صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : تاريخ المستبصر
المؤلف : إبن المجاور
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

حدثني قاضي الجبل من آل الصليحي قال: حدثني رجل سمع من لفظ أبي محمد عبد الله بن حمزة الحسيني قال: إن أواخر في قصر غمدان كان يصل إلى وادي الظهر قلت: كم يكون بينهم من مسافة؟ قال: مثل من زبيد إلى الزريبة و من زبيدة إلى الزريبة مقدار فرسخ زائد لا ناقص. قال أبن المجاور: و لا شك إنه كان يصل في القصر إلى وادي إذا قربت الشمس للغروب لان في مثل ذلك الحين يكون الظل و الفيء إلى أن يرجع مثل الشيء ثلاثة أربع مرات كما يقال بنيانه بل ضياء سرجه كان ينظر من المدائن و قيل إلى مدينة . و بقي القصر على حاله إلى أيام خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قعد بعض الليالي بظاهر المدينة إذ نظر في الجو شيئا يضيء سبه كوكب درى فسال عنه فقال بعض من حضر مجلس أمير المؤمنين و في خدمته: إن ضوء هذا ضوء شمعة تشعل على أعلى قصر غمدان بصنعاء فأمر بهدمه فهدم. فالآن بقي تل عظيم و قد بني موضع القصر بدر الدين حسن بن علي بن رسول قيصر عظيم الهيكل سنة ثمان عشرة و ستمائة. حدثني يحيى بن علي بن عبد الرحمن الزراد قال: ما بنى قصر غمدان إلا امرأة تسمى الزباء و أمرت أن يجعل فوق كل قصر قصر طويل كل قصر أربعين ذراعا بالعمرى في عرض مثله في ارتفاع مثله. قال الإمام أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد اللغوي الازدي في ذلك:
و استنزل الزباء قصرا و هي من ... عقاب لوح الجو أعلى منتما
و سيف استعملت به همته ... حتى رمى ابعد شأو المرتمى
فخرج الاحوش سما نافعا ... و احتل من غمدان محراب الدما
و قد ذكر المسعود في كتاب مروج الذهب إن قصر غمدان يعمر ثانية احسن مما كان في الأول.
فصل
حدثني سلامة بن محمد بن حجاج المذحجي: إن الأوائل بنت في بيت بئر فاس العوامل قصرا و أعلاه سبعين سقفا بالحجر الرخام الأبيض ضرب فيه بعض الجيوش نارا احرقته و اخربته و ارتدم بعضه على بعض فرجع كشبه جدار عظيم و كان يبظر منه إلى مكة. و بنى الإمام أبو جعفر المنصور القبة الخضراء ببغداد لسبع طباق كلها عقود لئلا يرميها الهوى من علوها في الجو و كان ينظر إليها من هيت و تكريت. و بنوا ملوك العجم ايوان كسرى في المدائن و كان ينظر منه إلى حلوان، و يقال أن العمانية و صفها مذكور مشهور و إلا كنا ذكرناها على التمام و الكمال. و بنى الكوالي قصر ادور جدورهر في قلعة كوالير على تسع طبقات و ينظر منه مسيرة عشر أيام و هو إلى الآن قائم عامر. و كان في سلف الدهر على رأس قبة المسجد الأقصى ذرة فإذا اظلم الليل غزل نساء حوران في حوران على ضوءها غزل رفيع بناه سليمان بن داوود عليه السلام و أتم بناءها سليمان عليه السلام و خربه بخت نصر البابلي و كان ينظر منه مسيرة عشرة أيام. و قلعة ماردين تبان من الفرات مسيرة ستة أيام. و كوارى حصن جاهلي بنته بنت بكر من الهنود و بينه و بين السند و راواسان يبان من توران يعدع شط السند مسيرة خمسة عشر يوما. و بنى مهراست بن ارجاسب في أيام درست الحكيم و جمة تول ادر في بلخ و نصب على قبة الوجمة علما اخضر فأخذ شدة الهوى العلم رماه إلى الأرض على مسيرة خمسة و عشرين فرسخا و ذلك لعلوها.
صفة جبل المذيخرة
و بلغني إن في أعلاه نحو عشرين فرسخا و طافتها المزارع و المياه و فيه و فيه ينبت الورس و هو معنى الزعفران و لا يسلك إلا في طريق واحد. و كان محمد بن المفضل الداعي المعروف بشيخ لاعة، و هذه لاعة إلى جنبها قرية لطيفة يقال لها عدن لاعة و ليست عدن ابين الساحلية، قال عمارة أبن محمد بن عمارة إنه دخل هذه عدن لاعة و هي أول موضع ظهرت فيه الدعوة العلوية باليمن، و منها منصور اليمن و منها محمد بن المفضل الداعي. و ممن وصل إليه من دعاة الدولة الفاطمية أبو عبد الله الحسن أبن أحمد الشافعي الشيعي الكوفي صاحب الدعوة العلوية بالمغرب. و فيها قرى على محمد بن محمد بن علي المعلم الصليحي صبيا و هي دار دعوة باليمن. فكان محمد هذا محمد بن المفضل الداعي على أبن المعلم على جبل المذيخر و خطب فيه لدعوة العلوية سنة أربع و ثلاثمائة. ثم استرجعه منه أصحاب اسعد بن يعفر أصحاب صنعاء.
صفة جبل شبام

(1/70)


و هو منيع جدا و فيه قرى و مزارع و جامع كبير و هو معلمة نفيسة و يرفع منه العقيق و الجزع و هي حجارة مغشاة فإذا عمل لهم و جوهرها. و ممن امتنع به من عمال أبي الجيش اسحق بن زياد سليمان بن طرف صاحب عثر و هو من ملوك تهامة، و اعماله مسيرة عشرة أيام في عرض يومين و هو من الشرجة إلى حلى، و مبلغ ارتفاعه في العام خمس مائة ألف دينار عثرية. و كان مع امتناعه عن الوصول إلى أبي الجيش اسحق بن زياد يخطب له و يضرب السكة على اسمه و يحمل إليه مبلغ من المال في كل عام و هدايا لا يعلم مبلغها و إما الذي سلم لابن زياد من اليمن حين طعن في السن فله من الشرجة إلى عدن طولا و له من غلافقة إلى صنعاء عرضا. و رأيت مبلغ ارتفاع أعمال بن زياد بعد تقاصرها في سنة ست هوستين و ثلاثمائة ألف ألف دينار عثرية خارجا عن المراكب الهندية و الأعواد المختلفة و المسك و الكافور و الصندل و الصيني و خارجا عن ضراب العنبر على سواحل بياب المندب و عدن و ابين و الشحر خارجا عن مغاص اللؤلؤ و عن ضرائبه على جزيرة دهلك و من بعضها منها ألف رأس منها خمس مائة و صيف و خمس مائة وصيف نوبية. و كانت ملوك الحبشة من وراء البحر تهاديه و تستدعي مواصلته. و مات أبو الجيش هذا سنة إحدى و سبعين و ثلاثمائة عن طفل اسمه عبد الله إبراهيم و قيل زياد تولت كفالته أخته هند بنت أبي الجيش و عبده أستاذ حبشي يدعى رشيد. و كان من عبيد رشيد هذا وصيف من أولاد النوبة يدعى حسين أبن سلامة و هي أمه و بها كان يعرف و نشأ حسين هذا حاذقا عفيفا، فلما مولاه رشيد توزر لولد أبي الجيش و لأخته هند و كانت دولتهم قد تضعضعت أطرافها و تغلبة ولاة الحصون و الجبال على ما في أيديهم منها. فأقام الحسين أبن سلامة يحارب أهل الجبال حتى دانوا و دان سليمان بن طرف أبن الحرامي و استوسقت له مملكة أبن زياد الأولى.
صفة صنعاء
صفة شرب أهل صنعاء من غيل البرمكي و قد تقدم ذكره موافق لمن شربه. و اهويتها بارة تشبه اهوية خرسان موافق لجميع البضائع لم يضر شيئا و خاصة الزعفران تبقى فيها ما شاء الله. و يوجد بها من جميع الأثمار و التفاح و المشمش و الأجاص و السفرجل و العنب و التين و الكمثرى و الورد و النرجس و الياسمين و سائر المشمومات و الرياحين و البقول.
حدثني قيصر مولى جمال الدين و الدولة جوهر إنه يباع بها الفجل مشقق أربع، قلت: و لم؟ قال: لأنه وجد امرأة تستعمله فلم بشرح حالها والي المدينة فأمر إن لا يباع الفجل إلا مشقق و أسسوها سنة. و يجمد بها الماء، حدثني سليمان بن منصور قال: إن الماء يجمد على الورا و الكرابي و لم يبان من أبدانهم سوى رءوسهم، فحينئذ يأتي درين و هو الثعلب علي الجليد يقطع رءوس الطيور. قال أبن المجاور: و هذا شيء لان كل بدن فيه الروح لم يجمد عليه شيء لان حرارة الغريزة تغلب البرودة و لم يجمد الماء إلا على شيء مات لان طبع الحياة حار لين و طبع الموت بارد يابس، فإذا كان الأمر على ذلك لم يستقم قوله و لا يستعين فعل درين. و أهلها من نسل العجم خرجوا من الحبوس و القيود في دولة يزدجرد بن شهريار بن بهرام و يقال كسرى بن قباد مع سيف بن ذي يزن لاستفتاح اليمن من الحبوش، و حكايتهم مشهورة مذكورة في كتاب مسطور. و ليس بجميع اليمن مدينة اكبر و لا اكثر موافقة و أهلا من صنعاء، و هو بلد في حد الاستواء سواء و هو من الاعتدال في الهوى بحيث لا يترك الإنسان من مكان واحد طول عمره صيف و شتاء، و تتقارب ساعات الشتاء و الصيف. و كان لها بالأعظم خرب.

(1/71)


فصل خرج أهل اليمن في أيام سعد الخزاعي و هو من جملة التبابعة لاستفتاح المغرب فلما استفتحوها طابت لهم سكناها، و من جملتها مدينة صنهاجة. و لما كسر النبي ( الأصنام من الكعبة سرقت بنو مقبل لمناة ادخلوه الهند و تفرقوا بأعمال البلد سكنوها. و تنصرت بنو جفنة في أيام أمير المؤمنين عمر أبن الخطاب رضي الله عنه لأجل لطمة دخل بعضهم إلى القسطنطينية و إلى بلاد الادعوان و هم مناجمين أهل المغرب. و فيهم قال أبو تمام، و لما دعا اسحق بن إبراهيم عليه السلام لولده يعقوب بالنبوة اغتاظ العبص دخل حرز الافرنج مع جماعة من بني إسرائيل توطنوها فولد الإفرنج منهم. و بنو عجل أخرجهم ربيعة و الأصح المرقعة اسكنوها خراسان. و صار ملك خوزستان على الرعية انتقلوا إلى أعمال الكر سكنوها. و خرج جيش عرب من بني تميم في أيام عمر بن عبد العزيز بن مروان استفحلوا السند فلما طابت لهم سكنوها فظهر منهم الكوكر و الحمت و السه و حاجر. و خرج جيش من إنطاكية في أيام عبد الملك بن مروان إلى المغرب فلما طابت لهم سكنوها ظهر منهم الملئمين، و يقال انهم من نسل مظلوم بن الصحصاح بن جندب الكلابي في الترجمة و هم من أخيار و كبار خوارزم أخذهم السلطان محمود بن سبكتكين نفاهم إلى أرض الهند فلما طابت لهم سكنوها. و لما خرجت الاباضية على علي بن أبي طالب بأرض اليمن من أعمال العراق ولوا الأدبار و لا زال السيف ورائهم إلى إن عبرهم البحر سكنوا إقليم عمان. و أهل طرابلس المغرب و تحولوا في خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى باري و تولية. و بنو كنانة اخرجوا الإفرنج من عسقلان و سكنوها فلما تخربت تفرقوا في أكناف البلاد. و بنو حية خرجوا من الشام في أيام دولة الإمام أبي عبد الله جعفر المنصور و سكنوا المغرب. و لما غزا بخت نصر بني إسرائيل الشام سكنوا اليهود نهر السبت مما يلي ظهر الحجاز. و لما قويت صلة السلطان معز الدنيا و الدين أبو المظفر محمد بن سالم على الخوارزمية نزل من نيسابور ألف رجل مكتفين الأيدي مكشفين الرؤوس حفاة مشنقين في حبال المنجنيقات شتت شملهم و مزق جمعهم في أقاصي إقليم الهند. و لما قويت شوكة السلطان علاء الدين أبو الفتح محمد بن تكش على الخطأ و التتار ساق منهم من أراد و أسكنهم أعمال كرمسل. و لما قويت شوكت الترك على السلطان علاء الدين محمد نقلوا المسلمين من خراسان إلى بغداد و أوراق الشجر و القصران إلى أن عبرهم سيحون. شعر:
خليلي نومي عن جفوني مسهد ... و قل اصطباري بعدهم و التجلد
فقلبي عن الأحباب لا يقبل العزا ... و جفني قريح بالدمع مسهد
و إني حزين كلما مر ذكرهم ... بنو لكم بعضي و بعضي مفرد
لئن جمعت بيني الليالي و بينكم ... و عاد زمان الوصل بالوصل مسعد
أصوم لوجه الله دهري تطوعا ... و ألصق وجهي بالتراب و أسجد
و بعض أهل صنعاء و جميع أهل المشرق على مذهب الزيدية و هو مذهب الأمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، و ينسلخ من الزيدية المخترعة و المطرقة و هم الذين يقال لهم الصالحية و الجارودية لبسهم الخام لبرودة البلاد و لبس شبابهم الفتوحى و الله اعلم.
ذكر تفصيل الفتوحى

(1/72)


جاءت عجوز بابي سعيد بن الحسين بن أحمد بن بهرام الحباهي و الأصح على أبن فضل إلى خياط يعلمه الخياطة، فكان الصبي يأخذ الثوب المفصل من أستاذه الخياط يخيطه في موضع لا يراه أستاذه، فلما طال ذلك سأله الخياط على انفراده و غيبته. قال له علي بالفضل: إني لآخذ الثوب منك فأصعد على أعلى ذروة نقم أخيط هناك و أفكر و أشرف إذا ملكت صنعاء من أي باب من الأبواب أدخلها. فلما سمع الخياط لفظ علي بن فضل قال له: قم نسكن جبل نقم فسكناه و صار كل من يقتل أو يهرب من دين أو مظلمة صعد إليهم آمن فلا زالوا على حالهم في مكانهم إلى أن التأم إليهم و انضاف إليهم خلق و عصوا في الجبل، و صارت سرية القوم تصابح صنعاء و تماسي . فلما أستقوى و ضعف حال ولاة صنعاء تملكها فتولاها. فإذا هو على مذهب القرامطة و كان مولع بحب النساء يفصل لهم الفتوحى و كان يوقف النساء حلقة دائرة و يدخل هو في كم إحداهن و يتفرج على نهودها و أعكانها و أركانها و يمسك قماشها و يخرج من كمها إلى كم صاحبتها، و لا يزال إلى أن يدور على الجميع و لم تنكشف إحداهن إلى كل عندها ما عند صاحبتها و كل بروحها مشغولة. و يسمى الفتوحى لاستفتاح صنعاء و يقال إنه فتح الخياط و كان يلبسوه نساء بغداد إلى أواخر دولة الإمام أبي محمد الحسن المستضيء بنور الله أمير المؤمنين، و نسخت في أيام دولة أبي العباس أحمد الناصر لدين الله أمير المؤمنين، و لبس نساء جميع العرب و جميع التركمان و الكرد و الباذج و نساء أهل سيستان إلى الآن منه. و لهذا يقال للصنعاني يا أبا حسان ، حدثني يحيى بن عبد الله الخياط قال: زرع اسعد الصنعاني في أرض له شعيرا فلما بلغ الحصاد قال للحصاد: ألا و كل من أراد حصاد حنطة! فالتام معه خلق، فلما وصلوا الزرع و إذا به شعير. قال: فنادى بعض الحاصدين بعضهم: يا أبا حسان! يعنون صاحب الزرع لأن كنية اسعد أبو حسان أي كذب أبو حسان، فمن الحين و الوقت سنة أثنين و عشرين و ستمائة و يقال بالعجمية كندم نما جو فروش أي يظهر عين الغلال و حنطة و يبيع شعير، و هذا عيب عظيم. و لهذا يقال صنعاء محاصرة، حدثني سليمان بن منصور قال: إذا وقع في لحية إنسان من العرب يعني زيد شيء من فتات الخبز أو قشر أو شيء لا يليق به قول عمرو لزيد: صنعاء محاصرة! فيمسك زيد لحيته يهزها ليقع ذلك الشيء منه و يقول: حاشا صنعاء تحاصر و هذه اللحا باقية! و هي إشارة بين القوم كما قال:
و ما زلت اطوي مهمها بعد مهمه ... على حسرة حتى وقعت على صنعا
كما يقال في الشام: حلب محاصرة.
عجائب ذمار
لم يوجد فيها حية و لا عقرب و إذا دخل إنسان بحية إلى ذمار فعند دخوله الباب تموت الحية. و يقال إذا اخذ من تراب ذمار و شذر في سلة الحواء موت جميع حياته و هذا اعجب شيء يكون. و يقال إن أرضها كبريتية لا يقيم فيها من المؤذيات شيء إلا هلك و منها يجلب الكبريت إلى سائر أعمال اليمن. و يكون طول آبارهم ثلاثة اذرع.
صفة جبل لاشي
و هو جبل الشب. و مشارق ذمار بمسافة فرسخين جبل يسمى لشي و جميع حجره و مدره و يمينه و شماله و شأمه و بمنه قطعة واحدة لحب، و في صيد منه أي ضرس منه كهف و في الكهف بحر ماء حار يغلي و كل مريض و يمرض من أهل البلاد يأخذ منه فدى كل على قدره يعرى به على باب الغار ينزل و بعد ذلك يسبح في الماء و ما يخرج منه إلا و هو متعاف. و فوق منه مدينة مدور من جبالها يستخرج و تسمى المعدن و المقر، و مغارة صنعاء جبل اللوز و سرير ملك مدينة نعمة و من ورائها منامة و هي مدينة ذات طول و عرض. و جميع هذا الجبل يحمل اللوز لا غير.
صفة نكاح أهل هذه الأعمال

(1/73)


إذا خطب زيد بنت عمرو و انعم له بذلك يقول زيد لعمرو: أريد أشاهد جمال كريمتك، فيقول له عمرو: اقدم إلى السوق الفلاني فأنها تتوعد به شاهدها في بيعها و شرائها و جمالها. فيتقدم زيد إلى السوق الذي دله عمرو عليه فيقعد على قارعة الطريق. فتقبل خطيبته و على ظهرها كارة و على قدر شيلها تحط في السوق فتبيع ما معها و تشتري حوائجها. و ترفع كارتها على ظهرها. و يرجع خطيبها ورآها تقطع الجبال و الأودية و الشعاب و السهل و الجبل و اللين و الوعر، و هذا كله و لم تحط كارة من ظهرها و لم تسترح. فإذا أعجب الرجل حالها و جمالها و شيلها و بيعها و شراها و قوة صبرها على شيل الثقيل فعند ذلك يملك بها و يدخل عليها و تبقى على شغلها ذلك إلى الممات. و هذا زي القوم في البدو و البادية: و ألبسهم الخلم لبرودة البلاد. و يقال إن رجلا قال: اشتهيت على الله عز و جل مياه صنعاء في عدن و أحطاب عدن في صنعاء و كلاهما ملكي. و لم يعرفوا أهلها شعلا لسراج، حدثني محمد بن منصور بن محمد الواسطي قال: يطلع في أعمال تعز و صنعاء قضبان تسمى شوحط إذا أشعل رأس القضيب أشتعل شبه الشمع، و لم يشتعل في سائر الأعمال طول الدهر إلى الشوحط لا غير عوض عن السراج و الفتل. مأكولهم الحنطة و الحلبة و اللحم، و الشراب لا يقطعوه لا صيف و لا شتاء لا ضعيف و لا قوي. سفرهم إلى عدن و شرائهم العطب و العطر و الهندوان . و غاية اشتغال القوم في معرفة الجواهر و علم الكيمياء و علم النجوم و النحو و المنطق و الفلسفة و الهيئة و الهندسة و حساب الضرب و الجمل، و قوم يدعون الحكمة و فصل الخطاب. و بناؤهم بالحجر القديم يحفرون الأساسات القديمة و يستخرجون منه ألواح حجر طول اللوح أربعة اذرع في عرض مثله تكسر تلك الحجارة و تعمل و يبنى بها، و بناؤهم على تقاطيع بغداد في التفريض و التذهيب.
صفة وادي الظهر
حدثني عبد الله بن مسلم الزبيدي الوكيل قال: في أعمال صنعاء واد يسمى وادي الظهر ففي بعض السنين مطر غيث طحطاح و رحراح فسالت منه الأودية و رويت منه البلاد و سقي منه العباد، و سال أواخره إلى الوادي فمن حدة جريانه غسل الأرض من التراب و الحصى فظهر في بطن الوادي صخرة كبيرة عليها مكتوب:
أنا الذي قد أفنى ثمودا ... و عادا ثم أفنى جبلا
فمن يعمل قبيحا أو جميلا ... به يلقاه مكتوبا سجلا
فبقيت الصخرة في بطن الوادي يقرأها زيد و عمرو و يعتبر منه قيصر و جعفر عدة شهور. و بعد انقضاء هذه المدة جاء سيل أعظم من الأول طم الصخرة بالحصى و التراب و رجع إلى ما كان و لم يعرف أين كان إلى الآن.
من صنعاء إلى المحالب راجعا

(1/74)


من صنعاء إلى حصن ثلاث فراسخ، بناه مشايخ بني معجن. حدثني منصور بن مقرب بن علي الدمشقي قال: إن تبع بني حصونا سبعة فمن جملتها كوكبان و حب و جبأ و بكور و صحم و عزان و ثلا. و إلى عزان فرسخ و نصف بناه الأمير عماد الدين يحيى بن حمزة الحسيني. و إلى مسك أربع فراسخ. و إلى حجة فرسخين، و إما إقليم حجة فطويل عريض و من جملتها مائتين و ثمانين حصنا و تسمى المقطوعة و الجاهل و الإعرابي و قرن عشار و الشرفة و القطيع و جبل عمرو و الظفين و الرهبة و العيار. حدثني سليمان بن منصور قال: إن جميع ما تقدم ذكره حصون مانعة أعطاها الملك المسعود أبو المظفر يوسف بن محمد بن أبي بكر مع ثلثين ألف دينار حتى سلموا إليه حصن بكور سنة ست عشرة و ستمائة. و إلى الذنائب خمسة فراسخ . و بكرى بهذه العمال الشقة الشقدف التي تلي الجبل بدرهم واحد و التي تلي الوادي بدينار. قلت: و لم؟ قال: لأن الآساد في هذه الأماكن كثيرة يكمن الأسد على سقيف جبل مشرف على المحجة فلم يحس الإنسان إلا و الأسد قد اختطفه مكابرة و العين ترى العين، و الذي مما يلي الوادي مخلص من خوف الأسد فانه قاعد على تل السلامة. و يقال إن اسود هذه البلاد متأسدة أي سحرة يقلبون صورهم على صورة الأسود. حدثني علي بن معالي الدلال قال: إن اسود هذه البلاد قط لم تفترس حمارا و لا بقرة و لا ضأن و لم تقصد إلا أبن أدم، فإذا قصد الإنسان شجرة نزل الأسد تحتها و يبقى مدة ثلاثة أيام أربعة أيام و ينتظر الإنسان متى يتعب و ينزل فيأكله و ترى الإنسان يقول للأسد: بالله عليك إلا ما عفوت عني! و هو يريد نزوله و يضرب بيديه الأرض و الشخص يحلفه بمعبوده إلى يعدو عليه. قلت: فما السبب في تأسد القوم فان الثواب في الظلم للعشيرة؟ قال: يتعلم السحر من بعضهم البعض و يتأسد الإنسان و يجتهد في إذاء الخلق بأوحش الصورة و الخلق، و انهم طول حياتهم بينها حكاية طويلة عريضة. و قد قال النبي ( : كاد الفقر أن يكون كفرا. و إلى المحالب خمسة فراسخ .
من صنعاء إلى مأرب
حدثني سلامة بن محمد بن الحجاج المحجي قال: من صنعاء إلى مسور أربع فراسخ ، أرض بني باهش. و إلى وادي جنات أربع فراسخ . و إلى المأزمين أربع فراسخ .
ذكر هد سد المأزمين

(1/75)


حدثني محمد بن سلامة بن حجاج قال: سدت أهل شداد و عاد منفذ جبلين بالحجر و الرصاص و صعدوا في ارتفاعه إلى أن حاذى الحائط ذروة الجبلين، فصارت السيول تفلت فيه و الماء يستجمع إلى أن رجع بحر مسدود و كانوا يسقون من أراضيهم و إنعامهم، و يقال انهم كانوا يسقون منه إلى قرب الشام بساتين ذات أعناب و نخل و زرع و قرى متصلة بعضها ببعض، و بقي الإقليم عامر إلى أن أخربه الله، و كان الموجب ما ذكره الرازي إنه خرجت قافلة من الشؤم و إذا بفأر قفز من الأرض ركب ظهر جمل من بعض الأجمال التي في القافلة، و لا زال الفأر ينتقل من جمل إلى جمل و يعبر منزلا بعد منزل إلى إن وصل مدينة مأرب قفز الفأر من الجمل و دخل السد و صار يعمل فيه عمله. و يقال أن النعمان خرج يوما في طلب الصيد فحصل في طرد الصيد فوجد الفأر بأنياب حديد يحفر السد. فلما رجع إلى أبيه المنذر قص عليه حكاية الفأر و صفة أنيابه إنها من حديد يحفر السد. فقال المنذر: صح يا بني ما وجدناه في الكتب أن ما يخرب سد مأرب إلا فأر أنيابه من حديد، و أريد منك إذا دخلنا يوم الأحد إلى الدير و الكنائس و الناس فيه مجتمعون قم إلي و شاكاني في أمر من الأمور و طول لسانك علي فإذا رأيت الأمر قد طال قم إلي ألطمني براحة كفك على خدي. قال النعمان: و كيف يمكن ذلك ؟ قال: يا بني افعل ما أمرتك به لأن لي فيه رأي و لك فيه مصلحة. ففعل الولد ما أمره به والده، فلما لطم الشيخ غضب الشيخ من الحين سمي الملطوم فقام الشيخ بين الجميع و قال: يا وجوه العرب ما بقي لي معكم سكن. قالوا له الجميع: و لم؟ قال: كيف أحرفني صبي و كسر حشمتي بينكم و حرمتي! و من ساعته نادى على السد فتآلبت و ألتأمت قبائل العرب في شراه، قالوا: بكم؟ قال: تغمدوا سيفي هذا! و غرس ذؤابة سيفه على الأرض و صارت العرب تنقل الذهب و الفضة و المصاغ إليه و لا زالوا على حالهم يصبون الذهب إلى غمد سيفه بالذهب. فأخذ الشيخ المال و صعد الجبل و سكن مقابل السد، و الجبل يسمى حقا، هو و أهله فيه ينظرون خراب السد. و لما تمكن الفأر من السد و خرقه أخربه و ضرب السيل. حدثني سلامة بن محمد بن حجاج قال: لما دفع السد أخذ الماء في جملة ما اخذ ألف صبي أمرد على ألف حصان أبلق غير البيض و الشقر و الدهم و الخضر . كما قال:
تهدم سد المأزمين و قد مضى ... زمان و هو ينقاد حيث يقاد
و إلى مأرب أربع فراسخ ، و تسمى الحصنين . و من هذه البلدة نقلت الجن عرش بلقيس إلى أرض فارس في زمن سليمان بن داود عليهما السلام، كما قال الله عز و جل :(أ هكذا عرشك؟ قالت كأنه هو). فقال:
مولاتنا و ولية آل الذي ... طالت كما طالت علا بلقيس
وقد قال الأديب الصابر في مدح السلطان اتسز بن ألب ارسلان حاجب السنجري: و بن صور كه مابدهي كسدي كارم دل نسابه و الآن نسرى.
فلما إندق السد أخذ مأرب في جملة ما أخذ فلما زال شر الماء و ضروه دارت الخلق عل موضعين سليمين منه صورين سمى أحدهما درب الأعلى و الثاني درب الأسفل و في الأعلى شارع يقال له شارع الفضول، كل من تلاكم و تعريد و ضرب لا يؤخذ له و لا يؤخذ منه حق، فإن كان خارجا عن الشارع وجب على كل حقه في الأخذ و الرد. قال: و حدثني رجل مغربي قال: و كان حسام الدين على لؤلؤ في صنعاء والي يقال له والي الفضول. كان من كان يتعلق عليه بحجة فكان يأخذ من كل واحد دينار. و هو على هذا الوضع و الترتيب: و يقال إن مدينة مأرب بناها سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، و يقال عابر و هو هود عليه السلام. و يقال إنما سمى سد مأرب إلا أن قوم عاد لما سلط الله عليهم الريح العقيم و كان يقف على السد كل يوم كذا و كذا من رجل ليردوا من أصحابهم البلاء، و كانت الريح تضرب بعضهم على بعض كما قال الله عز و جل: (ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم). فبنوا السد ليرد عنهم قوة الماء، فلما عذب تلك الأمة اجتمع السيول فيه و كثرت المياه فبقي جريا للماء فبنى عليه قرى و عمارات و زراعات إلى حدود الشام و كان يسقى منه جميع ذلك.
فصل

(1/76)


ولد لحصيص بن حصن ولد في مأرب أمسى علمه في حضرموت مسيرة ثمانية أيام لأن كل ناظور زرع كان يخبز صاحبه إما الخبز بحضرموت و ذلك من عمارة البلاد و كثرة العباد. بأعمال حضرموت العواهل جبل يسمى المعدن و هو معدن الفضة و جبل يسمى سرواح معدن الذهب و ترابه اصفر يشبه الزرنيخ لم أهل زماننا هذا عمله. و يقال إن قوم عاد كانوا يستخرجون الذهب و الفضة من هذين المعدنين و هم هذه الأعمال. ما بين إقليم العواهل و وادي بيحان جبل ملح لم يكتل عرب مذحج و البدو و البلاد إلا منه، و يقال بل يكتال منه عرب نجد و ما حولها من البدوان. و يوجد بهذه الأراضي النعام و الفهود و الظباء و الأيائل كثيرة. و جميع بناء القوم بالحجر الرخام المنحوت المنجور و كان ينقل في قديم العصر من قديم العصر من جبل يام و هو مقارب براشق مسيرة أربع فراسخ حصن أبيض.
من مأرب إلى الجوف
من مأرب إلى ورسان أربع فراسخ، بئر صغير من بناء قوم عاد. و إلى براقش أربع فراسخ، من أعمال الجوف. و إلى معين فرسخ. و إلى هرم فرسخ و فيه قال:
ما بين معين و هرم ... سبعون بئرا لابن نتم
مطوية بالساج من جوف القدم ... ما برحت لحم حاب لحم
غلبت عليها هذيل و عقيل و جشم
و إلى الجوف الأعلى أربع فراسخ، أرض بني دعام و به من القرى العادية معمور درب الظالم و السوق و دار عصبة و وحسان و سعموم و صيهد و القاع يزرع به الحنطة و الكمون، و كل هذه القرى عامرة بأهلها. و لا يزال القتال بينهم دائما و مشانخ البلاد يدعون أموالهم بأرواحهم و الضعفاء يزرعون و يحصدون. و التي هي خالية من السكان السوداء و حراضة و درب بني محرم و العاصة. و في الجوف السوداء و البيضاء و معين و هرم و سرال و براقش و درب أقصى و مقعد الفيل و الجار و بردا و حمضة و حمض و الهجيرة و الله اعلم.
صفة هذه الأعمال
مساكن شداد و عاد و التبابعة و الجبابرة، بناؤهم بالحجر و الرخام و الرصاص و شيء منها نقر في الجبال كما قال الله عز و جل: ( و تنحتون من الجبال بيوتا آمنين). و يقال إنه كان يلين لهم الحجر في العام شهر زمان و الأصح عشرة أيام ففي هذه المدة كانوا يعلمون منه ما أرادوا، فلما كفروا بنعمة الله عز و جل خسف بهم و تفرق شملهم و تشتتوا في أقاصي الربع المسكون و أدنى البحر المعمور شرقا و غربا و شمالا و جنوبا. كما قال أبو نواس الحسن بن هانئ المعروف بالمذحجي في ذلك:
في فتية كالسيوف هزهم ... شرخ شباب وزانهم أدب
لما أراب الزمان فاقتسموا ... أيدي سبأ في البلاد فأنشعبوا
لم يخلف الدهر مثلهم أبدا ... على هنات لشأنهم عجب
لما تيقنت إن روحهم ... ليس لها ما حييت منقلب
أبليت صبرا لم يبله أحد ... و أقسمتني مأرب شعب
فرجعت الدور قبور و المساكن مساكن فاردمت بعضها على بعض. و تقلعت النخيل و الأشجار و طلع بدله العشر و الأراك و سكنت البدوان ببيوتها الشعر و صارت الإبل ترعى بين عامر الخراب و تشرب ظباؤها من الندا، و السراب لبئس الشراب، و ساءت مرتفقا كما قال بعضهم في المعنى:
يا صاحبي قفا المطي قليلا ... يشفي العليل من الديار غليلا
هذهي طلولهم اطعن صبابتي ... و تركن قلبي من عراي طلولا
و لئن خلت منهم مرابعهم فقد ... غادرن قلبي بالغرام أهيلا
لو أن عبسهم غداة رحيلهم ... حملن وجدي ما أطقن رحيلا
إن الظعائن يوم جزع مفحش ... أبقين لي جزاع بها و عويلا
من كل رثم لا عديل لحسنها ... رحلت فكانوا للفؤاد عليلا
كالبدر وجها و الغزال سوالفا ... و الرمل ردفا و القناة ذبولا
و لآخر يقول:
يا قلب هل منك إن سليت سلوان ... أم أنت في غمرات الحب ولهان
و لله ما طاب لي عيش أسر به ... حتى يعود أصحابي كما كانوا
هيهات بانوا فلا و الله ما طمعت ... نفسي بقربكم من بعد ما بانوا

(1/77)


يا لهف نفسي على عيش نعمت به ... أيام لي فيه أوطار و أوطان
أقسمت ما سر قلبي بعد فرقتهم ... خلق و لا لاح للإنسان إنسان
يسمى هذا الإقليم إقليم العواهل و هو بالطول من نجران إلى بيجان و بالعرض من روضة نسر إلى حضر موت.
من مأرب إلى صنعاء راجعا
من مأرب إلى بئر موهل فرسخين، و إلى حربين فرسخين. و إلى طبال العاشر فرسخين. و إلى الرحبة فرسخين. و إلى صنعاء فرسخين.
من صنعاء إلى صعدة
على الطريق القديم. قال أبن المجاور: و كان هذا الطريق يسلك في أيام الجاهلية فلما ظهر الإسلام بطا. من صنعاء إلى مؤمل ثلاث فراسخ ، سرير ملك أعمال الخشب و هو من مساكن ثمود و الأصح مساكن التبابعة، و جميع ما بنى بالحجر و الجص المدن منها و القرى طول كل لوح حجر منه عشرة أذرع زائد لا ناقص و هو الآن كله خراب بناه. و إلى ثريد ثلاثة فراسخ ، من أعمال تومين و هما واديان. و إلى رأس نقيل ثلاثة فراسخ درجه اسعد الكامل. و إلى نقيل الفقع فرسخ. و إلى المصيرع فرسخ ، و فيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صرع الكفار. و أنشد بعض العرب المصرعين يقول:
كلينا يا سباع و جرجرينا ... فو الله يا سباع لتفقدينا
علينا البيض و الدرق اليماني ... و أسيف تجر و تعذرينا
و إلى نجد قرش فرسخين و هو نقيل مدرج. و إلى العميشة ثلاث فراسخ . و إلى الدرب فرسخين و إلى صعدة فرسخين و الله اعلم.
ذكر خراب صعدة القديمة
فلما جرى على ذات النحيبن ما جرى و رأى عمرو بن معدي كرب الزبيدي ما تم على المرأة حمل جمال رمل و قدم بها وقت الصبح الصادق إلى صعدة و قال لبني عمه: إذا دخلتم صعدة أسفقوا الزوامل الرمل بين دروقي الباب! ففعلوا ما أمرهم به و امتلأ دروقي الباب رملا. فعلم البدو يفأمر بغلق الباب فلما غلق الباب لم يجيء معهم الأكياس الرمل بين دروقي الباب. فحينئذ دخل عمرو بن معدي كرب الزبيدي إلى أرض الحجاز فتبعه رجل من البدو فلما دهمه جذب السيف و ضرب الصخرة التي تقدم ذكرها عرفت بضربة عمرو فلما نظر الرجل الضربة رجع عنه. و تم على قوة إلى أن خرج إلى الحجاز و أسلم على يد النبي ( و يقال على يد بعض الخلفاء و خرج من فتح العجم مع سعد بن أبي وقاص و قتل بأعمال نهاوند من إقليم العراق. فلما تم على أهل صعدة ما تم تراجعت الخلق من كل فج عميق فعمر كل منزله و مسكنه و سكن فيه، فلأجل ذلك هي خمسة دروب. و يقال إن صعدة القديمة كانت في الأبتداء عند حصن تلمص مع خراب صعدة و أعمالها بناها الهادي يحيى بن الحسين.
بناء صعدة، بناء الشرف
بنى في دولة الإمام أبي موسى محمد الأمين بالله أمير المؤمنين. و يقالبنى قديم بناء الجاهلية و الأصح إنه بنى في أيام بناء صعدة صنعاء و لا شك إنها بناء سام بن نوح عليه السلام. و إما صعدة هذه فإنها لما خربت صعدة القديمة و تم على أهلها ما تم جاء يحيى الهادي بن الحسين أراد بناء مسجد في هذه الأرض فجاء إليه تاجر فقال: وكلني على بنائه! فوكله و بنى التاجر المسجد، فلما فرغ بناءه قال له الهادي: أ حسبت حساب الخرج؟ قال التاجر: معاذ الله أن أخذ على بناء بيت الله أجرة و ثمن! و سكن الهادي يحيى بن الحسين المسجد بمقامه فسكنت معه الخلق فكثرت الأمم فبنوا مدينة و أسواق و دور و أملاك فلما رأوا ذلك أداروا عليه أربعة دروب: الدرب العتيق، و درب القاضي، و درب القر بني في أيام سيف الإسلام طغتكين بن أيوب، و درب القاضي أبن زيدان. و يحوي هذه الأربعة الدروب درب واحد و هو السور، و ركب على السور باب الدرب العتيق و باب علي بن قاسم و باب درب المعز و باب درب القاضي أبن زيدان و باب حوت و باب درب الإمام. و إما درب الإمام فهو حصن بناه أبو محمد بن عبد الله بن حمزة ما بين الشمال و المشرق منفردا بذاته لم يخالطه شيء قريب من البلد لم يسكنه إلا الأمام و عترته. و صورته على هذا المنوال في الصفحة الثانية بعد هذه .

(1/78)


و إما البلدة فانه عامر كثير الخلق و الخير ذات معاش، شربهم من الأنهار و الأعين و زرعهم الحنطة و الشعير، ذات أشجار و أنهار. و لبسهم الحرير و القطن لأن البلاد ظاهرها حار بالمرة و باطنها حار لبن. و هم قوم أخيار يدعون الحكمة و معرفة الجواهر و العلوم العلوية و هم على مذهب الإمام زيد بن علي بن الحسين أبن علي بن أبي طالب جميعا و هم شوكة القوم في المذهب.
فصل
حدثني علي بن محسن الجبلي قال: إن بني العباس لم تهب أحدا إلى الزيدية . قلت: و كيف ذاك؟ قال: لأن السنة و الجماعة من حزب الأئمة بني العباس و تقول الشيعة و الإمامية: لا الإمام إلا من ضم العصا و أورق العصا، و هم مع ذلك ينتظرون خروج الإمام المنتظر محمد بن الحسن، فهم الآن يفرقون من الفريقين. و إما شوكة البلاد فهم الزيدية لأن عندهم كل إنسان عفيف متدين شريف من آل الحسن بن علي بن أبي طالب يكون فيه خمس خصال فهو عندهم إمام واجب الطاعة فكل من قام على هذه الصفة قامت الزيدية معه و قاتلوا بين يديه. و وقع أحمد بن عبد الله بن حمزة بخزانة ساج في نواحي صعدة و ظهر لهم في جملة ما ظهر أربعمائة زردية داوودية غير السلاح و العدد و وقعوا بمطلب ذهب و لكن ما صح لهم منه شيء لأن عليه طلسم لم يمكنهم الدخول إليه سنة أربع و عشرين و ستمائة .
من صعدة إلى ذهبان
من صعدة إلى الحوانيت أربع فراسخ ، بناه اسعد الكامل في وادي سجع بنى هذه الحوانيت سكنة لما عزم أن يعمر نقل حرف العراق. و إلى خطم البكرات فرسخين. و يقال إنما عرف هذا المنزل بهذا الاسم إلا لان عفريتا من الجن قال لرميم بن جابر الشاعر: أنشدني بيتا و أنشدك مثله حتى ينصر من يغلب صاحبه على شرط انك لا تذكر في شعرك الديك. قال: نعم. فما زال هذا يقول بيتا و هذا ينشد صاحبه مثله حتى عجز رميم بن جابر فقال:
و ديك أحمر سليماني ما يلقى ... بحافته جنى و لا حيث يسمع
فلما سمع الجني ذلك طار في الهوى و نزل أخذ صيدج بكرة رميم بن جابر فصيحها قطع. فلما رأى رميم ذلك حزن على بكرته و صار يبكي و ينقش صورتها في الأحجار فما في هذه الأمكنة حجر إلا و فيه صورة الناقة، فعرف الموضع بخيم الركاب، و فيه يقول:
فما في الصبايا مثل ميا صبية ... و لا في المطايا نضوة مثل صيدح
و قال أيضا:
و اصبح في شق المشورة قاعدا ... و صيدح ترعى بين عيس قناعس
و إلى القديم فرسخين، و هو موضع قوم كما قال:
أمسى قومي بلحي و غادرني كريم ... و عادسن أيام 000 أرى القديم
و هذا يام بن أصنع و سكنهم بوادي الخانق و الحقة. و إلى ملتقى الأودية فرسخ. و إلى غسل جلاجل فرسخين. و إلى المحلف فرسخين موضع قوم. و إلى البصرة فرسخ. و إلى وادي نقوص فرسخين. و إلى الجبل الأسود فرسخ. و إلى السراوات فرسخين. و إلى رفيدة فرسخين. و إلى طريب فرسخين. و إلى ذهبان فرسخين. و تسمى هذه الأعمال بيشة العباس بن مالك بن عمرو بن وائل يرجع إلى نزار.
من صعدة إلى نجران
من صعدة إلى زهران ثلاثة فراسخ و هو لابن ملك لآل عبد الله بن حمزة لأنه اشترى أرضها من أربابها بيع ة شراء و كان لقوم يقال لهم الأقواش رأس الركب. و إلى الحد ثلاثة فراسخ . و إلى الركب ثلاثة فراسخ، واد عظيم يجري على الصفا و إلى الخانق ثلاثة فراسخ ، و ماء جاري أوله يجري من الركب. و إلى كوكبان فرسخين، و منه يخرج إلى نجد، و وضع هذا الحصن ما بين نجد و جبال اليمن فهو حصن مانع سرير ملك نجران. و إلى الحقة ربع فرسخ. مدينة الأصل نجران و عليها المعول في البيع و الشراء، و ينقسم أهلها على ثلاث ملل: ثلث يهود و ثلث نصارى و ثلث مسلمين، فالمسلمين الذين بها ينقسمون على ثلاثة مذاهب: ثلث شافعية و ثلث زيدية و ثلث مالكية. و هي المدينة التي كانت لأصحاب الأخدود و هي التي قال الله عز و جل فيهم: (قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود) و إلى قابل ربع فرسخ. و إلى حبونا أربع فراسخ . و إلى قرقرة أربع فراسخ و الله العلم.
صفة مدينة قرقر
حدثني الرازي إن قرقر كانت مدينة عامرة بها ثلاثمائة و ستين محلة فيها ثلاثمائة فارس خربت لاختلاف الأمم.
فصل

(1/79)


وجد زيد البدوي عمرو القرقري قاطنا في فلاة نجد مع البدوان فقال زيد لعمرو: ما لي أراك في جنوب نجد؟ بعد أن كنت في أكناف قرقر بألف غزور غدوت الآن أراك رد الشرد فأنشد عمرو القرقري يقول:
أحب دخول بين أدوار قرقر ... و يمنعني دين علي ثقيل
و أو كان ديني ينقضي لقضيته ... و لكن دين القرقري قتيل
و كان يقوم تحت قرقر سوق تسمى العمدين و ما عرف هذا السوق بهذا الاسم إلا إن مشايخ العرب كانت تقيم بهذه السوق عامود ذهب و عامود فضة يعرف السوق بهما، و رجع الآن سوقا للعمل بين أرض قفر تزرع به و تحرث، فراح الجسم و بقى الاسم. ولاتها قوم يقال لهم بنو عبد المان و هم قوم شداد بن عاد اللين القياد ذو الجياد. و فيه أنشد بعض العرب يقول:
و لولا بنو عبد المدان و خيلها ... لحلك يا نجران بعض القبائل
و قال آخر:
00 - ألست تعلم إن قلبي ... يحبك أيها البرق اليماني
لإن أقتلكم قتلا دينا ... فلا شيخ يدب على البنان
و إن أقتل فمقدور و لست ... و في قومي على سرج الحصان
و إن أقتل فقد قتلت قريش ... و قد قتلت بنو عبد المدان
و القوم لا يطيعون لملك الغز و لا لسلاطين العرب، و آخر من تولى من بني عبد المدان أخوان يقال لأحدهما القاضي و للثاني القاضي. و في عهدهم دخلت عليهم يد الأمير محمد بن عبد الله بن حمزة معهم حتى صار يصل إليهم نصف دخول البلاد لان الأمير محمد بن عبد الله و أخاه أحمد ولدي عبد الله بن حمزة تزوجا بأخوات القاضي و القاضي أبني صعيب بن عدنان أبن عبد المدان سنة ثلاث و عشرون و ستمائة.
صفة بئر الصفر
أمر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يحفر بئرا في بعض أعمالها ذات غمق و سعة و طول و عرض و أن يطوى بالصفر المصبوغ منه شبه الآجر و يسبك فيما بينه الرصاص، فبنى البئر على ما تقدم ذكره و هو باق على حاله. ويقال ما بناه إلا رجل من و جوه العرب في زمن الجاهلية فاندثر و استتر مع طول المدى، فأمر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأعاد بناءه فبقي على ما تقدم ذكره. و البئر من جملة العجائب.
صفة نجران تهامة
من حرض إلى قرار ثلاثة فراسخ . و إلى نجران فرسخين، و هي قرية مختصرة و يسكن أهلوها في أغصاص بعكس بعض و هم في التغصص يتجرعون الغصص و يقرون القصص. و إلى الحاوة ثلاثة فراسخ . و إلى حدب أربع فراسخ . فان قال قائل: كيف يفرق بين السمين؟ قلنا: هذه قرية مختصرة تحت تهامة اليمن خربة و الثانية إقليم طويل عريض عامر تحت من شمال نجد اليمن و سرير ملكها، فهذا غلام و ذاك سلطان و هذا كرة و هذاك ميدان. و يسمى إقليم نجران وادي سوحان. قال أبن المجاور: دل على إن هذا الأقاليم بناه العجم لن دار بهمن بن اسفنديار في أعمال المدائن قصبة تسمى دار ريحان و لا شك إنه هو الذي بنى هذا الوادي و يسمى على الاسم المقدم ذكره في أعمال المدائن سوحان. و فيه أنشد رميم بن جابر:
شبهتها قوس شريان مجزعة ... مما يلذ بها الرامي فيحيها
شبهتها مهرة عذرا محجلة ... عند الملوك ليوم الروع ساريها
شبهتها جونة مال النسيم بها ... الطل من فوقها و النهر يسقيها
و وادي العلائم كما قال بعضهم: و بالنجران وادي الخسف و وادي العلام. قال أبن مجاور: و ما اشتق اسم الخسف إلا من الخصب و أراد بذلك وادي الرفاء و يهيب بها ريح الطرف مدة أثنى عشر ليلة فيهلك الزرع و الكروم، و فيه بعض الأعراب يقول:
و قد سلمت نجران في الطرف لم يزل ... ببحران منها قبة و عروش
و بعضهم ينشد لرميم بن جابر:
و ليلة من ليالي الطرف مظلمة ... سودا جمادية قد بت أسرابها
فصل

(1/80)


قال أبو بكر: مما بحران مأخوذة إلا من قولهم بحرت الناقة إذا شققت أذنيها و البحيرة مشقوقة الأذنين. قوله تعالى: ما جعل الله من بحيرة و لا سائبة، و هي الناقة التي وهبت عشرة بطون فلم تركب و لا يجز لها وبر،و لا وصيلة و الوصيلة الشاة إذا وهبت ستة بطون عناقين و ولدت في السابع عناقا و جديا فيقال وصلت أخاها يحلبون لبنها للرجال دون النساء، و لا حام، فهو الفحل من الإبل إذا ولده ولده فلا يركب و لا يجز له وبر و لا يمنع من مرعى و الله اعلم.
القول في زوال ملك آل حمزة
و حصولها لبني الهادي 00000000000
فصل
و يسمى الفحل عند العرب العر و رهانه إنه إذا أوجعه موضع أو ثار عليه هواء أو داء يحتاج الكي يؤخذ بعير غيره يكوى فوق الريح و يكون العر واقفه تحت الريح يصل روائح حرق الكي إلى العر فحينئذ يبرأ من دائه و يصح، و كما قال النابغة:
و حمدتني ذنب أمرء و تركته ... كذى العر يكوى غيره و هو راتع
و لم لا يكون لحليب الإبل زبد؟ حدثتني فاطمة بنت علي بن مسعود قالت: سألت امرأة مويلية من أهل اليمن عن هذه قالت: إن الأوائل كانوا يستخرجون الزبد من ألبان الإبل ثم قالوا: نتركه. قال لأن امرأة خاصمت ولدها فتعاطى الولد إلى الخذف فخذف الصبي حجرا إلى صوب أمه و كان في يد الأم كبة زبد من حليب النوق فرجمت بها ولدها فوقعت كبة الزبد و هي جامدة كالحجر على مقتل الصبي فمات، فلما جرى هذا الأمر نادت مشايخ العرب في قبائلها على ترك مخض لبن النوق بالمرة، فقالوا: نتركه إلى الآن. و قال حكيم: إذا دهن زيد رأسه من دهن الإبل لم يقلعه شيء، و لم يتنظف الشعر إلا إذا حلق الشعر لأنه غليظ بالمرة.
ذكر الطريق إلى الرضراض
كان من نجران إلى البصرة طريق الرضراض و كان المسافة فيما بين هاتين المدينتين سبعة أيام. و قد بني على حد كل فرسخ منه ميل بالآجر و الجص من بناء عمرو بن معدي كرب الزبيدي، و الأصح من بناء النعمان بن المنذر لما خرج من أرض اليمن طالب العراق، و الأصح إنه بناء سيف بن ذي يزن لما خرج إلى ناحية العراق و استنجد بكسرى بن قباذ بن يزدجرد بن هرمز ملك من ملوك الفرس، و الأصح إنما بنته عرب جاهلية لما سكنوا أرض نجد لأنهم كانوا في تلك الديار شبه السوس في الأرض و الناموس الحفر.و إما المناهل التي كانت في المنازل قديمة الحفر. و بنوا البنيان قصور من باب صنعاء إلى العراق واحد في حد الآخر. فإذا كان خوف في اليمن أو فرح حسن أشعل على أعلى ذروة كل قصر و كان يبصروه في ذروة قصر في نواس تفيل عجيب فكان يبصروه في حصن قرن الجند و منه كان يدخل نجد. و قد بنى في نجد قصر و لعان و في الصعيد من أعمال صعدة و كان يشغل في ولعان و كان يبصره في قصر فوق الخبت و منه كان يدخل نجد. و قد بنى قصر في قرب آخر من أعمال العراق فكان إذا اصبح الصباح يصبح الخبر عند أهل البلاد بما نجز من خير و شر و نفع و ضر، كما قال:
يبلغ الصارخ العراق بيوم ... و في مدى ليلة تأتي المغير
ذكر انقطاع طريق الرضراض

(1/81)


حدثني محمد بن سلامة بن محمد بن حجاج قال: ركبت امرأة لبعض البدوان و يقال بنت عمرو بن معدي كرب ركبت أتانا على نحي سمن أي ظرفين. فبينما هي غادية إلى الفلا صادفها عابر طريق و سالك سبيل فراودها عن نفسها فأبت إن تعطيه، فقال لها: إن كان لا بد فاسقيني سمنا! فقالت له: أهلا و سهلا اشرب! و نزلت بالظرفين فحلت رأس أحدهما فشرب الرجل منه شيئا و قال: ليس هذا سمنا طيبا. ففتحت له الثاني فشرب حاجته و قال: لها امسكي! فأمسكت الظريفين. فحينئذ قام و كشف وراءها و جامعها و المرأة خائفة إن تخلي السمن يتبدد، و لا زالا على حالهما إلى إن فرغ منها. فشدت رأس النحبين أي الظرفين و أركبها أتانها و مضى و مضت وراء شغلها و تم الرحل على ذلك. فعلم أبوها و يقال أخوها عمرو بن معدي كرب الخبر فجاء و سدد الآبار و هدم الأميال و نقض القصور ليقطع سلوك الطريق، فلما طم الآبار سقى الرمل فظهر ما بقي منه و انقطعت الطريق. و عرفت بذات النجبين يعني المرأة و الظرفين و الله اعلم و احكم. و هو رمل شبه دقيق السميذ دون أعمال التنعيم مما يلي ظهر اليمن لم يقدر أحد يسلكه لرفعه، مسيرة هذا الرمل شهر كامل و يقال أيام. و هو الذي يسمى رمل عالج و هو الرمل الذي هو على شفا طريق الرضراض قطعه بعد أن منعه. و يقال إنما دخل سيف بن ذي يزن إلى العراق و ورد إلى اليمن بعساكر الفرس إلا على حده، و كانت المسافة فيما بين الإقليمين سبعة أيام و يقال عشرة على ما تقدم ذكره. و يقال برواية أخرى إن عمرو أبن معدي كرب كان وراء الفلاة مع الظعن لما سدد الآبار سقا السافي طم ما بقي من الباقي و جاء في خلق عظيم ملك صعدة بعد إن أخربها، و قد تقد ذكر خرابها. فلما خربت المدينة بنت العامة موضع الخراب بعينه، و يقال لب قريب منه، و الأصح إنه بني في وسط الخراب و قالوا: نترك الأطراف! و يقال إنما غزى القوم إلا بدوي من ذات الأكيك و ذات الحرمل، وفيه يقول عنترة:
طال الثوى على رسوم المنزل ... بين الأكيك و بين ذات الحرمل
فلما ضاق على البدوي الأرض اسفى الأرض في ديارهم خرج إلى الحجاز و فتل على يد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. و يقال إنما ينتقل الإنسان من مكان لأربع خصال: لرزق يستوفيه أو موت ليقضيه أو لسعادة تأتيه أو لشقاوة تستوليه. حدثني هشام بن مسعود النجراني في دار الإمارة قال: إنه كان هذا الطريق ينفذ إلى الكوفة، أو قال: إلى البصرة، و كان أهل اليمن يسافرون إليه بالحمير و عليهم الأديم إلى إحدى هاتين المدينتين في العام مرتين. قلت: و على أي الأمكنة كان مسلكهم؟ قال: على اليمامة و الحساء و البصرة. قلت: و متى كان عهدكم بعمرانه؟ قال: سنة عشرين و خمس مائة و قال:
لما رأيت سلوى غير متجه ... و إن غرب شفاري عاد مفلولا
دخلت بالرغم مني تحت طاعتكم ... ليقضي الله أمرا كان مفعولا
و قال آخر:
سألت الناس عن خل وفي ... فقالوا ما إلى هذا السبيل
تمسك إن ظفرت بود حر ... فان الحر في الدنيا قليل
صفة إقليم نجد
نجد أرض عالية ذات آكام لطاف حرة صافية الجو معتدل موافق لمن سكنها و دخلها. و بنوا فيها الأوائل أربعين قصرا مجتمعة و الأصح متقاربة تسمى في العراق قصور نجد، و تسمى عند أهل البلاد السكيت و يقال معاصم، بنى بالحجر و الجص ذات إكام و مكنة للربيع بن زهير و عمرو بن معدي كرب و عنتر بن عمرو بن شداد. قال الراوي: كنت ادور مع البدوان في فلاة نجد فنجد بين شجر الأراك آبار طويت بالحجر و الجص و قد أدخل في جملة البناء أخشاب الساج، و كنا نجد الكرم حاملا بالعنب ألوان مختلفة و نخلا حاملا بالخلال و شجر التين و الخوخ و الأجاص و من جميع الفواكه. و لا شك إن هذا الإقليم كان عامرا و فيه بساتين عمرت على تلك الآبار و جميع ذلك موجود في أرض نجد على ما ذكرنا ما دنا منها و ما قرب و الله عز و جل احكم.
صفة ماء الهباءة
و الأصل فيه على ما ذكره الراوي إن الهباءة هو غدير طويل عريض عميق ليس فيه قرار لأحد من شدة جريان السيل ينزل من جبال عظيمة عالية. شامخة. و فيه يقول القائل:
يا جبال الشام يا شمخ الذرى ... أقواطي بلاك الله بالمحل

(1/82)


و يجري منه إلى وادي إلى الأرض فمن حدة جريانه مع طول المدى حفر الأرض إلى البيوت و كثرت عليه السيول و أملي ماء فرجع بحيرة ما ينقص منه الماء، و لو غرف منه أهل البادية و سقى و استسقى منه الأموال و النعم لما نقص منه الماء و لا بان منه مقدار إصبع. و فيه قتل قيس بن زهير بن جذيمة أبن أبي سفيان أولاد عمه لأنه وصل إليهم فوجدهم يسبحون فركب السيف عليهم و قال: إن ماء الهباءة أورثني الذل و رحت ظالما أو مظلوما. و قال:
شفيت النفس من حمل بن بدر ... و سيفي من حذيفة قد شقاني
فان أكو قد شفيت بهم غليلي ... فلم أقطع بهم إلا بناني
و بها قتل عنتر بن ربيعة بن زبيبة أربعين فارسا من وجوه العرب. و هذا الماء مجتمع القبائل و الفتن و بهذه الأماكن مسكن عنتر بن زبيبة و قيس بن زهير و عمرو أبن معدي كرب و غيرهم من كبار العرب و رؤساءها. قال الراوي: و نجد في الفلاة نجد حيث لا عمارة و لا سكن قبور بنيت بالآجر و الجص ألوف مؤلفة لم يعلم أهل زماننا لمن تلك القبور. و عن محمد بن أبي حامد قال: حدثني أبو بكر الشاعر إنه قرأ على قبر:
الموت أخرجني من ديار مملكتي ... فالتراب مضطجعي من بعد تتريفي
لله عبد رأى قبري فأحزنه ... و هاب من دهره ريب التصاريف
هذي مصير ذوى الدنيا و إن جمعوا ... فيها و غرهم ريب التساويف
أستغفر الله من عمدي و من خطأي ... و أسأل الله عفوا يوم توقيفي
و من جملة القصور حجر عبد الله قصر بني على أكمة عالية بالحجر و الجص و بالآجر و الجص و بعد بالآجر و الجص، و بعده قصر عنتر بني بالحجر و الجص و الآجر و الجص بناء و ثيقا محكما، و بعده بئر العاصمية.
صفة بئر العاصمية
بنيت على أربعة و عشرين عمودا ستة أعمدة مقابل سنة و هي مربعة و طوى ما بعده بالحجر و الرخام طول كل حجر منه عشرون ذراعا بالجص مدرج ينزل إليه بدرج، و من يوم بنيت إلى هذه الغاية ما نزفت و لا وجد لها قرار. و هو بناء عجيب لب أعمال سلات. و بعده مدينة الهجرة خرب البلد و بقي في أوسطه القصر عامر سكان بأهله و قد حفر في أوسطه بئر يروي منه العرب إبلها و ظعنها. و مشرق العاصمية قصر الصبية. و النخل مستدار حول القصور ليسكن بل لذخر متاعهم من السمن و الأقط كل ما يصل إليهم سيله. و هو على هذا الوضع و الله اعلم.
ذكر أودية نجد
الحساء و اليمامة و تحت منه الأكيك و ذات الحرمل، و هذه الأماكن أودية مشرفة و العواهل و العويهل نهن و سهل و جاش و عشرون الرمل ما بين هجران و الهجيرة و وضع ما بين الهجيرة و مكة. فإذا كان فضل الغيث و أورى ظعنه و كل يطلب أرضه و فلاته بروايا المحلة. و فيه يقول:
لولا شفاها ذا طرز زمانها ... و حمل الروايا كان من جاء يفرس
و قال آخر:
لولا المشقة ساد الناس كلهم ... الجود يفقر و الأقدام قتال
و هذه العشرة و الأودية إذا مطرت جرت في فلات نجد و يصل أواخرهم إلى البحر المالح.
ذكر الكرم
قال حكيم: الكرم هو دينار عشرون قيراطا منه للعرب و أربعة قراريط منه في سائر الأمم و العالم. و البخل هو دينار و عشرون قيراطا منه في الروم و يقال في الهنود و الأصح في المغاربة و أربعة قراريط منه في سائر العالم. و يقال أول من أطعم الكسرة إبراهيم الخليل عليه السلام فهي سنته. و يقال ثلاثة هم أصحاب الأعراف: أبو طالب لتربيته النبي ( و انوشروان لعدله و حاتم لكرمه. و يقال إن بعض العرب شرع في طعم الكسرة و أراد أن يعادل حاتما في زمانه فجاء إليه ضعيف يطلب منه فأعطاه ما سأل فرجع السائل إليه ثانية و ثالثة و رابعة و خامسة. فقال المدعي: يا أخي كف فما أنت إلا قليل الوفاء كثير الجفاء هذه لك خامس مر أو سادس مرة. فقال السائل: إن حتما بنى قصرا ز فتح به أربعمائة طاقة و الله إني كنت ادخل في كل يوم من كل طاقة أربعمائة مرة بلا عاقة و كنت أكون في الأول شبه الساقة. كما قال:
أجاد جميل مرة بعد مرة ... و ما الجود إلا عادة لجميل

(1/83)


فلما سمع المدعي كلام السائل قال بترك ما كان قد أسس من بنائه المجصص. و كان حاتم طيء إذا قدم الزاد قدم الضيوف و فضل منه شيء لم يرده إلى منزله بل يخليه على حاله. كما قال:
رحانا و خلفنا على الأرض زادنا ... و للطير من زاد الكرام نصيب
و إما عرب الفلاة فلا يتغدى أحدهم إلا قرب الظهر و لا يتعشى إلا قرب نصف الليل و ما يؤخرون الغداء و العشاء إلا لأجل الضيف الذي يقدم عليهم. فإذا وصلت قافلة إلى حلة عرب يخرج أهل الحلة إلى القافلة يمسك كل واحد منهم ثلاثة أربعة انفس من أهل القافلة و كذلك من يكون في البيت قليل النهضة ينادي بأعلى صوته: إلي يا وجوه العرب بارك الله فيكم و يشير بيده إلى الإنسان. فإذا حضر عندهم رجل عزيز القدر ينحر عليه رأس إبل و إن كان عابر سبيل يذبح عليه شاة و إن كانون جماعة و تكون الضيافة لرجل واحد من بين القوم يقدم صاحب الدور قدام الزور و الآلية و يعلم من حضر إن الدعوة لذلك الرجل الواحد و الباقون طفيله و المستورين يأخذ صاحب الدار رغيف يكسره ثلث أربع كسرة يرميه قدام إنسان يكون الدعوة لذلك الشخص. و يسلق اللحم بالماء و يثرد الخبز و يقلب عليه السمن الكثير فيشرب اللحم بالمرق و يفرق جميع اللحم على الثريد و هذا طبيخ العرب خاصة يسمونها العربية.
فصل
نزل جماعة شعراء على رجل من الأعراب في برية قفر فقام الأعرابي يجزر على القوم بعيرا كان عنده فأضافهم تلك الليلة. فلما انبسط القوم من الحديث قال الشعراء للأعرابي: من أي البلاد أنت و كم أنت في رجل و كم معك من المال؟ فقال لهم الأعرابي: أنا رجل غريب نازل هذه الأرض و ما لي من العشيرة إلا امرأة عجوز و ما لي من المال سوى الجمل نحرته عليكم. كما قال:
الجود طبعي و لكن ليس لي مال ... و كيف يصنع من بالقوت يحتال
فهناك خطئ إلى أيام ميسرتي ... دينا على ولي في الغيب آمال
حكاية
عن أبي عمرو الدمشقي قال: خرجنا مع أبي عبد الله بن الجلال إلى مكة لم نجد ما نأكل فرفعنا إلى حي في البرية و إذا في الحي أعرابية عندها شاة فقلنا لها بكم هذه الشاة؟ فقالت: بخمسين درهما. قلنا لها: احسني! قالت: خمسة دراهم. قلنا لها: تنهرين. قالت: لا و الله و لكن سألتموني الإحسان و لو امكنني لما أخذت شيئا. قال أبو عبد الله بن الجلال: ايش معكم؟ قالوا: ستمائة درهم. قال: أعطوها و اتركوا الشاة لها! فما سافرنا سفرة أطيب منها و الله اعلم.
ذكر ذمام العرب
إذا مسك عربي لصا أو ربيطا أو من يكون له عليه دم فإن أكل الربيط في بيت صاحبه تمرا أو لحما قتله بعد يومين و ليلتين و قيل بعد ثلاثة أيام و يقال بعد سبعة أيام. و إن أكل خبزا قتله بعد يومين و ليلة و قيل يومين و ليلتين و يقال بعد سبعة أيام. و إن شرب ماء في بيته بعد يوم واحد و يقال بعد ساعة واحدة. و إن شرب حليبا احرم عليه دمه بعد ثلثة أيام بلياليها. و يقال إن السلام يكون في ذمامة إلى أن يغيب كل من صاحبه فان سلم عليه صاحبه بطل حقه و أمن من جميع ما يكره. قيل: و لم ذا؟ قال: لان اللحم يبقى بمعدة الإنسان يومان و ليلتين و يبقى الخبز يومان و ليلة و يبقى الماء يوما واحدا. و السلام ما يغيب عن النظر فما تقنضي المروة أن تقتل إنسان و خبزك في أمعاءه.
فصل
هجا دعبل بن علي الخزاعي بن عبيد الله الخزاعي فلقيه المطلب في طريق فقال له: سر معي إلى منزلي! فذهب به. فلما دخل قال: و الله لأقتلنك شر قتلة. فقال له دعبل: لا تقتلني و أنا جائع أشبعني و افعل ما شئت ستجدني إن شاء الله من الصابرين. قال له: ما احسن ما طلبت النجاة! إن أطعمتك و جبت الحرمة و الأمان و إن لم أطعمك بخلت أي بخل. فقال دعبل: و الله لا ذكرتك بسوء أبدا. فأطلقه و أحسن جائزته. و إذا عض الذي عليه الدم ذيل امرأة أو طفل يحرم ذنب المذنب على صاحبه. فإن هرب الذي عليه الدم إلى بيت إنسان استجار به فأن عفي عنه صاحب البيت الذي جرم بينهم 00000و حكى إن قوما استجاروا بحجر بن مهلهل فأجارهم من الهوى و بني لهم سورا من الحجر و الجص و نصب على السور سرادقات من الأدم و لم يخلي الهوى يهب عليهم.
فصل

(1/84)


نزل سقاء بئرا بطريق مكة يبرح منه الماء في دلاء لقلته فرحل الحاج على غفلة بقى السقاء مكانه ثلاثة أيام بلياليها، فبعد انقضاء هذه الأيام قدم رجل من وجوه العرب فأدلى دلوه فنظر الأعرابي السقاء في قرار البئر فاستقى و سقى حصانه و شرب و استخرج السقاء من البئر و أردفه وراءه و سار به غير بعيد إلى إن وصل خبت قفر ليس به مما خلق الله عز و جل من المخلوقات سوى فرد حي أي بيت شعر له، و في الحي امرأة واحدة و هي زوجته فقامت المرأة غسلت يد السقاء و رجله بماء حار و أدفأته. و نام السقاء و استراح و استيقظ وجد طبيخا حارا فتعشى و شبع و نام صاحب البيت و زوجته إلى الصباح. فخرج صاحب البيت اسرج و ألجم و ركب حصانه و غدا الصيد. و بقى السقاء عند المرأة تهتم بحاله و تدور في أموره إلى إن تعافى و صح مما به، فلما دار الدم فيه فتح عينه. و قدم صاحب الحي عند اصفرار الشمس و احصر بين يديه الذي رزقه الله سبحانه من الصيد طبخا أو أكلا جميعا. و بقى السقاء على حاله مدة ثلاثة أيام على الرسم و العادة و في الرابع شبع و تعافى و استراح، فمد عينه إلى المرأة فوجدها صورة عجيبة فطالت يده مع قصر رجله في مثل هذا المكان و راودها عن نفسها مرارا فنهته فلم ينته فقام معها بالكلية و قامت معه بالمنية. فلما أبصرت العفيفة عين الحقيقة قامت إليه و أدارت كتافه و شدته في جوار كلب كان عندها.
ففيهن من تسوى ثمانين بكرة ... و فيهن من تسوى عقال بعير
و فيهن من لا بيض الله وجهها ... إذا قعدت بين النساء بزير
فلما رجع زوجها نظر الحال غير الحال فقام إليه و حله و قدم إليه ما حضر. و بقي يراودها عن نفسها ثلاثة أيام متواليات و تفعل بن الدست. قال أبن المجاور: و لا شك إن هذه المرأة كان طالعها بالسنبلة كما ذكره أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني في كتاب التفهيم في علم التنجيم: إما الحمل و الثور و الأسد و السنبلة و الجدي و الحوت ذوات شبق و حرص على النكاح و في الميزان و القوس شيء من ذلك، و إما في أمور النساء فالثور و الأسد و العقرب و الدلو دال على عفتهن و حصانتهن و الحمل و السرطان و الميزان دال على فسادهن و الجوزاء و السنبلة و الحوت على توسط ذلك فيهن السنبلة اعف. فلما عر الحد عن الحد قال البدوي للسقاء: إلى أين تريد أوصلك؟ قال: إلى الكوفة. فشد على حصانه و نفسه و ركب و أردف السقاء وراءه و سار به يومين و ليلة إلى أن اشرف على نجد الكوفة. فلما نزل البدوي السقاء عن حصانه ودع كل صاحبه، فحينئذ قال البدوي: بالله عليك إلا ما كتمت حالك لي و حدثت بحالك معي اعد الله جزاك خيرا.
كما قال:
لا نضيع فعل الجميل بضعه ... إن اصطنعت لذي خطا و ذنوب
و الشوك لو تسقيه ماء الورد ما ... 00000 ويحمل الخرنوب
و قال آخر: ليس الكريم الذي إن زل صاحبه بث الذي كان من أسراره علما
إن الكريم الذي تبقى مودته ... و يحفظ السر إن صافي و إن جرما
و قال آخر: لا تجلسن مع السفيه فانه بفساده لصلاح أمرك يذهب
و لقد ظفرت ببيت شعر قاله ... بعض من الأعراب و هو مهذب
ما ينفع الجرباء قرب صحيحة ... منها و لكن الصحيحة تجرب
و لماذا يقال: جراد نجدي لا يأكل الحشائش و يشم أطيب الأهوية و يشرب أطيب المياه و يترقى في أطيب الأمكنة و يرجع دواء كل داء؟ و يقال: إنه يظهر في نجد من أعمال تسمى الدهناء و الموضع هو مشرق البحر، و قال آخر: بل هو يخرج من البحر بإذن الله عز و جل قال أبن المجاور: و هو قريب من اليمن و السلوى ينزل على شجر الزيتون بجبال الروم و غيرها. و السلوى هو طير يجيء إلى دمياط على وجه الأرض، و قد تقدم ذكره، و لم يعلم من أين يأتي، و كذلك الجراد يأتي من علم الله عز و جل. فإذا غرس الجراد في الأرض و أقفر يسمى العرجل فإذا بت و دب عل وجه الأرض يسمى الدباء فإذا طار يسمى الجراد. و قال رجل من المفرسين: إنه كتب على جناحه اسم الله الأعظم فلذلك يقدر على الطيران و يتسلط على أكل الزرع و غيره لأجل جند الله عز و جل سلطه على بلاده و عباده.
فصل

(1/85)


نزل الجراد في قرب قبيلة زيد و نزل جراد قرب قبيلة عمرو. فقام أهل قبيلة زيد قالوا لأهل قبيلة عمرو: ها نحن نصيد جرادا احتمى بكم. فلما سمعت قبيلة عمرو ذلك قالت: لا سمع و لا طاعة و لا نمكنكم من صيد جوارنا. فقام القتال بين الفريقين و لا زالوا على القتال إلى أن قتلوا هاتين القبيلتين. و انشد عمرو يقول:
و منا من أجار جراد نجد ... و حرمه على المتصيدينا
فصل
مرض زيد مرضا شديدا إلى أن تعبت الأطباء من علاجه لقلة ملاقاة أدويته. فلما اشرف على الهلاك قال الطبيب لقرابته: أطعموه ما اشتهى و أراد فأنه من الهالكين! و صار المريض يأكل ما اشتهى و أراد إلى بعض الأيام فدار في خاطره الجراد فاشترى و أمعن في الأكل منه، فلما اكثر منه تعافى من مرضه. و شاهده الطبيب فقال: بالله عليك اخبرني بما تناولت من المعاجين أو شربت من الأشربة و ما غداؤك من المآكل فقال: الجراد. فقال الطبيب: صدقت لان الجراد يكون قد قعد على حشائش يأكل منها، و لم تصل منفعتها إلى فهم مخلوق إلى الآن و وافق خاصية تلك الحشائش لذاتك برئت و كان الجراد واسطة لعافيتك، و الله إني نظرت في جميع كتب الطب على أن اعرف لدائك دواء فما صح لي من ذلك فقلت بترك الحمية لك و الله اعلم.
ذكر زواج أهل نجد
حدثني سليمان بن المنصور قال: إن جميع أعمال الجبال و جميع أهل البوادي و البدو و تهامة و نجد يزجرون بنائهم و لم يورثون البنت شيئا بل إذا كانت البنت باكرا تجهز و تزوج من مال أبيها، و إن كانت البنت ذات عيال فقد استراحت عواذلي من عتابي، و كل امرأة يقل أهلها و عشيرتها يقل خطابها. فإذا عجزت عن مقاساة نعمها و مواليها تركب هودج عالي و تساق نعمها إلى سوق في وعدة و يقوم لها مناد ينادي عليها: ألا من يطلب عروسا و ذودا؟ فان كانت راجعا ينادي عليها: ألا و من يطلب بحبح و دوب، و البحبح هي امرأة ثيب و الدواب مالها و نعمها من00000 و أمانات. فكل من يرغب فيها و في مالها تزوج بها فإذا أبوها أو أخوها أو أبن عمها أو بعض قرابتها يقول للرجل: تزوج بها يا وجه العرب، و إذا قل رغبتك فيها فأنت وكيلها في زواجها زوجها من شئت!! و انشد بعضهم:
عليك بصعبات القياد و لا تقع ... برجلك في مدووسة قد أذلت
إن أكرمتها قالت: قد أكرمت من قبل ذا ... و إن هنتها قالت: بل النعلي زلت
و قال آخر:
يا مبشري بابا و يا زوج راجع ... أبشرتك الخسران من يوم راجع

(1/86)


و إذا دخلت المرأة على بعلها تجيء كل امرأتين من جيرانها يهنئانها بإتمام سرورها و تأتي معها بجراب ملآن دقيق سميد أو سويق أو زبيب. و حينئذ يحصل للمرأة نحو مائة ظرف ملآن تنفقها مدة أيام و اشهر، و إذا كان لأحد النسوة الذين حضروا العرس عرس ردت لهم المرأة الجراب الملآن مثل ما كان، مثل ما كان، و هذه عوائدهم. و تغزل النساء هذه الديار القطن كما يغزل الوبر بالقانون غليظ مرة، و ينسج منه شبه سياسات شبه الأكسية الصوف يسمونها الصوف يسمونها ثياب الهجيرة لبس العبيد و الإماء و الضعيف. و يقال إنما يوجد في هذه البلد ستون حائكا و دحاح. و ليس يعرف القوم إيمان إلا إن زيدا يخط خطا دائرا على وجه الأرض و يقول لعمرو المنكر عليه: أدخله! فإذا دخله يقول له: ارفع رأسك إلى الله! فإذا رفع رأسه نحو السماء قال زيد: كفيت بالله ربا اقصد يا إنسان طريقك بارك الله فيك! و هذه أيمان القوم. و ينقسم أموال هذه البلاد على فريقين: الضان و بعض الإبل و الخيل، فأما الإبل و الضأن يستقنوتهم قوم يقال لهم الشاورية و بعض الإبل و الخيل يستقنوتهم الدواشر . و لم يعرفوا غير هذا المال شيئا آخر يعني مثل المعز و البقر و الثيرة و الحمير و البغال. و الآن ينزل البدوان حول القصور بالبيوت الشعر و الخيل و الإبل و الغنم و هم أهل جود و عطا و كرم يأكلوهم لحم الإبل و مشروبهم الحليب و ركوبهم الخيل و بيعهم و شراؤهم الخيل و الإبل و لبسهم الخام. و هم أهل قوة و فصاحة و يديرون الفلاة و راء الأموال و النعم لا يودون قطعة و لا يعرفون خراجا س. قال أبن المجاور: و كل بدوي لا يأوى تحت سقف و لا يؤدي قطعة فهو من أولاد إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليه السلام ليس فيه خلاف و لا شك و الله اعلم.
و أما نجد و حدودها فما كان من حد اليمامة إلى قرب المدينة راجعا على بادية البصرة حتى يمتد على البحرين إلى البحر فهو حد نجد
ومن صعدة إلى صنعاء راجعا على الطريق اجديد
قال أبن المجاور: حدثني الحسن بن علي بن محمد التولي الصعدي قال: لما فتح الله عز و جل بالإسلام سلكوا هذه الطريق. من صعدة إلى الخيام ثلاثة فراسخ و تسمى الدروب. و إلى العين فرسخ. و إلى العمسة أربعة فراسخ . و في هذه الحدود مدينة تسمى خيران و يقال وادي خيران، و هذه مدينة وضعت في لحف جبل و من علها إنه كان بها ستمائة شارع و كان يخرج من كل شارع ستمائة فارس و كان قد بني لهذه المدينة سد شبه المأزمين بمأرب و قد تقدم ذكره. فلما خرب السد خربت المدينة و الآن هي ملك أحمد و محمد أبني عبد الله بن حمزة و اشتروا أراضيها بذهب كثير و هي ذات زرع و ضرع ، و يقال إن من طيبة أهلها كانت تسمى خيران في أيام الجاهلية . و إلى حوت خمسة فراسخ . و إلى جحضم أربعة فراسخ .و إلى صنعاء فرسخين.
ذكر الرؤيا
قال أبن المجاور: رأيت في المنام كأني في مدينة عامرة و كان عمارتها بالحجر المنقوش طول كل حجر منها مقدار خمسة أذرع و لكل حجر لون، و هي ذات جامع و مساجد و خانات و ربط و مساجد و مدارس وع أسواق و دكاكين و حوانيت ، نزهة بين جبلين عاليين كثيرة المياه و الأنهار و الأشجار و البساتين. و كان قد طبق إحدى جبلي الوادي الآخر القائم على حرفه و قد كحل السوق بالجص من لحفه إلى ذروته، فلو سار على وجه أي سد الجبل نملة لناظره من على بعد المسافة. و كأني قلت لأحدهم: ما تسمى هذه البلد، قال: حجب. قلت: و ما المعنى في هذا الاسم؟ قال: إنها احتجبت عن الناظرين. قلت: فمن أي الأعمال تحسب؟ قال: من أعمال صنعاء اليمن. و ذلك ليلة الجمعة سادس رمضان سنة أربع و عشرين و ستمائة.
من تعز إلى زبيد راجعا
من تعز إلى عدينة ربع فرسخ، قرية في لحف الحصن. و فيها قال الشاعر:
قد كنت لألأ برق من عدينة ... ناديت: ما بال أحباب لنا بعدوا؟

(1/87)


و إلى الدمينة ربع فرسخ و بها يعمل الخزف. و إلى وادي حذرار ربع فرسخ. و إلى بئر ماهوت ربع فرسخ، و يسمى الأجناش و بنى بها نور الدين عمر بن علي بن رسول مسجدا على ثلاث قباب سنة ثلاث و عشرين و ستمائة. و إلى بئر الصدع فرسخ. و إلى وادي النخل فرسخ. و إلى وادي الحناء فرسخ، و جميع غرسه و زرعه الحناء، و هو كثير القردة. و إلى السالمين فرسخ. و إلى عقدة مجعر فرسخ. و إلى الكدحة فرسخ. و إلى حديلة فرسخ، و تسمى سراديب النيل. و إلى الدريعاء نصف فرسخ و الله عز و جل اعلم.
صفة طير الدلنقوق
طير أبلق يشابه لافر عرير إن الذي في أرض العراق بمنقار طويل يأوي هذه الجبال، و صفته إذا غرد رقص . حدثني الجمال قال: ما يكثر تغريده و ترقيصه إلى في فصل الغيوث و المطارات و الشتاء و هذا أعجب شيء رآه المصنف. و في اليمن أيضا طير يسمى جولب أكبر من القسم و أجنحته حمر و له منقارين يقول أحدهم في تغريده: سيدي أجب ستي! و يقول الآخر في تغريده: دقوا قفا السودان! و يوجد في هذه الجبال طير يهدر شبه هدير الجمل الهائج . و يأتي إلى زبيد عند طلوع كل شمس طيور تشبه الطيطوية و ذلك في فصل الشتاء تسمى الحوامات حمل في جمل تدور حول البلد أربع دورات و ترجع لم يعلم أحد من أين يأتون و لا أين يمسون و لا يكورون ، و هم من جملة العجائب. و يطلع في هذه الجبال ريحان بري في أرض تهامة حيق و يسمونه في زبيد النحالة الدرافساير و كان هذا الموضع رأس حد أعمال الحبشة لما كانوا ولاة زبيد. و إلى الساسة فرسخ. و إلى المخيشيب فرسخ، آخر أعمال الجبال. و إلى الفويرين فرسخ. و إلى حصب الدين نصف فرسخ. و كانا قريتين عظيمتين عامرتين و من جملة عظمتهما إنه كان يركب منهما أربعمائة فارس، فسلط الله عليهم دابة يسمونها أهل اليمن الحرباء لدغتهم فماتوا الجميع و يسميه أهل خراسان آفتاب برست ويسمى في زاولستان سكند، كما قال أبن المجاور فيه:
جه كردى ايا روزكار نزند ... كه يبوستهكردى برنك شلند
كهي زرد زوى و كهى سبز كشت ... كهى دست يار و كهى باي بند
و يسميها أهل نهاوند ركثرله و يسميه أهل الحجاز أم جبل لأنه يكون لأحدهم لسان طوله اكثر من مائة ذراع و يسميه أهل أبين الفخاخ و تسميه العرب العرباء الحرباء. كما قال كعب بن زهير:
و يوما يظل به الحرباء مصطخما ... كأن ضاجيه بالنار مملول
و إلى السلامة نصف فرسخ، فإذا كان في البلاد خوف غزوهم أهل شمير لان القرية في لحفه. والى حبس نصف فرسخ، بناها الأمير جياش بن نجاح و هو جد ملوك زبيد الذين تولوا ملك زبيد و التهائم، فلما تولى الملك بنى حيس و انفذ إلى أهله و قرابته: انتقلوا من أعمال الحبشة و اسكنوا حيس، و يقال إن ليس فيها من العرب بل كل من بها من نسل السودان. و بها يضرب أهل اليمن المثل، يقول زيد لعمرو: و الله ما تضير إلا تيس. فيقول له عمرو: و لم؟ فيقول: كما أعطاني حب و اخذ حيس. و كان الموجب على ما ذكره يحيى بن علي بن عبد الرحمن الزراد إن عصابا فوره معاني في حب حصن حب، فحينئذ أعطى سيف الدين نقر له حيس و أخذ منه حبا فبقى مثلا بين عوام زبيد. و كذلك أعطى بعض ملوك الموصل قلعة سنجار. و إلى الدوامل فرسخ. و إلى السرداب فرسخ. و إلى القرتب نصف فرسخ.
من زبيد إلى الحجة
من زبيد إلى القحمة ثلاث فراسخ. و إلى الدكراء فرسخين. و إلى طرف العنيمة ثلاث فراسخ. و إلى العمد ثلاثة فراسخ على لسان وادي لعسان . و إلى اسحر ثلاثة فراسخ . و إلى حراز المستحرز ثلاثة فراسخ .
بناء حصن مسار

(1/88)


و لما كان في سنة تسع و عشرين و أربعمائة بنى الصليحي في رأس مسار و هو أعلى ذروة في جبال حراز، و كان معه سبعون قد بايعهم بمكة في الموسم سنة ستة و عشرين و أربعمائة على الموت و القيام بالدعوة، و منهم إلا من هو مع قومه و عشائره في منعة و عدد كثير، و لم يكن برأس الجبل بناء بل كان قلة قاسية منيعة. فلما ملكها لم ينتصف النهار الذي تملكها في ليلته إلى و قد أحاط به عشرون ألف ضارب سيف فحاصروه و شتموه و قالوا له إما نزلت و إما قتلناك أنت و من معك بالجوع . فقال لهم: ما فعلت ذلك إلى خوفا عليكم أن يملك هذا الجبل علينا و عليكم فان تركتموني أحرسه لكم و إلا نزلت إليكم. فانصرفوا عنه و لم تمض له ستة أشهر حتى بناه و حصنه و أتقنه . و بقي الصليحي في مسار و أمره يستعلى من سنة تسع و عشرين و أربعمائة. و كان يخاف نجاحا صاحب تهامة و يلاطفه و يستكين لأمره، و لم يزل الصليحي يعمل على نجاح حتى قتله بالسم مع جارية جميلة أهداها إليه و كانت وفاة نجاح بالكدراء في عام اثنين و خمسين و أربعمائة. و في عام ثلاث و خمسين كتب الصليحي إلى الأمام المستنصر بالله يشاوره في إظهار الدعوة فعاد الجواب إليه بالأذن. ففي ذلك طوى البلاد طيا و فتح الحصون و التهائم، و لم تخرج سنة خمس و خمسين و لم يبق عليه من اليمن سهلا و لا عرا ولا برا و لا بحرا إلا فتحه و ذلك أمر لم يعهد مثله في الجاهلية و الإسلام! قال: و بيان من زبيد حصن مسار يمين القبلة و يسار المشرق على أعلى ذروة الجبل شبه أكمة عالية مشرفه على التهائم. و في سنة خمس و عشرين و ستمائة ملكه الشريف عماد الدين يحيى بن حمزة و هو الآن في قبضته و تصرفه. و إلى الجبلين ثلاثة فراسخ . و إلى سوق القباب ثلاثة فراسخ في أوسط وادي سارع. حدثني سليمان بن منصور قال: إن أهلها كتبوا على باب مسجدهم: من أمسى في مسجدنا هذا فلا يراعى منا عشاء.
فصل
حدث يوسف بن يحيى عن أبيه عن غسان عن أبي عبيدة بن جهيم بن خلف قال: أتينا اليمامة و نزلنا على مروان بن أبي حفصة فأطعمنا تمرا و أرسل غلامه بفلس و سكرجة يشتري له زيتا، فلما جاءه بالزيت قال: خنتني من فلس واحد. قال: كيف أخونك؟ قال: أخذت الفلس لنفسك و أستوهبت زيتا فأنت ابخل الناس. و قال فيه:
و ليس لمروان على الغرش غيرة ... و لكن مروانا يغار على الفلس
و إلى طرف نظار ثلاثة فراسخ . و إلى ربض أربعة فراسخ . و إلى لاعة أربعة فراسخ . و إلى المخالفة فرسخين. و إلى حجة أربعة فراسخ . حدثني يحيى بن علي بن عبد الرحمن الزراد قال: إن في الجبال خيال لا يزال البرق يضرب أطرافها إلى أن رجع ضرس قائم بنى على حصن مانع مثل الدملوة و حب و التعكر و بكور، و ما يضرب البرق على حصن عامر إلا هدمه و أخرب حضنه و دحضه إلى أن خلاه مع الأرض مستويا. فإذا جاز على جبل من هذه الجبال قوم من أعراب الأعمال يقول زيد لعمر: هذا حصن نصر بن جعفر و هذا منزل خالد بن الوليد، خرب من كذا و كذا سنة. و لم يكسر جبال اليمن و يدحضها إلى دوام البرق و هذا أعجب شيء يكون.
من زبيد إلى غلافقة
من زبيد إلى القرشية فرسخ، و منها ظهر أبو موسى الأشعري رضي الله عنه و هو من جلة الصحابة و أحد الحكمين الذين حكمهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب و معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما.
فصل
أهل الزريبة و العنبرة و الهرمة و القرشية، لم تظهر بهذه القرى بنت إلا إذا عقد نكاحها و قطع مهرها و سلم دفعها و بعد ذلك تظهر البنت بطبل و زمر على رؤوس الأشهاد بالمهامين و الضيافات و الطرح و التسليم. فسؤل عن فعلهم، قالوا: نخاف نظهر طفلة فإذا كبرت رأت نبتها و خدها و قدها و نهدها مع أعكامها مليحا يعجبها حسنها فتحتاج إلى أن تخرج عن الطريق إلى غير الطريق، بل نخليها على حالها فإذا رأت فلقها طويلة و هي مع وصحه رهكة كريهة الرائحة وحشة المنظر تخمد نارها و يقل طلابها لأجل ما معها من طول الغفلة فإذا مهرها ظهرت فأدخلت على بعلها هين لين. و يقال إن جميع بلاد الشامية عن زبيد على هذا السنن و الغرض بطول و بعرض. و إلى خبت نفحان فرسخين ، من حدود المحالب و ليس في تلك الأراضي أكثر توهجا منه. و إلى غلافقة فرسخين.
بناء غلافقة

(1/89)


كان ما بين غلافقة و المكينة بلد تسمى الزبر، و ما أشتق اسم الزبر إلا من الزبور أي زبور داود عليه السلام ، و يقال من زبرة الحديد، طمها الساقي فرجعت تلول رمل. قال أبن المجاور: و وجدت في المكان قبرا على ساحل البحر و قد حمل الرمل حجرا و قد غاص عظام الميت في الحجر الأصم و الله عز و جل اعلم .
فصل
إذا دار على التراب ألف عام رجع التراب رملا فإذا دار على الرمل ألف عام رجع الرمل حجرا و إذا دار على الحجر ألف عام رجع الحجر ترابا، فعلى هذا الوجه لا شك إن للقبر ثلاثة آلاف عام لأنه تقلب ثلاث قلبات قلب بالتراب و قلب بالرمل و قلب بالحجر. فلما خربت الزبر بنت امرأة تسمى بنت إسرائيل و لا شك إنها بنت يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام غلافقة فخربت بمرور الزمان عليها و دور الأفلاك عليها فبقيت رسوم وأطلال إلى أن جدد العمارة إخوان من الفرس و الأصح من سيراف يقال لهم أولاد أبن القشيري و يقال إن القوم من الذين خرجوا من جدة لأنه كان قد جرى بينهم و بين الأمير القشيري شكر بن أبي الفتوح سنة خمسة و تسعين و أربعمائة ، و قد تقدم ذكره بأعمال جدة على التمام و الكمال. فلما توطن القوم بها بنوا منارة حسنة فلما طال الدهر تشعث و نقل أساطينه الساج إلى مسجد الأشاعر بزبيد بنى به، و يقال إن هذا الجامع بناه القائد حسين أبن سلامة، و بنوا الدور الملاح و المساجد الساج من حجر الكاشور و هو حجر يستخرج من قعر البحر.
فصل
حدثني يوسف بن أحمد بن يعيش قال: لما صاموا أهل غلافقة شهر رمضان قال زيد الكبير من أولاد القشيري: شاهد الله على أحد من الرعية باع أو يبيع على أخي عمرو حطبا. و أنفذ إلى أشياع أخيه عمرو و إلى أتباعه و قال لهم: و الله ما يأتي أحد منكم بحطب إلى بيت عمرو إلا افعل به كيت و كيت و احرم أن يدخل بالحطب إلى بيت عمرو. فلما كان ليلة العيد أمر عمرو أهله أن يطبخوا و يشووا قالوا: بماذا نطبخ و أخوك زيد قد حرم علينا دخول الحطب؟ فحينئذ اخرج خيوش بلها بالسمن و أشعلها تحت القدور. فلما كان يوم العيد و صلت الناس صلاة العيد قام عمرو و سبق أخاه زيد و قال: بسم الله يا صاحبي إلى داري بارك الله فيكم! فدخلت الناس داره إلى أطعمة و اشربه و اشوية خلاف العادة. فقام زيد و قال لعمرو: يا أخي من أين لك الحطب؟ قال عمرو: فلما منعت الحطب من قلة خيرك فأوقدت الخيوش المنقوعة بالسمن الكثير. فعند ذلك تعب أخوه زيد من علو همته و أكل جميع ما في غلافقة من داره و لم يقبل إلا على طعام عمرو، فتعجب زيد من فعله و علو همته و قال: يا أبا محمد قدمك في الموضع المحال، أورق العود في كفك و هو فاضل، و البخل إذا ما سمعك انتزح راحل، و أنت كالبحر و كفك للعطا ساحل. و انشدني زكري بن سكيلا بن عبد الله البحتري يمدح جياش أبن نجاح:
المشتري حلل الثناء بما حوت ... كفا و الحامي لها أن تشترى
و الموقد النارين نارا للوغى ... لا تنطفي أبدا و نارا للقرى
فصل
سئل إبليس: من احب الناس إليك؟ قال: عابد بخيل. قيل فمن ابغض الناس إليك؟ قال: فاسق سخي. قيل و كيف ذاك؟ قال: لأني أرجو أن لا يقبل الله عبادة البخيل و اعلم إنه لا يتم له شيء من الخير مع البخل و لا آمن أن يطلع الله على العبد الفاسق فيرى بعض سخائه فينجيه و يرحمه به.
فصل
و كان لأبي دلف القسم بن عيسى العجلي جار و كان عليه نعمه فسلبها فآل أمره إلى بيع داره فساوموه فيها. فقال: بألف و خمسمائة دينار! فقيل يا هذا إنما تساوي دارك ألف دينار. فقال: و جواري من أبي دلف بخمسمائة دينار! فبلغ أبا دلف ذلك فأحضره و أمر له بألف دينار فقال: تعذرنا في ذلك و لا تتحول عن جوارنا. فهو الذي يقول فيه على بن جبلة الضرير في هذا المعنى:
إنما الدنيا أبو دلف ... بين باديه و محتضره
فإذا ولى أبو دلف ... ولت الدنيا على أثره
و سكنا المكان جميعا إلى أن انقضوا رحمهم الله تعالى. قال:
أف للدنيا الدنية ... خبشة فعلا و نية
و العيش كله هم ... و عقباه منية
ذكر بئر الرحبانية

(1/90)


حدثني ريحان مولى علي بن مسعود بن علي قال: أول من ابتدأ في حفر البئر رباح أي فرد و حفر بيده الأرض إلى أن نبع ماء عذب حول عقل الساب يصح غمقها نحو أربعة اذرع لا غير. فلما رأت الفرس صورته بالحجر و الجص. و هو عن البلد نحو شوط خفيف بين نحل باسقات شامخات فبقي مستقى أهل غلافقة، و من يصل من المراكب الصادرة و الواردة على مائها فلم يقل منه شيء. فعرفت البئر بالرحبانية يعني الفرد الذي ابتدأ في حفره، و يقال بل كان الرباح اسم رجل و لم يكن فردا. و هذه البلدة فرضة الكارم إذا وصلوا من ديار منصر، و يجلب منها الحشيش الأخضر للخضر و الزنابيل و السمك العربي و غيره و ضيراك و رعيد و المراوح و الفار و القرش و البياض و العربي و المخنف و الفرا و السفية و الطويلة. و يكون لها فرج على هيئة فروج النساء و لم تشترى من الصياد حتى يحلف إنه لم يطأها، و يباع لحمها بالميزان لأجل الدواء. و السفية ذات صدف و الصبايا و المرح. و جميع هذه الأسماك ترفع إلى زبيد و يسمونه الملتح. و ضمان سوق السمك بزبيد كل يوم ثلثة عشرة دنانير ملكية و الله سبحانه و تعالى اعلم.
جزيرة فرسان
ما بين دهلك و حلى أبن يعقوب، و بها مدينتان عامرتان إحداهما سور و الثانية جدة بناها الفرس و الأصح بناها مالك بن زهير أهلها صلاح أتقياء. و يجري بين الفريقي نهر كبير عريض صافي عذب خفيف صحيح أوله عين و يقال ماء تراب. و قنبت على شاطئ النهر شجر و خضر و حشائش ألوان مختلفة و يزرع فيها من جميع الحبوب و الخضراوات. و عندهم من سائر الدواب الأهلية مثل البقر و الماعز و الضأن و الإبل و الدواب، و يوجد عندهم من سائر الأسماك و دواب البحر. و قد خص الله سبحانه و تعالى أهل هذه الجزيرة إذا طلعت الشمس مقدار قامة يدوى الجو و حينئذ يخرج كل من في القرية إلى ظاهر القرية يصطفوا على شاطئ البحر، و ينزل على القوم بعد ساعة طير شبه الخرق و يقال شبه السمان مائة ألف طير، فإذا حصل في شاطئ البحر لم يقدر أحدهم على الطيران فيأكل كل كافيته و على قدر حاله تذبيحا و تطبيخا. و لم يوجد في سوى اللحم و الشحم شيء آخر و يكون عيش القوم طول الدهر به و لم يمل أحد من أكله مع مداومته لأنه لحم خفيف طيب مرئ. قات: و ما يسمى؟ قال: السلوى. و هو الذي قال الله عز و جل: و أنزلنا عليهم المن و السلوى. فقلت للراوي: كم يكون دور الجزيرة؟ قال: مسيرة يوم كامل لرجل طراد. حدثني بدر مولى بشر الصوفي بذلك.
ذكر جزيرة الغنم
و ذلك في بر السودان ما بين عيذاب إلى بحره جزيرة تسمى جزيرة الغنم مائة ألف رأس غنم بها و اكثر من ذلك و جميعها وحشية. و كان الموجب لذلك ما ذكره ريحان مولى علي المجاور قال: إنه قدم مركب في بعض مدن الودان شحنته غنم و كباش و أرسلوا بهذه الجزيرة فزخر الريح عليهم. فلما طال الشوط في المقام عليهم اخرجوا الغنم في الجزيرة لترعى مع طول المقام فطاب للقوم الريح على غفلة فركبوا الكباش المراكب و نسوا تسع ثمان رؤوس منها في الجزيرة فلم يمكن القوم أن يدورون عليهم لضيق أخلاق الربان فشال القوم شراعهم و ساروا بالسلامة. و بقية الغنيمات في الجزيرة فتناكحوا و تناسلوا مع طول الأيام فكثروا و استقطعوا الجزيرة فعرفت الجزيرة بهم و صاروا الآن إذا أرسى بهم مركب لم يقدروا إن يصطادوا من تلك الأغنام شيء إلا بعد جهد عظيم مع القوس و النشاب و قد لا يحصل لهم شيء لأنهم قد صاروا وحشيين يسقوا الغزال و هم ملء تلك الجزيرة إلى الآن و الله اعلم بالصواب.
ذكر جزيرة الناموس
و كذلك جزيرة الناموس. حدثني ريحان مولى علي بن مسعود بن علي قال: إنما بين جزيرة دهلك و عقيق جزيرة ملؤها نامس لم يسلكها و لم يسكنها أحد من خلق الله من كثرة النامس الذي بها و الله اعلم.
من زبيد إلى الاهواب
من زبيد إلى المسلب فرسخ، و يقال إنما سمية المسلب لان نساءها يسلبون العقول من حسنهم و جمالهم و ظرافتهم. كما قال:
سقى الله ربات الحصيب و ربعها ... فما الحسن إلا حوته ربوعها

(1/91)


قال أبن المجاور: و الله الرحم الرحيم ما رأيت في جميع اليمن سهلها و جبالها وجها حسنا يعتمد عليه النظر و لا فيهم ظرافة و لا لطافة و لا ملاحة و لا حلاوة إلا اسم بلا جسم، ما ترى إلا عجائز سؤ خبيثات الأبدان قليلات الأدب ذوات آراب و سخين اللسان قذرين الأكل. كما قال الظهري:
بباده ديت ميالاى كان همه خونيست ... كه قطره جكيدس ازدل انكور
بوقت صبح شود همجو روز معلومت ... كه باكه باخته ذر شب ديخور
فلما أوقف صلاح الدين يوسف بن أيوب في أعمال مصر ما أوقف و قد تقدم ذكره في أعمال جدة أوقف توران شاه يوسف بن أيوب و الأصح طغتكين بن أيوب المعز وادي الجريب و الحرب و المسلب و بقى يرفع دخلها إلى مكة إلى أن خبل وقفها الملك مسعود بن محمد بن أبي بكر سنة خمس عشر و ستمائة و بقى يرفع دخل هذه القرى إلى الديوان. و أيضا كان أوقف طغتكين بن أيوب عل المدينة أم الدجاج مع جمل من الأراضي كلها القاضي علي بن الحسين بن وهيب لما تغلب الأمير قاسم بن المهنا بن جماز صاحب المدينة على مكة سنة اثنتين و عشرين و ستمائة، و بقى يرفع دخلها إلى الديوان. و رد الملك المسعود يوسف لأم الدجاج على الأمير شيحة سنة خمس و عشرين و ستمائة، و صار يصل دخلها إلى المدينة كما كانت. و إلى الأهواب فرسخين بين نخل شامخات.
بناء الأهواب
بنى الأهواب أبو القسم الرامشت بن شيرويه بن الحسين بن جعفر الفارسي سنة اثنتين و ثلثين و خمس مائة مدينة حسنة لما تقدم من الهند يريد الحج، ذات أسواق و جامع و دكاكين و نقل الأخشاب الساج إليها من الهند. فلما انقضت دولة الحبشة و تولى علي بن المهدي خرب جامع الأهواب و نقل أخشابه إلى المشهد الذي بناه في زبيد سنة خمس و خمسين و خمسمائة و هي فرضة المراكب الواصلة من عدن. و ما أشتق بطن الأهواب إلا من الأهوال لأنه على آخر بطن السحاري موضع هول لكونه كشفا. و قال بعض الزيالع الذين أتوا الأمانات لجبريل بن زيد بن فارس: حط عني عشور عشر سنين حتى اعمر لك مرسى الأهواب! فقال له: كيف تفعل فيه؟ قال: اشحن مراكب حجر و تراب ارميه معارض المرسى بالطول ليرد قوة الموج و المياه و الريح. فلما هان على جبريل ذلك و قال: إن أربع مدن في بر السودان مقابل أربع مدن في بر العرب: عيذاب مقابل جدة، و الأصح أن عيذاب مقابل الجار و هو مرسى ينبع، و دهلك مقابل السرين و زليع مقابل العارة و عوان مقابل الأهواب.
من عدن إلى شبام
من عدن إلى الرعارع أربع فراسخ، و على رأس البئر غرابين لا يزال من مكانهما ابد الدهور، من أعمال لحج و فيه يقول علي أبن زياد المازني:
خلت الرعاع من بني مسعود ... فعهدهم فيها كغير عهود
جلت بها آل الزريع و إنما ... حلت اسود في مكان اسود
و إلى ابين أربع فراسخ، قرى جماعة بناء أهل الحجاز، و يقال بناء بني عامر من أرض الحجاز، سكنوا الديار و بنوا القرى و حرثوا و زرعوا و تأهلوا فيها و بقيت في أيدي القوم إلى آخر الدولة الحبشية. و من جملة الأعمال خنقرة و الطرية و جبنون و المحلل و السلامة و مسجد الرباء. و بهذه النواحي قبر صالح النبي ( و رجل ولي صالح. و جميع نساء أهل هذه الأعمال سحرة.
صفة العفو
إذا أرادت المرأة أن تتعلم السحر التام الذي لا قبله و لا بعده تأخذ أبن آدم تصليه إلى أن يذوب و يصير ودكا و يبرد فإذا برد شربته جميعه و تحبل منه و تضع بعد سبعة شهور بشرا وحشيا يشبه القط سوى في الطول و العرض يسمى العفو. و يقال إنه يكون عليه آلة في قدر آلة العفو الكبير. فلا تزال الساحرة تدور به و تربيه إلى أن يكبر و يشتد و يقوى، فإذا بلغ الإدراك جامع العفو أمه فإذا جامعها فلو ركبت المرأة جرة بلسب بها الجرة عنها و لم يشاهد العفو إلا أمه و هي زوجته و لم ينظره أحد غيرها. قال أبن المجاور: و ما سمى العفو إلا إنه يحملها ايرا لا تطيق عليه و يقال لم يتعلم سحرا و لم تعلم له. و يقال بل العفو مثل هذا الشيء كما قال:
العفو إن هب معرب ... و حملا سمال على يدي
و أصبح البرد بالمسا ... و صاح أبي بلاح

(1/92)


و أصل نساء هذه الأعمال من هذا الفن: تمشي إحداها إلى المعبر و ترجع في ليلة واحدة. حدثني محمد بن زنكل بن الحسن بن عميد كرمان الكرماني الساكن في مسجد الرباط: و هم الذين يصيرون الإنسان حمارا و ثورا كيف ما أرادوا و أشتهوا. و إلى دار زينة تسع فراسخ، جبل مشرف على البحر يسكنه الجحافل فخذ من فخوذ العرب و ما عرف الجبل بهذا الاسم إلا إنه إذا وصل إليه المراكب من سائر الأقاليم تزين بها لأنها اقرب المسافة إلى عدن. سرير ملك هذه الأعمال مدينة تسمى دثينة. و إلى بيحان سبع فراسخ، واد طويل عريض فيه قرى و نخل و قد تقدم ذكرهم و نسبهم إلى معاملة بلقيس في الجزء الأول. و إلى وادي جريب أربع فراسخ. و إلى عازب ستة فراسخ خربت على ماء واحد. قال أبن المجاور: و قد خرب الفأر ثلثة أعمال من جملتهم قرية محاسن بناء أبي بكر بن منصور بن العطار الحراني من أعمال الصرصر في دولة الإمام أبي محمد الحسن المستضيئ بنور الله أمير المؤمنين. و تسلط الفأر على دبالى و هو أربعون قرية و الأصح أربعمائة قرية من أعمال بغداد حفر الفأر أراضيهما و زادت الدجلة و دخل الماء في الأسراب فلما زاد الماء اخذ القرى و الأراضي معه بمرة واحدة. و سد مأرب قد تقدم ذكره. و إلى عبير اثني عشر فراسخا، مسكن عبير أبن سام بن نوح عليه السلام. و يقال إن السرج كانت تشغل من سبأ إلى عبير، قيل و كانت عامرة آمنة ساكنة فالآن صارت براري و خبوت و مهالك. و إلى الشام تسع فراسخ.
بناء شبام
لما تزوج سليمان بن داود عليهما السلام بلقيس اشترى أختها نعم نوق و ابل و أسكنت المال و النعم في مكان الأرض فكانت الإبل إذا رمت الخلة تندت الأراضي من ابوالها و كانت تأمر الرعاة أن يفرشوا على الندواة التراب ليرد الضرر عن النعم، و لا زالوا على حالهم إلى أن صار تل عالي شامخ في الهوى فأرادت عليه سورا و سكنته و ركبت على السور ثلاثة أبواب: باب زبيد كانت النعم تدخل منه و تخرج منه و الآن عمرها على المهدي حصنا مكينا سكنها، و يقال لما بنا علي بن المهدي هذا الحصن سما زبيد على مدينة الحصيب من اليمن، و باب الإبل الإبل تخرج منه إلى المراعي، و باب مسلة الأعوام الحلق و يسمى باب ردفين. فلما تمت بناءه سمته ذا مناخ و عذبة و شبام. و يقال إن اسم المرأة شبام فعرف البناء بها و الله اعلم. و كم هي مدينة. إحداها مدينة شبام ضمرمر خراب وضعت و بنيت في أصل حصن ضمرمر و لم يبق من جميع الربع سوى الجامع عامر. و شبام كوكبان عامر في الجبال. و شبام حضرموت و هي هذه.
صفة الدور
فلما سكنت نعم المدينة بنت في أوساطها قصرا يسمى الدوار ذات طول و سعة و ارتفاع. قالت الفلاسفة الأولى: لا بد أن يتغلب البدو على ثلاثة في آخر العهد بدوار لا ينام السيف و يكون قد يخلوا من الفريقين أخذوا قصر الدوار عامر على حاله. و يقال إنما بنت نعم لشبام إلا على الظلم لأنها اغتصبت لأراضي الخلق فلما تمت بناءها تغلب عليها عثمان، و يقال عثمان أخذها منها. و لا زال ملوكها يتغلبون على إلى آخر من تغلب عمرو بن مهدي أخذها بالسيف و جدد عمارة الحصن و احكمها غاية الأحكام و جعلها سرير ملكه بعد إن بني لها أسوارا و خنادق و أبواب. فلما جاء أمر الله لم ينفع عمله شيئا كما أنشد عبد النبي بن علي بن المهدي يقول حين تولى أرض الخصيب:
اخثنا بخيل عند بابها سهامها ... و لم تأل أن جالت بباب الشبارق
أدرنا على درب الحصيب بخندق ... و لن يدفع أمر الله حفر الخنادق
و قيل و ملكت العرب جميع حضرموت سنة إحدى و عشرين و ستمائة. و كانت و لاينه أربع سنين و خلف في حملة ما خلف مائة بهار فضة نقد غير الآلة و العدد و الخيل و البضائع. و دوخ ابنه ناصر الدين بن مالك بعض حضرموت سنة أربع و عشرين و ستمائة و هو إلى الآن مالكها و الله اعلم.
صفة شبام

(1/93)


سرير ملك حضرموت. و هذا الإقليم هو مسكن حضرموت بن قحطان بن عيبر بن شالخ بن ارفخشد بن سام بن نوح عليه السلام. و بئر برهوت و هو بئر تستجمع فيه أرواح أهل النار نعوذ بالله منها، و من يهدي الله فلا مضل له: (و من يهدي الله فهو المهتدي و من يظلل فلن يجد له وليا مرشدا)، و لا تزال النار تخرج منه طول الدهر. و كتب والدي محمد بن مسعود أبن علي بن أحمد بن مجاور البغدادي النيسابوري لجعفر بن عبد الملك بن عبد الله بن يونس الخزرجي الجرجاني يهدده و يهيبه فقال: أنا رجل برهوت و أنا سلم جهنم. و ليس علم الكون فساد اخشن ناسا من أهلها و لا أكثر من شرهم و اقل من خيرهم كثيرين الذم لبعضهم بعضا قليلين الذمة على من يستجير بهم كثير الدم من المقتولين: زيد يشتم عمرا و عمرو يكلا زيدا و نصر يستبيح مال عمرو و جعفر يلاكم خالدا و وليد يعربد على جاره و ذا ينبش من هذا و ذلك ينهش من هذا أدبار مداير انحاس مناحيس مفاليس. كما قال أبو نواس رحمه الله:
قالوا ذكرت ديار الحي من أسد ... لا در درك قل لي من بنو أسد
و من تميم و من قيس و أسرتها ... ليس الأعراب عند الله من أحد
و قال أيضا:
دع الأطلال تنسيها الجنوب ... و تبلى جد عهدتها الخطوب
و خل لراكب الوجناء أرضا ... تجر بها النجيبة و النجيب
بلاد نبتها عشر و طلح ... و أكثر صيدها ضبع و ذئب
فلا تأخذ على الأعراب لهوا ... و لا عيشا فعيشهم جديب
دع الألبان يشربها رجال ... رقيق العيش بينهم غريب
و أطيب منه صافية شمولا ... يطوف بكأسها ساق أديب
و لهذا سمي إقليم حضرموت الوادي المفتون، و سماه الله عز و جل الأحقاف كما قال الله عز و جل في قصة النبي هود عليه السلام : (إذ أنذر قومه بالأحقاف) و الأحقاف هذه البلاد ة الأراضي بعينها. مأكولهم العيد و هو سمك صغار مع السكب و اللبن يشابه الخردل في اللون. و لبس رجالهم الأزرق مكشوفين الرؤوس حفاة و لبس نسائهم الفتوحي، و يصبغ الثوب بالزاج و يرجع اللون لا أخضر و لا أزرق إلا لون عجيب. و تضفر النساء رؤوسهم في أوسط رؤوسهم ترجع تشبه الهدهد يسمونه الطرطر و سحاب و كاب فداري أتطاعين الضفائر سأبين عسا سل القدور ذات المكدر. و أسامي رجالهم بالكنى فمنهم أبا لالكة و أبا هالكة و أبا مداس و أبا فارس و أبا رأس و أبا عري و أبا حصى و أبا خرى و أبا عوف و أبا بول و أبا فقوق و أبا دقوق و أبا حل و أبا حبل و أبا فيل و أبا مل و أبا ريق و أبا بريق و أبا خيف و أبا دليف و أبا كتيف. و منهم جري على ألسنتهم يكنونه به و لم يأنفوا من تلك الأسامي. و كذلك الدياكلة و أهل الموصل و بعض العرب و أهل نهاوند و بعض اليمن و أهل عسفان.
فصل
قدم في أيام سيف الإسلام طغتكن بن أيوب مراكب الشحر و حضرموت إلى عدن، و صارت مشايخ الفرضة تسأل أحدهم عن اسمه فيقول: أبا حجر أبا خرى أبا كوة أبا قسوة أبا شعرة. فأبى المشايخ أن يكتبوا أسمائهم في الدفاتر و تخلص كل قماش هو في الفرضة إلا متاع الحضارم بقى في الفرضة يداس تحت أرجل الخلق. فلما طال الشوط و أرجع السوط ناد الصوت إلى سيف الإسلام أحضر المشايخ عن تأخير التخلص و التملص و التجعمص من الحضارم. قال المشليخ: إنا لسنا نوقع أسماء القوم في دفاتر السلطان. قال: و لم؟ قال: لأن أسمائهم دونة. قال سيف الإسلام: إذا كرهتم أن تكتبون أسمائهم فكيف آخذ منهم العشور؟ فأطلق شأنهم و خلى سبيلهم.
فصل
قيل لرجل من الحاكة: قد رزقت ولدا فأختر له كنية. فقال: كنوه عبد رب السموات السبع و رب العرش العظيم. فقال الرجل: أبن من؟ قال: أبن عبد الكريم الذي يمسك السماء أن تقع إلى الأرض إلا بإذنه. فقال: مرحبا يا نصف القرآن العظيم. و أعجب من ذلك إن رجلا من العجم مسكنه أذربيجان سمى ابنه عبد من الأرض قبضته يوم القيامة و السموات مطويات بيمينه. حدثني منصور بن المقرب بن علي الدمشقي قال: إن أصل أهلها عبيد و موالي فلذلك فيهم حماقة و كبر خارج، و ليس في جميع الربع المسكون أشح منهم نفسا و لا اقل همة. و قد تفرقوا في سواحل البحر جميعا و تشتتوا في أقاصي الأرض و أدناها يمين و يسار كما قال:

(1/94)


كسى را در غريبي دل شكيباست ... كه در خانه نباشد كار أو راست
صفة قرن أبا إبراهيم
هو عين تجري في أعمال دوعان إذا جاز الوادي رجل من آل حمير جرى العين، و يقال بل يمطر في اليوم مطرة يروي نته الحميري لا غير دون غيره. حدثني علي بن محمد بن السباعي قال: إنه حتى موكل على هذا الوادي فإذا جاز عليه رجل من آل حمير أطلق الماء و الوادي حتى يرتوي منه الرجل الحميري أو جماعة ، فإذا مد خولاني يده إلى الماء غار الماء في الرمل. و كذلك لأهل خولان عين ثانية تسمى عمل لم يشرب منها إلا الرجل الخولاني و لم يشرب منه حميري على ما تقدم نعته و صفته و هذا أعجب شيء يكون. قالت حمير: لنا التقدم!قالت خولان: لكم التقدم في آخر الحرابة و لنا التقدم في لقاء الأعادي.
فصل
حدثني عبد الله بن محمد بن يحيى الحائك قال: ينقسم غزل نساء اليمن على وجهين منه الفرسي و منه الحميري. قلت: و كيف ذلك ؟ قال: الحميري الذي يخرج الإصبع الوسطى على الإبهام في الغزل، و الفارسي الذي يدخل الإبهام على الإصبع الوسطى من فوق الغزل.
من شبام إلى ظفار
من شبام إلى تريم سبعة فراسخ ، و في أوسط الجبل ضرس جبل ثابت صاعد في الجو شبه منارة و قد بنى عليه حصن يسمى المشرق. فأنشأ يقول:
أقبل من أعشقه غدوة ... من جانب الغرب على أشهب
فقلت سبحانك يا ذا العلا ... أشرقت الشمس من المغرب
فصل
قعد الأمير فهد بن عبد الله بن راشد على منظرة هذا الحصن مشرف فإذا هو يرى رجلين غاديين على غير طريق فأنفذ قوما وراءهم فأحضروهما بين يديه فإذا هم قوم عرب. فقال لهما: من أين جئتما؟ قالا: من بصرة العراق. قال: و كم لكما عنها؟ قالوا: ثلاثة أو سبعة أيام. فقال: قولا لي كيف قصتكم! قالوا: إنا قوم بدو نسكن العراق و البصرة إذ رأى شيخ خلفنا رجلين راكبين هجينين غاديين في الفلاة. فقال لنا الشيخ: أقفوا لنا خبر هذين الراكبين! فقمت أنا و صاحبي هذا تبعنا أثرهما إلى أن غلس الليل فلما أظلم ضاع منا الأثر، فتممنا على حالنا في صعود آكام و نزول أودية و رمل و حصى.فلما طال الشوط أردنا الرجوع إلى أهلنا فلم نعلم الطريق فلا زلنا نسير إلى أن أشرفنا على هذه المدينة. و ما هذا الإقليم؟ قال: هذه ترم من أعمال حضرموت أريحوا بارك الله فيكم! فالبلد مستدار حول الحصن و بنى بها ملك في تريم جامع فلما تم بناءه قال للمهندس: تقدر على أن تبني خيرا من هذا البناء؟ قال نعم. ففي الحال ضرب عنقه خوفا أن يبني في موضع ثان خيرا من الأول.
و من محاسن سيرة القائد حسين أبن سلامة إنشاء الجوامع الكبار و المنارات الطوال من حضرموت إلى مكة حرسها الله عز و جل طول المسافة 000 فمن ذلك ما رأيته عام و مستهلك و منها ما رواه الناس رواية جامعة . فأولها جامع شبام و تريم مدينتان من حضرموت فاتصلت عمارة الجوامع منها إلى عدن. و إلى قبر النبي هود عليه السلام ثمانية فراسخ، طوله سبعون ذراعا. و في هذه النواحي قبر ذي نيال عليه السلام أبن هود طوله أربعين ذراعا.حدثني علي بن محمد بن أحمد السباعي قال: إن قبر ذي نيال بن هود عليهما السلام في قرية هارون بناه هود عليه السلام من أعمال دوعان. قال أبن المجاور: و يمكن إنه كان لهود النبي عليه السلام ولدان ذكرين أحدهما رونيا و الثاني ذا نيال. و قبر أبن ذي القرنين طوله خمسة و ثلاثون ذراعا، و قبر العزيز عليه السلام طوله ثمانية و عشرون ذراعا. قال أبن المجاور: و ما ضن القوم كانوا بهذا الطول و لكن طولوا قبورهم. و إلى مضى خمسة فراسخ . و إلى خليج عشرة فراسخ. و إلى ظهور عشرة فراسخ . و إلى مهرفق سبعة فراسخ . و إلى كدنوب خمسة فراسخ . ذات نخيل. و إلى مأرب عشرين فرسخا، و هي ذات نخيل و هي نصف الطريق.

(1/95)


حدثني رجل من أهلها في دار الإمارة بمكة سنة إحدى و عشرين و ستمائة قال: إن هذه الأراضي و الجبال و الشعاب مواضع كانت مساكن قوم شداد بن عاد في فصل الربيع يتنزهون بهذه الأمكنة و قد بنوا على رؤوس الجبال و في بطون الأودية دكاك و مصاطب من الحجر و الجص و كانوا يقيمون بها أيام الربيع و يتفرجون. و قال آخر إنما بنيت هذه الدكاك و المصاطب في هذه المواضع إلا لما سلط الله عليهم الذر و هو النمل، فكان القوم يجدون لذلك ألما شديدا. و حينئذ هجروا البلاد و خرجوا بأهلهم و سكنوا الجبال و الشعاب و الأودية و بنوا الدكاك متفرقة في بطون الأودية و رؤوس الجبال. فلما كثر عليهم الذر أشعلوا النيران حول الدكاك لئلا يصعد إليهم الذر، كما قال الله تعالى(فأرسلنا عليهم الطوفان و الجراد و القمل و الضفادع و الدم) تمام الآية. و إلى الآن الدكاك على حولها مع طول الزمان و مواضع النيران على حالها.
رسوم الدار باقية على خراب ... و يجول بأكتافها كل لاهج
من سين ست ذي إعساري ... ومن 000 حناء ذا مخارج
رحلوا الأحباب و خلفوني ... بليل شبه شاة عند ذابح
أمسى الزمان بدار قوم ... إذا رحلوا الأحباب عنها مصباح
و قال أبو تمام حبيب بن أوس الطائي في المعنى:
نسائلها أي المواطن حلت ... و أي ديار أوطانتها و أنت
و ما ذا عليها لو أشارت فودعت ... إلينا بأطراف البنان و أومت
و ما كان إلا أن توليتها النوى ... فولى عزاء القلب لما تولت
و أما عيون العاشقين فأسخنت ... و أما عيون الشامتين فقرت
و لما دعاني البين و ليت إذ دعا ... و لما دعاها قد أطاعت و لبت
فلم أر مثلي كان أوعى لذمة ... و لا مثلها لم ترع عهدي و ذمتي
و حد الدكاك من أعمال حضرموت إلى آخر معاملة عمان مع التهائم و نجدها. إلى جيروت أربعة فراسخ . و إلى التهودى أربعة فراسخ . و إلى الشعب سبعة فراسخ ، معدن شجر البان. و إلى حلوف خمسة فراسخ . و إلى الغيل ثمانية فراسخ . و إلى، ثلاثة أعين يخرجوا من شعب جبل و يسمى جبل الأسفل و هي عقبة. و إلى ظفار أربعة فراسخ . و كل هذه المواضع ثرار و شعاب ذات مياه ليس عليها عمارة إلا بعض السيء و الله اعلم و احكم.
ذكر خراب ظفار
خرب أحمد بن عبد الله بن مزروع الحيوضي ظفار سنة ثمان عشرة و ستمائة خوفا من الملك المسعود أبي المظفر يوسف بن محمد بن أبي بكر بن أيوب و بنى المنصورة و سماها القاهرة و سكنت سنة عشرين و ستمائة و الاسم المعروفة به ظفار و هي على ساحل البحر. و قد أدير عليها سور من الحجر و الجص و يقال من اللبن و الجص و رتب عليه أربعة أبواب: باب البحر ينفذ إلى البحر و يسمى باب الساحل، و بابين مما يلي البر و هما على الاسم لأبواب ظفار المهدمة أحدهما مشرق يسمى باب حقة ينفذ إلى عين فرض، و الثاني مما يلي المغرب و يسمى باب الحرجاء ينفذ إلى الحرجاء و الحرجاء مدينة لطيفة و ضعت على ساحل البحر بالقرب من البلد. و ما بنى المنصورة إلا لإحكام البلاد خوفا على العباد. فلما بنى المنصورة و لم يأبه إليه الملك و لا عاتبه فيما صنع، و كان أمر الله قدرا مقدورا.
ذكر مدن هدمت خوف الأعادي و لم يصلها العدو

(1/96)


خرب ناصر الدين أبو الفتح قباجة السلطان في أعمال السند قلعة كلور و سبب رأس حد بلاده خوفا من السلطان الأعظم علاء الدين أبي الفتح محمد أبن تكش سنة اثنتي عشر و ستمائة. و خرب أيضا الملك ناصر الدين أبو الفتج قباجة في أعمال السند اهراوت و ستائر و كتكفي و طلبه و علما اوروهام راوبر سرور ونزواره و كربون و هدروت و شاهكا وراح بيوم و مكبوب خوفا من اليلطان جلال الدين منك بتي بن محمد بن تكش سنة اثنتين و عشرين و ستمائة. و خرب صلاح الدين يوسف بن أيوب في أعمال الساحل عسقلان و غزة و الدارون والرسين و قلعة الأفضل و العباسية خوفا من الافرنج سنة سبعين و خمس مائة. خرب السلطان علاء الدنيا و الدين أبو الفتح محمد بن تكش قلعة مرورود و رسوم و في أعمال السند بدووب وحاما و هابهور و مكيو منك راور فصرا أيوب و كوب و باحكة و بنونبي و بكورح خوفا من املاكها الأمكنة سنة أربع و ستين و خمس مائة، و أبقى المدن و هدم الحصون لان في هذه البلاد كل قرية بها حصن مانع بناء الهنود من سالف الدهر. و هدم الملك المعظم عيسى بن أبي بكر بن أيوب في أعمال الشام الكرك و الشوبك و القدس و ايلة و الاذيقية و هو مأتين و ستين و سقى من نون خوفا من الافرنج سنة أربع و عشرين و ستمائة. و خرب الملك المعزي الذي تغلب على ملك السلطان سنجر من خرسان مرو و سرخس و نيسابور و من العراق الري و همذان و من كرمان حريب و بم كاري و في زاولستان حور خوفا من السلطان علاء الدين حسين ابك الغوري سنة أربعين و خمس مائة. و خرب الخان الحسين بن علي الخلجي الديبول خوفا من ناصر الدين قباجة سنة تسع عشرة و ستمائة. و خرب الهمن مسر بن دوده قلعة السلام خوفا من الخلج سنة عشرين و ستمائة. و خرب ححبل خان النمر حني جميع العجم خوفا من المسلمين سنة عشر و ستمائة. و خرب أحمد بن محمد بن عبد الله الحبوضي ظفار خوفا من الملك المسعود يوسف لن محمد سنة ثمان عشرة و ستمائة.
صفة الطريق القديمة
كان من بغداد إلى ظفار و مرابط الطريق آمن يسلكه البدو في العالم مرتين يجلبون الخيل و يأخذون عوضهم العطر و البر و يرجعون إلى العراق. فلما تغلب أحمد بن محمد بن علي هؤلاء فتحوا في الملك و وقع الخلف في البلاد و انقطعت الطرق و اندثرت. فلما ملك أحمد بن محمد بن عبد الله بن مزروع الحبوضي الملك و استقام فيها أمنت العباد و عمرت البلاد انقطعت الطرق خرج البدو على رءوسهم في الطريق القديمة و صاروا على الطريق المستقيم بالخيل إلى ظفار فباعوا و اشتروا. فلما أرادوا الرجوع قال لهم أحمد بن محمد: و كيف علمتم الطريق؟ قال أحدهم: إني سافرت مع أبي و أنا طفل على هذا الطريق مرة واحدة فسرت الآن فيها بقياس التعفل بمعرفة تامة و كتاب الله السلامة حتى بلغنا المقصد. قال لهم فمن أين تخرجون؟ قالوا: من مشهد الحسين بن علي بن أبي طالب رضوان الله عليهما فإذا وصلنا إلى المنزل الفلاني افترق عنده الطريق طريقان يأخذ أحدهما إلى الحساء و القطيف و الثاني يجيء إلى مرباط و ظفار. فقال لهم؟ شاهد الله على البدوي سلك هذه الطريق ثانية لا يلومن إلا نفسه. قالوا: و لم؟ قال: نخاف إن يندرس الطريق لكثرة سلاكه فتجيء خيل أمير المؤمنين عليه السلام غائرة في تلك البلاد علينا و أنا مع ذلك خربت البلاد و بنيت المنصورة لأقطع الشر عني. فدخلت البدوان من بلد ظفار و لم يرجعوا إليها و منها انقطع الطريق سنة ست عشرة و ستمائة.
صفة الرياح الثلاث
ريح عاصف قاصف ذات شدة و صلابة، فإذا هب الهوى سد الغبار جميع الطاقات في الدور و أوراق الجدران. و يقال إذا هبت هذه الأهوية فمن شدة هبوبها تدحرج الحجارة من أعلى ذروة الجبل إلى إن توصله البحر و بين الجبل و البحر يوم طراد. و الأصل فيه إن الله سبحانه و تعالى اهلك قوم عاد بهذه الريح و هي الريح العقيم. و الاسم فيه ثلاث مشتق من بلاء. و حدثني ربان في عدن قال: إنه من جملة الرياح الازيب يعني الجنوب و حدود هبوبه من رأس فرتك إلى مرباط. كما قال الشاعر الغزنوي:
تا بدان جايت فرود آرد كه باشد اندرو ... ناوك اندازانش قهرو خنجر آهنجان بلا
زهره مردان جو بر زنكار باشي ناردان ... كرده كردان جوبر شنكرف مالى لوبيا
صفة المنصورة

(1/97)


هوائها طيب و جوها موافق و ماؤها من خليج عذب فرات. يطلع بها الفواكه من كل فن: من فواكه الهند الفوفل و النارجيل، و من فواكه الساحلية قصب السكر و الموز، و من فواكه العراق الرمان و العنب و من النخل جمل، و من ديار مصر الليمون و الاترنج و النارنج و من السند النبق، و من الحجاز و الدوم و هو المقل. و جميع سكانها حضارم انتقلوا من بلادهم و سكنوا بها. و مأكولهم السمك و الذرة و الكنب، و مطعوم دوابهام السمك اليابس و هو العيد. و لم يزبلوا أراضيهم إلا بالسمك، و يقال إنما يقعدون الهريسة إلا بلحم السمك لا غير. و نساؤهم سحرة يمشون من ظفار إلى الجاوة الميل في ليلة واحدة لنهم في قرب جزيرة سقطرى، و المسافة فيما بينهما يومين و ليلة في البحر. و أهل الجزيرة يودون القطعة لابن الحبوضي.
ذكر جزيرة سقطرى
يقال: إن في قديم الزمان كان جميع هذه الأمكنة بحر لا غير، و كانت سقطرى ما بين البحر و البر فلما فتح الله الفم من مقابل الجبل غرق البحر إلى باب المندب ما بين عدن و زبيد و وقف الماء عنده، فلما فتح باب المندب و قف أواخر بحر قلزم. و جبل سقطرى صار الآن جزيرة في لحج البحر يصح دور الجزيرة أربعون فرسخا و نيفا و ليس في جميع هذه البحار الحمامي قال: يصح دورها ثمانون فرسخا و نيف و ليس في جميع هذه البحار اكبر منها جزيرة و لا أطيب منها و هي ذات نخل و بساتين و زروع ذرة و حنطة، و بها إبل و بقر و ضأن ألوف مؤلفة. و فيها مياه سائحة على وجه الأرض و هو عذب فرات، و هو خليج كبير ينبع أوله من الجبال طويل عريض و يغلب ما فضل منه البحر ذات أسماك. و يطلع منه شجر الصبر السقطري و دم الأخوين، و يوجد في سواحلها العنبر الكثير. و سكانها قوم نصارى سحرة، و من جملة سحرهم إن سيف الإسلام جهز إلى الجزيرة و الأصح سيف الدين سنقر مولى إسماعيل بن طغتكن خمس شواني ليأخذوا الجزيرة فلما قربوا القوم من الجزيرة انطمست الجزيرة عن أعين القوم و صاروا صاعدين محدرين طالعين و نازلين ليلا و نهارا أياما و ليالي فلم يجدوا للجزيرة حس و لا و قعوا للجزيرة على خبر فردوا راجعين. و يقال إن الروم الملاعين يكتب في كتبها عن الجزيرة يعني سقطرى: الجزيرة المحروسة بأرض العرب.
ذكر السبعة الطيور
قد ذكر مؤلف كتاب الرهمانج إنه إذا شاهد مسافر في هذا البحر سبعة طيور في لجج البحر يعلم إنه مقابل جزيرة سقطرى و كل من جاز و يجوز هذا البحر و قطع جزيرة سقطرى يرى السبع طيور ليلا و نهارا و صباحا و مساء، و من أي صوب اقبل المركب يستقبلونه الطيور و أمير المؤمنين يجدوهم أحد مستدبرين،و هذا دائم و لم يتوهم أحد لا ثمانية و لا تسعة و لا ستة طيور بل سبعة كاملة، و هذا من جملة العجائب و كم قد فكرت العلماء فيهم فلم يجد عند أحد منهم ما الحكمة فيهم و لا كيف قصتهم و نعتهم. قال أبن المجاور: سافرت من الديبول إلى عدن في مركب الناخوذا خوجة نجيب الدين محمود بن أبي القاسم البغوي شركة الشيخ عبد الغني بن أبي الفرج البغدادي آخر سنة ثمان عشرة و ستمائة و رأيت الطيور السبعة في لجة البحر، فلما أصبحنا رأينا الجزيرة. و في الجزيرة أربع مدن كبار منه السوق و فاتك و موري و ما حولها من القرى قرية ما شاء الله. و هي جزيرة و الجبل مستدير حوله وقد صعد ذروة الجبل إلى الأفق، و قد سكن الجبل قوم جبالية عصاة على أهل الوطاء. و هي ذات مزارع و عمائر و مدن و قرى لم يعرفوا بعضهم بعضا. و قد علق كل في عنقه صليب كل على قدره. و في أطراف الجزيرة سواحل كثيرة مثل بندر موسى. و رأس ما في سقطرى و غاية معاش أهل هذه السواحل مع السراق لان السراق ينزلون عندهم و يقيمون عندهم مدة ستة شهور يبيعون عليهم الكسب و يأكلون و يشربون و ينيكون نساءهم ، و هم قوم جلح قوادون و عجائزهم أقود من رجالهم و في رجالهم من أقود من اسود في رأس جمل هائج. كما قال الشاعر:
عجوز لو رميت في قعر بحر ... أتت للبر قائدة لحوت
تقود من السياسة ألف بغل ... إذا جروا بخيط العنكبوت

(1/98)


و هذه صفة جزيرة سقطرى و البحر و المركب على هذا الوضع و الترتيب و هذا جانب المطلع من جزيرة سقطرى، و هذه صورة تراها إذا كنت في أوسطها و جاريتها. و إما إذا تدنيت من البحر تتغير هذه الصورة و تراها على صفة أخرى.
من المنصورة إلى ريسون
ثلاثة فراسخ و تعبر جبل رأس الحمار آخر غب القمر و أما ريسمت كانت مدينة عظيمة و كان من بغداد إليها طريق مطبق مجصص بالجص و النورة و كانت القوافل صاعدة بالبر بهار أو الخف منحدرة بالبضائع التي تدخل الهند مثل الصفر و الزنجفر و الماورد و الفضة و ما يشابه ذلك و خربت من طول المدى. و إلى دخان ثلاثة فراسخ ، و إلى حارب ثلاثة فراسخ . و إلى مراوة ثلاثة فراسخ . و إلى حلقات أربعة فراسخ و تعبر جبل فرتك أول مبتدأ غب القمر و هو مندخ المركب المقبلة من الهند. و إلى الحصورين ستة فراسخ . و إلى خيريج ستة فراسخ . و بهذه الأراضي سبع قرى مقلوبة و تسمى عند الفرس هوسكان أي منكورين. حدثني أحمد بن علي بن عبد الله الحمامي الواسطي قال: ما بين الشجر و احور سبع قريات سود أي سبع قرى مسودة الأرض قلب الله عز و جل بها و هي من قرى قوم عاد. و إلى الريداء سبع فراسخ. و إلى الشجر خمس فراسخ، و إلى مرسى طيب بأعمال حضرموت. و إلى الشجير أربع فراسخ. إلى المكلا فرسخ. إلى 000بلي ستة فراسخ. و إلى نسع خمس فراسخ. و إلى حصن الغراب أربع فراسخ حصن السموءل بن عاديا اليهودي. و إلى مجداح أربع فراسخ. و إلى الحوراء ثمان فراسخ. و إلى احور ثمان فراسخ. و إلى ابين ستة فراسخ. و إلى لحج أربعة فراسخ. و إلى عدن ثلاثة فراسخ.
من المنصورة إلى قلهات
من المنصورة إلى مرباط أربع فراسخ، بناء الفرس و يقال إنما بني الاسم مرباط لأنها كانت مرابط الخيل التي للفرس من أهل سيراف، و آخر من تولى بها من نسل الفرس أولاد منجو، و خرب على يد أحمد بن محمد بن عبد الله أبن مزروع الحبوضي. و إلى ارجوب فرسخين. و إلى كنكري أربعة فراسخ و إلى النوس قلاقة فراسخ و تعبر بجبال عوالي. و إلى حاسك فرسخين و إلى كنكري أربعة فراسخ محاذاة خوربان و موربان و هما جزيرتان في لحج البحر. و إلى مدركة أربعة فراسخ . و إلى المصيرة أربعة فراسخ و تعبر غبة الحشيش و أهل الجزيرة قوم يقال لهم المهرة و الله اعلم.
ذكر نسبة المهرية
حدثني علي بن محمد با أحمد الساعي في المفاليس حدثني فهر بن عبد الله بن راشد و هو سلطان حضرموت قال: إن أصل المهرية من قرية الدبادب لم تجر فيه صلوه لان أمير المؤمنين أبو بكر الصديق رضي الله عنه بعث بجيش إلى هذه الأعمال فعصت أهل هذه القرية عليهم فلما انتصروا على أهل القرية ركبوا السيف على أهلها لا زالوا يقتلون فيهم إلى أن جمد الدم فيهم قدر قامة فلم يسلم من القوم إلا قدر ثلاثمائة بنت بكر مخلخلات مدملجات ملبسات. فتعلقوا بحبل مقابل فلما رأوا أهل البل ذلك أمهروهم و تزوجوهم فجاء من نسلهم المهرة.و حدثني أحمد بن علي بن عبد الله الواسطي قال: إن أصل المهرة من بقية قوم عاد فلما اهلك الله تلك الأمم نجا هؤلاء القوم فسكنوا جبال ظفار و جزيرة سقطرى و جزيرة المصيرة. و هم قوم طوال حسان لهم لغة منهم و فيهم ولم يفهمها إلا هم، و يسمونهم السحرة و ما اشق اسم السحرة إلا من السحر لان فيهم الجهل و العقل و من الجنون، يأكلون نعم الله بلا حمد و لا شكر و يغبدون غيره. و هم في هذه الديار يشبهون الدواب سائرين ملأ تلك السهول شبه السيول و الجبال شبه الحبال. و فيه يقول الشاعر:
كم يوعظون و لا تغني مواعظكم ... فالبهم يزجرها الراعي فتنزجر
أرضكم صور الناس الذين هم ... ناس و لكنكم في فعلكم بقر
3ل - و كنتم بشرا كانت تنهنهن كم نوائب الدهر إلا أنكم حمر و إلى درب جعلان ثلاثة فراسخ . و إلى صور أربعة فراسخ و إلى العاتب فرسخين و إلى قلهات فرسخين.
بناء قلهات

(1/99)


أول من سكن الساحل بقلهات الصيادين قوم ضعف يرزقون الله، فلما طال مقام القوم طاب لهم و التأم إليهم بمقامهم خلق يستأنسون بهم. فكثروا و زادوا إلى أن سكن في جملة الصيادين شيخ من مشايخ العرب و اسمه مالك أبن فهم، و كان من حرصه على عمل البلد يقف على الساحل فأي مركب يراه يقلع في البحر ينادي لأصحابه: قل هات! أي: قل لهم في دخول البلد، يعني لأهل المركب، سمى البلد قلهات. و حدثني أحمد بن علي بن عبد الله الواسطي قال: إنما كانت تسمى في سالف الدهر هات قل. قالت: و لم سمي بهذا الاسم؟ قال: فلما هرب القوم من وقعة النهرين نزلوا بهذا الساحل وكانوا يقولون لخدامهم: هات! يعنون به الزاد و هو زاد صحبهم من العراق، فلما قل عليهم ذلك قال أحدهم لخادمه: هات! فرد عليه الغلام: قل، سمي البلد هات قل. فلما دار الدهر دار الاسم مع دوران الزمان قلهات. و عمر المكان بمقام الشيخ مالك بعد أن أدار عليه سورا من الحجر و الجص سنة خمس عشرة و ستمائة و عدل فيها. دخلتها المراكب من كل فج و خور و سائر الجهات من كل جهة، و صارت ذات عظم و مهابة.
فصل
وجد زيد عمرا يمشي إلى داره فقال: ما لك تمشي مقلوبا؟ قال: لانقلاب الزمان نوافقه على فعله. كما قال الشاعر:
كان في الغادين لي سكن ... فنأى فأغتاله الزمن
خلف الغادون أي حزنا ... و لبئس الصاحب الحزن
و هو عاى هذا الوضع و الترتيب
ذكر جبل السعتري
جبل عن البلد مقدار فرسخ و طريقه ذات طول و عرض و سعة في ارتفاع و انحطاط و كل ما يطلع فيه السعتر من أوله إلى آخره، و على ذروة هذا الجبل نجر سفينة نوح عليه السلام . حدثني عبد الغني بن أبي الفرج البغدادي قال: هو نجر حديد يصح مقدار بيت كبير و كان فيه إنه لما أرسى السفينة على هذا الجبل لان ماء الطوفان كان قد علا على جميع ما خلقه الله تعالى مقدار سبعة عشر ذراعا أمري الأنجر، تعلق الأنجر في حجر من الجبل أبى أن يصعد معهم و غمر الريح قطعت السفينة الأحربة و بقى الأنجر و الأحربة موضعه يزار. و هو موضع فاضل و الله اعلم و احكم.
ذكر الإباضية
أصل القوم من ولد الرجل الذي أقر لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه بالإلهية. و قال ( لعلي عليه السلام : يا علي يهلك فيك طائفتان محب غالي و مبغض قالي. و أول من نسب الإلهية لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه أبو الثديان فقال له علي بن أبي طالب: كف عن المقالة و اشتغل عن البطالة فإني آكل و اشرب و أنام و أنكح و من يقسم فيه هذه الخصال حاشى أن يعبد لأن الإله عز اسمه و جل ثناؤه متعال منزه صفاته عن الذات و اللذات فكيف عما ذكرناه في الأكل و النوم! فلما أنكف أبو الثديان عما كان علية من الاعتقاد شرع هذا المذهب بين القوم و خرج طائفة منهم سكنوا أعمال البطائح و هم على هذا الاعتقاد إلى الآن و يراها صفة أخرى.
من المنصورة إلى عدن راجعا.
من المنصورة إلى ريسوت ثلاثة فراسخ و يعبر عنه بجبل رأس الحمار 000 اخترعت و حينئذ خرج أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه فصافف القوم بالنهرين و كسرهم و ركب عليهم السيف و لا زال يقتل فيهم إلى أن أفنى الجميع و رد البغلة إلى القنطرة فوقعت البغلة على نصف القنطرة. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : انظروا من تحت القنطرة! فإذا هم بابي الثديين. فقال له أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: جاء الحق و زهق الباطل أسلم تسلم. فقال: كيف أسلم و البغلة تعلم علم الغيب إني تحت القنطرة؟ فحينئذ جرد علي بن أبي طالب رضي الله عنه السيف و ضرب عنقه و هرب من سلم من القوم، و لا زال السيف يعمل فيهم و وراءهم من الغيب إلى أن عبرهم البحر فسكنوا بهذه الأعمال. فبدلت تلك المحبة بالبغضاء فهم من المحبين الغالي و المبغضين القالي و هم الهالكين ما بين المحبة و البغضة. كما قال:
الحب فيه مرارة و حلاوة و الحب فيه شقاوة و نعيم
و قال آخر:
آه من لوعة التفرق آه ... ما أمر الهوى وما أحلاه
كتب الدمع فوق خدي سطرا ... رحم الله من دنا فقراه
و يسمون علي بن أبي طاب رضي الله عنه أبا تراب. و يقولون إنه كان في الصغر مؤمن فلما كبر كفر. و ينشدون في سماعاتهم:

(1/100)


صلى الله و سلم ... على شهيد أبن ملجم
هذا الذي ضرب الشرك ... بالسيف حتى تثلم
و ينشدون بيتا من قول أبي سكرة:
سبوا عليا كما سبوا عتيقكم ... كفر بكفر و إيمان بإيمان
علم مكنون و سر مكتوم
إذا نزلوا المراكب أو كوروها لم تصعد المراكب و لا تنحدر معهم إلى أن يقولوا الجميع بصوت واحد: يالعلي! و يقولون انهم يبقون في جر المركب زمانا طويلا حتى يتعبون و يضجرون فيقول بعضهم لبعض: اذكروا ذلك الرجل! يعنون علي بن أبي طالب رضي الله عنه فتقول المشايخ: كوروا مركبكم إن كنتم تكورون! و لا يزال القوم في عناء و تعب و صداع و كرب و صياح و شغب إلى أن يقولوا الجميع في صوت واحد: يالعلي! فيجري معهم المركب أهون من شربة ماء بارد إلى فم رجل عطشان فيصبي المركب و يسبح في البحر و يعوم. قال القائل:
علي طلابات و أنت وسيلتي ... إلى الله يا مولاي موسى بن جعفر
إذا جاءك الملهوف يطلب حاجة ... تيسر من مأمول كل معسر
و قال آخر:
لما تكاثر حسادي و أعدائي ... بغير جرم جعلت الله مولاء
و قد تمسكت بالميم التي في مح ... مد و علي عين و بالحاءين و الفاء
و قال محمود:
فوحق حروة خمسة ... ما مثلهم بين البشر
00 - 00000000000 ... بال جبريل افتخر
ذكر الإباضية
فكل رجل يبغض علي بن أبي طالب رضي الله عنه يحيض من دبره رأس كل شهر، و يقال من ذكره، كما تحيض المأة. و في أعمال صنعاء منهم قوم يسمونهم السمارة و علامتهم يعلقون كيسا من جلد ملأه رمل في ذكره كلما ابتل الرمل بدده و استعمل غيره و يسمى ذلك الكيس مطهرة. فهم الإياضية و الله اعلم.
ذكر السلقلقيات
و كل امرأة تبغض علي بن أبي طالب رضي الله عنه تحيض من دبرها فهم السلقلقيات. قال أبن المجاو: و كل من هو نسل أبي الثديان من رجل أو امرأة أو من حضر وقعة النهرين فرجالهم الإباضية و النساء السلقليات لنهم معروفون بهذه العلة ة الله اعلم و احكم.
ذكر بلاد الخوارج و الإباضية
حدثني صفار قال: إن جميع أهل أذربيجان كانوا000 فأسلم الجميع و رجعوا إلى مذهب الإمام أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه . و رجعت كلوة من الشافعية إلى الخاجية و هم باقون على هذا المذهب إلى الآن. و في المغرب نفوسا مثل راره و التمساح و رأس المخبز و اتاهرت و سويقة أبن مدكول و جبال نصير و طارق، فهذه البلاد قديما على هذا المذهب. و أما الذين هم جدد فمن تولى محمد بن الحسن بن تومرت البربري و عبد المؤمن بن علي الكوفي ملك المغرب ساقوا الخلق إلى أطراف هذا المذهب. و بعض بأرض مصر، و بأعمال الشام دمشق و حران، و من ديار بكر بغداد، و من أرض الجزيرة بأحرفه و أخباره مع جميع سواد الموصل و جبال الأكراد و الدبابلة و جميع أصحاب الشيخ عدي. و من بغداد باب البصرة و الحربية و دار القز و السرمة و باب الأزج و الحلبة و البصلية و الحريم رجال شتى و بعض أهل واسط القصب و قرية بأعمال البحرين شذ على الراوي اسمها. و من العراقيين البصرة و همذان و من اران سلماست و من سبهان درجوي ناره و دكوك و دوليان و من خراسان هراة و اسراسير مع جميع أعمال تيم روركربك مع جميع أعمال حوادر و إلى حد ما كان طول في عرض و من 000 وادي ردمد بالطول من سيسان إلى وادي سول و به أكثر من 000 قرية على خيط واحد. و من أعمال اليمن زبيد و أعمالها مجهر و من الجبال الشرف و هو من أعمال زبيد مقبل قلحاح و ليس هم الشرف أي الأشراف أهل الحسب و النسب و هي أعمال تسمى الشرف كما صادف الاسم الكنية و هم يؤيدون القطعة لآل الشرف من آل الحسن بن أبي طالب. و سكن جميع اليمن منه كما يقال000 رقى و هم حنابلة المذهب لان الحنابلة يقولون فيما بينهم: لا يكون الحنبلي حنبليا حتى يبغض عليا سويا. و من الأديان اليهود خلاف جميع الملل. و يقال إن أول من سب أبا تراب بالشام معاوية بن أبي سفيان و صارت عندهم سنة مؤكدة استمروا عليها إلى آخر دولتهم إلى ألف شعلا فسبه جميع العالم ما خلا خوارزم و قد تقدم ذكرهم.
فصل

(1/101)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية