صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : فتوح مصر وأخبارها
المؤلف / أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله عبد الحكم بن أعين القرشي المصري
دار النشر / دار الفكر - بيروت - 1416هـ/ 1996م
عدد الأجزاء / 1
الطبعة : الأولى
تحقيق : محمد الحجيري

حدثنا عثمان بن صالح حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب وابن هبيرة في حديثهما قال فلما استقامت لهم البلاد قطع عمرو بن العاص من أصحابه لرباط الاسكندرية ربع الناس وربع في السواحل والنصف مقيمون معه وكان يصير بالاسكندرية خاصة الربع في الصيف بقدر ستة أشهر ويعقب بعدهم شاتية ستة أشهر وكان لكل عريف قصر ينزل فيه
بمن معه من أصحابه واتخذوا فيه أخائذ
حدثنا عبد الملك بن مسلمة حدثنا ابن لهيعة حدثنا يزيد بن أبي حبيب أن المسلمين لما سكنوها في رباطهم ثم قفلوا ثم غزوا ابتدروا فكان الرجل يأتي المنزل الذي كان فيه صاحبه قبل ذلك فيبتدره فيسكنه فلما غزوا قال عمرو إني أخاف أن تخربوا المنازل إذا كنتم تتعاورونها فلما كان عند الكريون قال لهم سيروا على بركة الله فمن ركزمنكم رمحه في دار فهي له ولبني أبيه فكان الرجل يدخل الدار فيركز رمحه في منزل منها ثم يأتي الآخر فيركز رمحه في بعض بيوت الدار فكانت الدار تكون لقبيلتين ثلاث وكانوا يسكنونها حتى إذا قفلوا سكنها الروم وعليهم مرمتها فكان يزيد بن أبي حبيب يقول لا يحل من كرائها شيء ولا بيعها ولا يورث منها شيء إنما كانت لهم يسكنونها في رباطهم
الزيادة في المسجد الجامع
ثم إن مسلمة بن مخلد الأنصاري زاد في المسجد الجامع بعد بنيان عمرو له ومسلمة الذي كان أخذ أهل مصر ببنيان المنار للمساجد كان أخذه إياهم بذلك في سنة ثلاث وخمسين فبنيت المنار وكتب عليها اسمه
حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير قال أخذ مسلمة بن مخلد الناس ببناء منار المساجد ووضع ذلك عن خولان لأنه كان صاهر إليهم وأسقط ذلك عنهم ثم هدم عبد العزيز بن مروان المسجد في سنة سبع وسبعين وبناه

(1/147)


ثم كتب الوليد بن عبد الملك في خلافته إلى قرة بن شريك العبسي وهو يومئذ واليه على أهل مصر وكانت ولاية قرة بن شريك مصر في سنة تسعين قدمها يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول وعزل عبدالله بن عبد الملك وفي ذلك يقول الشاعر من الرمل
عجبا ما عجبت حين أتانا
أن قد امرت قرة بن شريك
وعزلت الفتى المبارك عنا
ثم فيلت فيه رأي أبيك
فهدمه كله وبناه هذا البناء وزوقه وذهب رؤوس العمد التي في مجالس قيس وليس في المسجد عمود مذهب الرأس إلا في مجالس قيس وحول المنبر حين هدم المسجد إلى قيسارية العسل فكان الناس يصلون فيها صلوات ويجمعون فيها الجمع حتى فرغ من بنيانه والقبلة في القيسارية إلى اليوم وكانت القبة التي في وسط الجزيرة بين الجسرين في المسجد الجامع ثم زاد موسى بن عيسى الهاشمي بعد ذلك في مؤخره في سنة خمس وسبعين ومائة ثم زاد عبد الله بن طاهر في عرضه بكتاب المأمون بالإذن له في ذلك في سنة ثلاث عشرة ومائتين وأدخل فيه دار الرمل كلها إلا ما بقي منها من دار الضرب ودخلت فيه دار ابن رمانة وغيرها من بعض الخطط التي ذكرناها
فكان عمال الوليد بن عبد الملك كما حدثنا سعيد بن عفير كتبوا إليه أن بيوت الأموال قد ضاقت من مال الخمس فكتب إليهم أن ابنوا المساجد فأول مسجد بني بفسطاط مصر المسجد الذي في أصل حصن الروم عند باب الريحان قبالة الموضع الذي يعرف بالقالوس يعرف بمسجد القلعة
حدثنا حميد بن هشام الحميري قال كل مسجد بفسطاط مصر فيه عمد رخام فليس بخطي
وأول كنيسة بنيت بفسطاط مصر كما حدثنا عبدالملك بن مسلمة عن ابن لهيعة عن بعض شيوخ أهل مصر الكنيسة التي خلف القنطرة أيام مسلمة بن مخلد فأنكر ذلك الجند على مسلمة وقالوا له أتقر لهم أن يبنوا الكنائس حتى كاد أن يقع بينهم وبينه شر فاحتج عليهم مسلمة يومئذ فقال إنها ليست في قيروانكم وإنما هي خارجة في أرضهم فسكتوا عند ذلك فهذه خطط أهل مصر
ذكر القطائع

(1/148)


قال وقد كان المسلمون حين اختطوا قد تركوا بينهم وبين البحر والحصن فضاء لتعريق دوابهم وتأديبها فلم يزل الأمر على ذلك حتى ولي معاوية بن أبي سفيان فاشترى خطة مسلمة بن مخلد منه وأقطعه داره
التي بسوق وردان ثم اشترى خطة عقبة بن عامر وأقطعه داره التي في الفضاء عند أصحاب التبن وهي اليوم في يدي فرج ثم اشترى دار أبي رافع التي صارت للسائب مولاه وأقطع السائب الدار التي عند حيز الوز ثم ابتنى عبدالعزيز دار الأضياف كانت لأضياف عبدالعزيز وأقطع معاوية أيضا سارية مولى عمر بن الخطاب في الزقاق الذي يعرف بحيز الوز فباعه ولده مقطعا وأقطع عبدالعزيز خالد بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام دار مخرمة التي في الفضاء وكانت له دار موسى بن عيسى النوشري التي بالموقف قال وكان خالد وعمر ابنا عبدالرحمن بن الحارث بن هشام مع عبدالله بن الزبير وكان أبو بكر بن عبدالرحمن أخا لعبد الملك بن مروان وتربا له فلما ظهر عبدالملك بن مروان قال لا سبيل إلى ما يكره عمر وخالدمع أبي بكر ولكن لله علي أن لا يسكنان الحجاز فكتب إلى الحجاج أن خيرهما في أي الأمصار ساآ فليلحقا بها فلحق خالد بعبد العزيز بن مروان فأقطعه دار مخرمة في الفضاء وكانت له دار موسى بن عيسى التي بالموقف وأما عمرفلحق ببشر بن مروان بالعراق فله بواسط آثار كثيرة وأقطع عمارة بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط الدور التي تلي أصحاب التبن قبليا وكان أبو معيط يسمى أبانا حدثني بذلك محمد بن إدريس الرازي وله يقول ضرار بن الخطاب من الخفيف
عين فابكي لعقبة بن أبان
فرع فهر وفارس الفرسان وله يقول بعض الشعراء
( من سره شحم ولحم راكد فليأت جفنة عقبة بن أبان

(1/149)


قال وكان عبد الأعلى بن أبي عمرة وهو مولى لبني شيبان على أخت موسى بن نصير وكانت له من عبدالعزيز منزلة فخط له داره ذات الحمام الذي يقال له حمام التبن فلما قدم عبدالأعلى بن أبي عمرة من عند أليون صاحب الروم قال لعبد العزيز قد أبليت المسلمين في تأجيههم إياي نصحا وبلاء حسنا فمر لي بأربع سواري من خرب الاسكندرية فأمر له بها فهي على حوض حمامه الأعظم وكان عبدالعزيز يرسله بالبز إلى ابن عمر
حدثنا أبو الأسود حدثنا ابن لهيعة عن عبيدالله بن المغيرة عن عبد الأعلى بن أبي عمرة أن عبدالعزيز بن مروان أرسل معه بألف دينار إلى ابن عمر فقبلها قال وأقطع عبدالملك بن مروان عمر بن علي الفهري ثم أحد بني محارب داره ذات الحمام التي اشتراها موسى بن عيسى إلى جنب أصحاب القرط وذلك أن عبدالملك بن مروان لما قتل عمرو بن سعيد كان عمر بن علي ممن أبلى معه وكان في أصحابه فدخل عليه في خاصته وعمرو بن سعيد مقتول فاستشارهم في قتله فكلهم هاب قتله ولم يره فقال عمر بن علي اقتله قتله الله فلا يزال في خلاف ما

(1/150)


عاش قال عبد الملك ها هوذا قال فألق رأسه إلى الناس وأنهبهم بيت المال يفترقون عنك ففعل فافترق الناس وأرسله عبد الملك إلى منزل عمرو يفتشه فوجد فيه كتبا فيها أسماء من بايعه فأحرقها وبلغ ذلك عبد الملك فقال له ما حملك على ما فعلت قال لو قرأتها لما صح لك قلب شأمي ولا استقامت طاعته إذا علم أنك قد علمت بخلافه إياك فصوب رأيه وحمده وأقطعه داره ذات الحمام التي اشتراها موسى بن عيسى إلى جنب أصحاب القرط قال عبد الملك بن مسلمة هي قطيعة من عبد العزيز للفهري ولم يسمه باسمه إلا أن ابن عفير سماه وقال عبد الملك بن مسلمة أقطعها عبد العزيز الفهري مولى ابن رمانة حين قدم عليه وبناها له يزيد بن رمانة وهي الدار التي تعرف اليوم بدار السلسلة وآل أبي عبد الرحمن يزيد بن أنيس الفهري ينكرون ذلك وهم بذلك أعلم ويقولون أنها خطة لأبي عبد الرحمن الفهري اختطها عام فتح مصر ولم يكن بنى منها شيئا غير سورها ثم خرج إلى الشام فاستشهد بها ثم قدم ابناه العلاء وعلي وكان العلاء أسنهما وقد كان رأى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقدما إلى مصر فجعلا ذلك البناء مثل المربد العظيم ولم يجعلا فيها إلا منزلا واحدا وأسكنا فيه مولى لهما يقال له يحنس ثم خرج العلاء إلى المدينة فقتل عام الحرة وخلف الحارث بن العلاء وخرج علي إلى الشام فتوفي بها وخلف عمر بن علي فصار بمنزلة عند عبد الملك فبعث إلى ابن رمانة وأرسل إليه بمال وسأله أن يبني له دار جده بأحكم ما يقدر عليه ويجعل له فيها حماما ويجعل له خوخة في داره إذا أراد أن يدخله دخله

(1/151)


وقال إن ذلك ذكر لك ولشيخك فحرك ذلك ابن رمانة فبناها وجعل سورها أكثر من ذراعين بذراع البناء وجعلها تدور بعمد رخام وجعل قاعدتها مستديرة ولم يجعل فوقها بناء ثم قدم عمر بن علي مصر وقد فرغ منها ابن رمانة فقال له عمر لقد اتقنت غير أنك لم تجعل لها مسجدا فبنى المسجد الذي يعرف اليوم بمسجد القرون بناه مثل الدكان الكبير ونحاه عن الدار وجعل بينه وبين الدار فرجة وكان يجلس فيه ثم بناه بعده أبو عون عبد الملك بن يزيد ثم زاد فيه المطلب بن عبد الله الخزاعي ثم احترق فبناه السري بن الحكم هذا البناء ثم مات عمر بن علي فورث الحارث بن العلاء وهو ابن أخيه كلما ترك وحبس الدار على الأقعد فالأقعد بالحارث بن العلاء من الرجال دون النساء أبدا ما تناسلوا وتقديم كل طبقة على من هو أسفل منها فإذا انقرض الرجال فهي على النساء كل من رجعت بنسبها إليه من الصلب فإذا انقرض النساء فهي وحمامها وكومها المعروف بأبي قشاش يقسم ذلك أثلاثا فثلث في سبيل الله وثلث في الفقراء والمساكين وثلث على مواليه وموالي ولده وأولادهم أبدا ما تناسلوا بعد مرمتها ورزق قيم إن كان لها فإذا انقرض الموالي قلم يبق منهم أحد فعلى الفقراء والمساكين بفسطاط مصر ومدينة الرسول {صلى الله عليه وسلم} على ما يرى من وليها من عمارتها
واسم أبي عبد الرحمن يزيد بن أنيس بن عبد الله بن عمرو بن حبيب بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر وعمرو بن حبيب هو آكل
السقب وأمه السوداء ابنة زهرة بن كلاب وهو الذي يقول فيه الشاعر من الطويل
بنو آكل السقب الذين كأنهم
نجوم بآفاق السماء تنور
وكان عند دار السلسلة فلا أدري أهي هذه الدار أم غيرها حوض من رخام وكان يملأ في الأعياد طلاء وتجعل عليه الآنية ويشرب الناس فلم يزل الأمر على ذلك حتى ولي عمر بن عبد العزيز فقطعه وبالفسطاط غير دار بقال لها دار السلسلة سوى دار الفهري منها دار السهمي التي في الحذائين والدار التي كان فيها أصبغ الفقيه في زقاق القناديل

(1/152)


قال وبنى عبد العزيز بن مروان القيساريات قيسارية العسل وقيسارية الحبال وقيسارية الكباش وهي في خطة قوم من بلي يقال لهم الوحاوحة والقيسارية التي يباع فيها البز وهي التي تعرف بقيسارية عبد العزيز وأدخل فيها من خطط الراية وكان فيها منزل كعب بن عدي العبادي فعوضه منها داره التي في بني وائل قال وبنى هشام بن عبد الملك قيساريته التي تعرف بقيسارية هشام يباع فيها البز الفسطاطي في الفضاء بين القصر وبين البحر وبقيت بعد ذلك من الفضاء بقية بين بني وائل والبحر فأقطعها بنو العباس الناس
قال وأقطع عمرو بن العاص حين ولي وردان مولاه الأرض التي خلف القنطرة التي غربيها أبو حميد إلى كنيسة الروم التي هناك وما كان عن يمينك من رأس الجسر القديم إلى حمام
الكبش وهو الحمام الذي يعرف اليوم بحمام السوق والآخر إلى ساحل مريس فكل ذلك كان للوليد بن عبد الملك وكان للوليد أيضا ما كان على يسارك من الجزيرة وأنت خارج إلى الجيزة والحوانيت اللاصقة بجزيرة الصناعة

(1/153)


وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد أقطع ابن سندر منية الأصبغ فحاز لنفسه منها ألف فدان كما حدثنا يحيى بن خالد عن الليث بن سعد ولم يبلغنا أن عمر بن الخطاب أقطع أحدا من الناس شيئا من أرض مصر إلا ابن سندر فإنه أقطعه أرض منية الأصبغ فلم تزل له حتى مات فاشتراها الأصبغ بن عبد العزيز من ورثته فليس بمصر قطيعة أقدم منها ولا أفضل وكان سبب إقطاع عمر ما أقطعه من ذلك كما حدثنا عبد الملك بن مسلمة عن ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه كان لزنباع الجذامي غلام يقال له سندر فوجده يقبل جارية له فجبه وجدع أذنيه وأنفه فأتى سندر إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأرسل إلى زنباع فقال لا تحملوهم ما لا تطيقون وأطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون فإن رضيتم فأمسكوا وإن كرهتموهم فبيعوا ولا تعذبوا خلق الله ومن مثل به أو أحرق بالنار فهو حر وهو مولى الله ورسوله فأعتق سندر فقال أوص بي يا رسول الله قال أوصي بك كل مسلم قلما توفي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أتى سندر إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه فقال
آحفظ في وصية رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فعاله أبو بكر حتى توفى ثم أتى عمر فقال له احفظ في وصية النبي {صلى الله عليه وسلم} فقال نعم إن رضيت أن تقيم عندي أجريت عليك ما كان يجري عليك أبو بكر وإلا فانظر أي المواضع أكتب لك فقال سندر مصر فإنها أرض ريف فكتب له إلى عمرو بن العاص احفظ فيه وصية رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فلما قدم على عمرو قطع له أرضا واسعة ودارا فجعل سندر يعيش فيها فلما مات قبضت في مال الله
قال عمرو بن شعيب ثم أقطعها عبد العزيز بن مروان الأصبغ بعد فهي من خير أموالهم وروى ابن وهب عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن ربيعة بن لقيط التجيبي عن عبد الله بن سندر عن أبيه أنه كان عبدا لزنباع بن سلامة الجذامي فعتب عليه فخصاه وجدعه فأتى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأخبره فأغلظ لزنباع القول واعتقه منه فقال أوص بي يا رسول الله قال أوصي بك كل مسلم قال يزيد وكان سندر كافرا

(1/154)


حدثنا عبد الله بن صالح حدثنا الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب أن غلاما لزنباع الجذامي اتهمه فأمر بإخصائه وجدع أنفه وأذنيه فأتى إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأعتقه وقال أيما مملوك مثل به فهو حر وهو مولى الله ورسوله فكان بالمدينة عند رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يرفق به فلما اشتد
مرض رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال له ابن سندر يا رسول الله إنا كما ترى فمن لنا بعدك فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أوصي بك كل مؤمن
فلما ولي أبو بكر رضي الله عنه فأقر عليه نفقته حتى مات فلما ولي عمر بن الخطاب أتاه ابن سندر فقال احفظ في وصية رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال له انظر أي أجناد المسلمين شئت فالحق به امر لك بما يصلحك فقال ابن سندر ألحق بمصر فكتب له إلى عمرو بن العاص يأمره أن يأمر له بأرض تسعه فلم يزل فيما يسعه بمصر ويقال سندر وابن سندر والله أعلم بالصواب
ولأهل مصر عنه حديثان مرفوعان هذا أحدهما والآخر حدثنا يحيى بن بكير وعبد الملك بن مسلمة قالا حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن ابن سندر قال قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أسلم سالمها الله وغفار غفر الله لها وتجيب أجابت الله ورسوله قال ابن بكير في حديثه فقلت يآبا الأسود أنت سمعت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يذكر تجيب قال نعم قلت وأحدث الناس عنك بذلك قال نعم
خروج عمر إلى الريف
حدثنا عبد الله بن صالح عن عبدالرحمن بن شريح عن أبي قبيل قال كان الناس يجتمعون بالفسطاط إذا قفلوا فإذا حضر مرافق الريف خطب عمرو بن العاص الناس فقال قد حضر مرافق ريفكم فانصرفوا فإذا حمض اللبن واشتد العود وكثر الذباب فحي على فسطاطكم ولا أعلمن ما جاء أحدكم قد أسمن نفسه وأهزل جواده
حدثنا أحمد بن عمرو حدثنا ابن وهب عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب قال كان عمرو يقول للناس إذا قفلوا من غزوهم إنه قد حضر الربيع فن أحب منكم أن يخرج بفرسه يربعه فليفعل ولا أعلمن ما جاء رجل قد أسمن نفسه وأهزل فرسه فإذا حمض اللبن وكثر الذباب ولوى العود فارجعوا إلى قيروانكم

(1/155)


حدثنا عبد الملك بن مسلمة حدثنا الليث بن سعد أن عمرو بن العاص كان يقول للناس إذا قفلوا اخرجوا إلى أريافكم فإذا غنى الذباب
وحمض اللبن ولوى العود فحي على فسطاطكم
خطبة عمرو بن العاص
حدثنا سعيد بن ميسرة عن إسحاق بن الفرات عن ابن لهيعة عن الأسود بن ملك الحميري عن بحير بن ذاخر المعافري قال رحت أنا ووالدي إلى صلاة الجمعة تهجيرا وذلك آخر الشتاء أظنه بعد حميم النصارى بأيام يسيرة فأطلنا الركوع إذ أقبل رجال بأيديهم السياط يزجرون الناس فذعرت فقلت يا أبت من هؤلاء قال يا بني هؤلاء الشرط فأقام المؤذنون للصلاة فقام عمرو بن العاص على المنبر فرأيت رجلا ربعة قصد القامة وافر الهامة أدعج أبلج عليه ثياب موشية كأن به العقيان تأتلق عليه حلة وعمامة وجبة فحمد الله وأثنى عليه حمدا موجزا وصلى على النبي {صلى الله عليه وسلم} ووعظ الناس وأمرهم ونهاهم فسمعته يحض على الزكاة وصلة الأرحام ويأمر بالاقتصاد وينهى عن الفضول وكثرة العيال وقال في ذلك
يا معشر الناس إياي وخلالا أربعا فإنها تدعو إلى النصب بعد الراحة وإلى الضيق بعد السعة وإلى المذلة بعد العزة إياي وكثرة العيال وإخفاض الحال وتضييع المال والقيل بعد القال في غير درك ولا نوال ثم إنه لا بد من فراغ يؤول إليه المرء في توديع جسمه والتدبير لشأنه وتخليته بين نفسه وبين شهواتها ومن صار إلى ذلك فليأخذ
بالقصد والنصيب الأقل ولا يضيع المرء في فراغه نصيب العلم من نفسه فيحور من الخير عاطلا وعن حلال الله وحرامه غافلا

(1/156)


يا معشر الناس إنه قد تدلت الجوزاء وذكت الشعرى وأقلعت السماء وارتفع الوباء وقل الندى وطاب المرعى ووضعت الحوامل ودرجت السخائل وعلى الراعي بحسن رعيته حسن النظر فحي لكم على بركة الله إلى ريفكم فنالوا من خيره ولبنه وخرافه وصيده وأربعوا خيلكم وأسمنوها وصونوها وأكرموها فإنها جنتكم من عدوكم وبها مغانمكم وأثقالكم واستوصوا بمن جاورتموه من القبط خيرا وإياي والمشمومات والمعسولات فإنهن يفسدن الدين ويقصرن الهممم حدثني عمر أمير المؤمنين انه سمع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يقول إن الله سيفتح عليكم بعدي مصر فاستوصوا بقبطها خيرا فإن لكم منهم صهرا وذمة فعفوا أيديكم وفروجكم وغضوا أبصاركم ولا أعلمن ما أتى رجل قد أسمن جسمه وأهزل فرسه واعملوا أني معترض الخيل كاعتراض الرجال فمن أهزل فرسه من غير علة حططته من فريضته قدر ذلك واعلموا أنكم في رباط إلى يوم القيامة لكثرة الأعداء حوالكم وتشوق قلوبهم إليكم وإلى
داركم معدن الزرع والمال والخير الواسع والبركة النامية
وحدثني عمر أمير المؤمنين أنه سمع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يقول إذا فتح الله عليكم مصر فاتخذوا فيها جندا كثيفا فذلك الجند خير أجناد الأرض فقال له أبو بكر ولم يا رسول الله قال لأنهم وأزواجهم في رباط إلى يوم القيامة
فاحمدوا الله معشر الناس على ما أولاكم فتمتعوا في ريفكم ما طاب لكم فإذا يبس العود وسخن العمود وكثر الذباب وحمض اللبن وصوح البقل وانقطع الورد من الشجر فحي على فسطاطكم على بركة الله ولا يقدمن أحد منكم ذو عيال على عياله إلا ومعه تحفة لعياله على ما أطاق من سعته أو عسرته أقول قولي هذا وأستحفظ الله عليكم
قال فحفظت ذلك عنه فقال والدي بعد انصرافنا إلى المنزل لما حكيت له خطبته إنه يا بني يحدو الناس إذا انصرفوا إليه على الرباط كما حداهم على الريف والدعة
ذكر مرتبع الجند
قال وكان إذا جاء وقت الربيع واللبن كتب لكل قوم بربيعهم ولبنهم

(1/157)


إلى حيث أحبوا وكانت القرى التي يأخذ فيها عظمهم منوف ودسبندس وأهناس وطحا وكان أهل الراية متفرقين فكان آل عمرو بن العاص وآل عبد الله بن سعد يأخذون في منف ووسيم
وكانت هذيل تأخذ في بنا وبوصير وكانت عدوان تأخذ في بوصيروقرى عك التي يأخذ فيها عظمهم بوصير ومنوف ودسبندس وأتريب وكانت بلي تأخذ في منف وطرابية وكانت فهم تأخذ في أتريب وعين شمس ومنوف وكانت مهرة تأخذ في تتا وتمي وكانت الصدف تأخذ في الفيوم وكانت تجيب تأخذ في تمي وبسطة ووسيم وكانت لخم تأخذ في الفيوم وطرابية وقربيط وكانت جذام تأخذ في

طرابية وقربيط وكانت حضرموت تأخذ في ببا وعين شمس وأتريب وكانت مراد تأخذ في منف والفيوم ومعهم عبس بن زوف وكانت حمير تأخذ في بوصير وقرى أهناس وكانت خولان تأخذ في قرى أهناس والبهنسى والقيس وآل وعلة يأخذون في سفط من بوصير وآل أبرهة يأخذون في منف وغفار وأسلم يأخذون مع وائل من جذام وسعد في بسطة وقربيط وطرابية وآل يسار بن ضنة في أتريب وكانت المعافر تأخذ في أتريب وسخا ومنوف وكانت طائفة من تجيب ومراد يأخذون باليدقون
وكان بعض هذه القبائل ربما جاوز بعضا في الربيع ولا يوقع من معرفة ذلك على أحد إلاأن عظم القبائل كانوا يأخذون حيث وصفنا
وكان يكتب لهم بالربيع فيربعون وباللبن ما أقاموا وكان لغفار وليث أيضا مرتبع بأتريب
قال وأقامت مدلج بخربتا فاتخذوها منزلا وكان معهم نفر من حمير من ذبحان وغيرهم حالفوهم فيها فهي منازلهم ورجعت خشين وطائفة من لخم وجذام فنزلوا أكناف صان وإبليل وطرابية ولم يحفظوا ولم تكن قيس بالحوف الشرقي قديما وإنما الذي أنزلهم به ابن الحبحاب وذلك أنه وفد إلى هشام بن عبد الملك فأمر له بفريضة خمسة آلاف رجل أو ثلاثة آلاف رجل شك عبد الرحمن فجعل ابن الحبحاب الفريضة في قيس وقدم بهم فأنزلهم بمصر الحوف الشرقي
ذكر خيل مصر

(1/158)


قال فلما نزل الناس واطمأنت بهم منازلهم كانوا يخرجون فيؤدبون خيلهم في المضمار حدثنا أحمد بن عمرو حدثنا ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الرحمن بن شماسة المهري عن معاوية بن حديج أنه مر على رجل بالمضمار معه فرس ممسك برسنه على كثيب فأرسل غلامه لينظر من الرجل فإذا هو بأبي ذر فأقبل ابن حديج إليه فقال له يابا ذر إني أرى هذا الفرس قد عناك وما أرى عنده
شيئا فقال أبو ذر هذا فرس قد استجيب له قال ابن حديج وما دعوة بهيمة من البهائم فقال أبو ذر إنه ليس من فرس إلا أنه يدعو الله كل سحرية اللهم أنت خولتني عبدا من عبيدك وجعلت رزقي بيده اللهم اجعلني أحب إليه من ولده وأهله وماله
حدثنا أبي عبد الله بن عبد الحكم وشعيب بن الليث قالا حدثنا الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن ابن شماسة أن معاوية بن حديج حدثه أنه مر على أبي ذر وهو قائم عند فرس له فسأله ما تعالج من فرسك فقال إني أظن هذا الفرس قد استجيبت دعوته ثم ذكر مثل حديث ابن وهب
حدثنا سعيد بن عفير حدثنا ابن لهيعة عن قيس بن الحجاج قال مر بنا عبد الرحمن بن معاوية بن حديج ونحن جلوس مع حنش بن عبد الله نحو صفا مهرة فغفل عن السلام فناداه حنش يا بن معاوية تمر ولا تسلم والله لقد رأيتني أشفع لك عند أبيك أن يجعل لسرجك ركابا تضع فيه رجلك
قال وكان ولد معاوية بن حديج ليست لسروجهم ركب إنما يثبون على الخيل وثبا
قال وكانت أصول خيل مصر من خيل سمى ابن عفير بعضها منها أشقر صدف وكان لأبي ناعمة مالك بن ناعمة الصدفي وبه سميت خوخة الأشقر التي بفسطاط مصر وكان السبب في ذلك أن الأشقر نفق
فكره صاحبه أن يطرحه في الأكوام كما تطرح جيف الدواب فحفر له ودفنه هنالك فنسب الموضع إليه

(1/159)


حدثنا أبي عبد الله بن عبد الحكم قال لما افتتح المسلمون القصر كان رجل من الروم يقبل من ناحية القصير على برذون له أشهب والمسلمون في صلاة الصبح فيقتل ويطعن فتطلبه خيل المسلمين فلا تقدر عليه وكان صاحب الأشقر غائبا فلما قدم أخبر بذلك فكمن له في موضع وأقبل العلج ففعل كما كان يفعل فطلبه صاحب الأشقر فأدركه قال فاشتغلت بقتل العلج وشد الأشقر على الهجين فقتله
ومنها ذو الريش فرس العوام بن حبيب اليحصبي والخطار فرس لبيد بن عقبة السومي والذعلوق فرس حمير بن وائل السومي وعجلى فرس كانت لعك ولها يقول الشاعر من الهزج
سبق الأقوام عجلى
سبقتهم وهي حبلى
حدثنا عبد الواحد بن إسحاق حدثنا مروان بن معاوية عن أبي حيان التيمي عن أبي زرعة عن أبي هريرة أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} سمى الأنثى من الخيل فرسا قال وعجلى التي قال عبد الرحمن بن معاوية بن حديج لنمر بن أيفع العكي ما فعلت عجلى على وجه الاستهزاء به فقال أما إن لها في أمك سهمين قال وكان للخم أيضا فرس يقال له أبلق لخم وكان الجون لعقبة بن كليب الحضرمي
وكان عبد العزيز بن مروان قد طلب الخطار من لبيد بن عقبة فامتنع عليه فأغزاه إفريقية فمات بها فلما كان موسى بن نصير أهدى إلى
عبد العزيز بن مروان خيلا فيها الخطار قال وقد طالت معرفته وذنبه فلما صارت إليهم الخيل لم يجدوا من يعرف الخطار فقالوا ابنة لبيد فبعث به عبد العزيز إليها فقالت لمن أتاها إني امرأة فآخرجوا عني حتى أنظر إليه ففعلوا فخرجت فنظرت إليه فعرفته فقالت والله لا يركبك أحد بعد أبي سويا ثم قطعت أذني الفرس وهلبت ذنبه ثم قالت هو هذا خذوه لا بارك الله لكم فيه فصار لعبد العزيز بن مروان فاتخذه للفحلة فكان منه الذائد ثم كان من الذائد الفرقد فهو أبو الخيل الفرقدية ولم يعرق الفرقد في شيء من خيل مصر إلا جاء سابقا

(1/160)


وكان أهل مصر لما بلغ مروان بن الحكم القاصرة وجهوا إليه عقبة بن شريح بن كليب المعافري ومطير بن يزيد التجيبي طليعة لهم ومطير يومئذ على الخطار فرس لبيد بن عقبة السومي فدخلا في عسكر مروان وجولا فيه ثم إن شيخا من أهل العسكر نذر بهما واستنكر هيئتهما فقال والله إني لأنكر سحنة هذين الفرسين وما أرى على صاحبيهما شحوب السفر فكرا راجعين إلى الفسطاط فمرا بناقة صرصرانية في ناحية العسكر لبشر بن مروان فطرداها فلما لحقتهما الخيل قال مطير لعقبة اطرد الناقة وأنا أكفيك وكر مطير فقاتلهم حتى ولوا عنه ثم لحق صاحبه ثم لحقته الخيل أيضا ففعل مثل ذلك حتى وصلا إلى الفسطاط فسألوهما عن الخبر فقالا حتى تنحروا الناقة وتأكلوا لحمها وهي أول غنيمة فنحرت الناقة وأكل لحمها ثم أخبراهم الخبر وأنهم أقوى من الرجل
ثم كتب عمر بن الخطاب كما حدثنا شعيب بن الليث وعبد الله بن صالح ويحيى بن عبد الله بن بكير وعبد الملك بن مسلمة عن الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب إلى عمرو بن العاص انظر من قبلك ممن بايع تحت الشجرة فأتم لهم العطاء مائتين وأتمها لنفسك لإمرتك وأتمها لخارجة بن حذافة لشجاعته ولعثمان بن أبي العاص لضيافته
ذكر مقاسمة عمر بن الخطاب العمال
قال ثم بعث عمر بن الخطاب محمدبن مسلمة كما حدثنا معاوية بن صالح عن محمد بن سماعة الرملي قال حدثني عبد الله بن عبد العزيز شيخ ثقة إلى عمرو بن العاص وكتب إليه
أما بعد فإنكم معشر العمال قعدتم على عيون الأموال فجبيتم الحرام وأكلتم الحرام وأورثتم الحرام وقد بعثت إليك محمد بن مسلمة الأنصاري ليقاسمك مالك فأحضره مالك والسلام

(1/161)


فلما قدم محمد بن مسلمة مصر أهدى له عمرو بن العاص هدية فردها عليه فغضب عمرو وقال يا محمد لم رددت إلى هديتي وقد أهديت إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مقدمي من غزوة ذات السلاسل فقبل فقال له محمد إن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كان يقبل بالوحي ما شاء ويمتنع مما شاء ولو كانت هدية الأخ إلى أخيه قبلتها ولكنها هدية إمام شر خلفها فقال عمرو قبح الله يوما صرت فيه لعمر بن الخطاب واليا فلقد رأيت العاص بن وائل يلبس الديباج المزرر بالذهب وإن الخطاب بن نفيل ليحمل الحطب على حمار
بمكة فقال له محمد بن مسلمة أبوك وأبوه في النار وعمر خير منك ولولا اليوم الذي أصبحت تذم لألفيت معتقلا عنزا يسرك غزرها ويسوءك بكؤها فقال عمرو هي فلتة المغضب وهي عندك بأمانة ثم أحضره ماله فقاسمه إياه ثم رجع
قال وكان سبب مقاسمة عمر بن الخطاب العمال كما حدثنا أبو الأسود النضر بن عبد الجبار وعبد الملك بن مسلمة عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن خالد بن الصعق قال شعرا كتب به إلى عمر بن الخطاب من الطويل
أبلغ أمير المؤمنين رسالة
فأنت ولي الله في المال والأمر
وأنت أمين الله فينا ومن يكن
أمينا لرب العرش يسلم له صدري
فلا تدعن أهل الرساتيق والجزي
يسيغون مال الله في الأدم الوفر
فأرسل إلى النعمان فاعلم حسابه
وأرسل إلى جزء وأرسل إلى بشر
ولا تنسين النافعين كليهما
وصهر بني غزوان عندك ذا وفر
ولا تدعوني للشهادة إنني
أغيب ولكني أرى عجب الدهر
من الخيل كالغزلان والبيض كالدمى
وما ليس ينسى من قرام ومن ستر
ومن ريطة مطوية في صيانها
ومن طي أستار معصفرة حمر
إذا التاجر الهندي جاء بفارة
من المسك راحت في مفارقهم تجري
نبيع إذا باعوا ونغزوا إذا غزوا
فأنى لهم مال ولسنا بذي وفر
فقاسمهم نفسي فداؤك إنهم
سيرضون إن قاسمتهم منك بالشطر
فقاسمهم عمر نصف أموالهم
والنعمان هو النعمان بن بشير وكان على حمص وصهر بني غزوان

(1/162)


أبو هريرة كان على البحرين قال ويقال أن قائل هذه الأبيات كما حدثنا معاوية بن صالح عن يحيى بن معين عن وهب بن جرير عن أبيه عن الزبير بن الخريت أبو المختار النميري قال من الطويل
أبلغ أمير المؤمنين رسالة
فأنت أمين الله في البر والبحر
فأرسل إلى النعمان فاعلم حسابه
وأرسل إلى جزء وأرسل إلى بشر
ولا تدعن النافعين كليهما
وذاك الذي في السوق مولى بني بدر
وما عاصم منها بصفر عيابه
ولا ابن غلاب من سراة بني نصر
نبيع إذا باعوا ونغزوا إذا غزوا
فأنى لهم مال ولسنا بذي وفر
ترى الجرد كالخزان والبيض كالدمى
وما لا يعد من قرام ومن ستر
ومن ريطة مطوية في صوانها
ومن طي أستار محدرجة حمر
إذا التاجر الهندي جار بفارة
من المسك راحت في مفارقهم تجري
فدونك مال الله لا تتركنه
سيرضون إن قاسمتهم منك بالشطر
ولا تدعوني للشهادة إنني
أغيب ولكني أرى عجب الدهر
قال عمر فإنا قد أعفيناه من الشهادة ونأخذ منهم نصف أموالهم فأخذ النصف وكان عمر قد استعمل هؤلاء الرهط
حدثنا عبد الملك بن مسلمة حدثنا ابن لهيعة عن جعفر بن ربيعة عن أبيه أن جده أوصى أن يدفع إلى عمر بن الخطاب نصف ماله وكان عمر استعمله على بعض أعماله حدثنا أسد بن موسى حدثنا سليمان بن أبي

(1/163)


سليمان عن محمد بن سيرين قال قال أبو هريرة لما قدمت من البحرين قال لي عمر يا عدو الله وعدو الإسلام خنت مال الله قال قلت لست بعدو الله ولا عدو الإسلام ولكني عدو من عاداهما ولم أخن مال الله ولكنها أثمان خيل لي تناتجت وسهام اجتمعت قال يا عدو الله وعدو الإسلام خنت مال الله قال قلت لست بعدوا الله ولا عدو الإسلام ولكني عدو من عااهما ولم أخن مال الله ولكنها إثمان خيل لي تناجت وسهام اجتمعت قال ذلك ثلاث مرات يقول ذلك عمر ويرد عليه أبو هريرة هذا القول قال فغرمني اثني عشرألفا فقمت في صلاة الغداة فقلت اللهم اغفر لأمير المؤمنين فأرادني على العمل بعد فقلت لا قال أوليس يوسف خيرا منك وقد سأل العمل قلت إن يوسف نبي إبن نبي وأنا ابن أميمة وأناأخاف ثلاثا واثنتين قال ألا تقول خمسا قلت لا قال مه قلت أخاف أن أقول بغير حلم وأقضي بغير علم وأن يضرب ظهري ويشتم عرضي ويؤخذ مالي
ذكر النيل
حدثنا عثمان بن صالح حدثنا ابن لهيعة عن واهب بن عبد الله المعافري عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال نيل مصر سيد
الأنهار سخر الله له كل نهر بين المشرق والمغرب فإذا أراد الله أن يجري نيل مصر أمر كل نهر أن يمده فأمدته الأنهار بمائها وفجر الله له الأرض عيونا فإذا انتهت جريته إلى ما أراد الله أوحى الله إلى كل ماء أن يرجع إلى عنصره
حدثنا عثمان بن صالح حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن معاوية بن أبي سفيان سأل كعب الأحبار هل تجد لهذا النيل في كتاب الله خبرا قال إي والذي فلق البحر لموسى إني لأجده في كتاب الله إن الله يوحي إليه في كل عام مرتين يوحي إليه عند جريه إن الله يأمرك أن تجري فيجري ما كتب الله له ثم يوحي إليه بعد ذلك يا نيل غر حميدا

(1/164)


حدثنا عبدالله بن يوسف حدثنا عبد الله بن عمر عن حبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال النيل وسيحان وجيحان والفرات من أنهار الجنة حدثنا عبد الله بن صالح حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن كعب الأحبار أنه كان يقول أربعة أنهار من الجنة وضعها الله في الدينا فالنيل نهر العسل في الجنة والفرات نهر الخمر في الجنة وسيحان نهر الماء في الجنة وجيحان نهر اللبن في الجنة
حدثنا سعيد بن أبي مريم حدثنا الليث بن سعد وعبد الله بن لهيعة
قالا حدثنا يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن أبي جنادة الكناني أنه سمع كعبا يقول النيل في الآخرة عسل أغزر ما يكون من الأنهار التي سماها الله ودجلة في الآخرة لبن أغزر ما يكون من الأنهار التي سمى الله والفرات خمر أغزر ما يكون من الأنهار التي سمى الله وجيحان ماء أغزر ما يكون من الأنهار التي سمى الله
قال فلما فتح عمرو بن العاص مصر كما حدثنا عثمان بن صالح عن ابن لهيعة عن قيس بن الحجاج عن من حدثه أتى أهلها إلى عمرو بن العاص حين دخل بؤونة من أشهر العجم فقالوا له أيها الأمير إن لنيلنا هذا سنة لا يجري إلا بها فقال لهم وما ذاك قالوا إنه إذا كان لثنتي عشرة ليلة تخلو من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر بين أبويها فأرضينا أبويها وجعلنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون ثم ألقيناها في هذا النيل فيجري فقال لهم عمرو إن هذا لا يكون في
الإسلام وإن الأسلام يهدم ما قبله فأقاموا بؤونة وأبيب ومسرى لا يجري قليلا ولا كثيرا حتى هموا بالجلاء فلما رأى ذلك عمرو كتب إلى عمر بن الخطاب بذلك فكتب إليه عمر قد أصبت إن الإسلام يهدم ما كان قبله وقد بعثت إليك ببطاقة فألقها في داخل النيل إذا أتاك كتابي

(1/165)


فلما قدم الكتاب على عمرو فتح البطاقة فإذا فيها من عبدالله عمر أمير المؤمنين إلى نيل أهل مصر أما بعد فإن كنت تجري من قبلك فلا تجر وأن كان الله الواحد القهار الذي يجريك فنسأل الله الواحد القهار أن يجريك فعرفهم عمرو بكتاب أمير المؤمنين وبالبطاقة ثم ألقاها فألقى عمرو البطاقة في النيل قبل يوم الصليب بيوم وقد تهيأ أهل مصر للجلاء والخروج منها لأنه لا يقوم بمصلحتهم فيها إلا النيل فأصبحوا يوم الصليب وقد أجراه ستة عشر ذراعا في ليلة وقطع الله تلك السنة السوء عن أهل مصر
حدثنا عثمان بن صالح حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن موسى {صلى الله عليه وسلم} دعا على آل فرعون فحبس الله عنهم النيل حتى أرادوا الجلاء حتى طلبوا إلى موسى أن يدعو الله فدعا الله رجاء أن يؤمنوا
فأصبحوا وقد أجراه الله في تلك الليلة ستة عشر ذراعا فاستجاب الله بتطوله لعمر بن الخطاب كما استجاب لنبيه موسى {صلى الله عليه وسلم}
ذكر الجزية
قال وكان عمرو يبعث إلى عمر بن الخطاب بالجزية بعد حبس ما كان يحتاج إليه وكانت فريضة مصر كما حدثنا عثمان بن صالح عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب لحفر خلجها وإقامة جسورها وبناء قناطرها وقطع جزائرها مائة ألف وعشرين ألفا من الفعلة معهم الطور والمساحي والأداة يعتقبون ذلك لا يدعون ذلك العمل شتاء ولا صيفا
ثم كتب عمر بن الخطاب كما حدثنا عبد الملك بن مسلمة عن القاسم بن عبدالله عن عبدالله بن دينار عن عبدالله بن عمر أن يختم في رقاب أهل الذمة بالرصاص ويظهروا مناطقهم ويجزوا نواصيهم ويركبوا على الأكف عرضا ولا يضربوا الجزية إلا على من جرت عليه المواسي ولا يضربوا على النساء ولا على الولدان ولا يدعوهم
يتشبهون بالمسلمين في لبوسهم

(1/166)


حدثنا شعيب بن الليث حدثنا أبي عن محمد بن عبد الرحمن بن عنج أن نافعا حدثهم وحدثنا عبدالملك بن مسلمة حدثنا ابن وهب حدثني عبدالله بن عمر وعمرو بن محمد أن نافعا حدثهم عن أسلم مولى عمر أنه حدثه أن عمر كتب إلى أمراء الأجناد ألا يضربوا الجزية إلا على من جرت عليه المواسي وجزيتهم أربعون درهما على أهل الورق منهم وأربعة دنانير على أهل الذهب وعليهم من أرزاق المسلمين من الحنطة والزيت مديان من حنطة وثلاثة أقساط من زيت في كل شهر لكل إنسان كان من أهل الشام والجزيرة وودك وعسل لا أدري كم هو
ومن كان من أهل مصر فإردب كل شهر لكل إنسان لا أدري كم من الودك والعسل وعليهم من البز والكسوة التي يكسوها أمير المؤمنين الناس ويضيفون من نزل بهم من أهل الإسلام ثلاث ليال وعلى أهل العراق خمسة عشر صاعا لكل إنسان ولا أدري كم لهم من الودك وكان لا يضرب الجزية على النساء والصبيان وكان يختم في أعناق رجال أهل الجزية قال وكانت ويبة عمر بن الخطاب كما حدثنا عبد الملك عن
الليث بن سعد في ولاية عمرو بن العاص ستة أمداد
حدثنا أسد بن موسى قال حدثنا سفيان بن عيينة عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب أن عمر قال جعلت على أهل السواد ضيافة يوم وليلة فمن حبسه مطر فلينفق من ماله

(1/167)


قال وكان عمرو بن العاص لما استوسق له الأمر أقر قبطها على جباية الروم وكانت جبايتهم بالتعديل إذا عمرت القرية وكثر أهلها زيد عليهم وإن قل أهلها وخربت نقصوا فيجتمع عرفاء كل قرية وماروتها ورؤساء أهلها فيتناظرون في العمارة والخراب حتى إذا أقروا من القسم بالزيادة انصرفوا بتلك القسمة إلى الكور ثم اجتمعوا هم ورؤساء القرى فوزعوا ذلك على احتمال القرى وسعة المزارع ثم ترجع كل قرية بقسمهم فيجمعون قسمهم وخراج كل قرية وما فيها من الأرض العامرة فيبذرون فيخرجون من الأرض فدادين لكنائسهم وحماماتهم ومعدياتهم من جملة الأرض ثم يخرج منها عدد الضيافة للمسلمين ونزول السلطان فإذا فرغوا نظروا إلى ما في كل قرية من الصناع والأجراء فقسموا عليهم بقدر احتمالهم فإن كانت فيها جالية قسموا عليها بقدر احتمالها وقل ما كانت
تكون إلا الرجل المنتاب أو المتزوج ثم ينظرون ما بقي من الخراج فيقسمونه بينهم على عدد الأرض ثم يقسمون ذلك بين من يريد الزرع منهم على قدر طاقتهم فإن عجز أحد وشكا ضعفا عن زرع أرضه وزعوا ما عجز عنه على ذوي الاحتمال وإن كان منهم من يريد الزيادة أعطي ما عجز عنه أهل الضعف فإن تشاحوا قسموا ذلك على عدتهم وكانت قسمتهم على قراريط الدينارأربعة وعشرين قيراطا يقسمون الأرض على ذلك
وكذلك روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} إنكم ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيرا وجعل عليهم لكل فدان نصف إردب قمح وويبتين من شعير إلا القرط فلم يكن عليه ضريبة والويبة يومئذ ستة أمداد
وكان عمر بن الخطاب كما حدثنا عبد الملك بن مسلمة عن ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب يأخذ ممن صالحه من المعاهدين ما سمى على نفسه لا يضع من ذلك شيئا ولا يزيد عليه ومن نزل منهم على الجزية ولم يسم شيئا يؤديه نظر عمر في أمره فإذا احتاجوا خفف عنهم وإن استغنوا زاد عليهم بقدر استغنائهم
قال وروى حيوة بن شريح حدثني الحسن بن ثوبان أن هشام بن أبي

(1/168)


رقية اللخمي حدثه أن صاحب إخنا قدم على عمرو بن العاص فقال له أخبرنا ما على أحدنا من الجزية فيصبر لها فقال عمرو وهو يشير إلى ركن كنيسة لو أعطيتني من الأرض إلى السقف ما أخبرتك ما عليك إنما أنتم خزانة لنا إن كثر علينا كثرنا عليكم وإن خفف عنا خففنا عنكم ومن ذهب إلى هذا الحديث ذهب إلى أن مصر فتحت عنوة
حدثنا عبد الملك بن مسلمة حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب قال قال عمر بن عبد العزيز أيما ذمي أسلم فإن إسلامه يحرز له نفسه وماله وما كان من أرض فإنها من فيء الله على المسلمين حدثنا عبدالملك بن مسلمة حدثنا الليث بن سعد أن عمر بن عبد العزيز قال أيما قوم صالحوا على جزية يعطونها فمن أسلم منهم كان أرضه وداره لبقيتهم قال الليث وكتب إلي يحيى بن سعيد أن ما باع القبط في جزيتهم وما يؤخذون به من الحق الذي عليهم من عبد أو وليدة أو بعير أو بقرة أو دابة فإن ذلك جائز عليهم جائز لمن ابتاعه منهم غير مردود إليهم إن أيسروا وما أكروا من أرضهم فجائز كراؤه إلا أن يكون يضر بالجزية التي عليهم فلعل الأرض أن ترد عليهم إن أضرت بجزيتهم وإن كان فضلا بعد الجزية فإنا نرى كراءها جائزا لمن تكاراها منهم
قال يحيى ونحن نقول الجزية جزيتان فجزية على رؤوس الرجال وجزية جملة تكون على أهل القرية يؤخذ بها أهل القرية فمن هلك من أهل القرية التي عليهم جزية مسماة على القرية ليست على رؤوس الرجال
فإنا نرى أن من هلك من أهل القرية ممن لا ولد له ولا وارث أن أرضه ترجع إلى قريته في جملة ما عليهم من الجزية ومن هلك ممن جزيته على رؤوس الرجال ولم يدع وراثا فإن أرضه للمسلمين

(1/169)


قال الليث وقال عمر بن عبد العزيز الجزية على الرؤوس وليست على الأرضين يريد أهل الذمة حدثنا عبد الملك بن مسلمة حدثنا ابن لهيعة عن عبد الملك بن جنادة أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى حيان بن شريج أن يجعل جزية موتى القبط على أحيائهم قال وحديث عبد الملك هذا يدل على أن عمر بن عبد العزيز كان يرى أن أرض مصر فتحت عنوة وأن الجزية إنما هي على القرى فمن مات من أهل القرى كانت تلك الجزية ثابتة عليهم وأن موت من مات منهم لا يضع عنهم من الجزية شيئا قال ويحتمل أن تكون مصر فتحت بصلح فذلك الصلح ثابت على من بقي منهم وأن موت من مات منهم لا يضع عنهم مما صالحوا عليه شيئا والله أعلم
حدثنا عبد الملك بن مسلمة حدثنا ابن وهب عن محمد بن عمرو عن ابن جريج أن رجلا أسلم على عهد عمر بن الخطاب فقال ضعوا الجزية عن أرضي فقال عمر لا إن أرضك فتحت عنوة
قال عبد الملك وقال مالك بن أنس ما باع أهل الصلح من أرضهم فهو جائز لهم وما فتح عنوة فإن ذلك لا يشتري منهم أحد ولا يجوز لهم بيع شيء مما تحت أيديهم من الأرض لأن أهل الصلح من أسلم منهم
كان أحق بأرضه وماله وأما أهل العنوة الذين أخذوا عنوة فمن أسلم منهم أحرز إسلامة نفسه وأرضه للمسلمين لأن لأهل العنوة غلبوا على بلادهم وصارت فيئا للمسلمين ولأن أهل الصلح إنما هم قوم امتنعوا ومنعوا بلادهم حتى صالحوا عليها وليس عليهم إلا ما صالحوا عليه ولا أرى أن يزاد عليهم ولا يؤخذ منهم إلا ما فرض عمر بن الخطاب لأن عمر خطب الناس فقال قد فرضت لكم الفرائض وسنت لكم السنن وتركتم على الواضحة قال وأما جزية الأرض فلا علم لي ولا أدري كيف صنع فيها عمر غير أن قد أقر الأرض فلم يقسمها بين الناس الذين افتتحوها فلو نزل هذا بأحد كنت أرى أن يسأل أهل البلاد أهل المعرفة منهم والأمانة كيف كان الأمر في ذلك فإن وجد من ذلك علما يشفي وإلا اجتهد في ذلك هو ومن حضره من المسلمين

(1/170)


حدثنا عبد الملك بن مسلمة حدثنا الليث بن سعد أن عمر بن عبد العزيز وضع الجزية عمن أسلم من أهل الذمة من أهل مصر وألحق في الديوان صلح من أسلم منهم في عشائر من أسلموا على يديه قال وقال غير عبد الملك وكانت تؤخذ قبل ذلك ممن أسلم وأول من أخذ الجزية ممن أسلم من أهل الذمة كما حدثنا عبد الملك بن مسلمة عن ابن لهيعة عن رزين بن عبدالله المرادي الحجاج بن يوسف ثم كتب عبد الملك بن مروان إلى عبد العزيز بن مروان أن يضع الجزية على من أسلم من أهل الذمة فكلمه ابن حجيرة في ذلك فقال أعيذك بالله أيها الأمير أن تكون أول
من سن ذلك بمصر فوالله إن أهل الذمة ليتحملون جزية من ترهب منهم فكيف تضعها على من أسلم منهم فتركهم عند ذلك
حدثنا عبد الملك بن مسلمة حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن عمرو بن عبد العزيز كتب إلى حيان بن سريج أن تضع الجزية عن من أسلم من أهل الذمة فإن الله تبارك وتعالى قال ) فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم ( قال ) قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون (
حدثنا عبد الملك بن مسلمة حدثنا الليث بن سعد قال كان لعبدالله بن سعد موالي نصارى فأعتقهم فكان عليهم الخراج قال الليث أدركنا بعضهم وإنهم ليؤدون الخراج
حدثنا عثمان بن صالح وعبد الله بن صالح قالا حدثنا الليث بن سعد قال لما ولي ابن رفاعة مصر خرج ليحصي عدة أهلها وينظر في تعديل الخراج عليهم فأقام في ذلك ستة أشهر بالصعيد حتى بلغ أسوان ومعه جماعة من الأعوان والكتاب يكفونه ذلك بجد وتشمير وثلاثة أشهر بأسفل الأرض فأحصوا من القرى أكثر من عشرة آلاف قرية
فلم يحص فيها في أصغر قرية منها أقل من خمسمائة جمجمة من الرجال الذين يفرض عليهم الجزية
ذكر المقطم

(1/171)


حدثنا عبد الله بن صالح حدثنا الليث بن سعد قال سأل المقوقس عمرو بن العاص أن يبيعه سفح المقطم بسبعين ألف دينار فعجب عمرو من ذلك وقال أكتب في ذلك إلى أمير المؤمنين فكتب بذلك إلى عمر فكتب إليه عمر سله لم أعطاك به ما أعطاك وهي لا تزدرع ولا يستنبط بها ماء ولا ينتفع بها فسأله فقال إنا لنجد صفتها في الكتب أن فيها غراس الجنة فكتب بذلك إلى عمر فكتب إليه عمر إنا لا نعلم غراس الجنة إلا المؤمنين فاقبر فيها من مات قبلك من المسلمين ولا تبعه بشيء فكان أول من دفن فيها رجل من المعافر يقال له عامر فقيل عمرت فقال المقوقس لعمرو كما حدثنا عثمان بن صالح عن ابن وهب عن عمارة بن عيسى قال ما ذا لك ولا على هذا عاهدتنا فقطع لهم الحد الذي بين المقبرة وبينهم
حدثنا هانئ بن المتوكل عن ابن لهيعة أن المقوقس قال لعمرو إنا لنجد في كتابنا أن ما بين هذا الجبل وحيث نزلتم ينبت فيه شجر الجنة فكتب بقوله إلى عمر بن الخطاب فقال فاجعلها مقبرة للمسلمين وقال غير عمارة بن عيسى فقبر فيها من عرف من أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كما حدثنا عثمان بن صالح عن ابن لهيعة عمن حدثه خمسة نفر عمرو بن العاص السهمي وعبد الله بن حذافة السهمي وعبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي وأبو بصرة الغفاري وعقبة بن عامر الجهني وقال غير عثمان ومسلمة بن مخلد الأنصاري
قال ابن لهيعة والمقطم ما بين القصير إلى مقطع الحجارة وما بعد ذلك فمن اليحموم وقد اختلف في القصير أخبرنا عثما بن صالح عن ابن لهيعة قال ليس بقصير موسى النبي {صلى الله عليه وسلم} ولكنه موسى الساحر

(1/172)


حدثنا سعيد بن عفير وعبد الله بن عباد قالا حدثنا المفضل بن فضالة عن أبيه قال دخلنا على كعب الأحبار فقال لنا ممن أنتم قلنا من أهل مصر فقال ما تقولون في القصير قال قلنا قصير موسى فقال ليس بقصير موسى ولكنه قصير عزيز مصر كان إذا جرى النيل يترفع فيه وعلى ذلك إنه لمقدس من الجبل إلى البحر قال ويقال بل كان موقدا يوقد فيه لفرعون إذا هو ركب من منف إلى عين شمس وكان على المقطم موقد آخر فإذا رأوا النار علموا بركوبه فأعدوا له ما يريد وكذلك إذا ركب منصرفا من عين شمس والله أعلم
حدثنا هانئ بن المتوكل عن ابن لهيعة ورشدين بن سعد عن الحسن بن ثوبان عن حسين بن شفي الأصبحي عن أبيه شفي بن عبيد أنه لما قدم مصر وأهل مصر قد اتخذوا مصلى بحذاء ساقية أبي عون التي عند العسكر فقال ما لهم وضعوا مصلاهم في الجبل الملعون وتركوا الجبل المقدس قال الحسن بن ثوبان فقدموا مصلاهم إلى موضعه الذي هو به اليوم حدثنا أبو الأسود النضر بن عبد الجبار حدثنا ابن لهيعة عن أبي قبيل أن رجلا سأل كعبا عن جبل مصر فقال إنه لمقدس ما بين القصير إلى اليحموم
ذكر اسنبطاء عمر بن الخطاب عمرو بن العاص في الخراج
قال فلما استبطأ عمر بن الخطاب الخراج من قبل عمرو بن العاص كما حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث بن سعد كتب إليه بسم الله الرحمن الرجيم من عبد الله بن عمر أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فإني فكرت في أمرك والذي أنت عليه فإذا أرضك أرض واسعة عريضة رفيعة قد أعطى الله أهلها عددا وجلدا وقوة في بر وبحر وإنها قد عالجتها الفراعنة وعملوا فيها عملا محكما مع شدة عتوهم وكفرهم فعجبت من ذلك وأعجب مما عجبت إنها لا تؤدي نصف ما كانت تؤديه

(1/173)


من الخراج قبل ذلك على غير قحوط ولا جدوب ولقد أكثرت في مكاتبتك في الذي على أرضك من الخراج وظننت أن ذلك سيأتينا على غير نزر ورجوت أن تفيق فترفع إلي ذلك فإذا أنت تأتيني بمعاريض تغتالها ولا توافق الذي في نفسي ولست قابلا منك دون الذي كانت تؤخذ به من الخراج قبل ذلك ولست أدري مع ذلك ما الذي أنفرك من كتابي وقبضك فلئن كنت مجزئا كافئا صحيحيا إن البراءة لنافعة وإن كنت مضيعا نطفا إن الأمر لعلى غير ما تحدث به نفسك وقد تركت أن أبتلي ذلك منك في العام الماضي رجاء أن تفيق فترفع إلي ذلك وقد علمت أنه لم يمنعك من ذلك إلا عمالك عمال السوء وما توالس عليه وتلفف اتخذوك كهفا وعندي بإذن الله دواء فيه شفاء عما أسألك عنه فلا تجزع أبا عبد الله أن يؤخذ منك الحق وتعطاه فإن النهز يخرج الدر والحق أبلج ودعني وما عنه تلجلج فإنه قد برح الخفاء والسلام
قال فكتب إليه عمرو بن العاص بسم الله الرحمن الرحيم لعبد الله أمير المؤمنين من عمرو بن العاص سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي

(1/174)


لا إله إلا هو أما بعد فقد بلغني كتاب أمير المؤمنين في الذي استبطأني فيه من الخراج والذي ذكر فيها من عمل الفراعنة قبلي وإعجابه من خراجها على أيديهم ونقض ذلك منها منذ كان الإسلام ولعمري للخراج يومئذ أوفر وأكثر والأرض أعمر لأنهم كانوا على كفرهم وعتوهم أرغب في عمارة أرضهم منا منذ كان الإسلام وذكرت أن النهز يخرج الدر فحلبتها حلبا قطع ذلك درها وأكثرت في كتابك وأنبت وعرضت وثربت وعلمت أن ذلك عن شيء تخفيه على غير خبر فجئت لعمري بالمفظعات المقذعات ولقد كان لك فيه من الصواب من القول رصين صارم بليغ صادق وقد عملنا لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} ولمن بعده فكنا بحمد الله مؤدين لأماناتنا حافظين لما عظم الله من حق أئمتنا نرى غير ذلك قبيحا والعمل به سيئا فيعرف ذلك لنا ويصدق فيه قيلنا معاذ الله من تلك الطعم ومن شر الشيم والاجتراء على كل مأثم فاقبض عملك فإن الله قد نزهني عن تلك الطعم الدنية والرغبة فيها بعد كتابك الذي لم تستبق فيه عرضا ولم تكرم فيه أخا والله يا بن الخطاب لأنا حين يراد ذلك مني أشد لنفسي غضبا ولها إنزاها وإكراما وما عملت من عمل أرى علي فيه متعلقا ولكني حفظت ما لم تحفظ ولو كنت من يهود يثرب ما زدت يغفر الله لك ولنا وسكت عن أشياء كنت بها عالما وكان اللسان بها مني ذلولا ولكن الله عظم من حقك ما لا يجهل والسلام
فكتب إليه عمر بن الخطاب كما وجدت في كتاب أعطانيه يحيى بن عبد الله بن بكير عن عبيد الله بن أبي جعفر عن أبي مرزوق التجيبي عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص

(1/175)


من عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فقد عجبت من كثرة كتبي إليك في إبطائك بالخراج وكتابك إلي ببنيات الطرق وقد علمت إني لست أرضى منك إلا بالحق البين ولم أقدمك إلى مصرأجعلها لك طعمة ولا لقومك ولكني وجهتك لما رجوت من توفيرك الخراج وحسن سياستك فإذا أتاك كتابي هذا فاحمل الخراج فإنما هو فيء المسلمين وعندي من قد تعلم قوم محصورون والسلام
فكتب إليه عمرو بن العاص بسم الله الرحمن الرحيم لعمر بن الخطاب من عمرو بن العاص سلام عليكم فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فقد أتاني كتاب أمير المؤمنين يستبطئني في الخراج ويزعم أني أعند عن الحق وأنكب عن الطريق وإني والله ما أرغب عن صالح ما تعلم ولكن أهل الأرض استنظروني إلى أن تدرك غلتهم فنظرت للمسلمين فكان الرفق بهم خيرا من أن يخرق بهم فيصيروا إلى بيع ما لا غنى بهم عنه والسلام
حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث بن سعد أن عمرا جباها اثني عشرألف ألف قال غير الليث وجباها المقوقس قبله بسنة عشرين ألف ألف فعند ذلك كتب إليه عمر بما كتب به
قال الليث وجباها عبد الله بن سعد حين استعمله عليها عثمان أربعة عشر ألف ألف فقال عثمان لعمرو بعدما عزله عن مصر يابا عبد الله درت اللقحة بأكثر من درها الأول قال عمرو أضررتم بولدها وقال غير الليث فقال له عمرو ذلك إن لم يمت الفصيل
حدثنا هشام بن إسحاق العامري قال كتب عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص أن يسأل المقوقس عن مصر من أين تأتي عمارتها وخرابها فسأله عمرو فقال له المقوقس تأتي عمارتها وخرابها من وجوه خمسة أن يستخرج خراجها في إبان واحد عند فراغ أهلها من زروعهم ويرفع خراجها في إبان واحد عند فراغ أهلها من عصر كرومهم وتحفر في كل سنة خلجها وتسد ترعها وجسورها ولا يقبل محل أهلها يريد البغي فإذا فعل هذا فيها عمرت وإن عمل فيها بخلافها خربت

(1/176)


قال وفي كتاب ابن بكير الذي أعطاني عن ابن زيد بن أسلم عن أبيه قال لما استبطأ عمر بن الخطاب عمرو بن العاص في الخراج كتب إليه أن ابعث إلي رجلا من أهل مصر فبعث إليه رجلا قديما من القبط فاستخبره عمر عن مصر وخراجها قبل الإسلام فقال يا أمير المؤمنين كان لا يؤحذ منها شيء إلا بعد عمارتها وعاملك لا ينظر إلى العمارة وإنما يأخذ ما ظهر له كأنه لا يريدها إلا لعام واحد فعرف عمر ما قال وقبل من عمرو ما كان يعتذر به
ذكر نهي الجند عن الزرع
قال ثم إن عمر بن الخطاب فيما حدثنا عبد الملك بن مسلمة عن ابن وهب عن حيوة بن شريح عن بكر بن عمرو عن عبدالله بن هبيرة أمر مناديه أن يخرج إلى أمراء الأجناد يتقدمون إلى الرعية أن عطاءهم قائم وأن رزق عيالهم سائل فلا يزرعون ولا يزارعون
قال ابن وهب فأخبرني شريك بن عبدالرحمن المرادي قال بلغنا أن شريك بن سمي الغطيفي أتى إلى عمرو بن العاص فقال إنكم لا تعطونا ما يحسبنا أفتأذن لي بالزرع فقال له عمرو ما أقدر على ذلك فزرع شريك من غير إذن عمرو فلما بلغ ذلك عمرا كتب إلى
عمر بن الخطاب يخبره أن شريك بن سمي الغطيفي حرث بأرض مصر فكتب إليه عمر أن ابعث إلي به فلما انتهى كتاب عمر إلى عمرو أقرأه شريكا فقال شريك لعمرو قتلتني يا عمرو فقال عمرو ما أنا قتلتك أنت صنعت هذا بنفسك قال له إذ كان هذا من رأيك فأذن لي بالخروج إليه من غير كتاب ولك عهد الله أن أجعل يدي في يده فأذن له بالخروج فلما وقف على عمر قال تؤمنني يا أمير المؤمنين قال ومن أي الأجناد أنت قال من جند مصر قال فلعلك شريك بن سمي الغطيفي قال نعم يا أمير المؤمنين قال لأجعلنك نكالا لمن خلفك قال أو تقبل مني ما قبل الله من العباد قال وتفعل قال نعم فكتب إلى عمرو بن العاص إن شريك بن سمي جاءني تائبا فقبلت منه
ذكر حفر خليج أمير المؤمنين

(1/177)


حدثنا عبدالله بن صالح أو غيره عن الليث بن سعد أن الناس بالمدينة أصابهم جهد شديد في خلافة عمر بن الخطاب في سنة الرمادة
فكتب إلى عمرو بن العاص وهو بمصر من عبدالله عمر أمير المؤمنين إلى العاص بن العاص سلام أما بعد فلعمري يا عمرو ما تبالي إذا شبعت أنت ومن معك أن أهلك أنا ومن معي فيا غوثاه ثم يا غوثاه يردد قوله فكتب إليه عمرو بن العاص
لعبد الله عمر أمير المؤمنين من عمرو بن العاص أما بعد فيا لبيك ثم يا لبيك قد بعثت إليك بعير أولها عندك وآخرها عندي والسلام عليك ورحمة الله
فبعث إليه بعير عظيمة فكان أولها بالمدينة وآخرها بمصر يتبع بعضها بعضا فلما قدمت على عمر وسع بها على الناس ودفع إلى أهل كل بيت بالمدينة وما حولها بعيرا بما عليه من الطعام وبعث عبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص يقسمونها على الناس فدفعوا إلى كل بيت بعيرا بما عليه من الطعام أن يأكلوا الطعام وينحروا البعير فيأكلوا لحمه ويأتدموا شحمه ويحتذوا جلده وينتفعوا بالوعاء الذي كان فيه الطعام لما أرادوا من لحاف أو غيره فوسع الله بذلك على الناس فلما رأى ذلك عمر حمد الله وكتب إلى عمرو بن العاص يقدم عليه هو
وجماعة من أهل مصر معه فقدموا عليه فقال عمر يا عمرو إن الله قد فتح على المسلمين مصر وهي كثيرة الخير والطعام وقد ألقي في روعي لما أحببت من الرفق بأهل الحرمين والتوسعة عليهم حين فتح الله عليهم مصر وجعلها قوة لهم ولجميع المسلمين أن أحفر خليجا من نيلها حتى يسيل في البحر فهو أسهل لما نريد من حمل الطعام إلى المدينة ومكة فإن حمله على الظهر يبعد ولا نبلغ منه ما نريد فانطلق أنت وأصحابك فتشاوروا في ذلك حتى يعتدل فيه رأيكم

(1/178)


فانطلق عمرو فأخبر بذلك من كان معه من أهل مصر فثقل ذلك عليهم وقالوا نتخوف أن يدخل في هذا ضرر على مصر فنرى أن تعظم ذلك على أمير المؤمنين وتقول له أن هذا أمر لا يعتدل ولا يكون ولا نجد إليه سبيلا فرجع عمرو بذلك إلى عمر فضحك عمر حين رآه وقال والذي نفسي بيده لكأني أنظر إليك يا عمرو وإلى أصحابك حين أخبرتهم بما أمرنا به من حفر الخليج فثقل ذلك عليهم وقالوا يدخل في هذا الضرر على أهل مصر فنرى أن تعظم ذلك على أمير المؤمنين وتقول له أن هذا الأمر لا يعتدل ولا يكون ولا نجد إليه سبيلا فعجب عمرو من قول عمر وقال صدقت والله يا أمير المؤمنين لقد كان الأمر على ما ذكرت فقال له عمر انطلق يا عمرو بعزيمة مني حتى تجد في ذلك ولا يأتي عليك الحول حتى تفرغ منه إن شاء الله
فانصرف عمرو وجمع لذلك من الفعلة ما بلغ منه ما أراد ثم احتفر الخليج الذي في حاشية الفسطاط الذي يقال له خليج أمير المؤمنين فساقه من النيل إلى القلزم فلم يأت الحول حتى جرت فيه السفن فحمل فيه ما أراد من الطعام إلى المدينة ومكة فنفع الله بذلك أهل الحرمين وسمي خليج أمير المؤمنين ثم لم يزل يحمل فيه الطعام حتى حمل فيه بعد عمر بن عبد العزيز ثم ضيعته الولاة بعد ذلك فترك وغلب عليه الرمل فانقطع فصار منتهاه إلى ذنب التمساح من ناحية طحا القلزم
قال ويقال أن عمر بن الخطاب قال لعمرو بن العاص وقدم عليه كما حدثنا أخي عبد الحكم بن عبد الله بن عبد الحكم حدثنا عبد الله بن وهب عن ابن لهيعة عن محمد بن عبد الرحمن قال حسبته عن عروة يا عمرو إن العرب قد تشاءمت بي وكادت أن تهلك على رجلي وقد عرفت الذي أصابها وليس جند من الأجناد أرجى عندي أن يغيث الله بهم أهل الحجاز من جندك فإن استطعت أن تحتال لهم حيلة حتى يغيثهم الله فقال عمرو ما شئت يا أمير المؤمنين قد عرفت أنه كانت تأتينا سفن فيها

(1/179)


تجار من أهل مصر قبل الإسلام فلما فتحنا مصر انقطع ذلك الخليج واستد وتركته التجار فإن شئت أن نحفره فننشيء فيه سفنا يحمل فيه الطعام إلى الحجاز فعلته فقال له عمر نعم فافعل
فلما خرج عمرو من عند عمر بن الخطاب ذكر ذلك لرؤساء أهل أرضه من قبط مصر فقالوا له ماذا جئت به أصلح الله الأمير تنطلق فتخرج طعام أرضك وخصبها إلى الحجاز وتخرب هذه فإن استطعت فاستثقل ذلك فلما ودع عمر بن الخطاب قال له يا عمرو أنظر إلى ذلك الخليج فلا تنسين حفره فقال له يا أمير المؤمنين إنه قد انسد وتدخل فيه نفقات عظام فقال له عمر أما والذي نفسي بيده إني لأظنك حين خرجت من عندي حدثت بذلك أهل أرضك فعظموه عليك وكرهوا ذلك أعزم عليك إلا ما حفرته وجعلت فيه سفنا فقال عمرو يا أمير المؤمنين إنه متى ما يجد أهل الحجاز طعام مصر وخصبها مع صحة الحجاز لا يخفوا إلى الجهاد قال فإني سأجعل من ذلك أمرا لا يحمل في هذا البحر إلا رزق أهل المدينة وأهل مكة فحفره عمرو وعالجه وجعل فيه السفن
قال ويقال أن عمر بن الخطاب كما ذكر عبد الله بن صالح عن الليث بن سعد عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه كتب إلى عمرو بن العاص
إلى العاص بن العاص فإنك لعمري لا تبالي إذا سمنت أنت ومن معك أن أعجف أنا ومن قبلي فيا غوثاه ثم يا غوثاه فكتب إليه
عمرو بن العاص أما بعد فيا لبيك ثم يا لبيك أتتك عير أولها عندك وآخرها عندي مع أني أرجو أن أجد السبيل إلى أن أحمل إليك في البحر
ثم إن عمرا ندم على كتابه في الحمل إلى المدينة في البحر وقال إن أمكنت عمر من هذا خرب مصر ونقلها إلى المدينة فكتب إليه إني نظرت في أمر البحر فإذا هو عسر لا يلتأم ولا يستطاع فكتب إليه عمر

(1/180)


إلى العاص بن العاص فقد بلغني كتابك تعتل في الذي كنت كتبت إلي به من أمر البحر وإيم الله لتفعلن أو لأقلعنك بأذنك أو لأبعثن من يفعل ذلك فعرف عمرو أنه الجد من عمر بن الخطاب ففعل فبعث إليه عمر أن لا تدع بمصر شيئا من طعامها وكسوتها وبصلها وعدسها وخلها إلا بعثت إلينا منه
قال ويقال أنما دل عمرو بن العاص على الخليج رجل من قبط مصر حدثنا أبي عبد الله بن عبد الحكم حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن أبيه أن رجلا أتى إلى عمرو بن العاص من قبط مصر فقال أرأيت إن دللتك على مكان تجري فيه السفن حتى تنتهي إلى مكة والمدينة أتضع عني الجزية وعن أهل بيتي قال نعم فكتب إلى عمر فكتب إليه أن افعل فلما قدمت السفن الجار خرج عمر حاجا أو معتمرا فقال
للناس سيروا بنا ننظر إلى السفن التي سيرها الله إلينا من أرض فرعون حتى أتتنا فقال رجل من بني ضمرة فأفردني السير معه في سبعة نفر فآوانا الليل إلى خيمة أعراب فإذا ببرمة تغطى على النار فقال عمر هل من طعام فقالوا لا إلا لحم ظبي أصبناه بالأمس فقربوه فأكل منه وهو محرم
حدثنا أسد بن موسى حدثنا وكيع بن الجراح عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عمرو بن سعد الجاري أن عمر أتى الجار ثم دعا بمناديل ثم قال اغتسلوا من ماء البحر فإنه مبارك

(1/181)


قال غير أسد فلما قدمت السفن الجار وفيها الطعام صك عمر للناس بذلك الطعام صكوكا فتبايع التجار الصكوك بينهم قبل أن يقبضوها قال فحدثني أبي عبد الله بن عبد الحكم أخبرنا ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير قال لقي عمر بن الخطاب العلاء بن الأسود فقال كم ربح حكيم بن حزام فقال ابتاع من صكوك الجار بمائة ألف درهم وربح عليها مائة ألف فلقيه عمر بن الخطاب فقال يا حكيم كم ربحت فأخبره بمثل خبر العلاء فقال عمر فبعته قبل أن تقبضه قال نعم قال عمر فإن هذا بيع لا يصلح فاردده فقال حكيم ما علمت أن هذا لا يصلح وما أقدر على رده فقال عمر ما بد فقال حكيم والله ما أقدر على ذلك وقد تفرق وذهب ولكن رأس مالي وربحي صدقة
حدثنا أبي عبد الله بن عبد الحكم حدثنا مالك بن أنس عن نافع ان حكيم بن حزام ابتاع طعاما أمر به عمر للناس فباع حكيم الطعام قبل
أن يستوفيه فسمع بذلك عمر فرده عليه قال لا تبع طعاما ابتعته حتى تستوفيه قال مالك وبلغني أن صكوكا خرجت للناس في زمان مروان بن الحكم من طعام الجار فتبايع الناس تلك الصكوك بينهم قبل أن يستوفوها فدخل زيد بن ثابت ورجل من أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى مروان فقالا له أتحل بيع الربا يا مروان فقال أعوذ بالله وما ذاك قالا هذه الصكوك يتبايعها الناس ثم يبيعونها قبل أن يستوفوها فبعث مروان الحرس يتبعونها ينتزعونها من أيدي الناس ويردونها إلى أهلها
وحدثنا أسد بن موسى حدثنا مهدي بن ميمون حدثنا سعيد الجريري عن أبي نضرة عن أبي فراس أن عمر بن الخطاب خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال

(1/182)


إيها الناس إنه قد أتى علي زمان وأنا أحسب أن من قرأ القرآن إنما يريد به الله وما عنده وقد خيل إلي بآخرة أنه قد قرأه أقوام يريدون به الدنيا ويردون به الناس ألا فأريدوا الله بأعمالكم وأريدوه بقراءتكم ألا إنما كنا نعرفكم إذ ينزل الوحي وإذ رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بين أظهرنا وإذ ينبئنا الله من أخباركم فقد انقطع الوحي وذهب النبي {صلى الله عليه وسلم} فإنما نعرفكم بما نقول لكم الآن من رأينا منه خيرا ظننا به خيرا وأحببناه عليه ومن رأينا منه شرا ظننا به شرا وأبغضناه عليه سرائركم فيما بينكم وبين ربكم ألا إني إنما أبعث عمالي ليعلموكم دينكم ويعلموكم سننكم ولا أبعثهم ليضربوا ظهوركم ولا يأخذوا أموالكم إلا فمن أتى إليه شيء من ذلك فليرفعه إلي فوالذي نفس عمر بيده لأقصنه
منه فقام عمرو بن العاص فقال أرأيت يا أمير المؤمنين إن عتب عامل من عمالك على بعض رعيته فأدب رجلا من رعيته إنك لمقصه منه قال نعم والذي نفس عمر بيده لأقصنه منه ألا أقصه وقد رأيت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يقص من نفسه إلا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم ولا تحمروا بهم فتفتنوهم ولا تنزلوهم الغياض فتضيعوهم
فأتى رجل من أهل مصر كما حدثنا عن أبي عبدة عن ثابت البناني وحميد عن أنس إلى عمر بن الخطاب فقال يا أمير المؤمنين عائذ بك من الظلم قال عذت معاذا قال سابقت ابن عمرو بن العاص فسبقته فجعل يضربني بالسوط ويقول أنا ابن الأكرمين فكتب عمر إلى عمرو يأمره بالقدوم عليه ويقدم بابنه معه فقدم فقال عمر أين المصري خذ السوط فاضرب فجعل يضربه بالسوط ويقول عمر اضرب ابن الأليمين قال أنس فضرب فوالله لقد ضربه ونحن نحب ضربه فما أقلع عنه حتى تمنينا أنه يرفع عنه ثم قال عمر للمصري ضع على ضلعة عمرو فقال يا أمير المؤمنين إنما ابنه الذي ضربني وقد اشتفيت منه فقال عمر لعمرو مذكم تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا قال يا أمير المؤمنين لم أعلم ولم يأتني
قدوم ضبيع العراقي مصر

(1/183)


حدثني عبد الله بن صالح حدثني الليث بن سعد عن نافع مولى ابن عمر أن ضبيعا العراقي جعل يسأل عن أشياء من القرآن في أجناد المسلمين حتى قدم مصر فبعث به عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب فلما أتاه الرسول بالكتاب فقرأه قال أين الرجل قال في الرحل فقال عمر ابصر أن يكون ذهب فتصيبك مني العقوبة الموجعة فأتاه به فقال له عمر عم تسأل فحدثه فأرسل عمر إلى رطائب الجريد فضربه بها حتى ترك ظهره دبره ثم تركه حتى برأ ثم عاد له ثم تركه حتى برأ ثم عاد به ليعود له فقال صبيغ يا أمير المؤمنين إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلا جميلا وإن كنت تريد أن تداويني فقد والله برأت فإذن له إلى أرضه وكتب له إلى أبي موسى الأشعري إلا يجالسه أحد من المسلمين فاشتد ذلك على الرجل فكتب أبو موسى إلى عمر إنه قد حسنت هيئته فكتب عمر أن ائذن للناس في مجالسته
حدثنا أسد بن موسى حدثنا محمد بن خازم عن الحجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال كتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب يسأله عن رجل أسلم ثم كفر ثم أسلم ثم كفر حتى
فعل ذلك مرارا أيقبل منه الإسلام فكتب إليه عمر أن اقبل منه اعرض عليه الإسلام فإن قبل فاتركه وإلا فاضرب عنقه حدثنا أسد بن موسى حدثنا محمد بن خازم عن الحجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال كتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب يسأله عن عبد وجد جرة من ذهب مدفونة فكتب إليه عمر أن ارضخ له منها بشيء فإنه أحرى أن يؤدوا ما وجدوا
ذكر فتح الفيوم

(1/184)


حدثنا سعيد بن عفير وغيره قالوا فلما تم الفتح للمسلمين بعث عمرو جرائد الخيل إلى القرى التي حولها فأقامت الفيوم سنة لم يعلم المسلمون بمكانها حتى أتاهم رجل فذكرها لهم فأرسل عمرو معه ربيعة بن حبيش بن عرفطة الصدفي فلما سلكوا في المجابة لم يروا شيئا فهموا بالانصراف فقالوا لا تعجلوا سيروا فإن كان كذب فما أقدركم على ما أردتم فلم يسيروا إلا قليلا حتى طلع لهم سواد الفيوم فهجموا عليها فلم يكن عندهم قتال وألقوا بأيديهم قال
ويقال بل خرج مالك بن ناعمة الصدفي وهو صاحب الأشقر على فرسه ينفض المجابة ولا علم له ما خلفها من الفيوم فلما رأى سوادها رجع إلى عمرو فأخبره ذلك
قال ويقال بل بعث عمرو بن العاص قيس بن الحارث إلى الصعيد فسار حتى أتى القيس فنزل بها وبه سميت القيس فراث على عمرو خبره فقال ربيعة بن حبيش كفيت فركب فرسه فأجاز عليه البحر وكانت أنثى فأتاه بالخبر ويقال أنه أجاز من ناحية الشرقية حتى انتهى إلى الفيوم وكان يقال لفرسه الأعمى والله أعلم
قال وبعث عمرو بن العاص نافع بن عبد القيس الفهري وكان نافع أخا العاص بن وائل لأمه فدخلت خيولهم أرض النوبة صوائف كصوائف الروم فلم يزل الأمر على ذلك حتى عزل عمرو بن العاص عن مصر وأمر عبد الله بن سعد بن أبي سرح فصالحهم وسأذكر ذلك في موضعه إن شاء الله
ذكر فتح برقة
قال وكان البربر بفلسطين وكان ملكهم جالوت فلما قتله داود عليه
السلام خرج البربر متوجهين الى المغرب حتى انتهوا الى لوبية ومراقية وهما كورتان من كور مصر الغربية مما يشرب من السماء ولا ينالهما النيل فتفرقوا هنالك فتقدمت زناتة ومغيلة الى المغرب وسكنوا الجبال وتقدمت لواتة فسكنت ارض انطابلس وهي برقة وتفرقت في هذا المغرب وانتشروا فيه حتى بلغواالسوس ونزلت هوارة مدينة لبدة ونزلت نفوسة الى مدينة سبرت وجلا من كان بها من الروم من اجل ذلك واقام الافارق وكانوا خدما للروم على صلح يؤدونه الى من غلب على بلادهم

(1/185)


فسار عمرو بن العاص في الخيل حتى قدم برقة فصالح أهلها على ثلاثة عشرألف دينار يؤدونها إليه جزية على أن يبيعوا من أحبوا من أبنائهم في جزيتهم حدثنا عبد الملك بن مسلمة حدثنا الليث بن سعد قال كتب عمرو بن العاص على لواتة من البربر في شرطه عليهم أن عليكم أن تبيعوا أبناءكم وبناتكم فيما عليكم من الجزية
حدثنا عثمان بن صالح حدثنا ابن لهيعة أن أنطابلس فتحت بعهد من عمرو بن العاص حدثنا عبد الملك بن مسلمة حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن عبدالله الحضرمي أن ابن دياس حين ولي أنطابلس أتاه بكتاب عهدهم حدثنا عبد الملك بن مسلمة حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن عبد الله الحضرمي عن أبي قنان أيوب بن أبي العالية الحضرمي عن أبيه قال سمعت عمرو بن العاص على المنبر يقول لأهل أنطابلس عهد يوفى لهم به
قال ثم رجع إلى حديث عثمان بن صالح وغيره قال ولم يكن يدخل برقة يومئذ جابي خراج إنما كانوا يبعثون بالجزية إذا جاء وقتها ووجه عمرو بن العاص عقبة بن نافع حتى بلغ زويلة وصار ما بين برقة وزويلة للمسلمين
ذكر فتح أطرابلس
قال ثم سار عمرو بن العاص حتى نزل أطرابلس في سنة اثنتين وعشرين حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير عن الليث بن سعد قال غزا عمرو بن العاص طرابلس في سنة وثلاث وعشرين ثم رجع إلى حديث عثمان فنزل على القبة التي على الشرف من شرقيها فحاصرها شهرا لا يقدر منهم على شيء فخرج رجل من بني مدلج ذات يوم من عسكر عمرو متصيدا في سبعة نفر فمضوا غربي المدينة حتى أمعنوا عن العسكر ثم رجعوا فأصابهم الحر فأخذوا على ضفة البحر وكان البحر لاصقا بسور المدينة ولم يكن فيما بين المدينة والبحر سور وكانت سفن الروم شارعة في مرساها إلى بيوتهم فنظر المدلجي وأصحابه فإذا البحر قد غاض من ناحية المدينة ووجدوا مسلكا إليها من الموضع الذي غاض منه البحر فدخلوا منه حتى أتوا من ناحية الكنيسة وكبروا فلم يكن للروم مفزع إلا

(1/186)


سفنهم وأبصر عمرو وأصحابه السلة في جوف المدينة فأقبل بجيشه حتى دخل عليهم فلم تفلت الروم إلا بما خف لهم من مراكبهم وغنم عمرو ما كان في المدينة
وكان من بسبرت متحصنين واسمها نبارة وسبرت السوق القديم وإنما نقله إلى نبارة عبد الرحمن بن حبيب سنة إحدى وثلاثين فلما بلغهم محاصرة عمرو مدينة أطرابلس وأنه لم يصنع فيهم شيئا ولا طاقة له بهم أمنوا فلما ظفر عمرو بن العاص بمدينة أطرابلس جرد خيلا كثيفة من ليلته وأمرهم بسرعة السير فصبحت خيله مدينة سبرت وقد غفلوا وقد فتحوا أبوابهم لتسرح ما شيتهم فدخلوها فلم ينج منهم أحد واحتوى جند عمرو على ما فيها ورجعوا إلى عمرو
حدثنا أبو الأسود النضر بن عبد الجبار حدثنا ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد أنه سمع أبا تميم الجيشاني يقول غزونا مع عمرو بن العاص غزوة أطرابلس فجمعنا المجلس ومعنا فيه هبيب بن مغفل فذكرنا قضاء دين رمضان فقال هبيب مغفل لا يفرق وقال عمرو بن العاص لا بأس أن يفرق إذا أحصيت العدد
ذكر استئذان عمرو بن العاص عمر بن الخطاب في غزوة أفريقية
وأراد عمرو أن يوجه إلى المغرب فكتب إلى عمر بن الخطاب كما حدثنا عبد الملك بن مسلمة عن ابن لهيعة عن ابن هبيرة عن أبي تميم الجيشاني
إن الله قد فتح علينا أطرابلس وليس بينها وبين أفريقية إلا تسعة أيام فإن رأى أمير المؤمنين أن يغزوها ويفتحها الله على يديه فعل فكتب إليه عمر لا إنها ليست بأفريقية ولكنها المفرقة غادرة مغدور بها لا يغزوها أحد ما بقيت

(1/187)


حدثنا أبو الأسود النضر بن عبد الجبار حدثنا ابن لهيعة عن أبي قبيل عن مرة بن ليشرح المعافري قال سمعت عمر بن الخطاب يقول أفريقية المفرقة ثلاث مرات لا أوجه إليها أحدا ما مقلت عيني الماء حدثنا أسد بن موسى حدثنا ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد عن علي بن رباح عن مسعود بن الأسود صاحب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وكان بايع تحت الشجرة أنه استأذن عمر بن الخطاب في غزو أفريقية فقال عمر لا إن أفريقية غادرة مغدور بها
قال ثم رجع إلى حديث عثمان بن صالح وغيره قال فأتى عمرو بن العاص كتاب المقوقس يذكر له فيه أن الروم يريدون نكث العهد ونقض ما كان بينهم وبينه وكان عمرو قد عاهد المقوقس على أن لا يكتمه أمرا يحدث فانصرف عمرو راجعا مبادرا لما أتاه وقد كان عمرو يبعث الجريدة من الخيل فيصيبون الغنائم ثم يرجعون
ذكر عزل عمرو عن مصر
قال فتوفي عمر رحمة الله عليه ومصرعلى أميرين عمرو بن العاص بأسفل الأرض وعبدالله بن سعد بن أبي سرح على الصعيد قال وكانت وفاة عمر كما حدثنا يحيى بن بكير عن الليث بن سعد مصدر الحاج سنة ثلاث وعشرين حدثنا سعيد بن عفير قال إنما كان عمر بن الخطاب ولى عبد الله بن سعد من الصعيد الفيوم فلما استخلف عثمان بن عفان كما حدثنا عبد الله بن صالح أو غيره عن الليث طمع عمرو بن العاص لما رأى من لين عثمان أن يعزل له عبد الله بن سعد عن الصعيد فوفد إليه وكلمه في ذلك فقال له عثمان ولاه عمر بن الخطاب الصعيد وليس بينه وبينه حرمة ولا خاصة وقد علمت أنه أخي من الرضاعة فكيف أعزله عما ولاه غيري وقال له فيما حدثنا سعيد بن عفير إنك لفي غفلة عما كانت تصنع بي أمه إن كانت لتخبأ لي العرق من اللحم في ردنها حتى آتي قال ثم رجع إلى حديث الليث بن سعد قال فغضب عمرو وقال لست راجعا إلا على ذلك فكتب عثمان بن عفان إلى عبد الله بن سعد يؤمره على

(1/188)


مصر كلها فجاءه الكتاب بالفيوم قال ابن عفير بقرية منها تدعى دموشة قال الليث في حديثه فجعل لأهل أطواب جعلا على أن يصبحوا به الفسطاط في مركبه وكان الذي جعل لهم كما يزعم آل عبد الله بن سعد خمسة دنانير قال الليث فقدموا به الفسطاط قبل الصبح فأرسل إلى المؤذن فأقام الصلاة حين طلع الفجر وعبد الله بن عمرو ينتظر المؤذن يدعوه إلى الصلاة لأنه خليفة أبيه فاستنكر الإقامة فقيل له صلى عبد الله بن سعد بالناس وآل عبد الله يزعمون أن عبد الله بن سعد أقبل من غربي المسجد بين يديه شمعة وأقبل عبد الله بن عمرو من نحو داره بين يديه شمعة فالتقت الشمعتان عند القبلة قال الليث في حديثه فأقبل عبد الله بن عمرو حتى وقف على عبد الله بن سعد فقال هذا بغيك ودسك فقال عبد الله بن سعد ما فعلت وقد كنت أنت وأبوك تحسداني على الصعيد فتعال حتى أوليك الصعيد وأولي أباك أسفل الأرض ولا أحسدكما عليه فلبث عبد الله بن سعد عليها أميرا محمودا وغزا فيها ثلاث غزوات كلهن لها شأن وذكر أفريقية والأوساد ويوم ذي الصواري وسأذكر ذلك في موضعه أن شاء الله قال وكان عزل عمرو بن
العاص عن مصر كما حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير عن الليث بن سعد وتولية عبدالله بن سعد في سنة خمس وعشرين
ذكر انتقاض الاسكندرية
قال وقد كانت الاسكندرية كما حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب انتقضت وجاءت الروم عليهم منويل الخصي في المراكب حتى أرسوا لاسكندرية فأجابهم من بها من الروم ولم يكن المقوقس تحرك ولا نكث

(1/189)


وقد كان عثمان بن عفان عزل عمرو بن العاص وولى عبد الله بن سعد فلما نزلت الروم الاسكندرية سأل أهل مصر عثمان أن يقر عمرا حتى يفرغ من قتال الروم فإن له معرفة بالحرب وهيبة في قلب العدو ففعل وكان على الاسكندرية سورها فحلف عمرو بن العاص لئن أظهره الله عليهم ليهدمن سورها حتى تكون مثل بيت الزانية تؤتى من كل مكان فخرج إليهم عمرو في البر والبحر قال غير الليث وضوى إلى المقوقس من أطاعه من القبط فأما الروم فلم يطعه منهم أحد فقال خارجة بن حذافة لعمرو ناهضهم القتال قبل أن يكثر مددهم ولا آمن أن تنتقض مصر كلها فقال عمرو لا ولكن أدعهم حتى يسيروا إلي
فإنهم يصيبون من مروا به فيخزي الله بعضهم ببعض

(1/190)


فخرجوا من الاسكندرية ومعهم من نقض من أهل القرى فجعلوا ينزلون القرية فيشربون خمورها ويأكلون أطعمتها وينتهبون ما مروا به فلم يعرض لهم عمرو حتى بلغوا نقيوس فلقوهم في البر والبحر فبدأت الروم والقبط فرموا بالنشاب في الماء رميا شديداحتى أصابت النشاب يومئذ فرس عمرو في لبته وهو في البر فعقر فنزل عنه عمرو ثم خرجوا من البحر فاجتمعوا هم والذين في البر فنضحوا المسلمين بالنشاب فاستأخر المسلمون عنهم شيئا يسيرا وحملوا على المسلمين حملة ولى المسلمون منها وانهزم شريك بن سمي في خيله وكانت الروم قد جعلت صفوفا خلف صفوف وبرز يومئذ بطريق ممن جاء من أرض الروم على فرس له عليه سلاح مذهب فدعا إلى البراز فبرز إليه رجل من زبيد يقال له حومل يكنى أبا مذحج فاقتتلا طويلا برمحين يتطاردان ثم ألقى البطريق الرمح وأخذ السيف وألقى حومل رمحه وأخذ سيفه وكان يعرف بالنجدة وجعل عمرو يصيح أبا مذحج فيجيبه لبيك والناس على شاطيءالنيل في البر على تعبئتهم وصفوفهم فتجاولا ساعة بالسيفين ثم حمل عليه البطريق فاحتمله وكان نحيفا ويخترط حومل خنجرا كان في منطقته أوفي ذراعه فضرب به نحر العلج أوتر قوته فأثبته ووقع عليه فأخذ سلبه ثم مات حومل بعد ذلك بأيام رحمة الله عليه فرئي عمرو يحمل سريره بين عمودي نعشه حتى
دفنه بالمقطم ثم شد المسلمون عليهم فكانت هزيمتهم فطلبهم المسلمون حتى الحقوهم بالأسكندرية ففتح الله عليهم وقتل منويل الخصي
حدثنا الهيثم بن زياد أن عمرو بن العاص قتلهم حتى أمعن في مدينتهم فكلم في ذلك فأمر برفع السيف عنهم وبني في ذلك الموضع الذي رفع فيه السيف مسجدا وهو المسجد الذي بالإسكندرية الذي يقال له مسجد الرحمة وإنما سمي مسجد الرحمة لرفع عمرو السيف هنالك وهدم سورها كله

(1/191)


وجمع عمرو ما أصاب منهم فجاءه أهل تلك القرى ممن لم يكن نقض فقالوا قد كنا على صلحنا وقد مر علينا هؤلاء اللصوص فأخذوا متاعنا ودوابنا وهو قائم في يديك فرد عليهم عمرو ما كان لهم من متاع عرفوه وأقاموا عليه البينة وقال بعضهم لعمرو ما حل لك ما صنعت بنا كان لنا أن تقاتل عنا لأنا في ذمتك ولم ننقض فأما من نقض فأبعده الله فندم عمرو وقال ياليتني كنت لقيتهم حين خرجوا من الاسكندرية
وكان سبب نقض الاسكندرية هذا كما حدثنا عن حيوة بن شريح عن الحسن بن ثوبان عن هشام بن أبي رقية أن صاحب إخنا قدم على عمرو بن العاص فقال أخبرنا ما على أحدنا من الجزية فيصبر لها فقال عمرو وهو يشير إلى ركن كنيسة لو أعطيتني من الركن إلى السقف ما أخبرتك إنما أنتم خزانة لنا إن كثر علينا كثرنا عليكم وإن خفف عنا
خففنا عنكم فغضب صاحب إخنا فخرج إلى الروم فقدم بهم فهزمهم الله وأسر النبطي فأتي به عمرو فقال له الناس اقتله فقال لا بل انطلق فجئنا بجيش آخر
حدثنا سعيد بن سابق قال كان اسمه طلما وإن عمرا لما أتي به سوره وتوجه وكساه برنس أرجوان وقال له إيتنا بمثل هؤلاء فرضي بأداء الجزية فقيل لطلما لو أتيت ملك الروم فقال لو اتيته لقتلني وقال قتلت أصحابي
ذكر خراب خربة وردان
قال وكان عمرو حين توجه إلى الاسكندرية خرب القرية التي تعرف اليوم بخربة وردان قال عبد الرحمن واختلف علينا في السبب الذي خربت له فحدثنا سعيد بن عفير أن عمرا لما توجه الى نقيوس لقتال الروم عدل وردان لقضاء حاجته عند الصبح قريبا من خربة وردان فاختطفه أهل الخربة فغيبوه ففقده عمرو وسأل عنه وقفا أثره فوجدوه في بعض دورهم فأمر بإخرابها وإخراجهم منها
حدثنا عبد الملك بن مسلمة قال كان أهل الخربة رهبانا كلهم فغدروا بقوم من ساقة عمرو فقتلوهم بعد أن بلغ عمرو الكريون فأقام

(1/192)


عمرو ووجه إليهم وردان فقتلهم وخربها فهي خراب إلى اليوم حدثنا أبي عبد الله بن عبد الحكم قال كان أهل الخربة أهل توثب وخبث فأرسل عمرو بن العاص إلى أرضهم فأخذ له منها جراب فيه تراب من ترابها ثم دعاهم فكلمهم فلم يجيبوه إلى شيء فأمر بإخراجهم ثم أمر بالتراب ففرش تحت مصلاه ثم قعد عليه ثم دعاهم فكلمهم فأجابوه إلى ما أحب ثم أمر بالتراب فرفع ثم دعاهم فلم يجيبوه إلى شيء حتى فعل ذلك مرارا فلما رأى عمرو ذلك قال هذه بلدة لا تصلح إلا ن توطأ فأمر بإخرابها والله أعلم
ذكر بعض ما قيل في فتح الاسكندرية الثاني
ثم رجع إلى حديث ابن ليهعة عن يزيد بن أبي حبيب قال فلما هزم الله الروم أراد عثمان عمرا أن يكون على الحرب وعبد الله بن سعد على الخراج فقال عمرو أنا إذا كماسك البقرة بقرنيها وآخر يحلبها فأبى عمرو
حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ حدثنا حرملة بن عمران عن تميم بن فرع المهري قال شهدت فتح الإسكندرية في المرة الثانية فلم يسهم لي حتى كاد أن يقع بين قومي وبين قريش منازعة فقال بعض القوم أرسلوا إلى أبي بصرة الغفاري وعقبة بن عامر الجهني فإنهما من أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فسلوهما عن هذا فأرسلوا إليهما فسألوهما فقالا انظروا فإن كان أنبت فأسهموا له فنظروا إلي بعض القوم فوجدوني قد أنبت فأسهموا لي
حدثنا عبد الملك بن مسلمة حدثنا ابن وهب عن موسى بن علي
عن أبيه عن عمرو بن العاص أنه فتح الإسكندرية الفتحة الأخيرة عنوة قسرا في خلافة عثمان بن عفان بعد موت عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أجمعين حدثنا عبد الملك بن مسلمة حدثنا ابن لهيعة قال كان فتح الإسكندرية الأول سنة إحدى وعشرين وفتحها الآخر سنة خمس وعشرين بينهما أربع سنين

(1/193)


حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير عن الليث بن سعد قال كان فتح الإسكندرية الأول سنة اثنتين وعشرين وكان فتحها الآخر سنة خمس وعشرين قال غير ابن لهيعة وأقام عمرو بن العاص بعد فتح الإسكندرية شهرا ثم عزله عثمان وولى عبد الله بن سعد
قال غير ابن لهيعة في حديثه عن يزيد بن أبي حبيب وأقامت الخيس من البيما يقاتلون الناس سبع سنين بعدما فتحت مصر مما يفتحون عليهم من تلك المياه والغياض
ذكر قدوم عمرو على عمر بن الخطاب
حدثنا عثمان بن صالح عن الليث بن سعد قال عاش عمر بن الخطاب بعد فتح مصر ثلاث سنين قدم عليه عمرو فيها قدمتين قال ابن عفير استخلف في إحداهما زكرياء بن الجهم العبدري على الجند ومجاهد بن جبر مولى بني نوفل بن عبد مناف على الخراج وهو جد معاذ بن موسى النفاط أبي إسحاق بن معاذ الشاعر فسأله عمر من استخلفت فذكر له مجاهد بن جبر فقال له عمر مولى ابنت غزوان قال نعم إنه
كاتب فقال عمر إن القلم ليرفع بصاحبه وبنت غزوان هذه أخت عتبة بن غزوان وقد شهد عتبة بدرا
حدثنا عبد الملك بن هشام قال حدثنا زياد بن عبدالله عن محمد بن إسحاق قال عتبة بن غزوان بن جابر بن وهب بن نسيب بن مالك بن الحارث بن مازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان حليف بني نوفل بن عبد مناف قال وخطة مجاهد بن جبر دار صالح صاحب السوق

(1/194)


قال ثم رجع إلى حديث ابن عفير قال واستخلف في القدمة الثانية عبد الله بن عمروفحدثنا عبدالملك بن مسلمة وعبد الله بن صالح قالا حدثنا الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب أن عمرو بن العاص دخل على عمر بن الخطاب وهو على مائدته جاثيا على ركبتيه وأصحابه كلهم على تلك الحال وليس في الجفنة فضل لأحد يجلس فسلم عمرو على عمر فرد عليه السلام قال عمرو بن العاص قال نعم فأدخل عمر يده في الثريد فملأها ثريدا ثم ناولها عمرو بن العاص فقال خذ هذا فجلس عمرو وجعل الثريد في يده اليسرى ويأكل باليمنى ووفد أهل مصر ينظرون إليه فلما خرجوا قال الوفد لعمرو أي شيء صنعت فقال عمرو إنه والله لقد علم أني بما قدمت به من مصر لغني عن الثريد الذي ناولني ولكنه أراد أن يختبرني فلو لم أقبلها للقيت منه شرا
حدثنا أبو الأسود النضر بن عبدالجبار حدثنا ابن لهيعة عن أبي
قبيل قال دخل عمرو بن العاص على عمر بن الخطاب وقد صبغ رأسه ولحيته بسواد فقال عمر من أنت قال أنا عمرو بن العاص قال عمر عهدي بك شيخا وأنت اليوم شاب عزمت عليك إلا ما خرجت فغسلت هذا
حدثنا عبد الله بن صالح حدثنا الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب قال قدم عمرو بن العاص من مصر مرة على عمر فوافاه على المنبر يوم الجمعة فقال هذا عمرو بن العاص قد أتاكم ما ينبغي لعمرو أن يمشي على الأرض إلا أميرا حدثنا سعيد بن عفير حدثنا ابن لهيعة عن مشرح بن عاهان عن عقبة بن عامر أن عمر رضي الله عنه قال ما ينبغي لعمرو أن يمشي على الأرض إلا أميرا
قال الليث وقال عمرو بن العاص ما كنت بشيء أتجر مني بالحرب
ذكر وفاة عمرو بن العاص
قال ثم توفي عمرو بن العاص في سنة ثلاث وأربعين حدثنا يحيى بن بكير عن الليث بن سعد قال توفي عمرو بن العاص سنة ثلاث وأربعين وفيها أمر عتبة بن أبي سفيان على أهل مصر وفيها غزا شريك بن سمي لبدة المغرب

(1/195)


قال وحدثنا أسد بن موسى وعبدالله بن صالح قالا حدثنا الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن ابن شماسة أخبره أن عمرو بن العاص لما حضرته الوفاة دمعت عيناه فقال عبد الله بن عمرو يا أبا عبد الله أجزع من الموت يحملك على هذا قال لا ولكن مما بعد الموت فذكر له عبد الله مواطنه التي كانت مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} والفتوح التي كانت بالشام فلما فرغ عبد الله من ذلك قال قد كنت على أطباق ثلاثة لو مت على بعضهن علمت ما يقول الناس بعث الله محمدا {صلى الله عليه وسلم} فكنت أكره الناس لما جاء به أتمنى لو أني قتلته فلو مت على ذلك لقال الناس مات عمرو مشركا عدوا لله ولرسوله من أهل النار ثم قذف الله الإسلام في قلبي فأتيت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فبسط إلي يده ليبايعني فقبضت يدي ثم قلت أبايعك على أن يغفر لي ماتقدم من ذنبي وأنا أظن حينئذ أني لا أحدث في الإسلام ذنبا فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يا عمرو إن الإسلام يجب ما قبله من خطيئة وإن الهجرة تجب ما بينها وبين الإسلام فلو مت على هذا الطبق لقال الناس أسلم عمرو وجاهد مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} نرجو لعمرو عند الله خيرا كثيرا ثم أصبت إمارات وكانت فتن فأنا مشفق من هذا الطبق فإذا أخرجتموني فأسرعوا بي ولا تتبعني مادحة ولا نار وشدوا علي إزاري فإني مخاصم وسنوا علي التراب سنا فإن يميني ليست بأحق بالتراب من يساري ولا تدخلن القبر خشبة ولا طوبة ثم إذا قبرتموني فامكثوا عندي قدر نحر جزور وتقطيعها أستأنس بكم
حدثنا أسد بن موسى حدثنا ابن لهيعة حدثنا يزيد بن أبي حبيب عن
سويد بن قيس عن قيس بن سمي نحوه قال وقال عمرو فوالله إني إن كنت لأشد الناس حياء من رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ما ملأت عيني منه ولا راجعته بما أريد حتى لحق بالله حياء منه
وصية عمرو بن العاص عند موته

(1/196)


حدثنا أسد بن موسى حدثنا عبد الرحمن بن محمد عن محمد بن طلحة عن إسماعيل أن عمرو بن العاص لما حضره الموت قال ادعوا لي عبد الله فقال يا بني إذا أنا مت فاغسلني وترا واجعل في آخر ماء تغسلني به شيئا من كافور فإذا فرغت فأسرع بي فإذا أدخلتني قبري فسن علي التراب سنا واعلم أنك تتركني وحيدا خائفا اللهم لا أعتذر ولكني أستغفر اللهم إنك أمرت بأمور فتركنا ونهيت فركبنا فلا بريء فأعتذر ولا عزيز فأنتصر ولكن لا إله إلا أنت لا إله إلا أنت ثلاث مرات ثم قبض
حدثنا عبد الملك بن مسلمة حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن أبيه أن عمرو بن العاص لما حضرته الوفاة ذرفت عيناه فبكى فقال له عبد الله يا أبة ما كنت أخشى أن ينزل بك أمر من أمر الله إلا صبرت عليه قال له يا بني إنه نزل بإبيك خلال ثلاث أما أولاهن
فانقطاع عمله وأما الثالثة فهول المطلع وأما الثانية ففراق الأحبة وهي أيسرهن اللهم أمرت فتوانيت ونيهت فعصبت اللهم ومن شيمك العفو والتجاوز
حدثنا وهب الله بن راشد أخبرنا يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن حميد بن عبدالرحمن عن عبد الله بن عمرو أن عمرو بن العاص حين حضرته الوفاة قال أي بني إذا مت فكفني في ثلاثة أثواب ثم أزرني في احدهن ثم شقوا لي الأرض شقا وسنوا علي التراب سنا فإني مخاصم ثم قال اللهم إنك أمرت بأمور ونهيت عن أمور فتركنا كثيرا مما أمرت به ووقعنا في كثير مما نهيت عنه اللهم لا إله إلا أنت فلم يزل يرددها حتى فاظ

(1/197)


حدثنا المقرئ عبد الله بن يزيد حدثنا حرملة بن عمران التجيبي حدثني يزيد بن أبي حبيب عن أبي فراس مولى عمرو بن العاص أن عمرا لما حضرته الوفاة قال لابنه عبد الله إذا مت فاغسلني وكفني وشد علي إزاري فإني مخاصم فإذا أنت حملتني فأسرع بي المشي فإذا أنت وضعتني في المصلى وذلك في يوم عيد فانظر إلى أفواه الطرق فإذا لم يبق أحد واجتمع الناس فابدأ فصل علي ثم صل العيد فإذا وضعتني في لحدي فأهيلوا علي التراب فإن شقي الأيمن ليس بأحق بالتراب من شقي الأيسر فإذا سويتم علي فاجلسوا عند قبري قدر نحر
جزور وتقطيعها أستأنس بكم فلما تقدم عبد الله بن عمرو ليصلي على أبيه كما حدثنا عبد الغفار بن داؤد وعبد الله بن صالح عن الليث بن سعد عن ربيعة بن لقيط قال والله ما أحب أن لي بأبي أبا رجل من العرب وما أحب أن الله يعلم أن عيني دمعت عليه جزعا وأن لي حمر النعم ثم كبر
حدثنا سعيد بن عفير قال ودفن بالمقطم من ناحية الفج وكان طريق الناس يومئذ إلى الحجاز فأحب أن يدعو له من مر به وفي ذلك يقول عبد الله بن الزبير من الطويل
الم تر ان الدهر أخنت ريوبه
على عمرو السهمي تجبى له مصر
فأضحى نبيذا بالعراء وضللت
مكائده عنه وأمواله الدثر
( ولم يغن عنه جمعه واحتياله
ولا كيده حتى أتيح له الدهر
ذكر فتح أفريقية
ثم رجع إلى حديث عثمان وغيره قال فلما عزل عثمان عمرو بن العاص عن مصر وأمر عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان يبعث المسلمين في جرائد الخيل كما كانوا يفعلون في أيام عمرو فيصيبون من أطراف

(1/198)


أفريقية ويغنمون فكتب في ذلك عبد الله بن سعد إلى عثمان وأخبره بقربهم من حرز المسلمين ويستأذنه في غزوها فندب عثمان الناس لغزوها بعد المشورة منه في ذلك فلما اجتمع الناس أمر عليهم عثمان الحارث بن الحكم إلى أن يقدموا على عبد الله بن سعد مصر فيكون إليه الأمر فخرج عبد الله بن سعد إليها وكان مستقر سلطان أفريقية يومئذ بمدينة يقال لها قرطاجنة وكان عليها ملك يقال له جرجير كان هرقل قد استخلفه فخلع هرقل وضرب الدنانير على وجهه وكان سلطانه ما بين أطرابلس إلى طنجة
حدثنا عبد المك بن مسلمة حدثنا ابن لهيعة قال كان هرقل استخلف جرجير فخلعه قال ثم رجع إلى حديث عثمان بن صالح وغيره قال فلقيه جرجير فقاتله فقتله الله وكان الذي ولي قتله فيما يزعمون عبدالله بن الزبير وهرب جيش جرجير فبث عبد الله بن سعد السرايا وفرقها فأصابوا غنائم كثيرة فلما رأى ذلك رؤساء أهل أفريقية طلبوا إلى عبد الله بن سعد أن يأخذ منهم مالا على أن يخرج من بلادهم فقبل منهم ذلك ورجع إلى مصر ولم يول عليهم أحدا ولم يتخذ بها قيروانا فكانت غنائم المسلمين يومئذ كما حدثنا عبدالملك بن مسلمة عن ابن لهيعة عن أبي الأسود عن أبي أويس قال أبو الأسود مولى لنا قال غزونا مع عبد الله بن سعد أفريقية فقسم بيننا الغنائم بعد إخرج الخمس فبلغ
سهم الفارس ثلاثة آلاف دينار للفرس ألفا دينار ولفارسه آلف دينار وللراجل آلف دينار فقسم لرجل من الجيش توفي بذات الحمام فدفع إلى أهله بعد موته ألف دينار

(1/199)


حدثنا يوسف بن عدي حدثنا ابن المبارك عن حيوة بن شريح عن عبد الرحمن بن أبيه هلال عن أبي الأسود أن أبا أوس مولى لهم قديما حدثه أن رجلا خرج في غزوة أفريقية فمات بذات الحمام فقسم له فكان سهمه يومئذ ألف دينار حدثنا عبدالملك بن مسلمة حدثنا الليث بن سعد عن غير واحد أن عبد الله بن سعد غزا أفريقية وقتل جرجير فأصاب الفارس يومئذ ثلاثة آلاف دينار والراجل ألف دينار قال غير الليث من مشايخ أهل مصر في كل دينار دينار وربع
قال ثم رجع إلى حديث عثمان بن صالح وغيره قال فكان جيش عبد الله بن سعد ذلك عشرين ألفا حدثنا عبد الملك بن مسلمة عن ابن لهيعة قال كانت مهرة في غزوة عبد الله بن سعد وحدهم ستمائة رجل وغنث من الأزد سبعمائة رجل وميدعان سبعمائة وميدعان من الأزد وكان على مقاسمها كما حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير عن ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد عن أزهر بن يزيد الغطيفي شريك بن سمي فباع ابن زرارة المديني تبرا بذهب بعضه أفضل من بعض ثم لقيه المقداد بن الأسود فذكر ذلك له فقال المقداد إن هذا لا يصلح فقال له ابن زرارة فضلها لك هبة قال شريك ما أحب أن لي ما تحوز وإني أرجع به
وكانت إبنة جرجير كما حدثنا إبي عبد الله بن عبد الحكم
وسعيد بن عفير قد صارت لرجل من الأنصار في سهمه فأقبل بها منصرفا قد حملها على بعير له فجعل يرتجز
يابنة جرجير تمشي عقبتك
إن عليك بالحجاز ربتك
لتحملن من قباء قربتك
قالت ما يقول هذا الكلب فأخبرت بذلك فألقت نفسها عن البعير الذي كانت عليه فدقت عنقها فماتت

(1/200)


حدثنا عبد الملك بن مسلمة حدثنا ابن لهيعة أن عبد الله بن سعد هو الذي افتتح أفريقية ونقل هو الذي افترع أفريقية أنه كان يوضع بين يديه الكوم من الورق فيقال للأفارقة من أين لكم هذا قال فجعل إنسان منهم يدور كالذي يلتمس الشيء حتى وجد زيتونة فجاء بها إليه فقال من هذا نصيب الورق قال وكيف قال إن الروم ليس عندهم زيتون فكانوا يأتونا فيشترون منا الزيت فنأخذ هذا الورق منهم وإنما سموا الأفارقة فيما حدثنا عثمان بن صالح عن ابن لهيعة وغيره أنهم من ولد فارق بن بيصر وكان فارق قد حاز لنفسه من الأرض ما بين برقة إلى أفريقية فبالأفارقة سميت أفريقية
حدثنا أبي عبد الله بن عبد الحكم حدثنا بكر بن مضر عن يزيد بن أبي حبيب عن قيس بن أبي يزيد عن الجلاس بن عامر عن عبد الله بن أبي ربيعة قال صلى عبدالله بن سعد للناس بأفريقية
المغرب فلما صلى ركعتين سمع جلبة في المسجد فراعهم ذلك وظنوا أنهم العدو فقطع الصلاة فلما لم ير شيئا خطب الناس ثم قال إن هذه الصلاة احتضرت ثم أمر مؤذنه فأقام الصلاة ثم أعادها
قال وبعث عبد الله بن سعد كما حدثنا عبد الملك بن مسلمة عن ابن لهيعة بالفتح عقبة بن نافع ويقال عبد الله بن الزبير وذلك أصح وسار زعموا عبد الله بن الزبير على راحلته إلى المدينة من أفريقية عشرين ليلة

(1/201)


حدثنا سعيد بن عفير حدثني المنذر بن عبدالله الحزامي عن هشام بن عروة أن عبدالله بن سعد بعث عبد الله بن الزبير بفتح أفريقية فدخل على عثمان فجعل يخبره بلقائهم العدو وما كان في تلك الغزوة فأعجب عثمان فقال له هل تستطيع أن تخبر الناس بمثل هذا قال نعم فأخذ بيده حتى انتهى به إلى المنبر ثم قال له اقصص عليهم ما أخبرتني فتلكأ عبد الله بدئا فأخذ الزبير قبضة حصباء وهم أن يحصبه بها ثم تكلم كلاما أعجبهم فكان الزبير يقول إذا أراد أحدكم أن يتزوج المرأة فلينظر إلى أبيها وأخيها فلن يلبث أن يرى ربيطة منها ببابه لما كان يرى من شبه عبد الله بن الزبير بأبي بكر
حدثنا عبد الملك بن مسلمة حدثنا الليث بن سعد قال بعث عبدالله بن سعد عبد الله بن الزبير وكان في الجيش بالفتح فقدم على عثمان بن عفان فبدأ به قبل أن يأتي أباه الزبير بن العوام فخرج عثمان
إلى المسجد ومعه ابن الزبير فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر الذي أبلى الله المسلمين على يدي عبد الله بن سعد ثم قال قم يا عبد الله بن الزبير فحدث الناس بالذي شهدت قال الزبير فوجدت في نفسي على عثمان وقلت يقيم غلاما من الغلمان لا يبلغ الذي يحق عليه والذي يجمل به فقام فتكلم فأبلغ وأصاب فما فرغ حتى ملأهم عجبا ثم نزل عثمان وقام عبد الله بن الزبير إلى أبيه فأخذ أبوه بيده وقال إذا أردت أن تتزوج امرأة فانظر إلى أبيها وأخيها قبل أن تتزوجها كأنه يشبهه ببلاغة أبي بكر الصديق جده قال وحدثنيه ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب وقد قيل أن عبد الله بن سعد قد كان وجه مروان بن الحكم إلى عثمان من أفريقية فلا أدري أفي الفتح أم بعده والله أعلم

(1/202)


حدثنا عبدالله بن معشر الأيلي أن مروان بن الحكم أقبل من أفريقية أرسله عبد الله بن سعد ووجه معه رجلا من العرب من لخم أو جذام شك عبد الرحمن قال فسرنا حتى إذا كنا ببعض الطريق قرب الليل فقال لي صاحبي هل لك إلى صديق لي ها هنا قلت ما شئت قال فعدل بي عن الطريق حتى أتى إلى دير وإذا سلسلة معلقة فأخذ السلسلة فحركها وكان أعلم مني فأشرف علينا رجل فلما رآنا فتح الباب فدخلنا فلم يتكلم حتى طرح لي فراشا ولصاحبي فراشا ثم أقبل على صاحبي يكلمه بلسانه فراطنه حتى سؤت ظنا ثم أقبل علي فقال أي شيء قرابتك من خليفتهم قلت ابن عمه قال هل أحد أقرب إليه منك قلت لا إلا أن يكون ولده قال صاحب الأرض االمقدسة أنت قلت لا قال فإن استطعت أن تكون هو فافعل ثم قال أريد
أن أخبرك بشيء وأخاف أن تضعف عنه قال قلت ألي تقول هذا وأنا أنا ثم أقبل على صاحبي فراطنه ثم أقبل علي فسايلني عن مثل ذلك وأجبته بمثل جوابي فقال إن صاحبك مقتول وإنا نجد أنه يلي هذا الأمر من بعده صاحب الأرض المقدسة فإن استطعت أن تكون ذلك فافعل فأصابتني لذلك وجمة فقال لي قد قلت لك إني أخاف ضعفك عنه فقلت وما لي لا يصيبني أو كما قال وقد نعيت إلي سيد المسلمين وأمير المؤمنين قال ثم قدمت المدينة فأقمت شهرا لا أذكر لعثمان من ذلك شيئا ثم دخلت عليه وهو في منزل له على سرير وفي يده مروحة فحدثته بذلك فلما انتهيت إلى ذكر القتل بكيت وأمسكت فقال لي عثمان تحدث لا تحدثت فحدثته فأخذ بطرف المروحة يعضها أحسبه قال عبد الرحمن واستلقى على ظهره وأخذ بطرف عقبه يعركه حتى ندمت على إخباري إياه ثم قال لي صدق وسأخبرك عن ذلك

(1/203)


لما غزا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} تبوك أعطى أصحابه سهما سهما وإعطاني سهمين فظننت أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إنما أعطاني ذلك لما كان من نفقتي في تبوك فأتيت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقلت إنك أعطيتني سهمين وأعطيت أصحابي سهما سهما فظننت أن ذلك لما كان من نفقتي فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لا ولكن أحببت أن يرى الناس مكانك مني أو منزلتك مني فأدبرت فلحقني عبد الرحمن بن عوف فقال ماذا قلت لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} مازال يتبعك بصره فظننت أن قولي قد خالف رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأمهلت حتى إذا
خرج إلى الصلاة أتيته فقلت يا رسول الله إن عبد الرحمن بن عوف أخبرني بكذا وكذا وأنا أتوب إلى الله أو كما قال فقال لا ولكنك مقتول أو قاتل فكن المقتول والله أعلم
قال وكان فتح إفريقية كما حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير عن الليث بن سعد سنة سبع وعشرين وفي تلك السنة كما حدثنا عبدالملك بن مسلمة عن مالك بن أنس توفيت حفصة زوج النبي {صلى الله عليه وسلم}
ذكر النوبة
قال ثم غزا عبد الله بن سعد الأساود وهم النوبة كما حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير سنة إحدى وثلاثين وحدثنا عبد الملك بن مسلمة حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب قال كان عبد الله بن سعد بن أبي سرح عامل عثمان على مصر في سنة إحدى وثلاثين فقاتلته النوبة قال ابن لهيعة وحدثني الحارث بن يزيد قال اقتتلوا قتالا شديدا وأصيبت يومئذ عين معاوية بن حديج وأبي شمر بن أبرهة وحيويل بن ناشرة فيومئذ سموا رماة الحدق فهادنهم عبد الله بن سعد إذ لم يطقهم وقال الشاعر
لم تر عيني مثل يوم دمقلة
والخيل تعدو بالدروع مثقله
قال ابن أبي حبيب في حديثه وإن عبدالله صالحهم على هدنة بينهم على أنهم لا يغزونهم ولا يغزوا النوبة المسلمين وأن النوبة يؤدون كل سنة إلى المسلمين كذا كذا رأسا من السبي وأن المسلمين يؤدون إليهم من

(1/204)


القمح كذا وكذا ومن العدس كذا وكذا في كل سنة قال ابن أبي حبيب وليس بينهم وبين أهل مصر عهد ولا ميثاق إنما هي هدنة أمان بعضنا من بعض قال ابن لهيعة ولا بأس أن يشترى رقيقهم منهم ومن غيرهم وكان ابو حبيب أبو يزيد بن أبي حبيب واسمه سويد منهم
حدثنا سعيد بن عفير حدثنا ابن لهيعة قال سمعت يزيد بن أبي حبيب يقول أبي من سبي دمقلة مولى لرجل من بني عامر من أهل المدينة يقال له شريك بن طفيل قال وكان الذي صولح عليه النوبة كما ذكر بعض مشايخ أهل مصر على ثلاثمائة رأس وستين رأسا في كل سنة ويقال بل على أربعمائة رأس في كل سنة منها لفيء المسلمين ثلاثمائة رأس وستون رأسا ولوالي البلد أربعون رأسا قال فزعم بعض المشايخ أن منها سبعة عشر مرضعا ثم انصرف عبد الله بن سعد عنهم
عهد النوبة
ويقال فيما ذكر بعض مشايخ المتقدمين أنه نظر في بعض الدواوين بالفسطاط وقرأه قبل أن ينخرق فإذا هو يحفظ منه إنا عاهدناكم وعاقدناكم أن توفونا في كل سنة ثلاثمائة رأس وستين رأسا وتدخلون بلادنا مجتازين غير مقيمين وكذلك ندخل بلادكم على أنكم إن قتلتم من المسلمين قتيلا فقد برئت منكم الهدنة وعلى إن آويتم للمسلمين عبدا فقد برئت منكم الهدنة وعليكم رد أباق المسلمين ومن لجأ إليكم من أهل الذمة
قال وزعم غيره من المشايخ أنه لا سنة للنوبة على المسلمين وإنهم أول عام بعثوا بالبقط أهدوا لعمرو بن العاص أربعين رأسا فكره أن يقبل منهم فرد ذلك على عظيم من عظماء القبط يقال له نستقوس وهو القيم لهم فيها فباع ذلك واشترى لهم جهازا فاحتجوا بذلك أن عمرا بعث إليهم القمح والخيل وذلك أنهم زجروا عن القمح والخيل فكشفوا ذلك في الزمان الأول فأصيبوا هذه قصتهم

(1/205)


ثم رجع الحديث فتجمع له في انصرافه على شاطئ النيل البجة فسأل عنهم فأخبر بمكانهم فهان عليه أمرهم فنفذ وتركهم ولم يكن لهم عقد ولا صلح وأول من صالحهم عبيد الله بن الحبحاب يزعم بعض المشايخ أنه قرأ كتاب ابن الحبحاب فإذا فيه ثلاثمائة بكر في كل عام حتى ينزلوا الريف مجتازين تجارا غير مقيمين على أن لا يقتلوا مسلما ولا ذميا فإن قتلوه فلا عهد لهم ولا يؤوا عبيد المسلمين وأن يردوا أباقهم إذا وقعوا وقد عهدت هذا في أيامهم يؤخذون به ولكل شاة أخذها بجاوي فعليه أربعة دنانير وللبقرة عشرة وكان وكيلهم مقيما بالريف رهينة بيد المسلمين
ذكر ذي الصواري
قال ثم غزا عبدالله بن سعد بن أبي سرح كما حدثنا يحيى بن
عبد الله بن بكير عن الليث بن سعد ذا الصواري في سنة أربع وثلاثين وكان من حديث هذه الغزوة كما حدثنا عبدالله بن صالح عن الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب أن عبدالله بن سعد لما نزل ذا الصواري أنزل نصف الناس مع بسر بن أبي أرطأة سرية في البر فلما مضوا أتى آت إلى عبد الله بن سعد فقال ما كنت فاعلا حين ينزل بك هرقل في ألف مركب فافعلة الساعة قال غير الليث إنما هو ابن هرقل لأن هرقل مات في سنة تسع عشرة والمسلمون محاصرون الاسكندرية
ثم رجع إلى حديث الليث عن يزيد بن أبي حبيب قال وإنما مراكب المسلمين يومئذ مائتا مركب ونيف فقال عبد الله بن سعد بين ظهراني الناس فقال قد بلغني أن هرقل قد أقبل إليكم في ألف مركب فأشيروا علي فما كلمه رجل من المسلمين فجلس قليلا لترجع إليهم أفئدتهم ثم قام الثانية فكلمهم فما كلمه أحد فجلس ثم قام الثالثة فقال إنه لم يبق شيء فأشيروا علي فقام رجل من أهل المدينة كان متطوعا مع عبد الله بن سعد فقال
أيها الأمير إن الله جل ثناؤه يقول ) كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ( فقال عبد الله اركبوا بسم الله فركبوا وإنما في كل مركب نصف شحنته قد خرج النصف الآخر إلى البر مع

(1/206)


بسر فلقوهم فاقتتلوا بالنبل والنشاب وتأخر هرقل لئلا تصيبه الهزيمة وجعلت القوارب تختلف إليه بالأخبار فقال ما فعلوا قالوا قد اقتتلوا بالنبل والنشاب فقال غلبت الروم ثم أتوه فقال ما فعلوا قالوا قد نفذ النبل والنشاب فهم يرتمون بالحجارة قال غلبت الروم ثم أتوه فقال ما فعلوا قالوا قد نفذت الحجارة وربطوا المراكب بعضها ببعض يقتتلون بالسيوف قال غلبت الروم
حدثنا عبد الملك بن مسلمة حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب قال وكانت السفن إذ ذاك تقرن بالسلاسل عند القتال فقال فقرن مركب عبد الله يومئذ وهو الأمير بمركب من مراكب العدو فكاد مركب العدو يجتر مركب عبدالله إليهم فقام علقمة بن يزيد الغطيفي وكان مع عبدالله بن سعد في المركب فضرب السلسلة بسيفه فقطعها فسأل عبد الله امرأته بعد ذلك بسيسة ابنة حمزة بن ليشرح وكانت مع عبد الله يومئذ وكان الناس يغزون بنسائهم في المراكب من رأيت أشد قتالا قالت علقمة صاحب السلسلة وكان عبد الله قد خطب بسيسة إلى أبيها فقال له إن علقمة قد خطبها وله علي فيها وأي وإن يتركها أفعل فكلم عبد الله علقمة فتركها فتزوجها عبد الله بن سعد ثم هلك عنها عبدالله فتزوجها بعده علقمة بن يزيد ثم هلك عنها علقمة فتزوجها
بعده كريب بن أبرهة وماتت تحته في السنة التي قتل فيها مروان الأكدر بن حمام قال غير ابن لهيعة قتل مروان الأكدر بن حمام في اليوم الذي ماتت فيه بسيسة فجاء الخبر إلى كريب بذلك فقال حتى أفرغ من دفن هذه الجنازة فلم ينصرف حتى قتل فلام الناس يومئذ كريب بن أبرهة وللأكدر بن حمام وقتله حديث أطول من هذا

(1/207)


قال غير ابن لهيعة مشت الروم الى قسطنطين بن هرقل في سنة خمس وثلاثين فقالوا تترك الاسكندرية في أيدي العرب وهي مدينتنا الكبرى فقال ما أصنع بكم ما تقدرون أن تمالكوا ساعة إذا لقيتم العرب قالوا فاخرج على أنا نموت فتابيعوا على ذلك فخرج في ألف مركب يريد الاسكندرية فسار أيام غالبة من الريح فبعث الله عليهم ريحا فغرقتهم إلا قسطنطين نجا بمركبه فألقته الريح بسقلية فسألوه عن أمره فأخبرهم فقالوا شمت النصرانية وأفنيت رجالها لو دخل العرب علينا لم نجد من يردهم فقال خرجنا مقتدرين فأصابنا هذا فصنعوا له الحمام ودخلوا عليه فقال ويلكم تذهب رجالكم وتقتلون ملككم قالوا كأنه غرق معهم ثم قتلوه وخلوا من كان معه في المركب
ذكر رابطة الإسكندرية
حدثنا عثمان بن صالح حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب وعبدالله بن هبيرة يزيد أحدهما على صاحبه قال لما استقامت البلاد
وفتح الله على المسلمين الاسكندرية قطع عمرو بن العاص من أصحابه لرباط الاسكندرية ربع الناس خاصة الربع يقيمون ستة أشهر ثم يعقبهم شاتية ستة أشهر ربع في السواحل والنصف الثاني مقيمون معه
قال غيرهما وكان عمر بن الخطاب يبعث في كل سنة غازية من أهل المدينة ترابط بالإسكندرية وكاتب الولاة لا تغفلها وتكثف رابطتها ولا تأمن الروم عليها وكتب عثمان إلى عبدالله بن سعد قد علمت كيف كان هم أمير المؤمنين بالاسكندرية وقد نقضت الروم مرتين فألزم الاسكندرية رابطتها ثم أجر عليهم أرزاقهم وأعقب بينهم في كل ستة أشهر
حدثنا طلق بن السمح حدثنا ضمام بن إسماعيل المعافري حدثنا أبو قبيل أن عتبة بن أبي سفيان عقد لعلقمة بن يزيد الغطيفي على الاسكندرية وبعث معه اثني عشر ألفا فكتب علقمة إلى معاوية يشكو عتبة حين غرر به وبمن معه فكتب إليه معاوية إني قد أمددتك بعشرة آلاف من أهل الشام وبخمسة آلاف من أهل المدينة فكان فيها سبعة وعشرين ألفا

(1/208)


حدثنا عبد الملك بن مسلمة حدثنا ابن لهيعة أن علقمة بن يزيد كان على الاسكندرية ومعه أثنا عشر ألفا فكتب إلى معاوية إنك خلفتني بالاسكندرية وليس معي إلا اثنا عشر ألفا ما يكاد بعضنا يرى بعضا من القلة فكتب إليه معاوية إني قد أمددتك بعبد الله بن مطيع في أربعة آلاف
من أهل المدينة وأمرت معن بن يزيد السلمي أن يكون بالرملة في أربعة آلاف ممسكين بأعنة خيولهم متى يبلغهم عنك فزع يعبروا إليك
قال ابن لهيعة وكان عمرو بن العاص يقول ولاية مصر جامعة تعدل الخلافة
الجزء الخامس
ذكر من كان يخرج على غزو المغرب بعد عمرو بن العاص وفتوحه
معاوية بن حديج
حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عبدالحكم قال ثم خرج إلى المغرب بعد عبد الله بن سعد معاوية بن حديج التجيبي سنة أربع وثلاثين وكان معه في جيشه عامئذ عبد الملك بن مروان فافتتح قصورا وغنم غنائم عظيمة واتخذ قيروانا عند القرن فلم يزل فيه حتى خرج إلى مصر وكان معه في غزاته هذه جماعة من المهاجرين والأنصار
حدثنا عبد الملك بن مسلمة حدثنا ابن لهيعة وحدثنا يوسف بن
عدي حدثنا عبد الله بن المبارك نحوه عن ابن لهيعة عن بكير بن عبد الله عن سليمان بن يسار قال غزونا أفريقية مع ابن حديج ومعنا من المهاجرين والأنصار بشر كثير فنفلنا ابن حديج النصف بعد الخمس فلم أر أحد أنكر ذلك إلا جبلة بن عمرو الأنصاري وحدثنا يوسف بن عدي حدثنا ابن المبارك عن ابن لهيعة عن خالد بن أبي عمران قال وسألت سليمان بن يسار عن النفل في الغزو فقال لم أر أحدا صنعه غير ابن حديج نفلنا بأفريقية النصف بعد الخمس ومعنا من أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من المهاجرين الأولين ناس كثير فأبى جبلة بن عمرو الأنصاري أن يأخذ منه شيئا

(1/209)


ثم رجع إلى حديث عثمان بن صالح وغيره قال فانتهى إلى قونية وهي موضع مدينة قيروان أفريقية ثم مضى إلى جبل يقال له القرن يعسكر إلى جانبه وبعث عبد الملك بن مروان إلى مدينة يقال لها جلولاء في ألف رجل فحاصرها أياما فلم يصنع شيئا فانصرف راجعا فلم يسر إلا يسيرا حتى رأى في ساقة الناس غبارا شديدا فظن أن العدو قد طلبهم فكر جماعة من الناس لذلك وبقي من بقي على مصافهم وتسرع سرعان الناس فإذا مدينة جلولاء قد وقع حائطها فدخلها المسلمون وغنموا ما فيها وانصرف عبد الملك إلى معاوية بن حديج فاختلف الناس في الغنيمة فكتب في ذلك إلى معاوية بن أبي سفيان فكتب إن العسكر ردء للسرية فقسم ذلك بينهم فأصاب كل رجل منهم لنفسه مائتي دينار وضرب
للفرس بسهمين ولصاحبه بسهم قال عبد الملك فأخذت لفرسي ولنفسي ستمائة دينار واشتريت بها جارية
قال ويقال بل غزاها معاوية بن حديج بنفسه فحاصرهم فلم يقدر عليهم فانصرف أئسا منها وقد جرح عامة أصحابه وقتل منهم ففتحها الله بعد انصرافه بغير خيل ولا رجال فرجع إليها ومن معه وفيها السبي لم يردهم أحد فغنموا وانصرف منها راجعا إلى مصر
حدثنا عبد الملك بن مسلمة حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب قال غزا معاوية بن حديج أفريقية ثلاث غزوات أما الأولى فسنة أربع وثلاثين قبل قتل عثمان وأعطى عثمان مروان الخمس في تلك الغزوة وهي غزوة لا يعرفها كثير من الناس والثانية سنة أربعين والثالثة سنة خمسين
عقبة بن نافع
قال ثم خرج إلى المغرب بعد معاوية بن حديج عقبة بن نافع الفهري سنة ستة وأربعين ومعه بسر بن أبي أرطأة وشريك بن سمي المرادي فأقبل حتى نزل بمغمداش من سرت وكان توجه بسر إليها

(1/210)


كما حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير عن الليث بن سعد سنة ست وعشرين من سرت فأدركه الشتاء وكان مضعفا وبلغه أن أهل ودان قد نقضوا عهدهم ومنعوا ما كان بسر بن أبي أرطأة فرض عليهم وكان عمرو بن العاص قد بعث إليها بسرا قبل ذلك وهو محاصر لأهل أطرابلس فافتتحها فخلف عقبة بن نافع جيشه هنالك واستخلف عليهم عمر بن علي القرشي وزهير بن قيس البلوي ثم سار بنفسه وبمن خف معه أربع مائة فارس وأربع مائة بعير وثماني مائة قربة حتى قدم ودان فافتتحها وأخذ ملكهم فجدع أذنه فقال لم فعلت هذا بي وقد عاهدتني فقال عقبة فعلت هذا بك أدبا لك إذا مسست أذنك ذكرته فلم تحارب العرب واستخرج منهم ما كان بسر فرضه عليهم ثلاثمائة رأس وستين رأسا
ثم سألهم عقبة هل من ورائكم أحد فقيل له جرمة وهي مدينة فزان العظمى فسار إليها ثماني ليال من ودان فلما دنا منها أرسل فدعاهم إلى الإسلام فأجابوا فنزل منها على ستة أميال وخرج ملكهم يريد عقبة وأرسل عقبة خيلا فحالت بين ملكهم وبين موكبه فأمشوه راجلا حتى أتى عقبة وقد لغب وكان ناعما فجعل يبصق الدم فقال له لم فعلت هذا بي وقد أتيتك طائعا فقال عقبة أدبا لك إذا ذكرته لم تحارب العرب وفرض عليه ثلاثمائة عبد وستين عبدا ووجه عقبة الرحل من
يومه ذلك إلى المشرق
ثم مضى على جهته من فوره ذلك إلى قصور فزان فافتتحها قصرا قصرا حتى انتهى إلى أقصاها فسألهم هل من ورائكم أحد قالوا نعم أهل خاوار وهو قصرعظيم على رأس المفازة في وعورة على ظهر جبل وهو قصبة كوار فسار إليهم خمس عشرة ليلة فلما انتهى إليه تحصنوا فحاصرهم شهرا فلم يستطع لهم شيئا فمضى أمامه على قصور كوار فافتتحها حتى انتهى إلى أقصاها وفيه ملكها فأخذه فقطع إصبعه فقال لم فعلت هذا بي قال أدبا لك إذا أنت نظرت إلى أصبعك لم نحارب العرب وفرض عليه ثلاثمائة عبد وستين عبدا

(1/211)


فسألهم هل من ورائكم أحد فقال الدليل ليس عندي بذلك معرفة ولا دلالة فانصرف عقبة راجعا فمر بقصر خاوار فلم يعرض له ولم ينزل بهم وسار ثلاثة أيام فأمنوا وفتحوا مدينتهم وأقام عقبة بمكان اسمه اليوم ماء فرس لم يكن به ماء فأصابهم عطش شديد أشفى منه عقبة وأصحابه على الموت فصلى عقبة ركعتين ودعا الله وجعل فرس عقبة يبحث بيديه في الأرض حتى كشف عن صفاة فانفجر منها الماء فجعل الفرس يمص ذلك الماء فأبصره عقبة فنادى في الناس أن احتفروا
فحفروا سبعين حسيا فشربوا واستقوا فسمي لذلك ماء فرس ثم رجع عقبة إلى خاوار من غير طريقه التي كان أقبل منها فلم يشعروا به حتى طرقهم ليلا فوجدهم مطمئنين قد تمهدوا في أسرابهم فاستباح ما في المدينة من ذرياتهم وأموالهم وقتل مقاتلتهم
ثم انصرف راجعا فسار حتى نزل بموضع زويلة اليوم ثم ارتحل حتى قدم على عسكره بعد خمسة أشهر وقد جمت خيولهم وظهرهم فسار متوجها إلى المغرب وجانب الطريق الأعظم وأخذ إلى أرض مزاتة فافتتح كل قصر بها ثم مضى إلى صفر فافتتح قلاعها وقصورها ثم بعث خيلا إلى غدامس فافتتحت غدامس فلما انصرفت إليه خيله سار إلى قفصة فافتتحها وافتتح قصطيلية
ثم انصرف إلى القيروان فلم يعجب بالقيروان الذي كان معاوية بن حديج بناه قبله فركب والناس معه حتى أتى موضع القيروان اليوم وكان واديا كثير الشجر كثير القطف تأوي إليه الوحوش والسباع والهوام ثم نادى بأعلى صوته يأهل الوادي ارتحلوا رحمكم الله فإنا نازلون نادى بذلك ثلاثة إيام فلم يبق من السباع شيء ولا الوحوش والهوام إلا خرج وأمر الناس بالتنقية والخطط ونقل الناس من الموضع الذي كان معاوية بن
حديج نزله إلى مكان القيروان اليوم وركز رمحه وقال هذا قيروانكم

(1/212)


حدثنا عبدالملك بن مسلمة الأنصاري حدثنا الليث بن سعد أن عقبة بن نافع غزا أفريقية فأتى وادي القيروان فبات عليه هو وأصحابه حتى إذا أصبح وقف على رأس الوادي فقال يا أهل الوادي اظعنوا فإنا نازلون قال ذلك ثلاث مرات فجعلت الحيات تنساب والعقارب وغيرها مما لا يعرف من الدواب تخرج ذاهبة وهم قيام ينظرون إليها من حين أصبحوا حتى أوجعتهم الشمس وحتى لم يروا منها شيئا فنزلوا الوادي عند ذلك قال الليث فحدثني زياد بن العجلان أن أهل أفريقية أقاموا بعد ذلك أربعين سنة ولو التمست حية أو عقرب بألف دينار ما وجدت
أبو المهاجر
قال ثم عزل عقبة بن نافع في سنة إحدى وخمسين عزله مسلمة بن مخلد الأنصاري وهو يومئذ والي البلد من قبل معاوية بن أبي سفيان ومسلمة بن مخلد أول من جمعت له مصر والمغرب وكانت ولاية مسلمة بن مخلد كما حدثنا يحيى بن بكير عن الليث بن سعد سنة سبع وأربعين وولى أبا المهاجر دينارا مولى الأنصار وأوصاه حين ولاه أن يعزل عقبة أحسن العزل فخالفه أبو المهاجر فأساء عزله وسجنه وأوقره حديدا حتى أتاه الكتاب من الخليفه بتخلية سبيله وإشخاصه إليه فخرج عقبة حتى أتى قصر الماء فصلى ثم دعا وقال اللهم لا تمتني حتى تمكني من إبي
المهاجر دينار بن أم دينار وكان مجاب الدعوة فبلغ ذلك أبا المهاجر فلم يزل خائفا منذ بلغته دعوته فلما قدم عقبة مصر ركب إليه مسلمة بن مخلد فأقسم له بالله لقد خالفه ما صنع أبو المهاجر ولقد أوصيته بك خاصة وقد كان قيل لمسلمة لو أقررت عقبة فإن له جزالة لا فقال مسلمة إن أبا المهاجر صبر علينا في غير ولاية ولا كبير نيل فنحن نحب أن نكافيه

(1/213)


فلما قدم أبو المهاجر أفريقية كره أن ينزل في الموضع الذي اختطه عقبة بن نافع ومضى حتى خلفه بميلين فابتنى نزل وكان الناس قبل أبي المهاجر كما حدثنا عبد الملك بن مسلمة عن ابن لهيعة وأحمد بن عمرو عن ابن وهب عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب يغزون أفريقية ثم يقفلون منها إلى الفسطاط وأول من أقام بها حين غزاها أبو المهاجر مولى الأنصار أقام بها الشتاء والصيف واتخذها منزلا وكان مسلمة بن مخلد الذي عقد له على الجيش الذين خرجوا معه إليها فلم يزالوا بها حتى قتل ابن الزبير فخرجوا منها
ثم قدم عقبة على معاوية بن أبي سفيان فقال له فتحت البلاد وبنيت المنازل ومسجد الجماعة ودانت لي المغرب ثم أرسلت عبد الأنصار فأساء عزلي فاعتذر إليه معاوية وقال قد عرفت مكان مسلمة بن مخلد من
الإمام المظلوم وتقديمه إياه وقيامه بدمه وبذل مهجته وقد رددتك على عملك ويقال أن معاوية ليس هو الذي رد عقبة بن نافع ولكنه قدم على يزيد بن معاوية بعد موت أبيه فرده واليا على أفريقية وذلك أصح لأن معاوية توفي سنة ستين حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير عن الليث بن سعد قال توفي معاوية بن أبي سفيان سنة ستين
مقتل عقبة بن نافع

(1/214)


ثم رجع إلى حديث عثمان وغيره قال فخرج عقبة بن نافع سريعا بحنقه على أبي المهاجر حتى قدم أفريقية فأوثق أبا المهاجر في وثاق شديد وأساء عزله وغزا به معه إلى السوس وهو في حديد وأهل السوس بطن من البربر يقال لهم أنبية فجول في بلادهم لا يعرض له أحد ولا يقاتله فانصرف إلى أفريقية فلما دنا من ثغرها أمر أصحابه فافترقوا عنه وأذن لهم حتى بقي في قلة فأخذ على مكان يقال له تهوذة فعرض له كسيلة بن لمزم في جمع كثير من الروم والبربر وقد كان بلغه افتراق الناس عن عقبة فاقتتلوا قتالا شديدا فقتل عقبة ومن كان معه وقتل أبو المهاجر وهو موثق في الحديد ثم سار كسيلة ومن معه حتى نزلوا الموضع الذي كان عقبة اختطه فأقام به وقهر من قرب منه باب قابس وما يليه وجعل يبعث أصحابه في كل وجه
ويقال بل خرج عقبة بن نافع إلى السوس واستخلف على القيروان عمر بن القرشي وزهير بن قيس البلوي وكانت أفريقية يومئذ تدعى مزاق فتقدم عقبة إلى السوس وخالفه رجل من العجم في ثلاثين ألفا إلى عمر بن علي وزهير بن قيس وهما في ستة آلاف فهزمه الله وخرج ابن الكاهنة البربري على أثر عقبة كلما رحل عقبة من منهل دفنه ابن الكاهنة فلم يزل كذلك حتى انتهى عقبة إلى السوس ولا يشعر بما صنع البربري فلما انتهى عقبة إلى البحر أقحم فرسه فيه حتى بلغ نحره ثم قال اللهم إني أشهدك أن لا مجاز ولو وجدت مجازا لجزت وانصرف راجعا والمياه قد عورت وتعاونت عليه البربر فلم يزل يقاتل وأبو المهاجر معه في الحديد فلما استحر الأمر أمر عقبة بفتح الحديد عنه فأبى أبو المهاجر وقال ألقى الله في حديدي فقتل عقبة وأبو المهاجر ومن معهما
حدثنا عبد الملك بن مسلمة حدثنا الليث بن سعد أن عقبة بن نافع قدم من عند يزيد بن معاوية في جيش على غزو المغرب فمر على عبدالله بن عمرو وهو بمصر فقال له عبدالله يا عقبة لعلك من الجيش الذين يدخلون برحالهم فمضى بجيشه حتى قاتل البربر وهم كفار فقتلوا جميعا

(1/215)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية