صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : المواعظ والاعتبار
المؤلف : المقريزي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

جوسق ابن ميسر: كان بجوار جوسق بني غالب، بناه أبو عبد الله محمد ابن القاضي أبي الفرج هبة الله، وكان أبو الفرج هو الخطيب بجامع مصر، ويوم الغدير، وهو شافعي المذهب، وهو هبة الله بن الميسر. وذلك في جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وخمسمائة، وأبو عبد الله هذا هو الذي كان بعد ذلك قاضي القضاة بمصر، وهو الذي حبس القياسر التي كانت في القشاشين بمصر، وكان يحمل قدامه المنارة الرومية النحاس ذات السواعد التي عليها الشمع ليالي الوقودات، وكان فيه كرم، سمع بأن المادراني عمل في أيامه الكعك الصغير المحشو بالسكر المسمى أفطن له، فأمر هو بعمل لب الفستق الملبس بالسكر الأبيض الفانيذ المطيب بالمسك، وعمل منه في أول الحال شيئا عوض لبه لب ذهب في صحن واحد، فمضى فيه جملة، وخطف قدامه، تخاطفه الحاضرون. ولم يعد لعمله بل الفستق الملبس. وهو أول من أخرجه بمصر، وكان قد سمع في سيرة أبي بكر المادراني أنه عمل هذا الأفطن له، وجعل في كل واحد خمسة دنانير، ووقف أستاذ على السماط فقال لأحد الجلساء: افطن له. وكان على السماط عدة صحون من ذلك الجنس، لكن ما فيها ما فيه دنانير إلا صحن واحد، فلما رمز الأستاذ لأحد الجلساء على سماط المادراني بقوله افطن له، وأشار إلى الصحن، تناول الرجل منه فأصاب لك، فاعتمد له جملة، وراه الناس وهو إذا أكل يخرج شيئا من فمه ويجمع بيده ويحط في حجره، فتنبهوا وتزاحموا عليه. فقيل لذلك المعمول من ذلك الوقت أفطن له، وقتل هذا القاضي في تنيس في أيام بهرام الوزير النصراني الأرمني، سنة ست وعشرين وخمسمائة.
جوسق ابن مقشر: كان جوسقا طويلا ذا تربة إلى جانبه.
جوسق الشيخ أبي محمد: عامل ديوان الأشراف الطالبيين، وجوسق ابن عبد المحسن بخط الأكحول، وجوسق البغدادي الجرجراي، كان قبره إلى جانبه، خرب في سنة عشرين وخمسمائة، وجوسق الشريف أبي إسماعيل إبراهيم بن نسيب الدولة الكلتمي الموسوي نقيب مصر.
جوسق المادراني: هذا الجوسق لم يبق من جواسق القرافة غيره، وهو جوسق كبير جدا على هيئة الكعبة بالقرب من مصلى خولان في بحريه، على جانبه الممر من مقطع الحجارة، بناه أبو بكر محمد بن علي المادراني في وسط قبورهم من الجبانة، وكان الناس يجتمعون عند هذا الجوسق في الأعياد، ويوقد جميعه في ليلة النصف من شعبان كل سنة وقودا عظيما، ويتحلق القراء حوله لقراءة القرآن، فيمر للناس هنالك أوقات في تلك الليلة وفي الأعياد بديعة حسنة.
جوسق حب الورقة: كان هذا الجوسق بحضرة تربة ابن طباطبا، أدركته عامرا، وقد خرب فيما خربه السفهاء من ترب القرافة وجواسقها، زعما منهم أن فيها خبايا، وكان أكابر أمراء المغافر ومن بعدهم ومن يجري مجراهم، لكل منهم جوسق بالقرافة يتنزه فيه ويعبد الله تعالى هناك،، وكان من هذه الجواسق ما تحته حوض ماء لشرب الدواب وفسقية وبستان، وكان بالقرافة عدة قصور، وهي التي تسمى بالجواسق، لها مناظر وبساتين، إلا أن الجواسق أكثرها بغير بساتين ولا بئر، بل مناظر مرتفعة، ويقال لها كلها قصور.
قصر القرافة: بنته السيدة تغريد أم العزيز بالله في سنة ست وستين وثلاثمائة، على يد الحسن بن عبد العزيز الفارسي المحتسب، هو والحمام الذي كان في غربيه، وبنت البئر والبستان المعروف بالتاج، المعروف بحصن أبي المعلوم، وبنت جامع القرافة، ثم جدده الآمر بأحكام الله وبيضه في سنة عشرين وخمسمائة، وعمل شرقي بابه مصطبة للصوفية، وكان مقدمهم الشيخ أبو إسحاق إبراهيم المعروف بالمادح، وكان الآمر يجلس في الطاق بالمنظر الذي بناه بأعلى القصر، ويرقص أهل الطريقة قدامه، وقد ذكر هذا القصر عند ذكر مناظر الخلفاء من هذا الكتاب، ولم يزل هذا القصر إلى ربيع الآخر سنة سبع وستين وخمسمائة.
الرباطات التي كانت بالقرافة
كان بالقرافة الكبيرة عدة دور يقال للدار منها رباط، على هيئة ما كانت عليه بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، يكون فيها العجائز والأرامل العابدات، وكانت لها الجرايات والفتوحات، وكان لها المقامات المشهورة من مجالس الوعظ.
رباط بنت الخواص: كان تجاه مسجد بيد الفقيه مجلي بن جميع بن نجا الشافعي، مؤلف كتاب الذخائر، وقاضي القضاة بمصر.

(3/222)


رباط الأشراف: كان برحبة جامع القرافة، يعرف بالقراء، وببني عبد الله، وبمسجد القبة، وهو شرقي بستان ابن نصر، بناه أبو بكر محمد بن علي المادراني ووقفه على نساء الأشراف.
رباط الأندلس: بنته الجهة المعروفة بجهة مكنون الآمرية كما تقدم.
رباط ابن العكاري: كان بحضرة مسجد بني سريع المعروف بالجامع العتيق.
رباط الحجازية: بنته وحبسته على الحجازية، فوز جارية علي بن أحمد الجرجراي الوزير، هو والمسجد الذي تقدم ذكره.
رباط رياض: كان بجوار مسجد الحاجة رياض.
المصليات والمحاريب التي بالقرافة
وكان في القرافة عدة مصليات وعدة محاريب.
منها: مصلى الشريفة: كان بدرب القرافة بحدرة الجباسين وخطة الصدف، بناه أبو محمد عبد الله بن الأرسوفي الشامي التاجر، سنة سبع وسبعين وخمسمائة.
مصلى المغافر: وهو الأندلس، جدده ابن برك الإخشيدي، ثم بنته جهة مكنون الآمرية في سنة ست وعشرين وخمسمائة.
مصلى عقبة القرافة، يعرف بمصلى الأندلسي: كان ذا مصطبة مربعة على يسره الطالع إلى القرافة، بناه يوسف بن أحمد الأندلسي الأنصاري، في شهر رمضان سنة خمس عشرة وخمسمائة.
مصلى القرافة: جدده الفقيه ابن الصباغ المالكي، في سنة عشرين وخمسمائة، وكان بحضرة مسجد أبي تراب تجاه دار التبر.
مصلى الفتح: كان ملاصقا لمسجد الفتح، بناه أبو محمد القلعي المغربي المنجم الحافظي.
مصلى جهة العادل: أبي الحسن بن السلار وزير مصر.
مصلى الأطفيحي: بجوار مسجد الأطفيحي الذي تقدم ذكره.
مصلى الجرجاني: بناه الوزير علي بن أحمد الجرجاني، وكانت بالقرافة الكبرى والجبانة عدة محاريب خربت كلها.
مصلى خولان: هذه المصلى عرفت بطائفة من العرب الذين شهدوا فتح مصر يقال لهم خولان، وهم من قبائل اليمن، واسمه نكل بن عمرو بن مالك بن زيد بن عريب، وفي هذه المصلى مشهد الأعياد، ويؤم الناس ويخطب لهم بها في يوم العيد خطيب جامع عمرو بن العاص، وليست هذه المصلى هي التي أنشأها المسلمون عند فتح أرض مصر، وإنما كانت مصلى العيد في أول الإسلام غير هذه. قال القضاعي: مصلى العيد كان مصلى عمرو بن العاص مقابل اليحموم، وهو الجبل المطل على القاهرة. فلما ولي عبد الله بن سعد بن أبي سرح مصر، أمر بتحويله. فحول إلى موضعه المعروف اليوم بالمصلى القديم عند درب السباع، ثم زاد فيه عبد الله بن طاهر سنة عشر ومائتين، ثم بناه أحمد بن طولون في سنة ست وخمسين ومائتين، واسمه باق عليه إلى اليوم.
قال الكندي: ولما قدم شفي الأصبحي إلى مصر، وأهل مصر قد اتخذوا مصلى بحذاء ساقية أبي عون عند العسكر قال: ما لهم وضعوا مصلاهم في الجبل الملعون وتركوا الجبل المقدس، يعني المقطم. قال: فقدموا مصلاهم إلى موضعه الذي هو به اليوم، يعني المصلى القديم المذكور. وقال الكندي: ثم ضاق المصلى بالناس في إمارة عنبسة بن إسحاق الضبي على مصر، في أيام المتوكل على الله، فأمر عنبسة بابتناء المصلى الجديد، فابتدئ ببنائه في العشر الأخير من شهر رمضان سنة أربعين ومائتين، وصلى فيه يوم النحر من هذه السنة.

(3/223)


وعنبسة هو آخر عربي ولي مصر، وآخر أمير صلى بالناس في المسجد، وهو المصلى الذي بالصحراء عند الجارودي، ثم جدده الحاكم وزاد فيه وجعل له قبة، وذلك في سنة ثلاث وأربعمائة، وكان أمراء مصر إذا خرجوا إلى صلاة العيد بالمصلى أوقفوا جيشا في سفح الجبل مما يلي بركة الحبش، ليراعي الناس حتى ينصرفوا من الصلاة، خوفا من البجة. فإنهم قدموا غير مرة ركبانا على النجب حتى كبسوا الناس في مصلاهم وقتلوا ونهبوا ثم رجعوا من حيث أتوا، فخرج عبد الحميد بن عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب غضبا لله وللمسلمين مما أصابهم من البجة، فكمن لهم بالصعيد في طريقهم حتى أقبلوا كعادتهم في أخذ الناس في مصلى العيد، فكبسهم وقتل الأعور رئيسهم بعد ما أقبلوا إلى المصلى في العيد، في سنة ست وخمسين ومائتين، وأميره مصر أحمد بن طولون على النجب، وكبسوا الناس في مصلاهم وقتلوا ونهبوا منهم وعادوا سالمين، ثم دخل العمري إلى بلاد البجة غازيا، فقتل منهم مقتلة عظيمة وضايقهم في بلادهم إلى أن أعطوه الجزية، ولم يكونوا أعطوا أحدا قبله الجزية، وسار في المسلمين وأهل الذمة سيرة حسنة، وسالم النوبة إلى أن بدأ النوبة بالغدر في الموضع المعروف بالمريس، فمال عليهم وحاربهم وخرب ديارهم وسبى منهم عالما كثيرا، حتى كان الرجل من أصحابه يبتاع الحاجة من الزيات والبقال بنوبي أو نوبية لكثرتهم معهم، فجاؤوا إلى أحمد بن طولون وشكوا له من العمري، فبعث إليه جيشا ليحاربه، فأوقع بالجيش وهزمهم، وكانت لهم أنباء وقصص إلى أن قتله غلامان من أصحابه وأحضرا رأسه إلى أحمد بن طولون، فأنكر فعلهما وضرب أعناقهما وغسل الرأس ودفنه.
المساجد والمعابد
التي بالجبل والصحراء
وكان بجبل المقطم وبالصحراء التي تعرف اليوم بالقرافة الصغرى عدة مساجد وعدة مغاير، ينقطع العباد بها، ومنها ما قد دثر ومنه شيء قد بقي أثره.
مسجد التنور: هذا المسجد في أعلى جبل المقطم من وراء قلعة الجبل في شرقيها، أدركته عامرا وفيه من يقيم به. قال القضاعي: المسجد المعروف بالتنور بالجبل، هو موضع تنور فرعون، كان يوقد له عليه، فإذا رأوا النار عملوا بركوبه فاتخذوا له ما يريد، وكذلك إذا ركب منصرفا من عين شمس. ثم بناه أحمد بن طولون مسجدا في صفو سنة تسع وخمسين ومائتين، ووجدت في كتاب قديم أن يهودا بن يعقوب أخا يوسف عليه السلام، لما دخل مع إخوته على يوسف وجرى من أمر الصواع ما جرى، تأخر عن إخوته وأقام في ذروة الجبل المقطم في هذا المكان، وكان مقابلا لتنور فرعون الذي كان يوقد له فيه النار. ثم خلا ذلك الموضع إلى زمن أحمد بن طولون، فأخبر بفضل الموضع وبمقام يهودا فيه، فابتنى فيه هذا المسجد والمنارة التي فيه، وجعل فيه صهريجا فيه الماء، وجعل الإنفاق عليه مما وقفه على البيمارستان بمصر والعين التي بالمغافر وغير ذلك. ويقال أن تنور فرعون لم يزل في هذا الموضع بحاله إلى أن خرج إليه قائد من قواد أحمد بن طولون يقال له وصيف قاطرميز، فهدمه وحفر تحته، وقدر أن تحته مالا فلم يجد فيه شيئا، وزال رسم التنور وذهب، وأنشد أبو عمرو الكندي في كتاب أمراء مصر من أبيات لسعيد القاضي:
وتنور فرعون الذي فوق قلة ... على جبل عال على شاهق وعر
بنى مسجدا فيه يروق بناءه ... ويهدى به في الليل إن ضل من يسري
تخال سنا قنديله وضياءه ... سهيلا إذا ما لاح في الليل للسفر
القرقوبي: قال القضاعي المسجد المعروف بالقرقوبي، هو على قرنة الجبل المطل على كهف السودان، بناه أبو الحسن القرقوبي الشاهد، وكيل التجار بمصر، في سنة خمس عشرة وأربعمائة، وكان في موضعه محراب حجارة يعرف بمحراب ابن الفقاعي الرجل الصالح، وهو على يسار المحراب.
مسجد أمير الأمراء: رفق المستنصري على قرنة الجبل البحرية المطلة على وادي مسجد موسى عليه السلام.

(3/224)


كهف السودان: مغار في الجبل لا يعلم من أحدثه، ويقال أن قوما من السودان نقروه فنسب إليهم، وكان صغيرا مظلما، فبناه الأحدب الأندلسي القزاز، وزاد في سفله مواضع نقرها، وبنى علوه. ويقال أنه أنفق فيه أكثر من ألف دينار، ووسع المجاز الذي يسلك منه إليه، وعمل الدرج النقر التي يصعد عليها إليه، وبدأ في بنيانه مستهل سنة إحدى وعشرين وأربعمائة، وفرغ منه في شعبان من هذه السنة.
العارض: هذا المكان مغارة في الجبل، عرفت بأبي بكر محمد جد مسلم القاري، لأنه نقرها، ثم عمرت بأمر الحاكم بأمر الله، وأنشئت فيها منارة هي باقية إلى اليوم، وتحت العارض قبر الشيخ العارف عمر بن الفارض رحمه الله، ولله در القائل:
جزبا لقرافة تحت ذيل العارض ... وقل السلام عليك يا ابن الفارض
وقد ذكر القضاعي أربع عشرة مغارة في الجبل، منها ما هو باق، وليس في ذكرها فائدة.
اللؤلؤة: هذا المكان مسجد في سفح الجبل باق إلى يومنا هذا، كان مسجدا خرابا، فبناه الحاكم بأمر الله وسماه اللؤلؤة، قيل كان بناؤه في سنة ست وأربعمائة، وهو بناء حسن.
مسجد الهرعاء: فيما بين اللؤلؤة ومسجد محمود، وهو مسجد قديم يتبرك بالصلاة فيه، وقد ذكر مسجد محمود عند ذكر الجوامع من هذا الكتاب، لأنه تقام فيه الجمعة.
دكة القضاة: قال القضاعي: هي دكة مرتفعة عن المساجد في الجبل، كان القضاة بمصر يخرجون إليها لنظر الأهلة كل سنة، ثم بني عليها مسجد.
مسجد فائق: مولى خمارويه بن أحمد بن طولون، كان في سفح الجبل مما يلي طريق مسجد موسى عليه السلام.
مسجد موسى: بناه الوزير أبو الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات.
مسجد زهرون بالصحراء: هو مسجد أبي محمد الحسن بن عمر الخولاني، ثم عرف بابن المبيض، وكان زهرون قيمه فنسب إليه.
مسجد الفقاعي: هو أبو الحسن علي بن الحسن بن عبد الله، كان أبوه فقاعيا بمصر، وهو مسجد كبير بناه كافور الإخشيدي، ثم جدده وزاد فيه مسعود بن محمد صاحب الوزير أبي القاسم علي بن أحمد الجرجراي، وكان في وسط هذا المسجد محراب مبني بطوب يقال أنه من بناء حاطب بن أبي بلتعة رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس، ويقال أنه أول محراب اختط في مصر، وكان أبو الحسن التميمي قد زاد فيه ببناء قبل ذلك.
مسجد الكنز: هذا المسجد كان شرقي الخندق وبحري قبر ذي النون المصري، وكان مسجدا صغيرا يعرف بالزمام، ومات قبل تمامه، فهدمه أبو طاهر محمد بن علي القرشي القرقوبي ووسعه وبناه، وحكي أنه لما هدمه رأى قائلا يقول في المنام: على أذرع من هذا المسجد كنز، فاستيقظ وقال: هذا من الشيطان، فرأى هذا القائل ثلاث مرات، فلما أصبح أمر بحفر الموضع فإذا فيه قبر، وظهر له لوح كبير تحته ميت في لحد كأعظم ما يكون من الناس جثة ورأسا، وأكفانه طرية لم يبل منها إلا ما يلي جمجمة الرأس، فإنه رأى شعر رأسه قد خرج من الكفن، وإذا له جمة، فراعه ما رأى وقال: هذا هو الكنز بلا شك، وأمر بإعادة اللوح والتراب كما كان، وأخرج القبر عن سائر الحيطان، وأبرزه للناس فصار يزار ويتبرك به.
مسجد في غربي الخندق: أنشأه أبو الحسن بن النجار الزيات في سنة إحدى وأربعين وأربعمائة.
مسجد لؤلؤ الحاجب: بالقرافة الصغرى، بنى بجانبه مقبرة، وحفر عندها بئرا حتى انتهى الحفار إلى قرب الماء، فقال الحفار: إني أجد في البئر شيئا كأنه حجر. فقال له لؤلؤ تسبب في قلعه، فلما قلعه فار الماء وأخرجه، وإذا هو اسطام مركب، وهو الخشبة التي تبنى عليها السفينة، وهذا يصدق ما قاله أرسطاطاليس في كتاب الآثار العلوية، قال: إن أهل مصر يسكنون فيما انحسر عنه البحر الأحمر، يعني بحر الشام، وقد ذكر خبر لؤلؤ هذا عند ذكر حمام لؤلؤ.
مقام المؤمن: قيل أنه مؤمن آل فرعون، لأنه أقام فيه، وهذا بعيد من الصحة.
قناطر ابن طولون وبئره: هذه القناطر قائمة إلى اليوم من بئر أحمد بن طولون التي عند بركة الحبش، وتعرف هذه البئر عندنا ببئر عفصة، ولا تزال هذه القناطر إلى أثناء القرافة الكبرى، ومن هناك خفيت لتهدمها، وهي من أعظم المباني.

(3/225)


قال القضاعي: قناطر أحمد بن طولون وبئره بظاهر المغافر، كان السبب في بنائها هذه القناطر أن أحمد بن طولون ركب فمر بمسجد الأقدام وحده، وتقدم عسكره وقد كده العطش، وكان في المسجد خياط فقال: يا خياط أعندك ماء؟ فقال: نعم. فأخرج له كوزا فيه ماء وقال: اشرب ولا تمد، يعني لا تشرب كثيرا، فتبسم أحمد بن طولون وشرب فمد فيه حتى شرب أكثره، ثم ناوله إياه وقال: يا فتى سقيتنا وقلت لا تمد. فقال: نعم، أعزك الله، موضعنا هاهنا منقطع، وإنما أخيط جمعتي حتى أجمع ثمن راوية. فقال له: والماء عندكم هاهنا معوز؟ فقال: نعم. فمضى أحمد بن طولون، فلما حصل في داره قال: جيؤني بخياط في مسجد الأقدام. فما كان بأسرع من أن جاؤوا به، فلما رآه قال: سر مع المهندسين حتى يخطوا عندك موضع سقاية ويجروا الماء، وهذه ألف دينار خذها، وابتدأ في الأنفاق وأجرى على الخياط في كل شهر عشرة دنانير وقال له: بشرني ساعة يجري الماء فيها، فجدوا في العمل، فلما جرى الماء أتاه مبشرا، فخلع عليه وحمله واشترى له دارا يسكنها، وأجرى عليه الرزق السني الدار، وكان قد أشير عليه بأن يجري الماء من عين أبي خليد المعروفة بالنعش. فقال: هذه العين لا تعرف أبدا إلا بأبي خليد، وإني أريد أن أستنبط بئرا، فعدل عن العين إلى الشرق فاستنبط بتره هذه وبنى عليها القناطر، وأجرى الماء إلى الفسقية التي بقرب درب سالم.
وقال جامع السيرة الطولونية: وأما رغبته في أبواب الخير فكانت ظاهرة بينة واضحة، فمن ذلك بناء الجامع والبيمارستان، ثم العين التي بناها بالمغافر، وبناها بنية صحيحة ورغبة قوية حتى أنها ليس لها نظير، ولهذا اجتهد المادرانيون وأنفقوا الأموال الخطيرة ليحكوها، فأعجزهم ذلك لأنها وقعت في موضع جيرانه كلهم محتاجون إليها، وهي مفتوحة طول النهار لمن كشف وجهه للأخذ، منها، ولمن كان له غلام أو جارية، والليل للفقراء والمساكين، فهي حياة ومعونة. واتخذ لها مستغلا فيه فضل وكفاية لمصالحها، والذي تولى لأحمد بن طولون بناء هذه العين رجل نصراني حسن الهندسة حاذق بها، وإنه دخل إلى أحمد بن طولون في عشية من العشايا فقال له: إذا فرغت مما تحتاج إليه فأعلمني لنركب إليها فنراها، فقال: يركب الأمير إليها في غد، فقد فرغت، وتقدم النصراني فرأى موضعا بها يحتاج إلى قصرية جير وأربع طوبات، فبادر إلى عمل ذلك، وأقبل أحمد بن طولون يتأمل العين فاستحسن جميع ما شاهده فيها، ثم أقبل إلى الموضع الذي فيه قصرية الجير فوقف بالاتفاق عليها، فلرطوبة الجير غاصت يد الفرس فيه فكبا بأحمد، ولسوء ظنه قدر أن ذلك لمكروه أراده به النصراني، فأمر به فشق عنه ما عليه من الثياب وضربه خمسمائة سوط، وأمر به إلى المطبق، وكان المسكين يتوقع من الجائزة مثل ذلك دنانير، فاتفق له اتفاق سوء. وانصرف أحمد بن طولون وأقام النصراني إلى أن أراد أحمد بن طولون بناء الجامع، فقدر له ثلاثمائة عمود فقيل له ما تجدها، أو تنفذ إلى الكنائس في الأرياف والضياع الخراب، فتحمل ذلك. فأنكره ولم يختره، وتعذب قلبه بالفكر في أمره، وبلغ النصراني وهو في المطبق الخبر، فكتب إليه: أنا أبنيه لك كما تحب وتختار بلا عمد إلا عمودي القبلة، فأحضره وقد طال شعره حتى تدلى على وجهه، فبناه.

(3/226)


قال: ولما بنى أحمد بن طولون هذه السقاية بلغه أن قوما لا يستحلون شرب مائها، قال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم الفقيه: كنت ليلة في داري إذ طرقت بخادم من خدام أحمد بن طولون فقال لي: الأمير يدعوك، فركبت مذعورا مرعوبا، فعدل بي عن الطريق فقلت: أين تذهب بي، فقال: إلى الصحراء والأمير فيها. فأيقنت بالهلاك وقلت للخادم: الله الله في، فإني شيخ كبير ضعيف مسن، فتدري ما يراد مني فارحمني. فقال لي: احذر أن يكون لك في السقاية قول. وسرت معه وإذا بالمشاعل في الصحراء وأحمد بن طولون راكب على باب السقاية وبين يديه الشمع، فنزلت وسلمت عليه فلم يرد علي، فقلت: أيها الأمير إن الرسول أعنتني وكدني وقد عطشت فيأذن لي الأمير في الشرب، فأراد الغلمان أن يسقوني فقلت: أنا آخذ لنفسي، فاستقيت وهو يراني، وشربت وازددت في الشرب حتى كدت أنشق ثم قلت: أيها الأمير سقاك الله من أنهار الجنة، فلقد أرويت وأغنيت، ولا أدري ما أصف أطيب الماء، في حلاوته وبرده أم صفاءه أم طيب ريح السقاية، قال: فنظر إلي وقال: أريدك لأمر وليس هذا وقته، فاصرفوه. فصرفت. فقال لي الخادم: أصبت. فقلت: أحسن الله جزاءك، فلولاك لهلكت. وكان مبلغ النفقة على هذه العين في بنائها ومستغلها أربعين ألف دينار، وأنشد أبو عمرو الكندي في كتاب الأمراء لسعيد القاص أبياتا في رثاء دولة بني طولون، منها في العين والسقاية:
وعين معين الشرب عين زكية ... وعين أجاج للرواة وللطهر
كأن وفود النيل في جنباتها ... تروح وتغدو بين مد إلى جزر
فأرك بها مستنبطا لمعينها ... من الأرض من بطن عميق إلى ظهر
بناء لو أن الجن جاءت بمثله ... لقيل لقد جاءت بمستفظع نكر
يمر على أرض المغافر كلها ... وشعبان والأحمور والحي من بشر
قبائل لا نوء السحاب يمدها ... ولا النيل يرويها ولا جدول يجري
وقال الشريف محمد بن أسعد الجواني النسابة في كتاب الجوهر المكنون في ذكر القبائل والبطون: سريع فخذ من الأشعريين، هم ولد سريع بن ماتع من بني الأشعر بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وهم رهط أبي قبيل التابعي، الذي خطف اليوم الكوم، شرقي قناطر سقاية أحمد بن طولون، المعروفة بعفصة الكبيرة بالقرافة.

(3/227)


الخندق: هذا الخندق كان بقرافة مصر، قد دثر، وعلى شفيره الغربي قبر الإمام الشافعي رضي الله عنه، وكان من النيل إلى الجبل، حفر مرتين، مرة في زمن مروان بن الحكم، ومرة في خلافة الأمين صمد بن هارون الرشيد. ثم حفره أيضا القائد جوهر. قال القضاعي: الخندق هو الخندق الذي في شرقي الفسطاط في المقابر، كان الذي أثار حفره مسير مروان بن الحكم إلى مصر، وذلك في سنة خمس وستين، وعلى مصر يومئذ عبد الرحمن بن عقبة بن جحدم الفهري، من قبل عبد الله بن الزبير رضي الله عنه. فلما بلحه مسير مروان إلى مصر أعد واستعد وشاور الجند في أمره، فأشاروا عليه بحفر الخندق، والذي أشار به عليه ربيعة بن حبيش الصدفي، فأمر ابن جحدم بإحضار المحاريث من الكور لحفر الخندق على الفسطاط، فلم تبق قرية من قرى مصر إلا حفر من أهلها النفر، وكان ابتداء حفره غرة المحرم سنة خمس وستين، فما كان شيء أسرع من فراغهم منه، حفروه في شهر واحد. وكانت الحرب من ورائه يغدون إليها ويروحون، فسميت تلك الأيام أيام الخندق والتراويح، لرواحهم إلى القتال، وكانت المغافر أكثر قبائل أهل مصر عددا، كانوا عشرين ألفا، ونزل مروان عين شمس لعشر خلون من شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين، في اثني عشر ألفا، وقيل في عشرين ألفا، فخرج أهل مصر إلى مروان فحاربوه يوما واحدا بعين شمس، ثم تحاجزوا ورجع أهل صر إلى خندقهم فتحصنوا به، وصحبتهم جيوش مروان على باب الخندق، فاصطف أهل مصر على الخندق، فكانوا يخرجون إلى أصحاب مروان فيقاتلونهم نوبا نوبا، وأقاموا على ذلك عشرة أيام ومروان مقيم بعين شمس، وكتب مروان إلى شيعته من أهل مصر، كريب بن أبرهة بن الصباح الحميري، وزياد بن حناطة التجيبي، وعابس بن سعيما المرادي يقول: إنكم ضمنتم لي ضمانا لم تقوموا به، وقد طالت الأيام والممانعة، فقام كريب وزياد وعابس إلى ابن جحدم فقالوا له: أيها الأمير إنه لا قوام لنا بما ترى، وقد رأينا أن نسعى في الصلح بينك وبين مروان وقد مل الناس الحرب وكرهوها، وقد خفنا أن يسلمك الناس إلى مروان فيكون محكما فيك، فقال: ومن لي بذلك؟ فقال كريب: أنا لك به، فسعى كريب وصاحباه في الصلح على أمان كتبه مروان لأهل مصر وغيرهم ممن شرب ماء النيل، وعلى أن يسلم لابن جحدم من بيت المال عشرة آلاف دينار، وثلاثمائة ثوب بقطرية، ومائة ريطة، وعشرة أفراس، وعشرين بغلا، وخمسين بعيرا. فتم الصم على ذلك، ودخل مروان الفسطاط مستهل جمادى الأولى سنة خمس وستين، فنزل دار الفلفل ودفع إلى ابن جحدم جميع ما صالحه عليه، وسار ابن جحدم إلى الحجاز ولم يلق كل واحد منهما الآخر، وتفرق المصريون وأخذوا في دفن قتلاهم والبكاء عليهم، فسمع مروان البكاء فقال: ما هذه النوادب؟ فقيل: على القتلى. قال: لا أسمع نائحة تنوح إلا أحللت بمن هي في داره العقوبة. فسكتن عند ذلك ودفن أهل مصر قتلاهم فيما بين الخندق والمقطم، وهي المقابر التي يسميها المصريون مقابر الشهداء، ودفن أهل الشام قتلاهم فيما بين الخندق ومنية الأصبغ، وكان قتلى أهل مصر ما بين الستمائة إلى السبعمائة، وقتلى أهل الشام نحو الثلاثمائة، ولما برز مروان من الفسطاط سائرا إلى الشام، سمع وجبة النساء يندبن قتلاهن، قال: ويحهن ما هذا؟ قالوا: النساء على مقابرهن يندبن قتلاهن، فعرج عليهن، فأمر بالانصراف. قالوا: كذا هن كل يوم. قال: فامنعوهن إلا من سبب، وخرج مروان من مصر إلى الشام لهلال رجب سنة خمس وستين، وكان مقامه بالفسطاط شهرين، واستخلف ابنه عبد العزيز على مصر، وضم إليه بشر بن مروان، وكان حدثا، ثم ولي عبد الملك بشرا بعد ذلك البصرة، قال: ثم دثر هذا الخندق إلى أيام خلع الأمين بمصر وبيعة المأمون، وولى البلد عباد بن محمد بن حبان مولى كندة من قبل المأمون، فكتب الأمين بمصر إلى أهل الحوفين في القيام ببيعته وقتال: عباد وأهل مصر. فتجمع أهل الحوف لذلك واستعدوا، وبلغ أهل مصر فأشاروا على عباد بحفر الخندق، فحفروا خندقا من النيل إلى الجبل واحتفروا هذا الخندق العتيق، فكان القتال عليه أياما متفرقة إلى أن قتل الأمين وتمت بيعة المأمون، ثم لم يحفر بعد ذلك إلى يومنا هذا.

(3/228)


وذكر ابن زولاق أن القائد جوهرا لما اختط القاهرة وكثر الإرجاف بمسير القرامطة إلى مصر، حفر خندق السري بن الحكم بباب مدينة مصر، وعمل عليه بابا في ذي القعدة سنة ستين وثلاثمائة، وحفر خندقا في وسط مقبرة مصر، وهو الخندق الذي حفره ابن جحدم، ابتدأ حفره من بركة الحبش حتى وصله بخندق عبد الرحمن بن جحدم، حتى بلغ به قبر محمد بن إدريس الشافعي، ثم حفر من الجبل إلى أن وصل الخندق ابن جحدم وسط المقابر، وبدأ به يوم السبت التاسع من شوال سنة إحدى وستين وثلاثمائة، وفرغ منه في مدة يسيرة.
القباب السبع: هذه القباب بآخر القرافة الكبرى مما يلي مدينة مصر. قال ابن سعيد في كتاب المغرب: والقباب السبع المشهورة بظاهر الفسطاط، هي مشاهد على سبعة من بني المغربي قتلهم الخليفة الحاكم بعد فرار الوزير أبي القاسم الحسين بن علي بن المغربي إلى أبي الفتوح حسن بن جعفر بمكة، وفي ذلك يقول أبو القاسم بن المغربي:
إذا شئت أن ترنو إلى الطف باكيا ... فدونك فانظر نحو أرض المقطم
تجد من رجال المغربي عصابه ... مضمخة الأجسام من حلل الدم
فكم تركوا محراب آي معطل ... وكم تركوا من سورة لم تختم
وقد ذكرت أخبار بني المغربي عند ذكر بساتين الوزير من بركة الحبش، ويتعلق بهذا الموضع من خبرهم أن أبا الحسن علي بن الحسين بن علي بن محمد بن المغربي، لما خرج من بغداد وصار إلى مصر في أيام العزيز بالله بن المعز لدين الله في سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة رتب له في كل سنة ستة آلاف دينار، وصار من شيوخ الدولة. فقال يوما لمؤدب ولده أبي القاسم حسين، وهو علي بن منصور بن طالب، المعروف بأبي الحسن دوخلة بن القادح سرا: أنا أخاف همة ابني أبي القاسم أن تنزو به إلى أن يوردنا مورد الأصدر عنه، فإن كانت الأنفاس مما تحفظ وتكتب فاكتبها واحفظها وطالعني بها. ففال أبو القاسم في بعض الأيام لمؤدبه هذا: إلى متى نرضى بالخمول الذي نحن فيه؟ فقال له: وأي خمول هذا، تأخذون من مولانا في كل سنة ستة آلاف دينار، وأبوكم من شيوخ الدولة؟ فقال: أريد أن تصار إلى أبوابنا الكتائب والمواكب والمقانب، ولا أرضى بأن يجرى علينا كالولدان والنسوان، فأعاد ذلك على أبيه فقال: ما أخوفني أن يخضب أبو القاسم هذه من هذه، وقبض على لحيته وهامته، وعلم ذلك أبو القاسم فصارت بينه وبين مؤدبه وحشة، وكان ذلك في خلافة الحاكم بأمر الله منصور بن العزيز، وتحدث القائد أبي عبد الله الحسين بن جوهر، وكان الحاكم قد أكثر من قتل رؤساء دولته، وصار يبعث إلى القائد كلما قتل رئيسا برأسه ويقول: هذا عدوي وعدوك، فقبض على أبي الحسن علي بن الحسين المغربي والد الوزير أبي القاسم الحسين، وعلى أخيه أبي عبد الله محمد بن الحسين، وعلى محسن ومحمد أخوي الوزير المذكور، لثلاث خلون من ذي القعدة سنة أربعمائة، وفر الوزير أبو القاسم الحسين بن المغربي من مصر في زي حمال، لليال من ذي القعدة، ولحق بحسان بن الجراح، وكان من أمره ما كان.
الأحواض والآبار
التي بالقرافة
حوض القرافة: أمر ببنائه السيدة ست الملك، عمة الحاكم بأمر الله، ابنة المعز لدين الله، في شعبان سنة ست وستين وثلاثمائة واختل في أيام العادل أبي الحسن بن السلار وزير مصر في سنة ست وأربعين وخمسمائة، فأمر بعمارته، ثم انشق في سنة ثمانين وخمسمائة، فجدده القاضي السعيد ثقة الثقات ذو الرياستين، أبو الحسن علي بن عثمان بن يوسف بن إبراهيم بن يوسف بن أحمد بن يعقوب بن مسلم بن منبه، أحد بني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي، صاحب النظر في ديوان مصر، ومصنف كتاب المنهاج في أحكام الخراج. وهو كتاب جليل الفائدة، ولم تزل آثار هذا القاضي حميدة ومقاصده سديدة، وعنده نخوة قرشية، ومروءة وعصبية، وهو وإن طاب أصولا، فقد زكا فروعا، وإن تفرقت في سواه فضائل فقد جمعها الله فيه جميعا، ولم يزل مذ كان يسعى في الأمانة على صراط مستقيم، آخذا بقوله تعالى أخبارا عن الكريم ابن الكريم اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم.

(3/229)


الحوض بجوار قصر القرافة: في ظهر الحمام العزيزي بحضرة فرن القرافة، أمرت ببنائه أم الخليفة الظاهر لإعزاز دين الله، واسمها السيدة رصد، على يد وكيلها الشريف المحدث أبي إبراهيم أحمد بن القاسم بن الميمون بن حمزة الحسين! العبدلي شيخ الفراء، وابن الخطاب والفلكي.
حوض بحضرة الأشعوب: وهو قصر بش عقيب.
حوض في داخل قصر أبي المعلوم: مجاور للبئر الكبيرة ذات الدواليب، بناه المحتسب الفارسي مع عمارة البئر والميضأة في أيام السيدة أم العزيز، ويقال أن الحوض والبئر من بناء المادراني، وإنما جددته عمة الحاكم.
حوض: بقصر بني كعب وبجانبه بئر، أنشأه الحاجب لؤلؤ، وهو من حقوق قصر بني كعب، وقد خربت هذه الأحواض ودثرت.
الآبار التي ببركة الحبش والقرافة
بئر أبي سلامة: وتعرف ببئر الغنم، وهي قبلي النوبية، وموضعها أحسن موضع في البركة، وهي التي عنى أبو الصلت أمية بن عبد العزيز بقوله:
لله يومي ببركة الحبش ... والأفق بين الضياء والغبش
والنيل تحت الرياح مضطرب ... كصارام في يمين مرتعش
ونحن في روضة مفوفة ... دبج بالنور عطفها ووشي
قد نسجتها يد الغمام لنا ... فنحن من نسجها على فرش
وأثقل الناس كلهم رجل ... دعاه داعي الهوى فلم يطش
فعاطني الراح إن تاركها ... من سورة الهم غير منتعش
واسقني بالكبار مترعة ... فهن أشفى لشدة العطش
بئر غربي دير مرحنا وبستان العبيدي: ودير مرحنا يعرف اليوم في زماننا بدير الطين، وهو عامر بالنصارى.
بئر الدرج: شرقي بساتين الوزير، لها درج ينزل به إليها، عملها الحاكم بأمر الله، وشرقيها قبور النصارى، وبعدهم إلى جهة الجبل قبور اليهود، والبستان المجاور لعفصة الصغرى أول بركة الحبش على لسان الجبل الخارج إلى البركة، مجاورة لبئر النعش وبئر السقايين، وهي المعروفة ببئر أبي موسى خليد، وقد صار هذا البستان إلى المهذب بن الوزير.
بئر الزقاق: شرقي بئر عفصة الصغرى، والزقاق معروف إذ ذاك في الجبل، وفي أوله بئر مربعة كان يسقى منها البقر والغنم.
السبعة التي تزار بالقرافة

(3/230)


اعلم أن زيارة القرافة كانت أولا يوم الأربعاء، ثم صارت ليلة الجمعة، وأما زيارة يوم السبت فقيل إنها قديمة، وقيل متأخرة، وأول من زار يوم الأربعاء وابتدأ بالزيارة من مشهد السيدة نفيسة، الشيخ الصالح أبو محمد عبد الله بن رافع بن يزحم بن رافع السارعي الشافعي المغافري الزوار، المعروف بعابد، ومولده سنة إحدى وستين وخمسمائة، ووفاته بالهلالية خارج باب زويلة، في ليلة الثاني والعشرين من شعبان سنة ثمان وثلاثين وستمائة. ودفن بسفح المقطم على تربة بني نهار، بحري تربة الرديني. وأول من زار ليلة الجمعة، الشيخ الصالح المقري أبو الحسن علي بن أحمد بن جوشن المعروف بابن الجباس، والد شرف الدين محمد بن علي بن أحمد بن الجباس، فجمع الناس وزار بهم في ليلة الجمعة في كل أسبوع، وزار معه في بعض الليالي السلطان الملك الكامل ناصر الدين أبو المعالي محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب، ومشى معه أكابر العلماء. وكان سبب تجرد أبي الحسن بن الجباس وانقطاعه إلى الله تعالى، أنه دولب مطبخ سكر شركة رجل، فوقف عليهما مال للديوان، فسجنا بالقصر، فقرأ ابن الجباس في بعض الليالي سورة الرعد، فسمعه السلطان الملك العادل أبو بكر بن أيوب، فقام حتى وقف عليه وسأله عن خبره، فأعلمه بأنه سجن على مبلغ كذا، فأمر بالإفراج عنه، فأبى إلا أن بفرج عن رفيقه أيضا، فأفرج عنهما جميعا. واتفق أنه مر في بعض ليالي الزيارة بزاوية الفخر الفارسي، فخرج وقال له: ما هذه البدعة؟ في غد أبطلها. ثم دخل الزاوية وخرج بعد ساعة وأمر برد ابن الجباس، فلما جاءه قال: دم على ما أنت عليه، فإني رأيت الساعة قوما فقالوا: هل تعطينا ما يعطينا ابن الجباس في ليالي الجمع؟ فعلمت أن ذلك هو الدعاء والقراءة. وأما زيارة يوم السبت، فقد تقدم أنه اختلف فيها، وحكى الموفق بن عثمان عن القضاعي أنه كان يحث على زيارة سبعة قبور، وأن رجلا شكا إليه ضيق حاله. والدين. فقال له: عليك بزيارة سبعة قبور. أولهم: الشيخ أبو الحسن علي بن محمد بن سهل بن الصائغ الدينوري، وتوفي ليلة الثلاثاء، لثلاث عشرة بقيت من شهر رجب سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة. والثاني: عبد الصمد بن محمد بن أحمد بن إسحاق بن إبراهيم البغدادي، صاحب الخلفاء، وتوفي سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة. والثالث: أبو إبراهيم إسماعيل بن... المزني، وتوفي سنة أربع وستين ومائتين. والرابع: القاضي بكار بن قتيبة، وتوفي سنة سبعين ومائتين. والخامس: القاضي المفضل بن فضالة، وتوفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين. والسادس: الماضي أبو بكر عبد الملك بن الحسن القمني، وتوفي في ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة. والسابع: أبو الفيض ذو النون ثوبان بن إبراهيم المصري، وتوفي سنة خمس وأربعين ومائتين.
وكانوا أولا يزورون بعد صلاة الصبح وهم مشاة على أقدامهم إلى أن كانت أيام شيخ الزوار محمد العجمي السعودي، فزار راكبا لي يوم السبت بعد طلوع الشمس لأن رجليه كانتا معوجتين لا يستطيع المشي عليهما، وذلك في أواخر سنة ثمانمائة، وتوفي في عاشر شهر رمضان. سنة تسع وثمانمائة. فجاء بعده الزائر شمس الدين محمد بن عيسى المرجوشي السعودي، ومحيي الدين عبد القادر بن علاء الدين محمد بن علم الدين بن عبد الرحمن الشهير بابن عثمان، ففعلا ذلك، ومات ابن عثمان في سابع شهر ربيع الآخر سنة خمس عشرة وثمانمائة، فاستمرت الزيارة على ذلك.

(3/231)


وقد حكى صاحب كتاب محاسن الأبرار ومجالس الأخيار سبعة غير من ذكرنا وسماهم المحققين وهم: صلة بن مؤمل، وأبو محمد عبد العزيز بن أحمد بن علي بن جعفر الخوارزمي، وسالم العفيف، وأبو الفضل بن الجوهري، وأبو عبد الله محمد بن عبد الله بن الحسين، عرف بالبزار، وأبو الحسن علي، عرف بطير الوحش، وأبو الحسن علي بن صالح الأندلسي الكحال، وذكر أيضا سبعة أخر وهم: عقبة بن عامر الجهني، والإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، وأبو بكر الدقاق، وأبو إبراهيم إسماعيل المزني، وأبو العباس أحمد الجزار، والفقيه ابن دحية، والفقيه ابن فارس اللخمي، وزيارتهم يوم الجمعة بعد صلاة الصبح، والعمل عليها في الزيارة الآن، إلا أنهم يجتمعون طوائف، لكل طائفة شيخ، ويقيمون مناور كبارا وصغارا ويخرجون في ليالي الجمع وفي كل سبت بكرة النهار، وفي كل يوم أربعاء بعد الظهر، وهم يذكرون الله، فيزورون. ويجتمع معهم من الرجال والنساء خلائق لا تحصى، ومنهم من يعمل ميعاد وعظ، ويقال لشيخ كل طائفة الشيخ الزائر، فتمر لهم في الزيارة أمور منها ما يستحسن ومنها ما ينكر، ولكل عبد ما نوى.
فمن أشهر مزارات القرافة: قبر الإمام أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي. رحمة الله ورضوانه عليه، وتوفي يوم الجمعة آخر يوم من شهر رجب، سنة أربع ومائتين بفسطاط مصر، وحمل على الأعناق حتى دفن في مقبرة بني زهرة، أولاد عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهري رضي الله عنه، وعرفت أيضا بتربة أولاد ابن عبد الحكم. قال القضاعي: وقد جرب الناس خير هذه التربة المباركة والقبر المبارك، وينقل عن المزني أنه قال فيه:
سقى الله هدا القبر من وبل مزنه ... من العفو ما يغنيه عن طلل المزن
لقد كان كفؤا للعداة ومعقلا ... وركنا لهذا الدين بل أيما ركن
هكذا وقفت عليه، ثم رأيت بعد ذلك أن المزني، رحمه الله، لما دفن مر رجل على قبره وإذا بهاتف يقول: فذكر البيتين. وقال آخر:
لله در الثرى كم ضم من كرم ... بالشافعي حليف العلم والأثر
يا جوهر الجوهر المكنون من مضر ... ومن قريش ومن ساداتها الأخر
لما توليت ولى العلم مكتئبا ... وضر موتك أهل البدو والحضر
ولآخر:
أكرم به رجلا ما مثله رجل ... مشارك لرسول الله في نسبه
أضحى بمصر دفينا في مقطمها ... نعم المقطم والمدفون في تربه

(3/232)


ومناقب الشافعي رحمه الله كثيرة، قد صنف الأئمة فيها عدة مصنفات، وله في تاريخي الكبير المقفى ترجمة كبيرة، ومن أبدع ما حكي من مناقبه: أن الوزير نظام الملك أبا علي الحسن بن علي بن إسحاق، لما بنى المدرسة النظامية ببغداد في سنة أربع وسبعين وأربعمائة، أحب أن ينقل الإمام الشافعي من مقبرته بمصر إلى مدرسته، وكتب إلى أمير الجيوش بدر الجمالي وزير الإمام المستنصر بالله معد يسأله في ذلك، وجهز له هدية جليلة، فركب أمير الجيوش في موكبه ومعه أعيان الدولة ووجوه المصريين من العلماء وغيرهم، وقد اجتمع الناس لرؤيته، فلما نبش القبر شق ذلك على الناس، وماجوا وكثر اللغط وارتفعت الأصوات وهموا برجم أمير الجيوش والثورة به، فسكتهم وبعث يعلم الخليفة أمير المؤمنين المستنصر بصورة الحال، فأعاد جوابه بإمضاء ما أراد نظام الملك، فقرئ كتابه بذلك على الناس عند القبر وطردت العامة والغوغاء من حوله، ووقع الحفر حتى انتهوا إلى اللحد، فعندما أرادوا قلع ما عليه من اللبن خرج من اللحد رائحة عطرة أسكرت من حضر فوق القبر حتى وقعوا صرعى، فما أفاقوا إلا بعد ساعة، فاستغفروا مما كان منهم وأعادوا ردم القبر كما كان وانصرفوا، وكان يوما من الأيام المذكورة، وتزاحم الناس على قبر الشافعي يزورونه مدة أربعين يوما بلياليها، حتى كان من شدة الازدحام لا يتوصل إليه إلا بعناء ومشقة زائدة، وكتب أمير الجيوش محضرا بما وقع وبعث به وبهدية عظيمة مع كتابه إلى نظام الملك، فقرئ هذا المحضر والكتاب بالنظامية ببغداد، وقد اجتمع العالم على اختلاف طبقاتهم لسماع ذلك، فكان يوما مشهودا ببغداد، وكتب نظام الملك إلى عامة بلدان المشرق من حدود الفرات إلى ما وراء النهر بذلك، وبعث مع كتبه بالمحضر وكتاب أمير الجيوش، فقرئت في تلك الممالك بأسرها، فزاد قدر الإمام الشافعي عند كافة أهل الأقطار، وعامة جميع أهل الأمصار بذلك.
وقد أوردت في كتاب إمتاع الأسماع بما للرسول من الأنباء والأحوال والحفدة والمتاع صلى الله عليه وسلم، نظير هذه الواقعة، وقع لضريح رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يزل قبر الشافعي يزار ويتبرك به إلى أن كان يوم الأحد لسبع خلت من جمادى الأولى سنة ثمان وستمائة، فانتهى بناء هذه القبة التي على ضريحه، وقد أنشأها الملك الكامل المظفر المنصور أبو المعالي ناصر الدين محمد ظهير أمير المؤمنين ابن السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب، وبلغت النفقة عليها خمسين ألف دينار مصرية، وأخرج في وقت بنائها بعظام كثيرة من مقابر كانت هناك، ودفنت في موضع من القرافة، وبهذه القبة أيضا قبر السلطان الملك العزيز عثمان بن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، وقبر أمه شمسة، وقيل فيها عدة أشعار، منها قول الأديب الكاتب ضياء الدين أبي الفتح موسى بن ملهم:
مررت على قبة الشافعي ... فعاين طرفي عليها العشاري
فقلت لصحبي لا تعجبوا ... فإن المراكب فوق البحار
وقال علاء الدين أبو علي عثمان بن إبراهيم النابلسي:
لقد أصبح الشافعي الإما ... م فينا له مذهب مذهب
ولو لم يكن بحر علم ... لما غدا وعلى قبره مركب
وقال آخر:
أتيت لقبر الشافعي أزوره ... تعرضنا فلك وما عنده بحر
فقلت تعالى الله تلك إشارة ... تشير بأن البحر قد ضمه القبر
وقال شرف الدين أبو عبد الله محمد بن سعيد بن حماد البوصيري صاحب البردة:
بقبة قبر الشافعي سفينة ... رست في بناء محكم فوق جلمود
ومذ غاض طوفان العلوم بقبره استوى الفلك من ذاك الضريح على الجودي

(3/233)


ومنها قبر الإمام الليث بن سعد: رحمه الله، قد اشتهر قبره عند المتأخرين، وأول ما عرفته من خبر هذا القبر أنه وجدت مصطبة في آخر قباب الصدف، وكانت قباب الصدف أربعمائة قبة فيما يقال، عليها مكتوب الإمام الفقيه الزاهد العالم الليث بن سعد بن عبد الرحمن أبو الحارث المصري مفتي أهل مصر، كما ذكر في كتاب هادي الراكبين في زيارة قبور الصالحين، لأبي محمد عبد الكريم بن عبد الله بن عبد الكريم بن علي بن محمد بن علي بن طلحة، وفي كتاب مرشد الزوار للموفق ابن عثمان. وذكر الشيخ محمد الأزهري في كتابه فأي الزيارة: أن أول من بنى عليه وحيز كبير التجار أبو زيد المصري، بعد سنة أربعين وستمائة، ولم يزل البناء يتزايد إلى أن جدد الحاج سيف الدين المقدم عليه قبته في أيام الأشرف شعبان بن حسين بن محمد بن قلاون، قبيل سنه ثمانين وسبعمائة، ثم جددت في أيام الناصر فرج بن الظاهر برقوق، على يد الشيخ أبي الخير محمد ابن الشيخ سليمان المادح، في محرم سنة إحدى عشرة وثمانمائة. ثم جددت في سنة اثنتين وثلاثين وثمانمائة على يد امرأة قدمت من دمشق في أيام المؤيد شيخ، عرفت بمرحبا بنت إبراهيم بن عبد الرحمن، أخت عبد الباسط. وكان لها معروف وبر، توفيت في تاسع عشري ذي القعدة سنة أربعين وثمانمائة، ويجتمع بهذه القبة في ليلة كل سبت جماعة من القراء، فيتلون القرآن الكريم تلاوة حسنة حتى يختموا ختمة كاملة عند السحر، ويقصد المبيت عندهم للتبرك بقراءة القرآن عدة من الناس، ثم تفاحش الجمع، وأقبل النساء والأحداث والغوغاء، فصار أمرا منكرا، لا ينصتون لقراءة ولا يتعظون بمواعظ، بل يحدث منهم على القبور ما لا يجوز. ثم زادوا في التعدي حتى حفروا ما هنالك خارج القبة من القبور، وبنوا مباني اتخذوها مراحيض وسقايات ماء، ويزعم من لا علم عنده أن هذه القراءة في كل ليلة سبت عند قبر الليث بزعمهم قديمة من عهد الإمام الشافعي، وليس ذلك بصحيح، وإنما حدثت بعد السبعمائة من سني الهجرة، بمنام ذكر بعضهم أنه رآه، وكانوا إذ ذاك يجتمعون للقراءة عند قبر أبي بكر الأدفوي.
المقابر خارج باب النصر
اعلم أن المقابر التي هي الآن خارج باب النصر، إنما حدثت بعد سنة ثمانين وأربعمائة، وأول تربة بنيت هناك تربة أمير الجيوش بدر الجمالي لما مات ودفن فيها، وكان خطها يعرف برأس الطابية، قال الشريف أمين الدولة أبو جعفر محمد بن هبة الله العلوي الأفطسي، وقد مر بتربة الأفضل:
أجرى دما أجفانيه ... جدث برأس الطابيه
صدع الزمان صفاتيه ... ......
بال وما بليت أيا ... ديه علي الباقيه

(3/234)


وبخارج باب النصر في أوائل المقابر قبر زينب بنت أحمد بن محمد بن عبد الله بن جعفر ابن الحنفية، يزار وتسميه العامة مشهد الست زينب، ثم تتابع دفن الناس موتاهم في الجهة التي هي اليوم من بحري مصلى الأموات إلى نحو الريدانية، وكان ما في شرقي هذه المقبرة إلى الجبل براحا واسعا يعرف بميدان القبق، وميدان العيد، والميدان الأسود، وهو ما بين قلعة الجبل إلى قبة النصر تحت الجبل الأحمر. فلما كان بعد سنة عشرين وسبعمائة، ترك الملك الناصر محمد بن قلاون النزول إلى هذا الميدان وهجره، فأول من ابتدأ فيه بالعمارة الأمير شمس الدين قراسنقر، فاختط تربته التي تجاور اليوم تربة الصوفية، وبنى حوض ماء للسبيل، وجعل فوقه مسجدا، وهذا الحوض بجوار باب تربة الصوفية، أدركته عامرا هو وما فوقه، وقد تهدم وبقيت منه بقية. ثم عمر بعده نظام الدين آدم أخو الأمير سيف الدين سلار، تجاه تربة قراسنقر مدفنا وحوض ماء للسبيل ومسجدا معلقا، وتتابع الأمراء والأجناد وسكان الحسينية في عمارة الترب هناك، حتى انسدت طريق الميدان، وعمروا الجوانية أيضا، وأخذ صوفية الخانقاه الصلاحية لسعيد السعداء قطعة قدر فدانين، وأداروا عليها سورا من حجر، وجعلوها مقبرة لمن يموت منهم، وهي باقية إلى يومنا هذا، وقد وسعوا فيها بعد سنة تسعين وسبعمائة بقطعة من تربة قراسنقر، وما برح الناس يقصدون تربة الصوفية هذه لزيارة من فيها من الأموات، ويرغبون في الدفن بها، إلى أن تولى مشيخة الخانقاه الشيخ شمس الدين محمد البلالي، فسمح لكل أحد أن يقبر ميته بها على مال يأخذه منه، فقبر بها كثير من أعوان الظلمة، ومن لم تشكر طريقته، فصارت مجمع نسوان، ومجلس لعب.
وعمر أيضا بجوار تربة الصوفية الأمير مسعود بن خطير تربة، وعمل لها منارة من حجارة لا نظير لها في هيئتها، وهي باقية. وعمر أيضا مجد الدين السلامي تربة، وعمر الأمير سيف الدين كوكاي تربة، وعمر الأمير طاجاي الدوادار على رأس القبق مقابل قبة النصر تربة، وعمر الأمير سيف الدين طشتمر الساقي على الطريق تربة، وبنى الأمراء إلى جانبه عدة ترب، وبنى الطواشي محسن البهاء تربة عظيمة، وبنت خوند طغاي تربة تجاه تربة طشتمر الساقي، وجعلت لها وقفا. وبنى الأمير طغاي تمر النجمي الدوادار تربة، وجعلها خانقاه، وأنشأ بجوارها حماما وحوانيت، وأسكنها للصوفية والقراء، وبنى الأمير منكلي بغا الفخري تربة، والأمير طشتمر طلليه تربة، والأمير أرنان تربة، وبنى كثير من الأمراء وغيرهم الترب، حتى اتصلت العمارة من ميدان القبق إلى تربة الروضة خارج باب البرقية. وما مات الملك الناصر حتى بطل من الميدان السباق بالخيل، ومنعت طريقه من كثرة العمائر، وأدركت بعد سنة ثمانين وسبعمائة عدة عواميد من رخام منصوبة يقال لها عواميد السباق، فيما بين قبة النصر وقريب من القلعة.
وأول من عمر في البراح الذي كان فيه عواميد السباق، الأمير يونس الدوادار، في أيام الملك الظاهر، تربته الموجودة هناك. ثم عمر الأمير فجماس ابن عم الملك الظاهر برقوق تربة بجانب تربة يونس، وأحيط على قطعة كبيرة حائط، وقبر فيها من ماس من مماليك السلطان، وقبر فيها الشيخ علاء الدين السيرامي شيخ الخانقاه. الظاهرية، والشيخ المعتقد طلحة، والشيخ المعتقد أبو بكر البجاءي. فلما مرض الملك الظاهر برقوف أوصى أن يدفن تحت أرجل هؤلاء الفقراء، وأن يبنى على قبره تربة، فدفن حيث أوصى، وأخذت قطعة مساحتها عشرة آلاف ذراع وجعلت خانقاه، وجعل فيها قبة على قبر السلطان وقبور الفقراء المذكورين، وتجدد من حينئذ هناك عدة ترب جليلة، حتى صار الميدان شوارع وأزقة، ونقل الملك الناصر فرج بن برقوق سوق الجمال وسوق الحمير من تحت القلعة إلى تجاه التربة التي عمرها على قبر أبيه، فاستمر ذلك أياما في سنة أربع عشرة وثمانمائة، ثم أعيدت الأسواق إلى مكانها، وكان قصده أن يبني هناك خانا كبيرا ينزل فيه المسافرون، ويجعل بجانبه سوقا، وبنى طاحونا وحماما وفرنا لتعمر تلك الجهة بالناس، فمات قبل بناء الخان، وخلت الحمام والطاحون والفرن بعد قتله.
كنائس اليهود

(3/235)


قال الله عز وجل: " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا " ، " الحج 40 " قال المفسرون: الصوامع للصابئين، والبيع للنصارى، والصلوات كنائس اليهود، والمساجد للمسلمين. قاله ابن قتيبة: والكنيس كلمة عبرانية معناها بالعربية الموضع الذي يجتمع فيه للصلاة، ولهم بديار مصر عدة كنائس، منها كنيسة دموة بالجيزة، وكنيسة جوجر من القرى الغربية، وبمصر الفسطاط كنيسة بخط المصاصة في درب الكرمة، وكنيستان بخط قصر الشمع، وبالقاهرة كنيسة بالجودرية، وفي حارة زويلة خمس كنائس.
كنيسة دموه
هذه الكنيسة أعظم معبد لليهود بأرض مصر، فإنهم لا يختلفون في أنها الموضع الذي كان يأوي إليه موسى بن عمران صلوات الله عليه، حين كان يبلغ رسالات الله عز وجل إلى فرعون مدة مقامة بمصر، منذ قدم من مدين إلى أن خرج ببني إسرائيل من مصر. ويزعم يهود أنها بنيت هذا البناء الموجود بعد خراب بيت المقدس الخراب الثاني على يد طيطش ببضع وأربعين سنة، وذلك قبل ظهور الملة الإسلامية بما ينيف على خمسمائة سنة، وبهذه الكنيسة شجرة زيزلخت في غاية الكبر لا يشكون في أنها من زمن موسى عليه السلام، ويقولون أن موسى عليه السلام غرس عصاه في موضعها فأنبت الله هناك هذه الشجرة، وأنها لم تزل ذات أغصان نصرة، وساق صاعد في السماء، مع حسن استواء، وثخن في استقامة، إلى أن أنشأ الملك الأشرف شعبان بن حسين مدرسته تحت القلعة، فذكر له حسن هذه الشجرة، فتقدم بقطعها لينتفع بها في العمارة، فمضوا إلى ما أمروا به من ذلك، فأصبحت وقد تكورت وتعقلت وصارت شنيعة المنظر فتركوها، واستمرت كذلك مدة، فاتفق أن زني يهودي بيهودية تحتها، فتهدلت أغصانها وتحات ورقها وجفت حتى لم يبق بها ورقة خضراء، وهي باقية كذلك إلى يومنا هذا ولهذه الكنيسة عيد يرحل اليهود بأهاليهم إليها في عيد الخطاب، وهو في شهر سيوان، ويجعلون ذلك بدل حجهم إلى القدس، وقد كان لموسى عليه السلام أنباء قد قصها الله تعالى في القرآن الكريم وفي التوراة، وروى أهل الكتاب وعلماء الأخبار من المسلمين كثيرا منها، وسأقص عليك في هذا الموضع منها ما فيه كفاية، إذ كان ذلك من شرط هذا الكتاب.
موسى بن عمران: وفي التوراة عمرام بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن صلوات الله وسلامه عليهم، أمه يوحانذ بنت لاوي، فهي عمة عمران والد موسى، ولد بمصر في اليوم السابع من شهر آذار سنة ثلاثين ومائة لدخول يعقوب على يوسف عليهما السلام بمصر، وكان بنو إسرائيل منذ مات لاوي بن يعقوب في سنة أربع وتسعين لدخول يعقوب مصر في البلاء مع القبط، وذلك أن يوسف عليه السلام لما مات في سنة ثمانين من قدوم يعقوب مصر، كان الملك إذ ذاك بمصر دارم بن الريان، وهو الفرعون الرابع عندهم، وتسميه القبط دريموس، فاستوزر بعده رجلا من الكهنة يقال له بلاطس، فحمله على أذى الناس وخالف ما كان عليه يوسف، وساءت سيرة الملك حتى اغتصب كل امرأة جميلة بمدينة منف وغيرها من النواحي، فشق ذلك من فعله على الناس وهموا بخلعه من الملك، فقام الوزير بلاطس في الوساطة بينه وبين الناس وأسقط عنهم الخراج لثلاث سنين، وفرق فيهم مالا حتى سكنوا، واتفق أن رجلا من الإسرائيليين ضرب بعض سدنة الهياكل فأدماه، وعاب دين الكهنة، فغضب القبط وسألوا الوزير أن يخرج بنى إسرائيل من مصر، فأبى. وكان دارم الملك قد خرج إلى الصعيد، فبعث إليه يخبره بأمر الإسرائيلي وما كان من القبط في طلبهم إخراج بني إسرائيل من مصر، فأرسل إليه أن لا يحدث في القوم حدثا دون موافاته، فشغب القبط وأجمعوا على خلع الملك وإقامة غيره، فسار إليهم الملك وكانت بينه وبينهم حروب قتل فيها خلق كثير، ظفر فيها الملك وصلب ممن خالفه بحافتي النيل طوائف لا تحصى، وعاد إلى أكثر مما كان عليه من ابتزاز النساء وأخذ الأموال واستخدام الأشراف الوجوه من القبط ومن بنى إسرائيل، فأجمع الكل على ذمه. واتفق أنه ركب في النيل فهاجت به الريح وأغرقه الله ومن معه، ولم توجد جثته إلا عند شطنوف.

(3/236)


فأقام الوزير من بعده فبم الملك ابنه معاديوش، وكان صبيا، ويسميه بعضهم معدان، فاستقام الأمر له ورد النساء اللاتي اغتصبهن أبوه، وهو خامس الفراعنة، فكثر بنو إسرائيل في زمنه ولهجوا بسب الأصنام وذمها، وهلك بلاطس الوزير وقام من بعده في الوزارة كاهن يقال له أملاده، فأمر بإفراد بني إسرائيل ناحية في البلد، بحيث لا يختلط بهم غيرهم، فاقطعوا موضعا في قلبي مدينة منف، صاروا إليه وبنوا فيه معبدا كانوا يتلون به صحف إبراهيم عليه السلام، فخطب رجل من القبط بعض نسائهم فأبوا أن ينكحوه، وقد كان هويها. فأكبر القبط فعلهم وصاروا إلى الوزير وشكوا من بني إسرائيل وقالوا: هؤلاء قوم يعيبوننا ويرغبون عن مناكحتنا، ولا نحب أن يجاورونا ما لم يدينوا بديننا. فقال لهم الوزير: قد علمتم إكرام طوطيس الملك لجدهم ونهر اوش من بعده، وقد علمتم بركة يوسف حتى جعلتم قبره وسط النيل فأخصب جانبا مصر بمكانه، وأمرهم بالكف عن بني اسرائيل، فأمسكوا إلى أن احتجب معدان وقام من بعده في الفلك ابنه اكسامس الذي يسميه بعضهم كاسم ابن معدان بن الريان بن الوليد بن دومع العمليقي، وهو السادس من فراعنة مصر، وكان أولهم يقال له فرعان، فصار اسما لكل من تجبر وعلا أمره، وطالت أيام كاسم ومات وزير أبيه، فأقام من بعده رجلا من بيت المملكة يقال له ظلما بن قومس، وكان شجاعا ساحرا كاهنا كاتبا حكيما دهيا متصرفا في كل فن، وكانت نفسه تنازعه الملك، ويقال أنه من ولد أشمون الملك، وقيل من ولد صا. فأحبه الناس، وعمر الخراب وبني مدنا من الجانبين، ورأى في نجومه أته سيكون حدث وشدة، وسكا القبط إليه من الإسرائيليين فقال: هم عبيدكم. فكان القبطي إذا أراد حاجة سخر الإسرائيلي وضربه فلا يغير عليه أحد ولا ينكر عليه ذلك. فإن ضرب الإسرائيلي أحدا من القبط قتل البتة، وكذلك كانت تفعل نساء القبط بالنساء الإسرائيليات، فكانت أول شدة وذل أصاب بني إسرائيل وكثر ظلمهم وأذاهم من القبط، واستبد الوزير ظلما بأمر البلد كما كان العزيز مع نهر اوش.
وتوفي اكسامس الملك، فاتهم ظلمان بأنه سمه، تركب في سلاحه وأقام لاطس الملك مكان أبيه، وكان ابنه جريئا معجبا، فصرف ظلما بن قومس عما كان عليه من خلافته، واستخلف رجلا يقال له لا هوق من ولد صا، وأنفذ ظلما عاملا على الصعيد وسير معه جماعة من الإسرائيليين، وزاد تجبره وعتوه، وأمر الناس جميعا أن يقوموا على أرجلهم في مجلسه، ومديده إلى الأموال ومنع الناس من فضول ما بأيديهم، وقصرهم على القوت، وابتز كثيرا من النساء وفعل أكثر مما فعله ملك تقدمه، واستعبد بني إسرائيل فأبغضه الخاص والعام، وكان ظلما لما صرف عن الوزارة وخرج إلى الصعيد، أراد إزالة الملك والخروج عن طاعته، فجبى المال وامتنع من حمله، وأخذ المعادن لنفسه وهم أن يقيم ملكا من ولد قبطرين ويدعو الناس إلى طاعته، ثم انصرف عن ذلك ودعا لنفسه، وكاتب الوجوه والأعيان، فافترق الناس وتطاول كل واحد من أبناء الملوك إلى الملك وطمع فيه، ويقال أن روحانيا ظهر لظلما وقال له: إن أطعتني قلدتك مصر زمانا طويلا، فأجابه وقرب إليه أشياء منها غلام من بني إسرائيل، فصار عونا له، وبلغ الملك خبر خروج ظلما عن طاعته، فوجه إليه قائدا قلده مكانه وأمره أن يقبض على ظلما. ويبعث به إليه موثقا، فسار إليه وخرج ظلما للقائه وحاربه فظفر به واستولى على ما معه، فجهز إليه الملك قائدا آخر فهزمه وسار في إثره وقد كثف جمعه، فبرز إليه الملك واحتربا، فكانت لظلما على الملك، فقتله واستولى على مدينة منف ونزل قصر المملكة.

(3/237)


وهذا هو فرعون موسى عليه السلام، وبعضهم ئسميه الوليد بن مصعب، وقيل هو من العمالقة وهو سابع الفراعنة. ويقال أنه كان قصيرا طويل اللحية أشهل العينين صغير العين اليسرى، في جبينه شامة، وكان أعرج، وقيل أنه كان يكنى بأبي مرة، وأن اسمه الوليد بن مصعب، وأنه أول من خضب بالسواد لما شاب، دله عليه إبليس. وقيل أنه كان عن القبط، وقيل أنه دخل منف على أتان يحمل النطرون ليبيعه، وكان الناس فد اضطربوا في تولية الملك، فحكموه ورضوا بتولية من يوليه عليهم، وذلك أنهم خرجوا إلى ظاهر مدينة منف ينتظرون أول من بظهر عليهم ليحكموه، فكان هو أول من أقبل بحماره، فلما حكموه ورضوا بحكمه أقام نفسه ملكا عليهم، وأنكر قوم هذا وقالوا: كان القوم أدهى من أن يقلدوا ملكهم من هذه سبيله فلما جلس في الملك اختلف الناس عليه فبذل لهم الأموال، وقتل من خالفه بمن أطاعه حتى اعتدل أمره، ورتب المراتب وشيد الأعمال وبنى المدن وخندق الخنادق وبنى بناحية العريش حصنا، وكذلك على جميع حدود مصر، واستخلف هامان، وكان يقرب منه في نسبه، وأثار الكنوز وصرفها في بناء المدائن والعمارات، وحفر خليج سردوس وغيره، وبلغ الخراج بمصر في زمنه سبعة وتسعين ألف ألف دينار بالدينار الفرعوني، وهو ثلاثة مثاقيل.
وفرعون هو أول من عرف العرفاء على الناس، وكان ممن صحبه من بني إسرانيل رجل يقال له أمري، وهو الذي يقال له بالعبرانية عمرام، وبالعربية عمران بن قاهث بن لاوي، وكان قدم مصر مع يعقوب عليه السلام فجعله حرسا لقصره يتولى حفظه، وعنده مفاتيحه وأغلاقه بالليل، وكان فرعون قد رأى في كهانته ونجومه أنه يجري هلاكه على يد مولود من الإسرائيليين فمنعهم من المناكحة ثلاث سنين التي رأى أن ذلك المولود يولد فيها، فأتت امرأة أمري إليه في بعض الليالي بشيء قد أصلحته له فواقعها، فاشتملت منه على هارون، وولدته لثلاث وسبعين من عمره، في سنة سبع وعشرين ومائة لقدوم يعقوب إلى مصر، ثم أتته مرة أخرى فحملت بموسى لثمانين سنة من عمره، ورأى فرعون في نجومه أنه قد حمل بذلك المولود، فأمر بذبح الذكران من بني إسرائيل، وتقدم إلى القوابل بذلك، فولد موسى عليه السلام في سنة ثلاثين ومائة لقدوم يعقوب إلى مصر، وفي سنة أربع وعشرين وأربعمائة لولادة إبراهيم الخليل عليه السلام، ولمضي ألف وخمسمائة وست سنين من الطوفان، وكان من أمره ما قصه الله سبحانه من قذف أمه له في التابوت، فألقاه النيل إلى تحت قصر الملك، وقد أرصدت أمه أخته على بعد لتنظر من يلتقطه، فجاءت ابنة فرعون إلى البحر مع جواريها فرأته واستخرجته من التابوت فرحمته وقالت: هذا من العبرانيين من لنا بظئر ترضعه؟ فقالت لها أخته أنا آتيك بها، وجاءت بأمه فاسترضعتها له ابنة فرعون إلى أن فصل، فاتت به إلى ابنة فرعون وسمته موسى وتبنته، ونشأ عندها، وقيل بل أخذته امرأة فرعون واسترضعت أمه ومنعت فرعون من قتله إلى أن كبر وعظم شأنه فرد إليه فرعون كثيرا من أمره وجعله من قواده، وكانت له سطوة، ثم وجهه لغزو اليونانيين وقد عاثوا في أطراف مصر، فخرج في جيش كثيف وأوقع بهم فأظفره الله وقتل منهم كثيرا وأسر كثيرا وعاد غانما، فسر ذلك فرعون وأعجب به هو وامرأته، واستولى موسى وهو غلام على كثير من أمر فرعون، فأراد فرعون أن يستخلفه، حتى قتل رجلا من أشراف القبط له قرابة من فرعون فطلبه، وذلك أنه خرج يوما يمشي في الناس وله صولة بما كان له في بيت فرعون من المربى والرضاع، فرأى عبرانيا يضرب، فقتل المصري الذي ضربه ودفنه، وخرج يوما آخر فإذا برجلين من بني إسرائيل وقد سطا أحدهما على الآخر، فزجره. فقال له: ومن جعل لك هذا، أتريد أن تقتلني كما قتلت المصري بالأمس، ونما الخبر إلى فرعون فطلبه، وألقى الله في نفسه الخوف لما يريد من كرامته، فخرج من منف ولحق بمدين عند عقبة أيلة، وبنو مدين أمة عظيمة من بني إبراهيم عليه السلام، كانوا ساكنين هناك، وكان فراره وله من العمر أربعون سنة، فنزل عند بيرون، وهو شعيب عليه السلام من ولد مدين بن إبراهيم، وكان من تزويجه ابنته ورعايته غنمه ما كان، فأقام هنالك تسعا وثلاثين سنة نكح فيها صفوراء ابنة شعيب، وبنو إسرائيل مع فرعون وأهل مصر كما قال تعالى: " يسومونهم سوء العذاب ويستعبدونهم "

(3/238)


فلما مضى من سنة الثمانين لموسى شهر وأسبوع، كلمه الله جل اسمه، وكان ذلك في اليوم الخامس عشر من شهر نيسان، وأمره أن يذهب إلى فرعون، وشد عضده بأخيه هارون وأيده بآيات منها قلب العصا حية وبياض يده من غير سوء وغير ذلك من الآيات العشر التي أحلها الله بفرعون وقومه، وكان مجيء الوحي من الله تعالى إليه وهو ابن ثمانين سنة، ثم قدم مصر في شهر أيار ولقي أخاه هارون، فسر به وأطعمه جلبانا فيه ثريد، وتنبأ هارون وهو ابن ثلاث وثمانين سنة، وغدا به إلى فرعون وقد أوحي إليهما أن يأتيا إلى فرعون ليبعث معهما بني إسرائيل فيستنقذ أنهم من هلكة القبط وجور الفراعنة، ويخرجون إلى الأرض المقدسة التي وعدهم الله بملكها على لسان إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فأبلغا ذلك بني إسرائيل عن الله، فآمنوا بموسى واتبعوه، ثم حضرا إلى فرعون فأقاما ببابه أياما وعلى كل منهما جبة صوف، ومع موسى عصاه، وهما لا يصلان إلى فرعون لشدة حجابه، حتى دخل عليه مضحك كان يلهو به فعرفه أن بالباب رجلين يطلبان الإذن عليك، بزعمان أن إلههما قد أرسلهما إليك، فأمر بإدخالهما. فلما دخلا عليه خاطبه موسى بما قصه الله في كتابه، وأراه آية العصا وآيته في بياض اليد، فغاظ فرعون ما قاله موسى وهم بقتله، فمنعه الله سبحانه بأن رأى صورة قد أقبلت ومسحت على أعينهم فعموا، ثم أنه لما فتح عن عينيه أمر قوما آخرين بقتل موسى فأتتهم نار أحرقتهم، فازداد غيظه وقال لموسى: من أين ذلك هذه النواميس العظام؟ أسحرة بلدي علموك هذا أم تعلمته بعد خروجك من عندنا؟ فقال: هذا ناموس السماء وليس من نواميس الأرض. قال فرعون: ومن صاحبه؟ قال: صاحب البنية العليا. قال: بل تعلمتها من بلدي، وأمر بجمع السحرة والكهنة وأصحاب النواميس وقال: اعرضوا علي أرفع أعمالكم فإني أرى نواميس هذا الساحر رفيعة جدا. فعرضوا عليه أعمالهم فسره ذلك، وأحضر موسى وقال له: لقد وقفت على سحرك وعندي من يفوق عليك.
فواعدهم يوم الزينة، وكان جماعة من البلد قد اتبعوا موسى فقتلهم فرعون، ثم إنه جمع بين موسى وبين سحرته، وكانوا مائتي ألف وأربعين ألفا يعملون من الأعمال ما يحير العقول ويأخذ القلوب، من دخن ملونات ترى الوجوه مقلوبة مشوهة، منها الطويل والعريض والمقلوب جبهته إلى أسفل. ولحيته إلى فوق، ومنها ما له قرون ومنها ما له خرطوم وأنياب ظاهرة كأنياب الفيلة، ومنها ما هو عظيم في قدر الترس الكبير، ومنها ما له آذان عظام وشبه وجوه القرود بأجساد عظيمة تبلغ السحاب وأجنحة مركبة على حيات عظيمة تطير في الهواء، ويرجع بعضها على بعض فيبتلعه، وحيات يخرج من أفواهها نار تنتشر في الناس، وحيات تطير وترجع في الهواء وتنحدر على كل من حضر لتبتلعه. فيتهارب الناس منها، وعصى تحلق في الهواء فتصير حيات برؤوس وشعور وأذناب تهم بالناس أن تنهشهم، ومنها ما له قوائم، ومنها تماثيل مهولة، وعملوا له دخنا تغشي أبصار الناس عن النظر فلا يرى بعضهم بعضا، ودخنا تطهر صورا كهيئة النيران في الجو على دواب يصدم بعضها بعضا ويسمع لها ضجيج، وصورا خضرا على دواب خضر، وصورا سودا على دواب سود هائلة.

(3/239)


فلما رأى فرعون ذلك سره ما رأى هو ومن حضره واعتم موسى ومن آمن به، حتى أوحى الله إليه لا تخف إنك أنت الأعلى، وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا. وكان للحسرة ثلاثة رؤساء، ويقال بل كانوا سبعين رئيسا، فأسر إليهم موسى: " قد رأيت ما صنعتم، فإن قهرتكم أتؤمنون بالله؟ " فقالوا نفعل. فغاظ فرعون مسارة موسى لرؤساء السحرة، هذا والناس يسخرون من موسى وأخيه ويهزؤون بهما، وعليهما دراعتان من صوف وقد احتز ما بليف، فلوح موسى بعصاه حتى كابت عن الأعين وأقبلت في هيئة تنين عظيم له عينان يتوقدان، والنار تخرج من فيه ومنخريه، فلا يقع على أحد إلا برص، ووقع من ذلك على ابنة فرعون فبرصت، وصار التنين فاغرا فاه فالتقط جميع ما عملته السحرة، ومائتي مركب كانت مملوءة حبالا وعصيا وسائر من فيها من الملاحين، وكانت في النهر الذي يتصل بدار فرعون، وابتلع عمدا كثيرة وحجارة قد كانت حملت إلى هناك ليبنى بها، ومر التنين إلى قصر فرعون ليبتلعه، وكان فرعون جالسا في قبة على جانب القصر ليشرف على عمل السحرة، فوضع نابه تحت القصر ورفع نابه الآخر إلى أعلاه، ولهب النار يخرج من فيه حتى أحرق مواضع من القصر، فصاح فرعون مستغيثا بموسى عليه السلام، فزجر موسى التنين فانعطف ليبتلع الناس، ففروا كلهم من بين يديه، وانساب يريدهم. فأمسكه موسى وعاد في يده عصا كما كان، ولم ير الناس من تلك المراكب وما كان فيها من الحبال والعصي والناس، ولا من العمد والحجارة وما شربه من ماء النهر حتى بانت أضه أثرا.
فعند ذلك قالت السحرة: ما هذه من عمل الآدميين، وإنما هو من فعل جبار قدير على الأشياء. فقال لهم موسى: أوفوا بعهدكم وإلا سلطته عليكم يبتلعكم كما ابتلع غيركم، فآمنوا بموسى وجاهروا فرعون وقالوا: هذا من فعل إله السماء وليس هذا من فعل أهل الأرض. فقال: قد عرفت أنكم قد واطأتموه علي وعلى ملكي حسدا منكم لي، وأمر فقطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف وصلبوا، وجاهرته امرأته والمؤمن الذي كان يكتم إيمانه، وانصرف موسى فأقام بمصر يدعو فرعون أحد عشر شهرا، من شهر أيار إلى شهر نيسان المستقبل وفرعون لا يجيبه، بل اشتد جوره على بني إسرائيل واستعبادهم واتخاذهم سخريا في مهنة الأعمال، فأصابت فرعون وقومه الجوائح العشر، واحدة بعد أخرى، وهو يثبت لهم عند وقوعها ويفزع إلى موسى في الدعاء بانجلائها، ثم يلح عند انكشافها، فإنها كانت عذابا من الله عز وجل، عذب الله بها فرعون وقومه.

(3/240)


فمنها أن ماء مصر صار دما حتى هلك أكثر أهل مصر عطشا، وكثرت عليهم الضفادع حتى وسخت جميع مواضعهم وقذرت عليهم عيشهم وجميع مآكلهم، وكثر البعوض حتى حبس الهواء ومنع النسيم، وكثر عليهم ذباب الكلاب حتى جرح أبدانهم ونغص عليهم حياتهم، وماتت دوابهم وأغنامهم فجأة، وعم الناس الجرب والجدري حتى زاد منظرهم قبحا على مناظر الجذمي، ونزل من السماء برد مخلوط بصواعق أهلك كل ما أدركه من الناس والحيوانات. وذهب بجميع الثمار، وكثر الجراد والجنادب التي أكلت الأشجار واستقصت أصول النبات، وأظلمت الدنيا ظلمة سوداء غليظة حتى كانت من غلظها تحس بالأجسام، وبعد ذلك كله نزل الموت فجأة على بكور أولادهم بحيث لم يبق لأحد منهم ولد بكر إلا فجع به في تلك الليلة، ليكون لهم في ذلك شغل عن بني إسرائيل، وكانت الليلة الخامسة عشر من شهر نيسان سنة إحدى وثمانين لموسى، فعند ذلك سارع فرعون إلى ترك بني إسرائيل، فخرج موسى عليه السلام من ليلته هذه ومعه بنو إسرائيل من عين شمس، وفي التوراة أنهم أمروا عند خروجهم أن يذبح أهل كل بيت حملا من الغنم إن كان كفايتهم، أو يشتركون مع جيرانهم إن كان أكثر، وأن ينضحوا من دمه على أبوابهم ليكون علامة، وأن يأكلوا شواه رأسه وأطرافه ومعاه ولا يكسروا منه عظما، ولا يدعوا منه شيئا خارج البيوت، وليكن خبزهم فطيرا. وذلك في اليوم الرابع عشر من فصل الربيع، وليأكلوا بسرعة وأوساطهم مشدودة وخفافهم في أرجلهم وعصيهم في أيديهم، ويخرجوا ليلا. وما فضل من عشائهم ذلك أحرقوه بالنار، وشرع هذا عيدا لهم ولأعقابهم، ويسمى هذا عيد الفصح، وفيها أنهم أمروا أن يستعيروا منهم حليا كثيرا يخرجون به، فاستعاروه وخرجوا في تلك الليلة بما معهم من الدواب والأنعام، وأخرجوا معهم تابوت يوسف عليه السلام، استخرجه موسى من المدفن الذي كان فيه بإلهام من الله تعالى، وكانت عدتهم ستمائة ألف رجل محارب سوى النساء والصبيان والغرباء، وشغل القبط عنهم بالمآتم التي كانوا فيها على موتاهم، فساروا ثلاث مراحل ليلا ونهارا حتى وافوا إلى فوهة الجبروت، وتسمى نار موسى، وهو ساحل البحر بجانب الطور، فانتهى خبرهم إلى فرعون في يومين وليلة، فندم بعد خروجهم وجمع قومه وخرج في كثرة كفاك عن مقدارها قول الله عز وجل أخبارا عن فرعون أنه قال عن بني إسرائيل وعدتهم ما قد ذكر على ما جاء في التوراة، أن هؤلاء لشرذمة قليلون، وأنهم لنا لغائطون، ولحق بهم في اليوم الحادي والعشرين من نيسان، فأقام العسكران ليلة الواحد والعشرين على شاطئ البحر، وفي صبيحة ذلك اليوم أمر موسى أن يضرب البحر بعصاه ويقتحمه، ففلق الله لبني إسرائيل البحر اثني عشر طريقا، عبر كل سبط من طريق، وصارت المياه قائمة عن جانبهم كأمثال الجبال، وصير قاع البحر طريقا مسلوكا لموسى ومن معه، وتبعهم فرعون وجنوده، فلما خاض بنو إسرائيل إلى عدوة الطور انطبق البحر على فرعون وقومه، فأغرقهم الله جميعا ونجا موسى وقومه، ونزل بنو إسرائيل جميعا في الطور وسجوا مع موسى بتسبيح طويل قد ذكر في التوراة، وكانت مريم أخت موسى وهارون تأخذ الدف بيديها، ونساء بني إسرائيل في أثرها بالدفوف والطبول، وهي ترتل التسبيح لهن.

(3/241)


ثم ساروا في البر ثلاثة أيام، وأقفرت مصر من أهلها، ومر موسى بقومه ففني زادهم في اليوم الخامس من أيار فضجوا إلى موسى، فدعا ربه فنزل لهم المن من السماء، فلما كان اليوم الثالث والعشرون من أيار عطشوا وضجوا إلى موسى، فدعا ربه ففجر له عينا من الصخرة، ولم يزل يسير بهم حتى وافوا طور سينين غزة الشهر الثالث لخروجهم من مصر، فأمر الله موسى بتطهير قومه واستعدادهم لسماع كلام الله سبحانه، فطهرهم ثلاثة أيام، فلما كان في اليوم الثالث وهو السادس من الشهر، رفع الله الطور وأسكنه نوره وظلل حواليه بالغمام وأظهر في الآفاق الرعود والبروق والصواعق، وأسمع القوم من كلامه عشر كلمات وهي: أنا الله ربكم واحد لا يكم لكم معبود من دوني، لا تحلف باسم ربك كاذبا اذكر يوم السبت واحفظه، بر والديك وأكرمهما، لا تقتل النفس، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد بشهادة زور، لا تحسد أخاك فيما رزقه. فصاح القوم وارتعدوا وقالوا لموسى: لا طاقة لنا باستماع هذا الصوت العظيم، كن السفير بيننا وبين ربنا، وجميع ما يأمرنا به سمعنا وأطعنا، فأمرهم بالانصراف وصعد موسى إلى الجبل في اليوم الثاني عشر، فأقام فيه أربعين يوما، ودفع الله إليه اللوحين الجوهر المكتوب عليهما العشر كلمات ونزل في اليوم الثاني والعشرين من شهر تموز، فرأى العجل، فارتفع الكتاب وثقلا على يديه فألقاهما وكسرهما، ثم برد العجل وذراه على الماء وقتل من القوم من استحق القتل، وصعد إلى الجبل في اليوم الثالث والعشرين من تموز ليشفع في الباقين من القوم، ونزل في اليوم الثاني من أيلول بعد الوعد من الله له بتعويضه لوحين آخرين مكتوبا عليهما ما كان في اللوحين الأولين، فصعد إلى الجبل وأقام أربعين ليلة أخرى، وذلك من ثالث أيلول إلى اليوم الثاني عشر من تشرين، ثم أمره الله بإطلاح القبة وكان طولها ثلاثين ذراعا في عرض عشرة أذرع وارتفاع عشرة أذرع، ولها سرادق مضروب حواليها مائة ذراع في خمسين ذراعا وارتفاع خمسة أذرع. فأخذ القوم في إصلاحها وما تزين به من الستور من الذهب والفضة والجواهر ستة أشهر الشتاء كله، ولما فرغ منها نصبت في اليوم الأول من نيسان في أول السنة الثانية، ويقال أن موسى عليه السلام حارب هنالك العرب، مثل طسم وجديس والعماليق وجرهم وأهل مدين حتى أفناهم جميعا، وأنه وصل إلى جبل فاران، وهو مكة، فلم ينج منهم إلا من اعتصم بملك اليمن أو انتمى إلى بنى إسماعيل عليه السلام، وفي ثلثي الشهر الباقي من هذه السنة ظعن القوم في برية الطور بعد أن نزلت عليهم التوراة، وجملة شرائعها ستمائة وثلاث عشرة شريعة، وفي آخر الشهر الثالث حرمت عليهم أرض الشام أن يدخلوها، وحكم الله تعالى عليهم أن يتيهوا في البرية أربعين سنة، لقولهم نخاف أهلها لأنهم جبارون، فأقاموا تسع عشرة سنة في رقيم، وتسع عشرة سنة في أحد، وأربعين موضعا مشروحة في التوراة، وفي اليوم السابع من شهر أيلول من السنة الثانية خسف الله بقارون وبأوليائه بدعاء موسى عليه السلام عليهم لما كذبوا، وفي شهر نيسان من السنة الأربعين توفيت مريم ابنة عمران أخت موسى عليه السلام، ولها مائة وست وعشرون سنة.

(3/242)


وفي شهر آب منها مات هارون عليه السلام وله مائة وثلاث وعشرون سنة، ثم كان حرب الكنعانيين وسيحون والعوج صاحب البثنية من أرض حوران. في الشهور التي بعد ذلك إلى شهر شباط، فلما أهل شباط أخذ موسى في إعادة التوراة على القوم، وأمرهم بكتب نسختها وقراءتها وحفظ ما شاهدوه من آثاره وما أخذوه عنه من الفقه، وكان نهاية ذلك في اليوم السادس من آذار، وقال لهم في اليوم السابع منه: إني في يومي هذا استوفيت عشرين ومائة سنة، وإن الله قد عرفني أنه يقبضني فيه، وقد أمرني أن أستخلف عليكم يوشع بن نون ومعه السبعون رجلا الذين اخترتهم قبل هذا الوقت، ومعهم العازر بن هارون أخي فاسمعوا له وأطيعوا، وأنا أشهد عليكم الله الذي لا إله إلا هو، والأرض والسموات، أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ولا تبذلوا شرائع التوراة بغيرها، ثم فارقهم وصعد الجبل فقبضه الله تعالى هناك وأخفاه، ولم يعلم أحد منهم قبره ولا شاهده، وكان بين وفاة موسى وبين الطوفان ألف وستمائة وست وعشرون سنة، وذلك في أيام منوجهر ملك الفرس، وزعم قوم أن موسى كان ألثغ، فمنهم من جعل ذلك خلقة، ومنهم من زعم أنه إنما اعتراه حين قالت امرأة فرعون لفرعون لا تقتل طفلا لا يعرف الجمر من التمر. فلما دعا له فرعون بهما جميعا تناول جمرة فأهوى بها إلى فيه، فاعتراه من ذلك ما اعتراه، وذكر محمد بن عمر الواقدي: أن لسان موسى كانت عليه شامة فيها شعرات، ولا يدل القرآن على شيء من ذلك، فليس في قوله تعالى: " واحلل عقدة من لساني " " طه 27 " دليل على شيء من ذلك دون شيء، فأقاموا بعده ثلاثين يوما يبكون عليه إلى أن أوحى الله تعالى إلى يوشع بن نون بترحيلهم، فقادهم وعبر بهم الأردن في اليوم العاشر من نيسان، فوافوا أريحا، فكان منهم ما هو مذكور في مواضعه، فهذه جملة خبر موسى عليه السلام.
كنيسة جوجر: هذه الكنيسة من أجل كنائس اليهود، ويزعمون أنها تنسب لنبي الله إلياس عليه السلام، وأنه ولد بها وكان يتعاهدها في طول إقامته بالأرض إلى أن رفعه الله إليه.

(3/243)


إلياس: هو فينحاس بن العازر بن هارون عليه السلام، ويقال الياسين بن ياسين عيزار بن هارون، ويقال هو إلياهو، وهي عبرانية معناها قادر أزلي، وعرب فقيل إلياس، ويذكر أهل العلم من بني إسرائيل أنه ولد بمصر، وخرج به أبوه العازر من مصر مع موسى عليه السلام وعمره نحو الثلاث سنين، وأنه هو الخضر الذي وعده الله بالحياة، وأنه لما خرج بلعام بن باعورا ليدعو على موسى، صرف الله لسانه حتى يدعو على نفسه وقومه، وكان من زنا بني إسرائيل بنساء الأمورانيين وأهل مواب ما كان، فغضب الله تعالى عليهم وأوقع فيهم الوباء، فمات منهم أربعة وعشرون ألفا إلى أن هجم فينحاس هذا على خباء فيه رجل على امرأة يزني بها، فنظمهما جميعا برمحه وخرج وهو رافعهما وشهرهما غضبا لله، فرحمهم الله سبحانه ورفع عنهم الوباء، وكانت له أيضا آثار مع نبي الله يوشع بن نون، ولما مات يوشع قام من بعده فينحاس هذا هو وكالأب بن يوفنا، فصار فينحاس إماما وكالأب يحكم بينهم، وكانت الأحداث في بني إسرائيل، فساح إلياس ولبس المسوح ولزم القفار، وقد وعده الله عز وجل في التوراة بدوام السلامة، فأول ذلك بعضهم بأنه لا يموت، فامتد عمره إلى أن ملك يهوشا فاط بن أسا بن افيا بن رحبم بن سليمان بن داود عليهما السلام على سبط يهودا في بيت المقدس، وملك أحؤب بن عمري على الأسباط من بني إسرائيل بمدينة شمرون، المعروفة اليوم بنابلس، وساءت سيرة أحؤب حتى زادت في القبح على جميع من مضى قبله من ملوك بني إسرائيل، وكان أشدهم كفرا وأكثرهم ركونا للمنكر، بحيث أربى مي الشر على أبيه وعلى سائر من تقدمه، وكانت له امرأة يقال لها سيصيال ابنة أشاعل ملك صيدا، أكفر منه بالله، وأشد عتوا واستكبارا، فعبدا وثن بعل الذي قال الله فيه جل ذكره أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين الله ربكم ورب آبائكم الأولين، وأقاما له مذبحا بمدينة شمرون، فأرسل الله عز وجل إلى أحؤب عبده إلياس رسولا لينهاه عن عبادة وثن بعل، ويأمره بعبادة الله تعالى وحده، وذلك قول الله عز وجل من قائل: " وأن إلياس لمن المرسلين إذ قال لقومه ألا تتقون أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين الله ربكم ورب آبائكم الأولين فكذبوه " " الصافات 123 - 126 " ، ولما أيس من أيمانهم بالله وتركهم عبادة الوثن، أقسم في مخاطبته أحؤب أن لا يكون مطر ولا ندا، ثم تركه. فأمره الله سبحانه أن يذهب ناحية الأردن، فمكث هناك مختفيا، وقد منع الله قطر السماء حتى هلكت البهائم وغيرها، فلم يزل إلياس مقيما في استتاره إلى أن جف ما كان عنده من الماء، وفي طول إقامته كان الله جل جلاله يبعث إليه بغربان تحمل له الخبز واللحم.

(3/244)


فلما جف ماؤه الذي كان يشرب منه لامتناع المطر أمره الله أن يسير إلى بعض مدائن صيدا، فخرج حتى وافي باب المدينة، فإذا امرأة تحتطب، فسألها ماء يشربه وخبزا يأكله، فأقسمت له أن ما عندها إلا مثل غرفة دقيق في إناء، وشيء من زيت في جرة، وأنها تجمع الحطب لتقتات منه هي وابنها، فبشرها إلياس عليه السلام وقال لها لا تجزعي وافعلي ما قلت لك، واعملي لي خبزا قليلا قبل أن تعملي لنفسك ولولدك، فإن الدقيق لا يعجز من الإناء، ولا الزيت من الجرة حتى ينزل المطر، ففعلت ما أمرها به وأقام عندها، فلم ينقص الدقيق ولا الزيت بعد ذلك إلى أن مات ولدها وجزعت عليه، فسأل إلياس ربه تعالى فأحيى الولد، وأمره الله أن يسير إلى أحؤب ملك بني إسرائيل لينزل المطر عند إخباره له بذلك، فسار إليه وقال له: أجمع بني إسرائيل وأبناء بعال. فلما اجتمعوا قال لهم إلياس: إلى متى هذا الضلال، إن كان الرب الله فاعبدوه، وإن كان بعال هو الله فارجعوا بنا إليه، وقال: ليقرب كل منا قربانا، فأقرب أنا لله، وقربوا أنتم لبعال، فمن تقبل منه قربانه ونزلت نار من السماء فأكلته فإلهه الذي يعبد فلما رضوا بذلك أحضروا ثورين واختاروا أحدهما وذبحوه، وصاروا ينادون عليه يال بعال يال بعال، وإلياس يسخر بهم ويقول: لو رفعتم أصواتكم قليلا فلعل إلهكم نائم أو مشغول، وهم يصرخون ويجرحون أيديهم بالسكاكين، ودماءهم تسيل. فلما أيسوا من أن تنزل النار وتأكل قربانهم، دعا إلياس القوم إلى نفسه، وأقام مذبحا وذبح ثوره وجعله على المذبح وصب الماء فوقه ثلاث مرات، وجعل حول المذبح خندقا محفورا، فلم يزل يصب الماء فوق اللحم حتى امتلأ الخندق من الماء، وقام يدعو الله عز اسمه وقال في دعائه: اللهم أظهر لهذه الجماعة أنك الرب، وأني عبدك عامل بأمرك. فأنزل الله سبحانه نارا من السماء أكلت القربان وحجارة المذبح التي كان فوقها اللحم وجميع الماء الذي صب حوله. فسجد القوم أجمعون وقالوا نشهد أن الرب الله. فقال إلياس: خذوا أبناء بعال، فأخذوا وجيء بهم فذبحهم كلهم ذبحا، وقال لأحؤب انزل وكل واشرب، فإن المطر نازل، فنزل المطر على ما قال، وكان الجهد قد اشتد لانقطاع المطر مدة ثلاث سنين وأشهر، وغزر المطر حتى لم يستطع أحؤب أن ينصرف لكثرته.
فغضبت سيصيال امرأة أحؤب لقتل أبناء بعال وحلفت بآلهتها لتجعلن روح إلياس عوضهم، ففزع إلياس وخرج إلى المفاوز وقد اغتم غما شديدا، فأرسل الله إليه ملكا معه خبز ولحم وماء، فأكل وشرب وقواه الله حتى مكث بعد هذه الأكلة أربعين يوما لا يأكل ولا يشرب، ثم جاءه الوحي بأن يمضي إلى دمشق، فسار إليها وصحب اليسع بن شابات، ويقال ابن حظور، فصار تلميذ، فخرج من أريحا ومعه اليسع حتى وقف على الأردن، فنزع رداءه ولفه وضرب به ماء الأردن فافترق الماء عن جانبيه، وصار طريقا. فقال إلياس حينئذ لليسع اسأل ما شئت قبل أن يحال بيني وبينك. فقال اليسع: أسأل أن يكون روحك في مضاعفا. فقال: لقد سألت جسيما، ولكن إن أبصرتني إذا رفعت عنك يكون ما سألت، وإن لم تبصرني لم يكن. وبينما هما يتحدثان إذ ظهر لهما كالنار، فرق بينهما ورفع إلياس إلى السماء، واليسع ينظره. فانصرف وقام في النبوة مقام إلياس، وكان رفع إلياس في زمن يهورام بن يهوشافاط، وبين. وفاة موسى عليه السلام وبين آخر أيام يهورام خمسمائة وسبعون سنة، ومدة نبوة موسى عليه السلام أربعون سنة، فعلى هذا يكون مدة عمر إلياس من حين ولد بمصر إلى أن رفع بالأردن إلى السماء ستمائة سنة. وبضع سنين، والذي عليه علماء أهل الكتاب وجماعة من علماء المسلمين، أن إلياس حي لم يمت، إلا أنهم اختلفوا فيه، فقال بعضهم أنه هو فينحاس كما تقدم ذكره، ومنع هذا جماعة وقالوا هما اثنان، والله أعلم.
كنيسة المصاصة: هذه الكنيسة يجلها اليهود، وهي بخط المصاصة من مدينة مصر، ويزعمون أنها رممت في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وموضعها يعرف بدرب الكرمة، وبنيت في سنة خمس عشرة وثلاثمائة للإسكندر، وذلك قبل الملة الإسلامية بنحو ستمائة وإحدى وعشرين سنة، ويزعم اليهود أن هذه الكنيسة كانت مجلسا لنبي الله إلياس.

(3/245)


كنيسة الشاميين: هذه الكنيسة بخط قصر الشمع من مدينة مصر، وهي قديمة مكتوب على بابها بالخط العبراني حفرا في الخشب، أنها بنيت في سنة ست وثلاثين وثلاثمائة للإسكندر، وذلك قبل خراب بيت المقدس الخراب الثاني الذي خربه طيطش بنحو خمس وأربعين سنة، وقبل الهجرة بنحو ستمائة سنة، وبهذه الكنيسة نسخة من التوراة لا يختلفون في أنها كلها بخط عزرا النبي الذي يقال له بالعربية العزيز.
كنيسة العراقيين: هذه الكنيسة أيضا بخط قصر الشمع.
كنيسة بالجودرية: هذه الكنيسة بحارة الجودرية من القاهرة، وهي خراب منذ أحرق الخليفة الحاكم بأمر الله حارة الجودرية على اليهود، كما تقدم ذكر ذلك في الحارات فانظره.
كنيسة القرائين: هذه الكنيسة كان يسلك إليها من تجاه باب سر المارستان المنصوري في حدرة ينتهي إليها بحارة زويلة، وقد سدت الخوخة التي كانت هناك، فصار لا يتوصل إليها إلا من حارة زويلة، وهي كنيسة تختص بطائفة اليهود القرائين.
كنيسة دار الحدرة: هذه الكنيسة بحارة زويلة في درب يعرف الآن بدرب الرايض، وهي من كنائس ...... .
كنيسة الربانيين: هذه الكنيسة بحارة زويلة بدرب يعرف الآن بدرب البنادين، يسلك منه إلى تجاه السبع قاعات، وإلى سويقة المسعودي وغيرها، وهي كنيسة تختص بالربانيين من اليهود.
كنيسة ابن شميخ: هذه الكنيسة بجوار المدرسة العاشورية من حارة زويلة، وهي مما يختص به طائفة القرائين.
كنيسة السمرة: هذه الكنيسة بحارة زويلة في خط درب ابن الكوراني، تختص بالسمرة، وجميع كنائس القاهرة المذكورة محدثة في الإسلام بلا خلاف.
تاريخ اليهود وأعيادهم
قد كانت اليهود أولا تؤرخ بوفاة موسى عليه السلام، ثم صارت تؤرخ بتاريخ الإسكندر بن فيلبش، وشهور سنتهم اثنا عشر شهرا، وأيام السنة ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوما. فأما الشهور فإنها تشري، مر حشوان، كسليو، طبيث، شفط، آذر، نيس، أيار، سيوان، تموز، آب، أيلول. وأيام سنتهم أيام سنة القمر، ولو كانوا يستعملونها على حالها لكانت أيام سنتهم وعدد شهورهم شيئا واحدا، ولكنه لما خرج بنو إسرائيل من مصر مع موسى عليه السلام إلى التيه وتخلصوا من عذاب فرعون، وما كانوا فيه من العبودية، وائتمروا بما أمروا به كما وصف في السفر الثاني من التوراة، اتفق ذلك ليلة اليوم الخامس عشر من نيس، والقمر تام الضوء، والزمان ربيع. فأمروا بحفظ هذا اليوم كما قال في السفر الثاني من التوراة، احفظوا هذا اليوم سنة لخلوفكم إلى الدهر في أربعة عشر من الشهر الأول، وليس معنى الشهر الأول هذا شهر تشري، ولكنه عني به شهر نيس، من أجل أنهم أمروا أن يكون شهر الناسخ رأس شهورهم ويكون أول السنة، فقال موسى عليه السلام للشعب: " اذكروا اليوم الذي خرجتم فيه من التعبد، فلا تأكلوا خميرا في هذا اليوم في الشهر الذي ينضر فيه الشجر " . فلذلك اضطروا إلى استعمال سنة الشمس ليقع اليوم الرابع عشر من شهر نيس في أوان الربيع حين تورق الأشجار وتزهو الثمار، وإلى استعمال سنة القمر ليكون جرمه فيه بدرا تام الضوء في برج الميزان، وأحوجهم ذلك إلى إلحاق الأيام التي يتقدم بها عن الوقت المطلوب بالشهور إذا استوفيت أيام شهر واحد، فألحقوها بها شهرا تاما سموه آذار الأول، وسموا آذار الأصل آذار الثاني، لأنه ردف سميا له وتلاه، وسموا السنة الكبيسة عبورا، اشتقاقا من معبار، وهي المرأة الحبلى بالعبرانية، لأنهم شبهوا دخول الشهر الزائد في السنة بحمل المرأة ما ليس من جملتها، ولهم في استخراج ذلك حسابات كثيرة مذكورة في الأزباج.

(3/246)


وهم في عمل الأشهر مفترقون فرقتين، إحداهما الربانية: واستعمالهم إياها على وجه الحساب بمسير الشمس والقمر الوسط، سواء رؤي الهلال أو لم ير، فان الشهر عندهم هو مدة مفروضة تمضي من لدن الاجتماع الكائن بين الشمس والقمر في كل شهر، وذلك أنهم كانوا وقت عودهم من الجالية ببابل إلى بيت المقدس ينصبون على رؤوس الجبال دبادب، ويقيمون رقباء للفحص عن الهلال، وألزموهم بإيقاد النار وتدخين دخان يكون علامة لحصول الرؤية، وكانت بينهم وبين السامرة العداوه المعروفة، فذهبت السامرة ورفعوا الدخان فوق الجبل قبل الرؤية بيوم، ووالوا بين ذلك شهورا، اتفق في أوائلها أن السماء كانت متغيمة، حتى فطن لذلك من في بيت المقدس، ورأوا الهلال غداة اليوم الرابع أو الثالث من الشهر مرتفعا عن الأفق من جهة المشرق، فعرفوا أن السامرة فتنتهم، فالتجأوا إلى أصحاب التعاليم في ذلك الزمان ليأمنوا بما يتلقونه من حسابهم مكايد الأعداء، واعتلوا لجواز العمل بالحساب ونيابته عن العمل بالرؤية بعلل ذكروها، فعمل أصحاب الحساب لهم الأدوار، وعلموهم استخراج الاجتماعات ورؤية الهلال، وأنكر بعض الربانية حديث القرباء ورفعهم الدخان، وزعموا أن سبب استخراج هذا الحساب هو أن علماءهم علموا أن آخر أمرهم إلى الشتات، فخافوا إذا تفرقوا في الأقطار وعولوا على الرؤية أن تختلف عليهم في البلدان المختلفة فيتشاجروا، فلذلك استخرجوا هذه الحسبانات واعتنى بها اليعازر بن فروح، وأمروهم بالتزامها والرجوع إليها حيث كانوا.
والفرقة الثانية هم الميلادية الذين يعملون مبادي الشهور من الاجتماع، ويسمون القراء والأسمعية، لأنهم يراعون العمل بالنصوص دون الإلتفات إلى النظر والقياس، ولم يزالوا على ذلك إلى أن قدم عاتان رأس الجالوت من بلاد المشرق في نحو الأربعين ومائة من الهجرة إلى دار السلام بالعراق، فاستعمل الشهور برؤية الأهلة على مثل ما شرع في الإسلام، ولم يبال أي أي يوم وقع من الأسبوع، وترك حساب الربانيين، وكبس الشهور بأن نظر كل سنة إلى زرع الشعير بنواحي العراق والشام فيما بين أول شهر نيسن إلى أن يمضي منه أربعة عشر يوما، فإن وجد باكورة تصلح للفريك والحصاد ترك السنة بسيطة، وإن وجدها لم تصلح لذلك كبسها حينئذ، وتقدمت المعرفة بهذه الحالة، وإن من أخذ برأيه يخرج لسبعة تبقى من شفط، فينظر بالشام والبقاع المشابهة له في المزاج إلى زرع الشعير، فإن وجد السفا وهو شوك السنبل قد طلع، عد منه إلى الفاسح خمسين يوما، وإن لم يره طالعا كبسها بشهر، فبعضهم يردف الكبس بشفط، فيكون في السنة شفط وشفط مرتين، وبعضهم يردفه بآذر فيكون آذر وآذر في السنة مرتين، وأكثر استعمال العانانية لشفط دون آذر، كما أن الربانية تستعمل آذر دون غيره.
فمن يعتمد من الربانية عمل الشهور بالحساب يقول: إن شهر تشري لا يكون أوله يوم الأحد والأربعاء، وعدته عندهم ثلاثون يوما أبدا، وفيه عيد رأس السنة، وهو عيد البشارة بعتق الأرقاء، وهذه العيد في أول يوم منه، ولهم أيضا في اليوم العاشر منه صوم الكبور، ومعناه الاستغفار، وعند الربانيين أن هذا الصوم لا يكون أبدا يوم الأحد ولا الثلاثاء ولا الجمعة، وعند من يعتمد في الشهور الرؤية أن ابتداء هذا الصوم من غروب الشمس في ليلة العاشر إلى غروبها من ليلة الحادي عشر، وذلك أربع وعشرون ساعة. والربانيون يجعلون مدة الصوم خمسا وعشرين ساعة، إلى أن تشتبك النجوم، ومن لم يصم منهم هذا الصوم قتل شرعا، وهم يعتقدون أن الله يغفر لهم فيه جميع الذنوب ما خلا الزنا بالمحصنات، وظلم الرجل أخاه، وجحد الربوبية، وفيه أيضا عيد المظلة، وهو سبعة أيام يعيدون في أولها ولا يخرجون من بيوتهم كما هو العمل يوم السبت وعدة أيام المظلة إلى آخر اليوم الثاني والعشرين، تمام سبعة أيام، واليوم الثامن يقال له عيد الإعتكاف، وهم يجلسون في هذه الأيام السبعة التي أولها خامس عشر تشري تحت ظلال سعف النخل الأخضر وأغصان الزيتون ونحوها من الأشجار التي لا يتناثر ورقها على الأرض، ويرون أن ذلك تذكار منهم لإظلال الله آباءهم في التيه بالغمام، وفيه أيضا عيد القرائين خاصة صوم في اليوم الرابع والعشرين منه، يعرف بصوم كدليا، وعند الربانيين يكون هذا الصوم في ثالثه.

(3/247)


وشهر مر حشوان ربما كان ثلاثين يوما، وربما كان تسعة وعشرين يوما، وليس فيه عيد.
وكسليو ربما كان ثلاثين يوما، وربما كان تسعة وعشرين يوما وليس فيه عيد، إلا أن الربانيين يسرجون على أبوابهم ليلة الخامس والعشرين منه، وهو مدة أيام يسمونها الحنكة، وهو أمر محدث عندهم، وذلك أن بعض الجبابرة تغلب على بيت المقدس، وقتل من كان فيه من بني إسرائيل، وافتض أبكارهم، فوثب عليه أولاد كاهنهم وكانوا ثمانية فقتله أصغرهم، وطلب اليهود زيتا لوقود الهيكل فلم يجدوا إلا يسيرا، وزعوه على عدد ما يوقدونه من السرج في كل ليلة إلى ثمان ليال، فاتخذوا هذه الأيام عيدا وسموها أيام الحنكة، وهي كلمة مأخوذة من التنظيف، لأنهم نظفوا فيها الهيكل من أقذار أشياع ذلك الجبار، والقراء لا يعملون ذلك لأنهم لا يعولون على شيء من أمر البيت الثاني.
وشهر طبيث عدد أيامه تسعة وعشرون يوما، وفي عاشره صوم سببه أنه في ذلك اليوم كان ابتداء محاصرة بخت نصر لمدينة بيت المقدس، ومحاصرة طيطش لها أيضا في الخراب الثاني.
وشفط أيامه أبدا ثلاثون يوما وليس فيه عيد. وشهر آذر عند الربانيين كما تقدم يكون مرتين في كل سنة فآذر الأول عدد أيامه ثلاثون يوما إن كانت السنة كبيسة، وإن كانت بسيطة فأيامه تسعة وعشرون يوما، وليس فيه عيد عندهم. وآذر الثاني أيامه تسعة وعشرون يوما أبدا وفيه عند الربانيين صوم الفوز في اليوم الثالث عشر منه، والفوز في اليوم الرابع عشر واليوم الخامس عشر، وأما القراؤون فليس عندهم في السنة شهر آذر سوى مرة واحدة، ويجعلون صوم الفور في ثالث عشرة وبعده إلى الخامس عشر، وهذا أيضا محدث، وذلك أن بخت نصر لما أجلى بني إسرائيل من بيت المقدس وخربه ساقهم جلاية إلى بلاد العراق، وأسكنهم في مدينة هي التي يقال لها أصبهان، فلما ملك أزدشير بن بابك ملك الفرس، وتسمية اليهود أحشوارش، كان له وزير يسمى هيمون، وكان لليهود حينئذ حبر يقال له مردوخاي، فبلغ أزدشير أن له ابنة عم جميلة الصورة، فتزوجها وحظيت عنده، واستدنى مردوخاي ابن عمها وقربه، فحسده الوزير هيمون وعمل على هلاكه وهلاك اليهود الذين في مملكة أزدشير، ورتب مع نواب أزدشير في سائر أعماله أن يقتلوا كل يهودي عندهم في يوم عينه لهم، وهو الثالث عشر من آذر، فبلغ ذلك مردوخاي فأعلم ابنة عمه بما دبره الوزير وحثها على إعمال الحيلة في تخليص قومها من الهلكة، فأعلمت أزدشير بحسد الوزير لمردوخاي على قربه من الملك وإكرامه، وما كتب به إلى العمال من قتل اليهود، وما زالت به تغريه على الوزير إلى أن أمر بقتله، وقتل أهله، وكتب لليهود أمانا، فاتخذ اليهود هذا اليوم من كل سنة عيدا وصاموه شكرا لله تعالى، وجعلوا من بعده يومين اتخذوهما أيام فرح وسرور ولهو ومهاداة من بعضهم لبعض، وهم على ذلك إلى اليوم، وربما صور بعضهم في هذا اليوم صورة هيمون الوزير، وهم يسمونه هامان، فإذا صوروه ألقوه بعد العبث به في النار حتى يحترق.
وشهر نيسن عدد أيامه ثلاثون يوما أبدا، وفيه عيد الفاسح الذي يعرف اليوم عند النصارى بالفسح، ويكون في الخامس عشر منه، وهو سبعة أيام يكلون فيها الفطير وينظفون بيوتهم من أجل أن الله سبحانه خلص بني إسرائيل من أسر فرعون في هذه الأيام حتى خرجوا من مصر مع نبي الله موسى بن عمران عليه السلام، وتبعهم فرعون فأغرقه الله ومن معه، وسار موسى ببني إسرائيل إلى التيه، ولما خرجوا من مصر مع موسى كانوا يأكلون اللحم والخبز والفطير وهم فرحون بخلاصهم من يد فرعون، فأمروا باتخاذ الفطير وأكله في هذه الأيام ليذكروا أنه ما من الله عليهم به من انقاذهم من العبودية، وفي آخر هذه الأيام السبعة كان غرق فرعون، وهو عندهم يوم كبير، ولا يكون أول هذا الشهر عند الربانيين أبدا يوم الاثنين ولا يوم الأربعاء ولا يوم الجمعة، ويكون أول الخمسينيات من نصفه.

(3/248)


وشهر أيار عدد أيامه تسعة وعشرون يوما، وفيه عيد الموقف، وهو حج الأسابيع، وهي الأسابيع التي فرضت على بني إسرائيل فيها الفرائض، ويقال لهذا العيد في زمننا عيد العنصرة، وعيد الخطاب، ويكون بعد عيد الفطير وفيه خوطب بنو إسرائيل في طور سيناء، ويكون هذا العيد في السادس منه، وفيه أيضا يوم الخميس وهو آخر الخمسينيات، ولا يكون عيد العنصرة عند الربانيين أبدا يوم الثلاثاء ولا يوم الخميس ولا يوم السبت. وشهر تموز أيامه تسعة وعشرون يوما، وليس فيه عيد، لكنهم يصومون في تاسعه لأن فيه هدم سور بيت المقدس عند محاصرة بخت نصر له، والربانيون خاصة يصومون يوم السابع عشر منه، لأن فيه هدم طيطش سور بيت المقدس وخرب البيت البيت الخراب الثاني.
وشهر آب ثلاثون يوما، وفيه عيد القرائين، صوم في اليوم السابع واليوم العاشر، لأن بيت المقدس خرب فيهما على يد بخت نصر، وفيه أيضا كان إطلاق بخت نصر النار في مدينة القدس وفي الهيكل، ويصوم الربانيون اليوم التاسع منه، لأن فيه خرب البيت على يد طنطش الخراب الثاني.
وشهر أيلول تسعة وعشرون يوما أبدا، وليس فيه عيد والله تعالى أعلم.
معنى قولهم يهودي
اعلم أن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم صلوات الله عليهم أجمعين، سماه الله إسرائيل، ومعنى ذلك الذي رأسه القادر، وكان له من الولد اثنا عشر ذكرا يقال لكل واحد منهم سبط، ويقال لمجموعهم الأسباط، وهذه أسماؤهم روبيل، وشمعون، ولاوي، ويهوذا، ويساخر، وزبولون. والستة أشقاء، أمهم ليا بنت لابان بن بتويل بن ناحور أخي إبراهيم الخليل. وكان واشار، ودان، ونفتالي، ويوسف، وبنيامين. فلما كبر هؤلاء الأسباط الإثنا عشر قدم عليهم أبوهم يعقوب وهو إسرائيل، ابنه يهوذا، وجعله حاكما على إخوته الأحد عشر سبطا، فاستمر رئيسا وحاكما على إخوته إلى أن مات، فورثت أولاد يهوذا رياسة الأسباط من بعده، إلى أن أرسل الله تعالى موسى ابن عمران بن قاهاث بن لاوي بن يعقوب إلى فرعون، بعد وفاة يوسف بن يعقوب عليهما السلام، بمائة وأربع وأربعين سنة، وهم رؤساء الأسباط. فلما نجى الله موسى وقومه بعد غرق فرعون ومن معه، رتب عليه السلام بني إسرائيل الإثني عشر سبطا أربع فرق، وقدم على جميعهم سبط يهوذا، فلم يزل سبط يهوذا مقدما على سائر الأسباط أيام حياة موسى عليه السلام، وأيام حياة يوشع بن نون. فلما مات يوشع، سأل بنو إسرائيل الله تعالى وابتهلوا إليه في قبة الشمشار أن يقدم عليهم واحدا منهم، فجاء الوحي من الله بتقديم عثنيئال بن قناز من سبط يهوذا، فتقدم على سائر الأسباط، وصار بنو يهوذا مقدمين على سائر الأسباط من حينئذ إلى أن ملك الله على بني إسرائيل نبيه داود، وهو من سبط يهوذا، فورث ملك بني إسرائيل من بعده ابنه سليمان بن داود عليهما السلام. فلما مات سليمان افترق ملك بني إسرائيل من بعده، وصار لمدينة شمرون التي يقال لها اليوم نابلس عشرة أسباط، وبقي بمدينة القدس سبطان. هما سبط يهوذا وسبط بنيامين، وكان يقال لسكان شمرون بنو إسرائيل ويقال لسكان القدس بنو يهوذا، إلى أن انقرضت دولة بني إسرائيل من مدينة شمرون بعد مائتين وإحدى وخمسين سنة، فصاروا كلهم بالقدس تحت طاعة الملوك من بني يهودا، إلى أن قدم بخت نصر وخرب القدس وجلا جميع بني إسرائيل إلى بابل، فعرفوا هناك بين الأمم ببني يهوذا، واستمر هذا سمة لهم بين الأمم بعد ذلك إلى أن جاء الله بالإسلام، فكان يقال للواحد منهم يهوذي بذال معجمة نسبة إلى سبط يهوذا، وتلاعب العرب بذلك على عادتهم في التلاعب بالأسماء المعجمة، وقالوها بدال مهملة، وسموا طائفة بني إسرائيل اليهود، وبهذه اللغة نزل القرآن، ويقال أن أول من سمى بني إسرائيل اليهود بخت نصر، والله يعلم وأنتم لا تعلمون.
معتقد اليهود
وكيف وقع عندهم التبديل

(3/249)


اعلم أن الله سبحانه لما أنزل التوراة على نبيه موسى عليه السلام، ضمنها شرائع الملة الموسوية، وأمر فيها أن يكتب لكل من يلي أمر بني إسرائيل كتاب يتضمن أحكام الشريعة لينظر فيه. ويعمل به، وسمي هذا الكتاب بالعبرانية مشنا، ومعناه استخراج الأحكام من النص الإلهي، وكتب موسى عليه السلام بخط يده مشنا كأنه تفسير لما في التوراة من الكلام الإلهي، فلما مات موسى عليه السلام، وقام من بعده بأمر بني إسرائيل يوشع بن نون، ومن بعده إلى أن كانت أيام يهوياقيم ملك القدس، غزاهم بخت نصر الغزوة الأولى، وهم يكتبون لكل من ملكهم مشنا، ينقلونها من المشنا التي بخط موسى ويجعلونها باسمه، فلما جلا بخت نصر يهوياقيم الملك ومعه أعيان بني إسرائيل وكبراء بيت المقدس، وهم في زيادة على عشرة آلاف نفس، ساروا ومعهم نسخ المشنا التي كتبت لسائر ملوك بني إسرائيل بأجمعها إلى بلاد المشرق، فلما سار بخت نصر من باب الكرة الثانية لغزو القدس، وخربه، وجلا جميع من فيه وفي بلاد بني إسرائيل من الأسباط الاثني عشر إلى باب أقاموا بها، وبقي القدس خرابا لا ساكن فيه مدة سبعين سنة، ثم عادوا من بابل بعد سبعين سنة وعمروا القدس، وجددوا بناء البيت ثانيا ومعهم جميع نسخ المشنا التي خرجوا بها أولا.
فلما مضت من عمارة البيت الثاني بعد الجلاية ثلاثمائة ونيف من السنين، اختلف بنو إسرائيل في دينهم اختلافا كثيرا، فخرج طائفة من آل داود عليه السلام من بيت المقدس وساروا إلى الشرق، كما فعل آباؤهم أولا، وأخذوا معهم نسخا من المشنا التي كتبت للملوك من مشنا موسى التي بخطه، وعملوا بما فيها ببلاد الشرق، من حين خرجوا من القدس إلى أن جاء الله بدين الإسلام، وقدم عانان رأس الجالوت من المشرق إلى العراق في خلافة أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور، سنة ست وثلاثين ومائة من سني الهجرة المحمدية.

(3/250)


وأما الذين أقاموا بالقدس من بني إسرائيل بعد خروج من ذكرنا إلى الشرق من آل داود، فإنهم لم يزالوا في افتراق واختلاف في دينهم إلى أن غزاهم طيطش، وخرب القدس الخراب الثاني بعد قتل يحيى بن زكريا ورفع المسيح عيسى ابن مريم عليهما السلام، وسبى جميع من فيه وفي بلاد بني إسرائيل بأسرهم، وغيب نسخ المشنا التي كانت عندهم، بحيث لم يبق معهم من كتب الشريعة سوى التوراة، وكتب الأنبياء، وتفرق بنو إسرائيل من وقت تخريب طيطش بيت المقدس في أقطار الأرض، وصاروا ذمة إلى يومنا هذا، ثم إن رجلين ممن تأخرا إلى قبيل تخريب القدس يقال لهما شماي وهلال، نزلا مدينة طبرية وكتبا كتابا سمياه مشنا، باسم مشنا موسى عليه السلام، وضمنا هذا المشنا الذي وضعاه أحكام الشريعة، ووافقهما على وضع ذلك عدة من اليهود، وكان شماي وهلال في زمن واحد، وكانا في أواخر مدة تخريب البيت الثاني، وكان لهلال ثمانون تلميذا، أصغرهم يوحانان بن زكاي، وأدرك يوحانان بن زكاي خراب البيت الثاني على يد طيطش، وهلال وشماي أقوالهما مذكورة في المشنا، وهي في ستة أسفار تشتمل على فقه التوراة، وإنما رتبها النوسي من ولد داود النبي بعد تخريب طيطش للقدس بمائة وخمسين سنة، ومات شماي وهلال ولم يكملا المشنا فأكمله رجل منهم يعرف بيهودا من ذرية هلال وحمل اليهود على العمل بما في هذا المشنا، وحقيقته أنه يتضمن كثيرا مما كان في مشنا النبي موسى عليه السلام، وكثيرا من آراء أكابرهم. فلما كان بعد وضع هذا المشنا بنحو خمسين سنة، قام طائفة من اليهود يقال لهم السنهدوين، ومعنى ذلك الأكابر، وتصرفوا في تفسير هذا المشنا برأيهم، وعملوا عليه كتابا اسمه التلمود، أخفوا فيه كثيرا مما كان في ذلك المشنا، وزادوا فيه أحكاما من رأيهم، وصاروا منذ وضع هذا التلمود الذي كتبوه بأيديهم وضمنوه ما هو من رأيهم ينسبون ما فيه إلى الله تعالى، ولذلك ذمهم الله في القرآن الكريم بقوله تعالى: " فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون " " البقرة 79 " وهذا التلمود نسختان مختلفتان في الأحكام، والعمل إلى اليوم على هذا التلمود عند فرقة الربانيين بخلاف القرائين، فإنهم لا يعتقدون العمل بما في هذا التلمود. فلما قدم عانان رأس الجالوت إلى العراق، أنكر على اليهود عملهم بهذا التلمود، وزعم أن الذي بيده هو الحق، لأنه كتب من النسخ التي كتبت من مشنا موسى عليه السلام الذي بخطه، والطائفة الربانيون، ومن وافقهم لا يعولون من التوراة التي بأيديهم إلا على ما في هذا التلمود، وما خلف ما في التلمود لا يعبأون به، ولا يعولون عليه، كما أخبر تعالى إذ يقول حكاية عنهم: " إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون " " الزخرف 22 " ومن اطلع على ما بأيديهم وما عندهم من التوراة تبين له أنهم ليسوا على شيء، وأنهم إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس، ولذلك لما نبغ فيهم موسى بن ميمون القرطبي، عولوا على رأيه، وعملوا بما في كتاب الدلالة وغيره من كتبه، وهم على رأيه إلى زمننا.
فرق اليهود
الآن

(3/251)


اعلم أن اليهود الذين قطعهم الله في الأرض أمما أربع فرق، كل فرقة تخطيء الطوائف الأخر، وهي طائفة الربانيين، وطائفة القرائين، وطائفة العانانية، وطائفة السمرة. وهذا الاختلاف حدث لهم بعد تخريب بخت نصر بيت المقدس وعودهم من أرض بابل بعد الجلاية إلى القدس، وعمارة البيت ثانيا. وذلك أنهم في إقامتهم بالقدس أيام العمارة الثانية افترقوا في دينهم، وصاروا شيعا. فلما ملكهم اليونان بعد الإسكندر بن فيلبش، وقام بأمرهم في القدس هورقانوس بن شمعون بن مشيثا، واستقام أمره فسمي ملكا، وكان قبل ذلك هو وجميع من تقدمه ممن ولي أمر اليهود في القدس بعد عودهم من الجلاية إنما يقال له الكوهن الأكبر، فاجتمع لهورقانوس منزلة الملك ومنزلة الكهونية، واطمأن اليهود في أيامه وأمنوا سائر أعدائهم من الأمم، فبطروا معيشتهم واختلفوا في دينهم وتعادوا بسبب الاختلاف، وكان من جملة فرقهم إذ ذاك طائفة يقال لهم الفروشيم، ومعناه المعتزلة، ومن مذهبهم القول بما في التوراة على معنى ما فسره الحكماء من أسلافهم. وطائفة يقال لهم الصدوفية بفاء، نسبوا إلى كبير لهم يقال له صدوف، ومذهبهم القول بنص التوراة وما دل عليه القول الإلهي فيها دون ما عداه من الأقوال، وطائفة يقال لهم الجسديم، ومعناه الصلحاء، ومذهبهم الاشتغال بالنسك وعبادة الله سبحانه والأخذ بالأفضل والأسلم في الدين، وكانت الصدوفية تعادي المعتزلة عداوة شديدة، وكان الملك هورقانوس أولا على رأي المعتزلة، وهو مذهب آبائه، ثم إنه رجع إلى مذهب الصدوفية وباين المعتزلة وعاداهم، ونادى في سائر مملكته بمنع الناس جملة من تعلم رأي المعتزلة، والأخذ عن أحد منهم، وتتبعهم وقتل منهم كثيرا. وكانت العامة بأسرها مع المعتزلة، فثارت الشرور بين اليهود واتصلت الحروب بينهم، وقتل بعضهم بعضا إلى أن خرب البيت على يد طيطش الخراب الثاني بعد رفع عيسى صلوات الله عليه، وتفرق اليهود من حينئذ في أقطار الدنيا وصاروا ذمة، والنصارى تقتلهم حيثما ظفرت بهم إلى أن جاء الله بالملة الإسلامية، وهم في تفرقهم ثلاث فرق، الربانيون والقراء والسمرة.
فأما الربانية: فيقال هم بنو مشنو، ومعنى مشنو الثاني، وقيل لهم ذلك لأنهم يعتبرون أمر البيت الذي بني ثانيا بعد عودهم من الجلاية وخربه طيطش وينزلونه في الاحترام والإكرام والتعظيم منزلة البيت الأول الذي ابتدأ عمارته داود وأتمه ابنه سليمان عليهما السلام، وخربه بخت نصر. فصار كأنه يقال لهم أصحاب الدعوة الثانية، وهذه الفرقة هي التي كانت تعمل بما في المشنا الذي كتب بطبرية بعد تخريب طيطش القدس، وتعول في أحكام الشريعة على ما في التلمود إلى هذا الوقت الذي نحن فيه، وهي بعيدة عن العمل بالنصوص الإلهية متبعة لآراء من تقدمها من الأحبار، ومن اطلع على حقيقة دينها، تبين له أن الذي ذمهم الله به في القرآن الكريم حق لا مرية فيه، وأنه لا يصح لهم من اسم اليهودية إلا مجرد الانتماء فقط، لا إنهم في الإتباع على الملة الموسوية، لا سيما منذ ظهر فيهم موسى بن ميمون القرطبي بعد الخمسمائة من سني الهجرة المحمدية، فإنه ردهم مع ذلك معطلة، فصاروا في أصول دينهم وفروعه أبعد الناس عما جاء به أنبياء الله تعالى من الشرائع الإلهية.
وأما القراء: فإنهم بنو مقرا، ومعنى مقرا الدعوة، وهم لا يعولون على البيت الثاني جملة، ودعوتهم إنما هي لما كان عليه العمل مدة البيت الأول، وكان يقال لهم أصحاب الدعوة الأولى، وهم يحكمون نصوص التوراة ولا يلتفتون إلى قول من خالفها، ويقفون مع النص دون تقليد من سلف، وهم مع الربانيين من العداوة بحيث لا يتناكحون ولا يتجاورون ولا يدخل بعضهم كنيسة بعض، ويقال للقرائين أيضا المبادية، لأنهم كانوا يعملون مبادي الشهور من الاجتماع الكائن بين الشمس والقمر، ويقال لهم أيضا الأسمعية، لأنهم يراعون العمل بنصوص التوراة دون العمل بالقياس والتقليد.

(3/252)


وأما العانانية: فإنهم ينسبون إلى عانان رأس الجالوت الذي قدم من المشرق في أيام الخليفة أبي جعفر المنصور، ومعه نسخ المشنا الذي كتب من الخط الذي كتب من خط النبي موسى، وأنه رأى ما عليه اليهود من الربانيين والقرائين يخالف ما معه، فتجرد لخلافهم وطعن عليهم في دينهم، وازدرى بهم، وكان عظيما عندهم يرون أنه من ولد داود عليه السلام، وعلى طريق فاضلة من النسك على مقتضى ملتهم، بحيث يرون أنه لو ظهر في أيام عمارة البيت لكان نبيا، فلم يقدروا على مناظرته، لما أوتي مع ما ذكرنا من تقريب الخليفة له وإكرامه، وكان مما خالف فيه اليهود استعمال الشهور برؤية الأهلة على مثل ما شرع في الملة الإسلامية، ولم يبال في أي يوم وقع من الأسبوع، وترك حساب الربانيين وكبس الشهور وخطأهم في العمل بذلك، واعتمد على كشف زرع الشعير، وأجمل القول في المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام، وأثبت نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وقال: " هو نبي أرسل إلى العرب، إلا أن التوراة لم تنسخ، والحق أنه أرسل إلى الناس كافة صلى الله عليه وسلم.
ذكر السمرة: اعلم أن طائفة السمرة ليسوا من بني إسرائيل البتة، وإنما هم قوم قدموا من بلاد المشرق وسكنوا بلاد الشام وتهودوا، ويقال أنهم من بني سامرك بن كفركا بن رمي، وهو شعب من شعوب الفرس، خرجوا إلى الشام ومعهم الخيل والغنم والإبل والقسي والنشاب والسيوف والمواشي، ومنهم السمرة الذين تفرقوا في البلاد. ويقال أن سليمان بن داود لما مات افترق ملك بني إسرائيل من بعده، فصار رحبعم بن سليمان على سبط يهودا بالقدس، وملك يربعم بن نياط على عشرة أسباط من بني إسرائيل، وسكن خارجا عن القدس، واتخذ عجلين دعا الأسباط العشرة إلى عبادتهما من دون الله إلى أن مات، فولي ملك بني إسرائيل من بعده عدة ملوك على مثل طريقته في الكفر بالله وعبادة الأوثان، إلى أن ملكهم عمري بن نوذب من سبط منشا بن يوسف، فاشترى مكانا من رجل اسمه شامر بقنطار فضة، وبنى فيه قصرا وسماه باسم اشتقه من اسم شامر الذي اشترى منه المكان، وصير حول هذا القصر مدينة وسماها مدينة شمرون، وجعلها كرسي ملكه إلى أن مات، فاتخذها ملوك بني إسرائيل من بعده مدينة للملك، وما زالوا فيها إلى أن ولي هوشاع بن إيلا، وهم على الكفر بالله، وعبادة وثن بعل وغيره من الأوثان، مع قتل الأنبياء، إلى أن سلط الله عليهم سنجاريب ملك الموصل، فحاصرهم بمدينة شمرون ثلاث سنين، وأخذ هوشاع أسيرا وجلاه ومعه جميع من في شمرون من بني إسرائيل، وأنزلهم بهراه وبلخ ونهاوند وحلوان، فانقطع من حينئذ ملك بني إسرائيل من مدينة شمرون بعدما ملكوا من بعد سليمان عليه السلام مدة مائتي سنة وإحدى وخمسين سنة، ثم إن سنجاريب ملك الموصل نقل إلى شمرون كثيرا من أهل كوشا وبابل وحماه، وأنزلهم فيها ليعمروها، فبعثوا إليه يشكون من كثرة هجوم الوحش عليهم يشمرون، فسير إليهم من علمهم التوراة، فتعلموها على غير ما يجب، وصاروا يقرؤونها ناقصة أربعة أحرف، الألف والهاء والخاء والعين، فلا ينطقون بشيء من هذه الأحرف في قراءتهم التوراة، وعرفوا بين الأمم بالسامرة لسكناهم بمدينة شمرون.

(3/253)


وشمرون هذه هي مدينة نابلس، وقيل لها سمرون بسين مهملة، ولسكانها سامرة، ويقال معنى السمرة حفظة ونواطير، فلم تزل السمرة بنابلس إلى أن غزا بخت نصر القدس وأجلى اليهود منه إلى بابل، ثم عادوا بعد سبعين سنة وعمروا البيت ثانيا إلى أن قام الإسكندر من بلاد اليونان، وخرج يريد غزو الفرس، فمر على القدس وخرج منه يريد عمان، فاجتاز على نابلس وخرج إليه كبير السمرة بها، وهو سنبلاط السامري، فأنزله وصنع له ولقواده وعظماء أصحابه صنيعا عظيما، وحمل إليه أموالا جمة وهدايا جليلة، واستأذنه في بناء هيكل لله على الجبل الذي يسمى عندهم طوربريك، فأذن له وسار عنه إلى محاربة دارا ملك الفرس، فبنى سنبلاط هيكلا شبيها بهيكل القدس، ليستميل به اليهود، وموه عليهم بأن طوربريك هو الموضع الذي اختاره الله تعالى وذكره في التوراة بقوله فيها: اجعل البركة على طوربريك، وكان سنبلاط قد زوج ابنته بكاهن من كهان بيت المقدس يقال له منشا، فمقت اليهود منشا على ذلك، وأبعدوه وحطوه عن مرتبته عقوبة له على مصاهرة سنبلاط، فأقام سنبلاط منشا زوج ابنته كاهنا في هيكل طوربريك، وآتته طوائف من اليهود وضلوا به، وصاروا يحجون إلى هيكله في الأعياد، ويقربون قرابينهم إليه، ويحملون إليه نذورهم وأعشارهم، وتركوا قدس الله وعدلوا عنه فكثرت الأموال في هذا الهيكل، وصار ضد البيت المقدس، واستغنى كهنته وخدامه وعظم أمر منشا وكبرت حالته. فلم تزل هذه الطائفة تحج إلى طور بريك حتى كان زمن هورقانوس بن شمعون الكوهن، من بني حثمتاي في بيت المقدس، فسار إلى بلاد السمرة ونزل على مدينة نابلس وحصرها مدة وأخذها عنوة، وخرب هيكل طور بريك إلى أساسه، وكانت مدة عمارته مائتي سنة، وقتل من كان هناك من الكهنة، فلم تزل السمرة بعد ذلك إلى يومنا هذا تستقبل في صلاتها حيثما كانت من الأرض طور بريك بجبل نابلس، ولهم عبادات تخالف ما عليه اليهود، ولهم كنائس في كل بلد تخصهم، والسمرة ينكرون نبوة داود ومن تلاه من الأنبياء، وأبوا أن يكون بعد موسى عليه السلام نبي وجعلوا رؤساءهم من ولد هارون عليه السلام، وأكثرهم يسكن في مدنية نابلس، وهم كثير في مدائن الشام، ويذكر أنهم الذين يقولون لا مساس، ويزعمون أن نابلس هي بيت المقدس، وهي مدينة يعقوب عليه السلام، وهناك مراعيه.
وذكر المسعودي أن السمرة صنفان متباينان، أحدهما يقال له الكوشان، والآخر الروشان، أحد الصنفين يقول بقدم العالم. والسامرة تزعم أن التوراة التي في أيدي اليهود ليست التوراة التي أوردها موسى عليه السلام ويقولون توراة موسى حرفت وغيرت وبدلت، وأن التوراة هي ما بأيديهم دون غيرهم. وذكر أبو الريحان محمد بن أحمد البيروتي أن السامرة تعرف بالأمساسية. قال: وهم الأبدال الذين بدلهم بخت نصر بالشام حين أسر اليهود وأجلاها، وكانت السامرة أعانوه ودلوه على عورات بني إسرائيل، فلم يحاربهم ولم يقتلهم ولم يسبهم وأنزلهم فلسطين من تحت يده، ومذاهبهم ممتزجة من اليهودية والمجوسية، وعامتهم يكونون بموضع من فلسطين يسمى نابلس، وبها كنائسهم، ولا يدخلون حد بيت المقدس منذ أيام داود النبي عليه السلام، لأنهم يدعون إنه ظلم واعتدى وحول الهيكل المقدس من نابلس إلى إيليا، وهو بيت المقدس، ولا يمسون الناس، وإذا مسوهم اغتسلوا، ولا يقرون بنبوة من كان بعد موسى عليه السلام من أنبياء بني إسرائيل.
وفي شرح الإنجيل: إن اليهود انقسمت بعد أيام داود إلى سبع فرق.
الكتاب: وكانوا يحافظون على العادات التي أجمع عليها المشايخ مما ليس في التوراة.
والمعتزلة: وهم الفريسيون، وكانوا يظهرون الزهد ويصومون يومين في الأسبوع، ويخرجون العشر من أموالهم، ويجعلون خيوط القرمز في رؤوس ثيابهم، ويغسلون جميع أوانيهم، ويبالغون في إظهار النظافة.
والزنادقة: وهم من جنس السامرة، وهم من الصدوفية، فيكفرون بالملائكة والبعث بعد الموت وبجميع الأنبياء ما خلا موسى فقط، فإنهم يقرون بنبوته.
والمتظهرون: وكانوا يغتسلون كل يوم ويقولون لا يستحق حياة الأبد إلا من يتطهر كل يوم.
والإسابيون: ومعناه الغلاظ الطباع، وكانوا يوجبون جميع الأوامر الإلهية، وينكرون جميع الأنبياء سوى موسى عليه السلام، ويتعبدون بكتب غير الأنبياء.

(3/254)


والمتقشفون: وكانوا يمنعون أكثر المآكل وخاصة اللحم، ويمنعون من التزوج بحسب الطاقة، ويقولون بأن التوراة ليست كلها لموسى، ويتمسكون بصحف منسوبة إلى أخنوخ وإبراهيم عليه السلام، وينظرون في علم النجوم ويعملون بها.
والهيرذوسيون: سموا أنفسهم بذلك لموالاتهم هيرذوس ملكهم، وكانوا يتبعون التوراة ويعملون بما فيها انتهى.
وذكر يوسف بن كريون في تاريخه أن اليهود كانوا في زمن ملكهم هورقانوس، يعني في زمن بناء البيت بعد عودهم من الجلاية ثلاث فرق: الفروشيم: ومعناه المعتزلة، ومذهبهم القول بما في التوراة وما فسره الحكماء من سلفهم. والصدوفية: أصحاب رجل من العلماء يقال له صدوف، ومذهبهم القول بنص التوراة وما دلت عليه دون غيره. والجسديم ومعناه الصلحاء، وهم المشتغلون بالعبادة والنسك، الآخذون في كل أمر بالأفضل والأسلم في الدين انتهى. وهذه الفرقة أصل فرقتي الربانيين والقراء.
فصل: زعم بعضهم أن اليهود عانانية وشمعونية، نسبة إلى شمعون الصديق، ولي القدس عند قدوم أبي الإسكندر، وجالوتية وفيومية وسامرية وعكبرية وأصبهانية وعراقية ومغاربة وشرشتانية وفلسطينية ومالكية وربانية. فالعانانية تقول بالتوحيد والعدل ونفي التشبيه، والشمعونية تشبه، وتبالغ الجالوتية في التشبيه، وأما الفيومية فإنها تنسب إلى أبي سعيد الفيومي، وهم يفسرون التوراة على الحروف المقطعة. والسامرية ينكرون كثيرا من شرائعهم ولا يقرون بنبوة من جاء بعد يوشع، والعكبرية أصحاب أبي موسى البغدادي العكبري، وإسماعيل العكبري، يخالفون أشياء من السبت وتفسير التوراة، والأصبهانية أصحاب أبي عيسى الأصبهاني، وادعى النبوة وأنه عرج به إلى السماء فمسح الرب على رأسه، وإنه رأى محمدا صلى الله عليه وسلم فآمن به، ويزعم يهود أصبهان أنه الدجال، وأنه يخرج من ناحيتهم، والعراقية تخالف الخراسانية في أوقات أعيادهم ومدد أيامهم، والشرشتانية أصحاب شرشتان، زعم أنه ذهب من التوراة ثمانون سوقة، أي آية، وادعى أن للتوراة تأويلا باطنا مخالفا للظاهر، وأما يهود فلسطين فزعموا أن العزير ابن الله تعالى، وأنكر أكثر اليهود هذا القول، والمالكية تزعم أن الله تعالى لا يحيى يوم القيامة من الموتى إلا من احتج عليه بالرسل والكتب، ومالك هذا هو تلميذ عانان. والربانية تزعم أن الحائض إذا مست ثوبا بين ثياب وجب غسل جميعها، والعراقية تعمل رؤس الشهور بالأهلة، وآخرون بالحساب يعملون والله أعلم.
فصل: وهم يوجبون الإيمان بالله وحده وبموسى عليه السلام وبالتوراة، ولا بد لهم من درسها وتعلمها، ويغتسلون ويتوضؤون ولا يمسحون رؤوسهم في وضوئهم، ويبدؤون بالرجل اليسرى، وفي شيء منه خلاف بينهم، وعانان يرى أن الاستنجاء قبل الوضوء، ويرى أشمعث أن الاستنجاء بعد الوضوء، ولا يتوضؤون بما تغير لونه أو طعمه أو ريحه، ولا يجيزون الطهارة من غدير ما لم يكن عشرة أذرع في مثلها، والنوم قاعدا لا ينقض الوضوء عندهم ما لم يضع جنبه الأرض، إلا العانانية فإن مطلق النوم عندهم ينقض، ومن أحدث في صلاته من قيء أو رعاف أو ريح انصرف وتوضأ وبنى على صلاته، ولا تجوز صلاة الرجل في أقل من ثلاثة أثواب، قميص وسراويل وملاءة يتردى بها، فإن لم يجد الملاءة صلى جالسا، فإن لم يجد القميص والسراويل صلى بقلبه، ولا تجوز صلاة المرأة في أقل من أربعة أثواب، وعليهم فريضة ثلاث صلوات في اليوم والليلة، عند الصبح وبعد الزوال إلى غروب الشمس ووقت العتمة إلى ثلث الليل، ويسجدون في دبر كل صلاة سجدة طويلة، وفي يوم السبت وأيام الأعياد يزيدون خمس صلوات على تلك الثلاث. ولهم خمسة أعياد: عيد الفطر: وهو الخامس عشر من نيسن، يقيمون سبعة أيام لا يأكلون سوى الفطير، وهي الأيام التي تخلصوا فيها من فرعون وأغرقه الله.
وعيد الأسابيع: بعد الفطير بسبعة أسابيع، وهو اليوم الذي كلم الله تعالى فيه بني إسرائيل من طور سيناء.
وعيد رأس الشهر: وهو أول تشري، وهو الذي فدى فيه إسحاق عليه السلام من الذبح، ويسمونه عيد رأس هشايا، أي رأى الشهر. وعيد صوماريا: يعني الصوم العظيم.

(3/255)


وعيد المظلة: يستظلون سبعة أيام بقضبان الآس والخلاف. ويجب عليهم الحج في كل سنة ثلاث مرات لما كان الهيكل عامرا، ويوجبون صوم أربعة أيام. أولها: سابع عشر تموز من الغروب إلى الغروب، وعند العانانية هو اليوم الذي أخذ فيه بخت نصر البيت. والثاني: عشر آب. والثالث: عاشر كانون الأول. والرابع: ثالث عشر آذار. ويتشددون في أمر الحائض بحيث يعتزلونها وثيابها وأوانيها وما مسته من شيء فإنه ينجس ويجب غسله، فإن مست لحم القربان أحرق بالنار، ومن مسها أو شيئا من ثيابها وجب عليه الغسل، وما عجنته أو خبزته أو طبخته أو كسلته فكله نجس حرام على الطاهرين حل للحيض، ومن غسل ميتا نجس سبعة أيام لا يصلي فيها، وهم يغسلون موتاهم ولا يصلون عليهم، ويوجبون إخراج العشر من جميع ما يملك، ولا يجب حتى يبلغ وزنه أو عدده مائة، ولا يخرج العشر إلا مرة واحدة، ثم لا يعاد إخراجه، ولا يصح النكاح عندهم إلا بولي وخطبة وثلاثة شهود ومهر مائتي درهم للبكر، ومائة للثيب لا أقل من ذلك، ويحضر عند عقد النكاح كأس خمر وباقة مرسين، فيأخذ الإمام الكأس ويبارك عليه ويخطب خطبة النكاح ثم يدفعه إلى الختن ويقول: قد تزوجت فلانة بهذه الفضة أو بهذا الذهب وهو خاتم في يده، وبهذا الكأس من الخمر، وبمهر كذا، ويشرب جرعة من الخمر، ثم ينهضون إلى المرأة ويأمرونها أن تأخذ الخاتم والمرسين والكأس من يد الختن، فإذا أخذت وشربت جرعة وجب عقد النكاح، ويضمن أولياء المرأة البكارة، فإذا زفت إليه وكل الولي من يقف بباب الخلوة وقد فرشت ثياب بيض حتى يشاهد الوكيل الدم، فإن لم توجد بكرا رجمت، ولا يجوز عندهم نكاح الإماء حتى يعتقن، ثم ينكحن، والعبد يعتق بعد خدمته لسنين معلومة، وهي ست سنين، ومنهم من يجوز بيع صغار أولاده إذا احتاج، ولا يجوزون الطلاق إلا بفاحشة أو سحر أو رجوع عن الدين، وعلى من طلق خمسة وعشرون درهما للبكر، ونصف ذلك للثيب، وينزل في كتابها طلاقها بعد أن يقول الزوج أنت طالق مني مائة مرة، ومختلعة مني، وفي سعة أن تتزوجي من شئت، ولا يقع طلاق الحامل أبدا، نعم، إلا أن يجوزوه ويراجع الرجل امرأته ما لم تتزوج، فإن تزوجت حومت عليه إلى الأبد. والخيار بين المتبايعين ما لم ينقل المبيع إلى البائع. والحدود عندهم على خمسة أوجه، حرق ورجم وقتل وتعزير وتغريم، فالحرق على من زنى بأم امرأته أو ربيبته أو بامرأة أبيه أو امرأة ابنه، والقتل على من قتل. والرجم على المحصن إذا زنى أو لاط، وعلى المرأة إذا مكنت من نفسها بهيمة. والتعزير على من قذف، والتغريم على من سرق، ويرون أن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر.
وعندهم أن من أتى بشيء من سبعة وثلاثين عملا في يوم السبت أو ليلته استحق القتل وهي: كرب الأرض، وزرعها، وحصاد الزرع، وسياقة الماء إلى الزرع، وحلب اللبن، وكسر الحطب، وإشعال النار، وعجن العجين، وخبزه، وخياطة الثوب، وغسله، ونسج سلكين، وكتابة حرفين أو نحوهما، وأخذ الصيد، وذبح الحيوان، والخروج من القرية، والانتقال من بيت إلى آخر، والبيع، والشراء، والدف، والطحن، والاحتطاب، وقطع الخبز، ودق اللحم، وإصلاح النعل إذا انقطعت، وخلط علف الدابة، ولا يجوز للكاتب أن يخرج يوم السبت من منزله ومعه قلمه، ولا الخياط ومعه إبرته، وكل من عمل شيئا استحق به القتل فلم يسلم نفسه فهو ملعون.
قبط مصر
ودياناتهم القديمة، وكيف تنصروا ثم صاروا ذمة للمسلمين، وما كان لهم في ذلك من القصص والأنباء، وذكر الخبر عن كنائسهم ودياراتهم، وكيف كان ابتداؤها ومصير أمرها

(3/256)


اعلم أن جميع أهل الشرائع اتباع الأنبياء عليهم السلام من المسلمين واليهود والنصارى قد أجمعوا على أن نوحا عليه السلام هو الأب الثاني للبشر، وأن العقب من آدم عليه السلام انحصر فيه، ومنه ذرأ الله تعالى جميع أولاد آدم، فليس أحد من بني آدم إلا وهو من أولاد نوح، وخالفت القبط والمجوس وأهل الهند والصين ذلك، فأنكروا الطوفان وزعم بعضهم أن الطوفان إنما حدث في إقليم بابل وما وراءه من البلاد الغربية فقط، وأن أولاد كيومرت الذي هو عندهم الإنسان الأول كانوا بالبلاد الشرقية من بابل، فلم يصل الطوفان إليهم ولا إلى الهند والصين. والحق ما عليه أهل الشرائع، وأن نوحا عليه السلام لما أنجاه الله ومن معه بالسفينة نزل بهم وهم ثمانون رجلا سوى أولاده، فماتوا بعد ذلك ولم يعقبوا، وصار العقب من نوح في أولاده الثلاثة، ويؤيد هذا قول الله تعالى عن نوح: " وجعلنا ذريته هم الباقين " " الصافات 77 " وكان من خبر ذلك أن أولاد نوح الثلاثة، وهم سام وحام ويافث اقتسموا الأرض. فصار لبني سام بن نوح أرض العراق وفارس إلى الهند، ثم إلى حضرموت وعمان والبحرين. وعالج ويبرين ووبار والدو والد هنا وجميع أرض اليمن وأرض الحجاز.
وصار لبني حام بن نوح جنوب الأرض مما يلي أرض مصر مغربا إلى بلاد المغرب الأقصى.
وصار لبني يافث بن نوح بحر الخزر مشرقا إلى الصين.
فكان من ذرية سام بن نوح القضاعيون والفرس والسريانيون والعبرانيون والعرب المستعربة والنبط وعاد وثمود والأمورانيون والعماليق وأمم الهند وأهل السند وعدة أمم قد بادت.
وكانت ذرية حام بن نوح من أربعة أولاده الذين هم: كوش ومصرايم وقفط وكنعان، فمن كوش الحبشة والزنج، ومن مصرايم قبط مصر والنوبة، ومن قفط الأفارقة أهل إفريقية ومن جاورهم إلى المغرب الأقصى، ومن كنعان أمم كانت بالشام حاربهم موسى بن عمران عليه السلام وقومه من بني إسرائيل، ومنهم أجناس عديدة من البربر درجوا. وكانت مساكن بني حام من صيدا إلى أرض مصر، ثم إلى آخر إفريقية نحو البحر المحيط، وانتشروا فيما بين ذلك إلى الجنوب وهم ثلاثون جنسا.
وكان من ذرية يافث بن نوح: الصقلب والفرنجة والغالليون من قبائل الروم والغوط وأهل الصين وقوم عرفوا بالمادنيين واليونانيون والروم الفريقيون وقبائل الأتراك ويأجوج ومأجوج وأهل قبرس ورودس، وعدة بني يافث خمسة عشر جنسا، سكنوا القطر الشمالي إلى البحر المحيط، فضاقت بهم بلادهم ولم تسعهم لكثرتهم، فخرجوا منها وتغلبوا على كثير من بلاد بني سام بن نوح.
وذكر الأستاذ إبراهيم بن وصيف شاه الكاتب، أن القبط تنسب إلى قبطيم بن مصرايم بن مصر بن حام بن نوح، وأن قبطيم أول من عمل العجائب بمصر وأثار بها المعادن وشق الأنهار لما ولي أرض مصر بعد أبيه مصرايم، وأنه لحق بلبلة الألسن، وخرج منها وهو يعرف اللغة القبطية، وأنه ملك مدة ثمانين سنة ومات، فاغتم لموته بنوه وأهله ودفنوه في الجانب الشرقي من النيل بسرب تحت الجبل الكبير، فقام من بعده في ملك مصر ابنه قفطيم بن قبطيم، وزعم بعض النسابة أن مصر بن حام بن نوح، ويقال له مصرايم، ويقال بل مصريم بن هرمس بن هردوس جد الإسكندر، وقيل بل قفط بن حام بن نوح نكح بخت بنت يتاويل بن ترسل بن يافث بن نوح، فولدت له بوقير، وقبط أبا قبط مصر. قال ابن إسحاق: ومن هاهنا قالوا إن مصر بن حام بن نوح، وإنما هو مصر بن هرمس بن هردوس بن ميطون بن رومي بن ليطي بن يونان، وبه سميت مصر، فهي مقدونية، وقيل القبط من ولد قبط بن مصر بن قفط بن حام بن نوح، وبمصر هذا سميت مصر.
ديانة القبط
قبل تنصرهم

(3/257)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية