صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : مصطلحات نحوية

الواحد . وسمي جمع التكسير ؛ لأن لفظ الواحد يكسر فيه كما يكسر الإناء ، ثم يصاغ صيغة أخرى ، والتغيير الذي يقع فيه على ثلاثة أضرب :
أحدها : بزيادة ، كقولك في جمع جمل : أجمال ، وفي ثوب : أثواب .
والثاني : بنقصان ، كقولك في جمع كتاب وإزار : كتب ، وأزر .
والثالث : بتغيير الحركة والسكون ، كقولك في جمع رهن وسقف وأسد : رهن ، وسقف ، وأسد » (1) .
وعرفه الزمخشري ( ت 538 هـ ) بأنه : « ما يتكسر فيه بناء الواحد » (2) .
وقال الشلوبيني ( ت 645 هـ ) في تعريفه : « ما تغير فيه بناء الواحد ، ليدل تغيره على أن المراد به أكثر من اثنين ، وربما جاء ما ظاهره ذلك ، لكن يقوم الدليل على أنه ليس بجمع تكسير ، وعلى أنه ليس بمبني على واحد ، كركب » (3) .
وقد جرى على هذه الطريقة في التعريف كثير من النحاة ، منهم : ابن عصفور ( ت 669 هـ ) (4) ، وابن هشام ( ت 761 هـ ) (5) ، والمكودي ( ت 807 هـ ) (6) ، والأزهري ( ت 509 هـ ) (7) .
____________
(1) شرح ملحة الإعراب ، القاسم بن علي الحريري ، تحقيق بركات يوسف هبود : 118 ـ 119 .
(2) شرح الأنموذج في النحو : 98 .
(3) التوطئة ، أبو علي الشلوبيني ، تحقيق يوسف أحمد المطوع : 125 .
(4) شرح جمل الزجاجي ، ابن عصفور ، تحقيق صاحب أبو جناح 1|147 .
(5) أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك ، ابن هشام ، تحقيق محيي الدين عبد الحميد 3|254 .
(6) شرح المكودي على الألفية ، تحقيق إبراهيم شمس الدين : 287 .
(7) شرح الأزهرية ، خالد الأزهري : 51 ـ 52 .

(1/318)


وقد تنبه بعض النحاة فيما بعد إلى أن التغيير الذي يحصل في المفرد عند جمعه ، قد لا يكون ظاهرا ، وأثر ذلك في صياغتهم لتعريف هذا الجمع ، كما فعل ابن مالك ( ت 672 هـ ) ؛ إذ عرف جمع التكسير بأنه : « جعل الاسم القابل دليل ما فوق اثنين . . . بتغيير ظاهر أو مقدر » (1) .
وقال السلسيلي في شرحه : « قوله : (القابل) احترز من الذي لا يقبل [الجمع] . . . بتغيير ظاهر : بنقص ، مثل : تخمة وتخم ، وزيادة ، كصنو وصنوان ، أو بتغيير مقدر ، كما في هجان ودلاص وفلك ، وهذا هو التكسير ؛ لأنه لم يسلم بناء واحده » (2) .
وقد تابع ابن مالك على هذه الطريقة في التعريف كثير من النحاة ، منهم : ولده بدر الدين ، المشتهر بـ : ابن الناظم ( ت 686 هـ ) ؛ إذ قال في تعريفه : « هو ما تغير فيه لفظ الواحد تحقيقا أو تقديرا » (3) .
ومنهم : ابن عقيل ( ت 769 هـ ) ؛ إذ قال : « هو ما دل على أكثر من اثنين ، بتغيير ظاهر ، كرجل ورجال ، أو مقدر ، كفلك للمفرد والجمع ، والضمة التي في المفرد كضمة قفل ، والضمة التي في الجمع كضمة أسد » (4) . ومنهم : السرمري ( ت 776 هـ ) (5) ، والأشموني ( ت 905 هـ ) (6) .
* * *
____________
(1) تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد ، ابن مالك ، تحقيق محمد كامل بركات : 12 .
(2) شفاء العليل في إيضاح التسهيل ، السلسيلي ، تحقيق عبد الله البركاتي 1|141 .
(3) شرح ابن الناظم على الألفية : 15 .
(4) شرح ابن عقيل على الألفية ، تحقيق محيي الدين عبد الحميد 2|452 .
(5) شرح اللؤلؤة ، السرمري ، مصورتي عن مخطوطة المكتبة الظاهرية : 39 ـ 40 .
(6) شرح الأشموني على الألفية ، تحقيق حسن حمد 3|378 .

(1/319)


واحد وأربعون ـ مصطلح اسم الجمع

عبر سيبويه (ت 180 هـ) عن « اسم الجمع » بأنه : « الاسم الذي لم يكسر عليه واحده للجمع » ؛ فقد قال في باب التحقير : « هذا باب تحقير مالم يكسر عليه واحده للجمع ، ولكنه شيء واحد يقع على الجميع ، فتحقيره كتحقير الاسم الذي يقع على الواحد ؛ لأنه بمنزلته إلا أنه يعنى به الجميع ، وذلك قولك في قوم : قويم ، وفي رجل : رجيل ، وكذلك في النفر والرهط والنسوة » (1) .
وقال في موضع آخر : « هذا باب ما هو اسم يقع على الجميع لم يكسر عليه واحده ، ولكنه بمنزلة قوم ونفر وذود ، إلا أن لفظه من لفظ واحده ، وذلك قولك : ركب وسفر ، فالركب لم يكسر عليه راكب ، ألا ترى أنك تقول في التحقير : ركيب وسفير ، فلو كان كسر عليه الواحد رد إليه ،
____________
(1) الكتاب ، سيبويه ، تحقيق عبد السلام هارون 3|494 .

(1/320)


فليس (فعل) مما يكسر عليه الواحد للجمع » (1) .
وقد حذا ابن السراج (ت 316 هـ) حذو سيبويه في التعبير عن اسم الجمع بأنه : « اسم يقع على الجميع ولم يكسر عليه واحد ، وهو من لفظه » (2) .
ويبدو أن المبرد (ت 285 هـ) أول من عبر عنه بـ : « اسم الجمع » ؛ إذ قال : « وأما قولهم : خادم وخدم وغائب وغيب ، فإن هذا ليس بجمع (فاعل) ... إنما هي أسماء للجمع ... ولو قالوا : (فعل) لكان من أبواب جمع (فاعل) ... نحو : كتاب وكتب » (3) .
وقال في موضع آخر : « أسماء الجمع التي ليس لها واحد من لفظها : اعلم أن مجراها في التحقير مجرى الواحد ؛ لأنها وضعت أسماء ، كل اسم منها لجماعة ، كما أنك إذا قلت : (جماعة) فإنما هو اسم مفرد وإن كان المسمى به جمعا ... وتلك الأسماء : نفر وقوم ورهط وبشر ، تقول : بشير وقويم ورهيط » (4) .
وعبر عنه ابن السراج (ت 316 هـ) بـ : « اسم الجميع » قائلا : « وما كان اسما للجميع ، وليس من لفظ واحده فهو كالواحد ويصغر على لفظه ، نحو : قوم ، تقول فيه : قويم ، ورهط تقول فيه : رهيط » (5) .
وإلى هنا لا نجد النحاة يفرقون في اسم الجمع بين ما لم يكن له
____________
(1) الكتاب 3|624 .
(2) الأصول في النحو ، ابن السراج ، تحقيق عبد الحسين الفتلي 3|31 .
(3) المقتضب ، محمد بن يزيد المبرد ، تحقيق محمد عبد الخالق عضيمة 2|220 .
(4) المقتضب 2|292 .
(5) الموجز في النحو ، أبو بكر محمد بن السراج ، تحقيق مصطفى الشويمي وبن سالم دامرجي : 122 .

(1/321)


واحد من لفظه ، وبين ما كان له واحد ، كركب وسفر ، مما قام الدليل على أنه ليس جمع تكسير لمفرده ، إلا أن أبا الحسن الأخفش المتوفى أوائل القرن الرابع (1) ، ذهب إلى أن نحو : ركب وسفر جمع « تكسير ، فإذا صغر على مذهبه رد إلى الواحد وصغر عليه ، ثم تلحقه الواو والنون إن كان مذكرا ، والألف والتاء إن كان مؤنثا ، فتقول في تصغير ركب : رويكبون ، وفي سفر : مسيفرون ، ورويكبات ومسيفرات » (2) .
وسيأتي استعراض أدلة النحاة على بطلان مذهبه .
وقال الزمخشري (ت 538 هـ) : « ويقع الاسم على الجميع لم يكسر عليه واحده ، وذلك نحو : ركب وسفر وأدم وعمد وحلق وخدم » (3) .
وتمثيله لاسم الجمع بنحو : ركب وسفر ، واضح في مخالفته لما ذهب إليه الأخفش ، وقد ساق ابن يعيش (ت 643 هـ) في شرحه لعبارة الزمخشري أربعة أدلة على بطلان مذهب الأخفش وهي :
[الأول] : « أن المسموع في تصغير ركب : ركيب ، قال الشاعر :

وأين ركيب واضعون رحالهم * إلى أهل نار من أناس بأسودا
... وهذا نص في محل النزاع ؛ إذ لو كان جمعا مكسرا لرد إلى الواحد ، فأما قول أبي الحسن : (رويكبون) ، فهو شيء يقوله على مقتضى قياس مذهبه ، والمسموع غيره .
الثاني : إن الجمع المكسر مؤنث ، وهذه الأسماء مذكرة ، تقول : هو
____________
(1) تاريخ وفاته مردد بين الأعوام 210 ، 215 ، 221 هـ . (المزهر ـ للسيوطي ـ 2|463) .
(2) شرح المفصل ، ابن يعيش 5|77 .
(3) المفصل في علم العربية ، جار الله الزمخشري : 197 .

(1/322)


الركب ، وهذا السفر ، ولو كان مكسرا لقلت : هي وهذه .
الثالث : إن (فعلا) لا يكون جمعا مكسرا لفاعل ونحوه ؛ لأن الجمع المكسر حقه أن يزيد على لفظ الواحد ، وهذا أخف من بناء الواحد .
الرابع : إن هذه الأبنية لو كانت جمعا صناعيا ، لاطرد ذلك في ما كان مثله ، وأنت لا تقول في جالس : جلس ، ولا في كاتب : كتب .
فثبت بما ذكرناه أنه : اسم مفرد دال على الجمع ، وليس جمعا على الحقيقة » (1) .
وقال الشلوبيني (ت 645 هـ) معرفا باسم الجمع : « وضعت أسماء الجموع نحو الرهط والنفر والقوم والعصبة لأداء معناها من أول وهلة ، لا أنها كانت آحادا ثم عطف عليها بالواو آحاد مثلها ، ثم عوض من الآحاد التي عطفت بالواو على الأول شيء أضيف إلى الأول المعطوف عليه كما فعل ذلك في التثنية وجمع السلامة » (2) .
وقال أيضا : « ولم يقل فيه إنه مجموع ؛ لأنه ليس له واحد من لفظه ، ولا يكون الجمع عندهم إلا ما له واحد من لفظه ... وربما جاء ما ظاهره ذلك ، ولكن يقوم الدليل على أنه ليس بجمع تكسير ، وعلى أنه ليس بمبني على واحد غير الجمع ، كركب » (3) .
ويمكن أن يستفاد من عبارته الأخيرة في صياغة تعريف « اسم الجمع » ، بأنه : ما دل على جماعة وليس بمبني على واحد غير الجمع ، فهذا أفضل من قولهم : ولم يكن له واحد من لفظه ؛ لأن هذا يوهم دخول
____________
(1) شرح المفصل ، ابن يعيش 5|77 ـ 78 .
(2) شرح المقدمة الجزولية ، أبو علي الشلوبيني ، تحقيق تركي العتيبي 1|383 .
(3) التوطئة ، أبو علي الشلوبيني ، تحقيق يوسف المطوع : 125 .

(1/323)


نحو : صحب وركب في التعريف ، وإن أمكن إخراجه بما ذكروه .
وقال ابن عصفور (ت 669 هـ) : « اسم الجمع ، ما ليس له واحد من لفظه ، نحو : قوم ؛ لأن واحده رجل ، ونحو : إبل ؛ فإن واحده ناقة أو جمل » (1) .
وفيه شيء من المسامحة ، وكان ينبغي أن يصدره بـ : (ما دل على أكثر من اثنين) ، أو : (ما دل على جماعة) .
وقال ابن مالك (ت 672 هـ) في التعريف بالجمع واسم الجمع ، وبيان الفارق بينهما : « كل اسم دل على أكثر من اثنين ولا واحد له من لفظه ، فهو جمع واحد مقدر إن كان على وزن خاص بالجمع أو غالب فيه ، وإلا فهو اسم جمع ، فإن كان له واحد يوافقه في أصل اللفظ دون الهيئة وفي الدلالة عند عطف أمثاله عليه فهو جمع ، ما لم يخالف الأوزان الآتي ذكرها ، أو يساو الواحد دون قبح في خبره ووصفه والنسبة إليه ... فإن كان كذلك فهو اسم جمع ... لا جمع ، خلافا للأخفش في ركب ونحوه » (2) .
ويستفاد من كلامه أن من شروط كون الاسم الدال على أكثر من اثنين جمعا اصطلاحيا :
* أولا : أن يكون على وزن خاص بالجمع أو غالب فيه .
* ثانيا : أن لا يكون مساويا للمفرد في خبره ووصفه والنسبة إليه .
وعليه يثبت أن مثل : (ركب) اسم جمع وليس جمعا لراكب ؛ لأنه لم يأت على وزن خاص بالجمع أو غالب فيه ، ولأنه مساو للمفرد في خبره
____________
(1) شرح جمل الزجاجي ، ابن عصفور ، تحقيق صاحب أبو جناح 1|147 .
(2) تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد ، ابن مالك ، تحقيق محمد كامل بركات : 267 .

(1/324)


ووصفه والنسبة إليه ؛ إذ يقال فيه : الركب سائر ، كما يقال : الراكب سائر ، بينما لا يقال في الجمع : الرجال سائر ؛ فإن فيه قبحا .
ويستخلص منه تعريفه لاسم الجمع بأنه : ما دل على أكثر من اثنين ، ولم يكن على وزن خاص بالجمع أو غالب فيه ، ولم يساو المفرد في خبره ووصفه والنسبة إليه .
ومن الجدير بالذكر هنا ما لاحظه أبو حيان الأندلسي على ابن مالك من أنه أورد « في أسماء الجموع جملة مما بينه وبين المفرد تاء التأنيث وياء النسب ، وأصحابنا لا يسمون هذا النوع اسم جمع بل يسمونه اسم جنس » (1) .
وقال ابن الناظم (ت 686 هـ) : « الموضوع لمجموع الآحاد هو اسم الجمع ، سواء كان له واحد من لفظه كركب وصحب ، أو لم يكن كقوم ورهط ... ومما يعرف به اسم الجمع كونه على وزن الآحاد ، وليس له واحد من لفظه ... وكونه مساويا للواحد في تذكيره والنسبة إليه » (2) .
فهو يرى أن حقيقة اسم الجمع تتقوم بكونه موضوعا أول وهلة للدلالة على مجموع الآحاد ، وأنها ليست من قبيل دلالة تكرار الواحد بالعطف كما هي الحال في الجمع الاصطلاحي ، وأما كونه على وزن الآحاد ... إلى آخر ما ذكره ، فهي علامات يعرف بها اسم الجمع .
وقال الرضي (686 هـ) : « اسم الجمع نحو : إبل وغنم ؛ لأنها وإن
____________
(1) ارتشاف الضرب من لسان العرب ، أبو حيان الأندلسي ، تحقيق رجب عثمان محمد 1|482 .
(2) شرح الألفية ، ابن الناظم : 14 ـ 15 .

(1/325)


دلت على آحاد ، لكن لم يقصد إلى تلك الآحاد بأن أخذت حروف مفردها وغيرت بتغيير ما ، بل آحادها ألفاظ من غير لفظها ، كبعير وشاة » (1) .
ثم رد القول بأن نحو ركب في راكب وطلب في طالب جمع ، بدعوى أن آحادها من لفظها ، وأن (راكب) مثلا قد غيرت حروفه فصار (ركبا) بقوله : ليس راكب بمفرد ركب ، وإن اتفق اشتراكهما في الحروف الأصلية ؛ لأنها لو كانت جموعا لهذه الآحاد ، لم تكن جموع قلة ؛ لأن أوزانها محصورة ... بل جموع كثرة ، وجمع الكثرة لا يصغر على لفظه ، بل يرد إلى واحده ... وهذه لا ترد ، نحو : ركيب ... وأيضا لو كانت جموعا لردت في النسب إلى آحادها ، ولم يقل : ركبي » (2) .
وقال أبو حيان (ت 745 هـ) : « واسم الجمع قسمان : قسم ليس له واحد من لفظه ، كقوم ورهط ونفر ، وقسم له واحد من لفظه ، نحو : صحب ، وسبق ذكر الخلاف فيه ، وإن الأخفش يذهب إلى أنه جمع تكسير » (3) .
وقال ابن الفخار (ت 754 هـ) : « اسم الجمع ، وهو : ما ليس له واحد من لفظه لا تحقيقا ولا تقديرا ، أو له واحد من لفظه ولم يثبت في أبنية الجموع ، خلافا للأخفش » (4) .
وقال الأشموني (ت 900 هـ) في شرحه على الألفية : « الفرق بين الجمع واسم الجمع من وجهين ، معنوي ولفظي :
____________
(1) شرح الرضي على الكافية ، تحقيق يوسف حسن عمر 3|365 ـ 366 .
(2) شرح الرضي على الكافية ، تحقيق يوسف حسن عمر 3|365 ـ 366 .
(3) ارتشاف الضرب من لسان العرب 1|480 .
(4) شرح جمل الزجاجي ، ابن الفخار الخولاني ، مصورتي عن مخطوطة الخزانة العامة بالرباط : 29 .

(1/326)


أما المعنوي ، فهو : أن الاسم الدال على أكثر من اثنين إما أن يكون موضوعا لمجموع الآحاد المجتمعة ، دالا عليها دلالة تكرار الواحد بالعطف ، وإما أن يكون دالا عليها دلالة المفرد على جملة أجزاء مسماه ... فالأول هو الجمع ، سواء كان له واحد من لفظه مستعمل ، كرجال وأسود ، أو لم يكن ، كأبابيل (1) ، والثاني هو اسم الجمع ، سواء كان له واحد من لفظه ، كركب وصحب ، أم لم يكن ، كقوم ورهط ...
وأما اللفظي ، فهو : أن الاسم الدال على أكثر من اثنين إن لم يكن له واحد من لفظه ، فإما أن يكون على وزن خاص بالجمع ، نحو : أبابيل وعباديد (2) ) ، أو غالب فيه ، نحو : أعراب ، فهو جمع واحد مقدر ، وإلا فهو اسم جمع ، نحو : رهط وإبل » (3) .
وعليه يمكن طرح تعريفين لاسم الجمع ، يقوم أحدهما على أساس الفارق المعنوي بينه وبين الجمع الاصطلاحي ، فيقال : إنه ما كان موضوعا لمجموع الآحاد ، دالا عليها دلالة المفرد على جملة أجزاء مسماه ، ويقوم الآخر على أساس الفارق اللفظي بينهما ، فيقال : إنه ما دل على أكثر من اثنين ولم يكن على وزن خاص بالجمع أو غالب فيه .
وقد أخذ الفاكهي (ت 972 هـ) بالنحو الأول ؛ فقال في تعريف اسم الجمع : إنه « الاسم الموضوع لمجموع الآحاد دالا عليها دلالة المفرد على جملة أجزاء مسماه ... فمدلوله مجموع الأفراد ، وكل منها جزء مدلوله ،
ودلالته على أحدها بالتضمن ؛ لأنه جزء المدلول ، كالتخت اسم لذي أجزاء مدلوله مجموعها » (4) .
____________
(1) الأبابيل : جماعة في تفرقة ، واحدها إبيل وإبول ، وذهب أبو عبيدة إلى أن الأبابيل جمع لا واحد له من لفظه . لسان العرب ، مادة « أبل » .
(2) العباديد : الخيل المتفرقة ، لا واحد له ، ولا يقال : عبديد . لسان العرب ، مادة « عبد » .
(3) شرح الأشموني على الألفية ، تحقيق حسن حمد 3|412 .
(4) الحدود النحوية ، جمال الدين الفاكهي ، تحقيق محمد الطيب الإبراهيم : 90 ـ 91 .

(1/327)


اثنان وأربعون ـ مصطلح اسم الاشارة

* لغة :
الاشارة : مصدر الفعل (أشار) ، وهو مستعمل لغة في عدة معان ؛ إذ يقال : « أشار الرجل يشير إشارة : إذا أومأ بيديه ... وأشار عليه بالرأي ، وأشار يشير إذا ما وجه الرأي ... وأشار النار ... دفعها » (1) .
وسيتضح أن أوفق المعاني اللغوية بالمعنى الاصطلاحي النحوي هو المعنى المأخوذ من الاستعمال الأول للفعل ، بمعنى : الايماء.

* اصطلاحا :
عبر النحاة القدماء عن اسم الاشارة بـ : (الاسم المبهم) ، وذكر بعضهم اسم الاشارة في معرض التعريف بهذا الاسم.
قال سيبويه (ت 180 هـ) : « وأما الأسماء المبهمة ، فنحو : هذا وهذه
____________
(1) لسان العرب ، ابن منظور ، مادة « شور ».

(1/328)


وهذان وهاتان وهؤلاء ... وإنما صارت معرفة لأنها صارت أسماء إشارة إلى الشيء دون سائر أمته » (1) .
وقال المبرد (ت 285 هـ) : « ومن الأسماء : المبهمة ، وهي التي تقع للاشارة ، ولا تخص شيئا دون شيء ، وهي : هذا ، وهذاك ، وأولئك وهؤلاء ونحوه » (2) .
ويلاحظ : أن المبرد جعل (المبهم) عنوانا لكل من اسم الاشارة والاسم الموصول (3) ، وتابعه على ذلك كثير من النحاة بعده (4) .
ومما ذكروه في علة تسمية هذه الأسماء بالمبهمات : « أنها لا يشار بها إلى شيء فيقتصر بها عليه حتى لا تصلح لغيره ، ألا ترى أنك كما تقول : ذا زيد ، تقول : ذا عمرو ؟! بل وينتقل هذا الاسم في الاشارة به إلى الأنواع المختلفة والأجناس المتباينة ؛ فتقول : ذا فرسي ، وذا رمحي ، وذا ثوبي ... فيقع اسم الاشارة كما ترى على هذه المختلفات ، ولا يختص بواحد منها دون آخر ، وهذه حقيقة الابهام » (5) .
وقد عبر ابن السراج (ت 316 هـ) عن اسم الاشارة بأنه : « الاسم
____________
(1) الكتاب ، سيبويه ، تحقيق عبد السلام هارون 2 | 5.
(2) المقتضب ، محمد بن يزيد المبرد ، تحقيق محمد عبد الخالق عضيمة 3 | 186.
(3) المقتضب 3 | 186 ، 197.
(4) أ ـ المرتجل ، ابن الخشاب ، تحقيق علي حيدر : 301 ـ 306.
ب ـ المقدمة الجزولية ، أبو موسى الجزولي 14 | أ ؛ نقلا عن حاشية شرح المقدمة الجزولية للشلوبيني ، تحقيق تركي العتيبي.
ج ـ المصباح في علم النحو ، المطرزي ، تحقيق ياسين الخطيب : 101.
د ـ الفصول الخمسون ، ابن معطي ، تحقيق محمود الطناحي : 330 ـ 331.
(5) المرتجل : 304.

(1/329)


الذي يشار به إلى المسمى » (1) .
وعنونه الزبيدي (ت 397 هـ) بـ : « اسم المشار إليه » (2) .
واستعمل ابن معطي (ت 628 هـ) عنوان : « الاشارة » (3) .
وعبر ابن عصفور (ت 669 هـ) بـ : « المشار » (4) .
واستعمل ابن مالك (ت 672 هـ) تعبيرين ، هما : « المشار به » ، و« ذوالاشارة » (5) .
وأول من وجدته يستعمل عنوان : (اسم الاشارة) هو ابن جني (ت 392 هـ) ؛ قال : « وأما أسماء الاشارة : فـ (هذا) للحاضر ، والتثنية في الرفع (هذان) وفي الجر والنصب (هذين) ... » (6) ، ثم شاع استعماله بعد ذلك بالتدريج.
ولما كانت أسماء الاشارة محصورة عددا ، لم يهتم النحاة بصياغة حد لاسم الاشارة ، واكتفى أغلبهم في مقام التعريف به بتعداد أفراده ، أو ذكر نماذج منها.
وأول من وجدته يعرف اسم الاشارة ابن الحاجب (ت 646 هـ) ؛ قال : هو : « ما وضع لمشار إليه » (7) ..
____________
(1) الأصول في النحو ، ابن السراج ، تحقيق عبد الحسين الفتلي 2 | 2.
(2) الواضح في علم العربية ، محمد بن الحسن الزبيدي ، تحقيق أمين علي السيد : 34.
(3) الفصول الخمسون ، ابن معطي ، تحقيق محمود الطناحي : 230.
(4) أ ـ المقرب ، ابن عصفور ، تحقيق عادل عبد الموجود وعلي معوض : 298.
ب ـ شرح جمل الزجاجي ، ابن عصفور ، تحقيق صاحب أبو جناح 1 | 135.
(5) تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد ، ابن مالك ، تحقيق محمد كامل بركات : 21.
(6) اللمع في العربية ، ابن جني ، تحقيق فائز فارس : 104.
(7) شرح الرضي على الكافية ، تحقيق يوسف حسن عمر 2 | 471.

(1/330)


وقد تابعه الأشموني (ت 900 هـ) على هذا التعريف (1) ..
وقال الرضي في شرحه : « فإن قلت : المضمرات وجميع المظهرات ، وخاصة ما فيه لام العهد ، داخلة في الحد ؛ لأن المضمر يشار به إلى المعهود عليه ، والمظهرات إن كانت نكرة يشار بها إلى واحد من الجنس غير معين ، وإن كانت معرفة فإلى واحد معين.
فالجواب : إن المراد بقولنا : (مشار إليه) : ما أشير إليه إشارة حسية ، أي بالجوارح والأعضاء ، لا عقلية ، والأسماء المذكورة ليست كذلك ؛ فإنها للمشار إليه إشارة عقلية ذهنية ، فلم يحتج في الحد إلى أن يقول : المشار إليه إشارة حسية ؛ لأن مطلق الاشارة حقيقة في الحسية دون الذهنية » (2) .
وقال الجامي : « فلا يرد ضمير الغائب وأمثاله ؛ فإنها للاشارة إلى معانيها إشارة ذهنية لا حسية ، ومثل : (ذلكم الله ربكم) (3) ـ مما ليس الاشارة إليه حسية ـ محمول على التجوز » (4) .
وقد رد ابن الحاجب إشكال الدور عن تعريفه هذا ، بأن : « المحدود : ما يقال له في اصطلاح النحاة : اسم الاشارة ، وقولنا [في الحد] : (المشار إليه) أراد به الاشارة اللغوية لا الاصطلاحية ، ومفهوم الاشارة اللغوية غير محتاج إلى الاكتساب ، ولا تتوقف معرفته على معرفة المحدود ... حتى يلزم الدور » (5) ..
____________
(1) شرح الأشموني على الألفية ، تحقيق حسن حمد 1 | 119.
(2) شرح الرضي على الكافية 2 | 472.
(3) سورة الأنعام 6 : 102.
(4) الفوائد الضيائية ، عبد الرحمن الجامي ، تحقيق أسامة الرفاعي 2 | 93.
(5) شرح الرضي على الكافية 2 | 473.

(1/331)


وعقب عليه الرضي بملاحظتين :
أولاهما : إن هذا الرد لا يدفع الاشكال ؛ لأن الاشارة في قوله : (أسماء الاشارة) لغوية أيضا ؛ إذ معناه : الأسماء التي بها تحصل الاشارة اللغوية ، كما أن قوله : (مشار إليه) لغوي.
والثانية : إن الاشكال غير وارد أصلا ؛ لأن الاشارة جزء المحدود ، ولا يلزم من توقف المحدود على الحد وعلى كل جزء منه ، توقف جزء المحدود أيضا عليهما ؛ إذ ربما كانت معرفة ذلك الجزء ضرورية أو مكتسبة بغير ذلك الحد (1) .
وقد وردت هاتان الملاحظتان في حاشية الصبان بنحو يوهم أن أولاهما للصبان وثانيتهما للدماميني (2) ، والحق سبق الرضي لذكرهما.
وعرف ابن عصفور (669 هـ) اسم الاشارة بأنه : « ما علق في أول أحواله على مسمى بعينه في حال الاشارة إليه » (3) .
وقوله : (في حال الاشارة إليه) احتراز من دخول بقية المعارف.
وعرفه ابن مالك (ت 672 هـ) بأنه : « ما وضع لمسمى ، وإشارة إليه » (4) كى ..
وتابعه عليه ابن هشام (ت 761 هـ) (5) ، والأزهري (ت 509 هـ) (6) ..
____________
(1) شرح الرضي على الكافية 2 | 473.
(2) حاشية الصبان على شرح الأشموني 1 | 138.
(3) المقرب : 298.
(4) تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد : 39.
(5) أ ـ شرح اللمحة البدرية ، ابن هشام ، تحقيق هادي نهر 1 | 306.
ب ـ شرح شذور الذهب ، ابن هشام ، تحقيق محيي الدين عبد الحميد : 139.
(6) شرح الأزهرية ، الشيخ خالد الأزهري : 92.

(1/332)


وقال السلسيلي في شرحه : « ما وضع لمسمى : جنس يشمل كل ماوضع لمسمى ، وإشارة إليه ، خرج بذلك ما سوى اسم الاشارة » (1) .
وقال ابن الناظم في تعريفه : « ما دل على حاضر أو منزل منزلة الحاضر ، وليس متكلما ولا مخاطبا » (2) .
وعرفه جمال الدين الفاكهي بأنه : « اسم مظهر دل بإيماء على حاضر أو منزل منزلته » (3) ..
وقال في شرحه : « (دل بإيماء) أي : إشارة (على) اسم (حاضر) حضورا عينيا أو ذهنيا ، نحو : (تلك الجنة) (4) ، (أو) على اسم (منزل منزلته) أي : [منزلة] الحاضر ، كقوله : أولئك آبائي فجئني بمثلهم » (5) .
* * *
____________
(1) شفاء العليل في شرح التسهيل ، محمد بن عيسى السلسيلي ، تحقيق عبد الله البركاتي 1 | 255.
(2) شرح ابن الناظم على الألفية : 30.
(3) شرح الحدود النحوية ، جمال الفاكهي ، تحقيق محمد الطيب الابراهيم : 117.
(4) سورة مريم 19 : 63.
(5) شرح الحدود النحوية : 117 ـ 118.

(1/333)


ثلاث وأربعون ـ مصطلح الاسم الموصول

* لغة :
الموصول : اسم مفعول من الفعل (وصل) المتعدي ، ذلك أن هذا الفعل يستعمل لغة متعديا تارة ولازما أخرى ؛ يقال : « وصل الشيء بالشيء يصله وصلا وصلة ... [ ويقال ] : وصل الشيء إلى الشيء وصولا ... انتهى إليه وبلغه » (1) .
وسوف تتضح من خلال البحث المناسبة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي.
* اصطلاحا :
وأقدم من وجدته يستعمل الموصول بمعناه الاصطلاحي هو المبرد (ت 285 هـ) ؛ إذ عقد بابا بعنوان : (باب الصلة والموصول) ، وقال فيه : « إن الصلة موضحة للاسم ، فلذلك كانت في هذه الأسماء المبهمة ، ألا ترى أنك لو قلت : جاء الذي ، أو : مررت بالذي ، لم يدلك ذلك على شيء حتى تقول : مررت بالذي قام ، فإذا قلت ذلك وضعت اليد عليه ؟ » (2) .
وعبر الرماني (ت 384 هـ) عن اسم الموصول بـ : « الاسم الناقص » (3) .
____________
(1) لسان العرب ، ابن منظور ، مادة « وصل ».
(2) المقتضب ، محمد بن يزيد المبرد ، تحقيق عبد الخالق عضيمة 3 | 191 ، 197.
(3) الحدود في النحو ، الرماني ، ضمن كتاب رسائل في النحو واللغة ، تحقيق مصطفى جواد ويوسف مسكوني : 47 ، 49.

(1/334)


وأسماه ابن الأنباري (ت 577 هـ) بـ : « اسم الصلة » (1) .
والملاحظ : أن سيبويه وإن لم يضع عنوانا خاصا للأسماء الموصولة ، إلا أنه سجل في كتابه : أن هذه الأسماء تتميز بحاجتها إلى الصلة (2) ، التي عبر عنها في موضع آخر بـ : الحشو (3) .
وقال الزبيدي (ت 379 هـ) في التعريف بالاسم الموصول : « اعلم أن من الأسماء ما لا يتم بنفسه حتى يوصل بغيره ، فيكون اسما ، فمنها : الذي والتي ... ولا بد أن يكون في الصلة ذكر من الموصول يرجع إليه ويتعلق به » (4) ، ومراده بالذكر ما اصطلح على تسميته في ما بعد بـ : (الضمير العائد).
وعرفه الرماني في موضع بأنه : « الذي يحتاج إلى صلة » (5) ، وفي موضع آخر بأنه : « الذي لا يقوم بنفسه في البيان ، نحو : الذي ومن وما » (6) ؛ ولأجل ذلك أسماه بـ : « الاسم الناقص » ، في قبال « الاسم التام ، وهو الذي يقوم بنفسه في البيان عن معناه » (7) .
وقال ابن بابشاذ (ت 469 هـ) عن الأسماء الموصولة : هي التي « لاتتم إلا بصلة وعائد » (8) ، أي : التي لا تحصل دلالتها على معناها إلا بهما.
____________
(1) أسرار العربية ، أبو البركات ابن الأنباري ، تحقيق فخر صالح قدارة : 326.
(2) الكتاب ، سيبويه ، تحقيق عبد السلام هارون 2 | 105.
(3) الكتاب 3 | 69.
(4) الواضح في علم العربية ، أبو بكر الزبيدي ، تحقيق أمين علي السيد : 126.
(5) الحدود في النحو : 47.
(6) الحدود في النحو : 49.
(7) الحدود في النحو : 49.
(8) شرح المقدمة المحسبة ، طاهر بن بابشاذ ، تحقيق خالد عبد الكريم 1 | 176.

(1/335)


وعرفه الزمخشري (ت 538 هـ) بأنه : « ما لا بد له في تمامه اسما من جملة تردفه من الجمل التي تقع صفات ، ومن ضمير فيها يرجع إليه ، وتسمى هذه الجملة صلة ، ويسميها سيبويه الحشو ، وذلك قولك : الذي أبوه منطلق » (1) ..
« وقوله : (من الجمل التي تقع صفات) ، يريد : من الجمل التي توضح وتبين ، وهي الجمل المتمكنة في باب الخبر » (2) .
وعرفه ابن الحاجب (ت 646 هـ) بقوله : « الموصول : ما لا يتم جزءا إلا بصلة وعائد » (3) .
قال ابن هشام : « ومعناه : إنك إذا قلت : قام الذي ، فلا تتم فاعلية (الذي) إلا بقولك : قام أبوه ، أو : خرج أخوه ، ونحو ذلك ، وهذا الحد حسن ، وهو أولى من قول الزمخشري : ما لا يتم اسما إلا بصلة وعائد ؛ فقد رد أبو عمرو بأن : (الذي) ثابت الاسمية في نفسه مع قطع النظر عن الصلة » (4) .
وقال الرضي في شرحه : « انتصاب (جزءا) على أنه خبر (يتم) ؛ لتضمنه معنى (يصير) ... فمعنى يتم جزءا : يصير جزءا تاما ... أي : يصير جزء الجملة ، ونعني بجزء الجملة : المبتدأ والخبر والفاعل ، وجميع الموصولات لا يلزم أن تكون أجزاء الجمل ، بل قد تكون فضله ، لكنه أراد أن الموصول هو الذي لو أردت أن تجعله جزء الجملة لم يمكن إلا بصلة
____________
(1) المفصل في علم العربية ، جار الله الزمخشري : 142.
(2) شرح المفصل ، ابن يعيش 3 | 150.
(3) شرح الرضي على الكافية ، تحقيق يوسف حسن عمر 3 | 5.
(4) شرح اللمحة البدرية ، ابن هشام ، تحقيق هادي نهر 1 | 314.

(1/336)


وعائد ... أي : ضمير يعود إليه ؛ قال (1) : هو احتراز عما يجب إضافته إلى الجملة كـ : (حيث وإذ) ؛ فإنه لا يتم إلا بالجملة أيضا ، وليس موصولا في الاصطلاح » (2) .
وقال ابن مالك (ت 672 هـ) في تعريف الاسم الموصول : هو « ماافتقر أبدا إلى عائد أو خلفه وجملة صريحة أو مؤولة غير طلبية ولاإنشائية » (3) ..
وذكر السلسيلي في شرحه : « ما افتقر إلى عائد ، احترز به من : حيث وإذ وإذا ؛ فإنها تحتاج إلى جملة ولم تحتج إلى عائد.
واحترز بقوله : (أبدا) من النكرة الموصوفة بجملة ؛ فإنها حال وصفها بها تحتاج إلى ما ذكر ، لكن الموضع بحق الأصالة لمفرد تؤول الجملة به ؛ فالافتقار إلى المفرد لا إلى الجملة ، وإن صدق في الظاهر أنها تفتقر إلى الجملة ، لم يصدق أنها تفتقر أبدا ، ويغني ذكر المفرد عنها أو خلفه ...
والمراد بـ : (الجملة الصريحة) : كالتي مركبة من فعل وفاعل ، أو من مبتدأ وخبر ، والمراد بـ : الجملة المؤولة : الظرف والجار والمجرور.
وقوله : (غير طلبية) ؛ لأن المقصود بالصلة توضيح الموصول ، والطلبية لم يتحصل معناها بعد ...
و(لا إنشائية) ؛ قال المصنف (4) : لأن معناها مقارن لحصول لفظها ،
____________
(1) أي : ابن الحاجب في شرحه لكافيته.
(2) شرح الرضي على الكافية ، تحقيق يوسف حسن عمر 3 | 5 ـ 6.
(3) تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد ، ابن مالك ، تحقيق محمد كامل بركات : 33.
(4) أي : ابن مالك في شرحه للتسهيل : 209.

(1/337)


فلا يصلح وقوعها صلة » (1) .
وعقب أبو حيان على ما يستفاد من عبارة ابن مالك من تقسيم الجملة إلى خبرية وطلبية وإنشائية بأن : « في ما قاله نظرا ؛ لأن ليس إلاإنشائية وخبرية ، فهذا الذي قسمه إلى ثلاثة غير ما قالوه » (2) .
والجديد في تعريف ابن مالك : ذكره لقيد الدوام والتأبيد في حاجة اسم الوصول للصلة والعائد.
وقوله : (أو خلفه) ، تنبيها إلى أن ربط الموصول بجملة الصلة يحصل أحيانا بالاسم الظاهر لا الضمير ..
قال الأشموني (ت 900 هـ) الذي أخذ بهذا التعريف في شرحه للألفية : « وقوله : (أو خلفه) ، لادخال نحو قوله :
سعاد التي أضناك حب سعاداوإعراضها عنك استمر وزادا
... مما ورد فيه الربط بالظاهر » (3) .
وقال الصبان : « إن العائد هو الضمير ، وخلفه هو الاسم الظاهر ... ومن اقتصر على العائد أراد مطلق الرابط » (4) .
وعرفه ابن الناظم (ت 676 هـ) بأنه : « ما افتقر إلى الوصل بجملة معهودة ، مشتملة على ضمير لائق بالمعنى » (5) ..
فقيد جملة الصلة بكونها : (معهودة) ، للتمييز بين الاسم الموصول
____________
(1) شفاء العليل في شرح التسهيل ، محمد بن عيسى السلسيلي ، تحقيق عبد الله البركاتي 1 | 219 ـ 220.
(2) شرح اللمحة البدرية 1 | 220.
(3) شرح الأشموني على الألفية ، تحقيق حسن محمد 1 | 146.
(4) حاشية الصبان على شرح الأشموني 1 | 146.
(5) شرح ابن الناظم على الألفية : 31.

(1/338)


وبين النكرة الموصوفة بجملة ؛ ذلك أن الاسم الموصول إنما كان من جملة المعارف « لأنه موضوع على أن يستعمله المتكلم به في معلوم عند المخاطب بواسطة جملة الصلة ، ومن أجل هذا تجدهم يشترطون في جملة الصلة أن تكون معهودة للمخاطب ، بخلاف الجملة التي تقع صفة للنكرة ، فإنهم لم يشترطوا فيها ذلك ، فإذا قلت : لقيت من ضربته ، فإذا اعتبرت (من) موصولة ، كان المعنى : لقيت الشخص المعروف عندك بكونك قد ضربته ، وإن اعتبرت (من) موصوفة ، كان المعنى : لقيت شخصا موصوفا بكونه مضروبا لك ، فتخصص الموصول بالوضع ، وتخصص الموصوفة طارى » (1) .
وعرفه ابن هشام (ت 761 هـ) بتعريفين :
* أولهما : « هو الاسم المفتقر إلى صلة وعائد » (2) ، وهو بهذا يقتصر في تعريفه على بيان الركنين الأساسيين له ، ويترك ذكر تفاصيلهما إلى شرح التعريف.
* وثانيهما : « ما افتقر إلى الوصل بجملة خبرية أو ظرف أو مجرور تامين أو وصف صريح ، وإلى عائد أو خلفه » (3) .
وشرحه قائلا : إن الظرف والجار والمجرور الواقعين صلة « شرطهما أن يكونا تامين ، وقد اجتمعا في قوله تعالى : (وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته) (4) ..
____________
(1) شرح قطر الندى ، ابن هشام ، تحقيق محيي الدين عبد الحميد ، حاشية : 124.
(2) شرح قطر الندى : 124.
(3) شرح شذور الذهب ، ابن هشام ، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد : 141.
(4) سورة الأنبياء 21 : 19.

(1/339)


واحترزت بـ : (التامين) من الناقصين ، وهما اللذان لا تتم بهما الفائدة ؛ فلا يقال : جاء الذي اليوم ، ولا : جاء الذي بك » (1) .
وأما تقييده الوصف بكونه صريحا ، فمراده : أن يكون « خالصا من غلبة الاسمية ؛ [فإن] هذا يكون صلة للألف واللام خاصة ، نحو : الضارب والمضروب » (2) .
وقال الأزهري (ت 905 هـ) في تعريف الاسم الموصول : « ما افتقر إلى الوصل بجملة خبرية أو ظرف أو مجرور تامين وإلى عائد » (3) .
* * *
____________
(1) شرح شذور الذهب ، ابن هشام ، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد : 141.
(2) شرح شذور الذهب : 141.
(3) شرح الأزهرية ، الشيخ خالد الأزهري : 93.

(1/340)


أربع وأربعون ـ مصطلح التنازع

* لغة :
للتنازع في اللغة عدة معان (1) ، منها :
1 ـ التخاصم ، وتنازع القوم : تخاصموا.
2 ـ التجاذب ، والمنازعة في الخصومة : مجاذبة الحجج في ما يتنازع فيه الخصمان.
3 ـ التعاطي ، وقوله تعالى : (يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها ولأتأثيم) (2) ، أي : يتعاطون ، والأصل فيها : يتجاذبون.

* اصطلاحا :
التنازع من المباحث النحوية المعقدة ، وإذا تحرينا التوضيح والتبسيط ، قبل الدخول في تفاصيل البحث ، قلنا : إن مرادهم بالتنازع زيادة عدد العوامل في الكلام على عدد المعمولات ..
ففي مثل قولنا : (ضربت وضربني زيد) ، هناك فعلان يتنازعان العمل في (زيد) ، أولهما يقتضي نصبه مفعولا ، والثاني يقتضي رفعه فاعلا ، وقد اتفق النحاة على جواز إعمال أحد الفعلين فقط على نحو التخيير في لفظ (زيد) ، وإعمال الآخر في ضميره.
وقد رجح البصريون إعمال الثاني ؛ لأنه أقرب إلى المعمول كما في
____________
(1) لسان العرب ، ابن منظور ، مادة « نزع ».
(2) سورة الطور 52 : 23.

(1/341)


المثال ، ورجح الكوفيون إعمال الأول ؛ لأنه أسبق ذكرا ، فيقال على رأيهم : (ضربت وضربني زيدا).
والملاحظ : أن النحاة طرحوا هذا البحث أول الأمر ، دون أن يجعلوا له عنوانا اصطلاحيا معينا ، ثم استعملوا كلمة « الاعمال » عنوانا له ، قبل أن يستقر بناؤهم على استعمال مصطلح « التنازع » ..
قال سيبويه (ت 180 هـ) : « هذا باب الفاعلين والمفعولين اللذين كل واحد منهما يفعل بفاعله مثل الذي يفعل به ، وما كان نحو ذلك ، وهو قولك : ضربت وضربني زيد ، وضربني وضربت زيدا ، تحمل الاسم على الفعل الذي يليه ، فالعامل في اللفظ أحد الفعلين ، وأما في المعنى فقد يعلم أن الأول قد وقع ، إلا أنه لا يعمل في اسم واحد نصب ورفع » (1) .
وقوله : « وما كان نحو ذلك » إشارة إلى أن بحث التنازع لا يختص بما إذا كان العامل فعلا ، بل يشمل ما يعمل عمل الفعل من الأسماء ، كما سيتضح من خلال البحث.
وقوله : « أن الفعل الأول قد وقع » يعني وقوعه على المعمول من جهة المعنى.
وقال المبرد (ت 285 هـ) : « باب من إعمال الأول والثاني ، وهما الفعلان اللذان يعطف أحدهما على الآخر ، وذلك قولك : ضربت وضربني زيد ، ومررت ومر بي عبدالله ...
فهذا اللفظ هو الذي يختاره البصريون ، وهو إعمال الفعل الآخر في اللفظ ، وأما في المعنى ، فقد يعلم السامع أن الأول قد عمل كما عمل الثاني فحذف لعلم المخاطب ...
____________
(1) الكتاب ، سيبويه ، تحقيق عبد السلام هارون 1 | 73 ـ 74.

(1/342)


ومن أعمل الأول قال : ضربت وضربني زيدا ، وضربت وضرباني أخويك ؛ لأنه أراد : ضربت زيدا وضربني ، وضربت أخويك وضرباني » (1) .
ويلاحظ : أنه استعمل كلمة « الاعمال » أول مرة ، ولكنه لم يطرحها عنوانا لبحث كلي ومفهوم عام ، يقوم بتوضيح حده وبيان تفاصيله ، وإنما قصر الكلام على بعض مصاديقه.
واستعمل مصطلح « الاعمال » ابن أبي الربيع الاشبيلي (ت 688 هـ) في شرحه على جمل الزجاجي (2) .
وتعرض ابن معطي (ت 628 هـ) للتنازع في البحث الذي عقده لبيان أقسام تفسير الضمير ، ومنها تفسيره بـ : « مفرد ، يجري بوجوه الاعراب ، ويقع في عطف الفعل على الفعل ، [ قائلا ] : وحقيقة هذا الباب : أن يتنازع فعلان كلاهما اسما واحدا .. فمذهب البصريين في هذا الباب أن يعطوا الظاهر للثاني ، والضمير للأول ، ولا يحذف إن كان مرفوعا ، ويحذف إن كان منصوبا أو مجرورا ... والكوفيون بعكسهم » (3) .
ونلاحظ هنا : أن ابن معطي يستعمل كلمة « يتنازع » التي ستمهد لاشتقاق كلمة « التنازع » وجعلها عنوانا للباب.
وقد عقب ابن أياز على قول ابن معطي : « أن يتناع فعلان » بأنه : « لوقال عوض (فعلان) عاملان ، لكان أجود ؛ لأن العامل قد يكون فعلا وغير فعل ، وهذا الباب غير مختص بالفعل ، بل قد يكون في الاسمين ،
____________
(1) المقتضب ، محمد بن يزيد المبرد ، تحقيق محمد عبد الخالق عضيمة 4 | 72 ، 75.
(2) البسيط في شرح جمل الزجاجي ، ابن أبي الربيع الاشبيلي ، تحقيق عياد الثبيتي 1 | 303.
(3) الفصول الخمسون ، ابن معطي ، تحقيق محمود الطناحي : 227 ـ 229.

(1/343)


كقول كثير : وعزة ممطول معنى غريمها ، وفي اسم وفعل ، كقوله سبحانه : (هاؤم اقرؤوا كتابيه) (1) » (2) .
وأول من استعمل كلمة « التنازع » عنوانا اصطلاحيا ، هو الشلوبين (ت 645 هـ) ؛ إذ قال تحت عنوان « باب التنازع » : « إذا تنازع فعلان معمولا واحدا ، فالمختار إعمال الثاني ، وإذا أعمل فيه الثاني حذف مع الأول نحو : ضربت وضربني الزيدون ، ما لم يكن مرفوعا ، نحو : ضرباني وضربت الزيدين » (3) .
ومثله عبارة ابن الحاجب (ت 646 هـ) في كافيته : « وإذا تنازع الفعلان ظاهرا بعدهما ... ».
ويرد عليهما نفس ما أورده ابن أياز على عبارة ابن معطي ، إلا أن يعتذر عنهما بما ذكره كل من الرضي (ت 686 هـ) ، والجامي (ت 898 هـ) في شرحهما على كافية ابن الحاجب ..
قال الرضي : « واعلم أنه لو قال : الفعلان فصاعدا أو شبههما ليشمل اسم الفاعل والمفعول والصفة المشبهة ، نحو : أنا قاتل وضارب زيدا ، وليشمل أيضا أكثر من عاملين ، نحو : ضربت وأهنت وأكرمت زيدا ، لكان أعم ، لكنه اقتصر على الأصل وهو الفعل ، وعلى أول المتعددات وهو الاثنان » (4) .
وقال الجامي : « واقتصر على الفعل ؛ لأصالته في العمل ، وإنما قال
____________
(1) سورة الحاقة 69 : 19.
(2) المحصول ، ابن أياز : 74 | ب ؛ نقلا عن حاشية الفصول الخمسون : 228.
(3) التوطئة ، أبو علي الشلوبيني ، تحقيق يوسف المطوع : 252.
(4) شرح الرضي على الكافية ، تحقيق يوسف حسن عمر 1 | 201.

(1/344)


(الفعلان) مع أن التنازع قد يقع في أكثر من فعلين ؛ اقتصارا على أقل مراتب التنازع ، وهو الاثنان » (1) .
وعرفه ابن مالك (ت 672 هـ) في التسهيل بأنه : « تنازع عاملين فصاعدا معمولا واحدا » (2) .
ولا يرد عليه ما تقدم ، وإنما يرد عليه أنه قيد المعمول بكونه واحدا ، مع أنه قد يكون أكثر من واحد.
وعرفه ابن عصفور (ت 669 هـ) بأن : « يجتمع عاملان فصاعدا ، ويتأخر عنهما معمول فصاعدا ، وكل منهما يطلبه من جهة المعنى » (3) .
وعرفه أبو حيان (ت 745 هـ) بأنه : « اقتضاء عاملين فأكثر معمولا فأكثر » (4) .
والمراد بالاقتضاء : طلب العمل.
ولو أنه قيد العامل فأكثر بالتقدم ، وقيد المعمول فأكثر بالتأخر ، لكان تعريفه أكمل.
وطرح ابن هشام (ت 761 هـ) ثلاثة تعاريف للتنازع :
* أولها : « أن يتقدم فعلان متصرفان ، أو اسمان يشبهانهما ، أو فعل متصرف واسم يشبهه ، ويتأخر عنهما معمول غير سببي مرفوع ، وهو
____________
(1) الفوائد الضيائية ، عبد الرحمن الجامي ، تحقيق أسامة طه الرفاعي 1 | 262.
(2) تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد ، ابن مالك ، تحقيق محمد كامل بركات : 86.
(3) المقرب ومعه مثل المقرب ، ابن عصفور ، تحقيق عادل عبد الموجود وعلي معوض : 329.
(4) غاية الاحسان في علم اللسان ، أبو حيان النحوي ، مخطوط ، الورقة 5 | ب.

(1/345)


مطلوب لكل منهما من حيث المعنى » (1) .
* والثاني : « أن يتقدم من جنس الفعل أو شبهه عاملان فصاعدا ، ويتأخر معمول فصاعدا » (2) ..
وهذا أخصر من الأول ، وكان بإمكانه أن يستغني عن عبارة « من جنس الفعل أو شبهه » اكتفاء بقوله : « عاملان » ، ويؤخذ عليه أنه لم يذكر اقتضاء العوامل المتقدمة العمل في المعمولات المتأخرة ، أو كون المتأخر مطلوبا لذلك المتقدم.
* والثالث : « أن يتقدم عاملان أو أكثر ، ويتأخر معمول أو أكثر ، ويكون كل من المتقدم طالبا لذلك المتأخر » (3) .
وقال في شرحه : « مثال تنازع العاملين معمولا واحدا : قوله تعالى : (آتوني أفرغ عليه قطرا) (4) ؛ وذلك لأن (آتوني) فعل وفاعل ومفعول ، يحتاج إلى مفعول ثان ، و(أفرغ) فعل وفاعل يحتاج إلى مفعول ، ويتأخر عنهما (قطرا) ، وكل منهما طالب له.
ومثال تنازع أكثر من عاملين معمولا واحدا : (كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم) ، فـ(على إبراهيم) مطلوب لكل واحد من هذه العوامل الثلاثة.
____________
(1) أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك ، ابن هشام ، تحقيق محمد محيي الدين عبدالحميد 2 | 21.
(2) شرح اللمحة البدرية ، ابن هشام ، تحقيق هادي نهر 2 | 87.
(3) شرح قطر الندى وبل الصدى ، ابن هشام ، تحقيق محمد محيي الدين عبدالحميد : 222.
(4) سورة الكهف 18 : 96.

(1/346)


ومثال تنازع أكثر من عاملين أكثر من معمول : قوله عليه الصلاة والسلام : (تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين) ، فـ(دبر) منصوب على الظرفية ، و(ثلاثا وثلاثين) منصوب على أنه مفعول مطلق ، وقد تنازعهما كل من العوامل الثلاثة السابقة عليهما » (1) .
وعرفه ابن عقيل (ت 769 هـ) بقوله : « التنازع عبارة عن توجه عاملين إلى معمول واحد » (2) .
وقال المكودي (ت 807 هـ) في تعريفه : « أن يتقدم عاملان ويتأخر عنهما معمول واحد ، وكل واحد من العاملين يطلبه من جهة المعنى » (3) .
ويشكل على هذين التعريفين : تقييدهما العامل باثنين والمعمول بواحد ، مع أن كلا منهما قد يزيد على ذلك ، ويمكن دفع الاشكال بأنهما قد اقتصرا على أقل ما يتحقق به التنازع ، ولكن الأكمل في التعريف ما ذكره بعض النحاة من أن التنازع : أن يتقدم عاملان فأكثر ، ويتأخر معمول فأكثر ، ويكون كل المتقدم طالبا للعمل في ذلك المتأخر.
* * *
____________
(1) شرح قطر الندى وبل الصدى : 222 ـ 223.
(2) شرح ابن عقيل على الألفية ، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد 1 | 545.
(3) شرح المكودي على الألفية ، ضبط وتخريج إبراهيم شمس الدين : 101.

(1/347)


خمس وأربعون ـ مصطلح الاشتغال

* لغة :
الاشتغال : مصدر الفعل « اشتغل » ، الذي هو صيغة « افتعل » من الفعل « شغل ».
قال ابن فارس : « الشين والغين واللام أصل واحد يدل على خلاف الفراغ ، تقول : شغلت فلانا ، فأنا شاغله ، وهو مشغول » (1) .
والفارق بين الفعلين « شغل » و« اشتغل » : أن أولهما متعد بنفسه ، والثاني متعد بالحرف ، وهو تارة يتعدى بـ(الباء) وأخرى بـ(عن) ، تقول : اشتغلت بالشيء ، أي : تلهيت به ، وتقول : اشتغلت عن الشيء ، أي : تلهيت بغيره عنه.
* اصطلاحا :
وأما في اصطلاح النحاة فالمراد به اشتغال خاص ، هو : تلهي العامل النحوي عن المعمول بضميره أو ما يلابس ضميره.
ولم يطرح النحاة الأوائل كلمة « الاشتغال » بوصفها عنوانا اصطلاحيا للمعنى النحوي ، وإن كانت مشتقات هذه الكلمة تتردد في أثناء كلامهم على معناها ..
____________
(1) معجم مقاييس اللغة ، أحمد بن فارس ، تحقيق عبدالسلام هارون ، مادة « شغل ».

(1/348)


فقد تعرض سيبويه (ت 180 هـ) لمبحث الاشتغال تحت عنوان : « ما يكون فيه الفعل مبنيا على الاسم » ؛ قال : « فإذا بنيت الفعل على الاسم ، قلت : زيد ضربته ، فلزمته الهاء ، وإنما تريد بقولك : (مبني عليه الفعل) أنه في موضع منطلق ، إذا قلت : عبد الله منطلق ...
وإنما حسن أن يبنى الفعل على الاسم حيث كان معملا في المضمر وشغلته به ، ولولا ذلك لم يحسن ؛ لأنك لم تشغله بشيء.
وإن شئت قلت : زيدا ضربته ، وإنما نصبه على إضمار فعل هذا يفسره ، كأنك قلت : ضربت زيدا ضربته ، إلا أنهم لا يظهرون هذا الفعل هنا ؛ للاستغناء بتفسيره » (1) .
وتعرض المبرد (ت 285 هـ) لمسألة الاشتغال في مواضع متفرقة من كتابه المقتضب ، دون أن يعقد لها عنوانا خاصا (2) .
وأما أبو علي الفارسي (ت 377 هـ) فقد تطرق للمسألة في باب الابتداء بقوله : « ومما يرتفع بالابتداء (عبدالله) في نحو : عبدالله ضربته ... فالاختيار الجيد في (عبدالله) الرفع ، و(ضربته) في موضع خبره ...
ويجوز أن ينصب (عبدالله) بفعل مضمر يكون الذي ظهر تفسيره ، كأنك قلت : ضربت عبدالله ضربته .. فاستغني عن إظهار هذا الفعل لدليل الثاني عليه » (3) .
____________
(1) الكتاب ، سيبويه ، تحقيق عبد السلام هارون 1 | 80 ـ 81.
(2) المقتضب ، محمد بن يزيد المبرد ، تحقيق محمد عبد الخالق عضيمة 2 | 76 ، 299.
(3) المقتصد في شرح الايضاح ، عبد القاهر الجرجاني ، تحقيق كاظم بحر المرجان 1 | 229 ـ 230.

(1/349)


ووضع الحريري (ت 516 هـ) للمسألة عنوان : « ما شغل عنه الفعل » ؛ قال : « اعلم أن قولهم : زيدا ضربته ، وما جرى مجراه ، يسمى : ما شغل عنه الفعل ، يعني به : اشتغال الفعل بالهاء التي في آخره عن العمل في زيد » (1) .
وعنونه الزمخشري (ت 538 هـ) بـ : « ما أضمر عامله على شريطة التفسير » ؛ قال : « ومن المنصوب باللازم إضماره : ما أضمر عامله على شريطة التفسير في قولك : (زيدا ضربته) ، كأنك قلت : (ضربت زيدا ضربته) ، إلا أنك لا تبرزه ؛ استغناء عنه بتفسيره » (2) .
وتابعه ابن الحاجب (ت 646 هـ) على استعمال هذا العنوان (3) .
واستعمل الشلوبين (ت 645 هـ) عنوان : « اشتغال الفعل عن المفعول به » (4) .
وعنونه ابن مالك (ت 672 هـ) بـ : « اشتغال العامل عن الاسم السابق بضميره أو ملابسه » (5) .
ولعل أول من اقتصر على استعمال كلمة « الاشتغال » عنوانا اصطلاحيا هو ابن عصفور الاشبيلي (ت 669 هـ) (6) .
____________
(1) شرح ملحة الاعراب ، القاسم بن علي الحريري ، تحقيق بركات يوسف هبود : 149.
(2) المفصل في علم العربية ، جار الله الزمخشري : 48 ـ 49.
(3) أ ـ الأمالي النحوية ، ابن الحاجب ، تحقيق هادي حسن حمودي 1 | 39.
ب ـ شرح الرضي على الكافية ، تحقيق يوسف حسن عمر 1 | 437.
(4) شرح المقدمة الجزولية ، أبو علي الشلوبين ، تحقيق تركي العتيبي 2 | 759.
(5) تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد ، ابن مالك ، تحقيق كامل بركات : 80.
(6) أ ـ المقرب ومعه مثل المقرب ، ابن عصفور ، تحقيق عادل عبد الموجود وعلي معوض : 130.
ب ـ شرح جمل الزجاجي ، ابن عصفور ، تحقيق صاحب أبو جناح 1 | 361.

(1/350)


وأما التعريف الاصطلاحي للاشتغال ، فأول من وجدته يطرحه ـ في حدود ما توفر لي من المصادر ـ هو ابن الحاجب النحوي (ت 646 هـ) ؛ فقد قال في شرح الوافية : « وضابطه : أن يتقدم اسم وبعده فعل أو ما يقوم مقام الفعل ، مسلطا على ضميره أو متعلقه تسلط المفعولية على وجه لوقدم على الأول لنصبه » (1) .
وذكر ما يقاربه في الايضاح (2) .
وقال في الكافية : « هو كل اسم بعده فعل أو شبهه مشتغل عنه بضميره أو متعلقه ، لو سلط عليه هو أو مناسبه لنصبه » (3) .
وفرق هذا التعريف عن سابقه : تصريحه بأن ما يفترض تسلطه على الاسم ناصبا له ، ليس هو الفعل دائما ، إذ قد يكون « ما يناسب الفعل » في بعض الحالات ، كما سنوضحه.
ومراده بـ(ما يقوم مقام الفعل) و(شبه الفعل) في التعريفين : ما يعمل عمل الفعل كاسم الفاعل والمفعول.
« قوله : (كل اسم بعده فعل) احتراز عن نحو : زيد أبوك ...
قوله : (أو شبهه) ؛ ليشمل نحو : زيدا أنا ضاربه ، أو : أنا محبوس عليه ...
قوله : (مشتغل عنه بضميره) ، أي : عن العمل في ذلك الاسم المتقدم بالعمل في الضمير الراجع إليه ... ولولا ذلك لعمل فيه ، وهو احتراز عن نحو : زيدا ضربت ، فإنه ليس من هذا الباب ؛ لأن عامله ظاهر وهو الفعل
____________
(1) شرح الوافية نظم الكافية ، ابن الحاجب ، تحقيق موسى العليلي : 205 ـ 206.
(2) الايضاح في شرح المفصل ، ابن الحاجب ، تحقيق موسى العليلي 1 | 310.
(3) شرح الرضي على الكافية ، تحقيق يوسف حسن عمر 1 | 437.

(1/351)


المؤخر ، وعن نحو : زيد قام وزيد قائم أيضا ، لأن هذا الفعل وشبهه لا يعمل الرفع في ما قبله حتى يقال : إنه اشتغل عنه بضميره ...
وقوله : (أو متعلقه) أي : مشتغل بضميره أو بما يتعلق به ذلك الضمير ، والتعلق يكون من وجوه كثيرة ، نحو كونه مضافا إلى ذلك الضمير ، نحو : زيدا ضربت غلامه » (1) .
وقوله : (أو مناسبه) يريد به إدخال نحو : زيد مررت به ، وزيد ضربت أخاه ، إذ لا يمكن أن ينصب زيد بالفعل نفسه مع الاحتفاظ بصحة المعنى ، وإنما ينصب بما يناسب الفعل ، بأن يقال : جاوزت زيدا مررت به ، وأهنت زيدا ضربت أخاه.
وقد عقب الرضي على هذه العبارة قائلا : « قوله : (أو مناسبه لنصبه ...) الظاهر أنها ملحقة ولم تكن في الأصل ؛ إذ المصنف لم يتعرض لها في الشرح (2) ، والحق أنه لا بد منها ، وإلا خرج نحو : زيدا مررت به ، وأيضا نحو : زيدا ضربت غلامه ؛ لأنه لا بد هنا من مناسب حتى ينصب زيدا ؛ لأن التسليط يعتبر فيه صحة المعنى ، ولو سلطت (ضربت) على (زيدا) في هذا الموضع لنصبه ، لكن لا يصح المعنى ؛ لأنك لم تقصد أنك ضربت زيدا نفسه ، بل قصدت إلى أنك أهنته بضرب غلامه ، فالمناسب إذن يطلب في موضعين :
أحدهما : أن يكون الفعل أو شبهه واقعا على ذلك الاسم ، معنى ، لكن لا يمكنه أن يتعدى إليه إلا بحرف جر ، نحو : زيدا مررت به ...
والثاني : أن لا يكون الفعل الظاهر أو شبهه واقعا عليه ، بل على
____________
(1) شرح الرضي على الكافية ، تحقيق يوسف حسن عمر 1 | 439 ـ 440.
(2) أي : في شرحه على رسالته الكافية.

(1/352)


متعلقه ... نحو : زيدا ضربت غلامه ، أو مررت بغلامه » (1) .
وعرفه ابن عصفور (ت 669 هـ) بقوله : « الاشتغال هو : أن يتقدم اسم ويتأخر عنه فعل ، متصرف أو ما جرى مجراه ، قد عمل في ضمير ذلك الاسم أو في سببيه ، ولو لم يعمل فيه ، لعمل في الاسم المشتغل عنه أو في موضعه » (2) .
وفرقه عن تعريف ابن الحاجب في نقطتين :
الأولى : أنه قيد الفعل بكونه متصرفا ، متحرزا بذلك « من غير المتصرف ، نحو : نعم وبئس وأفعال التعجب ، وما جرى مجراها في عدم التصرف » (3) .
الثانية : بيانه أن العامل إذا لم ينشغل بالضمير أو سببيه ، فإنه يكون عاملا إما في الاسم المتقدم أو في موضعه ؛ قال : « ومثال عمله في موضعه قولك : (أزيد قام أبوه ؟) ، ألا ترى أن (قام) لو لم يعمل في الأب ، لم يعمل في زيد ؛ لأن الفاعل لا يتقدم على الفعل ، لكن يعمل في ظرف أو مجرور إن وقع موقعه » (4) .
ولكن يلاحظ على ابن عصفور أنه لم يضمن التعريف أن الناصب للاسم المتقدم قد يكون ما يناسب العامل المذكور.
وعرفه ابن هشام (ت 761 هـ) بتعريفين :
____________
(1) شرح الرضي على الكافية ، تحقيق يوسف حسن عمر 1 | 448 ـ 449.
(2) أ ـ المقرب ، ومعه مثل المقرب ، ابن عصفور ، تحقيق عادل عبد الموجود وعلي معوض : 130.
ب ـ شرح جمل الزجاجي ، ابن عصفور ، تحقيق صاحب أبو جناح 1 | 361.
(3) شرح جمل الزجاجي ، ابن عصفور ، تحقيق صاحب أبو جناح 1 | 361.
(4) المقرب ومعه مثل المقرب ، ابن عصفور : 130.

(1/353)


* أولهما : « أن يتقدم اسم ويتأخر عنه فعل عامل في ضميره ، ويكون ذلك الفعل بحيث لو فرغ من ذلك المعمول وسلط على الاسم الأول لنصبه » (1) .
وعلق عليه السجاعي (ت 1195 هـ). بأنه : « لم يقل (عامل) ليشمل الاسم ؛ لأن فيه تفصيلا ، وهو : أنه إن كان وصفا بأن كان اسم فاعل أو اسم مفعول أو من أمثلة المبالغة عمل ، وإلا فلا ، ويشترط أن يكون صالحا للعمل في ما قبله باعتبار ذاته » (2) .

أقول :
إن إبدال كلمة « فعل » بـ« عامل » يفيد كمال التعريف ، ولا ضير في وجود التفصيل ؛ إذ يمكن إرجاء ذكره إلى شرح التعريف.
ويلاحظ عليه أيضا : أنه حصر عمل الفعل في ضمير الاسم المتقدم ، دون أن يضيف إليه سببي الضمير.
* وثانيهما : « أن يتقدم اسم ويتأخر عنه فعل أو وصف صالح للعمل في ما قبله ، منشغل عن العمل فيه بالعمل في ضميره أو ملابسه » (3) .
وبقوله : « أو وصف » و : « أو ملابسه » تدارك للنقص الموجود في تعريفه الأول.
وأما ابن عقيل (ت 769 هـ) فقد قال في تعريفه : « الاشتغال : أن يتقدم اسم ويتأخر عنه فعل قد عمل في ضمير ذلك الاسم أو في
____________
(1) شرح قطر الندى ، ابن هشام ، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد : 216.
(2) حاشية أحمد السجاعي على شرح قطر الندى : 77.
(3) شرح شذور الذهب ، ابن هشام ، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد : 214.

(1/354)


سببيه » (1) .
ويؤخذ عليه : تعبيره بكلمة « فعل » ، وكان عليه أن يبدلها بكلمة « عامل » أو يعطف عليها « أو شبهه » ونحوها.
وعرفه الأشموني (ت 900 هـ) بقوله : « حقيقة باب الاشتغال : أن يسبق اسم عاملا منشغلا عنه بضميره أو ملابسه ، لو تفرغ له هو أو مناسبه لنصبه لفظا أو محلا » (2) .
وإنما ينصب الاسم السابق لفظا أو محلا تبعا لكونه معربا أو مبنيا ، ومثالهما على التوالي : زيدا ضربته ، وهذا ضربته.
ولا ضرورة لتنويع نصب الاسم السابق في متن التعريف.
وعرفه الأزهري (ت 905 هـ) قائلا : « وحده : أن يتقدم اسم ويتأخر عنه فعل متصرف أو اسم يشبهه ناصب لضميره أو لملابس ضميره بواسطة أو غيرها ، ويكون ذلك العامل بحيث لو فرغ من ذلك المعمول وسلط على الاسم المتقدم لنصبه » (3) .
ويلاحظ عليه : أنه لم يذكر أن العامل قد يكون مناسب الفعل ، وأن العمل قد يكون في موضع الاسم المتقدم.
وعرفه السيوطي (ت 911 هـ) بقوله : « أن يتقدم اسم ويتأخر فعل أو شبهه قد عمل في ضميره أو سببيه ، لولا ذلك لعمل فيه أو في موضعه » (4) .
ويلاحظ عليه : أنه لم يشر إلى أن العامل في الاسم المتقدم قد يكون
____________
(1) شرح ابن عقيل على الفية ابن مالك ، تحقيق محمد محيي الدين عبدالحميد 1 | 517.
(2) شرح الأشموني على الألفية ، تحقيق حسن حمد 1 | 427.
(3) شرح التصريح على التوضيح ، الشيخ خالد الأزهري 1 | 296.
(4) البهجة المرضية ، جلال الدين السيوطي ، تحقيق مصطفى الدشتي 1 | 171.

(1/355)


مناسب ما هو مذكور من الفعل أو شبهه.
وعرفه الفاكهي (ت 972 هـ) بقوله : « حد الاشتغال : أن يتقدم اسم ويتأخر عنه فعل متصرف أو وصف صالح للعمل مشغول عن نصبه لفظا أو محلا بالنصب لمحل ضميره أو لملابسه بواسطة أو غيرها » (1) .
ومراده بنصب ملابس الضمير بغير واسطة نحو : زيدا ضربت أخاه ، وبنصبه بواسطة نحو : زيدا مررت بغلامه.
ولا بد من الاشارة في خاتمة البحث إلى أن بعض الملاحظات المتقدمة على التعاريف المذكورة ناشئة من إرادة تضمين التعريف جميع المعلومات التفصيلية الخاصة بالمعرف ، وهو لزوم لما لا يلزم ، إذ يكفي أن يتضمن التعريف بيان العناصر الأساسية للمعرف ، ويترك بيان تفاصيله لشرح التعريف.
والذي أرجحه أن يقال في تعريفه : الاشتغال : أن يتقدم اسم على عامل في ضميره أو سببيه.
ثم يقال في شرحه : أن العامل قد يكون فعلا متصرفا ، أو اسما عاملا عمل الفعل ، وأن عدم اشتغال العامل بالضمير أو سببيه يؤدي إلى انتصاب الاسم المتقدم بعامل مضمر ، مفسر إما بالعامل المذكور ، وإما بما يناسبه.
* * *
____________
(1) شرح الحدود النحوية ، جمال الدين الفاكهي ، تحقيق محمد الطيب الابراهيم : 151.

(1/356)


ست وأربعون ـ مصطلح المصدر

* لغة :
المصدر في اللغة : موضع الصدور ..
قال ابن فارس : « الصاد والدال والراء أصلان صحيحان ، أحدهما يدل على خلاف الورد ، والآخر صدر الانسان وغيره.
فالأول قولهم : صدر عن الماء ، وصدر عن البلاد ، إذا كان وردها ثم شخص عنها (1) .
وقال ابن منظور : « أصدرته فصدر ، أي : رجعته فرجع ، والموضع مصدر » (2) .
وإنما جعل المصدر بهذا المعنى عنوانا للمعنى الاصطلاحي النحوي ؛ نظرا لرجوع المشتقات إليه وصدورها عنه.
* اصطلاحا :
استعمل سيبويه (ت 180 هـ) كلمة « المصدر » عنوانا للمعنى الاصطلاحي إلى جانب كلمات أخرى هي : الحدث والحدثان والفعل ..
ومن شواهد ذلك قوله : « واعلم أن الفعل الذي لا يتعدى الفاعل يتعدى إلى اسم الحدثان الذي أخذ منه ... ألا ترى أن قولك : (قد ذهب) بمنزلة قولك : قد كان منه ذهاب ...
____________
(1) معجم مقاييس اللغة ، ابن فارس ، تحقيق عبد السلام هارون ، مادة « صدر ».
(2) لسان العرب ، ابن منظور ، مادة « صدر ».

(1/357)


قولك : ذهب عبد الله الذهاب الشديد ، وقعد قعدة سوء ، وقعد قعدتين ، لما عمل في الحدث ، عمل في المرة منه والمرتين » (1) .
وقال الزمخشري : « المصدر سمي بذلك لأن الفعل يصدر عنه ، ويسميه سيبويه : الحدث والحدثان ، وربما سماه الفعل » (2) .
وأقدم تعريف اصطلاحي وجدته للمصدر قول المبرد (ت 285 هـ) : « المصدر اسم الفعل » (3) .
وقال محقق كتاب المقتضب في حاشية الصفحة نفسها : يريد من الفعل : الحدث ، وقد وقع مثل ذلك في كتاب سيبويه ».
وقد أخذ بهذا التعريف الزجاجي (ت 337 هـ) ، فقال : « والمصدر ... يعمل عمل اسم الفاعل ؛ لأنه اسم الفعل » (4) ، وقال أيضا : « والحدث : المصدر ، وهو اسم الفعل ، والفعل مشتق منه » (5) .
وقال ابن الحاجب في شرحه : « قوله : (اسم الفعل) أي : المصدر دال على الفعل الحقيقي ، وهو المعاني وما أجري مجراها من النسب ، وقوله : (والفعل مشتق منه) يعني [ أن ] الفعل الصناعي اللفظي قسيم الاسم والحرف الدال على حدث وزمان مشتق منه ، أي : من المصدر على ما هو مذهب البصريين ..
____________
(1) الكتاب ، سيبويه ، تحقيق عبد السلام هارون 1 | 34 ـ 35.
(2) المفصل في علم العربية ، جار الله الزمخشري : 31.
(3) المقتضب ، محمد بن يزيد المبرد ، تحقيق عبد الخالق عضيمة 3 | 68.
(4) الايضاح في علل النحو ، أبو القاسم الزجاجي ، تحقيق مازن المبارك : 135.
(5) الجمل ، الزجاجي ، تحقيق ابن أبي شنب : 17.

(1/358)


فالمصدر : الألفاظ التي هي أسماء الأحداث ، كالقيام والقعود والأكل والخروج » (1) .
وشرحه ابن أبي الربيع الاشبيلي قائلا : « قوله : (والحدث : المصدر) يريد أن الحدث هو الذي صدر منه الفعل ، أي : خرج ، فالأصل القيام ، فلما أرادوا الاخبار بإيقاعه في زمن ماض ، قالوا : قام ، فقام ماض ، والقيام المصدر ..
وقوله : (وهو اسم الفعل) أي : الاسم المأخوذ منه الفعل ، كما تقول : تراب الآنية ، أي : التراب المعمول منه الآنية ، وذهب السوار ، أي : الذهب الذي عمل منه السوار ، فكما أن السوار إنما يدل على الذهب بذاته لابشكله ... كذلك الفعل يدل على ما أخذ منه ـ وهو الحدث ـ بحروفه ، ويدل على المعنى الزائد الذي به استحق أن يقال له فعل ، بالشكل والبنية ...
وقوله : (والفعل مشتق منه) ، هذا اللفظ أجلى في ما أراد من القولين المتقدمين ، فهذه ثلاث جمل معناها واحد ، ويسمى هذا : التتبيع » (2) .
وعرفه الرماني (ت384 هـ) بأنه : « اسم لحادث يوجد فيه الفعل » (3) .
والظاهر من كلامه : أن الفعل الاصطلاحي من الماضي والمضارع والأمر إنما يتحقق بالمصدر الذي هو الحدث ، نحو : ضرب يضرب اضرب ، فهذه الأفعال إنما توجد بالضرب.
____________
(1) الأمالي النحوية ، ابن الحاجب ، تحقيق هادي حسن حمودي 4 | 48.
(2) البسيط في شرح جمل الزجاجي ، ابن أبي الربيع الاشبيلي ، تحقيق عياد الثبيتي 1 | 168 ـ 169.
(3) الحدود في النحو ، علي بن عيسى الرماني ، ضمن كتاب رسائل في النحو واللغة ، تحقيق مصطفى جواد ، ويوسف مسكوني : 39.

(1/359)


وعرفه ابن جني (ت 392 هـ) بأنه : « اسم دل على حدث وزمان مجهول » (1) .
ويلاحظ : أن المصدر ليست فيه دلالة وضعية على الزمان ، وإن كان يدل عليه التزاما ؛ إذ لا بد للحدث أن يقع في زمان ما ، هذا مع أن الدلالة على الزمان ليست من ذاتيات المعرف (المصدر) لتذكر في تعريفه.
وعرفه الزمخشري (ت 538 هـ) بقوله : « المصدر : هو الاسم الذي يشتق منه الفعل » (2) ..
وقال الأردبيلي في شرحه : « فقوله : (الاسم) شامل لجميع الأسماء ، وقوله : (يشتق منه الفعل) يخرج غيره » (3) .
ويؤخذ على هذا التعريف أنه : لم يبين ماهية المصدر الذي يشتق منه الفعل.
وعرفه ابن الحاجب (ت 646 هـ) بقوله : « المصدر : اسم الحدث الجاري على الفعل » (4) .
ولا ترد على هذا التعريف المؤاخذة التي سجلناها على تعريف الزمخشري ، وقد تابعه عليه ابن هشام الأنصاري (ت 761 هـ) (5) ، وقال
____________
(1) اللمع في العربية ، ابن جني ، تحقيق فائز فارس : 48.
(2) شرح الانموذج في النحو ، جمال الدين الأردبيلي ، تحقيق حسني عبد الجليل يوسف : 124.
(3) شرح الانموذج في النحو : 124.
(4) أ ـ شرح الكافية ، الرضي ، تحقيق يوسف حسن عمر 3 | 399.
ب ـ الأمالي النحوية ، ابن الحاجب ، تحقيق هادي حسن حمودي 3 | 51.
(5) أ ـ شرح شذور الذهب ، ابن هشام ، تحقيق محيي الدين عبد الحميد : 381.
ب ـ شرح قطر الندى وبل الصدى ، ابن هشام ، تحقيق محمد محيي الدين عبدالحميد : 291.

(1/360)


في شرحه : « واحترزت بقولي : (الجاري على الفعل) من اسم المصدر ؛ فإنه وإن كان اسما دالا على الحدث ، لكنه لا يجري على الفعل ، وذلك نحو قولك : (أعطيت عطاء) ، فإن الذي يجري على أعطيت إنما هو (إعطاء) ؛ لأنه مستوف لحروفه ، وكذا (اغتلست غسلا) ، بخلاف اغتسل اغتسالا » (1) .
ومما ذكره الرضي في شرح هذا التعريف : « يعني بـ(الحدث) معنى قائما بغيره ، سواء صدر عنه كالضرب والمشي ، أو لم يصدر كالطول والقصر.
و(الجري) في كلامهم يستعمل في أشياء ..
يقال : (هذا المصدر جار على هذا الفعل) أي : أصل له ومأخذ اشتق [الفعل] منه ...
ويقال : (اسم الفاعل جار على المضارع) أي : يوازنه في الحركات والسكنات.
ويقال : (الصفة جارية على شيء) أي : ذلك الشيء صاحبها ...
والأولى : صيانة الحد عن الألفاظ المبهمة ...
وقوله : (الجاري على الفعل) احتراز من [نحو] العالمية والقادرية » (2) خط ، أي من المصادر الصناعية ؛ لأنها ليست مصدرا لاشتقاق الفعل.
ومما تقدم يتضح وجود فرق بين تفسير الرضي لقيد (الجري) في التعريف ، وبين تفسير ابن هشام له ، فالرضي فسره بكون المصدر مأخذا
____________
(1) شرح شذور الذهب ، ابن هشام ، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد : 382.
(2) شرح الكافية ، الرضي 3 | 399 ـ 400.

(1/361)


لاشتقاق الفعل ، محترزا بذلك عن دخول المصدر الصناعي ، بينما يفسره ابن هشام بمعنى آخر غير المعاني الثلاثة التي ذكرها الرضي ، وهو : استيفاء المصدر لحروف فعله ، ويحترز به من دخول اسم المصدر.
وأما ابن مالك (ت 672 هـ) فقد عرف المصدر بأنه : « الاسم الموضوع بأصالة الدال على المعنى الصادر من المحدث به ، أو القائم به ، أو الواقع عليه » (1) ..
وقال في شرحه : « تقييد وضع المصدر بالأصالة مخرج لاسم المصدر ، وهو ما وافق في المعنى مصدر غير الثلاثي كغسل وقبلة وعون ؛ فإنها أسماء مصادر ؛ لأنها وافقت في الوزن الشكر والقدرة والصون ، لكن هذه مصادر ؛ لأن أفعالها ثلاثية ، والغسل والقبلة والعون أسماء مصادر ؛ لأن أفعالها : اغتسل وقبل وأعان ، ومصادرها : اغتسال وتقبيل وإعانة ، فوضع هذه مقدم بالرتبة على وضع تلك ، فلهذا نسب وضع المصدر إلى الأصالة.
والدال على معنى صادر من المحدث به كـ : نطق ، والدال على معنى قائم به كـ : علم ، والدال على معنى واقع عليه كـ : بخت وزكام ، مما لا يكون فعله مستندا إلى فاعل ، بل واقعا على مفعول » (2) .
وعرفه الرضي (ت 686 هـ) بأنه : « اسم الحدث الذي يشتق منه الفعل » (3) ..
فاستعمل عبارة : (يشتق منه الفعل) عوضا عن : (يجري على
____________
(1) شرح عمدة الحافظ وعدة اللافظ ، ابن مالك ، تحقيق عدنان الدوري : 689.
(2) شرح عمدة الحافظ وعدة اللافظ : 689 ـ 690.
(3) شرح الكافية ، الرضي 3 | 399.

(1/362)


الفعل) ؛ صيانة للحد من الألفاظ المبهمة ، نظرا إلى ما ذكره من أن الجري يستعمل في كلامهم في ثلاثة معان ، أحدها : اشتقاق الفعل من المصدر.
وعرفه الفاكهي (ت 973 هـ) بأنه : « اسم دال بالأصالة على معنى قائم بفاعل ، أو صادر عنه ، إما حقيقة أو مجازا ، أو واقع على مفعول » (1) .
وهو تعريف ابن مالك المتقدم نفسه ، إلا أنه أضاف إليه تقسيم المعنى الصادر من الفاعل إلى حقيقة ومجاز.
والذي أستحسنه : أن يقتصر في تعريف المصدر على أنه : « اسم الحدث » ؛ لأن ما عدا ذلك كاشتقاق الفعل منه ، ونحو علاقته بالفاعل من القيام به أو الصدور عنه ، وغير ذلك ، ليس من ذاتيات المعرف التي لا بد من ذكرها في متن التعريف ، فينبغي إرجاء ذكرها إلى بيان التفاصيل المتعلقة به.
* * *

(1/363)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية