صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : مختصر المعاني- سعد الدين التفتازاني
مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية

بامثل، إذ ليس الغرض طلب الانجلاء من الليل إذ ليس ذلك في وسعه لكنه يتمنى
---
[ 141 ]
ذلك تخلصا عما عرض له في الليل من تباريح الجو ولا ستطالة تلك الليلة كأنه طماعية له في انجلائها فلهذا يحمل على التمنى دون الترجي. (والدعاء) أي الطلب على سبيل التضرع (نحو رب اغفر لى والالتماس كقولك لمن يساويك رتبة افعل بدون الاستعلاء) والتضرع، فان قيل أي حاجة إلى قوله بدون الاستعلاء مع قوله لمن يساويك رتبة، قلت قد سبق ان الاستعلاء لا يستلزم العلو فيجوز ان يتحقق من المساوى بل من الادنى ايضا. (ثم الامر قال السكاكى حقه الفور لانه الظاهر من الطلب) عند الانصاف كما في الاستفهام والنداء (ولتبادر الفهم عند الامر بشئ بعد الامر بخلافه إلى تغيير) الامر (الاول دون الجمع) بين الامرين (وارادة التراخي). فان المولى إذا قال لعبده قم ثم قال له قبل ان يقوم اضطجع حتى المساء يتبادر الفهم إلى انه غير الامر بالقيام إلى الامر بالاضطجاع ولم يرد الجمع بين القيام والاضطجاع مع تراخى احدهما. (وفيه نظر) لانا لا نسلم ذلك عند خلو المقام عن القرائن. (ومنها) أي من انواع الطلب (النهى) وهو طلب الكف عن الفعل استعلاء (وله حرف واحد وهو لاء الجازمة في نحو قولك لا تفعل وهو كالامر في الاستعلاء) لانه المتبادر إلى الفهم. (وقد يستعمل في غير طلب الكف) عن الفعل كما هو مذهب البعض (أو) طلب (الترك) كما هو مذهب البعض. فانهم قد اختلفوا في ان مقتضى النهى كف النفس عن الفعل بالاشتغال باحد اضداده أو ترك الفعل وهو نفس ان لا تفعل (كالتهديد كقولك لعبد لا يمتثل امرك لا تمثل امرى) وكالدعاء والالتماس وهو ظاهر. (وهذه الاربعة) يعنى التمنى والاستفهام والامر والنهى (يجوز تقدير الشرط بعدها) وايراد الجزاء عقيبها مجز وما بان المضمرة مع الشرط (كقولك) في التمنى (ليت لى مالا انفقه) أي ان ارزقه انفقه.
---
[ 142 ]

(1/133)


(و) في الاستفهام (اين بيتك ازرك) أي ان تعرفنيه ازرك (و) في الامر (اكرمني اكرمك) أي ان تكرمني اكرمك (و) في النهى (لا تشتمني يكن خيرا لك) أي ان لا تشتم يكن خيرا لك، وذلك لان الحامل للمتكلم على الكلام الطلبى كون المطلوب مقصورا للمتكلم اما لذاته أو لغيره لتوقف ذلك الغير على حصوله. وهذا معنى الشرط فإذا ذكرت الطلب وذكرت بعده ما يصلح توقفه على المطلوب غلب على ظن المخاطب كون المطلوب مقصودا لذلك المذكور بعده لا لنفسه فيكون إذا معنى الشرط في الطلب مع ذكر ذلك الشئ ظاهرا. ولما جعل النحاة الاشياء التى تضمن حرف الشرط بعدها خمسة اشياء اشار المصنف إلى ذلك بقوله (واما العرض كقولك الا تنزل عندنا تصب خيرا) أي ان تنزل تصب خيرا (فمولد من الاستفهام) وليس شيئا آخر برأسه لان الهمزة فيه للاستفهام دخلت على فعل منفى وامتنع حملها على حقيقة الاستفهام للعلم بعدم النزول مثلا وتولد عنه بمعونة قرينة الحال عرض النزول على المخاطب وطلبه عنه (ويجوز) تقدير الشرط (في غيرها) أي في غير هذه المواضع (لقرينة) تدل عليه (نحو " ام اتخذوا من دونه اولياء " (فالله هو الولى أي ان ارادوا اولياء بحق) فالله هو الولى الذى يجب ان يتولى وحده ويعتقد انه المولى والسيد. وقيل لا شك ان قوله ام اتخذوا انكار توبيخ بمعنى انه لا ينبغى ان يتخذ من دونه اولياء وحينئذ يترتب عليه قوله تعالى " فالله هو الولى " من غير تقدير شرط كما يقال لا ينبغى ان يعبد غير الله فالله هو المستحق للعبادة. وفيه نظر إذ ليس كل ما فيه معنى الشئ حكمه حكم ذلك الشئ والطبع المستقيم شاهد صدق على صحة قولنا لا تضرب زيدا فهو اخوك بالفاء بخلاف اتضرب زيدا فهو اخوك استفهام انكار فانه لا يصح الا بالواو الحالية. (منها) أي من انواع الطلب (النداء) وهو طلب الاقبال بحرف نائب مناب ادعو لفظا أو تقديرا. (وقد تستعمل صيغته) أي صيغة النداء (في غير معناه) وهو طلب الاقبال
---
[ 143 ]

(1/134)


(كالاغراء في قولك لمن اقبل يتظلم يا مظلوم) قصدا إلى اغرائه وحثه على زيادة التظلم وبث الشكوى لان القبال حاصل (والاختصاص في قولهم انا افعل كذا ايها الرجل) فقولنا ايها الرجل اصله تخصيص المنادى بطلب اقباله عليك ثم جعل مجردا عن طلب الاقبال ونقل إلى تخصيص مدلوله من بين امثاله بما نسب إليه إذ ليس المراد باى ووصفه المخاطب بمنادي بل ما دل عليه ضمير المتكلم فايها مضموم والرجل مرفوع والمجموع في محل النصب على انه حال. ولهذا قال (متخصصا) أي مختصا (من بين الرجال) وقد يستعمل صيغة النداء في الاستغاثة نحو " يا لله " والتعجب نحو " يا للماء " والتحسر والتوجع كما في نداء الاطلال والمنازل والمطايا وما اشبه ذلك. (ثم الخبر قد يقع موقع الانشاء اما للتفاؤل) بلفظ الماضي دلالة على انه كأنه وقع نحو وفقك لله للتقوى (أو لاظهار الحرص في وقوعه) كما مر في بحث الشرط من ان الطالب إذا عظمت رغبته في شى ء يكثر تصوره اياه فربما يخيل إليه حاصلا نحو رزقني الله لقاءك (والدعاء بصيغة الماضي من البليغ) كقوله رحمه الله (يحتملهما) أي التفاؤل واظهار الحرص. واما غير البليغ فهو ذاهل عن هذه الاعتبارات (أو للاحتراز عن صورة الامر) كقول العبد للمولى ينظر المولى إلى ساعة دون انظر لانه في صورة الامر وان قصد به الدعاء أو الشفاعة (أو لحمل المخاطب على المطلوب بان يكون) المخاطب (ممن لا يحب ان يكذب الطالب) أي ينسب إليه الكذب كقولك لصاحبك الذى لا يحب تكذيبك تأتيني غدا مقام اءتينى تحمله بالطف وجه على الاتيان لانه ان لم يأتك غدا صرت كاذبا من حيث الظاهر لكون كلامك في صورة الخبر. (تنبيه) الانشاء كالخبر في كثير مما ذكر في الابواب الخمسة السابقة) يعنى احوال
---
[ 144 ]

(1/135)


الاسناد والمسند إليه والمسند ومتعلقات الفعل والقصر (فليعتبره) أي ذلك الكثير الذى يشارك فيه الانشاء والخبر. (الناظر) بنور البصيرة في لطائف الكلام مثلا الكلام الانشائى ايضا اما مؤكد أو غير مؤكد والمسند إليه فيه اما محذوف أو مذكور إلى غير ذلك.
---
[ 145 ]
الباب السابع الفصل والوصل بدأ بذكر الفصل لانه الاصل والوصل طار أي عارض عليه حاصل بزيادة حرف من حروف العطف، لكن لما كان الوصل بمنزلة الملكة والفصل بمنزلة العدم والاعدام انما تعرف بملكاتها بدأ في التعريف بذكر الوصل. فقال (الوصل عطف بعض الجمل على بعض والفصل تركه) أي ترك عطفه عليه (فإذا أتت جملة بعد جملة فالاولى اما ان يكون لها محل من الاعراب أو لاوعلى الاول) أي على تقدير ان يكون للاولى محل من الاعراب (ان قصد تشريك الثانية لها) أي للاولى (في حكمه) أي في حكم الاعراب الذى كان لها مثل كونها خبر مبتدأ أو حالا أو صفة أو نحو ذلك. (عطفت) الثانية (عليها) أي على الاول ليدل العطف على التشريك المذكور (كالمفرد) فانه إذا قصد تشريكه لمفرد قبله في حكم اعرابه من كونه فاعلا أو مفعولا أو نحو ذلك وجب عطفه عليه (فشرط كونه) أي كون عطف الثانية على الاولى (مقبولا بالواو ونحوه ان يكون بينهما) أي بين الجملتين (جهة جامعة نحو زيد يكتب ويشعر) لما بين الكتابة والشعر من التناسب الظاهر (أو يعطى ويمنع) لما بين الاعطاء والمنع من التضاد، بخلاف نحو زيد يكتب ويمنع أو يعطى ويشعر وذلك لئلا يكون الجمع بينهما كالجمع بين الضب والنون. وقوله ونحوه اراد به ما يدل على التشريك كالفاء وثم وحتى وذكره حشو مفسد لان هذا الحكم مختص بالواو لان لكل من الفاء، وثم، ؟ ؟، معنى محصلا غير التشريك والجميعة فان تحقق هذا المعنى حسن العطف وان لم توجد جهة جامعة بخلاف الواو.
---
[ 146 ]

(1/136)


(ولهذا) أي ولانه لابد في الواو من جهة جامعة (عيب على ابى تمام، قوله لا والذى هو عالم ان النوى، صبر وان ابا الحسين كريم) إذ لا مناسبة بين كرم ابى الحسين ومرارة النوى. فهذا العطف غير مقبول سواء جعل عطف مفرد على مفرد كما هو الظاهر أو عطف جملة على جملة باعتبار وقوعه موقع مفعولي عالم لان وجود الجامع شرط في الصورتين. وقوله " لا " نفى لما ادعته الحبيبة عليه من اندراس هواه بدلالة البيت السابق (والا) أي وان لم يقصد تشريك الثانية للاولى في حكم اعرابها (فصلت) الثانية (عنها) لئلا يلزم من العطف التشريك الذى ليس بمقصود (نحو وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا انا معكم انما نحن مستهزؤن، الله يستهزئ بهم لم يعطف الله يستهزئ بهم على انا معكم لانه ليس من مقولهم) فلو عطف عليه لزم تشريكه له في كونه مفعول قالوا فيلزم ان يكون مقول قول المنافقين وليس كذلك. وانما قال على " انا معكم " دون انما نحن مستهزؤن لان قوله " انما نحن مستهزؤن " بيان لقوله " انا معكم " فحكمه حكمه. وايضا العطف على المتبوع هو الاصل (وعلى الثاني) أي على تقدير ان لا يكون للاولى محل من الاعرب (ان قصد ربطها بها) أي ربط الثانية بالاولى (على معنى عاطف سوى الواو عطفت) الثانية على الاولى (به) أي بذلك العاطف من غير اشتراط امر آخر (نحو دخل زيد فخرج عمرو أو ثم خرج عمرو وإذا قصد التعقيب أو المهملة) وذلك لان ما سوى الواو من حروف العطف يفيد مع الاشتراك معاني محصلة مفصلة في علم النحو، فإذا عطفت الثانية على الاولى بذلك العاطف ظهرت الفائدة اعني حصول معاني هذه الحروف. بخلاف الواو فانه لا يفيد الا مجرد الاشتراك. وهذا انما يظهر فيما له حكم اعرابي. واما في غيره ففيه خفاء واشكال وهو السبب في صعوبة باب الفصل والوصل
---
[ 147 ]

(1/137)


حتى حصر بعضهم البلاغة في معرفة الفصل والوصل. (والا) أي وان لم يقصد ربط الثانية بالاولى على معنى عاطف سوى الواو (فان كان للاولى حكم لم يقصد اعطاؤه للثانية فالفصل) واجب لئلا يلزم من الوصل التشريك في ذلك الحكم (نحو " وإذا خلوا " الاية لم يعطف " الله يستهزئ بهم " على قالوا لئلا يشاركه في الاختصاص بالظرف لما مر) من ان تقديم المفعول ونحوه من الظرف وغيره يفيد الاختصاص فيلزم ان يكون استهزاء الله بهم مختصا بحال خلوهم إلى شياطينهم وليس كذلك. فان قيل إذا شرطية لا ظرفية. قلنا إذا الشرطية هي الظرفية استعملت استعمال الشرط ولو سلم فلا ينافى ما ذكرناه لانه اسم معناه الوقت لابد له من عامل وهو " قالوا انا معكم " بدلالة المعنى. وإذا قدم متعلق الفعل وعطف فعل آخر عليه يفهم اختصاص الفعلين به كقولنا يوم الجمعة سرت وضربت زيدا بدلالة الفحوى والذوق (والا) عطف على قوله فان كان للاولى حكم أي وان لم يكن للاولى حكم لم يقصد اعطاؤه للثانية. وذلك بان لا يكون لها حكم زائد على مفهوم الجملة أو يكون ولكن قصد اعطاؤه للثانية ايضا (فان كان بينهما) أي بين الجملتين (كمال الانقطاع بلا ايهام) أي بدون ان يكون في الفصل ايهام خلاف المقصود (أو كمال الاتصال أو شبه احدهما) أي احد الكمالين (فكذلك) أي يتعين الفصل لان الوصل يقتضى مغايرة ومناسبة (والا) أي وان لم يكن بينهما كمال الانقطاع بلا ايهام ولا كمال الاتصال ولا شبه احدهما (فالوصل) متعين لوجود الداعي وعدم المانع. والحاصل ان للجملتين اللتين لا محل لهما من الاعراب ولم يكن للاولى حكم لم يقصد اعطاؤه للثانية ستة احوال. الاول كمال الانقطاع بلا ايهام. الثاني كمال الاتصال، الثالث شبه كمال الانقطاع،
---
[ 148 ]

(1/138)


الرابع شبه كمال الاتصال، الخامس كمال الانقطاع مع الايهام، السادس التوسط بين الكمالين. فحكم الاخيرين الوصل وحكم الاربعة السابقة الفصل فاخط المصنف في تحقيق الاحوال الستة فقال (اما كمال الانقطاع) بين الجملتين (فلا ختلافهما خبر أو انشاء لفظا ومعنى) بان يكون احديهما خبرا لفظا ومعنى والاخرى انشاء لفظا ومعنى (نحو وقال رائدهم) هو الذى يتقدم القوم لطلب الماء والكلاء (ارسوا) أي اقيموا من ارسيت السفينة حبستها بالمرساة (نزاولها) أي نحاول تلك الحرب ونعالجها، فكل حتف امرئ يجرى بمقدار. أي اقيموا نقاتل فان موت كل نفس يجرى بقدر الله تعالى لا الجبن ينجيه ولا الاقدام يرديه. لم يعطف نزاو لها على ارسوا لانه خبر لفظا ومعنى وارسوا انشاء لفظا ومعنى. وهذا مثال لكمال الانقطاع بين الجملتين باختلافهما خبرا وانشاء لفظا ومعنى مع قطع النظر عن كون الجملتين مما ليس له محل من الاعراب والا فالجملتان في محل النصب على انه مفعول قال (أو) لاختلافهما خبرا وانشاء (معنى) فقط بان يكون احديهما خبرا معنى والاخرى انشاء معنى وان كانتا خبريتين أو انشاءيتين لفظا (نحو مات فلان رحمه الله) لم يعطف رحمه الله على مات لانه انشاء معنى ومات خبر معنى وان كانتا جميعا خبريتين لفظا (أو لانه) عطف على لاختلافهما والضمير للشان (لا جامع بينهما كما سيأتي). بيان الجامع فلا يصح العطف في مثل زيد طويل وعمرو نائم. (واما كمال الاتصال) بين الجملتين (فلكون الثانية مؤكدة للاولى) تأكيدا معنويا (لدفع توهم تجوز أو غلط نحو لا ريب فيه) بالنسبة إلى ذلك الكتاب إذا جعلت " آلم " طائفة من الحروف أو جملة مستقلة و " ذلك الكتاب " جملة ثانية و " لا ريب فيه " ثالثة (فانه لما بولغ في وصفه أي وصف الكتاب (ببلوغه) متعلق بوصفه أي في
---
[ 149 ]

(1/139)


ان وصف بانه بلغ (الدرجة القصوى في الكمال) وبقوله بولغ تتعلق الباء في قوله (بجعل المبتدأ ذلك) الدال على كمال العناية بتمييزه والتوسل ببعده إلى التعظيم وعلو الدرجة (وتعريف الخبر باللام) الدال على الانحصار مثل حاتم الجواد. فمعنى ذلك الكتاب انه الكتاب الكامل الذى يستأهل ان يسمى كتابا كأن ما عداه من الكتب في مقابلته ناقص بل ليس بكتاب (جاز) جواب لما أي جاز بسبب هذه المبالغة المذكورة (ان يتوهم السامع قبل التأمل انه) اعني قوله ذلك الكتاب (مما يرمى به جزافا) من غير صدور عن روية وبصيرة (فاتبعه) على لفظ المبنى للمفعول والمرفوع المستتر عائد إلى " لا ريب فيه " والمنصوب البارز إلى " ذلك الكتاب " أي جعل لا ريب فيه تابعا لذلك الكتاب (نفيا لذلك) التوهم (فوزانه) أي وزان لا ريب فيه مع ذلك الكتاب (وزان نفسه) مع زيد (في جاءني زيد نفسه). فظهر ان لفظ وزان في قوله وزان نفسه ليس بزائد كما توهم أو تأكيدا لفظيا كما اشار إليه بقوله (ونحو هدى) أي هو هدى (للمتقين) أي الضالين الصائرين إلى التقوى. (فان معناه انه) أي الكتاب (في الهداية بالغ درجة لا يدركها كنهها) أي غايتها لما في تنكير هدى من الابهام والتفخيم (حتى كأنه هداية محضة) حيث قيل هدى ولم يقل هاد (وهذا معنى ذلك الكتاب لان معناه كما مر الكتاب الكامل. والمراد بكماله كماله في الهداية لان الكتب السماوية بحسبها) أي بقدر الهداية واعتبارها (تتفاوت في درجات الكمال) لا بحسب غيرها لانها المقصود الاصلى من الانزال (فوزانه) أي وزان هدى للمتقين (وزان زيد الثاني في جاءني زيد زيد) لكونه مقررا لذلك الكتاب مع اتفاقهما في المعنى بخلاف لاريب فيه فانه يخالفه معنى (أو) لكون الجملة الثانية (بدلا منها) أي من الاولى (لانها) أي الاولى (غير وافية بتمام المراد أو كغير الوافية) حيث يكون في الوفاء قصور ما أو خفاء ما (بخلاف الثانية) فانها وافية كمال الوفاء (والمقام يقتضى اعتناء

(1/140)


بشانه) أي بشان المراد (لنكتة ككونه) أي المراد (مطلوبا في نفسه أو فظيعا أو عجيبا أو لطيفا)
---
[ 150 ]
فتنزل الثانية من الاولى منزلة بدل البعض أو الاشتمال فالاول (نحو امدكم بما تعلمون، امدكم بانعام وبنين، وجنات وعيون، فان المراد التنبيه على نعم الله تعالى) والمقام يقتضى اعتناء بشانه لكونه مطلوبا في نفسه وذريعة إلى غيره. (والثانى) اعني قوله امدكم بانعام إلى آخره (أو في بتأديته) أي تأدية المراد الذى هو التنبيه (لدلالته) أي الثانية (عليها) أي على نعم الله تعالى (بالتفصيل من غير احالة على علم المخاطبين المعاندين فوزانه وزان وجهه في اعجبني زيد وجهه لدخول الثاني في الاول) لان ما تعلمون يشتمل الانعام وغيرها. (والثانى) اعني المنزل منزلة بدل الاشتمال (نحو اقول له ارحل لا تقيمن عندنا، والا فكن في السر والجهر مسلما فان المراد به) أي بقوله ارحل (كمال اظهار الكراهة لاقامته) أي المخاطب (وقوله لا تقيمن عندنا أو في بتأديته لدلالته) أي لدلالة لا تقيمن عندنا (عليه) أي كمال اظهار الكراهة (بالمطابقة مع التأكيد) الحاصل من النون وكونها مطابقة باعتبار الوضع العرفي حيث يقال لا تقم عندي ولا يقصد كفه عن الاقامة بل مجرد اظهار كراهة حضوره (فوزانه) أي وزان لا تقيمن عندنا (وزان حسنها في اعجبني الدار حسنها لان عدم الاقامة مغاير للارتحال) فلا يكون تأكيدا (وغيره داخل فيه) فلا يكون بدل بعض ولم يعتد ببدل الكل لانه انما يتميز عن التأكيد بمغايرة اللفظين وكون المقصود هو الثاني وهذا لا يتحقق في الجمل لا سيما التى لا محل لها من الاعراب (مع ما بينهما) أي بين عدم الاقامة والارتحال (من الملابسة) اللزومية فيكون بدل اشتمال. والكلام في ان الجملة الاولى اعني ارحل ذات محل من الاعراب مثل ما مر في ارسوا نزاولها. وانما قال في المثالين ان الثانية أو في لان الاولى وافية مع ضرب من القصور باعتبار الاجمال وعدم مطابقة الدلالة

(1/141)


فصارت كغير الوافية (أو) لكون الثانية (بيانا لها) أي للاولى (لخفائها) أي الاولى (نحو " فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل ادلك على شجرة الخلد وملك لايبلى " فان وزانه) اي وزان قال يا آدم (وزان عمر
---
[ 151 ]
في قوله اقسم بالله أبو حفص عمر) ما مسها من نقب ولا دبر حيث جعل الثاني بيانا وتوضيحا للاول. فظهر ان ليس لفظ قال بيانا وتفسيرا للفظ وسوس حتى يكون هذا من باب بيان الفعل دون الجملة بل المبين هو مجموع الجملة (واما كونها) أي الجملة الثانية كالمنقطعة عنها أي عن الاولى (فلكون عطفها عليها) أي عطف الثانية على الاولى (موهما لعطفها على غيرها) مما ليس بمقصود وشبه هذا بكمال الانقطاع باعتبار اشتماله على مانع من العطف الا انه لما كان خارجيا يمكن دفعه بنصب قرينة لم يجعل هذا من كمال الانقطاع. (ويسمى الفصل لذلك قطعا مثاله وتظن سلمى اننى ابغى بها بدلا، اراها في الضلال تهيم) فبين الجملتين مناسبة ظاهرة لاتحاد المسندين لان معنى اراها اظنها وكون المسند إليه في الاولى محبوبا وفى الثانية محبا لكن ترك العاطف لئلا يتوهم انه عطف على ابغى فيكون من مظنونات سلمى. (ويحتمل الاستيناف) كأنه قيل كيف تراها في هذا الظن فقال اراها تتحير في ادوية الضلال. (واما كونها) أي الثانية (كالمتصلة بها) اي بالاولى (فلكونها) اي الثانية (جوابا لسؤال اقتضته الاولى فتنزل) الاولى (منزلته) أي السؤال لكونها مشتملة عليه ومقتضية له (فتفصل) أي الثانية (عنها) أي عن الاولى (كما يفصل الجواب عن السؤال) لما بينهما من الاتصال. (وقال السكاكى فينزل ذلك) أي السؤال الذى تقتضيه الاولى وتدل عليه بالفحوى (منزلة السؤال الواقع) ويطلب بالكلام الثاني وقوعه جوابا له فيقطع عن الكلام الاول لذلك وتنزيله منزلة الواقع انما يكون (لنكتة كاغناء السامع عن ان يسأل أو) مثل (ان لا يسمع منه) أي من السامع (شئ) تحقيرا له وكراهة لكلامه أو مثل ان لا ينقطع كلامك

(1/142)


بكلامه أو مثل القصد إلى تكثير المعنى بتقليل اللفظ وهو تقدير السؤال وترك العاطف أو غير ذلك وليس في كلام السكاكى دلالة على ان الاولى
---
[ 152 ]
تنزل منزلة السؤال فكان المصنف نظر إلى قطع الثانية عن الاولى مثل قطع الجواب عن السؤال انما يكون على تقدير تنزيل الاولى منزلة السؤال وتشبيهها به والاظهر انه لا حاجة إلى ذلك بل مجرد كون الاولى منشأ للسؤال كاف في ذلك اشير إليه في الكشاف. (ويسمى الفصل لذلك) أي لكونه جوابا لسؤال اقتضته الاولى (استينافا وكذا) الجملة (الثانية) نفسها ايضا تسمى استينافا ومستأنفة. (وهو) أي الاستيناف (ثلاثة اضرب لان السؤال) الذى تضمنته الاولى (اما عن سبب الحكم مطلقا نحو قال: لى كيف انت قلت عليل * سهر دائم وحزن طويل أي ما بالك عليلا أو ما سبب علتك) بقرينة العرف والعادة. لانه إذا قيل فلان مريض فانما يسأل عن مرضه وسببه لا ان يقال هل سبب علته كذا وكذا لا سيما السهر والحزن حتى يكون السؤال عن السبب الخاص (واما عن سبب خاص) لهذا الحكم (نحو وما ابرئ نفسي ان النفس لامارة بالسوء كأنه قيل هل النفس امارة بالسوء). فقيل ان النفس لامارة بالسوء بقرينة التأكيد فالتأكيد دليل على ان السؤال عن السبب الخاص فان الجواب عن مطلق السبب لا يؤكد (وهذا الضرب يقتضى تأكيد الحكم) الذى هو في الجملة الثانية اعني الجواب لان السائل متردد في هذا السبب الخاص هل هو سبب الحكم ام لا (كما مر) في احوال الاسناد الخبرى من ان المخاطب إذا كان طالبا مترددا حسن تقوية الحكم بمؤكد. ولا يخفى ان المراد الاقتضاء استحسانا لا وجوبا والمستحسن في باب البلاغة بمنزلة الواجب (واما عن غيرهما) أي غير السبب المطلق والسب الخاص (نحو قالوا سلاما قال سلام) أي فماذا قال ابراهيم في جواب سلامهم فقيل قال سلام أي حياهم بتحية احسن لكونها بالجملة الاسمية الدالة على الدوام والثبوت. (وقوله زعم العواذل) جمع عاذلة بمعنى جماعة عاذلة (اننى

(1/143)


في غمرة) وشدة
---
[ 153 ]
(صدقوا) أي الجماعات العواذل في زعمهم اننى في غمرة (ولكن غمرتي لا تنجلي) ولا تنكشف بخلاف اكثر الغمرات والشدائد كأنه قيل اصدقوا ام كذبوا فقيل صدقوا (وايضا منه) أي من الاستيناف. وهذا اشارة إلى تقسيم آخر له (ما يأتي باعادة اسم ما استؤنف عنه) أي وقع عنه الاستيناف واصل الكلام ما استؤنف عنه الحديث فحذف المفعول ونزل الفعل منزلة اللازم (نحو احسنت) انت (إلى زيد زيد حقيق بالاحسان) باعادة اسم زيد (ومنه ما يبنى على صفته) أي صفة ما استؤنف عنه دون اسمه. والمراد بالصفة صفة تصلح لترتب الحديث عليه (نحو) احسنت إلى زيد (صديقك القديم اهل لذلك) والسؤال المقدر فيهما لماذا احسن إليه وهل هو حقيق بالاحسان (وهذا) أي الاستيناف المبنى على الصفة (ابلغ) لاشتماله على بيان السبب الموجب للحكم كالصداقة القديمة في المثال المذكور لما يسبق إلى الفهم من ترتب الحكم على الوصف الصالح للعلية انه علة له وههنا بحث وهو ان السؤال ان كان عن السبب. فالجواب يشتمل على بيانه لا محالة والا فلا وجه لاشتماله عليه كما في قوله تعالى قالوا سلاما قال سلام، وقوله زعم العواذل، ووجه التفصى عن ذلك مذكور في الشرح (وقد يحذف صدر الاستيناف) فعلا كان أو اسما (نحو يسبع له فيها بالغدو والاصال، رجال) فيمن قرأها مفتوحة الباء كانه قيل من يسبحه فقيل رجال أي يسبحه رجال (وعليه نعم الرجل زيد) أو نعم رجلا زيد (على قول) أي على قول من يجعل المخصوص خبر مبتدأ محذوف أي هو زيد. ويجعل الجملة استينافا جوابا للسؤال عن تفسير الفاعل المبهم. (وقد يحذف) الاستيناف (كله اما مع قيام شئ مقامه نحو) قول الحماسي (" زعمتم ان اخوتكم قريش، لهم الف) أي ايلاف في الرحلتين المعروفتين لهم في التجارة رحلة في الشتاء إلى اليمن ورحلة في صيف إلى الشام (وليس لكم آلاف ") أي مؤالفة في الرحلتين المعرفتين كأنه قيل اصدقنا في هذا الزعم ام كذبنا فقيل كذبتم
---

(1/144)


[ 154 ]
فحذف هذا الاستيناف كله واقيم قوله لهم آلاف وليس لكم الالف مقامه لدلالته عليه (أو بدون ذلك) أي قيام شئ مقامه اكتفاء بمجرد القرينة (نحو فنعم الماهدون) أي نحن (على قول) أي على قول من يجعل المخصوص خبر المبتدأ أي هم نحن. ولما فرغ من بيان الاحوال الاربعة المقتضية للفصل شرع في بيان الحالتين المقتضيتين للوصل. فقال (واما الوصل لدفع الايهام فكقولهم لا وايدك الله) فقولهم لارد لكلام سابق كما إذا قيل هل الامر كذلك فيقال لا أي ليس الامر كذلك فهذه جملة اخبارية وايدك الله جملة انشائية دعائية فبينهما كمال الانقطاع لكن عطفت عليها لان ترك العطف يوهم انه دعاء على المخاطب بعدم التأييد مع ان المقصود الدعاء له بالتأييد فاينما وقع هذا الكلام فالمعطوف عليه هو مضمون قولهم لا وبعضهم لما لم يقف على المعطوف عليه في هذا الكلام. نقل عن الثعالبي حكاية مشتملة على قوله قلت لا وايدك الله وزعم ان قوله وايدك الله عطف على قوله قلت ولم يعرف انه لو كان كذلك لم يدخل الدعاء تحت القول وانه لو لم يحك الحكاية فحين ما قال للمخاطب لا وايدك الله فلابد له من معطوف عليه (واما للتوسط) عطف على قوله اما الوصل لدفع الايهام أي اما الوصل لتوسط الجملتين بين كمال الانقطاع والاتصال. وقد صحفه بعضهم اما بكسر الهمزة بفتح الهمزة فركب متن عمياء وخبط خبط عشواء (فإذا اتفقتا) أي الجملتان (خبرا أو انشاء لفظا ومعنى أو معنى فقط بجامع) أي بان يكون بينهما جامع بدلالة ما سبق من انه إذا لم يكن بينهما جامع فبينهما كمال الانقطاع ثم الجملتان المتفقتان خبرا أو انشاء لفظا ومعنى قسمان لانهما اما انشائيتان أو خبريتان والمتفقتان معنى فقط ستة اقسام لانهما ان كانتا انشائيتين معنى. فاللفظان اما خبران أو الاولى خبر والثانية انشاء أو بالعكس وان كانتا خبريتين معنى فاللفظان اما انشا آن أو الاولى انشاء والثانية خبر أو بالعكس فالمجموع ثمانية اقسام.
---

(1/145)


[ 155 ]
والمصنف اورد للقسمين الاولين مثاليهما (كقوله تعالى " يخادعون الله وهو خادعهم " وقوله " ان الابرار لفى نعيم وان الفجار لفى جحيم ") في الخبريتين لفظا ومعنى الا انهما في المثال الثاني متناسبان في الاسمية بخلاف الاول (وقوله تعالى " كلوا واشربوا ولا تسرفوا ") في الانشائيتين لفظا ومعنى واورد للاتفاق معنى فقط مثالا واحدا واشارة إلى انه يمكن تطبيقه على قسمين من اقسامه الستة واعاد فيه لفظة الكاف تنبيها على انه مثال للاتفاق معنى فقط فقال (وكقوله تعالى واذ اخذنا ميثاق بنى اسرائيل لا تعبدون الا الله وبالوالدين احسانا وذى القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا،) فعطف قولوا على لا تعبدون مع اختلافهما لفظا لكونهما انشائيتين معنى لان قوله لا تعبدون اخبار في معنى الانشاء (أي لا تعبدوا). وقوله " وبالوالدين احسانا " لابد له من فعل فاما ان يقدر خبر في معنى الطلب أي (وتحسنون بمعنى احسنوا) فتكون الجملتان خبرا ولفظا وانشاء معنى وفائدة تقدير الخبر. ثم جعله بمعنى الانشاء اما لفظا فالملايمة مع قوله لا تعبدون واما معنى فالمبالغة باعتبار ان المخاطب كأنه سارع إلى الامتثال فهو يخبر عنه كما تقول تذهب إلى فلان وتقول له كذا تريد الامر (أو) يقدر من اول الامر صريح الطلب على ما هو الظاهر أي (واحسنوا) بالوالدين احسانا فتكونان انشائيتين معنى مع ان لفظة الاولى اخبار ولفظة الثانية انشاء (والجامع بينهما) أي بين الجملتين (يجب ان يكون باعتبار المسند اليهما والمسندين جميعا) أي باعتبار المسند إليه في الجملة الاولى والمسند إليه في الجملة الثانية وكذا باعتبار المسند في الجملة الاولى والمسند في الجملة الثانية (نحو " يشعر زيد ويكتب ") للمناسبة الظاهرة بين الشعر والكتابة وتقارنهما في خيال اصحابهما (ويعطى) زيد (ويمنع) لتضاد الاعطاء والمنع. هذا عند اتحاد المسند اليهما، واما عند تغاير هما فلابد من تناسبهما ايضا

(1/146)


كما اشار إليه بقوله (زيد شاعر وعمرو كاتب وزيد طويل وعمرو قصير لمناسبة بينهما).
---
[ 156 ]
أي بين زيد وعمرو كالاخوة أو الصداقة أو العداوة أو نحو ذلك وبالجملة يجب ان يكون احدهما مناسبا للاخر وملابسا له ملابسة لها نوع اختصاس بهما (بخلاف زيد كاتب وعمرو شاعر بدونها) أي بدون المناسبة بين زيد وعمرو فانه لا يصح وان اتحد المسندان ولهذا حكموا بامتناع نحو خفى ضيق وخاتمي ضيق (وبخلاف زيد شاعر وعمرو طويل مطلقا) أي سواء كان بين زيد وعمرو ومناسبة أو لم تكن لعدم تناسب الشعر وطول القامة (السكاكى) ذكر انه يجب ان يكون بين الجملتين ما يجمعهما عند القوة المفكرة جمعا من جهة العقل وهو الجامع العقلي أو من جهة الوهم وهو الجامع الوهمي أو من جهة الخيال وهو الجامع الخيالي. والمراد بالعقلى القوة العاقلة المدركة للكليات وبالوهمى القوة المدركة للمعانى الجزئية الموجودة في المحسوسات من غير ان تتأدى إليها من طرق الحواس كادراك الشاة معنى في الذئب وبالخيال القوة التى تجتمع فيها صور المحسوسات وتبقى فيها بعد غيبوبتها عن الحس المشترك وهى القوة التى تتأدى إليها صور المحسوسات من طرق الحواس الظاهرة وبالمفكرة القوة التى من شانها التفصيل والتركيب بين الصور المأخوذة عن الحس المشترك والمعاني المدركة بالوهم بعضها مع بعض ونعنى بالصور ما يمكن ادراكها باحدى الحواس الظاهرة وبالمعانى ما لا يمكن ادراكها. فقال السكاكى الجامع بين الجملتين اما عقلي وهو ان يكون بين الجملتين اتحاد في تصور ما مثل الاتحاد في المخبر عنه أو في المخبر به أو في قيد من قيودهما وهذا ظاهر في ان المراد بالتصور الامر المتصور. ولما كان مقررا عندهم انه لا يكفى في عطف الجملتين وجود الجامع بين فردين من مفرداتهما باعتراف السكاكى ايضا غير المصنف عبارة السكاكى. فقال (الجامع بين الشيئين اما عقلي) وهو امر بسببه يقتضى العقل اجتماعهما في المفكرة وذلك (بان يكون بينهما

(1/147)


اتحاد في التصور أو تماثل فان العقل بتجريده المثلين عنن التشخص في الخارج يرفع التعدد) بينهما فيصيران متحدين وذلك لان العقل يجرد الجزئي الحقيقي عن عوارضه المشخصة الخارجية وينتزع منه المعنى الكلى
---
[ 157 ]
فيدركه على ما تقرر في موضعه وانما قال في الخارج لانه لا يجرده عن المشخصات العقلية لان كل ما هو موجود في العقل فلابد له من تشخص عقلي به يمتاز عن سائر المعقولات. وههنا بحث وهو ان التماثل هو الاتحاد في النوع مثل اتحاد زيد وعمرو مثلا في الانسانية وإذا كان التماثل جامعا لم تتوقف صحة قولنا زيد كاتب وعمرو وشاعر على اخوة زيد وعمرو أو صداقتهما أو نحو ذلك لانهما متماثلان لكونهما من افراد الانسان. والجواب ان المراد بالتماثل ههنا هو اشتراكهما في وصف له نوع اختصاص بهما على ما سيتضح في باب التشبيه (أو تضايف) وهو كون الشيئين بحيث لا يمكن تعقل كل منهما الا بالقياس إلى تعقل الاخر (كما بين العلة والمعلول) فان كل امر يصدر عنه امر آخر بالاستقلال أو بواسطة انضمام الغير إليه فهو علة والاخر معلول (أو الاقل والاكثر) فان كل عدد يصير عند العد فانيا قبل عدد آخر فهو اقل من الاخر والاخر اكثر منه (أو وهمى) وهو امر بسببه يحتال الوهم في اجتماعهما عند المفكرة بخلاف العقل فانه إذا خلى ونفسه لم يحكم بذلك وذلك (بان يكون بين تصوريهما شبه تماثل كلوني بياض وصفرة فان الوهم يبرزهما في معرض المثلين) من جهة انه يسبق إلى الوهم انهما نوع واحد زيد في احدهما عارض بخلاف العقل فانه يعرف انهما نوعان متباينان داخلان تحت جنس هو اللون (ولذلك) أي ولان الوهم يبر زهما في معرض المثلين (حسن الجمع بين الثلاثة التى في قوله: ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها * شمس الضحى وابو اسحق والقمر ") فان الوهم يتوهم ان الثلاثة من نوع واحد وانما اختلفت بالعوارض والعقل يعرف انها امور متباينة (أو) يكون بين تصوريهما (تضاد) وهو التقابل بين امرين وجوديين

(1/148)


يتعاقبان على محل واحد (كالسواد والبياض) في المحسوسات (الايمان والكفر) في المعقولات والحق ان بينهما تقابل العدم والملكة لان الايمان هو تصديق النبي عليه الصلاة والسلام في جميع ما علم مجيئه به بالضرورة اعني قبول النفس
---
[ 158 ]
لذلك والاذعان له على ما هو تفسير التصديق في المنطق عند المحققين مع الاقرار به باللسان والكفر عدم الايمان عما من شانه الايمان. وقد يقال الكفر انكار شئ من ذلك فيكون وجوديا فيكونان متضادين (وما يتصف بها) أي بالمذكورات كالاسود والابيض والمؤمن والكافر وامثال ذلك فانه قد يعد من المتضادين باعتبار الاشتمال على الوصفين المتضادين (أو شبه تضاد كالسماء والارض) في المحسوسات فانهما وجوديان احدهما في غاية الارتفاع والاخر في غاية الانحطاط، وهذا معنى شبه التضاد وليسا متضادين لعدم تواردهما على المحل لكونهما من الاجسام دون الاعراض ولا من قبيل الاسود والابيض لان الوصفين المتضادين ههنا ليسا بداخلين في مفهومي السماء والارض (والاول والثانى) فيما يعم المحسوسات والمعقولات فان الاول هو اللذى يكون سابقا على الغير ولا يكون مسبوقا بالغير والثانى هو الذى يكون مسبوقا بواحد فقط فاشبها المتضادين باعتبار اشتمالهما على وصفين لا يمكن اجتماعهما ولم يجعلا متضادين كالاسود والابيض لانه قد يشترط في المتضادين ان يكون بينهما غاية الخلاف. ولا يخفى ان مخالفة الثالث والرابع وغيرهما للاول اكثر من مخالفة الثاني له مع ان العدم معتبر في مفهوم الاول فلا يكون وجوديا (فانه) أي انما يجعل التضاد وشبهه جامعا وهميا لان الوهم (ينزلهما منزلة التضائف) في انه لا يحضره احد المتضادين أو الشبيهين بهما الا ويحضره الآخر (ولذلك تجد الضد اقرب خطورا بالبال مع الضد) من المغايرات الغير المتضادة يعنى ان ذلك مبنى على حكم الوهم والا فالعقل يتعقل كلا منهما ذاهلا عن الآخر (أو خيالي) وهو امر بسببه يقتضى الخيال اجتماعهما في

(1/149)


المفكرة وذلك (بان يكون بين تصوريهما تقارن في الخيال سابق) على العطف لاسباب مؤدية إلى ذلك (واسبابه) أي واسباب التقارن في الخيال (مختلفة ولذلك اختلفت الصور الثابتة في الخيالات ترتيبا وضوحا) فكم من صور لا انفكاك بينها في خيال وهى في خيال آخر مما لا تجتمع اصلا وكم من صور لا تغيب
---
[ 159 ]
عن خيال وهى في خيال آخر مما لا تقع قط. (ولصاحب علم المعاني فضل احتياج إلى معرفة الجامع) لان معظم ابوابه الفصل والوصل وهو مبنى على الجامع (لاسيما) الجامع (الخيالي فان جمعه على مجرى الالف والعادة) بحسب انعقاد الاسباب في اثبات الصور في خزانة الخيال وبيان الاسباب مما يفوته الحصر. فظهر ان ليس المراد بالجامع العقلي ما يدرك بالعقل وبالوهمى ما يدرك بالوهم وبالخيالي ما يدرك بالخيال لان التضاد وشبهه ليسا من المعاني التى يدركها الوهم وكذا التقارن في الخيال ليس من الصور التى تجتمع في الخيال بل جميع ذلك معان معقولة وقد خفى هذا على كثير من الناس فاعترضوا بان السواد والبياض مثلا من المحسوسات دون الوهميات. واجابوا بان الجامع كون كل منهما متضادا للآخر وهذا معنى جزئي لا يدركه الا الوهم. وفيه نظر لانه ممنوع وان ارادوا ان تضاد هذا السواد لهذا البياض معنى جزئي فتماثل هذا مع ذلك وتضائفه معه ايضا معنى جزئي فلا تفاوت بين التماثل والتضائف وشبههما في انهما ان اضيفت إلى الكليات كانت كليات وان اضيفت إلى الجزئيات كانت جزئيات فكيف يصح جعل بعضها علي الاطلاق عقليا وبعضها وهميا. ثم ان الجامع الخيالي هو تقارن الصور في الخيال وظاهر انه ليس بصورة ترتسم في الخيال بل هو من المعاني. فان قلت كلام المفتاح مشعر بانه يكفى لصحة العطف وجود الجامع بين الجملتين باعتبار مفرد من مفرداتهما وهو نفسه معترف بفساد ذلك حيث منع صحة نحو خفى ضيق وخاتمي ضيق ونحو الشمس مرارة الارنب والف باذنجانة محدثة. قلت كلامه ههنا ليس الا في بيان الجامع بين

(1/150)


الجملتين واما ان أي قدر من الجامع يجب لصحة العطف فمفوض إلى موضع آخر. وصرح فيه باشتراط المناسبة بين المسندين والمسند اليهما جميعا والمصنف لما
---
[ 160 ]
اعتقد ان كلامه في بيان الجامع سهو منه واراد اصلاحه غيره إلى ما ترى فذكر مكان الجملتين الشيئين ومكان قوله اتحاد في تصور ما اتحاد في التصور فوقع الخلل في قوله الوهمي ان يكون بين تصوريهما شبه تماثل أو تضاد أو شبه تضاد والخيالى ان يكون بين تصوريهما تقارن في الخيال لان التضاد مثلا انما هو بين نفس السواد والبياض لابين تصوريهما اعني العلم بهما وكذا التقارن في الخيال انما هو بين نفس الصور. فلابد من تأويل كلام المصنف وحمله على ما ذكره السكاكى بان يراد بالشيئين الجملتان وبالتصور مفرد من مفردات الجملة مع ان ظاهر عبارته يأبى ذلك ولبحث الجامع زيادة تفصيل وتحقيق اوردناها في الشرح وانه من المباحث التى ما وجدنا احدا حام حول تحقيقها. (ومن محسنات الوصل) بعد وجود المصحح (تناسب الجملتين في الاسمية والفعلية و) تناسب (الفعليتين في المضى والمضارعة). فإذا اردت مجرد الاخبار من غير تعرض للتجدد في احديهما والثبوت في الاخرى قلت قام زيد وقعد عمرو وكذلك زيد قائم وعمرو قاعد (الا لمانع) مثل ان يراد في احديهما التجدد وفى الاخرى الثبوت فيقال قام زيد وعمرو قاعد أو يراد في احديهما المضى وفى الاخرى المضارعة فيقال زيد قام وعمرو يعقد أو يراد في احديهما الاطلاق وفى الاخرى التقييد بالشرط كقوله تعالى وقالوا لو لا انزل عليه ملك ولو انزلنا ملكا لقضى الامر، ومنه قوله تعالى فإذا جاء اجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون فعندي ان قوله ولا يستقدمون عطف على الشرطية قبلها لا على الجزاء اعني قوله لا يستأخرون إذ لا معنى لقولنا إذا جاء اجلهم لا يستقدمون. تذنيب هو جعل الشئ ذنابة للشئ شبه به ذكر بحث الجملة الحالية وكونها بالواو تارة وبدونها اخرى عقيب بحث الفصل والوصل لمكان

(1/151)


التناسب (اصل الحال
---
[ 161 ]
المنتقلة) أي الكثير الراجح فيها كما يقال الاصل في الكلام الحقيقة (ان تكون بغير واو) واحترز بالمنتقلة عن المؤكدة المقررة لمضمون الجملة فانها يجب ان تكون بغير واو البتة لشدة ارتباطها بمقابلها. وانما كان الاصل في المنتقلة الخلو عن الواو (لانها في المعنى حكم على صاحبها كالخبر) بالنسبة إلى المبتدأ فان قولك جاءني زيد راكبا اثبات الركوب لزيد كما في زيد راكب الا انه في الحال على سبيل التبعية وانما المقصود اثبات المجئ وجئت بالحال لتزيد في الاخبار عن المجئ هذا المعنى (ووصف له) أي ولانها في المعنى وصف لصاحبها (كالنعت) بالنسبة إلى المنعوت الا ان المقصود في الحال كون صاحبها على هذا الوصف حال مباشرة الفعل فهى قيد للفعل وبيان لكيفية وقوعه بخلاف النعت فانه لا يقصد به ذلك بل مجرد اتصاف المنعوت به وإذا كانت الحال مثل الخبر والنعت فكما انهما يكونان بدون الواو فكذلك الحال. واما ما اورده بعض النحويين من الاخبار والنعوت المصدرة بالواو كالخبر في باب كان والجملة الوصفية المصدرة بالواو التى تسمى واو تأكيد للصوق الصفة بالموصوف فعلى سبيل التشبيه والالحاق بالحال (لكن خولف) هذا الاصل (إذا كانت) الحال (جملة فانها) أي الجملة الواقعة حالا (من حيث هي جملة مستقلة بالافادة) من غير ان تتوقف على التعليق بما قبلها. وانما قال من حيث هي جملة لانها من حيث هي حال غير مستقلة بل متوقفة على التعليق بكلام سابق قصد تقييده بها (فتحتاج) الجلمة الواقعة حالا (إلى ما يربطها بصاحبها) الذى جعلت حالا عنه (وكل من الضمير والواو صالح للربط والاصل) الذى لا يعدل عنه ما لم تمس حاجة إلى زيادة ارتباط (هو الضمير بدليل) الاقتصار عليه في الحال (المفردة والخبر والنعت فالجملة) التى تقع حالا (ان خلت عن ضمير صاحبها) الذى تقع هي حالا عنه (وجب فيها الواو) ليحصل الارتباط فلا يجوز خرجت زيد قائم. ولما ذكر ان كل

(1/152)


جملة خلت عن الضمير وجبت فيها الواو اراد ان يبين ان أي
---
[ 162 ]
جملة يجوز ذلك فيها واى جملة لا يجوز ذلك فقال (وكل جملة خالية عن ضمير ما) أي الاسم الذى (يجوز ان ينتصب عنه حال) وذلك بان يكون فاعلا أو مفعولا معرفا أو منكرا مخصوصا لا نكرة محضة أو مبتدأ أو خبرا فانه لا يجوز ان ينتصب عنه حال على الاصل. وانما لم يقل عن ضمير صاحب الحال لان قوله كل جملة مبتدأ وخبره قوله (يصح ان تقع) تلك الجملة (حالا عنه) أي عما يجوز ان ينتصب عنه حالا (بالواو) وما لم يثبت له هذا الحكم اعني وقوع الحال عنه لم يصح اطلاق اسم صاحب الحال عليه الا مجازا. وانما قال ينتصب عنه حال ولم يقل يجوز ان تقع تلك الجملة حالا عنه لتدخل فيه الجملة الخالية عن الضمير المصدرة بالمضارع المثبت لان ذلك الاسم مما لا يجوز ان تقع تلك الجملة حالا عنه لكنه مما يجوز ان ينتصب عنه حال في الجملة وحينئذ يكون قوله كل جملة خالية عن ضمير ما يجوز ان ينتصب عنه حالا متنا ولا للمصدرة بالمضارع الخالية عن الضمير المذكور فيصح استثناؤها بقوله (الا المصدرة بالمضارع المثبت نحو جاء زيد ويتكلم عمرو) فانه لا يجوز ان يجعل ويتكلم عمرو حالا عن زيد (لما سيأتي) من ان ربط مثلها يجب ان يكون بالضمير فقط. ولا يخفى ان المراد بقوله كل جملة الجملة الصالحة للحالية في الجملة بخلاف الانشائيات فانها لا تقع حالا البتة لا مع الواو ولا بدونها (والا) عطف على قوله ان خلت أي وان لم تخل الجملة الحالية عن ضمير صاحبها (فان كانت فعلية والفعل مضارع مثبت امتنع دخولها) أي الواو (نحو ولا تمنن تستكثر) أي ولا تعط حال كونك تعد ما تعطيه كثيرا (لان الاصل) في الحال هي الحال (المفردة) لعراقة المفرد في الاعراب وتطفل الجملة عليه لوقوعها موقعه (وهى) أي المفردة (تدل على حصول صفة) أي معنى قائم بالغير لانها لبيان الهيئة التى عليها الفاعل أو المفعول والهيئة معنى قائم بالغير (غير ثابتة) لان

(1/153)


الكلام في الحال المستقلة (مقارن) ذلك الحصول (لما جعلت) الحال (قيدا له) يعنى العامل لان الغرض من الحال تخصيص وقوع
---
[ 163 ]
مضمون عاملها بوقت حصول مضمون الحال وهذا معنى المقارنة. (وهو) أي المضارع المثبت (كذلك) أي دال على حصول صفة غير ثابتة مقارن لما جعلت قيدا له جعلت قيدا له كالمفردة فتمتنع الواو فيه كما في المفردة (اما الحصول) أي اما دلالة المضارع المثبت على حصول صفة غير ثابتة (فلكونه فعلا) فيدل على التجدد وعدم الثبوت (مثبتا) فيدل على الحصول (واما المقارنة فلكونه مضارعا) فيصلح للحال كما يصلح للاستقبال. وفيه نظر لان الحال التى يدل عليها المضارع هو زمان التكلم وحقيقته اجزاء متعاقبة من اواخر الماضي واوائل المستقبل والحال التى نحن بصددها يجب ان يكون مقارنة لزمان مضمون الفعل المقيد بالحال ماضيا كان أو حالا أو استقبالا فلا دخل للمضارعة في المقارنة فالاولى ان يعلل امتناع الواو في المضارع المثبت بانه على وزن اسم الفاعل لفظا وبتقديره معنى (واما ما جاء من نحو) قول بعض العرب (قمت واصك وجهه وقوله فلما خشيت اظافيرهم) أي اسلحتهم (نجوت وارهنهم مالكا فقيل) انما جاء الواو في المضارع المثبت الواقع حالا (على) اعتبار (حذف المبتدأ) لتكون الجملة اسمية (أي وانا اصك وانا ارهنهم) كما في قوله تعالى لم تؤذونني وقد تعلمون انى رسول الله اليكم أي وانتم قد تعلمون. (وقيل الاول) أي قمت واصك وجهه (شاذ والثانى) أي نجوت وارهنهم (ضرورة وقال عبد القاهر هي) الواو (فيهما للعطف) لا للحال إذ ليس المعنى قمت صاكا وجهه ونجوت راهنا مالكا بل المضارع بمعنى الماضي (والاصل) قمت (وصككت) ونجوت ورهنت (عدل) عن لفظ الماضي (إلى) لفظ (المضارع حكاية للحال) الماضية ومعناها ان يفرض ما كان في الزمان الماضي واقعا في هذا الزمان فيعبر عنه بلفظ المضارع (وان كان الفعل) مضارعا (منفيا فالامر ان جايزان) الواو وتركه (كقرائة ابن ذكوان

(1/154)


فاستقيما ولا تتبعان، بالتخفيف) أي بتخفيف النون ولا تتبعان فيكون لا للنفي دون النهى لثبوت النون التى هي علامة الرفع فلا يصح عطفه على الامر الذى قبله فيكون الواو للحال بخلاف قرائة العامة ولا تتبعان بالتشديد فانه
---
[ 164 ]
نهى مؤكد معطوف على الامر قبله (ونحو قوله تعالى ومالنا) أي أي شئ ثبت لنا (لا نؤمن بالله) أي حالكوننا غير مؤمنين فالفعل المنفى حال بدون الواو. وانما جاز فيه الامران (لدلالته على المقارنة لكونه مضارعا دون الحصول لكونه منفيا) والمنفى انما يدل مطابقة على عدم الحصول (وكذا) يجوز الواو وتركه (ان كان) الفعل (ماضيا لفظا أو معنى كقوله تعالى) اخبارا عن زكريا عليه السلام (انى يكون لى غلام وقد بلغني الكبر) بالواو (وقوله أو جاؤكم حصرت صدورهم) بدون الواو هذا في الماضي لفظا. واما الماضي معنى فالمراد به المضارع المنفى بلم أو لما فانهما تقلبان معنى المضارع إلى الماضي فاورد للمنفى بلم مثالين احدهما مع الواو والاخر بدونه واقتصر في المنفى بلما على ما هو بالواو وكانه لم يطلع على مثال ترك الواو وفيه الا انه مقتضى القياس اشار إلى امثلة ذلك فقال. (وقوله انى يكون لى غلام ولم يمسسني بشر، وقوله فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء، وقوله ام حسبتم ان تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذى خلوا من قبلكم، اما المثبت) أي اما جواز الامرين في الماضي المثبت (فلدلالته على الحصول) يعنى حصول صفة غير ثابتة (لكونه فعلا مثبتا دون المقارنة لكونه ماضيا) فلا يقارن الحال. (ولهذا) أي ولعدم دلالته على المقارنة (شرط ان يكون مع قد ظاهرة) كما في قوله تعالى وقد بلغني الكبر (أو مقدرة) كما في قوله تعالى حصرت صدورهم لان قد تقرب الماضي من الحال والاشكال المذكور وارد ههنا وهو ان الحال التى نحن بصددها غير الحال التى تقابل الماضي وتقرب قد الماضي منها فتجوز المقارنة إذا كان الحال والعامل ماضيين ولفظ قد انما تقرب

(1/155)


الماضي من الحال التى هي زمان التكلم. وربما تبعده عن الحال التى نحن بصددها كما في قولنا جاءني زيد في السنة الماضية وقد ركب فرسه، والاعتذار عن ذلك مذكور في الشرح. (واما المنفى) أي اما جواز الامرين في الماضي المنفى (فلدلالته على المقارنة
---
[ 165 ]
دون الحصول اما الاول) أي دلالته على المقارنة (فلان لما للاستغراق) أي لامتداد النفى ؟ ؟ حين الانتفاء إلى زمان التكلم (وغيرها) أي غير لما مثل لما وما (لانتفاء متقدم) على زمان التكلم (ان الاصل استمراره) أي استمرار ذلك الانتفاء لما سيجئ حتى تظهر قرينة على الانقطاع كما في قولنا لم يضرب زيد امس لكنه ضرب اليوم (فيحصل به) أي باستمرار النفى أو بان الاصل فيه الاستمرار (الدلالة عليها) أي على المقارنة (عند الاطلاق) وترك التقييد بما يدل على انقطاع ذلك الانتفاء (بخلاف المثبت فان وضع الفعل على افادة التجدد) من غير ان يكون الاصل استمراره. فإذا قلت ضرب مثلا كفى في صدقه وقوع الضرب في جزء من اجزاء الزمان الماضي. وإذا قلت ما ضرب افاد استغراق النفى لجميع اجزاء الزمان الماضي لكن لا قطعيا بخلاف لما وذلك لانهم قصدوا ان يكون الاثبات والنفى في طرفي النقيض. ولا يخفى ان الاثبات في الجملة انما ينافيه النفى دائما. (وتحقيقه) أي تحقيق هذا الكلام (ان استمرار العدم لا يفتقر إلى سبب بخلاف استمرار الوجود) يعنى ان بقاء الحادث وهو استمرار وجوده يحتاج إلى سبب موجود لانه وجود عقيب وجود ولابد للوجود الحادث من السبب بخلاف استمرار العدم فانه عدم فلا يحتاج إلى وجود سبب بل يكفيه مجرد انتفاء سبب الوجود والاصل في الحوادث العدم حتى توجد عللها. وبالجملة لما كان الاصل في المنفى الاستمرار حصلت من الاطلاق الدلالة على المقارنة. (واما الثاني) أي عدم دلالته على الحصول (فلكونه منفيا) هذا إذا كانت الجملة فعلية (وان كانت اسمية فالمشهور جواز تركها) أي الواو (لعكس ما مر في الماضي المثبت)

(1/156)


أي لدلالة الاسمية على المقارنة لكونها مستمرة لا على حصول صفة
---
[ 166 ]
غير ثابتة لدلالتها على الدوام والثبات (نحو كلمته فوه إلى في) بمعنى مشافها. (و) ايضا المشهور (ان دخولها) أي الواو (اولى) من تركها (لعدم دلالتها) أي الجملة الاسمية (على عدم الثبوت مع ظهور الاستيناف فيها فحسن زيادة رابطة نحو فلا تجعلوا لله اندادا وانتم تعلمون،) أي وانتم من اهل العلم والمعرفة وانتم تعلمون ما بينهما من التفاوت (وقال عبد القاهر ان كان المبتدأ) في الجملة الاسمية الحالية (ضمير ذى الحال وجبت) أي الواو سواء كان خبره فعلا (نحو جاء زيد وهو يسرع أو) اسما نحو جاء زيد (وهو مسرع). وذلك لان الجملة لا تترك فيها الواو حتى تدخل في صلة العامل وتنضم إليه في الاثبات وتقدر تقدير المفرد في ان لا يستأنف لها الاثبات وهذا مما يمتنع في نحو جاء زيد وهو يسرع أو وهو مسرع لانك إذا اعدت ذكر زيد وجئت بضميره المنفصل المرفوع كان بمنزلة اعادة اسمه صريحا في انك لا تجد سبيلا إلى ان تدخل يسرع في صلة المجئ وتضمه إليه في الاثبات لان اعادة ذكره لا تكون حتى تقصد استيناف الخبر عنه بانه يسرع والا لكنت تركت المبتدأ بمضيعة وجعلته لغوا في البين وجرى مجرى ان تقول جاءني زيد وعمرو يسرع امامه ثم تزعم انك لم تستأنف كلاما ولم تبتدأ للسرعه اثباتا. وعلى هذا فالاصل والقياس ان لا تجئ الجملة الاسمية الا مع الواو وما جاء بدونه فسبيله سبيل الشئ الخارج عن قياسه واصله بضرب من التأويل ونوع من التشبيه. هذا كلامه في دلائل الاعجاز وهو مشعر بوجوب الواو في نحو جاءني زيد وزيد يسرع أو مسرع امامه وجاء زيد وعمرو يسرع أو مسرع امامه بالطريق الاولى ثم قال الشيخ (وان جعل نحو على كتفه سيف حالا كثر فيها) أي في تلك الحال (تركها) أي ترك الواو (نحو) قول بشار: إذا انكرتني بلدة أو نكرتها * (خرجت مع البازى على سواد) أي بقية من الليل يعنى إذا لم يعرف قدري اهل بلدة أو لم

(1/157)


اعرفهم خرجت
---
[ 167 ]
منهم مصاحبا للبازى الذى هو ابكر الطيور مشتملا على شئ من ظلمة الليل غير منتظر لاسفار الصبح فقوله على سواد حال ترك فيها الواو. ثم قال الشيخ الوجه ان يكون الاسم في مثل هذا فاعلا بالظرف لاعتماده على ذى الحال لا مبتدأ وينبغى ان يقدر ههنا خصوصا ان الظرف في تقدير اسم الفاعل دون الفعل اللهم ان لا يقدر فعل ماض هذا كلامه وفيه بحث والظاهر ان مثل على كتفه سيف يحتمل ان يكون في تقدير المفرد وان يكون جملة اسمية قدم خبرها وان يكون فعلية مقدرة بالماضي أو المضارع فعل التقديرين يمتنع الواو وعلى التقديرين لا تجب الواو فمن اجل هذا كثر تركها، وقال الشيخ ايضا (ويحسن الترك) أي ترك الواو في الجملة الاسمية (تارة لدخول حرف على المبتدأ) يحصل بذلك الحرف نوع من الارتباط (كقوله: فقلت عسى ان تبصريني كأنما * بنى حوالى الاسود الحوارد ") من حرد إذا غضب فقوله بنى الاسود جملة اسمية وقعت حالا من مفعول تبصريني ولو لا دخول كانما عليها لم يحسن الكلام الا بالواو وقوله حوالى أي في اكنافي وجوانبي حال من بنى لما في حرف التشبيه من معنى الفعل (و) يحسن الترك تارة اخرى (لوقوع الجملة الاسمية) الواقعة حالا (بعقب مفرد) حال (كقوله: " الله يبقيك لنا سالما * بر داك تبجيل وتعظيم ") فقوله برداك تبجيل حال ولو لم يتقدمها قوله سالما لم يحسن فيها ترك الواو.
---
[ 169 ]

(1/158)


الباب الثامن الايجاز والاطناب والمساواة (قال السكاكى اما الايجاز والاطناب فلكونهما نسبيين) أي من الامور النسبية التي يكون تعلقها بالقياس إلى تعقل شي آخر فان الموجز انما يكون موجزا بالنسبة إلى كلام ازيد منه وكذا المطنب انما يكون مطنبا بالنسبة إلى ما هو انقض منه (لا يتسير الكلام فيها الا بترك التحقيق والتعيين) أي لا يمكن التنصيص على ان هذا المقدار من الكلام ايجاز وذلك اطناب اذرب كلام موجز يكون مطنبا بالنسبة إلى كلام آخر وبالعكس. (والبناء على امر عرفى) أي والا بالبناء على امر يعرفه اهل العرف (وهو متعارف الاوساط) الذين ليسوا في مرتبة البلاغة ولا في غاية الفهاهة (أي كلامهم في مجرى عرفهم في تأديه المعاني) عند المعاملات والمحاورات (وهو) أي هذا الكلام (لا يحمد) من الاوساط (في باب البلاغة) لعدم رعاية مقتضيات الاحوال (ولا يذم) ايضا منهم لان غرضهم تأديه اصل المعنى بدلالات وضعية والفاظ كيف كانت ومجرد تأليف يخرجها عن حكم النعيق. (فالا يجاز اداء المقصود باقل من عبارة المتعارف والاطناب اداؤه باكثر منها ثم قال) أي السكاكى (الاختصار لكونه نسبيا يرجع فيه تارة إلى ما سبق) أي إلى كون عبارة المتعارف اكثر منه (و) يرجع تارة (اخرى إلى كون المقام خليقا بابسط مما ذكر) أي من الكلام الذى ذكره المتكلم. وتوهم بعضهم ان المراد بما ذكر متعارف الاوساط وهو غلط لا يخفى على من له قلب أو القى السمع وهو شهيد يعنى كما ان الكلام يوصف بالايجاز لكونه اقل من
---
[ 170 ]

(1/159)


المتعارف كذلك يوصف به لكونه اقل مما يقتضيه المقام بحسب الظاهر، وانما قلنا بحسب الظاهر لانه لو كان اقل مما يقتضيه المقام ظاهرا وتحقيقا لم يكن في شئ من البلاغة مثاله قوله تعالى رب انى وهن العظم منى واشتعل الرأس شيبا، من الاية فانه اطناب بالنسبة إلى المتعارف اعني قولنا يا رب شخت وايجاز بالنسبة إلى مقتضى المقام ظاهرا لانه مقام بيان انقراض الشباب والمام المشيب فينبغي ان يبسط فيه الكلام غاية البسط فالايجاز معنيان بينهما عموم من وجه. (وفيه نظر لان كون الشئ امرا نسبيا لا يقتضى تعسر تحقيق معناه) إذ كثيرا ما تحقق معاني الامور النسبية وتعرف بتعريفات تليق بها كالابوة والاخوة وغيرهما. والجواب انه لم يرد تعسر بيان معناهما لان ما ذكر بيان لمعناها بل اراد تعسر التحقيق والتعيين في ان هذا القدر ايجاز وذلك اطناب (ثم البناء على المتعارف والبسط الموصوف) بان يقال الايجاز هو الاداء باقل من المتعارف أو مما يليق بالمقام من كلام ابسط من الكلام المذكور (رد إلى الجهالة) إذ لا تعرف كمية متعارف الاوساط وكيفيتها لاختلاف طبقاتهم ولا يعرف ان كل مقام أي مقدار يقتضى من البسط حتى يقاس عليه ويرجع إليه. والجواب ان الالفاظ قوالب المعاني والاوساط الذين لا يقدرون في تأديه المعاني على اختلاف العبارات والتصرف في لطائف الاعتبارات لهم حد معلوم من الكلام يجرى فيما بينهم في المحاورات و ؟ ؟ وهذا معلوم للبلغاء وغيرهم فالبناء على المتعارف واضح بالنسبة اليهما جميعا. واما البناء على البسط الموصوف فانما هو معلوم للبلغاء العارفين لمقتضيات الاحوال بقدر ما يمكن لهم البسط فلا يجهل عندهم ما يقتضيه كل مقام من مقدار البسط. (والا قرب) إلى الصواب (ان يقال المقبول من طرق التعبير عن المراد تأدية اصله بلفظ مساوله) أي لاصل المراد (أو) بلفظ (ناقص عنه واف أو بلفظ زائد
---
[ 171 ]

(1/160)


عليه لفائدة) فالمساواة ان يكون اللفظ بمقدار اصل المراد والايجاز ان يكون ناقصا عنه وافيا به والاطناب ان يكون زائدا عليه لفائدة. (واحترز بواف عن الاخلال) وهو ان يكون اللفظ ناقصا عن اصل المراد غير واف به (كقوله والعيش خير في ظلال النوك) أي الحمق والجهالة (ممن عاش كدا) أي خير ممن عاش مكدودا متعوبا (أي الناعم في ظلال العقل) يعنى ان اصل المراد ان العيش الناعم في ظلال النوك خير من العيش الشاق في ظلال العقل ولفظه غير واف بذلك فيكون مخلا فلا يكون مقبولا (و) احترز (بفائدة عن التطويل) وهو ان يزيد اللفظ على الاصل المراد لا لفائدة ولا يكون اللفظ الزائد متعينا (نحو) قوله وقددت الاديم لراهشيه (والفى) أي وجد (قولها كذبا ومينا) والكذب والمين واحد لا فائدة في الجمع بينهما. قوله قددت أي قطعت والراهشان عرقان في باطن الذراعين والضمير في راهشيه وفى الفى لجذيمة الابرش وفى قددت وفى قولها للزباء والبيت في قصة قتل الزباء لجذيمة وهى معروفة (و) احترز ايضا بفائدة (عن الحشو) وهو زيادة معينة لا لفائدة (المفسد) للمعنى (كالندى في قوله ولا فضل فيها) أي في الدنيا. (للشجاعة والندى.. * وصبر الفتى لو لا لقاء شعوب ") هي علم للمنية صرفها للضرورة وعدم الفضيلة على تقدير عدم الموت انما يظهر في الشجاعة والصبر لتيقن الشجاع بعدم الهلاك وتيقن الصابر بزوال المكروه بخلاف الباذل ماله إذا تيقن بالخلود وعرف احتياجه إلى المال دائما فان بذله حينئذ افضل مما إذا تيقن بالموت وتخليف المال وغاية اعتذاره ما ذكره الامام ابن جنى وهو ان في الخلود وتنقل الاحوال فيه من عسر إلى يسر ومن شدة إلى رخاء ما يسكن النفوس ويسهل البؤس فلا يظهر لبذل المال كثير فضل (و) عن الحشو (غير المفسد) للمعنى. (كقوله واعلم علم اليوم والامس قبله)، ولكننى عن علم ما في غد عمى، فلفظ قبله حشو غير مفسد وهذا بخلاف ما يقال ابصرته بعينى وسمعته باذنى وكتبته
---
[ 172 ]

(1/161)


بيدى في مقام يفتقر إلى التأكيد. (المساواة) قدمها لانها الاصل المقيس عليه (نحو ولا يحيق المكر السيئى الا باهله، وقوله: فانك كالليل الذى هو مدركى * وان خلت ان المنتأى عنك واسع ") أي موضع البعد عنك ذو سعة شبهه في حال سخطه وهو له بالليل، قيل في الاية حذف المستثنى منه وفى البيت حذف جواب الشرط فيكون في كل منهما ايجازا لا مساواة. وفيه نظر لان اعتبار هذا الحذف رعاية لامر لفظي لا يفتقر إليه في تأدية اصل المراد حتى لو صرح به لكان اطنابا بل تطويلا. وبالجملة لا نسلم ان لفظ الاية والبيت ناقص عن اصل المراد. والايجاز (ضربان ايجاز القصر وهو ما ليس بحذف نحو قوله تعالى ولكم في القصاص حيوة، فان معناه كثير ولفظه يسير) وذلك لان معناه ان الانسان إذا علم انه متى قتل قتل كان ذلك داعيا له إلى الا يقدم على القتل فارتفع بالقتل الذى هو القصاص كثير من قتل الناس بعضهم لبعض وكان بارتفاع القتل حياة لهم. (ولا حذف فيه) أي ليس فيه حذف شئ مما يؤدى به اصل المراد واعتبار الفعل الذى يتعلق به الظرف رعاية لامر لفظي حتى لو ذكر لكان تطويلا (وفضله) أي رجحان قوله ولكم في القصاص حيوة (على ما كان عندهم أو جز كلام في هذا المعنى وهو) قولهم (القتل انفي للقتل بقلة حروف ما يناظره) أي اللفظ الذى يناظر قولهم القتل انفي للقتل (منه) أي من قوله تعالى ولكم في القصاص حيوة وما يناظره منه هو قوله في القصاص حيوة لان قوله ولكم زائد على معنى قولهم القتل انفي للقتل. فحروف في القصاص حياة مع التنوين احد عشر وحروف القتل انفي للقتل
---
[ 173 ]

(1/162)


اربعة عشرة اعني الحروف الملفوظة إذ بالعبارة يتعلق الايجاز لا بالكتابة (والنص) أي وبالنص (على المطلوب) يعنى الحياة (وما يفيده تنكير حيوة من التعظيم لمنعه) أي منع القصاص اياهم (عما كانوا عليه من قتل جماعة بواحد) فحصل لهم في هذا الجنس من الحكم اعني القصاص حيوة عظيمة (أو) من النوعية أي لكم في القصاص نوع من الحياة وهى الحياة (الحاصلة للمقتول) أي الذى يقصد قتله (والقاتل) أي الذى يقصد القتل (بالارتداع) عن القتل لمكان العلم بالاقتصاص (واطراده) أي ويكون قوله ولكم في القصاص حيوة مطردا إذا الاقتصاص مطلقا سبب للحياة بخلاف القتل فانه قد يكون انفي للقتل كالذى على وجه القصاص وقد يكون ادعى له كالقتل ظلما (وخلوه عن التكرار) بخلاف قولهم فانه يشتمل على تكرار القتل. ولا يخفى ان الخالى عن التكرار افضل من المشتمل عليه وان لم يكن مخلا بالفصاحة (واستغنائه عن تقدير محذوف) بخلاف قولهم فان تقديره القتل انفي للقتل من تركه (والمطابقة) أي وباشتماله على صنعة المطابقة وهي الجمع بين معنيين متقابلين في الجملة كالقصاص والحياة (وايجاز الحذف) عطف على قوله ايجاز القصر. (والمحذوف اما جزء جملة) عمدة كان أو فضلة (مضاف) بدل من جزء جملة (نحو واسأل القرية) اي اهل القرية (أو موصوف نحو انا ابن جلا) وطلاع الثنايا، متى اضع العمامة تعرفوني، الثنية العقبة وفلان طلاع الثنايا أي ركاب لصعاب الامور وقوله جلا جملة وقعت صفة لمحذوف (أي) انا ابن (رجل جلا) أي انكشف امره أو كشف الامور. وقيل جلا ههنا علم وحذف التنوين باعتبار انه منقول عن الجملة اعني الفعل مع الضمير لا عن الفعل وحده (أو صفة نحو وكان وراء هم ملك يأخذ كل سفينة غصبا) أي كل سفينة (صحيحة أو نحوها) كسليمة أو غير معيبة (بدليل ما قبله) وهو قوله فاردت ان اعيبها لدلالته على ان الملك كان لا يأخذ المعيبة (أو شرط كما مر) في اخر باب الانشاء (أو جواب شرط) وحذفه يكون (اما لمجرد

(1/163)


الاختصار
---
[ 174 ]
نحو قوله تعالى وإذا قيل لهم اتقوا ما بين ايديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون) فهذا شرط حذف جوابه (أي اعرضوا بدليل ما بعده) وهو قوله تعالى وما تأتيهم من آية من آيات ربهم الا كانوا عنها معرضين (أو للدلالة على انه) اي جواب الشرط (شئ لا يحيط به الوصف أو لتذهب نفس السامع كل مذهب ممكن مثالهما ولو ترى إذ وقفوا على النار) فحذف جواب الشرط للدلالة على انه لا يحيط به الوصف أو لتذهب نفس السامع كل مذهب ممكن (أو غير ذلك) المذكور كالمسند إليه والمسند والمفعول كما مر في الابواب السابقة وكالمعطوف مع حرف العطف (نحو لا يستوى منكم من انفق من قبل الفتح وقاتل أي ومن انفق من بعده وقاتل بدليل ما بعده) يعنى قوله تعالى اولئك اعظم درجة من الذين انفقوا من بعد وقاتلوا (واما جملة) عطف على اما جزء جملة. فان قلت ماذا اراد بالجملة ههنا حيث لم يعد الشرط والجزاء جملة. قلت اراد الكلام المستقل الذى لا يكون جزء من كلام آخر (مسببة عن) سبب (مذكور نحو ليحق الحق ويبطل الباطل) فهذا سبب مذكور حذف مسببه (أي فعل ما فعل أو سبب لمذكور نحو) قوله تعالى فقلنا اضرب بعصاك الحجر (فانفجرت ان قدر فضربه بها) فيكون قوله فضر به بها جملة محذوفة هي سبب لقوله فانفجرت (ويجوز ان يقدر فان ضربت بها فقد انفجرت) فيكون المحذوف جزء جملة هو الشرط ومثل هذه الفاء يسمى فاء فصيحة قيل على التقدير الاول وقيل على التقدير الثاني. وقيل على التقديرين (أو غيرهما) أي غير المسبب والسبب (نحو فنعم الماهدون على ما مر) في بحث الاستيناف من انه على حذف المبتدأ والخبر على قول من يجعل المخصوص خبر مبتدأ محذوف (واما اكثر) عطف على اما جملة أي اكثر (من جملة) واحدة (نحو انا انبئكم بتأويله فارسلون يوسف، أي) فارسلوني (إلى يوسف لاستعبره الرؤيا ففعلوا فأتاه فقال له يا يوسف والحذف على وجهين ان لا يقام شى ء مقام المحذوف) بل يكتفى بالقرينة (كما مر) في الامثلة

(1/164)


السابقة (وان يقام
---
[ 175 ]
نحو وان يكذبوك قوله فقد كذبت رسل من قبلك) فقد كذبت ليس جزاء الشرط لان تكذيب الرسل متقدم على تكذيبه بل هو سبب لمضمون الجواب المحذوف اقيم مقامه (أي فلا تحزن واصبر) ثم الحذف لابد له من دليل (وادلته كثيرة منها ان يدل العقل عليه) أي على الحذف (والمقصود الاظهر على تعيين المحذوف نحو حرمت عليكم الميتة والدم). فالعقل دل على ان هنا حذفا إذ الاحكام الشرعية انما تتعلق بالافعال دون الاعيان والمقصود الاظهر من هذه الاشياء المذكورة في الاية تناولها الشامل للاكل وشرب الالبان فدل على تعيين المحذوف وفى قوله منها ان يدل ادنى تسامح فكأنه على حذف مضاف. (ومنها ان يدل العقل عليهما) أي على الحذف وتعيين المحذوف (نحو وجاء ربك) فالعقل يدل على امتناع مجئ الرب تعالى وتقدس ويدل على تعيين المراد ايضا. (اي امره أو عذابه) فالامر المعين الذي دل عليه العقل هو احد الامرين لا احدهما على التعيين. (ومنها ان يدل العقل عليه والعادة على التعيين نحو فذلكن الذى لمتننى فيه) فان العقل دل على ان فيه حذفا إذ لا معنى للوم الانسان على ذات الشخص واما تعيين المحذوف (فانه يحتمل) ان يقدر (وفى حبه لقوله تعالى قد شغفها حبا وفى مراودته لقوله تعالى تراود فتاها عن نفسه وفى شانه حتى يشملهما) أي الحب والمراودة (والعادة دلت على الثاني) أي مراودته (لان الحب المفرط لايلام صاحبه عليه في العادة لقهره) أي الحب المفرط (اياه) أي صاحبه فلا يجوز ان يقدر في حبه ولا في شانه لكونه شاملا له فيتعين ان يقدر في مراودته نظرا إلى العادة. (ومنها الشروع في الفعل) يعنى من ادلة تعيين المحذوف لا من ادلة الحذف لان دليل الحذف ههنا هو ان الجار والمجرور لابد من ان يتعلق بشئ والشروع في الفعل على انه ذلك الفعل الذى شرع فيه (نحو بسم الله فيقدر ما جعلت التسمية مبتدأ له) ففى القرائة يقدر بسم الله اقرأ وعلى هذا القياس.
---
[ 176 ]

(1/165)


(ومنها) أي من ادلة تعيين المحذوف (الاقتران كقولهم للمعرس بالرفاء والبنين) فان مقارنة هذا الكلام لاعراس المخاطب دل على تعيين المحذوف (أي اعرست) أو مقارنة المخاطب بالاعراس وتلبسه به دل على ذلك، والرفاء هو الالتيام والاتفاق والباء للملابسة. والاطناب (اما بالايضاح بعد الابهام ليرى المعنى في صورتين مختلفتين (احديهما مبهمة والاخرى موضحة وعلمان خير من علم واحد (أو ليتمكن في النفس فضل تمكن) لما جبل الله النفوس عليه من ان الشئ إذا ذكر مبهما ثم بين كان اوقع عندها (أو لتكمل لذة العلم به) أي بالمعنى لما لا يخفى من ان نيل الشئ بعد الشوق والطلب الذ (نحو رب اشرح لى صدري فان اشرح لى يفيد طلب شرح لشئ ماله) أي للطالب (وصدري يفيد تفسيره) أي تفسير ذلك الشئ. (ومنه) أي ومن الايضاح بعد الابهام (باب نعم على احد القولين) أي قول من يجعل المخصوص خبر مبتدأ محذوف (إذ لو اريد الاختصار) أي تلك الاطناب (كفى نعم زيد) وفى هذا اشعار بان الاختصار قد يطلق على ما يشتمل المساواة ايضا (ووجه حسنه) أي حسن باب نعم (سوى ما ذكر) من الايضاح بعد الابهام (ابراز الكلام في معرض الاعتدال) من جهة الاطناب بالايضاح بعد الابهام والايجاز بحذف المبتدأ (وايهام الجمع بين المتنافيين) أي الايجاز والاطناب. وقيل الاجمال والتفصيل، ولا شك ان ايهام الجمع بين المتنافيين من الامور المستغربة التى تستلذ بها النفس وانما قال ايهام الجمع لان حقيقة جمع المتنافيين ان يصدق على ذات واحدة وصفان يمتنع اجتماعهما على شئ واحد في زمان واحد من جهة واحدة وهو محال. (ومنه) أي من الايضاح بعد الابهام (التوشيع وهو) في اللغة لف القطن
---
[ 177 ]

(1/166)


المندوف وفى الاصطلاح (ان يؤتى في عجز الكلام بمثنى مفسر باسمين ثانيهما معطوف على الاول نحو يشيب ابن آدم ويشب فيه خصلتان الحرص وطول الامل واما بذكر الخاص بعد العام) عطف على قوله اما بالايضاح بعد الابهام. والمراد الذكر على سبيل العطف (للتنبيه على فضله) أي مزية الخاص (حتى كأنه ليس من جنسه) أي العام (تنزيلا للتغاير في الوصف منزلة التغاير في الذات) يعنى انه لما امتاز عن سائر افراد العام بماله من الاوصاف الشريفة جعل كأنه شئ آخر مغاير للعام لا يشمله العام ولا يعرف حكمه منه (نحو حافظوا على الصلوات والصلوة الوسطى) أي الوسطى من الصلوات أو الفضلى من قولهم للافضل الاوسط وهى صلاة العصر عند الاكثر (واما بالتكرير لنكتة) ليكون اطنابا لا تطويلا وتلك النكتة (كتأكيد الانذار في كلا سوف تعلمون، ثم كلا سوف تعلمون). فقوله كلاردع عن الانهماك في الدنيا وتنبيه على انه لا ينبغى للناظر لنفسه ان تكون الدنيا جميع همه وان لا يهتم بدينه وسوف تعلمون انذار وتخويف أي سوف تعلمون الخطاء فيما انتم عليه إذا عاينتم ما قدامكم من هول المحشر وفى تكريره تأكيد للردع والانذار (وفى ثم) دلالة (على ان الانذار الثاني ابلغ) من الاول تنزيلا لبعد المرتبة منزلة بعد الزمان واستعمالا للفظ ثم في مجرد التدريج في درج الارتقاء (واما بالايغال) من اوغل في البلاد إذا ابعد فيها واختلف في تفسيره. (فقيل هو ختم البيت بما يفيد نكتة يتم المعنى بدونها كزيادة المبالغة في قولها) أي في قول الخنساء في مرثية اخيها صخر (وان صخر التأتم) أي يقتدى (الهداة به، كأنه علم) أي جبل مرتفع (في رأسه نار) فقولها كأنه علم واف بالمقصود اعني التشبيه بما يهتدى به الا ان في قولها في رأسه نار زيادة مبالغة. (وتحقيق) أي وكتحقيق التشبيه في قول امرء القيس (كان عيون الوحش حول خبائنا) أي خيامنا) وارحلنا الجزع الذى لم يثقب) الجزع بالفتح الحرز اليماني الذى فيه سواد وبياض شبه

(1/167)


به عيون الوحش واتى بقوله لم يثقب تحقيقا للتشبيه لانه إذا كان غير مثقوب كان اشبه بالعين قال الاصمعي الظبى والبقرة إذا كانا حيين
---
[ 178 ]
فعيونهما كلها سواد فإذا ما تا بدا بياضها وانما شبها بالجزع وفيه سواد وبياض بعد ما ماتت والمراد كثرة الصيد يعنى مما اكلنا كثرت العيون عندنا كذا في شرح ديوان امرء القيس، فعلى هذا التفسير يختص الايغال بالشعر. (وقيل لا يختص بالشعر) بل هو ختم الكلام بما يفيد نكتة يتم المعنى بدونها (ومثل لذلك) في غير الشعر (بقوله تعالى " قال يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم اجرا وهم مهتدون) فقوله وهم مهتدون مما يتم المعنى بدونه لان الرسول مهتد لا محالة الا ان فيه زيادة حث على الاتباع وترغيب في الرسل. (واما بالتذييل وهو تعقيب الجملة بجملة اخرى يشتمل على معناها) أي معنى الجملة الاولى (للتأكيد) فهو اعم من الايغال من جهة انه يكون في ختم الكلام وغيره واخص من جهة ان الايغال قد يكون بغير الجملة ولغير التأكيد (وهو) أي التذييل (ضربان ضرب لم يخرج مخرج المثل بان لم يستقل بافادة المراد) بل يتوقف على ما قبله (نحو ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازى الا الكفور على وجه) وهو ان يراد وهل نجازى ذلك الجزاء المخصوص الا الكفور فيتعلق بما قبله واما على الوجه الآخر وهو ان يراد وهل نعاقب الا الكفور بناء على ان المجازاة هي المكافاة ان خيرا فخيرا وان شرا فشرا فهو من الضرب الثاني (وضرب اخرج مخرج المثل) بان يقصد بالجملة الثانية حكم كلى منفصل عما قبله جار مجرى الامثال في الاستقلال وفشوا الاستعمال (نحو وقل جاء الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقا وهو ايضا) أي التذييل ينقسم قسمة اخرى واتى بلفظة ايضا تنبيها على ان هذا التقسيم للتذييل مطلقا لا للضرب الثاني منه (اما) ان يكون (لتأكيد منطوق كهذه الآية) فان زهوق الباطل منطوق في قوله وزهق الباطل. (واما لتأكيد مفهوم كقوله ولست) على لفظ

(1/168)


الخطاب (بمستبق اخا لا تلمه) حال من اخا لعمومه أو من ضمير المخاطب في لست (على شعث) أي تفرق حال وذميم خصال فهذا الكلام دل بمفهومه على نفى الكامل من الرجال وقد اكده بقوله (أي الرجال المهذب) استفهام بمعنى الانكار أي ليس في الرجال منقح الفعال
---
[ 179 ]
مرضى الخصال. (واما بالتكميل ويسمى الاختراس ايضا) لان فيه التوقى والاحتراز عن توهم خلاف المقصود (وهو ان يؤتى في كلام يوهم خلاف المقصود بما يدفعه) أي يدفع ايهام خلاف المقصود وذلك الدافع قد يكون في آخر الكلام فالاول (كقوله فسقى ديارك غير مفسدها) نصب على الحال من فاعل سقى وهو (صوب الربيع) أي سقى نزول المطر ووقوعه في الربيع (وديمة تهمى) أي تسيل فلما كان نزول المطر قد يؤل إلى خراب الديار وفسادها اتى بقوله غير مفسدها دفعا لذلك. (و) الثاني (نحو اذلة على المؤمنين) فانه لما كان مما يوهم ان يكون ذلك لضعفهم دفعه بقوله (اعزة على الكافرين) تنبيها على ان ذلك تواضع منهم للمؤمنين ولهذا عدى الذل بعلى لتضمنه معنى العطف ويجوز ان يقصد بالتعدية بعلى الدلالة على انهم مع شرفهم وعلو طبقتهم وفضلهم على المؤمنين خافضون لهم اجنحتهم. (واما بالتتميم وهو ان يؤتى في كلام لا يوهم خلاف المقصود بفضلة) مثل مفعول أو حال أو نحو ذلك مما ليس بجملة مستقلة ولا ركن كلام. ومن زعم انه اراد بالفضلة ما يتم اصل المعنى بدونه فقد كذبه كلام المصنف في الايضاح وانه لا تخصيص لذلك بالتتميم (لنكتة كالمبالغة نحو ويطعمون الطعام على حبه، في وجه) وهو ان يكون الضمير في حبه للطعام (أي) ويطعمون (مع حبه) والاحتياج إليه وان جعل الضمير لله تعالى أي يطعمونه على حب الله فهو لتأدية اصل المراد (واما بالاعتراض وهو ان يؤتى في اثناء الكلام أو بين كلامين متصلين معنى بجملة أو اكثر لامحل لها من الاعراب لنكتة سوى دفع الايهام) لم يرد بالكلام مجموع المسند إليه والمسند فقط بل مع جميع ما يتعلق بهما من

(1/169)


الفضلات والتوابع. والمراد باتصال الكلامين ان يكون الثاني بيانا للاول أو تأكيدا أو بدلا منه (كالتنزيه في قوله تعالى ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون) فقوله سبحانه جمله لانه مصدر بتقدير الفعل وقعت في اثناء الكلام لان قوله ولهم ما يشتهون عطف على قوله لله البنات (والدعاء في قوله.
---
[ 180 ]
" ان الشمانين وبلغتها، قد احوجت سمعي إلى ترجمان ") أي مفسر ومكرر فقوله بلغتها اعتراض في اثناء الكلام لقصد الدعاء والواو في مثله تسمى واو اعتراضية ليست بعاطفة ولا حالية. (والتنبيه في قوله واعلم فعلم المرء ينفعه) هذا اعتراض بين اعلم ومفعوله وهو (ان سوف يأتي كل ما قدرا) ان هي المخففة من المثقلة وضمير الشان محذوف يعنى ان المقدورات البتة تأتى وان وقع فيه تأخير ما. وفى هذا تسلية وتسهيل للامر فالاعتراض يباين التتميم لانه انما يكون بفضلة والفضلة لابد لها من اعراب ويباين التكميل لانه انما يقع لدفع ابهام خلاف المقصود ويباين الايغال لانه لا يكون الا في آخر الكلام لكنه يشمل بعض صور التذييل وهو ما يكون بجملة لا محل لها من الاعراب وقعت بين جملتين متصلتين معنى لانه كما لم يشترط في التذييل ان يكون بين كلامين لم يشترط فيه ان لا يكون بين كلامين فتأمل حتى يظهر لك فساد ما قيل انه يباين التذييل بناء على انه لم يشترط فيه ان يكون بين كلامين متصلين معنى. (ومما جاء) أي ومن الاعتراض الذى وقع (بين كلامين) متصلين (وهو اكثر من جملة ايضا) أي كما ان الواقع بينهما هو اكثر من جملة (نحو قوله تعالى فأتوهن من حيث امركم الله ان الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) فهذا اعتراض اكثر من جملة لانه كلام يشتمل على جملتين وقع بين كلامين اولهما قوله فأتوهن من حيث امركم الله وثانيهما قوله (نساؤكم حرث لكم) والكلامان متصلان معنى. (فان قوله نساؤكم حرث لكم بيان لقوله فأتوهن من حيث امركم الله) وهو مكان الحرث فان الغرض الاصلى من

(1/170)


الاتيان طلب النسل لا قضاء الشهوة والنكتة في هذا الاعتراض الترغيب فيما امروا به والتنفير عما نهوا عنه (وقال قوم قد تكون النكتة فيه) أي في الاعتراض (غير ما ذكر) مما سوى دفع الايهام حتى انه قد يكون لدفع ايهام خلاف المقصود (ثم) القائلون بان النكتة فيه قد تكون لدفع الايهام افترقوا فرقتين (جوز بعضهم وقوعه) أي الاعتراض (في آخر جملة لا تليها جملة متصلة
---
[ 181 ]
بها) وذلك بان لا تلى الجملة جملة اخرى اصلا فيكون الاعتراض في آخر الكلام أو تليها جملة اخرى غير متصلة بها معنى. وهذا الاصطلاح مذكور في مواضع من الكشاف فالاعتراض عند هؤلاء ان يؤتى في اثناء الكلام أو في آخره أو بين كلامين متصلين أو غير متصلين بجملة أو اكثر لامحل لها من الاعراب لنكتة سواء كانت دفع الايهام أو غيره (فيشمل) أي الاعتراض بهذا التفسير (التذييل) مطلقا لانه يجب ان يكون بجملة لا محل لها من الاعراب وان لم يذكره المصنف (وبعض صور التكميل) وهو ما يكون بجملة لا محل لها من الاعراب فان التكميل قد يكون بجملة وقد يكون بغيرها والجملة التكميلية قد تكون ذات اعراب وقد لا تكون لكنها تباين التتميم لان الفضلة لابد لها من اعراب. وقيل لانه لا يشترط في التتميم ان يكون جملة كما اشترط في الاعتراض وهو غلط كما يقال ان الانسان يباين الحيوان لانه لم يشترط في الحيوان النطق فافهم (وبعضهم) أي وجوز بعض القائلين بان نكتة الاعتراض قد تكون لدفع الايهام (كونه) أي الاعتراض (غير جملة) فالاعتراض عندهم ان يؤتى في اثناء الكلام أو بين كلامين متصلين معنى بجملة أو غيرها لنكتة ما (فيشمل) الاعتراض بهذا التفسير (بعض صور التتميم و) بعض صور (التكميل وهو) ما يكون واقعا في اثناء الكلام أو بين الكلامين المتصلين (واما بغير ذلك) عطف على قوله اما بالايضاح بعد الابهام واما بكذا وكذا (كقوله تعالى الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به، فانه لو اختصر)

(1/171)


اي ترك الاطناب فان الاختصار قد يطلق على ما يعم الايجاز والمساواة كما مر (لم يذكر ويؤمنون به لان ايمانهم لا ينكره) أي لا يجهله (من يثبتهم) فلا حاجة إلى الاخبار به لكونه معلوما (وحسن ذكره) أي ذكر قوله ويؤمنون به (اظهارا لشرف الايمان وترغيبا فيه) وكون هذا الاطناب بغير ما ذكر من الوجوه السابقة ظاهر بالتأمل فيهم. (واعلم انه قد يوصف الكلام بالايجاز والاطناب باعتبار كثرة حروفه
---
[ 182 ]
وقلتها بالنسبة إلى كلام آخر مساوله) أي لذلك الكلام (في اصل المعنى) فيقال للاكثر حروفا انه مطنب وللاقل انه موجز (كقوله يصد) أي يعرض (عن الدنيا إذا عن) أي ظهر (سؤدد) أي سيادة ولو برزت في زى عذراء ناهدى الزى الهيئة والعذراء البكر والنهود ارتفاع الثدى. (وقوله ولست) بالضم على انه فعل المتكلم بدليل ما قبله وهو قوله " وانى لصبار على ما ينوبني، وحسبك ان الله اثنى على الصبر (بنظار إلى جانب الغنى، إذا كانت العلياء في جانب الفقر) يصفه بالميل إلى المعالى يعنى ان السيادة مع التعب احب إليه من الراحة مع الخمول. فهذا البيت اطناب بالنسبة إلى المصراع السابق (ويقرب منه) أي من هذا القبيل (قوله تعالى لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون وقول الحماسي " وننكر ان شئنا على الناس قولهم، ولا ينكرون القول حين نقول) يصف رياستهم ونفاذ حكمهم أي نحن نغير ما نريد من قول غيرنا واحد لا يجسر على الاعتراض علينا فالآية ايجاز بالنسبة إلى البيت. وانما قال يقرب لان ما في الآية يشمل كل فعل والبيت مختص بالقول فالكلامان لا يتساويان في اصل المعنى بل كلام الله سبحانه وتعالى اجل واعلى وكيف لا والله اعلم، تم الفن الاول بعون الله وتوفيقه واياه اسأل في اتمام الفنين الآخرين هداية طريقه.
---
[ 183 ]

(1/172)


الفن الثاني علم البيان قدمه على البديع للاحتياج إليه في نفس البلاغة وتعلق البديع بالتوابع (وهو علم) أي ملكة يقتدر بها على ادراكات جزئية أو اصول وقواعد معلومة (يعرف به ايراد المعنى الواحد) أي المدلول عليه بكلام مطابق لمقتضى الحال (بطرق) وتراكيب (مختلفة في وضوح الدلالة عليه) أي على ذلك المعنى بان يكون بعض الطرق واضح الدلالة عليه وبعضها اوضح والواضح خفى بالنسبة إلى الاوضح فلا حاجة إلى ذكر الخفاء. وتقيد الاختلاف بالوضوح ليخرج معرفة ايراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في اللفظ والعبارة. واللام في المعنى الواحد للاستغراق العرفي أي كل معنى واحد يدخل تحت قصد المتكلم وارادته فلو عرف احد ايراد معنى قولنا زيد جواد بطرق مختلفة لم يكن بمجرد ذلك عالما بالبيان ثم لما لم يكن كل دلالة قابلا للوضوح والخفاء اراد ان يشير إلى تقسيم الدلالة وتعيين ما هو المقصود ههنا فقال: (ودلالة اللفظ) يعنى دلالته الوضعية. وذلك لان الدلالة هي كون الشئ بحيث يلزم من العلم به العلم بشئ آخر والاول الدال والثانى المدلول. ثم الدال ان كان لفظا فالدلالة لفظية والا فغير لفظية كدلالة الخطوط والعقود والاشارات والنصب. ثم الدلالة اللفظية اما ان يكون للوضع مدخل فيها أو لا فالاولى هي المقصودة بالنظر ههنا وهى كون اللفظ بحيث يفهم منه المعنى عند الاطلاق بالنسبة إلى العالم بوضعه، وهذه الدلالة (اما على تمام ما وضع) اللفظ (له) كدلالة الانسان
---
[ 184 ]

(1/173)


على الحيوان الناطق (أو على جزئه) كدلالة الانسان على الحيوان أو الناطق (أو على خارج منه) كدلالة الانسان على الضاحك. (وتسمى الاولى) أي الدلالة على تمام ما وضع له (وضعية) لان الواضع انما وضع اللفظ لتمام المعنى (و) يسمى (كل من الاخيرتين) أي الدلالة على الجزء والخارج (عقلية) لان دلالة اللفظ على كل من الجزء والخارج انما هي من جهة حكم العقل بان حصول الكل أو الملزوم يستلزم حصول الجزء أو اللازم والمنطقيون يسمون الثلاثة وضعية باعتبار ان للوضع مدخلا فيها ويخصون العقلية بما يقابل الوضعية والطبيعية كدلالة الدخان على النار. (وتقيد الاولى) من الدلالات الثلاث (بالمطابقة) لتطابق اللفظ والمعنى. (والثانية بالتضمن) لكون الجزء في ضمن المعنى الموضوع له. (والثالثة بالالتزام) لكون الخارج لازما للموضوع له. فان قيل إذا فرضنا لفظا مشتركا بين الكل وجزئه وبين الملزوم لازمه كلفظ الشمس المشترك مثلا بين الجرم والشعاع ومجموعهما فإذا اطلق على المجموع مطابقة واعتبر دلالته على الجرم تضمنا والشعاع التزاما فقد صدق على هذا التضمن والالتزام انها دلالة اللفظ على تمام الموضوع له وإذا اطلق على الجرم أو الشعاع مطابقة صدق عليها انها دلالة اللفظ على جزء الموضوع له أو لازمه وحينئذ ينتقض تعريف كل من الدلالات الثلاث بالاخريين. فالجواب ان قيد الحيثية مأخوذ في تعريف الامور التى تختلف باعتبار الاضافات حتى ان المطابقة هي الدلالة على تمام ما وضع له من حيث انه تمام الموضوع له والتضمن هي الدلالة على جزء ما وضع له من حيث انه جزء ما وضع له والالتزام هي الدلالة على لازمه من حيث انه لازم ما وضع له وكثيرا ما يتركون هذا القيد اعتمادا على شهرة ذلك وانسباق الذهن إليه. (وشرطه) أي الالتزام (هي اللزوم الذهنى) أي كون المعنى الخارجي بحيث يلزم من حصول المعنى الموضوع له في الذهن حصوله فيه اما على الفور أو بعد التأمل
---
[ 185 ]

(1/174)


في القرائن والامارات. وليس المراد باللزوم عدم انفكاك تعقل المدلول الالتزامى عن تعقل المسمى في الذهن اصلا اعني اللزوم البين المعتبر عند المنطقيين والا لخرج كثير من معاني المجازات والكنايات عن ان يكون مدلولات التزامية. ولما يتأتى الاختلاف بالوضوح في دلالة الالتزام ايضا وتقييد اللزوم بالذهنى اشارة إلى انه لا يشترط اللزوم الخارجي كالعمى فانه يدل على البصر التزاما لانه عدم البصر عما من شأنه ان يكون بصيرا مع التنافى بينهما في الخارج ومن نازع في اشتراط اللزوم الذهنى فكأنه اراد باللزوم اللزوم البين بمعنى عدم انفكاك تعلقه عن تعقل المسمى. والمصنف اشار إلى انه ليس المراد باللزوم الذهنى البين المعتبر عند المنطقيين بقوله (ولو لاعتقاد المخاطب بعرف) أي ولو كان ذلك اللزوم مما يثبته اعتقاد المخاطب بسبب عرف عام إذا هو المفهوم من اطلاق العرف (أو غيره) يعنى العرف الخاص كالشرع واصطلاحات ارباب الصناعات وغير ذلك (والا يراد المذكور) أي ايراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في الوضوح (لا يتأتى بالوضعية) أي بالدلالة المطابقة (لان السامع إذا كان عالما بوضع الالفاظ) لذلك المعنى (لم يكن بعضها اوضح دلالة عليه من بعض والا) أي وان لم يكن عالما بالوضع الالفاظ (لم يكن كل واحد) من الالفاظ (دالا عليه) لتوقف الفهم على العلم بالوضع مثلا إذا قلنا خده يشبه الورد فالسامع ان كان عالما بوضع المفردات والهيئة التركيبية امتنع ان يكون كلام آخر يؤدى هذا المعنى بطريق المطابق دلالة اوضح أو اخفى لانه إذا اقيم مقام كل لفظ ما يرادفه فالسامع ان علم الوضع فلا تفاوت في الفهم والا لميتحقق الفهم. وانما قال لم يكن كل واحد لان قولنا هو عالم بوضع الالفاظ معناه انه عالم بوضع كل لفظ فنقيضه المشار إليه بقوله والا يكون سلبا جزئيا أي لم لم يكن عالما بوضع كل لفظ فيكون اللازم عدم كل لفظ ويحتمل ان يكون البعض منها دالا لاحتمال ان يكون عالما بوضع

(1/175)


البعض.
---
[ 186 ]
ولقائل ان يقول لا نسلم عدم التفاوت في الفهم على تقدير العلم بالوضع بل يجوز ان يحضر في العقل معاني بعض الالفاظ المخزونة في الخيال بادنى التفات لكثرة الممارسة والمؤانسة وقرب العهد بخلاف البعض فانه يحتاج اليا لتفات اكثر ومراجعة اطول مع كون الالفاظ مترادفة والسامع عالما بالوضع وهذا مما نجده من انفسنا. والجواب ان التوقف انما هو من جهة تذكر الوضع وبعد تحقق العلم بالوضع وحصوله بالعقل فالفهم ضروري. (ويتأتى) الايراد المذكور (بالعقلية) من الدلالات (لجواز ان تختلف مرات اللزوم في الوضوح) أي مرات لزوم الاجزاء لكل في التضمن ومراتب لزوم اللوازم للملزوم في الالتزام. وهذا في الالتزام ظاهر فانه يجوز ان يكون للشئ لوازم متعددة بعضها اقرب إليه من بعض واسرع انتقالا منه إليه لقلة الوسائط فيمكن تأدية الملزوم بالالفاظ الموضوعة لهذه اللوازم المختلفة الدلالة عليه وضوحا وخفاء. وكذا يجوز ان يكون للازم ملزومات لزومه لبعضها اوضح منه للبعض الآخر فيمكن تأدية اللازم بالالفاظ الموضوعة للملزومات المختلفة وضوحا وخفاء واما في التضمن فلانه يجوز ان يكون المعنى جزء من شئ وجزء من شئ آخر فدلالة الشئ الذى ذلك المعنى جزء منه على ذلك المعنى اوضح من دلالة الشئ الآخر الذى ذلك المعنى جزء منجزئه مثلا دلالة الحيوان على الجسم اوضح من دلالة الانسان عليه ودلالة الجدار على التراب اوضح من دلالة البيت عليه. فان قلت بل الامر بالعكس فان فهم الجزء سابق على فهم الكل. قلت نعم ولكن المراد هنا انتقال الذهن إلى الجزء وملاحظته بعد فهم الكل وكثيرا ما يفهم الكل من غير التفات إلى الجزء كما ذكره الشيخ الرئيس في الشفاء انه يجوز ان يخطر النوع بالبال ولا يلتفت الذهن إلى الجنس. (ثم اللفظ المراد به لازم ما وضع له) سواء كان اللازم داخلا فيه كما في التضمن أو خارجا عنه كما في الالتزام (ان قامت قرينة على عدم ارادته) ارادة ما
---

(1/176)


[ 187 ]
وضع له (فمجاز والا فكناية) فعند المصنف ان الانتقال في المجاز والكناية كليهما من الملزوم إلى اللازم إذ لا دلالة للازم من حيث انه لازم على الملزوم الا ان ارادة المعنى الموضوع له جائزة في الكناية دون المجاز (وقدم) المجاز (عليها) اي على الكناية (لان معناه) اي المجاز (كجزء معناها) اي الكناية لان معنى المجاز هو اللازم فقط ومعنى الكناية يجوز ان يكون هو اللازم والملزوم جميعا والجزء مقدم على الكل طبعا فيقدم بحث المجاز على بحث الكناية وضعا. وانما قال كجزء معناها لظهور انه ليس جزء معناها حقيقة فان معنى الكناية ليس هو مجموع اللازم والملزوم بل هو اللازم مع جواز ارادة الملزوم (ثم منه) أي من المجاز (ما يبتنى على التشبيه) وهو الاستعارة التى كان اصلها التشبيه (فتعين التعرض له) أي للتشبيه ايضا قبل التعرض للمجاز الذى احد اقسامه الاستعارة المبنية على التشبيه ولما كان في التشبيه مباحث كثيرة وفوائد جمة لم يجعل مقدمة لبحث الاستعارة بل جعل مقصدا برأسه (فانحصر) المقصود من علم البيان (في الثلثة) التشبيه والمجاز والكناية. التشبيه أي هذا باب التشبيه الاصطلاحي المبنى عليه الاستعارة. (التشبيه) أي مطلق التشبيه اعم من ان يكون على وجه الاستعارة أو على وجه تبتنى عليه الاستعارة أو غير ذلك فلم يأت بالضمير لئلا يعود إلى التشبيه المذكور الذى هو اخص وما يقال ان المعرفة إذا اعيدت كانت عين الاول فليس على اطلاقه يعنى ان معنى التشبيه في اللغة (الدلالة) هو مصدر قولك دللت فلانا على كذا إذ هديته له (على مشاركة امر لامر اخر في معنى) فالامر الاول هو المشبه والثانى هو المشبه به والمعنى هو وجه الشبه وهذا شامل لمثل قاتل زيد عمرا وجاءني زيد وعمرو.
---
[ 188 ]

(1/177)


(والمراد) بالتشبيه المصطلح عليه (ههنا) أي في علم البيان (ما لم يكن) أي الدلالة على مشاركة امر لامر في معنى بحيث لا يكون (على وجه الاستعارة التحقيقية) نحو رأيت اسدا في الحمام (ولا على) وجه (الاستعارة بالكناية) نحو انشبت المنية اظفارها (و) لا على وجه (التجريد) الذى يذكر في علم البديع من نحو لقيت بزيد اسدا أو لقيني منه اسد فان في هذه الثلثة دلالة على مشاركة امر لامر في معنى مع ان شيئا منها لا يسمى تشبيها اصطلاحا. وانما قيد الاستعارة بالتحقيقية والكناية لان الاستعارة التخييلية كاثبات الاظفار للمنية في المثال المذكور ليس في شئ من الدلالة على مشاركة امر لامر في معنى على رأى المصنف إذا المراد بالاظفار ههنا معناها الحقيقي على ما سيجئ فالتشبيه الاصطلاحي هو الدلالة على مشاركة امر لامر في معنى لا على وجه الاستعارة التحقيقية والاستعارة بالكناية والتجريد (فدخل فيه نحو قولنا زيدا اسدا) بحذف اداة التشبيه (و) نحو (قوله تعالى صم بكم عمى،) بحذف الاداة والمشبه جميعا أي هم كاصم. فان المحققين على انه تشبيه بليغ لا استعارة لان الاستعارة انما تطلق حيث يطوى ذكر المستعار له بالكلية ويجعل الكلام خلو عنه صالحا لان يراد به المنقول عنه والمنقول إليه لو لا دلالة الحال أو فحوى الكلام. (والنظر ههنا في اركانه) أي البحث في هذا المقصد عن اركان التشبيه المصطلح عليه. (وهى) اربعة (طرفاه) أي المشبه والمشبه به (ووجهه واداته وفى الغرض منه وفى اقسامه) واطلاق الاركان على الاربعة المذكورة اما باعتبار انها مأخوذة في تعريفه عنى الدلالة على مشاركة امر لامر في معنى بالكاف ونحوه واما باعتبار ان التشبيه في الاصطلاح كثيرا ما يطلق على الكلام الدال على المشاركة المذكور كقولنا زيد كالاسد في الشجاعة. ولما كان الطرفان هما الاصل والعمدة في التشبيه لكون الوجه معنى قائما بهما
---
[ 189 ]

(1/178)


والاداة آلة في ذلك قدم بحثهما فقال (طرفاه) أي المشبه والمشبه به (اما حسيان كالخد والورد) في المبصرات (والصوت الضعيف والهمس) أي الصوت الذى اخفى حتى كأنه لا يخرج عن فضاء الفم في المسموعات (والنكهة) وهى ريح الفم (والعنبر) في المشمومات (والريق والخمر) في المذوقات (والجلد الناعم والحرير) في الملموسات. وفى اكثر ذلك تسامح لان المدرك بالبصر مثلا انما هو لو الخد والورد وبالشم رائحة العنبر وبالذوق طعم الريق والخمر وباللمس ملاسة الجلد الناعم والحرير وليتهما لا نفس هذه الاجسام لكن اشتهر في العرف ان يقال ابصرت الورد وشممت العنبر وذقت الخمر ولمست الحرير (أو عقليان كالعلم والحياة) ووجه الشبه بينهما كونهما جهتى ادراك كذا في المفتاح والايضاح. فالمراد بالعلم ههنا الملكة التى يقتدر بها على الادراكات الجزئية لانفس الادراك. ولا يخفى انها جهة وطريق إلى الادراك كالحياة. وقيل وجه الشبه بينهما الادراك إذ العلم نوع من الادراك والحياة مقتضية للحس الذى هو نوع من الادراك وفساده واضح لان كون الحياة مقتضية للحس لا يوجب اشتراكهما في الادراك على ما هو شرط في وجه الشبة. وايضا لا يخفى ان ليس المقصود من قولنا العلم كالحياة والجهل كالموت ان العلم ادراك كما ان الحياة معها ادراك بل ليس في ذلك كثير فائدة كما في قولنا العلم كالحس في كونهما ادراكا (أو مختلفان) بان يكون المشبه عقليا والمشبه به حسيا (كالمنية والسبع) فان المنية أي الموت عقلي لانه عدم الحياة عما من شانه الحياة والسبع حسى أو بالعكس (و) ذلك مثل (العطر) الذى هو محسوس مشموم (وخلق كريم) وهو عقلي لانه كيفيه نفسانية يصدر عنها الافعال بسهولة. والوجه في تشبيه المحسوس بالمعقول ان يقدر المعقول محسوسا ويجعل كالاصل لذلك المحسوس على طريق المبالغة والا فالمحسوس اصل للمعقول لان العلوم العقلية مستفادة من الحواس ومنتهية إليها فتشبيهه بالمعقول يكون من جعل الفرع
---

(1/179)


[ 190 ]
اصلا والاصل فرعا وذلك لا يجوز. ولما كان من المشتبه والمشبه به ما لا يدرك بالقوة العاقلة ولا بالحس اعني الحس الظاهر مثل الخياليات والوهميات والوجدانيات اراد ان يجعل الحسى والعقلي بحيث يشملانها تسهيلات للضبط بتقليل الاقسام فقال. (والمراد بالحسى المدرك هو ان مادته باحدى الحواس الخمس الظاهرة) اعني البصر والسمع والشم والذوق واللمس (فدخل فيه) أي في الحس بسبب زيادة قولنا أو مادته (الخيالي) وهو المعدوم الذى فرض مجتمعما من امور كل واحد منها مما يدرك بالحس (كما في قوله وكأن محمر الشقيق) هو من باب جرد قطيفة والشقيق ورد احمر في وسط سواد ينبت بالجبال (إذا تصوب) أي مال إلى السفل (أو تصعد) أي مال إلى العلو (اعلام ياقوت نشرن على رماح من زبرجد) فان كلا ن العلم والياقوت والرمح والزبرجد محسوس لكن المركب الذى هذه الامور مادته ليس بمحسوس لانه ليس بموجود والحس لا يدرك الا ما هو موجود في المادة حاضر عند المدرك على هيئة مخصوصة. (و) المراد (بالعقلى ما عدا ذلك) أي مالا يكون هو ولا مادته مدركا باحدى الحواس الخمس الظاهر (فدخل فيه الوهمي) أي الذى لا يكون للحس مدخل فيه (أي ما هو غير مدرك بها) أي باحدى الحواس المذكورة (و) لكنه بحيث (لو ادرك لكان مدركا بها) وبهذا القيد يتميز عن العقلي (كما في قوله) ايقتلنى والمشرفي مضاجعي. (ومسنونة زرق كانياب اغوال) أي ايقتلنى ذلك الرجل الذى يوعدني والحال ان مضاجعي سيف منسوب إلى مشارف اليمن وسهام محددة النصال صافية مجلوة. وانياب الاغوال مما لا يدركها الحس لعدم تحققها مع انها لو ادركت لم تدرك الا بحس البصر. ومما يجب ان يعلم في هذا المقام ان من قوى الادراك ما يسمى متخلية ومفكرة
---
[ 191 ]

(1/180)


ومن شانها تركيب الصور والمعاني وتفصيلها والتصرف فيها واختراع اشياء لا حقيقة لها. والمراد بالخيالى المعدوم الذى ركبته المتخلية من الامور التى ادركت بالحواس الظاهرة وبالوهمى ما اخترعته المتخلية من عند نفسها كما إذا سمع ان الغول شئ تهلك به النفوس كالسبع فاخذت المتخيلة في تصويرها بصورة السبع واختراع ناب لها كما للسبع (وما يدرك بالوجدان) أي ودخل ايضا في العقلي ما يدرك بالقوى الباطنة ويسمى وجدانيا (كاللذة) وهى ادراك ونيل لما هو عند المدرك كمال وخير من حيث هو كذلك (والالم) وهو ادراك ونيل لما هو عند المدرك آفة وشر من حيث هو كذلك. ولا يخفى ان ادراك هذين المعنيين ليس بشئ من الحواش الظاهرة وليسا ايضا من العقليات الصرفة لكونهما من الجزئيات المستندة إلى الحواس بل هما من الوجدانيات المدركة بالقوى الباطنة كالشبع والجوع والفرح والغم والغضب والخوف وما شاكل ذلك والمراد ههنا اللذة والالم الحسيان والا فاللذة والالم العقليان من العقليات الصرفة. (ووجهه) أي وجه الشبه (ما يشتركان فيه) أي المعنى الذى قصد اشتراك الطرفين فيه وذلك ان زيدا والاسد يشتركان في كثير من الذاتيات وغيرها كالحيوانية والجسمية والوجود وغير ذلك مع ان شيئا منها ليس وجه الشبه وذلك الاشتراك يكون (تحقيقيا أو تخييليا. والمراد بالتخييلى) ان لا يوجد ذلك المعنى في احد الطرفين أو في كليهما الا على سبيل التخييل والتأويل (نحو ما في قوله وكأن النجوم بين دجاه) جمع دجية وهى الظلمة والضمير لليل وروى دجاها والضمير للنجوم (سنن لاح بينهن ابتداع. فان وجه الشبه فيه) أي في هذا التشبيه (هو الهيئة الحاصلة من حصول اشياء مشرقة بيض في جانب شئ مظلم اسود فهى) أي تلك الهيئة (غير موجودة في المشبه به) اعني السنن بين الابتداع (الا على طريق التخييل) أي وجودها في المشبه به على طريق التخييل (انه) الضمير للشان (لما كانت البدعة وكل ما هو
---
[ 192 ]

(1/181)


جهل يجعل صاحبها كمن يمشى في الظلمة فلا يهتدى إلى الطريق ولا يأمن من ان ينال مكروها شبهت) أي البدعة وكل ما هو جهل (بها) أي بالظلمة (ولزم بطريق العكس) إذا اريد التشبيه (ان تشبه السنة وكل ما هو علم بالنور) لان السنة والعلم يقابل البدعة والجهل كما ان النور يقابل الظلمة. (وشاع ذلك) ان كون السنة والعلم كالنور والبدعة والجهل كالظلمة (حتى تخيل ان الثاني) أي السنة وكل ما هو علم (مما له بياض واشراق نحو اتيتكم بالحنفية البيضاء والاول على خلاف ذلك) أي يخيل ان البدعة وكل ما هو جهل مما له سواد واظلام (كقولك شاهد سواد الكفر من جبين فلان فصار) بسبب التخيل ان الثاني مما له بياض واشراق والاول مما له سواد واظلام (تشبيه النجوم بين الدجى بالسنن بين الابتداع كتشبيها) أي النجوم (يبياض الشيب في سواد الشباب) أي ابيضه في اسوده (أو بالانوار) أي الازهار (مؤتلقة) بالقاف أي لامعة (بين النبات الشديدة الخضرة) حتى تضرب إلى السواد. فهذا التأويل اعني تخييل ما ليس بمتلون متلونا ظهر اشتراك النجوم بين الدجى والسنن بين الابتداع في كون كل منهما شيئا ذا بياض بين شئ ذى سواد. ولا يخفى ان قوله لاح بينهن ابتداع من باب القلب أي سنن لاحت بين الابتداع (فعلم) من وجوب اشتراك الطرفين في وجه التشبيه (فساد جعله) أي وجه الشبه (في قول القائل " النحو في الكلام كالملح في الطعام " كون القليل مصلحا والكثير مفسدا) لان المشبه اعني النحو لا يشترك في هذا المعنى (لان النحو لا يحتمل القلة والكثرة). إذ لا يخفى ان المراد به ههنا رعاية قواعده واستعمال احكامه مثل رفع الفاعل ونصب المفعول وهذه ان وجدت في الكلام بكما لها صار صالحا لفهم المراد وان لم توجد بقى فاسدا ولم ينتفع به (بخلاف الملح) فانه يحتمل القلة والكثرة بان يجعل في الطعام القدر الصالح منه أو اقل أو اكثر بل وجه الشبه هو الشبه هو الصلاح باعمالهما والفساد باهمالهما. (وهو) أي وجه الشبه

(1/182)


(اما غير خارج عن حقيقتهما) أي حقيقة الطرفين بان
---
[ 193 ]
يكون تمام ماهيتهما أو جزء منهما (كما في تشبيه ثوب بآخر في نوعهما أو جنسهما أو فصلهما) كما يقال هذا القميص مثل ذاك في كونهما كرباسا أو ثوبا أو من القطن (أو خارج) عن حقيقة الطرفين (صفة) أي معنى قائم بهما ضرورة اشتراكهما فيه وتلك الصفة (اما حقيقية) أي هيئة متمكنة في الذات متقررة فيها (و) هي (اما حسية) أي مدركة باحدى الحواس الظاهرة وهى (كالكيفيات الجسمية) أي المختصة بالاجسام (مما يدرك بالبصر) وهى قوة مرتبة في العصبتين المجوفتين اللتين تتلاقيان فتفترقان إلى العينين (من الالوان والاشكال) والشك هيئة احاطة نهاية واحدة أو اكثر بالجسم كالدائرة ونصف الدائرة والمثلث والمربع وغير ذلك (والمقادير) جمع مقدار وهو كم متصل قار الذات كالخط والسطح (والحركات) والحركة هي الخروج من القوة إلى الفعل على سبيل التدريج. وفى جعل المقادير والحركات من الكيفيات تسامح (وما يتصل بها) أي بالمذكورات كالحسن والقبح المتصف بهما الشخص باعتبار الخلقة التى هي مجموع الشكل واللون وكالضحك والبكاء الحاصلين باعتبار الشكل والحركة (أو بالسمع) عطف على قوله بالبصر وهى قوة رتبت في العصب المفروش على سطح باطن الصماخين تدرك بها الاصوات (من الاصوات الضعيفة والقوية والتى بين بين) والصوت يحصل من التموج المعلول للقرع الذي هو امساس عنيف والقدح الذي هو تفريق عنيف بشرط مقاومة المقروع للقارع والمقلوع للقالع ويختلف الصوت قوة وضعفا بحسب قوة المقاومة وضعفها (أو بالذوق) وهى قوة منبثتة في العصب المفروش على جرم اللسان (من الطعوم) كالحلاوة والمرارة والملوحة والحموضة وغير ذلك (أو بالشم) وهى قوة مرتبة في زائدتي مقدم الدماغ المشبهتين بحلمتي الثدى (من الروايح أو باللمس) وهى قوة سارية في البدن كله يدرك بها الملموسات (من الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة). هذه الاربعة هي اوائل الملموسات

(1/183)


فالاوليان منها فعليان والاخريان منها انفعاليان (والخشونة) وهى كيفية حاصلة من كون بعض الاجزاء اخفض وبعضها
---
[ 194 ]
ارفع (والملاسة) وهى كيفية حاصلة عن استواء وضع الاجزاء (واللين) وهى كيفية بها يقتضى الجسم قبول الغمز إلى الباطن ويكون للشئ بها قوام غير سيال (والصلابة) وهى تقابل اللين (والخفة) وهى كيفية بها يقتضى الجسم ان يتحرك إلى صوب المحيط لو لم يعقه عائق (والثقل) وهى كيفية بها يقتضى الجسم ان يتحرك إلى صوب المركز لو لم يعقه عائق (وما يتصل بها) أي بالمذكورات كالبة والجفاف والزوجة والهشاشة واللطافة والكثافة وغير ذلك (أو عقلية) عطف على حسية (كالكيفيات النفسانية) أي المختصة بذوات الانفس (من الذكاء) وهى شدة قوة للنفس معدة لاكتساب الاراء. (والعلم) وهو الادراك المفسر بحصول صورة الشئ عند العقل وقد يقال على معان اخر. (والغضب) وهو حركة للنفس مبدؤها ارادة الانتقام. (والحلم) وهو ان تكون النفس مطمئنة بحيث لا يحركها الغضب بسهولة ولا تضطرب عند اصابة المكروه. (وسائر الغرائز) جمع غريزة وهى الطبيعة اعني ملكة تصدر عنها صفات ذاتية مثل الكرم والقدرة والشجاعة وغير ذلك. (واما اضافية) عطف على قوله اما حقيقية. ونعنى بالاضافية ما لا تكون له هيئة متقررة في الذات بل تكون معنى متعلقا بشيئين (كازالة الحجاب في تشبيه الحجة بالشمس) فانها ليست هيئة متقررة في ذات الحجة والشمس ولا في ذات الحجاب وقد يقال الحقيقي على ما يقابل الاعتباري الذى لا تحقق له الا بحسب اعتبار العقل. وفى المفتاح اشارة إلى انه المراد ههنا حيث قال الوصف العقلي منحصر بين حقيقي كالكيفيات النفسانية وبين اعتباري ونسبي كاتصاف الشئ بكونه مطلوب الوجود أو العدم عند النفس أو كاتصافه بشئ تصوري وهمى محض (وايضا) لوجه الشبه تقسيم آخر وهو انه (اما واحد واما بمنزلة الواحد لكونه مركبا من متعدد)
---
[ 195 ]

(1/184)


تركيبا حقيقيا بأن يكون وجه الشبه حقيقة ملتئمة من امور مختلفة أو اعتباريا بان يكون هيئة انتزعها العقل من عدة امور. (وكل منهما) أي من الواحد وما هو بمنزلته (حسى أو عقلي واما متعدد) عطف على قوله اما واحد واما بمنزلة الواحد، والمراد بالمتعدد ان ينظر إلى عدة امور ويقصد اشتراك الطرفين في كل واحد منها ليكون كل منها وجه الشبه بخلاف المركب المنزل منزلة الواحد فانه لم يقصد اشتراك الطرفين في كل من تلك الامور بل في الهيئة المنتزعة أو في الحقيقة الملتئمة منها (كذلك) أي المتعدد ايضا حسى أو عقلي (أو مختلف) بعضه حسى وبعضه عقلي. (والحسى) من وجه التشبيه سواء كان بتمامه حسيا أو ببعضه (طرفاه حسيان لاغير) أي لا يجوز ان يكون كلاهما أو احدهما عقليا (لامتناع ان يدرك بالحس من غير الحسى شئ) فان وجه الشبه امر مأخوذ من الطرفين موجود فيهما والموجود في العقلي انما يدرك بالعقل دون الحس إذا المدرك بالحس لا يكون الا جسما أو قائما بالجسم. (والعقلي) من وجه الشبه (اعم) من الحسى (لجواز ان يدرك بالعقل من الحسى شئ) أي يجوز ان يكون طرفاه حسيين أو عقليين أو احدهما حسيا والاخر عقليا إذ لا امتناع في قيام المعقول بالمحسوس وادراك العقل من المحسوسات شيئا (ولذلك يقال التشبيه بالوجه العقلي اعم) من التشبيه بالوجه الحسى بمعنى ان كلما يصح فيه التشبيه بالوجه الحسى يصح بالوجه العقلي من غير عكس. (فان قيل هو) أي وجه الشبه (مشترك فيه) ضرورة اشتراك الطرفين فيه (فهو كلى) ضرورة ان الجزئي يمتنع وقوع الشركة فيه (والحسى ليس بكلى) قطعا ضرورة ان كل حسى فهو موجود في المادة حاضر عند المدرك ومثل هذا لا يكون الا جزئيا ضرورة فوجه الشبه لا يكون حسيا قط. (قلنا المراد) بكون وجه الشبه حسيا (ان افراده) أي جزئياته (مدركة بالحس) كالحمرة التى تدرك بالبصر جزئياتها الحاصلة في المواد، فالحاصل ان وجه الشبه اما
---
[ 196 ]

(1/185)


واحد أو مركب أو متعدد وكل من الاولين اما حسى أو عقلي والاخير اما حسى أو عقلي أو مختلف تصير سبعة والثلاثة العقلية طرفاها اما حسيان أو عقليان أو المشبه حسى والمشبه به عقلي أو بالعكس فصارت ستة عشر قسما (الواحد الحسى كالحمرة) من المبصرات (والخفاء) يعنى خفاء الصوت من المسموعات (وطيب الرائحة) من المشمومات (ولذة الطعم) من المذوقات (ولين اللمس) من الملموسات (فيما مر) أي في تشبيه الخد بالورد والصوت الضعيف بالهمس والنكهة بالعنبر والريق بالخمر والجلد الناعم بالحرير وفى كون الخفأ من المسموعات والطيب من المشمومات واللذة من المذوقات تسامح (و) الواحد (العقلي كالعراء عن الفائدة والجرأة) على وزن الجرعة أي الشجاعة. وقد يقال جزء الرجل جرائة بالمد (والهداية) أي الدلالة إلى طريق يوصل إلى المطلوب (واستطابة النفس في تشبيه وجود الشئ العديم النفع بعدمه) فيما طرفاه عقليان إذ الوجود والعدم من الامور العقلية (و) تشبيه (الرجل الشجاع بالاسد) فيما طرفاه حسيان. (و) تشبيه (العلم بالنور) فيما المشبه عقلي والمشبه به حسى فبالعلم يوصل إلى المطلوب ويفرق بين الحق والباطل كما ان بالنور يدرك المطلوب ويفصل بين الاشياء فوجه الشبه بينهما الهداية. (و) تشبيه (العطر بخلق) شخص (كريم) فيما المشبه حسى والمشبه به عقلي ولا يخفى ما في الكلام من اللف والنشر وفى وحدة بعض الامثلة تسامح لما فيه شائبة التركيب كالعراء عن الفائدة مثلا (والمركب الحسى) من وجه الشبه طرفاه اما مفردان أو مركبان أو احدهما مفرد والآخر مركب ومعنى التركيب ههنا ان تقصد إلى عدة اشياء مختلفة فتنزع منها هيئة وتجعلها مشبها أو مشبها بها. ولهذا صرح صاحب المفتاح في تشبيه المركب بالمركب بان كلا من المشبه والمشبه به هيئة منتزعة. وكذا المراد بتركيب وجه الشبه ان تعمد إلى عدة اوصاف لشئ فتنزع منها
---
[ 197 ]

(1/186)


هيئة. وليس المراد بالمركب ههنا ما يكون حقيقة مركبة من اجزاء مختلفة بدليل انهم يجعلون المشبه والمشبه به في قولنا زيد كالاسد مفردين لامركبين. ووجه الشبه في قولنا زيد كعمر وفى الانسانية واحد لا منزلا منزلة الواحد فالمركب الحسى (فيما) أي في التشبيه الذى (طرفاه مفردان كما في قوله وقد لاح في الصبح الثريا كما ترى، كعنقود ملاحية) بضم الميم وتشديد اللام عنب ابيض في حبه طول وتخفيف اللام اكثر (حين نورا) أي تفتح نوره (من الهيئة) بيان لما في قوله كما (الحاصلة من تقارن الصور البيض المستديرة الصغار المقادير في المرأى) وان كانت كبارا في الواقع حال كونها (على كيفية المخصوصة) أي لا مجتمعة اجتماع التضام والتلاصق ولا شديدة الافتراق منضمة (إلى المقدار المخصوص) من الطول والعرض فقد نظر إلى عدة اشياء وقصد إلى هيئة حاصلة منها. والطرفان مفردان لان المشبه هو الثريا والمشبه به هو العنقود مقيدا بكونه عنقود الملاحية في حال اخراج النور والتقييد لا ينافي الافراد كما سيجئ ان شاء الله تعالى. (وفيما) أي والمركب الحسى وفى التشبيه الذى (طرفاه مركبان كما في قول بشار كأن مثار النقع) من آثار الغبار هيجه (فوق رؤسنا، واسيافنا ليل تهاوى كواكبه) أي تتساقط بعضها اثر بعض والاصل تتهاوى حذفت احدى التائين (من الهيئة الحاصلة من هوى) بفتح لهاء أي سقوط (اجرام مشرقة مستطيلة متناسبة المقدار متفرقة في جوانب شئ مظلم). فوجه الشبه مركب كما ترى وكذا الطرفان لانه لم يقصد تشبيه الليل بالنقع والكواكب بالسيوف بل عمد إلى تشبيه هيئة السيوف وقد سلت من اغمادهما وهى تعلو وترسب وتجئ وتذهب وتضطرب اضطرابا شديدا وتتحرك بسرعة إلى جهات مختلفة وعلى احوال تنقسم بين الاعوجاج والاستقامة والارتفاع والانخفاض مع التلاقي والتداخل والتصادم والتلاصق.
---
[ 198 ]

(1/187)


وكذا في جانب المشبه به فان للكواكب في تهاويها تواقعا وتداخلا واستطالة لاشكالها (و) المركب الحسى (فيما طرفاه مختلفان) احدهما مفرد والآخر مركب (كما مر في تشبيه الشقيق) باعلام ياقوت نشرن على رماح من زبرجد من الهيئة الحاصلة من نشر اجرام حمر مبسوطة على رؤس اجرام خضر مستطيلة فالمشبه مفرد وهو الشقيق والمشبه به مركب وهو ظاهر وعكسه تشبيه نهار مشمس قد شابه أي خالطه زهر الربا بليل مقمر على ما سيجئ. (ومن بديع المركب الحسى ما) أي وجه الشبه الذى (يجئ الهيئات التى تقع عليها الحركة) أي يكون وجه الشبه الهيئة التى تقع عليها الحركة من الاستدارة والاستقامة وغيرهما ويعتبر فيها تركيب (ويكون) ما يجئ في تلك الهيئات (على وجهين احدهما ان يقترن بالحركة غيرها من اوصاف الجسم كالشكل واللون) والاوضح عبارة اسرار بلاغة اعلم ان ما يزداد به التشبيه دقة وسحرا ان يجئ بالهيئات التي تقع عليها الحركات والهيئة المقصودة في التشبيه على وجهين احدهما ان تقرن بغيرها من الاوصاف والثانى ان تجرد هيئة الحركة حتى لا يزاد عليها غيرها فالاول (كما في قوله والشمس كالمرآة في كف الاشل من الهيئة) بيان لما في قوله كما (الحاصلة من الاستدارة مع الاشراق والحركة السريعة المتصلة مع تموج الاشراق حتى يرى الشعاع كأنه يهم بان ينبسط حتى يفيض من جوانب الدائرة ثم يبدو له) يقال بداله إذا ندم والمعنى ظهر له رأى غير الاول (فيرجع) من الانبساط الذى بداه (إلى الانقباض) كانه يرجع من الجوانب إلى الوسط فان الشمس إذا احد الانسان النظر إليها ليتبين جرمها وجدها مؤدية لهذه الهيئة الموصوفة وكذلك المرآة في كف الاشل. (و) الوجه (الثاني ان تجرد) الحركة (عن غيرها) من الاوصاف (فهناك ايضا) يعنى كما انه لابد في الاول من ان يقترن بالحركة غيرها من الاوصاف فكذا في الثاني. (لابد من اختلاط حركات) كثيرة للجسم (إلى جهات مختلفة) له كأن
---
[ 199 ]

(1/188)


يتحرك بعضه إلى اليمين وبعضه إلى الشمال وبعضه إلى العلو وبعضه إلى السفل ليتحقق التركيب والا لكان وجه الشبه مفردا وهو الحركة (فحركة الرحى والدولاب والسهم لا تركيب فيها) لاتحادها (بخلاف حركة المصحف في قوله وكأن البرق مصحف قار) بحذف الهمزة أي قارئ (فانطباق مرة وانفتاحا) أي فينطبق انطباقا مرة وينفتح انفتاحا اخرى فان فيها تركيبا لان المصحف يتحرك في حالتى الانطباق والانفتاح إلى جهتين في كل حالة إلى جهة واحدة. (وقد يقع التركيب في هيئة السكون كما في قوله في صفة كلب يقعى) أي يجلس على اليتيه (جلوس البدوى المصطلى) من اصطلى بالنار (من الهيئة الحاصلة من موقع كل عضو منه) أي من الكلب (في اقعائه) فانه يكون لكل عضو منه في الاقعاء موقع خاص وللمجموع صورة خاصة مؤلفة من تلك المواقع وكذلك صورة جلوس البدوى عند الاصطلاء بالنار الموقدة على الارض. (و) المركب (العقلي) من وجه الشبه (كحرمان الانتفاء بابلغ نافع مع تحمل التعب في استصحابه في قوله تعالى مثل الذين حملوا التورية ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل اسفارا) جمع سفر بكسر السين وهو الكتاب فانه امر عقلي منتزع من عدة امور لانه روعى من الحمار فعل مخصوص هو الحمل وان يكون المحمول اوعية العلوم وان الحمار جاهل بما فيها وكذا في جانب المشبه. (واعلم انه قد ينتزع) وجه الشبه (من متعدد فيقع الخطأ لوجوب انتزاعه من اكثر) من ذلك المتعدد (كما إذا انتزع) وجه الشبه (من الشطر الاول من قوله كما ابرقت قوما عطاشا) في الاساس ابرقت لى فلانة إذا تحسنت لك وتعرضت فالكلام ههنا على حذف الجار وايصال الفعل أي ابرقت لقوم عطاش جمع عطشان (غمامة، فلما رأوها اقشعت وتجلت) أي تفرقت وانكشفت فانتزاع وجه الشبه من مجرد قوله كما ابرقت قوما عطاشا غمامة خطأ (لوجوب انتزاعه من الجميع) اعني جميع البيت. (فان المراد التشبيه) أي تسبيه الحالة المذكورة في الابيات السابقة بحالة
---
[ 200 ]

(1/189)


ظهور غمامة للقوم العطاش ثم تفرقها وانكشافها وبقائهم متحيرين (باتصال) أي باعتبار اتصال فالباء ههنا مثلها في قولهم التشبيه بالوجه العقلي الاعم إذ الامر المشترك فيه ههنا هو اتصال (ابتداء مطمع بانتهاء مؤيس). وهذا بخلاف التشبيهات المجتمعة كما في قولنا زيد كالاسد والسيف والبحر فان القصد فيها إلى التشبيه لكل واحد من الامور على حدة حتى لو حذف ذكر البعض لم يتغير حال الباقي في افادة معناه بخلاف المركب فان المقصود منه يختل باسقاط بعض الامور (والمتعدد الحسى كاللون والطعم والرائحة في تشبيه فاكهة باخرى و) المتعدد (العقلي كحدة النظر وكمال الحذر واخفاء السفاد) أي نزو الذكر على الانثى (في تشبيه طائر بالغراب و) المتعدد (المختلف) الذى بعضى حسى وبعضه عقلي (كحسن الطلعة) الذى هو حسى (ونباهة الشان) أي شرفه واشتهاره الذى هو عقلي (في تشبيه انسان بالشمس) ففى المتعدد يقصد اشتراك الطرفين في كل من الامور المذكورة ولا يعمد إلى انتزاع هيئة منها تشترك هي فيها. (واعلم انه قد ينتزع الشبه) أي التماثل يقال بينهما شبه بالتحريك أي تشابه، والمراد به ههنا ما به التشابه اعني وجه التشبيه (من نفس التضاد لاشتراك الضدين فيه) أي في التضاد لكون كل منهما متضادا للآخر (ثم ينزل) التضاد (منزلة التناسب بواسطة تمليح) أي اتيان بما فيه ملاحة وظرافة. يقال ملح الشاعر إذا اتى بشئ مليح. وقال الامام المرزوقى في قول الحماسي " اتانى من ابى انس وعيد، فسل لغيظة الضحاك جسمي " ان قائل هذه الابيات قد قصد بها الهزؤ والتمليح. واما الاشارة إلى قصة أو مثل أو شعر فانما هو التلميح بتقديم اللام على الميم وسيجئ ذكره في الخاتمة. والتسوية بينهما انما وقعت من جهة العلامة الشيرازي رحمه الله تعالى وهو سهو (أو تهكم) أي سخرية واستهزاء (فيقال للجبان ما اشبهه بالاسد وللبخيل انه هو حاتم) كل من المثالين صالح للتمليح والتهكم وانما يفرق بينهما بحسب المقام فان

(1/190)


كان
---
[ 201 ]
القصد إلى ملاحة وظرافة دون استهزاء وسخرية باحد فتمليح والا فتهكم وقد سبق إلى بعض الاوهام نظرا إلى ظاهر اللفظ ان وجه الشبه في قولنا للجبان هو اسد وللبخيل هو حاتم هو التضاد المشترك بين الطرفين باعتبار الوصفين المتضادين. وفيه نظر لانا إذا قلنا الجبان كالاسد في التضاد أي في كون كل منهما متضادا للاخر لا يكون هذا من التمليح والتهكم في شئ كما إذا قلنا السواد كالبياض في اللونية أو في التقابل ومعلوم انا إذا اردنا التصريح بوجه الشبه في قولنا للجبان هو اسد تمليحا أو تهكما لم يتأت لنا الا ان نقول في الشجاعة. لكن الحاصل في الجبان انما هو ضد الشجاعة فنزلنا تضادهما منزلة التناسب وجعلنا الجبن بمنزلة الشجاعة على سبيل التمليح والهزؤ (واداته) أي اداة التشبيه (الكاف وكأن). وقد تستعمل عند الظن بثبوت الخبر من غير قصد إلى التشبيه سواء كان الخبر جامدا أو مشتقا نحو كأن زيدا اخوك وكأنه قدم وكانك قلت وكأني قلت (ومثل وما في معناه) مما يشتق من المماثلة والمشابهة ومما يؤدى هذا المعنى (والاصل في نحو الكاف) أي في الكاف ونحوها كلفظ نحو ومثل وشبه بخلاف كأن وتماثل وتشابه (ان يليه المشبه به) لفظا نحو زيد كالاسد أو تقديرا نحو قوله تعالى " أو كصيب من السماء " على تقدير أو كمثل ذوى صيب (وقد يليه) أي نحو الكاف (غيره) أي غير مشبه به (نحو واضرب لهم مثل الحيوة الدنيا كماء انزلناه) الاية إذ ليس المراد تشبيه حال الدنيا بالماء ولا بمفرد آخر يتحمل تقديره بل المراد تشبيه حالها في نضارتها وبهجتها وما يتعقبها من الهلاك والفناء بحال النبات الحاصل من الماء يكون اخضر ناضرا شديد الخضرة ثم ييبس فتطيره الرياح كأن لم يكن ولا حاجة إلى تقدير كمثل ماء لان المعتبر هو الكيفية الحاصلة من مضمون الكلام المذكور بعد الكاف واعتبارها مستغن عن هذا التقدير. ومن زعم ان التقدير كمثل ماء وان هذا مما يلى الكاف غير المشبه به بناء

(1/191)


على انه محذوف فقدسها سهوا بينا لان المشبه به الذى يلى الكاف قد يكون ملفوظا به وقد
---
[ 202 ]
يكون محذوفا على ما صرح به في الايضاح. (وقد يذكر فعلى ينبئ عنه) أي عن التشبيه (كما في علمت زيدا اسدا ان قرب) التشبيه وادعى كمال المشابهة لما في علمت من معنى التحقيق (وحسبت) زيدا اسدا (ان بعد) التشبيه لما في الحسبان من الاشعار بعدم التحقيق والتيقن وفى كون مثل هذه الافعال منبئا عن التشبيه نوع خفاء والاظهر ان الفعل ينبئ عن حال التشبيه في القرب والبعد (والغرض منه) أي من التشبيه (في الاغلب يعود إلى المشبه وهو) أي الغرض العائد إلى المشبه (بيان امكانه) أي المشبه. وذلك إذا كان امرا غريبا يمكن ان يخالف فيه ويدعى امتناعه (كما في قوله " فان تفق الانام وانت منهم، فان المسك بعض دم الغزال ") فانه لما ادعى ان الممدوح قد فاق الناس حتى صار اصلا برأسه وجنسا بنفسه وكان هذا في الظاهر كالممتنع احتج لهذه الدعوى وبين امكانها بان شبه هذه الحال بحال المسك الذى هو من الدماء ثم انه لا يعد من الدماء لما فيه من الاوصاف الشريفة التى لا توجد في الدم. وهذا التشبيه ضمنى ومكنى عنه لا صريح (اوحاله) عطف على امكانه أي بيان حال المشبه بانه على أي وصف من الاوصاف (كما في تشبيه ثوب بآخر في السواد) إذا علم السامع لون المشبه به دون المشبه (أو مقدارها) أي بيان مقدار حال المشبه في القوة والضعف والزيادة والنقصان (كما في تشبيهه) أي تشبيه الثوب الاسود (بالغراب في شدته) أي في شدة السواد (أو تقريرها) مرفوع عطفا على بيان امكانه أي تقرير حال المشبه في نفس السامع وتقوية شانه (كما في تشبيه من لا يحصل من سعيه على طائل بمن يرقم على الماء) فانك تجد فيه من تقرير عدم الفائدة وتقوية شأنه ما لا تجده في غيره لان الالف بالحسيات اتم منه بالعقليات لتقدم الحسيات وفرط الف النفس بها. (وهذه) أي الاغراض (الاربعة تقتضي ان يكون وجه الشبه في المشبه به

(1/192)


اتم وهو به اشهر) أي وان يكون المشبه به بوجه الشبه اشهر واعرف وظاهر هذه
---
[ 203 ]
العبارة ان كلا من الاربعة يقتضى الاتمية والاشهرية. لكن التحقيق ان بيان الامكان وبيان الحال لا يقتضيان الا الاشهرية ليصح القياس ويتم الاحتجاج في الاول ويعلم الحال في الثاني وكذا بيان المقدار لا يقتضى الاتمية بل يقتضى ان يكون المشبه به على حد مقدار المشبه لا ازيد ولا انقص ليتعين مقدار المشبه على ما هو عليه. واما تقرير الحال فيقتضى الامرين جميعا لان النفس إلى الاتم والاشهر اميل فالتشبيه به بزيادة التقرير والتقوية اجدر (أو تزيينه) مرفوع عطفا على بيان امكانه أي تزيين المشبه في عين السامع (كما في تشبيه وجه اسود بمقلة الظبى أو تشويهه) أي تقبيحه (كما في تشبيه وجه مجدور بسلحة جامدة قد نقرتها الديكة) جمع ديك (أو استطرافه) أي عد المشبه طريفا حديثا بديعا (كما في تشبيه فحم فيه جمر موقد ببحر من المسك موجه الذهب لابرازه) أي انما استطرف المشبه في هذا التشبيه لابراز المشبه (في صورة الممتنع) الوقوع (عادة) وان كان ممكنا عقلا ولا يخفى ان الممتنع عادة مستطرف غريب. (وللاستطراف وجه آخر) غير الابراز في صورة الممتنع عادة (وهو ان يكون المشبه نادر الحضور في الذهن اما مطلقا كما مر) في تشبيه فحم فيه جمر موقد (واما عند حضور المشبه كما في قوله " ولا زوردية) يعنى البنفسج (تزهو) قال الجوهرى في الصاح زهى الرجل فهو مزهو إذا تكبر. وفيه لغة اخرى حكاها ابن دريد زها يزهو زهوا (بزرقتها، بين الرياض على حمر اليواقيت،) يعنى الازهار والشقائق الحمر. (كأنها فوق قامات ضعفن بها * اوائل النار في اطراف كبريت) فان صورة اتصال النار باطراف الكبريت لا يندر حضورها في الذهن ندرة حضور بحر من المسك موجه الذهب لكن يندر حضورها عند حضور صورة البنفسج فيستطرف بمشاهدة عناق بين صورتين متباعدتين غاية البعد. (وقد يعود) أي الغرض من التشبيه (أي المشبه به وهو

(1/193)


ضربان احدهما ايهام
---
[ 204 ]
انه اتم من المشبه) في وجه الشبه (وذلك في التشبيه المقلوب) الذى يجعل فيه الناقص مشبها به قصدا إلى ادعاء انه انه اكمل (كقوله وبدا الصباح كأن غرته،) هي بياض في جبهة الفرس فوق الدرهم استعيرت لبياض الصبح (وجه الخليفة حين يمتدح) فانه قصد ايهام ان وجه الخليفة اتم من الصباح في الوضوح والضياء، وفى قوله حين يمتدح دلالة على اتصاف الممدوح بمعرفة حق المادح وتعظيم شأنه عند الحاضرين بالاصغاء إليه والارتياح له وعلى كماله في الكرم حيث يتصف بالبشر والطلاقة عند استماع المديح. (و) الضرب (الثاني) من الغرض العائد إلى المشبه به (بيان الاهتمام به) أي بالمشبه به (كتشبيه الجائع وجها كالبدر في الاشراق والاستدارة بالرغيف ويسمى هذا) أي التشبيه المشتمل على هذا النوع من الغرض (اظهار المطلوب، هذا) الذى ذكرناه من جعل احد الشيئين مشبها والاخر مشبها به انما يكون (إذا اريد الحاق الناقص) في وجه الشبه (حقيقة) كما في الغرض العائد إلى المشبه (أو ادعاء) كما في الغرض العائد إلى المشبه به (بالزايد) في وجه الشبه (فان اريد الجمع بين شيئين في امر) من الامور من غير قصد إلى كون احدهما ناقصا والاخر زائدا سواء وجدت الزيادة والنقصان ام لم توجد (فالاحسن ترك التشبيه) ذاهبا (إلى الحكم بالتشابه) ليكون كل واحد من الشيئين مشبها ومشبها به (احترازا عن ترجيح احد المتساويين) في وجه الشبه. (كقوله تشابه دمعى إذ جرى ومدامتى * فمن مثل ما في الكأس عينى تسكب فوالله ما ادرى ابالخمر اسبلت، جفوني) يقال اسبل الدمع والمطر إذا هطل واسبلت السماء فالباء في قوله " ابا لخمر " للتعدية وليست بزائدة على ما توهم بعضهم (ام من عبرتي كنت اشرب) لما اعتقد التساوى بين الدمع والخمر ترك التشبيه إلى التشابه (ويجوز) عند ارادة الجمع بين شيئين في امر (التشبيه ايضا) لانهما وان تساويا في وجه الشبه بحسب قصد المتكلم الا انه يجوز له ان

(1/194)


يعجل احدهما مشبها والاخر
---
[ 205 ]
مشبها به لغرض من الاغراض وسبب من الاسباب مثل زيادة الاهتمام وكون الكلام فيه (كتشبيه غرة الفرس بالصبح وعكسه) أي تشبيه الصبح بغرة الفرس (متى اريد ظهور منير في مظلم اكثر منه) أي من ذلك المنير من غير قصد إلى المبالغة في وصف غرة الفرس بالضياء والانبساط وفرط التلاء لؤ ونحو ذلك إذ لو قصد ذلك لوجب جعل الغرة مشبها والصبح مشبها به. (وهو) أي التشبيه (باعتبار الطرفين) المشبه والمشبه به اربعة اقسام لانه (اما تشبيه مفرد بمفرد وهما) أي المفردان (غير مقيدين كتشبيه الخد بالورد أو مقيدان كقولهم) لمن لا يحصل من سعيه على طائل (هو كالراقم على الماء) فالمشبه هو الساعي المقيد بان لا يحصل من سعيه على شئ والمشبه به وهو الراقم المقيد بكون رقمه على الماء لان وجه الشبه هو التسوية بين الفعل وعدمه وهو موقوف على اعتبار هذين القيدين (أو مختلفان) أي احدهما مقيد والاخر غير مقيد (كقوله والشمس كالمرآة في كف الاشل) فالمشبه به اعني المرآة مقيدة بكونه في كف الاشل بخلاف المشبه اعني الشمس (وعكسه) أي تشبيه المرآة في كف الاشل بالشمس فالمشبه مقيد دون المشبه به. (واما تشبيه مركب بمركب) بان يكون كل من الطرفين كيفية حاصلة من مجموع اشياء قد تضامت وتلاصقت حتى عادت شيئا واحدا (كما في بيت بشار) كأن مثار النقع فوق رؤسنا * واسيافنا على ما سبق تقريره (واما تشبيه مفرد بمركب كما مر من تشبيه الشقيق) وهو مفرد باعلام ياقوت نشرن على رماح من زبرجد وهو مركب من عدة امور، والفرق بين المركب والمفرد المقيد احوج شئ إلى التأمل فكثيرا مما يقع الالتباس. (واما تشبيه مركب بمفرد كقوله يا صاحبي تفصيا نظريكما،) في الاساس تقصيته أي بلغت اقصاه أي اجتهدا في النظر وابلغا اقصى نظريكما (تريا وجود الارض كيف تصور،) أي تتصور حذفت التاء، يقال صوره الله صورة حسنة فتصور (تريا نهارا مشمسا) أي ذا شمس لم يستره غيم (قد شابه)

(1/195)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية