صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : حسن المحاضرة في أخبار مصر و القاهرة
المؤلف : السيوطي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

أخرج بن عبد الحكم، عن خالد بن يزيد، أنه بلغه أن عمرا قدم إلى بيت المقدس لتجارة في نفر من قريش، وإذا هم بشماس من شمامسة الروم من أهل الإسكندرية، قدم للصلاة في بيت المقدس، فخرج في بعض جبالها يسيح، وكان عمرو يرعى إبله وإبل أصحابه، وكانت رعية الإبل نوبا بينهم؛ فبينما عمرو يرعى إبله إذ مر به ذلك الشماس، وقد أصابه عطش شديد في يوم شديد الحر، فوقف على عمر فاستسقاه، فسقا عمرو من قربة له، فشرب حتى روي، ونام الشماس مكانه، وكان إلى جانب الشماس حيث نام حفرة، فخرجت منها حية عظيمة، فبصر بها عمرو فنزع لها بسهم فقتلها، فلما استيقظ الشماس نظر إلى حية عظيمة قد أنجاه الله منها، فقال لعمرو: ما هذه؟ فأخبره عمرو أنه رماها بسهم فقتلها، فأقبل إلى عمرو، فقبل رأسه، وقال: قد أحياني الله بك مرتين: مرة من شدة العطش، ومرة من هذه الحية، فما أقدمك هذه البلاد؟ قال: قدمت مع أصحاب لي نطلب الفضل من تجارتنا، فقال له الشماس: وكم ترجو أن تصيب من تجارتك؟ قال: رجائي أن أصيب ما أشتري به بعيرا، فإني لا أملك إلا بعيرين، فأملي أن أصيب بعيرا آخر، فيكون لي ثلاثة أبعرة. قال له الشماس: أرأيت دية أحدكم بينكم، كم هي؟ قال: مائة من الإبل، فقال الشماس لسنا أصحاب إبل، نحن أصحاب دنانير، قال: تكون ألف دينار، فقال له الشماس: إني رجل غريب في هذه البلاد، وإنما قدمت أصلي في كنيسة بيت المقدس، أسيح في هذه الجبال شهرا، جعلت ذلك نذرا على نفسي، وقد قضيت ذلك، وأنا أريد الرجوع إلى بلادي فهل لك أن تتبعني إلى بلادي، ولك عهد الله وميثاقه أن أعطيك ديتين؛ لأن الله تعالى قد أحياني بك مرتين! فقال له عمرو: أين بلادك؟ قال: مصر في مدينة يقال لها الإسكندرية، فقال له عمرو: لا أعرفها ولم أدخلها قط، فقال له الشماس: لو دخلتها لعلمت أنك لم تدخل قط مثلها، فقال له عمرو: تفي لي بما تقول، وعليك بذلك العهد والميثاق؟ فقال الشماس: نعم لك الله على بالعهد والميثاق أن أفي لك، وأن أردك إلى أصحابك، فقال عمرو: كم يكون مكثي في ذلك؟ قال: شهرا تنطلق معي ذاهبا عشرا، وتقم عندنا عشرا، وترجع في عشر؛ ولك على أنت أحفظك ذاهبا، وأن أبعث معك من يحفظك راجعا. فقال له أنظرني حتى أشاور أصحابي، فانطلق عمرو إلى أصحابه، فأخبرهم بما عاهد عليه الشماس، وقال لهم: أقيموا حتى أرجع إليكم، ولكم على العهد أن أعطيكم شطر ذلك، على أن يصحبني رجل منكم آنس به، فقالوا: نعم، وبعثوا معه رجلا منهم، فانطلق عمرو وصاحبه مع الشماس إلى مصر؛ حتى انتهى إلى الإسكندرية، فرأى عمرو من عمارتها وكثرة أهلها وما بها من الأموال والخير ما أعجبه ذلك، وقال: ما رأيت مثل مصر قط وكثرة ما فيها من الأموال، ونظر إلى الإسكندرية وعمارتها وجودة بنائها وكثرة أهلها وما بها من الأموال، فازداد تعجبا، ووافق دخول عمرو الإسكندرية عيدا فيها عظيما يجتمع فيها ملوكهم وأشرافهم، ولهم أكرة منذهب مكللة، يترامى بها ملوكهم، وهم يتلقونها بأكمامهم؛ وفيما أختبروا من تلك الأكرة على ما وضعها من مضى منهم: إن من وقعت الأكرة في كمه، واستقرت فيه، لم يمت حتى يملكهم. فلما قدم عمرو الإسكندرية أكرمه الشماس الإكرام كله، وكساه ثوب ديباج ألبسه إياه، وجلس عمرو والشماس مع الناس في ذلك المجلس، حيث يترامون بالأكرة، وهم يتلقونها بأكملهم، فرمى بها رجل منهم، فأقبلت تهوي حتى وقعت في كم عمرو؛ فتعجبوا من ذلك، وقالوا: ما كذبتنا هذه الأكرة قط إلا هذه المرة، أترى هذا الأعرابي يملكنا! هذا لا يكون أبدا! وإن ذلك الشماس مشى في أهل الإسكندرية وأعلمهم أن عمرا أحياه مرتين، وأنه قد ضمن له ألفي دينار، وسألهم أن يجمعوا ذلك له فيما بينهم؛ ففعلوا ودفعوها إلى عمرو، فانطلق عمر وصاحبه، وبعث معهما الشماس دليلا ورسولا، وزودهما وأكرمهما؛ حتى رجع هو وصاحبه إلى أصحابهما؛ فبذلك عرف عمرو مدخل مصر ومخرجها، ورأى منها ما علم أنها أفضل البلاد وأكثرها مالا. فلما رجع عمرو إلى أصحابه دفع إليهم فيما بينهم ألف دينار وأمسك لنفسه ألفا، قال عمرو: فكان أول مال اعتقدته وتأثلته.
ذكر كتاب رسول الله إلى المقوقس

(1/33)


قال ابن عبد الحكم: حدثنا هشام بن إسحاق وغيره، قال: لما كانت سنة ست من الهجرة، ورجع رسول الله من الحديبية بعث إلى الملوك، فبعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية، فمضى حاطب بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما انتهى إلى الإسكندرية، وجد المقوقس في مجلس يشرف على البحر، فركب البحر؛ فلما حاذى مجلسه، أشار بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين إصبعيه، فلما رآه أمره بالكتاب فقبض، وأمر به فأوصل إليه، فلما قرأ الكتاب قال: ما منعه إن كان نبيا أن يدعو علي فيسلط علي! فقال له: ما منع عيسى بن مريم أن يدعو على من أبى عليه أن يفعل به ويفعل! فوجم ساعة، ثم استعادها فأعادها حاطب عليه، فسكت، فقال له حاطب: إنه قد كان قبلك رجل يزعم أنه الرب الأعلى، فانتقم الله به ثم انتقم منه؛ فاعتبر بغيرك، ولا تعتبر بك. وإن لك دينا لن تدعه إلا لما هو خير منه، وهو الإسلام الكافي فقد ما سواه، وما بشارة موسى بعيسى إلا كبشارة عيسى بمحمد، وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل، ولسنا ننهاك عن دين المسيح، ولكنا نأمرك به، ثم قرأ الكتاب، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتبع الهدى؛ أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، فأسلم تسلم ويؤتك الله أجرك مرتين، )يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا أشهدوا بأنا مسلمون(.
فلما قرأه أخذه، فجعله في حق من عاج، وختم عليه، ثم دعا كاتبا يكتب بالعربية، فكتب: لمحمد بن عبد الله، من المقوقس عظيم القبط. سلام عليك، أما بعد فقد قرأت كتابك، وفهمت ما ذكرت، وما تدعو إليه، وقد علمت أن نبيا قد بقي؛ وكنت أظن أنه يخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك، وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم، وبكسوة، وأهديت إليك بغلة لتركبها. والسلام.
وأخرج ابن عبد الحكم، عن أبان بن صالح، قال: أرسل المقوقس إلى حاطب ليلة، وليس عنده أحد إلا ترجمان له، فقال له: ألا تخبرني عن أمور أسألك عنها، فإني أعلم أن صاحبك تخيرك حين بعثك لي! قلت: لا تسألني عن شيء إلا صدقنك، قال: إلام يدعو محمد؟ قال: إلى أن نعبد الله، ولا نشرك به شيئا، ونخلع ما سواه، ويأمر بالصلاة. قال: فكم تصلون؟ قال: خمس صلوات في اليوم والليلة، وصيام شهر رمضان، وحج البيت، والوفاء بالعهد، وينهى عن أكل الميتة والدم. قال: ومن أتباعه؟ قال: الفتيان من قومه وغيرهم، قال: فهل يقاتل قومه؟ قال: نعم، قال: صفه لي، فوصفته بصفة من صفاته، ولم آت عليها، قال: قد بقيت أشياء، لم أرك ذكرتها؛ في عينيه حمرة قلما تفارقه، وبين كتفيه خاتم النبوة، يركب الحمار، ويلبس الشملة، ويجتزئ بالتمرات والكسر، لا يبالي من لاقى من عم ولا ابن عم، قلت: هذه صفته، قال: قد كنت أعلم أن نبيا قد بقي، وقد كنت أظن أن مخرجه بالشام، وهناك تخرج الأنبياء من قبله، فأراه قد خرج في العرب، في أرض جهد وبؤس، والقبط لا تطاوعني في ابتاعه، ولا أحب أن يعلم بمحاورتي إياك، وسيظهر على البلاد، وينزل أصحابه من بعده بساحتنا هذه حتى يظهروا على ما هاهنا، وأنا لا اذكر للقبط من هذا حرفا، فارجع إلى صاحبك.
وأخرج ابن عبد الحكم، عن عبد الرحمن بن عبد القارئ، قال: لما مضى حاطب بكتاب رسول الله صلى الله عليم وسلم، قبل المقوقس الكتاب، وأكرم حاطبا، وأحسن نزله، ثم سرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأهدى له مع حاطب كسوة وبغلة بسرجها وجاريتين، إحداهما أم إبراهيم، ووهب الأخرى لجهم بن قيس العبدي، فهي أم زكريا بن جهم، الذي كان خليفة عمرو بن العاص على مصر.
قال ابن عبد الحكم: ويقال بل وهبها رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت، فهي أم عبد الرحمن بن حسان؛ ويقال: بل وهبها لمحمد بن مسلمة الأنصاري، ويقال: بل لدحية بن خليفة الكلبي.
ثم أخرج من طريق المنذر بن عبيد، عن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت، عن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت، عن أمه سيرين، قال: حضرت موت إبراهيم، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما صحت أنا وأختي ما ينهانا؛ فلما مات نهانا عن الصياح. هذا يصحح قول من قال إنه وهبها لحسان.

(1/34)


وقال ابن الحكم: أنبأنا هانئ المتوكل، أنبأنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، أن المقوقس لما أتاه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ضمه إلى صدره، وقال: هذا زمان يخرج فيه النبي الذي نجد نعته وصفته في كتاب الله، وإنا لنجد صفته أنه لا يجمع بين أختين في ملك يمين ولا نكاح، وأنه يقبل الهدية، ولا يقبل الصدقة، وإن جلساءه المساكين، وأن خاتم النبوة بين كتفيه. ثم دعا رجلا عاقلا، ثم لم يدع بمصر أحسن ولا أجمل من مارية وأختها؛ وهما من أهل حفن من كورة أنصنا. فبعث بهما معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأهدى له بغلة شهباء، وحمارا أشهب، وثيابا من قباطي مصر، وعسلا من عسل بنها، وبعث إليه بمال صدقة، وأمر رسوله أن ينظر: من جلساؤه وينظر إلى ظهره، هل يرى شامة كبيرة ذات شعر؟ ففعل ذلك الرسول، فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم إليه الأختين والدابتين والعسل والثياب، وأعلمه أن ذلك كله هدية. فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدية - وكان لا يردها من أحد من الناس - فلما نظر إلى مارية وأختها أعجبتاه، وكره أن يجمع بينهما، وكانت إحداهما تشبه الأخرى، فقال: اللهم اختر لنبيك، فاختار له الله مارية، وذلك أنه قال لهما: قولا نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبد ورسوله، فبادرت مارية، فتشهدت وآمنت قبل أختها، ومكثت بعدها أختها ساعة، ثم تشهدت وآمنت، فوهب رسول الله صلى الله عليه وسلم أختها لمحمد بن مسلمة الأنصاري. وكانت البغلة والحمار أحب دوابه إليه، وسمى البغلة دلدلا، وسمى الحمار يعفورا، وأعجبه العسل، فدعا لعسل بنها بالبركة، وبقيت تلك الثياب حتى كفن في بعضها صلى الله عليه وسلم.
قال ابن الحكم: ويقال إن المقوقس بعث مع مارية بخصي فكان يأوي إليها.
ثم أخرج عن عبد الله بن عمرو، قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم إبراهيم أم ولده القبطية، فوجد عندها نسيبا كان لها، قدم معها من مصر؛ وكان كثيرا ما يدخل عليها، فوقع في نفسه شيء، فرجع، فلقيه عمر بن الخطاب، فعرف ذلك في وجهه، فسأله فأخبره، فأخذ عمر السيف، ثم دخل على مارية فوجده عندها، فأهوى إليه بالسيف، فلما رأى ذلك كشف عن نفسه - وكان مجبوبا ليس بين رجليه شيء - فلما رجع عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، قال: " إن جبريل أتاني، فأخبرني أن الله قد برأها وقريبها، وأن في بطنها غلاما مني، وإنه أشبه الخلق بي، وأمرني أن أسميه إبراهيم، وكناني بأبي إبراهيم " .
وأخرج ابن عبد الحكم والبيهقي في الدلائل، من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبيه، عن جده، قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس ملك الإسكندرية، فجئته بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزلني في منزل، وأقمت عنده ليالي، ثم بعث الي، وقد جمع بطارقته، فقال: سأكلمك بكلام، وأحب أن تفهمه عني، قلت: هلم، قال: أخبرني عن صاحبك، ألبس هو بنبي؟ قال: قلت: بلى، هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فما له لم يدع على قومه حيث أخرجوه من بلده إلى غيرها! قال: فقلت له: فعيسى بن مريم، تشهد أنه رسول الله، فما له حيث أخذه قومه فأرادوا أن يصلبوه، ألا يكون دعا عليهم، بأن يهلكم الله حتى رفعه الله إليه في السماء الدنيا؟ فقال: أنت حكيم، جاء من عند حكيم؛ هذه هدايا أبعث بها معك إلى محمد؛ وأرسل معك مبذرقة يبذرقونك إلى مأنك. وأهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث جوار، منهن أم إبراهيم، واحدة وهبها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي جهم بن حذيفة العبدري، وواحدة وهبها لحسان بن ثابت، وأرسل إليه بثياب، مع طرف من طرفهم.
قال ابن أبي مريم: قال ابن لهيعة: وكان اسم أخت مارية قيصرا ويقال: سيرين.
قال ابن عبد الحكم: وحدثنا عبد الملك بن مسلمة، عن ابن لهيعة، عن الأعرج، قال: بعث المقوقس بمارية وأختها حنة.
وأخرج ابن عبد الحكم، عن راشد بن سعد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو بقي إبراهيم ما تركت قبطيا إلا وضعت عنه الجزية.
وأخرج ابن عبد الحكم، عن ابن مسعود، قال: قلنا يا رسول الله، فيم نكفنك؟ قال: في ثيابي هذه، أو ثياب مصر.

(1/35)


وأخرج الواقدي وأبو نعيم في الدلائل عن المغيرة بنشعبة، أنه لما خرج مع بني مالك إلى المقوقس، قال لهم: كيف خلصتم إلي من طائفتكم، ومحمد وأصحابه بيني وبينكم؟ قالوا: لصقنا بالبحر، وقد خفناه على ذلك، قال: فكيف صنعتم فيما دعاكم إليه؟ قالوا: لم يتبعه منا رجل واحد، قال: ولم ذاك؟ قالوا: جاءنا بدين مجدد لا تدين به الآباء، ولا يدين به الملك، ونحن على ما كان عليه آباؤنا. قال: فكيف صنع قومه؟ قال: تبعه أحداثهم وقد لاقاه من خالفه من قومه وغيرهم من العرب في مواطن، مرة تكون عليهم الدبرة ومرة تكون له. قال: ألا تخبروني، إلى ماذا يدعو؟ قالوا: يدعو إلى أن نعبد الله وحده لا شريك له، ونخلع ما كان يعبد الآباء، ويدعو إلى الصلاة والزكاة، قال: ألهما وقت يعرف، وعدد ينتهي إليه؟ قالوا: يصلون في اليوم والليلة خمس صلوات كلها بمواقيت وعدد، ويؤدون من كل ما بلغ عشرين مثقالا، وكل بغل بلغت خمسا شاة، ثم أخبره بصدقة الأموال كلها، قال: أفرأيتم إن أخذها أين يضعها؟ قال: يردها على فقرائهم، ويأمر بصلة الرحم ووفاء العهد وتحريم الزنا والربا والخمر، ولا يأكل ما ذبح لغير اسم الله. قال: هو نبي مرسل إلى الناي كافة، ولو أصاب القبط والروم تبعوه، وقد أمرهم بذلك عيسى بن مريم؛ وهذا الذي تصفونه منه بعثت به الأنبياء من قبل، وستكون له العاقبة حتى لا ينازعه أحد، ويظهر دينه إلى منتهى الخف والحافر ومنقطع البحور، قلنا: لو دخل الناس كلهم معه ما دخلنا. فأنغض رأسه، وقال: أنتم في اللعب! ثم قال: كيف نسبه في قومه؟ قلنا: هو أوسطهم نسبا، قال: كذلك الأنبياء، تبعث في نسب قومها، قال: فكيف صدق حديثه؟ قلنا: يسمى الأمين من صدقه، قال: انظروا في أموركم، أترونه يصدق فيم بينكم وبينه، ويكذب على الله! ثم قال: فمن تبعه؟ قلنا: الأحداث، قال: هم أتباع الأنبياء قبله، قال: فما فعلت يهود يثرب، فهم أهل التوراة؟ قلنا: خالفوه، فأوقع بهم فقتلهم وسباهم، وتفرقوا في كل وجه، قال: هم قوم حسد حسدوه، أما إنهم يعرفون من أمره مثل ما نعرف.
قال المغيرة: فقمنا من عنده، وقد سمعنا كلاما ذللنا لمحمد صلى الله عليه وسلم، وخضعنا، وقلنا: ملوك العجم يصدقونه ويخافونه على بعد إرجائهم منه، ونحن أقرباءه وجيرانه لم ندخل معه، وقد جاءنا داعيا إلى منازلنا! قال المغيرة: فأقمت بالإسكندرية لا أدع كنيسة إلا دخلتها، وسألت أساقفها من قبطها ورومها عما يجدون من صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وكان أسقف من القبط لم أر أحدا أشد منه، فقلت: أخبرني، هل بقى أحد من الأنبياء؟ قال: نعم، هو آخر الأنبياء، ليس بينه وبين عيسى بني، قد أمر عيسى باتباعه، وهو النبي الأمي العربي، أسمه أحمد، بالطويل ولا بالقصير، في عينيه حمرة، وليس بالأبيض ولا بالآدم، يعفى شعره، ويلبس ما غلظ من الثياب، ويجترئ بما لقي من الطعام؛ سيفه على عاتقه، ولا يبالي من لاقى، يباشر القتال بنفسه ومعه أصحابه يفدونه بأنفسهم، هم أشد له حبا من آبائهم وأولادهم، من حرم يأتي، وإلى حرم يهاجر، إلى أرض سباخ ونخل، يدين بدين إبراهيم. قلت: زدني في صفته، قال: يأترز على وسطه، ويغسل أطرافه، ويخص بما لم يخص به الأنبياء قبله. كان النبي يبعث إلى قومه، وبعث هو إلى الناس كافة وجعلت له الأرض مسجدا وطهورا: أينما أدركته الصلاة تيمم وصلى وكان من قبله مشددا عليهم لا يصلون إلا في الكنائس والبيع.
قال المغيرة: فوعيت ذلك كله من قوله وقول غيره، ثم رجعت وأسلمت.
ذكر بعث أبي بكر الصديق حاطبا إلى المقوقس
أخرج ابن عبد الحكم، عن علي بن رباح اللخمي، قال: بعث أبو بكر الصديق رضى الله عنه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطبا إلى المقوقس بمصر، فمر على ناحية قرى الشرقية، فهانهم وأعطوه، فلم يزالوا على ذلك حتى دخلها عمرو بن العاص، فقاتلوه، وانتقض ذلك العهد.
قال عبد الملك بن مسلمة وهي أول هدنة كانت بمصر.
ذكر فتح مصر في خلافة عمر بن الخطاب
رضي الله عنه

(1/36)


قال ابن عبد الحكم: حدثنا عثمان بن صالح، أنبأنا ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر وعياش بن عباس القتباني وغيرهما، يزيد بعضهم على بعض، قالوا: لما كانت سنة ثماني عشرة، وقدم عمر بن الخطاب الجابية، قام إليه عمرو بن العاص، فخلا به، وقال: يا أمير المؤمنين، ائذن لي أن أسير إلى مصر، وحرضه عليها، وقال: إنك إن فتحتها كانت قوة للمسلمين وعونا لهم؛ وهي أكثر الأرض أموالا، وأعجزهم عن القتال والحرب. فتخوف عمر بن الخطاب على المسلمين، وكره ذلك، فلم يزل عمرو يعظم أمرها عند عمر، ويخبره بحالها، ويهون عليه فتحها، حتى ركن لذلك عمر، فعقد له على أربعة آلاف رجل، كلهم من عك، ويقال: على ثلاثة آلاف وخمسمائة. فقال عمر: سر وأنا مستخير الله في مسيرك، وسيأتي إليك سريعا إن شاء الله تعالى، فان أدركك كتابي وأمرتك فيه بالانصراف عن مصر قبل أن تدخلها، أو شيئا من أرضها فانصرف، وإن أنت دخلتها قبل أن يأتيك كتابي، فامض لوجهك، واستعن بالله واستنصره.
فسار عمرو بن العاص من جوف الليل، ولم يشعر به أحد من الناس، واستخار عمر الله؛ فكأنه تخوف على المسلمين في وجههم ذلك، فكتب إلى عمرو بن العاص أن ينصرف بمن معه من المسلمين: فأدرك الكتاب عمرا وهو برفح، فتخوف عمرو بن العاص؛ إن هو أخذ الكتاب وفتحه أن يجد فيه الانصراف كما عهد إليه عمر، فلم يأخذ الكتاب من الرسول ودافعه، وسار كما هو، حتى نزل قرية فيما بين رفح والعريش، فسأل عنها فقيل: إنها من مصر؛ فدعا بالكتاب فقرأه على المسلمين، فقال عمرو: ألستم تعلمون أن هذه من مصر؟ قالوا: بلى، فقال: فإن أمير المؤمنين عهد إلي، وأمرني إن لحقني كتابه ولم أدخل مصر أن أرجع، وإن لم يلحقني كتابه حتى دخلنا أرض مصر؛ فسيروا وامضوا على بركة الله.
فتقدم عمرو بن العاص. فلما بلغ المقوقس قدوم عمرو، توجه إلى الفسطاط، فكان يجهز على عمرو الجيوش، فكان أول موضع قوتل فيه الفرما، قاتله الروم قتالا شديدا نحوا من شهر، ثم فتح الله على يديه. وكان بالإسكندرية أسقف للقبط، يقال له أبو بنيامين، فلما بلغه قدوم عمرو بن العاص، كتب إلى القبط يعلمهم أنه لا يكون للروم دولة، وأن ملكهم قد انقطع، ويأمرهم بتلقي عمرو، فيقال إن القبط الذين كانوا بالفر ما كانوا يومئذ لعمرو أعوانا. ثم توجه عمرو؛ لا يدافع إلا بالأمر الخفيف، حتى نزل القواصر. فنزل ومن معه، فقال بعض القبط لبعض: ألا تعجبون من هؤلاء القوم، يقدمون على جموع الروم، وهم في قلة من الناس! فأجابه رجل آخر منهم إن هؤلاء القوم لا يتوجهون إلى أحد إلا ظهروا عليه، حتى يقتلوا أخيرهم، فتقدم عمرو لا يدافع إلا بالأمر الخفيف، حتى أتى بلبيس، فقاتلوه بها نحوا من شهر، حتى فتح الله عليه، ثم مضى لا يدافع إلا بالأمر الخفيف، حتى أتى أم دنين، فقاتلوه بها قتالا شديدا.
وأبطأ عليه الفتح، فكتب إلى عمر يستمده، فأمده بأربعة آلاف، تمام ثمانية آلاف، فسار عمرو بمن معه حتى نزل على الحصن، فحاصرهم بالقصر الذي يقال له بابليون حينا، وقاتلهم قتالا شديدا؛ يصبحهم ويمسيهم. فلما أبطأ عليه الفتح، كتب إلى عمر بن الخطاب يستمده، فأمده عمر بأربعة آلاف رجل، على كل ألف رجل منهم رجل، وكتب إليه: إني قد أمددتك بأربعة آلاف رجل على كل ألف رجل منهم رجل مقام الألف: الزبير بن العوام، والمقداد بن الأسود، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن مخلد. وأعلم أن معك أثنى عشر ألفا، ولا يغلب اثنا عشر ألفا من قلة.

(1/37)


وكانوا قد خندقوا حول حصنهم، وجعلوا للخندق أبوابا، وجعلوا سكك الحديد موتدة بأفنية الأبواب. فلما قدم المدد على عمرو بن العاص أتى إلى القصر، ووضع عليه المنجنيق - وكان على القصر رجل من الروم يقال له الأعيرج واليا عليه، وكان تحت يدي المقوقس - ودخل عمرو إلى صاحب الحصن، فتناظر في شيء مما هم فيه، فقال: أخرج واستشير أصحابي، وقد كان صاحب الحصن أوصى الذي كان على الباب: إذا مر به عمرو أن يلقى عليه صخرة فيقتله، فمر عمرو وهو يريد الخروج برجل من العرب، فقال: قد دخلت فانظر كيف تخرج، فرجع عمرو إلى صاحب الحصن، فقال: إني أريد أن آتيك بنفر من أصحابي، حتى يسمعوا منك مثل الذي سمعت، فقال العلج في نفسه: قتل جماعة أحب إلي من قتل واحد، فأرسل إلى الذي كان أمره بقتل عمرو، ألا يتعرض له، رجاء أن يأتي بأصحابه فيقتلهم. وخرج عمرو، فلما أبطأ عليه الفتح، قال الزبير: إني أهب نفسي لله، أرجو أن يفتح الله بذلك على المسلمين، فوضع سلما إلى جانب الحصن من ناحية سوق الحمام، ثم صعد، وأمرهم إذا سمعوا تكبيره أن يجيبوه جميعا، فما شعروا إلا والزبير على رأس الحصن يكبر معه السيف، وتحامل الناس على السلم حتى نهاهم عمرو خوفا من أن ينكسر. فلما اقتحم الزبير، وتبعه من تبعه، وكبر وكبر من معه، وأجابهم المسلمون من خارج، لم يشك أهل الحصن أن العرب قد اقتحموا جميعا، فهربوا، فعمد الزبير وأصحابه إلى باب الحصن ففتحوه، واقتحم المسلمون الحصن؛ فلما خاف المقوقس على نفسه ومن معه؛ حينئذ سأل عمرو بن العاص الصلح، ودعاه إليه على أن يفرض للعرب على القبط دينارين دينارين على كل رجل منهم، فأجابه عمرو إلى ذلك.
قال الليث بن سعد رضى الله عنه: وكان مكثهم على باب القصر حتى فتحوه سبعة أشهر.
قال ابن الحكم: وحدثنا عثمان بن صالح، أخبرنا خالد بن نجيح، عن يحيى بن أيوب وخالد بن حميد، قالا: حدثنا خالد بن يزيد، عن جماعة من التابعين، بعضهم يزيد على بعض، أن المسلمين لما حاصروا بابليون، وكان به جماعة من الروم وأكابر القبط ورؤسائهم، وعليهم المقوقس، فقاتلوهم بها شهرا، فلما رأى القوم الجد منهم على فتحه والحرص، ورأوا من صبرهم على القتال ورغبتهم فيه، خافوا أن يظهروا، فتنحى المقوقس وجماعة من أكابر القبط وخرجوا من باب القصر القبلي، ودونهم جماعة يقاتلون العرب، فلحقوا بالجزيرة وأمروا بقطه الجسر؛ وذلك في جرى النيل وتخلف الأعيرج في الحصن بعد المقوقس، فلما خاف فتح الحصن، ركب هو وأهل القوة والشرف، وكانت سفنهم ملصقة بالحصن، ثم لحقوا بالمقوقس في الجزيرة.
فأرسل المقوقس إلى عمرو بن العاص: إنكم قوم قد ولجتم في بلادنا، وألححتم على قتالنا، وطال مقامكم في أرضنا؛ وإنما أنتم عصبة يسيرة، وقد أظلتكم الروم، وجهزوا إليكم، ومعهم من العدة والسلاح، وقد أحاط بكمم هذا النيل، وإنما أنتم أسارى قد أيدينا، فأرسلوا إلينا رجالا منكم نسمع من كلامهم؛ فلعله أن يأتي الأمر فيما بيننا وبينكم على ما تحبون ونحب، وينقطع عنا وعنكم هذا القتال قبل أن تغشاكم جموع الروم، فلا ينفعنا الكلام، ولا نقدر عليه؛ ولعلكم أن تندموا إن كان الأمر مخالفا لطلبتكم ورجائكم، فابعث إلينا رجالا من أصحابكم نعاملهم على ما نرضى نحن وهم، وما بهم من شيء.
فلما أتت عمرو بن العاص رسل المقوقس حبسهم عنده يومين وليلتين، حتى خاف عليهم المقوقس، فقال لأصحابه: أترون أنهم يقتلون الرسل ويحبسونهم، يستحلون ذلك في دينهم! وإنما أراد عمرو بذلك أن يروا حال المسلمين.
فرد عليهم عمرو مع رسله: أن ليس بيني وبينك إلا إحدى ثلاث خصال: إما أن دخلتم في الإسلام فكنتم إخواننا وكان لكم مالنا، وإن أبيتم أعطيتم الجزية عن يد وأنتم صاغرون، وإما أن جاهدنا كم بالصبر والقتال حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين.
فلما جاءت رسل المقوقس إليه، قال: كيف رأيتموهم؟ قالوا: رأينا قوما الموت أحب إليهم من الحياة، والتواضع أحب إليهم من الرفعة، ليس لأحدهم في الدنيا رغبة ولا نهمة، وإنما جلوسهم على التراب، وأكلهم على ركبهم، وأميرهم كواحد منهم، ما يعرف رفيعهم من وضيعهم، ولا السيد فيهم من العبد، وإذا حضرت الصلاة لم يتخلف عنها منهم أحد، يغسلون أطرافهم بالماء، ويتخشون في صلاتهم.

(1/38)


فقال عند ذلك المقوقس: والذي يحلف به، لو أن هؤلاء استقبلوا الجبال لأزالواها، ولا يقوى على قتال هؤلاء أحد، ولئن لم نغتنم صلحهم اليوم وهم محصورون بهذا النيل، لم يجيبوا بعد اليوم إذا أمكنتهم الأرض، وقووا على الخروج من موضعهم.
فرد إليهم المقوقس رسله، وقال: ابعثوا إلينا رسلا منكم نعاملهم، ونتداعى نحن وهم إلى ما عسى أن يكون فيه صلاح لنا ولكم.
فبعث عمرو بن العاص عشرة نفر، وأحدهم عبادة بن الصامت، وهو أحد من أدرك الإسلام من العرب، طوله عشرة أشبار، وأمره أن يكون متكلم القوم، وألا يجيبهم إلى شيء دعوه إليه إلا إحدى هذه الثلاث الخصال؛ فإن أمير المؤمنين قد تقدم في ذلك إلي، وأمرني ألا أقبل شيئا سوى خصلة من هذه الثلاث الخصال.
وكان عبادة بن الصامت أسود، فلما ركبوا السفن إلى المقوقس، ودخلوا عليه، تقدم عبادة، فهابه المقوقس لسواده فقال: نحوا عني هذا الأسود، وقدموا غيره يكلمني، فقالوا: إن هذا الأسود أفضلنا رأيا وعلما، وهو سيدنا وخيرنا والمقدم علينا، وإنا نرجع جميعا إلى قوله ورأيه، وقد أمره الأمير دوننا بما أمره به.
فقال المقوقس لعبادة: تقدم يا اسود، وكلمني برفق؛ فإني أهاب سوادك، وإن اشتد علي كلامك ازددت لك هيبة، فتقدم إليه عبادة، فقال: قد سمعت مقالتك، وإن فيمن خلفت من أصحابي ألف رجل أسود كلهم أشد سوادا مني وأفظع مني وأفضع منظرا ولو رايتهم لكنت أهيب لهم منك لي. وأنا قد وليت، وأدبر شبابي، وإني مع ذلك بحمد الله ما أهاب مائة رجل من عدوي لو استقبلوني جميعا، وكذلك أصحابي؛ وذلك إنما رغبتنا وبغيبتا الجهاد في الله تعالى، واتباع رضوا الله؛ وليس غزونا ممن حارب الله لرغبة في الدنيا، ولا طلبا للاستكثار منها؛ إلا أن الله قد أحل ذلك لنا، وجعل ما غنمنا من ذلك حلالا، وما يبالي أحدنا: أكان له قنطار من ذهب، أم كان لا يملك إلا درهما! لأن غاية أحدنا من الدنيا أكلة يأكلها، يسد بها جوعته، وشملة يلتحفها، فإن كان أحدنا لا يملك إلا ذلك كفاه، وإنا كان له قنطار من ذهب أنفقته في طاعة الله، واقتصر على هذا الذي بيده لأن نعيم الدنيا ورخاءها ليس برخاء، إنما النعيم والرخاء في الآخرة، وبذلك أمرنا ربنا، وأمر به نبينا، وعهد إلينا ألا تكون همة أحدنا من الدنيا إلا فيما يمسك جوعته، ويستر عورته، وتكون همته وشغله في رضا ربه، وجهاد عدوه.
فلما سمع المقوقس ذلك منه، قال لمن حوله: هل سمعتم مثل كلام هذا الرجل قط! لقد هبت منظره؛ وإن قوله لأهيب عندي من منظره؛ إن هذا وأصحابه أخرجهم الله لخراب الأرض؛ وما أظن ملكهم إلا سيغلب على الأرض كلها.
ثم أقبل المقوقس على عبادة، فقال: أيها الرجل، قد سمعت مقالتك، وما ذكرت عنك وعن أصحابك؛ ولعمري ما بلغتم ما بلغتم إلا بما ذكرت، ولا ظهرتم على من ظهرتم عليه إلا لحبهم الدنيا ورغبتهم فيها، وقد توجه إلينا لقتالكم من جميع الروم مما لا يحصى عدده قوم معروفون بالنجدة والشدة، ممن لا يبالي أحدهم من لقى، ولا من قاتل، وإنا لنعلم أنكم لن تقووا عليهم، ولن تطيقوهم لضعفكم وقلتكم، وقد أقمتم بين أظهرنا أشهرا، وأنتم في ضيق وشدة من معاشكم وحالكم، ونحن نرق عليكم لضعفكم وقلتكم وقلة ما بأيديكم؛ ونحن تطيب أنفسنا أن نصالحكم على أن نفرض لكل رجل منكم دينارين دينارين؛ ولأميركم مائة دينار، ولخليفتكم ألف دينار، فتقبضونها وتنصرفون إلى بلادكم قبل أن يغشاكم ما لا قوة لكم به.

(1/39)


فقال عبادة بن الصامت رضى الله عنه: يا هذا؛ لا تغرن نفسك ولا أصحابك؛ أما ما تخوفنا به من جمع الروم وعددهم وكثرتهم، وأنا لا نقوى عليهم؛ فلعمري ما هذا بالذي تخوفنا به، ولا بالذي يكسرنا عما نحن فيه؛ إن كان ما قلتم حقا فذلك والله أرغب ما يكون في قتالهم، وأشد لحرصنا عليهم؛ لأن ذلك أعذر لنا عند ربنا إذا قدمنا عليه، وإن قتلنا من آخرنا كان أمكن لنا في رضوانه وجنته، وما من شيء اقر لأعيننا، ولا أحب إلينا من ذلك؛ وأنا منكم حينئذ على إحدى الحسنيين؛ إما أن تعظم لنا بذلك غنيمة الدنيا إن ظفرنا بكم، أو غنيمة الآخرة إن ظفرتم بنا، وإنها لأحب الخصلتين إلينا بعد الاجتهاد منا؛ وإن الله تعالى قال لنا في كتابه: )كم من فئة قليلة غلبت كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين(، وما منا رجل إلا وهو يدعو ربه صباحا ومساء أن يرزقه الشهادة، وألا يرده إلى بلده ولا إلى أهله وولده؛ وليس لأحد منا هم فيما خلفه، وقد استودع كل واحد منا ربه أهله وولده؛ وإنما همنا ما أمامنا. وأما قولك: إنا في ضيق وشدة من معاشنا وحالنا؛ فنحن في أوسع السعة لو كانت الدنيا كلها لنا، ما أردنا لأنفسنا منها أكثر مما نحن فيه، فانظر الذي تريد فبينه لنا، فليس بيننا وبينكم خصلة نقلبها منكم، ولا نجيبك إليها إلا خصلة من ثلاث، فاختر أيها شئت، ولا تطمع نفسك في الباطل؛ بذلك أمرني الأمير، وبها أمره أمير المؤمنين؛ وهو عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل إلينا. أما إن أجبتم إلى الإسلام الذي هو الدين الذي لا يقبل الله غيره، وهو دين أنبيائه ورسله وملائكته، أمرنا الله أن نقاتل من خالفه ورغب عنه حتى يدخل فيه، فان فعل كان له مالنا وعليه ما علينا، وكان أخانا في دين الله؛ فإن قبلت ذلك أنت وأصحابك، فقد سعدتم في الدنيا والآخرة، ورجعنا عن قتالكم، ولا نستحل أذاكم، ولا التعرض لكم، وإن أبيتم إلا الجزية، فأدوا إلينا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، نعاملكم على شيء نرضى به نحن وأنتم في كل عام أبدا ما بقينا وبقيتم، ونقاتل عنكم من ناوأكم وعرض لكم في شيء من أرضكم ودمائكم وأموالكم، ونقوم بذلك عنكم؛ إذ كنتم في ذمتنا، وكان لكم به عهد الله علينا، وإن أبيتم فليس بيننا وبينكم إلا المحاكمة بالسيف حتى نموت من آخرنا، أو نصيب ما نريد منكم؛ هذا ديننا الذي ندين الله به، ولا يجوز لنا فيما بيننا وبينه غيره، فانظروا لأنفسكم.
فقال له المقوقس: هذا مما لا يكون أبدا، ما تريدون إلا أن تأخذوا لكم عبيدا ما كانت الدنيا.
فقال له عبادة: هو ذاك، فاختر ما شئت.
فقال له المقوقس: أفلا تجيبونا إلى خصلة غير هذه الخصال الثلاث؟ فرفع عبادة يديه، وقال: لا ورب السماء ورب هذه الأرض ورب كل شيء، مالكم عندنا خصلة غيرها، فاختاروا لأنفسكم.
فالتفت المقوقس عند ذلك إلى أصحابه، فقال: قد فرغ القول فما ترون؟ فقالوا: أو يرضى أحد بهذا الذل! أما ما أرادوا من دخولنا في دينهم؛ فهذا لا يكون أبدا، ولا نترك دين المسيح بن مريم وندخل في دين لا نعرفه، وأما ما أرادوا من أن يسبونا ويجعلوا عبيدا أبدا، فالموت أيسر من ذلك؛ لو رضوا منا أن نضعف لهم ما أعطيناهم مرارا، كان أهون علينا.
فقال المقوقس لعبادة: قد أبى القوم، فما ترى؟ فراجع صاحبك، على أن نعطيكم في مرتكم هذه ما تمنيتم وتنصرفون.
فقام عبادة وأصحابه، فقال المقوقس لمن حوله عند ذلك: أطيعوني، وأجيبوا القوم إلى خصلة من هذه الثلاث، فوالله مالكم بهم طاقة، وإن لم تجيبوا إليها طائعين لتجيبنهم إلى ما هو أعظم منها كارهين.
فقالوا: أي خصلة يجيبهم إليها؟ قال: إذا أخبركم . . . أما دخولكم في غير دينكم، فلا آمركم به؛ وأما قتالهم فأنا أعلم أنكم لن تقدروا عليهم، ولن تصبروا صبرهم، ولا بد من الثالثة؛ قالوا: فنكون لهم عبيدا أبدا؟ قال: نعم تكونون عبيدا مسلطين في بلادكم، آمنين على أنفسكم وأموالكم وذراريكم خير لكم من أن تموتوا عن آخركم، وتكونوا عبيدا وتباعوا وتمزقوا في البلاد مستعبدين أبدا، أنتم وأهلوكم وذراريكم. قالوا: فالموت أهون علينا.

(1/40)


وأمروا بقطع الجسر بين الفسطاط والجزيرة، وبالقصر من جمع الروم والقبط جمع كثير - فألح المسلمون عند ذلك بالقتال على من في القصر حتى ظفروا بهم، وأمكن الله منهم، فقتل منهم خلق كثير، وأسر من أسر، وانحازت السفن كلها إلى الجزيرة، وصار المسلمون قد أحدق بهم الماء ن كل وجه، لا يقدرون على أن ينفذوا ويتقدموا نحو الصعيد، ولا إلى غير ذلك من المدائن والقرى، والمقوقس يقول لأصحابه: ألم أعلمكم هذا وأخافه عليكم؟ ما تنتظرون! فوالله لتجيبهم إلى ما أرادوا طوعا أو لتجيبنهم إلى ما هو أعظم منه كرها، فأطيعوني من قبل أن تندموا.
فلما رأوا منهم ما رأوا، وقال لهم المقوقس ما قال: أذعنوا بالجزيرة، ورضوا بذلك على صلح يكون بينهم يعرفونه. وأرسل المقوقس إلى عمرو بن العاص: إني لم أزل حريصا على أجابتك إلى خصلة من تلك الخصال التي أرسلت إلي بها، فأبى ذلك على من حضرني من الروم والقبط، فلم يكن لي أن أفتات عليهم، وقد عرفوا نصحي لهم، وحبي صلاحهم، ورجعوا إلى قولي، فأعطني أمانا أجتمع أنا وأنت في نفر من أصحابي ونفر من أصحابك، فان استقام الأمر بيننا تم لنا ذلك جميعا؛ وإن لم يتم رجعنا إلى ما كنا عليه.
فاستشار عمرو أصحابه في ذلك فقالوا: لا نجيبهم إلى شيء من الصلح ولا الجزية، حتى يفتح الله علينا، ةتصير كلها لنا فيئا وغنيمة، كما صار لنا القصر وما فيه، فقال عمرو: قد علمتم ما عهد إلى أمير المؤمنين في عهده، فإن إجابوا إلى خصلة من الخصال الثلاث التي عهد إلي فيها أجبتهم إليها، وقبلت منهم، مع ما قد حال الماء بيننا وبين ما نريد من قتالهم. فاجتمعوا على عهد بينهم، واصطلحوا على أن يفرض على جميع من بمصر أعلاها وأسفلها من القبط ديناران عن كل نفس، شريفهم ووضيعهم، ومن بلغ الحلم منهم؛ ليس على الشيخ الفاني، ولا على الصغير الذي لم يبلغ الحلم، ولا على النساء شيء، وعلى أن للمسلمين عليهم النزل لجماعتهم حيث نزلوا، ومن نزل عليه ضيف واحد من المسلمين أو أكثر من ذلك، كانت لهم ضيافة ثلاثة أيام، وأن لهم أرضهم وأموالهم، لا يعرض لهم في شيء منها.
فشرط هذا كله على القبط خاصة، وأحصوا عدد القبط يؤمئذ خاصة من بلغ منهم الجزية، وفرض عليهم الديناران، ورفع ذلك عرفاؤهم بالأيمان المؤكدة، فكان جميع من أحصى يومئذ بمصر فيما أحصوا وكتبوا أكثر من ستة آلاف ألف نفس؛ فكانت فريضتهم يومئذ اثني عشر ألف ألف دينار في كل سنة. وقيل: بلغت غلتهم ثمانية آلاف ألف.
وشرط المقوقس للروم أن يتخيروا، فمن أحب منهم أن يقيم على مثل هذا أقام على هذا لازما له، مفترضا عليه ممن أقام بالإسكندرية وما حولها من أرض مصر كلها، ومن أراد الخروج منها إلى أرض الروم خرج، وعلى أن للمقوقس الخيار في الروم خاصة؛ حتى يكتب إلى ملك الروم يعلمه ما فعل، فإن قبل ذلك ورضيه جاز عليهم؛ وإلا كانوا جميعا على ما كانوا عليه.
وكتبوا به كتابا، وكتب المقوقس إلى ملك الروم يعلمه على وجه الأمر كله. فكتب إليه ملك الروم يقبح رأيه ويعجزه، ويرد عليه ما فعل، ويقول في كتابه: إنما من العرب اثنا عشر ألفا، وبمصر من بها من كثرة عدد القبط ما لا يحصى؛ فإن كان القبط كرهوا القتال، وأحبوا أداء الجزية إلى العرب واختاروهم علينا، فإن عندك بمصر من الروم وبالإسكندرية، ومن معك أكثر من مائة ألف، معهم العدة والقوة. والعرب وحالهم وضعفهم على ما قد رأيت، فعجزت عن قتالهم، ورضيت أن تكون أنت ومن معك في حال القبط أذلاء، ألا تقاتلهم أنت ومن معك من الروم حتى تموت، أو تظهر عليهم؛ فإنهم على قدر كثرتكم وقوتكم، وعلى قدر قلتهم وضعفهم كأكلة، فناهضهم القتال، ولا يكون لك رأي غير ذلك. وكتب ملك الروم بمثل ذلك كتابا إلى جماعة الروم.

(1/41)


فقال المقوقس لما أتاه كتاب ملك الروم: والله إنهم على قلتهم وضعفهم أقوى وأشد منا على كثرتنا وقوتنا، إن الرجل الواحد منهم ليعدل مائة منا؛ وذلك أنهم قوم الموت أحب إليهم من الحياة، يقاتل الرجل منهم وهو مستقل، ويتمنى ألا يرجع إلى أهله وبلده ولا ولده، ويرون أن لهم أجرا عظيما فيمن قتلوا منا، ويقولون: إنهم إن قتلوا دخلوا الجنة، وليس لهم رغبة في الدنيا، ولا لذة إلا على قدر بلغة العيش من الطعام واللباس، ونحن قوم نكره الموت، ونحب الحياة ولذتها، فكيف نستقيم نحن وهؤلاء، وكيف صبرنا معهم! واعلموا معشر الروم؛ إني والله لا أخرج مما دخلت فيه، وصالحت العرب فيه؛ وإني لأعلم أنكم سترجعون غدا إلى قولي ورأيي، وتتمنون أن لو كنتم أطعتموني؛ وذلك أني قد عاينت ورأيت، وعرفت ما لم يعان الملك ولم يره، ولم يعرفه، ويحكم! أما يرضى أحدكم أن يكون آمنا في دهره على نفسه وماله وولده، بدينارين في السنة! ثم أقبل المقوقس إلى عمرو بن العاص، فقال له: إن الملك قد كره ما فعلت وعجزني، وكتب إلي وإلى جماعة الروم ألا نرضى بمصالحتك، وأمرهم بقتالك حتى يظفروا بك أو تظفر بهم؛ ولم أكن لأخرج مما دخلت فيه وعاقدتك عليه؛ وإنما سلطاني على نفسي ومن أطاعني، وقد تم الصلح فيما بينك وبينهم؛ ولم يأت من قبلهم نقض ، وأنا متم لك على نفسي، والقبط متمون لك على الصلح الذي صالحتهم عليه وعاهدتهم؛ وأما الروم فأنا منهم برئ، وأنا أطلب منك أن تعطيني ثلاث خصال.
قال له عمرو: ما هن؟ قال: لا تنقضن بالقبط، وأدخلني معهم وألزمني ما لزمهم، وقد اجتمعت كلمتي وكلمتهم على ما عاهدتك، فهم متمون لك على ما تحب. وأما الثانية فإن سألك الروم بعد اليوم أن تصالحهم فلا تصالحهم حتى تجعلهم فيئا وعبيدا، فإنهم أهل لذلك؛ فإني نصحتهم فاستغشوني، ونظرت لهم فاتهموني. وأما الثالثة، أطلب إليك إن أنا مت، أن تأمرهم أنم يدفنوني في أبي يحنس بالإسكندرية.
فأنعم له عمرو بن العاص، وأجابه إلى ما طلب، على أن يضمنوا له الجسرين جميعا، ويقيموا له الإنزال والضيافة والأسواق والجسور؛ ما بين الفسطاط إلى الإسكندرية. ففعلوا وصارت لهم القبط أعوانا، كما جاء في الحديث، واستعدت الروم وجاشت، وقدم عليهم من أرض الروم جمع عظيم.
ثم التقوا بسلطيس، فاقتتلوا بها قتالا شديدا، ثم هزمهم الله، ثم التقوا بالكريون، فاقتتلوا بها بضعة عشر يوما.
وكان عبد الله بن عمرو على المقدمة، وحامل اللواء يومئذ وردان مولى عمرو.
وصلى عمرو يومئذ صلاة الخوف، ثم فتح الله يومئذ على المسلمين، وقتل منهم المسسلمون مقتلة عظيمة، وابتعوهم حتى بلغوا الإسكندرية، فتحصن بها الروم، وكانت عليهم حصون مبنية لا ترام، حصن دون حصن، فنزل المسلمون ما بين حلوة إلى قصر فارس، إلى ما وراء ذلك؛ ومعهم رؤساء القبط يمدونهم بما احتاجوا إليه من الأطعمة والعلوفة، ورسل ملك الروم تختلف إلى الإسكندرية في المراكب بمادة الروم، وكان ملك الروم يقول: لئن ظفرت العرب على الإسكندرية، إن ذلك انقطاع ملك الروم وهلاكهم؛ لأنه ليس للروم كنائس أعظم من كنائس الإسكندرية؛ وإنما كان عيد الروم حين غلبت العرب على الشام بالإسكندرية، فقال الملك: لئن غلبوا على الإسكندرية لقد هلكت الروم، وانقطع ملكها. فأمر بجهازه ومصلحته لخروجه إلى الإسكندرية، حتى يباشر قتالها بنفسه إعظاما لها، وأمر ألا يتخلف عنه أحد من الروم، وقال: ما بقي للروم بعد الإسكندرية حرمة، فلما فرغ من جهازه صرعه الله فأماته، وكفى الله المسلمين مؤنته وكان موته في سنة تسع عشرة.
وقال الليث بن سعد: مات هرقل في سنة عشرين، فكسر الله بموته شوكة الروم، فرجع كثير ممن قد توجه إلى الإسكندرية، وانتشرت العرب عند ذلك وألحت بالقتال على أهل الإسكندرية، فقاتلوهم قتالا شديدا، وحاصروا الإسكندرية تسعة أشهر بعد موت هرقل، وخمسة قبل ذلك، وفتحت يوم الجمعة مستهل المحرم سنة عشرين.
وقال ابن عبد الحكم: أنبأنا عثمان بن صالح، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، قال: أقام عمرو بن العاص محاصرا الإسكندرية أشهرا؛ فلما بلغ ذلك عمر بن الخطاب رضى الله عنه، قال: ما أبطأ بفتحها إلا لما أحدثوا.

(1/42)


وأخرج ابن عبد الحكم، عن زيد بن أسلم، قال: لما أبطأ على عمر الخطاب فتح مصر، كتب إلى عمرو بن العاص: أما بعد، فقد عجبت لإبطائكم عن فتح مصر؛ إنكم تقاتلونهم منذ سنتين؛ وما ذاك إلا لما أحدثتم وأحببتم من الدنيا ما أحب عدوكم، وإن الله تبارك وتعالى لا ينصر قوما إلا بصدق نياتهم، وقد كنت وجهت إليك أربعة نفر، وأعلمتك أن الرجل منهم مقام ألف رجل على ما كنت أعرف، إلا أن يكون غيرهم ما غيرهم؛ فإذا أتاك كتابي، فاخطب الناس، وحضهم على قتال عدوهم، ورغبهم في الصبر والنية، وقدم أولئك الأربعة في صدور الناس، ومر الناس جميعا أن يكون لهم صدمة كصدمة رجل واحد، وليكن ذلك عند الزوال يوم الجمعة، فإنها ساعة تنزل الرحمة فيها، ووقت الإجابة، وليعج الناس إلى الله، ويسألوه النصر على عدوهم.
فلما أتى عمرا الكتاب، جمع الناس، وقرأ عليهم كتاب عمر، ثم دعا أولئك النفر، فقدمهم أما الناس، وأمر الناش أن يظهروا، ويصلوا ركعتين، ثم رغبوا إلى الله تعالى، ويسألوه النصر على عدوهم، ففعلوا ففتح الله عليهم.
قال ابن عبد الحكم: حدثنا أبي، قال: لما أبطأ على عمرو بن العاص فتح الإسكندرية، استلقى على ظهره، ثم جلس فقال: إني في هذا الأمر؛ فانه لا يصلح آخره إلا من أصلح أوله - يريد الأنصار - فدعا عبادة بن الصامت، فعقد له، ففتح الله على يديه الإسكندرية من يومهم ذلك.
قال ابن عبد الحكم: وحدثنا عبد الملك بن مسلمة، عنا مالك بن أنس، أن مصر فتحت سنة عشرين.
قال: وحدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، قال: لما هزم الله الروم، وفتح الإسكندرية، وهرب الروم في البر والبحر، خلف عمرو بن العاص بالإسكندرية ألف رجل من أصحابه، ومضى عمرو ومن معه في طلب من هرب من الروم في البر، فرجع من كان من الروم في البحر إلى الإسكندرية، فقتلوا من كان فيها من المسلمين إلا من هرب منهم. وبلغ ذلك عمرو بن العاص، فكر رادعا، ففتحها وأقام بها، وكتب إلى عمر بن الخطاب: إن الله قد فتح علينا الإسكندرية عنوة بغير عقد ولا عهد. فكتب إليه عمر بن الخطاب يقبح رأيه، ويأمره ألا يجاوزها.
قال: وحدثنا هانئ بن المتوكل، حدثنا حزم بن إسماعيل المعافري، قال: قتل من المسلمين من حين من كان من أمر الإسكندرية ما كان، إلى أن فتحت عنوة اثنان وعشرون رجلا.
وحدثنا عثمان بن صالح، عن ابن لهيعة، قال: بعث عمرو بن العاص معاوية ابن حديج وافدا إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بشيرا له بالفتح، فقال له معاوية: ألا تكتب معي كتابا؟ قال له عمرو: وما تصنع بالكتاب! ألست رجلا عربيا تبلغ الرسالة؛ وما رأيت وما حضرت! فلما قدم على عمر، وأخبره بفتح الإسكندرية، خر عمر ساجدا، وقال الحمد لله.
وحدثنا إبراهيم بن سعد البلوي، قال: كتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أما بعد، فإني فتحت مدينة لا أصف ما فيها، غير أني أصبت فيها أربعة آلاف منية بأربعة آلاف حمام وأربعين ألف يهودي وأربعمائة ملهى للملوك.
وأخرج ابن عبد الحكم، عن أبي قبيل. وحيوة بن شريح، قالا: لما فتح عمرو ابن العاص الإسكندرية، وجد فيها اثني عشر ألف بقال يبيعون البقل الأخضر.
وأخرج عن محمد سعيد الهاشمي، قال: ترحل في الليلة التي دخل عمرو بن العاص الإسكندرية منها - أو في الليلة التي خافوا فيها دخول عمرو بن العاص - سبعون ألف يهودي.
وأخرج عن إبراهيم بن سعد البلوي، أن سبب فتح الإسكندرية، أن رجلا كان يقال له ابن بسامة، كان بوابا، فسأل عمرو بن العاص أن يؤمنه على نفسه وأرضه وأهل بيته، ويفتح له الباب، فأجاب عمرو إلى ذلك، ففتح له الباب فدخل.

(1/43)


وأخرج عن حسين بن شفي بن عبيد، قال: كان بالإسكندرية، فيما أحصي من الحمامات اثنا عشر ديماسا، أصغر ديماس منها يسع ألف مجلس، كل مجلس منها يسع جماعة نفر. وكان عدة من بالإسكندرية من الروم مائتي ألف من الرجال، فلحق بأرض الروم أهل القوة، وركبوا السفن، وكان بها مائة مركب من المراكب الكبار، فحمل فيها ثلاثون ألفا مع ما قدروا عليه من المال والمتاع والأهل، وبقى من بقى من الأسارى ممن بلغ الخراج، فأحصى يومئذ ستمائة ألف سوى النساء والصبيان، فاختلف الناس على عمر في قسمتهم، وكان أكثر الناس يريدون قسمتها، فقال عمرو: لا أقدر أقسمها، حتى أكتب إلى أمير المؤمنين، فكتب إليه يعلمه بفتحها وشأنها، ويعلمه أن المسلمين طلبوا قسمها، فكتب إليه عمر: لا تقسمها، وذرهم يكون خراجهم فيئا للمسلمين، وقوة على جهاد عدوهم، فأقرها عمرو، وأحصى أهلها، وفرض عليهم الخراج، فكانت مصر صلحا كلها بفريضة دينارين دينارين على كل رجل، لا يزاد على كل واحد منهم في جزية رأسه أكثر من دينارين، إلا أنه يلزم بقدر ما يتوسع فيه من الأرض والزرع إلا الإسكندرية، فإنهم كانوا يؤدون الخراج والجزية على قدر ما يرى من وليهم، لأن الإسكندرية فتحت عنوة بغير عهد ولا عقد، ولم يكن لهم صلح ولا ذمة.
وأخرج ابن عبد الحكم، عن يزيد بن أبي حبيب، قال: كانت قرى من قرى مصر قاتلت ونقضوا، فسبوا منها قرية يقال لها بلهيب، وقرية يقال لها الخيس، وقرية يقال لها سلطيس، وفرق سباياهم بالمدينة وغيرها، فردهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى قراهم، وصيرهم وجماعة القبط أهل ذمة.
وأخرج عن يحيى بن أيوب، أن أهل سلطيس ومصيل وبلهيب، ظاهروا الروم على المسلمين في جمع كان لهم، فلما ظهر عليهم المسلمون استحلوهم وقالوا: هؤلاء لنا فيء مع الإسكندرية، فكتب عمرو بن العاص بذلك إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكتب إليه عمر أن يجعل الإسكندرية وهؤلاء الثلاث قريات ذمة للمسلمين، ويضرب عليهم الخراج، ويكون خراجهم وما صالح عليه القبط قوة للمسلمين على عدوهم، ولا يجعلوا فيئا ولا عبيدا. ففعلوا ذلك.
وأخرج ابن عبد الحكم، عن هشام بن أبي رقية اللخمي، أن عمرو بن العاص رضي الله عنه لما فتح مصر قال لقبط مصر: من كتمني كنزا عنده فقدرت عليه قتلته، وإن قبطيا من أهل الصعيد، يقال له بطرس، ذكر لعمرو أن عنده كنزا، فأرسل إليه فسأله، فأنكر وجحد، فحبسه في السجن، وعمرو يسأل عنه: هل يسمعونه يسأل عن أحد؟ فقالوا: لا، إنما سمعناه يسأل عن راهب في الطور، فأرسل عمرو إلى بطرس، فنزع خاتمه من يده، ثم كتب إلى ذلك الراهب، أن ابعث إلي بما عندك، وختمه بخاتمة، فجاءه رسوله بقلة شامية مختومة بالرصاص، ففتحها عمرو، فوجد فيها صحيفة مكتوبا فيها: ما لكم تحت الفسقية الكبيرة؛ فأرسل عمرو إلى السقيفة، فحبس عنها الماء، ثم قلع منها البلاط الذي تحتها، فوجد فيها اثنين وخمسين إردبا ذهبا مضروبة، فضرب عمرو رأسه عند باب المسجد، فأخرج القبط كنوزهم شفقة أن يسعى على أحد منهم فيقتل كما قتل بطرس.
ذكر الخلاف بين العلماء في مصر
هل فتحت صلحا أو عنوة؟
فمن قال إنها فتحت صلحا: قال ابن عبد الحكم: حدثني عثمان بن صالح، أخبرنا الليث، قال: كان يزيد بن أبي حبيب يقول: مصر كلها صلح إلا الإسكندرية، فإنها فتحت عنوة.
حدثنا عبد الملك بن مسلمة، أنبأنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب وابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عون بن حطان، أنه كان لقريات من مصر - منهن أم دنين - عهد.
وأخرج عن يحيى بن أيوب وخالد بن حميد، قالا: فتح الله أرض مصر كلها بصلح غير الإسكندرية وثلاث قريات ظاهروا الروم على المسلمين: سليطس، ومصيل، وبلهيب.
ومن قال إنها فتحت عنوة: قال ابن عبد الحكم: حدثنا عبد الملك بن مسلمة وعثمان بن صالح، قالا: أخبرنا ابن لهيعة، عن ابن هبيرة، أن مصر فتحت عنوة.
وقال: أخبرنا عبد الملك، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، قال: سمعت أشياخنا يقولون: إن مصر فتحت عنوة بغير عهد ولا عقد.
وقال: أنبأنا عبد الملك، حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، أن مصر فتحت عنوة.

(1/44)


وقال: أنبأنا عبد الملك بن مسلمة، عن ابن وهب، عن داود بن عبد الله الحضرمي أن أبا حيان أيوب بن أبي العالية، حدثه عن أبيه، أنه سمع عمرو بن العاص يقول: لقد قعدت مقعدي هذا وما لأحد من قبط مصر على عهد ولا عقد إلا أهل أنطابلس، فإن لهم عهدا به.
حدثنا عبد الملك، حدثنا ابن لهيعة، عن أبي قنان به، وزاد: إن شئت قتلت، وإن شئت خمست، وإن شئت بعت.
وأخرج عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أن عمرو بن العاص فتح مصر بغير عهد ولا عقد، وأن عمر بن الخطاب حبس درها وصرها أن يخرج منه شيء، نظرا للإسلام وأهله.
وأخرج عن زيد بن أسلم، قال: كان تابوت لعمر بن الخطاب فيه كل عهد كان بينه وبين أحد ممن عاهده، فلم يوجد لأهل مصر عهد.
وأخرج عن الصلت بن أبي عاصم، أنه قرأ كتاب عمر بن عبد العزيز إلى حيان بن شريح: إن مصر فتحت عنوة بغير عهد ولا عقد.
وأخرج نحو ذلك عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعراك بن مالك وسالم ابن عبد الله.
وأخرج ابن عبد الحكم، ومحمد بن الربيع الجيزي في كتاب: من دخل مصر من الصحابة، من طرق عن عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة: سمعت سفيان بن وهب الخولاني يقول: لما فتحنا مصر بغير عهد، قام الزبير بن العوام، فقال: يا عمرو أقسمها، فقال عمرو بن العاص: لا أقسمها، فقال الزبير: والله لتقسمنها كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر، فقال عمرو: لم أكن لأحدث حدثا، حتى أكتب بذلك إلى أمير المؤمنين. فكتب إليه عمر بن الخطاب: أقرها حتى تغزو منها حبل الحبلة.
قال محمد بن الربيع: لم يرو أهل مصر عن الزبير بن العوام غير هذا الحديث الواحد.
ومن قال إن بعضها صلح وبعضها عنوة: قال ابن عبد الحكم: حدثنا يحيى بن خالد، عن رشيد بن سعد، عن عقيل بن خالد، عن ابن شهاب، قال: كان فتح مصر بعضها بعهد وذمة، وبعضها عنوة، فجعلها عمر بن الخطاب جميعا ذمة، وحملهم على ذلك؛ فمضى ذلك فيهم إلى اليوم.
فصل
قد لخص القضاعي في كتابه الخطط قصة فتح مصر تلخيصا وجيزا فقال، ومن خطه نقلت: لما قدم عمرو بن العاص رضي الله عنه من عند عمر رضي الله عنه، كان أول موضع قوتل فيه الفرما قتلا شديدا نحوا من شهر، ثم فتح الله عليه. قال أبو عمر الكندي: وكان أول من شد على باب الحصن حتى اقتحمه أسيفع بن وعلة السبئي وأتبعه المسلمون، فكان الفتح. وتقدم عمرو، لا يدافع إلا بالأمر الخفيف، حتى أتى بلبيس، فقاتلوه بها نحوا من شهر، حتى فتح الله عليه، ثم مضى لا يدافع إلا بالأمر الخفيف؛ حتى أتى دنين وهي المقس، فقاتلوه بها قتالا شديد، وكتب إلى عمر يستمده، فأمده باثني عشر ألفا، فوصلوا إليه إرسالا يتبع بعضهم بعضا، وكان فيهم أربعة آلاف عليهم أربعة، وهم الزبير بن العوام والمقداد بن الأسود وعبادة بن الصامت ومسلمة بن مخلد - وقيل: إن الرابع خارجة بن حذافة دون مسلمة - ثم أحاط المسلمون بالحصن، وأمير الحصن يومئذ المندفور الذي يقال له الأعيرج من قبل المقوقس بن قرقب اليوناني، وكان المقوقس ينزل الإسكندرية وهو في سلطان هرقل، غير أنه كان حاضر الحصن حين حاصروه المسلمون، ونصب عمرو فسطاطه في موضع الدار المعروفة بإسرائيل التي على باب زقاق الزهري، ويقال في دار أبي الوزام التي في أول زقاق الزهري، ملاصقة لدار إسرائيل. وأقام المسلمون على باب الحصن محاصرين للروم سبعة أشهر.
ورأى الزبير خللا مما يلي دار أبي الحراني الملاصقة لحمام بن نصر السراج عند سوق الحمام، فنصب سلما، وأسنده إلى الحصن، وقال: إني أهب نفسي لله عز وجل، فمن شاء أن يتبعني فليتبعني، فتبعه جماعة حتى أوفى الحصن، فكبر وكبروا، ونصب شرحبيل بن حسنة المرادي سلما آخر مما يلي زقاق الزمامرة، ويقال: إن السلم الذي صعد عليه الزبير كان موجودا في داره التي بسوق وردان إلى أن وقع حريق فاحترق.
فلما رأى المقوقس أن العرب قد ظفروا بالحصن، جلس في سفنه هو وأول القوة. وكانت ملصقة بباب الحصن الغربي، فلحقوا بالجزيرة، وقطعوا الجسر، وتحصنوا هناك والنيل حينئذ في مده.
وقيل. إن الأعيرج خرج معهم. وقيل أقام في الحصن.

(1/45)


وسأل المقوقس في الصلح، فبعث إليه عمرو بعبادة بن الصامت، فصالحه المقوقس على القبط والروم، على أن للروم الخيار في الصلح إلى أن يوافي كتاب ملكهم؛ فإن رضى تم ذلك، وإن سخط انتقض ما بينه وبين الروم؛ وأما القبط فبغير خيار. وكان الذي انعقد عليه الصلح أن فرض على جميع من بمصر أعلاها وأسفلها من القبط ديناران عن كل نفس في كل سنة من البالغين؛ شريفهم ووضيعهم دون الشيوخ والأطفال والنساء، وعلى أن للمسلمين عليهم النزل حيث نزلوا، وضيافة ثلاثة أيام لكل من نزل منهم؛ وأن لهم أرضهم وبلادهم، لا يعترضون في شيء منها.
فمن قال مصر فتحت صلحا تعلق بهذا الصلح، وقال: إن الأمر لم يتم إلا بما جرى بين عبادة بن الصامت وبين المقوقس؛ وعلى ذلك أكثر العلماء من أهل مصر؛ منهم عقبة بن عامر ويزيد بن أبي حبيب والليث بن سعد وغيرهم، وذهب الذين قالوا إنها فتحت عنوة إلى أن الحصن فتح عنوة؛ فكان حكم جميع الأرض كذلك.
وممن قال إنها فتحت عنوة، عبيد الله بن المغيرة السبئي وعبد الله بن وهب ومالك ابن أنس وغيرهم.
وذهب بعضهم إلى أن بعضها فتح عنوة وبعضها فتح صلحا، منهم ابن شهاب وابن لهيعة، وكان فتحها مستهل المحرم سنة عشرين.
وذكر يزيد بن أبي حبيب أن عدد الجيش الذي كان مع عمرو بن العاص خمسة عشر ألفا وخمسمائة.
وذكر عبد الرحمن بن سعيد بن مقلاص، أن الذين جرت سهامهم في الحصن من المسلمين اثمنا عشر ألفا وثلاثمائة بعد من أصيب منهم في الحصار من القتل والموت.
ويقال إن الذين قتلوا في مدة هذا الحصار من المسلمين دفنوا في أصل الحصن.
ثم سار عمرو بن العاص إلى الإسكندرية في شهر ربيع الأول سنة عشرين - وقيل في جمادى الآخرة - فأمر بفسطاطه أن يقوض، فإذا بيمامة قد باضت في أعلاه، فقال: لقد تحرمت بجوارنا، أقروا الفسطاط حتى يطير فراخها، فأقروا الفسطاط في موضعه، فبذلك سميت الفسطاط.
وذكر ابن قتيبة، أن العرب تقول لكل مدينة فسطاط، ولذلك قيل لمصر: فسطاط. وقفل عمرو بن العاص من الإسكندرية بعد افتتاحها والمقام بها في ذي القعدة سنة عشرية.
قال الليث: أقام عمرو بالإسكندرية في حصارها وفتحها ستة أشهر، ثم انتقل إلى الفسطاط، فاتخذها دارا. انتهى كلام القضاعي بحروفه رحمه الله.
ذكر الخطط
أخرج ابن عبد الحكم، عن يزيد بن أبي حبيب، أن عمرو بن العاص لما فتح الإسكندرية ورأى بيوتها وبناها مفروغا منها، هم أن يسكنها، وقال: مساكن كفيناها، فكتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يستأذنه في ذلك؛ فسأل عمر الرسول: هل يحول بيني وبين المسلمين ماء؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، إذا جرى النيل. فكتب عمر إلى عمخرو: إني لا أحب أن تنزل المسلمين منزلا يحول الماء بيني وبينهم في شتاء ولا صيف. فتحول عمرو بن العاص من الإسكندرية إلى الفسطاط.
وأخرج ابن عبد الحكم، عن يزيد بن أبي حبيب، أن عمر بن الخطاب، كتب إلى سعد بن أبي وقاص، وهو نازل بمدائن كسرى، وإلى عامله بالبصرة وإلى عمرو بن العاص وهو نازل بالإسكندرية؛ ألا تجعلوا بيني وبينكم ماء، متى أردت أن أركب إليكم راحلتي حتى أقدم عليكم قدمت. فتحول سعد من مدائن كسرى إلى الكوفة، وتحول صاحب البصرة من المكان الذي كان فيه، وتخول عمرو بن العاص من الإسكندرية إلى الفسطاط.
قال ابن عبد الحكم: وحدثنا أبي سعيد بن عفير، أن عمرو بن العاص لما أراد التوجه إلى الإسكندرية لقتال من بها من الروم أمر بنزع فسطاطه، فإذا فيه يمام قد فرخ، فقال: لقد تحرم منا بمتحرم، فأمر به فأقره كما هو، وأوصى به صاحب القصر، فلما قفل المسلمون من الإسكندرية، وقالوا: أين ننزل؟ قال: الفسطاط - لفسطاطه الذي كان خلفه، - وكان مضروبا في موضع الدار التي تعرف اليوم بدار الحصى.
وقال القضاعي: لما رجع عمرو من الإسكندرية، ونزل موضع فسطاطه، انضمت القبائل بعضها إلى بعض، وتنافسوا في المواضع، فولى عمرو على الخطط معاوية بن حديج التجيبي وشريك بن سمي القطيفي؛ من مراد، وعمرو بن مخزوم الخولاني، وحيويل ابن ناشرة المعارفي؛ فكانوا هم الذين أنزلوا الناس، وفصلوا بين القبائل، وذلك في سنة إحدى وعشرين. ذكره الكندي.

(1/46)


قال ابن عبد الحكم: وقد كان المسلمون حين اختطوا تركوا بينهم وبين البحر والحصن فضاء لتفريق دوابهم وتأديبها، فلم يزل الأمر على ذلك حتى ولي معاوية بن أبي سفيان، فأقطع في الفضاء، وبنيت به الدور. قال: وأما الإسكندرية فلم يكن بها خطط، وإنما كانت أخائذ، من أخذ منزلا نزل فيه هو وبنو أبيه.
ثم أخرج عن يزيد بن أبي حبيب أن الزبير بن العوام اختط بالإسكندرية.
ذكر بناء المسجد الجامع
قال ابن عبد الحكم: حدثنا عبد الملك بن مسلمة، عن الليث بن سعد، قال: بنى عمرو بن العاص المسجد؛ وكان ما حوله حدائق وأعنابا، فنصبوا الحبال حتى استقام لهم، ووضعوا أيديهم، فلم يزل عمرو قائما حتى وضعوا القبلة؛ وإن عمرا وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وضعوها واتخذوا فيه منبرا.
وحدثنا عبد الملك عن ابن لهيعة، عن أبي تميم الجيشاني، قال: كتب عمر ابن الخطاب رضي الله عنه: أما بعد؛ فإنه بلغني أنك اتخذت منبرا ترقى به على رقاب المسلمين، وأما حسبك أن تقوم قائما والمسلمون تحت عقبيك! فعزمت عليك لما كسرته.
وحدثنا عبد الملك، أنبأنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، أن أبا مسلم اليافعي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤذن لعمرو بن العاص، فرأيته يبخر المسجد.
وقال يزيد بن أبي حبيب: وقف على إقامة قبلة الجامع ثمانون من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
قال ابن عبد الحكم: ثم إن مسلمة بن مخلد الأنصاري زاد في المسجد الجامع بعد بنيان عمرو له ومسلمة الذي كان أخذ أهل مصر ببنيان المنار للمساجد، كان أخذه إياه بذلك في سنة ثلاث وخمسين، فبنيت المنار، وكتب عليها اسمه، ثم هدم عبد العزيز ابن مروان المسجد في سنة سبع وسبعين وبناه. ثم كتب الوليد بن عبد الملك في خلافته إلى قرة بن شريك العبسي، وهو يومئذ واليه على أهل مصر فهدمه كله، وبناه هذا البناء وزوقه، وذهب رءوس العمد التي هي في مجالس قيس، وليس في المسجد عمود مذهب الرأس إلا في مجالس قيس. وحول قرة المنبر حين هدم المسجد إلى قيسارية العسل، فكان الناس يصلون فيها الصلوات، ويجمعون فيها الجمع، حتى فرغ بنيانه، ثم زاد موسى بن عيسى الهاشمي بعد ذلك في مؤخره في سنة خمس وسبعين ومائة. ثم زاد عبد الله ابن طاهر في عرضه بكتاب المأمون بالإذن له في ذلك سنة ثلاث عشرة ومائتين، وأدخل فيه دار الرمل ودورا أخرى من الخطط.
هذا ما ذكره ابن عبد الحكم.
وقال ابن فضل الله في المسالك: مسجد عمرو بن العاص مسجد عظيم بمدينة الفسطاط، بناه موضع فسطاطه وما جاوره، وموضع فسطاطه حيث المحراب والمنبر وهو مسجد فسيح الأرجاء، مفروش بالرخام الأبيض، وعمده كلها رخام، ووقف عليه ثمانون من الصحابة، وصلوا فيه، ولا يخلو من سكنى الصلحاء.
ذكر الدار التي بنيت لعمر بن الخطاب فأمر بجعلها سوقا
أخرج ابن عبد الحكم، عن أبي صالح الغفاري، قال: كتب عمرو بن العاص إلى عمر ابن الخطاب رضي الله عنهما: إنا قد اختططنا لك دارا عند المسجد الجامع. فكتب إليه عمر: أنى لرجل بالحجاز يكون له دار بمصر! وأمره أن يجعلها سوقا للمسلمين.
قال ابن لهيعة: هي دار البركة، فجعلت سوقا، فكان يباع فيها الرقيق.
ذكر أول من بنى بمصر غرفة
قال ابن عبد الحكم: حدثنا شعيب بن الليث وعبد الله بن صالح، عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، قال: أول من بنى غرفة بمصر خارجة بن حذافة، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فكتب إلى عمرو بن العاص: سلام عليك، أما بعد فإنه بلغني أن خارجة بن حذافة بنى غرفة؛ وأراد أن يطلع على عورات جيرانه؛ فإذا أتاك كتابي هذا فاهدمها إن شاء الله. والسلام.
ذكر حمام الفأر
اختط عمرو بن العاص الحمام التي يقال لها حمام الفار، لأن حمامات الروم كانت ديماسات كبار، فلما بني هذا الحمام، ورأوا صغره، قالوا: من يدخل هذا! هذا حمام الفار.
ذكر اختطاط الجيزة

(1/47)


قال ابن عبد الحكم: حدثنا عثمان بن صالح، أنبأنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب وابن هبيرة، قالا: لما اختطفت القبائل استحبت همدان وما والاها الجيزة، وكتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب يعلمه بما صنع الله للمسلمين. وما فتح الله عليهم، وما فعلوا في خططهم؛ وما استحنبت همدان وما والاها من النزول بالجيزة. فكتب إليه عمر، يحمد الله على ما كان من ذلك، ويقول له: كيف رضيت أن تفرق أصحابك، ولم يكن ينبغي لك أن ترضى لأحد من أصحابك أن يكون بينك وبينهم بحر، لا تدري ما يفجؤهم، فلعلك على غياثهم حين ينزل بهم ما تكره. فاجمعهم إليك فإن أبوا عليك، وأعجبهم موضعهم، فابن عليه من فيء المسلمين حصنا. فعرض ذلك عمرو عليهم فأبوا، وأعجبهم موضعهم بالجيزة ومن والاهم على ذلك من رهطهم؛ يافع وغيرها، وأحبوا ما هنالك، فبنى لهم عمرو بن العاص الحصن بالجيزة في سنة إحدى وعشرين، وفرغ بن العاص لما سأل أهل الجيزة أن ينضموا إلى الفسطاط قالوا: متقدم قدمناه في سبيل الله، ما كنا لنرحل منه إلى غيره، فنزلت يافع بالجيزة فيها مبرح ابن شهاب، وهمدان، وذو أصبح، فيهم أبو شمر بن أبرهة، وطائفة من الحجر، منهم علقمة بن جنادة أحد بني مالك بن الحجر، وبرزوا إلى أرض الحرث والزرع.
وكان بين القبائل فضاء، من القبيل إلى القبيل، فلما قدمت الأمداد في زمن عثمان ابن عفان وما بعد ذلك، وكثر الناس، وسع كل قوم لبني أبيهم حتى كثر البنيان، والتأم خطط الجيزة.
ذكر المقطم
قال ابن عبد الحكم: حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، قال: سأل المقوقس عمرو بن العاص أن يبيعه سفح المقطم بسبعين ألف دينار، فعجب عمرو عن ذلك وقال: أكتب في ذلك إلى أمير المؤمنين، فكتب في ذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر: سله لم أعطاك به ما أعطاك وهي لا تزدرع ولا يستنبط بها ماء، ولا ينتفع بها. فسأله فقال: إنا لنجد صفتها في الكتب؛ إن فيها غراس الجنة. فكتب بذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر: إنا لا نعلم غراس الجنة إلا للمؤمنين، فاقبر فيها من مات قبلك من المسلمين، ولا تبعه بشيء. فكان أول من دفن فيها رجل من المعافر، يقال له عامر، فقيل: عمرت.
حدثنا هانئ بن المتوكل، عن ابن لهيعة، أن المقوقس قال لعمرو: إنا لنجد في كتابنا أن ما بين هذا الجبل وحيث نزلتم ينبت فيه شجر الجنة، فكتب بقوله إلى عمر ابن الخطاب، فقال: صدق، فاجعلها مقبرة للمسلمين.
حدثنا عثمان بن صالح، عن ابن لهيعة، عمن حدثه، قال: قبر فيها ممن عرفنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس نفر: عمرو بن العاص، وعبد الله بم حذافة السهمي، وعبد الله بن الحارث الزبيدي، وأبو بصرة الغفاري، وعقبة بن عامر الجهني.
وقال غير عثمان: ومسلمة بن مخلد الأنصاري. قال ابن لهيعة: والمقطم ما بين القصير إلى مقطع الحجارة، وما بعد ذلك فمن اليحموم.
حدثنا سعيد بن عفير وعبد الله بن عياد، قالا: حدثنا المفضل بن فضالة، عن أبيه قال: دخلنا على كعب الأحبار، فقال لنا: ممن أنتم؟ قلنا: من أهل مصر، قال: ما تقولون في القصير؟ قلنا: قصير موسى قال: ليس بقصير موسى، ولكنه قصير عزيز مصر، كان إذا جرى النيل يترفع فيه، وعلى ذلك إنه لمقدس من الجبل إلى البحر.
حدثنا هانئ ابن المتوكل، عن ابن لهيعة ورشدين بن سعد، عن الحسن بن ثوبان، عن حسين بن شفي الأصبحي، عن أبيه شفي بن عبيد، أنه لما صدم مصر - وأهل مصر أتخذوا مصلى بحذاء ساقيه أبي عون التي عند العسكر - فقال ما لهم وضعوا مصلاهم في الجبل الملعون، وتركوا الجبل المقدس! حدثنا أبو الأسود نصر بن عبد الجبار، أنبأنا ابن لهيعة، عن أبي قبيل، أن رجلا سأل كعبا عن جبل مصر، فقال: إنه لمقدس ما بين القصير إلى اليحموم.
وأخرج ابن عساكر في تاريخه، عن سفيان بن وهب الخولاني، قال: بينما نحن نسير مع عمرو بن العاص في سفح المقطم، ومعنا المقوقس، فقال له: يا مقوقس، ما بال جبلكم هذا أقرع، ليس عليه نبات ولا شجر، على نحو من جبال الشام! قال: ما أدري؛ ولكن الله أغنى أهله بهذا النيل عن ذلك؛ ولكنا نجد تحته ما هو خير من ذلك، قال: وما هو؟ قال: ليدفنن تحته قوم يبعثهم الله يم القيامة لا حساب عليهم، فقال عمرو: اللهم اجعلني منهم.

(1/48)


وقال الكندي: ذكر أسد بن موسى، قال: شهدت جنازة مع ابن لهيعة، فجلسنا حوله، فرفع رأسه، فنظر إلى الجبل، فقال: إن عيسى عليه الصلاة والسلام مر بسفح هذا الجبل، وأمه إلى جانبه، فقال: يا أماه، هذه مقبرة أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
قال الكندي: وسأل عمرو بن العاص المقوقس: ما بال جبلكم هذا أقرع، ليس عليه نبات كجبال الشام؟ فقال المقوقس: وجدنا في الكتب، أنه كان أكثر الجبال شجرا، ونباتا وفاكهة، وكان ينزله المقطم بن مصر بن يبصر بن حام بن نوح، فلما كانت الليلة التي كلم الله فيها موسى، أوحى الله تعالى إلى الجبال: إني مكلم نبيا من أنبيائي على جبل منكم، فسمت الحبال وتشامخت إلا جبل بيت المقدس، فإنه هبط وتصاغر، قال: فأوحى الله إليه؛ لم فعلت ذلك؟ فقال: إجلالا لك يا رب، قال: فأمر الله الجبال أن يعطوه؛ كل جبل منها مما عليه من النبت، وجاد له المقطم بكل ما عليه من النبت، حتى بقى كما ترى، فأوحى الله إليه: إني معوضك. على فعلك بشجر الجنة أو غراسها، فكتب بذلك عمرو بن العاص إلى عمر رضي الله عنهما، فكتب إليه: إني لا أعلم شجر الجنة أو غراسها لغير المسلمين، فاجعله لهم مقبرة. ففعل ذلك عمرو، فغضب المقوقس، وقال لعمرو: ما على هذا صالحتني! فقطع عمرو قطيعا من نحو الحبش يدفن فيه النصارى.
قال الكندي: وروى ابن لهيعة عن عياش بن عباس، أن كعب الأحبار سأل رجلا يريد السفر إلى مصر، فقال له: أهد لي تربة من سفح مقطعها؛ فأتاه منه بجراب. فلما حضرت كعبا الوفاة أمر به ففرش في لحده تحت جنبه.
فصل
قد أفتى ابن الجميزي وغيره بهدم كل بناء بسفح المقطم، وقالوا: إنه وقف من عمر على موتى المسلمين.
وذكر ابن الرفعة عن شيخه الظهير التزمنتي، عن ابن الجميزي، قال: جهدت مع الملك الصالح في هدم ما أحدث بالقرافة من البناء، فقال: أمر فعله والدي، لا أزيله. قال: وهذا أمر قد عمت به البلوى وطمت، ولقد تضاعف البناء حتى انتقل إلى المباهات والنزهة، وسلطت المراحيض على أموت المسلمين من الأشراف والأولياء وغيرهم.
وذكر أرباب التاريخ، أن العمارة من قبة الإمام الشافعي رضي الله عنه إلى باب القرافة؛ إنما حدثت أيام الناصر بن قلاوون، وكانت فضاء، فأحدث الأمير بلبغا التركماني تربة، فتبعه الناس.
قال الفاكهي في شرح الرسالة: ولا يجوز التضييق فيها ببناء يحرز بع قبرا ولا غيره، بل لا يجوز في المقبرة المحبسة غير الدفن فيها خاصة؛ وقد أفتى من تقدم من أجلة العلماء رحمهم - الله على ما بلغني ممن أثق به - بهدم ما بنى بقرافة مصر، وإلزام البنائين فيها حمل النقض، وإخراجه عنها إلى موضع غيرها.
وأخبرني الشيخ الفقيه الجليل نجم الدين بن الرفعة، عن شيخه الفقيه العلامة ظهير الدين التزمنتي، أنه دخل إلى صورة مسجد بني بقرافة مصر الصغرى، فجلس فيه من غير أن يصلى تحبية، فقال له الباني: ألا تصلى تحية المسجد! قال: لا، لأنه غير مسجد، فإن المسجد هو الأرض والأرض، مسبلة لدفن المسلمين - أو كما قال.
وأخبرني أيضا المذكور، عن شيخه المذكور، أن الشيخ بهاء الدين بن الجميزي، قال: جهدت مع الملك الصالح في هدم ما أحدث بقرافة مصر من البناء، فقال: أمر فعله والدي لا أزيله.
وإذا كان هذا قول ذلك الإمام وغيره في ذلك الزمان قبل أن يبالغوا في البناء، والتفنن فيه ونبش القبور لذلك، وتصويب المراحيض على أموات المسلمين من الأشراف والعلماء والصالحين وغيرهم؛ فكيف في هذا الزمان، وقد تضاعف ذلك جدا حتى كأنهم لم يجدوا من البناء فيها بدا، وجاءوا في ذلك شيئا إدا، فيجب على ولي الأمر أرشده الله تعالى الأمر بهدمها وتخريبها حتى يعود طولها عرضا وسماؤها أرضا.
وقال ابن الحاج في المدخل: القرافة جعلها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لدفن موتى المسلمين فيها، واستقر الأمر على ذلك، فيمنع البناء فيها.

(1/49)


قال: وقد قال لي من أثق به وأسكن إلى قوله: إن الملك الظاهر - يعني بيبرس - كان قد عزم على هدم ما في القرافة من البناء كيف كان، فوفقه الوزير في ذلك، وفنده واحتال عليه بأن قال له: إن فيها مواضع للأمراء، وأخاف أن تقع فتنة بسبب ذلك، وأشار عليه أن يعمل فتاوى في ذلك فيستفتي فيها الفقهاء: هل يجوز هدمها أم لا؟ فإن قالوا بالجواز فعل الأمير ذلك مستندا إلى فتاويهم، فلا يقع تشويش على أحد. فاستحسن الملك ذلك، وأمره أن يفعل ما أشار به. قال: فأخذ الفتاوى، وأعطاها لي، وأمرني أن أمشي على من في الوقت من العلماء، فمشيت بها عليهم مثل الظهير التزمنتي، وابن الجميزي ونظائرهما في الوقت، فالكل كتبوا خطوطهم، واتفقوا على لسان واحد أنه يجب على ولي الأمر أن يهدم ذلك كله، ويجب عليه أن يكلف أصحابه رمى ترابها إلى الكيمان، ولم يختلف في ذلك أحد منهم. قال: فأعطيت الفتوى للوزير، فما أعرف ما صنع فيها، وسكت على ذلك، وسافر الملك الظاهر إلى الشام في وقته، فلم يرجع، ومات بها.
فهذا إجماع هؤلاء العلماء المتأخرين، فكيف يجوز البناء فيها! فعلى هذا فكل من فعل ذلك فقد خالفهم.
ذكر جبل يشكر
هو الذي عليه جامع أحمد بن طولون، ويقال: إنه قطعة من الجبل المقدس، وكان يشكر رجلا صالحا.
وقيل: إن الجبل المذكور يستجاب فيه الدعاء. وكان يصلي عليه التابعون والصالحون وقد أشار أهل الفلاح على ابن طولولن أنه يبني جامعة عليه.
ذكر فتوح الفيوم
قال ابن عبد الحكم: حدثني سعيد بن عفير وغيره، قالوا: لما تم الفتح للمسلمين بعث عمرو جرائد الخيل إلى القرى التي حولها، فأقامت الفيوم سنة، لم يعلم المسلمون بها ولا مكانها حتى أتاهم آت، فذكرها لهم؛ فأرسل عمرو ربيعة بن حبيش بن عرفطة الصدفي؛ فلما سلكوا في المجابة لم يروا شيئا، فهموا بالانصراف، فقالوا: لا تعجلوا، سيروا؛ فان كان كذبا فما أقدركم على ما أردتم! فلم يسيروا قليلا حتى طلع لهم سواد الفيوم، فهجموا عليها؛ فلم يكن عندهم قتال، وألقوا ما بأيديهم. ويقال: بل خرج مالك بن ناعمة الصدفي على فرسه وهو صاحب الأشقر ببعض المجابة، ولا علم له بما خلفها من الفيوم، فلما رأى رجع سوادها، رجع إلى عمرو، فأخبره بذلك.
ويقال: بل بعث عمرو بن العاص قيس بن الحارث إلى الصعيد، فسار حتى أتى القيس، فنزل بها، وبه سميت القيس، فراث على عمرو خبره، فقال ربيعة بن حبيش: كفيت. فركب فرسه، فأجاز عليه البحر - وكانت أثنى - فأتاه بالخبر. ويقال: إنه أجاز من ناحية الشرقية حتى انتهى إلى الفيوم.
ذكر فتح برقة والنوبة
قال ابن عبد الحكم: وبعص عمرو بن العاص نافع بن عبد القيس الفهري - وكان نافع أخا العاثي بن وائل لأنه - فدخلت خيولهم أرض النوبة صوائف كصوئف الروم، فلم يزل الأمر على ذلك حتى عزل عمرو بن العاص عن مصر، ووليها عبد الله ابن سعد بن أبي سرح، وصالحهم، وذلك في إحدى وثلاثين؛ على أن يؤدوا كل سنة للمسلمين ثلاثمائة رأس وستين رأسا، ولوالي البلد أربعين رأسا.
قال: وكان البربر بفلسطين، وكان ملكهم جالوت؛ فما قتله داود عليه الصلاة والسلام خرج البربر متوجهين إلى المغرب؛ حتى انتهوا إلى لوبية وماقية - وهما كورتان من كور مصر الغربية مما يشرب من السماء، ولا ينالهما النيل - فتفرقوا هنالك؛ فتقدمت زناته ومغيلة إلى المغرب، وسكنوا الجبال، وتقدمت لواته، فسكنت أرض أنطابلس؛ وهي برقة؛ وتفرقت في هذا المغرب، وانتشروا فيه، ونزلت هوارة مدينة لبدة.
فسار عمر بن العاص في الخيل حتى قدم برقة؛ فصالح أهلها على ثلاثة عشر ألف دينار يؤدونها إليه الجزية، على أن يبيعوا من أحبوا من أبنائهم في جزيتهم ولم يكن يدخل برقة يومئذ جابي خراج إنما كانوا يبعثون بالجزية إذا جاء وقتها.
ووجه عمرو بن العاص عقبة بن نافع؛ حتى بلغ زويلة، فصار ما بين برقة وزويلة للمسلمين.
ذكر الجزية

(1/50)


قال ابن عبد الحكم: كان عمرو بن العاص يبعث إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما بالجزية بعد حبس ما يحتاج إليه؛ حدثنا عثمان بن صالح، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب قال: كانت فريضة مصر لحفر خلجها وإقامة جسورها وبناء قناطرها وقطع جزائرها مائة ألف وعشرين ألفا، معهم الطور والمساحي والأداة؛ يتعقبون ذلك، لا يدعون ذلك شتاء ولا صيفا.
حدثنا عبد الملك بن مسلمة، عن القاسم بن عبد الله، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: كتب عمر بن الخطاب أن يختم في رقاب أهل الذمة بالرصاص، ويظهروا مناطقهم ويجزوا نواصيهم، ويركبوا على الأكف عرضا، ولا يضربوا الجزية إلا على من جرت عليه المواسي، ولا يضربوا على النساء ولا على الولدان، ولا يدعوهم يتشبهون بالمسلمين في ملبوسهم.
حدثنا عبد الملك، عن الليث بن سعد، قال: كانت ويبة عمر بن الخطاب في ولاية عمرو بن العاص ستة أمداد.
قال ابن عبد الحكم: وكان عمرو بن العاص لما استوسق له الأمر أقر قبطها على جباية الروم؛ وكانت جبايتهم بالتعديل: إذا عمرت القرية، وكثر أهلها زيد عليهم، وإن قل أهلها وخربت نقصوا، فيجتمع عرفاء كل قرية ورؤساؤهم، فيتناظرون في العمارة والخراب؛ حتى إذا أقروا من القسم بالزيادة انصرفوا بتلك القسمة إلى الكور، ثم اجتمعوا هم ورؤساء القرى، فوزعوا ذلك على احتمال القرى وسعة المزارع، ثم ترجع كل قرية بقسمهم فيجمعون قسمهم وخراج كل قرية وما فيها من الأرض العامرة فيبدرون ويخرجون من الأرض فدادين لكنائسهم وحمامامتهم ومعدياتهم من جملة الأرض، ثم يخرج منها عدد الضيافة للمسلمين ونزول السلطان؛ فإذا فرغوا نظروا إلى ما في كل قرية من الصنائع والأجراء، فقسموا عليهم بقدر احتمالهم؛ فان كانت فيها جالية قسموا عليها بقدر احتمالها، وقل ما كانت إلا للرجل الشاب أو المتزوج، ثم نظروا فيما بقي من الخراج فيقسمونه بينهم على عدد الأرض، ثم يقسمون بين من يريد الزرع منهم على قدر طاقتهم؛ فان عجز أحد وشكا ضعفا عن زرع أرضه وزعوا ما عجز عنه على ذوي الاحتمال، وإن كان منهم من يريد الزيادة أعطى ما عجز عنه أهل الضعف؛ فإن تشاحوا قسموا ذلك على عدتهم، وكانت قسمتهم على قراريط: الدينار أربعة وعشرين قيراطا، يقسمون الأرض على ذلك. وكذلك روى عن النبي صلى الله عليه وسلم: " إنكم ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيرا " ، وجعل عليهم لكل فدان نصف إردب وويبتين من شعير إلا القرط، فلم يكن عليه ضريبة، والويبة يومئذ ستة أمداد.
وحدثنا عثمان بن صالح وعبد الله بن صالح، قالا: حدثنا الليث بن سعد، قال: لما ولي ابن رفاعة مصر خرج ليحصي عدة أهلها، وينظر في تعديل الخراج عليهم، فقام في ذلك ستة أشهر بالصعيد، حتى بلغ أسوان ومعه جماعة من الأعوان والكتاب يكفونه ذلك بجد وتشمير وثلاثة أشهر بأسفل الأرض، فأحصوا من القرى أكثر من عشرة آلاف قرية، فلم يحص فيها في أصغر قرية منها أقل من خمسمائة جمجمة من الرجال الذين يفرض عليهم الجزية.
حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، أن عمرا جبى مصر أثنى عشر ألف ألف، وجباها المقوقس قبله سنة عشرين ألف ألف، فعند ذلك كتب إليه عمر بن الخطاب: بسم الله الرحمن الرحيم.

(1/51)


من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص. سلام عليك؛ فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد؛ فإني فكرت في أمرك والذين أنت عليه، فإذا أرضك أرض واسعة عريضة رفيعة، قد أعطى الله أهلها عددا وجلدا وقوة في بر وبحر، وأنها قد عالجتها الفراعنة، وعملوا فيها عملا محكما، مع شدة عتوهم وكفرهم، فعجبت من ذلك؛ وأعجب مما أعجبت، أنها لا تؤدى نصف ما كانت تؤديه من الخراج قبل ذلك على غير قحوط ولا جدوب؛ ولقد أكثرت في مكاتبتك في الذي على أرضك من الخراج، وظننت أن ذلك سيأتينا على غير نزر، ورجوت أن تفيق فترفع إلى ذلك؛ فإذا أنت تأتيني بمعاريض تعبأ بها لا توافق الذي في نفسي؛ ولست قابلا منك دون الذي كنت تؤخذ به من الخراج قبل ذلك. ولست أدري ما الذي أنفرك من كتابي وقبضك! فلئن كنت مجزئا كافيا صحيحا، إن البراءة لنافعة، ولئن كنت مضيعا نطفا إن الأمر لعلي غير ما تحدث به نفسك. وقد تركت أن أبتغي ذلك منك في العام الماضي في رجاء أن تفيق فترفع إلي ذلك؛ وقد علمت أنه لم يمنعك من ذلك إلا عمالك عمال السوء، وما توالس عليه وتلفف؛ اتخذوك كهفا. وعندي بإذن الله دواء فيه شفاء عما أسألك عنه؛ فلا تجزع أبا عبد الله أن يؤخذ منك الحق وتعطاه؛ فان النهز يخرج الدر، والحق أبلج، ودعني وما عنه تتلجلج، فانه برح الخفاء. والسلام.
فكتب إليه عمرو بن العاص: بسم الله الرحمن الرحيم.
لعبد الله عمر أمير المؤمنين من عمرو بن العاص؛ سلام عليك، فأني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو؛ أما بعد، فقد بلغني كتاب أمير المؤمنين في الذي استبطأني فيه من الخراج، والذي ذكر فيه من عمل الفراعنة قبل، وإعجابه من خراجها على أيديهم، ونقص ذلك منها منذ كان الإسلام. ولعمري للخراج يومئذ أوفر وأكثر، والأرض أعمر، لأنهم كانوا على كفرهم وعتوهم أرغب في عمارة أرضهم منا منذ كان الإسلام. وذكرت بأن النهز يخرج الدر، فحلبتها حلبا قطع ذلك درها. وأكثرت في كتابك، وأنبت، وعرضت وثربت؛ وعلمت أن ذلك عن شيء تخفيه على غير خبر؛ فجئت لعمري بالمفظعات المقذعات؛ ولقد كان لك فيه من الصواب من القول رصين صارم بليغ صادق. وقد علمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولمن بعده؛ فكنا بحمد الله مؤدين لأماناتنا حافظين لما عظم الله من حق أئمتنا، نرى غير ذلك قبيحا، والعمل به سيئا، فيعرف ذلك لنا ويصدق فيه قيلنا. معاذ الله من تلك الطعم، ومن شر الشيم، والاجتراء على كل مأثم؛ فاقبض عملك؛ فإن الله قد نزهني عن تلك الطعم الدنية والرغبة فيها بعد كتابك الذي لم تستبق فيه عرضا ولم تكرم فيه أخا. والله يابن الخطاب؛ لأنا حين يراد ذلك مني أشد لنفسي غضبا، ولها أنزاها وإكراما. وما علمت من عمل أرى على فيه متعلقا؛ ولكني حفظت ما لم تحفظ؛ ولو كنت من يهود يثرب ما زدت - يغفر الله لك ولنا - وسكت عن أشياء كنت بها عالما؛ وكان اللسان بها مني ذلولا؛ ولكن الله عظم من حقك ما لا يجهل. والسلام.
فكتب إليه عمر بن الخطاب: من عمر بن الخطاب إلى عمر بن العاص؛ سلام عليك، فأني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو؛ أما بعد، فقد عجبت من كثرة كتبي إليك في إبطائك بالخراج وكتابك إلي ببنيات الطرق؛ وقد علمت أني لست أرضى منك إلا بالحق البين؛ ولم أقدمك إلى مصر أدعلها لك طعمة ولا لقومك؛ ولكني وجهتك لما رجوت من توفيرك الخراج، وحسن سياستك؛ فإذا أتاك كتابي هذا فاحمل الخراج، فإنما هو فيء المسلمين، وعندي من قد تعلم قوم محصورون. والسلام.
فكتب إليه عمرو بن العاص: بسم الله الرحمن الرحيم.
لعمر بن الخطاب من عمر بن العاص، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو؛ أما بعد، فقد أتاني كتاب أمير المؤمنين يستبطئني في الخراج، ويزعم أني أعند عن الحق، وأنكب عن الطريق؛ وإني والله ما أرغب من صالح ما تعلم؛ ولكن أهل الأرض استنظروني إلى أن تدرك غلتهم؛ فنظرت للمسلمين؛ فكان الرفق بهم خيرا من أن يخرق بهم، فنصير إلى ما لا غنى بهم عنه. والسلام.

(1/52)


فلما استبطأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخراج، كتب إليه: أن ابعث إلي رجلا من أهل مصر؛ فبعث إليه رجلا قديما من القبط، فاستخبره عمر عن مصر وخراجها قبل الإسلام، فقال: يا أمير المؤمنين، كان لا يؤخذ منها شيء إلا بعد عمارتها، وعاملك لا ينظر إلى العمارة، وإنما يأخذ ما ظهر له؛ كأنه لا يريدها إلا لعام واحد.
فعرف عمر ما قال:، وقبل من عمرو ما كان يعتذر به.
قال ابن عبد الحكم: حدثنا هشام بن إسحاق العامري قال: كتب عمر بن الخطاب رضى الله عنه إلى عمرو بن العاص، أن يسأل المقوقس عن مصر: من أين تأتي عمارتها وخرابها؟ فسأله عمرو، فقال له المقوقس: تأتي عمارتها وخرابها من خمسة وجوه: أن يستخرج الخراج في إبان واحد عن فراغ أهلها من زروعهم، ويرفع خراجها في إبان واحد عند فراغ أهلها من عصر كرومها، وتحفر في كل سنة خلجها، وتسد ترعها وجسورها، ولا يقبل محل أهلها - يريد البغي - فإذا فعل هذا فيها عمرت، وإن عمل فيها بخلافه خربت.
قال الليث بن سعد: إن عمرا جباها أثنى عشر ألف ألف. وقال غير الليث: وجباها المقوقس قبله بسنة عشرين ألف ألف. قال الليث: وجباها عبد الله بن سعد حين استعمله عليها عثمان أربعة عشر ألف ألف، فقال عثمان لعمرو: يا أبا عبد الله، دررت اللقحة بأكثر من درها الأول، قال عمرو: أضررتم بولدها.
حدثنا شعيب بن الليث وعبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، قال: كتب عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص: أنظر من قبلك ممن بايع تحت الشجرة، فأتم لهم العطاء لشجاعته، ولعثمان بن أبي العاص لضيافته.
حدثنا سعيد بن عفير، عن ابن لهيعة، قال: كان ديوان مصر في زمان معاوية أربعين ألفا، وكان منهم أربعة آلاف في مائتين، فأعطى مسلمة بن مخلد أهل الديوان أعطياتهم وأعطيات عيالهم وأرزاقهم ونوائبهم ونوائب البلاد من الجسور وأرزاق الكتبة وحملان القمح إلى الحجاز؛ وبعث إلى معاوية بستمائة ألف دينار فضلا.
حدثنا هانئ، حدثنا ضمام عن أبي قبيل، قال: كان معاوية بن أبي سفيان قد جعل على كل قبيلة من قبائل العرب رجلا يصبح كل يوم، فيدور على المجالس فيقول: هل ولد الليلة فيكم مولود؟ وهل نزل بكم نازل؟ فيقال: ولد لفلان غلام ولفلان جارية؛ فيقول: سموهم، فيكتب. ويقال: نزل بنا رجل من أهل اليمن بعياله فيسمونه وعياله، فإذا فرغ من القبائل كلها أتى الديوان.
ذكر المكس على أهل الذمة
قال ابن عبد الحكم: حدثنا سعيد بن عفير، عن بن لهيعة، عن ابن هبيرة، قال: دعا عمرو بن العاص خالد بن ثابت الفهمي ليجعله على المكس، فاستعفاه؛ فقال عمرو: ما تكره منه؟ فقال: إن كعبا قال: لا تقرب المكس؛ فإن صاحبه في النار؛ فكان ربيعة بن شرحبيل بن حسنة على المكس.
ذكر القطائع
قال ابن عبد الحكم: حدثنا يحيى بن خالد، عن الليث بن سعد، قال: لم يبلغنا أن عمر ابن الخطاب أقطع أحدا من الناس شيئا من أرض مصر إلا لابن سندر، فانه أقطعه أرض منية الأصبغ؛ فحاز لنفسه ألف فدان؛ فلم تزل له حتى مات؛ فاشتراها الأصبغ بن عبد العزيز من ورثته؛ فليس بمصر قطيعة أقدم منها ولا أفضل.

(1/53)


حدثنا عبد الملك بن مسلمة عن ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، أنه كان لزنباع الجذامي غلام يقال له سندر، فوجده يقبل جارية له، فجبه وجدع أذنيه وأنفه، فأنى سندر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل إلى زنباع، فقال: لا تحملوهم ما لا يطيقون، وأطعموهم مما تأكلون، وأكسوهم مما تلبسون؛ فإن رضيتم فأمسكوا، وإن كرهتموهم فبيعوا، ولا تعذبوا خلق الله، ومن مثل به أو أحرق بالنار فهو حر، وهو مولى الله ورسوله. فأعتق سندر، فقال: أوص بي يا رسول الله، قال: أوصي بك كل مسلم؛ فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى سندر إلى أبي بكر الصديق رضي الله، قال: احفظ في وصية النبي صلى الله عليه وسلم، فعاله أبو بكر رضى الله عنه حتى توفي، ثم أتى عمر فقال: احفظ في وصية النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقال: نعم، إن رضيت أن تقيم عندي أجربت عليك ما كان يجري عليك أبو بكر، وإلا فانظر أي المواضع أكتب لك؛ فقال سندر: مصر فإنها أرض ريف؛ فكتب إلى عمرو ابن العاص: احفظ وصية رسول الله صلى الله عليه فيه؛ فلما قدم على عمرو، قطع له أرضا واسعة ودارا، فجعل سندر يعيش فيها، فلما مات سندر قبضت في مال الله تعالى. قال عمرو بن شعيب: ثم أقطعها عبد العزيز بن مروان الأصبغ بعده؛ فكانت خير أموالهم.
ذكر مرتبع الجند
قال ابن عبد الحكم: حدثنا عبد الله بن صالح، عن عبد الرحمن بن شريح، عن أبي قبيل، قال: كان الناس يجتمعون بالفسطاط إذا قفلوا؛ فإذا حضر مرافق الريف خطب عمرو بن العاص بالناس، فقال: قد حضر مرافق ريفكم؛ فانصرفوا، فإذا حمض اللبن، واشتد العود، وكثر الذباب، فحي على فسطاطكم، ولا أعلمن ما جاء أحد قد أسمن نفسه، وأهزل جواده.
حدثنا أحمد بن عمرو، أنبأنا ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن أبي يزيد بن أبي حبيب، قال: كان عمرو يقول للناس إذا قفلوا من غزوهم: إنه قد حضر الربيع، فمن أحب منكم أن يخرج بفرسه يربعه فليفعل؛ ولا أعلمن ما جاء رجل قد أسمن نفسه وأهزل فرسه؛ فإذا حمض اللبن وكثر الذباب، وقوى العود، فارجعوا إلى قيروانكم.

(1/54)


حدثنا سعيد بن ميسرة، عن إسحاق بن الفرات، عن ابن لهيعة، عن الأسود بن مالك الحميري عن بحير بن ذاخر المعافري، قال: رحت أنا ووالدي إلى صلاة الجمعة، تهجيرا، وذلك آخر الشتاء - أظنه بعد حمم النصارى بأيام يسيرة، فأطلنا الركوع إذ أقبل رجال بأيديهم السياط، يزجرون الناس، فذعرت، فقلت: يا أبت، من هؤلاء؟ قال: يا بني هؤلاء الشرط، فأقام المؤذنون الصلاة، فقام عمرو بن العاص على المنبر، فرأيت رجلا ربعة قصد القامة وافر الهامة، أدعج أبلج، عليه ثياب موشية، كأن به العقيان، تأتلق عليه حلة وعمامة وجبة، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ووعظ الناس، وأمرهم ونهاهم، ثم قال: يا معشر الناس إنه قد نزلت الجوزاء، وذكت الشعرى، وأقلعت السماء، وارتفع الوباء، وقل النداء، وطاب المرعى، ووضعت الحوامل، ودرجت السخائل، وعلى الراعي حسن النظر لرعيته، فحي لكم على بركة الله ريفكم، تنالوا من خيره ولبنه، وخرافه وصيده، وأربعوا خيلكم واسمنوها وصونوها وأكرموها، فإنها جنتكم من عدوكم، وبها مغانمكم وأثقالكم، واستوصوا بمن جاورتموه من القبط خيرا؛ حدثنا عمر أمير المؤمنين أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الله سيفتح عليكم بعدي مصر، مفاستوصوا بقبطها خيرا، فإن لكم منهم صهرا وذمة " ، فعفوا أيديكم وفروجكم، وغضوا أبصاركم، ولا أعلمن ما أنى رجل قد أسمن جسمه، وأهزل فرسه. واعلموا أني متعرض بالخيل كاعتراض الرجال؛ فمن أهزل فرسه من غير علة حططت من فريضته قدر ذلك. واعلموا أنكم في رباط إلى يوم القيامة، لكثرة الأعداء حولكم وتشوق قلوبهم إليكم وإلى دياركم، معدن الزرع والمال، والخير الواسع والبركة النامية. وحدثني عمر أمير المؤمنين، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إذا فتح الله عليكم مصر، فاتخذوا فيها جندا كثيفا، فذلك الجند أجناد الأرض " ، فقال له أبو بكر: ولم يا رسول الله؟ قال: " لأنهم وأزواجهم في رباط إلى يوم القيامة " ، فاحمدوا الله معاشر المسلمين على ما أولاكم، فتمتعوا في ريفكم ما طاب لكم؛ فإذا يبس العود وسخن العمود، وكثر الذباب، وحمش اللبن، وصوح البقل، وانقطع الورد من الشجر، فحي على فسطاطكم، على بركة الله تعالى وعونه ولا يقدمن أحد منكم ذو عيال على عياله إلا ومعه تحفة لعياله على ما أطاق من سعته أو عسرته؛ أقول قولي هذا وأستغفر الله، وأستحفظ الله عليكم.
قال حفظت ذلك عنه، فقال والدي: يا بني إنه يجرئ الناس إذا أنصرفو إليه على الرباط كما جرأهم على الريف والدعة.
ذكر نهي الجند عن الزرع
أخرج ابن عبد الحكم، عن عبد الله بن هبيرة، قال: إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر مناديه أن يخرج إلى أمراء الأجناد يتقدمون إلى الرعية؛ أن عطاءهم قائم، وأن رزق عيالهم سائل، فلا يزرعون ولا يزارعون.
قال ابن وهب: فأخبرنا شريك بن عبد الرحمن المرادي، قال: بلغنا أن شريك بن سمي الغصيفي أتى عمرو بن العاص، فقال: إنكم لا تعطونا ما يحسبنا، أفتأذن لي في الزرع؟ قال: ما أقدر على ذلك، فزرع شريك من غير إذن عمرو، فكتب عمرو إلى عمر بن الخطاب يخبره أن شريكا حرث بأرض مصر فكتب إليه عمر: أن ابعث إلي به، )فبعث به إليه، فقال له عمر: لأجعلنك نكالا لمن خلفك، قال: أو تقبل مني ما قبل الله من العبا؟ قال: وتفعل؟ قال: نعم، فكتب إلى عمرو بن العاص: إن شريك ابن سمي جاءني تائبا. فقبلت منه(.
ذكر حفر خليج أمير المؤمنين
قال ابن عبد الحكم: حدثنا عبد الله بن صالح وغيره، عن الليث بن سعد، أن الناس بالمدينة أصابهم جهد شديد في خلافة عمر عام الرمادة، فكتب إلى عمرو بن العاص وهو بمصر: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص: سلام عليك؛ أما بعد؛ فلعمري يا عمرو ما تبالي إذا شبعت أنت ومن معك، أن أهلك أنا ومن معي؛ فياغوثاه، ثم ياغوثاه! يردد قوله.
فكتب إليه عمرو بن العاص: لعبد الله عمر أمير المؤمنين، من عبد الله عمرو بن العاص؛ أما بعد فيا لبيك ثم يا لبيك! قد بعثت إليك بعير أولها عندك وآخرها عندي. والسلام عليك ورحمة الله.
فبعث إليه بعير عظيمة، فكان أولها بالمدينة وآخرها بمصر، يتبع بعضها بعضا، فلما قدمت على عمر وسع بها على الناس.

(1/55)


وكتب إلى عمرو بن العاص يقدم عليه هو وجماعة من أهل مصر، فقدموا عليه، فقال عمر: يا عمرو؛ إن الله قد فتح على المسلمين مصر، وهي كثيرة الخير والطعام، وقد ألقى في روعي - لما أحببت من الرفق بأهل الحرمين، والتوسعة عليهم - أن أحفر خليجا من نيلها حتى يسيل في البحر، فهو أسهل لما نريد من حمل الطعام إلى المدينة ومكة؛ فإن حمله على الظهر يبعد ولا نبلغ معه ما نريد؛ فانطلق أنت وأصحابك فتشاوروا في ذلك حتى يعتدل فيه رأيكم.
فانطلق عمرو، فأخبر بذلك من كان معه من أهل مصر فثقل ذلك عليهم، وقالوا: نتخوف أن يدخل في هذا ضرر على أهل مصر، فنرى أن تعظم ذلك على أمير المؤمنين وتقول له: هذا أمر لا يعتدل، ولا يكون، ولا نجد إليه سبيلا.
فرجع عمرو بذلك إلى عمر، فضحك حين رآه، وقال: والذي نفسي بيده، لكأني أنظر إليك يا عمرو وإلى أصحابك حين أخبرتهم بما أمرت به من حفر الخليج، فثقل ذلك عليهم، وقالوا: يدخل في هذا ضرر على أهل مصر؛ فنرى بأن تعظم ذلك على أمير المؤمنين، وتقوله له: هذا لا يعتدل، ولا نجد إليه سبيلا.
فعجب عمرو من قول عمر، وقال: صدقت والله يا أمير المؤمنين، لقد كان الأمر على ما ذكرت، فقال عمر: انطلق يا عمرو بعزيمة مني حتى نجد في ذلك، ولا يأتي عليك الحول حتى تفرغ منه إن شاء الله تعالى. فانصرف عمرو، وجمع لذلك من الفعلة ما بلغ منه ما أراد، ثم احتفر الخليج الذي في حاشية الفسطاط، الذي يقال له خليج أمير المؤمنين، فساقه من النيل إلى القلزم؛ فلم يأت الحول حتى فرغ، وجرت فيه السفن، فحمل فيه ما أراد من الطعام إلى المدينة ومكة، فنفع الله بذلك أهل الحرمين، وسمى خليج أمير المؤمنين.
ثم لم يزل يحمل فيه الطعام، حتى حمل فيه بعد عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه، ثم ضيعه الولاة بعد ذلك، فترك وغلب عليه الرمل، فانقطع، وصار منتهاه إلى ذنب التمساح من ناحية طحا القلزم.
قال ابن عبد الحكم: وحدثني أخي عبد الحكم بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن محمد بن عبد الرحمن - قال: حسبته، عن عروة - أن عمر بن الخطاب قال لعمرو بن العاص حين قدم عليه: )قد عرفت الذي أصاب العرب(، وليس جند من الأجناد أرجى عندي من أن يغيث الله بهم أهل الحجاز من جندك؛ فان استطعت أن تحتال لهم حيلة حتى يغيث الله! فقال عمرو: ما شئت يا أمير المؤمنين، قد عرفت أنه كانت تأتينا سفن فيها تجار من أهل مصر قبل الإسلام، فلما فتحنا مصر، انقطع ذلك الخليج واستد، وتركته التجار، فإن شئت أن تحفره فتنشئ فيه سفنا يحمل فيها الطعام إلى الحجاز فعلته! قال عمر: نعم، فحفره عمرو، وعالجه وجعل فيه السفن.
حدثنا أبي، سفيان بن عيينة، عن ابن أبي بحيح، عن أبيه، أن رجلا أتى عمرو بن العاص من قبط مصر، قال: أرأيتك إن دللتك على مكان تجري فيه السفن، حتى تنتهي إلى مكة والمدينة، أتضع عني الجزية وعن أهل بيتي؟ قال: نعم، فكتب إلي عمر، إليه أن افعل؛ فلما قدمت السفن الحجاز خرج عمر حاجا أو معتمرا " ، فقال للناس: سيروا بنا ننظر إلى السفن التي سيرها الله إلينا من أرض فرعون.
قال ابن زولاق: وليس بمصر خليج إسلامي غيره. قال: وكان حجاج البحر يركبون فيه من ساحل تنيس يسيرون فيه، ثم ينتقلون بالقلزم إلى المراكب الكبار.
ذكر انتفاض عهد الإسكندرية وسببه
وذلك في خلافة عثمان رضي الله عنه، قال ابن عبد الحكم: حدثنا عثمان بن صالح، عن الليث بن سعد، قال: عاش عمر بن الخطاب بعد فتح مصر ثلاث سنين، قدم عليه فيها عمرو قدمتين، استخلف في إحداهما زكريا بن جهم العبدري على الجند، ومجاهد ابن جبير مولى بني نوفل على الخراج، فسأله عمر: من استخلفت؟ فذكر له مجاهد بن جبير، فقال عمر: مولى ابنة غزوان؟ قال: نعم؛ إنه كاتب، فقال عمر: إن القلم ليرفع صاحبه. واستخلف في القدمة الثانية عبد الله بن عمر.

(1/56)


حدثنا عن حيوة بن شريح، عن الحسن بن ثوبان، عن هشام، عن أبي رقية قال: كان سبب نقض الإسكندرية العهد أن صاحب إخنا، قدم على عمرو بن العاص، فقال: أخبرنا، ما على أحدنا من الجزية؟ فقال عمرو: لو أعطيتني من الركن إلى السقف من أخبرتك؛ إنما أنتم خزانة لنا؛ إن كثر علينا كثرنا عليكم، وإن خفف عنا خففنا عنكم. فغضب صاحب إخنا، فخرج إلى الروم، فقدم بهم، فهزمهم الله، وأسر النبطي، فأتى به إلى عمرو فقال له الناس: اقتله؛ قال: لا بل انطلق؛ فجئنا بجيش آخر.
حدثنا سعيد بن سابق، قال: كان اسمه طلما، وإن عمرا لما أتي به سوره، وتوجه وكساه برنس أرجوان، وقال له: ائتنا بمثل هؤلاء. فرضى بأداء الجزية، فقيل لطلما: لو أتيت ملك الروم! فقال: لو أتيته لقتلني، وقال: قتلت أصحابي.
حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، قال: كانت الإسكندرية انتقضت وجاءت الروم، وعليهم منويل الخصى في المراكب، حتى أرسى بالإسكندرية، فأجابهم من بها من الروم؛ ولم يكن المقوقس تحرك ولا نكث؛ وقد كان عثمان بن عفان رضي الله عنه عزل عمرو بن العاص، وولى عبد الله بن سعد؛ فلما نزلت الروم بالإسكندرية، سأل أهل مصر عثمان أن يقرأ عمرا حتى يفرغ من قتال الروم؛ فإن له معرفة بالحرب، وهيبة في قلب العدو؛ ففعل. وكان على الإسكندرية سورها؛ فحلف عمرو بن العاص: لئن أظفره الله عليهم ليهدمن سورها؛ حتى يكون مثل بيت الزانية يؤتى من كل مكان. فخرج عليهم عمرو في البر والبحر، وضوى إلى المقوقس من أطاعه من القبط؛ فأما الروم فلم يطعه منهم أحد، فقال خارجة بن حذافة لعمرو: ناهضهم القتال قبل أن يكثر مددهم، ولا آمن أن تنتفض مصر كلها، فقال عمرو: لا، ولكن أدعهم حتى يسيروا إلي، فإنهم يصيبون من مروا به، فجعلوا ينزلون القرية، فيشربون خمورها، ويأكلون أطعمتها، وينهبون ما مروا به. فلم يتعرض لهم عمرو حتى بلغوا نقيوس، فلقوهم في البر والبحر، فبدأت الروم والقبط، فرموا بالنشاب في الماء رميا حتى أصاب النشاب يومئذ فرس عمرو في لبته، وهو في البر، فعقر، فنزل عنه عمرو، ثم خرجوا من البحر فاجتمعوا هم والذين في البر، فنضحوا المسلمين بالنشاب؛ فاستأخر المسلمون عنهم شيئا يسيرا وحملوا على المسلمين حملة ولى المسلمون منها، وانهزم شريك بن سمي في خيله. وكانت الروم قد جعلت صفوفا خلف صفوف، وبرز يومئذ بطريق ممن جاء من أرض الروم على فرس له، عليه سلاح مذهب، فدعا إلى البراز، فبرز إليه رجل من زبيد، يقال له حومل، يكنى أبا مذحج، فاقتتلا طويلا برمحين يتطاردان، ثم ألقى البطريق الرمح، وأخذ السيف، وألقى حومل رمحه، وأخذ سيفه، وكان يعرف بالنجدة، وجعل عمرو يصيح: أبا مذحج! فيجيبه: لبيك! والناس على شاطئ النيل في البر على تعبئتهم وصفوفهم، فتجاولا ساعة بالسيفين، ثم حمل عليه البطريق، فاحتمله - وكان نحيفا - فاخترط حومل خنجرا كان في منطقته أو في ذراعه، فضرب نحر العلج أو ترقوته فأثبته، فوقع عليه وأخذ سابه، ثم مات حومل بعد ذلك بأيام، فرئي عمرو يحمل سريره بين عمودي نعشه حتى دفنه بالمقطم، ثم شد المسلمون عليهم، فكانت هزيمتهم. فطلبهم المسلمون حتى ألحقوهم بالإسكندرية، ففتح الله عليهم، وقتل منويل الخصي.
حدثنا الهيثم بن زياد، أن عمرو بن العاص قتلهم حتى أمعن في مدينتهم؛ فكلم في ذلك، فأمر برفع السيف عنهم، وبنى في ذلك الموضع الذي رفع فيه السيف مسجدا، وهو المسجد الذي بالإسكندرية يقال له مسجد الرحمة - وإنما سمي مسجد الرحمة لرفع عمر السيف هناك - وهدم سورها كله. وجمع عمرو ما أصابه منهم، فجاءه أهل تلك القرى ممن لم يكن نقض، فقالوا: قد كنا على صلحنا، وقد مر علينا هؤلاء اللصوص، فأخذوا متاعنا ودوابنا، وهو قائم في يديك. فرد عليهم عمرو بن ما كان لهم من متاع عرفوه، وأقاموا عليه البنية.
رجع إلى حديث يزيد بن أبي حبيب. قال: فلما هزم الله الروم، أراد عثمان عمرا أن يكون على الحرب وعب الله بن سعد على الخراج، فقال عمرو: أنا إذا كماسك البقرة بقرنيها وآخر يحلبها! فأبى عمرو.
حدثنا عبد الملك بم مسلمة، حدثنا ابن وهب، عن موسى بن علي، عن أبيه، عن عمرو بن العاص، أنه فتح الإسكندرية الفتحة الأخيرة عنوة قسرا في خلافة عثمان بعد موت عمر بن الخطاب.

(1/57)


حدثنا عبد الملك، حدثنا ابن لهيعة، قال: كان فتح الإسكندرية الأول سنة إحدى وعشرين، وفتحها الآخر سنة خمس وعشرين.
قال نمير بن لهيعة: وأقام عمرو بعد فتح الإسكندرية، ثم عزله عثمان رضي الله عنه، وولى عبد الله بن سعد؛ وكان عمر بن الخطاب ولى عبد الله بن سعد من الصعيد إلى الفيوم، فكتب عثمان بن عفان، إلى عبد الله بن سرح يؤمره على مصر كلها. فلما كان سنة خمس وثلاثين مشت الروم إلى قسطنطين بن هرقل، فقالوا: نترك الإسكندرية في أيدي العرب، وهي مدينتنا الكبرى، فقال: ما أصنع بكم؟ ما تقدرون أن تمالكوا ساعة إذا العرب! قالوا: فاخرج على أنا نموت. فتبايعوا على ذلك، فخرج في ألف مركب يريد الإسكندرية، فسار في أيام غالبة من الريح، فبعث الله عليهم ريحا فغرقتهم، إلا قسطنطين نجا بمركبه، فألقته الريح بسقلية فسألوه عن أمره فأخبرهم، فقالوا شأمت النصرانية، وأفنيت رجالها، لو دخل العرب علينا لم نجد من يردهم، فقال: خرجنا مقتدرين، فأصابنا هاذ، فصنعوا له الحمام، ودخلوا عليه، فقال: ويلكم! تذهب رجالكم، وتقتلون ملككم! قالوا: كأنه عرق معهم ثم قتلوه، وخلوا من كان معهم في المركب.
ذكر رابطة الإسكندرية
أخرج ابن عبد الحكم، عن يزيد بن أبي حبيب وعبد الله بن هبيرة، قالا: لما استقامت البلاد، وفتح الله على المسلمين الإسكندرية، قطع عمرو بن العاص من أصحابه لرباط الإسكندرية ربع الناس خاصة؛ الربع يقيمون ستة أشهر والربع في السواحل، والنصف الثاني مقيمون معه.
قال غيرهما: وكان عمر بن الخطاب يبعث كل سنة غازية من أهل المدينة ترابط بالإسكندرية، فكانت الولاة لا تغفلها، وتكشف رابطتها، ولا تأمن الروم عليها.
وكتب عثمان إلى عبد الله بن سعد: قد علمت كيف كان هم أمير المؤمنين بالإسكندرية، وقد نقضت الروم مرتين، فألزم الإسكندرية رابظتها، ثم أجر عليهم أرزاقهم، وأعقب منهم في كل ستة أشهر.
وأخرج عن أبي قبيل، أن عتبة بن أبي سفيان عقد لعلقمة بن يزيد الغطفي على الإسكندرية، وبعث معه اثني عشر ألفا، فكتب علقمة إلى معاوية يشكو عتبة حين غدر به وبمن معه. فكتب إليه معاوية إني: قد أمددتك بعشرة آلاف من أهل الشام وبخمسة آلاف من أهل المدينة، فكان فيها سبعة وعشرون ألفا.
وأخرج ابن حبان في الضعفاء، من طريق عبد الملك بن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن جده، عن علي مرفوعا: " أربعة أبواب من الجنة مفتحة في الدنيا: الإسكندرية وعسقلان، وقزوين، وجدة " .
وأخرج ابن الجوزي في الموضعات من طريق عمرو بن صبيح، عن أبان، عن أنس مرفوعا: " يحول الله القيامة ثلاثة قرى من زبر جدة خضراء: عسقلان، والإسكندرية، وقزوين " .
وقال ابن الجوزي: عمرو بن صبيح يضع على الثقات.
وقال الكندي في فضائل مصر: قال أحمد بن صالح، قال لي سفيان بن عيينة: يا مصري، أين تسكن؟ قلت: أسكن الفسطاط، قال: أتأتي الإسكندرية؟ قلت: نعم، قال لي: تلك كنانة الله يحمل فيها خير سهامه.
وقال عبد الله بن مرزوق الصدفي: لما نعى إلي ابن عمي خالد بن يزيد - وكان توفي بالإسكندرية - لقيني موسى بن علي بن رباح وعبد الله بن لهيعة والليث بن سعد متفرقين، كلهم يقولون: أليس مات بالإسكندرية! فأقول: بلى، فيقولون: هو حي عند الله يرزق، ويجري عليه أجر رباطه ما قامت الدنيا، وله أجر شهيد حتى يحشر على ذلك.
ذكر وسيم
وأخرج ابن عبد الحكم، من طريق لهيعة، عن بكر بن سوادة، عن أبي غطيف، عن حاطب بن أبي بلتعة، أن عمر بن الخطاب قال: يقاتلكم أهل الأندلس بوسيم، حتى يبلغ الدم ثنن الخيل، ثم ينهزمون.
ذكر ما يقع بمصر قرب الساعة

(1/58)


أخرج الحاكم في المستدرك، وصححه من حديث عبد الله بن صالح: حدثني الليث، حدثني أبو قبيل، عند عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رجلا من أعداء المسلمين بالأندلس، يقال له ذو العرف، يجمع بم قبائل المشركين جمعا عظيما؛ يعرف من بالأندلس أن لا طاقة لهم به، فيهرب أهل القوة من المسلمين في السفن، فيجيزون إلى طنجة، ويبقى ضعفة الناس وجماعتهم، ليس لهم سفن يجيزون عليها، فيبعث الله جلا وعلا وينشر لهم في البحر، فيجيز الوعل، لا يغطي الماء أظلافه، فيراه الناس فيقولون: الوعل، الوعل! اتبعوه، فيجيز الناس على أثره كلهم، ثم يصير البحر على ما كان عليه، ويجيز العدو في المراكب؛ فإذا حبسهم أهل إفريقية هربوا كلهم من إفريقية، ومعهم من كان بالأندلس من المسلمين، حتى يدخلوا الفسطاط، ويقبل ذلك العدو حتى ينزلوا فيما بين ترنوط إلى الأهرام، مسيرة خمسة برد، فيملئون ما هناك شرا، فتخرج إليهم راية المسلمين على الجسر، فينصرهم الله عليهم، فيهزمونهم ويقتلونهم إلى لوبية، مسيرة عشرة ليال، ويستوقد أهل الفسطاط بعجلهم وأداتهم سبع سنين، وينقلب ذو العرف من القتل، ومعه كتاب لا ينظر فيه إلا وهو منهزم، فيجيد فيه ذكر الإسلام، وأنه يؤمر فيه بالدخول في السلم، فيسأل الأمان على نفسه وعلى من أجابه إلى الإسلام من قومه، فيسلم، ثم يأتي العام الثاني رجل من الحبشة يقال له أنيس، وقد جمع جمعا عظيما، فيهرب المسلمون منهم من أسوان حتى لا يبقى فيها ولا فيما دونها أحد من المسلمين، إلا دخل الفسطاط، فينزل أنيس بجيشه منف، فيخرج إليهم راية المسلمين على الجسر، فينصرهم الله عليهم، فيقتلونهم ويأسرونهم، حتى يباع الأسود بعباءة.
قال الحاكم: صحيح موقوف.
ذكر من دخل مصر من الصحابة
رضي الله عنهم
قد ألف الإمام محمد بن الربيع الجيزي في ذلك كتابا في مجلد، ذكر فيه مائة ونيفا وأربعين صحابيا، وقد فاته مثل ما ذكر أو أكثر، وقد ألفت في ذلك تأليفا لطيفا، استوعبت فيه ما ذكره، وزدت عليه ما فاته من تاريخ ابن عبد الحكم، وتاريخ ابن يونس وطبقات ابن سعد، وتجريد الذهبي، وغيرها؛ فزاد في العدة على ثلاثمائة؛ وها أنا أسوق كتابي المذكور برمته، ليستفاد، وهو هذا:
در السحابة فيمن دخل مصر من الصحابة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله حمدا كثيرا، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث بشيرا ونذيرا، وبعد فقد ألف الإمام محمد بن الربيع الجيزي الذي والده صاحب الإمام الشافعي رضي الله عنه كتابا فيمدن دخل مصر من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين في مجلد، فأورد منه مائة ونيفا وأربعين رجلا، وأورد فيه أحاديثهم، وما رواه أهل مصر، وقد فاته جماعة لم يذكرهم؛ ذكر بعضهم ابن عبد الحكم في فتوح مصر، وبعضهم ابن يونس في تاريخ مصر، وبعضهم ابن سعد في طبقاته. وقد أردت أن ألخص كتاب محمد بن الربيع الجيزي، وأضم إليه ما فاته مرفوعا عليه صورة ، وأرتبه على حروف المعجم، وأزيد التراجم، فأذكر الاسم والكنية واللقب، واسم الأب والجد والنسب والسن والوفاة، وما تفرد الصحابي بروايته، وقد أورد نادرة، أو غريبة، أو كرامة. وسميته: " در السحابة فيمن دخل مصر من الصحابة " والله أسأل التوفيق إنه ولي الإجابة وإليه الإنابة:
حرف الهمزة
أبرهة بن شرحبيل بن أبرهة بن الصباح الحميري. صحابي. قال الرشاطي في الأنساب: وفد على النبي صلى الله عليه وسلم، ففرش له رداءه. وكان بالشام، وكان يعد من الحكماء، وله رواية.
وقد في مرآة الزمان، عن الهيثم أن عمرو بن العاص بعثه إلى الفرما، ففتحها بعد ما فرغ من أمر الفسطاط.
أبيض بن حمال - بالحاء المهملة - بن مرثد ابن ذي لحيان - بضم اللام - المأربي السبئتي. قال ابن الربيع الجيزي: أخبرني يحيى بن عثمان أنه شهد فتح مصر. قال البخاري وابن السكن: له صحبة وأحاديث تعد في أهل اليمن، وروى البطراني أنه وفد على أبي بكر رضي الله تعالى عنه لما انتقض عليه عمال اليمن. وروى حديثه أصحاب السنن الأربعة وابن حبان، وروى أن أبيض بن حمال، كان بوجهه حزازة، وهي القوباء، فالتقمت أنفه، فمسح النبي صلى الله عليه وسلم على وجهه، فلم يمس ذلك اليوم وبه أثر.

(1/59)


أبيض. غير منسوب. كان اسمه أسود، فغيره النبي صلى الله عليه وسلم بأبيض. قال ابن يونس: له ذكر فيمن دخل مصر؛ وروى من طريق ابن لهبعة عن بكر بن سوادة، عن سهل بن سعد، قال: كان رجل يسمى أسود، فسماه النبي صلى الله عليه سولم أبيض قال الطبراني: تفرد به ابن لهبعة.
قال الحافظ ابن حجر في الإصابة: لا أدري هو أبيض بن حمال، أو غيره.
أبيض بن هني بن معاوية أبو هبيرة. قال في الإصابة: أدرك النبي صلى الله عليه وسلم، وشهد فتح مصر، ذكره ابن منده في تاريخه، واستدركه أبو موسى وذكره ابن الكلبي في الجمهرة.
أبي بن عمارة - بكر العين، وقيل بضمتها. أحد من صلى للقبلتين، ذكره ابن عبد الحكم فيمن دخل مصر من الصحابة، وقال: لأهل مصر عنه حديث واحد، ذكر ابن الكلبي أن أباه عمارة أدرك خالد بن سنان الذي يقال له إنه كان نبيا.
وقال المزي في التهذيب: مدني، سكن مصر، له صحبة وحديث في المسح على الخفين.
أجمد - بالجيم - بن عجيان - بجيم ومثناة تحتية بوزن عثمان، وقبل بوزن عليان. همداني وفد على النبي صلى الله عليه وسلم وشد فتح مصر؛ ذكره ابن يونس، وقال: لا أعلم له رواية، وخطته معروفة بجيزة مصر.
قال في الإصابة: وضبطه ابن العربي بالحاء المهملة، فوهم.
الأحب بن مالك بن سعد الله. ذكره ابن الربيع فيمن دخلها ممن أدرك النبي صلى الله عليه وسلم، ولا نعرف له رواية.
وقال في الإصابة: سماه ابن الدباغ " أحب " ؛ والصواب " لاحب " . وسيأتي.
أحمر بن قطن الهمداني. قال في الإصابة: شهد فتح مصر؛ يقال له صحبة، ذكره ابن ماكولا عن ابن يونس.
أدهم بن حظرة اللخمي الرشدي، من بني راشدة، ابن أذينة بن جديلة بن لخم .
قال ابن ماكولا: هو صحابي، ذكره سعيد بن عفير في أهل مصر، ولم يقع له رواءة. وذكره ابن يونس.
الأرقم بن حفيتة التجيبي . من بني نصر بن معاوية، قال ابن منده: سمعت ابن يونس يقول: إنه شهد فتح مصر، وعداده في الصحابة.
أسعد بن عطية بن عبيدة القضاعي البلوي. ذكره ابن يونس، وقال: بايع تحت الشجرة، وشهد فتح مصر. له ذكر، وليست له رواية.
امرؤ القيس بن الفاخر بن الطماح الخولاني أبو شرحبيل. شهد فتح مصر وله ذكر في الصحابة، قاله ابن منده.
أؤس بن عمرو بن عبد القارئ. نزيل مصر. قال القضاعي في الخطط: له صحبة، ذكره في الإصابة.
إياس بن البكير - ويقال بن أبي البكير - بن عبد ياليل بن ثابت الليثي. قال ابن الربيع: بدري شهد فتح مصر، ولأهل مصر عنه حديث واحد، أخبرنيه مقدم ابن داود؛ حدثنا أبو الأسود نصر بن عبد الجبار، عن ابن لهيعة، عن عياش بن عباس، عن عيسى بن موسى، عن إياس بن البكير، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من مات يوم الجمعة، كتب الله له أجر شهيد، ووقى فتنة القبر " .
وقال ابن يونس: شهد فتح مصر، ومات سنة أربع وثلاثين. واستشهد أخوه عاقل ببدر، وأخوهم خالد يوم الرجيع، وأخوهم عامر باليمامة.
قال ابن إسحاق: لا يعلم أربعة اخوة شهدوا بدرا غير إياس واخوته وهاجروا جميعا.
إياس بن عبد الأسد القاري. حليف بني زهرة، ذكره سعيد بن عفير، فيمن شهد فتح مصر من الصحابة، واختط بها دارا. أخرجه ابن منده، وذكره أيضا ابن عبد الحكم.
أيمن بن خريم - بالمعجمة ثم الراء - بن الأخرم بن شداد بن عمرو بن فاتك الأسدي. قال المبرد في الكامل: له صحبة.
وقال المرزباني: يقال له صحبة.
وقال ابن عبد البر: أسلم يوم الفتح وهو غلام يفعة.
وقال ابن السكن: يقال له صحبة. وأخرج له الترمذي حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم واستغربه، وقال: لا نعرف سماعا عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال الصولي: كان أيمن يسمى خليل الخلفاء، لإعجابهم به وبحديثه لفصاحته وعلمه.
وكان به وضح يغيره بزعفران، فكان عبد العزيز بن مروان - وهو أمير مصر - يواكله، ويحتمل ما به من الوضح لإعجابه به؛ كذا نقله في الإصابة؛ وهو صريح في أنه كان بمصر.
وقال المزي في التهذيب: ذكره ابن منده وغيره في الصحابة، وكناه أبو عطية: الشاعر؛ وقال: شامي مختلف في صحبته.
ومن شعره في قتل عثمان:
إن الذين تولوا قتله سفها ... لقوا أثاما وخسرانا وما ربحوا
الأكدر بن حمام بن عامر بن صعب اللخمي. قال في الإصابة: لد إدراك. قال سعيد بن عفير: شهد فتح مصر هو وأبوه.

(1/60)


وقال أبو عمر الكندي في كتاب الخندق: حدثني يحيى بن أبي معاوية بن خلف ابن ربيعة؛ عن أبيه، حدثني الوليد بن سليمان، قال: كان أكدر علويا، وكان ذا دين وفضل وفقه الله في الدين، وجالس الصحابة، وروى عنهم. وهو صاحب الفريضة التي تسمى الأكدرية، وكان ممن سار إلى عثمان؛ وكان معاوية يتألف قومه به، وكان يكرمه؛ ويدفع إليه عطاءه، ويرفع مجلسه؛ فلما حاصر مروان أهل مصر، أجلب عليه الأكدر بقومه، وحاربه بكل أمر يكرهه؛ فلما صالح مروان أهل مصر، علم أن الأكدر سيعود إلى فعلاته؛ فألب عليه قوما من أهل الشام، فادعوا عليه قتل رجل منهم. فدعاه، فأقاموا عليه الشهادة، فأمر بقتله. قال: فحدثني موسى بن علي ابن رباح، عن أبيه، قال: كنت واقفا بباب مروان، حين دعي الأكدر، فجاء ولم يدر فيم دعي له، فما كان بأسرع من أن قتل، فتنادى الجند: قتل الأكدر، قتل الأكدر! فلم يبق أحد حتى لبس سلاحه، وحضروا باب مروانوهم زيادة على ثمانين ألف إنسان؛ فأغلق مروان بابه خوفا، فمضوا وذهب دم الأكدر هدرا.
وروى أبو عمر الكندي من طريق ابن لهيعة، قال: مرض الأكدر بن حمام بالمدينة ليالي عثمان، فجاءه علي بن أبي طالب رضي الله عنه عائدا، فقال: كيف تجدك؟ قال: بأبي أنت يا أمير المؤمنين! قال: كلا لتعيشن زمانا، ويغدر بك غادر، وتصير إلى الجنة إن شاء الله تعالى.
وقال ابن أبي شيبة: حدثنا وكيع عن سفيان، قال: قلت للأعمش: لم سميتم الفريضة الأكدرية؟ قال: طرحها عبد الملك بن مروان على رجل يقال له الأكدر، وكان ينظر في الفرائض، فأخطأ فيها.
قال في الإصابة: لعله طرحها عليه قديما؛ وعبد الملك يطلب العلم بالمدينة، وإلا فالأكدر قتل قبل أن يلى عبد الملك الخلافة.
وروى ابن المنذر في التفسير عن ابن جريج في قوله تعالى: )لم يمسسهم سوء(، قال: قدم رجل من المشركين من بدر، فأخبر أهل مكة بخيل محمد، فرعبوا فجلسوا فقال:
نفرت قلوصى من خيول محمد
وكتيبة منثورة كالعسجد
اتخذت ماء قديد موعد
زعموا أنه الأكدر بن حمام؛ أورده الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في الإصابة في قسم المخضرمين؛ وهم من أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسلم إلا بعد وفاته؛ وهم صحابة في قول ابن عبد البر وطائفة.
حرف الباء
بحر - بضم أوله وضم المهملة أيضا - بن ضبع - بضمتين أيضا - بن أنسة اين يحمد الرعيني. قال ابن يونس: وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهد فتح مصر. وقال في ترجمة حفيده مروان بن جعفر بن خليفة بن بحر: كان شاعرا، وهو القائل:
وجدي الذي عاطى الرسول يمينه ... وحنت إليه من بعيد رواحله
قال: وحفيده الآخر أبو بكر بن محمد بن بحر، ولي مراكب دمياط خلافة عمر بن عبد العزيز. ذكره ابن يونس.
برتا بن الأسود بن عبد شمس القضاعي. قال ابن يونس: له صحبة، شهد فتح مصر وقتل يوم فتح الإسكندرية.
برح - بكسر أوله وسكون الراء بعدها مهملة - بن عسكر ، بضم العين المهملة وسكون السين المهملة وضم الكاف بعدها راء. كذا ضبطه ابن ماكولا، ونسبه إلى قضاعة.
وقال المنذري: كان السلفي يقول: عسكل بلام.
وقال ابن عبد الحكم: يقال: ابن حسكل، والصواب عسكل.
قال ابن يونس: له وفادة على النبي صلى الله عليه وسلم، وشهد فتح مصر واختط بها، وسكنها وهو معروف من أهل البصرة.
بسر - بضم أوله وسكون المهملة - بن أرطاة، أو ابن أبي أرطاة. قال حبان: وهو الصواب. وقال في الإصابة: وهو الأصح.
واسم أبي أرطاة عمير بن عويمر القرشي العامري أبو عبد الرحمن، مختلف في صحبته، وصحح أنه له صحبة أهل الشام وابن حبان والدار قطني.
قال ابن يونس: كان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، شهد فتح مصر، واختط بها، وكان من شيعة معاوية، شهد صفين معه، وولي البحرين له، ووسوس في آخر أيامه.
وقال ابن السكن: مات وهو خرف.
وقال ابن حبان: كان يلي لمعاوية الأعمال، وكان إذا دعا ربما استجيب له.
قال ابن الربيع وابن السكن: مات أيام معاوية بدمشق.
وقال خليفة وابن حبان: مات في أيام عبد الملك بن مروان بالمدينة.
وقال المسعودي: مات في خلافة الوليد سنة ست وثمانين.
وقال الواقدي: ولد قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين.
وقال يحيى بن معين: مات النبي صلى الله عليه وسلم وهو صغير.

(1/61)


وقال ابن الربيع: ولأهل مصر عنه حديث واحد وحكاية. ثم روى عن طريق ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب، قال: كان بسر إذا ركب البحر قال: أنت بحر وأنا بسر، علي وعليك الطاعة لله، سيروا على بركة الله.
وقال المزي في التهذيب: لمر يرو عن النبي صلى الله عليه سوى حديثين: حديث: :لا تقطعوا الأيدي في الغزو " ، أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وحديث في الدعاء، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: " اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة " .
بشر بن ربيعة الخثعمي، ويقال الغنوي. قال أبو حاتم: مصري له صحبة.
وقال ابن السكن: عداده في أهل الشام.
وقال ابن الربيع: دخل مصر؛ روى حديثه أحمد والبخارى في التاريخ والطبراني وابن السكن وغيرهم، من طريق المندر بن المغيرة المعافري، عن عبيد الله بن بشير بن ربيعة الغنوي، عن أبيه، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " لتفتحن القسطنطينية، ولنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك جيشها " . قال عبيد الله: فدعاني مسلمة بن عبد الملك، فسألني، فحدثته بهذا الحديث، فغزا القسطنطينية.
بشير - بفتح أوله وكسر المعجمة - بن جابر بن عراب - بضم المهملة - العبسي . قال ابن يونس: وفد على النبي صلى الله عليه وسلم، وشهد فتح مصر ولا تعرف له رواية.
وقال في الإصابة: ضبطه ابن المسعاني بتحتيه ثم بمهملة، مصغر.
بصرة الغفاري قال في الإصابة له: ولأبيه صحبة، معدود فيمن نزل مصر. أخرج حديث مالك والأربعة بسند صحيح.
وقال ابن حبان: يقال إن له صحبة.
وقال المزي في التهذيب: له عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث واحد، رواه عنه أبو هريرة، وهو حديث: " لا تعمل المطي إلا ثلاثة مساجد " .
قلت: قد ذكره ابن سعد أيضا فيمن نزل مصر من الصحابة، وقال: هو وأبوه وابنه صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم ورووا عنه.
وقال الذهبي في التجريد: هو وأبوه صحابيان نزلا بمصر.
بلال بن حارث بن عصم بن سعيد بن قرة المزني، أبو عبد الرحمن. من أهل المدينة، أقطعه النبي صلى الله عليه وسلم العقيق، وكان صاحب لواء مزينة يوم الفتح، وكان يسكن وراء المدينة، ثم تحول إلى البصرة، ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة من المهاجرين.
وقال ابن الربيع: شهد فتح مصر، وتوفي سنة ستين، وهو ابن ثمانين سنة.
بدر بن عامر الهذلي. ذكر أبو الفرج الأصبهاني أنه شاعر مخضرم، وأسلم فيمن أسلم في عهد عمر، ونزل هو وابن عمه مصر، وأورد له في ذلك أشعارا.
ذكره في الإصابة في قسم المخضرمين.
حرف التاء
تميم بن أوس بن حارثة الداري، أبو رقية - بقاف مصغر - من مشاهير الصحابة، أسلم سنة تسع، هو وأخوه نعيم، وذكر للنبي صلى الله عليه وسلم قصة الجساسة والدجال؛ فحدث عنه النبي صلى الله عليه وسلم بذلك المنبر، وعد ذلك من مناقبه؛ وأورده أهل الحديث أصلا لرواية الأكابر عن الأصاغر؛ وكان نصرانيا من علماء أهل الكتاب.
قال أبو نعيم: وكان راهب أهل عصره، وعابد فلسطين، وغزا مع النبي صلى الله عليه وسلم. وهو أول من أسرج السراج في المسجد، وأول من قص، وذلك في خلافة عمر.
قال ابن الربيع: شهد فتح مصر؛ ولأهل مصر عنه حديث واحد، وسكن فلسطين بعجد قتل عثمان، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أقطعه بها قرية عينون. مات سنة أربعين.
تميم بن إياس بن البكير الليثي. تقدم والده؛ ذكره ابن يونس وقال: شهد فتح مصر، وقتل بها مع من استشهد.
وقال في الإصابة: وكان ذلك سنة عشرين؛ ومقتضاه أن يكون ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
تبيع بن عامر الحميري أبو عبيدة، ابن امرأة كعب الأحبار. قال في الإصابة في قسم المخضرمين: أدرك الجاهلية.
وذكره خليفة في الطبقة الأولى من أهل الشام.
وذكره أبو بكر البغدادي في الطبقة العليا من أهل حمص التي تلي الصحابة. قال: وكان رجلا دليلا للنبي صلى الله عليه وسلم، فعرض عليه الإسلام، فلم يسلم، حتى توفي النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم مع أبي بكر.
قال ابن يونس: مات بالإسكندرية سنة إحدى ومائة.
؟حرف الثاء
ثابت بن الحارث - ، ويقال ابن حارثة - الأنصاري. قال الذهبي في التجريد: يعد في المصريين، روى عنه الحارث بن يزيد.
وقال البغوي: لا أعلم له غير حديث واحد.

(1/62)


قال في الإصابة: بل له حديثان آخران، والثلاثة من طريق ابن لهيعة عن الحارث ابن يزيد عنه.
وقال الحسيني: مصري شهد بدرا.
ثابت بن رويفع - ويقال رفيع - الأنصاري. قال ابن أبي حاتم: ثابت بن رويفع، له صحبة، سمعت أبي يقول: هو شامي. وهو عندي رويفع بن ثابت.
وقال ابن السكن: نزل مصر.
وروى البخاري في تاريخه وابن منده وابن السكن من طريق الحسن البصري، قال: أخبرني ثابت بن رويفع من أهل مصر - وكان يؤمر على السرايا - سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إياكم والغلول " ، الحديث.
وقال ابن يونس: ثابت بن رويفع بن ثابت بن السكن الأنصاري، روى عن ابن مليكة البلوى، روى عنه يزيد بن أبي حبيب، وقد روى الحسن البصري عن ثابت بن رفيع من أهل مصر، وأظنه ثابت بن رويفع، هذا، فإن أباه معروف الصحبة في المصريين.
وقال البخاري في كتاب الصحابة: ثابت بن رويفع بن ثابت الأنصاري المصري وكان يؤمر على السرايا؛ سمع من النبي صلى الله عليه وسلم حديث: " إياكم والغلول في المصريين " .
ثابت بن طريف المرادي. قال في الإصابة: شهد فتح مصر، وله صحبة ذكره ابن منده عن ابن يونس.
ثابت بن النعمان بن أمية بن امرئ القيس أبو حية. شهد فتح مصر. قاله ابن البرقي وابن يونس: وليس هو البدري، ووهم ابن منده فوحدهما.
ثابت مولى الأخنس بن شريق. قال في الإصابة: ذكر عبدان أنه شهد بدرا، ولا تعرف له رواية، وقد شهد فتح مصر. أخرجه أبو موسى.
وقال الذهبي في التجريد: مهاجر شهد فتح مصر.
ثعلبة الأنصاري، والد عبد الرحمن. نزيل مصري، روى عنه ابنه عبد الرحمن حديثا في السرقة. أخرجه ابن ماجه. قاله في الإصابة.
ثعلبة بن أبي رقية اللخمي. شهد فتح مصر، ذكره ابن يونس، وأخرجه ابن منده.
ثوبان بن يجدد - ويقال ابن جحدر - مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أهل السراة، أصابه سباء فاشتراه النبي صلى الله عليه وسلم، فأعتقه، ولم يزل معه في الحضر والسفر، حتى توفي صلى الله عليه وسلم، فخرج إلى الشام، فنزل الرملة، ثم انتقل إلى حمص، فأقام بها إلى أن مات بها سنة أربع وخمسين. قال ابن كثير: ويقال: إنه توفي بمصر.
وقال ابن الربيع: شهد فتح مصر واختط بها، ولهم عنه حديث واحد.
وروى ابن السكن عن ثوبان، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لأهله، فقلت: أنا من أهل البيت؟ فقال في الثالثة: نعم، ما لم تقم على باب سدة، أو تأتي أميرا تسأله.
وروى أبو داود عن ثوبان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من تكفل لي ألا يسأل الناس وأتكفل له بالجنة؟ " فقال ثوبان: أنا، فكان لا يسأل أحدا شيئا.
ثمامة الردماني، مولاهم. قال في الإصابة: له إدراك، شهد مع مولاه خارجة بن عراك فتح مصر صحبة عمرو بن العاص، ذكره ابن يونس.
ثمامة بن أبي ثمامة بكر الجذامي أبو سوادة. قال في التجريد: له ذكر في تاريخ مصر وصحبة.
حرف الجيم
جابر بن أسامة الجهني. يكنى أبا سعاد. نزل مصر، ومات بها، قاله ابن يونس.
جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري، يكنى أبا عبد الله وأبا عبد الرحمن وأبا محمد، المكثرين مع النبي صلى الله عليه وسلم تسع عشرة غزوة.
وفي مصنف وكيع، عن هشام بن عروة، قال: كان لجابر بن عبد الله حلقة في المسجد النبوي، يؤخذ عنه العلم.
قال ابن الربيع: قدم مصر على عقبة بن عامر - ويقال على عبد الله بن أنيس - يسأله عن حديث القصاص، وذلك في أيام مسلمة بن مخلد. ولأهل مصر عنه نحو عشرة أحاديث.
أخرج البغوي، عن قتادة، قال: كان آخر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم موتا بالمدينة جابر، بعد أن عمى.
قال ابن حبان: مات بعد أن عمى سنة ثمان وسبعين - وقيل سنة سبع، وقيل سنة أربع، وقيل سنة ثلاث - وستين وقيل إنه عاش أربعا وتسعين سنة.
ذكر الحديث الذي رحل فيه جابر بن عبد الله إلى مصر: قال ابن عبد الحكم: حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا سعيد بن عبد العزيز التنوخي قال: قدم جابر بن عبد الله على مسلمة بن مخلد، وهو أمير على مصر، فقال له: أرسل إلى عقبة بن عامر الجهني حتى أسأله عن حديث سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل إليه.

(1/63)


وقال ابن الربيع: حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، حدثني عمي ابن وهب، حدثني محمد مسلم الطائفي، عن القاسم بن عبد الواحد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل ابن أبي طالب، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: كان عبد الله بن أنيس الجهني - وكان عداده في الأنصار - يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا في القصاص. قال جابر بن عبد الله: فخرجت إلى السوق، فاشتريت بعيرا، ثم شددت عليه رحلا، ثم سرت إليه شهرا، فلما قدمت عليه مصر، سألت عنه؛ حتى وقفت على بابه، فسلمت، فخرج إلي غلام أسود، فقال: من أنت؟ قلت: جابر بن عبد الله، فدخل عليه فذكر ذلك، فقال: قل له: أصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فخرج الغلام، فقال ذلك، فقلت: نعم، فخرج إلي والتزمني والزمته، فقال: ما جاء بك يا أخي؟ قلت: حديث تحدث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في القصاص، لم يبق أحد يحدث به عن رسول الله غيرك، أردت أن أسمعه منك قبل أن تموت أو أموت، قال: نعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا كان يوم القيامة حشر الله الناس حفاة عراة غرلا بهما، ثم جلس على كرسيه تبارك وتعالى، ثم ينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب يقول: أنا الملك الديان، لا ظلم اليوم؛ لا ينبغي لأحد من أهل الجنة يدخل الجنة، ولا ينبغي لأحد من أهل النار يدخل النار عنده حفاة عراة غرلا بهما؟ قال: من الحسنات والسيئات، قال له بعض القوم: ما البهم؟ قال: سألت عنها جابر بن عبد الله فقال: الذين لا شيء معهم.
قال ابن الربيع: وحدثنا علي بن الحسن، بن الربيع بن إسحاق، عن أحمد بن يحيى بن دريد، عن أبي نعيم، عن ابن المبارك، عن داود، عن عبد الرحمن العطار، عن القاسم بن عبد الواحد بن محمد بن عقيل، عن جابر ابن عبد الله، قال: سرت إلى عبد الله بن أبي أنيس وهو بمصر أسأله عن حديث . . . ثم ذكره.
جابر بن ماجد الصدفي. قال ابن يونس: وفد على النبي صلى الله عليه وسلم، وشهد فتح مصر؛ وروى ابن لهيعة، عن عبد الرحمن بن قيس بن جابر الصدفي، عن أبيه، عن جده مرفوعا، قال: " سيكون بعدي خلفاء، وبعد الخلفاء أمراء، وبعد الأمراء ملوك، وبعد الملوك جبابرة، وبعد الجبابرة يخرج رجل من أهل بيتي، يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا؛ ثم يكون من بعده القحطاني؛ والذي نفس محمد بيده ما هو بدونه " .
قال في الإصابة: وقد خالف فيه الأوزاعي، فرواه عن قيس بن جابر، عن أبيه، عن جده، فعلى هذا فالرواية لماجد، والد جابر، ويكون الضمير في رواية ابن لهيعة في قوله: " عن جده " يعود إلى قيس. انتهى.
قلت: قال ابن الربيع: جابر الصفدي، وأورد الحديث من طريق ابن لهيعة، عن عبد الرحمن بن جابر بن قيس، عن أبيه عن جده، ثم قال: روى عبد الرحمن بن قيس بن جابر. والله أعلم.
جابر بن ياسر بن عويص - بمهملتين بوزن قدير - الرعيني القتباني. قال ابن منده: له ذكر في الصحابة. وقال ابن يونس: شهد فتح مصر؛ وهو جد عباس ابن جابر، لا يعرف له حديث.
جاحل أبو محمد الصدفي. روى ابن منده من طريق بن وهب؛ حدثنا أبو الأشيم مؤذن مسجد دمياط، عن شرحبيل بن يزيد، عن محمد بن مسلم بن جاحل، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله صلى عليه وسلم، قال: " إن أحصاهم لهذا القرآن من أمتي منافقوهم " ، قال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
وذكره أبو نعيم، فقال: ليست له صحبة؛ ولم يذكره أحد من المتقدمين ولا من المتأخرين.
قال في الإصابة: وقد ذكره محمد بن الربيع الجيزي في تاريخ الصحابة الذين نزلوا مصر، وقال: لا نعرف له حضور الفتح، ولا خطة بمصر، وللمصريين عنه حديث واحد، وذكره.
وذكره أيضا ابن يونس وابن زيد؛ فلابن منده فيهم أسوة. انتهى.
قلت: قال ابن الربيع: ولم يرو عنه غير أهل مصر فيما أعلم.
جبارة - بالكسر والتخفيف - من زرارة البلوى. قال ابن يونس: صحب النبي صلى الله عليه وسلم، وشهد فتح مصر، وليست له رواية.
وقال ابن الربيع: بايع تحت الشجرة، وشهد فتح مصر، وكان اسمه حبارة، فسماه النبي جبارة.
جبر بن عبد الله القبطي، مولى بني غفار، ويقال مولى بني غفار، ويقال مولى أبي بصرة الغفاري. قال في الإصابة: حكى ابن يونس عن الحسن بن علي بن خلف بن قديد، أنه كان رسول المقوقس بمارية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الحسن: وقد رأيت بعض ولده بمصر.

(1/64)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية