صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : معاهد التنصيص على شواهد التلخيص
المؤلف : العباسي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

فجزع، فقال له: لك الأمان، فلا تخف، وقد رويتها، ولكني أحب سماعها من فيك: فنشده إياها إلى آخرها والمأمون يبكي، حتى اخضلت لحيته بدمعه، ثم إنه أحسن إليه وانسر به، حتى كان أول داخل إليه، وآخر خارج من عنده، ثم عاد إلى خباثته، وشاعت له أبيات بعدها أيضا، يهجو بها المأمون.
وحدث دعبل قال: دخلت على علي بن موسى الرضي، فقال: أنشدني مما أحدثت، فأنشدته من الطويل:
مدارس آيات خلت من تلاوة ... ومنزل وحي مقفر العرصات
حتى انتهيت إلى قولي فيها:
إذا وتروا مدوا إلى واتريهم ... أكفا عن الأوتار منقبضات
قال: فبكى عنده حتى أغمي عليه، فأومأ إلى خادم كان على رأسه أن أسكت فسكت، فمكث ساعة ثم قال لي: أعد، فأعدت حتى انتهيت إلى هذا البيت فأصابه مثل الذي أصابه في المرة الأولى، وأومأ الخادم أيضا إلي أن أسكت، فسكت، ثم مكث ساعة أخرى ثم قال لي: أعد، فأعدت حتى انتهيت إلى آخرها، فقال: أحسنت أحسنت، ثلاث مرات، ثم أمر لي بعشرة آلاف درهم مما ضرب باسمه، ولم تكن دفعت إلى أحد بعد، وأمر لي من في منزله بحلى كثير أخرجه إلى الخادم فقدمت العراق فبعت كل درهم منها بعشرة، اشتراها مني الشيعة، فحصل لي مائة ألف درهم، فكان أول مال اعتقدته.
ثم إن دعيلا استوهب من علي بن موسى الرضي رضي الله عنهما ثوبا قد لبسه ليجعله في أكفانه، فخلع جبة كانت عليه فأعطاه إياها وبلغ أهل قم خبرها فسألوه أن يبيعهم إياها بثلاثين ألف درهم، فلم يفعل، فخرجوا عليه في طريقه فأخذوها غصبا، وقالوا له: إن شئت أن تأخذ المال فافعل، وإلا فأنت أعلم، فقال لهم: إني والله لا أعطيكم إياها طوعا، ولا تنفعكم غصبا، وأشكوكم إلى الرضي، فصالحوه على أن أعطوه ثلاثين ألف درهم وفرد كم من بطانتها، فرضي بذلك.
وحدث دعبل قال: لما هربت من الخليفة بت ليلة بنيسابور وحدي، وعزمت على أن أعمل قصيدة في عبد الله بن طاهر في تلك الليلة، فإني لفي ذلك إذ سمعت والباب مردود علي قائلا يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أألج يرحمك الله؟ فاقشعر بدني من ذلك، ونالني أمر عظيم، فقال لي: لا ترع فإني رجل من إخوانك من الجن من ساكني اليمن طرأ علينا طارئ من أهل العراق فأنشدنا قصيدتك مدارس آيات ... إلى آخرها فأحببت أن أسمعها منك، قال: فنشدته إياها، فبكى حتى خر ثم قال: يرحمك الله ألا أحدثك بحديث في نيتك ويعينك على التمسك بمذهبك؟ قلت بلى، قال: مكثت حينا أسمع بجعفر بن محمد رحمهما الله تعالى، فصرت إلى المدينة المنورة فسمعته يقول: حدثني أبي عن أبيه عن جده رضي الله عنهم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " على وشيعته هم الفائزون " ثم ودعني لينصرف فقلت: يرحمك الله! إن رأيت أن تخبرني باسمك فافعل، قال: أنا ظبيان بن عامر.
وحدث إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال: بويع إبراهيم بن المهدي ببغداد وقد قل المال عنده، وكان قد لجأ إليه أعراب من أعراب السواد وغيرهم من أوبا الناس وأوغادهم، فاحتبس لعيهم العطاء، فجعل إبراهيم يسوفهم وهم لا يرون لوعده حقيقة، إلى أن خرج رسوله إليهم يوما وقد اجتمعوا وضجوا فصرح إليهم بأنه لا مال عنده، فقال قوم من غوغاء أهل بغداد: أخرجوا إلينا خليفتنا ليغني أهل هذا الجانب ثلاثة أصوات فتكون عطاءهم ولأهل هذا الجانب مثلها، قال إسحاق: فأنشدني دعبل بعد أيام من السريع:
يا معشر الأجناد لا تقنطوا ... وارضوا بما كان ولا تسخطوا
فسوف تعطون حنينة ... يلتذها الأمرد والأشمط
والمعبديات لقوادكم ... لا تدخل الكيس ولا تربط
وهكذا يرزق قواده ... خليفة مصحفه البربط
ودخل عبد الله بن طاهر على المأمون فقال له: أي شيء تحفظ يا عبد الله لدعبل؟ قال: أحفظ أبياتا له في أهل بيت أمير المؤمنين، قال: هاتها، فأنشده عبد الله قوله من البسيط:
سقيا ورعيا لأيام الصبابات ... أيام أرفل في أثواب لذاتي
أيام غصني رطيب من ليانته ... أصبو إلى غير جارات وكنات

(1/198)


دع عنك ذكر زمان فات مطلبه ... واقذف برجلك عن متن الجهالات
واقصد بكل مديح أنت قائله ... نحو الهداة بني بيت الكرامات
فقال المأمون: إنه وجد والله مقالا فقال، ونال ببعيد ذكرهم ما لا يناله في وصف غيرهم، ثم قال المأمون: لقد أحسن في وصف سفر سافره فطال ذلك السفر عليه فقال فيه من الطويل:
ألم يأن للسفر الذين تحملوا ... إلى وطن قبل الممات رجوع
فقلت ولم أملك سوابق عبرة ... نطقن بما ضمت عليه ضلوع
تبين فكم دار تفرق شملها ... وشمل شتيت عاد وهو جميع
كذاك الليالي صرفهن كما ترى ... لكل أناس جدبة وربيع
ثم قال المأمون: ما سافرت قط إلا كانت هذه الأبيات نصب عيني وهجيراى ومسليتي حتى أعود.
ومن شعره يهجو من مجزوء الخفيف:
رفع الكلب فاتضع ... ليس في الكلب مصطنع
بلغ الغاية التي ... دونها كل ما ارتفع
إنما قصر كل شي ... ء إذا طار أن يقع
لعن الله نخوة ... صار من بعدها ضرع
ومن شعره يهجو أيضا من البسيط:
سمعت المديح رجالا دون ما لهم ... رد قبيح وقول ليس بالحسن
فلم أفز منهم إلا بما حملت ... رجل البعوضة من فخارة اللبن
ومنه قوله فيمن استشفع به في حاجة فاحتاج إلى شفيع يشفع له من السريع:
يا عجبا للمرتجي فضله ... لقد رجا ما ليس بالنافع
جئنا به يشفع في حاجة ... فاحتاج في الأذن إلى شافع
وحدث دعبل قال: خرجت إلى الجبل هاربا من المعتصم، فكنت أسير في بعض طريقي والمكاري يسوق بي بغلا تحتي وقد أتعبني تعبا شديدا، فتغني المكاري بقولي من الكامل:
لا تعجبي يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى
فقلت له وأنا أريد أن أتقرب إليه ليكف ما يستعمله من الحث للبغل لئلا يتعبني: تعرف لمن هذا الشعر يا فتى؟ قل: لمن ناك أمه وغرم درهمين، فما أدري من أي أموره أعجب: أمن هذا الجواب، أمير المؤمنين من قلة الغرم على عظم الجناية.
وحدث على بن عبد الله بن مسعدة قال: قال لي دعبل وقد أنشدته قصيدة بكر بن خارجة في عيسى بن البراء النصراني من الرجز:
زناره في خصره معقود ... كأنه من كبدي مقدود
والله ما أعلم أني حسدت أحدا كما حسدت بكرا على قوله: كأنه من كبدي مقدود، وكان بكر هذا وراقا ضيقا عشيه معاقرا للشراب في منازل الخمارين وحاناتهم وكان طيب الشعر مليحا مطبوعا حسنا ماجنا خليعا، وكانت الخمرة قد أفسدت عقله في آخر عمره، فصار يهجو ويمدح بالدرهم والدرهمين ونحو هذا، فاطرح.
وحدث بعض الكوفيين قال: حضرنا دعوة ليحيى بن أبي يوسف القاضي وبتنا عنده ونمت، فما أنبهني إلا صياح بكر يستغيث من العطش، فقلت له: مالك؟ قم فاشرب فالدار ملأى ماء، قال:أخاف، قلت: من أي شيء؟ قال: في الدار كلب كبير فأخاف أن يظنني غزالا فيثب علي ويقطعني ويأكلني، فقلت له: خرب الله بيتك! أنت والله بالخنازير أشبه منك بالغزلان، قم فاشرب إن كنت عشانا وأنت آمن، وكان عقله قد فسد من كثرة الشرب.
وحدث أحمد بن عثمان الطبري قال: سمعت دعبل بن علي يقول: لما هاجيت أبا سعد المخزومي أخذت معي جوزا ودعوت الصبيان فأعطيتهم منه وقلت لهم: صيحوا به قائلين من مجزوء الخفيف:
يا أبا سعد قوصره ... زاني الأخت والمره
لو تراه مجيبا ... خلته عقد قنطره
أو ترى الأير في استه ... قلت ساق بمقطره
فصاحوا به فغلبته.
ولأبي سعد المخزومي يهجو دعبلا، وكان قد دعاه إلى بيته، وأضافه من المنسرح:
لدعبل منة يمن بها ... فلست حتى الممات أنساها

(1/199)


أدخلنا بيته فأكرمنا ... ودس امرأته فنكناها
وحدث أبو سعد المخزومي، واسمه عيسى بن خالد الوليد، قال: أنشدت المأمون قصيدتي الدالية التي رددت فيها على دعبل قوله من الكامل:
ويسومني المأمون خطة عاجز ... أو ما رأى بالأمس رأس محمد
وأول قصيدتي من الكامل:
أخذ المشيب من الشباب الأغيد ... والنائبات من الأنام بمرصد
ثم قلت له: يا أمير المؤمنين ائذن لي أن أجيئك برأسه، فقال: لا هذا رجل قد فخر علينا فافخر عليه كما فخر علينا ، فأما قتله فلا حجة فيه.
وكان الرشيد قد غنى بقول دعبل:
لا تعجبي يا سلم من رجل .... الأبيات
فطرب لها وسأل عن قائلها، فقيل: لدعبل غلام نشأ من خزاعة فأمر له بعشرة آلاف درهم وخلعة من ثيابه ومركب من مراكبه، وجهز له ذلك مع خادم من خدمه إلى خزاعة، فأعطاه الجائزة وأشار عليه بالمسير إليه، فلما دخل عليه وسلم أمره بالجلوس فجلس، واستنشده الشعر، فأنشده إياه، فاستحسنه وأمره بملازمته وأجرى عليه رزقا سنيا، فكان أول من حرضه على قول الشعر، ثم إنه ما بلغه أن الرشيد مات حتى كافأه على فعله بأقبح مكافأة وقال فيه من قصيدة مدح بها أهل البيت رضي الله عنهم وهجا الرشيد من البسيط:
وليس حي من الأحياء نعلمه ... من ذي يمان ولا بكر ولا مضر
إلا وهم شركاء في دمائهم ... كما تشارك أيسار على جزر
قتل وأسر وتحريق ومنهبة ... فعل الغزاة بأرض الروم والخزر
أرى أمية معذورين إن قتلوا ... ولا أرى لبني العباس من عذر
أربع بطوس على القبر الزكي إذا ... ما كنت تربع من دير إلى وطر
قبران في طوس خير الناس كلهم ... وقبر شرهم، هذا من العبر
ما ينفع الرجس من قرب الزكى ولا ... على الزكى بقرب الرجس من ضرر
هيهات كل امرئ رهن بما كسبت ... له يداه، فخذ ما شئت أو فذر
يعني قبر الرشيد وقبر موسى الكاظم، ولعمري لقد هذا هذا، ولنفسه ظلم وآذى.
وحدث أبو حفص النحوي مؤدب آل طاهر، قال: دخل دعبل على عبد الله بن طاهر فأنشده وهو ببغداد من المنسرح:
جئت بلا حرمة ولا سبب ... إليك إلا بحرمة الأدب
فاقض ذمامي فإنني رجل ... غير ملح عليك في الطلب
قال: فانتقل عبد الله ودخل إلى الحرم ووجه إليه بصرة فيها ألف درهم، وكتب إليه معها من الكامل:
أعجلتنا فأتاك عاجل برنا ... ولو انتظرت كثيره لم يقلل
فخذ القليل وكن كأنك لم تسل ... ونكون نحن كأننا لم نفعل
وكان دعبل قد قصد مالك بن طوق ومدحه فلم يرض ثوابه فخرج عنه وقال فيه من السريع:
إن ابن طوق وبني تغلب ... لو قتلوا أو جرحوا قصره
لم يأخذوا من دية درهما ... يوما ولا من أرشهم بعره
دماؤهم ليس لهها طالب ... مطلولة مثل دم العذره
وجوههم بيض وأحسابهم ... سود وفي آذانهم صفره
وقال فيه أيضا من السريع:
سألت عنكم يا بني مالك ... في نازح الأرضين والدانيه
طرا فلم نعرف لكم نسبة ... حتى إذا قلت بني الزانيه
قالوا فدع دارا على يمنة ... وتلك ها دارهم ثانيه

(1/200)


فبلغت الأبيات مالكا، فطلبه، فهرب فأتى البصرة وعليه إسحاق بن العباس ابن محمد بن علي العباسي، وكان قد بلغه هجاء دعبل وعبد الله بن عيينة نزارا فأما ابن عيينة فإنه هرب منه فلم يظهر بالبصرة طول أيامه، وأما دعبل فإنه حين دخل البصرة بعث إليه فقبض عليه، ودعا بالنطع والسيف ليضرب عنقه فحلف بالطلاق على جحدها وبكل يمين تبرئ من الدم أنه لم يقلها، وأن عدوا له قالها - إما أبو سعد المخزومي أو غيره - ونسبها إليه ليغري بدمه، وجعل يتضرع إليه، ويقبل الأرض ويبكي بين يديه فرق له، فقال: أما إذا أعفيتك من القتل فلا بد أن أشهرك، ثم دعا له بالعصي فضربه حتى سلح، وأمر به فألقي على قفاه وفتح فمه، فرد سلحه فيه، والمقارع تأخذ رجليه، وهو يحلف أن لا يكف عنه حتى يستوفيه ويبلعه أو يقتله، فما رفعت عنه حتى بلع سلحه كله، ثم خلاه فهرب إلى الأهواز، وبعث مالك بن طوق رجلا حصيفا مقداما وأعطاه سما وأمره أن يغتاله كيف شاء، وأعطاه على ذلك عشرة آلاف درهم، فلم يزل يطلبه حتى وجده في قرية من نواحي السوس، فاغتاله في وقت من الأوقات بعد صلاة العتمة، فضرب ظهر قدمه بعكاز لها زج مسموم، فمات من الغد، ودفن بتلك القرية، وقيل: بل حمل إلى السوس فدفن فيها.
وكانت ولادته في سنة ثمان وأربعين ومائة. ووفاته في سنة ست وأربعين ومائتين.
ولما مات - وكان صديق البحتري، وكان أبو تمام قد مات قبله - رثاهما البحتري بقوله من الكامل:
قد زاد في كلفي وأوقد لوعتي ... مثوى حبيب يوم مات ودعبل
أخوي لا تزل السماء مخيلة ... تغشاكما بسماء مزن مسبل
جدث على الأهواز يبعد دونه ... مسرى النعي ورمة بالموصل
ودعبل بكسر الدال وسكون العين المهملتين وكسر الباء الموحدة.
ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا ... وأقبح الكفر والأفلاس بالرجل
البيت من البسيط، ويعزى لأبي دلامة.
يحكى أن أبا جعفر المنصور سال أبا دلامة عن أشعر بيت قالته العرب في المقابلة، فقال: بيت يلعب به الصبيان، قال: وما هو على ذاك؟ قال: قول الشاعر، وأنشده البيت.
قال ابن أبي الأصبع: لا خلاف في أنه لم يقل قبله مثله، فإنه قابل بين أحسن وأقبح، والدين والكفر، والدنيا والأفلاس، وهو من مقابلة ثلاثة بثلاثة وكلما كثر عدد المقابلة كانت أبلغ.
وأحسن من بيت أبي دلامة قول المتنبي من الطويل:
فلا الجود يفني المال والجد مقبل ... ولا البخل يبقي المال والجد مدبر
ومن المقابلة قول النابغة الجعدي من الطويل:
فتى تم فيه ما يسر صديقه ... على أن فيه ما يسوء الأعاديا
وقول الفرزدق من الطويل:
وإنا لنمضي بالأكف رماحنا ... إذا أرعشت أيديكم بالمعالق
وقول عبد الله بن الزبير الأسدي من الوافر:
فرد شعورهن السود بيضا ... ورد وجوههن البيض سودا
وقل أبي تمام من البسيط:
يا أمة كان قبح الجور يسخطها ... دهرا فأصبح حسن العدل يرضيها
وقول البحتري من الخفيف:
فإذا حاربوا أذلوا عزيزا ... وإذا سالموا أعزوا ذليلا
وقول يزيد بن محمد المهلبي لسليمان بن وهب من الطويل:
فمن كان للآثام والذل أرضه ... فأرضكم للأجر والعز معقل
وقول العباس بن الأحنف من السريع:
اليوم مثل الحول حتى أرى ... وجهك والساعة كالشهر
لأن الساعة من اليوم كالشهر من الحول جزء من اثني عشر.
ولمؤلفه من أبيات من السريع:
لو كان ذا الكاشح في بلدتي ... لم يستطع يومضني ومضا
وكنت في العز سماء له ... وكان لي من ذله أرضا
وحسن في المقابلة قول الشريف الموسوي من البسيط:
ومنظر كان بالسراء يضحكني ... يا قرب ما عاد بالضراء يبكيني
وقول أبي عبد الله الغواص من البسيط:
جهل الرئيس وحق الله يضحكنا ... وفعله وإله الناس يبكينا
وقول ابن شمس الخلافة من الرمل:

(1/201)


طالت الشقوة للمرء إذا ... قصر الرزق وطال العمر
وقول السري الرفاء من مجزوء الرجز:
وصاحب يقدح لي ... نار السرور بالقدح
في روضة قد لبست ... من لؤلؤ الطل سبح
والجو في ممسك ... طرازه قوس قزح
يبكي بلا حزن كما ... يضحك من غير فرح
وقوله وقد شرب ليلة في ورق من الطويل:
ومعتدل يسعى إلي بكأسه ... وقد كاد ضوء الصبح بالليل يفتك
وقد حجب الغيم السماء كأنما ... يزر عليها منه ثوب ممسك
ظللنا نبث الوجد والكأس دائر ... ونهتك أستار الهوى فتهتك
ومجلسنا في الماء يهوى ويرتقى ... وإبريقنا في الكأس يبكي ويضحك
وقول التمتام الحداد المصري من المنسرح:
أما ترى الغيث كلما ضحكت ... كمائم الزهر في الرياض بكى
كالحب يبكي لديه عاشقه ... وكلما فاض دمعه ضحكا
وما أحسن قول الأرجاني وأرشقه من مخلع البسيط:
شبت أنا والتحى حبيبي ... حتى برغمي سلوت عنه
وابيض ذاك السواد مني ... واسود ذاك البياض منه
وما أصفى قول الصافي الحلي من الطويل:
مليح يغير الغصن عند اهتزازه ... ويخجل بدر التم عند شروقه
فما فيه معنى ناقص غير خصره ... ولا فيه شيء بارد غير ريقه
وما أشرق قول الشمس التلمساني من الطويل:
فكم يتجافى خصره وهو ناحل ... وكم يتحالى ريقه وهو بارد
وكم يدعي صونا وهذي جفونه ... بفترتها للعاشقين تواعد
ومن مقابلة خمسة بخمسة قول المتنبي من البسيط:
أزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وأنثني وبياض الصبح يغري بي
وقد أخذه بعضهم أخذا مليحا، فقال من الكامل:
أقلى النهار إذا أضاء صباحه ... وأظل أنتظر الظلام الدامسا
فالصبح يشمت بي فيقبل ضاحكا ... والليل يرثي لي فيدير عابسا
والمتنبي أخذ معنى بيته من مصراع بيت لابن المعتز، وهو قوله من البسيط:
لا تلق إلا بليل من تواعده ... فالشمس نمامة والليل قواد
إلا أن ابن المعتر هجن هذا المعنى بذكر تمامه وقواد، وأبو الطيب سبكه أحسن سبك وأبدعه، فصار أحق به منه.
وقال عبد الله بن خميس من شعراء المغاربة من الكامل:
باتت له الأهواء أدهم سابقا ... وغدت به الأيام أشهب كابي
فأحسن ما شاء، لمقابلته الأدهم بالأشهب، والسابق بالكابي، على أنه مأخوذ من قول ذي الوزارتين أبي عبد الله بن أبي الخصال، رحمه الله تعالى من الطويل:
وقد كنت أسرى في الظلام بأدهم ... فها أنا أغدو في الصباح بأشهب
وفي بيت كل منهما زيادة على الآخر.
ومن مقابلة ستة بستة ما أورده الصاحب شرف الدين مستوفي إربل، وهو من الطويل:
على رأس عبد تاج عز يزينه ... وفي رجل حر قيد ذل يشينه
حكى غرس الدين الأربلي، أن الصاحب المذكور لما أنشد لغيره هذا البيت، قال هو بديها من الطويل:
تسر لئيما مكرمات تزينه ... وتبكي كريما حادثات تهينه
ومن مقابلة خمسة بخمسة قول القائل في ذي أبنة من الكامل:
يأتي إلى الأحرار يجلس فوقهم ... وينام من تحت العبيد ويوتى
ومن مقابلة خمسة بخمسة قول النميري الغرناطي من الكامل:
هن البدور تغيرت لما رأت ... شعرات رأسي آذنت بتغير
راحت تحب دجى شباب مظلم ... وغدت تعاف ضحى مشيب نير

(1/202)


وأبو دلامة اسمع زند بن الجون، وأكثر الناس يصحف اسمه، ويقول: زيد بالياء التحتية، وهو خطأ، وإنما هو بالنون، وهو كوفي أسود، مولى لبني أسد، وكان أبو دلامة عبدا لرجل منهم، يقال له: قضاقض، فأعتقه وأدرك آخر أيام بني أمية، ولم يكن له فيها نباهة، ونبغ في أيام بني العباس، فانقطع إلى السفاح والمنصور والمهدي، وكانوا يقدمونه ويفضلونه ويستطيبون مجالسته ونوادره، ولم يصل لأحد من الشعراء ما وصل لأبي دلامة من المنصور خاصة. وكان أبو دلامة فاسد الدين رديء المذهب، مرتكبا للمحارم مجاهرا بذلك. وكان يعلم هذا منه ويعرف به فيتجافى عنه للطف محله، وكان أول ما حفظ من شعره وأسنيت له الجائزة به قصيدة مدح بها أبا جعفر المنصور، وذكر قتله أبا مسلم، وفيها يقول من الطويل:
أبا مسلم خوفتني القتل فانتحى ... عليك بما خوفتني الأسد الورد
أبا مسلم ما غير الله نعمة ... على عبده حتى يغيرها العبد
وأنشدها المنصور في محفل من الناس، فقال له: احتكم؟ فقال له: عشرة آلاف درهم. فأمر له بها. فلما خلا به قال له: أما والله لو تعديتها لقتلتك.
وكان المنصور قد أمر أصحابه بلبس السواد وقلانس طوال تدعم بعيدان من داخلها، ون يلقوا السيوف في المناطق، يكتبوا على ظهورهم " فسيكفكهم الله وهو السميع العليم " ، فدخل عليه أبو دلامة في هذا الزي، فقال له أبو جعفر: ما حالك؟ قال: شر حال، وجهي في وسطي، وسيفي في استي، وقد صبغت بالسواد ثيابي، ونبذت كتاب الله وراء ظهري، فضحك منه وأعفاه، وحذره من ذلك، وقال له: إياك أن يسمع منك هذا أحد، وفي ذلك يقول أبو دلامة من الطويل:
وكنا نرجى منحة من إمامنا ... فجاءت بطول زاده في القلانس
تراها على هام الرجال كأنها ... دنان يهود جللت بالبرانس
وحدث الجاحظ، قال: كان أبو دلامة واقفا بين يدي المنصور - أو السفاح - فقال له: سلني حاجتك، قال أبو دلامة: كلب صيد. قال: أعطوه إياه. قال: ودابة أتصيد عليها. قال: أعطوه. قال: وغلام يقود الكلب، قال: أعطوه غلاما، قال: وجارية تصلح لنا الصيد وتطعمنا منه. قال: أعطوه جارية. قال: هؤلاء يا أمير المؤمنين عيال فلا بد من دار يسكنونها. قال: أعطوه دارا تجمعهم. قال: وإن لم يكن لهم ضيعة فمن أين يعيشون؟ قال: قد أقطعتك مائة جريب عامرة، ومائة جريب غامرة. قال: وما الغامرة؟ قال: ما لا نبات فيه من الأرض، قال: قد أقطعتك يا أمير المؤمنين خمسمائة ألف جريب غامرة من فيافي بني أسد، فضحك وقال: اجعلوا المائتين كلها عامرة. قال: فأذن لي أن أقبل يدك. قال: أما هذه فدعها فأنى لا أفعل. قال: والله ما منعت عيالي شيئا أقل ضررا عليهم منها!.
قال الجاحظ: فانظر إلى حذقه بالمسألة ولطفه فيها، حيث ابتدأ بكلب فسهل القضية، وجعل يأتي بما يليه على ترتيب فكاهة، حتى نال ما لو سأله بديهة لما وصل إليه.
وحدث الهيثم بن عدي قال: دخل أبو دلامة على المنصور، فأنشده قصيدته التي أولها من البسيط.
إن الخليط أجد البين فانتجعوا ... وزو دوك خبالا، بئس ما صنعوا
إلى أن قل فيها يهجو زوجته:
لا والذي يا أمير المؤمنين قضى ... لك الخلافة في أسبابها الرفع
ما زلت أخلصها كسبي فتأكله ... دوني ودون عيالي ثم تضطجع
شوهاء مشنية في بطنها بجر ... وفي المفاصل من أوصالها فدع
ذكرتها بكتاب الله حرمتنا ... ولم تكن بكتاب الله ترتدع
فاخر نطمت ثم قالت وهي مغضبة ... أأنت تتلو كتاب الله يا لكع
أخرج لتبغ لنا مالا ومزرعة ... كما لجيراننا مال ومزدرع
واخدع خليفتنا عنا بمسألة ... إن الخليفة للسؤال ينخدع
فضحك المنصور، وقال: أرضوها عنه، واكتبوا لها ستمائة جريب عامرة وغامرة، فقال: أنا أقطعك يا أمير المؤمنين أربعة آلاف جريب غامرة فيما بين الحيرة والنجف؛ وإن شئت زدتك، فضحك وقال: اجعلوها كلها عامرة.

(1/203)


وشهد أبو دلامة لجارة له عند ابن أبي ليلى القاضي، على أتان نازعها فيه رجل، فلما فرغ منن الشهادة قال لابن أبي ليلى: اسمع ما قلت قبل أن آتيك، ثم اقض بما شئت قال هات: فأنشده من الطويل:
إن الناس غطوني تغطيت عنهم ... وإن بحثوا عني ففيهم مباحث
وإن حفروا بئري حفرت بئارهم ... ليعلم يوما كيف تلك النبائت
فأقبل القاضي على المرأة، وقال: أتبيعينني الأتان؟ قالت: نعم، قال: بكم؟ قالت: بمائة درهم، قال: ادفعوها إليها، ففعلوا، وأقبل على الرجل فقال: قد وهبتها لك. وقال لأبي دلامة: قد أمضيت شهادتك ولم أبحث عنك وابتعت ممن شهدت له ووهبت ملكي لمن رأيت، أرضيت؟ قال: نعم، وانصرف.
ودخل أبو عطاء السندي يوما إلى أبي دلامة، فاحتبسه، ودعا بطعام وشراب فأكلا وشربا، وخرجت إلى أبي دلامة صبية له، فحملها على كتفه، فبالت عليه، فنبذها عن كتفه، ثم قال من الوافر:
بللت علي لأحييت ثوبي ... فبال عليك شيطان رجيم
فما ولدتك مريم أم عيسى ... ولا رباك لقمان الحكيم
ثم التفت إلى أبي عطاء فقال له: أجزيا أبا عطاء، فقال من الوافر:
صدقت أبا دلامة لم تلدها ... مطهرة ولا فحل كريم
ولكن قد حوتها أم سوء ... إلى لباتها، وأب لئيم
فقال له أبو دلامة: عليك لعنة الله! ما حملك على أن بلغت بي هذا كله؟ والله لا أنازعك بيت شعر أبدا، فقال له أبو عطاء: يكون الذي من جهتك أحب إلي ثم غدا أبو دلامة إلى المنصور فأخبره بقصة ابنته، وأنشده الأبيات، ثم اندفع فأنشده بعدها من البسيط:
لو كان يعقد فوق الشمس من كرم ... قوم لقيل اقعدوا يا آل عباس
ثم ارتقوا في شعاع الشمس كلكم ... إلى السماء فأنتم أكرم الناس
وقدموا القائم المنصور رأسكم ... فالعين والأنف والأذن في الراس
فاستحسنها، وقال: بأي شيء تحب أن أعينك على قبح ابنتك هذه؟ فأخرج خريطة قد خاطها من الليل، وقال: تملأ لي هذه دراهم، فوسعت أربعة آلاف درهم.
ولما توفي أبو العباس السفاح دخل أبو دلامة على المنصور والناس يعزونه فأنشأ أبو دلامة يقول:
أمسيت بالأنبار يا ابن محمد ... لم تستطع عن عقرها تحويلا
ويلي عليك وويل أهلي كلهم ... ويلا وعولا في الحياة طويلا
فلتبكين لك السماء بعبرة ... ولتبكين لك الرجال عويلا
مات الندى إذ مت يا ابن محمد ... فجعلته لك في التراب عديلا
إني سألت الناس بعدك كلهم ... فوجدت أسمح من سألت بخيلا
ألشقوتي أخرت بعدك للتي ... تدع العزيز من الرجال ذليلا
فلأحلفن يمين حق برة ... بالله ما أعطيت بعدك سولا

(1/204)


فأبكى الناس قوله، وغضب المنصور غضبا شديدا وقال: لئن سمعتك تنشد هذه القصيدة لأقطعن لسانك، فقال أبو دلامة: يا أمير المؤمنين، إن أبا العباس كان لي مكرما، وهو الذي جاء بي من البدو كما جاء الله عز وجل بإخوة يوسف عليه السلام إليه، فقل أنت كما قال يوسف " لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين " فسرى عن المنصور، وقال: قد أقلناك يا أبا دلامة فسل حاجتك، فقال: يا أمير المؤمنين، قد كان أبو العباس أمر لي بعشرة آلاف درهم وخمسين ثوبا وهو مريض ولم أقبضها، فقال المنصور: ومن يعلم ذلك؟ قال: هؤلاء، وأشار إلى جماعة ممن حضرن فوثب سليمان بن مجالد وأبو الجهم فقالا: صدق يا أمير المؤمنين فنحن نعلم ذلك، فقال المنصور لأبي أيوب الخازن وهو مغيظ: يا سليمان ادفع إليه وسيره إلى هذا الطاغية يعني عبد الله بن علي، وكان قد خرج بناحية الشام وأظهر الخلاف، فوثب أبو دلامة فقال: يا أمير المؤمنين، أعيذك بالله أن أخرج معهم فإني والله لمشؤم، فقال له المنصور: امض فإن يمني يغلب شؤمك فاخرج، فقال: والله يا أمير المؤمنين ما أحب لك أن تجرب ذلك مني على مثل هذا العسكر فإني لا أدري أيهما يغلب يمنك أو شؤمي إلا أني بنفسي أدرى وأوثق وأعرف وأطول تجربة، فقال: دعني من هذا فمالك من الخروج بد، قال: فإني أصدقك الآن، شهدت والله تسعة عشر عسكرا كلها هزمت وكنت سببها، فن شئت الآن على بصيرة أن يكون عسكرك العشرين فافعل، فاستفرغ المنصور ضحكا، وأمره أن يتخلف مع عيسى بن موسى بالكوفة.
وحدث أبو دلامة قال: أتى بي إلى المنصور أو إلى المهدي وأنا سكران، فحلف ليخرجني في بعث حرب، فأخرجني مع روح بن عدي بن حاتم المهلبي لقتال الشراة، فلما التقى الجمعان قلت لروح: أما والله لو أن تحتي فرسك ومعي سلاحك لأثرت في عدوك اليوم أثرا ترتضيه مني، فضحك وقال: والله العظيم لأدفعن ذلك إليك ولآخذنك بالوفاء بشرطك، ونزل عن فرسه ونزع سلاحه ودفعهما إلي ودعا له بغيرهما فاستبدل به، فلما حصل ذلك في يدي وزالت عني حلاوة الطمع قلت له: أيها الأمير، هذا مقام العائذ بك، وقد قلت بيتين فاسمعهما، فقال: هات، فأنشدته من الكامل:
إني استجرتك أن أقدم في الوغى ... لتطاعن وتنازل وضراب
فهب السيوف رأيتها مشهورة ... فتركتها ومضيت في الهراب
ماذا تقول لما يجيء ولا يرى ... من واردات الموت في النشاب
فقال: دع عنك هذا وستعلم، فبرز رجل من الخوارج يطلب المبارزة، فقال: اخرج إليه يا أبا دلامة، فقلت: أنشدك الله أيها الأمير في دمي، فقال: والله لتخرجن، قلت: أيها الأمير إنه أول يوم من أيام الآخرة وآخر يوم من أيام الدنيا وأنا والله جائع ما تنبعث مني جارحة من الجوع فمر لي بشيء آكله ثم أخرج، فأمر لي برغيفين ودجاجة، فأخذت ذلك وبرزت من الصف، فلما رآني الشاري أقبل نحوي وعليه فرو قد أصابه المطر فابتل وأصابته الشمس فاقفعل وعيناه تقدان، فأسرع إلي، فقلت: على رسلك يا هذا كما أنت، فوقف، فقلت: أتقتل من لا يقاتلك؟ قال: لا، قلت: أفتستحل أن تقتل رجلا على دينك؟ قال: لا، قلت: افتستحل ذلك قبل أن تدعو من يقاتلك إلى دينك؟ قال: لا فاذهب عني إلى لعنة الله، فقلت لا أفعل أو تسمع مني، قال: قل، قلت: هل كان بيننا عداوة قط أوترة أو تعلم بين أهلي وأهلك وترا؟ قال: لا والله، قلت: ولا أنا والله لك إلا على جميل، وإني لأهواك وأنتحل مذهبك وأدين بدينك وأريد الشر لمن أراد هلك،قل: يا هذا جزاك الله خيرا، فانصرف، قلت: إن معي زادا وأريد أن آكله وأريد مواكلتك لتأكد المودة بيننا ونرى أهل العسكرين هوانهم علينا، قال: فافعل، فتقدمت إليه حتى اختلفت أعناق دوابنا وجمعنا أرجلنا على معارفها وجعلنا نأكل، والناس قد غلبوا ضحكا، فلما استوفينا ودعني، ثم قلت له: إن هذا الجاهل إن أقمت على طلب المبارزة ندبني لك فتتعب وتتعبني، فإن رأيت أن لا تبرز اليوم فافعل، قال: قد فعلت، ثم انصرف وانصرفت، فقلت لروح: أما أنا فقد كفيتك قرني فقل لغيري يكفيك قرنه، قال: ثم خرج آخر يريد البراز، فقال: اخرج إليه، فقلت من البسيط:

(1/205)


إني أعوذ بروح أن يقدمني ... إلى القتال فتخزي بي بنو أسد
إن البراز إلى الأقران أعلمه ... مما يفرق بين الروح والجسد
قد حالفتك المنايا إذ صمدت لها ... وأصبحت لجميع الخلق بالرصد
إن المهلب حب الموت أورثكم ... وما ورثت اختيار الموت عن أحد
لو أن لي مهجة أخرى لجدت بها ... لكنها خلقت فردا فلم أجد
فضحك وأعفاني.
وعزم موسى بن داود على الحج فقال لأبي دلامة: احجج معي ولك عشرة آلاف درهم، فقال: هاتها، فدفعت إليه، فأخذها وهرب إلى السواد، فجعل ينفقها هناك ويشرب الخمر، وطلبه موسى فلم يقدر عليه، وخشي فوات الحج، فخرج فلما شارف القادسية إذا هو بأبي دلامة خارجا من قرية إلى قرية أخرى وهو سكران، فأمر بأخذه وتقييده وطرحه في المحمل بين يديه، ففعل به ذلك، فلما سار غير بعيد أقبل أبو دلامة على موسى وناداه بقوله من البسيط:
يا أيها الناس قولوا أجمعين معا ... صلى الأله على موسى بن داود
كأن ديباجتي خديه من ذهب ... إذا بدا لك في أثوابه السود
إني أعوذ بداود وأعظمه ... من أن أكلف حجا يا ابن داود
أنبئت أن طريق الحج معطشة ... من الشراب وما شربي بتصريد
والله ما في من أجر فتطلبه ... ولا الثناء على ديني بمحمود
فقال موسى: ألقوه لعنه الله عن المحمل ودعوه ينصرف، فألقى وعاد إلى قصفه بالسواد حتى نفدت العشرة آلاف.
ودخل أبو دلامة يوما على المنصور فأنشده من الوافر:
رأيتك في المنام كسوة جلدي ... ثيابا جمة وقضيت ديني
وكان بنفسجي الخز فيها ... وساج ناعم فأتم زيني
فصدق يا فدتك النفس رؤيا ... رأتها في المنام كذاك عيني
فأمر بذلك، وقال: لا عدت تتحلم علي ثانية فاجعل حلمك أضغاثا ولا أحققه ثم خرج من عنده ومضى فشرب في بعض الحانات فسكر وانصرف وهو ثمل فلقيه العسس فأخذ فقيل له: من أنت؟ وما دينك؟ فقال من الرجز:
ديني على دين بني العباس ... ما ختم الطين على القرطاس
إذا اصطبحت أربعا بالكاس ... فقد أدار شربها براسي
فهل بما قلت لكم من بأس؟
فأخذوه ومضوا به فخرقوا أثوابه وساجه، وأتوا به إلى المنصور، وكان يؤتى بكل من أخذه العسس، فحبسه مع الدجاج في بيت، فلما أفاق جعل ينادي غلامه مرة جاريته مرة فلا يجيبه أحد، وهو مع ذلك يسمع صوت الدجاج وزقاء الديكة، فلما أكثر قال له السجان: ما شأنك؟ قال: ويلك! من أنت؟ وأين أنا؟ قال: في الحبس، وأنا فلان السجان، قال: ومن حبسني؟ قال: أمير المؤمنين قال: ومن خرق طيلسني؟ قال: الحرس، فطلب منه أن يأتيه بدواة وقرطاس، ففعل، فكتب إلى المنصور من الوافر:
أمير المؤمنين فدتك نفسي ... على م حسبتني وخرقت ساجي
أمن صهباء صافية المزاج ... كأن شعاعها لهب السراج
وقد طبخت بنار الله حتى ... لقد صارت من النطف النضاج
تهش لها القلوب وتشتهيها ... إذا برزت ترقرق في الزجاج
أقاد إلى السجون بغير جرم ... كأني بعض عمال الخراج
ولو معهم حبست لكان سهلا ... ولكني حبست مع الدجاج
وقد كانت تخبرني ذنوبي ... بأني من عقابك غير ناجي
على أني وإن لاقيت شرا ... لخيرك بعد ذاك الشر راجي

(1/206)


فدعا به، وقال له: أين حبست يا أبا دلامة؟ فقال: مع الدجاج، قال: فما كنت تصنع؟ قال: أقوقئ معهم حتى أصبحت، فضحك وخلى سبيله، وأمر له بجائزة. فلما خرج قال له الربيع: إنه شرب الخمر يا أمير المؤمنين، أما سمعت قوله: وقد طبخت بنار الله، يعني الشمس، فأمر برده. ثم قال له: يا خبيث، شربت الخمر؟ قال: لا. قال: أفلم تقل: طبخت بنار الله، تعني الشمس. قال: لا، والله ما عنيت إلا نار الله المؤصدة التي تطلع على فؤاد الربيع، فضحك وقال: خذها يا ربيع، ولا تعاود التعرض له.
ولما قدم المهدي من الري، دخل عليه أبو دلامة، فأنشأ يقول من الكامل:
إني نذرت لئن لقيتك سالما ... بقرى العراق وأنت ذو وفر
لتصلين على النبي محمد ... ولتملأن دراهما حجري
فقال: صلى الله على النبي محمد وسلم، وأما الدراهم فلا، فقال له: أنت أكرم من أن تفرق بينها، ثم تختار أسهلهما، فضحك، وأمر بأن يملأ حجره دراهم.
ودخل أبو دلامة على أم سلمة زوج السفاح بعد موته، فعزاها به وبكى، فبكت معه، فقالت أم سلمة: لم أجد أحدا أصيب به غيري وغيرك يا أبا دلامة قال: ولا سواء يرحمك الله! لك منه ولد، وما ولدت أنا منه قط، فضحكت، ولم تكن ضحكت منذ مات السفاح إلا ذاك الوقت، وقالت له: لو حدثت الشيطان لأضحكته.
ودخل يوما على المهدي، وهو يبكي، فقال له: مالك؟ قال: ماتت أم دلامة، وأنشد لنفسه فيها من الطويل:
وكنا كزوج من قطا في مفازة ... لدى خفض عيش مونق ناضر رغد
فأفردني ريب الزمان بصرفه ... ولم أر شيئا قط أوحش من فرد
فأمر له بطيب وثياب ودنانير، وخرج، فدخلت أم دلامة على الخيزران وأعلمتها أن أبا دلامة قد مات، فأعطتها مثل ذلك، وخرجت أم دلامة على الخيزران وأغلمتها أن دلامة قد مات، فأعطتها مثل ذلك، وخرجت فلما التقى المهدي والخيزران عرفا حيلتهما، فجعلا يضحكان لذلك ويعجبان منه.
وحدث المديني قال: دخل أبو دلامة على المهدي وعنده جماعة من بني هاشم فقال المهدي له: أنا أعطي الله تعالى عهدا، لئن لم تهج واحدا ممن في البيت لأضربن عنقك، فنظر إليه القوم، وغمزوه بأن عليهم رضاه. قال أبو دلامة: فعلمت أني وقعت، وأنها عزمة من عزماته، ولا بد منها، فلم أر أحدا أحق بالهجاء مني، ولا أدعي إلى السلامة من هجائي نفسي، فقلت: من الوافر:
إلا أبلغ لديك أبا دلامه ... فليس من الكرام ولا كرامه
إذا لبس العمامة قلت قرد ... وخنزير إذا وضع العمامه
جمعت دمامة وجمعت لؤما ... كذاك اللؤم تتبعه الدمامه
فإن تك قد أصبت نعيم دنيا ... فلا تفرح فقد دنت القيامه
فضحك القوم، ولم يبق منهم أحد إلا أجازه.
وخرج المهدي وعلي بن سليمان إلى الصيد، فسنح لهما قطيع من ظباء، فأرسلت الكلاب وأجريت الخيل، فرمى المهدي سهما فصرع ظبيا، ورمى علي بن سليمان فأصاب كلبا فقتله، فقال في ذلك أبو دلامة من مجزوء الرمل:
قد رمى المهدي ظبيا ... شك بالسهم فؤاده
وعلي بن سليما ... ن رمى كلبا فصاده
فهنيئا لهما كل ... امرئ يأكل زاده
فضحك المهدي حتى كاد يسقط عن سرجه، وقال: صدق والله أو دلامة وأمر له بجائزة. ولقب علي بن سليمان بصائد الكلب، فعلق به.
وتوفيت حمادة بنت عيسى، وحضر المنصور جنازتها. فلما وقف على حفرتها قال لأبي دلامة: ما أعددت لهذه الحفرة؟ قال: بنت عمك يا أمير المؤمنين حمادة بنت عيسى، يجاء بها الساعة فتدفن فيها، فضحك المنصور حتى غلب وستر وجهه.

(1/207)


وحدث الهيثم بن عدي قال: حجت الخيزران، فلما خرجت صاح أبو دلامة: جعلني الله فداك! الله الله في أمري، فقالت: من هذا؟ قالوا: أبو دلامة، قالت: اسألوه ما أمره، قال: أدنوني من محملها، فأدنى، فقال: أيها السيدة، إني شيخ كبير وأجرك في عظيم. قالت: فمه؟ قال: تهبين لي جارية من جواريك تؤنسني وترفق بي وتريحني من عجوز عندي قد أكلت رفدي، وطالت كدي، فقد عاف جلدي جلدها، وتمنيت بعدها، تشوقت فقدها. فضحكت، وقالت: سوف آمر لك بما سألت، فلما رجعت تلقاها وأذكرها وخرج معها إلى بغداد وأقام حتى سئم، ثم دخل على عبيدة حاضنة موسى وهارون، فدفع إليها رقعة قد كتبها إلى الخيزران فيها من مجزوء الرمل:
أبلغي سيدتي بالله يا أم عبيده
أنها أرشدها الله وإن كانت رشيده
وعدتني قبل أن تخ ... رج للحج وليده
فتأتيت وأرسلت ... شرين قصيده
كلما أخلقن أخلفت لها أخرى جديده
ليس في بيتي لتمهيد فراش من قعيده
غير عجفاء عجوز ... ساقها مثل القديده
وجهها أقبح من حو ... ت طري في عصيده
ما حياتي مع أنثى ... مثل عرسي بسعيده
فلما قرئت عليها الأبيات ضحكت، واستعادت قوله: وجهها أقبح من حوت... إلى آخره، وجعلت تضحك، ودعت بجارية من جواريها فائقة، فقالت لها: خذي كل مالك في قصرين ففعلت، ثم دعت بخادم وقالت له: سلمها إلى أبي دلامة. فانطلق الخادم بها فلم يصبه في منزله. فقال لامرأته: إذا رجع فادفعيها إليه وقولي له: تقول لك السيدة أحسن صحبة هذا الجارية فقد آثرتك بها. فقالت له: نعم. فلما خرج دخل إليها ابنها دلامة فوجد أمه تبكي، فسألها عن خبرها فأخبرته وقالت: إن أردت أن تبر بي يوما من الدهر فاليوم، قال قولي: ما شئت فإني أفعله، قالت: تدخل عليها فتعلمها أنك مالكها فتطؤها وتحرمها عليه، وإلا ذهبت بعقله وجفاني وجفاك، ففعل ودخل على الجارية فوطئها ووافقها ذلك منه وخرج ثم دخل أبو دلامة فقال لامرأته: أين الجارية؟ فقالت: في ذلك البيت فدخل إليها شيخ محطم ذاهب فمد يده إليها وذهب ليقبلها، فقالت له: مالك ويلك تنح عني وإلا لطمتك لطمة دققت بها أنفك. فقال: أبهذا أوصتك السيدة؟ فقالت: إنها بعثت بي إلى فتى من حاله وهيئته كيت وكيت، وقد كان عندي آنفا ونال مني حاجته، فعلم أنه قد دهى من أم دلامة وابنها، فخرج إلى دلامة فلطمه وتلبب به وحلف أنه لا يفارقه إلى المهدي، فمضى به متلببا حتى وقف على باب المهدي. فعرف خبره وأنه قد جاء بابنه على تلك الحالة، فأمر بإدخاله فلما دخل قال له: مالك ويلك؟ قال: عمل هذا الخبيث ابن الخبيثة ما لم يعمله ولد بأبيه ولا يرضيني إلا أن تقتله. فقال: ويلك! فما فعل بك؟ فأخبره الخبر. فضحك حتى استلقى على قفاه ثم جلس. فقال له أبو دلامة: أعجبك فعله فتضحك منه؟ فقال علي بالسيف والنطع. فقال له دلامة: قد سمعت قوله يا أمير المؤمنين فاسمع حجتي، قال: هات. قال: هذا الشيخ أصفق الناس وجها، وهو ينيك أمي منذ أربعين ما غضبت نكت أنا جاريته مرة واحدة فغضب وصنع بي ما ترى، فضحك المهدي أشد من ضحكه الأول. ثم قال: دعها له وأنا أعطيك خيرا منها. قال: على أن تخبأها لي بين السماء والأرض وإلا ناكها والله كما ناك هذه، فتعهد المهدي إلى أبي دلامة أن لا يعاود دلامة مثل فعله، وحلف أنه إن عاود قتله، وأمر له بجارية أخرى كما وعده.

(1/208)


ودخل أبو دلامة على المهدي وسلمة الوصيف واقف، فقال: إني قد أهديت لك يا أمير المؤمنين مهرا ليس لأحد مثله، فإن رأيت أن تشرفني بقبوله، فأمر بإدخاله إليه، فخرج أبو دلامة وأدخل فرسه الذي كان تحته، فإذا هو برذون؟ محطم أعجف هرم، فقال له المهدي: أي شيء ويلك هذا، لم تزعم أنه مهر فقال له: أوليس هذا سلمة الوصيف بين يديك قائما، تسميه الوصيف، وله ثمانون سنة، وهو بعد عندك وصيفا، فن كان سلمة وصيفا فهذا مهر، فجعل سلمة يشتمه والمهدي يضحك. ثم قال لسلمة: ويحك! إن لهذه منه أخوات، وإن أتى بمثلها في محفل يفضحك، فقال أبو دلامة: إي والله يا أمير المؤمنين لأفضحنه فليس في مواليك أحد إلا وقد وصلني غيره، فإني ما شربت له الماء قط، قال: فقد حكمت عليه أن يشتري نفسه منك بألف درهم حتى يتخلص من يدك، قال: قد فعلت علي أن لا يعاود، قال: أفعل، ولولا أني ما أخذت منه شيئا قط ما استعملت معه مثل هذا، فمضى سلمة فحملها إليه وسلمه إياها.
وجاء دلامة يوما إلى أبيه وهو في حفل من جيرانه وعشيرته جالسا فجلس بين يديه، ثم أقبل على الجماعة، فقال لهم: إن شيخي كما ترون قد كبر سنه، ودق عظمه،وبنا إلى حياته حاجة شديدة، ولا أزل أشير عليه بالشيء يمسك رمقه ويبقي قوته فيخالفني، وإني أسالكم أن تسألوه قضاء حاجة لي أذكرها بحضرتكم فيها صلاح جسمه وبقاء حياته، فأسعفوني بمسألته معي، فقالوا: نفعل وحبا وكرامة، ثم أقبلوا على أبي دلامة بألسنتهم، فتناولوه بالعتاب حتى رضي ابنه وهو ساكت، فقال: قولوا لهذا الخبيث فليقل ما يريد، فستعلمون أنه لم يأت إلا ببلية، فقالوا: قل، فقال: إن أبي ما يقتله إلا كثرة الجماع، فتعاونوني عليه حتى أخصيه فلن يقطعه عن ذلك غير الخصاء فيكون أصح لجسمه وأطول لعمره، فعجبوا مما أتى به، وعلموا أنه أراد أن يبث بأبيه ويخجله حتى يشيع ذلك عنه ويرتفع له به ذكر، فضحكوا منه، ثم قالوا لأبي دلامة: قد سمعت فأجب قال: قد سمعتم أنتم وعرفتم أنه لم يأت بخير، قالوا: فما عندك في هذا؟ قال: قد جعلت أمه حكما بيني وبينه. فقوموا بنا إليها، فقاموا بأجمعهم ودخلوا إليها، وقص أبو دلامة القصة عليها وقال: قد حكمتك فأقبلت على الجماع فقالت: إن ابني هذا أبقاه الله قد نصح أباه وبره ولم يأل جهدا وما أنا إلى بقاء أبيه بأحوج مني إلى بقائه، وهذا أمر لم تقع به تجربة ولا جرت بمثله عادة ولا أشك في معرفته بذلك فليبدأ بنفسه أولا فليخصها، فإذا عوفي ورأينا ذلك قد أثر عليه أثرا محمودا استعمله أيضا أبوه، فجعل أبوه يضحك منه، وخجل ابنه دلامة، وانصرف القوم يضحكون ويعجبون من خبثهم جميعا واتفاقهم في ذلك المذهب.
وكان عند المهدي رجل من بني مروان قد جاءه مسلما، فأتى المهدي بعلج، فأمر المرواني أن يضرب عنقه، فأخذ السيف وقام فضربه فنبا عنه، فرمى به المرواني وقال: لو كان من سيوفنا ما نبا، فسمعها المهدي فغاظه حتى تغير وجهه وبان فيه، فقام يقطين فأخذ السيف وحسر عن ذراعيه ثم ضرب العلج فرمى برأسه ثم قال: يا أمير المؤمنين، إن هذه السيوف سيوف الطاعة ولا تعمل إلا في أيدي الأولياء، ولا تعمل في أيدي أهل المعصية، ثم قام أبو دلامة فقال: يا أمير المؤمنين، قد حضرني بيتان أفأقول؟ قال: قل، فأنشده من الخفيف:
أبهذا الإمام سيفك ماض ... وبكف الولي غير كهام
فإذا ما نبا بكف علمنا ... أنه كف مبغض للإمام
فقام المهدي من مجلسه، وسرى عنه، وأمر حجابه بقتل المرواني، فقتل.و قال ابن النطاح: دخل أبو دلامة على المهدي، فأنشده قصيدته في بغلته المشهورة يهجوها ويذكر معايبها، فلما أنشده قوله من الوافر:
أتاني خائب يستام مني ... عريقا في الخسارة والضلال
فقال تبيعها قلت ارتبطها ... بحكمك إن بيعي غير غالي
فأقبل ضاحكا نحوي سرورا ... وقال أراك سهلا ذا جمال
هلم إلي يخلو بي خداعا ... وما يدري الشقي لمن يخالي
فقلت بأربعين فقال أحسن ... إلي فإن مثلك ذو سجال

(1/209)


فأترك خمسة منها لعلمي ... بما فيه يصير من الخبال
فقال له المهدي: لقد أفلت من بلاء عظيم، فقال: والله يا أمير المؤمنين لقد مكثت شهرا أتوقع صاحبها أن يردها علي، قال: ثم نشده من الوافر:
فأبدلني بها يا رب طرفا ... يكون جمال مركبه جمالي
فقال المهدي لصاحب دوابه: خيره بين مركبين من الاصطبل، فقال: يا أمير المؤمنين، إن كان الاختيار إلي وقعت في شر من البغلة، ولكن مره أن يختار لي، فقال: اختر له.
وأخبار أبي دلامة كثيرة، وقد أثبتنا منها طرفا صالحا.
وكانت وفاته سنة إحدى وستين ومائة، رحمه الله تعالى!
كالقسي المعطفات بل الأسهم مبرية بل الأوتار
البيت للبحتري، من قصيدة من الخفيف يمدح بها أبا جعفر بن حميد ويستوهبه غلاما، ومنها قوله:
أبكاء في الدار بعد الدار ... وسلوا بزينب عن نوار
لا هناك الشغل الجديد بحزوي ... عن رسوم برامتين قفار
ما ظننت الأهواء قبلك تمحي ... في صدور العشاق محو الديار
إلى أن قال منها في وصف النوق:
يترقرقن كالسراب وقد خضن غمارا من السراب الجاري
وبعده البيت، والقصيدة طويلة، يقول منها في تشكيه من الغلام الأجير ويسأل مخدومه في هيبته غلاما ويصفه:
قد مللناك يا غلام فغاد ... بسلام أو رائح أو ساري
سرقات مني خصوصا، فهلا ... من عدو أو صاحب أو جار
أنا من ياسر وسعد وفتح ... لست من عامر ولا عمار
لا أحب النظير يخرجه الشتم إلى الاحتجاج والافتخار
فإذا رعته بناحية السو ... ط على الذنب راعني بالفرار
ما بأرض العراق يا قوم حر ... يشتريني من خدمة الأحرار
هل جواد بأبيض من بني الأصفر محض الجدود محض النجار
لم يرم قومه السرايا ولم يغزهم غير جحفل جرار
فحوته الرماح أغيد مجدول ... لا قصير الزنار وافي الأزار
فوق ضعف الصغار إن وكل الأمر إليه ودون كبر الكبار
لك من ثغره وخديه ما شئت من الأقحوان والجلنار
وكأن الذكاء يبعث منه ... في سواد الأمور شعلة نار
يا أبا جعفر وما أنت بالمد ... عو إلا لكل أمر كبار
ولعمري للجود بالناس للنا ... س سواه بالثوب والدينار
وقليل إلا لديك بهذا الفج أخذ الغلمان بالأشعار
ومعنى البيت أنه يصف إبلا أنحلها السرى بحيث صارت من الهزال كالقسي بل السهام بل الأوتار.
وقد تداول الشعراء هذا المعنى، وتجاذبوا أطرافه، فمن ذلك قول الشريف الموسوي من الكامل:
هن القسي من النحول فإن سما ... خطب فهن من النجاء الأسهم
وقد أخذه ابن قلاقس فقال أيضا من الكامل:
خوص كأمثال القسي نواحلا ... وإذا سما خطب فهن سهام
وندفع بالسرى منها قسيا ... فتقذف بالنوى منها سهاما
وقال ابن خفاجة أيضا من الطويل:
وقد ما برت منها قسيا يد السرى ... وفوق منها فوقها المجد أسهما
وقل ابن النبيه من الخفيف:
إن خوض الظلماء أطيب عندي ... من مطايا أمست تشكي كلاله
فهي مثل القسي شكلا ولكن ... هي في السبق أسهم لا محاله
والشاهد في البيت: مراعاة النظير، ويسمى: التناسب، والتوافق، والائتلاف، والمؤاخاة، وهو: جمع أمر وما يناسبه مع إلغاء التضاد لتخرج المطابقة فهو هنا قصد المناسبة بالأسهم والأوتار لما تقدم من ذكر القسي، وهذه المناسبة هنا معنوية لا لفظية كما في قول مهيار من الخفيف:
ومدبر سيان عيناه والإبريق فتكا ولحظه والمدام

(1/210)


والإبريق هنا السف سمي بذلك لبريقه، وكان يصح أن يقال سيان عيناه والصمصام أو الهندي، فاختار الإبريق لمناسبته لفظا للمدام، إذ الإبريق يطلق على إناء الخمر، وليس هذا من المعنى في شيء، وإما هو مراعاة مجرد اللفظ.
ومن أحسن ما ورد في مراعاة النظير قول ابن خفاجة يصف فرسا وهو من السريع:
وأشقر تضرم منه الوغى ... بشعلة من شعل الباس
من جلنار ناضر خده ... وأذنه من ورق الآس
تطلع للغرة في وجهه ... حبابة تضحك في الكاس
فالمناسبة هنا بين الجلنار والآس والنضارة.
وقل ابن الساعاتي من أبيات في وصف الثلج من الكامل:
السحب رايات ولمع بروقها ... بيض الظبي والأرض طرف أشهب
والند قسطله وزهر شموعنا ... صم القنا والفحم نبل مذهب
وما أبدع قول بعضهم في آل النبي صلى الله عليه وسلم من الكامل:
أنتم بنو طه ون والضحى ... وبنو تبارك والكتاب المحكم
وبنو الأباطح والمشاعر والصفا ... والركن والبيت العتيق وزمزم
فإنه أحسن في المناسبة في البيت الأول بين أسماء السور، وفي الثاني بين الجهات الحجازية، وما أعجب قول السلامي من الكامل:
أوما ترى طرر البروق توسطت ... أفقا كأن المزن فيه شنوف
واليوم من خجل الشقيق مضرج ... خجل ومن مرض النسيم ضعيف
والأرض طرس والرياض سطوره ... والزهر شكل بينها وحروف
وقوله في وصف النارنج والسماريات في نهر طلعت عليه الشمس من الوافر:
تنشط للصبوح أبا علي ... على حكم المنى ورضا الصديق
بنهر للرياح عليه درع ... يذهب بالغروب وبالشروق
إذا اصفرت عليه الشمس صبت ... على أمواجه ماء الخلوق
وقفت به فكم خد رقيق ... يغازلني على قد رشيق
وجمر شب في الأغصان حتى ... أضاع الماء في وهج الحريق
فدهم الخيل في ميدان تبر ... يصاغ لها كرات من عقيق
وقوله أيضا في وصف الحب من البسيط:
الحب كالدهر يعطينا ويرتجع ... لا اليأس يصرفنا عنه ولا الطمع
صحبته والصبا تغري الصبابة بي ... والوصل طفل غرير والهوى يفع
أيام لا النوم في أجفاننا خلس ... ولا الزيارة من أحبابنا لمع
إذا الشبية سيفي والهوى فرسي ... ورايتي اللهو واللذات لي شيع
وما أحسن قول السري الرفاء من الوافر:
وغيم مرهفات البرق فيه ... عوار والرياض بها كواسي
وقد سلت جروش الفطر فيه ... على شهر الصيام سيوف باس
ولاح لنا الهلال كشطر طوق ... على لبات زرقاء اللباس
وبديع قول أبي طالب البغدادي النحوي من أبيات من البسيط:
ومهمة سرت فيه والبساط دم ... والجو نقع وهامات الرجال ربا
وقول أبي حنيفة الاسترابادي غاية هنا، وهو من السريع:
هل عثرت أقلام خط العذار ... في مشقها فالخال نضخ العثار
أو استدار الخط لما غدت ... نقطته مركز ذاك المدار
وريقه الخمر فهل ثغره ... در حبات نظمته العقار
وقوله وهو بديع من البسيط:
أنا الرمي بسهم اللحظ إذ رشقا ... فلم تدرع من أصداغه الحلقا
وقول أبي علي الحسن الباخرزي والد صاحب دمية القصر من الطويل:
وذي زجل والي سهام رهامه ... وولي فألقى قوسه في انهزامه

(1/211)


ألم تر خد الورد مدمى لوقعها ... وأنصلها مخضوبة في كمامه
وما أحسن قول الحسين بن علي النميري من قصيدة من الكامل:
روض إذا جرت الرياح مريضة ... في زهره استشفت به مرضاها
وإذا تقابلت الندامى وسطه ... سكر الصحاة كما صحا سكراها
وما أزهر قول بعضهم يرثي فقيها حنفيا من الخفيف:
روضة العلم قطبي بعد بشر ... والبسي من بنفسج جلبابا
وهبي النائحات منثور دمع ... فشقيق النعمان بان وغابا
ولأبي العصب الملحي من مجزوء الرمل:
ذرفت عين الغمام ... فاستهلت بسجام
وبكى الإبريق في الكأ ... س بدمع من مدام
فاسقني دمعا بدمع ... من مدام وغمام
واعص من لامك فيه ... ليس ذا وقت الملام
ولأبي العلاء المعري من البسيط:
دع اليراع لقوم يفخرون بها ... وبالطوال الردينيات فافتخر
فهن أقلامك اللاتي إذا كتبت ... مجدا أتت بمداد من دم هدر
وما أحسن قول الوأواء الدمشقي من البسيط:
سقيا ليوم غدا قوس الغمام به ... والشمس مشرقة والبرق خلاس
كأنه قوس رام والبروق له ... رشق السهام وعين الشمس برجاس
وما أبدع قول السلامي من الطويل:
وقد خالط الفجر الظلام كما التقى ... على روضة خضراء ورد وأدهم
وعهدي بها والليل ساق ووصلنا ... عقار وفوها الكأس أو كأسها الفم
ولبعض شعراء الذخيرة من الطويل:
بدار سقتها ديمة إثر ديمة ... فمالت بها الجدران شطرا على شطر
فمن عارض يسقى ومن سقف مجلس ... يغني ومن بيت يميل من السكر
ومن الغايات في هذا الباب قول البديع الهمذاني من قصيدة يصف فيها طول السرى من الطويل:
لك الله من عزم أجوب جيوبه ... كأني في أجفان عين الردى كحل
كأن السرى ساق كأن الكرى طلا ... كأنا لها شرب كأن المنى نقل
كأنا جياع والمطي لنا فم ... كأن الفلا زاد كأن السرى أكل
كأن ينابيع الثرى ثدى مرضع ... وفي حجرها مني ومن ناقتي طفل
كأنا على أرجوحة في مسيرنا ... لغور بنا تهوى ونجد بنا تعلو
ومنها في المديح ولم يخرج عن حسن المناسبة من الطويل:
كأن فمي قوس لساني له يد ... مديحي له نزع به أملي نبل
كأن دواتي مطفل حبشية ... بناني لها بعل ونقشي لها نسل
كأن يدي في الطرس غواص لجة ... بها كلمي در به قيمتي تغلو
وله أيضا في قريب منه يمدح الممدوح في القصيدة قبله، وهو الملك خلف ابن أحمد صاحب سجستان من الطويل:
وليل كذكراه كمعناه كاسمه ... كدين ابن عباد كأدبار فائق
شققنا بأيدي العيس برد ظلامه ... وبتنا على وعد من السير صادق
تزج بنا الأسفار في كل شاهق ... وترمي بنا الآمال في كل حالق
كأن مطايانا شفار كأنما ... تمد إليهن الفلا كف سارق
كأن نجوم الليل نظارة لنا ... تعجب من آمالنا والعوائق
كأن نسيم الصبح فرصة آيس ... كأن سراب القيظ خجلة وامق
ومن الغريب هنا قول ابن الرومي يصف أينقا من البسيط:
تطوى الفلا وكأن الآل أردية ... وتارة وكأن الليل سيجان
كأنها في ضحاضيح الضحى سفن ... وفي الغمار من الظلماء حيتان
وما أرشق قول ابن رشيق من الطويل:
أصح وأقوى ما سمعناه في الندى ... من الخبر المأثور منذ قديم
أحاديث ترويها السيول عن الحيا ... عن البحر عن كف الأمير تميم

(1/212)


ومن المستحسن في هذا النوع قول ابن زيلاق في غلام معه خادم يحرسه من الطويل:
ومن عجب أن يحرسوك بخادم ... وخدام هذا الحسن من ذاك أكثر
عذارك ريحان وثغرك جوهر ... وخدك ياقوت وخالك عنبر
وما أبدع قول ابن مطروح من مجزوء المتقارب:
وليلة وصل خلت ... فيا عاذلي لا تسل
لبسنا ثياب العناق ... مزررة بالقبل
ومثله قول العماد السلمامسي من مجزوء الكامل:
شقت عليك يد الأسى ... ثوب الدموع إلى الذيول
وعجيب قول ابن الخشاب في المستضيء وأجاد من الكامل:
ورد الورى سلسال جودك فارتووا ... ووقفت دون الورد وقفة حائم
ظمآن أطلب خفة من زحمة ... والورد لا يزداد غير تزاحم
وقول ابن شرف في اجتماع البعوض والذباب والبراغيث في مجلس، مخاطبا لصاحبه يستهزئ به من الكامل:
لك مجلس كملت ستارتنا به ... للهو، لكن تحت ذاك حديث
غنى الذباب وظل يزمر حوله ... فيه البعوض ويرقص البرغوث
ومن النهايات هنا قول القاضي عبد الرحيم الفاضل من الكامل:
في خده فخ كعطفة صدغه ... والخال حبته وقلبي الطائر
وقول مجير الدين بن تميم من الكامل:
لو كنت تشهدني وقد حمى الوغى ... في موقف ما الموت عنه بمعزل
لترى أنابيب القناة على يدي ... تجري دما من تحت ظل القسطل
وقد أغرب الأديب بدر الدين حسن الزغاري بقوله من الطويل:
كأن السحاب الغر لما تجمعت ... وقد فرقت عنا الهموم بجمعها
نياق ووجه الأرض قعب وثلجها ... حليب وكف الريح حالب ضرعها
والباب واسع، ولا بد من مراعاة الاختصار هنا.
إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع
البيت لعمرو بن معدي كرب الزبيدي، من قصيدة من الوافر: وأولها:
أمن ريحانة الداعي السميع ... يؤرقني وأصحابي هجوع
سباها الصمة الجشمي غصبا ... كأن بياض غرتها صديع
وحالت دونها فرسان قيس ... تكشف عن سواعدها الدروع
وبعده البيت، وبعده:
وصله بالزمان فكل أمر ... سما لك أو سموت له ولوع
وهي طويلة.
قال المدائني: حدثني رجل من قريش قال: كنا عند فلان القرشي، فجاءه رجل بجارية، فغنته من السريع:
بالله يا ظبي بني الحارث ... هل من وفى بالعهد كالناكث
وغنته أيضا بغناء ابن سريج من المنسرح:
يا طول ليلى وبت لم أنم ... وسادي الهم مبطن سقمي
فأعجبته، واستام مولاها فاشتط عليه فأبى شراءها، وأعجبت الجارية بالفتى، فلما امتنع مولاها من البيع إلا بشطط قال القرشي: فلا حاجة لنا في جاريتك، فلما قامت الجارية للانصراف رفعت صوتها، تقول:
إذا لم تستطع شيئا فدعه... البيت
قال: فقال الفتى القرشي: أفأنا لا أستطيع شراءك؟ والله لأشترينك بما بلغت، قالت الجارية: فذلك أردت. قال القرشي: إني لا أخيبك، وابتاعها من ساعتها.
والشاهد فيه: الإرصاد، ويسميه بعضهم التسهيم،وهو: أن يجعل قبل العجز من الفقرة أو البيت، ما يدل على العجز إذا عرف الروي - وهو الحرف الذي تبنى عليه أواخر الأبيات أو الفقر - ويجب تكراره في كل منها فإنه قد يكون منها ما لا يعرف منه العجز لعدم معرفة حرف الروي كقول البحتري من الطويل:
أحلت دمي من غير جرم وحرمت ... لا سبب يوم اللقاء كلامي
فليس الذي قد حللت بمحلل ... وليس الذي قد حرمت بحرام
فإنه لو لم يعرف أن القافية مثل سلام وكلام لربما توهم أن العجز بمحرم، وقول جنوب أخت عمرو ذي الكلب من المتقارب:
وخرق تجاوزت مجهوله ... بوجناء حرف تشكى الكلالا
فكنت النهار به شمسه ... وكنت دجى الليل فيه الهلالا
والقول فيه كالذي قبله.

(1/213)


ومما اختير من شواهد هذا النوع قول الراعي من الوافر:
وإن وزن الحصى فوزنت قومي ... وجدت حصى ضريبتهم وزينا
وقد حكى أن عمر بن أبي ربيعة المخزمي جلس إلى ابن عباس رضي الله عنهما فابتدأ ينشده:
تشط غدا دار جيراننا
فقال ابن بعاس رضي الله عنه:
وللدار بعد غد أبعد
وكان كذلك ولم يسمع غير الشطر الأول.
وكذلك يحكى عن عدي بن الرقاع أنه أنشد في صفة الظبية وولدها من الكامل:
تزجي أغن كأن إبرة روقه
وغفل الممدوح عنه فسكت، وكان جرير حاضرا فقيل له: ما تراه يقول؟ فقال جرير:
قلم أصاب من الدواة مدادها
وأقبل عليه الممدوح فقال كما قال جرير لم يغادر حرفا ومنه قول الخنساء من المتقارب:
ببيض الصفاح وسمر الرماح ... فبالبيض ضربا وبالسمر وخزا
وقول دعبل من الرمل:
وإذا عاندنا ذو قوة ... غضب الروح عليه فعرج
فعلى أيماننا يجري الندى ... وعلى أسيافنا تجري المهج
ومن جيده قول بعضهم من الطويل:
ولو أنني أعطيت من دهري المنى ... وما كل من يعطى المنى بمسدد
لقلت لأيام مضين ألا ارجعي ... وقلت لأيام أتين ألا ابعدي
وما أحسن قول البحتري من الكامل:
أبكيكما دمعا ولو ني على ... قدر الجوى أبكي بكيتكما دما
وحدث إبراهيم بن أبي محمد اليزيدي قال: كنت عند المأمون يوما وبحضرته عريب فقالت له على سبيل الولع: يا سلعوس، وكانت جواري المأمون يلقبنني بذلك عبثا، فقلت من الطويل:
وقل لعريب لا تكوني مسلعسه ... وكوني كتعريف وكوني كمؤنسه
فقال المأمون:
فإن كثر منك الأقاويل لم يكن ... هنالك شيء، إن ذا منك وسوسه
فقلت: كذا والله يا أمير المؤمنين أردت أن أقول، وعجبت من ذهن المأمون وطبعه وفطنته.
ولمؤلفه من أبيت من الكامل:
ليس التقدم بالزمان مقدما ... أحدا ولا التأخير فيه يؤخر
فلكل عصر مستجد تبع ... ولكل وقت مقبل إسكندر
ومدح أبو الرجاء الأهوازي الصاحب ابن عباد لما ورد الأهواز بقصيدة منها من السريع:
إلى ابن عباد أبي القاسم ال ... صاحب إسماعيل كافي الكفاة
فاستحسن جمعه بين اسمه ولقبه وكنيته واسم أبيه في بيت واحد، ثم ذكر وصوله إلى بغداد وملكه إياها فقال:
ويشرب الجند هنيئا بها
فقال له ابن عباد: أمسك امسك، أتريد أن تقول:
من بعد ماء الري ماء الفراة
فقال: هكذا والله أردت، وضحك.
وعمرو بن معدي كرب هو: أبو عبد الله، وقيل: أبو ربيعة بن عبد الله بن عمرو بن عاصم بن عمرو بن زبيد، ينتهي نسبه لقحطان، ويكنى أبا ثور، وأمه وأم أخيه عبد الله امرأة من جرهم فيما ذكرن وهي معدودة من المنجبات، وعن أبي عبيدة قال: عمرو بن معدي كرب فارس اليمن، وهو مقدم على زيد الخيل في الشدة والبأس.
وعن زيد بن قحيف الكلابي قال: سمعت أشياخنا يزعمون أن عمرو بن معدي كرب كان يقال له مائق بني زبيد، فدخل عمرو على أخته فقال لها: أشبعيني إني غدا آتي الكتيبة، فجاء معدي كرب فأخبرته ابنته فقال: هذا المائق يقول ذلك؟ قالت: نعم، قال: فسليه ما يشبعه، فسلته فقال: فرق من ذرة وعنز رباعية، قال: وكان الفرق يومئذ ثلاثة آصع، فصنع له ذلك وذبح العنز وهيأ الطعام، قال: فجلس عمرو عليه فسلته جميعا، وأتتهم خثعم الصباح، فلقوهم، وجاء عمرو فرمى بنفسه ثم رفع رأسه فإذا لواء أبيه قائم، فوضع رأسه ثم رفعه فإذا هو قد زال، فقام كأنه سرحة محرقة فتلقى أباه وقد انهزموا، فقال له: انزل عنها، فقال: إليك يا مائق؟ فقال له بنو زبيد: خله أيها الرجل وما يريد فإن قتل كفيت مؤنته وإن ظهر فهو لك، فألقى إليه سلاحه ثم ركب فرمى خثعم بنفسه حتى خرج من بين أظهرهم، ثم كر عليهم، وفعل ذلك مرارا، وحملت عليهم بنو زبيد، فانهزمت خثعم وقهروا فقيل له يومئذ: فارس بني زبيد.

(1/214)


وكان من خبر إسلام عمرو بن معدي كرب الزبيدي ما حكاه المدائني عن أبي اليقظان عن جويرية بن أسماء، قال: أقبل النبي صلى الله عليه وسلم من غزاة تبوك يريد المدينة، فأدرك عمرو بن معدي كرب الزبيدي في رجال من بني زبيد، فتقدم عمرو ليلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمسك عنه حتى أوذن به، فلما تقدم ورسول الله يسير قال: حياك إلهك أبيت اللعن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن لعنة الله وملائكته والناس أجمعين على الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، فآمن بالله يؤمنك الله يوم الفزع الأكبر " فقال عمرو ابن معدي كرب: وما الفزع الأكبر؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنه فزع ليس كما تحسب وتظن، إنه يصاح بالناس صيحة لا يبقى حي إلا مات إلا ما شاء الله تعالى من ذلك، ثم يصاح بالناس صيحة لا يبقى ميت إلا نشر، ثم تلج تلك الأرض بدوي تنهد منه الأرض وتخر منه الجبال وتنشق السماء انشقاق القبطية الجديدة ما شاء الله من ذلك، ثم تبرز النار فينظر إليها حمراء مظلمة قد صار لها لسان في السماء ترمي بمثل رؤوس الجبال من شرر النار، فلا يبقى ذو روح إلا انخلع قلبه وذكر ذنبه، أين أنت يا عمرو " فقال: إني أسمع أمر عظيما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا عمرو أسلم تسلم " فأسلم وبايع لقومه على الإسلام وذلك منصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك، وكانت في رجب سنة تسع.
وعن أبي عبيدة قال: لما ارتد عمرو بن معدي كرب مع من ارتد عن الإسلام من مذحج استجاش فروة النبي صلى الله عليه وسلم فوجه إليهم خالد ابن سعيد بن العاص وخالد بن الوليد وقال لهما: إذا اجتمعتم فعلي بن أبي طالب أميركم وهو على الناس، ووجه عليا رضي الله عنه، فاجتمعوا بكسر من أرض اليمن، فاقتتلوا وقتل بعضهم ونجا بعض، فلم تزل جعفر وزبيد وأدد بنو سعد العشيرة بعدها قليلة يروى أنه لما بلغ عمر وبن معدي كرب قرب مكانهم أقبل في جماعة من قومه، فلما دنا منهم قال: دعوني حتى آتي هؤلاء القوم فإني لم أسم لأحد قط إلا هابنى، فلما دنا منهم نادى: أنا أبو ثور، أنا عمرو بن معدي كرب فابتدره علي وخالد وكلاها يقول لصاحبه: خلني وإياه، ويفديه بابيه وأمه، فقال عمر وإذ سمع قولهما: العرب تفزع مني، وأراني لهؤلاء جزرا، فانصرف عنهما ثم رجع إلى الإسلام، وفي هذا الوجه وقعت الصمصامة إلى آل سعيد، وكان سبب وقوعها إليهم أن ريحانة بنت معدي كرب، وهي المعنية أول القصيدة، سبيت يومئذ فأفداها خالد، وأثابه عمرو الصمصامة، فصار إلى أخيه سعيد فوجد سعيد جريحا يوم قتل عثمان رضي الله عنه حين حصر أي في الدار وقد ذهب السيف والغمد، ثم وجد الغمد، فلما قام معاوية جاءه أعرابي بالسيف بغير غمد، وسعيد حاضر، فقال سعيد: هذا سيفي، فجحد الأعرابي مقالته، فقال سعيد: الدليل على أنه سيفي أن تبعت إلى غمده فتغمده فيكون كفافه، فبعث معاوية إلى الغمد فأتى به من منزل سعيد فإذا هو عليه، فأقر الأعرابي أنه أصابه يوم الدار، فأخذه سعيد منه وأثابه، فلم يزل عندهم حتى أصعد المهدي من البصرة فلما كان بواسط فأرسل إلى آل سعيد فيه، فقالوا: إنه للسبيل، فقال: خمسون سيفا قاطعا أغنى من سيف واد، فأعطاهم خمسين ألف درهم وأخذه.
وعن الشعبي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فرض لعمرو بن معدي كرب في الفيء ألفين فقال له: يا أمير المؤمنين ألف ههنا، وأومأ إلى شق بطنه الأيمن، وألف ههنا، وأومأ إلى شق بطنه الأيسر، فما يكون ههنا؟ وأومأ إلى وسط بطنه، فضحك عمر من كلام عمرو رضوان الله تعالى عليهما، وزاده خمسمائة.
وقال أبو اليقظان: قال عمرو بن معدي كرب: لو سرت بظعينة، وحدي على مياه معد كلها ما خفت أن أغلب عليها ما لم يلقني حراها وعبداها، فأما الحران فعامر بن الطفيل وعتيبة بن الحارث بن شهاب، وأما العبدان فأسود بني عبس - يعني عنترة - والسليك بن السلكة، وكلهم لقيت، فأما عامر بن الطفيل فسريع الطعن على الصوت، وأما عتيبة بن الحرث فأول الخيل إذا غارت وآخرها إذا آبت، وأما عنترة فقيل النبوة شديد الكلب، وأما السليك فبعيد الغارة كالليث الضاري.
وعن قيس أن عمر رضي الله عنه كتب إلى سعد بن أبي وقاص: إني قد أمددتك بألفي رجل عمرو بن معدي كرب وطليحة بن خويلد وهو طليحة الأسدي، فشاورهما في الحرب ولا تولهما شيئا.

(1/215)


وعنه قال:شهدت بالقادسية، وكان سعد على الناس، فجاء رستم فجعل يمر بنا وعمرو بن معدي كرب الزبيدي، يمر على الصفوف ويحض الناس ويقول: يا معشر المهاجرين، كونوا أسدا، أعني عباسا فإنما الفارسي تيس بعد أن يلقى يبرك، قال: وكان مع رستم أسوار لا تسقط له نشابة، فقيل له: يا أبا ثور اتق ذلك، فإنا لنقول له ذلك إذ رماه رمية فأصاب فرسه، وحمل عليه عمرو فاعتنقه ثم ذبحه وسلبه سوارى ذهب كانا عليه، وقباء ديباج، قال غير قيس: ورجع بسلبه وهو يقول من الرجز:
أنا أبو ثور وسيفي ذو النون ... أضربهم ضرب غلام مجنون
يال زبيد إنهم يموتون
وفي رواية عن أبي زيد أن عمرا شهد القادسية، وهو ابن مائة وست سنين وقيل: بل ابن مائة وعشر، ولما قتل العلج عبر نهر القادسية هو وقيس ابن مكشوح المرادي، ومالك بن الحارث الأشتر، وكان عمرو آخرهم، وكانت فرسه ضعيفة، فطلب غيرها، فأتى بفرس فأخذ بعكوة ذنبه وأخلد به إلى الأرض، فأقعى الفرس، فرده وأتى بآخر، ففعل به مثل ذلك فتحلحل ولم يقع، فقال هذا على كل حال أقوى من ذلك، وقال لأصحابه: إني حامل وعابر الجسر، فإن أسرعتم بمقدار جزر الجزور وجدتموني وسيفي بيدي أقاتل به تلقاء وجهي وقد عقرني القوم وأنا قائم بينهم،وقد قتلت وجردت، وإن أبطأتم وجدتموني قتيلا بينهم وقد قتلت وجردت، ثم انغمس فحمل في القوم، فقال بعضهم: يا بني زبيد على م تدعون صاحبكم؟ والله ما نرى أن تدركوه حيا، فحملوا، فانتهوا إليه وقد صرع عن فرسه، وقد أخذ برجل فرس رجل من العجم فأمسكه، وإن الفارس ليضرب الفرس فلا تقدر أن تتحرك من يده؛ فلما غشينا رمى الأعجمي بنفسه وخلى فرسه فركبه عمرو وقال: أنا أبو ثور، كدتم والله تفقدونني، قالوا: أين فرسك؟ قال: رمى بنشابة فشب فصرعني وعار.
وعن أبان بن صالح قال: قال عمرو بن معدي كرب يوم القادسية: ألزموا خراطيم الفيلة السيوف فإنه ليس لها مقتل إلا خراطيمها، ثم شد على رستم وهو على الفيل فضرب فيله فجذم عرقوبيه فسقط وحمل رستم على فرس، وسقط من تحته خرج فيه أربعون ألف دينار فحازه المسلمون، وسقط رستم بعد ذلك عن فرسه فقتله وانهزم المشركون، وقيل: إن الخراج سقط عليه فقتله.
وعن الشعبي قال: جاءت زيادة من عند عمر يوم القادسية فقال عمرو بن معدي كرب لطليحة: ما ترى أن هذه الزعانف تزاد ولا نزاد، انطلق بنا إلى هذا الرجل حتى نكلمه، فقال: هيهات، والله لا ألقاه في هذا أبدا، فلقد لقيني في بعض فجاج مكة فقال: يا طليحة، أقتلت عكاشة؟ فتوعدني وعيدا ظننت أنه قاتلي، ولا آمنه، قال عمرو: ولكنني ألقاه، قال: أنت وذاك فخرج إلى المدينة، فقدم على عمر رضي الله عنه وهو يغدي الناس، وقد جفن لعشرة عشرة، فأقعده عمر مع عشرة فأكلوا ونهضوا ولم يقم عمرو، فأعقد معه تكملة عشرة حتى أكل مع ثلاثين، ثم قام، فقال: يا أمير المؤمنين، إنه كانت لي مآكل في الجاهلية منعني منها الإسلام، وقد صررت في بطني صرتين وتركت بينهما هواء فسده، فقال: عليك حجارة من حجارة الحرة فسده بها يا عمرو، إنه بلغني أنك تقول: إن لي سيفا يقال له: الصمصامة، وعندي سيف اسمه المصمم وإني إن وضعته بين أذنيك لم أرفعه حتى يخالط أضراسك.
وحدث يونس وأبو الخطاب، قالا: لما كان يوم فتح القادسية، أصاب المسلمون أسلحة، وتيجانا، ومناطق، ورقابا، فبلغت مالا عظيما، فعزل سعد الخمس، ثم فض البقية. فأصاب الفارس ستة آلاف، والراجل ألفان. وبقي مال دثر، فكتب إلى عمر رضي الله عنه بما فعل، فكتب إليه أن رد على المسلمين الخمس، وأعط من لحق بك ممن لم يشهد الوقعة، ففعل، فأجراهم مجرى من شهد، وكتب إلى عمر بذلك، فكتب إليه أن فض ما بقي على حملة القرآن، فأتاه عمرو بن معد كرب، فقال له سعد: ما معك من كتاب الله؟ فقال عمرو: إني أسلمت باليمن ثم غزوت فشغلت عن حفظ القرآن، قال: مالك في هذا المال نصيب، وأتاه بشر بن ربيعة الخثعمي، وصاحب جباية بشر فقال: ما معك من كتاب الله؟ قال: بسم الله الرحمن الرحيم، فضحك القوم، ولم يعطه شيئا، فقال عمرو في ذلك من البسيط:
أنخت بباب القادسية ناقتي ... وسعد بن وقاص علي أمير
وسعد أمير شره دون خيره ... وخير أمير بالعراق جرير

(1/216)


وعند أمير المؤمنين نوافل ... وعند المثنى فضة وحرير
تذكر هداك الله وقع سيوفنا ... بباب قديس والمكر عسير
عشية ود القوم لو أن بعضهم ... يعار جناحي طائر فيطير
إذا ما فرغنا من قراع كتيبة ... دلفنا لأخرى كالجبال تسير
ترى القوم فيها واجمين كأنهم ... جمال بأحمال لهن زفير
فكتب سعد إلى عمر رضي الله عنه بما قال لهما وما زاد عليه، وبالقصيدتين، فكتب أن أعطهما على بلائهما، فأعطى لكل واحد منهما ألفي درهم.
وعن ابن قتيبة أن سعدا كتب إلى عمر رضي الله عنه يثني على عمرو ابن معدي كرب، فسال عمر معمرا عن سعد، فقال: هو لنا كالأب، أعرابي في نمرته، أسد في تامورته، يقسم بالسوية، ويعدل في القضية، وينفر في السرية، وينقل إلينا حقنا كما تنقل الذرة، فقال عمر رضي الله عنه: لشد ما تقارضتما الثناء.
وجاء رجل وعمرو بن معدي كرب واقف بالكناسة على فرس له، فقال: لأنظرن ما بقي من قوة أبي ثور، فأدخل يده بين ساقه وبين السرج، ففطن عمرو، فضمها عليه وحرك فرسه فجعل الرجل يعدو مع الفرس، لا يقدر أن ينزع يده؛ حتى إذا بلغ منه قال: يا ابن أخي، مالك؟ قال: يدي تحت ساقك، فخلى عنه، وقال: يا ابن أخي إن في عملك لبقية بعد.
وكان عمرو - مع شجاعته ومواقفه - مشهورا بالكذب، فحدث المبرد قال: كانت الأشراف بالكوفة يخرجون إلى ظهرها يتناشدون الأشعار ويتحدثون، ويتذاكرون أيام الناس. فوقف عمرو إلى جانب خالد بن الصقعب النهدي، فأقبل عليه يحدثه، ويقول: أغرت على بني نهد، فخرجوا إلى مسترعفين بخالد بن الصقعب يقدمهم فطعنته طعنة فوقع، وضربته بالصمصامة حتى فاضت نفسه، فقال له الرجل: يا أبا ثور إن مقتولك الذي تذكره هو الذي تحدثه، فقال: اللهم غفرا! إنما أنت محدث فاستمع، إنما نتحدث بمثل هذا وأشباهه لنرهب هذه المعدية.
وقال محمد بن سلام: أبت العرب إلا أن عمرا كان يكذب، قال: وقلت لخلف الأحمر، وكان مولى للأشعريين، وكان يتعصب لليمانية: أكان عمرو يكذب؟ قال: كان يكذب باللسان ويصدق بالفعال.
وعن زياد مولى سعد قال: سمعت سعدا يقول - وبلغه أن عمرو بن معدي كرب وقع في الخمر، وأنه قددله - : لقد كان له موطن صالح يوم القادسية عظيم الغناء شديد النكاية للعدو، فقيل له: فقيس بن مكشوح.؟ فقال: هذا أبذل لنفسه من قيس، ون قيسا لشجاع.

(1/217)


وعن أبي محمد المرهبي قال: كان شيخ يجالس عبد الملك بن عمير فسمعته يحدث قال: قدم عيينة بن حصن الكوفة، فأقام بها أياما، ثم قال:والله ما لي بأبي ثور عهد منذ قدمنا هذا الغائط، يعني بابي ثور عمرو بن معدي كرب، أسرج لي يا غلام، فاسرج له فرسا أنثى من خيله، فلما قربها إليه ليركبها، قال له: ويحك! أرأيتني ركبت أنثى في الجاهلية فأركبها في الإسلام، فأسرج لي حصانا فأسرجه، فركبه وأقبل إلى محلة بني زبيد. فأساله عن محلة عمرو بن معدي كرب، فأرشد إليها، فوقف ببابه، ونادى: أي أبا ثور اخرج إلينا، فخرج إليه مؤتزرا كأنما كسر وجبر، فقال: انعم صباحا أبا مالك. قال: أوليس قد أبدلنا الله بهذا السلام عليكم! قال: دعنا مما لا نعرف، انزل فإن عندي كبشا شناحا فنزل فعمد إلى الكبش فذبحه، ثم كشط جلده عنه، وعضاه وألقاه في قدر جماع وطبخه حتى إذا أدرك جاء بجفنة عظيمة فثرد فيها وألقى القدر عليها، فقعدا فأكلاه، ثم قال له: أي الشراب أحب إليك: اللبن، أم ما كنا نتنادم عليه في الجاهلية؟ قال: أوليس قد حرمها الله عز وجل علينا في الإسلام؟ قال: أنت أكبر سنا أم أنا؟ قال: أنت، قال: أفأنت اقدم إسلاما أم أنا؟ قال: أنت، قال: فإني قد قرأت ما بين دفتي المصحف، فوالله ما وجدت لها تحريما، إلا أنه قال " فهل أنتم منتهون " فقلنا: لا، فسكت وسكتنا، فقال له: أنت أكبر سنا وأقدم إسلاما، فجاء بها، فجلسا يتنادمان ويشربان ويذكران أيام الجاهلية حتى أمسيا، فلما أراد عيينة الانصراف قال عمرو بن معدي كرب: ولئن انصرف أبو مالك بغير حباء إنها لوصمة علي، فأمر بناقة له أرحبية كأنها جبيرة لجين، فارتحلها وحمله عليها، ثم قال: يا غلام، هات المزود، فجاء بمزود فيه أربعة آلاف درهم، فوضعها بين يديه، فقال: أما المال فوالله لا قبلته؛ قال: فوالله إنه لمن حباء عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فلم يقبله عيينة، وانصرف، وهو يقول من الطويل:
جزيت أبا ثور جزاء كرامة ... فنعم الفتى المزدار والمتضيف
قريت فأكرمت القرى وأفدتنا ... خبية علم لم تكن قط تعرف
وقلت حلال أن ندير مدامة ... كلون انعقاق البرق والليل مسدف
وقدمت فيها حجة عربية ... ترد إلى الإنصاف من ليس ينصف
وأنت لنا والله ذي العرش قدوة ... إذا صدنا عن شربها المتكلف
نقول أبو ثور أحل حرامها ... وقول بي ثور أسد وأعرف
وغزا عمرو بن معد كرب هو وبي المرادي فأصابوا غنائم، فادعى أبي أنه قد كان مساندا، فأبى عمرو أن يعطيه شيئا، وبلغ عمرا أنه يتوعده، فقال عمرو في ذلك قصيدة أولها من الوافر:
أعاذل شكتي بدني ورمحي ... وكل مقلص سلس القياد
أعاذل إنما أفنى شبابي ... وأقرح عاتقي ثقل النجاد
تمناني ليلقاني أبي ... وددت وأينما منى ودادي
ولو لاقيتني ومعي سلاحي ... تكشف شحم قلبك عن سواد
أريد حياته ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد
وهذا البيت كان يتمثل به على بن أبي طالب رضي الله عنه إذا أعطى الناس ورأى ابن ملجم قاتله الله.
وكان سبب موت عمرو بن معدي كرب ما حكاه ابن قتيبة وغيرهقالوا: كانت مغازي العرب إذ ذاك الري ودمستي فخرج عمرو مع شباب من مذحج حتى نزل الخان الذي دون روذة، فتعذى القوم ثم ناموا وقام كل رجل منهم لقضاء حاجته، وكان عمرو إذا أراد الحاجة لم يجترئ أحد أن يدعوه وإن أبطأ، فقام الناس للرحيل وترحلوا إلا من كان في الخان الذي فيه عمرو، فلما أبطأ صحنا به: يا أبا ثور، فلم يجبنا، وسمعنا عازا شديدا، ومراسا في الموضع الذي دخله، فقصدناه وإذا به محمرة عيناه مائلا شدقه مفلوجا فحملناه على فرس، وأمرنا غلاما شديد الذراع فارتدفه ليعدل ميله، فمات بروذة، ودفن على قارعة الطريق، فقالت امرأته الجعفية ترثيه من الطويل:
لقد غادر الركب الذين تحملوا ... بروذة شخصا لا ضعيفا ولا غمرا

(1/218)


فقل لزبيد بل لمذحج كلها ... فقدتم أبا ثور سنانكم عمرا
فإن تجزعوا لا يغن ذلك عنكم ... ولكن سلوا الرحمن يعقبكم صبرا
قالوا اقترح شيئا نجد لك طبخه ... قلت اطبخوا لي جبة وقميصا
البيت من الكامل، وقائله أبو الرقعمق، يروى أنه قال: كان لي إخوان أربعة، وكنت أنادمهم أيام الأستاذ كافور الإخشيدي، فجاءني رسولهم في يوم بارد، وليست لي كسوة تحصنني من البرد، فقال: إخوانك يقرأون عليك السلام ويقولون لك: قد اصطبحنا اليوم وذبحنا شاة سمينة فاشته علينا ما نطبخ لك منها، قال: فكتبت إليهم من الكامل:
إخواننا قصدوا الصبوح بسحرة ... فأبى رسولهم إلي خصوصا
قالوا اقترح شيئا نجد لك طبخه ... قلت اطبخوا لي جبة وقميصا
قال: فذهب الرسول بالرقعة، فما شعرت حتى عاد ومعه أربع خلع وأربع صرر في كل صرة عشرة دنانير، فلبست إحدى الخلع وصرت إليهم.
والشاهد فيه: المشاكلة، وهي: ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته تحقيقا أو تقديرا، وهي هنا قوله اطبخوا فإنه أراد خيطوا فذكر خياطة الجبة والقميص بلفظ الطبخ لوقوعها في صحبة طبخ الطعام.
ومثل البيت قول ابن جابر الأندلسي من الكامل:
قالوا اتخذ دهنا لقلبك يشفه ... قلت ادهنوه بخدها المتورد
وذكرت باشتهاء أبي الرقعمق قول بعضهم من الخفيف:
قال لي عودي غداة أتوني ... ما الذي تشتهيه واجتهدوا بي
قلت مغلى فيه لسان وشاة ... قطعوه فيه بصنع عجيب
وأضيفت إليه كبد حسود ... فقئت فوقها عيون الرقيب
وقول الآخر من الكامل:
عندي لكم يوم التواصل فرحة ... يا معشر الجلساء والندماء
أشوي قلوب الحاسدين بها وألسنة الوشاة وأعين الرقباء
ومن أمثلة قول عمرو بن كلثوم في معلقته من الوافر:
ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
أراد: فنجازيه على جهله؛ فجعل لفظة فنجهل موضع فنجازيه لأجل المشاكلة.
ومثل الأول ما حكي عن عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، أنه كان يشرب في منتزه، وعنده ماني الموسوس، فقال عبيد الله من الوافر:
أرى غيما تؤلفه جنوب ... وأحسب أن ستأتينا بهطل
فحزم الرأي أن تأتي برطل ... فتشربه وتأتيني برطل
فقال: ما هكذا قال الشاعر، وإنما هو:
أرى غيما تؤلفه جنوب ... أراه على مساءتنا حريصا
فحزم الرأي أن تأتي برطل ... فتشربه وتكسوني قميصا
وأبو الرقعمق هو أحمد بن محمد الأنطاكي الشاعر المشهور، ذكره الثعالبي في اليتيمة فقال: هو نادرة الزمان، وجملة الإحسان، ممن تصرف بالشعر الجزل في أنواح الجد والهزل، وأحرز قصبات الفضل؛ وهو أحد المداح المجيدين، والشعراء المحسنين، وهو بالشام كابن حجاج بالعراق. ومدح ملوك مصر ووزراءها: فمن غرر شعره قوله يمدح الوزير يعقوب بن كلس؛ من الخفيف:
قد سمعنا مقاله واعتذاره ... وأقلناه ذنبه وعثاره
والمعاني لمن عنيت ولكن ... بك عرضت فاسمعي يا جاره
منها:
سحرتني ألحاظه وكذا كل مليح عيونه سحاره
ما على مؤثر التباعد والإعراض لو آثر الرضا والزياره
وهي طويلة، وأكثر شعره جيد على هذا الأسلوب. مثل صريع الدلاء والقصار.
ومن شعره على طريق ابن حجاج قوله من مجزوء الكامل:
كتب الحصير إلى السرير ... أن الفصيل ابن البعير
فلأمنعن حمارتي ... سنتين من أكل الشعير
لا هم إلا أن تطي ... ر من الهزال مع الطيور
ولأخبرنك قصتي ... فلقد سقطت على الخبير
إن الذين تصافعوا ... بالقرع في زمن القشور
أسفوا علي لأنهم ... حضروا ولم أك في الحضور
لو كنت ثم لقيل هل ... من آخذ بيد الضرير

(1/219)


ولقد دخلت على الصديق البيت في اليوم المطير
متشمرا متبخترا ... للصفع بالدلو الكبير
فأدرت حين تبادروا ... دلوي فكان على المدير
يا للرجال تصافعوا ... فالصفع مفتاح السرور
هو في المجالس كالبخو ... ر وكالقلائد في النحور
وله قصيدة طويلة مشهورة أولها من مجزوء الرجز:
وقوققى وقوققى ... هدية في طبق
أما ترون بينكم تيسا طويل العنق
وكانت وفاته سنة تسع وتسعين وثلثمائة.
إذا ما نهى الناهي فلج بي الهوى ... أصاخت إلى الواشي فلج بها الهجر
البيت للبحتري، من قصيدة من الطويل في الفتح بن خاقان، أولها
متى لاح برق أو بدا طلل قفر ... جرى مستهل لا بطئ ولا نزر
وما الشوق إلا لوعة بعد لوعة ... وغزر من الآماق تتبعها غزر
فلا تذكرا عهد التصابي فإنه ... تقضي ولم يشعر به ذلك العصر
إلى أن يقول فيها:
هل العيش إلا أن تساعفنا النوى ... بوصل سعاد أو يساعدنا الدهر
إلى أن يقول فيها:
على أنها ما عندها لمواصل ... وصال ولا عنها لمصطبر صبر
وبعده البيت، وهي طويلة يقول منها في المخلص:
لعمرك ما الدنيا بناقصة الجدا ... إذا بقى الفتح بن خاقان والقطر
ومعنى أصاخت استمعت، والواشي: النمام الذي يشي حديثه ويزينه.
والشاهد فيه: المزاوجة، وهي: أن يزاوج المتكلم بين معنيين في الشرط والجزاء، فهنا زواج بين نهي الناهي وإصاختها إلى الواشي الواقعين في الشرط والجزاء في أن يترتب عليهما لجاج شيء.
ومثله قوله أيضا من الطويل:
إذا احتربت يوما ففاضت دماؤها ... تذكرت القربى ففاضت دموعها
فزاوج بي الاحتراب وتذكر القربى الواقعين في الشرط والجزاء في ترتب فيضان شيء عليهما.
ومن المزاوجة قول أبي تمام من المتقارب:
وكنا جميعا شريكي عنان ... رضيعي لبان خليلي صفاء
وفي معنى صدر البيت قول أبي نواس من البسيط:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء
وقول ابن زريق البغدادي من البسيط:
لا تعذليه فإن العذل يولعه ... قد قلت حقا ولكن ليس يسمعه
وقول ابن شرف القيرواني من الكامل:
قل للعذول لو اطلعت على الذي ... عاينته لعناك ما يعنيني
أتصدني أم للغرام تردني ... وتلومني في الحب أم تغريني
دعني فلست معاقبا بجنايتي ... إذ ليس دينك لي ولا لك ديني
وقول الصابي من الخفيف:
أيها اللائم المضيق صدري ... لا تلمني فكثرة اللوم تغري
قد أقام القوام حجة عشقي ... وأبان العذار في الحب عذري
قف بالديار التي لم يعفها القدم ... بلى وغيرها الأرواح والديم
البيت من البسيط، وهو أول قصيدة لزهري بن أبي سلمى، يمدح بها هرم بن سنان، وبعده:
لا الدار غيرها بعد الأنيس ولا ... بالدار لو كلمت ذا حاجة صمم
دار لأسماء بالغمرين ماثلة ... كالوحي ليس لها من أهلها أرم
يقول منها في مدحه:
إن البخيل ملوم حيث كان ولكن الجواد على علاته هرم
هو الجواد الذي يعطيك نائله ... عفوا ويظلم أحيانا فيظلم
فإن أتاه خليل يوم مسألة ... يقول لا غائب ما لي ولا حرم
وهي طويلة.
والأرواح: جمع ريح، ويجمع على أرياح أيضا، ورياح، وريح بكسر الراء وفتح الياء. والديم: جمع ديمة، وهي المطر الدائم في سكون.

(1/220)


والشاهد في البيت: الرجوع، وهو العود إلى الكلام السابق، بالنقض والإبطال لنكتة، فهنا دل صدر البيت على أن تطاول الزمان وتقادم العهد لم يعف الديار، ثم عاد إليه ونقضه في عجز البيت بأنه قد غيرتها الرياح والأمطار لنكتة، وهي هنا: إظهار الكآبة والحزن والحيرة والدهش، كأنه خبر ولا بما لم يتحقق، ثم رجع إليه عقله وأفاق بعض الإفاقة فنقض كلامه السابق.
ومثله قول الشاعر من الطويل:
فأف لهذا الدهر لا بل لأهله
وقول ابن الطثرية من الطويل:
أليس قليلا نظرة إن نظرتها ... إليك؟ وكلا ليس منك قليل
وقول أبي البيداء من الطويل:
ومالي انتصار إن غدا الدهر جائرا ... علي، بلى إن كان من عندك النصر
وقول المتنبي من الطويل:
لجنية أم غادة رفع السجف ... لوحشية، لا ما لوحشية شنف
وما أحسن قول أبي بكر الخوارزمي في شمس المعالي قابوس بن وشمكير، صاحب جرجان من البسيط:
لم يبق في الأرض من شيء أهاب له ... فلم أهاب انكسارا الجفن ذي السقم
أستغفر الله من قولي، غلطت بلى ... أهاب شمس المعالي أمة الأمم
وله فيه أيضا من المتقارب:
إذا ما ظمئت إلى ريقه ... جعلت المدامة منه بديلا
وأين المدامة من ريقه ... ولكن أعلل قلبا عليلا
وبديع قول السراوندي من الكامل:
كالبدر بل كالشمس بل ككليهما ... كالليث بل كالغيث هطال الديم
وما ألطف ابن سناء الملك من الكامل:
وملية بالحسن يسخر وجهها ... بالبدر يهزأ ريقها بالقرقف
لا أرتضي بالشمس تشبيها لها ... والبدر بل لا أكتفي بالمكتفي
وهو من قول ابن المعتز من الكامل:
والله لا كلمتها لو أنها ... كالبدر أو كالشمس أو كالمكتفي
إذا نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا
نسب غالب شارحي التلخيص هذا البيت لجرير، وهو من قصيدة من الوافر، أولها:
أقلي اللوم عاذل والعتابا ... وقولي إن أصبت لقد أصابا
أجدك ما تذكر عهد نجد ... وحيا طالما انتظروا الإيابا
بلى فارفض دمعك غير نزر ... كما عينت بالسرب الطبابا
وهاج البرق ليلة أذرعات ... هوى ما تستطيع له طلابا
وهي طويلة، والسماء: الغيث.
ونسبه المفضل في اختياراته لمعاوية بن مالك بن جعفر معود الحكماء وساقه في قصيدة طويلة أولها:
أجد القلب من سلمى اجتنابا ... وأقصر بعد ما شابت وشابا
وشاب لداته وعدلن عنه ... كما أنضيت من لبس ثيابا
فإن يك نبلها طاشت ونبلي ... فقد نرمي بها حقبا صيابا
فتصطاد الرجال إذا رمتهم ... وأصطاد المخبأة الكعابا
منها:
وكنت إذا العظيمة أفزعتهم ... نهضت ولا أدب لها دبابا
بحمد الله ثم عطاء قوم ... يفكون الغنائم والرقابا
إذا نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا
بكل مقلص عبل شواه ... إذا وضعت أعنتهن ثابا
ويدل على أن هذا البيت من هذه القصيدة أنه لم يوجد في قصيدة جرير على اختلاف رواة ديوانه.
والشاهد فيه: الاستخدام، وهو أن يراد بلفظ له معنيان أحدهما ثم يراد بضميره الآخر، أو يراد بأحد ضميريه أحدهما، ثم يراد بالآخر الآخر، فالأول كما في البيت هنا، فإنه أراد بالسماء الغيث، وبالضمير الراجع إليه من رعيناه النبت.
وجرير هو ابن عطية بن الخطفي، وهو لقبه، واسمه حذيفة بن بدر بن سلمة بن عوف بن كليب بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم ابن مرة، ينتهي نسبه لنزار، ويكنى أبا حزرة بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي وفتح الراء وبعدها هاء ساكنة، وهي المرة الواحدة من الحزر.

(1/221)


وهو والفرزدق والأخطل المقدمون على شعراء الإسلام الذين لم يدركوا الجاهلية جميعا، ومختلف في أيهم المقدم، ولم يبق أحد من شعراء عصرهم إلا تعرض لهم فافتضح وسقط.
وكان أبو عمرو يشبه جريرا بالأعشى، والفرزدق بزهير، والأخطل بالنابغة وقد حكم مروان بن أبي حفصة بين الثلاثة بقوله من الكامل:
ذهب الفرزدق بالفخار، وإنما ... حلو الكلام ومره لجرير
ولقد هجا فأمض أخطل تغلب ... وحوى اللهى بمديحه المشهور
كل الثلاثة قد أبر بمدحه ... وهجاؤه قد سار كل مسير
فهو كما تراه حكم للفرزدق بالفخار، وللأخطل بالمدح والهجاء، وبجميع فنون الشعر لجرير.
وقال أبو العلاء بن جرير العنبري، وكان شيخا قد جالس الناس: إذا لم يجيء الأخطل سابقا فهو سكيت، والفرزدق لا يجئ سابقا ولا سكيتا، وجرير يجيء سابقا ومصليا وسكيتا.
وحدث مولى لنبي هاشم: قال: امترى أهل المجلس في جرير والفرزدق أيهما أشعر، فدخلت على الفرزدق فما سألني عن شيء حتى نادى: يا نوار، أدركت برنيتك يا نوار؟ قالت: قد فعلت أو كادت، قال: فابعثي بدرهم فاشتري لحما، ففعلت وجعلت تشرحه وتلقيه على النار ويأكل، ثم قال: هات برنيتك، فشرب قدحا ثم ناولني، وشرب آخر ثم ناولني، ثم قال: هات حاجتك يا ابن أخي، فأخبرته، فقال: أعن ابن الخطفي تسألني؟ ثم تنفس حتى انشقت حيازيمه، ثم قال: قاتله الله فما أحسن ناجيته، وأشرد قافيته، والله لو تركوه لأبكى العجوز على شبابها، والشابة على أحبابها، لكنهم هروه فوجدوه عند الهراش نابحا، وعند الجد قادحا، ولقد قال بيتا لأن أكون قلته أحب إلي مما طلعت عليه الشمس، وهو من الوافر:
إذا غضبت عليك بنو تميم ... لقيت القوم كلهم غضابا
وقال إسحاق بن يحيى بن طلحة: قدم علينا جرير المدينة، فحشدنا له، فبينا نحن عنده ذات يوم إذ قام لحاجته، فجاء الأحوص فقال: أين هذا؟ فقلنا: قام آنفا، ما تريد منه؟ قال: أخزيه، والله إن الفرزدق لأشعر منه وأشرف، فأقبل جرير علينا، وقال: من الرجل؟ قلنا: الأحوص بن محمد بن عاصم بن ثابت ابن أبي الأفلح، قال: هذا الخبيث بن الطيب، ثم أقبل عليه فقال: قد قلت من الطويل:
يقر بعيني ما يقر بعينها ... وأحسن شيء ما به العين قرت
فإنه يقر بعينها أن يدخل فهيا مثل ذراع البكر، أفيقر ذلك بعينك؟ قال: وكان الأحوص يرمي بالأبنة، فانصرف وأرسل إليه بتمر وفاكهة.
وكان راعي الإبل الشاعر يقضي للفرزدق على جرير ويفضله،وكان راعي الإبل قد ضخم أمره، وكان من أشعر الناس، فلما أكثر من ذلك خرج جرير إلى رجال من قومه فقال: هل تعجبون لهذا الرجل الذي يقضي للفرزدق علي وهو يهجو قومه وأنا أمدحهم؟ قال جرير: فضربت رأيي فيه، ثم خرج جرير ذا يوم يمشي ولم يركب دابة وقال: والله ما يسرني أن يعلم أحد، وكان لراعي الإبل والفرزدق وجلسائهما حلقة بالمربد بالبصرة يجلسون فيها، قال: فخرجت أتعرض إليه لعلي ألقاه على حياله حيث كنت أراه يمر إذا انصرف من مجلسه، وما يسرني أن يعلم أحد، حتى إذا هو قد مر على بغلة له وابنه جندل يسير وراءه على مهر له أحوى محذوف الذنب، وإنسان يمشي معه يسأله عن بعض النسيب فلما استقبلته قلت: مرحبا بك يا أبا جند، وضربت بشمالي على معرفة بغلته، ثم قلت له: يا أبا جندل، إن قولك يستمع، وإنك تفضل الفرزدق علي تفضيلا قبحا، وأنا أمدح قومك وهو يهجوهم، وهو ابن عمي دونك،ويكفيك عن ذلك إذ ذكرنا أن تقول: كلاهما شاعر كريم، ولا تحتمل مني ولا منه لائمة، قال: فبينا أنا معه وهو كذلك واقفا علي وما رد علي بذلك شيئا حتى لحق ابنه جندل فرفع كرمانية معه فضرب بها عجز بغلته، ثم قال: لا أراك واقفا على كلب من كليب كأنك تخشى منه شرا أو ترجو منه خيرا، وضرب البغلة ضربة فرمحتني رمحة وقعت منها قلنسوتي، فوالله ما عرج علي الراعي فيقول سفيه عوى يعني جندلا ابنه، ولكن لا والله ما عاج علي، فأخذت قلنسوتي فمسحتها ثم أعدتها على رأسي ثم قلت من الوافر:
أجندل ما تقول بنو نمير ... إذا ما الأير في است أبيك غابا

(1/222)


فسمعت الراعي قال لابنه: أما والله لقد طرحت قلنسوته طرحة مشؤومة، قال جرير: ولا والله ما القلنسوة بأغيظ أمره لي، ولو كان عاج علي، فانصرف جرير غضبان، حتى إذا صلى العشاء ومنزله في علية له قال: ارفعوا لي باطية من نبيذ وأسرجوا لي، فأسرجوا له وأتوه بباطية من نبيذ، قال: فجعل يهينم، فسمعت صوته عجوز في الدار، فاطلعت في الدرجة فنظرت إليه فإذا هو يحبو على الفراش عريانا لما هو فيه، فانحدرت فقالت: ضيفكم مجنون، رأيت منه كذا وكذا، فقالوا لها: اذهبي لطيتك فنحن أعلم به، وبما يمارس، فما زال كذلك حتى كان السحر، ثم إذا هو يكبر، قد قالها ثمانين بيتا يهجو بني نمير، فلما ختمها بقوله:
فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا
كبر، ثم قال: أخزيته ورب الكعبة، ثم اصبح حتى علم أن الناس قد أخذوا مجالسهم بالمربد، وكان يعرف مجلسه ومجلس الفرزدق، دعا بدهن فادهن وكف رأسه، وكان حسن الشعر، ثم قال: يا غلام أسرج لي، فأسرج له حصانا ثم قصد مجلسهم حتى إذا كان موقع السلام قال: يا غلام، ولم يسلم، قل لعبيد بعثتك نسوتك تكسبهن المال بالعراق؟ أما والذي نفي بيده لترجعن إليهن بميرة تسؤهن ولا تسرهن، ثم اندفع فهيا فأنشدها، فنكسى الفرزدق وراعى الإبل، وأزم القوم، حتى إذا فرغ منها وسار وثب راعي الإبل ساعتئذ فركب بغلته بشر وعر، وخلا المجلس، حتى أوفى إلى المنزل الذي ينزله ثم قال لأصحابه: ركابكم ركابكم فليس لكم هنا مقام، فضحكم والله جرير، فقال له بعض القوم: ذاك شؤمك وشؤم ابنك، قال: فما كان إلا ترحلهم فساروا إلى أهلهم سيرا ما ساره أحد، وهم بالشريف - وهو أعلى دار بني نمير - فيحلف بالله راعي الإبل إنا وجدنا في أهلنا:
فغض الطرف إنك من نمير
وأقسم بالله ما بلغه إنسي قط، وإن لجرير لأشياعا من الجن، فتشاءمت به بنو نمير وسبوه وابنه، فهم يتشاءمون به إلى الآن.
وحدث أبو عبيدة قال: التقى جرير والفرزدق بمنى وهما حاجان فقال الفرزدق لجرير من الطويل:
فإنك لاق بالمنازل من منى ... فخارا فخبرني بمن أنت فاخر
فقال له جرير: ليبك اللهم لبيك، قال: فكان أصحابنا يستحسنون هذا الجواب من جرير ويتعجبون منه.
وعن العتبي، قال: قال جرير: ما عشقت قط، ولو عشقت لنسبت نسيبا فتسمعه العجوز فتبكي على ما فاتها من شبابها، وإني لأروي من الرجز مثال آثار الخيل في الثرى، ولولا أني أخاف أن يستفرغني لأكثرت منه.
وعن أبي عبيدة قال: رأت أم جرير وهي حامل به كأنها ولدت حبلا من شعر أسود، فلما خرج منها جعل ينزو فيقع في عنق هذا فيقتله وفي عنق هذا فيخنقه، حتى فعل ذلك برجال كثيرين، فانتبهت فزعة فولت الرؤيا فقيل لها: تلدين غلاما أسود شاعرا ذا شدة وشر وشكيمة وبلاء على الناس، فلما ولدته سمته جريرا باسم الحبل الذي رأت أنه خرج منها، قال: والجرير الحبل.
وحدث بلال بن جرير أن رجلا قال لجرير: من أشعر الناس؟ قال: قم حتى أعرفك الجواب، فأخذ بيده وجاء به إلى أبيه عطية وقد أخذ عنزا له فاعتقلها وجعل يمص ضرعها، فصاح به: اخرج يا أبت، فخرج شيخ دميم رث الهيئة وقد سال لبن العنز على لحيته، فقال: أترى هذا؟ قال: نعم، قال: أوتعرفه؟ قال: لا، قال: هذا أبي، أفتدري لم كان يشرب لبن العنز؟ قلت: لا، قال: مخافة أن يسمع صوت الحلب فيطلب منه لبن، ثم قال: أشعر الناس من فاخر بمثل هذا الأب ثمانين شاعرا وقارهم به فغلبهم جميعا.
وحدث المدائني قال: كان جرير من أعق الناس بأبيه، وكان ابنه بلال أعق الناس به، فراجع جرير بلالا الكلام، فقال له بلال: الكاذب مني ومنك ناك أمه؟ فأقبلت أمه عليه فقالت له: يا عدو الله، أتقول هذا لأبيك؟ فقال جرير: دعيه فوالله لكأني أسمعها وأنا أقولها لأبي.
ونظير ذلك ما حكى عن يونس بن عبد الله الخياط أنه مر به رجل وهو يعصر حلق أبيه، وكان عاقا به، فقال له: ويحك! أتفعل هذا بأبيك؟ وخلصه من يده، ثم أقبل على الأب يعزيه ويسكنه، فقال له الأب: أخي لا تلمه، واعلم أنه ابني حقا، والله لقد خنقت أبي في هذا الموضع الذي خنقني فيه، فانصرف الرجل وهو يضحك ولأبيه يقول من الرجز:
ما زال بي ما زال بي ... طعن أبي في النسب

(1/223)


حتى تربيت وحتى ... ساء ظني بأبي
ونشأ ليونس وقد يقال له دحيم فكان أعق الناس به، فقال يونس فيه من المنسرح:
جلا دحيم عماية الريب ... والشك مني والظن في نسبي
ما زال بي الظن والتشكك حتى عقتى مثل ما عققت أبي
وقال يونس بن عبد اله الخياط: جئت يوما إلى أبي وهو جالس وعنده أصحاب له، فوقفت لعيه لأغيظه وقلت: ألا أنشدكم شعرا قلته بالأمس؟ قالوا: بلى، فأنشدتهم من البسيط:
يا سائلي من أنا أو من يناسبني ... أنا الذي لا له أصل ولا نسب
الكلب يختال فخرا حين يبصرني ... والكلب أكرم مني حين ينتسب
لو قال لي الناس طرا أنت ألأمنا ... ما وهم الناس في ذاكم ولا كذبوا
قال: فوثب إلى أبي ليضربني، وعدوت من بين يديه، فجعل يشتمني وأصحابه يضحكون.
رجع إلى بقية أخبار جرير.
حدث أبو العراف قال: قال الحجاج لجرير والفرزدق وهو في قصره يجر بن البصرة: ائتياني بلباس أبيكما في الجاهلية، فلبس الفرزدق الديباج والخز وقعد في قبة، وشاور جرير دهاة بني يربوع، فقالوا له: ما لباس آبائنا إلا الحديد فلبس جرير درعا وتقلد سيفا وأخذ رمحا وركب فرسا لعباد بن الحصين يقال له المنحاز، وأقبل في أربعين فارسا من بني يربوع، وجاء الفرزدق في هيبته، فقال جرير من الطويل:
لبست سلاحي والفرزدق لعبة ... عليه وشاحا كرج وجلاجله
أعد مع الحلي الملاب فإنما ... جرير لكم بعل وأنت حلائله
ثم رجعا، فوقف جرير في مقبرة بني حصن، ووقف الفرزدق في المربد ونعى الفرزدق إلى المهاجر بن عبد الله وجرير عنده، فقال من الكامل:
مات الفرزدق بعدما جدعته ... ليت الفرزدق كان عاش قليلا
فقال له المهاجر: بئس لعمر الله ما قلت في ابن عمك! أتهجو ميتا؟ أما والله لو رثيته لكنت أكرم العرب وأشعرها، فقال: إن رأى الأمير أن يكتمها علي فإنها سوءة، ثم قال من وقته البيتين السابقين في ترجمة الفرزدق في شواهد المقدمة، ثم بكى، وقال: أما والله إني لأعلم أني قليل البقاء بعده، ولقد كان نجمنا واحدا، وكل واحد منا مشغول بصاحبه، وقلما مات ضد أو صديق إلا تبعه صاحبه، فكان كذلك، مات بعد سنة.
قال ابن الجوزي: مات سنة إحدى عشرة ومائة، وكانت وفاته باليمامة، وعمر نيفا وثمانين سنة، وقال ابن قتيبة في المعارف: إن أمه حملت به سبعة أشهر.
فسقى الغضا والساكنيه وإن هم ... شبوه بين جوانح وقلوب
البيت للبحتري، وهكذا هو في ديوانه وإن كان في كثير من نسخ التلخيص، بل وفي كثر من كتب هذا الفن بلفظ بين جوانحي وضلوعي، وهو من قصيدة من الكامل أولها.
كم بالكثيب من اعتراض كثيب ... وقوام غصن في الثياب رطيب
تأبى المنازل أن تجيب ومن جوى ... يوم الديار دعوت غير مجيب
وبعده البيت، وهي طويلة.
والغضا: شجر معروف، واحدته غضاة، وأرض غضيانة: كثيرته.
والشاهد فيه: الاستخدام أيضا، فإنه أراد بأحد الضميرين الراجعين إلى الغضا وهو المجرور في الساكنيه المكان وهو ارض لبني كلاب وواد بنجد، وبالآخر وهو المنصوب في شبوه النار أي أوقدوا في جوانحي نار الغضا، يعني نار الهوى التي تشبه نار الغضا، وخص الغضا دون غيره لأن جمره بطيء الانطفاء.
وقد استخدم كثير من الشعراء لفظة الغضا فقال ابن أبي حصينة من الطويل:
أما والذي حج الملبون بيته ... فمن ساجد لله فيه وراكع
لقد جرعتني كأس بين مريرة ... من البعد سلمى بين تلك الأجارع
وحلت بأكناف الغضا فكأنما ... حشت ناره بين الحشى والأضالع
وقال ابن جابر الأندلسي من البسيط:
إن الغضا لست أنسى أهله فهم ... شبوه بين ضلوعي يوم بينهم
جرى العقيق بلقبي بعدما رحلوا ... ولو جرى من دموع العين لم ألم
وقال ابن قلاقس الإسكندري من الكامل:
حلت مطاياهم بملتف الغضا ... فكأنما شبوه في الأكباد

(1/224)


وبديع قول البدر بن لؤلؤ الذهبي من الكامل:
أحمامة الوادي بشرقي الغضا ... إن كنت مسعدة الكئيب فرجعي
ولقد تقاسمنا الغضا فغصونه ... في راحتيك وجمره في أضلعي
ولمؤلفه من قصيدة من الطويل:
وحقك إني للرياح لحاسد ... ففي كل حين بالأحبة تخطر
تمر الصبا عفوا على ساكني الغضا ... وفي أضلعي نيرانه تتسعر
فتذكرني عهد العقيق وأدمعي ... تساقطه والشيء بالشيء يذكر
ويورث عيني السفح حتى ترى به ... معالم بالأحباب تزهو وتزهر
ومن الاستخدام البديع قول المعري يرثي فقيها حنيفا من الخفيف:
وفقيه ألفاظه شدن للنعمان ما لم يشده شعر زياد
وقوله أيضا يصف درعا من الخفيف:
نثرة من ضمانها للقنا الخطي عند اللقاء نثر الكعوب
مثل وشي الوليد لانت وإن كانت من الصنع مثل وشي حبيب
تلك ماذية وما لذباب السيف والصيف عندها من نصيب
فاستخدم لفظ الذباب في معنييه: الأول طرف السيف والثاني الطائر المعروف.
ولابن جابر الأندلسي فيه من البسيط:
في القلب من حبكم بدر أقام به ... فالطرف يزداد نورا حين يبصره
تشابه العقد حسنا فوق لبته ... والثغر منه إذا ما لاح جوهره
ومن ظريف الاستخدام قول السراج الوراق من السريع:
دع الهويني وانتصب واكتسب ... واكدح فنفس المرء كداحه
وكن عن الراحة في معزل ... فالصفع موجود مع الراحه
استخدم الراحة في معنييها: الأول من الاستراحة، والثاني من اليد.
وبديع قول الصفي الحلي من الطويل:
لئن لم أبرقع بالحيا وجه عفتي ... فلا أشبهته راحتي في التكرم
ولا كنت ممن يكسر الجفن في الوغى ... إذا أنا لم أغضضه عن رأي محرم
ومن الاستخدامات البديعة قول ابن نباتة المصري يمدح النبي صلى الله عليه وسلم من الطويل:
إذا لم تفض عيني العقيق فلا رأت ... منازله بالقرب تبهى وتبهر
وإن لم تواصل عادة السفح مقلتي ... فلا عادها عيش بمغناه أخضر
ومنها:
سقى الله أكناف الغضا سائل الحيا ... وإن كنت أسقي أدمعا تتحدر
وعيشا نضى عنه الزمان بياضه ... وخلفه في الرأس يزهو ويزهر
تغير ذاك اللون مع من أحبه ... ومن ذا الذي يا عز لا يتغير
وكان الصبا ليلا وكنت كحالم ... فيا أسفي والشيب كالصبح يسفر
يعللني تحت العمامة كتمه ... فيعتاد قلبي حسرة حين أحسر
وتنكرني ليلى وما خلت أنه ... إذا وضع المرء العمامة ينكر
ومن الاستخدام أيضا قول العلامة عمر بن الوردي رحمه الله تعالى من مجزوء الوافر:
ورب غزالة طلعت ... بقلبي وهو مرعاها
نصبت لها شباكا من ... لجين ثم صدناها
وقالت لي وقد صرنا ... إلى عين قصدناها
بذلت العين فاكحلها ... بطلعتها ومجراها
ومنه قول ابن مليك رحمه الله تعالى من الطويل:
فكم رد من عين وجاد بمثلها ... ولولاه ما ضاءت ولم تك تعذب
وقوله من قصيدة أخرى نبوية من الكامل:
كم رد من عين وجاد بها وكم ... ضاءت به وسقى بها من صادي
ومنه قول الرشيد الفارقي من مجزوء الرمل:
إن في عينيك معنى ... حدث النرجس عنه
ليت لي من غصنه سهما ففي قلبي منه
وقد أخذه الشهاب محمود ولم يحسن الأخذ فقال من الرمل:
نازعت عيناه قلبي حبة ... لم تكن تقبل قبل الإنقساما

(1/225)


يا لقومي هل علمتم قبلها ... أن للأعين في القلب سهاما
كيف أسلو وأنت حقف وغصن ... وغزال لحظا وقدا وردفا
البيت من الخفيف، وهو منسوب لابن حيوس، ولم أره في ديوانه، ولعله ابن حيوس الإشبيلي.
والحقف بكسر الحاء الرمل العظيم المستدير.
والشاهد فيه: اللف والنشر، وهو: ذكر متعدد على التفصيل أو الإجمال، ثم ذكر ما لكل واحد من آحاد المتعدد من غير تعيين، ثقة بأن السامع يرد ما لكل من آحاد المتعدد إلى ما هو له، ثم الذي على سبيل التفصيل ضربان؛ لأن النشر إما على ترتيب اللف، وإما على غير ترتيبه كما في البيت هنا، وهو ظاهر.
ومما جاء على الترتيب قوله ابن الرومي من الكامل:
آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم ... في الحادثات إذا دجون نجوم
فيها معالم للهدى ومصابح ... تجلو الدجى والأخريات رجوم
وقول بعضهم من البسيط:
ألست أنت الذي من ورد نعمته ... وورد راحته أجني وأغترف
وما أبدع قول ابن شرف القيرواني من البسيط:
جاور عليا ولا تحفل بحادثة ... إذا ادرعت فلا تسأل عن الأسل
سل عنه وانطق به وانظر إليه تجد ... ملء المسامع والأفواه والمقل
وقد أخذه تاج الدين الذهبي فقال من الكامل:
بدر سما للمجتلي، ثمر نما ... للمجتني، بحر طما للمجتدي
سل عنه وادن إليه واستمسك تجد ... ملء المسامع والنواظر واليد
وما أزهر قول البهاء زهير من الطويل:
ولي فيه قلب بالغرام مقيد ... له خبر يرويه طرفى مطلقا
ومن فرط وجدي لماه وثغره ... أعلل قلبي بالعذيب وبالنقا
وما أحلى قول ابن نباتة المصري مع زيادة التورية من الخفيف:
لا تخف عيلة ولا تخشى فقرا ... يا كثير المحاسن المختاله
لك عين وقامة في البرايا ... تلك غزالة وذي عساله
وقوله أيضا من السريع
سألته عن قومه فانثنى ... يعجب من إسراف دمعي السخي
وأبصر المسك وبدر الدجى ... فقال ذا خالي وهذا أخي
وبديع قول ابن مكنسة من الرجز:د
والسكر في وجنته وطرفه ... يفتح وردا ويغض نرجسا
وقد جاء اللف والنشر بين ثلاثة، فأكثر، فمنه قول ابن حيوس من الكامل:
ومقرطق يغنى النديم بوجهه ... عن كأسه الملأى وعن إبريقه
فعل المدام ولونها ومذاقها ... من مقلتيه ووجنتيه وريقه
وقول حمدة الأندلسية من الطويل:
ولما أبى الواشون إلا فراقنا ... وما لهم عندي وعندك من ثار
وشنوا على أسماعنا كل غارة ... وقل حماتي عند ذاك وأنصاري
غزوتهم من مقلتيك وأدمعي ... ومن نفسي بالسيف والسيل والنار
وقول ابن نباتة، وأجاد إلى الغاية من البسيط:
عرج على حرم المحبوب منتصبا ... لقبلة الحسن واعذرني على السهر
وانظر إلى الخال فوق الثغر دون لمى ... تجد بلالا يراعي الصبح في السحر
وبديع قول بعضهم من المجتث:
ورد ومسك ودر ... خد وخال وثغر
لحظ وجفن وغنج ... سيف ونبل وسحر
ومنه بين أربعة، وأربعة قول الشاعر من البسيط:
ثغر وخد ونهد واحمرار يد ... كالطلع والورد والرمان والبلح
ومثله قول الشاب الظريف محمد بن العفيف من الطويل:
رأى جسدي والدمع والقلب والحشى ... فأضنى وأفنى واستمال وتيما
ولأبي جعفر الأندلسي الغرناطي بني خمسة وخمسة من الكامل:
ملك يجيء بخمسة من خمسة ... لقى الحسود بها فمات لما به

(1/226)


من وجهه ووقاره وجواده ... وحسامه بيديه يوم ضرابه
قمر على رضوى تسير به الصبا ... والبرق يلمع من خلال سحابه
ولابن جابر الأندلسي بين ستة وستة من الكامل:
إن شئت ظبيا أو هلالا أو دجى ... أو زهر غصن في الكثيب الأملد
فللحظها ولوجهها ولشعرها ... ولخدها والقد والردف اقصد
ولنجم الدين البارزي بني سبعة وسبعة من الطويل:
يقطع بالسكين بطيخة ضحى ... على طبق في مجلس لأصاحبه
كبدر ببرق قد شمسا أهلة ... لدى هالة في الأفق بين كواكبه
وسبقه إلى ذلك ابن قلاقس، فقال من المتقارب:
أتانا الغلام ببطيخة ... وسكينة أحكموها صقالا
فقسم بالبرق شمس الضحى ... وأعطى لكل هلال هلالا
ومثله قول محاسن الشواء، وأجاد من الخفيف:
وغلام يحز بطيخة في اللون مثلي وفي المذاقة مثله
لأناس غر على طبق في ... مجلس مشرق يشابه أهله
قد بدر شمسا بأفق شهدت الليل في هالة ببرق أهله
وقول الآخر من الطويل:
ولما بدا ما بيننا منية النفس ... يحزز بالسكين صفراء كالورس
توهمت بدر التم قد أهلة ... على أنجم بالبرق من كرة الشمس
وقول الآخر من الكامل:
خلناه لما حزز البطيخ في ... أطباقه بصقيلة الصفحات
بدرا يقد من الشموس أهلة ... بالبرق بين الشهب في الهالات
وقول البديع الدمشقي، في غلام يقطع بطيخا بسكين، نصابها أسود من الكامل:
انظر بعينك جوهرا متلالئا ... سحرا لفرط بيانه وجماله
قمر يقد من الشموس أهلة ... بظلام هجرته وفجر وصاله
والسابق إلى فتح هذا الباب العسكري حيث يقول من الوافر:
وجامعة لأصناف المعاني ... صلحن لوقت إكثار وقله
فمن أدم وريحان ونقل ... فلم ير مثلها سدا لخله
فمنها ما تشبهه بدورا ... فإن قطعتها رجعت أهله
ولابن مقاتل بين ثمانية وثمانية من الطويل:
خدود وأصداغ وقد ومقلة ... وثغر وأرياق ولحن ومعرب
ورود وسوسان وبان ونرجس ... وكأس وجريال وجنك ومطرب
وللصفي الحلي من الطويل:
وظبي بقفر فوق طرف مفوق ... بقوس رمى في النقع وحشا بأسهم
كبدر بأفق فوق برق بكفه ... هلال رمى في الليل جنا بأنجم
ولبعضهم بين عشرة وعشرة من البسيط:
شعر جبين محيا معطف كفل ... صدغ فم وجنات ناظر ثغر
ليل صباح هلال بانة ونقا ... آس أقاح شقيق نرجس در
ولابن جابر بين اثني عشر واثني عشر من الطويل:
فروع سنا قد كلام فم لمى ... حلى عنق ثغر شذا مقلة خد
دجى قمر غصن جنى خاتم طلا ... نجوم رشا در صبا نرجس ورد
وجل القصد هنا: أن يكون اللف والنشر في بيت واحد، خاليا من الحشو وعقادة التركيب، جامعا بين سهولة اللفظ والمعاني المخترعة.
وابن حيوس بحاء مهملة وياء تحتية مشددة مضمومة وواو ساكنة بعدها سين مهملة هو أبو الفتيان محمد بن سلطان بن محمد بن حيوس، الملقب بمصطفى الدولة، الشاعر المشهور، وهو أحد الشعراء الشاميين المحسنين وفحولهم المجيدين، وله ديوان شعر كبير، لقي جماعة من الملوك والأكابر ومدحهم وأخذ جوائزهم، وكان منقطعا إلى بني مرداس أصحاب حلب، وله فيهم القصائد الفائقة، وقصته مع الأمير جلال الدولة وصمصامها نصر بن محمود بن شبل الدولة نصر بن صالح بن مرداس مشهورة، فإنه كان قد مدح أباه محمودا، فجازه ألف دينار، فلما مات وقام مقامه ولده نصر المذكور قصده ابن حيوس المذكور بقصيدة رائية يمدحه بها ويعزيه عن أبيه، أولها من الطويل:

(1/227)


كفى الدين عزا ما قضاه لك الدهر ... فمن كان ذا نذر فقد وجب النذر
ومنها:
صبرنا على حكم الزمان الذي سطا ... على أنه لولاك لم يكن الصبر
غزانا ببؤسي لا يماثلها الأسى ... تقارن نعمى لا يقوم بها الشكر
تباعدت عنكم حرفة لا زهادة ... وسرت إليكم حين مسني الضر
فلاقيت ظل الأمن ما عنه حاجز ... يصد، وباب العز ما دونه ستر
وطال مقامي في إسار جمليكم ... فدامت معاليكم ودام لي الأسر
وأنجز لي رب السموات وعده الكريم بأن العسر يتبعه اليسر
لقد كنت مأمولا ترجى لمثلها ... فيكف وطوعا أمرك النهي والأمر
وما بي إلى الإلحاح والحرص حاجة ... وقد عرف المبتاع وانفصل السعر
وإني بآمالي لديكم مخيم ... وكم في الورى ثاو وآماله سفر
وعهدك ما أبغي بقولي تصنعا ... بأيسر ما توليه يستعبد الحر
فلما فرغ من إنشادها قال الأمير نصر: والله لو قال عوض قوله سيخلفها نصر سيضعفها لأضعفتها له، وأعطاه ألف دينار في طبق فضة.
وكان اجتمع على باب الأمير نصر جماعة من الشعراء وامتدحوه، وتأخرت صلته عنهم، ونزل بعد ذلك الأمير نصر إلى دار بولص النصراني، وكانت له عادة بغشيان منزله، وعقد مجلس الأنس عنده، فأتت الشعراء الذين تأخرت جوائزهم إلى باب بولص، وفيهم ابن الدويدة المعري الشاعر المعروف، فكتبوا ثلاثة أبات اتفقوا على نظمها، وقيل: بل نظمها ابن الدويدة العري المذكور وصيروا الورقة إليه وفيها الأبيات، وهي من الطويل:
على بابك المحروس منا عصابة ... مفاليس فانظر في أمور المفاليس
وقد قنعت منك الجماعة كلها ... بعشر الذي أعطيته لابن حيوس
وما بيننا هذا التفاوت كله ... ولكن سعيد لا يقاس بمنحوس
فلما وقف عليها الأمير نصر أطلق لهم مائة دينار، وقال: والله لو قالوا بمثل الذي أعطيته لابن حيوس لأعطيتهم مثله.
وكان الأمير نصر سخيا واسع العطاء، تملك حلب بعد وفاة أبيه محمود سنة سبع وستين وأربعمائة، ولم تطل مدته حتى ثار عليه جماعة من جنده فقتلوه ثاني شوال سنة ثمان وستين وأربعمائة.
وكان ابن حيوس المذكور قد أثرى وحصلت له نعمة ضخمة من بني مرداس فبنى دارا بمدينة حلب وكتب على بابها من شعره من السريع:
دار بنيناها وعشنا بها ... في نعمة من آل مرداس
قوم نفوا بؤسي ولم يتركوا ... علي للأيام من باس
قل لبني الدنيا ألا هكذا ... فليفعل الناس مع الناس
وقيل: إن الأبيات لابن أبي حصينة الحلبي، وهو الصحيح.
وحكى الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق قال: أنشدنا أبو القاسم علي بن إبراهيم العلوي من حفظه سنة سبع وخمسمائة، قال: أخذ الأمير أبو الفتيان ابن حيوس بيدي وقال: أروعني هذا البيت، وهو في شرف الدولة مسلم ابن قريش من الكامل:
أنت الذي تفق الثناء بسوقه ... وجرى الندى بعروقه قبل الدم
وهذا البيت في غاية المدح.
ومن غرر قصائده السائرة قوله:
هو ذاك ربع العامرية فاربع ... واسأل مصيفا عافيا عن مربع
واستسق للدمن الخوالي بالحمى ... غر السحائب واعتذر عن أدمعي
فلقد غدوت أمام دان هاجر ... في قربه ووراء ناء مزمع
لو تخبر الركبان عني حدثوا ... عن مقلة عبرى وقلب موجع
ردى لنا زمن الكثيب فإنه ... زمن متى يرجع وصالك يرجع
لو كنت عالمة بأدبى لوعتي ... لرددت أقصى نيلك المسترجع
بل لو قنعت من الغرام بمظهر ... عن مضمر بين الحشى والأضلع

(1/228)


أعتبت إثر تعتب ووصلت ... غب تجنب وبذلت بعد تمنع
ولو أنني أنصفت نفسي صنتها ... عن أن أكون كطالب لم ينجع
إني دعوت ندى الغرام فلم يجب ... فلا شكرن ندى أجاب وما دعى
ومن العجائب والعجائب جمة ... شكر بطيء عن ندى متسرع
ومن شعره يمدح سابق بن محمود من البسيط:
يزداد إن قصر الخطى عن غرض ... طولا، ويمضي إذا حد الحسام بنا
حل السماك وما حلت تمائمه ... عن جيده وحبا العافين منذ حبا
حوى من الفضل مولودا بلا طلب ... أضاف ما أعجز الطلاب مكتسبا
طلق المحيا إذا ما زرت مجلسه ... حزت الغنى والعلا والبأس والأدبا
ومحاسنه كثيرة.
وكان أحمد بن محمد الخياط الشاعر قد وصل إلى حلب سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة وبها يومئذ ابن حيوس المذكور فكتب إليه ابن الخياط يقول من الكامل:
لم يبق عندي ما يباع بدرهم ... وكفاك مني منظري عن مخبري
إلا بقية ماء وجه صنتها ... عن أن تباع وأين أين المشتري
فقال: لو قال ونعم أنت المشتري لكان أحسن.
وكان مولد ابن حيوس سنة أربع وتسعين وثلثمائة بدمشق، وتوفي سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة.
وابن حبوس الإشبيلي ذكره ابن فضل الله فقال: لا يخف له ضرع خاطر ولا يجف له نوء سحاب ماطر، لو مس بقريحته الصلد لتفجر، أو الجهام لا تعنجر، وحسبك من مرمى غرضه البعيد، ما ذكره له ابن سعيد، وأورد له في المرقص قوله في أشتر العين لا تفارقه الدمعة من الكامل:
شبرت فقلنا زورق في لجة ... مالت بإحدى دفتيه الريح
فكأنما إنسانها ملاحها ... قد خاف من غرق فظل يميح
إن الشباب والفراغ والجده ... مفسدة للمرء أي مفسده
البيت لأبي العتاهية، من أرجوزته المزدوجة التي سماها ذات الأمثال يقال: إن له فيها أربعة آلاف مثل، فمنها:
حسبك مما تبتغيه القوت ... ما أكثر القوت لمن يموت
الفقر فيما جاوز الكفافا ... من اتقى الله رجا وخافا
هي المقادير فلمني أو فذر ... إن كنت أخطأت فما أخطا القدر
لكل ما يؤذي وإن قل ألم ... ما أطول الليل على من لم ينم
ما انتفع المرء بمثل عقله ... وخير ذخر المرء حسن فعله
إن الفساد ضده الصلاح ... ورب جد جره المزاح
من جعل النمام عبنأ هلكا ... مبلغك الشر كباغيه لكا
وبعده البيت، وبعده:
يغنيك عن كل قبيح تركه ... يرتهن الرأي الأصيل شكه
ما عيش من آفته بقاؤه ... نغص عيشا كله فناؤه
يا رب من أسخطنا بجهده ... قد سرنا الله بغير حمده
ما تطلع الشمس ولا تغيب ... إلا لأمر شأنه عجيب
لكل شيء قدر وجوهر ... وأوسط وأصغر وأكبر
فكل شيء لاحق بجوهره ... أصغره متصل بأكبره
من لك بالمحص وكل ممتزج ... وساوس في الصدر من تختلج
ما زالت الدنيا لنا دار أذى ... ممزوجة الصفو بأنواع القذى
الخير والشر بها أزواج ... لذا نتاج ولذا نتاج
من لك بالمحض وليس محض ... يخبث بعض ويطيب بعض

(1/229)


لكل إنسان طبيعتان ... خير وشر وهما ضدان
والخير والشر إذا ما عدا بينهما بون بعيد جدا
إنك لو تستنشق الشحيحا ... وجدته أنتن شيء ريحا
عجبت حتى ضمني السكوت ... صرت كأني حائر مبهوت
كذا قضى الله فكيف أصنع ... والصمت إن ضاق الكلام أوسع
وهي طويلة جدا، وهذا الأنموذج كاف منها والجدة: الاستغناء، والمفسدة: الخلة الداعية إلى الفساد.
والشاهد فيه: الجمع، وهو الجمع بين متعدد في حكم، وهو ظاهر في البيت، وما أحسن قول الصفي الحلي فيه من البسيط:
أراؤه وعطاياه ونعمته ... وعفوه رحمة للناس كلهم
ومنه قول ابن حجة مع تسمية النوع من البسيط:
آدابه وعطاياه ورأفته ... سجية ضمن جمع فيه ملتئم
وقول ابن جابر الأندلسي من البسيط:
قد أحرز السبق والإحسان في نسق ... والعلم والحلم قبل الدرك للحلم
وأبو العتاهية هو: إسماعيل بن القاسم بن سويد بن كيسان، مولى عنزة وكنيته أبو إسحاق، وأبو العتاهية كنية غلبت عليه لأنه كان يحب الشهرة والمجون فكنى لعتوه بذلك، وقيل: إن المهدي قال له يوما: أنت إنسان متعته متحذلق، فاستوت له من ذلك كنية،ويقال للرجل المتحذلق عتاهية، وفيه يقول أبو قابوس النصراني وقد بلغه أنه فضل عليه العتابي من الكامل:
قل للمكني نفسه ... متخيرا بعتاهية
والمرسل الكلم القبيح وعنه أذن واعيه
إن كنت سرا سؤتني ... أو كان ذاك علانيه
فعليك لعنة ذي الجلا ... ل وأم زيد زانيه
وأم زيد هي أم أبي العتاهية ومنشأه بالكوفة، وكان في أول أمره يتخنث ويحمل زاملة المخنثين، ثم كان يبيع الفخار بالكوفة، ثم قال الشعر فبرع فيه وتقدم، ويقال: أطبع الناس بالشعر بشار والسيد الحميري وأبو العتاهية، وما قدر أحد قط على جمع شعر هؤلاء الثلاثة بأسره لكثرته،وكان غزير البحر، كثير المعاني لطيفها، سهل الألفاظ، كثير الافتنان، قليل التكلف، إلا أنه كثير الساقط المرذول مع ذلك، وأكثر شعره في الزهد والأمثال، وكان قوم من أهل عصره ينسبونه إلى القول بمذهب الفلاسفة ممن لا يؤمن بالبعث والنشور، ويحتجون بأن شعره إنما هو في ذكر الموت والفناء دون النشور والمعاد.
وحدث الخليل بن أسد النوشجاني قال: أتانا أبو العتاهية إلى منزلنا فقال: زعم الناس أنني زنديق، والله ما ديني إلا التوحيد، فقلنا له: قل شيئا نتحدث به عنك، فقال من المتقارب:
ألا إننا كلنا بائد ... وأي بني آدم خالد
وبدؤهم كان من ربهم ... وكل إلى ربه عائد
فيا عجبا كيف يعصي الإله أم كيف يجحده الجاحد
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد
وكان من أبخل الناس مع يساره وكثرة ما جمعه من الأموال.
وحدث محمد بن عيسى الخرقي قال: وقف عليه ذات يوم سائل من العيارين الظرفاء وجماعة من جيرانه حواليه، فسأله دونهم، فقال له: صنع الله لك، فأعاد السؤال، فرد عليه، فأعاد الثالثة، فغضب، وقال له: ألست الذي يقول من المديد:
كل حي عند ميتته ... حظه من ماله الكفن
قال:نعم، قال: فبالله عليك أتريد أن تعد مالك لكه لثمن كفنك؟ قال: لا، قال: فبالله كم قدرت لكفنك؟ قال: خمسة دنانير، قال: فاعمل على أن دينارا من الخمسة وضيعته قيراط وادفع إلي قيراطا واحدا، وإلا فواحدة أخرى، قال: وما هي؟ قال: القبور تحفر بثلاث دراهم، فأعطني درهما وأقيم لك كفيلا بأن أحفر لك به قبرك متى مت وتربح درهمين لم يكونا في حسابك، فإن لم أحفر رددته على ورثتك أو رده كفيلي عليهم، فخجل أبو العتاهية وقال: اغرب لعنك الله وغضب عليك، وضحك جميع من حضر، ومر السائل يضحك، فالتفت إلينا أبو العتاهية وقد اغتاظ فقال: من أجل هذا وأمثاله حرمت الصدقة، فقلنا له: ومن حرمها ومتى حرمت؟ فما رأيت أحدا ادعى أن الصدقة حرمت قبله ولا بعده.

(1/230)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية