صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : فتوح مصر وأخبارها
المؤلف / أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله عبد الحكم بن أعين القرشي المصري
دار النشر / دار الفكر - بيروت - 1416هـ/ 1996م
عدد الأجزاء / 1
الطبعة : الأولى
تحقيق : محمد الحجيري

بسم الله الرحمن الرحيم
اسم الكتاب / فتوح مصر وأخبارها
المؤلف / أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله عبد الحكم بن أعين القرشي المصري
دار النشر / دار الفكر - بيروت - 1416هـ/ 1996م
عدد الأجزاء / 1
الطبعة : الأولى
تحقيق : محمد الحجيري

(1/1)


فتوح مصر وأخبارها
بسم الله الرحمن الرحيم
أخبرنا الشيخ الفقيه الإمام العالم الحافظ أبو الطاهر أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم السلفي الأصبهاني قراءة عليه وأنا أسمع بثغر الإسكندرية حماه الله تعالى قال أخبرنا الشيخ أبو صادق مرشد بن يحيى بن القاسم بن علي المديني بقراءتي عليه قال أخبرنا الشيخ أبو الحسن علي بن منير بن أحمد الخلال في كتابه سنة خمس وثلاثين وأربع مائة قال أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن الفرج القماح قال أخبرنا أبو القاسم علي بن الحسن بن خلف بن قديد الأزدي قال حدثنا أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم قال
الجزء الأول
حدثنا محمد بن إسماعيل الكعبي قال حدثني أبي عن حرملة بن يحيى بن عمران التجيبي عن أبي قبيل عن عبد الله بن عمروبن العاص قال خلقت الدنيا على خمس صور على صورة الطير برأسه وصدره وجناحيه وذنبه فالرأس مكة والمدينة واليمن والصدر الشام ومصر والجناح الأيمن العراق وخلف العراق أمة يقال لها واق وخلف واق أمه يقال لها واق واق وخلف ذلك من الامم ما لا يعلمه الا الله عز وجل والجناح الايسر السند وخلف السند الهند وخلف الهند امه يقال لها باسك وخلف باسك أمه يقال لها منسك وخلف ذلك من الأمم ما لا يعلمه إلا الله عز وجل والذنب من ذات الحمام إلى مغرب الشمس وشر ما في الطير الذنب
ذكر وصية رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بالقبط
حدثنا أشهب بن عبد العزيز وعبد الملك بن مسلمة قالا حدثنا
مالك بن أنس عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن الكعب بن مالك ان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال إذا افتتحتم مصر فاستوصوا بالقبط خيرا فإن لهم ذمة ورخما قال ابن شهاب وكان يقال أن أم إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام منهم
حدثنا عبدالله بن صالح ومحمد بن رمح قالا حدثنا الليث بن سعد عن ابن شهاب عن ابن الكعب بن مالك عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مثله قال الليث قلت لابن شهاب ما رحمهم قال إن أم إسماعيل عليه السلام منهم

(1/2)


حدثنا ابي عبدالله بن عبد الحكم وحامد بن يحيى قالا حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري أظنه عن ابن الكعب بن مالك عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مثله
حدثنا عبد الملك بن هشام قال حدثنا زياد بن عبدالله البكائي عن محمد بن إسحاق قال حدثني محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب
الزهري أن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري ثم السلمي حدثه عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مثله قال ابن إسحاق فقلت لمحمد بن مسلم ما الرحم الذي ذكره رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لهم فقال كانت هاجر أم إسماعيل منهم
حدثنا ابي عبد الله بن عبد الحكم قال حدثنا راشد بن سعد وحدثنا عبد الملك بن مسلمة قال حدثنا عبد الله بن وهب عن حرملة بن عمران التجيبي عن عبد الرحمن بن شماسة المهري قال سمعت أبا ذر يقول قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إنكم ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيرا فإن لهم ذمة ورحما
حدثنا سعيد بن مسيرة عن إسحاق بن الفراط عن ابن لهيعة عن الأسود بن مالك الحميري عن بجير بن ذاخر المعافري عن عمرو بن العاص عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال إن الله عز وجل سيفتح عليكم بعدي مصر فاستوصوا بقبطها خيرا فإن لكم منهم صهرا وذمة
حدثنا عبد الملك بن مسلمة ويحيى بن عبد الله بن بكير عن ابن لهيعة عن ابن هبيرة أن أبا سالم الجيشاني أن سفيان بن هانئ أخبره أن بعض أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أخبره أنه سمع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يقول إنكم ستكونون أجنادا وإن خير أجنادكم أهل المغرب منكم فاتقوا الله في القبط لا تأكلوهم أكل الحضر
حدثنا أبي قال حدثنا إسماعيل بن عياش عن عبد الرحمن بن زياد عن مسلم بن يسار أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال استوصوا بالقبط خيرا فإنكم ستجدونهم نعم الأعوان على قتال عدوكم

(1/3)


حدثنا عبد الملك بن مسلمة عن الليث وابن لهيعة قال أخبرنا ابن وهب عن عمرو بن حريث عن يزيد بن أبي حبيب أن أبا سلمة بن عبد الرحمن حدثه أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أوصى عند وفاته أن يخرج اليهود من جزيرة العرب وقال الله الله في قبط مصر فإنكم ستظهرون عليهم ويكونون لكم عدة وأعوانا في سبيل الله
حدثنا عبد الملك بن مسلمة قال حدثنا ابن وهب عن موسى بن أيوب الغافقي عن رجل من آل زيد أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مرض فأغمي عليه ثم
أفاق فقال استوصوا بالأدم الجعد خيرا ثم أغمي عليه الثانية ثم أفاق فقال مثل ذلك ثم أغمي عليه الثالثة فقال مثل ذلك فقال القوم لو سألنا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من الأدم الجعد فأفاق فسألوه فقال قبط مصر فإنهم أخوال وأصهار وهم أعوانكم على عدوكم وأعونكم على دينكم فقالوا كيف يكونون أعوانا على ديننا يا رسول الله فقال يكفونكم أعمال الدنيا وتتفرغون للعبادة فالراضي بما يؤتى إليهم كالفاعل بهم والكاره لما يؤتى إليهم من الظلم كالدافع عنهم
حدثنا عبد الملك بن مسلمة قال حدثنا ابن وهب عن أبي هانئ الخولاني عن أبي عبد الرحمن الحبلي وعمرو بن حريث وغيرهما أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال إنكم ستقدمون على قوم جعد رؤوسهم فاستوصوا بهم خيرا فإنهم قوة لكم وبلاغ إلى عدوكم بإذن الله عز وجل يعني قبط مصر
حدثنا أبو الأسود قال حدثنا ابن لهيعة عن أبي هانئ أنه سمع الحبلي وعمرا بن حريث يحدثان عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مثله
حدثنا عبد الملك بن هشام قال أخبرنا عبد الله بن وهب عن ابن لهيعة قال حدثني عمر مولى عفرة أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال الله الله في اهل الذمة أهل المدرة السوداء السحم الجعاد فإن لهم نسبا وصهرا
قال عمر مولى عفرة صهرهم أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} تسرر فيهم ونسبهم أن أم إسماعيل النبي عليه السلام منهم قال ابن وهب فأخبرني ابن لهيعة أن أم إسماعيل هاجر من أم العرب قرية كانت امام الفرما من مصر

(1/4)


حدثنا عثمان بن صالح قال أخبرنا مروان القصاص قال صاهر إلى القبط من الأنبياء صلوات الله عليهم ثلاثة إبراهيم خليل الرحمن عليه الصلاة والسلام تسرر هاجر ويوسف عليه السلام تزوج بنت صاحب عين شمس ورسول الله {صلى الله عليه وسلم} تسرر مارية
حدثنا هانئ بن المتوكل قال حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب قال إن قرية هاجر ياق التي عند أم دنين ودفنت هاجر حين توفيت كما حدثنا ابن هشام عن زياد بن عبد الله عن ابن إسحاق في الحجر قال ابن هشام تقول العرب هاجر وآجر فيبدلون الألف من الهاء كما قالوا هراق الماء وأراق الماء ونحوه
ذكر بعض فضائل مصر
حدثنا عبد الله بن صالح عن ابن لهيعة عن بكر بن سوادة وبكر بن عمرو الخولاني يرفعان الحديث إلى عبد الله بن عمرو بن العاص قال قبط مصر أكرم الأعاجم كلها واسمحهم يدا وأفضلهم عنصرا وأقربهم رحما بالعرب عامة وبقريش خاصة ومن أراد أن يذكر الفردوس أو ينظر إلى مثلها في الدنيا فلينظر إلى أرض مصر حين تخضر زروعها وتثمر ثمارها
حدثنا أبو الأسود النضر بن عبد الجبار قال حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن عمرو المعافري عن كعب الأحبار قال من أراد أن ينظر إلى شبه الجنة فلينظر إلى مصر إذا أخرفت وقال غير أبي الأسود إلى أرض مصر إذا أزهر ت
وقال غير ابن لهيعة وكان منهم السحرة فآمنوا جميعا في ساعة واحدة ولا يعلم جماعة أسلمت في ساعة واحدة أكثر من جماعة القبط وهم السحرة الذين آمنوا بموسى
وكان السحرة كما حدثنا عثمان بن صالح عن ابن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة السبائي وبكر بن عمرو الخولاني ويزيد بن أبي حبيب

(1/5)


المالكي يزيد بعضهم على بعض في الحديث اثني عشر ساحرا رؤساء تحت يد كل ساحر منهم عشرون عريفا تحت يد كل عريف منهم ألف من السحرة فكان جميع السحرة مائتي ألف وأربعين ألفا ومائتين واثنين وخمسين إنسانا بالرؤساء والعرفاء فلما عاينوا ما عاينوا أيقنوا أن ذلك من السماء وأن السحر لا يقوم لأمر الله فخر الرؤساء الاثنا عشر عند ذلك سجدا فاتبعهم العرفاء واتبع العرفاء من بقي وقالوا ) آمنا برب العالمين رب موسى وهارون (
حدثنا هانئ بن المتوكل قال حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن تبيعا قال كانوا من أصحاب موسى صلوات الله عليه ولم يفتتن منهم أحد مع من افتن من بني إسرائيل في عبادة العجل
حدثنا هانى ء بن المتوكل قال حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب ان تبيعا كان يقول ما آمن جماعة قط في ساعة واحدة مثل جماعة القبط
حدثنا أبو صالح قال حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب أنه بلغه أن كعب الأحبار كان يقول مثل قبط مصر كالغيضة كلما قطعت نبتت حتى يخرب الله عز وجل بهم وبصناعتهم جزائر الروم

(1/6)


وكانت مصر كما حدثنا عبدالله بن صالح وعثمان بن صالح عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الرحمن بن شماسة المهري عن أبي رهم السماعي قناطر وجسور بتقدير وتدبير حتى أن الماء ليجري تحت منازلها وأفنيتها فيحبسونه ويرسلونه كيف شاؤوا فذلك قول الله تبارك وتعالى فيما حكي من قول فرعون ) أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون ( ولم يكن في الأرض يومئذ ملك أعظم من ملك مصر وكانت الجنات بحافتي النيل من أوله إلى آخره في الجانبين جميعا ما بين أسوان إلى رشيد وسبع خلج خليج الإسكندرية وخليج سخا وخليج دمياط وخليج منف وخليج الفيوم وخليج المنهى وخليج سردوس جنات متصلة لا ينقطع منها شيء عن شيء والزروع ما بين الجبلين من أول مصر إلى آخرها مما يبلغه الماء وكان جميع أرض مصر كلها تروى من ست عشرة ذراعا لما قدروا ودبروا من قناطرها وخلجها وجسورها فذلك قوله عز وجل ) كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ( قال والمقام الكريم المنابر كان بها ألف منبر
قال وأما خليج الفيوم والمنهى فحفرهما يوسف {صلى الله عليه وسلم} وسأذكر كيف كان ذلك في موضعه إن شاء الله وأما خليج سردوس فإن الذي حفره هامان

(1/7)


حدثنا عبد الله بن صالح وعثمان بن صالح قالا حدثنا ابن لهيعة عن يحيى بن ميمون الحضرمي عن عبدالله بن عمرو بن العاص أن فرعون استعمل هامان على حفر خليج سردوس فلما ابتدأ حفره أتاه أهل كل قرية يسألونه أن يجري الخليج تحت قريتهم ويعطونه مالا قال وكان يذهب به إلى هذه القرية من نحو المشرق ثم يرده إلى قرية من نحو دبر القبلة ثم يرده إلى قرية في الغرب ثم يرده إلى أهل قرية في القبلة ويأخذ من أهل كل قرية مالا حتى اجتمع له في ذلك مائة ألف دينار فأتى بذلك يحمله إلى فرعون فسأله فرعون عن ذلك فأخبره بما فعل في حفره فقال له فرعون ويحك إنه ينبغي للسيد أن يعطف على عباده ويفيض عليهم ولا يرغب فيما بأيديهم رد على أهل كل قرية ما أخذت منهم فرده كله على أهله
قال فلا يعلم بمصر خليج أكثر عطوفا منه لما فعل هامان في حفره وكان هامان كما حدثنا أسد عن خالد بن عبدالله عن محدث حدثه نبطيا وكانت بحيرة الإسكندرية كما حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث بن سعد كرما كلها لامرأة المقوقس فكانت تأخذ خراجها منهم الخمر بفريضة
عليهم فكثر الخمر عليها حتى ضاقت به ذرعا فقالت لا حاجة لي في الخمر اعطوني دنانير فقالوا ليس عندنا فأرسلت عليهم الماء فغرقتها فصارت بحيرة يصاد فيها الحيتان حتى استخرجها بنو العباس فسدوا جسورها وزرعوا فيها
ذكر نزول القبط بمصر وسكناهم بها

(1/8)


حدثنا عثمان بن صالح قال حدثنا ابن لهيعة عن عياش بن عباس القتباني عن حنش بن عبدالله الصنعاني عن عبد الله بن عباس قال كان لنوح صلوات الله عليه أربعة من الولد سام بن نوح وحام بن نوح ويافث بن نوح ويحطون بن نوح وأن نوحا رغب إلى الله عز وجل وسأله أن يرزقه الإجابة في ولده وذريته حين تكاملوا بالنماء والبركة فوعده ذلك فنادى نوح ولده وهم نيام عند السحر فنادى ساما فأجابه يسعى وصاح سام في ولده فلم يجبه أحد منهم إلا ابنه أرفخشذ فانطلق به معه حتى أتياه فوضع نوح يمينه على سام وشماله على أرفخشذ ابن سام وسأل الله عز وجل أن يبارك في سام أفضل البركة وأن يجعل الملك والنبوة في ولد أرفخشذ ثم نادى حاما فتلفت يمينا وشمالا ولم يجبه ولم يقم إليه هو ولا أحد من ولده فدعا الله عز وجل نوح ان يجعل ولده أذلاء وأن يجعلهم عبيدا لولد سام
قال وكان مصر بن بيصر بن حام نائما إلى جنب جده حام فلما سمع دعاء نوح على جده وولده قام يسعى إلى نوح فقال يا جدي قد أجبتك إذ
لم يجبك أبي ولا أحد من ولده فاجعل لي دعوة من دعوتك ففرح نوح {صلى الله عليه وسلم} ووضع يده على رأسه وقال اللهم إنه قد أجاب دعوتي فبارك فيه وفي ذريته وأسكنه الأرض المباركة التي هي أم البلاد وغوث العباد التي نهرها أفضل أنهار الدنيا واجعل فيها أفضل البركات وسخر له ولولده الأرض وذللها لهم وقوهم عليها

(1/9)


قال ثم دعا ابنه يافث فلم يجبه هو ولا أحد من ولده فدعا الله عز وجل عليهم أن يجعلهم شرار الخلق قال ثم دعا ابنه يحطون فأجابه فدعا الله عز وجل أن يجعل له البركة فلم يكن له ولد ولا نسل فعاش سام مباركا حتى مات وعاش ابنه أرفخشذ بن سام مباركا حتى مات وكان الملك الذي يحبه الله والنبوة والبركة في ولد أرفخشذ بن سام وكان أكبر ولد حام كنعان بن حام وهو الذي حبل به في الرجز في الفلك فدعا عليه نوح عليه السلام فخرج أسود وكان في ولده الجفاء والملك والجبروت وهو أبو السودان والحبش كلهم وابنه الثاني كوش بن حام وهو أبو السند والهند وابنه الثالث قوظ بن حام وهو أبو البربر وابنه الأصغر الرابع بيصر بن حام وهو أبو القبط كلهم
حدثنا عبد الملك بن مسلمة قال حدثنا سليمان بن بلال قال حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير قال حدثنا الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال ولد نوح النبي {صلى الله عليه وسلم} ثلاثة نفر سام وحام ويافث فولد كل واحد من الثلاثة ثلاثة فسام أبو العرب وفارس والروم ويافث أبو الصقالبة والترك وياجوج وماجوج وحام أبو السودان والبربر والقبط
ثم رجع إلى حديث عثمان قال فولد بيصر بن حام أربعة مصر بن بيصر وهو أكبرهم والذي دعا له نوح صلوات الله عليه بما دعا له وفارق بن بيصر وماح بن بيصر وياح بن بيصر قال غير عثمان فولد مصر أربعة قبط بن مصر وأشمون بن مصر وأتريب بن مصر وصا بن مصر
حدثنا عثمان بن صالح ويحيى بن خالد عن ابن لهيعة وعبد الله بن خالد يزيد أحدهما على صاحبه وقد كان عثمان ربما قال حدثني خالد بن نجيح عن ابن لهيعة وعبد الله بن خالد قالا فكان أول من سكن مصر بعد أن أغرق الله قوم نوح بيصر بن حام بن نوح فسكن منف وهي أول مدينة عمرت بعد الغرق هو وولده وهم ثلاثون نفسا قد بلغوا وتزوجوا فبذلك سميت مافة ومافة بلسان القبط ثلاثون

(1/10)


قال وكان بيصر بن حام قد كبر وضعف وكان مصر أكبر ولده وهو الذي ساق أباه وجميع إخوته إلى مصر فنزلوا بها فبمصر بن بيصر سميت مصر مصر فحاز له ولولده ما بين الشجرتين خلف العريش إلى أسوان طولا ومن برقة إلى أيلة عرضا قال ثم إن بيصر بن حام توفي فدفن في موضع أبي هرميس
قال غير عثمان فهي أول مقبرة قبر فيها بإرض مصر ثم رجع إلى حديث عثمان بن صالح وغيره قال ثم إن بيصر بن حام توفي واستخلف ابنه مصر وحاز كل واحد من اخوة مصر قطعة من الأرض لنفسه سوى أرض مصر التي حاز لنفسه ولولده فلما كثر ولد مصر وأولاد أولادهم قطع مصر لكل واحد من ولده قطيعة يحوزها لنفسه ولولده وقسم لهم هذا النيل
قال فقطع لابنه قبط موضع قبط فسكنها وبه سميت قبط قبطا وما فوقها إلى أسوان وما دونها إلى أشمون في الشرق والغرب وقطع لأشمون من أشمون ما دونها إلى منف في الشرق والغرب فسكن أشمون أشمون فسميت به وقطع لأتريب ما بين منف إلى صا فسكن اتريب فسميت به وقطع لصا ما بين صا إلى البحر فسكن صا فسميت به فكانت مصر كلها على أربعة أجزاء جزءين بالصعيد وجزءين بأسفل الأرض
قال ثم توفي مصر بن بيصر فاستخلف ابنه قبط بن مصر ثم توفي أشمون بن مصر فاستخلف أخاه أتريب بن مصر ثم توفي قبط بن مصر فاستخلف أخاه أشمون بن مصر ثم توفي أتريب بن مصر فاستخلف أخاه صا بن مصر ثم توفي صا بن مصر فاستخلف ابنه تدارس بن صا ثم توفي تدارس بن صا فاستخلف ابنه ماليق بن تدارس ثم توفي ماليق بن
تدارس فاستخلف ابنه خربتا بن ماليق ثم توفي خربتا بن ماليق فاستخلف ابنه كلكى بن خربتا فملكهم نحوا من مائة سنة ثم توفي ولا ولد له فاستخلف أخاه ماليا بن خربتا ثم توفي ماليا بن خربتا فاستخلف ابنه لوطيس بن ماليا وهو الذي كان وهب هاجر لسارة امرأة إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام
ذكر دخول ابراهيم مصر

(1/11)


وكان سبب دخول إبراهيم مصر كما حدثنا أسد بن موسى وغيره أنه لما أمر بالخروج عن أرض قومه والهجرة إلى الشام خرج ومعه لوط وسارة حتى أتوا حران فنزلها فأصاب أهل حران جوع فارتحل بسارة يريد مصر فلما دخلها ذكر جمالها لملكها ووصف له أمرها
وكان حسن سارة كما حدثنا أسد بن موسى قال حدثنا عبد الله بن خالد عن خالد بن عبدالله عن الكلبي عن ابي صالح عن ابن عباس قال كان حسن سارة حسن حواء
ثم رجع إلى حديث أسد وغيره وقال فأمر بها فأدخلت عليه وسأل إبراهيم {صلى الله عليه وسلم} قال له ما هذه المرأة منك قال أختي فهم الملك بها فأيبس الله يديه ورجليه فقال لإبراهيم هذا عملك فادع الله لي فوالله لا اسؤك فيها فدعا الله له فأطلق الله عز وجل يديه ورجليه وأعطاها غنما
وبقرا وقال ما ينبغي لهذه أن تخدم نفسها فوهب لها هاجر فكان أبو هريرة يقول فتلك أمكم يا بني ماء السماء يريد العرب

(1/12)


حدثونا عن عبدالله بن وهب عن جرير بن حازم عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال إن إبراهيم قدم أرض جبار ومعه سارة وكانت أحسن الناس فقال لها إن هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك فإن سألك فأخبريه أنك أختي فإنك أختي في الإسلام فلما دخل الأرض رآها بعض أهل الجبار فأتاه فقال لقد دخلت أرضك امرأة لا ينبغي أن تكون إلا لك فأرسل إليها فأتي بها وقام أبراهيم إلى الصلاة فلما أدخلت عليه لم يتمالك أن يبسط يده إليها فقبضت يده قبضة شديدة فقال لها ادعي الله أن يطلق يدي فلا اضرك ففعلت فعاد فقبضت يده أشد من القبضة الأولى فقال لها مثل ذلك ففعلت فعاد فقبضت أشد من القبضتين الأوليين فقال ادعي الله أن يطلق يدي فلك الله أن لا أضرك ففعلت فاطلقت يده فدعا الذي جاء بها فقال أنك إنما اتيتني بشيطان ولم تأتني بإنسان فأخرجها من أرضي فأعطاها هاجر فأقبلت تمشي فلما رآها إبراهيم {صلى الله عليه وسلم} انصرف فقال لها مهيم قالت خيرا كف الله يد الفاجر واخدم خادما قال أبو هريرة فتلك أمكم يا بني ماء السماء
قال ابن وهب وأخبرني ابن أبي الزناد عن أبيه عن الأعرج عن أبي هريرة عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} نحوه قال فقام إليها فقامت فتوضأت تصلي ثم
قالت اللهم إني كنت آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي فلا تسلط علي الكافر فغط حتى ركض برجله
قال الأعراج قال أبو سلمة قال أبو هريرة قال قالت اللهم إن يمت يقال هي قتلته

(1/13)


حدثنا أسد بن موسى عن إسرائيل عن أبي اسحاق عن حارثة بن مضرب عن علي بن أبي طالب عليه السلام أن سارة كانت بنت ملك من الملوك وكانت قد أوتيت حسنا فتزوجها إبراهيم عليه السلام فمر بها على ملك من الملوك فأعجبته فقال لإبراهيم ما هذه المرأة فقال له ما شاء الله أن يقول فلما خاف إبراهيم وخافت سارة أن يدنو منها دعوا الله عليه فأيبس الله يديه ورجليه فقال لإبراهيم قد علمت إن هذا عملك فادع الله لي فوالله لا اسؤك فيها فدعا له فأطلق الله يديه ورجليه ثم قال الملك إن هذه لامرأة لا ينبغي أن تخدم نفسها فوهب لها هاجر فخدمتها ما شاء الله ثم إنها غضبت عليها ذات يوم فحلفت لتغيرن منها ثلاثة أشياء فقال تخفضينها وتثقبين أذنيها ثم وهبتها لإبراهيم على أن لا يسوئها فيها فوقع عليها فعلقت فولدت إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام قال وكانت سارة كما حدثنا وثيمة بن موسى عن سلمة بن الفضل وعمرو بن الازهر أو أحدهما عن ابن إسحاق عن عبد الرحمن عن أبي هريرة حين رأت أنها لا تلد أحبت أن تعرض هاجر على إبراهيم فكانت تمنعها الغيرة وكانت هاجر كما حدثنا وثيمة بن موسى عن سلمة بن الفضل وعمرو بن الأزهر أو
أحدهما أو كلاهما عن ابن إسحاق أول من جرت ذيلها لتخفي أثرها على سارة وكانت سارة قد حلفت لتقطعن منها عضوا فبلغ ذلك هاجر فلبست درعا لها وجرت ذيلها لتخفي أثرها وطلبتها سارة فلم تقدر عليها فقال إبراهيم هل لك أن تعفي عنها فقالت فكيف بما حلفت قال تخفضيها فيكون ذلك سنة للنساء فتبرين في يمينك ففعلت فمضت السنة بالخفض
ذكر ظفر العمالقة بمصر وأمر يوسف

(1/14)


ثم رجع إلى حديث عثمان وغيره قال ثم توفي لوطيس بن ماليا فاستخلف ابنته حوريا ابنة لوطيس ولم يكن له ولد غيرها وهي أول امرأة ملكت قال ثم توفيت حوريا ابنة لوطيس فاستخلفت ابنة عمها زالفا ابنة ماموم بن ماليا فعمرت دهرا طويلا وكثروا ونموا وملؤا أرض مصر كلها وتشعبوا وملكوا النساء فطمعت فيهم العمالقة فغزاهم الوليد بن دومع فقاتلهم قتالا شديدا ثم رضوا أن يملكوه عليهم فملكهم نحوا من مائة سنة فطغى وتكبر وأظهر الفاحشة فسلط الله عليه سبعا فافترسه فأكل لحمه
والعماليق كما حدثنا عبد الملك بن هشام من ولد عملاق ويقال عمليق ابن لاوذ بن سام
حدثنا أبو الاسود وأسد بن موسى ويحيى بن عبد الله بن بكير عن ابن
لهيعة عن يزيد بن عمرو المعافري عن ابن حجيرة قال استظل سبعون رجلا من قوم موسى في قحف رجل من العماليق
قال فملكهم من بعده ابنه الريان بن الوليد بن دومع وهو صاحب يوسف النبي عليه السلام فلما رأى الملك الرؤيا التي رآها وعبرها يوسف {صلى الله عليه وسلم} الرسل إليه الملك وأخرجه من السجن
حدثنا أسد بن موسى عن خالد بن عبد الله عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال فأتاه الرسول فقال ألق عنك ثياب السجن والبس ثيابا جددا وقم إلى الملك فدعا له أهل السجن وهو يومئذ ابن ثلاثين سنة فلما أتاه رأى غلاما حدثا فقال أيعلم هذا رؤياي ولا يعلمها السحرة والكهنة وأقعده قدامه وقال له لا تخف قال عثمان وغيره في حديثهما فلما استنطقه وسأله عظم في عينيه وجل أمره في قلبه فدفع إليه خاتمه وولاه ما خلف بابه
حدثنا أسد بن موسى عن خالد بن عبد الله عن الكلبي عن ابي صالح عن ابن عباس قال وألبسه طوقا من ذهب وثياب حرير وأعطاه دابة مسرجة مزينة كدابة الملك وضرب بالطبل بمصر أن يوسف خليفة الملك حدثنا أسد بن موسى عن خالد بن عبد الله قال حدثني أبو سعد عن عكرمة أن فرعون قال ليوسف قد سلطتك على مصر غير أني أريد أن أجعل
كرسي أطول من كرسيك بأربع أصابع قال يوسف نعم

(1/15)


ثم رجع إلى حديث عثمان وغيره قال وأجلسه على السرير ودخل الملك بيته مع نسائه وفوض أمر مصر كلها إليه فبسبب عبارة رؤيا الملك ملك يوسف مصر قال أسد بن موسى قال حدثني الليث بن سعد قال حدثني بعض مشيخة لنا قال اشتد الجوع على أهل مصر فاشتروا الطعام بالذهب حتى لم يجدوا ذهبا فاشتروا بالفضة حتى لم يجدوا فضة فاشتروا بأغنامهم حتى لم يجدوا غنما فلم يزل يبيعهم الطعام حتى لم يبق لهم ذهب ولا فضة ولا شاة ولا بقرة في تلك السنتين فأتوه في الثالثة فقالوا له لم يبق لنا شيء إلا أنفسنا وأهلنا وأرضنا فاشترى يوسف أرضهم كلها لفرعون ثم أعطاهم يوسف طعاما يزرعونه على أن لفرعون الخمس
ذكر استنباط الفيوم
وفي ذلك الزمان استنبطت الفيوم وكان سبب ذلك كما حدثنا هشام بن إسحاق أن يوسف عليه السلام لما ملك مصر وعظمت منزلته من فرعون وجازت سنه مائة سنة قال وزراء الملك له أن يوسف قد ذهب علمه وتغير عقله ونفدت حكمته فعنفهم فرعون ورد عليهم مقالتهم وأساء اللفظ لهم فكفوا ثم عاودوه بذلك القول بعد سنين فقال
لهم هلموا ما شئتم من أي شيء أختبره به وكانت الفيوم يومئذ تدعى الجوبة وإنما كانت لمصالة ماء الصعيد وفضوله فاجتمع رأيهم على أن تكون هي المحنة التي يمتحون بها يوسف {صلى الله عليه وسلم} فقالوا لفرعون سل يوسف أن يصرف ماء الجوبة عنها ويخرجه منها فتزداد بلدا إلى بلدك وخراجا إلى خراجك فدعا يوسف {صلى الله عليه وسلم} فقال قد تعلم مكان ابنتي فلانة مني وقد رأيت إذا بلغت أن أطلب لها بلدا وأني لم أصب لها إلا الجوبة وذلك أنه بلد بعيد قريب لا يؤتي من وجه من الوجوه إلا من غابة وصحراء وكذلك هي ليست تؤتى من ناحية من النواحي من مصر إلا من مفازة وصحراء قال غير هشام فالغيوم وسط مصر كمثل مصر في وسط البلاد لأن مصر لا تؤتى من ناحية من النواحي إلا من صحراء أو مفازة

(1/16)


قال هشام في حديثة قال الملك وقد اقطعتها إياها فلا تتركن وجها ولا نظرا إلا بلغته فقال يوسف {صلى الله عليه وسلم} نعم أيها الملك متى أردت ذلك فابعث إلي فإني إن شاء الله فاعل قال إن أحبه إلي وأوفقه أعجله فأوحي إلى يوسف {صلى الله عليه وسلم} أن يحفر ثلاثة خلج خليجا من أعلى الصعيد من موضع كذا إلى موضع كذا وخليجا شرقيا من موضع كذا إلى موضع كذا وخليجا غربيا من موضع كذا إلى موضع كذا فوضع يوسف {صلى الله عليه وسلم} العمال فحفر خليج المنهى من أعلى أشمون إلى اللاهون وأمر البنائين أن يحفروا اللاهون وحفر خليج الفيوم وهو الخليج الشرقي وحفر خليجا بقرية يقال لها تيهمت من قرى الفيوم وهو الخليج الغربي فخرج
ماؤها من الخليج الشرقي فصب في النيل وخرج من الخليج الغربي فصب في صحراء تيهمت إلى الغرب فلم يبق في الجوبة ماء ثم أدخلها الفعلة فقطع ما كان فيها من القصب والطرفاء وأخرجه منها وكان ذلك ابتداء جري النيل وقد صارت الجوبة أرضا ريفية تربة وارتفع ماء النيل فدخل في رأس المنهى فجرى فيه حتى انتهى إلى اللاهون فقطعه إلى الفيوم فدخل خليجها فسقاها فصارت لجة من النيل وأخرج إليها الملك ووزارءه وكان هذا كله في سبعين يوما فلما نظر اليها الملك قال لوزرائه اولئك هذا عمل الف يوم فسميت الفيوم وأقامت تزرع كما تزرع غوائط مصر قال وقد سمعت في استخراج الفيوم وجها غير هذا

(1/17)


حدثنا يحيى بن خالد العدوي عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن يوسف النبي {صلى الله عليه وسلم} ملك مصر وهو ابن ثلاثين سنة فأقام يدبر أمرها أربعين سنة فقال أهل مصر قد كبر يوسف واختلف رأيه فعزلوه وقالوا اختر لنفسك من الموات أرضا نقطعكها لنفسك وتصلحها ونعلم رأيك فيها فإن رأينا من رأيك وحسن تدبيرك ما نعلم أنك في زيادة من عقلك رددناك إلى ملكك فاعترض البرية في نواحي مصر فاختار موضع الفيوم كلها فأعطيها فشق إليها الخليج المنهى من النيل حتى أدخله الفيوم كلها وفرغ من حفر ذلك كله في سنة وبلغنا أنه إنما عمل ذلك بالوحي وقوي على ذلك بكثرة الفعلة والأعوان فنظروا فإذا الذي أحياه يوسف من الفيوم لا يعلمون له بمصر كلها
مثلا ولا نظيرا فقالوا ما كان يوسف {صلى الله عليه وسلم} قط أفضل عقلا ولا رأيا ولا تدبيرا منه اليوم فردوا إليه الملك فأقام ستين سنة أخرى تمام مائة سنة حتى مات يوم مات وهو ابن ثلاثين ومائة سنة والله أعلم

(1/18)


ثم رجع إلى حديث هشام بن إسحاق قال ثم بلغ يوسف {صلى الله عليه وسلم} قول وزراء الملك وأنه إنما كان ذلك منهم على المحنة منهم له فقال للملك إن من الحكمة والتدبير غير ما رأيت فقال له الملك وما ذاك قال أنزل الفيوم من كل كورة من كور مصر أهل بيت وآمر أهل كل بيت أن يبنوا لأنفسهم قرية وكانت قرى الفيوم على عدد كور مصر فإذا فرغوا من بناء قراهم صيرت لكل قرية من الماء بقدر ما أصير لها من الأرض لا يكون في ذلك زيادة عن أرضها ولا نقصان وأصير لكل قرية شربا في زمان لا ينالهم الماء إلا فيه وأصير مطأطئا للمرتفع ومرتفعا للمطأطيء بأوقات من الساعات في الليل والنهار وأصير لها قبضات ولا يقصر بأحد دون حقه ولا يزاد فوق قدره فقال فله فرعون هذا من ملكوت السماء قال نعم فبدا يوسف {صلى الله عليه وسلم} فأمر ببنيان القرى وحد لها حدودا وكانت أول قرية عمرت بالفيوم قرية يقال لها شنانة وهي القرية التي كانت تنزلها بنت فرعون ثم أمر بحفر الخليج وبنيان القناطر فلما فرغوا من ذلك استقبل وزن الارض ووزن الماء ومن يومئذ أحدثت الهندسة ولم يكن الناس يعرفونها قبل ذلك قال وكان أول من قاس النيل بمصر يوسف عليه السلام ووضع مقياسا بمنف ثم وضعت العجوز دلوكة ابنة زباء وهي
صاحبة حائط العجوز مقياسا بانصناء وهو صغير الذرع ومقياسا بإخميم ووضع عبد العزيز بن مروان مقياسا بحلوان وهو صغير ووضع أسامة بن زيد التنوخي في خلافة الوليد مقياسا بالجزيرة وهو أكبرها

(1/19)


حدثنا يحيى بن بكير قال أدركت القياس يقيس في مقياس منف ويدخل بزيادته إلى الفسطاط دخول أهل يوسف مصر ووفاة يعقوب وفي زمان الريان بن الوليد دخل يعقوب عليه السلام وولده مصر كما حدثنا هشام بن إسحاق وهم ثلاثة وسبعون نفسا بين رجل وامرأة فأنزلهم يوسف عليه السلام ما بين عين شمس إلى الفرما وهي أرض ريفية تربة حدثنا أسد بن موسى عن خالد بن عبد الله عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال دخل مصر يعقوب وولده وكانوا سبعين نفسا وخرجوا وهم ست مائة ألف
حدثنا اسد بن موسى قال حدثنا اسرائيل عن أبي إسحاق عن مسروق قال دخل أهل يوسف وهم ثلاثة وتسعون إنسانا وخرجوا وهم ست مائة ألف وأدخل يوسف كما حدثنا أسد عن خالد بن عبد الله عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أباه وخمسة من إخوته على الملك فسلموا عليه

(1/20)


وأمر أن يقطع لهم من الأرض وكان يعقوب لما دنا من مصر أرسل يهودا إلى يوسف فخرج إليه يوسف فلقيه فالتزمه وبكى ثم رجع إلى حديث هشام بن إسحاق قال فلما دخل يعقوب على فرعون فكلمه وكان يعقوب {صلى الله عليه وسلم} شيخا كبيرا حليما حسن الوجه واللحية جهير الصوت فقال له فرعون كم أتى عليك أيها الشيخ قال عشرون ومائة سنة وكان بمين ساحر فرعون قد وصف صفة يعقوب ويوسف وموسى عليهم السلام في كتبه وأخبر أن خراب مصر وهلاك أهلها يكون على أيديهم ووضع البربايات وصفات من تخرب مصر على يديه فلما رأى يعقوب قام إلى مجلسه فكان أول ما سأله عنه أن قال له من تعبد أيها الشيخ قال له يعقوب أعبد الله إله كل شيء فقال له كيف تعبد ما لا ترى قال له يعقوب إنه أعظم وأجل من أن يراه أحد قال بمين فنحن نرى آلهتنا قال يعقوب عليه السلام إن آلهتكم من عمل أيدي بني آدم ممن يموت ويبلى وإن إلهي أعظم وأرفع وهو أقرب إلينا من حبل الوريد فنظر بمين إلى فرعون فقال هذا الذي يكون هلاك بلادنا على يديه قال فرعون افي أيامنا أو في أيام غيرنا قال ليس في أيامك ولا في أيام بنيك أيها الملك قال الملك هل تجد هذا فيما قضى به إلهكم قال نعم قال فكيف نقدر أن نقتل من يريد إلهه هلاك قومنا على يديه فلا تعبأ بهذا الكلام
حدثنا أسد بن موسى عن خالد بن عبد الله قال حدثني أبو حفص الكلاعي عن تبيع عن كعب أن يعقوب عاش في أرض مصر ست عشرة سنة فلما حضرته الوفاة قال ليوسف لا تدفني بمصر وإذا مت فاحملوني فادفنوني في مغارة جبل حبرون
وحبرون كما حدثنا أسد بن موسى عن خالد عن الكلبي عن ابي صالح مسجد إبراهيم {صلى الله عليه وسلم} اليوم وبينه وبين بيت المقدس ثمانية عشر ميلا ثم رجع إلى حديث الكلاعي عن تبيع عن كعب قال فلما مات لطخوه بمر وصبر قال غير أسد وجعلوه في تابوت من ساج

(1/21)


قال أسد في حديثه فكانوا يفعلون ذلك به أربعين يوما حتى كلم يوسف فرعون وأعلمه أن أباه قد مات وأنه سأله أن يقبره في أرض كنعان فأذن له وخرج معه أشراف أهل مصر حتى دفن وانصرفوا
حدثنا عثمان بن صالح قال حدثنا ابن لهيعة عمن حدثه قال قبر يعقوب عليه السلام بمصر فأقام بها نحوا من ثلاث سنين ثم حمل إلى بيت المقدس أوصاهم بذلك عند موته والله أعلم
وفاة يوسف
ثم رجع إلى حديث عثمان بن صالح قال ثم مات الريان بن الوليد
العملاقي وهو فرعون يوسف عليه السلام فملكهم من بعده ابنه دارم بن الريان قال غير عثمان وفي زمانه توفي يوسف {صلى الله عليه وسلم} فلما حضرته الوفاة قال إنكم ستخرجون من أرض مصر إلى أرض آبائكم
كما حدثنا اسد بن موسى عن خالد بن عبد الله قال حدثني ابو حفص الكلاعي عن تبيع عن كعب قال يوسف فاحملوا عظامي معكم فمات فجعلوه في تابوت ودفنوه حدثنا محمدبن اسعد قال حدثنا أبو الاحوص عن سماك بن حرب قال دفن يوسف {صلى الله عليه وسلم} في أحد جانبي النيل فأخصب الجانب الذي كان فيه وأجدب الجانب الآخر فحولوه إلى الجانب الآخر فأخصب الجانب الذي حولوه إليه وأجدب الجانب الآخر فلما رأوا ذلك جمعوا عظامه فجعلوها في صندوق من حديد وجعلوا فيه سلسلة وأقاموا عمودا على شاطئ النيل وجعلوا في اصله سكة من حديد وجعلوا السلسلة في السكة وألقوا الصندوق في وسط النيل فأخصب الجانبان جميعا
حدثنا العباس بن أبي طالب قال حدثنا عبد الواحد بن زياد عن يونس عن الحسن ان يوسف عليه السلام القي في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة ومكث إلى أن لقي يعقوب عليه السلام وأهله ثمانين سنة ثم عاش بعد ذلك ثلاثة وعشرين سنة فمات وهو ابن مائة سنة وعشرين سنة
ويقال وتوفي وهو ابن ثلاثين ومائة سنة
ملوك مصر بعد زمان يوسف

(1/22)


ثم رجع إلى حديث عثمان بن صالح وغيره قال ثم إن دارما طغا بعد يوسف {صلى الله عليه وسلم} وتكبر وأظهر عبادة الأصنام فركب في النيل في سفينة فبعث الله عز وجل عليه ريحا عاصفا فأغرقته ومن كان معه فيما بين طرا إلى موضع حلوان فملكهم من بعده كامس بن معدان وكان جبارا عاتيا
حدثنا أسد بن موسى عن خالد بن عبدالله عن أبي حفص الكلاعي عن تبيع عن كعب قال لما مات يوسف النبي {صلى الله عليه وسلم} استعبد أهل مصر بني اسرائيل ثم رجع إلى حديث عثمان قال ثم هلك كامس بن معدان فملكهم بعده فرعون موسى
قال غير عثمان واسمه طلما قبطي من قبط مصر حدثنا أبي عبد الله بن عبد الحكم قال سمعت الليث بن سعد وابن لهيعة أو أحدهما يقول كان فرعون قبطيا من قبط مصر يقال له طلما
حدثنا سعيد بن عفير قال حدثنا عبد الله بن ابي فاطمة عن مشايخه قال أنه كان من فران بن بلى واسمه الوليد بن مصعب وكان قصيرا أبرشا يطاء في لحبته
حدثنا سعيد بن عفير عن هانى ء بن المنذر أنه كان من العماليق وكان يكنى بإبي مره
حدثنا يزيد بن أبي سلمة عن جرير عن عبد الملك بن ميسرة عن النزال بن سبرة عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال كان فرعون أثرم ويقال بل هو رجل من لخم والله اعلم

(1/23)


فمن زعم أنه من العماليق فقد ذكرنا السبب الذي به ملكت العماليق مصر ومن زعم أنه من فران بن بلي فإن سعيد بن عفير حدثنا قال حدثنا عبدالله بن أبي فاطمة عن مشايخه أن ملك مصر توفي فتنازع الملك جماعة من أبناء الملك ولم يكن الملك عهد ولما عظم الخطب بينهم تداعوا إلى الصلح فاصطلحوا عن أن يحكم بينهم أول من يطلع من الفج فج الجبل فأطلع فرعون بين عديلتي نطرون قد أقبل بهما ليبيعهما وهو رجل من فران بن بلي واسمه الوليد بن مصعب وكان قصيرا ابرص يطأطى ء في لحيته فاستوقفوه وقالوا أنا قد جعلناك حكما بيننا فيما تشاجرنا فيه من الملك وأتوه مواثيقهم على الرضى فلما استوثق منهم قال إني قد رأيت أن أملك نفسي عليكم فهو أذهب لضغائنكم وأجمع لأموركم والأمر من بعد إليكم فأمروه عليهم لنفاسة بعضهم بعضا واقعدوه في دار الملك بمنف فأرسل إلى صاحب أمر كل رجل منهم فوعده ومناه أن
يملكه على ملك صاحبه ووعدهم ليلة يقتل فيها كل رجل منهم صاحبه ففعلوا ودان له أولئك بالربوبية ولم يكن له تكبر الملوك والله أعلم فملكهم نحوا من خمسمائة سنة وكان من أمره وأمر موسى {صلى الله عليه وسلم} ما قص الله تبارك وتعالى من خبرهم في القران
ثم رجع إلى حديث عثمان بن صالح وغيره قال فأقام فرعون ملك مصر خمس مائة سنة حتى أغرقه الله عز وجل

(1/24)


حدثنا أبي عبد الله بن عبد الحكم قال حدثنا خلاد بن سليمان الحضرمي قال سمعت أبا الأشرس يقول مكث فرعون أربع مائة سنة الشباب يغدو عليه ويروح حدثنا أبي قال حدثنا خلاد بن سليمان قال سمعت إبراهيم بن مقسم قال مكث فرعون أربع مائة سنة لم تصدع له رأس وكان يملك فيما يذكرما بين مصر إلى أفريقية وكان يقعد على كراسي فرعون كما حدثنا أسد عن خالد عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس مائتان عليهم الديباج وأساور الذهب وقد كان استعمل هامان على الناس فقال يا هامان ابني لي صرحا لعلي ابلغ الأسباب أسباب السموات يعنير أن من كل سماء إلى سماء سبب وشغل الله عز وجل فرعون بالآيات التي جابها موسى {صلى الله عليه وسلم} ولم يبن له هامان الصرح
حمل عظام يوسف الى الشام

(1/25)


قال وفي زمانه حملت عظام يوسف {صلى الله عليه وسلم} من مصر إلى الشأم وكان سبب حمله فيما حدثنا محمد بن اسعد الثعلبي عن أبي الأحوص عن سماك بن حرب أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أقبل وهو قافل من الشأم ومعه زيد بن حارثة فمر ببيت شعر فرد وقد أمسيا فدنيا من البيت فقال السلام عليكم فرد رب البيت فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ضيف قال أنزل فبات في قرى فلما اصبح وأراد الرحيل قال الشيخ اصيبوا من بقية قراكم فأصابوا ثم ارتحل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فلما ظهر أمر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وفتح الله عليه جاءالشيخ على راحلته حتى أناخ بباب المسجد ثم دخل فجعل يتصفح وجوه الرجال فقالوا له هذاك رسول الله فقال رسول الله ما حاجتك قال والله ما أدري إلا أنه نزل بي رجل فأكرمت قراه فقال له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وإنك لفلان قال نعم قال فكيف أم فلان قال بخير قال فكيف حالكم قال بخير وقد كان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال له حين ارتحل من عنده إذا سمعت بنبي يقد ظهر بتهامه فأته فإنك تصيب منه خيرا فقال له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} تمن ما شئت فإنك لن تتمنى اليوم شيئا إلا أعطيتكه قال فأني أسألك ضأنا ثمانين قال فضحك رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ثم قال يا عبد الرحمن بن عوف قم فأوفه إياها ثم أقبل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} على أصحابه فقال ما كان أحوج هذا الشيخ إلى أن يكون مثل عجوز موسى قال قلنا يا رسول الله وما عجوز موسى {صلى الله عليه وسلم} قال بنت

(1/26)


يوسف {صلى الله عليه وسلم} عمرت حتى صارت عجوزا كبيرة ذاهبة البصر فلما أسرى موسى {صلى الله عليه وسلم} ببني إسرائيل غشيتهم ضبابة حالت بينهم وبين الطريق أن يبصروه وقيل لموسى لن تعبر إلا ومعك عظام يوسف قال ومن يدري أين موضعها قالوا بنته عجوز كبيرة ذاهبه البصر تركناها في الديار قال فرجع موسى فلما سمعت حسه قالت موسى قال موسى قالت ما ردك قال أمرت أن أحمل عظام يوسف قالت ما كنتم لتعبروا إلا وأنا معكم قال دليني على عظام يوسف عليه السلام قالت لا أفعل إلا أن تعطيني ما سألتك قال فلك ما سألت قالت خذ بيدي فأخذ بيدها فانتهت به إلى عمود على شاطى ء النيل في أصله سكة من حديد موتدة فيها سلسلة فقالت إنا كنا دفناه من ذلك الجانب فأخصب ذلك الجانب وأجدب هذا الجانب فحولناه إلى هذا الجانب فأخصب هذا الجانب وأجدب ذلك الجانب الآخر فلما رأينا ذلك جمعنا عظامه فجعلناها في صندوق من حديد وألقيناها في وسط النيل فأخصب الجانبان جميعا قال فحمل موسى الصندوق على رقبته وأخذ بيدها فألحقها بالعسكر وقال لها سلي ما شئت قالت فإني أسألك أن أكون أنا وأنت في درجه واحدة في الجنة وترد علي شبابي وبصري حتى أكون شابة كما كنت قال فلك ذلك
حدثنا أسد بن موسى عن خالد بن عبد الله عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال كان يوسف عليه السلام قد عهد عند موته أن يخرجوا بعظامه معهم من مصر قال فتجهز القوم وخرجوا فتحيروا فقال لهم موسى إنما تحيركم هذا من أجل عظام يوسف عليه السلام فمن يدلني عليها فقالت عجوز يقال لها سارح ابنة آشار بن يعقوب أنارأيت عمي يعني يوسف عليه السلام حين دفن فما تجعل لي إن دللتك عليه قال حكمك قال فدلته عليها فأخذ عظام يوسف ثم قال احتكمي قالت أكون معك حيث كنت في الجنة
حدثنا عثمان بن صالح قال اخبرني ابن لهيعة عمن حدثه قال قبر يوسف {صلى الله عليه وسلم} بمصر فأقام بها نحوا من ثلاث مائة سنة ثم حمل إلى بيت المقدس
خروج بني إسرائيل من مصر

(1/27)


ثم رجع إلى حديث عثمان وغيره قال ثم غرق الله عز وجل فرعون وجنوده في اليم حين أتبع بني اسرائيل وغرق معه من أشراف أهل مصر وأكابرهم ووجوههم أكثر من ألفي ألف
وكان سبب اتباع فرعون بني اسرائيل كما حدثنا أسد بن موسى عن خالد بن عبد الله عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن الله تبارك وتعالى أوحى إلى موسى عليه السلام أن ) أسر بعبادي ( قال وكان
بنو إسرائيل استعاروا من قوم فرعون حليا وثيابا وقالوا إن لنا عيدا نخرج إليه فخرج بهم موسى ليلا وهم ست مائة ألف وثلاثة آلالف ونيف ليس فيهم ابن ستين ولا ابن عشرين فذلك قول فرعون ) إن هؤلاء لشرذمة قليلون وإنهم لنا لغائظون (
حدثنا أسد بن موسى قال حدثنا المسعودي عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة قال خرجوا من مصر وهم ست مائة ألف وسبعون ألفا فقال فرعون إن هؤلاء لشرذمة قليلون ثم رجع إلى حديث أسد بن موسى عن خالد بن عبد الله عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال وخرج فرعون ومعه خمس مائة ألف سوى المجنبتين والقلب
قال خالد حدثنا أبو سعيد عن عكرمة قال لم يخرج مع فرعون من زاد على الأربعين ولا من دون العشرين فذلك قول الله عز وجل ) فاستخف قومه فأطاعوه ( يعني استخف قومه في طلب موسى حدثنا أسد قال حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال خرج موسى {صلى الله عليه وسلم} ببني اسرائيل فلما اصبح فرعون أمر بشاة فأتي بها فأمر بها تذبح ثم قال لا يفرغ من سلخها حتى يجتمع عندي خمس مائة ألف من القبط فاجتمعوا إليه فقال لهم فرعون إن هؤلاء لشرذمة قليلون وكان

(1/28)


أصحاب موسى {صلى الله عليه وسلم} ست مائة ألف وسبعين ألفا قال فسلك موسى وأصحاب طريقا يابسا في البحر فلما خرج آخر أصحاب موسى وتكامل آخر أصحاب فرعون اصطدم عليهم البحر فما روي سواد أكثر من يومئذ وغرق فرعون فنبذ على ساحل البحر حتى نظروا إليه حدثنا أسد بن موسى قال حدثنا خالد بن عبد الله عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال لما انتهى موسى إلى البحر أقبل يوشع بن نون على فرسه فمشى على الماء واقحم غيره خيولهم فرسبوا في الماء وخرج فرعون في طلبهم حين أصبح وبعد ما طلعت الشمس وذلك قوله عز وجل ) فأتبعوهم مشرقين فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون ( فدعا موسى {صلى الله عليه وسلم} ربه عز وجل فغشيتهم ضبابة حالت بينهم وبينه وقيل له ) اضرب بعصاك البحر ( ففعل ) فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ( يعني الجبل فانفلق فيه اثنا عشر طريقا فقالوا إنا نخاف أن نوحل فيه الخيل فدعا موسى ربه فهبت عليهم الصبا فجف فقالوا نخاف أن يغرق منا ولا نشعر فقال لعصاه فثقب
الماء فجعل بينهم كوا حتى يرى بعضهم بعضا ثم دخلوا حتى جاوزوا البحر وأقبل فرعون حتى انتهى إلى الموضع الذي عبر منه موسى {صلى الله عليه وسلم} وطرقه على حاله فقال ادلاءه إن موسى قد سحر البحر حتى صار كما ترى وهو قوله تبارك وتعالى ) واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون ( يعني كما حدثنا عبد الله بن صالح قال حدثنا معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله عز وجل ) واترك البحر رهوا ( قال سمتا
حدثني حفص بن عمر العدني قال حدثنا الحكم بن أبان عن عكرمة قال طريقا حدثنا عثمان بن صالح قال حدثنا ابن لهيعة عن أبي صخر عن محمد بن كعب القرظي قال طريقا مفتوحا حدثنا أبو سهل أحمد بن عبد الرحمن قال حدثنا محمد بن يوسف قال حدثنا اسرائيل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال مفتوحا

(1/29)


حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن قال سهلا دمثا وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم الرهو السهل ثم رجع إلى حديث أسد عن خالد بن عبد الله عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس فجد هاهنا حتى تلحقهم وهو مسيرة ثلاثة أيام في البر وكان فرعون يومئذ على
حصان فأقبل جبريل {صلى الله عليه وسلم} على فرس انثى في ثلاثة وثلاثين من الملائكة فتفرقوا في الناس وتقدم جبريل {صلى الله عليه وسلم} فسار بين يدي فرعون وتبعه فرعون وصاحت الملائكة في الناس الحقوا الملك حتى إذا دخل آخرهم ولم يخرج أولهم التقى البحر عليهم فغرقوا فسمع بنو إسرائيل وجبة البحر حين التقوا فقالوا ما هذا فقال موسى غرق فرعون وأصحابه فرجعوا ينظرون فألقاهم البحر على الساحل
حدثنا أسد بن موسى قال حدثنا الحسن بن بلال عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال لما غرق الله عز وجل آل فرعون قال فرعون ) آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ( قال جبريل يا محمد لو رأيتني وأنا آخذ من حماء البحر فأدسه في في فرعون مخافة أن تدركه الرحمة
حدثنا أسد بن موسى قال حدثنا ابو علي عن حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن مجاهد قال كان جبريل بين الناس وبين بني اسرائيل وبين آل فرعون فجعل يقول لبني اسرائيل ليلحق آخركم بأولكم ويستقبل آل فرعون فيقول رويدكم ليلحقكم آخركم فقالت بنو اسرائيل

(1/30)


ما رأينا سائقا أحسن سياقا من هذا وقال آل فرعون ما رأينا وازعا أحسن زعة من هذا فلما انتهى موسى وبنو اسرائيل إلى البحر قال مؤمن آل فرعون يا نبي الله اين أمرت هذا البحر أمامك وقد غشينا آل فرعون فقال أمرت بالبحر فاقحم مؤمن آل فرعون فرسه فرده التيار فقال يا نبي الله أين أمرت فقال بالبحر فأقحم أيضا فرسه فرده التيار فجعل موسى {صلى الله عليه وسلم} لا يدري كيف يصنع وكان الله عز وجل قد اوحى إلى البحر أن أطع موسى وآية ذلك إذا ضربك بعصاه ثم رجع إلى حديث أسد عن خالد عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال وخرج فرعون ومقدمته خمس مائة ألف سوى المجنبتين والقلب ويقال أن موسى عليه السلام قتل عوجا بمصر
قال خالد وحدثنا أبو سعيد عن عكرمة قال لم يخرج مع فرعون من زاد على أربعين سنة ومن دون العشرين وذاك قوله تبارك وتعالى ) فاستخف قومه فأطاعوه ( يعني استخف قومه في طلب موسى قال وحدثنا أسد عن اسرائيل عن أبي إسحق عن عمرو بن ميمون قال خرج موسى ببني اسرائيل فلما أصبح فرعون أمر بشاة فأتي بها فأمر بها تذبح ثم قال لا يفرغ من سلخها حتى يجتمع عندي خمس مائة ألف فارس من القبط فاجتمعوا إليه فقال لهم فرعون ) إن هؤلاء لشرذمة قليلون ( وكان أصحاب موسى ست مائة ألف وسبعين ألفا قال فسلك موسى وأصحابه طريقا يابسا في البحر فلما خرج أصحاب موسى وتكامل آخر
أصحاب فرعون اضطرم عليهم البحر فما رئي سواد أكثر من يومئذ قال وغرق فرعون فنبذ على ساحل البحر حتى نظروا إليه
حدثنا عمرو بن خالد قال حدثنا زهير بن معاوية قال حدثنا أبو إسحاق قال زهير أراه عن نوف يعني البكائي قال كان طول سرير عوج الذي قتله موسى ثماني مائة ذراع وعرضه أربع مائة ذراع وكانت عصا موسى {صلى الله عليه وسلم} عشرة اذرع ووثبته حين وثب إليه عشرة أذرع وطول موسى كذا وكذا فضربه فأصاب كعبه فخر على نيل مصر فجسره للناس عاما يمرون على صلبه واضلاعه
الملكة دلوكة

(1/31)


ثم رجع إ لى حديث عثمان وغيره قال فبقيت مصر بعد غرقهم ليس فيها من أشراف أهلها أحد ولم يبق بها إلا العبيد والاجراء والنساء فأعظم أشراف من بمصر من النساء أن يولين منهم أحدا وأجمع رأيهن على أن يولين امرأة منهن يقال لها دلوكة إبنة زباء وكان لها عقل ومعرفة وتجارب وكانت في شرف منهن وموضع وهي يومئذ بنت مائة سنة وستين سنة فملكوها فخافت أن يتناولها ملوك الأرض فجمعت نساءالأشراف
فقالت لهن إن بلادنا لم يكن يطمع فيها أحد ولا يمد عينه إليها وقد هلك أكابرنا وأشرافنا وذهب السحرة الذين كنا نقوى بهم وقد رأيت أن أبني حصناأحدق به جميع بلادنا فأضع عليه المحارس من كل ناحية فإنا لا نأمن أن يطمع فينا الناس فبنت جدارا أحاطت به على جميع أرض مصر كلها المزارع والمدائن والقرى وجعلت دونه خليجا يجري فيه الماء وأقامت القناطر والترع وجعلت فيه محارس ومسالح على كل ثلاثة أميال محرس ومسلحة وفيما بين ذلك محارس صغار على كل ميل وجعلت في كل محرس رجالا وأجرت عليهم الأرزاق وأمرتهم أن يحرسوا بالأجراس فإذا أتاهم أحد يخافونه ضرب بعضهم إلى بعض بالأجراس فأتاهم الخبر من أي وجه كان في ساعة واحدة فنظروا في ذلك فمنعت بذلك مصر ممن أرادها
قال غير عثمان وفرغت من بنائها في ستة أشهر وهو الجدار الذي يقال له جدار العجوز بمصر وقد بقيت بالصعيد منه بقايا كثيرة
البرابي
حدثنا عثمان بن صالح في حديثه قال وكان ثم عجوز ساحرة يقال لها تدورة وكانت السحرة تعظمها وتقدمها في علمهم وسحرهم فبعث

(1/32)


إليها دلوكة إبنة زباء أنا قد احتجنا إلى سحرك وفزعنا إليك ولا نأمن أن تطمع فينا الملوك فاعملي لنا شيئا نغلب به من حولنا فقد كان فرعون يحتاج إليك فكيف وقد ذهب أكابرنا وبقي أقلنا فعملت بربا من حجارة في وسط مدينة منف وجعلت له أربعة أبواب كل باب منها إلى جهة القبلة والبحر والغرب والشرق وصورت فيه صور الخيل والبغال والحمير والسفن والرجال وقالت لهم قد عملت لكم عملا يهلك به كل من أرادكم من كل جهة تؤتون منها برا وبحرا وهذا ما يغنيكم عن الحصن ويقطع عنكم مؤنته فمن أتاكم من أي جهة فإنهم إن كانوا في البر على خيل أو بغال أو إبل أو في سفن أو رجالة تحركت هذه الصور من جهتهم التي يأتون منها فما فعلتم بالصور من شيء أصابهم ذلك في أنفسهم على ما تفعلون بهم فلما بلغ الملوك حولهم أن أمرهم قد صار إلى ولاية النساء طمعوا فيهم وتوجهوا إليهم فلما دنوا من عمل مصر تحركت تلك الصور التي في البربا فطفقوا لا يهيجون تلك الصور بشيء ولا يفعلون بها شيئا إلا أصاب ذلك الجيش الذي أقبل إليهم مثله إن كانت خيلا فما فعلوا بتلك الخيل المصورة في البربا من قطع رؤوسها أو سوقها أو فقء أعينها أو بقر بطونها أثر مثل ذلك بالخيل التي أرادتهم وإن كانت سفنا أو رجالة فكمثل ذلك وكانوا أعلم الناس بالسحر وأقواهم عليه وانتشر ذلك فتناذرهم الناس وكان نساء أهل مصر حين غرق من غرق منهم مع فرعون من أشرافهم ولم يبق إلا العبيد والأجراء لم يصبرن عن الرجال فطفقت المرأة تعتق عبدها وتتزوجه وتتزوج الأخرى أجيرها وشرطن على
الرجال أن لا يفعلوا شيئا إلا بإذنهن فأجابوهن إلى ذلك فكان أمر النساء على الرجال
قال عثمان فحدثني ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب إن نساء القبط على ذلك إلى اليوم اتباعا لما مضى منهم لا يبيع أحدهم ولا يشتري إلا قال أستأمر امرأتي
ملوك مصر بعد العجوز دلوكة

(1/33)


فملكتهم دلوكة إبنة زباء عشرين سنة تدبر أمرهم بمصر حتى بلغ صبي من أبناء أكابرهم وأشرافهم يقال له دركوس بن بلطيوس فملكوه عليهم فلم تزل مصر ممتنعة بتدبير تلك العجوز نحوا من أربع مائة سنة
قال ثم مات دركوس بن بلطيوس فاستخلف ابنه بورس بن دركوس ثم توفي بورس بن دركون فاستخلف أخاه لقاس بن تدارس فلم يمكث إلا ثلاث سنين حتى مات ولم يترك ولدا فاستخلف أخاه مرينا بن مرينوس قال ثم توفي مرينا بن مرينوس فاستخلف استمارس بن مرينا فطغا وتكبر وسفك الدم وأظهر الفاحشة فأعظموا ذلك
واجمعوا على خلعه فخلعوه وقتلوه وبايعوا رجلا من أشرافهم يقال له بلوطس بن مناكيل فملكهم أربعين سنة ثم توفي بلوطس بن مناكيل واستخلف إبنه مالوس بن بلوطس ثم توفي مالوس بن بلوطس فاستخلف أخاه مناكيل بن بلوطس بن مناكيل فملكهم زمانا ثم توفي فاستخلف ابنه بولة بن مناكيل فملكهم مائة سنة وعشرين سنة وهو الأعرج الذي سبى ملك بيت المقدس وقدم به إلى مصر وكان بولة قد تمكن في البلاد وبلغ مبلغا لم يبلغه أحد ممن كان قبله بعد فرعون وطغا فقتله الله عز وجل صرعته دابته فدقت عنقه فمات
حدثنا أسد بن موسى عن عبدالله بن خالد عن خالد بن عبد الله قال حدثنا الكلاعي عن تبيع عن كعب قال لما مات سليمان بن داود {صلى الله عليه وسلم} ملك بعده مرحب عم سليمان فسار إليه ملك مصر فقاتله وأصاب أتراس الذهب التي عملها سليمان {صلى الله عليه وسلم} فذهب بها
أخبرني شيخ من أهل مصر من أهل العلم أن المخلوع الذي خلعه أهل مصر إنما هو بولة وذلك أنه دعا الوزراء ومن كانت الملوك قبله تجري عليهم الأرزاق والجوائز فكأنه استكثر ذلك فقال لهم إني أريد أن أسألكم عن أشياء فإن اخبرتموني بها زدت في أرزاقكم ورفعت من أقداركم وإن أنتم لم تخبروني بها ضربت أعناقكم فقالوا له سلنا عما شئت فقال لهم أخبروني ما يفعل الله تبارك وتعالى في كل يوم وكم عدد نجوم السماء

(1/34)


وكم مقدار ما تستحق الشمس في كل يوم على ابن آدم فاستأجلوه فأجلهم في ذلك شهرا وكانوا يخرجون في كل يوم إلى خارج مدينة منف فيقفون في ظل قرموس يتباحثون ما هم فيه ثم يرجعون وصاحب القرموس ينظر إليهم فأتاهم ذات يوم فسألهم عن أمرهم فأخبروه فقال لهم عندي علم ما تريدون إلا أن لي قرموسا لا أستطيع أن أعطله فليقعد رجل منكم مكاني يعمل فيه وأعطوني دابة كدوابكم وألبسوني ثيابا كثيابكم ففعلوا وكان في المدينة إبن لبعض ملوكهم قد ساءت حالته فأتاه صاحب القرموس فسأله القيام بملك أبيه وطلبه فقال ليس يخرج هذا يريد الملك من مدينة منف فقال أنا أخرجه لك وجمع له مالا ثم أقبل صاحب القرموس حتى دخل على بولة فأخبره أن عنده علم ما سأل عنه فقال له أخبرني كم عدد نجوم السماء فأخرج صاحب القرموس جرابا من الرمل كان معه فنثره بين يديه وقال له مثل عدد هذا قال وما يدريك قال مر من يعده قال فكم مقدار ما تستحق الشمس في كل يوم على ابن آدم قال قيراطا لأن العامل يعمل يومه إلى الليل فيأخذ ذلك في أجرته قال فما يفعل الله عز وجل كل يوم قال له أريك ذلك غدا فخرج معه حتى أوقفه على أحد وزرائه الذي أقعده صاحب القرموس مكانه فقال له يفعل الله عز وجل كل يوم أن يذل قوما ويعز قوما ويميت قوما ومن ذلك أن هذا وزير من وزرائك قاعد يعمل على قرموس وأنا صاحب قرموس على دابة من دواب الملوك وعلي من لباسهم او كما قال له إن فلان بن فلان أغلق عليك مدينة منف فرجع مبادرا فإذا مدينة منف قد أغلقت ووثبوا مع الغلام على بولة فخلعوه فوسوس فكان يقعد على باب مدينة منف يوسوس ويهذي فذلك
قول القبط إذا كلم أحدهم بما لا يريد قال سجناك من بولة يريد بذلك الملك لوسوسته والله أعلم

(1/35)


ثم رجع إلى حديث عثمان وغيره قال ثم استخلف مرينوس بن بولة فملكهم زمانا ثم توفي واستخلف ابنه قرقورة بن مرينوس فملكهم ستين سنة ثم توفي واستخلف أخاه لقاس بن مرينوس وكان كلما انهدم من ذلك البربا الذي فيه الصور شيء لم يقدر أحد على إصلاحه إلا تلك العجوز وولدها وولد ولدها وكانوا أهل بيت لا يعرف ذلك غيرهم فانقطع أهل ذلك البيت وانهدم من البربا موضع في زمان لقاس بن مرينوس فلم يقدر أحد على إصلاحه ومعرفة علمه وبقي على حاله وانقطع ما كانوا يقهرون به الناس وبقوا كغيرهم إلا أن الجمع كثير والمال عندهم
دخول بخت نصر مصر
قال ثم توفي لقاس واستخلف ابنه قومس بن لقاس فملكهم دهرا فلما قدم بخت نصر بيت المقدس كما حدثنا وثيمة بن موسى وغيره وظهر على بني إسرائيل وسباهم وخرج بهم إلى أرض بابل أقام إرميا بأيلياء وهي خراب ينوح عليها ويبكي فاجتمع إلى إرميا بقايا من بني

(1/36)


إسرائيل كانوا متفرقين حين بلغهم مقامه بأيلياء فقال لهم إرميا أقيموا بنا في أرضنا لنستغفر الله ونتوب إليه لعله يتوب علينا فقالوا إنا نخاف أن يسمع بنا بخت نصر فيبعث إلينا ونحن شرذمة قليلون ولكنا نذهب إلى ملك مصر فنستجير به وندخل في ذمته فقال لهم إرميا ذمة الله عز وجل أوفي الذمم لكم ولا يسعكم أمان أحد من الأرض أن أخافكم فانطلق اولئك النفر من بني إسرائيل إلى قومس بن لقاس واعتصموا به لما يعلمون من منعته وشكوا إليه شأنهم فقال أنتم في ذمتي فأرسل إليه بخت نصر إن لي قبلك عبيدا أبقوا مني فابعث بهم إلي فكتب إليه قومس ما هم بعبيدك هم أهل النبوة والكتاب وأبناء الأحرار اعتديت عليهم وظلمتهم فحلف بخت نصر لئن لم يردهم ليغزون بلاده وألجا جميعا وأوحى الله إلى إرميا إني مظهر بخت نصر على هذا الملك الذي اتخذوه حرزا وإنهم لو أطاعوا أمرك ثم أطبقت عليهم السماء والأرض لجعلت لهم من بينهما مخرجا وإني أقسم بعزتي لأعلمنهم أنه ليس لهم محيص ولا ملجأ إلا طاعتي واتباع أمري فلما سمع بذلك إرميا رحمهم وبادر إليهم فقال إن لم تطيعوني أسركم بخت نصر وقتلكم وآية ذلك إني رأيت موضع سريره الذي يضعه بعد ما يظفر بمصر ويملكها ثم عمد فدفن أربعة أحجار في الموضع الذي يضع فيه بخت نصرسريره وقال يقع كل قائمة من سريره على حجر منها فلجوا في رأيهم فسار بخت نصر إلى قومس بن لقاس ملك مصر فقاتله سنة ثم ظفر بخت نصر فقتل قومس وسبى جميع أهل مصر وقتل من قتل فلما أراد قتل من أسر منهم وضع له سريره في الموضع الذي وصف إرميا ووقعت كل قائمة من سريره على حجر من تلك الحجارة التي دفن فلما أتي بالأسارى أتى معهم إرميا فقال له بخت نصر ألا أراك مع

(1/37)


أعدائي بعد أن أمنتك وأكرمتك فقال له إرميا إنما جئتهم محذرا واخبرتهم خبرك وقد وضعت لهم علامة تحت سريرك وأريتهم موضعه قال بخت نصر وما مصداق ذلك قال إرميا إرفع سريرك فإن تحت كل قائمة منه حجرا دفنته فلما رفع سريره وجد مصداق ذلك فقال لإرميا لو أعلم أن فيهم خيرا لوهبتهم لك فقتلهم وأخرب مدائن مصر وقراها وسبى جميع أهلها ولم يترك بها أحدا حتى بقيت مصر أربعين سنة خرابا ليس فيها ساكن يجري نيلها ويذهب لا ينتفع به فأقام إرميا بمصر واتخذ بها جنينة وزرعا يعيش به فأوحى إليه الله إن لك عن الزرع والمقام بمصر شغلا فكيف تسعك أرض وأنت تعلم سخطي على قومك فالحق بأيليا حتى يبلغ كتابي أجله فخرج منها إرميا حتى أتى بيت المقدس ثم إن بخت نصر رد أهل مصر إليها بعد اربعين سنة فعمروها فلم تزل مصر مقهورة من يومئذ
وحدثنا إبي عبدالله بن عبد الحكم وأبو الأسود قالا حدثنا ابن لهيعة عن أبي قبيل عن عبد الرحمن بن غانم الأشعري أنه قدم من الشأم إلى عبدالله بن عمرو بن العاص فقال له عبد الله بن عمرو ما أقدمك إلى بلادنا قال أنت قال لماذا قال كنت تحدثنا أن مصر أسرع الأرضين خرابا ثم اراك قد اتخذت فيها الرباع وبنيت فيها القصور واطمأننت فيها فقال إن مصر قد أوفت خرابها حطمها بخت نصر فلم يدع فيها إلا السباع والضباع وقد مضى خرابها فهي اليوم أطيب الأرضين ترابا وأبعدها
خرابا ولن تزال فيها بركة ما دام في شيء من الأرضين بركة

(1/38)


حدثنا عبد الله بن صالح قال حدثني الليث عن أبي قبيل نحوه قال فزعم بعض مشايخ أهل مصر أن الذي كان يعمل به بمصر على عهد ملوكها أنهم كانوا يقرون القرى في أيدي أهلها كل قرية بكراء معلوم لا ينقض عليهم إلا في كل أربع سنين من اجل الظمأ وتنقل اليسار فإذا مضت أربع سنين نقض ذلك وعدل تعديلا جديدا فيرفق بمن استحق الرفق ويزاد على من استحق الزيادة ولا يحمل عليهم من ذلك ما يشق عليهم فإذا جبي الخراج وجمع كان للملك من ذلك الربع خالصا لنفسه يصنع به ما يريد والربع الثاني لجنده ومن يقوى به على حربه وجباية خراجه ودفع عدوه والربع الثالث في مصلحة الأرض وما يحتاج اليه من جسورها وحفر خلجها وبناء قناطرها والقوة للزارعين على زرعهم وعمارة ارضهم والربع الرابع يخرج منه ربع ما يصيب كل قرية من خراجها فيدفن ذلك فيها لنائبة او جائحة تنزل بأهل القرية فكانوا على ذلك وهذا الربع الذي يدفن في كل قرية من خراجها هي كنوز فرعون التي يتحدث الناس بها إنها ستظهر فيطلبها الذين يتبعون الكنوز
وحدثنا أبو الأسود النضر بن عبد الجبار قال حدثنا ابن لهيعة عن أبي قبيل قال خرج وردان من عند مسلمة بن مخلد وهو أمير على مصر
فمر على عبد الله بن عمرو مستعجلا فناداه أين تريد يا أبا عبيد قال أرسلني الأمير مسلمة أن آتي منفا فأحفر له عن كنز فرعون قال فارجع إليه واقرأه مني السلام وقل له إن كنز فرعون فيأخذ ليس لك ولا لأصحابك إنما هو للحبشة إنهم يأتون في سفنهم يريدون الفسطاط فيسيرون حتى ينزلوا منفا فيظهر لهم كنز فرعون فيأخذون منه ما يشاؤون فيقولون ما ينبغي غنيمة أفضل من هذه فيرجعون ويخرج المسلمون في آثارهم فيدركونهم فيقتتلون فتنهزم الحبش فيقتلهم المسلمون ويأسرونهم حتى أن الحبشي ليباع بالكساء
ظهور الروم وفارس على مصر

(1/39)


ثم رجع إلى حديث عثمان بن صالح وغيره قال ثم ظهرت الروم وفارس على سائر الملوك الذين في وسط الأرض فقاتلت الروم أهل مصر ثلاث سنين يحاصرونهم وصابروهم القتال في البر والبحر فلما رأى ذلك أهل مصر صالحوا الروم على أن يدفعوا إليهم شيئا مسمى في كل عام على أن يمنعوهم ويكونوا في ذمتهم ثم ظهرت فارس على الروم فلما غلبوهم على الشأم رغبوا في مصر وطمعوا فيها وامتنع أهل مصر وأعانتهم الروم وقامت دونهم وألحت عليهم فارس فلما خشوا ظهروهم عليهم صالحوا فارسا على أن يكون ما صالحوا به الروم بين فارس والروم
فرضيت الروم بذلك حين خافت ظهور فارس عليها فكان ذلك الصلح على أهل مصر وأقامت مصر بين الروم وفارس نصفين سبع سنين ثم استجاشت الروم وتظاهرت على فارس وألحت بالقتال والمدد حتى ظهروا عليهم وخربوا مصانعهم اجمع وديارهم التي بالشأم ومصر وكان ذلك في عهد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وقبل وفاته وبعد ظهور الإسلام فصارت الشأم كلها وصلح أهل مصر كله خالصا للروم ليس لفارس في شيء من الشأم ومصر شيء
وحدثنا عبد الله بن صالح قال حدثنا الليث بن سعد عن عقيل بن خالد عن ابن شهاب قال كان المشركون يجادلون المسلمين بمكة فيقولون الروم أهل كتاب وقد غلبتهم المجوس وأنتم تزعمون إنك ستغلبون بالكتاب الذي معكم الذي أنزل على نبيكم فسنغلبكم كما غلبت فارس الروم فأنزل الله عز وجل ) الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم (
قال ابن شهاب وأخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود انه قال لما أنزلت هاتان الآيتان ناحب ابو بكر رضي الله عنه بعض المشركين قبل أن يحرم القمار على شيء ان لم تغلب الروم فارس في سبع سنين فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لم فعلت فكل ما دون العشربضع وكان ظهور

(1/40)


فارس على الروم في سبع سنين ثم أظهر الله عز وجل الروم على فارس زمان الحديبية ففرح المسلمون بنصر أهل الكتاب قال غير عثمان بن صالح عن الليث بن سعد وكانت الفرس قد أسست بناء الحصن الذي يقال له باب اليون وهو الحصن الذي بفسطاط مصر اليوم فلما انكشفت جموع فارس عن الروم وأخرجتهم الروم من الشأم أتمت الروم بناء ذلك الحصن وأقامت به فلم تزل مصر في ملك الروم حتى فتحها الله تعالى على المسلمين
وحدثنا سعيد بن بليد عن ابن وهب قال حدثنا ابن لهيعة قال يقال فارس والروم قريش العجم
انكشاف فارس عن الروم
وكان سبب انكشاف فارس عن الروم كما حدثنا عبد الله بن صالح عن الهقل بن زياد عن معاوية بن يحيى الصدفي قال حدثني الزهري قال حدثني عبيدالله بن عبد الله بن عتبة أن ابن عباس أخبره أنه سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسأل الهرمزان عظيم الأهواز عن الذي كان سبب انكشاف فارس عنهم فقال له الهرمزان كان كسرى بعث شهريران وبعث معه جنود فارس قبل الشأم ومصر وخرب عامة حصون الروم فطال زمانه بالشأم ومصر وتلك الأرض فطفق كسرى يستبطئه ويكتب إليه إنك

(1/41)


لو أردت أن تفتح مدينة الروم فتحتها ولكنك قد رضيت بمكانك وأردت طول السلطان وكتب إلى عظيم من عظماء فارس مع شهريران يأمره أن يقتل شهريران ويتولى أمرالجنود فكتب إليه ذلك العظيم يذكر أن شهريران جاهد ناصح وأنه أبلى بالحرب منه فكتب إليه كسرى يعزم عليه ليقتلنه فكتب إليه أيضا يراجعه ويقول إنه ليس لك عبد مثل شهريران وإنك لو تعلم ما يداري من مكايدة الروم عذرته فكتب إليه كسرى يعزم عليه ليقتلنه وليتولى أمرالجنود فكتب إليه أيضا يراجعه فغضب كسرى وكتب إلى شهريران يعزم عليه ليقتلن ذلك العظيم فأرسل شهريران إلى ذلك العظيم من فارس فأقراه كتاب كسرى فقال له راجع في قال قد علمت أن كسرى لا يراجع وقد علمت حسن صحابتي إياك ولكن قد جاءني ما لا أستطيع تركه فقال له ذلك الرجل ولا آتي أهلي فأمر فيهم بأمري فيهم بأمري وأعهد إليهم عهدي قال بلى وذلك الذي أملك لك فانطلق حتى أتى أهله فأخذ صحائف كسرى الثلاث التي كتب إليه فجعلها في كمه ثم جاء حتى دخل على شهريران فدفع إليه الصحيفة الأولى فقرأها شهريران فقال له أنت خير مني ثم دفع إليه الصحيفة الثانية فقرأها فنزل عن مجلسه وقال له إجلس عليه فأبى أن يفعل فدفع إليه الصحفية الثالثة فقرأها فلم يفرغ شهريران من قراءتها حتى قال أقسم بالله لأسوءن كسرى وأجمع المكر بكسرى وكاتب هرقل فذكر له أن كسرى قد أفسد فارس وجهز بعوثا وابتليت بطول ملكه وسأله أن يلقاه بمكان نصف يحكمان الأمر

(1/42)


فيه ويتعاهدان فيه ثم يكشف عنه جنود فارس ويخلي بينه وبين المسير إلى كسرى فلما جاء هرقل كتاب شهريران دعا رهطا من عظماء الروم فقال لهم اجلسوا فأنا اليوم أحزم الناس أو أعجز الناس قد أتاني ما لا تحسبونه وسأعرضه عليكم فأشيروا علي فيه ثم قرأ عليهم كتاب شهريران فاختلفوا عليه في الرأي فقال بعضهم هذا مكر من قبل كسرى وقال بعضهم أراد هذا العبد أن يلقاك وخاف من كسرى فيستغيث ثم لا يبالي ما لقي قال هرقل إن هذا الرأي ليس حيث ذهبتم إليه إنه ما طابت نفس كسرى أن يشتم هذا الشتم الذي أجد في كتاب شهريران وما كان شهريران ليكتب إلي بهذا وهو ظاهر على عامة ملكي إلا من أمر حدث بينه وبين كسرى وإني والله لألقينه فكتب إليه هرقل قد بلغني كتابك وفهمت الذي ذكرت وإني لاقيك فموعدك بموضع كذا وكذا فاخرج معك بأربعة آلاف من أصحابك فإني خارج بمثلهم فإذا بلغت موضع كذا وكذا فضع ممن معك خمس مائة فإني سأضع بمكان كذا وكذا مثلهم ثم ضع بمكان كذا وكذا مثلهم حتى نلتقي أنا وأنت في خمس مائة وبعث هرقل الرسل من عنده إلى شهريران إن تم له يرسل إليه وإن أبى ذلك عجلوا إليه في كتاب فرأى رأيه ففعل ذلك وسار هرقل في أربعة آلاف التي خرج فيها لا يضع منهم أحدا حتى التقيا بالموضع ومع هرقل أربعة آلاف ومع شهريران خمس مائة فلما رآهم شهريران أرسل ألى هرقل أغدرت فأرسل إليه هرقل لم أغدر ولكني خفت الغدر من قبلك وأمر هرقل بقبة من ديباج فضربت له بين الصفين فنزل هرقل فدخلها ودخل بترجمان معه وأقبل شهريران حتى دخل عليه فانتحى بينهما الترجمان حتى أحكما أمرهما واستوثق أحدهما من صاحبه بالعهود والمواثيق حتى فرغا من أمرهما فخرج هرقل وأشار إلى شهريران بأن يقتل الترجمان لكي يخفي له السر فقتله

(1/43)


شهريران ثم انكشف شهريران فجيش الجيوش وسار هرقل إلى كسرى حتى أغار عليه ومن بقي معه فكان ذلك أول هلكة كسرى ووفى هرقل لشهريران بما أعطاه من ترك أرض فارس وانكشف حين أفسد أرض فارس على كسرى فقتلت فارس كسرى ولحق شهريران بفارس والجنود
بناء الاسكندرية
قال فوجه هرقل ملك الروم كما حدثني شيخ من أهل مصر المقوقس أميرا على مصر وجعل إليه حربها وجباية خراجها فنزل الإسكندرية وكان الذي بنى الإسكندرية وأسس بناءها ذو القرنين الرومي واسمه الإسكندر وبه سميت الإسكندرية وهو أول من عمل الوشي وكان أبوه أول القياصرة حدثنا عبد الملك بن هشام قال اسمه الإسكندر حدثنا وثيمة بن موسى عن سعيد بن بشير عن قتادة قال الإسكندر هو ذو القرنين
حدثنا عبد الملك بن هشام عن زياد بن عبد الله عن محمد بن اسحاق
قال حدثني من يسوق الأحاديث عن الأعاجم فيما توارثوا من علمه انه رجل من اهل مصر اسمه مرزبا بن مرزبة اليوناني من ولد يونان بن يافث بن نوح {صلى الله عليه وسلم} وحدثني شيخ من أهل مصر قال كان ذو القرنين من أهل لوبية كورة من كور مصر الغربية
قال ابن لهيعة واهلها الروم ويقال بل هو رجل من حمير قال تبع كامل
قد كان ذو القرنين جدي مسلما
ملكا تدين له الملوك وتحسد
بلغ المغارب والمشارق يبتغي
أسباب علم من حكيم مرشد
فرأى مغيب الشمس عند غروبها
في عين ذي خلب وثاط حرمد
ويروى قد كان ذو القرنين قبلي مسلما
حدثني عثمان بن صالح قال حدثني عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن سعد بن مسعود التجيبي عن شيخين من قومه قالا كنا بالإسكندرية فاستطلنا يومنا فقلنا لو انطلقنا إلى عقبة بن عامر نتحدث عنده فانطلقنا إليه فوجدناه جالسا في داره فأخبرناه أنا استطلنا

(1/44)


يومنا فقال وأنا مثل ذلك إنما خرجت حين استطلته ثم أقبل علينا فقال كنت عند رسول الله {صلى الله عليه وسلم} اخدمه فإذا أنا برجال من أهل الكتاب معهم مصاحف أو كتب فقالوااستأذن لنا على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فانصرفت إليه فأخبرته بمكانهم فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ما لي ولهم يسألوني عما لا أدري إنما أنا عبد لا علم لي إلا ما علمني ربي ثم قال أبلغني وضوءا فتوضأ ثم قام إلى مسجد بيته فركع ركعتين فلم ينصرف حتى عرفت السرور في وجهه والبشر ثم انصرف فقال أدخلهم ومن وجدت بالباب من أصحابي فأدخله قال فأدخلتهم فلما دفعوا إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال لهم إن شئتم أخبرتكم عما أردتم أن تسألوني قبل أن تتكلموا وأن أحببتم تكلمتم وأخبرتكم قالوا بل أخبرنا قبل أن نتكلم قال جئتم تسألوني عن ذي القرنين وسأخبركم كما تجدونه مكتوبا عندكم أن أول أمره أنه غلام من الروم أعطي ملكا فسار حتى أتى ساحل البحر من أرض مصر فابتنى عنده مدينة يقال لها الإسكندرية فلما فرغ من بنائه أتاه ملك فعرج به حتى استقله فرفعه فقال انظر ما تحتك فقال أرى مدينتي وأرى مدائن معها ثم عرج به فقال انظر فقال اختلطت مدينتي مع المدائن فلا أعرفها ثم زاد فقال انظر فقال أرى مدينتي وحدها ولا أرى غيرها قال له الملك إنما تلك الأرض كلها والذي ترى محيطا بها هو البحر وإنما أراد ربك أن يريك الأرض وقد جعل لك سلطانا فيها وسوف تعلم الجاهل وتثبت العالم فسار حتى بلغ مغرب الشمس ثم سار حتى بلغ مطلع الشمس ثم أتى السدين وهما جبلان لينان يزلف عنهما كل شيء فبنى السد ثم أجاز يأجوج ومأجوج فوجد قوما وجوههم وجوه الكلاب يقاتلون يأجوج ومأجوج ثم قطعهم فوجد أمه قصارا يقاتلون القوم الذين وجوههم وجوه الكلاب ووجد أمه من الغرانيق يقاتلون القوم القصار ثم مضى
فوجد أمه من الحيات تلتقم الحية منها الصخرة العظيمة ثم أفضى إلى البحر المدير بالأرض فقالوا نشهد أن أمره هكذا كما ذكرت وأنا نجده هكذا في كتابنا

(1/45)


وحدثنا عبد الملك بن هشام قال حدثنا زياد بن عبد الله البكائي عن محمد بن إسحاق قال حدثني ثور بن يزيد الكلاعي عن خالد بن معدان الكلاعي وكان رجلا قد أدرك رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} سئل عن ذي القرنين فقال ملك مسح الأرض من تحتها بالأسباب قال خالد وسمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول يا ذا القرنين فقال عمر اللهم غفرا أما رضيتم ان تسموا بالأنبياء حتى تسميتم بالملائكة
حدثنا وثيمة بن موسى عمن أخبره عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن قال كان ذو القرنين ملكا وكان رجلا صالحا وإنما سمي ذي القرنين كما حدثنا وثيمة عن سفيان بن عيينة عن ابن أبي حسين عن أبي الطفيل قال إن عليا رضي الله عنه سئل عن ذو القرنين فقال لم يكن ملكا ولا نبيا ولكن كان عبدا صالحا أحب الله فأحبه الله ونصح لله فنصحه الله بعثه الله عز وجل إلى قومه فضربوه على قرنه فمات فأحياه الله ثم بعثه إلى قومه فضربوه على قرنه فمات فسمي ذو القرنين ويقال إنما سمي ذو القرنين لأنه جاوز قرن الشمس من المشرق والمغرب
ويقال إنما سمي ذو القرنين لانه كان له غديرتان في رأسه من شعر يطأ فيهما فيما ذكر إبراهيم بن المنذر عن عبد العزيز بن عمران عن حازم بن حسين عن يونس بن عبيد عن الحسن
حدثنا عبد العزيز بن منصور اللخمي عن عاصم بن حكيم عن أبي سريع الطائي عن عبيد بن يعلى قال كان له قرنان صغيران تواريهما العمامة حدثنا أحمد بن محمد عن عبد العزيز بن عمران عن سليمان بن أسيد عن ابن شهاب قال إنما سمي ذو القرنين لإنه بلغ قرن الشمس من مغربها وقرن الشمس من مطلعها

(1/46)


قال وذكر بعض مشايخ أهل مصر عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عمن حدثه عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال كان أول شأن الإسكندرية أن فرعون إتخذ بها مصانع ومجالس وكان أول من عمرها وبنى فيها فلم تزل على بنائه ومصانعه ثم تداولتها الملوك ملوك مصر بعده فبنت دلوكة ابنة زباء منارة الإسكندرية ومنارة بوقير بعد فرعون فلما ظهر سليمان بن داود عليهما السلام على الأرض اتخذ بها مجلسا
وبنى فيها مسجدا ثم إن ذا القرنين ملكها فهدم ما كان فيها من بناء الملوك والفراعنة وغيرهم إلا بناء سليمان بن داود عليهما السلام لم يهدمه ولم يغيره وأصلح ما كان رث منه واقر المنارة على حالها ثم بنى الإسكندرية من أولها بناء يشبه بعضه بعضا ثم تداولتها الملوك بعده من الروم وغيرهم ليس من ملك إلا يكون له بها بناء بعضه بالإسكندرية يعرف به وينسب إليه
ويقال أن الذي بنى منارة الإسكندرية قلوبطرة الملكة وهي التي ساقت خليجها حتى أدخلته الإسكندرية ولم يكن يبلغها الماء كان يعدل من قرية يقال لها كسا قبالة الكريون فحفرته حتى أدخلته الإسكندرية وهي التي بلطت قاعته قال ابن لهيعة وبلغني أنه وجد حجر بالإسكندرية مكتوب فيه أنا شداد بن عاد وأنا الذي نصب العماد وحيد الأحياد وسد بذراعه الواد بنيتهن إذ لا شيب ولا موت وإذ
الحجارة في اللين مثل الطين قال ابن لهيعة الأحياد كالمغار
ويقال إن الذي بنى الإسكندرية شداد بن عاد والله أعلم
حدثنا إدريس بن يحيى الخولاني قال حدثنا عبدالله بن عياش الشيباني عن أبيه عن تبيع قال خمسة مساجد بالإسكندرية مسجد موسى النبي {صلى الله عليه وسلم} عند المنارة أقربها إلى الكنيسة ومسجد سليمان عليه السلام ومسجد ذي القرنين أو الخضر عليهما السلام وهو الذي عند النجاة بالقيسارية ومسجد الخضر او ذي القرنين عند باب المدينة حين تخرج من الباب ولكل واحد منهما مسجد ولكن لا يدرى أين هو ومسجد عمرو بن العاص الكبير

(1/47)


حدثنا هانى ء بن المتوكل قال حدثنا عبد الرحمن بن شريح عن قيس بن الحجاج عن تبيع قال إن في الإسكندرية مساجد خمسة مقدسة منها
المسجد في القيسارية التي تباع فيها الموازين ومسجد النجاة ومسجد عمرو بن العاص وكانت الإسكندرية كما حدثنا أبي عبد الله بن عبد الحكم ثلاث مدن بعضها إلى جنب بعض منه وهي موضع المنارة وما والاها والإسكندرية وهي موضع قصبة الإسكندرية اليوم ونقيطة وكان على كل واحدة منهن سور وسور من خلف ذلك على الثلاث مدن يحيط بهن جميعا
حدثنا هانى ء بن المتوكل قال حدثنا عبدالله بن طريف الهمداني قال كان على الإسكندرية سبعة حصون وسبعة خنادق حدثنا أسد بن موسى عن خالد بن عبد الله قال حدثني ابن السري عن ابيه قال كان أنف الإسكندرية ثلاثة أذرع
قال خالد وأبو حمزة أن ذا القرنين لما بنى الإسكندرية رخمها بالرخام الأبيض جدرها وأرضها وكان لباسهم فيها السواد والحمرة فمن قبل ذلك ليس الرهبان السواد من نصوع بياض الرخام ولم يكونوا يسرجون فيها بالليل من بياض الرخام وإذا كان القمر أدخل الرجل الذي يخيط بالليل في ضوء القمر مع بياض الرخام الخيط في رأس الإبرة
رأس الاسكندرية
رأس الاسكندرية فيما ذكر بعض المشايخ لقد بنيت الإسكندرية
في ثلاث مائة سنة وسكنت ثلاث مائة سنة وخربت ثلاث مائة سنة ولقد مكثت سبعين سنة ما يدخلها أحد إلا وعلى بصره خرقة سوداء من بياض جصها وبلاطها ولقد مكثت سبعين سنة ما يستسرج فيها

(1/48)


حدثنا ابن أبي مريم عن العطاف بن خالد قال وكانت الإسكندرية بيضاء تضيء بالليل والنهار وكانوا إذا غربت الشمس لم يخرج أحد منهم من بيته ومن خرج اختطف وكان منهم راع يرعى على شاطئ البحر فكان يخرج من البحر شيء فيأخذ من غنمه فكمن له الراعي في موضع حتى خرج فإذا جارية فتشبث بشعرها ومانعته عن نفسها فقوي عليها فذهب بها إلى منزله فأنست بهم فرأتهم لا يخرجون بعد غروب الشمس فسألتهم فقالوا من خرج منا اختطف فهيأت لهم الطلسمات فكانت اول من وضع الطلسمات بمصر في الإسكندرية
حدثنا أسد بن موسى قال حدثنا إسماعيل بن عياش عن هشام بن سعد المديني قال وجد حجر بالإسكندرية مكتوب فيه ثم ذكر مثل حديث ابن لهيعة سواء وزاد فيه وكنزت في البحر كنزا على اثني عشر ذراعا لن يخرجه احد حتى تخرجه أمة محمد {صلى الله عليه وسلم}
حدثنا محمد بن عبد الله البغدادي عن داود عن عثمان بن عطاء عن أبيه قال كان الرخام قد سخر لهم حتى يكون من بكرة إلى نصف النهار بمنزلة العجين فإذا انتصف النهار اشتد قال وفي زمان شداد بن عاد بنيت الأهرام كما ذكر عن بعض المحدثين ولم أجد عند أحد من أهل المعرفة
من أهل مصر في الأهرام خبرا يثبت وفي ذلك يقول الشاعر كامل
حسرت عقول اولي النهى الاهرام
واستصغرت لعظيمها الاحلام
ملس منيفة البناء شواهق
قصرت لعال دونهن سهام
لم ادر حين كبا التفكر دونها
واستوهمت لعجيبها الاوهام
اقبور املاك الاعاجم هن ام
هذه طلاسم رمل ام اعلام

(1/49)


حدثنا أسد بن موسى قال حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن نوف نحوه ولم يذكر السرير فلما أغرق الله فرعون وجنوده كما حدثنا هانى ء بن المتوكل عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن تبيع استأذن جماعة من الذين كانوا آمنوا من سحرة موسى في الرجوع إلى أهلهم ومالهم بمصر فأذن لهم ودعا لهم فترهبوا في رؤوس الجبال فكانوا أول من ترهب وكان يقال لهم الشيعة وبقيت طائفة منهم مع موسى عليه السلام حتى توفاه الله عز وجل ثم انقطعت الرهبانية بعدهم حتى ابتدعها بعد ذلك أصحاب المسيح عليه السلام حدثنا عبد الله بن صالح قال حدثنا معاوية ابن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى ) الم (
غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين ) قال غلبتهم فارس ثم غلبت الروم فارس في أدنى الأرض يقول في طرف الأرض الشأم
وقد اختلف في البضع فحدثنا الحارث بن مسكين قال حدثنا ابن القاسم عن مالك بن أنس قال البضع ما بين الثلاث إلى سبع
حدثنا أسد قال حدثنا عبد الله بن خالد عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال البضع سبع سنين حدثنا أسد قال حدثنا ابراهيم بن سعد عن ابي الحويرث أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال البضع سنين ما بين خمس إلى سبع ويقال البضع ما لم يبلغ العدد ما بين الواحد إلى أربع ويقال إلى سبع وتسع وعشرة ويقال البضع ما بين العشرة إلى العشرين وكذلك كل عقد إلى المائة فإذا زاد على المائة انقطع البضع وصار نيفا
صورة سماع في الجزء الأول
من كتاب فتوح مصر
سمع الجزء كله على الشيخ الأجل أبي صادق مرشد بن يحيى بن القاسم المديني بإجازته عن ابن منير بقرأة صاحبه الشيخ الأجل أبي الطاهر أحمد بن محمدالحافظ الزاهد السلفي الاصبهاني الفقيه أبو الحسين

(1/50)


ثروان بن علي القيسراني وأبو القاسم هبة الله بن عبد الصمد الكاملي وولده علي وأبو الطاهر عبد المنعم بن موهوب القاريء الواعظ وأبو الأسوار عمر بن المنخل الدربندي وياسر بن عبد العزيز النابلسي وعلي بن الحسين القيسراني وعبد العزيز بن يوسف الأردبيلي وخضر بن علي بن أبي اليسر الصوري وسيد الأهل بن علي بن سعود الأنصاري البوصيري وكاتب السماع ابراهيم بن حاتم الأسدي وذلك في ذي الحجة سنة ست عشرة وخمس مائة بفسطاط مصر وسمع مع الجماعة عبد الله بن الحسين الدمشقي الأنماطي
تم الجزء الأول من فتوح مصر يوم 3 سلخ ذي الحجة سنة 485 للهجرة
الجزء الثاني
حدثنا هشام بن اسحاق وغيره قال لما كانت سنة ست من مهاجرة رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ورجع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من الحديبية بعث الى الملوك
حدثنا أسد بن موسى قال حدثنا عبد الله بن وهب قال أخبرني يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال حدثني عبد الرحمن بن عبد القارى ء أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قام ذات يوم على المنبر فحمد الله واثنى عليه وتشهد ثم قال أما بعد فإني أريد أن أبعث بعضكم إلى ملوك العجم فلا تختلفوا علي كما اختلف بنو اسرائيل على عيسى بن مريم وذلك أن الله تبارك وتعالى أوحى إلى عيسى أن ابعث إلى ملوك الأرض فبعث الحواريين فأما القريب مكانا فرضي وأما البعيد مكانا فكره وقال لا أحسن كلام من تبعثني إليه فقال عيسى اللهم أمرت الحواريين بالذي أمرتني فاختلفوا علي فأوحى الله إليه إني سأكفيك فأصبح كل انسان منهم يتكلم بلسان الذي وجه إليه فقال المهاجرون يا رسول الله والله لا نختلف عليك ابدا في شيء فمرنا وابعثنا فبعث حاطب بن أبي بلتعة إلى
المقوقس صاحب الإسكندرية وشجاع بن وهب الأسدي إلى كسرى وبعث دحية بن خليفة إلى قيصر وبعث عمرو بن العاص إلى ابني الجلندى أميري عمان تم ذكر الحديث

(1/51)


ثم رجع إلى حديث هشام بن إسحاق وغيره قال فمضى حاطب بكتاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فلما انتهى إلى الإسكندرية وجد المقوقس في مجلس مشرف على البحر فركب البحر فلما حاذى مجلسه أشار بكتاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بين أصبعيه فلما رآه أمر بالكتاب فقبض وأمر به فأوصل إليه فلما قرأ الكتاب قال ما منعه إن كان نبيا أن يدعو علي فيسلط علي فقال له حاطب ما منع عيسى بن مريم أن يدعو على من أبى عليه أن يفعل به ويفعل فوجم ساعة ثم استعادها فأعادها عليه حاطب فسكت فقال له حاطب إنه قد كان قبلك رجل زعم أنه الرب الأعلى فانتقم الله به ثم انتقم منه فاعتبر بغيرك ولا تعتبر بك وأن لك دينا لن تدعه إلا لما هو خير منه وهو الإسلام الكافي الله به فقد ما سواه وما بشارة موسى بعيسى إلا كبشارة عيسى بمحمد وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الانجيل ولسنا ننهاك عن دين المسيح ولكنا نأمرك به ثم قرأ الكتاب فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى المقوقس عظيم القبط سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام فأسلم تسلم وأسلم يؤتيك الله اجرك مرتين ) يا أهل الكتاب تعالوا (
إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ) فلما قرأه أخذه فجعله في حق من عاج وختم عليه

(1/52)


حدثنا عبد الله بن سعيد المذحجي عن ربيعة بن عثمان عن أبان بن صالح قال أرسل المقوقس إلى حاطب ليلة وليس عنده احد إلا ترجمان له فقال ألا تخبرني عن أمور أسألك عنها فإني اعلم ان صاحبك قد تخيرك حين بعثك قلت لا تسألني عن شيء إلا صدقتك قال إلى ما يدعو محمد قال إلى أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتخلع ما سواه ويأمر بالصلاة قال فكم تصلون قال خمس صلوات في اليوم والليلة وصيام شهر رمضان وحج البيت والوفاء بالعهد وينهى عن اكل الميتة والدم قال من اتباعه قلت الفتيان من قومه وغيرهم قال فهل يقتل قومه قلت نعم قال صفه لي قال فوصفته بصفة من صفاته لم آت عليها قال قد بقيت اشياء لم أرك ذكرتها في عينيه حمرة قل ما تفارقه وبين كتفيه خاتم النبوة ويركب الحمار ويلبس الشملة ويجتزي بالثمرات والكسر لا يبالي من لاقى من عم ولا ابن عم قلت هذه صفته قال قد كنت اعلم أن نبيا قد بقي وقد كنت
أظن أن مخرجه الشأم وهناك كانت تخرج الانبياء من قبله فأراه قد خرج في العرب في أرض جهد وبؤس والقبط لا تطاوعني في اتباعه ولا أحب أن يعلم بمحاورتي إياك وسيظهر على البلاد وينزل اصحابه من بعده بساحتنا هذه حتى يظهروا على ما ها هنا وأنا لا اذكر للقبط من هذا حرفا فارجع إلى صاحبك
ثم رجع إلى حديث هشام بن إسحاق قال ثم دعا كاتبا يكتب بالعربية فكتب لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط سلام
أما بعد فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت وما تدعو إليه وقد علمت ان نبيا قد بقي وقد كنت أظن أنه يخرج بالشأم وقد أكرمت رسولك وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم وبكسوه وأهديت إليك بغلة لتركبها والسلام

(1/53)


حدثنا أسد بن موسى قال حدثنا عبد الله بن وهب قال أخبرني يونس بن يزيد عن ابن شهاب بن عبد الرحمن بن عبد القارى ء قال لما مضى حاطب بكتاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قبل المقوقس الكتاب وأكرم حاطبا وأحسن نزله صم سرحه الى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأهدى له مع حاطب كسوة وبغلة بسرجها وجاريتين إحداهما أم إبراهيم ووهب الأخرى لجهم بن قيس العبدري فهي أم زكرياء بن أبي جهم الذي كان خليفة عمرو بن العاص على مصر
ويقال بل وهبها رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لحسان بن ثابت فهي أم عبد الرحمن بن حسان ويقال بل وهبها رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لمحمد بن مسلمة الأنصاري ويقال بل لدحية بن خليفة الكلبي
حدثنا النضر بن سلمة الشامي عن حاتم بن إسماعيل عن أسامة بن زيد
الليثي عن المنذر بن عبيد عن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت عن أمه سيرين قالت حضرت موت إبراهيم فرأيت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كلما صحت أنا وأختي ما ينهانا فلما مات نهانا عن الصياح حدثنا عبد الملك بن هشام قال حدثنا زياد بن عبد الله البكائي عن محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة أن صفوان بن معطل ضرب حسان بن ثابت بالسيف قال ابن اسحاق فحدثني محمد بن إبراهيم التيمي أن ثابت بن فيس بن شماس وثب على صفوان بن المعطل حين ضرب حسان فجمع يده الى عنقه بحبل فلقيه عبد الله بن رواحة فقال ما هذا فقال ضرب حسان بالسيف والله ما أراه إلا قد قتله قال هل علم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بشيء مما صنعت قال لا قال لقد اجترأت اطلق الرجل فأطلقه ثم أتوا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فذكروا ذلك له فدعا حسان وصفوان بن المعطل فقال آذاني يا رسول الله وهجاني فحملني الغضب فضربته فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أحسن يا حسان في الذي قد أصابك قال هو لك فأعطاه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عوضا منه بيرحاء وهو قصر بني حديلة اليوم كان مالا لأبي طلحة بن سهل تصدق به إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأعطاه رسول الله حسانا في ضربته وأعطاه سيرين أمة قبطية فولدت له عبد الرحمن بن حسان بن ثابت

(1/54)


حدثنا هانى ء بن المتوكل قال حدثنا ابن لهيعة قال حدثني يزيد بن أبي حبيب أن المقوقس لما أتاه كتاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ضمه الى صدره وقال هذا زمان يخرج فيه النبي الذي نجد نعته وصفته في كتاب الله تعالى وانا لنجد صفته أنه لا يجمع بين أختين في ملك يمين ولا نكاح وأنه يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة وان جلساءه المساكين وإن خاتم النبوة بين كتفيه ثم دعا رجلا عاقلا ثم لم يدع بمصر أحسن ولا أجمل من مارية وأختها وهما من أهل حفن بفتح أوله وسكون ثانيه ثم بعده نون من كورة أنصنا فبعث بهما الى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأهدى له بغلة شهباء وحمارا أشهب وثيابا من قباطي مصر وعسلا من عسل بنها وبعث إليه بمال صدقة وأمر رسوله أن ينظر من جلساؤه وينظر الى ظهره هل يرى شامة كبيرة ذات شعر ففعل ذلك الرسول فلما قدم على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قدم إليه الأختين والدابتين والعسل والثياب واعلمه أن ذلك كله هدية فقبل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الهدية وكان لا يردها من أحد من الناس
قال فلما نظر الى مارية وأختها اعجبتاه وكره أن يجمع بينهما وكانت إحداهما تشبه الأخرى فقال اللهم اختر لنبيك فاختار الله له مارية وذلك أنه قال لهما قولا نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فبدرت مارية فتشهدت وآمنت قبل أختها ومكثت اختها ساعة ثم تشهدت وآمنت فوهب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} اختها لمحمد بن مسلمة الانصاري وقال
بعضهم بل وهبها لدحية بن خليفة الكلبي

(1/55)


حدثنا هاني بن المتوكل قال حدثنا عبد الله بن لهيعة عن يزيد بن ابي حبيب عن عبد الرحمن بن شماسة المهري أحسبه عن عبد الله بن عمرو قال دخل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} على أم إبراهيم أم ولده القبطية فوجد عندها نسيبا لها كان قدم معها من مصر وكان كثيرا ما يدخل عليها فوقع في نفسه شيء فرجع فلقيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فعرف ذلك في وجهه فسأله فأخبره فأخذ عمر السيف ثم دخل على مارية وقريبها عندها فأهوى إليه بالسيف فلما رأى ذلك كشف عن نفسه وكان مجبوبا ليس بين رجليه شيء فلما رآه عمر رجع إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأخبره فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أن جبريل أتاني فأخبرني أن الله عز وجل قد برأها وقريبها وأن في بطنها غلاما مني وأنه اشبه الخلق بي وأمرني أن أسميه إبراهيم وكناني بأبي إبراهيم
حدثنا دحيم عبد الرحمن بن إبراهيم قال حدثنا ابن وهب عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن الزهري عن أنس قال لما ولدت أم إبراهيم إبراهيم كأنه وقع في نفس النبي {صلى الله عليه وسلم} منه شيء حتى جاءه جبريل عليه السلام فقال السلام عليك يا أبا إبراهيم ويقال أن المقوقس بعث معها بخصي فكان يأوي إليها
حدثنا أبو الحارث احمد بن سعيد الفهري قال حدثنا مروان بن

(1/56)


يحيى الحاطبي قال حدثني إبراهيم بن عبد الرحمن بن أدعج قال حدثني عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه قال حدثني يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه عن جده حاطب بن أبي بلتعة قال بعثني رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى المقوقس ملك الإسكندرية فجئته بكتاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأنزلني في منزل وأقمت عنده ليالي ثم بعث إلي وقد جمع بطارقته فقال إني سأكلمك بكلام وأحب أن تفهمه عني قلت هلم قال أخبرني عن صاحبك أليس هو بنبي قلت بلى هو رسول الله قال فما له حيث كان هكذا لم يدع على قومه حيث أخرجوه من بلده إلى غيرها قال فقلت له فعيسى بن مريم تشهد أنه رسول الله فما له حيث أخذه قومه فأرادوا أن يصلبوه أن لا يكون دعا عليهم بأن يهلكهم الله حتى رفعه الله إليه في سماء الدنيا فقال أنت حكيم جاء من عند حكيم هذه هدايا أبعث بها معك إلى محمد وأرسل معك مبذرقة يبذرقونك إلى مأمنك فأهدى لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} ثلاث جوار منهن أم إبراهيم وواحدة وهبها رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لأبي جهم بن حذيفة العدوي وواحدة وهبها لحسان بن ثابت وأرسل إليه بثياب مع طرف من طرفهم فولدت مارية لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} إبراهيم فكان من أحب الناس إليه حتى مات فوجد به رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
حدثنا عبد الملك بن مسلمة قال حدثنا حفص بن سليمان عن كثير بن
شنظير عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} صلى على ابنه إبراهيم وكبر عليه أربعا
قال ورش الماء على قبره كما حدثنا ابن بكير قال حدثنا عبد الملك بن مسلمة قال حدثنا قريش بن حيان عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال دخلنا مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} على أبي سيف حين كان بالمدينة وكان ظئر إبراهيم ابن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأتاه بإبراهيم فشمه ثم دخلنا عليه وهو في الموت فذرف عيناه فقال له ابن عوف وأنت يا رسول الله قال إنها رحمة واتبعها بالاخرى تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما لا يرضي ربنا

(1/57)


حدثنا أبي عبدالله بن عبدالحكم قال حدثنا مسلم بن خالد الزنجي عن عبدالله بن عثمان بن خثيم عن شهر بن حوشب عن أسماء ابنة يزيد أنها حدثته قالت لما توفي إبراهيم بكى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال أبو بكر وعمر أنت أحق من علم لله حقه قال تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب ولولا أنه وعد صادق وموعد جامع وأن الآخر منا يتبع الأول لوجدنا عليك يا إبراهيم أشد مما وجدنا وإنا بك لمحزونون
حدثنا علي بن معبد قال حدثنا عيسى بن يونس عن محمد بن أبي ليلى عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال أخذ
رسول الله بيد عبد الرحمن بن عوف فانطلق به إلى النخل الذي فيه ابنه إبراهيم فوجده يجود بنفسه فأخذه فوضعه في حجره ثم بكى فقال له عبد الرحمن بن عوف تبكي أو لم تكن نهيت عن البكاء قال لا ولكني نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوت عند مصيبة خمش وجوه وشق جيوب ورنة شيطان وصوت عند نغمة لهو ومزامير شيطان وهذه رحمة ومن لا يرحم لا يرحم ولولا أنه أمر حق ووعد صدق وأنها سبيل مأتية لحزنا عليك حزنا هو أشد من هذا وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون يحزن القلب وتدمع العين ولا نقول ما يسخط الرب
حدثنا النضر بن سلمة قال حدثنا إبراهيم بن عبد الرحمن الشامي قال حدثنا حاتم بن إسماعيل قال حدثنا أسامة بن زيد عن المنذر بن عبيد عن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت عن أمه سيرين أخت مارية القبطية قالت رأى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فرجة في القبر يعني قبر إبراهيم فأمر بها فسدت فقيل يا رسول الله فقال أما أنها لا تضر ولا تنفع ولكن تقر بها عين الحي وإن العبد إذا عمل عملا أحب الله أن يتقنه
حدثنا دحيم قال حدثنا مروان بن معاوية عن اسرائيل عن زياد بن علاقة عن المغيرة بن شعبة قال كسفت الشمس يوم مات إبراهيم ابن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقام رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يكسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتموهما فعليكم بالدعاء حتى ينكشفا

(1/58)


قال ولما ولدت أم ابراهيم كما حدثنا القعنبي عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس عن عكرمة عن ابن عباس قال لما ولدت مارية قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أعتقها ولدها وكان سن إبراهيم بن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يوم مات كما حدثنا علي بن معبد عن عيسى بن يونس عن الأعمش عن رجل
قد سماه عن ابيه عن البراء بن عازب ستة عشر شهرا فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إن له ظئرا في الجنة يتم رضاعه حدثنا يزيد بن أبي سلمة عن عبد الواحد بن زياد قال حدثنا الحجاج بن أرطأة عن أبي بكر بن عمرو عن يزيد بن البراء عن أبيه قال لما توفي إبراهيم قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إن له مرضعا في الجنة يتم بقية رضاعه ثم رجع إلى حديث يزيد بن أبي حبيب قال وكانت البغلة والحمار أحب دوابه إليه وسمى البغلة دلدل وسمى الحمار يعفور وأعجبه العسل فدعا في عسل بنها بالبركة وبقيت تلك الثياب حتى كفن في بعضها {صلى الله عليه وسلم}
حدثنا محمد بن عبد الجبار قال حدثنا موسى بن داود عن سلام عن عبد الملك بن عبد الرحمن عن الحسن العربي عن الأشعث بن طليق عن مرة بن المطلب أو الطيب عن عبد الله بن مسعود قال حدثنا عبد الملك بن مسلمة قال حدثنا القاسم بن عبد الله عن عبيد الله بن عمر عن الثقة عن ابن مسعود قال قلنا يا رسول الله فيما نكفنك قال في ثيابي هذه أو في ثياب مصر قال محمد بن عبد الجبار في حديثه أو في ثياب مصر أو في حلة قال أحدهما أو في يمنة قال ابن أبي مريم قال ابن لهيعة وكان اسم أخت مارية قيصرا ويقال بل كان اسمها سيرين
وحدثنا عبد الملك بن مسلمة قال حدثنا ابن لهيعة عن الأعرج قال بعث المقوقس صاحب الإسكندرية بمارية وأختها حنة فأسكنها رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في صدقته في بني قريظة

(1/59)


حدثنا هاني بن المتوكل قال حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب وابن هبيرة أن الحسن بن علي كلم معاوية بن أبي سفيان في أن يضع الجزية عن جميع قرية أم إبراهيم لحرمتها ففعل ووضع الخراج عنهم فلم يكن على أحد منهم خراج وكان جميع أهل القرية من أهلها وأقربائها فانقطعوا إلا بيتا واحدا قد بقي منهم أناس
حدثنا عبد الملك بن مسلمة قال حدثنا إسماعيل بن عياش عن أبي بكر بن أبي مريم عن راشد بن سعد أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال لو بقي إبراهيم ما تركت قبطيا إلا وضعت عنه الجزية وكانت وفاة مارية في المحرم سنة خمس عشرة ودفنت بالبقيع وصلى عليها عمر بن الخطاب وكان الرسول بها من قبل المقوقس كما حدثنا عبد الملك بن مسلمة ابن جبر ثم أن أبا بكر الصديق بعد وفاة رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كما حدثنا عبد الملك بن مسلمة عن ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد عن علي بن رياح اللخمي بعث حاطبا إلى المقوقس بمصر فمر على ناحية من قرى الشرقية فهادنهم وأعطوه فلم يزالوا على ذلك حتى دخلها عمرو بن العاص فقاتلوه فانتقض ذلك العهد قال عبد الملك وهي أول هدنة كانت بمصر
قال ابن هشام اسم أبي بلتعة عمرو بن حاطب اللخمي وفي ذلك يقول حسان بن ثابت كما حدثنا وثيمة بن موسى من الخفيف
قل لرسل النبي صاح إلى الناس شجاع ودحية بن خليفه
ولعمرو وحاطب وسليط ولعمرو وذاك رأس الصحيفه
في ابيات ذكر فيها رسل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى الملوك
عمرو بن العاص ومصر
قال ثم رجع إلى حديث عثمان بن صالح قال فلما كانت سنة ثماني عشرة وقدم عمر رضي الله عنه الجابية خلا به عمرو بن العاص فاستأذنه في المسير إلى مصر وكان عمرو قد دخل مصر في الجاهلية وعرف طرقها ورأى كثرة ما فيها

(1/60)


وكان سبب دخول عمرو إياها كما حدثنا يحيى بن خالد العدوي عن ابن لهيعة ويحيى بن أيوب عن خالد بن يزيد أنه بلغه أن عمرا قدم إلى بيت المقدس لتجارة في نفر من قريش فإذا هم بشماس من شمامسة الروم من أهل الإسكندرية قدم للصلاة في بيت المقدس فخرج في بعض جبالها يسبح وكان عمرو يرعى إبله وإبل أصحابه وكانت رعية الإبل نوبا بينهم فبينما عمرو يرعى إبله إذ مر به ذلك الشماس وقد أصابه عطش شديد في يوم الحر فوقف على عمرو فاستسقاه فسقاه عمرو من قربة

(1/61)


له فشرب حتى روى ونام الشماس مكانه وكانت إلى جنب الشماس حيث نام حفرة فخرجت منها حية عظيمة فبصر بها عمرو فنزع لها بسهم فقتلها فلما استيقظ الشماس نظر إلى حية عظيمة قد أنجاه الله منها فقال لعمرو ما هذه فأخبره عمرو أنه رماها فقتلها فأقبل إلى عمرو فقبل رأسه وقال قد أحياني الله بك مرتين مرة من شدة العطش ومرة من هذه الحية فما أقدمك هذه البلاد قال قدمت مع أصحاب لي نطلب الفضل في تجارتنا فقال له الشماس وكم تراك ترجو أن تصيب في تجارتك قال رجائي أن أصيب ما اشتري به بعيرا فإني لا أملك إلا بعيرين فأملي أن أصيب بعيرا آخر فتكون لي ثلاثة أبعرة فقال له الشماس أرأيت دية أحدكم بينكم كم هي قال مائة من الإبل قال له الشماس لسنا أصحاب إبل إنما نحن أصحاب دنانير قال يكون ألف دينار فقال له الشماس إني رجل غريب في هذه البلاد وإنما قدمت أصلي في كنيسة بيت المقدس وأسبح في هذه الجبال شهرا جعلت ذلك نذرا على نفسي وقد قضيت ذلك وأنا أريد الرجوع إلى بلادي فهل لك أن تتبعني إلى بلادي ولك عهد الله وميثاقه أن أعطيك ديتين لأن الله عز وجل أحياني بك مرتين فقال له عمرو وأين بلادك قال مصر في مدينة يقال لها الإسكندرية فقال له عمرو لا أعرفها ولم ادخلها قط فقال له الشماس لو دخلتها لعلمت أنك لم تدخل قط مثلها فقال عمرو وتفي لي بما تقول و عليك بذلك العهد والميثاق فقال له الشماس نعم لك الله علي بالعهد والميثاق أن أفي لك وأن أردك إلى أصحابك فقال عمرو وكم

(1/62)


يكون مكثي في ذلك قال شهرا تنطلق معي ذاهبا عشرة أيام وتقيم عندنا عشرا وترجع في عشر ولك علي أن احفظك ذاهبا وأن أبعث معك من يحفظك راجعا فقال له عمرو أنظرني حتى أشاور أصحابي في ذلك فانطلق عمرو إلى أصحابه فأخبرهم بما عاهده عليه الشماس وقال لهم تقيموا علي حتى أرجع إليكم ولكم علي العهد أن أعطيكم شطر ذلك على أن يصحبني رجل منكم آنس به فقالوا نعم وبعثوا معه رجلا منهم فانطلق عمرو وصاحبه مع الشماس إلى مصر حتى انتهى إلى الإسكندرية فرأى عمرو من عمارتها وكثرة أهلها وما بها من الأموال والخير فأعجبه ذلك وقال ما رأيت مثل مصر قط وكثرة ما فيها من الأموال ونظر إلى الإسكندرية وعمارتها وجودة بنائها وكثرة أهلها وما بها من الأموال فازداد عجبا ووافق دخول عمرو الإسكندرية عيدا فيها عظيما يجتمع فيه ملوكهم وأشرافهم ولهم أكرة من ذهب مكللة يترامى بها ملوكهم وهم يتلقونها بأكمامهم وفيما اختبروا من تلك الأكرة على ما وضعها من مضى منهم انها من وقعت الأكرة في كمه واستقرت فيه لم يمت حتى يملكهم فلما قدم عمرو الإسكندرية أكرمه الشماس الإكرام كله وكساه ثوب ديباج ألبسه إياه وجلس عمرو والشماس مع الناس في ذلك المجلس حيث يترامون بالأكرة وهم يتلقونها بأكامهم فرمى بها رجل منهم فأقبلت تهوي حتى وقعت في كم عمرو فعجبوا من ذلك وقالوا ما
كذبتنا هذه الأكرة قط إلا هذه المرة أترى هذا الأعرابي يملكنا هذا ما لا يكون ابدا

(1/63)


وإن ذلك الشماس مشى في أهل الإسكندرية وأعلمهم أن عمرا أحياه مرتين وأنه قد ضمن له ألفي دينار وسألهم أن يجمعوا له ذلك فيما بينهم ففعلوا ذلك ودفعوها الى عمرو فانطلق عمرو وصاحبه وبعث معهما الشماس دليلا ورسولا وزودهما وأكرمهما حتى رجع وصاحبه إلى أصحابهما فبذلك عرف عمرو مدخل مصر ومخرجها ورأى منها ما علم أنها أفضل البلاد وأكثرها مالا فلما رجع عمرو إلى أصحابه دفع إليهم فيما بينهم ألف دينار وأمسك لنفسه ألفا قال عمرو وكان أول مال اعتقدته وتأثلته
فتح مصر
حدثنا عثمان بن صالح قال حدثنا ابن لهيعة عن عبيدالله بن أبي جعفر وعياش بن عباس القتباني وغيرهما يزيد بعضهم على بعض قالوا فلما قدم عمر بن الخطاب رضي الله عنه الجابية قام إليه عمرو فخلا به
وقال يا أمير المؤمنين إيذن لي أن أسير إلى مصر وحرضه عليها وقال إنك إن فتحتها كانت قوة للمسلمين وعونا لهم وهي أكثر الأرض أموالا وأعجزها عن القتال والحرب فتخوف عمر بن الخطاب على المسلمين وكره ذلك فلم يزل عمرو يعظم أمرها عند عمر بن الخطاب ويخبره بحالها ويهون عليه فتحها حتى ركن عمر لذلك فعقد له على أربعة آلاف رجل كلهم من عك ويقال بل ثلاثة آلاف وخمس مائة

(1/64)


حدثنا أبو الأسود النضر بن عبد الجبار قال حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن عمرو بن العاص دخل مصر بثلاثة آلاف وخمس مائة حدثنا عبد الملك بن مسلمة عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب مثله إلا أنه قال ثلثهم من غافق ثم رجع إلى حديث عثمان وغيره قال فقال له عمر سر وأنا مستخير الله في مسيرك وسيأتيك كتابي سريعا إن شاء الله تعالى فإن أدركك كتابي آمرك فيه بالإنصراف عن مصر قبل أن تدخلها أو شيئا من أرضها فانصرف وإن أنت دخلتها قبل أن يأتيك كتابي فامض لوجهك واستعن بالله واستنصره فسار عمرو بن العاص من جوف الليل ولم يشعر به أحد من الناس واستخار عمر الله فكأنه تخوف على المسلمين في وجههم ذلك فكتب إلى عمرو بن العاص يأمره أن ينصرف بمن معه من المسلمين فأدرك الكتاب عمرا وهو برفح فتخوف عمرو بن العاص إن هو أخذ الكتاب وفتحه أن يجد فيه الانصراف كما عهد إليه عمر فلم يأخذ الكتاب من الرسول ودافعه وسار كما هو حتى نزل قرية فيما بين رفح والعريش فسأل عنها فقيل إنها من أرض مصر فدعا بالكتاب فقرأه على المسلمين فقال عمرو لمن معه ألستم تعلمون أن هذه القرية من مصر
قالوا بلى قال فإن أمير المؤمنين عهد إلي وأمرني إن لحقني كتابه ولم أدخل أرض مصر أن أرجع ولم يلحقني كتابه حتى دخلنا أرض مصر فسيروا وامضوا على بركة الله وعونه ويقال بل كان عمرو بفلسطين فتقدم بأصحابه إلى مصر بغير إذن فكتب فيه إلى عمر فكتب إليه عمر وهو دون العريش فحبس الكتاب فلم يقرأه حتى بلغ العريش فقرأه فإذا فيه من عمر بن الخطاب إلى العاص بن العاص أما بعد فإنك سرت إلى مصر ومن معك وبها جموع الروم وإنما معك نفر يسير ولعمري لو كان ثكل أمك ما سرت بهم فإن لم تكن بلغت مصر فارجع فقال عمرو الحمد لله أية أرض هذه قالوا من مصر فتقدم كما هو

(1/65)


حدثنا ذلك عثمان بن صالح عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب ويقال بل كان عمرو في جنده على قيسارية مع من كان بها من أجناد المسلمين وعمر بن الخطاب رضي الله عنه إذ ذاك بالجابية فكتب سرا فاستأذن إلى مصر وأمر أصحابه فتنحوا كالقوم الذين يريدون أن يتنحوا من منزل الى منزل قريب ثم سار بهم ليلا فلما فقده أمراء الأجناد استنكروا الذي فعل ورأوا أن قد غرر فرفعوا ذلك الى عمر بن الخطاب فكتب إليه عمر إلى العاص بن العاص أما بعد فإنك قد غررت بمن معك فإن أدركك كتابي ولم تدخل مصر فارجع وإن أدركك وقد دخلت مصر فامض واعلم أني ممدك
فيما حدثنا عبد الملك بن مسلمة ويحيى بن خالد عن الليث بن سعد قال ويقال أن عمر بن الخطاب كتب إلى عمرو بن العاص بعد ما فتح الشأم أن اندب الناس إلى المسير معك إلى مصر فمن خف معك فسر به وبعث به مع شريك بن عبدة فندبهم عمرو فأسرعوا إلى الخروج مع عمرو ثم إن عثمان بن عفان رضي الله عنه دخل على عمر بن الخطاب فقال عمر كتبت إلى عمرو بن العاص يسير إلى مصر من الشأم فقال عثمان يا أمير المؤمنين إن عمرا لمجرؤ وفيه إقدام وحب للإمارة فأخشى أن يخرج من غير ثقة ولا جماعة فيعرض المسلمين للهلكة رجاء فرصة لا يدرى تكون أم لا فندم عمر بن الخطاب على كتابه إلى عمرو إشفاقا مما قال عثمان فكتب إليه إن أدركك كتابي قبل أن تدخل مصر فارجع إلى موضعك وإن كنت دخلت فامض لوجهك
عمرو بن العاص
وكانت صفة عمرو بن العاص كما حدثنا سعيد بن عفير عن الليث بن سعد قصيرا عظيم الهامة ناتيء الجبهة واسع الفم عظيم اللحية عريض ما بين المنكبين عظيم الكفين والقدمين
قال قال الليث يملأ هذا المسجد قال لما بلغ المقوقس قدوم عمرو بن العاص إلى مصر توجه إلى الفسطاط فكان يجهز على عمرو

(1/66)


الجيوش وكان على القصر رجل من الروم يقال له الأعيرج واليا عليه وكان تحت يدي المقوقس وأقبل عمرو حتى إذا كان بجبل الحلال نفرت معه راشدة وقبائل من لخم فتوجه عمرو حتى إذا كان بالعريش أدركه النحر
حدثنا عبد الملك بن مسلمة قال حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب قال فضحى عمرو عن أصحابه يومئذ بكبش وكان رجل ممن كان خرج مع عمرو بن العاص حين خرج من الشأم إلى مصر كما حدثنا هانى ء بن التوكل عن أبي شريح عن عبد الكريم بن الحارث أصيب بجمل له فأتى إلى عمرو يستحمله فقال عمرو تحمل مع أصحابك حتى تبلغ أوائل العامر فلما بلغوا العريش جاءه فأمر له بجملين ثم قال له لن تزالوا بخير ما رحمتكم ائمتكم فإذا لم يرحموكم هلكتم وهلكوا
قال ثم رجع إلى حديث عثمان بن صالح قال فقدم عمرو بن العاص فكان أول موضع قوتل فيه الفرما قاتلته الروم قتالا شديدا نحوا من شهر ثم فتح الله على يديه وكان عبد الله بن سعد كما حدثنا سعيد بن عفير على ميمنة عمرو بن العاص منذ توجه من قيسارية إلى أن فرغ من حربه وقال غير ابن عفير من مشايخ أهل مصر وكان بالإسكندرية
أسقف للقبط يقال له أبو ميامين فلما بلغه قدوم عمرو بن العاص إلى مصر كتب إلى القبط يعلمهم أنه لا تكون للروم دولة وأن ملكهم قد انقطع ويأمرهم بتلقي عمرو فيقال أن القبط الذين كانوا بالفرما كانوا يومئذ لعمرو أعوانا
قال عثمان في حديثه ثم توجه عمرو لا يدافع إلا بالأمر الخفيف حتى نزل القواصر

(1/67)


حدثنا عبد الله بن مسلمة قال حدثنا ابن وهب قال حدثنا عبد الرحمن بن شريح أنه سمع شراحيل بن يزيد يحدث عن أبي الحسين أنه سمع رجلا من لخم يحدث كريب بن أبرهة قال كنت أرعى غنما لأهلي بالقواصر فنزل عمرو ومن معه فدنوت إلى أقرب منازلهم فإذا بنفر من القبط فكنت قريبا منهم فقال بعضهم لبعض ألا تعجبون من هؤلاء القوم يقدمون على جموع الروم وإنما هم في قلة من الناس فأجابه رجل آخر منهم فقال إن هؤلاء القوم لا يتوجهون إلى أحد إلا ظهروا عليه حتى يقتلوا أخيرهم قال فقمت إليه فأخذت بتلابيبه فقلت أنت تقول هذا انطلق معي إلى عمرو بن العاص حتى يسمع الذي قلت فطلب إلي أصحابه وغيرهم حتى خلصوه فرددت الغنم إلى منزلي ثم جئت حتى دخلت في القوم
قال عثمان في حديثه فتقدم عمرو لا يدافع إلا بالأمر الخفيف حتى
أتى بلبيس فقاتلوه بها نحوا من شهر حتى فتح الله عليه ثم مضى لا يدافع إلا بالأمر الخفيف حتى أتى أم دنين فقاتلوه بها قتالا شديدا وأبطأ عليه الفتح فكتب إلى عمر يستمده فأمده بأربعة آلاف تمام ثمانية آلاف فقاتلهم
ثم رجع إلى حديث ابن وهب عن عبد الرحمن بن شريح عن شراحيل بن يزيد عن أبي الحسين أنه سمع رجلا من لخم قال فجاء رجل الى عمرو بن العاص فقال اندب معي خيلا حتى آتي من ورائهم عند القتال فأخرج معه خمس مائة فارس فساروا من وراء الجبل حتى دخلوا مغار بني وائل قبل الصبح وكانت الروم قد خندقوا خندقا وجعلوا له أبوابا وبثوا في أفنيتها حسك الحديد فالتقى القوم حين أصبحوا وخرج اللخمي بمن معه من ورائهم فانهزموا حتى دخلوا الحصن
قال غير ابن وهب بعث خمس مائة عليهم خارجة بن حذافة قال فلما كان في وجه الصبح نهض القوم فصلوا الصبح ثم ركبوا خيلهم وغدا عمرو بن العاص على القتال فقاتلهم من وجههم وحملت الخيل التي كان وجه من ورائهم واقتحمت عليهم فانهزموا وكانوا قد خندقوا حول الحصن وجعلوا للخندق أبوابا

(1/68)


قال ابن وهب في حديثه عن عبدالرحمن بن شريح فسار عمرو بمن
معه حتى نزل على الحصن فحاصرهم حتى سألوه أن يسير منهم بضعة عشر أهل بيت ويفتحوا له الحصن ففعل ذلك ففرض عليهم عمرو لكل رجل من أصحابه دينارا وجبة وبرنسا وعمامة وخفين وسألوه أن يأذن لهم أن يهيؤا له ولأصحابه صنيعا ففعل فحدثني أبي عبد الله بن عبد الحكم أن عمرو بن العاص أمر أصحابه فتهيؤا ولبسوا البرود ثم اقبلوا
قال ابن وهب في حديثه فلما فرغوا من طعامهم سألهم عمرو كم أنفقتم قالوا عشرين ألف دينار قال عمرو لا حاجة لنا بصنيعكم بعد اليوم أدوا إلينا عشرين ألف دينار فجاءه النفر من القبط فاستأذنوه إلى قراهم وأهلهم فقال لهم عمرو كيف رأيتم أمرنا قالوا لم نر إلا حسنا فقال الرجل الذي قال في المرة الأولى ما قال لهم إنكم لن تزالوا تظهروا على من لقيتم حتى تقتلوا خيركم رجلا فغضب عمرو وأمر به فطلب إليه أصحابه وأخبروه أنه لا يدري ما يقول حتى خلصوه فلما بلغ عمرا قتل عمر بن الخطاب أرسل في طلب ذلك القبطي فوجده قد هلك فعجب عمرو من قوله
قال غير ابن وهب قال عمرو بن العاص فلما طعن عمر بن لخطاب قلت هو ما قال القبطي فلما حدثت أنه إنما قتله أبو لؤلؤة رجل نصراني قلت لم يعن هذا إنما عني من قتله المسلمون فلما قتل عثمان عرفت أن ما قال الرجل حق
قال أبي في حديثه فلما فرغوا من صنيعهم أمر عمرو بن العاص بطعام فصنع لهم وأمرهم أن يحضروا لذلك فصنع لهم الثريد والعراق وأمر أصحابه بلباس الأكسية واشتمال الصماء والقعود على الركب فلما حضرت الروم وضعوا كراسي الديباج فجلسوا عليها وجلست العرب إلى
جوانبهم فجعل الرجل من العرب يلتقم اللقمة العظيمة من الثريد وينهش من ذلك اللحم فيتطاير على من إلى جنبه من الروم فبشعت الروم بذلك وقالوا أين أولئك الذين كانوا أتونا قبل فقيل لهم أولئك أصحاب المشورة وهؤلاءأصحاب الحرب وقد سمعت في فتح القصر وجها غير هذا

(1/69)


حدثنا عثمان بن صالح قال حدثنا ابن لهيعة عن عبيد الله بن أبي جعفر وعياش بن عباس وغيرهما يزيد بعضهم على بعض أن عمرو بن العاص حصرهم بالقصر الذي يقال له باب اليون حينا وقاتلهم قتالا شديدا يصبحهم ويمسيهم فلما أبطأ عليه الفتح كتب إلى عمر بن الخطاب يستمده ويعلمه بذلك فأمده بأربعة آلاف رجل على كل ألف رجل منهم رجل وكتب إليه عمر بن الخطاب إني قد أمددتك بأربعة آلاف رجل على كل ألف رجل منهم رجل مقام الألف الزبير بن العوام والمقداد بن عمرو وعبادة بن الصامت ومسلمة بن مخلد وقال آخرون بل خارجة بن حذافة الرابع لا يعدون مسلمة وقال عمر بن الخطاب إعلم أن معك اثنا عشر ألفا ولا تغلب اثني عشر ألفا من قلة
قال عثمان قال ابن وهب فحدثني الليث بن سعد قال بلغني عن كسرى أنه كان له رجال إذا بعث أحدهم في جيش وضع من عدة الجيش الذي كان معه ألفا مكانه لإجزاء ذلك الرجل في الحرب وإذا احتاج إلى أحدهم وكان في جيش فحبسه لحاجته إليه زادهم ألف رجل قال الليث فأنزلت الذي صنع عمر بن الخطاب في بعثته بالزبير بن العوام والمقداد ومن
بعث معهما نحو ما كان يصنع كسرى حدثنا أبو الأسود النضر بن عبد الجبار قال حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب قال كان عمر بن الخطاب قد أشفق على عمرو فأرسل الزبير في أثره في اثني عشر ألفا فشهد معه الفتح
حدثنا عبد الملك بن مسلمة قال حدثنا ابن وهب عن عمرو بن الحارث وابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن عمر بن الخطاب بعث الزبير بن العوام في اثني عشر ألفا

(1/70)


وقال غير عثمان فكانوا قد خندقوا حول حصنهم وجعلوا للخندق أبوابا وجعلوا سكك الحديد موتدة بأفنية الأبواب وكان عمرو قد قدم من الشأم في عدة قليلة فكان يفرق أصحابه ليرى العدو أنهم أكثر مما هم فلما انتهى إلى الخندق نادوه أن قد رأينا ما صنعت وإنما معك من أصحابك كذا وكذا فلم يخطئوا برجل واحد فأقام عمرو على ذلك أياما يغدوا في السحر فيصف أصحابه على أفواه الخندق عليهم السلاح فبينما هو على ذلك إذ جاءه خبر الزبير بن العوام قدم في اثني عشر ألفا فتلقاه عمرو ثم اقبلا يسيران ثم لم يلبث الزبير أن ركب ثم طاف بالخندق ثم فرق الرجال حول الخندق ثم رجع إلى حديث عثمان بن صالح عن ابن لهيعة قال فلما قدم المدد على عمرو بن العاص الح على القصر ووضع عليه المنجنيق وقال عمرو يومئذ من الرجز
يوم لهمدان ويوم للصدف
والمنجنيق في بلي تختلف
وعمرو يرقل ارقال الخزف
وكان عمرو إنما يقف تحت راية بلي فيما يزعمون وقد كان عمرو بن العاص كما اخبرني شيخ من اهل مصر قد دخل الى صاحب الحصن فتناظرا في شيء مما هم فيه فقال له عمرو اخرج استشير اصحابي وقد كان صاحب الحصن اوصى الذي على الباب اذا مر به عمرو ان يلقي عليه صخرة فيقتله فمر عمرو وهو يريد الخروج برجل من العرب فقال له قد دخلت فانظر كيف تخرج فرجع عمرو إلى صاحب الحصن فقال له اني اريد ان آتيك بنفر من اصحابي حتى يسمعوا منك مثل الذي سمعت فقال العلج في نفسه قتل جماعة أحب الي من قتل واحد فأرسل إلى الذي كان امره بما أمره به من قتل عمرو أن لا يتعرض له رجاء أن يأتيه بأصحابه فيقتلهم وخرج عمرو هذا أو معناه

(1/71)


حدثنا عيسى بن حماد قال لما حصر المسلمون الحصن كان عبادة بن الصامت في ناحية يصلي وفرسه عنده فرآه قوم من الروم فخرجوا إليه وعليهم حلية وبزة فلما دنوا منه سلم من صلاته ووثب على فرسه ثم حمل عليهم فلما رأوه غير مكذب عنهم ولوا راجعين واتبعهم فجعلوا يلقون مناطقهم ومتاعهم ليشغلوه بذلك عن طلبهم ولا يلتفت إليه حتى دخلوا الحصن ورمي عبادة من فوق الحصن بالحجارة فرجع ولم يتعرض لشيء مما كانوا طرحوا من متاعهم حتى رجع إلى موضعه الذي كان به فاستقبل الصلاة وخرج الروم إلى متاعهم يجمعونه
حدثنا أبو الأسود النضر بن عبد الجبار قال حدثنا المفضل بن فضالة قال أخبرنا عياش بن عباس القتباني عن شييم بن بيتان عن شيبان بن أمية عن رويفع بن ثابت قال كان أحدنا في زمان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يأخذ نصل
أخيه على أن يعطيه النصف مما يغنم وله النصف حتى أن أحدنا ليصير له النصل والريش وللآخر القدح وأن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال من استنجى برجيع دابته أو بعظم فإن محمدا منه بريء قال عياش بن عباس أخبرني شييم بن بيتان عن أبي سالم الجيشاني أنه سمع عبد الله بن عمرو وهو مرابط حصن باب اليون يحدث عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بهذ الحديث
قال عثمان في حديثه فلما أبطأ الفتح على عمرو بن العاص قال الزبير إني أهب نفسي لله أرجو أن يفتح الله بذلك على المسلمين فوضع سلما إلى جانب الحصن من ناحية سوق الحمام ثم صعد وأمرهم إذا سمعوا تكبيره أن يجيبوه جميعا قال غير عثمان فما شعروا إلا والزبير على رأس الحصن يكبر ومعه السيف وتحامل الناس على السلم حتى نهاهم عمرو خوفا من ان ينكسر

(1/72)


ثم رجع إلى الحديث عثمان وغيره قال فلما اقتحم الزبير وتبعه من تبعه وكبر وكبر من معه وأجابهم المسلمون من خارج فلم يشك أهل الحصن أن العرب قد اقتحموا جميعا فهربوا فعمد الزبير وأصحابه إلى باب الحصن ففتحوه واقتحم المسلمون الحصن فلما خاف المقوقس على نفسه ومن معه فحينئذ سأل عمرو بن العاص الصلح ودعاه إليه على أن يفرض للعرب على القبط على كل رجل منهم دينارين فأجابه عمرو إلى ذلك
حدثنا سعيد بن عفير قال وصعد مع الزبير الحصن محمد بن مسلمة
ومالك بن أبي سلسلة السلامي ورجال من بني حرام وأن شراحيل بن حجية المرادي نصب سلما آخر من ناحية زقاق الزمامرة اليوم فصعد عليه فكان بين الزبير رحمه الله وبين شراحيل شيء على باب أو مدخل فكأن شراحيل نال من الزبير بعض ما كره فبلغ ذلك عمرا بن العاص فقال له استقد منه إن شئت فقال الزبير أمن نغفة من نغف اليمن استقيد يا بن النابغة
صفة الزبير
وكانت صفة الزبير بن العوام كما حدثنا هشام بن إسحاق فيما يزعمون أبيض حسن القامة ليس بالطويل قليل شعر اللحية أهلب كثير شعر الجسد
وكان مكثهم كما حدثنا عثمان بن صالح عن عبد الله بن وهب عن الليث بن سعد على باب القصر حتى فتحوه سبعة أشهر وقد سمعت في فتح القصر وجها آخر مخالفا للحديثين جميعا والله أعلم
حدثنا عثمان بن صالح قال أخبرنا خالد بن نجيح عن يحيى بن أيوب وخالد بن حميد قالا حدثنا خالد بن يزيد عن جماعة من التابعين يزيد بعضهم على بعض أن المسلمين لما حاصروا باب اليون وكان به جماعة
من الروم وأكابر القبط ورؤسائهم وعليهم المقوقس فقاتلوهم بها شهرا فلما رأى القوم الجد منهم على فتحه والحرص ورأوا من صبرهم على القتال ورغبتهم فيه خافوا أن يظهروا عليهم فتنحى المقوقس وجماعة من أكابر القبط وخرجوا من باب القصر القبلي ودونهم جماعة يقاتلون العرب فلحقوا بالجزيرة موضع الصناعة اليوم وأمروا بقطع الجسر وذلك في جرى النيل

(1/73)


وزعم بعض مشايخ أهل مصر أن الأعيرج كان تخلف في الحصن بعد المقوقس فلما خاف فتح الحصن ركب هو وأهل القوة والشرف وكانت سفنهم ملصقة بالحصن ثم لحقوا بالمقوقس بالجزيرة ثم رجع إلى حديث يحيى بن أيوب وخالد بن حميد قالا فأرسل المقوقس إلى عمرو بن العاص
إنكم قوم قد ولجتم في بلادنا والححتم على قتالنا وطال مقامكم في أرضنا وإنما أنتم عصبة يسيرة وقد أظلتكم الروم وجهزوا إليكم ومعهم من العدة والسلاح وقد أحاط بكم هذا النيل وإنما أنتم أسارى في أيدينا فابعثوا إلينا رجالا منكم نسمع من كلامهم فلعله أن يأتي الأمر فيما بيننا وبينكم على ما تحبون ونحب وينقطع عنا وعنكم هذا القتال قبل أن يغشاكم جموع الروم فلا ينفعنا الكلام ولا نقدر عليه ولعلكم أن
تندموا إن كان الأمر مخالفا لطلبتكم ورجائكم فابعثوا إلينا رجالا من أصحابكم نعاملهم على ما نرضى نحن وهم به من شى ء فلما أتت عمرو بن العاص رسل المقوقس حبسهم عنده يومين وليلتين حتى خاف عليهم المقوقس فقال لأصحابه أترون أنهم يقتلون الرسل ويحبسونهم ويستحلون ذلك في دينهم وإنما أراد عمرو بذلك أن يروا حال المسلمين فرد عليهم عمرو مع رسله
إنه ليس بيني وبينكم إلا إحدى ثلاث خصال إما أن دخلتم في الإسلام فكنتم إخواننا وكان لكم ما لنا وإن أبيتم فأعطيتم الجزية عن يد وأنتم صاغرون وإما أن جاهدناكم بالصبر والقتال ) حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين ( فلما جاءت رسل المقوقس إليه قال كيف رأيتموهم قالوا رأينا قوما الموت أحب إلى أحدهم من الحياة والتواضع أحب إليهم من الرفعة ليس لأحدهم في الدنيا رغبة ولا نهمة وإنما جلوسهم على التراب وأكلهم على ركبهم وأميرهم كواحد منهم ما يعرف رفيعهم من وضيعهم ولا السيد فيهم من العبد وإذا حضرت الصلاة لم يتخلف عنها أحد منهم يغسلون أطرافهم بالماء ويتخشعون في صلاتهم فقال عند ذلك المقوقس

(1/74)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية