوله تعالى قبله {والله يعلم}.
الثالث: أن يكون المسند إليه نكرة مثبتا، كأن تقول: "رجل جاءني".
فقد يفيد تقديم المسند إليه فيه هذه الحالة القصر بمساعدة القرائن من لحال أو من المقال.
فإذا كنت في معرض تساؤل متسائل هل الذي جاءك من الرجال أو من النساء؟ كان قولك: "رجل جاءني" مفيدا أنه ليس امرأة.
وإذا كنت في معرض تساؤل متساءل هل جاءك رجل أو أكثر؟ كان قولك: "رجل جاءني" مفيدا أنه رجل واحد لا أكثر.
الرابع: أن يأتي قبل المسند إليه حرف نفي، كأن تقول: "ما أنا قلت هذا القول" أي: أنام لم أقله مع أن غيري قاله فتدل بعبارتك على قصر النفي على نفسك، مع إثبات القول لغيرك.
أقول: وفي كل ذلك لا بد من مساعدة القرائن، إذ ليس القول نصا في الدلالة.
* وأما تقديم المسند إذا كان حقه في الجملة التأخير، فقد يفيد القصر بمساعدة قرائن الحال أو المقال، والمقصور عليه هو المقدم.
ويمكن أن أمثل له بقولي صانعا مثلا، خطابا للكفار:
*لن تهزموا إيماننا بسلاحكم * جبناء أنتم أيها الكفار*
فجاء في هذا الكلام تقديم "جبناء" وهو مسند حقه في الجملة الاسمية التأخير، تأخير "أنتم" وهو مسند إليه وحقه هنا التقديم لإفادة القصر بمساعدة قرينة المقال السابق، وقرينة حال الاستبسال، والمعنى أنتم وحدكم الجبناء بكفركم، أما نحن فشجعان بإيماننا وتوكلنا على ربنا.
***
ثانيا - إضافة ضمير الفصل إلى الجملة:

(1/427)


ضمير الفصل: هو ضمير منفصل مرفوع يؤتى به فاصلا بين المبتدأ والخبر، أو ما أصله مبتدأ وخبر، ويفيد تقوية الإسناد وتوكيده، وقد يفيد القصر بمساعدة قرائن الحال أو المقال، والمقصور عليه هو ما دل عليه ضمير الفصل.
والأصل أنه لا محل له من الإعراب، وقد يؤتى به على أنه مبتدأ وما بعده خبر له، وتكون الجملة منه ومن خبره هي الخبر لما قبلهما.
أمثلة:
المثال الأول:
قول الله عز وجل في سورة (البقرة/ 2 مصحف/ 87 نزول) بشأن المنافقين:
{وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون (11) ألا إنهم هم المفسدون ولاكن لا يشعرون (12) وإذا قيل لهم آمنوا كمآ آمن الناس قالوا أنؤمن كمآ آمن السفهآء ألا إنهم هم السفهآء ولكن لا يعلمون (13)}.
لقد جيء بضمير الفصل مرتين في هذا النص: {ألا? إنهم هم المفسدون - ألا? إنهم هم السفهآء}.
ونلاحظ أنه مع تقوية الإسناد وتوكيده في الجملتين فقد أفاد ضمير الفصل بمساعدة القرائن القصر، والمعنى: هم المفسدون وهم السفهاء، لا المؤمنون الذين يتهمهم المنافقون بإفساد وحدة جماعة قومهم بدينهم الجديد، وبالسفاهة في عقولهم، أي: بالطيش ونقصان العقل.
المثال الثاني:
قول الله عز وجل في سورة (المائدة/ 5 مصحف/ 112 نزول) في عرض سؤال الله عز وجل عيسى عليه السلام: {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي الهين من دون الله} وفي أجوبته عليه السلام قال لربه:

(1/428)


{ما قلت لهم إلا مآ أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد (117)}.
جاء في هذا النص ضمير الفصل في حكاية قول عيسى عليه السلام:
{كنت أنت الرقيب عليهم} أي: كنت أنت الرقيب عليهم وحدك دوني، إذ توفيتني أجلي بينهم، ورفعتني بعيدا عنهم، فليس لي رقابة عليهم.
المثال الثالث:
قول الله عز وجل في سورة (القصص/ 28 مصحف/ 49 نزول):
{وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين (58)}.
أي: وكنا نحن لا غيرنا الوارثين، فقد أفاد ضمير الفصل هنا القصر بقرينة سوابق الجملة.
ومنه {فالله هو الولي - وأولئك هم المفلحون - إن هذا لهو القصص الحق - إن شانئك هو الأبتر - وأنه هو أضحك وأبكى}.
والأمثلة على هذه كثيرة.
***
ثالثا: تعريف طرفي الإسناد المسند والمسند إليه، ويكون هذا في الجمل الاسمية، أما الجمل الفعلية فالفعل فيها بقوة النكرة، فلا يكون فيها المسند معرفا، وليس بعيدا أن نجد جملة فعلية هي بقوة جملة اسمية معرفة الطرفين، لكن لم يتابع البلاغيون هذا بالبحث، كأن يدل دليل العقل على أن الفعل لا يصدر إلا من الفاعل.
فقد يفيد تعريف طرفي الإسناد القصر بمساعدة قرائن الحال أو المقال مع إفادته تقوية الإسناد وتوكيده، والمقصور هو المبتدأ الذي يجب في هذه الحالة تقديمه، والمقصور عليه الخبر الذي يجب في هذه الحالة تأخيره.
ونمثل لما قد يفيد القصر من تعريف طرفي الإسناد: بأن يجري حديث حول مشتغلين بنظم الشعر، أيهما الناظم وأيهما الشاعر: "العمريطي" أو "أحمد شوقي" فيقول الخبير الناقد: "الشاعر أحمد شوقي" أي: أما "العمريكي" فناظم لا شاعر.
***

(1/429)


"علم المعاني"
الباب الرابع: نظام التلاؤم في الكلام والفصل والوصل
1) بيان التلاؤم
نظم الكلام عمل فكري يشبه في الحسيات نظم العقود من اللآلىء أو غيرها من الجواهر، ويشبه وصف حجارة الألماس والياقوت والمرجان والزمرد وغيرها من الحجارة الكريمة معلى ما يصاغ من حليات للرؤوس والصدور والأيدي وغيرها.
إن دخيلا نابيا أو نظما غير متلائم الألوان والطيوف والحجوم في عقود اللآلىء، أو رصفا محروما من التناسق الجمالي في الحليات يفسدها، ويقلل من قيمتها.
ورب عقدين أو حليتين جواهر كل منهما متساويتان في القيمة وهمام غير منظومتين أو غير مصوغتين.
فينظم العقد أو يصوغ الحلية ماهر خبير متقن بتلاؤم جميل بديع، يراعي فيها حسن التجاور، وخطوط التلاؤم وطيوفه وظلاله، ويراعي فيه تناسب الألوان، وجمال تلاقيها وتدرجها وتكاملها، فإذا هون يعادل أضعاف قيمة جواهره وهي غير منظومه أو غير مصوغة.
ويعمل نظير ذلك من لا خبرة له، ولا مهارة عنده، فلا تزيد قيمة ما نظم أو صاغ على قية جواهره منثورة، وربما تنقص قيمتها في نظر ذواقي الجمال.

(1/430)


كنت أجلس أحيانا إلى من كان يسمى "ملك اللؤلؤ" الشيخ "محمد علي زينل علي رضا" - تغمده الله برحمته وضاعف حسناته - في دارة عمله التجاري في مدينة "بومبي" إحدى كبرى مدن الهند، إذ أقمت عنده أربعة أشهر وعشرا سنة (1372 هجرية) فأشاهده يجمع أكوام حبات اللؤلؤ، ويختار منها بإتقان وإحكام وتلاؤم، وينظم نفيسات عقود اللؤلؤ.
وأخبرني يومئذ وأنا أتابع اختياراته ونظمه لعقود: أن العقد الذي ينظمه هو يباع بقيمة عقدين أو ثلاثة عقود، من العقود التي ينظمها من لا خبرة له، وليس لديه حس مرهف يدرك به التلاؤم بين الحبات التي ينظمها، سواء تجاورت أو تباعدت، مع أن وزن حبات عقده يساوي وزن حبات العقد الآخر، وقيمتها منثورة تساوي قيمة الأخرى منثورة، والفرق بينهما إتقان الانتقاء، ودقة التلاؤم والتناسق الجمالي فيما أنظم، وانعدام ذلك فيما ينظم الآخرون.
أقول: ولدى التحليل نلاحظ أن التلاؤم في حبات العقود، و جواهر الحليات يكون في الألوان، والطيوف، وبريق الأشعة، والحجوم، والتدرج، وحسن التآخي والمزاوجة، ونسب الأبعاد، وبدائع التشكيلات ضمن أشكال هندسية، أو أشكال متناثرة العناصر ذات جمال يأسر المشاعر، ونحو ذلك.
وأقول أيضا: كذلك الكلمات والجمل حين تجمع في نظام كلامي من النثر، أو من الشعر.
والتلاؤم الجمالي في الكلام تتدخل فيه عوامل مختلفة فكرية ولفظية.
* أما العوامل اللفظية فقد سبق بيانها في بحث الفصاحة، وأن شروط الكلمة الفصيحة أن تكون خالية من أربعة عيوب، وهي: "التنافر - الغرابة - مخالفة القياس - كراهة السمع لها".
وأن شروط الكلام الفصيح أن يكون خاليا من أربعة عيوب أيضا، وهي: "تنافر الكلمات عند اجتماعها - ضعف التأليف - التعقيد اللفظي - التعقيد المعنوي".

(1/431)


* وأما العوامل الفكرية فمن المتعذر إحصاؤها، إذ الأفكار ومعاني الألفاظ لا حصر لها، وضم فكرة إلى فكرة أخرى، ولفظ ذي معنى إلى لفظ آخر ذي معنى موافق أو مخالف، يتطلب إدراكا عاليا جدا، قادرا على تمييز درجات حسن التلاؤم، ودركات قبح عدم التلاؤم الذي يولد في النفوس الصد أو النفرة أو الاستقباح، أو الحكم على الكلام بالركاكة، وسوء التركيب، وخروجه عن أطر الجمال الفني.
وقد تعرض أئمة علوم البلاغة وشيوخ الأدب للإشارة إلى هذا الموضوع ضمن بحوث الفصل والوصل، أو ضمن بحوث أخرى، دون أن يفرزوه بعنوان خاص، مع كونه جديرا بأن يفرز ببحث مستقل، كانت لهم حوله عبارات، ونظرات عامات لم تحدد فيها أقسام ولا عناصر متفاصلة، بسبب أن التلاؤم وعدم التلاؤم بين المعاني قضية جمالية فكرية، والبحث فيها مائج رجراج لا حصر لصوره، والبحث فيه كالبحث في صور أمواج البحر، وكالبحث في صور حركات السحب وتشكيلاتها المتنوعات الناتجات عن تقاربها وتباعدها، واجتماعها وافتراقها، مع اختلاف ألوانها وكثافاتها في الأبعاد الثلاثة: "الطول والعرض والعمق".
***
(2) من أقوال شيوخ البلاغة والأدب حول التلاؤم في الكلام
(1) لقد وصف شيوخ البلاغة والأدب الكلمة الموضوعة في المكان الملائم لها من الجملة بأنها "متمكنة".
أي: هي ثابتة في المكان الذي وضعت فيه، فهي ذات جذور وروابط فكرية تربطها بما جاورها من عناصر الجملة.
(2) ووصفوا الكلمة الموضوعة في المكان غير الملائم لها من الجملة بأنها "قلقة" و "نابية" و "غير متمكنة".
(3) وقالوا عن الشعر الذي لا تآخي بين كلماته، ولا تواصل بين مفرداته: "لا قران له".

(1/432)


أي: ليس له جامع فني راق يجمع بين كلماته ويشد بعضها إلى بعض، كما يجمع أسر الكائن الحي بين أعضاء جسده ومختلف أجزائه، وهو جملته العصبية.
القران: هو الجمع بين شيئين وشد كل منهما إلى الآخر بحبل رابط، كأسيرين يقرنان بحبل مشدود عليهما.
ويطلق القران أيضا على الحبل الجامع بينهما.
فهو مصدر للشد بالحبل، واسم للحبل الذي يشد به.
ومن أقوالهم في ذم الشعر الذي لا قران له، ما أنشده ابن الأعرابي.
*وبات ينشد شعرا لا قران له * قد كان ثقفه حولا فماذادا*
لا قران له: أي: لا روابط بين مفرداته وجمله.
قد كان ثقفه: أي: قد كان قومه وعدله، وعمل على إزالة الزوائد النابية منه.
فماذاد: أي: فما استطاع أن يذود عنه ويبعد العوج، ويخلصه من الزوائد النابية، لضعف ملكته الشعرية.
(4) ووصفوا الشعر الراقي بالتماسك والإحكام، والتلاؤم، والسلاسة والتحدر، نظرا إلى ما يشتمل عليه من حسن بناء، وسبك، وصياغة، ولين وسهولة في النطق، وعذوبة في مجاري السمع، وذلك بسبب ما في معاني كلماته وجمله من ترابط وتعانق وتلاحم موافق لما في فطر أنظمة الفكر وحركات مشاعر النفوس من تشعبات شجرية بديعة التواصل والتلاقي، من بزورها وجذورها حتى أقاصي فروعها، ما يتلاقى منها وما يتباعد. وبسبب ما في الألفاظ من سهولة وتلاؤم في النطق وعذوبة طرقات موسيقاها على السمع، مع التلاؤم بين مخارج حروف الكلمات المنتقيات، والمعاني التي يراد أداؤها بها.
(5) وذكر الجاحظ قول "خلف الأحمر":
*وبعض قريض القوم أبناء علة * يكد لسان الناطق المتحفظ*

(1/433)


أبناء علة: أي: أبناء ضرة، العلة الضرة، يقال: هم أبناء علات أي: أبناء ضرائر، أبوهم واحد وأمهاتهم شتى. ومعلوم أن البناء العلات يحدث بينهم جفوات وتنافر في أكثر الأحيان.
يكد لسان الناطق: أي: يجهد لسان الرجل الناطق الذي يطاوعه لسانه في النطق.
المتحفظ: هو المحترز الذي يحاول الضبط وعدم الانزلاق إلى ما لا يحسن، أو الذي بذل جهدا حتى حفظ النص وأتقنه أجزاء، ومع ذلك فهو يكد لسانه: أي يتعبه ويجهده.
قال الجاحظ في كتابه: "البيان والتبيين":
(أما قول خلف: "وبعض قريض القوم أبناء علة" فإنه يقول: إذا كان الشعر مستكرها، وكانت ألفاظ البيت من الشعر لا يقع بعضها ممثلا لبعض كان بينهما من التنافر ما بين أبناء العلات، وإذا كانت الكلمة ليس موقعها إلى جنب أختها مرضيا موافقا، كان على اللسان عند إنشاد ذلك الشعر مؤونة).
وقال أيضا: وأنشدني أبو البيداء الرياحي:
*وشعر كبعر الكبش فرق بينه * لسان دعي في القريض دخيل*
وعلق الجاحظ بقوله:
"وأما قوله: "كبعر الكبش" فإنما ذهب إلى أن بعر الكبش يقع متفرقا، غير مؤتلف، ولا متجاور، وكذلك حروف الكلام، وأجزاء البيت من الشعر، تراها متفقة ملساء، ولينة المعاطف سهلة، وتراها مختلفة متباينة، ومتنافرة مستكرهة، تشق علىاللسان وتكده، والأخرى تراها سهلة لينة، وربطة مواتية، سلسلة النظام، خفيفة على اللسان، حتى كأن البيت بأسره كلمة واحدة، وحتى كأن الكلمة بأسرها حرف واحد".
(6) وقال عبد القاهر الجرجاني في كتابه: "دلائل الإعجاز":
"وهل نجد أحدا يقول: هذه اللفظة فصيحة إلا وهو يعتبر مكانها من النظم، ومن ملاءمة معناها لمعاني جاراتها، وفضل مؤانستها لأخواتها؟!

(1/434)


وهل قالوا: لفظة متكنة ومقبولة، وفي خلافه: قلقة ونابية مستكرهة، إلا وغرضهم أن يعبروا بالتمكن عن حسن الاتفاق بين هذه وتلك من جهة معناها. وبالقلق والنبو عن سوء التلاؤم، وأن الأولى لم تلتق بالثانية في معناها، وأن السابقة لم تصلح أن تكون لفقا للتالية في مؤداها؟!".
لفقا: يقصد أن تكون الكلمة ملائمة وملتحمة مع جارتها كتلاؤم الشق المخيط بالشق الآخر من الحلة.
يقال لغة: حلة ذات لفقين، أي: ذات شقين منضمين معا بالخياطة، ولا يقال للشق "لفق" إذا فتقت الخياطة الضامة لهما.
(7) وذكر السكاكي مثلا للكلام الذي ليس بين مفرداته ترابط فكري، فالجمع بينها في حكم واحد غير مقبول في الذوق الأدبي، وإن كان مطابقا للواقع، أن يقول القائل: "الشمس، ومرارة الأرنب، وألف باذنجانة، محدثة".
أقول: والسبب في عدم قبول مثل هذا الجمع أن الذهن إما أن يقرن بين الأشباه والنظائر، أو بين المتجاورات في الواقع، أو بين الأضداد، لأن استدعاء الذهن للأضداد، أسرع من استدعائه للنظائر، وينفر من جمع مفردات متباعدات لا يجمعها تشابه أو تجاوز، أو تضاد، لأن شريط السلاسل الفكرية ذو نظام فطري محكم الترابط، أما الالتقاط العشوائي دون ملاحظة أنظمة الترابط الفكرية الفطرية فهو لا ينسجم معها، والنفس الإنسانية تنفر منه بسبب ذلك.
(8) وجاء في مدونات الأدب أنه: اجتمع "نصيب بن رباح" وهو من فحول شعراء القرن الأول الهجري، و"الكميت" وهو أيضا من فحول الشعراء في عصره، و"ذو الرمة" وهو من فحول شعراء الطبقة الثانية في عصره، فأنشد الكميت صاحبيه قصيدته التي في مطلعها: "هل أنت عن طلب الأيفاع منقلب" حتى إذا بلغ إلى قوله:

(1/435)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية